مطارح الأنظار - ج4

- الشيخ أبي القاسم الكلانتري المزيد...
781 /
155

«و لا ينقض اليقين بالشكّ، بل يبنى على اليقين» (1) و يتمّ عليه كما مرّ ذلك مفصّلا، و يختصّ بدفع القول هذا قوله (عليه السّلام) في مكاتبة القاساني: «اليقين لا يدخله الشكّ، صم للرؤية و أفطر للرؤية» (2) فإنّ تفريع قوله: «صم للرؤية» و قوله: «و أفطر للرؤية» على القاعدة المزبورة من عدم دخول الشكّ في اليقين لا يتمّ إلّا على حجّية الاستصحاب في الشكّ من حيث المقتضي.

و توضيح ذلك أنّ المراد بهما إمّا استصحاب جواز الإفطار الثابت في شعبان و استصحاب وجوب الصوم الثابت في رمضان على أن يكون الاستصحاب وجوديا حكميا كما هو الظاهر، و إمّا المراد استصحاب عدم وجوب الصوم من قوله: «صم للرؤية» و عدم جواز الإفطار من قوله: «أفطر للرؤية» على أن يكون الاستصحاب عدميا حكميا، و إمّا المراد استصحاب نفس شعبان من الأوّل و رمضان من الثاني على أن يكون الاستصحاب موضوعيا، و على التقادير لا يتمّ على ما ذكره.

أمّا على الأوّل: فلأنّ جواز الإفطار و وجوب الصوم ممّا لم يثبت الاستمرار فيهما ما لم يثبت المزيل، بل التحقيق إنّهما حكمان موقّتان لا يجري فيهما الاستصحاب على ما هو المصرّح به‏ (3) في كلامه.

و أمّا على الثاني: فلأنّ الاستصحاب العدمي في المقام منتزع من الاستصحاب الوجودي، فلا يعقل تخلّفه عنه.

و أمّا على الثالث: فالأمر أوضح.

فالتفريع المذكور لا يتمّ إلّا على استصحاب القوم.

فإن قلت: لنا أن نقول: إنّ الحصر المذكور غير حاصر؛ لاحتمال أن يكون المراد استصحابا آخر ينطبق على موارد استصحاب المفصّل، و هو أن يكون المراد بالأوّل‏

____________

(1). تقدّم في ص 98- 99.

(2). تقدّم في ص 101.

(3). «ج، م»:- به.

156

استصحاب عدم دخول رمضان و عدم انقضاء شعبان، و من الثاني استصحاب عدم دخول شوّال و عدم انقضاء رمضان‏ (1) على أن يكون الاستصحاب من الاستصحابات الموضوعية العدمية، فإنّ الأعدام من الأمور المقرّرة الثابتة إلى ثبوت المزيل.

قلت: أمّا أوّلا: فوجوب الصوم ممّا لا يترتّب على عدم دخول شوّال أو عدم انقضاء رمضان، كما أنّ جواز الإفطار ممّا لا يترتّب على عدم دخول رمضان أو عدم انقضاء شعبان، بل الأوّل مترتب على دخول‏ (2) رمضان و الثاني على شعبان كما يظهر من ملاحظة قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏ (3).

و أمّا ثانيا: فالأمور العدمية ليست مقرّرة ثابتة إلى ثبوت المزيل؛ لأنّ ذات العدم لا يقضي‏ (4) بذلك، أمّا على القول بعدم احتياجه إلى العلّة فالأمر واضح، و أمّا على القول باحتياجه كالوجود إلى العلّة فلأنّ العلّة هو انتفاء علّة الوجود فبحصولها ترتفع علّة العدم، فذهاب العدم بواسطة انتفاء استعداده و المقتضي له لا لوجود (5) المانع، و لذلك لا يحكم بأنّ وجود المال بعد فقده لا يعدّ ناقضا لعدمه، و كذا سائر الموجودات المسبوقة بالأعدام.

لا يقال: لا ريب في أنّ العدم ممّا يستمرّ لو لا عروض ما يقضي بخلافه.

لأنّا نقول: إنّ مجرّد ذلك غير كاف في المقام، فإنّ الدعوى في قوّة القول: بأنّ كلّ شي‏ء لو فرض بقاء علّته التامّة فهو باق و الوجود و العدم في ذلك متساويان.

فإن قلت: إنّه قد صرّح بجريان الاستصحاب في الأمور العدمية.

قلت: إنّ تصريحه بذلك لا يوجب عدم توجّه الإيراد عليه بما ذكرنا؛ لأنّ الكلام فيما يقتضيه التحقيق على مذهبه لا فيما صرّح به.

____________

(1). «ز، ج»: شوّال.

(2). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: «وجود».

(3). البقرة: 185.

(4). «ج»: لا تقتضي.

(5). «ج»: لا الوجود.

157

فكيف كان، فهذه الرواية حجّة صريحة عليه في جريان الاستصحاب في غير ما ذهب إليه، و لا تنهض قرينة لدفع ما ذكره المحقّق الخوانساري، لكون الجواز مغيّا بغاية و كذا الوجوب كما هو ظاهر لا سترة (1) فيه، و بناء على ما حقّقنا من أنّ انتفاء الأعدام بواسطة انتفاء المقتضي يمكن القول بأنّ رواية زرارة المرويّة في التهذيب‏ (2) قرينة على مذهب المشهور، فإنّ الطهارة من الأمور العدمية فإنّها عدم القذارة كما لعلّه يشعر بذلك قوله تعالى: وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً بعد قوله: لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ‏ (3) و كذلك الرواية الواردة في باب السهو (4)، فإنّ استصحاب عدم الزيادة يصير (5) قرينة على استصحاب القوم كما لا يخفى بملاحظة هذا التفصيل أيضا.

و عليك بإمعان النظر في المقام و كثرة (6) التأمّل فيه، فلعلّه يتّضح‏ (7) لك من ذلك وجوه‏ (8) أخر يمكن تأييد مذهب القوم بها (9)، فكن على بصيرة من ذلك، و اللّه الموفّق و هو الهادي‏ (10).

____________

(1). «ج، م»: لأمره (ظ).

(2). تقدّمت في ص 95.

(3). الأحزاب: 33.

(4). تقدّمت في ص 98.

(5). «ز، ك»: تصير.

(6). «ج، م»: أكثر.

(7). «ج»: ينفتح، و في «ز، ك»: ينقّح.

(8). «ج، م»: وجوها.

(9). في هامش «م، ز»: قلت: ستعرف في بعض الهدايات الآتية تصريح الأستاد (دام ظلّه العالي «م») على انطباق الروايات على هذا المذهب كما جنح (احتجّ «م») إليه المحقّق الحلّي أيضا، و يصرّح أيضا بأنّ الاستصحابات العدمية كلّها- سواء كانت معمولة في الألفاظ لتشخيص الأوضاع و تعيين المرادات أو في غير الألفاظ كأصالة عدم التذكية أو عدم انقضاء الشهر مثلا- منطبقة عليه؛ لبقاء المقتضي و الشكّ في الرافع، فلعلّه رجع عمّا أفاد أوّلا في المقام، و إلّا فهو بري‏ء عن الغفلة على [كذا] هذا (بهذا «ز») الوجه، فتدبّر. منه (عفي عنه «ز»).

(10). «ج، م»:- و اللّه ... الهادي.

158

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

159

هداية استطرادية [في الأحكام الوضعية]

قد عرفت فيما تقدّم تقسيم الحكم إلى الوضعي و التكليفي في كلام المحقّق الخوانساري و رجوع الأوّل إلى الثاني، حيث أفاد أنّ الأحكام الوضعية عند التحقيق ترجع‏ (1) إلى الأحكام التكليفية (2). و أورد عليه بعض من تأخر عنه‏ (3) بأنّه ليس بشي‏ء، فإنّ كون الشي‏ء سببا لآخر أو شطرا أو شرطا أو مانعا و الصحّة و البطلان و غيرها، متعلّقات الخطابات و الأدلّة، و أحكام صدرت من الشارع، و لها عوارض و خواصّ، و ممّا يهتمّ به‏ (4)، و كلّ حكم مغاير للخمسة المعروفة لا وجه لإرجاعه‏ (5) إليها بالتكلّف؛ لاختلافهما (6) مفادا و شرطا و دليلا و محلّا، مع أنّه لو صحّ لزم انحصار الأحكام في الثلاثة؛ لرجوع الحرمة و الوجوب إلى حكم واحد كالندب و الكراهة. إلى أن قال: مع أنّ اختلاف الوضعي و التكليفي في كثير من المقامات ضروري كحرمة شرب الخمر و مانعيتها من الصلاة (7)، فإنّ أحدهما مباين‏ (8) للآخر منفكّ عنه كوجوب الطهارة

____________

(1). «ج، م»: يرجع.

(2). تقدّم في ص 127.

(3). هو الكلباسي في اشارات الأصول.

(4). بعده في المصدر: و لا سيّما الأخيرين فإنّ المقصد الأهمّ في الفقه، و لا سيّما في المعاملات إنّما هو البحث عنهما.

(5). في المصدر: لإرجاعها.

(6). في المصدر: لاختلافها!

(7). في المصدر: للصلاة.

(8). «ج»: متباين.

160

و شرطيتها للصلاة، فإنّ شرطيتها تجتمع‏ (9) مع الوجوب و الندب، و كذا اختلاف لوازمهما كجريان لزوم التكليف بما لا يطاق في الحكم التكليفي و عدمه في الوضعيات التعليقية، و أيضا في الخطابات التكليفية لا بدّ من العلم و الشعور و القدرة، و في الوضعي ما (10) لا يشترط فيه‏ (11) ذلك، كما إذا مات قريب الإنسان و هو لا يشعر به، فإنّ التركة تنتقل إليه، و إن كان فيها من ينعتق عليه عتق، و كذا يجب الضمان بإتلاف النائم و ما في حكمه‏ (12)، انتهى.

و تحقيق المقام مع خروجه عن المبحث يقتضي بسطا في الكلام فنقول: ذهب العلّامة (رحمه اللّه) في التهذيب‏ (13) و العضدي‏ (14) و الآمدي في الإحكام‏ (15) و جماعة من الفريقين إلى ثبوت الأحكام الوضعية، بل و عليه المشهور على ما (16) نبّه عليه المورد المذكور، و الحقّ- كما عليه المحقّقون- عدم ثبوتها، بل هي أمور تابعة للأحكام التكليفية، بل في شرح الفاضل على الزبدة: هذا هو المشهور (17)، و صرّح السيّد الشارح في بحث الاستصحاب:

أنّه قد استقرّ رأي المحقّقين على أنّ الخطاب الوضعي مرجعه إلى الخطاب الشرعي‏ (18)، بل و ذلك هو ظاهر من عرّف الحكم الشرعي بالخطاب المتعلّق بأفعال المكلّفين اقتضاء و تخييرا من دون تعرّض للحكم الوضعي، ثمّ إنّ المثبتين بين من حصرها في‏

____________

(9). المثبت من «ك» و هو موافق للمصدر، و في سائر النسخ: يجتمع.

(10). «ز، ك»:- ما.

(11). «ز، ك»:- فيه.

(12). اشارات الأصول (قسم الأدلّة العقلية): 3- 4.

(13). تهذيب الوصول: 50.

(14). شرح مختصر المنتهى: 81.

(15). الإحكام 1: 96.

(16). «ز، ك»: كما.

(17). غاية المأمول فى شرح زبدة الأصول (مخطوط بخطّ المؤلّف) 35/ أ، و في نسخة أخرى 88/ ب. قال: الخطاب الوضعي ممّا اختلف في كونه حكما، فالمشهور- و هو الحقّ- أنّه ليس بحكم و إنّما هو مستلزم له.

(18). شرح الوافية (مخطوط) 13/ ب.

161

الثلاثة: السببية و الشرطية و المانعية كالعضدي‏ (1) تبعا للحاجبي‏ (2)، و بين من زاد عليها الصحّة و الفساد، و بين من زاد عليها الرخصة و العزيمة (3) و بين من زاد عليها العلامة و العلّة كثاني الشهيدين‏ (4)، إلّا أنّه احتمل رجوع‏ (5) العلّة إلى السبب و كذا العلامة، أو إلى الشرط، و بين من لا يرى فيها حصرا، و لعلّ مراده كثرتها لا عدم انحصارها؛ إذ لا يعقل ذلك.

و ينبغي تحرير محلّ الخلاف أوّلا، فنقول: لا إشكال في ثبوت أمور هي محمولات في القضايا الشرعية كالطهارة و النجاسة و الزوجية و الرقّية و الكفر و الإيمان و الملكية و نحوها ممّا لا يحصى كثرة، فإنّ إنكار تلك الأمور في الشرعيات‏ (6) في مرتبة إنكار القضايا الأوّلية في العقليات؛ إذ وجود الأسباب الشرعية و موانعها كشرائطها ضروري و في غاية الكثرة، فإنّه‏ (7) ربّما يعسر الإحاطة بشرائط ماهيّة واحدة و موانعها كالصلاة مثلا، كما أنّه لا ريب في فساد دعوى أنّ مفاهيم هذه الأوصاف عين مفاهيم الأحكام التكليفية، فإنّ القول باتّحاد مفهوم وجوب الصلاة لمفهوم سببية الدلوك ساقط جدّا، فلا يكاد يعقل لذلك وجه، و إنّما يتأتّى المناقشة اللفظية في تسمية هذه الأوصاف أحكاما إنشائية؛ ضرورة حصولها في محالّها من غير تعلّق إنشاء بها كما في اتّصاف الطالب بالطالبية، و المطلوب بالمطلوبية، فإنّ إنشاء نفس الطلب يكفي في‏

____________

(1). شرح مختصر المنتهى: 97- 98.

(2). في اشارات الأصول: كالعلّامة و السيوري و غيرهما.

(3). في اشارات الأصول نسبه من دون ذكر العزيمة إلى الحاجبي و العضدي و قال: و يؤذّن كلامهما بكون الصحّة و البطلان في المعاملات منها، ثمّ قال: و منهم من زاد عليها الصحّة و البطلان و العزيمة و الرخصة كالآمدي، و نقل في الإشارات أقوال أخر فلاحظ.

(4). تمهيد القواعد: 37، قاعدة 3.

(5). «ج، م»: برجوع.

(6). «ز، ك»: الشرعية.

(7). «ز، ك»: فبأنّه.

162

انتزاع هذه الأوصاف عن‏ (1) محالّها، و لا ريب أيضا في أنّ للشارع بيان هذه الأمور المحمولة على الموضوعات ككشفه عن مانعية الحدث للصلاة، و جزئية السورة لها، و إيراث العصيان استحقاق العقاب، و تضعيف البدن بتكثير الحمّام، و إضرار الميتة للبدن، و سببية الدلوك للصلاة، و الطلاق للتحريم، و النكاح للتحليل، و شرب الخلّ لشدّ العقل، و نحوها ممّا لا حدّ فيها و لا حصر لها.

