مطارح الأنظار - ج4

- الشيخ أبي القاسم الكلانتري المزيد...
781 /
105

بالإجماعات القائمة (1) في موارد مخصوصة على وجوب الأخذ بالحالة السابقة كما في استصحاب الطهارة و النجاسة و الحدث و دخول الليل و النهار و الحياة و الوكالة، فحكموا (2) بجواز الدخول في الصلاة في الأوّل، و عدمه في الثاني على تقدير عدم العفو، و وجوب التطهير كما في الثالث، و جواز الأكل و عدمه في الرابع و الخامس، و عدم جواز قسمة أمواله بين ورثته و عدم جواز نكاح زوجته و استحقاقها النفقة و وجوب إحراز حصّة من مال مورّثه و جواز عتقه لو كان عبدا فيجزي عن الكفّارة في السادس، و جواز التصرّف في السابع، إلى غير ذلك من الموارد المختلفة المتشتّتة في أبواب الفقه عبادة و معاملة، فإن أريد أنّ ملاحظة هذه الموارد يفيد القطع بأنّ المناط على الحالة (3) السابقة الموجودة في غيرها، فخلافهم في باب الاستصحاب يكشف عن اختصاص كلّ واحد لعلّة غير جارية في الآخر، و إن أريد الظنّ فهو القياس الباطل، و إن أريد كثرتها على وجه يلحق المشكوك فهو في محلّ من المنع، و على تقديره فهو أيضا من القياس كما هو ظاهر.

و قد يتمسّك بأخبار خاصّة واردة في مقامات خاصة:

أحدها: ما رواه الشيخ عن ابن بكير

[عن أبيه‏] قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «إذا استيقنت أنّك قد توضّأت فإيّاك أن تحدث وضوء أبدا حتّى تستيقن أنّك قد أحدثت» (4) و دلالته على الاستصحاب في خصوص الوضوء واضحة جليّة غير قابلة للإنكار.

و ثانيها: رواية عبد اللّه بن سنان في الصحيح‏

قال: سأل رجل‏ (5) أبا عبد اللّه (عليه السّلام)- و أنا حاضر-: أنّي أعير الذمّي ثوبي و أنا أعلم أنّه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير،

____________

(1). «ز، ك»: بإجماعات قائمة.

(2). «ز، ك»: فيحكمون.

(3). «ز، ك»:- الحالة.

(4). التهذيب 1: 102، باب صفة الوضوء، ح 117؛ وسائل الشيعة 1: 247، باب 1 من أبواب نواقض الوضوء، ح 7 و ص 472، باب 43 من أبواب الوضوء، ح 1.

(5). في المصدر: أبي.

106

فيردّه عليّ، فأغسله قبل أن أصلّي فيه؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «صلّ فيه و لا تغسله من أجل ذلك، فإنّك أعرته إيّاه و هو طاهر و لم تستيقن أنّه نجّسه» (1) و هذه أيضا صريحة الدلالة على الاستصحاب في الطهارة مطلقا، لمكان التعليل.

و ثالثها: رواية ضريس في الصحيح‏

قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام)(2) عن السمن و الجبن نجده في أرض المشركين بالروم أ نأكله؟ قال: «أمّا ما علمت أنّه قد خلطه الحرام فلا تأكل، و أمّا ما لم تعلمه فكله حتّى تعلم أنّه حرام» (3).

و فيه: أنّ‏ (4) استفادة القطع بمطلق الاستصحاب من هذه الأخبار دعوى لا شاهد عليها، و الظنّ بأنّ المناط فيها على الاستصحاب و الحالة السابقة من استخراج العلّة ظنّا لا تعويل‏ (5) عليه، على أنّ الرواية الأخيرة ممّا لا شاهد فيها على المقصود.

فإن قلت: إنّ مقتضى عموم العلّة و سرايتها كما هي منصوصة في الرواية الثانية اعتبار مطلق الاستصحاب، لاعتبار القياس المنصوص.

قلت: و هذه غفلة واضحة؛ لأنّ قضيّة تسرية العلّة إلى غير محلّ النصّ هو الاشتراك في ذلك الحكم الذي علّق على موضوعه معلّلا بالعلّة المذكورة لا الحكم بما هو نظير لذلك الحكم فيما وجد فيه العلّة كما يظهر من ملاحظة الحكم بالحرمة في النبيذ لوجود السكر المعلّل به الحرمة في الخمر، و الحكم بثبوت الخيار فيما إذا شكّ فيه قياسا على ثبوت الطهارة، فإنّ نهاية ما يستفاد من تسرية الحكم في موارد العلّة هو الحكم بوجود مطلق الطهارة حين الشكّ فيها لا ثبوت الخيار؛ لأنّ بقاء الخيار ليس معلّقا على الأصل حتّى يثبت في الفرع لوجود العلّة.

____________

(1). التهذيب 2: 361، باب 17، ح 27؛ وسائل الشيعة 3: 521، باب 74، ح 1.

(2). «م»: عليه الصلاة و السلام.

(3). التهذيب 9: 79، باب الذبائح، ح 71؛ وسائل الشيعة 24: 235- 236، باب 24 من أبواب الأطعمة و الأشربة، ح 1؛ بحار الأنوار 2: 282، باب 32، ح 57.

(4). «ز، ك»:- أنّ.

(5). «ج، م»: و لا تعويل.

107

و قد يستدلّ بأخبار أخر أيضا لا دلالة فيها على الاستصحاب‏

في موردها أيضا، كالرواية الأخيرة، فإنّها ظاهرة في الشبهة الموضوعية الغير المسبوقة بالحالة السابقة كما هو محلّ البراءة، و مثل رواية عبد اللّه بن سنان المذكورة في مباحث البراءة، من قوله: «كلّ شي‏ء [يكون فيه حلال و حرام فهو] لك حلال [أبدا] حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه» (1) و عدم ارتباطها بالمقام ممّا لا ينبغي الكلام فيه.

و منها: ما قد اشتهرت روايته‏ (2) و لم نجدها في كتب الحديث على ما أفاده الأستاد- أديم ظلاله- من قوله: «كلّ ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (3) و قول الصادق (عليه السّلام) في موثقة عمّار: «كلّ شي‏ء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر» (4) و التقريب فيهما أنّ كلمة «قذر» فعل ماض، و حصول القذارة في الشي‏ء مسبوق بالعلم بالطهارة، فمفاد الروايتين طهارة كلّ ماء و نظافة كلّ شي‏ء علم طهارته أو نظافته حتّى يحصل العلم بقذارته و أنّه حصل فيه وصف القذارة، إلّا أنّ ذلك غير معيّن؛ لوجود احتمالات أخر في الرواية، بل و هو (5) أقبح الوجوه. و التحقيق أنّ الرواية الأخيرة يحتمل وجوها، فإنّ لفظة «قذر» يحتمل الماضوية، و الوصفية، و على الأوّل: يحتمل أن يكون المراد الشبهة الموضوعية فقط، أو الحكمية فقط، أو الأعمّ، و على الأخير: يحتمل الشبهة الموضوعية الغير المسبوقة بالعلم بالطهارة، أو الحكمية كذلك، أو الأعمّ كذلك، أو المسبوقة بالعلم بالطهارة في الموضوعات، أو في الأحكام، أو فيهما، أو الأعمّ من المسبوقة بالعلم و الغير المسبوقة على اختلاف احتمالاتها من الاختصاص بالموضوع، أو الحكم، أو الأعمّ منهما، فيرتقى‏

____________

(1). وسائل الشيعة 17: 87- 88، باب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 1، و 24: 236، باب 64 من أبواب الأطعمة و الأشربة، ح 2. و تقدّم في بحث البراءة ج 3، ص 359.

(2). «م»: روايتها.

(3). وسائل الشيعة 1: 133، باب 1 من أبواب الماء المطلق، ح 2، و فيه: «... طاهر إلّا ما علمت أنّه قذر» و 134، ح 5، و 142، باب 4، ح 2، و فيه: «الماء كلّه طاهر ...».

(4). وسائل الشيعة 3: 467، باب 37 من أبواب النجاسات، ح 4.

(5). «ز، ك»: هذا.

108

الاحتمال إلى ستّة عشر احتمالا يجمع أكثرها وجوه ثلاثة:

الأوّل: ما مرّ من كون «قذر» فعلا و كون المراد من الشي‏ء ما ثبتت نظافته، سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية أو الأعمّ منهما.

الثاني: أن يكون «قذر» صفة و يكون المراد بالشي‏ء الموضوعات الخارجية مع عدم سبقها بالعلم، فيكون المعنى: كلّ شي‏ء من الأمور الخارجية التي يشكّ في نجاستها و طهارتها فيحكم فيها بالطهارة حتّى تثبت فيها النجاسة، فتدلّ الرواية حينئذ على اعتبار العلم في الحكم بالنجاسة في الشبهات الموضوعية الخارجية، و لا دخل لها بالاستصحاب كما هو ظاهر، و كذا لو [كان‏] قذر أعمّ من المسبوق و غير المسبوق، فإنّ الحكم بعدم النجاسة فيما لم يعلم نجاسته أعمّ من الحكم بوجوب الأخذ بالحالة السابقة كما هو مفاد الاستصحاب، و مجرّد انطباق بعض موارده لموارد الاستصحاب غير قاض باعتبار الاستصحاب؛ لعدم دلالة عليه في الرواية، بل ذلك‏ (1) لعلّه ظاهر الاستحالة، فإنّ الحكم في هذه الرواية مناطه مجرّد الشكّ، و في الاستصحاب هو الشكّ مع الحالة السابقة، فدليل أحد الحكمين لا يمكن أن يستفاد منه الآخر، و لذلك لا يصحّ‏ (2) التمسّك بأدلّة البراءة أو بغيرها من أدلّة الأصول التي تنطبق مواردها في بعض الأحيان لمورد الاستصحاب لاعتبار الاستصحاب.

الثالث: أن يكون المراد من الشي‏ء العناوين الكلّية القابلة للحكم عليها بالطهارة كابن آوى‏ (3) و كلب الماء و الأرنب مثلا، أو النجاسة، فعند عدم العلم بحكمها الشرعي الواقعي لا بدّ من معاملة الطهارة معها حتّى يعلم شرعا أنّها قذر فيجتنب عنها، فتكون الرواية مختصّة بالشبهة الحكمية، و يحتمل الوجهين من المسبوقية و عدمها بالعلم بالطهارة إلّا أنّه لا يدلّ على تقدير التعميم على الاستصحاب؛ لما عرفت من‏

____________

(1). «ز، ك»: و ذلك.

(2). «ج، م»: ما صحّ.

(3). يسمّى بالفارسية «شغال» الصحاح 4: 2274.

109

اختلاف مناط القاعدتين، و الفرق بين هذا الاحتمال و سابقه ممّا لا يخفى، فإنّ الرافع للجهل في السابق هو معرفة ذات الشي‏ء من الرجوع إلى الواقع أو السؤال عن أهل الخبرة، بخلاف هذا الاحتمال فإنّ رافع الاشتباه هو الدليل الشرعي كما مرّ غير مرّة.

ثمّ إنّ هذه الوجوه المحتملة كلّها مشتركة في أنّ الحكم المأخوذ فيها هو الحكم الظاهري لمكان الغاية و إن اختلفت في أنّ مفاد الأوّل هو اعتبار قاعدة الاستصحاب، و مفاد الثاني و الثالث هو اعتبار العلم في الحكم بالنجاسة، فيكفي في الحكم بالطهارة عدم العلم بالنجاسة و الشكّ فيها و إن اختلفا أيضا في اختصاص الثاني بالموضوعية (1)، و الثالث بالحكمية.

و هل يمكن إرادة المعاني الثلاثة من الرواية بأخذ معنى عامّ شامل للوجوه الثلاثة مع ما عرفت في الأخيرين من الاحتمال، أو لا؟ وجهان: ذهب المحقّق القمي‏ (2) إلى العدم نظرا إلى اختلاف الشبهة الحكمية و الموضوعية في لزوم الفحص و عدمه، و في رفع الجهل فيهما، فإنّ الحكمية جهلها يرتفع بالدليل دون الموضوعية، و عدم حصول العلم الوجداني في الأحكام دون الموضوعات، فاستعمال الرواية فيها يوجب إرادة أكثر من معنى واحد مع عدم الجامع من اللفظ.

و زعم بعض الأجلّة إرادة المعاني الثلاثة من الرواية فقال: إنّا لا نلتزم بأنّها مستعملة في كلّ واحد من المعاني المذكورة على الاستقلال حتّى يلزم ما ذكره، بل في القدر المشترك بينهما كما بيّناه‏ (3)، انتهى.

فالمراد من الرواية أنّ الجزئيات الخارجية المجهولة حكما أو موضوعا، سواء كانت مسبوقة بالعلم أو لا، يحكم فيها بالطهارة حتّى يرتفع الجهل و يحصل العلم في كلّ واحد بحسبه، ففي الموضوعات بالرجوع إلى أهل الخبرة، و في الأحكام بالرجوع إلى‏

____________

(1). «ز، ك»: في الاختصاص بالموضوعية.

(2). القوانين 2: 64 و في ط: ص 271.

(3). الفصول: 373.

110

الأدلّة، و في الشبهة البدوية يرتفع الجهل، و في المسبوقة بالعلم يحصل اليقين بالخلاف، هذا على ما ذكره الزاعم المذكور.

و التحقيق على ما عرفت عدم جواز إرادة المعاني الثلاثة من الرواية مع جواز إرادة المعنيين الأخيرين منها.

أمّا الأوّل: فلانتفاء القدر الجامع بين المعاني الثلاثة؛ لما عرفت من أنّ مجرّد انطباق أحد الأصول للآخر موردا لا يصير منشأ لإرادة مفهومه من دليل الآخر بعد اختلاف مناطهما، و ما ذكره الزاعم المذكور و إن كان صحيحا إلّا أنّه لا يفيد إلّا الانطباق بحسب المورد (1)، و بعد اختلاف المناط لا يمكن إلقاء كلام واحد مفيد للمعنيين فإنّ الكلام في قاعدة الاستصحاب لا بدّ أن يكون مسوقا إلى بيان حال الطهارة السابقة و استمرارها لا لبيان الشكّ فيها من حيث كونه شكّا فقط على ما هو مناط الثاني.

و أمّا الثاني: فلوجود القدر المشترك بين المعنيين، فالمراد بالشي‏ء مطلق مجهول الحكم، سواء كان الجهل باعتبار شبهة خارجية أو شبهة حكمية، فالمعنى أنّ كلّ شي‏ء لم يعلم حكمه من الطهارة و النجاسة من أيّ قسم كان فهو محكوم بالطهارة الظاهرية إلى حصول العلم بنجاسته، و عمومه للمعنيين ظاهر، و ما ذكره المحقّق مانعا خارج عن طريقة استكشاف المرادات من الألفاظ كما لا يخفى.

ثمّ إنّ ما ذكرنا إنّما هو بحسب إمكان الإرادة، و أمّا أنّه هل هي ظاهرة (2) في المعنى الأوّل أو في الثاني أو في الأخيرين؟ فالظاهر ظهورها (3) في المعنى الثاني؛ لأنّ جهل‏ (4) الحكم و إن كان يسري إلى جهل الموضوع إلّا أنّه خلاف الظاهر، مضافا إلى أنّ المعصوم على ما هو (5) الظاهر من مساق الرواية إنّما هو في مقام إقعاد قاعدة يرجع إليها

____________

(1). «ك»: لا يفيد الانطباق إلّا بحسب الموارد.

