مطارح الأنظار - ج4

- الشيخ أبي القاسم الكلانتري المزيد...
781 /
205

يكون متعيّنا (1) حتّى يجري على منواله، و لم يتعيّن هنا إلّا النبوّة في الجملة، و هي كلّي من حيث إنّها قابلة لأن تكون نبوّة (2) إلى آخر الأبد بأن يقول اللّه: أنت نبيّ و صاحب دين إلى يوم القيامة، أو إلى زمان‏ (3) محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، بأن يقول: أنت نبيّ و دينك باق إلى زمان‏ (4) محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و لأن يقول: أنت نبيّ بدون أحد القيدين، فعلى الخصم أن يثبت إمّا التصريح بالامتداد إلى آخر الأبد و أنّى له بإثباته، أو الإطلاق، و لا سبيل إلى الأوّل مع أنّه خارج عن محلّ الفرض، و لا إلى الثاني؛ لأنّ الإطلاق في معنى القيد، فلا بدّ من إثباته، و من الواضح أنّ مطلق النبوّة غير النبوّة المطلقة، و الذي يمكن استصحابه هو الثاني دون الأوّل؛ إذ الكلّي لا يمكن استصحابه إلّا بما يمكن من بقاء أقلّ أفراده‏ (5).

و أنت خبير بفساد المبنى و البناء كليهما. أمّا الأوّل فلما عرفت من أنّ عموم أخبار الباب دليل على الاستصحاب في الكلّي أيضا بعد إمكان البقاء و احتماله كما قرّرنا.

فإن قلت: لو كان الاستصحاب مبنيّا على الأخبار فالأمر (6) كما ذكرت، و أمّا لو كان مبنيّا على الظنّ فهو كما ذكره المحقّق؛ ضرورة عدم حصول الظنّ من الاستصحاب إلّا فيما كان مقدار استعداد البقاء معلوما، و حيث إنّ مقدار الاستعداد في الأحكام الشرعية لا يصير معلوما إلّا بعد المراجعة إلى الدليل الدالّ عليه، فلهذا أحال إلى ملاحظة الدليل الدالّ على النبوّة و قال بالتفصيل المذكور، و من المعلوم أنّ التمسّك بالاستصحاب في قبال المسلمين في إثبات الدين ليس مبنيّا على الأخبار و إنّما هو من حيث إفادته الظنّ.

قلت: لا يتفاوت الحال فيما ذكرناه بين أن يكون الاستصحاب من باب الظنّ، أو

____________

(1). في المصدر: معيّنا.

(2). في المصدر: هو كلّي قابل للنبوّة.

(3). «ج، ز»: زمن.

(4). «ز، ك»: زمن.

(5). القوانين 2: 69- 70، مع تصرّف و تلخيص.

(6). «م»: فأمره.

206

من باب التعبّد. أمّا الثاني فكما عرفت و اعترفت‏ (1)، و أمّا الأوّل فلأنّ مناط الظنّ لو كان هي الحالة السابقة فهي‏ (2) موجودة في المقامين، و إن كان هي الغلبة فالنوعية منها غير مفيدة، و الصنفية غير موجودة، و إن كان لتوهّم أنّ مجرّد الاستعداد يكفي في حصول الظنّ، ففيه: أنّ الظنّ بوجود المعلول لا يحصل إلّا بعد حصول الظنّ بوجود أجزاء (3) علّته التامّة، فإذا كان المانع مشكوكا لا بدّ من تحصيل الظنّ بعدمه حتّى يصير المعلول مظنونا، و إذا كان المقتضي و استعداد المعلول مشكوكا فلا بدّ من تبديل الشكّ ظنّا، و إلّا فلا يمكن أن يكون المعلول مظنونا، ففيما لو قلنا بالاستصحاب من جهة الظنّ أيضا لا يتفاوت الحال فيما ذكر، و لهذا ترى أنّ القائل به لم يفصّل بين الشكّ في المقتضي و المانع، فإنّ معيار الظنّ هو الظنّ ببقاء العلّة في الزمن الثاني، نعم على القول بالظنّ يجب إحراز هذه الجهة أيضا كما لا يخفى، على أنّ التمسّك بالاستصحاب لا ينحصر في إفادته الظنّ في المقام؛ لإمكان الاستصحاب بناء على التعبّد العقلائي كما مرّ (4) الإشارة إليه فيما تقدّم‏ (5).

و أمّا الثاني فلأنّ انقسام النبوّة إلى الأقسام الثلاثة المذكورة إن كان بالنظر إلى المعنى و نفس الأمر مع قطع النظر عن اللفظ و ما يعبّر به عن المقصود من العبارات و غيرها، فممّا لا محصّل له عند التحقيق؛ إذ الإطلاق ليس وسطا واقعيا، فالموجود في نفس الأمر القائم بذات الجاعل هو أحد القسمين؛ لامتناع الجهل بالمراد و المجعول من الجاعل في مقام الجعل كما هو ظاهر، و إن كان بالنسبة إلى اللفظ و التعبير فمع الإطلاق لا يجري‏ (6) الاستصحاب.

و توضيح المقام هو أن يقال: إنّ للماهيّة عند العقل وجوها و مراتب: فتارة: يلاحظ

____________

(1). «ز، ك»: أو اعترفت.

(2). «م»: فهو.

(3). «ز، ك»: إحراز.

(4). مرّ في ص 56.

(5). «ز، ك»:- فيما تقدّم.

(6). «ز، ك»: لا يحرز.

207

من حيث اعتبار شي‏ء معها وجودا و عدما و عدم ملاحظة شي‏ء معها، و بهذا الاعتبار ينقسم إلى أقسامها الثلاثة من الماهيّة المطلقة- أي المعرّاة عن القيد- و تمايز المقسم بالالتفات إلى هذه التعرية في القسم و عدم الالتفات إليها في المقسم و إن كان هو كذلك في نفس الأمر، و الماهيّة بشرط شي‏ء، و الماهيّة بشرط لا.

و أخرى: يلاحظ من حيث تحقّقها في الخارج فيمتنع انفكاكها عن أحد القيود الوجودية؛ إذ لا وجود للعامّ من حيث هو عامّ مع قطع النظر عن أحد الأفراد كما في الطلب- مثلا- فإنّ الأمر القائم بنفس الطالب الذي هو موجود خارجي لا محالة يكون على أحد الوجهين: إمّا الوجوب، أو الندب.

و أخرى: يلاحظ من حيث التعبير، فتارة: يعبّر عنها بلفظ يقصر (1) عن إفادة شي‏ء زائد على الطبيعة المطلقة، بل هو مقصور على إفادتها فقط، و مرّة: يعبّر عنها بعبارة وافية لأحد القيود الوجودية أيضا، كما إذا قال: جئني بزيد- مثلا- على الأخير أو برجل أو بإنسان‏ (2) على الأوّل.

و لا شكّ في أنّ‏ (3) التقسيم المذكور للنبوّة ليس بالاعتبار الأوّل حتّى يتصوّر فيه أن يكون الإطلاق وسطا بين القسمين الآخرين‏ (4)؛ إذ اختلاف الأقسام في المقام باعتبار اختلاف القيود الوجودية كما هو ظاهر، فلا بدّ أن يكون إمّا على الوجه الثاني، و إمّا على الوجه الثالث، و على التقديرين لا وجه له، أمّا على الأوّل فلما عرفت من أنّ الإطلاق ليس وسطا واقعيا في مرحلة التحقّق‏ (5) و الوجود؛ إذ الجنس ما لم‏ (6) يتخصّص بفصل يمتنع وجوده، و أمّا على الأخير فلأنّ بعد فرض إطلاق العبارة لا مجرى للاستصحاب؛ لحكومة الإطلاق عند الشكّ، فإنّه دليل اجتهادي به يرتفع الشكّ، فلا

____________

(1). «ج، م»: يقتصر.

(2). «ج، م»: إنسان.

(3). «ز، ك»: الأوّل لا شكّ أنّ.

(4). «ز، ك»: الأخيرين.

(5). «ج، ك»: التحقيق.

(6). «ز، ك»:- لم.

208

يتصوّر الاستصحاب إلّا بعد فرض انتفائه، و المفروض أن لا مسوّغ للاستصحاب عنده إلّا الإطلاق و هو ينافي الشكّ كما لا يخفى.

فقوله: «من الواضح أنّ مطلق النبوّة غير النبوّة المطلقة» معناه أنّ الأمر الدائر بين الأقسام من الماهيّة المطلقة التي تتحصّل‏ (1) بأحد القيود غير النبوّة التي تعبّر عنها بعبارة مطلقة، و قد عرفت أنّ التعبير ممّا لا أثر له في الواقع، فإنّ النبوّة المجعولة المعبّرة بالإطلاق أيضا مردّدة بين أحد القيدين في الواقع، نعم قد يستكشف من الإطلاق الدوام الذي هو أحد القيدين.

و من هنا يظهر أيضا أنّ قوله: «إذ الإطلاق في معنى القيد (2) فلا بدّ من إثباته» ممّا لا محصّل له، سواء أخذ الإطلاق في التعبير أو في الملاحظة؛ إذ الإطلاق هو عدم ملاحظة القيد و اعتباره في المطلق، فلا يكون في معنى القيد، و لا حاجة إلى إثباته بدليل غير الأصل، و استفادة الدوام الذي هو القيد معنى إنّما بواسطة عدم ذكر القيد لفظا كما لا يخفى، على أنّ منع الاستصحاب في النبوّات‏ (3) باعتبار تردّدها بين الأفراد المختلفة استعدادا يلازمه القول بمنعه في الأحكام الشرعية، فوجوب الصلاة واقعا مردّد بين الأفراد المختلف‏ (4) استعدادها، و لا يمكن استصحابه إلّا في أقصى مدّة يحتمل بقاء أقلّ أفراده استعدادا مع أنّه لا مانع منه عنده، و قد تفطّن بذلك أيضا حيث قال: ثمّ إنّك بعد ما بيّنا لك سابقا لا أظنّك رادّا علينا الاستصحاب‏ (5) في الحكم الشرعي بما ذكرنا في هذا المقام بأن تقول: إنّ الأحكام‏ (6) الواردة في الشرع إنّما يسلّم جريان‏

____________

(1). في النسخ: يتحصّل.

(2). «م»: التقييد.

(3). «ز، ك»: «النبوّة إمّا».

(4). «ج»: المختلفة.

(5). في المصدر: أمر الاستصحاب.

(6). في المصدر: بأن تقول: يمكن أن يردّ الاستصحاب فيها بمثل ذلك، و يقال: إنّ الأحكام.

209

الاستصحاب فيها إن ثبت كونها مطلقات‏ (1) لم تكن‏ (2) مقيّدة (3) إلى وقت خاصّ و اختفى علينا أو ممتدّة إلى آخر الأبد، و الذي يجوز إجراء الاستصحاب فيه هو الأوّل، و ذلك لأنّ التتبّع و الاستقراء يحكمان‏ (4) بأنّ غالب الأحكام الشرعية في غير ما يثبت‏ (5) له حدّ ليست بآنية، و لا محدودة إلى حدّ معيّن، و أنّ الشارع يكتفي‏ (6) فيما ورد عنه مطلقا في استمراره، و يظهر من الخارج أنّه أراد منه الاستمرار، و أنّ تتبّع أكثر الموارد و استقراءها يحصّل الظنّ القويّ بأنّ مراده من تلك المطلقات هو (7) الاستمرار إلى أن ثبت الرافع من دليل عقلي أو نقلي‏ (8)، انتهى.

و محصّل ما ذكره في الجواب هو دعوى مظنونية الاستمرار باعتبار الغلبة في الأحكام الشرعية.

و فيه أوّلا: أنّ الأحكام المحدودة إذا شكّ في انقضاء حدّها- كما في خيار الحيوان و نحو ذلك- يجري فيه الاستصحاب مع أنّ اللازم ممّا ذكره عدم جريان الاستصحاب إلّا في المطلقات.

و ثانيا: أنّه يظهر من كلامه عدم الاعتبار بالإطلاق في استفادة الدوام منه، و إنّما يستفاد ذلك منه بواسطة الغلبة، و فساده غير خفيّ على أحد، بل هو أيضا معترف بهذا في غير المقام، فإنّ التحقيق استفادة الدوام منه و لو كان المصداق الموجود منه واحدا نظير إفادة العامّ ذلك إلّا أنّه ليس بهذه المثابة من الإفادة على ما هو ظاهر.

و ثالثا: أنّ بعد فرض الإطلاق فلا مجرى للاستصحاب؛ إذ هو دليل اجتهادي، و لو لم تكن‏ (9) الغلبة معتبرة فيه و بإطلاقه شامل لمورد الشكّ فكيف بما إذا كان الغالب في‏

____________

(1). «ز، ك»: مطلقا.

(2). في النسخ: لم يكن، و في المصدر: و لم تكن.

(3). «ج»: مقيّدا.

(4). «ز، ك»: إنّما يحكمان.

(5). في المصدر: ما ثبت في الشرع.

(6). في المصدر: يكتفي فيها.

(7). في المصدر: هي.

(8). القوانين 2: 73 و في ط: ص 275- 276.

(9). «ج، م»: يكن.

210

المطلقات على ما هو المدّعى منه مفيدا للدوام؟

لا يقال: إنّما هو يستصحب عدم الرافع و هو مشكوك حال وجود الإطلاق أيضا.