و أمثال هذه البيانات في الكتاب و السنّة وجودها معلوم و المنكر مكابر، فالحاكم بيننا و بينه بعد حكومة الإنصاف هو الرجوع إلى الأدلّة الشرعية، و لا شبهة في أنّ هذه الأمور منسوبة إليه تعالى على نحو انتساب سلسلة الممكنات إليه، و إنّما الكلام في أنّها من الأمور المتأصّلة التي يتعلّق بها الجعل و الإبداع و الإنشاء كما في الأحكام الخمسة التكليفية أو (2) يكفي في تحقّقها و إيجادها إبداع ملزوماتها من الأحكام التكليفية و إنشائها، فتسمية هذه الأوصاف أحكاما على الثاني مجازية باعتبار أنّ ما ينتزع منها أحكام؛ إذ الحكم الشرعي عبارة عن جعله و إنشائه و المفروض عدم تحقّق الإنشاء و الجعل فيها، نعم يصحّ إطلاق الحكم عليها حقيقة باعتبار معناه التصديقي أو بملاحظة أنّها نسب خبرية كما لا يخفى.

و بالجملة: فالمثبت للحكم الوضعي يدّعي أنّ تلك الأمور متعلّقات للجعل بالأصالة بمعنى أنّها أمور إنشائية، و النافي ينفيه بادّعاء كفاية إبداع الأحكام التكليفية عن إبداعها، كما هو المقرّر عند أهل المعقول من أنّ الماهيات متعلّقات للجعل الإيجادي و التكويني أصالة، و لوازمها مجعولات بالتبع، فالمجعول بالذات هو الأربعة و إن استتبع جعل الزوجية أيضا، فإنّ هذا هو الذي ينبغي أن يكون محلّا للخلاف، فإنكار هذه الأمور رأسا أو ادّعاء (3) اتّحادها للأحكام التكليفية ممّا لا ينبغي أن يذهب إليه‏ (4) الوهم،

____________

(1). «ز، ك»: من.

(2). «ج»: إذ.

(3). «ز، ك»: دعوى.

(4). المثبت من «ج» و في سائر النسخ:- إليه.

163

و من هنا ينقدح لك القول برجوع النزاع بين الفريقين لفظيا.

فكيف كان، فلنا على ما صرنا إليه من النفي وجهان:

[الوجه‏] الأوّل‏ (1): أصالة عدم الجعل؛ لعدم الحاجة إليها بعد كفاية جعل الأحكام التكليفية عنها اللازم جعلها من باب اللطف كما قرّر في محلّه. و أمّا بيان الكفاية فهو أنّه لا شكّ و لا شبهة في أنّ الأحكام الخمسة التكليفية مجعولات للشارع، فإنّه اللطف الذي يجب عليه تعالى، على أنّه‏ (2) الإيجاب لا يعقل بدون الجعل و الإنشاء كالتحريم و أخواتهما، فإذا صدر الطلب من الطالب فلا ريب في احتياجه إلى متعلّق؛ ضرورة استحالة الطلب بدون‏ (3) المطلوب، فهو إمّا أن يكون مركّبا من جزءين فصاعدا، أو بسيطا، و على التقديرين إمّا أن يكون ذلك المطلوب مقيّدا بقيد من الأمور التي ينبغي أن تلاحظ في المطلوب، وجوديا كان أو عدميا كما إذا طلب الإتيان بالماء البارد أو الصافي، أو يكون مطلقا من غير ملاحظة شي‏ء فيه، و على التقادير فإمّا أن يكون الطلب معلّقا على حصول أمر من وقت أو حال كالأمر بالصلاة عند الزوال و دلوك الشمس، و إمّا أن يكون مطلقا غير معلّق على حصول شي‏ء. في كلّ هذه الأقسام لا حاجة إلى جعل شي‏ء (4) من الأحكام الوضعية التي تستفاد من هذه الخطابات، فإنّ بعد ما فرضنا أنّ الطلب تعلّق بإيجاد المكلّف الصلاة عند زوال الشمس مواجها للقبلة في حالة الطهارة، فلا حاجة إلى إنشاء سببية الزوال‏ (5) و جعله سببا للصلاة، كما لا حاجة إلى جعل شرطية الطهارة و القبلة، كما لا حاجة إلى جعل مطابقتها للأمر و عدم مطابقتها له‏ (6) على تقدير الإتيان بها على ما هي عليها من الأجزاء و الشرائط أو الإخلال بها بوجه من الوجوه، فإنّ هذه الأمور اعتبارات عقلية ينتزعها العقل بعد

____________

(1). سيأتي الثاني منهما في ص 170.

(2). كذا. و لعلّ الصواب: أنّ.

(3). «م»: «من».

(4). «ج»: بشي‏ء، و في «ز، ك»: الشي‏ء.

(5). «ج»: إنشائية الزوال.

(6). «م»:- له.

164

كون المطلوب واقعا على وجه من الوجوه، فينتزع الجزئية عند تعلّق الطلب بمركّب كما ينتزع الكلّية أيضا، و لذلك لم يذهب وهم إلى أنّ كلّية الكلّ‏ (1) أمر جعلي إنشائي لكفاية تعلّق الطلب بمركّب عنه، و ينتزع الشرطية على تقدير تعلّق الطلب بأمر ملحوظ فيه وجود شي‏ء كالطهارة في الصلاة و البرودة في الماء، و المانعية على تقدير تعلّقه بأمر ملحوظ فيه عدم شي‏ء كالحدث في الصلاة و التراب في الماء مثلا، و السببية على تقدير تعلّقه بأمر معلّق على شي‏ء كالصلاة المعلّقة على الوقت مثلا، و الصحة فيما إذا وقع الفعل المأمور به على وجهه، و الفساد إذا لم يقع عليه، فلو قال الآمر- بعد جعله الحكم التكليفي-: إنّي قد جعلت الوقت سببا أو الطهارة شرطا أو الحدث مانعا، كان ذلك لغوا صرفا و يجب تنزيه الشارع الحكيم عنه البتّة.

لا يقال: إنّ ما ذكرته إنّما يتمّ بعد فرض صدور الأحكام التكليفية، و من أين لك إثبات هذا المعنى في جميع موارد الأحكام الوضعية؟! فلعلّه كان جعل السببية مقدّما على جعل إيجاب الصلاة في الوقت، فيكون جعل تلك الأحكام مغنيا (2) عن الحكم التكليفي.

لأنّا نقول: إنّ‏ (3) سببية الدلوك للصلاة لا يراد بها سببية لذات الصلاة، فلا بدّ أن يكون المراد لوجوبها (4)، و لا يعقل‏ (5) وجوب الصلاة بدون الطلب، فيرجع جعل السببية إلى جعل الطلب و الوجوب الذي هو حكم تكليفي، فالمتأصّل في مقام الجعل هو الطلب دون الحكم الوضعي.

فإن قلت: إنّ الأدلّة الشرعية صريحة في كون الأحكام الوضعية متعلّقة للجعل،

____________

(1). «ز، ك»: الكلّي.

(2). «م»: مغيّا.

(3). «ز، ك»:- إنّ.

(4). «ك»: سببية لوجوبها.

(5). «ج»: فلا يعقل، و في «ز»: لا يعقل.

165

فكيف يتأتّى إنكار جعل الوضعيات؟ فمن ذلك قوله: «لا صلاة إلّا بطهور» (1)، و «لا صيام لمن لم يبت‏ (2) الصيام من الليل‏ (3)» (4) و «لا عمل إلّا بنيّة» (5) و «البيّعان بالخيار» (6) و «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (7) إلى غير ذلك من الأحكام التي لا حصر فيها.

قلت: لا خفاء في أنّ الشارع إنّما حكم في تلك الأدلّة و القضايا بثبوت تلك المحمولات لموضوعاتها، و قد عرفت أنّ الحكم بهذا المعنى ليس من المتنازع فيه، فهذه المحمولات لا تخلو (8) من أحد وجهين: إمّا أن يكون اعتبارات عقلية منتزعة من محالّها من الخطابات التكليفية، و إمّا أن تكون‏ (9) أمورا واقعية ثابتة في حدود ذواتها مع قطع النظر عن تعلّق جعل إنشائي على نحو الجعل في التكليفيات بها. و على التقديرين يكون الخطاب المتعلّق بالوضعيات خبرا لا إنشاء كما هو ظاهر الأدلّة المذكورة و لا داعي لصرفها عن ظاهرها، و ذلك بخلاف الأخبار الواردة في مقام جعل الحكم التكليفي كقوله: وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ‏ (10) مثلا، و كقوله: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (11) فإنّه لا مناص من الحمل‏ (12) المذكور فيها؛ لما عرفت‏

____________

(1). وسائل الشيعة 1: 315، باب 9 من أبواب أحكام الخلوة، ح 1، و 1: 365- 366، باب 1 من أبواب الوضوء، ح 1 و 6، و 1: 368، باب 2 من أبواب الوضوء، ح 3، و 1: 372، باب 4 من أبواب الوضوء، ح 1، و 2: 203، باب 14 من أبواب الجنابة، ح 2.

(2). في المصادر: لم يبيت.

(3). «ج، م»:- الصيام من الليل.

(4). مستدرك الوسائل 7: 316، باب 2 من أبواب وجوب الصوم و نيّته، ح 1، عن عوالى اللآلى 3:

132- 133/ 5 و 6، و ورد أيضا في مصادر العامّة و سيأتي أيضا ص 200.

(5). وسائل الشيعة 1: 46- 48، باب 5 من أبواب مقدّمة العبادات، ح 1- 4 و 9.

(6). وسائل الشيعة 18: 5- 6، باب 1 من أبواب الخيار، ح 1- 3.

(7). مستدرك الوسائل 4: 158، باب 1 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 5 و 8.

(8). في النسخ: لا يخلو.

(9). في النسخ: يكون.

(10). البقرة: 228.

(11). النساء: 103.

(12). «ج»: الجعل، و كتب تحتها: «الحمل نسخة».

166

من عدم معقولية التكليف اللازم إلّا بالطلب، فلا بدّ من أن يكون هذه الخطابات في معرض إنشاء الطلب، أو إخبارا عن إنشاء سابق كما لا يخفى.

فمن الأوّل: السببية و الشرطية و الجزئية و الحجّية و المانعية و الصحّة و الفساد و الرخصة و العزيمة و العلّة و العلامة.

أمّا السببية فالوقتية منها عبارة عن إيجاب شي‏ء و طلبه في وقت، و المعنوية منها عبارة عن طلب شي‏ء معلّقا على شي‏ء آخر كالكفّارة عند الظهار و التحريم عند الإسكار، و لا يرتاب في أنّ بعد إنشاء الطلب المعلّق على شي‏ء فليس من شأن الشارع إنشاء سببية ذلك الشي‏ء.

و أمّا الشرطية و الجزئية فالأمر فيهما ظاهر ممّا مرّ؛ إذ الجزئية كالكلّية، و الشرطية كالمشروطية، لأنّهما متضايفان و تجويز الجعل في أحدهما يوجب تجويزه في الآخر، و فساد ذلك في الآخر ظاهر.

و أمّا الحجّية فلا نعني بها إلّا كون الشي‏ء بحيث يجب العمل به، و معناه هو وجوب الأخذ به و الاتّكال عليه.

و أمّا الصحّة و الفساد ففي العبادات عبارتان عن مطابقة المأمور به للأمر، و عدمها، و لا ريب في كونهما أمرين عقليين منتزعين عن وقوع الفعل على ما هي عليه من الأمور المعتبرة فيه، و عدمه، و لذلك أنكرهما العضدي تبعا للحاجبي‏ (1).

و في المعاملات فمرجعهما إلى كون المعاملة واقعة على وجهها (2)، فيترتّب عليها أثرها (3) المقصود منها و عدمه، و العجب ممّن أطلق القول بجعلهما في المعاملات بعد اعتقاد الجعل في السببية، و يكفيك في الحكم بعدم جعل السببية في المعاملات ملاحظة الأسباب العقلية كالشمس للإشراق و النار للإحراق، فهل لأحد حسبان أنّ سببية

____________

(1). شرح مختصر منتهى الأصول: 98، الشرح للعضدي و المتن لابن الحاجب.

(2). «م»: وجههما.

(3). «م»: آثارها.

167

الشمس للإشراق مجعولة؛ إذ ليست من مقولة الأفعال، بل هي أمر قائم بالشمس كسببية الدلوك للصلاة أيضا؟

و أمّا الرخصة و العزيمة فخروجهما عن‏ (1) أحكام الوضع ظاهر لا حاجة إلى بيانه.

و أمّا العلّة و العلامة فقد عرفت‏ (2) في كلام الشهيد رجوعهما إلى السبب أو إلى الشرط في الأخير.

و من الثاني: الزوجية و الملكية و الحرّية و الرقّية و الطهارة و النجاسة و الكفر و الإيمان و الحدث و الجنابة و الضمان إلى غير ذلك من المحمولات الشرعية.

و هذه الأمور أيضا لا تخلو من وجهين: فتارة: تكون‏ (3) من الأمور الواقعية المعلومة عند العرف مفهوما و مصداقا كالزوجية و الملكية، فليس للشارع فيها تصرّف إلّا ببيان بعض المصاديق التي نحن بمعزل عن إدراكها لغيبتها عن نظرنا، و أخرى: تكون‏ (4) من الأمور التي لا نجدها في عقولنا مفهوما و مصداقا كالجنابة و الحدث، و على التقديرين ليست هي‏ (5) من الأمور المجعولة للشارع على‏ (6) نحو الجعل في التكليفيات.

أمّا على الأوّل: فلأنّها أمور واقعية ثابتة عند العرف، و غاية ما يمكن القول به هو أنّ بعض الأفراد المعمولة عند العرف في تلك المفاهيم ممّا ليست من أفراد تلك المفاهيم في نظر الشارع، و بعض الأفراد التي نحن معزولون عنها أفراد لها، كبيع‏ (7) المعاطاة المفيد للملك عندهم مع عدم اعتداد الشارع به في الشرع على القول بذلك؛ إذ لا يعقل من الملكية إلّا تعلّق خاصّ بين المالك و المملوك، و ليس المفهوم منها إلّا حقيقة واحدة فإنّها من المشتركات المعنوية، و لا يحتمل أن يكون الملكية مشتركة بين الملكية

____________

(1). «ز، ك»: من.

(2). عرفت في ص 161.

(3). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: لا يخلو ... يكون.

(4). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: يكون.

(5). «ز، ك»:- هي.

(6). «ز، ك»:- على.

(7). «ز، ك»:- كبيع.