(2). «ز، ك»: هو ظاهر.

(3). «ج، م»: هو ظهورها.

(4). «ز، ك»:- جهل.

(5). «ز، ك»: المعصوم كما هو.

111

و لو عند حضوره (عليه السّلام)، و الغالب هو الشبهة الموضوعية، فإنّ الجهل الحكمي غالبا يرتفع بالسؤال عنهم (عليهم السّلام)، و أمّا إرادة المعنى الأوّل ففي غاية البعد كما لا يخفى، هذا تمام الكلام في الرواية الأخيرة.

و أمّا الرواية الأولى فاحتمل المحقّق القمي‏ (1) فيها الوجوه المذكورة، إلّا أنّه يمكن أن يقال: إنّه غير مستقيم؛ لأنّ القاعدة إنّما يحسن جعلها لموارد (2) الاشتباه، و من المعلوم بداهة عدم الاشتباه في الماء، لا في طبيعة الماء (3) و لا في أفراده، فلا بدّ من الحمل على بيان الحكم الظاهري من جهة الشكّ في عروض المزيل، فينطبق‏ (4) على الاستصحاب.

و فيه: أنّ الاشتباه لا ينحصر (5) فيما يزعمه‏ (6)؛ إذ قد يحصل باعتبار العوارض، فإنّ له أفراد (7) مختلفة بحسب ما يعرضه من الحالات من ملاقاته بالنجس مغيّرا له أو غيره، و من كونه قليلا أو كثيرا، جاريا أو محقونا، و يشاهد ذلك في الكرّ المتنجّس إذا شكّ في تطهيره بإلقاء كرّ عليه، فإنّ قضيّة (8) القاعدة هو الحكم بالطهارة و إن كانت‏ (9) قضيّة الاستصحاب خلافه. ثمّ إنّ الماء الذي هو مسبوق بالعلم بالنجاسة عند الشكّ في طهارته و نجاسته هل هو داخل فيما بعد الغاية نظرا إلى أنّ العلم أعمّ من الحاصل قبل الشكّ و بعده كما لعلّه يظهر من سيّد الرياض، أو فيما قبله؛ لأنّ الرواية منساقة إلى بيان حكم المشكوك، فتشتمل‏ (10) موارد الشكّ بأجمعها و هو الظاهر؟ وجهان، إلّا أنّ الاستصحاب حاكم على الأصل المذكور كما ستعرف إن شاء اللّه في محلّه‏ (11).

فتلخّص من جميع ما مرّ أنّ هذه الروايات لا دلالة فيها على الاستصحاب في‏

____________

(1). القوانين 2: 63- 64 و في ط: ص 271- 272.

(2). «ك»: في الموارد.

(3). «ز، ك»: طبيعته.

(4). «ج، م»: فتطبق.

(5). «ج، م»: لا تنحصر.

(6). «ج، ك»: زعمه.

(7). كذا في النسخ و لعلّ الصواب: أفرادا.

(8). «ز، ك»: مقتضى.

(9). «ج، م»: كان.

(10). «م»: فيشتمل، و في «ز، ك»: فتشمل.

(11). «ز، ك»:- في محلّه.

112

مواردها فكيف بإثبات القاعدة الكلّية. هذا ما أفاده الأستاد في الاحتجاج بالروايات العامّة و الخاصّة على حجّية الاستصحاب.

قلت: و ينبغي القطع بدلالة هذه الأخبار على اعتبار الاستصحاب، فإنّ غاية ما احتمله سلّمه اللّه في الروايات‏ (1) هو احتمال العهد، و الإنصاف على ما هو ظاهر لمن جانب الاعتساف ظهورها (2) في الجنس، فيتمّ المقصود. و بهذه الأخبار تنقطع أصالة عدم الاعتبار و الآيات الناهية عن العمل بغير العلم و عدم جواز الافتراء على اللّه، فإنّ الحكم في الزمان الثاني ثبوته ليس افتراء و لا قولا بغير علم، بل هو إثبات للحكم بقوله: «لا تنقض» و عليك بإمعان النظر في دلالة الأخبار، فلعلّها بعد تأمّل ما ظاهرة.

____________

(1). «ز، ك»: احتمله الأستاد فيها.

(2). «ز، ك»: هو ظهورها.

113

هداية [في حجّية الاستصحاب في الوضعيات دون الطلبيات‏]

قد عرفت‏ (1) في بعض الهدايات السابقة نسبة القول بحجية الاستصحاب في الوضعيات دون الطلبيات إلى الفاضل التوني، و المتراءى منه في الوافية عدم جريان الاستصحاب و تعقّله في الطلبيات دون عدم الحجّية، فإنّ ذلك ربّما لا ينافي التعقّل، كما أنّ المتراءى منه أيضا هو جريانه في نفس الأسباب و الشرائط، و الأحكام الوضعية عندهم السببية و الشرطية لا نفس الأسباب و الشرائط، قال- بعد تحديده له و تحرير الخلاف و ذكر أدلّة الفريقين من الأخبار و غيرها و تنويع الأحكام إلى الوضعية و التكليفية-: إذا عرفت هذا فإذا ورد أمر بطلب شي‏ء فلا يخلو إمّا أن يكون موقّتا، أو لا، و على الأوّل يكون وجوب ذلك الشي‏ء أو ندبه في كلّ جزء من أجزاء ذلك الوقت ثابتا بذلك الأمر، فالتمسّك حينئذ في ثبوت ذلك الحكم في الزمان الثاني بالنصّ لا بالثبوت في الزمان الأوّل حتّى يكون استصحابا و هو ظاهر، و على الثاني أيضا كذلك إن قلنا بإفادة الأمر للتكرار (2)، و إلّا فذمّة المكلّف مشغولة حتّى يأتي به في أيّ زمان كان، و نسبة أجزاء الزمان إليه نسبة واحدة في كونه أداء في كلّ جزء منها، سواء قلنا بأنّ الأمر للفور أو لا. و التوهّم بأنّ الأمر إذا كان للفور يكون من قبيل الموقّت المضيّق، اشتباه غير خفيّ‏ (3) على المتأمّل، فهذا أيضا ليس من الاستصحاب في شي‏ء و لا

____________

(1). انظر ص 60.

(2). في المصدر: التكرار.

(3). «ج، م»: مخفيّ.

114

يمكن أن يقال بأنّ إثبات الحكم في القسم الأوّل فيما بعد وقته من الاستصحاب، فإنّ هذا (1) لم يقل به أحد و لا يجوز إجماعا، و كذلك الكلام في النهي، بل هو أولى لعدم‏ (2) توهّم الاستصحاب فيه؛ لأنّ مطلقه يفيد (3) التكرار، و التخييري كذلك، فالأحكام الخمسة المجرّدة عن الأحكام الوضعية لا يتصوّر فيها الاستدلال بالاستصحاب.

و أمّا الأحكام الوضعية فإذا جعل الشارع شيئا سببا لحكم من الأحكام الخمسة- كالدلوك لوجوب الظهر، أو الكسوف لوجوب صلاته، و الزلزلة لصلاتها، و الإيجاب و القبول لإباحة التصرّفات و الاستمتاعات في الملك و النكاح و فيه لتحريم أمّ الزوجة، و الحيض و النفاس لتحريم الصوم و الصلاة، إلى غير ذلك- فينبغي أن ينظر إلى‏ (4) كيفية سببيته‏ (5) هل هي على الإطلاق كما في الإيجاب و القبول فإنّ سببيته على نحو خاصّ و هو الدوام إلى أن يتحقّق المزيل‏ (6) و كذا الزلزلة، أو في وقت معيّن كالدلوك و نحوه ممّا لم يكن السبب وقتا و كالكسوف و الحيض و نحوهما ممّا يكون السبب وقتا للحكم، فإنّ السببية في هذه الأشياء على نحو آخر فإنّها أسباب للحكم في أوقات معيّنة، و جميع ذلك ليس من الاستصحاب في شي‏ء، فإنّ ثبوت الحكم في شي‏ء من أجزاء الزمان الثابت فيه الحكم ليس تابعا للثبوت في جزء آخر، بل نسبة السبب في اقتضاء الحكم في كلّ جزء نسبة واحدة؟ و كذا الكلام في الشرط و المانع.

فظهر ممّا مرّ أنّ الاستصحاب المختلف فيه لا يكون إلّا في الأحكام الوضعية أعني الأسباب و الشرائط و الموانع للأحكام الخمسة من حيث إنّها كذلك، و وقوعه فيها إنّما هو بتبعيتها كما يقال في الماء الكرّ المتغيّر بالنجاسة إذا زال تغيّره من قبل نفسه: بأنّه يجب الاجتناب عنه في الصلاة؛ لوجوبه قبل زوال تغيّره، فإنّ مرجعه إلى أنّ النجاسة

____________

(1). «ز، ك»: «إذ» بدل «فإنّ هذا».

(2). في المصدر: بعدم.

(3). في المصدر: لا يفيد.

(4). «ج، م»:- إلى.

(5). في المصدر: سببية السبب.

(6). في المصدر: مزيل.

115

كانت ثابتة قبل زوال تغيّره فيكون‏ (1) كذلك بعده، و يقال في المتيمّم إذا وجد الماء في أثناء الصلاة: إنّ صلاته كانت صحيحة قبل الوجدان فكذا بعده‏ (2)، و الطهارة من الشروط.

قال: فالحقّ مع قطع النظر عن الروايات عدم حجّية الاستصحاب؛ لأنّ العلم بوجود السبب و الشرط و المانع‏ (3) في زمان لا يقتضي العلم، بل و لا الظنّ بوجوده في غير ذلك الوقت‏ (4)، فالذي يقتضيه النظر بدون ملاحظة الروايات أنّه إذا علم تحقّق العلامة الوضعية تعلّق الحكم بالمكلّف، و إذا زال ذلك العلم بطروّ شكّ بل و ظنّ به أيضا يتوقّف عن الحكم الثابت أوّلا (5)، إلّا أنّ الظاهر من الأخبار أنّه إذا علم وجود شي‏ء يحكم به‏ (6) حتّى يعلم زواله‏ (7)، انتهى كلامه رفع مقامه.

و اعترض عليه المحقّق القمي- تبعا للسيّد الشارح-: بأنّه من غرائب الكلام؛ إذ الشكّ قد يحصل في التكليف في الموقّت كمن شكّ في وجوب إتمام الصوم لو حصل له المرض في أثناء النهار مع شكّه في أنّه هل يصحّ له الإفطار (8) أو لا؟ و كذلك في صورة التكرار و هو واضح‏ (9). و محصّل الإيراد عليه أنّه لا ينحصر (10) أسباب الشكّ فيما تخيّله، فإنّه‏ (11) قد يحصل في حصول الحدّ و الوقت، و قد يحصل في وجود المانع، و قد يحصل في مانعية العارض، ففي جميع هذه الصور يجري الاستصحاب من دون مانع، و لا فرق في‏

____________

(1). في المصدر: فتكون.

(2). بعده في المصدر: أي كان مكلّفا و مأمورا بالصلاة بتيمّمه قبله فكذا بعده، فإنّ مرجعه إلى أنّه كان متطهّرا قبل وجدان الماء فكذا بعده.

(3). في المصدر: أو الشرط أو المانع.

(4). بعده في المصدر: كما لا يخفى، فكيف يكون الحكم المعلّق عليه ثابتا في غير ذلك الوقت؟!

(5). في المصدر: عن الحكم بثبوت الحكم الثابت أوّلا.

(6). في المصدر: فإنّه يحكم به.

(7). الوافية: 201- 203.

(8). في المصدر: هل يبيح له الفطر.

(9). القوانين 2: 53- 54 و في ط: 265.

(10). «ج»: لا تنحصر.

(11). «ز، ك»: لأنّه.

116

ذلك بين الاحتمالات السابقة من‏ (1) القول بالتكرار و غيره.

و لناصر الفاضل أن يذبّ عنه هذه الإيرادات بأنّ المستصحب في هذه الموارد هو الحكم الوضعي؛ لأنّه يستصحب فيها عدم المانع، و أمّا نفس الحكم المعلّق على عدم المانع فلا يمكن استصحابه؛ لأنّه إن كان معلوما بجميع قيوده المعتبرة فيه فلا يعقل فيه الشكّ لاحقا وجودا و عدما، و إلّا فلم يكن معلوما في السابق فلا يجري الاستصحاب كما ستعرف تفصيله.

مضافا إلى أنّ الفاضل المذكور و من يحذو حذو الأخباريين عندهم قاعدة مقرّرة موسومة بعموم الدليل و هي أنّه إذا ثبت حكم إلى زمان أو حال، ثمّ شكّ بعد ذلك في عروض ذلك الحال أو في مانعية الحادث، فلا بدّ من الأخذ بالدليل الدالّ على ذلك الحكم، ففيما إذا شكّ في وجوب إتمام الصوم لو حصل له المرض- لاحتمال المانعية أو لاحتمال عروض ما هو المانع واقعا- يجب الأخذ بما دلّ على وجوب الصوم في مقابل هذه الاحتمالات نظرا إلى أنّ الدليل دلّ على وجوب الصوم إلّا في حال كذا، فلا يجوز الإخلال به إلّا فيما علم أنّه حال كذا، و ليس نظرهم في هذا الحكم إلى الاستصحاب و ثبوت الحكم في الزمان الأوّل، بل هم يستندون في ذلك إلى عموم الدليل إلى أنّ يعلم بالمخصّص، و هذه القاعدة و إن كانت فاسدة في نفسها- لأنّ دليل نفس الحكم لا ينهض لدفع الشكّ في عروض المانع أو في مانعية العارض أو حصول حدّ المحدود كما هو ظاهر، فإنّه لا يتّكل عاقل فضلا عن فاضل في دفع احتمال عروض الطهارة بأدلّة حصول النجاسة في الماء، و في دفع احتمال ناقضية المذي للوضوء بأدلّة الوضوء، فإنّ الأخذ بالعموم إنّما يحسن فيما يحتمل التخصيص، و أمّا احتمال التخصيص بتبدّل الموضوع فلا مسرح للعامّ فيه- إلّا أنّها تجدي‏ (2) في دفع النقوض عنه.

____________

(1). «ز، ك»: «و» بدل: «من».

(2). في النسخ: يجدي.

117

و بالجملة: فهذه القاعدة مقرّرة عند الأخبارية، ففي موارد هذه الشكوك لا يستندون إلى الاستصحاب، فموارد العمل بالاستصحاب عندهم هي مواضع الشكّ في المقتضي، و بملاحظة هذه القاعدة تندفع النقوض المذكورة من كلامه، فإنّ من‏ (1) البعيد (2) في الغاية عدم تفطّنه لمثل هذه الأمور الواضحة الجليّة، كيف و هو من فحول الصناعة و بزل الفنّ؟

فالتحقيق في دفع ما أفاده الفاضل أن يقال: إنّ كلامه غير محصّل المراد، فإنّ صدره يشعر بما نسب إليه من التفصيل بين الأحكام التكليفية و الوضعية على ما هو ظاهر، و ذيل إفاداته يؤذّن بتفصيل‏ (3) آخر و هو القول بحجّية الاستصحاب و جريانه في الأمور الخارجية و الموضوعات التي يتعلّق بها الأحكام، و عدمها في الأحكام الشرعية التكليفية و الوضعية، على ما يظهر من قوله- بعد التقسيم المذكور في كلامه أوّلا و ذكر الأسباب الشرعية-: و جميع ذلك ليس من الاستصحاب في شي‏ء، و قوله: فظهر ممّا مرّ أنّ الاستصحاب المختلف فيه لا يكون إلّا في الأحكام الوضعية أعني الأسباب و الشرائط و الموانع للأحكام الخمسة، انتهى. و جريان الاستصحاب في نفس تلك الأحكام إنّما هو بتبعية جريانه فيها عنده.