لأنّا نقول: إنّ من الواضح المعلوم عدم اقتصاره في موارد الاستصحاب على استصحاب عدم الرافع، بل الحكم الشرعي المدلول لنفس الدليل أيضا يقول‏ (1) بجريان الاستصحاب فيه على ما هو غير خفيّ.

ثمّ إنّه أورد اعتراضا آخر على نفسه و هو دعوى الاستمرار في النبوّات أيضا باعتبار الغلبة كالأحكام الشرعية، ففيما إذا شكّ في نبوّة نبيّ دلّ الدليل المطلق على نبوّته يحمل على الاستمرار إلحاقا بالأعمّ الأغلب كما في الأحكام.

فأجاب عنه بأنّ الغالب في النبوّات هو التحديد، بل إنّما الذي ثبت علينا و نسلّمه من الامتداد القابل لأن نمتدّه إلى آخر (2) الأبد فهو نبوّة نبيّنا (3)، مع أنّه لا يحتاج‏ (4) في إثباته إلى التمسّك بالاستصحاب حتّى يتمسّك الخصم بأنّ‏ (5) نبوّته أيضا مردّدة (6) بين الأمور الثلاثة، بل نحن متمسّكون بما نقطع به من النصوص و الإجماع، قال: نعم لو كان تمسّكنا بالاستصحاب في المدّة (7) لاستظهر علينا الخصم بما نبّهناه‏ (8) عليه‏ (9)، انتهى.

فإن أراد بدعوى الغلبة هذه مجرّد أنّ الغالب فيها التحديد في قبال من ادّعى الغلبة فيها على الدوام من غير أن تكون تلك الغلبة مفيدة في إلحاق المشكوك بالأغلب الأعمّ، فهو في محلّه، إلّا أنّ‏ (10) من الواضح أنّ دعوى الغلبة إنّما هو لإلحاق المشكوك.

و إن أراد بها الإلحاق و الاستنتاج‏ (11) كما هو الظاهر من دعوى الغلبة في مواردها، ففيه‏

____________

(1). «ج، م»: نقول.

(2). في المصدر:- آخر.

(3). «ك» و المصدر: نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله).

(4). في المصدر: أنّا لا نحتاج.

(5). «ز، ك، ج»: أنّ.

(6). «ز، ك»: مردّدة أيضا.

(7). في المصدر: في الدوام.

(8). «ز، ك»: بما نبّهنا.

(9). القوانين 2: 73 و في ط: ص 276.

(10). «م»: أنّه.

(11). «ج»: الاستباح، و في «م»: الاستناج.

211

أنّ الغلبة في أمثال الموارد ممّا لا فائدة فيها؛ لأنّ الفرد المشكوك لا يصير مظنونا بملاحظة الغلبة؛ إذ الجهة المشكوكة تخالف الجهة التي هي مورد الغلبة.

و توضيحه: أنّ المستصحب للنبوّة و هو اليهودي مقصوده إثبات الدوام على ما فرضه المحقّق المذكور، فادّعى غلبة الاستمرار في الاعتراض، فيلحق‏ (1) نبوّة موسى بغيرها، فيجري فيها الاستصحاب كما في الأحكام الشرعية، فأجابه‏ (2) المحقّق بأنّ الغلبة في النبوّات على التحديد عكس الأحكام، فنبوّة موسى ملحقة بها، فليس مجرى الاستصحاب.

و نحن نقول: إنّ غلبة التحديد لا تثمر في إلحاق المشكوك و هي نبوّة موسى؛ إذ المعلوم و المسلّم عند المحقّق المذكور هو وجود فرد مستمرّ خاتم للنبوّات، و اليهود (3) إنّما يدّعي بأنّ النبوّة المستمرّة إنّما هي قائمة بموسى (عليه السّلام)، فإنّه الخاتم، فالشكّ إنّما هو في أنّ موسى هل هو آخر الأنبياء و خاتمهم، أو هو ما قبل الآخر؟ و هذه الجهة ليست‏ (4) موردا للغلبة حتّى يقال بالإلحاق، و ذلك نظير ما لو علمنا بوجود رومي في أشخاص زنجية و فرضنا خروجهم من الدار- مثلا- بعد العلم بأنّ الرومي هو آخرهم، فلو شككنا في فرد أنّه هل هو الآخر حتّى يكون هو الرومي، أو هو ما قبل الآخر حتّى يكون هو الزنجي؟ فلا وجه في تشخيص‏ (5) الخارج بالغلبة كما لا يخفى؛ إذ لا غلبة في هذه الجهة.

ثمّ إنّه اعترض على نفسه أيضا بما ملخّصه: أنّ الأحكام الواردة في شريعة موسى قد تكون‏ (6) مطلقات‏ (7) مثل الأحكام الواردة في شريعتنا، فيمكن استصحابها.

____________

(1). «م»: فلحق.

(2). «ز، ك»: و أجابه.

(3). «ك»: اليهودي.

(4). «م»: ليس.

(5). «ك»: لتشخيص.

(6). في النسخ: يكون.

(7). «ز، ك»: مطلقا.

212

فأجاب بأنّ إطلاق الأحكام مع اقترانها ببشارة عيسى أو موسى برسول يأتي من بعده‏ (1) اسمه أحمد (صلّى اللّه عليه و آله) لا ينفعهم؛ لاستلزامه قبول‏ (2) رسالته (صلّى اللّه عليه و آله)، و بعد قبوله فلا معنى لاستصحاب أحكامهم‏ (3).

و فيه: أنّ اليهود إنّما هو في مقام الإلزام‏ (4) للمسلمين يقول باستصحاب الأحكام المطلقة، و هو لا يسلّم البشارة على ما هو ظاهر، فتأمّل.

فالأولى في مقام الجواب عن التمسّك بالاستصحاب وجوه:

الأوّل: ما أشار إليه المحقّق المذكور

أيضا من أنّ التمسّك بالاستصحاب في أمثال المقام ممّا هو من الأصول الدينية ممّا لا يجدي شيئا؛ إذ المقصود من المطالب الاعتقادية هو نفس الاعتقاد، و من المعلوم عدم حصول الاعتقاد بالاستصحاب لو أريد به تحصيل الاعتقاد من إجراء الاستصحاب؛ إذ غاية ما تكلّفه القائل به هو إفادته الظنّ، و عدم اعتباره أيضا في المطالب الاعتقادية ممّا لا يدانيه ريبة، و لو أريد به استصحاب نفس الاعتقاد الموجود في الزمن الأوّل، ففساده أجلى من أن يخفى؛ ضرورة انتفاضه و تبدّله شكّا.

فإن قلت: لو كانت النبوّة محدودة و شكّ في حصول الحدّ فلا بدّ من استصحابها، و إلّا لاختلّ على الأمم السابقة أمور دينهم، بل و دنياهم أيضا.

قلت: لا يعقل استصحاب الاعتقاد بنبوّته‏ (5) و إنّما يستصحبون أحكام تلك الشريعة.

فإن قلت: لا معنى لاستصحاب الأحكام بعد عدم العلم بالموضوع الذي يترتّب عليه الأحكام.

قلت: استصحاب الموضوع يكفي في ترتّب الأحكام و إن لم يكن كافيا في نفس‏

____________

(1). «م»: من بعد.

(2). في المصدر: وجوب قبول.

(3). القوانين 2: 74 و في ط: ص 276.

(4). «ز، ك»: الالتزام.

(5). «م»: نبوّته.

213

الاعتقاد كما هو غير خفيّ على المتأمّل.

الثاني: أنّ المستصحب للنبوّة إن أراد باستصحابها جعل المسلمين مدّعين لأمر

هو ينفيه و زعم عدم افتقار النافي في نفيه إلى دليل، ففيه: أنّ من المقرّر في محلّه عدم الفرق بين النافي و المثبت في الاحتياج إلى الدليل، فإنّ القضيّة الموجبة كما تحتاج‏ (1) في إثباتها إلى قياس مفيد لتحقّق النسبة التي اشتملت القضيّة عليها، فكذلك القضيّة السالبة محتاجة إليه؛ إذ لا فرق في العقول بينهما.

نعم، قد يكون عدم الدليل دليلا واقعيا على العدم، فلا حاجة إلى الاستدلال في النفي، كما إذا كان وجود الشي‏ء ملازما للعلم به فيكون من القضايا التي قياساتها معها (2)، و هي كما توجّه في السلبيات كذلك توجّه في الإيجابيات كما لا يخفى.

نعم، المانع الذي يدّعي عدم العلم بشي‏ء لا يطالب بدليل حيث أن لا سبيل إليه إلّا قوله بذلك، و لهذا ترى فيما كان إلى إثبات العلم له سبيل لا يصغى إليه، فإخباره‏ (3) حقيقة هو الدليل على عدم العلم كما لا يخفى.

و إن أراد المستصحب استصحاب الرسالة الثانية بإقرارنا و المنع من رسالة نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله)(4) فلا يحتاج في المنع إلى الدليل و يكفيه في الاستصحاب إقرار الخصم بثبوت‏ (5) المستصحب في الحالة السابقة. ففيه: أنّ إقرار الخصم بثبوت‏ (6) النبوّة السابقة و علمه بالمستصحب إن كان بواسطة الدليل الدالّ على نبوّة موسى أو عيسى‏ (7) غير ما أخبر به محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و أوصياؤه الأطهار من تواتر واقعي أو إجماع من سائر الملل، فعلى الخصم أن يقرّره فهو المستدلّ حينئذ، و إن كان بواسطة أخبار محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و دلالة القرآن عليه كما هو كذلك الآن في حقّنا؛ إذ لا شبهة في أنّ علمنا بنبوّة موسى أو عيسى فعلا مستند

____________

(1). في النسخ: يحتاج.

(2). «م»: معها قياساتها.

(3). «ز، ك»: فاختباره.

(4). «ج، م»:- (صلّى اللّه عليه و آله).

(5). «ز»: ثبوت.

(6). «ز، ك»: ثبوت.

(7). «ز، ك»:+ أو غيرهما.

214

إلى أخبار المعصومين (عليهم السّلام) بذلك، ففرض العلم بالحالة السابقة يلازم القطع بارتفاعها و انتفائها، فلا استصحاب؛ لارتفاع أحد أركانه و هو الشكّ اللاحق، فإنّ العلم بنبوّة موسى أو عيسى لا يحصل من القرآن و أخبار محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا بعد العلم بصحّة القرآن و نبوّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و العلم بصحّة القرآن هو عين العلم بارتفاع نبوّة غير محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) كما هو ظاهر، نعم يصحّ التمسّك بالاستصحاب فيما لو فرضنا حصول العلم من دليل آخر كالتواتر، مثلا لو أسلم يهودي يصحّ له التمسّك بالاستصحاب على ما هو ظاهر.

فإن قلت: إنّ حصول العلم بنبوّة عيسى من قول محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) لا يتفرّع على نبوّته، بل هو موقوف على صدقه و لو في هذه القضيّة، فيحتمل إثبات نبوّة عيسى و إن لم يستلزم صدق نبوّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).

قلت: لا سبيل لنا (1) إلى صدق محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) في هذه القضيّة إلّا بعلم بنبوّته‏ (2) كما هو ظاهر، و الأخذ بإقراره على تقدير كذبه- العياذ باللّه- بعد كونه جدلا و خارجا عن طريق البرهان لا يفيد لنا العلم بثبوت نبوّة عيسى في الحال كما لا يخفى. اللّهمّ إلّا أن يدّعى العلم بصدقه في هذه القضيّة نظرا إلى ظهور برهان نبوّة عيسى أو موسى و سطوع آثارها في زمنه على وجه لا يقبل الإنكار، و مع ذلك فالمانع مستظهر؛ لانقطاع عدد تواترهم بقتلهم بخت نصر (3) فتدبّر.

الثالث: أنّ معنى استصحاب نبوّة نبيّ هو وجوب التديّن بدينه‏

لا الصفة الثابتة له في نفس الأمر؛ إذ لا يعتبر فيها في الحالة السابقة و (4) اللاحقة، إذ لا ينعزل‏ (5) عن منصب النبوّة، و لا يصير ذلك مشكوكا حتّى يستصحب، فالمراد من استصحاب النبوّة هو وجوب اتّباعه في دينه و الاعتقاد بصحّة ما جاء به من اللّه تعالى شأنه، و لا ريب أنّ‏

____________

(1). «م»: له.

(2). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: نبوّته.

(3). «ز، ك»: البخت النصر.

(4). «ز، ك»: أو.

(5). «ز، ك»: إذ يعزل.

215

الدين هو أمر وحداني و إن كان مركّبا عن أشياء مختلفة، و متى شكّ في جزء منه فالشكّ إنّما هو في أصل الدين و ليس من الأمور التي يمكن أن يؤخذ منه أمر مشترك‏ (1) كالصلاة بناء على الصحيح.