168

الشرعية و العرفية اشتراكا لفظيا، فإذا قال الشارع: «إنّ العقد- مثلا- مملّك» فذلك لا بدّ أن يكون إخبارا بحصول الملك لا إنشاء لحصوله‏ (1). و على قياسه الزوجية و الرقّية و الحرّية و الضمان و نحوها، و منه أيضا الطهارة و النجاسة بناء على تفسيرهما بالقذارة و النظافة، فإنّ الظاهر الشرعي فيه نظافة لا يصل إليه عقولنا كالقذارة الشرعية، فهي إذن أمور واقعية قد (2) كشف الشارع عن وجودها في الواقع، و لا دخل للجعل فيها إلّا باعتبار أنّه تعالى خالق كلّ شي‏ء و هو جاعل الظلمات و النور، فاستناد هذه الأشياء إليه تعالى كاستناد سلسلة الممكنات إليه تعالى بأجمعها على وجه لا يعزب عنه ذرّة لا في السماء و لا في الأرض.

و أمّا على الثاني: فلأنّها أيضا اعتبارات واقعية قد كشف الحكيم المطّلع على الواقع عنها، فإنّ الحدث هي حالة واقعية حادثة بعد حصول أسبابها من شأنها عدم جواز الدخول معها في العبادة المشروطة بعدمه، و كذا الجنابة فإنّها أيضا أمر واقعي، غاية الأمر أنّ العرف لقصور نظرهم عن إدراك ما هو ثابت في الواقع لا يلتفتون إليها، و لذلك بيّنها (3) الشارع الحكيم بمفهومها و مصداقها و ما يترتّب عليها من أحكامها، و ذلك لا يقضي‏ (4) بجعل منه فيها، فإنّ الجنابة صفة للمكلّف فكيف يعقل أن يكون بجعل الشارع و إنشائه تكليفا و إن كان من منشآت الشارع تكوينا؟

ثمّ إنّ ما ذكرنا في الطهارة و النجاسة من كونهما حقيقتين من الحقائق العرفية (5) هو المطابق لبعض ظواهر الأدلّة كما استوفيناها في محالّها، و يكفي في ذلك شاهدا ملاحظة قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ [مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ‏] فَاجْتَنِبُوهُ‏ (6) حيث إنّ الأمر بالاجتناب بعد إحراز كونه رجسا، فهو متفرّع عليه، و هو

____________

(1). «ج، م»: لحصول الملك.

(2). «ز، ك»:- قد.

(3). «م»: نبّهنا.

(4). «ج»: لا يقتضي.

(5). «ج، م»:+ هذا.

(6). المائدة: 90.

169

الذي يوافقه قواعد العدلية من تبعية الأحكام للصفات. و قد يظهر من الشهيد في القواعد (1): أنّ النجاسة صفة انتزاعية من الأمر بوجوب الاجتناب عن العين التي ننتزع‏ (2) منه تلك الصفة بعد الأمر، فجعلها عبارة عن‏ (3) إيجاب الشارع الاجتناب عن الشي‏ء للاستقذار أو الاستنفار. و لعلّ مراده من الأوّل هو القذارة في البول، و من الثاني هو النفرة في الكفّار مثلا.

و بالجملة: فعلى هذا فالأمر أظهر، و لك أن تقول بجريان هذا الكلام في مثل الملكية و الزوجية؛ لرجوع الأوّل إلى إباحة التصرّف في الأموال، و الثاني في الفروج، فكون الشي‏ء بحيث يجوز فيه التصرّف المالي عبارة عن الملكية، و على هذا القياس يقال في غيرها.

فإن قلت: إنّ جعل الطلب و إنشاءه على وجه التعليق بوقت أو التقييد بوجود شي‏ء أو عدمه جعل للسببية أو الشرطية أو المانعية، و كذا جعل المطلوب مركّبا جعل للجزئية، فلا وجه لإنكار جعل هذه الأمور.

قلت: أمّا تعليق الطلب فليس إلّا إنشاء للطلب المعلّق لا إنشاء للسببية كما هو ظاهر، و إنّما يصحّ بعد ذلك انتزاع السببية لإيراث الطلب الكذائي استعدادا للمحلّ.

و أمّا تقييده بأمر وجودي أو عدمي فليس تعلّق الطلب بالشي‏ء مع تصوّره ببعض أوصافه و أحواله، و ليس يلزم من التصوّر المذكور جعل و لا إنشاء، بل إذا لحق المتصوّر المذكور طلب و حكم من الأحكام التكليفة يستأهل لأن ينتزع منه الأمور المذكورة، و من هنا تعرف ضعف المقالة المتداولة بينهم من أنّ الصلاة من المخترعات الشرعية؛ إذ لا اختراع هنالك‏ (4) و لا إبداع إلّا لمجرّد الطلب المتعلّق بعدّة أمور متناسبة في الواقع لا نعلمها.

____________

(1). القواعد و الفوائد 2: 85.

(2). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: ينتزع.

(3). «ز، ك»: من.

(4). «ك»: هناك.

170

الوجه الثاني من الوجهين‏ (1): أنّ الأمور التي يتوهّم كونها أحكاما وضعية من الخمسة المعروفة أو مع زيادة العلّة و العلامة و الرخصة و العزيمة، غير قابلة للجعل بالأصالة؛ لأنّها من الأمور المنجعلة بذواتها بعد تعلّق الجعل الأصيل‏ (2) بمحالّها، فتعلّق الجعل بها ثانيا تحصيل للحاصل و استحالته ضرورية فطرية.

أمّا الأوّل: فقد عرفت فيما تقدّم أنّ كلّ واحد من هذه الأمور اعتبار عقلي منتزع عن أمر جعلي شرعي بحسب اختلاف مراتب المجعول الشرعي التابع لاختلاف المصالح الداعية إلى الجعل‏ (3) و الطلب على وجه خاصّ وجهة مخصوصة، فقد تقضي‏ (4) المصلحة باعتبار زمان أو مكان أو آلة مخصوصة أو فاعل خاصّ على حالتي الاجتماع مع الغير أو الافتراق، مقدّما أو مؤخّرا، مرتّبا أو غير مرتّب، إلى غير ذلك من وجوه اختلافات‏ (5) الكيفيات المكتنفة بالأفعال التي هي موارد للطلب و محالّ للجعل التكليفي، فبحسب اختلاف هذه‏ (6) الكيفيات ينتزع العقل هذه الأوصاف، و هذا أمر في غاية الظهور، و العجب من بعض الأجلّة (7) حيث إنّه قد بالغ في ذلك مبلغه مع وضوحه.

و أمّا الثاني: فظاهر لا حاجة إلى بيانه و توضيحه، مضافا إلى أنّ الجعل لا بدّ من قيامه بالجاعل؛ لأنّه من الأمور الصادرة عنه، فهو من قبيل أفاعيله كالضرب للضارب و القتل للقاتل، و لا ريب في قيام هذه الأوصاف بغير الجاعل؛ لقيام السببية بالدلوك و الجزئية بالسورة و الشرطية بالطهارة و المانعية بالحدث، فكيف يمكن أن يكون هذه الأمور مجعولة؟ و ذلك يصحّ في التكليفيات فإنّ الإباحة فعل المبيح، و تعلّق الأحكام التكليفية بالغير كتعلّق الوجوب بالصلاة أو الحرمة بالخمر غير مضرّ فيما نحن بصدده؛ لأنّ الإيجاب عند التحقيق عين الوجوب ذاتا و إن تغايرا (8) اعتبارا

____________

(1). تقدّم الأوّل منهما ص 163.

(2). «ج»: الأصلي.

(3). «ز، ك»: للجعل.

(4). «ج»: تقتضي.

(5). «ج»: اختلاف.

(6). «م»:- هذه.

(7). الفصول: 336.

(8). «ج، م»: و إن تغايره.

171

بمعنى أنّ الموجود في الخارج ليس إلّا شيئا واحدا (1) يسمّى إيجابا بملاحظة صدوره عن الفاعل و وجوبا باعتبار تعلّقه بالقابل، فالوجوب هو الطلب ذاتا لا اعتبارا.

فإن قلت: التسبّب كالإيجاب متّحد مع السببية، فهو قائم بالجاعل، و قيام السببية بالغير غير مضرّ كما في الوجوب.

قلت: إن أريد من التسبّب بيان كون الشي‏ء متّصفا بالصفة المذكورة فذلك أمر مسلّم و لا ضير فيه؛ لأنّ البيان و لو كان في هذه الأمور غير خارج عن وظيفة الشارع. و إن كان المراد إحداث السببية و إبداعها و إيجادها، فهو أمر غير معقول إلّا برجوعه إلى حكم تكليفي، و عند ذلك فحصول السببية قهري فلا يحتاج إلى أن يصير موردا للجعل بالأصالة، نعم يصحّ استناد الجعل إلى هذه الأمور مجازا؛ لكونها مجعولات بالتبع، كما في إسناد الجعل‏ (2) التكويني إلى لوازم الماهيات المجعولة جعلا تكوينيا أصالة على القول بذلك، فإسناد الجعل إلى الحرارة اللازمة لماهيّة النار في الخارج، أو إلى الزوجية اللازمة للأربعة، و إن كان صحيحا باعتبار أنّها مجعولة بواسطة تعلّق الجعل بملزومها إلّا أنّه إسناد مجازي كما هو ظاهر (3)- (4).

بقي الكلام فيما أورده بعض الأعيان من المعاصرين‏ (5) على المحقّق الخوانساري فيما أورده من التحقيق من رجوع الأحكام الوضعية إلى التكليفية كما نقلناه في أوّل الهداية، فنقول: أمّا ما أورده من لزوم انحصار الأحكام في الثلاثة، ففساده ظاهر؛ لأنّ المناط ليس على مجرّد إمكان رجوع البعض إلى آخر، بل المناط عدم الحاجة إلى الجعل و امتناعه، فإن أراد الامتناع كما هو المناط في التحقيق المذكور فسقوطه في غاية

____________

(1). في النسخ: شي‏ء واحد.

(2). «ز، ك»:- الجعل.

(3). «م»:- كما هو ظاهر.

(4). في هامش النسخ ما عدا «ج»: (و «م») لا يخفى ما في المقام من الطفرة، فتأمّل. «منه»

(5). هو الكلباسي في اشارات الأصول كما تقدّم في ص 159.

172

الظهور، و إن أراد مجرّد الرجوع فليس من محلّ الكلام في شي‏ء.

و أمّا ما أفاده من قيام الضرورة باختلاف حرمة الخمر و مانعيته للصلاة، فهو في غاية الجودة إلّا أنّه لا يجديه شيئا؛ لما عرفت من أنّ دعوى الاتّحاد بين المفهومين محال‏ (1) بالضرورة، و لكن أحدهما يمكن أن يكون منتزعا من الآخر من غير أن يكون مجعولا بالأصالة.

و أمّا جريان التكليف بما لا يطاق في الوضعي دون التكليفي، ففيه: أنّ الوجه في ذلك- كما ستعرف- عدم تنجيز (2) الوضعي، و مع ذلك فالتكليفي التعليقي يجري فيه التكليف بما لا يطاق كما عليه إطباق أهل التخطئة كما هو الصواب.

و أمّا ما أورده من تخلّف الوضعي عن التكليفي في بعض الأحيان كضمان الصبيّ و جنايته فإنّه ليس في حقّه حكم تكليفي حتّى يقال بصحّة انتزاعه منه، ففيه: أنّ الحكم التكليفي الذي هو منشأ لانتزاع الوضعي لا يجب أن يكون منجّزا، بل يكفي في انتزاعه منه وجوده و لو معلّقا. فإن أراد انتفاءه في حقّ الصبيّ مطلقا و لو كان‏ (3) معلّقا ببلوغه أيضا، فهو ظاهر الفساد، و إن أراد انتفاءه‏ (4) منجّزا فهو مسلّم، و لكنّه لا يجديه شيئا، مع إمكان القول بالخطاب الفعلي لوليّه أيضا، فتدبّر في الغاية و تأمّل في النهاية تهتدي إلى الحقّ.

تنبيه يمكن ظهور ثمرة الخلاف بين القولين في موردين:

الأوّل: جريان الأصل عند الشكّ في الشرطية و الجزئية على القول بالثبوت دون القول بالنفي، فإنّه على القول بكونها مجعولات متأصّلة مستقلّة يصحّ القول بجريان أصالة عدم الجزئية و الشرطية، و هي‏

____________

(1). «ج، م»: محالة.

(2). «ك، ج»: تنجّز.

(3). «ز، ك»:- كان.

(4). «ج»: ببقائه.

173

واردة على قاعدة الاشتغال. و أمّا على القول بأنّها أمور انتزاعية فلا وجه لإجراء الأصل المذكور فيها؛ إذ لا يختلف الجعل على تقدير الجزئية و عدم الجزئية (1)، لأنّ المجعول أمر واحد، غاية الأمر اختلاف قيوده. اللّهمّ إلّا أن يجري الأصل في تعلّق نظر الطالب إلى المشكوك، فتدبّر.

و لكن هذا بالنسبة إلى شرط الواجب و جزئه، و أمّا إذا شكّ في شرط الوجوب كاشتراط وجوب الحجّ بقدر الكفاية بعد الرجوع، فيمكن أن يكون النزاع المذكور أيضا مثمرا؛ لأصالة عدم الجعل، و أمّا بناء على القول به‏ (2) فلا بدّ من الرجوع إلى البراءة فيهما.

الثاني: إذا رجع المجتهد عمّا ذهب إليه سابقا، كما إذا رأى جواز العقد على الباكرة (3) بدون إذن وليّها، ثمّ رجع و اعتقد عدم الجواز، أو اعتقد جواز العقد بالفارسية، ثمّ اعتقد خلافه بعد إيقاع العقد في الموردين منه، فعلى القول بأنّ الزوجية و الملكية من الأمور المتأصّلة المجعولة للشارع فيمكن القول بأنّ الرجوع لا يؤثّر فسادا في العقود السابقة كما لا يؤثّر عزل الوكيل في فساد ما عمله حال الوكالة، فإنّ التأثير في السابق حين ثبوت الوصف حاصل و لا وجه لانتفائه، بل لا يعقل انتفاؤه بعد وقوعه، و على القول بكونها أمورا انتزاعية من الخطاب التكليفي فثبوتها موقوف على ثبوت الخطاب، و ثبوت الخطاب دائر مدار الرأي الفعلي، فجواز التصرّف في المال ينتفي بانتفاء الخطاب كما هو ظاهر.

و أمّا ما يستفاد من الكلام المنقول في السابق- من ثبوت الثمرة في جريان التكليف بما لا يطاق في الحكم الوضعي و عدم جريانه في الحكم التكليفي و اشتراط العلم و القدرة في التكليفي دون الوضعي- فقد ظهر ضعفه ممّا مرّ على وجه لا يحتاج إلى‏

____________

(1). «ك»: عدمها.

