مطارح الأنظار - ج4

- الشيخ أبي القاسم الكلانتري المزيد...
781 /
255

طريقه، فلا مجاز في لفظ اليقين كما قد يتوهّم، فمعنى الرواية هو النهي عن نقض أحكام المتيقّن نظير ما مرّ (1) في النبويّ الرافع للسهو و النسيان، و لا ريب أنّ أحد المتقارنين في الوجود من غير أن يكون بينهما علقة و ارتباط لا يعدّ في عداد الأحكام المترتّبة عليه و الآثار المنتهية إليه، فعلى هذا فلا مجال للقول بثبوت أحد المتقارنين وجودا و عدما عند استصحاب المقارن؛ إذ ليس هو من أحكامه، و أمّا الملازمة الاتّفاقية في القضيّة الشخصية المستندة إلى العلم الإجمالي فلا يجدي في كون أحدهما حكما للآخر و لا يجعله محمولا عليه.

نعم، عند العلم بوجود أحدهما يلزم العلم بالآخر، فإنّه من آثار العلم و الكلام في الأحكام المتعلّقة بالمعلوم، و لا فرق في ذلك بين أن يكون أمرا عاديّا أو شرعيا أو عقليا؛ إذ بعد فرض عدم الارتباط و عدم محمولية أحدهما على الآخر لا يعقل من ثبوت أحدهما بالاستصحاب ثبوت الآخر و إن كان الآخر حكما شرعيا.

و لو سلّم من ترتّب‏ (2) أحدهما على الآخر بدعوى كونه من أحكامه فلا يثبت أيضا أحدهما باستصحاب الآخر؛ إذ ذلك الآخر المقارن إمّا أن يكون الحالة السابقة فيه موافقة (3) للاستصحاب في المستصحب، فلا حاجة إلى استصحابه‏ (4) في إثباته لإمكان استصحابه أيضا، كما إذا فرضنا ثبوت الواسطة بين العادل و الفاسق و علمنا إجمالا إمّا بعدالة زيد أو بفسقه فاستصحاب عدالة زيد لا يجدي في ترتّب فسقه؛ لأنّه أيضا مستصحب في عرض هذا المستصحب إلّا في أحكام قليلة الجدوى كما لا يخفى.

و إمّا أن يكون الحالة السابقة مخالفة للحالة المفروضة في المستصحب، كما إذا فرضنا حصول العلم الإجمالي على الانفصال الحقيقي بين وجود زيد و بين وجود عمرو، فإن كان وجود زيد و عمرو كلاهما معلومين‏ (5) سابقا فاستصحاب وجود زيد لا يمكن به‏ (6)

____________

(1). مرّ في ج 3، ص 356.

(2). «ج، م»: ترتيب.

(3). «ج، م»: موافقا.

(4). «ج»: استصحاب.

(5). «ج»: معلومان.

(6). «ج، م»:- به.

256

إثبات عدم عمرو؛ لجواز استصحاب وجود عمرو فيثبت‏ (1) به عدم زيد، و إن كان أحدهما معلوم الوجود و الآخر معلوم العدم كان من القسم الأوّل.

و من هنا انقدح أنّ مدار الاستصحاب لو كان على الظنّ أيضا لا وجه لإثبات أحد المتقارنين بالاستصحاب؛ إذ المفروض كونهما مسبوقين بالحالة السابقة، فلا يحصل الظنّ بأحد الطرفين، و تعلّقه بهما أيضا مستحيل، فيتساقطان‏ (2).

نعم، لو فرض في مورد حصول العلم بالحالة السابقة في أحدهما و لم يعلم بها في الآخر جاز التمسّك بالاستصحاب في إثبات الآخر على الظنّ مطلقا، و على الأخبار بعد التنزّل على ما عرفت، و لكن لا بدّ من ملاحظة اعتبار الظنّ في الأمر الآخر و عدمه، فاللازم الاتّفاقي قد لا يكون ممّا يكتفى فيه بالظنّ مطلقا أو الظنّ النوعي مثلا.

و بالجملة: ففي الفرض المذكور الظنّ بأحدهما يلازم الظنّ بالآخر، و أمّا اعتبار الظنّ في الآخر و عدم اعتباره فأمر (3) خارج عمّا نحن بصدده و لا بدّ من مراعاته كما في نفس المستصحب على ما لا يخفى.

المقام الثاني لا خفاء في عدم ترتيب الملزوم على اللازم عند استصحابه،

و في عدم ترتيب أحد المتشاركين في اللزوم على استصحاب الآخر، سواء كانا عقليين أو عاديّين أو شرعيين بناء على اعتبار الاستصحاب من حيث التعبّد بالأخبار.

بيان ذلك: أنّك قد عرفت في المقام الأوّل أنّ معنى الرواية الدالّة على الاستصحاب هو عدم جواز نقض الأحكام التي يكون اليقين طريقا إليها و مرآة لها، و أحكام الشي‏ء عبارة عن الأمور المحمولة على ذلك الشي‏ء و الآثار المتفرّعة عليه و العنوانات المنتهية

____________

(1). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: فثبت.

(2). «ج»: فتساقطان، «ز»: فساقطان.

(3). «ج، م»: أمر.

257

إليه و الأشياء النائبة (1) منه، و ليس الملزوم‏ (2) عقليا كان أو شرعيا أو عاديّا، و لا المشارك في اللزوم بأقسامه ممّا يتفرّع على اللازم أو الملازم‏ (3) كما هو ظاهر، فباستصحاب اللازم أيّ لازم كان لا يترتّب الملزوم أيّ ملزوم كان؛ لعدم ترتّبه عليه، و إنّما الأمر فيه بالعكس كما لا يخفى، و كذا باستصحاب أحد المتلازمين لا يترتّب المتلازم‏ (4) الآخر، لعدم كونه من أحكامه و آثاره، شرعيا كان أو عاديّا أو عقليا.

لا يقال: إنّ الملزوم الشرعي أو الملازم الشرعي إنّما هو من آثار اللازم الشرعي و الملازم الشرعي‏ (5).

لأنّا نقول: هذا وهم باطل؛ إذ لا فرق في ذلك بين أن يكون اللزوم شرعيا أو عقليا، فلو جاز أن يكون اللازم‏ (6) الشرعي حكما جاز أن يكون الملزوم العقلي أيضا حكما كما هو ظاهر (7).

و أمّا بناء على الظنّ فلا شكّ في أنّ الظنّ بالمعلول و اللازم يلازم الظنّ بالعلّة و الملزوم، كما أنّ الظنّ بأحد المعلولين يوجب‏ (8) الظنّ بالمعلول الآخر المشارك له في المعلولية؛ لأنّ الظنّ به كما عرفت يوجب الظنّ بالعلّة، و الظنّ بالعلّة يوجب الظنّ بتمام معلولاته كما هو ظاهر.

إلّا أنّه لا بدّ (9) أن يعلم أنّ ما ذكرنا من إثبات الملزوم باستصحاب اللازم عند حصول الظنّ به إنّما هو فيما كان الظنّ كافيا في إثباته على وجه يكون كالمستصحب؛ إذ الظنّ الحاصل من الاستصحاب لا يختلف بالنسبة إلى اللازم و الملزوم، فإن كان‏

____________

(1). «م»: نائية.

(2). خبر ل «ليس»، و اسمها ضمير عائد إلى «الأحكام» و قوله: المشارك معطوف على الملزوم.

(3). «ز، ك»: الملزوم.

(4). «ج، م»: الملازم.

(5). «ج»:- و الملازم الشرعي.

(6). المثبت من «م» و في سائر النسخ: اللزوم.

(7). «ز، ك»: حكما و هذا ظاهر.

(8). «ج»: لا يوجب.

(9). «ز، ك»:- لا بدّ.

258

شخصيا ففيهما، و إن كان نوعيا فكذلك. بل التحقيق أنّ الظنّ باللازم بعينه هو الظنّ بالملزوم كما لا يخفى، فربّما لا يكون الملزوم ممّا يكفي‏ (1) فيه مطلق الظنّ أو الظنّ النوعي على ما عرفت في المقارن، و هكذا الكلام في استصحاب أحد الملازمين‏ (2) لإثبات الملازم الآخر، إلّا أنّ بينهما فرقا آخر من جهة أخرى و هو أنّ استصحاب الملازم قد لا يفيد الظنّ بوجود الملازم الآخر لجريان أصل آخر في طرف ذلك الآخر إمّا موافقا لاستصحاب المستصحب المفروض فلا حاجة إليه، و إمّا مخالفا فيتعارضان.

لا يقال: يمتنع أن يكون في جانب اللازم الآخر أصل يعارض الأصل في المستصحب؛ إذ المفروض أنّ العلم بأحد الملازمين‏ (3) يوجب العلم بالآخر، فكلّما فرض أحدهما موجودا و علمنا بوجوده علمنا بوجود الآخر، فهو أيضا مستصحب مثل استصحاب الآخر، فدائما يكون الاستصحاب فيهما موافقا.

لأنّا نقول: إنّ وجود أحد الملازمين و العلم به إنّما يلازم وجود الآخر و العلم به فيما كانت علّة الموجود المعلوم المفروض علّة تامّة للآخر، و أمّا إذا كانت من جملة أجزاء علّتها كأن تكون‏ (4) مقتضية له فيتوقّف حصول العلم على العلم بعدم المانع، فقد لا يكون المانع معلوما فيصير الملازم الآخر مشكوكا مع العلم بوجود الملازم الآخر، فالأصل حينئذ عدمه، فلا يحصل الظنّ بوجوده عند جريان الاستصحاب في أحدهما، و ما ذكر لا يجري في الظنّ لإمكان تحصيل الظنّ بأنّ علّة أحدهما علّة تامّة للآخر فيحصل الظنّ، و ذلك بخلاف استصحاب اللازم لإثبات الملزوم؛ إذ كلّما فرض وجود اللازم و المعلول فيلازمه وجود الملزوم و العلّة، فيصير الملزوم أيضا من موارد الأصل و مجرى للاستصحاب الموافق لاستصحاب اللازم، إلّا أنّه مع جريان الأصل في الملزوم و حصول الظنّ به‏ (5) لا حاجة إلى جريان الأصل في اللازم؛ لأنّ الظنّ بالملزوم هو

____________

(1). «ز، ك»: ممّا لا يكفي.