فعلى هذا نقول: إنّ من جملة الأمور المقرّرة في شريعة موسى أو عيسى على وجه يختلف تلك الشريعة بالاختلاف فيها الإقرار بنبوّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، فالخصم إن أراد إثبات المستصحب في الحالة السابقة بتسليمنا و إقرارنا فنحن مقرّون بشريعة هي عبارة عن أحكام منها: بشارتهم على نبيّنا، فلا شكّ في الزمن المتأخّر، فلا استصحاب. و إن أراد استصحاب شريعة ليس منها البشارة المزبورة فلا علم لنا بتلك الشريعة أوّلا، فلا استصحاب؛ لانتفاء أحد أركانه و هو اليقين السابق، و العلم بأنّ شريعة عيسى أو موسى- مثلا- (2) إنّما هي مغيّاة إلى زمن محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) إنّما هو من ضروريات مذهبهم حتّى أنّه لم يسعهم إنكار ذلك، كما يظهر من التزام الجاثليق بعد ما أجابه أبو الحسن الرضا عليه و على آبائه و أبنائه آلاف التحيّة و الثناء (3) بما عرفت، و لعلّه‏ (4) منزل على هذا الجواب و إنّما استعار (عليه السّلام) عن دين موسى و (5) عيسى بهما نظرا إلى ما نبّهنا عليه من أنّ المراد باستصحاب النبوّة و إبقائها (6) هو استصحاب الشريعة كما لا يخفى.

و يظهر ما ذكرنا من أنّ المعلوم في تلك الشرائع هو ما قرّرنا من البشارة من الكتب السماوية و الآيات القرآنية كقوله تعالى: إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (7). فإنّ المستفاد منها انحصار (8) رسالته في التصديق بكتب اللّه و البشارة برسول‏

____________

(1). «ج، م»: أمرا مشتركا.

(2). «ج، م»: عيسى مثلا أو موسى.

(3). «ز، ك»: (عليه السّلام).

(4). «ز»: لعلّ.

(5). «ج، م»: أو.

(6). «ج»: بقائها.

(7). الصفّ: 6.

(8). «ز، ك»: هو انحصار.

216

اللّه‏ (1). و قيل: إنّ عمر ذات يوم كان ينظر إلى التوراة، فقال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «أ لم آت بها بيضاء نقيّة، و اللّه لو كان موسى و عيسى لم يسعهما إلّا اتّباعي» (2).

و بالجملة: فمن المعلوم جدّا أنّ من الأمور الواضحة المقرّرة في سائر الملل و الشرائع هو البشارة على بعثة النبيّ الأمّي و نحن عالمون بذلك، فالمستصحب إن أراد إثبات دين مستصحب بإقرارنا فنحن نقرّ بهذا الدين، و لا شكّ في ارتفاعه، و إن أراد إثبات دين آخر فعليه بإثباته، و لا علم لنا به سابقا أبدا.

و قد يقرّر ما ذكرنا بوجه آخر و هو أنّا نعلم بأنّ شريعة عيسى مغيّاة بمجي‏ء محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و بعد حصول الغاية لا حاجة إلى استصحاب الحكم؛ لأنّه معلوم بعد الغاية كقبلها، بل العمل بما بعد الغاية محقّق للعمل بالحكم المغيّى لا أنّه مناف لها، فنحن في الحال متديّنون بدين عيسى و لا ضير فيه كما لا يخفى.

فإن قلت: إنّ شريعة عيسى مشتملة على أحكام كثيرة منها: البشارة على ما ادّعيت، فالقدر المسلّم بيننا و بينكم مستصحب، و عليك بإثبات البشارة.

قلت‏ (3): قد عرفت‏ (4) أنّ الدين أمر وحداني لا يقبل التبعيض، بل الاختلاف في جزئه يوجب الاختلاف في نفس الدين، أ لا ترى أنّ شريعتنا على صادعها آلاف التحيّة (5) تختلف فيما لو خالف أحد في بعض أصولها (6) كالتوحيد أو (7) المعاد أو نحوهما.

لا يقال: لا سبيل إلى إنكار رسالة عيسى في الجملة، فالقدر المشترك بين الكلّ مستصحب.

لأنّا نقول: إن أراد بالرسالة الصفة الواقعية الثابتة لنفس النبيّ و الرسول في نفس‏

____________

(1). «ز، ك»: برسوله.

(2). انظر بحار الأنوار 2: 99 و 30: 178 و 76: 347.

(3). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: «فكذلك».

(4). عرفت في الصفحة السابقة.

(5). «ز، ك»:- على صادعها آلاف التحيّة.

(6). «ز، ك»: أصولنا.

(7). «ز، ك»: و.

217

الأمر فهي معلومة في الحال لا يطرأ إليها ريب، و إن أراد الشريعة المعلومة إجمالا ففيه أنّه ليس من الدين أصلا بعد ما عرفت.

فإن قلت: لو سلّمنا أنّ البشارة على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) كانت من دين عيسى على الوجه المفروض و تنزّلنا في قبول التحديد، فلا نسلّم وجود المبشّر عليه و حصول الحدّ، فلا ضير في الاستصحاب.

قلت: إنّا ندّعي تطابق الأمارات و البشارات الحاصلة في سائر الأمم للنبيّ الأمّي العربي التهامي الذي يقوّي دينه بسيف وصيّه، فمن ضروريات تمام الملل و الشرائع هو كون هذا الجزئي المخصوص المدلول عليه بالأمارات الواضحة المعلومة عندهم نبيّنا كما هو ظاهر لمن تدبّر و تدرّب في الكتب الإلهية و السفر السماوية و الصحف الربّانية.

هذا تمام الكلام في استصحاب النبوّة يعنى الشريعة السابقة، و أمّا استصحاب الأحكام الفرعية الثابتة في واحد من الملل السابقة و الأديان الماضية، ففيه مقامان:

فتارة: نحن نتكلّم في جريان الاستصحاب في حقّنا كما لو علمنا بثبوت حكم في زمان من الأزمنة السابقة (1) بطريق معتبر عندنا، كما ثبت محبوبية ترك الازدواج في بعض الشرائع على ما يدلّ عليها قوله تعالى- في مدح يحيى أنّه كان-: سَيِّداً وَ حَصُوراً (2) و تارة: نتكلّم فيه فيما لو خاصمنا واحد من أهل الملل.

أمّا الأوّل: فسيأتي تفصيله في هداية على حدة (3)- (4).

و أمّا الثاني: فقد يقال بجريان الاستصحاب فيها و كونه مثمرا في المقام؛ إذ ليس المقصود فيها إلّا العمل و هو حاصل نظير الاستصحاب في الأحكام الثابتة في شريعة نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله) عند الشكّ في النسخ، لكن ينبغي أن يعلم أنّ أصالة عدم النسخ تارة: راجعة

____________

(1). «م»: السالفة.

(2). آل عمران: 39.

(3). «ج، م»: على حدّها.

(4). و هي هداية استصحاب أحكام الشرائع السابقة ص 357.

218

إلى استصحاب حال الدليل الثابت في الزمن الأوّل من دعوى إفادته عموما أزمانيا، و الشكّ إنّما هو في تخصيصه بزمان دون آخر، و أخرى: راجعة إلى استصحاب نفس الحكم الثابت في زمان و لو (1) لم يكن مدلولا عليه بلفظ عامّ كما لا يخفى.

و الأوّل ليس من استصحاب عدم النسخ و إنّما هو الثاني كما عليه المشهور، فعلى‏ (2) هذا فكما لا مانع من استصحاب الحكم الثابت في الزمن الأوّل مع حصول الشكّ في نسخه على مذاق القوم، كذلك لا مانع منه فيما لو ثبت الحكم الفرعي في ملّة سابقة و شريعة ماضية، و لا وجه لدفعه بالعلم الإجمالي بالنسخ في الأحكام الثابتة في سائر الأمم؛ إذ ذلك لا يجدي في قبال دعوى اليهود و النصارى استصحاب الحكم و عدم نسخه، نعم قد يكون مثمرا في المقام الأوّل و ستعرفه فيه.

فإن قلت: لا يجري الاستصحاب فيها؛ لعدم العلم بالمكلّف، فإنّ المعلوم هو ثبوت الأحكام للأشخاص الموجودين في تلك الأزمنة، و أمّا من تأخّر منهم فلا يقين في السابق.

قلت: فلا يجري الاستصحاب في الأحكام الثابتة في ديننا أيضا للوجه المذكور بعينه. و لو رام إلى التمسّك بأدلّة الاشتراك كقوله: «حلاله حلال و حرامه حرام» (3)، فهو إثبات للحكم في زمان الشكّ بدليل اجتهادي لا بالاستصحاب، و المفروض جريانه على المشهور، و إثبات الحكم في زمان‏ (4) الشكّ بنفس الاستصحاب لا بالعموم، على أنّه يمكن إثبات الحكم بشخص واحد للزمانين، و يتمّ في الباقي بعدم القول بالفصل.

و من هنا يظهر فساد ما ذكره المحقّق القمي في دفع ما أورد (5) على نفسه أخيرا من‏

____________

(1). «م»:- لو.

(2). «ز، ك»: و على.

(3). روى الكليني في الكافى 1: 58، باب البدع، عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الحلال و الحرام، فقال: «حلال محمّد حلال أبدا إلى يوم القيامة و حرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة»؛ و نحوه في بصائر الدرجات: 148.

(4). «م»: زمن.

(5). «ز، ك»: أورده.

219

أنّه‏ (1) بعد البشارة لا وجه لاستصحاب الحكم الفرعي الثابت؛ لما عرفت من عدم التسليم إلّا أن يكون إشارة إلى ما ذكرناه في ثالث الأجوبة و الوجوه المتقدّمة كما لا يخفى، و لعدم المنافاة بين ثبوت البشارة و استصحاب الحكم الفرعي؛ إذ لا يصغى إلى دعوى كون الأحكام الفرعية التي كانت في تلك الشرائع مغيّاة ببعثة نبيّنا.

هذا غاية الانتصار لهم في المقام إلّا أنّ الوجه الثاني من الوجوه المذكورة ينهض بدفعه؛ إذ لا سبيل لنا إلى العلم بتلك الأحكام الثابتة في تلك الشرائع إلّا أخبار المعصومين (عليهم السّلام) بها، بل الحقّ الحقيق بالتصديق انتفاء ما يوجب العلم بها واقعا في الأحكام الفرعية إلّا ذلك، بخلاف أصول دينهم؛ إذ كما عرفت فيها يمكن دعوى تواترهم في ذلك، و تشتّت فرقهم دليل على عدم الإجماع فيهم، و لهذا تراهم تاركين لشريعتهم أيضا، و انتسابهم إلى الدهر في هذه الأزمنة و ما ضاهاها معلوم كما لا يخفى.

____________

(1). «ج، م»: أنّ.

220

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

221

هداية [في استصحاب الأحكام العقلية]

قد عرفت‏ (1) في الهداية الغزالية انقسام الدليل إلى دالّ على الحكم في زمن الشكّ، و ناف له، و ساكت عنه، و مجمل، و مردّد بينها (2)، لو كان لفظا أو إجماعا على بعض الوجوه المقرّرة فيه، فيجري الاستصحاب على بعض التقادير و لا يجري على بعض آخر كما مرّ الوجه‏ (3) فيها، و إلى الثلاثة الأول لو كان إجماعا على بعض آخر، و في حكمه الأدلّة اللبّية الأخر كالشهرة و نحوها، و لا إشكال في الكلّ.

و أمّا لو كان دليل الحكم هو العقل فتحقيق القول في جريان الاستصحاب فيه في مقامين:

[المقام‏] الأوّل: فيما إذا كان الشكّ في موضوع حكم العقل،

مثلا لو حكم العقل بقبح سلوك طريق معلوم الضرر و شرب دواء معلوم المهلكية، ثمّ شكّ في الهلاكة و الضرر باعتبار سنوح سانحة و نحوها، فهل يجري فيه الاستصحاب أو (4) لا؟ فيه تفصيل؛ لأنّه إن قلنا بحجّية الاستصحاب من حيث إفادته الظنّ يجري الاستصحاب، لأنّ استصحاب الموضوع يفيد الظنّ ببقائه، فالصغرى محرزة بالظنّ الاستصحابي، فمهلكية الدواء المفروض مظنون، و تنضمّ إليها كبرى قطعية و هي المدلول عليها بحكم‏

____________

(1). عرفت في ص 197 و ما بعدها.

(2). «ز»: بينهما.

(3). «ج، م»: لوجه.

(4). «ز، ك»: أم.

222

العقل من حرمة ارتكاب شرب دواء مهلك و سلوك سبيل مضرّ، فينتج حرمة الشرب و السلوك، و لا غائلة فيه.

لا يقال: إنّ مورد حكم العقل هو الموضوع المعلوم، و بعد تبدّله ظنّا لا موضوع فلا استصحاب.

لأنّا نقول: موضوع الحكم هو الواقع، و العلم طريق إليه، و باختلاف الطريق لا يختلف الواقع، غاية الأمر كون النتيجة ظنّية، لتبعيتها أخسّ مقدّماتها، فإنّ العلم بثبوت الأكبر للأصغر في النتيجة تابع للعلم بثبوت الأكبر للوسط، و الظنّ به للظنّ‏ (1) به، كالشكّ فيهما، كما هو ظاهر على من سلك سبيل‏ (2) النظر، إلّا أنّه غير خفيّ على أحد أنّه ليس من الاستصحاب في حكم العقل؛ إذ لا شكّ فيه عند الشكّ في بقاء موضوعه، بل إنّما هو من تعلّقه بموضوع مظنون و إن قلنا باعتباره من حيث إفادة الأخبار ذلك، فلا يجري فيه الاستصحاب؛ إذ قد عرفت فيما سبق أنّ معنى استصحاب الموضوع هو الأخذ بأحكامه السابقة و الحكم بترتيب آثاره المعلومة، و لا ريب أنّ ذلك إنّما هو بالنسبة إلى الأحكام التي تترتّب‏ (3) عليه شرعا، و أمّا الأحكام العقلية و العاديّة فلا يحكم بترتّبها عليه بواسطة أنّها ليست من مجعولاته فلا يترتّب عليه، فإذا استصحبنا الموضوع المشكوك كالمثال المفروض يحكم‏ (4) بآثاره الشرعية و لا يترتّب عليه حكم العقل بحرمة ارتكابه، نعم لمّا كان الدليل العقلي عندنا دليلا على الحكم الشرعي فيحكم بترتّب الحكم الشرعي المدلول عليه بالحكم العقلي.