(2). «ج، م»:- به.

(3). «ج»: البكر.

174

تضعيفه، و قد يقال أيضا: إنّ لازم القول بإنكار الوضعيات إنكار شرطية الستر للصلاة بالنسبة إلى الغافل، و ليس بشي‏ء.

و إن شئت توضيح الحال فنقول: نحن معاشر المنكرين للأحكام الوضعية و القائلين بأنّها أمور انتزاعية، لا يجب عندنا أن يكون محلّ انتزاع هذه الأمور خطابا فعليا متعلّقا بالمكلّف في الحال حتّى يصحّ القول بتحقّق الثمرة في الأمور المذكورة، بل يكفي عندنا في الانتزاع وجود الخطاب التعليقي، فالضمان في الصبيّ ليس منتزعا من الخطاب الفعلي، بل من الخطاب التعليقي بمعنى أنّه لو بلغ يجب عليه كذا، و هذا الخطاب ينتزع منه الضمان، و كذا شرطية الستر تنتزع من الخطاب المتوجّه إلى المصلّي على تقدير الالتفات و عدم الغفلة، مضافا إلى أنّا نقول: إنّ‏ (1) المراد من نفي الوجوب بالنسبة إلى الغافل إن كان نفي الوجوب الواقعي ففساده ظاهر؛ لثبوت الأحكام الواقعية على تقدير الغفلة أيضا و لذلك لا يحتاج إلى إيجاد خطاب آخر، و إن كان المراد نفي الوجوب الظاهري فمسلّم إلّا أنّ الشرطية أيضا منفيّة في مرحلة الظاهر؛ ضرورة عدم تعلّق الشرطية مع فرض انتفاء الخطاب المفيد لها (2)، فتدبّر يظهر لك الحال‏ (3).

____________

(1). «ز، ك»: من أنّ.

(2). «م»: لهما.

(3). «ج، م»:- فتدبّر يظهر لك الحال.

175

هداية [في اعتبار الاستصحاب عند الشكّ في عروض القادح‏]

ذهب‏ (1) المحقّق السبزواري‏ (2) إلى اعتبار الاستصحاب عند الشكّ في عروض القادح دون غيره من الأقسام المذكورة مستندا في ذلك إلى عدم صدق الروايات في غيره حيث إنّ المنهيّ عنه فيها نقض اليقين بالشكّ، و لا يصدق ذلك إلّا فيه؛ إذ النقض عند الشكّ في قدح العارض أو فردية شي‏ء له إنّما يستند إلى وجود ما يحتمل مانعيته لا إلى الشكّ نظرا إلى ما هو المقرّر عندهم عادة من استناد المعلول إلى علّته التامّة أو الجزء الأخير منها، و هو في غيره ليس شكّا؛ لتقدّم الشكّ في غيره و تأخّره فيه.

و اعترضه جماعة- أوّلهم السيّد في شرح الوافية-: بأنّ الشكّ و إن كان مقدّما في الشكّ‏ (3) في المانعية نوعا إلّا أنّ النقض غير مستند إليه في استصحاب القوم، بل إنّما يستند إلى الشكّ الشخصي المؤخّر عن وجود ذلك الشي‏ء.

و فيه: أنّ الشكّ هذا بخصوصه كان موجودا قبل و لم تحصل حالة ثانوية للمكلّف عند حدوث المذي، كيف و هو من الأفراد التي حكم عليها بذلك؟

و تفصيل هذا المقال و توضيح هذا الإجمال هو أن يقال: إنّ مقصود المحقّق المفصّل هو أنّ الشكّ في استصحاب القوم إنّما يقارن اليقين السابق، بل ربّما يكون مقدّما عليه؛

____________

(1). «ز، ك»: قد ذهب.

(2). انظر الذخيرة: 116.

(3). «ز، ك»:- في الشكّ.

176

إذ الشكّ في انتقاض الطهارة بخروج المذي حاصل حين اليقين بالطهارة أيضا، فتحصل‏ (1) عند المكلّف قضيّة كلّية واقعية قائلة بأنّ كلّ فرد من أفراد المذي مشكوك الناقضية مثلا، و لا شكّ أنّها قضيّة (2) حقيقية لا خارجية، فيعمّ الحكم الأفراد المحقّقة و المقدّرة، فكما أنّ الحيوانية في قولنا: «كلّ إنسان حيوان» يعمّ جميع أفراد الموضوع على وجه يحكم بحيوانية زيد بعد وجوده بتلك الحيوانية التي حكمنا بها على الإنسان لا بحيوانية غيرها، فكذلك الشكّ الحاصل في ناقضية المذي الخاصّ إنّما هو بعينه هو الشكّ المحمول على المذي في القضيّة المفروضة، و إنّما حصل في المقام متعلّق هذا الشكّ على وجه التفصيل‏ (3) عن‏ (4) الكلّي. أ لا ترى أنّه لو فرض علمنا بقيام زيد في الغد قبل حضوره فعنده لا يحصل لنا حالة إدراكية عدا ما كان لنا قبل كما لا يخفى.

و من هنا يظهر أنّ ما احتاله‏ (5) بعض الأجلّة (6) في الجواب المذكور تبعا لغيره من تقدّم الشكّ التقديري دون الفعلي، ممّا لا يجديه، و هل هذا إلّا كرّ على ما فرّ؟ لما عرفت من عدم حدوث حالة ثانوية بعد خروج المذي، فتدبّر.

و التحقيق في الجواب هو أن يقال: إنّ نقض اليقين إنّما هو بالشكّ في تمام الموارد المفروضة، و لا يجوز عند العقل نقض اليقين بغير الشكّ أو اليقين بخلافه؛ إذ لا ارتباط بين اليقين بوجود الطهارة و وجود المذي حتّى يمكن انتقاضه بوجود المذي، فإنّه حالة نفسانية و لا دخل للامور الخارجية فيه إلّا إعدادها لانتقاض اليقين بالشكّ؛ إذ نقض اليقين ليس إلّا رفعه، و رفعه إمّا بيقين مثله على خلافه أو لعدم العلم به و التردّد، فلا نقض في جميع الصور المفروضة إلّا بالشكّ، و لهذا ترى الانحصار في قول أبي جعفر (عليه السّلام): «و إنّما ينقضه بيقين مثله» (7) إذ لا يسبق وهم إلى انتقاض اليقين بيقين غيره على‏

____________

(1). المثبت من «م» و في سائر النسخ: فيحصل.

(2). «ز، ك»: و لا شكّ في الناقضية.

(3). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: الفضل.

(4). «ز، ك»: من.

(5). «ز، ك»: احتمله.

(6). الفصول: 372.

(7). تقدّم في ص 88.

177

شي‏ء آخر غير مباين للمتيقّن أوّلا كما لا يخفى.

و إن أبيت عن ذلك فنقول في الجواب: إنّ المعيار في استصحابه على ما يستفاد من كلامه هو تأخّر زمان الشكّ عن زمان اليقين على وجه يستند الانتقاض إليه، و من الظاهر تخلّفه عن مطلوبه؛ إذ النسبة بين الدليل و المدّعى هو العموم من وجه؛ لأخصّية المدّعى عن الدليل فيما إذا حدث الشكّ باعتبار أمر خارجي عند الشكّ في قدح العارض كما إذا رأينا رطوبة مشتبهة بين كونها ماء أو بولا مثلا، بل و إذا كان الشكّ في الحكم الكلّي أيضا كما إذا احتملنا مانعية حادث لم يكن قبل- و لو (1) بحسب‏ (2) نوعه- موجودا كالمذي- مثلا- لو فرضنا حدوثه في اليوم، أو فيما إذا فرض عدم الالتفات إليه بوجه على تقدير وجوده أيضا، و أخصّية الدليل عن المدّعى فيما لو كان الشكّ متقدّما أو مقارنا لزمان اليقين عند الشكّ في طروّ العارض، كما إذا حدث الشكّ بخروج البول في الغد عند اليقين بالطهارة في اليوم، فعند حضور الغد يشكّ في بقاء الطهارة بواسطة الشكّ في طروّ المانع، فيستصحب الطهارة السابقة مع تقدّم الشكّ على زمان اليقين أو تقارنه له، و ذلك ظاهر.

و قد يتمسّك في دفع التفصيل المذكور بأنّ مورد الرواية من الأقسام التي لا يقول به فيها، فإنّ الخفقة و الخفقتين ممّا شكّ في اندراجهما تحت ما علم مانعيته. و فيه: أنّ ذلك ليس من موارد الاستصحاب في الرواية، و لهذا ترى الإمام (عليه السّلام) أجابه بدليل اجتهادي مبيّن للواقع و قال: «يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب» نعم‏ (3) لا يبعد دعوى ذلك بالنسبة إلى قوله: «فإن حرّك في جنبه شي‏ء و هو لا يعلم به» بناء على أن يكون الشكّ فيه من قبيل الشكّ في اندراج فرد تحت مفهوم معلوم المانعية، و لكن ربّما يمنع عن ذلك أيضا فيقال بأنّ الشكّ إنّما هو من الشكّ في وجود المانع، حيث إنّ السؤال إنّما هو من‏

____________

(1). «ز»:- لو. «ك»:- و لو.

(2). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: تحت.

(3). «ج»: «و» بدل «نعم».

178

وصول تلك الحالة إلى حالة النوم كما لا يخفى.

و قد يجاب عنه أيضا بأنّ الظاهر من الروايات عدم الاعتداد بالشكّ في حال من الحالات و الأخذ بالحالة السابقة و عدم نقض اليقين إلّا بيقين آخر، و لا يضرّ في ذلك سبق الشكّ أو لحوقه؛ ضرورة صدق الاعتداد بالشكّ عند التردّد في مانعية شي‏ء موجود لو لم يؤخذ بالحالة السابقة، و قد منع الشارع منه في الروايات المتقدّمة، و مرجعه إلى دعوى إطلاق الأخبار أو عمومها لجميع‏ (1) الأقسام. و هو غير بعيد، إلّا أنّ المعتمد في الجواب هو ما قدّمنا.

و قد ينسب إلى المفصّل المذكور (2) التفصيل بين الأحكام و الموضوعات أيضا فقال بالعدم في الثاني و به في الأوّل، و لم يظهر لنا أنّ التفصيل المتقدّم إنّما هو بعد إخراج الموضوعات كما يظهر من المحقّق الخوانساري في الحاشية المنقولة فيما تقدّم‏ (3)؛ إذ لا دخل لأحد التفصيلين بالآخر.

و كيف كان، فقد يتوهّم تعاكس هذا التفصيل‏ (4) لما ذهب إليه الأخباريون، و ليس بإطلاقه على ما ينبغي؛ إذ يحتمل أن يراد بالموضوعات في مقابل الأحكام و جريان الاستصحاب فيها دونها أن يكون‏ (5) المستصحب هو الموضوع الخارجي كحياة زيد أو عدالة عمرو، و نحوها كما هو الظاهر بملاحظة سياق العبارة المنقولة في الحاشية.

و يحتمل أن يراد بها الأحكام الجزئية الشرعية التي منشأ الشبهة فيها هي الشبهة في الأمور الخارجية كالطهارة المتعلّقة بثوب خاصّ باعتبار الشكّ في نجاسة البلل الواقع فيه.

فعلى ثاني الاحتمالين يصير القولان متعاكسين، و على الأوّل فلا عكس له في‏

____________

(1). «ز، ك»: بجميع.

(2). انظر ص 62.

(3). تقدّم في ص 136- 138.

(4). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: التفصيل هذا.

(5). «ك»: و أن يكون.

179

الأقوال المعروفة.

و المشهور في مستند القول المذكور هو عدم شمول أخبار الباب لها بواسطة أنّ بيانها ليس من وظيفة الشارع، فإن أراد بها الأحكام الجزئية قبالا للأخبارية، فمحجوج بموارد الروايات المتقدّمة فإنّها بأجمعها واردة في مقام بيان تلك الأحكام، و إن كنت في ريب منها فراجعها.

و إن أراد بها نفس الأمور الخارجية كما استظهرناه، فالجواب عنه تارة بالنقض بالأحكام الجزئية التي وردت الروايات في بيانها، فإنّ الشارع ليس من وظيفته بيان نجاسة الثوب الخاصّ الذي يشكّ‏ (1) فيها بواسطة الاشتباه فيما لاقاه، كما أنّه ليس من وظيفته بيان بقاء الرطوبة إلى غاية كذائية.

و أخرى بالحلّ و هو أنّ للموضوع الخارجي جهتين: إحداهما: بيان نفسه من غير تعرّض بشي‏ء من أحكامه، كأن يبيّن أنّ زيدا- مثلا- موجود أو (2) أنّ البلل الواقع في الثوب الفلاني ماء أو غير ذلك، و الثانية: بيان حكمه إمّا واقعا إذا كان الموضوع للحكم هو نفس الموضوع من غير ملاحظة الجهل، و إمّا ظاهرا فيما إذا كان الموضوع مشتبه‏ (3) الحكم مثلا، و ما دارت عليه الألسن من أنّ شأن الشارع ليس بيان الموضوعات إنّما هو بالنسبة إلى الجهة الأولى لا الثانية، فإنّها في الحقيقة راجعة إلى حكم كلّي في قضيّة كلّية تندرج الموضوعات الجزئية الخاصّة في موضوعها، فإنّ الشارع قد بيّن بعموم قوله: «لا تنقض» حكم الموضوع المشتبه، و ليس هذا من بيان الموضوع في شي‏ء؛ إذ كما أنّه لا يسبق وهم إلى أنّ بيان حكم كلّي الخمر (4) بيان للموضوع، فكذلك لا ينبغي أن يرتاب في أنّ القول بلزوم الأخذ بالحالة السابقة و ترتيب آثارها على المشكوك عند الشكّ، كما هو مفاد قوله: «لا تنقض» بيان للموضوع الخارجي.

____________

(1). «ج، م»: شكّ.

(2). «ز، ك»: و.

(3). «م»: مشتبهة.

(4). «ز، ك»: كالخمر.

180

فالتفصيل المذكور في غاية السقوط، أ لا ترى أنّ الشارع قد جعل للموضوع المشتبه أمورا أخر غير الاستصحاب كاليد و السوق و البيّنة و نحوها، و ليس أمثال ذلك من بيان الموضوع في شي‏ء، بل إنّما هو حكم كلّي متعلّق بموضوع كلّي منطبق على جزئياته كالنجاسة للخمر الحقيقي، فلا فرق بين القضيّة الحاكمة بنجاسة الخمر و القائلة بحلّية ما يوجد في سوق المسلم عند الاشتباه، سوى الاشتباه كما لا يخفى على المتدبّر.