(2). «ك»: المتلازمين.

(3). «ك»: المتلازمين.

(4). في النسخ: يكون.

(5). «ج، م»: بالملزوم.

259

بعينه‏ (1) الظنّ باللازم، فليس مورد الشكّ، و لا يعقل تعلّق الظنّ بخلافه لو كان مجرى لأصل مخالف للأصل في الملزوم، مثلا إذا فرضنا ماء مستصحب الطهارة و ثوبا نجسا فغسلنا ذلك الثوب بذلك الماء، فإنّ الظنّ بطهارة الماء يوجب الظنّ بطهارة الثوب لا محالة، و لا يعقل جريان استصحاب‏ (2) النجاسة في الثوب و لا تعلّق الظنّ بنجاسته، و لا حاجة إلى استصحاب طهارة الثوب فيما لو كانت‏ (3) الحالة السابقة فيه هي الطهارة أيضا (4). أمّا الأخير فظاهر و (5) أمّا الأوّل فلأنّ الظنّ بالعلّة يوجب الظنّ بالمعلول و لا سبيل إلى القول بالعكس كأن يقال: إنّ الظنّ بنجاسة الثوب يلازم الظنّ بنجاسة الماء؛ إذ ليس الكلام في الظنّ الحاصل من أيّ سبب كان من الأسباب الخارجية، بل الكلام في الظنّ الحاصل من جهة الحالة السابقة و المفروض وجود الحالة السابقة فيهما، و المفروض تقدّم العلّة على المعلول طبعا، فيحصل الظنّ بوجود العلّة و يتبعه‏ (6) الظنّ بوجود المعلول، و حيث إنّه يمتنع قيام الظنّ على طرفي الخلاف فتصير (7) النجاسة في اللازم موهومة و الطهارة مظنونة، و الوجدان حاكم صدق و شاهد عدل في المقام، فظهر أنّ تقدّم الأصل السببي المزيل على الأصل المسبّبي المزال على تقدير الظنّ، و حجّية الاستصحاب من جهة بناء العقلاء من أوضح الواضحات و أجلى‏ (8) الضروريات كما هو ظاهر.

المقام الثالث [فى عدم ثبوت اللازم العقلى او العادى على المستصحب بناء على الاخبار]

قد عرفت في المقامين الأوّلين عدم إثبات المقارن الاتّفاقي باستصحاب المقارن الآخر، و الملزوم بأقسامه باستصحاب اللازم، و أحد الملازمين باستصحاب الآخر

____________

(1). «ج، م»:+ هو.

(2). «ج، م»: الاستصحاب.

(3). «ج، م»: كان.

(4). «ز، ك»: فيه أيضا هي الطهارة.

(5). «ج»:- «و». و شطب عليها في «م».

(6). «م»: و بتبعيته.

(7). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: فيصير.

(8). «م» أعلى.

260

بأقسامه، فهذه سبعة من الأقسام المعهودة، و أمّا الثلاثة الأخيرة و هي ما كان المترتّب على المستصحب لازما له شرعيا أو عاديّا أو عقليا.

فتحقيق الكلام فيه أن يقال: لا خفاء في أنّه‏ (1) ليس الكلام في ترتّب اللوازم المصاحبة للملزوم حال العلم به؛ لأنّها حينئذ مسبوقة بالحالة السابقة مثل الملزوم فيستصحب كالملزوم، فلا حاجة إلى استصحابه في إثباتها كما هو الظاهر، بل الكلام في اللوازم المتجدّدة و (2) الحادثة بعد العلم بوجود الملزوم، كما (3) في المثال المفروض في المقام الثاني من أنّ لازم طهارة الماء طهارة الثوب و ليس طهارة الثوب من الآثار المترتّبة على طهارة الماء حال العلم بطهارته، كيف و لو كان كذلك فكيف يعقل التعارض كما فرضنا في المثال المذكور؟ و ذلك ظاهر في الغاية.

فعلى هذا نقول‏ (4): لا ينبغي الارتياب في عدم ثبوت اللازم العقلي أو العاديّ على المستصحب على تقدير الاعتماد على الأخبار (5)؛ لما قد عرفت أنّ مقتضى الرواية على حسب الدلالة الاقتضائية عدم جواز نقض الأحكام‏ (6) المترتّبة على المتيقّن عند الشكّ، فالمعنى لا بدّ من تنزيل المشكوك منزلة المتيقّن و أن تعاملونه‏ (7) معاملة المعلوم بترتيب آثاره عليه و إلحاق أحكامه له، و لا ريب أنّ حكم الشارع بترتيب آثار المعلوم على المشكوك إنّما هو جعله لتلك الأحكام في موضوع الشكّ، كما أنّ حكمه بترتيبها على المعلوم إنّما هو جعله لها فيه ممّا يمكن أن يكون مجعولا للشارع من حيث هو شارع في مقام التكليف و إن لم يكن خارجا عن مقدوره في مقام التكوين [و] يمكن أن يكون مترتّبا على المستصحب في مقام الشكّ، فكما أنّ نفس الموضوع الخارجي لم يكن قابلا للجعل في المقام و لذلك التجأنا إلى تقدير الأحكام على سبيل المجاز في‏

____________

(1). «ج، م»: أن.

(2). «ز، ك»:- و.

(3). «ز، ك»: كما هو.

(4). «ز، ك»: و على هذا فنقول.

(5). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: بالأخبار.

(6). «ج»: أحكام.

(7). «ج»: تعاملوا.

261

الحذف‏ (1)، فكذلك لا سبيل إلى حكم الشارع بثبوت‏ (2) اللازم العاديّ أو العقلي فإنّهما كنفس المستصحب ليسا قابلين‏ (3) للجعل و البقاء في مرحلة الظاهر، فإنّ ما للشارع في مقام التكليف رفعه له أن يضعه و يحكم به، و كيف يمكن إبقاء الرطوبة أو الحرارة اللازمة للماء و النار كما هو ظاهر؟ فالمراد بتلك الأحكام لا بدّ و أن يكون هي الأحكام الشرعية كما في جميع التنزيلات الشرعية كما في قوله: «الطواف بالبيت صلاة» (4) فإنّه ليس جعلا لما يترتّب على الصلاة من لوازمها العاديّة كهضم غذاء المصلّي- مثلا- و لا يمكن أن يكون مجعولا، و كذا في تنزيل العمل‏ (5) المشكوك منزلة الصحيح و تنزيل التراب منزلة الماء، فإنّه لمّا استحال كون المشكوك معلوم الصحّة حكمنا بأنّ المراد أحكام الصحّة من الإجزاء و (6) إسقاط القضاء و نحو ذلك من الأمور الشرعية المتفرّعة على صحّة العمل في العبادات إذا كان عبادة أو في المعاملات إذا كان منها، و لعمري لا ينبغي الارتياب في ذلك لمن مارس التنزيلات الشرعية.

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ الاستصحاب لا يثمر في ترتيب‏ (7) شي‏ء من الأقسام العشرة إلّا قسم واحد و هي الأحكام الشرعية للمستصحب و لوازمها الجعلية، و ما ليس له لازم جعلي و لا يكون من الأمور الجعلية ليس محلّا للاستصحاب كما لا يخفى.

و هل يثمر في إثبات الأحكام الشرعية المترتّبة على تلك اللوازم العقلية و العاديّة التي قلنا بعدم ترتّبها على المستصحب أو لا؟ التحقيق عدم ترتّبها على المستصحب؛ لأنّ تلك الآثار الشرعية التي موضوعها تلك الأحكام إن أريد إثباتها لا في موضوع فغير سديد، ضرورة عدم تقوّم العرض بلا جوهر و من غير أن يكون حالّا في منعوت، إذ لا ريب في أنّ قوام وجود تلك الآثار المحمولة على تلك اللوازم بها. و إن‏

____________

(1). «ز، ك»: المجاز و الحذف.

(2). «ز، م»: ثبوت.

(3). «ز، ك»: بقابلين.

(4). تقدّم في ص 254.

(5). «ج، م»: عمل.

(6). «ج، م»: أو.

(7). «ز، ك»: ترتّب.

262

أريد إثباتها في موضوعاتها فكذلك؛ لأنّ المفروض عدم وجودها في مرحلة الظاهر، إذ لا تقبل‏ (1) الظاهرية، فإنّها أمور واقعية صرفة لا يكاد يشوبها الظاهرية. و إن أريد إثباتها في موضوع هو المستصحب فإن أريد إثباتها له من غير أن تكون‏ (2) مجعولة لذلك الموضوع، ففساده أجلى من أن يخفى على أحد؛ لكونها أجنبية بالنسبة إلى المستصحب، إذ ليست‏ (3) ممّا يتفرّع عليه، و إن أريد إثباتها له بدعوى جعلها له فعهدتها على مدّعيها؛ إذ لا يزيد مفاد تلك الروايات على أنّ الأحكام المتفرّعة على المتيقّن و الآثار المنتزعة عنه لا يجوز نقضها بالشكّ، و لا ريب أنّ تلك الآثار ليست‏ (4) ممّا يتفرّع على المستصحب بوجه.