لا يقال: إنّ الحكم الشرعي مترتّب على الحكم العقلي، و حيث لا يترتّب عليه فلا وجه للحكم بترتّب ما يتفرّع عليه كما يظهر الوجه في المقام الثاني.

لأنّا نقول: فرق بين المقامين، فإنّ منع جريان الاستصحاب في الحكم العقلي إنّما

____________

(1). «ز، ك»: الظنّ.

(2). «ز، ك»:- سبيل.

(3). في النسخ: يترتّب.

(4). «م»: نحكم.

223

هو بواسطة اختلاف موضوع القضيّة المعلومة و الواقعة المشكوكة، و في المقام بواسطة عدم كونه مجعولا للشارع، و انتفاء الموضوع يوجب انتفاء الأصل و هو الحكم العقلي، و عدم ترتّبه على الموضوع لا يوجب انتفاءه، فيلازم الحكم الشرعي، فيحكم‏ (1) بترتّبه على الموضوع، بخلاف المقام الآتي؛ إذ بعد انتفاء الأصل و الدليل لا يعقل بقاء الفرع.

المقام الثاني: فيما إذا كان الشكّ في نفس الحكم العقلي‏

كما لو فرضنا وجوب ردّ الوديعة في زمان، ثمّ شكّ فيه بواسطة حدوث حادثة في موضوع، فهل يحكم بالوجوب استصحابا للحالة السابقة، أو لا وجه للقول بالاستصحاب؟ يظهر من بعض الأجلّة (2) في بعض التقسيمات‏ (3) للاستصحاب جريانه، و التحقيق خلافه.

و توضيح المقال‏ (4) يحتاج إلى تمهيد، فنقول: لا ريب في أنّ الحكم من الأعراض التي لها تعلّق بالمحكوم به و المحكوم‏ (5) عليه في القضيّة المفروضة، و من المعلوم أيضا اختلاف المحكوم به و المحكوم عليه باختلاف القيود المأخوذة فيهما من زمان و مكان و شرط و آلة و (6) حالة و وصف و نحوها، فلا محالة يختلف الحكم عند اختلاف الموضوع و المحمول المختلفين باختلاف تلك القيود و العوارض اللاحقة لهما (7)، فذلك الأمر الناعتي‏ (8) و الموجود العرضي يتغيّر بتغيّر ما هو قائم به أو متعلّق به؛ إذ مناط تشخّصه‏ (9) و معيار وجوده هي تلك الأمور التي يختلف باختلافها الموضوع و المحمول. و لا ريب أيضا في أنّ العقل ما لم يحرز تمام ما يحتمل اعتباره في موضوع حكمه لا يحكم؛ إذ لا يخفى على الحاكم مورد حكمه، متى لم يعلم بمدخلية قيد أو شي‏ء في محلّ فلا يحكم، بل هو متوقّف في ذلك المحلّ.

____________

(1). «ز، ك»:- فيحكم.

(2). الفصول: 366.

(3). «ج»: تقسيمات.

(4). «ز، ك»: المقام.

(5). «ج»: للمحكوم.

(6). «ز، ك»: أو.

(7). «ز، ك»: لها.

(8). «ز، ك»: الذاتي.

(9). المثبت من «م» و في سائر النسخ: تشخيصه.

224

و إذ قد تقرّر هذا (1) فنقول: إنّ العقل لو حكم بوجوب ردّ الوديعة أو قبح الظلم و حرمته فذلك الحكم العقلي إمّا ضروري غير محتاج إلى وسط في إثبات ذلك الحكم، أو نظري محتاج فيه إلى وسط ينتهي إلى ضروري؛ ضرورة امتناع الخلوّ عن القسمين، و الثاني يرجع إلى الأوّل بعد الانتهاء إلى ضروري كما لا يخفى، و الشكّ في الزمان الثاني إمّا أن يكون باعتبار فقد حالة معتبرة في موضوع حكم العقل، أو ازدياد قيد لم يكن قبل كائنا ما كان، فمع تلك الحالة إمّا أن يكون العقل حاكما في ذلك الموضوع بالحكم الأوّل، أو لا يكون حاكما، فعلى الأوّل فلا وجه للاستصحاب، و على الثاني فإمّا أن يعلم باختلاف الموضوع بواسطة العلم بمدخلية تلك الحالة وجودا و (2) عدما في حكم العقل أو لا يعلم، فعلى الأوّل فموضوع الحكم منتف قطعا و لا بدّ في الاستصحاب من بقاء الموضوع؛ إذ لا نقض و لا تناقض على تقدير الانتفاء، لما هو معلوم من انتفاء التناقض بين القضيّة الموجبة و منتفية (3) الموضوع بعد وضوح اعتبار التناقض في محلّ الاستصحاب في القضيّة المعلومة و المشكوكة كما هو ظاهر، و على الثاني أيضا لا مجرى للاستصحاب؛ لعدم العلم بالموضوع و لا بدّ من إحرازه يقينا.

و ما ذكرنا إنّما هو مسامحة مع الخصم؛ إذ يحتمل أن يقال: إنّ العقل يحكم على موضوع معلوم من حيث إنّه القدر المعلوم في الحكم له على وجه لا يعلم اعتبار القيود المعتبرة في الموضوع في ثبوت نفس الحكم أيضا.

و إلّا فالتحقيق: أنّ الشكّ في بقاء الموضوع و عدمه غير معقول، فدائما إمّا أن يكون الوجود معلوما فالعقل الحاكم في الأوّل موجود في الثاني أيضا فلا حاجة إلى الاستصحاب، و إمّا أن يكون العدم معلوما فلا وجه للاستصحاب؛ لارتفاع الموضوع؛

____________

(1). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: هذه.

(2). «ج، م»: أو.

(3). «ز، ك»: منفيّة.

225

إذ لا يعقل في حكم العقل على شي‏ء عدم علمه‏ (1) بما هو معتبر فيه، فالعقل إمّا يحكم بحرمة الظلم و وجوب ردّ الوديعة على وجه عامّ شامل لموضع‏ (2) الشكّ فلا يجري فيه الاستصحاب، و إمّا يحكم بذلك في موضوع خاصّ نعلم بعدم تلك الخصوصية في موضع‏ (3) الشكّ فلا يجري فيه الاستصحاب أيضا كما لا يخفى.

فإن قلت: ما ذكرت إنّما يتمّ فيما إذا علمنا بمستند حكم العقل في الواقعة المتيقّنة (4)، و قد يكون حكم العقل بواقعة و قطعه بنسبة (5) في قضيّة مردّدا بين أن يكون مستندا إلى عدّة أمور مختلفة يحكم به في زمان الشكّ على تقدير و لا يحكم به على آخر، فيكون العقل في المقام مثل الإجماع، و مثل ما إذا أدركنا شيئا بالحسّ فإنّ الموجود المحسوس إنّما علمنا به في بعض أزمنة وجوده؛ إذ ليس يدرك بالحسّ وجوده في الأزمان المتأخّرة و المتقدّمة كما لا يخفى، فالشكّ‏ (6) يحصل في موضوع حكم العقل لا أنّه يعلم انتفاء الموضوع عند الشكّ كما في موضوع الإجماع، و قد تقدّم في بعض الهدايات السابقة (7) و سيجي‏ء في الخاتمة (8)- إن شاء اللّه‏ (9)- أنّه قد يتسامح في الموضوع عرفا، فعلى تقديره لا ضير في استصحاب حكم العقل كما في سائر الأحكام الشرعية.

قلت: إن أريد حصول العلم بواقعة مع قطع النظر عن قاعدة التحسين و التقبيح العقليين كما قد يحصل العلم بوقائع كثيرة في قضايا عديدة، فالعلم بالحسن و القبح يتفرّع على هذا العلم كما في التوقيفيات و الشرعيات نظرا إلى ما قرّر من تبعية الأحكام للصفات، ففيه: أنّه خروج عن المتنازع فيه؛ إذ لا ريب في أنّ ذلك مثل‏

____________

(1). «ز، ك»: علّته.

(2). «ز، ك»: لموضوع.

(3). «ز، ك»: موضوع.

(4). «ز، ك»: المنفية.

(5). المثبت من «م» و في سائر النسخ: بنسبته.

(6). «ز، ك»: و الشكّ.

(7). انظر ص 193.

(8). المراد بها هدية تقدّم الاستصحاب ببقاء الموضوع في ص 387- 388.

(9). «ز، ك»:- إن شاء اللّه.

226

الإجماع قد يجري‏ (1) فيه الاستصحاب فيما لو أحرزنا الموضوع حقيقة أو عرفا، و قد لا يجري فيما إذا لم يكن معلوما.

و إن أريد حصول العلم و حكم العقل‏ (2) بوجوب واقعة أو حرمتها من حيث الحسن و القبح كما هو المفروض في المقام، فالعلم بالوجوب يتفرّع على العلم بالحسن و القبح، ففيه: أنّه لا يعقل جهالة مستند حكم العقل؛ إذ القضيّة المفروضة لا تخلو إمّا أن تكون‏ (3) على وجه يكفي في الحكم بثبوت المحمول للموضوع و تحقّق النسبة تصوّر موضوعها كما في القضايا الضرورية كقولنا: الظلم حرام و قبيح، أو لا يكون على هذا الوجه، فيحتاج في الحكم بتحقّق النسبة إلى وسط بينهما ليستفاد (4) منه ذلك العلم كما في القضايا النظرية كقولنا: ضرب اليتيم حرام، فإنّه يحتاج في العلم بتحقّق تلك النسبة إلى ملاحظة اندراج موضوعها في موضوع كلّي يكفي في الحكم عليه بالحرمة تصوّره كما في قولنا (5): الظلم حرام، و لا مناص من الانتهاء إلى مثل ذلك دفعا للدور و التسلسل.

فإن كان الشكّ في القضيّة الأولى فلا بدّ من ملاحظة حال الموضوع المحكوم عليه بالحكم العقلي، فإن كان على وجه لا يختلف بازدياد حالة أو نقصان صفة فلا شكّ في اللاحق، و إن اختلف بازدياد حالة أو نقصان قيد فعند الشكّ بواسطة أحد الأمرين ارتفع الموضوع قطعا، و لا سبيل إلى القول بعدم العلم بذلك، إذ (6) المفروض أنّ القضيّة بديهية يحكم بثبوت المحمول فيها بمجرّد تصوّر الموضوع.

و إن كان الشكّ في القضيّة الثانية فلا بدّ من ملاحظة حال ذلك الوسط البديهي، فإن كان موضوع القضيّة النظرية المشكوكة مع ازدياد قيد أو نقصان حالة مندرجا

____________

(1). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: و قد يجري.

(2). «ز، ك»: النقل.

(3). «ج، م»: لا يخلو ... يكون.

(4). «م»: يستفاد.

(5). «ز، ك»: قوله.

(6). «ز»: إذا.

227

تحت موضوع الوسط فلا شكّ في اللاحق، و إلّا فالموضوع يقيني الارتفاع.

فتقرّر أنّ الأحكام العقلية ممّا لا يعقل‏ (1) فرض الشكّ فيها، و الموضوع فيها دائما إمّا معلوم الوجود فلا شكّ، و إمّا معلوم العدم فلا استصحاب، و ذلك بخلاف الإجماع كما إذا انعقد على نجاسة الماء المتغيّر- مثلا- فبعد زوال التغيّر يشكّ في بقاء الموضوع لا أنّه يعلم بعدمه، فلو قلنا بالتسامح العرفي أو استكشاف الموضوع من ظواهر الأدلّة فنقول بجريانه، و إلّا فلا.

فإن قلت: إنّ غاية ما يلزم ممّا ذكر عدم جريان الاستصحاب في نفس الأحكام العقلية، و أمّا الأحكام الشرعية التي يستدلّ عليها بها (2) فلا ضير في استصحابها، فإنّها بهذه الحيثية من الأحكام التوقيفية.

قلت: ذلك وهم باطل؛ لأنّ كون تلك الأحكام توقيفية بهذه الحيثية لا ينافي القطع بارتفاع موضوعها كما في المقام، فإنّ الحكم العقلي في محلّه و موضوعه دليل على الحكم الشرعي في ذلك الموضوع و قد ارتفع قطعا، فلا ثمرة فيها أيضا، و قد مرّ التنبيه على الفرق بين المقام و فيما إذا كان الشكّ في الموضوع فيما مرّ، فراجعه.