فإن قلت: إنّ المستفاد من أخبار الاستصحاب مجعولية المستصحب في مرحلة الظاهر، كما إذا شكّ في فورية الخيار- مثلا- عند علم المشتري بالغبن أو العيب أو في وجوب شي‏ء بعد ثبوته في الحالة السابقة، فإنّ المستفاد من قوله: «لا تنقض» هو أنّ الشارع قد جعل في مرحلة الظاهر وجوبا ظاهريا عند الشكّ في البقاء و عدمه كما جعل حكما واقعيا قبل الشكّ، و لا ريب أنّ الجعل الظاهري ممّا لا يتعقّل في الموضوعات الخارجية دون الأحكام، فإنّها أمور واقعية لا مدخل لجعل الشارع فيها، بخلاف الأحكام؛ إذ ليس لها واقع إلّا طلب الشارع على اختلاف الموارد، فتارة إيجابا، و أخرى استحبابا، و مرّة تحريما، و نوبة تنزيها، كما لا يخفى، فيمكن الجعل فيها كما هو مفاد الأدلّة، فينحصر مورد الأخبار المذكورة في الأحكام.

قلت: قد عرفت فيما تقدّم آنفا (1) أنّ معنى قوله: «لا تنقض اليقين» هو وجوب الأخذ بالحالة السابقة و إجراء الأحكام المترتّبة على المتيقّن عليه عند الشكّ، و ليس للجعل فيه عين و لا أثر، و وجوب الأخذ بالأحكام في الموضوعات معناه ترتيب آثارها عليها، ففيما إذا شكّ في حياة زيد بعد العلم بها لا بدّ من الحكم بحرمة زوجته‏ (2) على غيره و وجوب إنفاقه لها و نحو ذلك، و في الأحكام أيضا معناه هو وجوب الإتيان‏

____________

(1). «ز، ك»:- آنفا.

(2). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: «زوجتها».

181

بالصلاة عند الشكّ فيه و جواز فسخ المشتري عند الشكّ في بقاء الخيار، و لا يختلف في ذلك شي‏ء من الحكم و الموضوع عدا ما لا مدخل‏ (1) للرواية فيه و هو قبول الوجوب المستصحب للجعل‏ (2) و إمكانه فيه و عدم قبول الموضوع الخارجي لذلك؛ إذ لا تنافي في قول القائل‏ (3) عند استصحاب الوجوب: إنّه وجوب ظاهري، مع ظهوره في قولنا:

الحياة الظاهرية أو الوجود الظاهري كما لا يخفى، و من المعلوم أنّ هذا ممّا لا يقضي‏ (4) بانحصار مورد الأخبار في الأحكام.

فإن قلت: فإذا كان معنى حجّية الاستصحاب في الموضوعات هو الأخذ بأحكامها، فيرجع النزاع في حجّية الاستصحاب فيها لغوا؛ لإمكان استصحاب نفس تلك الأحكام و الآثار.

قلت: أمّا اوّلا: قد يكون هناك أمور غير موجودة حالة اليقين بوجود الموضوع و أحكام غير محمولة عليه فعلا، كما إذا كان معلّقا بوجود شي‏ء، أو حضور زمان كوجوب الفطرة المشروط (5) بحضور زمان العيد، و نحو ذلك، فعند الشكّ في وجود زيد وقت حضور زمان العيد لا يمكن استصحاب وجوب الفطرة؛ لعدم وجودها قبل، فلا يعود النزاع‏ (6) عبثا.

لا يقال: يكفي في الاستصحاب في مثل ذلك‏ (7) وجودها تقديرا، كأن يقال: إنّ الفطرة كانت بحيث لو حضر زمان العيد واجبة، و نشكّ في وجوبها بعد، فيستصحب ذلك الوجوب التقديري، و بعد فرض تحقّق التقدير فلا بدّ من الأخذ بوجوبها كما في غيرها من موارد الاستصحاب.

____________

(1). «ز، ك»: دخل.

(2). «ز، ك»: للجهل.

(3). «ز»: لا تنافي القول القائل، و في «ك»: تنافي لقول القائل.

(4). «ج»: لا يقتضي.

(5). «ز، ك»: المشروطة.

(6). «ز، ك»: فلا لغو و النزاع.

(7). «ج، م»:+ هو.

182

لأنّا نقول: هذه قضيّة انتزاعية و ليست من الأحكام الشرعية، فهي ملحقة بالموضوعات التي لا حاجة إلى استصحابها على زعم الخصم كما لا يخفى، مضافا إلى أنّ في الاستصحاب‏ (1) التقديري كلاما ستعرفه‏ (2) إن شاء اللّه‏ (3)، مع إمكان فرض‏ (4) المثال على وجه لا يجري فيه الاستصحاب التعليقي‏ (5) كعدم التزكية المترتّب عليه النجاسة، فافهم.

و أمّا ثانيا: إنّ الاستصحاب في الآثار و الأحكام من دون استصحاب الموضوع ممّا لا يعقل بعد الشكّ في وجوده؛ إذ الموضوع في الاستصحاب- كما ستعرف تحقيقه‏ (6) إن شاء اللّه‏ (7)- لا بدّ من العلم بوجوده و المفروض في المقام كونه مشكوكا، و استصحابه يغني عن استصحاب الأحكام؛ إذ معناه ترتيب تلك الأحكام، بل لا يعقل؛ لانتفاء الشكّ فيه، و فرض العدم كما في صورة تعدّد الأدلّة ممّا لا يجدي في المقام، لتحقّق مورد الاستصحاب عند تعدّد الأدلّة بعد فرض العدم و ارتفاعه بعد فرض عدم الاستصحاب في المقام كما لا يخفى.

____________

(1). «ج، م»: استصحاب.

(2). «ج، م»: ستعرف.

(3). «ز، ك»:- إن شاء اللّه.

(4). «ز، ك»: وفق.

(5). «ج»: العدمي.

(6). ستعرف في هداية تقوّم الاستصحاب ببقاء الموضوع ص 375.

(7). «ز، ك»:- إن شاء اللّه.

183

هداية [في التفصيل بين الأحكام الكلّية و الأحكام الجزئية]

قد ينسب إلى الأخباريين التفصيل بين الأحكام الكلّية الشرعية و الأحكام الجزئية التي منشأ الاشتباه فيها الموضوعات الخارجية و نفس تلك الأمور، فقالوا بالحجّية في الأخيرين، و بعدمها في الأوّل، فكما أنّ أرباب التفصيل المتقدّم قد أفرطوا فهؤلاء قد فرّطوا كما لا يخفى، و قد مرّ (1) التنبيه على عدم التعاكس بين التفصيلين كما زعمه المحقّق القمي (رحمه اللّه)(2).

ثمّ إنّ هذا التفصيل منهم مبنيّ على أصلهم من أنّ المرجع في الأحكام الكلّية الشرعية عند الجهل و الشكّ إلى الاحتياط، بخلاف الموضوعات كما في أصالة البراءة على ما مرّ تفصيل الكلام فيها، فلا عبرة بالحالة السابقة و لو كان موافقا للاحتياط فكيف بما إذا كان مخالفة (3).

و قد تعرّضوا للجواب عن أخبار الاستصحاب تارة بالمعارضة لأخبار الاحتياط، و أخرى بعدم شمولها للأحكام الكلّية الشرعية.

و لهم في بيان الثاني طريقان:

الأوّل‏ (4): ما أفاده الشيخ الجليل البارع‏ (5) رئيس جهابذة (6) الأخبارية في محكيّ‏

____________

(1). مرّ في ص 62.

(2). «ج، م»:- (رحمه اللّه).

(3). كذا في النسخ، و لعلّ الصواب: و لو كانت موافقة ... كانت مخالفة.

(4). سيأتي الثاني منهما في ص 188.

(5). «ز، ك»:- البارع.

(6). «ز، ك»:- جهابذة.

184

الفوائد الطوسية، قال‏ (1)- بعد قول المصنّف‏ (2): «و لا تنقض اليقين بالشكّ»-: أقول: هذا إنّما يدلّ على حجّية الأصل بمعنى الاستصحاب لا بمعنى أصالة (3) الإباحة، و لا دلالة له على الاستصحاب في الحكم الشرعي، بل هو مخصوص باستصحاب الحالة السابقة التي ليست من نفس الأحكام الشرعية، سواء كانت مخالفة للأصل أم موافقة له‏ (4)، مثلا إذا تيقّن الإنسان أنّه توضّأ ثمّ شكّ في أنّه أحدث و بالعكس، أو تيقّن دخول الليل ثمّ شكّ في طلوع الصبح‏ (5) و بالعكس، أو تيقّن وقوع العقد ثمّ شكّ في التلفّظ بالطلاق، أو تيقّن في وقوع الطلاق ثمّ شكّ في الرجعة أو في تجديد العقد، أو تيقّن طهارة ثوبه ثمّ شكّ في ملاقاة البول له، أو نحو ذلك ممّا ليس من نفس الأحكام الشرعية و إن ترتّب عليه بعضها، فإنّ هذه الأشياء لا تحتاج‏ (6) إلى نصّ، و إلّا لزم التكليف بما لا يطاق‏ (7)؛ لأنّ المكلّف لا يمكنه الرجوع في هذه الأشياء إلى المعصوم، و إذا رجع إليه فإنّه لا يعلم الغيب كلّه، و هل يتصوّر عاقل أن يقول للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): أخبرني لما أحدثت بعد وضوئي، و هل خرج منّي منيّ‏ (8) بعد الغسل؟ و هل طلّقت زوجتي أم لا؟ و لمّا اقتضت الحكمة لرفع‏ (9) الحرج و المشقّة أن ينصّ الشارع على العمل في هذه الأشياء التي ليست من الأحكام الشرعية بقواعد كلّية من أصل و استصحاب و نحوهما على تفصيل يستفاد من النصّ المذكور في محلّه، حكم العامّة بمساواة الأحكام الشرعية الإلهية لتلك الأمور الدنيّة (10) الدنيوية، بناء على أصلهم من حجّية القياس.

____________

(1). «ز، ك»:- قال.

(2). كذا في النسخ، و الصواب «المعاصر» لأنّه كان في مقام ردّ قول بعض معاصريه. كما سيأتي التصريح به في أواخر كلامه.

(3). في المصدر: الأصالة.

(4). «ز، ك»: أم لا.

(5). «ك»: الفجر.

(6). «ج، م»: المصدر: لا يحتاج.

(7). في المصدر: تكليف ما لا يطاق.

(8). المثبت من «ج، ز» و هو موافق للمصدر، و في «ك، م»: شي‏ء.

(9). «ج»: برفع.

(10). «ج، م»: الدينية.

185

و غفل عن الفرق بين الأمرين بعض المتأخّرين من الخاصّة مع أنّ النصوص بالفرق بين المقامين كثيرة، و إلّا لزم تكليف ما لا يطاق، أو رفع التكاليف كلّها أو أكثرها و الاستغناء عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الإمام (عليه السّلام) بالأصل و الاستصحاب كما صرّح به بعض علماء العامّة.

و لا يمكن المعاصر أن يجيب‏ (1) بما ورد من وجوب طلب العلم. لأنّه يقول: لا (2) المراد بالعلم الظنّ الحاصل من الدليل الشرعي كالأصل و الاستصحاب، و لا يجب بعد ذلك الرجوع إلى المعصوم (عليه السّلام) عندهم، و لأنّهم يدّعون أنّه لا يحصل من الأخبار غير الظنّ حتّى مع المشافهة؛ لأنّ دلالة الألفاظ ظنّية كما زعموا، فيلزم من وجوب الرجوع بعد حصول الظنّ الشرعي تحصيل الحاصل.

و ممّا يؤيّد الاختصاص هنا بما ليس من نفس الأحكام الشرعية أنّ هذا الحديث إنّما ورد في نواقض الوضوء إذا حصل الشكّ في غلبة النوم على السمع و عدمه، و في الشكّ بين عدد الركعات الصادرة عن المصلّي.

و ممّا يؤيّد ذلك و يوضحه أنّهم (عليهم السّلام) قالوا (3): «لا تنقض اليقين أبدا بالشكّ، و إنّما تنقضه بيقين آخر» (4) فإذا لم يحصل للمكلّف يقين بتجدّد حالة أخرى يمكنه الاستدلال بهذا الحديث، و إذا حصل له اليقين بتجدّد حالة أخرى كخروج المذي عن المتوضّئ و وجود الماء عند المصلّي بتيمّم‏ (5)، و حصل عنده شكّ‏ (6) في حكمهما (7) الشرعي، و هو الذي ينصرف إليه إطلاق الاستصحاب عندهم، فلا يمكنه الاستدلال بهذا الحديث؛ لأنّه قد نقض اليقين السابق بيقين و شكّ لا بشكّ منفرد، و لم يقل في الحديث: لا تنقض اليقين بالشكّ و باليقين و الشكّ و إنّما تنقضه بيقينين آخرين‏ (8)، فلا يكون ذلك دليلا على‏

____________

(1). في المصدر: يجب.

(2). في «ك»: «إنّ» بدل «لا».

(3). «ز، ك»:- قالوا.

(4). تقدّم في ص 88.

(5). «م»: تيمّم.

(6). «ز، ك»: الشكّ.

(7). «ج، ك» و المصدر: حكمها.

(8). «ز، ك»: بيقين آخر.

186

الاستصحاب، على أنّه إنّما يدلّ على أنّ الشكّ لا ينقض إلّا باليقين، فلا دلالة له على عدم نقض الشكّ بالظنّ، و لا الظنّ بالشكّ، و لا اليقين بالظنّ، و لا الظنّ بالظنّ، و لا اليقين باليقين و الشكّ، أو به و بالظنّ، و هم يستدلّون في جميع تلك الصور بالاستصحاب، فلا دلالة للحديث على حجّيته مطلقا، على أنّ اللام في «اليقين» يحتمل كونها للعهد الذكري؛ لأنّه قال: «فإنّك كنت على يقين من وضوئك و لا تنقض اليقين أبدا بالشكّ» (1) فلا دلالة له‏ (2) على غير الصورة المفروضة التي هي موضوع‏ (3) الحديث، و هي ليست من الأحكام‏ (4) الشرعية، و القياس باطل، و الاستدلال بالفرد على الطبيعة غير معقول خصوصا في الأصول هذا (5)، انتهى.