و كيف كان فإن أراد الأوّل على ما يقتضيه ظاهر النسبة إليه فيرد عليه:

أوّلا: النقض بما إذا ثبت الحكم بدليل لبّي كالإجماع أو الشهرة على القول بها بعد العلم باستمراره في الجملة مع الشكّ في مقداره أو حصول معارض محتمل أو احتمال عروض ما هو المانع أو فى حصول الحدّ إذا كان محدودا، و بما لو شكّ في النسخ، و بما لو شكّ في صدق التكرار و عدمه عرفا بدون الإتيان بفرد، و بما لو شكّ في الوجوب في الوقت إذا فقد المكلّف شرطا من شروطه كما إذا صار فاقد الطهورين، و بما إذا دار

____________

(1). «م»:- من.

(2). «ج»: البعد.

(3). «ج»: تفصيل.

118

الأمر بين الفور و التراخي، فإنّ هذه الصور كلّها محتاجة إلى الاستصحاب مع عدم دليل ينهض ثبوت الأحكام الثابتة فيها غير الاستصحاب، فإنّ الأخذ بعموم الدليل في هذه الصور فيما لو كان لفظيا أيضا غير معقول، و لا يتفوّه به في لسانهم أيضا، فتدبّر.

و لو رام إلى ما أيّدنا به كلامه و انتصرناه‏ (1) من أنّ الحكم إذا كان معلوما بجميع قيوده و موارده فلا يعقل الشكّ فيما سيأتي، و إلّا فلا علم به فيما مضى، فينهدم الاستصحاب على التقديرين بانهدام أحد ركنيه، قلنا: فينتقض بنفس الأحكام الوضعية، فإنّ حكم الشارع بسببية شي‏ء لو كان بجميع قيوده معلوما فلا شكّ، و إلّا فلا علم، حرفا بحرف.

و ثانيا بأنّ ما أورده من المثالين غير مطابق لما هو بصدده، فإنّه ليس من استصحاب المانعية التي هي من الأحكام الشرعية، بل هو استصحاب للموضوع الخارجي؛ إذ لا شكّ في مانعية النجاسة و شرطية الطهارة حتّى يحتاج إلى الاستصحاب.

و ثالثا: فبالحلّ، و تحقيقه أنّ الحكم على قسمين عرفا: فتارة: يحتمل اختلافه باختلاف الزمان؛ لاحتمال كونه مأخوذا فيه قيدا، و أخرى: لا يحتمل ذلك، و كذا (2) الكلام في سائر القيود المأخوذة في الحكم حالا أو شرطا أو صفة أو غيرها. فعلى الأوّل فهو كما أفاده كما في الأحكام الوجوبية، بخلاف الثاني فإنّ الحكم أمر واحد استمراري عرفا و لا يحتمل اختلافه باختلاف الزمان‏ (3)، فيمكن تعلّق العلم به في الزمان الأوّل مع الشكّ فيه في ثاني الزمان كما في الأحكام التحريمية، كذا أفاد.

قلت: فالشكّ غير معقول إلّا بواسطة الرافع و المفروض رفعه بالعموم في كلامه.

____________

(1). «ز، ك»: انتصرنا.

(2). «ز، ك»: كذلك.

(3). «ز، ك»: و لا يحتمل اختلاف الزمان.

119

و إن أراد الثاني فمرجع التفصيل في كلامه إلى التفصيل المنسوب إلى من هو من أهل مشربه من الأخباريين، فيسقط عنه النقوض المذكورة و ينطبق‏ (1) مثاله لما هو بصدده، و يبقى الكلام في تزييفه فيما ستعرفه في الهداية الأخبارية (2)، إلّا أنّه مع ذلك فلا يخلو ما نقلناه من كلامه كغيره من وجوه النظر، فإنّه جعل الأحكام الاقتضائية هو الواجب و المندوب و المكروه و الحرام و الأحكام التخييرية الدالّة على الإباحة مع أنّ الأحكام الاقتضائية هي نفس تلك الأوصاف لا الذات المأخوذة معها تلك الأوصاف، و الحكم التخييري هو مجرّد الإباحة لا الدالّ عليها. و دعوى الإجماع على عدم جريان الاستصحاب في الموقّت مع وجود المخالف، باطلة قطعا، غاية الأمر بطلان المذهب، و لا ينافي وجود القول كما نفاه. و حكمه بعدم جريان الاستصحاب في النهي على وجه الأولوية قد عرفت أنّ جريانه فيه أولى. و حكمه بدوام السببية (3) في الإيجاب و القبول ممّا لا دليل عليه، غاية الأمر اعتبار الدوام في المسبب إذا حصل في الخارج، و أمّا نفس السبب فقد يحتمل إهماله على بعض الوجوه، و لذا يشكّ في جواز العقد بالفارسية بعد موت المفتي به مثلا. و قوله: فإنّ ثبوت الحكم في جزئه إلخ، يستفاد منه اشتراط طبيعة الاستصحاب بعدم الدليل في الواقع في الزمان الثاني مع كفاية انتفائه عند الأخذ بالاستصحاب. و قوله: فظهر أنّ الاستصحاب المختلف فيه لا يكون إلّا في الأسباب و الشرائط و الموانع من حيث إنّها كذلك و وقوعه في الأحكام الخمسة إنّما هو بتبعيتها، فيه أنّه لم يظهر منه جريانه لا في الوضعية و لا في التكليفية، فلا يخلو من التهافت.

و القول بأنّ المستفاد من كلامه أنّ السببية تارة: دائمة، و أخرى: وقتية، فتبقى المهملة مجرى للاستصحاب، ينافيه ظهور كلامه في الحصر بينهما، على أنّه لو تمّ لجرى في الأحكام التكليفيّة، فتأمّل في المقام فلعلّه لا يخلو عن شي‏ء.

____________

(1). «ج»: تنطبق.

(2). انظر ص 190.

(3). «ج»: السبب.

120

ثمّ قد يؤيّد كلام الفاضل المذكور بوجه وجيه أفاده الأستاد أنار اللّه برهانه و ملخّصه ما أشير إليه سابقا من أنّ الحكم الشرعي غير معلوم بجميع أنحائه و خصوصياته، فيحتمل تقييده بمكان أو زمان، و بعد ذلك فلا يجري الاستصحاب، و توضيحه و تنقيحه أنّ‏ (1) ممّا برهنّا عليه في محلّه تبعية (2) الأحكام الشرعية للصفات الكامنة و المصالح الموجودة في نفس الأفعال التي هي متعلّقات لتلك الأحكام، و من الواضح الجليّ اختلاف الصفات باختلاف وجوه الفعل و اعتباراته كاختلاف نفس الفعل باختلاف الحركات و السكنات، فإنّه ليس خارجا عنهما، فقد يكون الفعل حسنا في زمان دون زمان أو في مكان دون مكان، و قد يكون قبيحا إذا كان من فاعل كذا في مكان كذا في زمان كذا عن آلة كذائية، و قد يكون قبيحا على وجه الإطلاق كما قد يكون حسنا كذلك، فالفعل في كلّ هذه الصور ليس حاله متّحدا؛ إذ يختلف بتلك الوجوه، و هذه الاختلافات كما يلاحظ في الامساك فإنّه قد يعدّ قبيحا إذا لم يكن صاحب المال محتاجا مع احتياج الغير إليه‏ (3) حاجة شديدة، و قد يعدّ واجبا إذا كان صرفه في الغير- سيّما مع عدم الحاجة إليه- موجبا لإهلاك نفسه، و ناهيك‏ (4) عن ذلك ملاحظة الأدوية التي يعالج بها الأمراض البدنية، فإنّ تأثير الأفعال في تصحيح الأمراض النفسانية و تمريض النفوس الناسوتية ليس‏ (5) في محلّ تنال إليه يد الإنكار، فإنّ برهان ذلك بعد حكومة الوجدان به على منار، فربّ دواء يرطّب في مزاج و يجفّف في آخر، و يبرّد في طبع و يسخّن‏ (6) في آخر، فهما في الواقع مختلفان باعتبار وقوعهما في الحالتين، فالأمر بأحدهما لا يوجب الأمر بالآخر. و لا ريب في أنّ‏ (7) الآمر

____________

(1). «ز، ك»: أنّه.

(2). «ج، م»: بتبعية.

(3). «ج»: له.

(4). في هامش «ز»: أي حسبك.

(5). «ك»: التي ليس.

(6). «ز، ك»: يثخن.

(7). «ج، م»:- في.

121

إذا أمر بشي‏ء و طلب وقوعه من المأمور إنّما يأمر و يطلب شيئا معلوما عنده على وجوه اختلافه، فإن كان مطلقا فيطلبه كذلك، و إن كان مقيّدا فيطلبه على تقييده، فإنّ إنشاء الأمر و الطلب تابع إطلاقه و تقييده بالزمان و المكان و الحال و الوصف و الشرط و الإضافة و غيرها من الأمور المتعلّقة بالأفعال التي تختلف باختلافها و تتكثّر بتكثّرها لإطلاق الفعل الذي اقتضت المصلحة الكامنة فيه بالأمر به و تقييده بالأمور المذكورة، و ذلك مشاهد من الأوامر المختلفة على وجوه شتّى في العرف و الشرع، فربّما يكون الشي‏ء واجبا عينيا مضيّقا و أخرى موسّعا، و تارة كفائيا على الوجهين، و أخرى شرطيا، و تارة تعليقيا، و مرّة تخييريا، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف، فاختلاف الأمر في هذه الأفعال بواسطة اختلاف ضروب المصالح الموجودة فيها.

و إذ قد تحقّقت هذه الجملة تحقّق عندك عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية عند الشكّ في كيفية الحكم و مدخلية شي‏ء في ذلك، و توضيحه أنّه إذا ثبت وجوب شي‏ء في زمان، ثمّ شكّ في زمان آخر في بقائه، فالمستصحب إن أراد به إبقاء الإنشاء الصادر من الآمر حين الشكّ، فهو غير معقول؛ لأنّ الإنشاء لا يراد به‏ (1) إلّا الإرادة الحتمية، و لا شبهة في كونها آنية غير متقرّرة في الوجود، فيستحيل بقاؤها.

و إن أراد به إبقاء الأثر الحاصل من الإنشاء المتعلّق بالفعل المنشأ فيه الوجوب الذي يعبّر عنه بالمطلوبية و المحبوبية، فلا يجوز استصحابه، فإنّ الإنشاء إن كان متعلّقا بالفعل في الزمان فالحالة المذكورة تنعدم بعد مضيّ الزمان الأوّل، و إن كان متعلّقا به من دون اعتبار زمان فيه أو مع اعتبار زمان أطول منه فالحالة المذكورة باقية قطعا، و لا شكّ في عدم جريان الاستصحاب على التقديرين؛ للقطع بالارتفاع في الأوّل، و بالبقاء في الثاني، و إن كان وجه تعلّق الإنشاء بالفعل مشكوكا، فلا يجري الاستصحاب أيضا؛ لأنّه عبارة عن إبقاء الحكم في الزمان الثاني فيما كان‏ (2) فيه الحكم‏

____________

(1). «ج، م»:- به.

(2). «ز، ك»: فيما لو كان.

122

في الزمان الأوّل على وجه كانت القضيّة المعلومة متّحدة مع القضيّة المشكوكة، و عند الشكّ لا يعلم بالاتّحاد؛ لعدم العلم بالموضوع في القضيّة الأولى التي هي معلومة، إذ المفروض إمكان اختلاف موضوعه بطريان العوارض و عروض الحالات و الحوادث الزمانية و غيرها من الأمور التي يصير منشأ لاختلاف الحسن و القبح اللذين‏ (1) هما منشآن للأمر و النهي على ما قرّرنا، و مع الشكّ في الاتّحاد و الاختلاف لا مجرى للاستصحاب؛ إذ ليس هو إثبات حكم فرد لفرد آخر.

فلو شكّ في وجوب شي‏ء في زمان فعلى ما ذكرنا لا بدّ من أن يقال: إنّ الشكّ فيه في الزمان الثاني إمّا شكّ في الوجوب النفسي بمعنى إفادته البراءة (2) على تقدير عدم كفاية دليل عنه يكفي في الحكم بعدم الوجوب.

و إمّا شكّ في الوجوب التخييري كما لو أمر بالصلاة و شكّ في أنّ وقتها إلى سقوط القرص أو زوال الحمرة المشرقية، فإنّه يرجع الشكّ فما بين الزمانين إلى الشكّ في الوجوب التخييري، و المرجع فيه إلى الاشتغال بمعنى الحكم بالضيق؛ لأنّها به عدم المطلوبية (3).

و إمّا شكّ في الوجوب الغيري، فلا بدّ من ملاحظة القول بجريان البراءة و عدمه في الواجبات الغيرية، و ليس لك القول بالاستصحاب نظرا إلى أنّ الوجوب‏ (4) السابق هو بعينه مستصحب، و ليس الوجوب الثاني فردا آخر حتّى يدفع بأصالة البراءة؛ إذ احتمال الاختلاف‏ (5) مع وجود ما يحتمل أن يكون هو الوجه في الاختلاف كاف في عدم جريان الاستصحاب، و قد عرفت أنّ الفعل يمكن اختلاف وجوهه و مصالحه‏

____________

(1). «ج، ك»: الذين.

(2). «ج»: في الوجوب اليقيني فأدلّة البراءة.

(3). المثبت من «ز، ك» و هامش «م»، و في «م»: لأنّها لعدم المطلوبية، و في «ج»: أصالة عدم المطلوبية.

(4). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: الواجب.

(5). «ك»: الخلاف.

123

باختلاف القيود و الطواري العارضة له، فلا يعلم ببقاء الموضوع، و على قياسه الكلام في سائر الأحكام من التحريم و الاستحباب و الكراهة و الإباحة. لكن هذا كلّه بملاحظة ما تقتضيه‏ (1) الدقّة، و لا أظنّ ابتناء أمر الاستصحاب عندهم عليها، فلعلّ جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية عندهم موقوف على المسامحة، فإنّ الوجوب السابق مستصحب كما في الحرمة السابقة، و احتمال اختلاف الوجوب و الحرمة باختلاف الطواري العارضة للفعل ملغى عن أصله، فإنّ هذه الطواري لا تعدّ قيودا للفعل عرفا، سيّما في النهي على ما نبّهنا عليه، فالزمان و ما يقرب منه من متعلّقات الفعل مأخوذ ظرفا على وجه لا يختلف المظروف باختلافه، و ستطّلع على زيادة (2) تحقيق لذلك في بعض الهدايات الآتية (3) إن شاء اللّه‏ (4).

تنبيه‏

و لعلّ عدّ الفاضل المذكور في عداد المفصّلين ليس على ما ينبغي، فانّ المنع الصغروي ليس تفصيلا بعد تسليم الكبرى، فإنّه لم يظهر منه مناقشة في دلالة الأخبار (5) فهو قائل بمفاد هذه الأخبار على وجه الكلّية كما يشعر بذلك حصره الاستصحاب المختلف فيه فيما تخيّله، فمورد النفي و الإثبات عنده هو هذا الاستصحاب.

____________

(1). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: «يقتضيه».

(2). «ج»: رائحة.

(3). انظر ص 193- 194 و ص 387.

(4). «ز، ك»:- إن شاء اللّه.

(5). «ز، ك»: الدلالة للأخبار.