نعم، لو كان المستصحب موجودا واقعيا كان له لازم عقلي أو عاديّ يترتّب عليهما (5) تلك الآثار، فارتباطها بالمستصحب إنّما هو بواسطة تلك اللوازم العقلية، و لمّا كان المفروض عدم ترتّب تلك الواسطة فقد انقطع الارتباط بين المستصحب و بين تلك الآثار فلا تعدّ (6) في عداد محمولاته و أحكامه، فلا دلالة في الروايات على ترتّبها على المستصحب كما هو ظاهر.

نعم، لو كان الموضوع لتلك الأحكام موجودا في مرحلة الظاهر بمعنى أن يكون مستصحبا كان لترتيب آثاره عليه بالاستصحاب وجه و قد عرفت أنّ الكلام ليس في الآثار المقارنة للمستصحب حال العلم به.

لا يقال: كما أنّ آثار نفس الموضوع و المستصحب مجعولة للشارع كما هو المعقول من استصحاب الموضوع، فكذلك لمّا كان الموضوع لتلك الآثار غير معقول البقاء بالاستصحاب حكمنا بمجعولية آثاره الشرعية.

____________

(1). «ج، م»: لا يقبل.

(2). «ج، م»: يكون.

(3). في النسخ: ليس.

(4). في النسخ: ليس.

(5). «ج، ك»: عليها.

(6). في النسخ: يعدّ.

263

لأنّا نقول: قد عرفت صحّة ذلك فيما كان المستصحب هو نفس تلك الأحكام العاديّة أو العقلية، و أمّا مجعولية تلك الأحكام بعد استصحاب موضوع تلك الأحكام لا يعقل إلّا أن يكون تنزيلا في تنزيل بمعنى أنّ الشارع لمّا حكم بوجود النار في الخارج عند الشكّ فقد حكم بوجود الحرارة أيضا، و لمّا كانت‏ (1) النار غير موجودة حقيقة فتكلّفنا في تصحيحه بجعل أحكامها، و كذلك نقول بمثل ذلك في الحرارة، و من المعلوم الواضح عدم مساعدة تلك الأخبار على ذلك، فإنّها لا تقبل‏ (2) إلّا تنزيلا واحدا.

فإن قلت: إنّ المراد بالأحكام هي التي يصير المستصحب منشأ لوجودها و تنتهي‏ (3) إليه و لا شكّ أنّ الأثر المترتّب على الأثر المترتّب‏ (4) على المستصحب مترتّب عليه، فلا بدّ من ترتيبه‏ (5) عليه كما في الآثار المترتّبة على الآثار الشرعية.

قلت: قد عرفت عدم ترتّبها على المستصحب إلّا بعد وجود موضوعها و المفروض عدمه، و أمّا الآثار الشرعية المترتّبة على الآثار الشرعية فالوجه فيها ما عرفت في أوّل الهداية من أنّ الحكم الشرعي و لو كان ظاهريا بعد الجعل مترتّب عليه تمام ما يترتّب عليه واقعا إلّا فيما لم نجده من خواصّ الأحكام الواقعية من حيث هي واقعية، و لو سلّمنا كون تلك الآثار آثارا للمستصحب فلا يمكن إثباتها له‏ (6) أيضا بالاستصحاب؛ لأنّ الأصل عدم تلك الأحكام التي يترتب تلك الآثار عليها، فاستصحاب الموضوع يقتضي بقاءها، و استصحاب موضوعاتها يقتضي عدمها، و لو لم نقل بأنّ انعدامها بواسطة انعدام موضوعاتها المعلوم بالأصل الاستصحابي أولى من وجودها بوجود الموضوع، فلا أقلّ من التساوي‏ (7)، فيتساقطان.

____________

(1). المثبت من «ك»، و في سائر النسخ: كان.

(2). «ج، م»: لا يقبل.

(3). «م»: تنهى.

(4). «ز، ك»:- على الأثر المترتّب.

(5). «ز، ك»: ترتّبه.

(6). «م»: إثباته لها.

(7). «ز، ك»: التنافي.

264

فإن قلت: إنّ استصحاب الموضوع مزيل بالنسبة إلى استصحاب عدم تلك الأحكام الموضوعة لتلك الآثار، فمع فرض جريان الأصل المزيل لا يبقى الشكّ في وجود الآثار المتفرّعة عليه، فيصير مشمولا للرواية.

قلت: قد تحقّق في موضعه على ما ستعرف‏ (1)- إن شاء اللّه‏ (2)- أنّ وجه التقدّم في الاستصحاب السببي على الأصل السّببي ارتفاع شكّ المسبّب بعد استصحاب السبب، و فيما نحن فيه لا يرتفع الشكّ؛ إذ المفروض عدم ترتّب الموضوعات العاديّة و العقلية على المستصحب و ما لم يكن وجودها محرزا في مرحلة الظاهر لا يرتفع الشكّ‏ (3) في وجود آثارها كما هو ظاهر و سيجي‏ء لذلك زيادة توضيح في الخاتمة (4).

فإن قلت: لا شكّ في ترتيب الآثار العقلية و العاديّة و ما يترتّب عليهما من الأحكام الشرعية على الأدلّة التعبّدية الاجتهادية كالبيّنة و الخبر الواحد، فلو أخبر العدل بوجود زيد في زمان يقتضي‏ (5) بياض‏ (6) شيبته، فيحكمون بالبياض و يترتّبون عليه ما يترتّب عليه من الآداب اللاحقة له من احترامه و نحوه، و مجرّد كونها اجتهادية غير مجد؛ إذ المفروض عدم اعتبارها في نفسها، بل إنّما تعبّدنا الشارع بالعمل بها فتصير (7) من التنزيلات الشرعية، و على ما قرّرت من أنّها لا تزيد (8) على الأحكام الشرعية في مقام ترتيب الآثار فلا بدّ إمّا من عدم الالتزام بها في الأدلّة الاجتهادية و الواقع خلافه، و إمّا من الأخذ بتمام الأحكام المترتّبة على المستصحب و هو المطلوب.

قلت: فرق ظاهر بين المقامين، و تحقيقه: أنّ الأدلّة التعبّدية على قسمين: فإنّ منها ما

____________

(1). «ز، ك»: ستعرفه. انظر ص 493 و ما بعدها.

(2). «م»: اللّه العزيز.

(3). من قوله: «إذ المفروض» إلى هنا سقط من «ز، ك».

(4). انظر ص 380 و ما بعدها.

(5). «م»: يقضي.

(6). «ج، م»: ببياض.

(7). في النسخ: فيصير.

(8). «ج، م»: لا يزيد.

265

له مدلول كالبيّنة و الخبر، و منها ما ليس له مدلول‏ (1) كالبراءة في مواردها و أصالة الصحّة في محالّها و الاستصحاب في مجاريها.

فالدليل الدالّ على اعتبار القسم الأوّل يدلّ على أنّ مدلول قول العادل في الوقائع التي أخبر عنها لا بدّ من الأخذ بها و تصديقه فيها، و كذا مدلول قول الشاهد العدل واقع، فهذه الأدلّة طرق إلى الواقع، و لمّا لم تكن‏ (2) قطعية من حيث احتمال التخلّف عنها في نظر المكلّف لم تكن حجّة بنفسها، فاحتاجت‏ (3) إلى بيان اعتبارها دفعا لهذا الاحتمال بوجه لم يكن مضرّا في الاستدلال بها و الاعتماد عليها، و لا شكّ‏ (4) أنّ قول العادل له مدلول مطابقي و مدلول تضمّني و التزامي، فمعنى اعتباره اعتبار تمام ما يستفاد منه على ما هو المتعارف في الاستفادة عند العرف و العادة، فالمخبر بوجود زيد مخبر ببياض شيبته أيضا، و ما يترتّب على المدلول المطابقي من الآثار إنّما هو بواسطة الإخبار به و هو بعينه موجود في المدلول الالتزامي، فيترتّب عليه أيضا آثاره من غير تفاوت بين المدلولين لاستوائهما في المأخذ.

و ذلك بخلاف الأدلّة التي ليس لها مدلول كالاستصحاب و أصالة الصحّة، فإنّ الدليل الدالّ على اعتبارها إنّما يدلّ على أنّ‏ (5) الموارد التي كانت مسبوقة بالحالة السابقة عند الشكّ، أو الموارد التي شكّ في صحّتها مع احتمالها، لا بدّ من الأخذ بالحالة السابقة و الحمل على الصحّة، و ليس للصحّة مدلول و لا للإبقاء مدلول مثل ما كان في الخبر و البيّنة، فليس لمواردها مدلول مطابقي و لا التزامي؛ إذ ليس لفظا و لا حالة إدراكية كالظنّ مثلا، فإنّه و إن لم يكن لفظا إلّا أنّه يلازم الظنّ باللازم كالعلم على ما هو غير خفيّ.

____________

(1). «ز، ك»: ليس مدلول له.

(2). في النسخ: لم يكن. و كذا في المورد الآتي.

(3). «ز، ك»: و احتاجت.

(4). «م»: فلا شكّ.

(5). «م»:- أنّ.

266

و بالجملة: فالأدلّة الاجتهادية لها مداليل كاشفة عن الواقع، و الظنّ هو الواقع الظنّي، و التعبّد بهما إنّما هو من حيث احتمال الخلاف و ذلك لا ينافي الكشف، و ترتيب‏ (1) الأحكام العقلية عليها إنّما هو من حيث الكشف لا من حيث التعبّد و لهذا لو قلنا بالاستصحاب من حيث الظنّ و بناء العقلاء، فلا ريب في ترتيب الآثار الواقعية من العقلية و العاديّة و ما يترتّب عليهما من الأحكام، شرعية كانت أو عقلية أو عاديّة و ذلك ظاهر.