و الجواب عمّا أفاده ذلك الشيخ الجليل أخيرا- بقوله: و ممّا يؤيّد ذلك و يوضحه، إلخ- إنّما يستفاد عمّا أسلفنا ذكره في الهداية السبزوارية، و نقول في المقام توضيحا (6):

أوّلا: إنّ النجاسة المشتبهة باعتبار حدوث أمر خارجي أو الطهارة المشكوكة بواسطة ملاقاة رطوبة مشتبهة، ممّا لا ينبغي الاستصحاب فيها؛ لانتقاض اليقين بالشكّ في البقاء و (7) اليقين بحدوث الأمر الخارجي على ما زعمه، مع أنّ صدر الكلام المنقول منه ينادي بخلافه كما لا يخفى. و الحاصل أنّ النقض في الشبهة الموضوعية عند الشكّ في مانعية العارض ليس إلّا بيقين و شكّ، فما هو الجواب عنه هو الجواب عن غيره.

و ثانيا: إنّ النقض لا يحصل إلّا بالشكّ أو باليقين على الخلاف؛ لأنّ المكلّف بعد العلم بوجوب شي‏ء عليه إمّا أن يأتي به، أو لا يأتي به، لا كلام على الأوّل، و على الثاني: فإمّا (8) أن يتركه عصيانا، أو يعلم بخلافه، أو يشكّ فيه، فاليقين لا يتصوّر

____________

(1). تقدّم في ص 88.

(2). «ز، ك»: له أبدا.

(3). «ج، م»: موضع، و في المصدر: موضوع بالحديث.

(4). في المصدر: من نفس الأحكام.

(5). الفوائد الطوسية: 208- 209.

(6). «ز، ك»:- توضيحا.

(7). «ز، ك»: أو.

(8). «ز، ك»: و إمّا.

187

انتقاضه إلّا بالشكّ أو اليقين على الخلاف، و الإمام (عليه السّلام) إنّما منع عن عدم ترتيب الآثار عند نقض اليقين بالشكّ، و حكم بوجوب الإتيان فيما لو كان المعلوم سابقا واجبا، و لا مدخلية لليقين بوجود شي‏ء آخر للنقض على ما هو غير خفيّ على أوائل العقول.

و لقد أجاد المحقّق القمي (رحمه اللّه)(1) حيث أورد على السبزواري- في جملة كلام له- بأنّ المتبادر من الخبر أنّ موضع الشكّ و اليقين و موردهما شي‏ء واحد، فاليقين بوجود المذي لم يرد على اليقين بالطهارة، بل هما أمران متغايران‏ (2)، انتهى.

و لعمري إنّ وضوح فساد هذه التوهمات ممّا يغني عن إطالة الكلام في إبطالها، و لهذا لم يفد أستادنا المرتضى في الجواب عنها عدا ما ذكر، إلّا أنّ الأنسب أن نذكر (3) بعض ما يرد في ضمن إفادات هذا الشيخ الجليل، و لو لا أنّ المذكور من إفاداته على ما أودعه‏ (4) لكان ترك التعرّض له‏ (5) أولى.

فنقول: يرد عليه أوّلا: أنّ الفرق بين الأحكام و الموضوعات في مثل هذه الأخبار العامّة المسوقة لبيان المشتبهات ممّا لا يصغى إليه، و ليت شعري هل يتصوّر عاقل فرقا بين أن يقول الشارع: أنت في سعة ما لم تعلم وجوب شي‏ء، كما في الشبهة الوجوبية التي أجمعت الأمّة على البراءة فيها خلا ما يظهر من بعض متعصّبي الأخبارية (6)، و بين أن يقول: يجب أن يعمل فيما علم وجوبه سابقا بالأحكام السابقة مثلا و عامله معاملة المعلوم؟ فلو أنّ مثل هذا القول يوجب القول بالاستغناء عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الإمام (عليه السّلام) فهؤلاء أوّل من يقول به، فإنّ مقام الشبهة ممّا لا بدّ من العمل فيه بأصل‏ (7)، و الأصل عندهم هو الاحتياط، و عند غيرهم يختلف موارده بحسب اختلاف الأدلّة، و كيف‏

____________

(1). «ج، م»:- (رحمه اللّه).

(2). القوانين 2: 61 و في ط: ص 270.

(3). «ز»:- نذكر.

(4). «ز، ك»:- على ما أودعه.

(5). «ز، ك»: لها.

(6). هو أمين الأسترآبادي و بعض متابعيه كما تقدّم عنه في ج 3، ص 408.

(7). «ج»: بالأصل.

188

يحتمل هذا القول في حقّ المفيد مع أنّه من أجلّاء القوم؟ و كيف يوجب الاستغناء في عين الاحتياج لما هو مأخوذ منهم (عليهم السّلام) كما لا يخفى؟ مع أنّ ما ذكره في صدر كلامه:

فإنّه لا يعلم الغيب كلّه، فيه ما لا يخفى و إن لم نقل بإحاطة علمهم (عليهم السّلام) فعلا.

و ثانيا: أنّ بعد فرض حصول الظنّ من الأصل و الاستصحاب في جميع موارده و القول باعتباره من هذه الجهة، فلا نسلّم لزوم تحصيل الحاصل فيما لو راجع إلى الحجّة و إن قلنا بظنّية الخطابات الشفاهية (1)؛ إذ لم نجد قائلا بمكافأة الظنون المستفادة من الأصول للأدلّة الاجتهادية فكيف عن قول المعصوم و قد ادّعي الإجماع على ذلك؟ فالقول بذلك إنّما هو من خرافات العامّة و أصحابنا (رضوان اللّه عليهم)(2) أجلّ‏ (3) شأنا و أعظم قدرا من‏ (4) ذلك، مع أنّ المقدّمات المذكورة بأجمعها ممنوعة عند التحقيق كما لا يخفى.

و أمّا ما أفاده من زعمهم ظنّية الدلالة اللفظية، فليس بأبعد من دعوى قطعية أسناد الأخبار (5) الآحاد.

و ثالثا: أنّ من المقرّر في مقامه عدم تخصيص العامّ بالمورد؛ ضرورة عدم مدخليته في ذلك قطعا، و بعد ما فرض من عموم قوله: «لا تنقض» فلا وجه للتخصيص، على أنّ السائل إنّما سأل عن حكم الموضوع المشتبه كما لا يخفى.

و رابعا: أنّ ما ذكره في العلاوة ممّا لا يستقيم بوجه؛ إذ بعد القول بحجّية الظنّ بواسطة دليل شرعي فالنقض بالظنّ إنّما هو نقض باليقين، و ذلك ظاهر في الغاية.

و أمّا ما أفاده من حديث العهد فقد مرّ الكلام فيه فيما تقدّم بما لا مزيد عليه.

الثاني‏ (6): ما زعمه أمينهم، قال في الفوائد المكّية- على ما حكاه في الوافية بعد

____________

(1). «ز، ك»: الشخصية.

(2). «ز، ك»:- (رضوان اللّه عليهم).

(3). «ج، م»: فهم أجلّ.

(4). «ز، ك»: عن.

(5). «ج، م»: أخبار.

(6). تقدّم الأوّل منهما في ص 183.

189

إيراد الأخبار (1) الدالّة على الاستصحاب-: لا يقال: هذه القاعدة تقتضي جواز العمل بالاستصحاب في أحكام اللّه كما ذهب إليه المفيد و العلّامة من أصحابنا و الشافعية قاطبة، و تقتضي بطلان قول أكثر علمائنا و الحنفية بعدم جواز العمل به.

لأنّا نقول: هذه شبهة عجز عن جوابها (2) كثير من فحول الأصوليين و الفقهاء، و قد أجبنا عنها في الفوائد المدنية تارة بما ملخّصه أنّ صور الاستصحاب المختلف فيها عند النظر الدقيق و التحقيق راجعة إلى أنّه إذا ثبت حكم بخطاب شرعي في موضوع في حال من حالاته نجريه في ذلك الموضوع عند زوال الحالة القديمة و حدوث نقيضها فيه، و من المعلوم أنّه إذا تبدّل قيد موضوع المسألة بنقيض ذلك القيد اختلف موضوع المسألتين، فالذي سمّوه استصحابا راجع في الحقيقة (3) إلى استواء (4) حكم موضوع‏ (5) إلى موضوع آخر يتّحد معه بالذات‏ (6) و يغايره بالقيد و الصفات، و من المعلوم عند الحكيم أنّ هذا المعنى غير معتبر شرعا و أنّ القاعدة الشريفة المذكورة غير شاملة له.

و تارة بأنّ استصحاب الحكم الشرعي، و كذا الأصل، أي الحالة التي إذا خلّي الشي‏ء و نفسه كان عليها، إنّما يعمل بهما ما لم يظهر مخرج عنهما، و قد ظهر فى محالّ النزاع بيان ذلك: أنّه تواتر الأخبار منهم (عليهم السّلام) بأنّ كلّ ما يحتاج إليه الأمّة إلى يوم القيامة ورد فيه خطاب و حكم حتّى أرش الخدش، و كثير ممّا ورد مخزون عند أهل الذكر (عليهم السّلام)، و أنّه‏ (7) ورد في محالّ النزاع أحكام لا نعلمها بعينها، و تواترت الأخبار عنهم بحصر المسائل في ثلاث: أمر بيّن رشده، و بيّن غيّه أي مقطوع به لا ريب فيه، و ما ليس هذا و لا ذاك، و بوجوب التوقّف في الثالث‏ (8)، انتهى كلامه بألفاظه المحكيّة في الوافية.

____________

(1). «ج»: أخبار.

(2). «ج، م»: حلّها، و كتب عليها في «م»: جوابها.

(3). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: بالحقيقة.

(4). في المصدر: إسراء.

(5). «ج، م» و المصدر:- موضوع.

(6). «ز، ك»: ذاتا.

(7). «ز، ج، م»: أنّه، و في المصدر: فعلم أنّه.

(8). الوافية: 212- 213.

190

و محصّل ما ذكره في الوجه الأوّل مع توضيح منّي هو أنّه لا شكّ في أنّ القيود المعتبرة في القضيّة المعلومة المتيقّنة من زمان أو مكان أو شرط أو حال أو إضافة أو وصف و نحو ذلك، ممّا يجب أن تكون‏ (1) باقية حال الشكّ في تلك القضيّة على وجه يصدق عليها أنّها قضيّة متيقّنة (2) فشكّ فيها حتّى يكون موردا للأخبار المذكورة.

و أمّا إذا تبدّلت القيود المأخوذة فيها بعد الأصل المقرّر عند العدلية من تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد و اختلافها بالوجوه و الاعتبار، فيحتمل أن لا يكون المصلحة المقتضية للحكم الأوّل باقية، فالقضيّة المشكوكة بعد انتفاء قيد أو ازدياد حالة تصير واقعة أخرى مباينة للواقعة الأولى، و إلحاق الأخيرة بها عند الشكّ ليس إلّا من القياس الباطل، و الاستصحاب في الأحكام الكلّية الإلهية إنّما هو من هذا القبيل بخلافه في الموضوعات فإنّ الشكّ في بقاء الطهارة بعد الشكّ في حدوث البول و عروضه إنّما هو على وجه لا يختلف موضوع الحكم في القضيّة المتيقّنة الأولى؛ لعدم تبدّل قيد من قيوده أو حال من أحواله.

و أمّا (3) الجواب عنه، فتارة بالنقض بالاستصحاب في الموضوعات فيما إذا كان الشكّ في رافعية العارض، كما إذا شكّ في الطهارة بعد حدوث رطوبة مشتبهة، فإنّ الموضوع في القضيّة المتيقّنة قد ارتفع قيد من قيوده باعتبار حدوث تلك الرطوبة مع أنّه يقول به، أقول بل بمطلق الموضوعات؛ إذ لا يعقل وجود الشكّ و ارتفاع اليقين إلّا بواسطة حدوث حالة أو ارتفاع شي‏ء يحتمل اعتباره في الموضوع أو في الحكم و لو على وجه يكون اليقين حاصلا في تلك الحالة. و بالجملة: النسبة المعتبرة في القضيّة لا تختلف‏ (4) علما و شكّا إلّا باعتبار اختلاف شي‏ء معتبر في تلك النسبة.

لا يقال: يحتمل أن يكون هناك شي‏ء معه يحصل اليقين على وجه لا مدخل له في‏

____________

(1). في النسخ: يكون.

(2). «ز، ك»: عليها الناقضية منتجة.

(3). «ج، م»:- أمّا.

(4). في النسخ: لا يختلف.

191

حصوله إلّا حصوله في حالة.

لأنّا نقول: فبعد ارتفاعه لا يبقى‏ (1) الشكّ كما لا يخفى.

و لو رام إلى أنّ الموضوعات الخارجية- كوجود زيد و وجود الطهارة السابقة- ممّا لا يعقل فيه اختلاف الموضوع بواسطة اختلاف القيود؛ لعدم اختلاف الوجود الشخصي، و عدم تقدّره‏ (2)، لامتناع قبوله له، بخلاف الأحكام الشرعية فإنّها من مقولة الطلب و اختلافه باختلاف القيود و الحالات ممّا لا تدانيه‏ (3) ريبة، فيجوز الاختلاف في الأحكام دون الموضوعات.

فنقول في الذبّ عنه أوّلا: إنّ‏ (4) الأحكام الجزئية الشرعية ممّا يختلف‏ (5) أيضا؛ لكونها أمورا جعلية قابلة للاختلاف‏ (6) مع أنّه لا مانع من استصحابها عندهم.

و ثانيا: إنّ الوجود و إن كان لا يختلف باختلاف القيود و ليس من الأمور المتقدّرة إلّا أنّ له مراتب شتّى مختلفة باعتبار اختلافات الماهيات المختلفة باختلاف الاستعدادات المختلفة باختلاف الأمور المكتنفة بالماهيّات و اللواحق العارضة لها و القيود المعتبرة فيها، فوجود زيد بعد اكتناف حالة غير موجودة بالماهيّة المعروضة له يحتمل اختلافه كالأحكام الطلبية.

و الحاصل: أنّ المستفاد من كلام الفاضل المذكور انحصار الشكّ في الموضوعات في الشكّ في الرافع، و هذا ليس على ما ينبغي؛ لإمكان الشكّ في الرافعية و الشكّ في المقتضي كما عرفت و مع ذلك لا مفرّ من اختلاف موضوع المسألة بحدوث نقيض القيد المعتبر فيه كما لا يخفى.

و أخرى بالحلّ و يتمّ الكلام فيه في مقامين:

____________

(1). «ج، م»: لا ينبغي.

(2). «ز، ك»: تقديره.

(3). «ج، م»: يدانيه.

(4). «ج، م»:- إنّ.

(5). «ك»: تختلف.

(6). «ز، ك»: لكونها قابلة الاختلاف.