124

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

125

هداية شريفة في تحقيق مقالة منيفة [في اختصاص الأخبار بالشكّ في الرافع‏]

قد اشتهر ذهاب أستاد الكلّ في الكلّ المحقّق الخوانساري إلى حجّية الاستصحاب فيما إذا ثبت حكم و علم استمراره إلى حالة أو غاية معيّنة، ثمّ شكّ فيه من جهة احتمال حدوث الحالة أو حصول الغاية أو من جهة كون الحادث مندرجا تحت المزيل، و إلى عدمها في غير ما ذكر من سائر أصناف الشكوك.

و الظاهر من كلامه في المشارق هو نفي الحجّية مطلقا، نعم يظهر منه اعتبار قاعدة أخرى منطبقة لاستصحاب القوم في الموارد المذكورة، قال في شرح قول الشهيد- و يجزي ذو الجهات الثلاث-: حجّة القول بعدم الإجزاء الروايات الواردة بالمسح بثلاثة أحجار، و الحجر الواحد لا يسمّى ثلاثة أحجار، و استصحاب حكم النجاسة حتّى يعلم المطهّر الشرعي‏ (1)، و بدون المسح بثلاثة أحجار لم يعلم المطهّر الشرعي‏ (2). إلى أن ساق الكلام إلى منع حجّية الاستصحاب، ثمّ قال: اعلم أنّ القوم ذكروا أنّ الاستصحاب إثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه، و هو ينقسم إلى قسمين باعتبار انقسام الحكم المأخوذ فيه إلى شرعي و غيره، فالأوّل مثل ما إذا ثبت حكم الشرع‏ (3) بنجاسة ثوب أو بدن- مثلا- في زمان، فيقولون إنّ بعد ذلك الزمان‏

____________

(1). في المصدر: لها مطهّر شرعا.

(2). في المصدر: المطهّر شرعا.

(3). في المصدر: حكم شرعي.

126

أيضا يجب الحكم بالنجاسة إذا لم يحصل اليقين بما يرفعها، و الثاني مثل ما إذا ثبت رطوبة ثوب في زمان، فبعد ذلك الزمان أيضا يحكم برطوبته ما لم يعلم الجفاف، و ذهب بعضهم إلى حجّيته بقسميه، و بعضهم إلى حجّية القسم الأوّل فقط.

و استدلّ كلّ من الفريقين بدلائل مذكورة في محلّها كلّها قاصرة عن إفادة المرام كما يظهر عند التأمّل‏ (1) فيها، و لم نتعرّض لذكرها هنا، بل نشير إلى ما هو الظاهر عندنا في هذا الباب فنقول: الظاهر أنّ الاستصحاب بهذا المعنى لا حجّية فيه أصلا بكلا قسميه؛ إذ لا دليل عليه تامّا، لا عقلا و لا نقلا.

نعم الظاهر حجّية الاستصحاب بمعنى آخر و هو أن يكون دليل شرعي على أنّ الحكم الفلاني بعد تحقّقه ثابت إلى حدوث حال كذا أو وقت كذا- مثلا- معيّن في الواقع بلا اشتراطه بشي‏ء أصلا، فحينئذ إذا حصل ذلك الحكم فيلزم الحكم باستمراره إلى أن يعلم وجود ما جعل مزيلا له، و لا يحكم بنفيه بمجرّد الشكّ في وجوده‏ (2)، انتهى.

و صراحة نفيه الاستصحاب المتنازع فيه‏ (3) بين القوم كافية عن تقريب دلالته على ما ذكرنا، و الوجه فيه أنّ ما أفاده منطبق على بعض موارد الاستصحاب، و هذا لا يوجب التفصيل فيه، و ذلك نظير ما لو توافق الاستصحاب مع البراءة، فالقول بالبراءة لا يعدّ تفصيلا في الاستصحاب بعد اختلاف المناط، فإنّ مناط الاستصحاب هو الوجود السابق، و مناط ما أفاده هو نفس الشكّ في الفراغ بعد تيقّن الاشتغال، غاية الأمر جريان الاستصحاب في المقام‏ (4) أيضا.

و توضيح المطلب: إذا ورد من الشارع أمر بصوم الغد إلى الليل و شكّ في تحقّق الغاية و وصول الليل، فتارة: يؤخذ لوجوب الإمساك في الوقت المشكوك بالاستصحاب كما عليه القوم، و تارة: بالاشتغال كما عليه المحقّق، و أخرى: يؤخذ

____________

(1). «ز، ك»: يظهر للمتأمّل.

(2). مشارق الشموس: 75 و 76.

(3). «ج، م»:- فيه.

(4). «ز، ك»:- في المقام.

127

بنفس الخطاب و الأمر كما عليه الأخبارية من تحكيم العامّ في الشبهة الموضوعية، و من المعلوم عدم ارتباط أحد الوجوه بالآخر، فإنّ قضيّة الاشتغال وجوب الصوم و الإمساك في زمان الشكّ من غير ملاحظة تبعية بعض الآنات للآخر على وجه لو فرض اجتماع تلك الآنات لكان الحكم فيها وجوب الإمساك بمقتضى القاعدة، بخلاف الاستصحاب فإنّ الحكم في الزمان الثاني تابع له في الزمان الأوّل كما هو ظاهر، فتدبّر، كذا أفاد الأستاد (1) سلّمه اللّه تعالى.

قلت: و التفصيل المذكور المنسوب إليه في محلّه كما يؤذّن بذلك تمسّكه بأخبار الاستصحاب، غاية الأمر جريان الاشتغال في موارد الاستصحاب الذي عنده حجّة، فإنّ التمسّك بخبر الشكّ و اليقين دليل على أنّ ثبوت الحكم عنده في زمان الشكّ بواسطة ثبوته في الأوّل و إن كان مجرّد الشكّ أيضا كافيا في جريان دليله الأوّل كما لا يخفى، فتدبّر، فالنسبة المذكورة مساهلة ظاهرة.

ثمّ قال روّح اللّه‏ (2) روحه الشريف من غير فصل: و الدليل على حجّيته أمران: الأوّل: أنّ ذلك الحكم إمّا وضعي أو اقتضائي أو تخييري، و لمّا كان الأوّل أيضا عند التحقيق يرجع اليهما فينحصر في الأخيرين، و على التقديرين يثبت ما ذكرنا، أمّا على الأوّل فلأنّه إذا كان أمر أو نهي بفعل إلى غاية- مثلا- فعند الشكّ بحدوث تلك الغاية لو لم يمتثل التكليف المذكور لم يحصل الظنّ بالامتثال و الخروج عن العهدة، و ما لم يحصل الظنّ لم يحصل الامتثال، فلا بدّ من بقاء ذلك التكليف حال الشكّ أيضا، و هو المطلوب. و أمّا على الثاني فالأمر كذلك‏ (3) كما لا يخفى‏ (4)، انتهى.

و توضيح ما أفاده في المقام أنّه إذا وجب الإمساك من الفجر إلى غسق الليل فلو شكّ المكلّف في الجزء الآخر أنّه هل هو من الليل أو من النهار؟ يجب عليه‏

____________

(1). «ج، م»:- الأستاد.

(2). «ز، ك»:- اللّه.

(3). في المصدر: فالأمر أظهر.

(4). المشارق: 76.

128

الإمساك‏ (1) المشكوك تحصيلا لليقين بالفراغ بعد العلم بالاشتغال، و التعبير بالظنّ في كلامه لعلّه مقيّد بالظنّ المعتبر شرعا، و إلّا فلا نرى له وجها، و ذلك في الأمر و النهي ظاهر جدا، بل القول بالاشتغال في المقام في بعض موارده هو الحقّ الذي لا محيص عنه، بل يمكن دعوى الاتّفاق عليه‏ (2)، و المحقّق القمي مع مبالغته في نفي الاشتغال قد أذعن به في المقام، إلّا أنّ اتّكال المحقّق المذكور على عدم الخفاء في جريان قاعدة الشغل‏ (3) في الإباحة ممّا لم نقف له على وجه فيا ليته لم يتّكل عليه؛ لأنّ الوجه فيه في غاية الخفاء و الغموض، بل ممّا لا وجه له، و غاية ما يمكن أن يوجّه به هو ما أفاده المحقّق القمي حيث قال: و أمّا في الإباحة و ما يستلزمه‏ (4) من الأحكام الوضعية، فلأنّ عدم اعتقاد إباحته يوجب عدم امتثال أمر اللّه تعالى، فإنّ الاعتقاد بما سنّه‏ (5) واجب، واجبا كان أو مباحا أو غيرهما (6)، و سقوطه ظاهر، فإنّ وجوب الاعتقاد على ما سنّه على تقدير تسليمه لا يقضي بالاعتقاد إلى الغاية المعيّنة؛ لأنّ ذلك واجب مطلقا قبل الغاية و بعد الغاية و عند الغاية من غير فرق في ذلك، فإنّ الاعتقاد ليس وجوبه مغيّا بالغاية، و المعتقد لا يؤثّر في الاعتقاد، فإذا حكم الشارع بإباحة العصير قبل الغليان و شكّ في حصوله في زمان، يحكم بوجوب اعتقاد الإباحة إلى حصول الغليان، و ذلك لا يوجب الحكم بكون المشكوك فيه ممّا وجب الاعتقاد فيه بالإباحة كما هو المطلوب، مضافا إلى أنّ غاية الإباحة لا يعقل أن يكون إباحة، بل لا بدّ أن يكون حكما اقتضائيا، و المفروض وجوب الاعتقاد به أيضا، فالحكم بوجوب الاعتقاد بالإباحة قبل الغاية دون ذلك الحكم تحكّم، على أنّ المفروض أنّ المكلّف شاكّ في‏

____________

(1). «ج، م»: إمساك.

(2). «ج، م»:- عليه.

(3). «ج»: العمل؟

(4). في المصدر: يستلزمها. و من قوله: «و أمّا في الإباحة» إلى قوله: «الأحكام الوضعية» سقط من المصدر الذي طبع في المجلّدين.

(5). في المصدر: سنّنه.

(6). القوانين 2: 67 و في ط: 273- 274.

129

الإباحة فلا يحصل الاعتقاد؛ لعدم‏ (1) اجتماع الاعتقاد و الشكّ في مورد واحد.

قلت: هذا ما أفاده أستادنا المحقّق في المقام، و يمكن أن يقال: إنّ بقاء الإباحة في صورة الإباحة موقوف على أصالة البراءة، فإنّ المفروض أنّ غاية الإباحة هو الوجوب و الحرمة، فالشكّ في حصول الغاية شكّ في التكليف التحريمي أو الوجوبي و الأصل البراءة، فثبت‏ (2) الإباحة، فالأحكام الاقتضائية ثبوتها في زمان الشكّ عنده مستند (3) إلى الاشتغال، و الإباحة إلى البراءة (4)، إلّا أنّ ذلك بعد عدم ظهوره من كلامه لا يتمّ فيما كانت الغاية مندوبة أو مكروهة، على أنّ البراءة لا يفيد عدا نفي العقاب و لا يفيد حكما و لو كان إباحة (5) على ما برهن عليه في محلّه.

ثمّ قال (قدّس اللّه نفسه الزكيّة): و الثاني: ما ورد في الروايات من أنّ اليقين لا ينقض بالشكّ‏ (6)، فإن قلت: هذا كما يدلّ على حجّية المعنى المذكور كذلك يدلّ على المعنى الذي ذكره القوم؛ لأنّه إذا حصل اليقين في زمان فينبغي أن لا ينقض في زمان آخر بالشكّ نظرا إلى الرواية، و هو بعنيه ما ذكروه.

قلت: الظاهر أنّ المراد من عدم نقض اليقين بالشكّ أنّه عند التعارض لا ينقض به، و المراد بالتعارض أن يكون شي‏ء يوجب اليقين لو لا الشكّ، و فيما ذكروه ليس كذلك، لأنّ اليقين بحكم في زمان ليس ممّا يجب حصوله في زمان آخر لو لا عروض الشكّ‏ (7)، و هو ظاهر (8)، انتهى.

و توضيح ما أفاده المحقّق المذكور هو أنّ هذه الأخبار إنّما هي مسوقة لبيان الحكم الظاهري و علاج في الواقعة المشكوكة، فلا يعقل أن يكون المأمور به في تلك الأخبار

____________

(1). «ج»: بعدم.

(2). «ج»: فيثبت.

(3). «ك»: مستندة.

(4). «ج»: لا إلى البراءة، و في «ك»: لا البراءة.

(5). «ج»: الإباحة.

(6). «ج، م»:- بالشكّ.

(7). «ز»: شك، و في المصدر: ليس ما يوجب حصوله في زمان آخر لو لا عروض شكّ.

(8). المشارق: 76.

130

غير ممكن الحصول، و على هذا التقدير فلا دلالة فيها على استصحاب القوم و تدلّ على الاستصحاب بالمعنى الذي ذكره.

فكلامه متضمّن لدعويين: الأولى: أنّ المراد بالرواية ليس النهي عن النقض مطلقا بل عند التعارض بالمعنى الذي فسّره و هو أن يكون شي‏ء يوجب اليقين لو لا الشكّ.

الثانية: أنّ هذه الرواية بعد ما عرفت المراد منها لا دلالة فيها على استصحاب القوم.

أمّا الأولى فلأنّ ظاهر لفظ النقض في اللغة و العرف هو كسر الشي‏ء إذا كان متّصل‏ (1) الأجزاء خلاف الإبرام، و لا بدّ في تحقّق‏ (2) هذا المعنى من اجتماع الناقض و المنقوض، فإنّ ذلك لا يحصل إلّا بعد التصادم و التعاند، و منه قوله تعالى: كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً (3) و لا ريب في استحالة إرادة هذا المعنى من الرواية؛ لامتناع اجتماع الشكّ و اليقين فإنّ فرض أحدهما ينافي وجود الآخر، و على تقدير إرادة هذا المعنى من أخبار الباب لا بدّ أن يكون اليقين أمرا متّصلا مستمرّا، ثمّ ينقطع ذلك الأمر المستمرّ بحدوث الشكّ، و بطلانه أمر بيّن، فلا مناص من حملها على خلاف ما هو الظاهر من لفظ النقض على وجه يكون أقرب إلى معناه الحقيقي كما قرّر من لزوم ذلك عند تعذّر الحقيقة، و أقرب الوجوه إلى المعنى الحقيقي هو أن يكون الشكّ متعلّقا على قضيّة تعلّق بها اليقين قبل حدوث الشكّ، فيكون المعنى: إذا حصل اليقين بشي‏ء، ثمّ شكّ في صحّة ذلك اليقين، فلا بدّ من الأخذ باليقين و عدم الاعتناء بالشكّ، فإنّه على هذا التقدير (4) تكون القضيّة المعلومة هي بعينها القضيّة المشكوكة من غير تغاير، و لا ريب في أقربية هذا المعنى من معنى النقض؛ لاجتماع الشكّ و اليقين في مورد واحد من جميع الوجوه حتّى في الزمان أيضا بالنسبة إلى متعلّقهما و إن كان زمان حصولهما متغايرا.

____________

(1). «م»: متّصلة.

(2). «م، ك»: تحقيق.

(3). النحل: 92.

(4). «ز»: التقرير.