فإن قلت: لا ريب في صحّة الاستدلال بالأصول العملية في مباحث الألفاظ كأصالة عدم النقل و أصالة عدم القرينة و الاشتراك و نحوها مع أنّ الآثار المطلوبة منها ليست ممّا يترتّب على نفس العدم المستصحب في تلك الموارد، بل إنّما هي مترتّبة عليها بتوسّط أمر عاديّ أو عقلي، مثلا أصالة عدم القرينة قاضية بعدم إرادة المجاز من اللفظ في الاستعمال المشكوك بواسطة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة و المطلوب في استصحاب عدم القرينة إثبات استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي على ما هو مقتضى أصالة الحقيقة، و من الظاهر الجلي، عدم ترتّب المطلوب هذا على عدم القرينة، بل لا بدّ من ضمّ مقدّمة عقلية أو عاديّة من أنّ العادة تقضي‏ (2) بأنّ بعد عدم إرادة المجاز لا بدّ من إرادة الحقيقة لئلّا يلغو الاستعمال، و كذا الكلام في أصالة عدم الاشتراك و عدم النقل كما لا يخفى.

قلت: إن أريد أنّ الأصول اللفظية معمولة في مواردها بواسطة الاستصحاب استنادا فيه إلى الأخبار، فلا نسلّم كونها من باب الاستصحاب أوّلا؛ إذ لعلّه من باب الأصول العدمية التي يكفي في ترتيب آثارها مجرّد الشكّ من غير ملاحظة الحالة السابقة و لا نسلّم اعتبارها حينئذ.

____________

(1). «ز، ك»: ترتّب.

(2). «ج»: تقتضي.

267

و إن أريد أنّ‏ (1) الأصول العدمية اللفظية معتبرة معمولة في مواردها بواسطة بناء العقلاء و حصول الظنّ بالاستصحاب، فلا ضير فيه؛ إذ قد عرفت أنّ الاستصحاب لو كان من حيث الظنّ و بناء العقلاء يترتّب عليه الآثار العقلية و العادية و ما يترتّب عليهما كائنا ما كان، بل التحقيق أن ليس العمل بها فيها إلّا بمجرّد بناء العقلاء، و لذلك كان من الأمور المتّفق عليها كما مرّ، و ليس عمل العقلاء بها إلّا بواسطة تلك الآثار، فهي المطلوبة في تلك الاستصحابات على وجه يتخيّل في بادئ الرأي أنّها بأنفسها مجاز لتلك الأصول كما هو ظاهر.

هذا هو الكلام في المسألة الأصولية على ما هو قضيّة التحقيق، إلّا أنّ موارد تلك الأصول- التي يترتّب على المستصحب فيها الآثار الشرعية بتوسّط أمر عاديّ أو عقلي، فليسمّ بالأصول المثبتة كما اصطلح عليها (2) شيخ المتأخّرين كاشف الغطاء في الفقه‏ (3)- في غاية الاختلاف، فربّما لا يعتنون‏ (4) بتلك الأصول، كما لو فرضنا وجود النار على جسم قابل للانفعال منها، ثمّ شككنا فيها، فإنّه لا يذهب وهم إلى ترتّب الآثار الشرعية المترتّبة على وجود النار (5) بواسطة لوازمها العاديّة، كالإحراق مثلا، فباستصحاب وجود النار لا يحكمون بضمان من كان سببا لإلقاء (6) النار على ذلك الجسم، و كذا لو أنّ شخصا رمى غيره بسهم و كان على وجه لو لم يمنعه مانع من الوصول إليه لكان مهلكا له، فبأصالة عدم المانع لا يترتّب ضمان الرامي؛ إذ ليس الضمان في المثالين من لوازم وجود النار و عدم المانع، بل إنّما يترتّب عليهما بواسطة أمر عاديّ هو الإحراق عادة في النار، و الهلاك عادة في السهم، و ذلك ظاهر. و كذا تراهم‏

____________

(1). «م»: بأنّ، و في «ج»: إمكان!

(2). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: عليه.

(3). كشف الغطاء 2: 102 و في ط الحجري: 102 في المقام العاشر.

(4). «ج، م»: لا يفتنون.

(5). من قوله: «على جسم» إلى هنا سقط من «ز، ك».

(6). «ج»: لإبقاء.

268

لا يحكمون بوصول الماء إلى البشرة- فيما لو شكّ في إصابة الماء بها لاحتمال مانع كالجورب‏ (1) أو شي‏ء آخر منفصل عن البشرة من أقسام اللباس- باستصحاب عدم المانع؛ إذ ليس صحّة الغسل- مثلا- في المثال المذكور مترتّبا (2) على عدم المانع بلا واسطة، بل بواسطة الوصول الذي هو (3) لازم عاديّ لعدم المانع كما لا يخفى. و كذا لو أنّ موكّلا وكّل شخصا في عقد بيع أو نكاح أو في طلاق زوجته على وجه لو لم يمنعه مانع عن إيقاع العقد أو الطلاق لكان قد أوقعه قطعا، فإنّ بأصالة عدم المانع لا يرتّبون‏ (4) آثار الملك على المبيع المفروض من جواز التصرّف فيه بنقله إلى الغير أو الوصيّة به لوارثه، و لا يحكمون بتوارث ورثته فيه، و لا أحكام الزوجية من جواز الوطي و وجوب النفقة و التوارث و نحوها، و لا أحكام الأجنبية؛ إذ ليس تلك الأحكام مترتّبة على نفس العدم المستصحب في عدم المانع، بل بواسطة مقدّمة عاديّة و هو وقوع العقد البيعي أو النكاحي أو وقوع الطلاق عادة عند عدم المانع، و تلك الآثار أحكام لتلك المقدّمة العاديّة. و كذا لو كان هناك كرّ من الماء موجودا، ثمّ شكّ في وجوده و عدمه من أصل، فباستصحاب بقاء ذلك الكرّ لا يحكمون بطهارة شي‏ء لاقاه لو كان موجودا.

فإنّ الحكم في الأمثلة المفروضة كلّها عدم تلك الأحكام استصحابا له كما لا يخفى.

و ربّما يظهر من جملة من موارد المسائل الفرعية (5) الفقهية استناد جملة منهم فيها إلى تلك الأصول.

فمنها: ما لو شكّ في مانعية وسخ قليل عن وصول الماء إلى البشرة في مواضع الوضوء أو الغسل، فإنّهم يترتّبون‏ (6) على أصالة عدم المانعية صحّة الوضوء و الغسل مع أنّه لا فرق بينه و بين ما عرفت من مثال الجورب، و لعلّ كاشف الغطاء قد اعتبر

____________

(1). «ز، ك»: الجوراب.

(2). «ز، ك»: مترتّبة.

(3). «ج، م»:- هو.

(4). «ج، م»: لا يترتّبون.

(5). «ج، م»:- الفرعية.

(6). كذا. و لعلّ الصواب «يرتّبون».

269

الظنّ بالوصول في المثال المفروض تفصّيا عن مثل ذلك كما لا يخفى.

و منها: ما أفاده الشيخ و ابن حمزة في الوسيلة و العلّامة و المحقّق و الشهيدان و المحقّق الثاني‏ (1) في جملة من موارد التداعي فيما تمسّكوا بأصالة تأخّر الحادث.

قال المحقّق في الشرائع- على ما هو المحكي عنه‏ (2)-: لو مات المسلم عن ذميين‏ (3) فتصادقا على تقديم‏ (4) إسلام أحدهما على موت الأب و ادّعى آخر مثله فأنكر أخوه، فالقول قول المتّفق على تقديم إسلامه مع يمينه، و ذلك إذا ادّعى عليه العلم و أنّه لا يعلم أنّ أخاه أسلم قبل موت أبيه، و كذا لو كانا مملوكين فأعتقا و اتّفقا على تقديم حرّية أحدهما و اختلفا في الآخر، ثمّ قال: الثانية لو اتّفقا على أنّ أحدهما أسلم في شعبان و الآخر في غرّة رمضان، ثمّ قال المتقدّم: مات الأب قبل هلال رمضان، و قال المتأخّر:

مات بعد دخول شهر رمضان، كان الأصل بقاء الحياة، و التركة بينهما نصفين‏ (5)، انتهت عبارته (قدّس اللّه نفسه الزكية) (6).

و ملخّص ما يستفاد منه أنّ الصور ثلاثة: فتارة: لا يعلم تقدّم الإسلام على الموت مع الجهل بتاريخهما، و أخرى: مع العلم بتاريخ الموت و الجهل بتاريخ الإسلام، و مرّة:

العكس‏ (7) بأن يعلم تاريخ الإسلام و الجهل بتاريخ الموت.

____________

(1). المبسوط 8: 273، فيه: لأنّ الأصل الحياة حتّى يعلم زوالها؛ الوسيلة: 225، فيه: كان القول قول من ادّعى التأخير إذا لم تكن بيّنة على التقديم؛ قواعد الأحكام 3: 480 و في ط الحجري 2:

200، فيه: لأنّ الأصل بقاء الحياة؛ تحرير الأحكام 2: 200 ط الحجري؛ الدروس 2: 108، فيه:

حلف مدّعي تأخّر الموت؛ المسالك 14: 141- 142، فيه: الأصل استمرار حياة الأب إلى بعد الوقت الذي اتّفقا على إسلام المسلم فيه.

(2). «ز، ك»: على ما حكي عنه.

(3). في المصدر: ابنيين.

(4). في المصدر: «تقدّم» و كذا في الموردين الآتيين.

(5). شرائع الإسلام 4: 907- 908 ط الشيرازي، 4: 124 ط البقّال، و ليس فيه قوله: «و ذلك إذا ادّعى عليه العلم و».

(6). «ز، ك»: «انتهى» و ليس فيهما «عبارته (قدّس اللّه نفسه الزكية) ».

(7). «ز، ك»: بالعكس.