192

[المقام‏] الأوّل: في الشكّ في رافعية العارض، و لا بدّ من تمهيد مقدّمة و هي: أنّه لا ريب في أنّه قد يكون للمعلول بعد وجوده بوجود (1) علّته التامّة شي‏ء يزيله يعبّر عنه بالرافع كالبول للطهارة و كالطلاق للزوجية، و لا شكّ في أنّ عدم الرافع ليس معتبرا في وجود المعلول كعدم المانع، بل الرافع لا يتحقّق إلّا بعد الوجود فكيف يعتبر عدمه فيه؟ فهو إذا علّة لرفع المحمول عن الموضوع و ليس معتبرا في الموضوع، فلو شكّ في أنّ الشي‏ء الفلاني رافع أو لا يشكّ في استمرار الحكم معه من دون احتمال تغيّر (2) الموضوع؛ إذ باختلاف العلّة و احتمال حدوثه أو نفيه لا يختلف الموضوع.

و إذ قد تقرّر هذه‏ (3)، فنقول: إذا شكّ المكلّف بعد خروج المذي في أنّه متطهّر أم لا بعد العلم بالطهارة، فلا بدّ من القول بالاستصحاب، و الموضوع غير مختلف؛ لما قرّر في التمهيد من أنّ الطهارة السابقة ممّا لا مدخل لعدم الرافع فيه و لا يكون ذلك من‏ (4) قيوده و لواحقه، و الظاهر أنّ هذا المعنى ممّا يسلمه الخصم أيضا و زعم أنّ الشبهة الموضوعية من هذا القبيل، و لولاه لما صحّ الحكم في الشبهة الموضوعية أيضا.

فإن قلت: إنّ الرافع و إن لم يكن عدمه‏ (5) معتبرا في وجود المعلول في الآن الأوّل إلّا أنّ عدمه معتبر في البقاء في الآن الثاني، فيختلف موضوع المسألة باحتمال الرافعية كما في المانع. و توضيحه: أنّ عدم المانع لمّا كان مأخوذا في وجود الحكم المعلول فعند احتمال حدوثه يختلف الموضوع؛ لأنّ المعلوم هو الحكم عند عدم ما يحتمل مانعيته، و الحكم بعد هذه الملاحظة و مقيّدا بهذه الجهة يخالف الحكم بدونها، و الرافع عدمه و إن لم يكن معتبرا في أصل الوجود و لكنّه معتبر في البقاء، فيختلف موضوع الحكم.

قلت: المستصحب هو الوجود لا البقاء، و إنّما الاستصحاب‏ (6) يؤثّر في البقاء،

____________

(1). «ج، م»: لوجود.

(2). «ج، م»: لتغيّر.

(3). «ج»: هذا.

(4). «م»: من ذلك.

(5). «ز، ك»:- عدمه.

(6). «ز، ك»: المستصحب.

193

فبالاستصحاب يحكم بالبقاء، و الموضوع هو نفس الوجود، مثلا الطهارة السابقة عند حدوث المذي مستصحبة و بالاستصحاب باقية، و الموضوع هو وجود الطهارة، و لا مدخل فيه لعدم‏ (1) الرافع، و يوضحه ملاحظة حال الطلاق بالنسبة إلى النكاح فيما إذا شكّ في وقوعه بلفظ غيره ك «أنت خليّة» و نحوه، فإنّ الزوجية السابقة ممّا لا يؤثّر فيها عدم الطلاق و إن كان يؤثر في البقاء، و الاستصحاب بعد عدم تغيّر (2) الموضوع و عدم اختلاف القضيّة المشكوكة و القضيّة المعلومة، ممّا يقضي‏ (3) بالبقاء، و البقاء ليس موضوعا كما لا يخفى.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في المقام إلّا أنّه لا يخلو عن شي‏ء، فتأمّل.

و أمّا المقام الثاني: فيما إذا كان الشكّ في المقتضي، و المانع ممّا له مدخل في وجود الحكم المعلول، فنقول: قد تقرّر في محلّه- كما ستعرف في الخاتمة (4)- وجوب إحراز الموضوع في الاستصحاب، و هذا الشرط بإجماله ممّا لا خلاف فيه و لا ريب يعتريه و إن كان قد يخالف بعضهم في بعض مقاماته، فلا يصحّ الاستصحاب إذا تبدّل الموضوع بموضوع آخر، بل و المحمول أيضا، أو جزء منهما، أو قيد منهما، فلا بدّ أن لا يكون القضيّة المشكوكة مخالفة للقضيّة المتيقّنة سوى ما هو المفروض من اليقين في إحداهما و الشكّ في الأخرى، بل لو احتملنا تبدّل الموضوع أو ما يعتبر فيه من حال أو وصف أو شرط، لا يحكم بالاستصحاب فيه أيضا، إلّا أنّه لا بدّ أن يعلم أنّ‏ (5) المعيار في تميّزه أيّ شي‏ء هو؟ فقد يقال بأنّ التحقيق هو التدقيق في أمره، فعلى هذا فالأمر كما أفاده الأمين، و قد يقال بأنّ المعيار في التميّز هو العرف، فكلّ قضيّة يكون متّحدة مع‏

____________

(1). «ج، م»: عدم.

(2). «ج»: تغيير.

(3). «ج»: تقتضي.

(4). المراد بها هداية تقوّم الاستصحاب ببقاء الموضوع ص 377.

(5). «ج، م»:- أنّ.

194

القضيّة الأخرى عرفا و إن كان قيد من قيود موضوعه مرفوعا، فالموضوع باق و القضيّة متّحدة و يجري فيها الاستصحاب، فمن جملة ما لا يعتني العرف بشأنه في اختلاف الموضوع هو الزمان؛ لأنّ المفهوم عندهم في القضيّة القائلة بأنّ زيدا كان قائما- مثلا- هو كون الرابطة الزمانية ظرفا لوقوع النسبة فيها لا قيدا للموضوع أو المحمول و المظروف من حيث هو مظروف و مأخوذ (1) بهذه الملاحظة و إن كان يختلف باختلاف الظرف عند النظر الدقيق، إلّا أنّ أهل العرف يتسامحون فيه أيضا و يحكمون بالاتّحاد، فالقضيّة المعلومة ممّا لا مخالفة لها عرفا للمشكوكة منها، فيكون من مجاري الاستصحاب، و إن كان الزمان مختلفا فيهما، و كذا كلّ ما يعبّر عندهم بالحال.

و بالجملة: فنحن لو احتملنا اختلاف الموضوع و تبدّله لا نحكم بجريان الاستصحاب إلّا أنّ الكلام معهم يرجع‏ (2) إلى الصغرى، مثلا لو استفدنا جواز تقليد المجتهد العادل الحيّ من دليل شرعي فبعد انتفاء قيد من قيوده كالحياة أو العدالة و احتمال اعتباره في الموضوع لا نحكم بجواز التقليد للاستصحاب على ما هو ظاهر، بخلاف ما لم نحتمل ذلك و إن انتفى القيد و لو بواسطة الرجوع إلى دليل الحكم على وجه تطمئنّ‏ (3) النفس‏ (4) بأنّ الموضوع هو الذات المجرّدة، و ربّما يختلف التعبير في ذلك كما إذا قال: «الماء المتغيّر كذا» أو قال: «الماء إذا تغيّر حكمه كذا» فإنّ الظاهر من الأوّل هو كون الماء المقيّد بالتغيّر موضوعا للحكم فلو زال القيد لا مجال للاستصحاب فيه، و من الثاني كون‏ (5) الماء نفسه موضوعا.

فالحاصل: أنّ دعوى انحصار صور الاستصحاب بتمامها فيما زعمه باطلة يكذّبها الوجدان فضلا عن البرهان، و سيجي‏ء لذلك زيادة تحقيق‏ (6) في الخاتمة (7) إن شاء اللّه‏

____________

(1). «ج، م»: مأخوذا.

(2). «ز، ك»: راجع.

(3). في النسخ: يطمئن.

(4). «ك»: به النفس.

(5). «ز، ك»: بكون، و في «م»: يكون.

(6). «ز، ك»: بيان.

(7). المراد بها هداية تقوّم الاستصحاب ببقاء الموضوع في ص 387- 388.

195

العزيز. هذا تمام الكلام في الجواب عن أخبار الاستصحاب بعدم‏ (1) الشمول.

و أمّا الجواب عمّا أفاده الأمين أخيرا بالمعارضة، بل و (2) حصر المسائل في ثلاثة، فبأنّ الأخبار المذكورة على ما (3) هو واضح لمن تدبّر سياقها حاكمة على أخبار الاحتياط على تقدير دلالتها على لزوم التوقّف حكومة الأدلّة الاجتهادية الخاصّة على الأصول العملية؛ لارتفاع موضوعها بالاستصحاب، إذ بعد وجوب الأخذ بالحالة السابقة و لزوم ترتيب الآثار المتقدّمة على المتيقّن حال الشكّ بواسطة الأخبار الآمرة به، فلا يبقى شكّ و (4) شبهة في موارد الاستصحاب حتّى يكون موردا للاحتياط و يكون من بيّن الرشد؛ لأنّ لموضوع الشكّ في الشريعة أحكاما: تارة يجب العمل بالبراءة، و أخرى بالاحتياط، و أخرى بالاستصحاب، و مرّة بالتخيير، على حسب اختلاف مواردها، و فيما يكون مجرى الاستصحاب لا يجري فيه غيره من الأصول، لعدم تحقّق مواردها.

و قد يتمسّك في دفعه بالنقض بالموضوعات؛ إذ لو لا حكومة الأدلّة الدالّة على الاستصحاب لما جاز العمل به فيها أيضا.

اللّهمّ إلّا أن يدفع بأنّ العمل بها في تلك الموارد وفاقي فلا يرد نقضا، و لكنّ الإنصاف أنّها دعوى دون إثباتها خرط القتاد؛ لظهور العموم فيها بحسب اللفظ، و من الغريب أنّ المعصوم (عليه السّلام) إنّما قدّم الاستصحاب على الاحتياط اللازم اتّفاقا، و منه يظهر وجه الورود في غير المورد أيضا، فتدبّر.

____________

(1). «ج، م»: لعدم.

(2). «ز، ك»:- و.

(3). «ج»: على ما ستعرف.

(4). «ز، ك»:- شكّ و.

196

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

197

هداية [في التفصيل بين كون دليل المستصحب الإجماع أو النصّ‏]

الدليل الدالّ على الحكم الثابت في الزمن الأوّل: إمّا أن يكون لفظيا أو لا:

فعلى الأوّل: فإمّا أن يكون اللفظ بعمومه و إطلاقه شاملا للزمان الثاني الذي وقع الشكّ في ثبوت الحكم فيه أو لا، و على الأوّل: فلا حاجة إلى استصحاب الحكم؛ لكفاية اللفظ عنه، نعم قد يتوقّف صحّة الاستدلال باللفظ على‏ (1) الاستصحاب لكنّه لا مدخل له للحكم المدلول بالدليل اللفظي، كأصالة عدم التخصيص و استصحاب عدم التقييد (2) و نحوهما، فإنّ الاستناد بالعامّ في‏ (3) جريان الحكم السابق عند احتمال التخصيص لا يتمّ بدون ذلك، و قد يصير الحكم في الزمان الثاني مظنون الإرادة من نفس اللفظ مع قطع النظر عن إعمال الأصول المعهودة، فلا حاجة إليها في الاستدلال أيضا، و يعبّر عن هذا الاستصحاب في لسان القوم باستصحاب حال الدليل، و الظاهر أنّ تسمية هذا القسم بالاستصحاب إنّما هو باعتبار استصحاب عدم التخصيص، و إلّا فلا يخلو عن مسامحة؛ لانتفاء شروط تعقّل الاستصحاب كما لا يخفى. و على الثاني:

فإمّا أن يكون اللفظ محتمل الدلالة في الزمان الثاني بحيث لا نعلم‏ (4) المراد منه في حالة الشكّ، فيحتمل أن يكون مرادا من اللفظ و يحتمل أن لا يكون، و إمّا أن لا يكون‏

____________

(1). «ز»: إلى، و سقطت من نسخة «ك».

(2). «ك»: القيد، و في «ز»: التقيد.

(3). «ز، ك»: «و» بدل «في».

(4). «ز، ك»: لا يعلم.

198

كذلك بحيث نعلم بعدم إرادة الحكم في الزمان الثاني من اللفظ، ففي هذين القسمين لو أريد إثبات الحكم في الزمان الثاني يحتاج إلى الاستصحاب.

فمحلّ الاستصحاب فيما لو كان الدليل لفظيا في مقامين: أحدهما: ما كان الدليل مجملا كالقسم الثاني، و ثانيهما: ما كان الدليل ساكتا عن حال زمان الشكّ.

و على الثاني: فإمّا أن يكون الدليل هو العقل، و إمّا أن يكون هو الإجماع، لا كلام في المقام على الأوّل؛ لما سبق تحقيق الكلام فيه فيما تقدّم، و أمّا على الثاني فالإجماع على طريقة العامّة لو تحقّق في مورد فحكمه حكم اللفظ فيما لو كان ساكتا إذا لم يكن حال الشكّ أيضا إجماعيا، إذ هو حينئذ دليل بنفسه فإمّا أن يكون موجودا في الحالين، أو مختصّ بالزمان الأوّل، فعلى الأوّل لا وجه للاستصحاب، و على الثاني فهو محلّ الاستصحاب أيضا؛ لسكوت الإجماع عن الحالة الثانية. و أمّا على طريقة المتقدّمين من أصحابنا فحكمه حكم اللفظ بعينه، لأنّ المفروض كشفه عن قول المعصوم و لفظه، و هو مختلف. و أمّا على طريقة الحدس فهو أيضا على قسمين: فتارة:

على نحو العموم بمعنى حصول القطع برضاء المعصوم في الحكم الفلاني في الحالتين، و أخرى: على نحو السكوت، فعلى الأوّل لا استصحاب، و على الثاني فهو محلّ الاستصحاب.

و قد يكون الدليل على وجه يعلم منه نفي الحكم في الزمان الثاني، و هذا كما يتصوّر في الأدلّة اللفظية كذلك يتصوّر في الإجماع أيضا على الوجوه المختلفة من الطرق كما هو ظاهر.

و قد يكون الدليل اللفظي مردّدا بين الأقسام المذكورة فحكمه حكم الساكت.

فإذا أقسام اللفظ خمسة فإنّه: إمّا دالّ على الحكم في الزمان الثاني، أو ناف له، أو مجمل، أو ساكت، أو مردّد، لا استصحاب‏ (1) على الأوّلين، و محلّه على الأواخر. و أقسام‏

____________

(1). «ك»: و لا استصحاب.

199

الإجماع على طريقة العامّة ثلاثة لأنّه: إمّا دالّ أو ساكت أو ناف، إذ لا إجمال و لا ترديد فيه كما لا يخفى، فلا استصحاب على الأوّل و الأخير بخلاف الثاني، و أقسامه على الطريقة كأقسام اللفظ. و على‏ (1) طريقة المتأخّرين و الحدس فله أقسام ثلاثة؛ إذ لا إجمال و لا ترديد فيه، يجري الاستصحاب في قسم منها دون القسمين الأخيرين‏ (2).