فإن قلت: كما أنّ الأحكام العقلية المترتّبة على التحسين و التقبيح العقليين ممّا لا يمكن فرض الشكّ في موضوعاتها فكذا الأحكام الشرعية أيضا كذلك؛ لابتنائها عند العدلية على المصالح الواقعية و المفاسد الحقيقية، فلا بدّ من عدم جريان الاستصحاب فيها أيضا.

قلت: الفرق بين المقامين ظاهر و إن كانت الأحكام الشرعية مبتنية على الأحكام العقلية؛ لعدم علمنا بالموضوع فيها، حيث إنّها بموضوعاتها غائبة عنّا و نحن بمعزل عنها، بخلاف الأحكام العقلية فإنّها معقولة لنا فيحصل العلم بالموضوع فيها دونها،

____________

(1). «ز، ك»: لا يستقلّ.

(2). «ز، ك»: بها عليها.

228

غاية ما يمكن أن يقال: إنّه إذا لم يكن دليل على إحراز الموضوع في الأحكام الشرعية من خطاب لفظي أو تسامح عرفي لا يمكن القول بالاستصحاب فيها أيضا و نحن لا نضايق من ذلك كما لا يخفى.

229

هداية [في التفصيل بين كون المستصحب وجوديا و بين كونه عدميا]

أكثر الحنفية على حجّية الاستصحاب في النفي، و النفي في الإثبات، على ما حكاه العضدي‏ (1)، و ظاهره التفصيل بين كون المستصحب وجوديا فليس بمعتبر (2) فيه، و بين كونه عدميا فهو معتبر فيه.

و حمله التفتازاني على التفصيل بين الآثار الوجودية التي تترتّب‏ (3) على المستصحب وجوديا أو عدميا فلا يعتبر، و بين الآثار العدمية التي تترتّب عليه كذلك فيعتبر، حتّى أنّ استصحاب حياة المفقود لا يؤثّر في انعزال نصيبه من مال مورّثه؛ لكونه وجوديا، و يؤثّر في عدم خروج ماله عن‏ (4) ملكه و عدم تعلّق حقّ وارثه بماله.

و هذا مع أنّه تكلّف في ظاهر ما حكاه العضدي ممّا لا وجه له أيضا؛ إذ قد يمكن التعبير عن الأحكام الوجودية التي جعلها منها على وجه يرجع إلى الأحكام العدمية كما لا يخفى، و لعلّه دعاه إلى هذا الحمل ما قد يتراءى من كون الاستصحابات العدمية إجماعية خارجة عن محلّ النزاع، فعدّه تفصيلا في قبال القول بالحجّية مطلقا و النفي يتوقّف على ذلك؛ إذ على هذا التقدير يكون موافقا للقول بالنفي المطلق، إلّا أنّه قد

____________

(1). شرح مختصر المنتهى: 453، تقدّم عنه في ص 51 و 60، انظر تعليقة ص 60.

(2). «م»: معتبرا، «ج»: معتبر.

(3). «ج، م»: يترتّب، و كذا في المورد الآتي.

(4). «ز، ك»: من.

230

عرفت‏ (1) فيما تقدّم في تحرير حريم الخلاف عدم الاعتداد بذلك، فإنّ أدلّة الطرفين يشهد بدخولها في محلّ الكلام كما يظهر من استدلال النافين بأنّه لو كان حجّة لوجب‏ (2) تقديم بيّنة النافي على بيّنة المثبت لاعتضادها بالاستصحاب، و من استدلال المثبتين بأنّه لو لم يكن حجّة لما صحّ التمسّك ببرهان لفظي لاحتمال ما ينافي الاستدلال من النقل و نحوه‏ (3) مثلا، و مطاوي كلمات النافين صريحة فيما ذكر، أ لا ترى أنّ صاحب المدارك‏ (4) يردّ استصحاب عدم التذكية بعدم اعتبار الاستصحاب مطلقا، و في كلمات السبزواري، بل الخوانساري‏ (5)- (6) و غيرهما النفي الصريح في الكلّ كما هو ظاهر من إطلاق عناوينهم الشاملة للمقامين.

و أمّا ما استند إليه الأستاد الأكبر (7) من كونها إجماعية نظرا (8) إلى اعتبار أصالة عدم النقل و الحقيقة و النسخ عند المنكرين كالسيّد و اضرابه و من تابعهم، فهو إنّما يتأتّى في الأصول اللفظية لا مطلقها كما لا يخفى؛ ضرورة عدم انتهاض الخاصّ دليلا على ثبوت العامّ بعمومه.

و استند بعضهم إلى‏ (9) استكشاف الإجماع على اعتبار العدميات على‏ (10) ما يظهر من تحرير العضدي حيث قال: و لا فرق عند من يرى صحّته بين أن يكون الثابت به نفيا أصليا أو حكما شرعيا فإنّ نفي الفرق بين النفي الأصلي و الحكم الشرعي- بعد أن حكم بعدم ثبوت الحكم الشرعي بالاستصحاب قبيل‏ (11) ذلك عند النافي- صريح في خروج العدميات عن النزاع، و إلّا لم يكن لنفي الفرق وجه.

____________

(1). عرفت في ص 38 و ما بعدها.

(2). «م»: يوجب.

(3). «ز، ك»: نحوها.

(4). تقدّم عنه في ص 51- 52.

(5). «ج»: المحقّق الخوانساري.

(6). تقدّم عنهم في ص 46.

(7). تقدّم عنه في ص 44.

(8). «ز»: نظر.

(9). «م»: على.

(10). «ز، ك»: «هنا».

(11). «ز، ك»: فبقي.

231

و فيه: أنّ الظاهر من النفي الأصلي هي البراءة الأصلية فلا دلالة فيه على خروج مطلق العدميات.

و كيف كان فقد تحقّق فيما تقدّم في الهدايات السابقة فساد هذا التوهّم‏ (1)، فالأولى صرف عنان الكلام إلى تحقيق المرام في هذا المقام فنقول: إنّ الفرق بين استصحاب الوجود و العدم ظاهرا (2) فيما هو المناط فيه- سواء كان عقلا أو نقلا- تحكّم صرف؛ لأنّ المدار لو كان على حصول الظنّ بالبقاء بعد العلم بالحالة السابقة، فإن قلنا بأنّ‏ (3) مجرّد ثبوت الشي‏ء في السابق مع عدم العلم بارتفاعه يورث ظنّا بالبقاء من غير ملاحظة شي‏ء آخر كالغلبة و نحوها، فبعد تقدير التسليم ممّا لا يفترق‏ (4) فيه الوجود و العدم؛ لحصول المناط فيهما معا. و دعوى بداهة الفرق بينهما كما يظهر من البعض ضرورية الفساد بعد ملاحظة الوجدان، و على فرض انضمام شي‏ء آخر بذلك فلا فرق أيضا، و لو كان المدار على الأخبار فعدم الفرق بينهما أوضح.

نعم، لو كان و لا بدّ أن يفصّل في المقام فأوجه التفاصيل التفصيل بين العدميات مطلقا و الوجودي الذي كان الشكّ في بقائه من جهة الشكّ في الرافع، و بين الوجودي الذي لم يكن الشكّ في رافعه، سواء كان الشكّ من حيث المقتضي أو من حيث المانع.

و تحقيقه يتوقّف على تمهيد، فنقول: قد تقرّر بناء العقلاء كافّة على الحكم بوجود المقتضي و المعلول بعد إحراز المقتضي، و إن كان المانع وجوده‏ (5) مشكوكا أو الرافع وقوعه محتملا كما إذا فرضنا وجود مقتضي الإحراق في محلّه و شككنا في وجود مانع من وجود الإحراق، فالعقلاء قاطبة بناؤهم مستقرّ على ترتيب‏ (6) آثار الإحراق، و كأنّ‏

____________

(1). «ز، ك»: و كيف كان فلا شبهة في فساد هذا التوهّم كما يظهر من المراجعة إلى بعض الهدايات السابقة.

(2). «ز، ك»: ظاهر.

(3). «ز، ك»: إنّ.

(4). «ج»: لا يفرق.

(5). «ز، ك»: وجود المانع.

(6). «ز، ك»: ترتّب.

232

الوجه في ذلك أنّ بعد فرض وجود المقتضي يشكّ في أنّ علّة عدم المعلول موجودة فيمتنع‏ (1) المعلول بواسطة ذلك، فالشكّ إنّما هو في امتناع المعلول من حيث وجود معارض علّة وجوده‏ (2)؛ إذ عدم المانع لكونه أمرا عدميا لا يعقل تأثيره في وجود المعلول إلّا من حيث ارتفاع وجود علّة النقيض، فبذلك يصير المحلّ قابلا، فيظهر أثر المقتضي، و لا مدخلية لعدم المانع في اقتضاء المقتضي، و لهذا ترى المقتضي باقيا على صفة الاقتضاء فعلا مع العلم بوجود المانع، و كلّما كان الشكّ في إمكان شي‏ء و امتناعه فتراهم يعاملون معه معاملة الإمكان ظاهرا (3) كما مرّ (4) الإشارة إليه في العبارة المنقولة عن الشيخ الرئيس، و بعد تقدير إمكانه فيؤثّر فيه المقتضي؛ إذ المفروض أنّه تامّ الاقتضاء، فيقال بوجود المعلول و يترتّب عليه آثاره.

و إذ قد تقرّر هذا (5) فنقول: إنّ الأصول العدمية بأسرها، و الاستصحاب الوجودي فيما إذا كان الشكّ في الرافع، من هذا القبيل.

أمّا الأوّل: فلأنّ الأحكام العدمية تارة يطلب منها ترتيب حكم عدمي، و أخرى ترتيب حكم وجودي، لا كلام على الأوّل؛ إذ تلك الآثار العدمية التي تلحق الأحكام العدمية إنّما هي في عرضها و إن كانت مترتّبة عليها في الاعتبار، فهي أيضا محالّ للاستصحاب كنفس‏ (6) تلك الأحكام. و أمّا الثاني: فكلّ ما نتعقّله‏ (7) من الأمثلة في العدميات كأصالة عدم النقل و القرينة و الحذف و النسيان و السهو من الأصول المعمولة في مواردها ممّا يراد منها ثبوت حكم أو ظهور دلالة و نحوها من الأحكام الوجودية التي تترتّب‏ (8) على تلك الأمور العدمية، من هذا القبيل، فإنّ حدوث النقل مانع‏ (9) عن‏ (10)

____________

(1). «ز، م»: فيمنع.

(2). «ك»: وجود.

(3). «ز»: ظاهر.

(4). مرّ في ج 3، ص 62.

(5). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: هذه.

(6). «ج، م»: لنفس.

(7). «م»: نتعلّقه.

(8). «ج، م»: يترتّب.

(9). «م»: مانعة.

(10). «ز، ك»: من.

233

حمل اللفظ على المعنى المنقول منه، و كذا قرينة المجاز و وجود الحذف و النسيان أيضا مانع عن ظهور الدلالة كما لا يخفى مع وجود المقتضي لذلك‏ (1) و هو الوضع، فمدخلية العدم في تلك الأمور المطلوبة من الأصول العدمية (2) إنّما يكون من حيث إنّ وجوده مانع عن ترتّبها على مقتضياتها (3)، لكونه علّة تامّة لنقيض‏ (4) الحكم كما عرفت، و مثله الكلام في أصالة عدم الرافع إلّا أنّه يعتبر مانعيته بالنسبة إلى البقاء لا الحدوث كما هو كذلك في المانع.

فإن قلت: لا مانع من أن يكون ذلك العدم علّة تامّة لترتّب ذلك الأمر الوجودي، و حيث إنّها في الأمور الشرعية ليست بعلّة (5) حقيقة (6) فإنّها كاشفة عنها واقعا، فلا مانع من أن يكون العدم مؤثّرا في الوجود، بل هو واقع، كما في أصالة عدم التذكية فإنّ النجاسة مترتّبة على نفس العدم و لا ضير فيه.

لا يقال: إنّ خروج الروح و إزهاقه مقتض للنجاسة، و التذكية مانعة (7) منها، فبأصالة (8) عدم التذكية يحرز المعلول، فلا مخالفة فيه لما ذكر.

لأنّا نقول: المقتضي لا بدّ و أن يكون متقدّما على غيره، و المقام مقارن فلا يجوز أن يكون مقتضيا.

قلت: نعم و لكنّ التحقيق أنّ المثال المذكور أيضا من هذا القبيل، فإنّ الإزهاق يقتضي‏ (9) النجاسة (10)، و المقتضي مقدّم على عدم المانع طبعا، فلا غائلة في مقارنته له زمانا.

فتلخّص: أنّ الاستصحابات العدمية التي نتداولها إنّما هي ممّا يكون المقتضي للآثار

____________

(1). «ز، ك»: له.

(2). «ز، ك»:- العدمية.

(3). «م»: مقتضاياتها.

(4). المثبت من «م» و في سائر النسخ: لنقض.

(5). «ج، م»: علّة.

(6). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: حقيقية.

(7). «ج، م»: مانع.

(8). «م»: فأصالة.

(9). «ج»: تقتضي.

(10). «ز، ك»: فإنّ الإزهاق المقتضي للنجاسة.

234

المطلوبة في تلك الاستصحابات موجودا، و الشكّ إنّما هو في وجود المانع لحدوثها أو لبقائها، نعم لو فرض من الأصول العدمية ما لم يكن المقتضي للآثار المترتّبة عليها موجودا فأصالة عدم المانع لا يكفي في الحكم بترتّب‏ (1) تلك الآثار و هو ظاهر إلّا أنّ الأمثلة الموجودة ليس منها.