270

ففي الأوّليين: قد حكم باستقلال المتقدّم في الإسلام؛ إذ لم يعلم باستحقاق المدّعي لتأخّر الموت، و لا يكفي فيه القول بأنّ الكفر مانع و بعد وجود المقتضي للتوارث و هو التوالد يحكم بالإرث بينهما؛ إذ بعد التسليم عن ذلك بالغضّ عن كون الإسلام شرطا لا أنّ الكفر مانع، نقول: إنّ المانع مستصحب الوجود؛ لأنّ الكفر كان معلوما، نعم لو كان المانع غير معلوم كان القول على التقدير (1) المذكور موجّها على بعض الوجوه.

و في الثانية: حكم بانتصاف المال بينهما نصفين؛ لأنّ الأصل تأخّر الموت عن إسلامه‏ (2)، و من المعلوم أنّ توارثه و انتصاف المال نصفين إنّما يترتّب على كونه مسلما حال حياته لا على تأخّر موته عن إسلامه، فهو من أحكام المتقدّم، و استصحاب تأخّر الموت لا يثمر في إثبات تقدّم الإسلام إلّا عادة.

و بالجملة: فموارد أصالة التأخّر غالبا من هذا القبيل، فلا بدّ إمّا من توجيه لكلماتهم في مواردها، و إمّا من الأخذ بمقتضى الدليل، و لا ينبغي التوحّش من الانفراد بعد مساعدة الدليل. و مع ذلك فيمكن توجيه بعض موارد النقض في كلماتهم و لو بنوع من العناية كأن يقال في المثال المفروض في الشرائع: إنّ حصول‏ (3) علقة التوارث إنّما هو (4) من الآثار الشرعية المترتّبة على نفس الحياة من غير توسّط شي‏ء آخر، كما أنّ توارثه من قريبه إنّما هو لواحق حياته، فلو شكّ في ذلك بعد العلم بموت قريبه و الشكّ في تأخّر موته عنه، نحكم‏ (5) بتوارثه من مال قريبه باستصحاب حياته؛ لكونه من أحكامه شرعا بلا واسطة، و بمثله نقول في المثال المذكور فلا حاجة في انتصاف المال بين الأخوين إلى إحراز موته بعد إسلامه على وجه يصدق أن يقال فيه: إنّه مات عن مسلمين، بل يكفي في ذلك استصحاب حياته مع العلم بإسلامه، كذا أفاد فتأمّل.

____________

(1). «ز، ك»: التقيّد.

(2). «ز، ك»: الإسلام.

(3). «ز، ك»:- حصول.

(4). «ز، ك»: هي.

(5). «ج»: يحكم.

271

و حيث إنّ توجيه بعض الأمثلة ليس ممّا يجدي في أصل المسألة فالأولى صرف عنان الهمّة إلى بيان ضابطة جامعة بين الموارد (1) فإنّها هي المهمّة.

فقد يقال في ذلك: إنّ الاستناد إلى الأصول المثبتة للآثار الشرعية بواسطة أمور غير شرعية، و التعويل عليها لعلّه من باب الركون إليها بواسطة إفادتها الظنّ كما عليه بناء العقلاء؛ إذ قد عرفت أنّه على تقدير إفادة الاستصحاب الظنّ كما هو المأخذ لبناء العقلاء في العمل به لا فرق بين الآثار الشرعية و العقلية و العاديّة، فبعد (2) وجود موضوعات تلك الآثار الشرعية (3) المترتّبة على الآثار العقلية و لو ظنّا لا مانع من ترتيب تلك الآثار؛ لأنّ الظنّ بالملزوم هو الظنّ باللازم على التحقيق، أو يلازمه كما هو مذاق البعض، و على تقدير اعتبار الظنّ الاستصحابي في الملزوم أو في اللازم لا وجه لإنكاره، و قد عرفت أيضا في الهداية الحنفية (4) أنّ بناء السلف من أصحابنا كالمفيد و أضرابه قبل ظهور دلالة الأخبار عليه على العمل بالاستصحاب، كما يظهر من استدلال المحقّق‏ (5) من حيث استقرار بناء العقلاء عليه و (6) إفادته الظنّ إلّا أنّ ذلك ليس مطّردا؛ لعدم الفرق بين الموارد التي لا يعتمدون على الأصول المثبتة و الموارد التي يعوّلون عليها من هذه الجهة.

و يمكن أن يقال أيضا (7): إنّ الواسطة التي يترتّب عليها الحكم الشرعي في موارد الأصول المثبتة مختلفة: فتارة: على وجه لا يعدّ في العرف واسطة بل الحكم الشرعي في أنظارهم مترتّب على نفس المستصحب و إن كان بعد التدقيق و التحقيق مترتّبا على الواسطة، و أخرى: على وجه يكون الواسطة جليّة لا يمكن الإغماض عنها و لو بحسب متفاهم العرف، فعلى الأوّل يحكمون بترتّب الآثار الشرعية على المستصحب، و على‏

____________

(1). «ج، م»: ضابطة لعلّها تجمع بين الموارد.

(2). «ج، م»: و بعد.

(3). «ز، ك»: تلك الأحكام و الآثار الشرعية.

(4). عرفت في ص 235.

(5). انظر معارج الأصول: 286- 287.

(6). «ز، ك»:- و.

(7). «ز، ك»:- أيضا.

272

الثاني لا يحكمون بذلك، و حسبان ترتّب الحكم الشرعي المترتّب على الواسطة عليه إمّا بملاحظة خفائها، و إمّا بواسطة اتّحاد الواسطة و المستصحب وجودا و إن كانا مختلفين عنوانا.

و ينطبق على الأوّل بعض الموارد المذكورة، كما إذا شكّ في مانعية وسخ من وصول الماء إلى محال الوضوء و الغسل، فإنّ استصحاب عدم المانع لا يترتّب عليه حصول الطهارة الشرعية إلّا بواسطة عاديّة هي وصول الماء إلى البشرة و كما إذا لاقى شيئا يابسا (1) لرطوبة نجسة مستصحبة فإنّهم يحكمون بترتّب‏ (2) نجاسة الملاقي على استصحاب الرطوبة النجسة مع أنّ ذلك لا يثمر إلّا بواسطة تأثيرها في الملاقي و تأثّرها منها من حيث خفاء الواسطة، بخلاف ما إذا كانت الواسطة جليّة كما في مثال مانعية الجورب أو مانعية الشمعة من وصول الماء على البشرة كما لا يخفى.

و ينطبق على الثاني بعض الموارد الأخر كاستصحاب الكرّية في وجه، و توضيحه أنّ استصحاب الكرّية يتصوّر على وجهين: ففي وجه لا مجرى له عند التحقيق إلّا بالمسامحة في الموضوع، كما إذا استصحبنا وصف الكرّية كأن يقال: إنّ الماء الفلاني كان كرّا في الأمس و بعد انتصاف الماء في اليوم لا نعلم بعدمها و ارتفاعها، و الأصل بقاء الكرّية، و ليس هذا الأصل من الأصول المثبتة لطهارة ملاقيه، فإنّ من الأحكام الشرعية التي يترتّب على الكرّية ذلك، إلّا أنّ الكلام في جريان ذلك الاستصحاب، لأنّ الكرّية المعلومة في الأمس إنّما كانت متعلّقة بموضوع قد ارتفع قطعا، فلا يجري الاستصحاب إلّا بعد المسامحة في موضوعه. و في وجه آخر يجري الاستصحاب إلّا أنّه لا يترتّب عليه طهارة الملاقي، كما إذا استصحبنا بقاء الكرّ في الحوض بعد ما كان وجوده معلوما، فإنّ طهارة الملاقي ليس من الآثار المترتّبة على بقاء الكرّ في الحوض،

____________

(1). كذا. و لعلّ الصواب شي‏ء يابس.

(2). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: يحسبون ترتّب.

273

نعم لو نذر شيئا (1) على تقدير بقاء الكرّ في الحوض يترتّب عليه، و إنّما الطهارة مترتّبة على كرّية هذا الماء و هذا العنوان و إن كان مخالفا لبقاء الكرّ و لا يترتّب عليه إلّا بواسطة ملازمة عقلية كأن يقال بعد استصحاب بقاء الكرّ في الحوض: و ليس فيه ماء إلّا هذا الماء، فينتج: فهذا الماء كرّ، إلّا أنّه لمّا كان متّحدا في الوجود مع بقاء الكرّ المستصحب لا يعدّ في عداد الوسائط، فيسامحون في ترتيب آثار (2) عنوان على عنوان آخر، لاتّحادهما وجودا.

و فيه: أنّه لا يجدي في جميع الموارد بمعنى عدم اطّراده، فربّما يعتمدون بتلك الأصول مع جلاء الواسطة و اختلاف الوجود أيضا. على أنّ الثاني غير منعكس أيضا؛ إذ قد تكون الواسطة منتزعة (3) من المستصحب و لا يعوّلون‏ (4) على الاستصحاب، كما إذا فرضنا وجود زيد في الدار و كان مهدور الدم، ثمّ شككنا في بقائه فيها مع العلم بوجود شخص غير معلوم في الدار، فاستصحاب وجود زيد في الدار لا يجدي في قتله كما هو ظاهر. على أنّ اختلاف الأحكام باختلاف العنوان ممّا لا ريب فيه و إن اتّحد المعنون، فمجرّد الاتّحاد الوجودي مع اختلاف عناوين الوجود غير مجد، و عدم التفات العرف إلى مثل ذلك غير مضرّ؛ لعدم مدخلية العرف في أمثال ذلك كما لا يخفى.

و قد يفصّل في العمل بالاستصحاب المثبت في مثال الوضوء و الغسل بين أن يكون الشكّ في وجود المانع، أو مانعية الموجود، ففي الثاني لا عبرة به‏ (5)، و في الأوّل يعتمد عليه، كما عن بعض مشايخنا المعاصرين أدام اللّه إفاداته‏ (6)، و تفصّى عن إثبات الأصل بالسيرة (7).