131

فتكون‏ (1) الرواية دليلا على اعتبار أصالة الصحّة في الاعتقادات و تكون‏ (2) من وجوه الدليل على اعتبار استصحاب‏ (3) الساري، إلّا أنّ ملاحظة صدر الرواية و ذيلها و عدم الارتباط بينها و بين التعليل المذكور في رواية الوضوء- كما ستعرف تفصيل ذلك في محلّه بعيد ذلك‏ (4) إن شاء اللّه- يوجب الإعراض عن هذا المعنى إلى معنى آخر أقرب إلى المعنى الحقيقي بين المعاني المحتملة، و ما يحتمل قريبا في الرواية وجهان: أحدهما يدلّ على استصحاب القوم، و الآخر على استصحاب المحقّق.

أمّا الأوّل: فهو أن يراد من النقض مطلق الأخذ بخلاف الأحكام و الآثار المترتّبة على المتيقّن.

و أمّا الثاني: فهو أن يراد من النقض الأخذ (5) بالآثار التي من شأنها البقاء (6) لو لا الشكّ.

و لا شكّ أنّ الثاني أقرب إلى معنى النقض‏ (7) من الأوّل، و توضيحه أنّ صدق معنى النقض حقيقة موقوف على وجود أمرين في زمان واحد، فيتحقّق‏ (8) التعارض و التعاند بينهما فينقض‏ (9) أحدهما بالآخر، و إذا امتنع تحقّق هذا المعنى فالأقرب إليه أن يراد من اللفظ ما يتحقّق‏ (10) فيه التعارض شأنا، و ذلك لا يصدق إلّا مع بقاء مقتضي الحكم من زمان إلى زمان، ثمّ يعرض في الوسط ما يحتمل كونه مزيلا أو احتمل عروض المزيل أو نحو ذلك، و انطباق هذا المعنى على استصحاب‏ (11) المحقّق ظاهر، و ليس ما ذكرنا من‏

____________

(1). «ج، م»: فيكون.

(2). في النسخ: يكون.

(3). كذا. و لعلّ الصواب: الاستصحاب.

(4). «ج»:- بعيد ذلك.

(5). «ج، م»: هو الأخذ.

(6). سقطت عبارة: «و أمّا الثاني» إلى هنا من نسخة «ك».

(7). «ز، ك»: إلى النقض معنى.

(8). «ز»: فيحقّق.

(9). «ج»: فينتقض.

(10). «ج، م»: اللفظ تحقّق.

(11). «ز، ك»: الاستصحاب.

132

الأقربية مخصوصا بالرواية المشتملة على لفظ النقض كما توهّمه جماعة، بل لفظ الدفع كما في رواية العلوي «أنّ اليقين لا يدفع بالشكّ» (1) أيضا الظاهر منه ما ذكرنا كالرواية المشتملة على قوله: «اليقين لا يدخله الشكّ» فإنّ قوله: «لا يدخله» أيضا مثل قوله:

«لا تنقض» ظاهر فيما ذكرنا (2) بعد امتناع إرادة المعنى الحقيقي منها.

و أمّا الثانية: فقد ظهر ضعفها (3) في خلال تقريب الأولى فلا حاجة إلى إطالة الكلام في تقريرها، فإنّ التعارض لا يحصل إلّا فيما ذكره دون ما ذكره القوم.

فإن قلت: إنّ الأمر في استصحاب القوم أيضا كذلك؛ إذ ليس الكلام في الأحكام الموقّتة التي تزول بزوالها، و لا فيما تنعدم بعد وجودها آناً ما، بل في الأحكام القابلة للبقاء و الزوال حين الشكّ، و حينئذ فلو فرض عدم الشكّ في البقاء لكان اليقين به في محلّه، فإنّ عروض الشكّ لا يمكن إلّا فيما احتمل انتفاء جزء من العلّة المقتضية للحكم، فعند عدم الشكّ فلا بدّ من القطع ببقاء العلّة التامّة، فتفرّع عليها القطع ببقاء الحكم، فاليقين حاصل لو لا الشكّ.

قلت: نعم و لكن لا بدّ أن يعلم أنّ مراد المحقّق- على ما يظهر في الحاشية التي علّقها على غير المقام على ما حكاه السيّد الشارح في شرح الوافية- هو وجود المقتضي للحكم المعمول به عند عدم الشكّ قطعا، لا مجرّد عدم الشكّ فإنّه و إن كان يلازم اليقين لكنّه بواسطة انتفاء الواسطة بين الشكّ و اليقين، فإنّ المراد بالشكّ ما عدا اليقين في المقام و ذلك لا ينافي الشكّ في وجود المقتضي أيضا بخلاف ما ذكره فيما فسّر التعارض بأن يكون شي‏ء يوجب اليقين لو لا الشكّ، فالمفروض عنده وجود خطاب يقضي بالحكم لو لا معارضة الشكّ، و لا ريب في أنّه إذا فرض ارتفاع المعارض بانتفاء احتمال المانع وجب الأخذ بالمقتضي فإنّه يؤثّر (4) أثره على تقدير عدم المانع.

____________

(1). تقدّم في ص 103.

(2). «ز، ك»: ذكر.

(3). «ج، م»: صدقها.

(4). «ز، ك»: لا يؤثّر.

133

لا يقال: إنّ ارتفاع الشكّ لا يوجب اليقين بالبقاء دائما؛ لإمكان ارتفاعه باليقين بالعدم، فارتفاع الشكّ لا يوجب اليقين كما هو المقصود.

لأنّا نقول: المفروض وجود المقتضي للحكم في استصحابه، فالقطع بالعدم لا يتصوّر إلّا بواسطة القطع بوجود المزيل، و خروجه عن مفروضه معلوم مفروض.

ثمّ قال طيّب اللّه رمسه اللطيف‏ (1): فإن قلت: هل الشكّ في كون شي‏ء مزيلا للحكم مع اليقين بوجوده كالشكّ في وجود المزيل أو لا (2)؟

قلت: فيه تفصيل؛ لأنّه إن ثبت بالدليل أنّ ذلك الحكم مستمرّ إلى غاية معيّنة في الواقع، ثمّ علمنا صدق تلك الغاية على شي‏ء و شككنا في صدقها على شي‏ء آخر (3) أم لا، فحينئذ لا ينقض اليقين بالشكّ، و أمّا إذا لم يثبت ذلك، بل إنّما ثبت أنّ ذلك الحكم مستمرّ في الجملة و مزيله الشي‏ء الفلاني و شككنا في أنّ الشي‏ء الآخر مزيله أم لا، فحينئذ لا ظهور في عدم نقض الحكم و ثبوت استمراره؛ إذ الدليل الأوّل ليس بجار فيه، لعدم ثبوت حكم العقل في هذه الصورة (4)، خصوصا مع ورود بعض الروايات الدالّة على عدم المؤاخذة بما (5) لا يعلم، و الدليل‏ (6) الثاني الحقّ أنّه لا يخلو عن إجمال، و غاية ما يسلّم منه إفادته‏ (7) الحكم في الصورتين اللتين ذكرناهما و إن كان فيه بعض المناقشات‏ (8)، لكنّه لا يخلو من‏ (9) تأييد للدليل الأوّل، فتأمّل‏ (10)، انتهى.

و سوق كلامه هذا لبيان الحكم فيما إذا جاء الشكّ من جهة الشك في مزيلية

____________

(1). «ز، ك»: الشريف.

(2). «ز، ك»: أم لا.

(3). في المصدر: ثمّ علمنا حصولها عند حصول شي‏ء و شككنا في حصولها عند حصول شي‏ء آخر.

(4). في المصدر: في مثل هذه الصورة.

(5). المثبت من «ج» و هو موافق للمصدر، و في سائر النسخ: «عمّا».

(6). «م»: دليل.

(7). في المصدر: إفادة.

(8). «ج»: المنافيات.

(9). «ز، ك»: عن.

(10). المشارق: 76.

134

الحادث، و حاصله التفصيل بين ما إذا كان الشكّ راجعا إلى الشكّ في الدليل المثبت لليقين في السابق الموجب لإجماله، و بين ما لم يكن راجعا إلى الشكّ فيه و موجبا لإجماله، فيحكم ببقاء التكليف على الأوّل دون الثاني، و دليله في المقام هو ما ذكره فيما إذا كان الشكّ في حصول المزيل و بلوغ الغاية، فانّ قاعدة الاشتغال جارية (1) بعد العلم بالتكليف من دون إجمال في المكلّف به مفهوما، بخلاف ما إذا كان مفهومه مجملا فلا يجري عنده القاعدة المذكورة. نعم دليله الثاني لا يقضي‏ (2) بالفرق كما نبّه عليه أيضا.

و الحاصل أنّ تفصيله في المقام راجع إلى تفصيله سابقا من أنّ الشكّ إن كان من جهة إجمال الدليل المقتضي لليقين السابق فلا يحكم ببقاء التكليف، و إن لم يكن كذلك بأن يكون الدليل مسبّبا فيحكم بالبقاء.

ثمّ قال (قدس اللّه لطيفه)(3): فإن قلت: الاستصحاب الذي يدّعونه‏ (4) فيما نحن فيه و أنت قد منعته الظاهر أنّه من قبيل ما اعترفت بحجّيته؛ لأنّ حكم النجاسة ثابت ما لم يحصل الظنّ‏ (5) المعتبر شرعا بوجود المطهّر، لأنّ حسنة ابن المغيرة و موثّقة ابن يعقوب ليستا حجّتين شرعيتين‏ (6) خصوصا مع معارضتهما بالروايات كما تقدّم، فغاية الأمر حصول الشكّ بوجود المطهّر و هو لا ينقض اليقين كما ذكرت، فما وجه المنع؟

قلت: كونه من قبيل الثاني ممنوع؛ إذ لا دليل على أنّ النجاسة ثابتة ما لم يحصل مطهّر شرعي، و ما ذكروه‏ (7) من الإجماع غير معلوم؛ لأنّ غاية ما أجمعوا عليه أنّه‏ (8) بعد التغوّط لا يصحّ الصلاة- مثلا- بدون الماء و التمسّح رأسا بثلاثة أحجار متعدّدة و لا بشعب حجر واحد، و هذا الإجماع لا يستلزم الإجماع على ثبوت الحكم و النجاسة (9)

____________

(1). «ز، ك»: هي جارية.

(2). «ج»: لا يقتضي.

(3). «ج»: روحه.

(4). «ز، ك»: ندّعونه.

(5). في المصدر: ما لم يحصل مطهّر شرعي إجماعا و هاهنا لم يحصل الظنّ.

(6). في النسخ و المصدر: حجّة شرعية.

(7). في المصدر: ذكره.

(8). «ج، م»: أنّ.

(9). في المصدر: ثبوت حكم النجاسة.

135

حتّى يحدث شي‏ء معيّن في الواقع مجهول عندنا قد اعتبره الشارع مطهّرا، فلا يكون من قبيل ما ذكرنا.

فإن قلت: هب أنّه ليس داخلا تحت الاستصحاب المذكور، لكن نقول: إنّه قد ثبت بالإجماع وجوب شي‏ء على المتغوّط في الواقع، و هو مردّد بين أن يكون المسح بثلاثة أحجار متعدّدة أو الأعمّ منه و من المسح بجهات حجر واحد، فما لم يأت بالأوّل لم يحصل اليقين بالامتثال و الخروج عن العهدة، فيكون الإتيان به واجبا.

قلت: الإجماع على وجوب شي‏ء معيّن في الواقع مبهم في نظرنا عليه‏ (1) بحيث لو لم يأت بذلك الشي‏ء المعيّن لا يستحقّ العقاب‏ (2)، ممنوع، بل الإجماع على‏ (3) ترك الأمرين معا سبب لاستحقاق العقاب، فيجب أن لا يتركهما، و الحاصل أنّه إذا ورد نصّ أو إجماع على وجوب شي‏ء معيّن‏ (4)- مثلا- معلوم عندنا أو ثبوت حكم إلى غاية معلومة عندنا، فلا بدّ من الحكم بلزوم تحصيل اليقين أو الظنّ بوجود ذلك الشي‏ء المعلوم حتّى يتحقّق الامتثال و لا يكفي الشكّ في وجوده، و كذا يلزم الحكم ببقاء ذلك الحكم إلى أن يحصل العلم أو الظنّ بوجود تلك الغاية المعلومة و لا يكفي الشكّ في وجودها في ارتفاع ذلك الحكم، و كذا (5) إذا ورد نصّ أو إجماع على وجوب شي‏ء معيّن في الواقع مردّد عندنا بين أشياء (6) و نعلم أيضا عدم اشتراطه بالعلم- مثلا- يجب الحكم بوجوب تلك الأشياء المردّدة بينها (7) في نظرنا و بقاء ذلك الحكم إلى حصول تلك الأشياء أيضا، و لا يكفي الإتيان بشي‏ء واحد منها في سقوط التكليف، و كذا حصول شي‏ء واحد في‏

____________

(1). في المصدر: في الواقع منهم في نظره عليه.

(2). في المصدر: العقاب به.

(3). في «ك» و المصدر: على أنّ.

(4). في المصدر:- معيّن.

(5). في المصدر: كذلك.

(6). في المصدر: مردّد في نظرنا بين أمور و يعلم أنّ ذلك التكليف غير مشروط بشي‏ء من العلم بذلك الشي‏ء- مثلا- أو على ثبوت حكم إلى غاية معيّنة في الواقع مردّدة عندنا بين أشياء.

(7). في المصدر: فيها.

136

ارتفاع الحكم، سواء (1) في ذلك كون ذلك الواجب شيئا معيّنا في الواقع مجهولا عندنا، أو أشياء كذلك، أو غاية معيّنة في الواقع مجهولة عندنا، أو غايات كذلك، و سواء أيضا تحقّق قدر مشترك بين تلك الأشياء و الغايات، أو تباينها بالكلّية، و أمّا إذا لم يكن كذلك و ورد (2) نصّ- مثلا- على أنّ الواجب الشي‏ء الفلاني و نصّ آخر على أنّ ذلك الواجب شي‏ء آخر و ذهب بعض الأمّة إلى وجوب شي‏ء و الآخرون إلى وجوب شي‏ء آخر دونه و ظهر بالنصّ أو الإجماع في الصورتين أنّ ترك ذينك‏ (3) الشيئين معا سبب لاستحقاق العقاب، فحينئذ لم يظهر وجوب الإتيان بهما معا حتّى يتحقّق الامتثال، بل الظاهر الاكتفاء بواحد منهما، سواء اشتركا في أمر، أو تباينا كلّية (4)، و كذلك الحكم في ثبوت الحكم إلى غاية (5).

هذا مجمل القول‏ (6) في هذا المقام و عليك بالتأمّل في خصوصيات الموارد و استنباط أحكامها عن‏ (7) هذا الأصل و رعاية جميع ما يجب رعايته عند تعارض المعارضات، و اللّه الهادي إلى سواء الطريق‏ (8)، انتهى كلماته الشريفة (قدّس اللّه سرّه) (9).

و للمحقّق المذكور كلام‏ (10) آخر في الحاشية على ما حكاه السيّد الشارح مربوط بالمقام لا بأس بإيراده كي ينقّح‏ (11) المرام فقال- عند شرح قول الشهيد (رحمه اللّه)(12): و يحرم استعمال الماء النجس و المشتبه-: توضيحه‏ (13) أنّ الاستصحاب لا دليل على حجّيته عقلا، و ما تمسّكوا به ضعيف، و غاية ما يتمسّك فيها ما ورد في بعض الروايات‏ (14)

____________

(1). في المصدر: و سواء.

(2). في المصدر: بل ورد.

(3). في المصدر: ذلك.

(4). «ز، ك»: كلّيا، و في المصدر: بالكلّية.

(5). في المصدر: الغاية.

(6). «ج»: الكلام.

(7). «ز، ك»: من.

(8). المشارق: 76- 77.

(9). «ز، ك»:- (قدّس اللّه سرّه).