هذا تمام الكلام فيما كان المستصحب عدميا.

و أمّا الثاني: و هو ما كان المستصحب وجوديا فلا ينطبق على القاعدة المزبورة إلّا فيما كان الشكّ في الرافع فقط؛ إذ المانع من الحدوث لو كان مشكوكا فلا يعلم‏ (2) بوجود المعلول فلا يقين في السابق، فلا يجري الاستصحاب الوجودي فيما إذا كان الشكّ في المانع، و أمّا الشكّ من حيث المقتضي بعد العلم بتماميته في السابق و إن كان يعقل فيه الاستصحاب الوجودي إلّا أنّه ليس داخلا فيما مهّدناه في المقدّمة.

و بالجملة: فنحن ندّعي استقرار بناء العقلاء على ذلك الحكم بوجود المعلول بعد إحراز المقتضي و لو كان المانع وجوده مشكوكا، و هذه القاعدة و إن لم يكن‏ (3) من الاستصحاب في شي‏ء إلّا أنّه ينطبق‏ (4) على موارده المفروضة، و إليه ينظر عبارة المحقّق كما مرّ نقله فيما سبق‏ (5)، و لو لا أنّ من المعلوم خلافه في كلمات العلماء- كما عرفت حيث إنّ المستفاد من كلام جملة عدم الاعتداد بالاستصحاب مطلقا- لم يكن دعوى الإجماع عليه أيضا بعيدا؛ حيث إنّ العمل عليه، و لا ينافيه إنكارهم تفصيلا بعد الإذعان‏ (6) الإجمالي.

و الأخبار الواردة في الباب بناء على التحقيق دلالة لها على غير ذلك، فإنّ المنساق منها- سواء كان بلفظ النقض أو غير ذلك كما لو قال: «إذا شككت فابن على اليقين»-

____________

(1). «م»: ترتّب.

(2). «ك»: فلا نعلم.

(3 و 4). كذا.

(5). انظر ص 53- 54 و 65 و 68.

(6). «م»: الإعادة.

235

اتّحاد مورد اليقين و الشكّ على وجه لم تكن القضيّة المتيقّنة مخالفة للمشكوكة إلّا بالإيجاب و السلب فقط و اليقين و الشكّ، و ليس هذا إلّا في العدميات؛ لأنّ العدم الثابت المعلوم أوّلا بعينه مشكوك في اللاحق، إذ لا يتفاوت العدم الأزلي بتفاوت الأمور التي يحتمل تفاوت الوجود بها من حال أو وصف و زمان و مكان و نحوها كما هو ظاهر لا سترة عليه، و في الوجودي فيما إذا كان الشكّ في الرافع؛ إذ المقصود بالاستصحاب هو البقاء، و المحمول في القضيّة المعلومة السابقة هو الوجود، و لا مدخل للرافع فيه، فلا يختلف بالتقييد (1) له‏ (2) بعدمه كما يختلف في المانع من الحدوث كما مرّ تفصيل ذلك فيما مرّ (3) في الهداية الأخبارية (4).

و على ما قرّرنا من ثبوت طريقة العقلاء على الأخذ بالاستصحاب في الموارد المفروضة يظهر الوجه فيما ذهب إليه جملة من محقّقي السلف من اعتبار الاستصحاب كالمفيد (5) و أضرابه‏ (6) قبل ظهور دلالة الأخبار عليه، إلّا أنّه يشكل أيضا بأنّ الاعتماد (7) بالاستصحاب‏ (8) عند العقلاء إن كان بواسطة ما قد يتوهّم من أنّ العقلاء أيضا قد يتعبّدون بأمارة و إن لم تفد الظنّ كما في التعبّديات الشرعية كالبيّنة و نحوها مثلا، ففساده ظاهر؛ إذ لا يعقل التعبّد عند العقل بعد ما نعلم من أنّ المناط هو الواقع عنده و كيف يمكن التعبّد به‏ (9) مع أنّه لا يزيد على شكّ؟ و الأخذ بأحد طرفيه ترجيح بلا مرجّح و هو فطري الاستحالة و تجويزه سفسطة، و إن كان بواسطة إفادته الظنّ في موارده إمّا بملاحظة الغلبة أو بمجرّد العلم بالحالة السابقة أو غير ذلك، فهو حقّ في‏

____________

(1). «ز، ك»: بالتقيّد.

(2). «ج»: فيه و في «ك»: به.

(3). «ز، ك»: الحدوث على ما مرّ تفصيله.

(4). مرّ في ص 190- 194.

(5). التذكرة: 45.

(6). كالمحقّق كما نصّ به في ص 271.

(7). «ز، ك»: «بالاعتماد» بدل: «بأنّ الاعتماد».

(8). «ج»: إلى الاستصحاب.

(9). «ج، م»:- به.

236

موارد الاستصحاب المعمول عندهم في أحكام معاشهم، و أمّا في الأحكام الشرعية فحصول الظنّ في موارده بأجمعها غير معلوم، و دعواه مجازفة بيّنة و مكابرة واضحة؛ إذ كثيرا ما نجد من أنفسنا في تلك الأحكام عدم رجحان ثبوت المستصحب مع الأخذ به فيها أيضا، و يظهر ذلك من ملاحظة قضيّة المذي كما (1) لا يخفى، و لا سيّما إذا عارضه دليل غير معتبر كالقياس.

و بالجملة: دعوى حصول الظنّ في جميع موارد الاستصحاب في الأحكام لا شاهد عليها، بل يكذّبها (2) الوجدان و البرهان معا، و بدونه لا دليل عليه؛ لعدم اعتبار الشكّ عند العقلاء، فكيف يمكن القول بالاستصحاب للسلف مع عدم دلالة دليل عليه؟

و غاية ما يتعسّف في الذبّ عنه أن يقال: إنّ بناء العقلاء على العمل بالظنّ الاستصحابي إلّا أنّه لمّا قرّر الشارع العمل بذلك الظنّ في الشرعيات لا جرم صار ذلك ظنّا نوعيا.

و توضيح ذلك: أنّه لو فرض وجود أمارة ظنّية غير معتبرة عند العقلاء كالنوم- مثلا- فعارض الاستصحاب على وجه انتقل الظنّ الشخصي إليه، فمع ذلك تراهم يلتزمون بإعمال الاستصحاب و طرح النوم كما يظهر ذلك عند ملاحظة قول الطبيب عند مخالفته لظنّ المريض، فالأخذ بالاستصحاب في هذا المقام و إن لم يكن مفيدا للظنّ إلّا أنّه أولى من الأخذ بالأمارة الغير المعتبرة عندهم، فكان ذلك الظنّ لا يعدّ ظنّا مثل ما يراه الرائي من بعيد فيظنّ السراب ماء كما لا يخفى، و لمّا قرّر الشارع العمل بالاستصحاب صار العامل به في الشريعة كما إذا كان عند العامل‏ (3) أمارة ظنّية غير معتبرة، فيأخذ بالاستصحاب و إن لم يكن مفيدا للظنّ من حيث أولويته من الأمارة الغير المعتبرة شرعا، فكأنّ الظنّ القياسي ليس من الظنّ بعد عدم الاعتداد به عند (4)

____________

(1). «ز، ك»: مما.

(2). «م»: يكذّبه.

(3). «ز، ك»: العادل.

(4). «ز، ك»: من.

237

الشارع، نعم يبقى الكلام في اعتبار هذا الظنّ في الشريعة، فلا يبعد أن يقال: إنّ استقراء موارد الاستصحاب يعطي الظنّ القويّ بأنّ الشارع إنّما اعتبر الظنّ الحاصل من ملاحظة الحالة السابقة كما عرفت الوجه في ذلك‏ (1) فيما قدّمنا من الاستناد إلى الأخبار الخاصّة إلّا أنّ الكلام يبقى حينئذ في اعتبار هذا الظنّ في المقام.

كذا أفاد أديمت إفاداته‏ (2) إلّا أنّ الإنصاف عدم انتهاضه بدفع الإشكال حقيقة؛ إذ بعد ما علم من أنّ مناط حكم العقلاء هو حصول الظنّ و مدار حكمهم هو الواقع ففرض عدم اعتبار الظنّ المقابل للاستصحاب و الاعتناء بالاستصحاب إنّما هو خلاف الفرض‏ (3) كما لا يخفى.

____________

(1). «ز، ك»: كما عرفت وجهه.

(2). «ز، ك»: «أفاد الأستاد» من دون الجملة الدعائية.

(3). «ز، ك»: المفروض.

238

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

239

هداية [في كلام النراقي في معارضة الاستصحاب الوجودي و العدمي‏]

زعم بعض‏ (1) أفاضل متأخّري المتأخّرين أنّ استصحاب حال الشرع- يعني الاستصحاب الوجودي- ليس معتبرا، و استصحاب حال العقل- يعني الاستصحاب العدمي- معتبر، و استند في ذلك إلى أنّ استصحاب الوجود دائما معارض باستصحاب عدمي مسبوق بذلك الوجود، و محصّل تفصيله التفكيك بين ما كان المقتضي محرزا و شكّ في حصول الرافع و بين ما كان الشكّ من حيث المقتضي؛ إذ في موارد الشكّ الأخير دائما يتعارض الاستصحابان فيتساقطان و لا بدّ من الرجوع إلى أصل عملي آخر كالبراءة و نحوها، بخلاف موارد الشكّ الأوّل فإنّ استصحاب عدم الرافع بعد سقوط الاستصحابين متعيّن.

فالأولى نقل كلامه بطوله لتوضيح مرامه، قال- في جملة كلام له في تعارض الاستصحابين-: و التحقيق أنّ تعارض الاستصحابين إن‏ (2) كان في موضوع‏ (3) و حكم واحد فلا يمكن العمل بشي‏ء منهما و يتساقطان فيرجع إلى البراءة و شبهها، و ذلك كما إذا قال الشارع في ليلة الجمعة مثلا: «صم» و قلنا: بأنّ الأمر للفور، و كنّا متوقّفين في‏

____________

(1). في هامش «م»: «و هو المحقّق النراقي» و كذا كتب تحتها في هامش «ز» و «ك»: «أي النراقي» و سيأتي نصّ كلامه.

(2). «ز، ك»: إذا.

(3). في المصدر: موضع.

240

إفادة (1) المرّة و التكرار، فنقطع بوجوب صوم يوم الجمعة و نشكّ‏ (2) في السبت، و فيه يتعارض الاستصحابان؛ لأنّا كنّا يوم الخميس متيقّنين بعدم وقوع التكليف بصوم يوم الجمعة و لا السبت، و بعد ورود الأمر قطعنا بتكليف صوم الجمعة و شككنا في السبت، و هذا الشكّ مستمرّ من حين ورود الأمر إلى يوم السبت و لا ينقض بالشكّ، فيستصحب عدم تكليف يوم السبت بالصوم، و كذا نقطع في الجمعة (3) بالتكليف بالصوم و نشكّ في السبت، فيستصحب التكليف، أي وجوب الصوم، فيحصل التعارض.

ثمّ أورد على نفسه: بأنّ عدم التكليف المعلوم قبل الأمر إنّما يستصحب لو لا الدليل على التكليف، و استصحاب الوجوب المتيقّن في الجمعة دليل شرعي، فيرتفع عدم التكليف و نقض‏ (4) اليقين باليقين.

فأجاب عنه: بأنّ مثله يجري في الطرف الآخر فيقال: وجوب صوم الجمعة (5) إنّما يستصحب لو لا الدليل على عدمه، و استصحاب عدمه المتيقّن قبل ورود الأمر دليل شرعي، فيرتفع الوجوب.

لا يقال: إنّ العلم بالعدم قد انقطع و حصل الفصل فكيف يستصحب؟

لأنّا نقول: إنّه‏ (6) لم يحصل فصل‏ (7) أصلا، بل كنّا قاطعين بعدم إيجاب صوم السبت‏ (8) يوم الخميس و شككنا فيه بعد الأمر و لم نقطع بوجوب صومه أصلا، فيجب استصحابه‏ (9)، انتهى.

____________

(1). في المصدر: إفادته.

(2). «ز، ك»: الشكّ.

(3). «م» و المصدر: يوم الجمعة.

(4). في المصدر: و ينقض.

(5). «م»: يوم الجمعة.

(6). «م»: بأنّه.

(7). في المصدر: فصلا.

(8). «ك»: يوم السبت.

(9). مناهج الأحكام: 235- 236.

241

و قال في موضع آخر- بعد ما مهّد كلاما يتفرّع على ما قدّمه في أوّل الباب-: لا حجّية للاستصحاب في القسم الثالث مطلقا، و فسّره بأنّه الذي علم ثبوت الحكم في الجملة أو في حال أو (1) شكّ فيما بعده، قال: و ذلك لأنّ بعد ما علم حكم في وقت أو حال و شكّ فيما بعده و إن كان مقتضى اليقين السابق و استصحاب ذلك الحكم وجوده في الزمان الثاني و (2) الحالة الثانية و لكن مقتضى استصحاب حال العقل عدمه؛ لأنّ هذا الحكم قبل حدوثه كان معلوم العدم مطلقا ارتفع‏ (3) عدمه في الزمان الأوّل فيبقى الباقي، و مثّل لذلك بأنّ الشارع إذا أمر بالجلوس يوم الجمعة و علم أنّه واجب إلى الزوال و لم يعلم وجوبه بعد ذلك فنقول: كان عدم التكليف بالجلوس فيه قبل الزوال، فصار بعده موضع‏ (4) الشكّ، فلنا (5) شكّ و يقينان و ليس بقاء حكم أحد اليقينين أولى من الآخر (6).