____________

(1). «ج، م»: بشي‏ء.

(2). «ز، ك»:- آثار.

(3). «ج، م»: يكون الواسطة منتزعا.

(4). «ز، ك»: فلا يعوّلون.

(5). «ج، م»:- به.

(6). «ز، ك»:- أدام اللّه إفاداته.

(7). قال في الفصول: 378: و أمّا التعويل على أصالة عدم حدوث الحائل على البشرة في الحكم-

274

و ليس بذلك البعيد (1) إلّا أنّه خارج عن المفروض، و قد عرفت‏ (2) اعتبار الظنّ بعدم المانع عن كاشف الغطاء تفصّيا عن ذلك.

و يمكن أن يقال أيضا: إنّ غالب الموارد التي يتمسّك فيها بتلك الأصول إنّما هو في مواضع‏ (3) التداعي كما فيما حكيناه عن المحقّق‏ (4)، و لا ريب أنّ المتداعيين يختلف تقاديرهم في تحرير الدعوى عند الحاكم، فربّما يكون تشاجرهم في شي‏ء بحيث لو أثبته المدّعي بإقامة بيّنة شرعية أو حلف عليه كان ما هو المقصود من التشاجر راجعا إليه و إن لم يكن البيّنة وافية بإثبات المقصود، لتسالمهم في الأمر الآخر، فكأنّ مقصود المدّعي مركّب‏ (5) من أمرين أحدهما ثابت بالبيّنة و الآخر بالتسليم‏ (6) من الآخر، و كذا الكلام في جانب المنكر فإنّ مطابقة قوله للأصل ربّما يكون من جهة مجرّد تشخيص المدّعي و المنكر بإجراء أحكامهما عليهما، فلا يعتبر في ذلك أن يكون الأصل المطابق لقوله وافيا بتمام مقصوده فقد لا يكون كذلك، و أمّا ترتّب المقصود على ذلك إنّما هو بواسطة التسالم بينهما كما يظهر ذلك في تقديمهم قول مدّعي الصحّة في عقد يدّعي أحد المتعاقدين وقوعه على عوض غير مملوك كالخمر و الخنزير، و الآخر على ألفي دينار مثلا، فإنّ أصالة الصحّة لا تقضي‏ (7) بوقوع العقد على ألفين و إنّما قضيّة ذلك عدم كون الخمر و الخنزير أحد العوضين، فالحكم باشتغال ذمّة الآخر بالمبلغ المزبور بعد الحكم‏

____________

- بوصول الماء إليها في الوضوء و الغسل، و على أصالة عدم خروج رطوبة لزجة كالودي بعد البول في إزالة عينه بالصبّ مع كون الأصل في المقامين مثبتا لأمر عاديّ، فليس لأدلّة الاستصحاب بل لقضاء السيرة و الجرح به، مضافا في الأخير إلى إطلاق الأخبار الدالّة على كفاية الصبّ مطلقا، و لا يبعد تخصيص الحكم بصورة الظنّ بالعدم؛ لأنّه الغالب، فلا يعوّل عليه عند الشكّ أو الظنّ بالخلاف.

(1). «م»: التعبّد.

(2). عرفت في ص 268.

(3). «م، ك»: موضع.

(4). حكاه عنه في ص 269.

(5). كتب فوقه في نسخة «م»: مركّبا.

(6). «م»: لتسليم.

(7). «م»: لا يقضي، «ج»: لا تقتضي.

275

بالصحّة إنّما هو مستند إلى تسليم ذلك عند الآخر.

و إذ قد عرفت هذا فنقول- في المثال المذكور في كلام الشرائع‏ (1)-: إنّ تأخّر الموت بنفسه مستصحب و لا يتفاوت فيه الحال؛ لكونه من مجاري الأصل حقيقة، و أمّا تأخّره عن إسلامه فهو من الأمور المتسالمة بينهما على تقدير استصحاب تأخّر الموت كما في تسالمهم على وقوع العقد (2) على تقدير الصحّة على ألفي دينار، و لك أن تقول: إنّ مجرّد مطابقة القول للأصل لا يجدي في إثبات المقصود إلّا بعد اليمين و هي كالبيّنة من الطرق الواقعية، و قد عرفت أنّ الطرق الواقعية ممّا يوجد بجميع لوازمها الواقعية.

و تحقيق المقام و توضيحه: أنّ الموارد التي يتمسّك فيها بتلك الأصول في الغالب هو مواضع التداعي كما في استصحاب تأخّر الموت، و لا شكّ في اعتبار هذا الاستصحاب بالنسبة إلى الأحكام التي تترتّب‏ (3) على نفس التأخّر. و أمّا الآثار اللاحقة لكون الموت متأخّرا عن الإسلام فلا عبرة بهذا الاستصحاب فيها، فالأخذ بتلك الآثار لأحد أمرين: إمّا من جهة تسالمهما على أنّ الوراثة بعد إثبات التأخّر الذي هو مجرى الأصل و مفاده ممّا لا كلام فيه، فكأنّ المدّعي لمقارنة الموت للإسلام أو تقدّمه عليه مقرّ بكونه وارثا بمجرّد ثبوت تأخّر الموت و إن لم يفد إثبات تأخّره عنه، فالاستناد إلى الأصل إنّما هو لإثبات هذا الجزء و لا غبار عليه من هذه الجهة؛ لعدم كونه مثبتا له بل هو عين مفاده، كما في أصالة الصحّة فيما إذا اختلف المتعاقدان في وقوع العقد على ثمن غير مملوك شرعا كالخمر و الخنزير أو على عوض آخر، فإنّ قضيّة الصحّة لا تزيد على مجرّد الصحّة و لا يثبت بها خصوصية الثمن الآخر كما هو المدّعى به في كلام الآخر، و مع ذلك فالحكم باشتغال ذمّة المشتري بخصوصية العوض مستند إلى تسالم المتبايعين في أنّه‏ (4) بعد إحراز الصحّة فالعوض هو هذا الشي‏ء الخاصّ كما لا يخفى، و أمّا

____________

(1). تقدّم نصّ عبارته في ص 269.

(2). «ز، ك»: الصيغة.

(3). «ج، م»: يترتّب.

(4). «ج، م»: أنّ.

276

في جهة ثبوت الواقع باليمين فإنّها أيضا كسائر الطرق الاجتهادية مثبتة للواقع كالبيّنة نظرا إلى الأمر بالتصديق للحالف في الدليل الدالّ عليه، و من المعلوم أنّ بعد فرض واقعية اليمين يترتّب عليها تمام أحكام الواقع كما في غيرها على ما مرّ.

و أمّا الاستناد إلى الأصل فلا يثمر إلّا في تشخيص المدّعي و المنكر عند القاضي، و لا يلزم أن يكون الأصل الموافق لقول المنكر وافيا بإثبات مرامه بتمام أجزائه، فأصالة تأخّر الموت إنّما تجدي‏ (1) في كون المدّعي لذلك‏ (2) منكرا فعليه اليمين، ثمّ يترتّب على اليمين تأخّر الموت عن الإسلام، ثمّ بعد ثبوت ذلك باليمين ينتصف المال بينهما، نعم يتمّ النقض بذلك لو قلنا بكونه وارثا مع عدم اليمين بمجرّد الأصل و مع عدم التسالم، و دون القول بذلك حينئذ خرط القتاد.

هذا ما يقتضيه الجليل‏ (3) من النظر (4) و أمّا دقيق النظر (5) فلا يرى استقامته أيضا.

أمّا أوّلا: فلأنّ دعوى ترتّب الأحكام التي هي من لواحق تأخّر الموت عن الإسلام كوراثة (6) المدّعي للتأخّر و نحوها على تسالمهما، مكابرة صرفة و مجازفة محضة؛ للقطع بأنّ الآخر في الأغلب ممّا لا يرضى بذلك أبدا و هو ينفي استحقاقه للإرث رأسا، فقد يكون بعض الدعاوي مترتّبا على بعض آخر و إظهار البعض ربّما يكون مقدّمة لإظهار الآخر، فكيف يقال بالتسالم؟ و لو فرض إقراره أحيانا بذلك فلا يمكن الأخذ بإقراره أيضا؛ إذ الغالب إنّما هو من باب التعليق‏ (7) على الأمور المستحيلة و لو بحسب اعتقاده. و أمّا التنظير بأصالة الصحّة فممّا لا يجدي أيضا؛ لأنّ المشتري في مقام ادّعاء بطلان البيع رأسا فلا يظهر (8) منه تسليم كون العوض شيئا مملوكا فضلا عن‏

____________

(1). «ج، م»: يجدي.

(2). «ز، ك»: لذاك.

(3). كانت أوّلا في نسخة «م»: «الجلي» ثمّ غيّر بما في المتن و عكس ذلك في نسخة «ك».

(4). «ز، ك»: جليل النظر.

(5). «ز، ك»: و أمّا دقيقه.

(6). المثبت من «م»، و في سائر النسخ: كوارثه.

(7). «ز، م»: التعلّق.

(8). «م»: و لا يظهر، «ج»: لا يظهر.

277

خصوصية شي‏ء، فكيف يتأتّى‏ (1) القول بأنّه مقرّ بأنّ بعد إحراز الصحّة أحد (2) العوضين هو الشي‏ء الخاصّ كما هو ظاهر؟

و أمّا ثانيا: فلأنّ كون اليمين من الطرق الاجتهادية كالبيّنة و نحوها في محلّ المنع، و الأمر بالتصديق ممّا لا دلالة فيه على كونه مثبتا للواقع كما لا دلالة في الأدلّة الدالّة على حمل فعل المسلم على الصحّة على ذلك، و تفصيل الكلام فيه خارج عن المقام.