(10). «ز، ك»: ثمّ إنّ للمحقّق المذكور كلاما.

(11). «ج، م»: يتّضح.

(12). «ج، م»:- (رحمه اللّه).

(13). «ج»: و توضيحه.

(14). «ز، ك»: الأخبار.

137

الصحيحة: «أنّ اليقين لا ينقض بالشكّ أبدا أو أنّه ينقضه بيقين آخر مثله» (1) و على تقدير تسليم صحّة الاحتجاج بالخبر في مثل هذا الحكم الظاهر (2) أنّه من الأصول و يشكل التمسّك بالخبر الواحد في الأصول إن سلّم جواز التمسّك به في الفروع، نقول: الظاهر أوّلا أنّه لا يظهر شموله للأمور الخارجية مثل رطوبة الثوب و نحوها؛ إذ يبعد أن يكون مرادهم بيان الحكم في مثل هذه الأمور الذي ليس حكما شرعيا و إن كان يمكن أن يصير منشأ لحكم شرعي بالعرض، و مع عدم الظهور لا يمكن الاحتجاج به فيها، و هذا ما يقال: إنّ الاستصحاب في الأمور الخارجية لا عبرة به.

ثمّ بعد تخصيصه بالأحكام الشرعية نقول: الأمر على وجهين: أحدهما: أن يثبت حكم شرعي في مورد خاصّ باعتبار حال يعلم من الخارج أنّ زوال تلك الحالة لا يستلزم زوال ذلك الحكم، و الآخر: أن يثبت باعتبار حال لا يعلم فيه ذلك.

مثال الأوّل إذا ثبت نجاسة ثوب خاصّ باعتبار ملاقاته للبول بأن يستدلّ عليها بأنّ هذا شي‏ء لاقاه البول، و كلّ ما لاقاه البول نجس، فهذا نجس، و الحكم الشرعي النجاسة، و ثبوته باعتبار حال هو ملاقاة البول و قد علم من خارج ضرورة أو إجماعا أو غير ذلك بأنّه لا تزول‏ (3) النجاسة بزوال الملاقاة فقط.

و مثال الثاني ما نحن بصدده فإنّه ثبت وجوب الاجتناب عن الإناء المخصوص باعتبار أنّه شي‏ء يعلم وقوع النجاسة فيه بعينه، و كلّ شي‏ء كذلك يجب الاجتناب عنه و لم يدلّ دليل‏ (4) من الخارج أنّ‏ (5) ذلك الوصف الذي يحصل باعتبار زوال المعلومية بعينه لا دخل له‏ (6) في زوال الحكم.

____________

(1). تقدّم في ص 88.

(2). في المصدر: في مثل هذا الحكم و عدم منعها بناء على أنّ هذا الحكم الظاهر.

(3). المثبت من «ك» و في سائر النسخ و المصدر: «لا يزول».

(4). في المصدر: و لم يعلم بدليل.

(5). في المصدر:+ زوال.

(6). «ج»: فيه.

138

و على هذا نقول: شمول الخبر للقسم الأوّل ظاهر، فيمكن التمسّك بالاستصحاب فيه، و أمّا القسم الثاني فلا، فالتمسّك‏ (1) فيه مشكل.

فإن قلت: بعد ما علم في القسم الأوّل أنّه لا يزول الحكم بزوال الوصف فأيّ حاجة إلى التمسّك بالاستصحاب؟ و أيّ فائدة فيما ورد في الأخبار بأنّ‏ (2) اليقين لا ينقض إلّا بمثله؟

قلت: القسم الأوّل على وجهين: أحدهما: أن يثبت [أنّ‏] (3) الحكم بمثل النجاسة بعد ملاقاة النجس حاصل ما لم يرد عليه الماء على الوجه المعتبر في الشرع، و حينئذ فائدته أنّ عند حصول الشكّ بورود الماء لا يحكم بزوال النجاسة، و الآخر: أن يعلم ثبوت الحكم في الجملة بعد زوال الوصف لكن لم يعلم أنّه ثابت دائما أو في بعض الأوقات إلى غاية معيّنة محدودة أو لا، و فائدته حينئذ أنّه إذا ثبت الحكم فيستصحب إلى أن يعلم المزيل.

ثمّ لا يخفى أنّ الفرق الذي ذكرنا من أنّ إثبات مثل هذا بمجرّد الخبر مشكل، مع انضمام أنّ‏ (4) في القسم الثاني لم يبلغ مبلغه في القسم الأوّل و أنّ اليقين لا ينقض بالشكّ، قد يقال: إنّ ظاهره أن يكون اليقين حاصلا لو لا الشكّ باعتبار دليل دالّ على الحكم في غير صورة ما شكّ فيه؛ إذ لو فرض عدم دليل عليه لكان نقض اليقين حقيقة باعتبار عدم الدليل الذي هو دليل العدم لا الشكّ كأنّه يصير قريبا، و مع ذلك ينبغي الاحتياط في كلّ من القسمين، بل في الأمور الخارجية أيضا (5)، انتهى كلامه الشريف في التعليقة.

و خلاصته ما أورد على نفسه في الكلام المنقول عنه‏ (6) قبل الحاشية (7) من قوله: فإن‏

____________

(1). «ج»: فلأنّ التمسّك.

(2). «ز، ك»: من أنّ.

(3). ما بين المعقوفين من المصدر.

(4). «ك»: أنّ الظهور.

(5). شرح الوافية (مخطوط): 133/ ب- 134/ أ.

(6). «ج، م»:- عنه.

(7). في ص 135.

139

قلت: هو إرجاع ما يكون الشكّ فيه من حيث احتمال مانعية الشي‏ء شرعا- كالمذي و الاستنجاء بحجر ذي ثلاث شعب- إلى ما يكون الشكّ فيه من جهة الصدق حتّى يقال بجريان الاستصحاب فيه، و بيان الرجوع فبانتزاع مفهوم عامّ يشكّ في صدقه على المشكوك‏ (1) المانعية كأن يقال: إنّ الوضوء باق إلى حدوث المزيل، و النجاسة باقية إلى حدوث ما يرتفع بها، و يشكّ في صدق المزيل على المذي كالرافع على الحجر المذكور فيؤخذ بالاستصحاب في دفع الشكّ.

و خلاصة ما أجاب به عن ذلك هو أنّه لا وجه للإرجاع المذكور؛ إذ المناط على العناوين الموجودة في كلام الشارع و ليس في كلامه ما يدلّ على بقاء النجاسة إلى حدوث ما به يرتفع‏ (2) قطعا، فانّ الإجماع المدّعى على ذلك ممنوع، نعم العقل قد انتزع هذا العنوان من قبل نفسه و لا يناط عليه كما هو ظاهر.

و نظير ما أورده في المقام و دفعه كثير (3) كتوهّم البعض عدم جواز الأخذ بالعمومات و الأصول الكلّية بعد العلم بوصول التخصيص بها إجمالا. و قد أجبنا عنه بأنّ العامّ المخصّص بالمجمل إنّما يقصر عن الحجّية فيما لم يكن الإجمال انتزاعيا عقليا كما إذا قال الشارع: «أكرم العلماء إلّا بعضهم» و أمّا فيما مثل المقام‏ (4) فذلك يوجب الفحص على وجه لا يبقى معه العلم الإجمالي بالمخصص و بعد ذلك فظاهر العامّ محكّم، و منه حسبان بعضهم عدم جواز التمسّك بقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (5) عند الشكّ في وجوب الوفاء بعقد؛ لتخصيصه بالعقود الجائزة قطعا، فعند الشكّ لا يعلم بدخول المشكوك في عنوان المخصّص أو المخصّص، و الجواب عنه أيضا ما عرفت من عدم الاعتبار بعنوان المخصّص الانتزاعي. و منه أيضا توهّم عدم جواز التمسّك بقوله: «صلّ» لإثبات صحّة صلاة مشكوكة؛ إذ المراد بالأمر ما لا يكون فاسدا، و فيه أيضا أنّ الصحّة و الفساد

____________

(1). كذا. و لعلّ الصواب: مشكوك.

(2). «ج»: يرتفع به.

(3). هذا هو الصواب و في «ج، م»: كثيرة، و في «ز، ك»: كغيره.

(4). «ز، ك»: و أمّا في مثل المقام.

(5). المائدة: 1.

140

أمران انتزاعيان و ليسا ممّا جاءا من قبل الشارع، فلا اعتداد بهما.

و أمّا ما أفاده أخيرا فمرجعه إلى جريان قاعدة الاشتغال فيما إذا علم بوجود المكلّف به بين أشياء مردّدة، و عدم الأخذ بمقتضاها من القول بوجوب الموافقة القطعية بعد القول بحرمة المخالفة القطعية فيما إذا علمنا إجمالا بأنّ الحكم إمّا كذا و إمّا كذا، من غير فرق في ذلك بين دوران الأمر بين المتباينين أو الأقلّ و الأكثر.

و أمّا ما أورده في التعليقة فلعلّه مطابق لما حقّقه في المقام كما يظهر بالتأمّل، إلّا أنّه يظهر من قوله: ثمّ لا يخفى أنّ الفرق الذي‏ (1) إلخ، وجه‏ (2) آخر في الاستدلال على مرامه، و محصّله: أنّ الظاهر من الأخبار عدم جواز نقض اليقين بالشكّ، و لا ريب أنّه إذا لم يعلم مقدار الاقتضاء ففي زمان الشكّ لا دليل على الحكم السابق، فإنّ المفروض عدم شموله لزمان الشكّ، و من المقرّر في مقامه هو الأخذ بمقتضى «عدم ثبوت الحكم عند عدم دليل عليه؛ لأنّه دليل العدم» ففي الزمان الثاني الذي يشكّ في‏ (3) ثبوت الحكم فيه لا مورد لقوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ» لأنّه نقض له باليقين؛ لما حقّق في محلّه من حجّية «عدم الدليل دليل العدم» بخلاف ما إذا علمنا مقدار الاقتضاء فإنّ الدليل الأوّل شامل لزمان الشكّ، فإذا حكمنا بخلافه فإنّما هو نقض لليقين بالشكّ لا لأجل عدم الدليل؛ إذ المفروض وجود الدليل، فالأخبار لا تشمل ما إذا كان الشكّ في مقدار زمان الحكم كما فرضه القوم.

فصار الحاصل من مذهب المحقّق المذكور أنّه إذا كان الحكم الشرعي محدودا إلى غاية معيّنة أو حالة كذلك، فلا بدّ من الحكم ببقائه عند الشكّ في وجود الغاية أو الحالة المزيلتين، و أمّا إذا لم يكن كذلك سواء كان الشكّ في وجود الدليل المقتضي للحكم أو كان الشكّ في مانعية الموجود، أمّا الأوّل: فصريح كلماته المنقولة تنادي‏

____________

(1). «ز، ك»:- الذي.

(2). «ج، م»: وجها.

(3). «ج، م»:- في.

141

بذلك، و أمّا الثاني: فيظهر منه فيما أورده على وجه السؤال بقوله: «هل الشكّ في كونه إلخ» فإنّ لازم تضعيف أدلّة الاستصحاب و الحكم بإجمالها حجّيته في الصورتين اللتين نبّه عليهما فقط: الأولى: الشكّ في وجود الغاية المعلومة أو المزيل المعلوم، الثانية: الشكّ في صدق الغاية على شي‏ء، فالأوّل كما إذا شكّ في وجود الليل‏ (1) بعد كونه غاية للصوم، أو في حدوث البول بعد العلم بكونه مزيلا للطهارة، و (2) الثاني كالشكّ في صدق النوم المزيل على الخفقة و الخفقتين‏ (3) مثلا، و يجمعهما الشكّ من جهة الاشتباه في الأمر الخارجي بعد العلم بالحكم الشرعي، و أمّا إذا كان الشكّ في نفس الحكم الشرعي كالشكّ في مانعية المذي للطهارة بعد العلم بعدم صدق المزيل المعلوم المزيلية و هو البول عليه، و كالشكّ في إزالة النجاسة بالتمسيح بحجر واحد ذي ثلاث شعب بعد العلم بعدم كونه من مصاديق ثلاثة أحجار، فالاستصحاب ليس حجّة عنده فيه و إن كان من أقسام الشكّ في المانعية؛ لأنّه لو فرض عدم الشكّ لا يلزم منه اليقين كما أخذه معيارا في مجاري استصحابه.

و أمّا التمسّك بنفس الخطاب الدالّ على الحكم، فلا وجه له عنده أيضا؛ لعدم تعرّض دليل الوضوء لحال عروض المذي، و لذلك لم يحكم بجريان قاعدة الاشتغال في هذه الصورة أيضا، فجريان الاستصحاب فيها موقوف على ما يراه القوم فيه و لا يتمّ على ما ذكره.

هذا تمام الكلام في توضيح ما أفاده و استخراج مرامه من ألفاظه الشريفة فها أنا أشرع في الإيراد عليه متمسّكا بالعروة الوثقى و الحبل المتين الذي أودعه اللّه ببركات مولانا الأمير في نفوسنا.

فأقول: إنّ خلاصة ما استدلّ به على مطلبه وجهان: أحدهما: الأخذ بقاعدة

____________

(1). «ز»: الدليل، و كذا في «ك» ثمّ غيّر ب «الليل».

(2). «ز، ك»:- و.

(3). «ج، م»: الخفقتان.

142

الاشتغال، و ثانيهما: أخبار الاستصحاب.

و يرد على الوجه الأوّل وجوه من الإيراد: الأوّل: أنّه غير مطابق لما أخذه في عنوان مطلبه، و تحقيق ذلك أنّ العبارة المنقولة منه- و هو قوله بعد نفيه لاستصحاب القوم و استظهاره حجّية الاستصحاب بمعنى آخر و هو أن يكون دليل شرعي على أنّ الحكم الفلاني بعد تحقّقه ثابت إلى حدوث حالة كذا- شاملة لصور عديدة لا مسرح لقاعدة الاشتغال فيها بوجه، و توضيحه أنّ الأحكام على ما ذكره على‏ (1) ثلاثة أقسام:

إمّا وضعية أو اقتضائية أو تخييرية، و لمّا كان مرجع الأولى إلى أحد الأخيرين فينحصر فيهما، و قد عرفت ما ذكرنا في توجيه التخييرية فلا نطيل‏ (2) بإعادته.

و أمّا الاقتضائية: فإمّا أمر أو نهي، فالأمر الوارد في الشريعة يحتمل وجوها: فتارة:

يكون رجوعه إلى واجبات عينية متعدّدة على حسب تعدّد الأزمنة التي يمكن وقوع المأمور به فيها على وجه لا يناط الوجوب في زمان به في زمان آخر، كما لو قيل:

اجلس في المسجد- مثلا- إلى زمان كذا، فيما لو كان الجلوس في كلّ آن واجبا مستقلّا، و لا ريب في أنّ الوقت الذي يشكّ فيه أنّه مما أمر بالجلوس فيه أو لا الاشتباه فيه ليس بواسطة الاشتباه في الحكم الشرعي، بل الشبهة موضوعية وجوبية صرفة و لا يكاد يعقل جريان الاشتغال في الموضوع المشتبه كما حقّقنا ذلك في محلّه بما لا مزيد عليه حتى أنّ الأخباري أيضا لم يحم حول الاحتياط في المقام، و لا أظنّ أنّه يرضى بذلك أيضا.

و تارة أخرى: يقع على وجه يكون مرجعه إلى الواجبات التخييرية كما في الواجبات الموسّعة كما في قوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏ (3) فلو شكّ في زمان في حصول الغاية فالحكم كما ذكرنا (4) البراءة أيضا؛ إذ لا فرق في جريان‏

____________

(1). «ز، ك»:- على.