إلى أن قال: و بالجملة: بملاحظة اليقين بالعدم الحاصل قبل الشرع أو التكليف أو (7) البلوغ و العقل و استصحابه يحصل التعارض في جميع موارد القسم الثالث، فلا مرجّح‏ (8) لأحدهما، فلا يكون شي‏ء منهما حجّة و يجب تركهما و الرجوع إلى ما يقتضيه دليل آخر. و عليه فرّع الجواب عن شبهة النبوّة المتقدّمة.

ثمّ قال: و أمّا القسمان الأوّلان فيظهر ممّا ذكر أيضا عدم حجّية استصحاب حال الشرع فيهما أيضا إذا كان المستصحب من الأمور الشرعية بواسطة التعارض‏ (9)، فإنّ استصحاب الطهارة و المالكية و نحوهما من الأمور المقرّرة في الشريعة إلى ثبوت رافعها عند الشكّ في الرافع، أو في رافعية معارض باستصحاب عدم جعل الشارع لتلك‏

____________

(1). في المصدر: «و».

(2). في المصدر: «أو» بدل: «و».

(3). في المصدر: علم ارتفاع.

(4). في المصدر: بالجلوس قبل يوم الجمعة و فيه إلى موضع.

(5). في المصدر: قلنا.

(6). في المصدر: و من إبقاء حكم الآخر بها.

(7). في المصدر: «و» بدل: «أو».

(8). في المصدر: و لا مرجّح.

(9). في المصدر: الشرعية مطلقا لأجل تعارضه مع استصحاب حال العقل.

242

الأحكام عند الشكّ فيهما، و إثبات التكليف و الجعل ليس بأولى من إثبات عدمهما بالاستصحاب.

ثمّ قال: و لا يتوهّم أنّه يلزم على هذا انتفاء الحكم الثابت أوّلا (1) في القسمين بمجرّد الشكّ، فإنّه ليس‏ (2) كذلك، بل‏ (3) يحكم ببقاء الحكم و لكن لا لأجل استصحاب حال الشرع، أي استصحاب ذلك الحكم، بل لأجل استصحاب آخر من حال العقل. بيان ذلك أنّه قد عرفت في المقدّمة الأولى أنّ سبب الشكّ في هذين القسمين إمّا الشكّ في تحقّق المزيل القطعي‏ (4)، أو الشكّ في جعل الشارع شيئا أو الشي‏ء الفلاني مزيلا للحكم، و لا شكّ أنّ الأصل عدم تحقّق المزيل و عدم جعل الشارع شيئا أو هذا (5) الشي‏ء (6) مزيلا، و يلزم من‏ (7) هذا الاستصحاب وجود هذا الحكم، و لا يعارضه استصحاب عدم التكليف؛ لأنّ الاستصحاب الأوّل سبب‏ (8) للحكم ببقاء استمرار الحكم، و هو مزيل لعدم التكليف، و ليس استصحاب عدم التكليف سببا لوجود الشي‏ء المعيّن الذي جعله الشارع مزيلا أو جعل‏ (9) هذا الشي‏ء مزيلا (10).

إلى أنّ قال: و قد تلخّص من ذلك أنّ الأحكام الثابتة إنّما يحكم ببقائها بالاستصحاب إذا شكّ في المزيل لا في غيره، و أنّ الحجّة (11) من الاستصحاب إنّما هو في القسم الأوّل من قسمي الشكّ و لكن لا استصحاب حال الشرع، بل استصحاب حال العقل.

ثمّ فرّق بين ما اختاره في المقام و ما اختاره البعض من حجّية الاستصحاب عند

____________

(1). «ز، ك»:+ في اليقين.

(2). في المصدر:- ليس.

(3). «ز، ك»: «لذلك سبيل» بدل: «كذلك بل».

(4). في المصدر:+ بعد العلم بعدمه.

(5). «ز، ك»:- هذا.

(6). «ج، م»: هذا لشي‏ء.

(7). في المصدر:- من.

(8). في المصدر:- سبب.

(9). «م»: بجعل و في المصدر: بجعل الشارع.

(10). «ج»:- أو جعل هذا الشي‏ء مزيلا.

(11). «ج»: الحجّية.

243

الشكّ في المزيل بأنّ الظاهر منه استصحاب حال الشرع، و إن احتمل التوافق فنعم الوفاق.

ثمّ قال: هذا في الأمور الشرعية، و أمّا الخارجية- كاليوم و الليل و الحياة و الرطوبة و الجفاف و أمثالها ممّا لا دخل لجعل الشارع في وجودها- فاستصحاب الوجود فيها حجّة بلا معارض؛ لعدم تحقّق استصحاب حال العقل فيها (1)، انتهى كلامه مع تلخيص و تغيير ما (2) منّي.

و ملخّصه في تمام ما ذكر (3) هو اعتبار الاستصحاب عند (4) الشكّ في الرافع أو الرافعية (5)، و عدمه عند الشكّ من حيث المقتضي.

و كيف كان ففيما أورده نظر من وجوه:

أمّا أوّلا: فلأنّ ما فرضه من المثالين من وجوب الصوم‏

أو الجلوس ممّا لا مجال للاستصحاب فيه كما بيّنا وجهه فيما أيّدنا به‏ (6) مذهب الفاضل التوني في الهداية التونية (7).

و توضيحه أنّ الأحكام الشرعية على قسمين: فبعض منها ما يعدّ شيئا واحدا كالحرمة و الإباحة مثلا، و كالاستحباب‏ (8) في وجه، و منها ما يعدّ عندهم أحكاما (9) متعدّدة كالوجوب مثلا، ففيما إذا شكّ في الوجوب ثانيا فإمّا يشكّ في الوجوب الأصلي في قبال الوجوب الثابت أوّلا، أو في الوجوب التبعي، أو في الوجوب المردّد بين هذين القسمين، ففي الأوّل فلا بدّ من الأخذ بالبراءة الأصلية، و هذا ممّا لا خلاف فيه ظاهرا كما حرّر في محلّه، و في الثاني فلا بدّ من الرجوع إلى قاعدة البراءة و الاحتياط عند الشكّ في الجزئية، فكلّ على ما اختاره في تلك المسألة، و في الثالث فاحتمال‏

____________

(1). مناهج الأحكام: 238- 239 (الفائدة الأولى).

(2). «ز، ك»:- ما.

(3). «ز، ك»: ذكرناه.

(4). «ز، ك»: في.

(5). «م»: في الرافعية.

(6). «ز، ك»:- به.

(7). انظر ص 116.

(8). «ز، ك»: كالاستصحاب.

(9). «ج، م»: أحكام.

244

الأصلي‏ (1) مدفوع بالبراءة، و احتمال التبعي كالثاني مرجعه إلى البراءة أو الاشتغال.

لا يقال: فعلى هذا لا مجال‏ (2) لاستصحاب الوجوب مطلقا، لأنّا نقول: هو كذلك كما عرفت فيما تقدّم، فالتمثيل‏ (3) بما ذكر غير ملائم لما هو بصدده كما هو ظاهر، و الأولى التمثيل بالتحريم أو الإباحة ممّا لا يعدّ أمورا متعدّدة كما لا يخفى.

و أمّا ثانيا: فلأنّ الأحكام المجعولة في الشريعة لا تخلو من أحد الوجهين:

إمّا أن تكون مقيّدة (4) بالزمان على وجه تختلف تلك الأحكام باختلاف الأزمنة كما في الموقّتات، و إمّا أن لا تكون مقيّدة (5) بالزمان فهو إذن ظرف لها لا يختلف المظروف باختلافه، و على التقديرين ممّا لا وجه للكلام المذكور.

أمّا على الأوّل، فلأنّ بعد تقضّي‏ (6) الزمان و القيد لا معنى لاستصحاب الوجود، فيجري فيه استصحاب العدم، و لا يضرّه‏ (7) وجوده في السابق بعد ما فرض تقييده بالزمان في استصحاب العدم بعد زوال القيد؛ إذ وجوده في الوقت‏ (8) السابق عين عدمه في الوقت اللاحق كما لا يخفى.

و أمّا على الثاني: فلأنّ بعد انقطاع العدم المطلق في الأزل بالوجود المطلق و خروج الماهيّة من الليس إلى الأيس، فلا وجه لاستصحاب العدم في موضع الشكّ و يجري فيه استصحاب الوجود؛ لأنّ العدم المطلق قد انقطع بوجود مطلق، فلا تعارض في المقام، و لا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون مبنى الأمر في الاستصحاب على التدقيق في موضوعه أو على التسامح؛ إذ على التقديرين يتّجه الترديد المذكور.

____________

(1). «ز، ك»: الوضع.

(2). «ج، م»: فلا مجال.

(3). «ز، ك»: فالتمسّك.

(4). المثبت من «م»، و في سائر النسخ: «يكون مقيّدا».

(5). «ج»: لا يكون مقيدا.

(6). «م»: تفصّي، و في «ز»: تفضي (ظ).

(7). «ج، م»: و لا يضرّ.

(8). «ز، ك»: الظرف.

245

لا يقال: قد لا يكون جزم بأحد طرفي الترديد المذكور، فيجري فيه الاستصحابان.

لأنّا نقول: لا خفاء في فساد هذا التوهّم‏ (1)؛ إذ لا يجري عنده إلّا أحد الاستصحابين كما هو ظاهر.

و قد يتخيّل ابتناء (2) هذا الكلام على ما تخيّله بعض أهل المعقول من كون الوجود أمرا ممتدّا في تشخّصه على وجه لا يناط امتداده بالزمان كنفس الزمان و الحركة و سائر المقادير كما لا يخفى.

و هو أيضا ممّا لا يكاد يتمّ؛ إذ بعد فرض الامتداد في نفس الوجود فعند الشكّ في حصول حدّه لا وجه لاستصحاب العدم، و عند الشكّ في وجوده بعد الوصول إلى الحدّ لا وجه لاستصحاب الوجود كما هو ظاهر.

فإن قلت: إنّا نختار جريان الاستصحاب الوجودي بجعل الزمان ظرفا، و مع ذلك فلا يعقل جريان استصحاب الوجود؛ لأنّ الممكن ليس مستغنيا عن المؤثّر في البقاء أيضا، فوجوده‏ (3) في الزمان الثاني لا بدّ له من مرجّح به ينسدّ جميع أنحاء عدمه و يتفاضل إحدى كفّتي ميزان وجوده و عدمه، و الأصل عدم المرجّح، فيتعارضان، فلا يحكم بوجود المستصحب في الزمان الثاني كما هو المقصود من الاستصحاب‏ (4) في الأحكام الوجودية.

قلت أوّلا: لا معنى لمعارضة استصحاب الوجود (5) لاستصحاب عدم المرجّح؛ إذ الشكّ في الوجود في الزمان الثاني ناش من الشكّ في وجود مرجّحه فيه، فعلى فرض جريان الأصل في المرجّح لا يبقى للشكّ في وجود المعلول مجال كما لا يخفى؛ إذ به‏

____________

(1). «ج، م»: التوهّم هذا.

(2). «ز، ك»: استناد.

(3). «ز»: وجوده «ك»: و وجوده.

(4). «ز، ك»: بالاستصحاب.

(5). «ز، ك»:- الوجود.

246

يرتفع ارتفاعا موضوعيا.

و ثانيا: على تقدير المعارضة- كما توهّم- فنقول: إنّ استصحاب عدم المرجّح معارض باستصحاب وجوده؛ إذ احتياج الممكن في البقاء إلى المؤثّر لا يقضي‏ (1) بأن لا يكون المؤثّر هو المفيض الأوّل، بل و التحقيق أنّه على تقدير وجود الممكن في الزمان الثاني لا بدّ و أن يكون هو المؤثّر الأوّل؛ لانتفاء المعلول الأوّل بانتفاء علّته الأولى، فعلى فرض وجوده ثانيا يباين الأوّل على هذه الملاحظة كما لا يخفى، فالأصل بقاء مرجّحه في الزمان الأوّل، فيتعارضان فيتساقطان‏ (2) و يبقى استصحاب الوجود بلا معارض.

و القول بأنّ الثابت من وجود المرجّح هو الوجود في الزمان الأوّل فلا يجري فيه استصحاب الوجود، رجوع إلى ما أبطلناه سابقا من عدم تقييد الوجود بالزمان.

و بالجملة فالمعترض إنّما انتقل من الاعتراض في المعلول إلى العلّة كما لا يخفى، و الجواب هو ما قدّمناه. على أنّه يمكن أن يقال: إنّ الفاضل المذكور إنّما تصدّع بالتفصيل المزبور في الأحكام الشرعية الجعلية، و أمّا المرجّح لوجود الشي‏ء و الحكم و علّة الجعل ليس منها، فهو إذن كالموضوعات الخارجية التي يلتزم باستصحاب الوجود فيها.