و أمّا ثالثا: فلأنّ مجرّد مطابقة قول واحد من المتداعيين لأصل من الأصول لا يثمر في جعله منكرا ما لم يكن ذلك الأصل وافيا بتمام مطلوبه و جميع مقصوده؛ إذ ليس حكم الإنكار و الادّعاء حقيقة من الأمور التوقيفية، بل التحقيق أنّ ما ورد من الشرع في بيان حكمهما من كون البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر إنّما هو مطابق لما يحكم به الوجدان الصحيح و العقل الصريح في حقّ المدّعي و المنكر، فعدم حاجة المنكر إلى إثبات دعواه ليس إلّا بواسطة وفاء الأصل المطابق لقوله بتمام مقصوده، و من ثمّ تراهم لا يحكمون بتقديم قول مدّعي سقوط الخيار في البيع على قول من يدّعي عدم سقوطه بواسطة مطابقة قول مدّعي السقوط لأصالة اللزوم في البيع، لعدم الاعتناء بهذا الأصل في قبال أصالة عدم سقوط الخيار، لأنّ الشكّ في اللزوم و عدمه ناش من الشكّ في إسقاط الخيار و عدمه، و بعد إحراز عدم السقوط لا يبقى الشكّ في عدم اللزوم؛ لأنّه مزيل له، فليس كلّ أصل مشخّصا للمنكر، فأصالة تأخّر الموت لا يجدي في إثبات تأخّره عن الإسلام كما هو المقصود في المقام.

فإن قلت: قد يختلف وجوه التقارير في تحرير الدعاوي ففي كلّ وجه يراد من الأصل المعمول فيه إثبات ذلك الوجه دون غيره، و مصبّ الدعوى في المقام هو إثبات تأخّر الموت و هو كاف، و أمّا تأخّره عن الإسلام فهو شي‏ء آخر و (3) يحتاج إلى دعوى‏

____________

(1). «ج، م»: ينافي.

(2). «ج»: لأحد.

(3). «ج»:- و.

278

ثانية.

قلت: نعم، و لكنّه غير مجد في تلك الدعوى و المقصود ترتّبها عليه كما هو ظاهر من عبارة الشرائع‏ (1) على أنّ مجرّد التغيير في العبارة ربّما لا يجدي في الإنكار و الادّعاء، فإنّ المدّعي حقيقة هو المطالب بشي‏ء، و المنكر هو من يطالب منه، و إن اختلفا في التعبير على وجه يعدّ في ما يتراءى في الأنظار أن يكون المدّعي منكرا و المنكر مدّعيا، و على مثل هذا بنينا في الردّ على جامع المقاصد المحقّق الثاني‏ (2) فيما إذا اختلف المتعاقدان في وقوع العقد على عشرين أو ثلاثين تومانا (3) فضّيا (4) مثلا، حيث حكم بالتداعي و التحالف؛ إذ من الواضح أنّ المطالب بالعشرة الزائدة هو المدّعي و إن كان ادّعاؤهما (5) في العبارة على أمر وجودي كما لا يخفى.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في المقام، و الإنصاف أنّه لم يظهر لنا وجه في تصحيح موارد الأصول المثبتة في كلمات القوم على وجه جامع لجامع مواردها. و لعلّ العمدة فيها هو البناء عليها من جهة الظنّ كما ذكرنا، فكن على بصيرة كي‏ (6) لا يلتبس عليك الحال، ثمّ إنّ ما أوردنا في المقام إنّما هو بالنسبة إلى اللوازم دون الملزومات أو المشارك في اللزوم أو المقارن، فتدبّر فإنّه من المزالق‏ (7).

____________

(1). تقدّم نصّ عبارته في ص 269.

(2). انظر جامع المقاصد 7: 293.

(3). «ج»:+ ذهبيا.

(4). في هامش «م»: تومانا ذهبيا.

(5). «ز»: ادّعاءها (ظ).

(6). «ز، ك»: لكلي.

(7). «ز، ك»:- فإنّه من المزالق.

279

هداية [في أصالة تأخّر الحادث‏]

قد شاع التمسّك بأصالة تأخّر الحادث عندهم و هي بظاهرها ليست في محلّها، فإنّ الظاهر من لفظة (1) الأصالة هو الاستصحاب و ليس التأخّر معلوما في السابق حتّى يستصحب ذلك التأخّر، بل‏ (2) لا يعقل كما هو غير خفيّ على أحد، فالمراد منها القاعدة التي مقتضاها هو الحكم بتأخّر الحادث من استصحاب عدمه في الزمان‏ (3) السابق على زمان‏ (4) اليقين لو كان الحادث هو الوجود، أو استصحاب وجوده السابق لو كان هو العدم‏ (5)، إلّا أنّ الظاهر أنّ موارد إطلاقاتهم لهذه القاعدة كما يظهر من مطاوي كلماتهم هو الأوّل.

و كيف كان فالمطلوب من إجراء هذا الاستصحاب في موارده‏ (6) إمّا إثبات تأخّر شي‏ء حادث عن بعض أجزاء الزمان كأن يقال: إنّ الحادث الفلاني لا يعلم بحدوثه في الأمس أو في اليوم، و مقتضى استصحاب عدمه في الأمس تأخّر وجوده عنه، و إمّا إثبات تأخّر حادث عن حادث آخر مثله، كما إذا كان هناك حادثان و لم يعلم سبق أحدهما على الآخر، فيحكم بمقتضى استصحاب عدمهما- على حسب اختلاف‏

____________

(1). «ز، ك»: لفظ.

(2). «ج، م»:+ و.

(3). «م»: الزمن.

(4). «ز، ك»:- زمان.

(5). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: الوجود.

(6). «ز، ك»:- في موارده.

280

المقامات على ما ستعرف- بالتأخّر، فإذا لنا مقامان‏ (1):

[المقام‏] الأوّل [فى اثبات تاخر شى‏ء حادث عن بعض اجزاء الزمان‏]

لا خفاء في أنّ الأحكام الشرعية المترتّبة على نفس التأخّر بمعنى عدمه السابق على زمان اليقين فيما إذا كان الحادث وجوديا، و وجوده السابق فيما إذا كان عدميا يترتّب على العدم في الأوّل و الوجود في الثاني على تقدير استجماع الشرائط المعتبرة في الاستصحاب كما هو ظاهر، كما لا إشكال في أنّه‏ (2) بعد العلم بالوجود في الأوّل و العلم بالعدم في الثاني يترتّب عليهما أحكام مطلق الوجود و العدم، و هل يترتّب على‏ (3) الأحكام التي تترتّب‏ (4) على محض الحدوث الذي هو عبارة عن وجود غير مسبوق بالوجود فيما كان المستصحب عدما، و عن عدم غير مسبوق بمثله- مثلا- فيما كان المستصحب وجودا، أو لا؟ التحقيق هو الأوّل؛ لأنّ الحدوث على هذا المعنى له جزءان: أحدهما: العدم المطلق أو الوجود كذلك، و ثانيهما: كونه غير مسبوق بمثله وجودا و عدما، و الأوّل معلوم بالوجدان كما هو المفروض، و الثاني و (5) هو الجزء العدمي فيهما معلوم بالاستصحاب و لا غائلة فيه؛ لعدم كونه من الأصول المثبتة كما قرّرنا في موارد جمّة، منها: إثبات الأقلّية فيما دار الأمر بينها و بين الأكثر؛ إذ ليس الأقلّ عنوانا وجوديا لازما لعدم الجزئية مثلا، بل مجرى الأصل و مفاده هو هذا العنوان على ما هو ظاهر، و لا ريب في عدم ترتّب الأحكام اللاحقة بعنوان‏ (6) وجودي آخر لازم للمستصحب في المقام؛ لما عرفت في الهداية السابقة من عدم التعويل على مثل‏ (7) هذه الأصول.

____________

(1). «ج»: مقامين.

(2). «ج، م»: أنّ.

(3). كذا. و لعلّ الصواب «عليهما».

(4). في النسخ: يترتّب.

(5). «ز»:- و.

(6). «ز»: لعنوان.

(7). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: بمثل.

281

ثمّ إنّ ما ذكرنا إنّما يتمّ فيما لو كان وجود ذلك الحادث مستمرّا حتّى في زمان اليقين بالوجود أيضا، و أمّا إذا كان الحادث المفروض أمرا غير قابل للوجود المستمرّ كأمثال‏ (1) الأفعال التوليدية التدريجية كالحركة و التكلّم و نحوهما ممّا ينقضي شيئا فشيئا و ممّا لا يتّصف بالوجود إلّا في آن من الزمان، فلا يمكن إثبات الأحكام المترتّبة على وجوده‏ (2) في زمان اليقين، كما إذا فرضنا حدوث التكلّم أو الولادة التي هي الخروج من الرحم إمّا في يوم الجمعة و إمّا في يوم السبت؛ إذ لا يمكن استعلام بدو وجوده لعدمه في السبت أيضا، لأنّ المفروض أنّه آني الوجود، فكما أنّه لا يمكن إثباته في الجمعة؛ لأنّ الأصل عدمه فيها، فكذا لا يمكن إثباته في السبت أيضا؛ لأنّ الأصل عدمه أيضا، فالمقام نظير الشبهة المحصورة؛ إذ لا فرق بين أن يكون الظرف لوجود شي‏ء مكانا أو زمانا، إذ نسبتهما إلى الوجود متساوية، فالعلم الإجمالي حاصل بانتقاض أحد الأصلين، و ذلك لا يضرّ في جريانهما و تعارضهما، على أنّ استصحاب التأخّر و عدمه في الجمعة لو أريد به إثباته في السبت ممّا لا تعويل عليه؛ لكونه مثبتا، و توضح‏ (3) التعارض بين الأصلين ملاحظة أن لو كان العلم الإجمالي بين وجوده في الخميس أو السبت مع العلم بعدمه في الجمعة كما لا يخفى، و لعلّ هذا هو الوجه في حكمهم بقضاء صلوات خمسة فيما إذا قطع المكلّف بحدوث حدث منه عقيب واحد من وضوءاتها و إن كان مقتضى استصحاب عدمه على تقدير الأصول المثبتة هو الحكم بقضاء صلاة العشاء فقط، فتدبّر.