(2). «ج، م»: يسهب.

(3). الإسراء: 78.

(4). «ز، ك»: فالحكم على ما ذكرنا.

143

البراءة بين‏ (1) كون الواجب تخييريا أو تعيينيا، و لا سيّما في الشبهة الموضوعية، لكن ذلك بالنسبة إلى لزوم الفعل في الآن المشكوك فيه، و أمّا بالنسبة إلى إتيان نفس الفعل فقضيّة القاعدة المذكورة هو وجوب إتيانه‏ (2) قبل مجي‏ء الوقت المشكوك تحصيلا للفراغ اليقيني بعد العلم بالاشتغال. نعم يتمّ ذلك على تقدير استصحاب نفس الوقت نظرا إلى أصالة عدم دخول الغاية، و هو هدم لما أسّس؛ لرجوعه إلى استصحاب القوم.

و تارة أخرى: يقع على وجه لا يرجع إلى واجبات عينية تخييرية، فيكون الفعل في تمام الوقت واجبا عينيا مستقلّا، و الوجوب في أجزاء الوقت راجع‏ (3) إلى الوجوب الغيري كما لو قال: صم إلى الليل، على أن يكون الإمساك في تمام النهار واجبا مستقلّا لا واجبات متعدّدة. ففي زمان يشكّ‏ (4) فيه في انقضاء المدّة و دخول الغاية هل يحكم بوجوب الإمساك عملا بالاشتغال أو يؤخذ بالبراءة؟ فيه تفصيل، فإنّ ما بعد الغاية قد يكون الإمساك فيه محرّما أو موجبا (5) لفساد العمل فيما قبل الغاية، و قد لا يكون حراما و لا موجبا لفساد العمل على وجه‏ (6)، فعلى الأوّل ففي زمان الشكّ يدور الأمر (7) بين المحذورين: فإمّا يؤخذ بجانب الحرمة لكونها دفعا (8)، دون الوجوب لكونه جلبا (9)، أو يقال بالتخيير، و على التقديرين لا مجال للاحتياط فيه. و على الثاني فهو مورد الاحتياط عند التحقيق و إن احتمل بعضهم البراءة؛ لكون الشبهة مصداقية مع دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر، فيصحّ ما أفاده في هذه الصورة خاصّة على التحقيق.

و أمّا على الاحتمال الآخر فلا وقع لكلامه أصلا إلّا على تقدير استصحاب الوقت و قد عرفت أنّه لا يتمّ إلّا على مذاق القوم، مضافا إلى أنّ هذه الصورة خارجة عن‏

____________

(1). «ج»: في.

(2). «م»: إثباته.

(3). «ز»: الراجع، و سقطت من نسخة «ك».

(4). «ج»: الشكّ.

(5). «ج»: محرّمة أو موجبة.

(6). «ج، م»:- على وجه.

(7). «ج، م»: فالأمر دائر.

(8). «ج، م»: دفع.

(9). «ج، م»: جلب.

144

عنوان كلامه؛ لأنّ الحكم في وجوب الصوم ليس مغيّا بغاية، بل متعلّقه- و هو الصوم- كذلك، و لا دخل لأحدهما بالآخر.

و على هذا القياس فيما لو كان الحكم الاقتضائي نهيا من‏ (1) غير فرق بين قسميهما.

و بالجملة: فإن أراد من كلامه- على ما هو ظاهره- ما يشمل جميع هذه الصور فالمناقشة عليها بما مرّ ظاهرة، و إن أراد خصوص الصورة المفروضة فبعد عدم انطباقها بعنوانه كما عرفت فهو خلاف قاعدة التعبير، سيّما (2) من مثله.

و لقد أورد عليه السيّد الشارح- بعد نقل كلامه-: أوّلا: بأنّ‏ (3) الدليل جار فيما إذا ثبت تحقّق حكم في الواقع مع الشكّ في تحقّقه بعد انقضاء زمان لا بدّ للتحقّق منه، و هذا هو الذي أجرى القوم فيه‏ (4) الاستصحاب، قال: بيانه أنّا كما نجزم في الصورة التي فرضها بتحقّق الحكم في قطعة من الزمان و نشكّ أيضا حين القطع في تحقّقه في زمان يكون حدوث الغاية و عدم حدوثها (5) متساويين عندنا، كذلك نجزم بتحقّق الحكم في زمان لا يمكن تحقّقه إلّا فيه و نشكّ أيضا حين القطع في تحقّقه في زمان متّصل بذلك الزمان؛ لاحتمال وجود رافع لجزء من أجزاء علّة الوجود و عدمه، فكما أنّ في صورة الشكّ في الصورة الأولى يكون الدليل محتملا لأن يراد منه وجود الحكم في الزمان الذي يشكّ في وجود الحكم فيه و أن يراد منه عدم وجوده فيه، كذلك حال الدليل في الصورة التي فرضناها، و على هذا القول‏ (6) لو لم يمتثل التكليف المذكور لم يحصل الظنّ بالامتثال و الخروج عن العهدة، و لو امتثل لحصل القطع به؛ لأنّه في زمان الشكّ إن كان الواقع وجود الحكم فقد فعلنا ما كان علينا من التكليف، و إن كان الواقع عدمه فقد خرجنا بما فعلنا في زمان القطع عن العهدة.

____________

(1). «ج، م»: مع.

(2). «ج، م»:- سيّما.

(3). في المصدر:+ هذا.

(4). «ز، ك»: فيه القوم.

(5). في المصدر: حدوثه.

(6). في المصدر: نقول.

145

و ثانيا: بأنّ تحصيل القطع أو الظنّ بالامتثال إنّما يلزم مع القطع أو الظنّ بثبوت التكليف، و في زمان الشكّ ليس شي‏ء منهما حاصلا و لو تمسّك بأنّ الشكّ إنّما هو في أوّل النظر، و أمّا مع ملاحظة اليقين السابق فالحاصل هو الظنّ ببقاء التكليف، فيكون المرجع هو ما قاله القوم، و نحن كما نطالبهم بدليل التعويل على مثل هذا الظنّ نطالبه (قدّس سرّه) أيضا، و الظاهر أنّ بناء كلامه (رحمه اللّه)(1) على أنّ اليقين بشغل الذمّة إذا حصل فلا بدّ من اليقين أو الظنّ بالبراءة و لا أقلّ من الظنّ و إن صار يقين شغل الذمّة بعد عروض الشكّ بالبراءة (2) مشكوكا فيه أيضا، و قد ادّعى الإجماع على هذا أيضا (3)، انتهى ما أورده السيّد على المحقّق المذكور.

و فيه: أنّ ما ذكره في الوجه الأوّل في الإيراد- و إن كان وجيها في بادئ الأنظار، فإنّ المورد إذا كان من موارد الاشتغال كالصوم المعتبر فيه الارتباط بين الأجزاء، فلا فرق في جريان القاعدة بين أن يكون الخطاب مغيّا بغاية كقوله: «صم إلى الليل» أو لم يكن كما إذا قال: «صم» من دون أخذ الغاية، فيعمّ الدليل غير المطلوب- إلّا أنّ من المقرّر في مقامه- كما يقتضيه النظر الدقيق- عدم ورود هذا الإيراد على المحقّق المذكور؛ لأنّ الحكم الشرعي قد يعلم تعلّقه بعنوان معلوم كوجوب الصوم إلى مجي‏ء الليل مثلا، و إنّما يكون الشكّ في امتثال هذا العنوان، فيشكّ في تحقّق الصوم من زمان كذا إلى غاية كذائية، و حينئذ لا بدّ من الاحتياط، و مثل ذلك ما لو نذر صوم بين هلالي رجب و شعبان و شكّ في يوم أنّه من أيّ الشهرين، فإنّه لا بدّ من صيامه عملا بالاحتياط اللازم. و قد يعلم تعلّقه بعنوان غير معلوم المراد كما إذا تعلّق الوجوب بالصوم النهاري و شكّ في أنّه هل هو يتمّ عند سقوط القرص أو عند ذهاب الحمرة المشرقية لغة؟ كما في الأقلّ و الأكثر الارتباطيين في الشبهة الحكمية على ما سبق تحقيق القول فيها،

____________

(1). «ز، ك»:- (رحمه اللّه).

(2). في المصدر: في البراءة.

(3). شرح الوافية (مخطوط) 132/ ب- 133/ أ.

146

و حينئذ فلا دليل على وجوب الاحتياط، بل التحقيق هو الأخذ بالبراءة. و لازم هذه المقدّمة ثبوت الفرق بين موارد الاستصحاب على ما ذكره القوم و بينه‏ (1) على ما ذكره، و من هنا يظهر وجه الضعف في الوجه الثاني أيضا، و لعلّه تنبّه بضعفه‏ (2) المورد أيضا كما أشعر بذلك‏ (3) في قوله: «و الظاهر أنّ بناء كلامه» و إلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده المحقّق القمي في دفع‏ (4) ما أورده السيّد، فلا مساس لما أورده بعض الأجلّة في الاعتراض عليه بكلامه، فلاحظ و تأمّل تهتدي إلى ما هو الحقّ بإفاضة من الموفّق الهادي.

و يرد على الوجه الثاني من وجهي استدلاله: أنّ قوله في معنى الرواية:- إنّ المراد منها عدم جواز النقض عند التعارض، و جعله معنى التعارض أن يكون هناك شي‏ء يوجب اليقين لو لا الشكّ، و حسبانه أنّ هذا المعنى لا ينطبق على استصحاب القوم، بل هو مختصّ بما أفاده- ممّا لم يظهر له وجه وجيه، بل لعلّه ممّا لا يستقيم بوجه، أمّا حمله الرواية على المعنى المذكور فالوجه فيه هو ما عرفته من استفادة ذلك من مادّة النقض و الدفع و الدخل، و الجواب عن ذلك أنّ الأقربية و إن اقتضت حمل الرواية على ما ذكره إلّا أنّ هناك قرائن أخر توجب حملها على ما هو متفاهم القوم من إرادة ترتيب مطلق الآثار التي يترتّب على المتيقّن ممّا هي لا يترتّب على نفس صفة العلم كما ستعرف الوجه في هذا التقييد، ففيما لو شكّ في ثبوت الشفعة أو الخيار في زمان بعد العلم بهما في الجملة لا بدّ من الأخذ بالاستصحاب جريا على طريقة القوم.

أمّا أوّلا: فلأنّ المعنى المذكور من الرواية ممّا لا ينساق عرفا بعد العرض على الأفهام المستقيمة الخالية عن شوائب الأوهام؛ لظهور ابتنائه على الدقّة التي لا تصل إليها إلّا الأوحدي، و من البعيد في الغاية حمل الروايات التي هي منساقة على متفاهم العرف على مثل هذه الوجوه البعيدة عن أذهانهم، فإنّ الذهن‏ (5) لا يكاد يلتفت إلى هذا

____________

(1). «م»: و فيه.

(2). «ز، ك»: لضعفه.

(3). «ز، ك»: به.

(4). «م، ك»: رفع.

(5). «م»: الناس.

147

المعنى أصلا.

و أمّا ثانيا: فلأنّ مورد الرواية من استصحاب القوم، فإنّ قول الإمام: «إذا لم يدر في ثلاث هو أو أربع و قد أحرز الثلاث، قام و أضاف إليها أخرى و لا شي‏ء عليه» (1) تمسّك منه بأصالة عدم وقوع الركعة المشكوكة و استصحاب لعدمها، و ليس من استصحاب المحقّق كما هو ظاهر؛ لانتفاء التعارض على ما زعمه.

و أمّا ثالثا: فلأنّ قوله (عليه السّلام) في الرواية بعد قوله: «و لكن ينقض الشكّ باليقين و يبنى عليه» من أوضح القرائن على أنّ المراد بالنقض هو عدم ترتيب الآثار المترتّبة على المتيقّن؛ لأنّ الظاهر وروده مفسّرا لسابقه كقوله: «و لا يعتدّ بالشكّ» و قوله: «و لا يختلط أحدهما بالآخر» و الكلّ ظاهر في ترتيب مطلق الآثار، و لا يتصوّر فيها القول بأنّ المراد عدم النقض فيما إذا كان شي‏ء يوجب اليقين لو لا الشكّ، ففيما إذا شكّ في الخيار أو الشفعة فلو لم يؤخذ باليقين لصدق أنّه ما بنى على اليقين و أنّه نقض يقينه بالشكّ و بنى على شكّه. و بما (2) ذكرنا من ورود بعض هذه الفقرات مفسّرا للآخر ينقطع ما عسى أن يتوهّم: أنّ جعل النقض قرينة لهذه الفقرات بصرفها (3) عن ظاهرها (4) إلى ما هو المراد منه أيضا محتمل، فلا وجه للعكس كما هو مبنى الإيراد، مضافا إلى بعده في نفسه كما ذكرنا، و يتّضح ما ذكرنا في الغاية بعد ملاحظة قوله (عليه السّلام) في رواية الخصال:

«فليمض على يقينه، فإنّ اليقين لا يدفع بالشكّ» (5) فإنّ الظاهر من الإمضاء البناء (6) على شي‏ء و العمل عليه، فيصير قرينة على أنّ المراد بالدفع أو النقض الواردين في العلّة هو ما يساوي الإمضاء، و القول بأنّ عموم الإمضاء يدفع باختصاص العلّة- كما هو ديدنهم في الأخذ بعموم العلّة و خصوصها في نظائر المقام- ممّا لا يصغى إليه بعد

____________

(1). تقدّم في ص 98 و كذا الفقرات الآتية جزء منها.

(2). «ز»: مما، و سقطت من «ك».

(3). «ز، ك»: تصرّفها، و «م»: لصرفها (ظ).

(4). «ج، م»:- ها.

(5). تقدّم في ص 103.

(6). في النسخ: على البناء.

148

مساعدة العرف على الأخذ بعموم الحكم كما يشاهد ما ذكرنا فيما لو اختصّ العامّ بالفرد النادر عند التعويل على تخصيصه بالعلّة.

و بالجملة: فأخبارهم بعضها يكشف عن بعض، و بعد عدم مساعدة العرف على معنى في البعض فلا بدّ من الأخذ بما هو الظاهر من غيره و حمله عليه، أمّا حسبانه اختصاص الرواية بموارد استصحابه دون استصحاب القوم نظرا إلى ما أفاده من معنى التعارض، فمبنيّ على ما أوضحنا مراده عند نقل كلامه، و محصّله: أنّ في مورد (1) استصحابه مقتضي اليقين موجود و إنّما الشكّ من حيث احتمال وجود المانع، بخلاف موارد استصحاب القوم فإنّ الشكّ فيه كما يحتمل من حيث احتمال وجود (2) المانع من اليقين كذلك يحتمل من حيث احتمال انتفاء المقتضي، فلا يتحقّق التعارض؛ لأنّ المانع معارض للمقتضي كما تقدّم، و بذلك دفعنا ما أورد عليه بعض المحقّقين من أنّ فرض عدم الشكّ في كلّ مورد يوجب اليقين كما صرّح به بعض الأجلّة (3) أيضا، إلّا أنّ البناء على ذلك موجب لهدم ما أسّسه أيضا، فإنّ ذلك غير موجود في شي‏ء من موارد الاستصحاب، لا على ما يراه و لا على ما يراه القوم.