فظهر من جميع ما تقدّم توضيحه أنّ مجرّد قابلية الحكم للبقاء في الحالة الثانية يكفي في الاستصحاب و لا مدخل للدليل فيه، و لا يتفاوت الحال في ذلك، سواء كان هو الإجماع أو غيره.

و قد ينسب إلى الغزالي التفصيل بين ما إذا كان الإجماع دليل ثبوت المستصحب فلا يجري فيه الاستصحاب، و بين ما إذا كان الدليل نصّا فيجري فيه الاستصحاب، و استند في ذلك- على ما هو المشهور منه- إلى منافاة الإجماع للخلاف، فلا يمكن استصحاب حال الإجماع عند الشكّ بخلاف النصّ لإمكان الخلاف مع النصّ.

و أجاب عنه جملة منهم تارة بالنقض بالنصّ فيما لو كان ساكتا أو مجملا؛ لعدم دلالته في‏ (3) محلّ الخلاف و الشكّ، و أخرى بالحلّ بأنّ الاستصحاب هو الدليل في الزمان الثاني نظرا إلى الأدلّة المعهودة على اختلاف المشارب لا الإجماع، فمنافاته للخلاف ممّا لا ضير فيه فيما هو المقصود.

و التحقيق: أنّ العبارة المنقولة من الغزالي ممّا لا دلالة فيها على التفصيل المذكور بوجه و هي هذه على ما حكاها في النهاية على ما في شرح الوافية للسيّد في المتيمّم إذا وجد الماء في الأثناء و (4) في المتطهّر إذا خرج منه‏ (5) شي‏ء من غير السبيلين بعد ما استند الشافعي للمضيّ‏ (6) و البقاء إلى الاستصحاب‏ (7)، قال: المستصحب إن أقرّ بأنّه لم يقم دليلا

____________

(1). «ج، م»:- على.

(2). «ز، ك»: الآخرين.

(3). «ج، م»: دلالته على في.

(4). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: أو.

(5). «ج، م»:- منه.

(6). «ج، م»: إلى المضيّ.

(7). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: الاستصحابات.

200

في المسألة، بل قال: أنا ناف و لا دليل على النافي، فسيأتي بيان وجوب الدليل على النافي، و إن ظنّ إقامة دليل فقد أخطأ. فإنّا نقول: إنّما يستدام الحكم الذي دلّ الدليل على دوامه، و هو إن كان لفظ الشارع فلا بدّ من بيانه، فلعلّه يدلّ على دوامها (1) عند عدم الخروج‏ (2) لا عند وجوده، و إن دلّ بعمومه على دوامها عند العدم و الوجود معا كان ذلك تمسّكا بالعموم، فيجب إظهار دليل التخصيص، و إن كان بإجماع و الإجماع إنّما انعقد على دوام الصلاة عند العدم دون الوجود، و لو كان الإجماع شاملا حال الوجود كان المخالف له خارقا للإجماع، كما أنّ المخالف في انقطاع الصلاة عند هبوب الرياح و طلوع الشمس خارق للإجماع؛ لأنّ الإجماع لم ينعقد مشروطا بعدم الهبوب و انعقد مشروطا بعدم الخروج و عدم الماء، فإذا وجد فلا إجماع، فيجب أن يقاس حال الوجود على حال العدم بعلّة جامعة، فإمّا أن يستصحب الإجماع عند انتفاء الجامع فهو محال، و هذا كما أنّ العقل دلّ على البراءة الأصلية بشرط عدم دليل السمع فلا يبقى له دلالة مع وجود دليل السمع، فكذا هنا انعقد الإجماع بشرط العدم، فانتفى الإجماع عند الوجود.

و هذه دقيقة و هو أنّ كلّ دليل يضادّه نفس الخلاف فلا يمكن استصحابه مع الخلاف، و الإجماع يضادّه نفس الخلاف؛ إذ لا إجماع مع الخلاف، بخلاف العموم و النصّ و دليل العقل فإنّ الخلاف لا يضادّه، فإنّ المخالف مقرّ بأنّ العموم بصيغته يتناول محلّ الخلاف، فإنّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لا صيام على من لم يبت الصيام» (3) شامل بصيغته صوم رمضان مع خلاف الخصم فيه، فيقول: أسلّم شمول الصيغة لكنّي أخصّه بدليل، فعليه الدليل، و هنا المخالف لا يسلّم شمول الإجماع محلّ الخلاف؛ لاستحالة الإجماع مع الخلاف و لا يستحيل شمول الصيغة مع الدليل، فهذه دقيقة يجب التنبّه لها.

____________

(1). في هامش المصدر: الضمير راجع إلى الصلاة. «منه (رحمه اللّه)».

(2). في هامش المصدر: أي خروج الحدث من غير السبيلين.

(3). المستدرك 8: 316، و فيه: «لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل»، و تقدّم في ص 150.

201

قال: فإن قيل: الإجماع يخرم الخلاف فكيف يرتفع بالخلاف‏ (1)؟ أجاب بأنّ هذا الخلاف غير مخرم بالإجماع و إن لم تكن المخالفة خارقة للإجماع؛ لأنّ الإجماع إنّما انعقد على حالة العدم لا على حالة الوجود، فمن ألحق الوجود بالعدم فعليه الدليل. لا يقال:

دليل صحّة الشروع دالّ على الدوام إلى أن يقوم دليل على الانقطاع، لأنّا نقول: ليس ذلك الدليل الإجماع؛ لأنّه مشروط بالعدم فلا يكون دليلا عند العدم فإن كان نصّا فيه‏ (2) لننظر هل يتناول حال الوجود أم لا؟ لا يقال: لم تنكرون‏ (3) على من يقول: الأصل أنّ ما ثبت دام إلى وجود قاطع فلا يحتاج الدوام إلى دليل في نفسه، بل الثبوت هو المحتاج- كما إذا ثبت موت‏ (4) زيد أو بناء دار كان دوامه بنفسه لا بسبب‏ (5)؟ لأنّا نقول: هذا وهم باطل، فإنّ كلّ ما ثبت جاز دوامه و عدمه، فلا بدّ لدوامه من سبب و دليل سوى دليل الثبوت، و لو لا دليل العادة على أنّ الميّت لا يحيى و الدار لا تنهدم بعد البناء إلّا بهادم أو بطول زمان، لما عرفنا دوامه بمجرّد موته، كما لو أخبر عن قعود الأمير و أكله و دخوله الدار و لم تدلّ العادة على دوام هذه الأمور، فإنّا لا نقضي بدوامها، فكذا خبر الشارع عن دوام الصلاة مع عدم الماء ليس خبرا عن دوامها مع وجوده، فيفتقر دوامها إلى دليل آخر (6)، انتهت‏ (7) عبارته المحكيّة في شرح الوافية.

و من المعلوم الظاهر عدم دلالتها على التفصيل المذكور، بل المستفاد منها نفي الاستصحاب رأسا، كما يستفاد من قوله- في الجواب عن الاعتراض في آخر كلامه-:

هذا وهم باطل، و منشأ الاشتباه هو وقوع كلامه في ردّ القائل بالاستصحاب فيمن وجد الماء في الأثناء، و ظنّي أنّه لم يكن ملتفتا إلى الاستصحاب بالمعنى المصطلح‏

____________

(1). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: الخلاف.

(2). «ج»: فبيّنة، و في شرح الوافية: فبيّنه (ظ).

(3). «ج، م»: لم ينكرون و في المصدر: لم ينكروا.

(4). «ج»: ثبوت.

(5). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: لسبب.

(6). شرح الوافية (مخطوط) 134/ أ- 135/ أ؛ المستصفى 1: 224- 226 مع تصرّف و تلخيص.

(7). «ز، ك»: انتهى.

202

أصلا، كما يظهر من حمل كلام المستصحب تارة: على ما هو المعروف من عدم حاجة النافي إلى الدليل، و أخرى: على دعوى الدوام، نعم قد (1) استشعر بذلك أخيرا فأورده بقوله: لم ينكرون على من يقول؟ و العجب منهم أنّهم كيف استنبطوا من هذه العبارة هذا التفصيل.

و أمّا الدقيقة التي تخيّلها دقيقة فمن المعلوم عدم مدخليتها في ذلك، نعم هو تفصيل في الدليل بمعنى أنّ الأدلّة حالها مختلف‏ (2) في إمكان البقاء، فالإجماع على معتقدهم ينافي الخلاف فلا يمكن بقاؤه في حال الخلاف، و ذلك بخلاف العموم أو دليل العقل؛ إذ ذلك لا ينافي الخلاف فيتحقّق في مورد الخلاف أيضا. و قد يتوهّم أنّه مفصّل مثل ما فصّل المحقّق نظرا إلى كلامه أوّلا، و ليس على ما ينبغي؛ لمنافاة سابقه و لاحقه له. و قد يتوهّم أنّه يفصّل بين الإجماع و غيره من الأدلّة في استصحاب حال الدليل و عدّه من المفصّلين من حيث كون استصحاب الدليل من أقسام الاستصحاب، و ليس في محلّه أيضا؛ لردّ استصحاب حال‏ (3) الدليل بأنّه‏ (4) إنّما يتصوّر في العامّ أو في المطلق دون سائر الألفاظ المجملة أو الساكتة (5) أو المردّدة أو العقل، و صريح كلامه في بيان الدقيقة هو الفرق بين الألفاظ و العقل و بين الإجماع و لا مدخل له في الاستصحاب أصلا، على أنّ استصحاب حال الدليل ليس من الاستصحاب حقيقة إلّا بواسطة الاستصحاب في عدم التخصيص و التقييد كما مرّ فيما تقدّم، فكيف‏ (6) كان فجريان الاستصحاب في موارده موقوف على احتمال بقاء المستصحب في محلّ الشكّ و إمكانه من غير مدخلية للدليل فيه، و لا فرق في ذلك‏ (7) بين كون الدليل لفظا أو غيره.

____________

(1). «ز»:- قد.

(2). «ز، ك»: مختلفة.

(3). «ج»:- حال.

(4). «ج، ك، م»:- بأنّه.

(5). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: الشاكّة.

(6). «ج، م»: و كيف.

(7). المثبت من «ج» و في سائر النسخ:- في ذلك.

203

هداية [في جواب المحقّق القمّي عن استصحاب الكتابي و ردّه‏]

قد تحقّق في الهدايات‏ (1) السابقة جريان الاستصحاب فيما كان‏ (2) المستصحب محتملا للبقاء و قابلا له، و لا فرق في ذلك بين كون المستصحب أمرا شخصيا معيّنا شكّ في بقائه في الزمان المتأخّر، كما إذا شكّ في وجود زيد المعلوم وجوده سابقا، ثمّ شكّ في بقائه في الحالة المتأخّرة، و بين أن يكون أمرا مردّدا بين شيئين يعلم بانتفائه في زمان الشكّ على تقدير، و يقطع بوجوده و بقائه على تقدير آخر، كما إذا علمنا بوجود حيوان في الدار مردّد بين كونه فرسا أو غيره ممّا يعيش في عام، و (3) بين كونه ممّا لا يعيش في عام كأنواع الحيوانات المخلوقة في الأرض من فئران و ديدان و نحو ذلك؛ لاحتمال بقاء الموجود المجمل و عموم أخبار الباب.

لا يقال: إنّ احتمال البقاء يكفي في جريان الاستصحاب فيما لو كان الشي‏ء الواحد محتملا للبقاء، و ليس كذلك في المقام فإنّ كلّ واحد من الأمرين المردّدين لا احتمال فيهما؛ للعلم بالوجود على تقدير، و بالعدم على تقدير آخر.

لأنّا نقول: المستصحب- و هو الوجود المجمل‏ (4)- شي‏ء واحد و محتمل للبقاء، غاية ما في الباب أنّ الاحتمال إنّما نشأ من الترديد بين الشيئين، فالترديد في المقام إنّما هو

____________

(1). «م، ج»: الهداية.

(2). «ج»: لو كان.

(3). «ج، م»: أو.

(4). «ز، ك»: المحتمل.

204

محقّق للاحتمال لا أنّه ينافيه كما هو ظاهر. و يترتّب على هذا فروع كثيرة، كما إذا علم بنجاسة مردّدة بين كونها ممّا ترتفع عن محلّها بغسلة أو لا ترتفع إلّا بغسلات، فالنجاسة مستصحبة على المختار، و خالف في ذلك المحقّق القمي فقال: إنّ الاستصحاب يتبع الموضوع و حكمه في مقدار صلوحه للامتداد، فإن كان الموضوع جزئيا معيّنا ثبت بالاستصحاب بقاؤه إلى أقصى مدّة يمكن بقاؤه فيها، و إن كان كلّيا كما لو علمنا بوجود حيوان في موضع و تردّدنا بين كونه من نوع ما يعيش قليلا كالذباب و النمل أو كثيرا كالإنسان و الفرس، فلا يثبت بالاستصحاب إلّا بقاؤه في أقصى مدّة ما (1) هو أقلّ الأنواع بقاؤه.

ثمّ بنى‏ (2) على ذلك في الردّ على استصحاب أهل الكتاب كاليهود و النصارى و غيرهم‏ (3) لنبوّة موسى أو عيسى أو غيرهما على نبيّنا و عليهم الصلاة و السلام فذكر ما حكى له بعض سادات الأفاضل من مخاصمة جرت بينه و بين بعض علماء اليهود حيث تمسّك اليهودي باستصحاب نبوّة موسى في إثبات دينه، فأجابه السيّد بما أجاب الإمام (عليه السّلام) لجاثليق‏ (4) في مجلس المأمون عليه ما عليه من أنّا (5) مقرّ بنبوّة موسى الذي بشّر أمّته بنبوّة (6) محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و كافر بموسى لم يخبر بذلك، فاعترضه اليهودي بأنّ موسى بن عمران الذي حاله معروف و شخصه معهود و أتى بالمعجزات النيّرات‏ (7) و أنتم تعترفون بنبوّته‏ (8) يستصحب دينه، فعلى المسلمين إبطاله، و لا يتفاوت في ذلك بين أن يقول بنبوّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و أن لا يقول.

فقال المحقّق المذكور- في إبطال الاستصحاب-: إنّ موضوع الاستصحاب لا بدّ أن‏

____________

(1). المثبت من «ج» و في سائر النسخ:- ما.

(2). «ز، ك»: و بنى.

(3). «م»: غيرها.

(4). «ز، ك»: بجاثليق.

(5). «ج، م»: عليه آلاف اللعون بأنّا.

(6). «ز، ك»: بشّر بأمّته نبوّة.

(7). «ز، ك»: المنيرات.

(8). «ز، ك»: نبوّته.