و أمّا ثالثا: فلأنّ ما زعمه من إجراء الاستصحاب العدمي في القسمين الأوّلين‏

- و هما ما شكّ في وجود المزيل أو إزالة الموجود- ليس على ما ينبغي فيما زعمه؛ لأنّ المستفاد من كلامه أخيرا عدم تعارض الاستصحاب الوجودي للعدمي فيما إذا كان المستصحب موضوعا خارجيا كالرطوبة و الحياة و نحوهما، و الوجه في ذلك أنّ الوجود في الموضوعات الخارجية ليس ممّا يختلف باختلاف الأزمنة، فاستصحاب‏

____________

(1). «ج»: لا تقتضي.

(2). «م»: و يتساقطان، و في «ج»: فيعارضان فيساقطان.

247

العدم ليس جاريا فيها، فلا يعارض استصحاب الوجود. و قد قرّر وجه التعارض في القسمين بأنّ استصحاب الطهارة و الملكية في الزمان الثاني معارض باستصحاب عدم جعل الشارع الطهارة في الزمان الثاني عند الشكّ في وجود الرافع أو الشكّ في رافعية الموجود، فهل ترى يختلف جعل الشارع طهارة الشي‏ء باختلاف حالات المكلّف من الشكّ في وجود الرافع؟ إذ من المعلوم عدم مدخلية ذلك في الجعل، فالحال في القسمين كالحال في الموضوعات فإن أمكن القول بالتعارض فلا فرق بينهما، و إلّا فلا فرق أيضا.

و توضيحه: أنّ قضيّة الشكّ في وجود الرافع أو رافعية الموجود هو بقاء المعلول في الزمان الثاني بحسب وجود المقتضي لذلك، فمع قطع النظر عن الرافع وجود الشي‏ء المرفوع بحسب اقتضاء مقتضيه من الجعل و نحوه في زمان وجود الرافع معلوم، فلا يتعقّل اختلاف الجعل عند اختلاف حالة المكلّف، فتدبّر.

و أمّا رابعا: فلأنّ قول أبي جعفر عليه أفضل السلام و أكمل الصلاة (1) في رواية زرارة:

«لأنّك كنت على يقين من طهارتك» (2) حجّة عليه، فإنّه (عليه السّلام) إنّما راعى جهة استصحاب الوجود و هو استصحاب الطهارة السابقة لا استصحاب عدم الرافع.

فإن قيل: فلعلّه (عليه السّلام) إنّما حكم بذلك من حيث إنّ اللازم لرفع الرافع و عدمه بالاستصحاب هو الوجود لا أنّه اعتبر استصحاب الوجود بنفسه كما هو المدّعى.

قلت: الوجدان‏ (3) السليم حاكم بفساد التوهّم المذكور، و توضحه‏ (4) ملاحظة ظاهر الرواية، فإنّه علّله بوجود الطهارة اليقينية، و إلّا كان المتّجه تعليله بعدم العلم بالرافع و هذا ظاهر في الغاية.

فانقدح من جميع ما مرّ: أنّ ما أورده من تعارض الاستصحابين في الحكم الواحد

____________

(1). «ز، ك»: (عليه السّلام).

(2). تقدّم في ص 95.

(3). «ز، ك»: إنّ الوجدان.

(4). «ج»: يوضحه.

248

ممّا لا يصغى إليه لادّائه إلى اجتماع النقيضين و وجود اليقين على طرفي الخلاف و التناقض كما هو ظاهر على من تدبّر، و لعلّه‏ (1) إنّما قاس الاستصحابين بغيرهما من الأمارتين فيما إذا تعارضتا في موضوع واحد كاليدين- مثلا- على ما يظهر من كلامه أوّلا، و أنت خبير بظهور الفرق بينهما؛ حيث إنّ موضوعهما لا يناط بحالة نفسانية، بخلاف الاستصحاب فإنّ تحقّق موضوعه منوط بتحقّق اليقين و الشكّ، و لا يتصوّر اليقين بطرفي‏ (2) النقيض. و انقدح‏ (3) أيضا بأنّ ما فرّعه من دفع شبهة النبوّة المتقدّمة ممّا لا أصل له كما هو ظاهر لا سترة عليه.

____________

(1). «ز، ك»: و لأنّه.

(2). «ج، م»: لطرفي.

(3). «ز، ك»: القدح.

249

هداية [في الاستصحاب في الاعتقاديات‏]

قد عرفت فيما قدّمنا (1) في الهداية المعقودة لتحرير محلّ الخلاف في الباب‏ (2) عمومه للأقسام الخمسة من الأحكام الكلّية الفرعية، و الاعتقادية، و الأصولية، و الموضوعات المستنبطة منها الأحكام، و الموضوعات الخارجية المتعلّقة بها الأحكام، و قد مرّ أيضا ما يستظهر منه جريان الاستصحاب و اعتباره و عدمهما في الأقسام المذكورة، إلّا أنّه لا بأس بتجديد (3) المقال في توضيح الحال، فنقول: أمّا الأحكام الكلّية الشرعية فقد عرفت‏ (4) تحقيق الكلام فيه بما لا مزيد عليه، و أمّا الاعتقاديات فالمقصود من الاستصحاب فيها (5) إمّا إثبات نفس الاعتقاد، و إمّا إثبات حكمه كوجوب الاعتقاد، و إمّا إثبات المعتقد، و لا وجه للكلّ.

أمّا الأوّل: فلأنّ الاستصحاب لا يعقل في الاعتقاد المعلوم انتفاؤه حال الشكّ إن أريد إثبات ذلك الاعتقاد الشخصي الموجود في السابق، و إن أريد تحصيل الاعتقاد بالاستصحاب على وجه يكون المستند فيه هو الاستصحاب فغاية ما يتعسّف في المقام القول بإفادته الظنّ، و يرجع النزاع إلى ما فرغنا عن البحث عنه في مباحث‏

____________

(1). «ز، ك»: فيما مرّ منّا.

(2). تقدّم في ص 35.

(3). «ج، م»: لتجديد.

(4). عرفت في الهداية الأخبارية ص 183.

(5). «م»:- فيها.

250

الظنّ من عدم اعتباره في الاعتقاديات.

و أمّا الثاني: فلأنّ بعد فرض انتفاء الموضوع لذلك الحكم لا معنى لاستصحاب الحكم. و توضيحه أنّ الوجوب‏ (1) المتعلّق‏ (2) بالاعتقاد لا يعقل وجوده بعد انتفاء الاعتقاد إن أريد إثبات الحكم و الوجوب بعد ارتفاع الاعتقاد، و إن أريد به بعد وجود الاعتقاد فلا ثمرة فيه؛ إذ بعد الاعتقاد بنبوّة نبيّ لا يترتب على الوجوب المتعلّق به حكم، فإنّ المقصود في المطالب الاعتقادية هو نفس الاعتقاد من غير مدخلية شي‏ء آخر و المفروض حصوله.

فإن قلت: يمكن استصحاب وجوب تحصيل الاعتقاد فيما لو دلّ الدليل عليه في السابق عند انتفاء الاعتقاد.

قلت: مع قيام الدليل على الاعتقاد كأن يكون هناك دليل مفيد له لا وجه للاستصحاب؛ إذ المفروض حصول الاعتقاد بواسطة ذلك الدليل، و مع عدمه يمكن الاستصحاب، إلّا أنّ المقدّر خلافه؛ لوجود الدليل دائما على ذلك، فتدبّر. كذا أفيد.

و أمّا الثالث: فلأنّ المعتقد من الموضوعات لا معنى لاستصحابه في موارد الشكّ بمعنى أنّه لا يكون ثابتا في مقام الظاهر، نعم معنى استصحابه هو ترتيب الآثار المترتّبة عليه حال العلم، و ليس ذلك إلّا الأحكام الفرعية كما لا يخفى.

و أمّا الأصولية العملية فجريان الاستصحاب فيها فتارة: من حيث التعبّد بواسطة دلالة الأخبار، و أخرى: من حيث إفادته الظنّ و بناء العقلاء (3)، فعلى الأوّل لا إشكال في جريان الاستصحاب و اعتباره أيضا إلّا أن يقال بعدم كفاية غير العلم فيها، و على الثاني أيضا كذلك بناء على ما هو التحقيق من كفاية الظنّ في الأصول أيضا، سيّما على تقدير كون الظنّ الحاصل منه ظنّا مخصوصا لقيام دليل على اعتباره كبناء العقلاء

____________

(1). في النسخ: وجوب.

(2). «ز، ك»: المعلّق.

(3). «ز، ك»: الاستصحاب فيها من حيث ... الأخبار تارة، و من حيث ... بناء العقلاء أخرى.

251

مثلا.

و أمّا الموضوعات المستنبطة فالاستصحابات المعمولة فيها ممّا لا ريب في صحّة مفادها بناء على اعتبارها من جهة الظنّ كما هو ظاهر، و أمّا على تقدير الاستناد إلى الأخبار فاعتبارها مبنيّ على جواز التعويل على الأصول المثبتة و ستعرفه بعيد ذلك.

و أمّا الموضوعات الخارجية الصرفة و الأحكام الجزئية كحياة زيد و الرطوبة و اليبوسة و الطهارة الخاصّة و الزوجية الخاصّة و نحوها، فجريان الاستصحاب و اعتباره فيها ممّا لا كلام فيه كما مرّ (1).

____________

(1). مرّ في ص 178 و ما بعدها، انظر أيضا ص 49 و ما بعدها.

252

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

253

هداية [في الأصل المثبت‏] (1)

المستصحب إمّا أن يكون حكما من الأحكام الشرعية فيمكن أن يكون مجعولا في مرحلة الظاهر؛ لكونه من الأمور الجعلية، بل لا معنى لاستصحابه إلّا جعله في الظاهر كما عرفت فيما تقدّم في الهداية السبزوارية (2)، و إمّا أن يكون موضوعا من الموضوعات التي لا يمكن جعلها في مقام الظاهر.

فعلى الأوّل: لا إشكال في ترتيب كلّ ما يترتّب على الحكم الواقعي عليه؛ إذ هو بعد الجعل حكم واقعا فيترتّب‏ (3) عليه جميع ما يتفرّع عليه من اللوازم الشرعية و العاديّة و العقلية، اللّهمّ إلّا أن يكون ذلك الحكم من خواصّ الأحكام الواقعية من حيث هي واقعية إلّا أنّه لم نجده.

و على الثاني: فما يراد إثباته باستصحاب ذلك الموضوع إمّا أن يكون بواسطة ملازمة و حصول علقة بينه و بين المستصحب على وجه تكون القضيّة الدالّة على الملازمة بينهما لزومية، أو لا يكون كذلك بل يكون مقارنا للمستصحب اتّفاقا من غير ارتباط بينهما، فالقضيّة الدالّة عليها اتّفاقية كما إذا علمنا إجمالا إمّا بموت زيد أو بحياة عمرو، فاستصحاب حياة عمرو يلازم وجود زيد ملازمة اتّفاقية في تلك القضيّة

____________

(1). العنوان من هامش «ك».

(2). انظر ص 180.

(3). «م»: فرتّب.

254

الشخصية بواسطة العلم الإجمالي المردّد بينهما، فعلى الأوّل فإمّا أن يكون المستصحب ملزوما لذلك الأمر، أو لازما له، أو كلاهما لازمين لملزوم ثالث، و على التقادير إمّا أن تكون‏ (1) الملازمة عقلية أو عاديّة أو شرعية، فذلك‏ (2) إذا عشرة بعد انضمام القسم الاتّفاقي إلى التسعة اللزومية.

و إذ قد تمهّد هذا فنقول: إنّ تحقيق الكلام في الأقسام المعهودة في مقامات:

[المقام‏] الأوّل لا خفاء في عدم ترتّب الأمر المقارن الاتّفاقي على المستصحب بالاستصحاب،

سواء قلنا من حيث التعبّد بالأخبار، أو باعتباره من حيث الظنّ، أمّا على الأوّل فتوضيح المقصد يحتاج إلى بيان معنى الرواية، فنقول: إنّ ارتباط النقض باليقين من عدم جواز نقضه بالشكّ كما هو المدلول عليه بالرواية ليس على ما هو الظاهر منه؛ إذ بعد فرض الشكّ فالنقض حاصل قطعا فلا معنى للنهي عنه، فصحّة الكلام عقلا موقوفة على تقدير، و أقرب المجازات عند نفي ماهيّة أو إثباتها مع انتفائها أو وجودها حقيقة هو نفي الأحكام المترتّبة على تلك الماهيّة أو إثباتها، كما في قوله: «لا صلاة إلّا بطهور» (3) و قوله: «الطواف بالبيت صلاة» (4) كما هو ظاهر، فقوله: «لا تنقض» معناه- على مقتضى الدلالة الاقتضائية- لا تنقض أحكام اليقين، كما في قوله: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ (5) و ليس المراد الأحكام المترتّبة على نفس اليقين موضوعا؛ لانتفائها بانتفاء اليقين كما قرّرنا في محلّه من أنّ التنزيلات الشرعية ممّا لا يجدي فيما كان الموضوع فيه اليقين و ذلك ظاهر، بل المراد الأحكام المتفرّعة على المتيقّن من قبيل إضافة الشي‏ء إلى‏

____________

(1). «ج، م»: يكون.

(2). «م»: فلك.

(3). تقدّم في ص 165.

(4). نهج الحق: 472؛ المستدرك 9: 410، عن عوالى اللآلى 1: 214 و 2: 167.

(5). يوسف: 82.