بيان ذلك: أنّ الحكم إذا لم يكن ضروريا غير محتاج إلى علّة العلم فلا بدّ في حصول اليقين بذلك الحكم من واسطة، و يمتنع عقلا على ما بيّن في محلّه حصول ذلك اليقين من مقدّمة واحدة، بل لا بدّ من مقدّمتين- إحداهما تحكم باندراج الأصغر في الوسط، و الأخرى‏ (4) تحكم بثبوت الأكبر له- حتّى يمكن تعدّي الحكم منه إليه، و لا يعقل حصول اليقين بدون إحدى المقدّمتين، فمقتضى اليقين في كلّ حكم فرض هو الوسط في الإثبات فإنّه هو العلّة في ثبوت العلم، فمتى وجدت العلّة حصل المعلول، و إذا انتفت بانتفاء المقدّمتين كلتيهما أو بانتفاء إحداهما انتفى العلم، و لمّا امتنع خلوّ المدرك الملتفت عن الشكّ أو اليقين لمكان التضادّ من غير ثالث بينهما؛ إذ المراد بالشكّ‏

____________

(1). «م»: موارد.

(2). «ج»: احتمال انتفاء وجود.

(3). انظر ص 152.

(4). «م»: أخرى.

149

هو (1) ما عدا اليقين، يحصل الشكّ لخلوّ (2) المحلّ القابل عن المعارض، فعدم الشكّ لا تأثير له في حصول اليقين ما لم يفرض وجود علّة العلم من الواسطة في الإثبات المركّب من المقدّمتين، فانتفاء العلم دائما مستند إلى انتفاء أحد جزئي علّته و هي الصغرى تارة، و الكبرى أخرى، لا إلى وجود المانع بعد إحراز المقتضي؛ لأنّ ذلك لا يعقل في العلم.

و إذ قد عرفت هذه فنقول: إذا قيل: «صم» و شكّ في وقت معلوم في وجوب الصوم في ذلك الوقت، فعدم العلم بهذا الحكم من جهة انتفاء الكبرى؛ إذ المفروض عدم وجوب الصوم دائما أو موقّتا إلى وقت معيّن، لإطلاق الأمر و إهماله، و إن كانت الصغرى موجودة؛ للعلم بوجود النهار في الفرض مع الشكّ في وجوب الصوم في تمام النهار، و إذا (3) قيل: «صم إلى غسق الليل» و شكّ في وقت أنّه هل هو من النهار أو لا؟

فعدم العلم بوجوب الصوم في الفرض من جهة انتفاء الصغرى مع العلم بالكبرى و هو وجوب تمام صوم النهار، فلو فرض في الفرض الأوّل وجود (4) كلمة (5) تدلّ على وجوب صوم النهار لم يكن الشكّ معقولا، كما أنّه لو فرض في الفرض الثاني ما يدلّ على أنّ الوقت المشكوك من النهار ما كان الشكّ في الوجوب معقولا، فعدم العلم في المقامين مستند إلى فقد تمام المقتضي للعلم و انتفاء العلّة، و لا يعقل وجود المانع من العلم بعد إحراز الصغرى و الكبرى و العلم بهما، فظهر من ذلك أنّ استصحاب القوم مع استصحابه مشتركان في عدم مقتضي اليقين، فإنّ الفرض الأوّل من استصحاب القوم و انتفاء العلم فيه لانتفاء الكبرى، و الفرض الثاني من استصحابه و انتفاء العلم فيه لانتفاء الصغرى.

____________

(1). «ز، ك»:- هو.

(2). كذا. و لعلّ الصواب: بخلوّ.

(3). «ج»: فإذا.

(4). «ز، ك»: ورود.

(5). كتب تحتها في «م»: كلّه «نسخة» و في «ج»: كلّية.

150

و القول بأنّ الكبرى مقتض للعلم و العلم بالصغرى بمنزلة عدم المانع، بعد أنّه من المجازفات و الخرافات ليس بأولى من العكس.

و بالجملة: فالقول بأنّ مقتضي اليقين باق في استصحابه دون استصحاب القوم، تحكّم صرف؛ لتساويهما في انتفاء المقتضي و هو علّة العلم، لأنّ مقتضي العلم هو علّته و لا فرق بينهما في المقام، و الشكّ إنّما يحدث بعد انتفاء العلّة و المقتضي من حيث استحالة الخلوّ كما مرّ، و لئن سلّمنا أنّ الشكّ مانع من حصول اليقين فالمفروض أنّه لا يحصل إلّا بعد انتفاء إحدى المقدّمتين، فوجود (1) المانع مسبوق بانتفاء المقتضي، و عدم الشي‏ء منسوب إلى عدم المقتضي لو اجتمع ذلك وجود المانع.

نعم، ما ذكره يتمّ فيما لو قلنا بأنّ قولنا: «صم إلى الليل» كما يدلّ على وجوب الصوم في النهار يدلّ على أنّ المشكوك أيضا من النهار، فيكون العمل على الفرض الباطل بالدليل، و لا حاجة إلى التكلّف المذكور و التماس ذلك من الاشتغال و أخبار الاستصحاب كما استراح الأخبارية بذلك، و ممّا يوضح ما ذكرنا أنّ الخطاب المغيّى بغاية ينحلّ إلى عقد إيجابي و هو الوجوب قبل الغاية، و عقد سلبي و هو عدم الوجوب بعد الغاية، و نسبة المشكوك إلى القبل و البعد مساوية (2)، فالقول برفع الشكّ فيه بدخوله في العقد الإيجابي دون السلبي تحكّم صرف و مجازفة صريحة، و ذلك لا يتمّ إلّا على ما ذكرنا من أنّ عدم الشكّ لا دخل له في حصول اليقين، بل لا بدّ من إحراز موضوع أحدهما على وجه اليقين.

ثمّ إنّه بقي الكلام فيما أورده ذلك المحقّق الأستاد في التعليقة التي علّقها على قول الشهيد في الشبهة المحصورة، و محصّله هو الاستناد إلى وجه آخر في عدم حجّية الاستصحاب في موارده عند القوم؛ لاستناد النقض فيها إلى اليقين و هو مقتضى قاعدة العدم.

____________

(1). «ز، ك»: وجود.

(2). «ك»: متساوية.

151

و جوابه: تارة بالنقض بالاستصحاب في الموارد التي زعم جريانه فيها، فإنّ زمان الشكّ مع كونه مشكوكا إن كان مشمولا للدليل فلا حاجة إلى الاستصحاب في انسحاب الحكم إليه كما هو المقرّر عند الأخبارية، و إن لم يكن مشمولا للدليل فالمفروض عدم الدليل بالنسبة إلى زمان الشكّ. قولك: الدليل المغيّى بالغاية (1) ثابت بالفرض فلا يستقيم دعوى عدم الدليل، غير مستقيم؛ لأنّ المراد بالدليل إن كان حكم العقل بلزوم الامتثال بعد ملاحظة خطاب الشرع فلا يتمّ إلّا في بعض الموارد على ما عرفت تفصيل ذلك، و مع ذلك فهو خروج عن التمسّك بالاستصحاب و أخذ (2) بالاشتغال، و إن كان مجرّد الخطاب الشرعي فمن الظاهر أنّه لا مسرح للخطاب في زمن الشكّ؛ إذ لا يعقل الشكّ مع ذلك، و إن كان المراد هو أدلّة الاستصحاب على أبعد الوجوه فنسبتها إلى المقامين متساوية كما لا يخفى.

اللّهمّ إلّا أن يدّعى‏ (3) عدم صدق النقض في استصحاب القوم، و قد عرفت جوابه.

و أخرى بالحلّ و هو أنّ معنى حجّية الاستصحاب هو إلغاء أحكام الشكّ في موارده، و منها الأخذ بالبراءة أو الاحتياط أو قاعدة العدم، فإنّها أصول شرعية مقرّرة في مقام الشكّ، فالاستصحاب حاكم على هذه الأصول، و ستعرف تفصيل ذلك في محلّه عن قريب إن شاء اللّه.

تذنيب‏

زعم بعض الأجلّة (4) نهوض أخبار الباب على‏ (5) اعتبار الاستصحاب فيما إذا كان قضيّة الشي‏ء المعلوم ثبوته في زمن الشكّ لو لا عروض المانع أو منع العارض. و بعبارة

____________

(1). «م»: بغاية.

(2). «ز، ك»: الأخذ.

(3). «م»: إلّا بدعوى.

(4). في هامش «م»: و هو صاحب الفصول فإنّه حقيق بأن يكون جليلا.

(5). «م»: إلى.

152

واضحة إذا كان الشكّ من جهة المقتضي فلا دلالة للأخبار على اعتبار الاستصحاب، و إذا كان الشكّ من جهة الرافع فينهض الأخبار بإثبات الاستصحاب فيه، و زعم أنّه مطابق لما نقلناه من‏ (1) المحقّق الخوانساري إلّا أنّه قد يكون أعمّ موردا ممّا ذهب إليه حيث أفاد، و لقد أجاد المحقّق الخوانساري في فهم الرواية حيث قال: المراد من عدم نقض اليقين بالشكّ هو عدم النقض عند التعارض‏ (2)، و لكنّه ما أجاد في تخصيصها بالأحكام التي ثبت استمرارها إلى غاية معيّنة و شكّ في حصولها، بل يجري في كلّ ما ثبت بقاؤه ما لم يمنع منه مانع‏ (3)، انتهى.

و التحقيق: أنّ القولين مختلفان مفهوما و موردا، فلا وجه لحسبان انطباق أحدهما على الآخر على الوجه المذكور؛ لاختلاف مناطهما و تغاير ما هو الملاك فيهما، فإنّ قول المحقّق يناط على ثبوت الخطاب الموجب لليقين في مورد الشكّ لو لاه من دون ملاحظة استعداد المستصحب للبقاء في زمن الشكّ لو لا المانع، و مدار قول الزاعم إنّما هو ملاحظة حال المستصحب و استعداده من دون نظر إلى ثبوت الخطاب الموجب لليقين لو لا الشكّ، فملاك الأوّل على ملاحظة حال الدليل، و ملاك الثاني على ملاحظة حال المستصحب.

نعم، قد يكون المستصحب في مورد الخطاب الموجب لليقين ممّا قضيّته الثبوت عند الشكّ لو لا عروض المانع أو منع العارض كما في استصحاب بقاء الوضوء عند الشكّ في عروض البول.

و قد يكون المستصحب مقتضيا للبقاء مع انتفاء الخطاب الموجب لليقين كما في استصحاب بقاء النجاسة فيما إذا شكّ في مانعية التمسيح بحجر ذي ثلاث شعب، و كما في استصحاب الطهارة عند عروض المذي؛ إذ قد عرفت صراحة من المحقّق المذكور عدم‏

____________

(1). «ز، ك»: عن.

(2). المشارق: 76، سطر 18.

(3). الفصول: 367 و 371.

153

جريان الاستصحاب في المثال الأوّل.

و قد يكون الخطاب الموجب لليقين موجودا مع الشكّ في اقتضاء المستصحب للثبوت في زمن الشكّ كما في الخطاب الآمر بالصوم إلى الليل فيما إذا شكّ في آن أنّه من النهار أو من الليل، فإنّ الظاهر أنّ الشكّ من جهة المقتضي.

فالقولان مختلفان مفهوما و النسبة بينهما موردا هو العموم من وجه.

نعم، لو قلنا بأنّ مآل الشكّ في الغاية إلى الشكّ في المانع بعد إحراز المقتضي للمستصحب بتقريب أنّ الغاية توجب رفع الحكم و تمنع عن ثبوته كما هو الشأن في جميع الموانع، و مرجع الشكّ في المانع إلى الشكّ في الغاية نظرا إلى أنّ المانع غاية لثبوت المعلول‏ (1) و نهاية لوجوده، فالقولان متلازمان مصداقا.

إلّا أنّ ذلك بمكان من الضعف و السقوط، أمّا الأوّل: فلأنّ الشكّ في الغاية لا يساوق وجود المقتضي دائما كما في قوله: «صم إلى الليل» إذ يحتمل أن تكون‏ (2) الغاية المذكورة في كلام الشارع كاشفة عن انتفاء المقتضي عند وجودها، فوجود (3) الليل في المثال يحتمل ظاهرا أن يكون كاشفا عن انتفاء السبب.

و أمّا الثاني: فلأنّ الظاهر من المحقّق المذكور أنّ المدار على الغاية المأخوذة غاية في كلام الشارع كما في قوله: كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ‏ (4) لا كلّ ما يمكن رجوعه إليها و إن لم يكن مأخوذة (5) في كلام الشارع كما أشرنا إلى ذلك في السؤال الذي أورده على نفسه: هل الشكّ في المزيل؟

فظهر من ذلك أنّه ما أجاد فيما استجاد مشعرا بذلك تواردهما على مطلب واحد، مع أنّ قوله: و لكنّه ما أجاد في تخصيصها إلخ، ليس بجيّد؛ إذ لا يستقيم ذلك إلّا على‏

____________

(1). «ج»: معنى المعلول.

(2). «ج، م»: يكون.

(3). «ج»: و وجود.

(4). البقرة: 187.

(5). كذا.

154

تقدير أن يكون مذهب المحقّق اختصاص حجّية الاستصحاب بما إذا كان الشكّ في المزيل و الرافع مع وجود المقتضي. و قد عرفت أنّ مناط الاستصحاب عنده على وجود الخطاب، سواء كان المقتضى موجودا أو لا (1).

ثمّ إنّه لا يخفى أنّ الزاعم المذكور إنّما أخذ في عنوان ما ذهب إليه استمرار الحكم لو لا الرافع، و قضيّة ذلك عدم حجّية الاستصحاب في الموقّتات، فلو شكّ في أثناء النهار- لعارض- وجوب إمساك اليوم عليه لا يقول‏ (2) بالاستصحاب مع أنّ ما يظهر منه عند الاستدلال هو اعتبار الاستصحاب فيما إذا شكّ في المانع، و عدمه فيما إذا شكّ في المقتضي، من غير أخذ الاستمرار في كلامه، إلّا أنّ مقصوده ظاهر فلا تغفل.

و ملخّص ما استدلّ به على مرامه هو استحالة إرادة معنى النقض حقيقة؛ لانتفائه بين اليقين و الشكّ، لعدم‏ (3) إمكان اجتماعهما، و صدقه حقيقة موقوف على الاجتماع و التصادم، فلا بدّ من المصير إلى معنى أقرب إلى المعنى الحقيقي، و لا خفاء (4) أنّ مع وجود المقتضي للبقاء صدق النقض أولى منه مع عدمه.

و الجواب عن ذلك هو أنّ الأقربية الاعتبارية مسلّمة، و لكنّها غير مجدية بعد عدم مساعدة العرف عليها، و الأقربية العرفية ممنوع، بل الأقرب عرفا هو القول بأنّ المراد هو الأخذ بالأحكام التي تخالف حكم المتيقّن، فإنّه إذا اختلف حكم الشي‏ء في حالتي الشكّ و اليقين يصدق أنّه نقض للسابق، فالنقض تارة يلاحظ بالنسبة إلى المستصحب، و أخرى بالنسبة إلى العمل، مع أنّه يكفي في صدق النقض بالنسبة إلى المستصحب إمكان استمرارها كما في حقّ الشفعة و الخيار، مضافا إلى بعض القرائن المذكورة في الإيراد على المحقّق، فإنّه يصلح‏ (5) لدفع القولين، كقوله‏ (6) (عليه السّلام) في رواية زرارة:

____________

(1). «ز، ك»: أم لا.

(2). «م»: نقول.

(3). «ج»: بعدم.

(4). «ز، ك»:+ مع.

(5). «م»: تصلح.

(6). «ز، ك»: كما في قوله.