و أمّا أحكام مطلق وجود ذلك الشي‏ء فمن المعلوم ترتّبه عليه كما هو ظاهر لا سترة عليه.

المقام الثاني [فى اثبات تاخر حدث عن حادث آخر مثله‏]

____________

(1). «ز، ك»: المستمرّ مثل.

(2). «ج»: وجودها.

(3). «ج، ك»: توضيح.

282

فيما إذا كان المقصود بأصالة التأخّر تأخّر الحادث عن صاحبه، فنقول: لا ريب في ترتّب‏ (1) أحكام التأخّر مطلقا بخلاف الأحكام المترتّبة على تأخّره عن صاحبه، ثمّ إنّ هذين الحادثين إمّا أن يكون تاريخ وجودهما مجهولا، و إمّا أن يكون أحدهما معلوما و الآخر مجهولا، و أمّا فرض المعلومية فيهما فخارج‏ (2) عن المفروض.

أمّا في الأوّل: فلا يحكم بأحدهما، كما في تعارض الجمعتين في بلد واحد، أو في الغرقى و المهدوم عليهم، و الطهارة و الحدث، و نحوها (3) ممّا لا ضبط فيها، و قد يقال في أمثال ذلك بتقارنهما، فإن كان التقارن عبارة عن وجود أحدهما مصاحبا للآخر على وجه يكون أمرا وجوديا كما هو الظاهر فلا عبرة به، و إن كان عبارة عن عدم تقدّم أحدهما على الآخر فيكون أمرا عدميا مفادا للأصل فيهما فلا غائلة فيه إلّا أن يقال بترتّبه‏ (4) على الأوّل أيضا لكون الواسطة خفيّة كما لا يخفى.

و أمّا الثاني: فربّما يكون مفيدا من طرف واحد، و ربّما يكون مفيدا من الطرفين‏ (5)، و المعيار في ذلك أنّه كلّما كان أحد الطرفين أو كلاهما مجرى للأصل العدمي فهو مفيد لترتّب أحكام العدم و التأخّر عليه، بخلاف ما إذا كان لازما من لوازم العدم.

مثال ما إذا كان الأصل مفيدا من طرف واحد ما إذا علمنا بحدوث كرّية الماء المفروض في الحوض- مثلا- و حدوث ملاقاة اليد النجسة لهذا (6) الماء فإذا لم يكن أحد التاريخين معلوما فلا كلام، و أمّا إذا كان تاريخ الكرّية معلوما كأن كان في السبت و لم يعلم تاريخ الملاقاة فاستصحاب عدم الملاقاة في الجمعة لا يثمر في استصحاب‏ (7) طهارة اليد لكونه مثبتا، إذ من لوازم الملاقاة يوم حال الكرّية هو الطهارة و ليست من لوازم‏

____________

(1). «ج، ز، ك»: ترتيب.

(2). «م»: خارج، «ج»: فهو خارج.

(3). «م»: نحوهما.

(4). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: مترتّبة.

(5). «ج»: طرفين.

(6). «م»: بهذا.

(7). في «م» كانت أوّلا «إثبات» ثمّ شطب عليها و كتب تحتها بما في المتن.

283

عدم حدوثه في الجمعة كما هو ظاهر، و (1) أمّا إذا كان تاريخ الملاقاة معلوما كأن كان في السبت- مثلا- فاستصحاب عدم الكرّية يثمر في نجاسة الماء؛ لأنّ عدم الكرّية من لوازمه‏ (2) الشرعية انفعاله‏ (3) بالنجاسة، و ليس القليل إلّا عدم كونه كرّا كما هو ظاهر، و لا يعارضه استصحاب طهارة الماء؛ لكونه مزالا بالنسبة إلى هذا الاستصحاب، و من هذا القبيل ما فرضه المحقّق في مسألة الإرث‏ (4)؛ إذ على تقدير العلم بتاريخ الإسلام‏ (5) لا يثمر استصحاب تأخّر الموت في انتصاف المال بينهما، و على تقدير العلم بتاريخ الموت أصالة تأخّر الإسلام يجدي في انحصار الوارث الآخر؛ إذ الانحصار عبارة عن وجود شي‏ء مع عدم غيره، فكأنّ العدم فصل له‏ (6) و ما (7) هو بمنزلة الجنس فيه معلوم وجدانا، و الفصل العدمي مفاد الأصل فلا يكون مثبتا كما هو ظاهر.

و مثال ما إذا كان الأصل مفيدا من الطرفين ما إذا علمنا بموت الأب و الابن مع الجهل بتاريخ موت الأب و العلم بتاريخ موت الابن، فبأصالة تأخّر موت الأب و استصحاب وجوده قبل زمان اليقين يترتّب توارثه‏ (8) من مال الابن، لكن‏ (9) ذلك من أحكام نفس الحياة المستصحبة، و مع العكس يفيد توارث الابن من مال الأب بعين‏ (10) ما ذكر، و قد لا يكون مفيدا، كما إذا كان تاريخهما مجهولا أيضا فيما إذا فرضنا حدوث حدث و طهارة مع الشكّ في السبق و اللحوق؛ إذ لا يتفاوت الحال في ذلك مع‏ (11) جهل‏ (12) التاريخين أو العلم بأحدهما، أمّا الأوّل فظاهر، و أمّا الثاني فلأنّ استصحاب تأخّر

____________

(1). المثبت من «ج» و في سائر النسخ:- و.

(2). «ج»: لوازمها.

(3). «ج»: انفعالها.

(4). تقدّم نصّ عبارته في الهداية السابقة في ص 269.

(5). «ز، ك»: بتأخّر تاريخ الإسلام.

(6). «ك»: فكان العدم فصلا له.

(7). «ج»:- ما.

(8). «ز، ك»: لوارثه.

(9). «م»: فأين. «ج»: لأنّ.

(10). «ج»: لعين.

(11). «م»:- مع.

(12). «ج»: بجهل.

284

الحدث لا يجدي في انتقاض الطهارة، و كذا استصحاب تأخّر الطهارة لا يجدي في حصول الطهارة، كيف و الموارد (1) على ما عرفت مختلفة، فإطلاق القول بعدم الفائدة في صورتي العلم بالتاريخ و الجهل به كما عن الشيخ الجليل فيلسوف القوم في كشف الغطاء، ليس في محلّه.

قال (قدّس اللّه نفسه الزكيّة) (2)- في مسألة العلم بحدوث الحدث و الطهارة مع الشكّ في السبق و اللحوق ردّا على من فصّل بين العلم بالتاريخ في أحدهما و الجهل بالآخر-: إنّ أصالة التأخّر إنّما قضت بالتأخّر (3) على الإطلاق لا بالتأخّر عن الآخر (4) و مسبوقيته به؛ إذ وصف السبق حادث و الأصل عدمه، فيرجع ذلك إلى الأصول المثبتة و هي منفيّة، فأصالة عدم الاستباحة و بقاء شغل الذمّة سالمان عن المعارض. قال: و لذلك أطلق الحكم فحول العلماء في مسألة الجمعتين، و مسألة من اشتبه موته‏ (5) في التقدّم و غيرهما (6)، و في مسألة عقد الوكيلين و غيرها، أو المشتبهين في سبق الكمال على العقد و تأخّره، و لم يفصّلوا بين علم التاريخ في أحدهما و عدمه‏ (7)، انتهى موضع الحاجة من كلامه رفع اللّه في الجنّة من مقامه‏ (8).

و فيه نظر (9): أمّا أوّلا: فلما عرفت من أنّ الحكم ربّما يترتّب على نفس التأخّر و عدم الحادث لا على تأخّره عنه و مسبوقيته به كما عرفت فيما قدّمنا لك من الأمثلة.

و أمّا ثانيا: فلأنّ إطلاق القول في تلك المقامات إنّما هو فيما إذا كان التاريخان مجهولين كما هو الظاهر، و من المعلوم عدم الفرق بينهما حينئذ، و لنا أن نقول: إنّ‏

____________

(1). «م»: و كيف فالموارد. «ج»: و كيف كان فالموارد.

(2). «ز، ك»: (رحمه اللّه).

(3). في المصدر: بالتأخير.

(4). في المصدر: الأخير.

(5). في المصدر: موتهم.

(6). في المصدر: غيرها.

(7). كشف الغطاء 2: 102، و في ط الحجري: 102.

(8). «ز، ك»:- رفع اللّه ... مقامه.

(9). «ج، م»:- و فيه نظر.

285

الإطلاق فيها بواسطة عدم الفائدة في صورتي العلم و الجهل، و لهذا (1) فصّلوا فيما إذا كان العلم بالتاريخ مجديا كما مرّ في مثال الإرث، فإنّ الشيخ و جملة من أعاظم الفحول كابن حمزة و الشهيدين و المحقّقين و العلّامة فصّلوا فيه كما عرفت‏ (2).

نعم، يعتبر في موارد تلك الأصالة أن لا يكون الحكم المطلوب إثباته أو نفيه من لواحق عنوان آخر غير المستصحب كما نبّهنا عليه، لكنّه قد يوجد في كلمات الفقهاء الحكم بترتّب آثار اللاحقة بعنوان لازم للمستصحب في تلك الأصالة على ما مرّ بعضها في الهداية السابقة، و من جملة تلك الموارد ما أورده الشهيد السعيد (3) في المسالك.

قال‏ (4): إذا أذن المرتهن للراهن في البيع و رجع، ثمّ اختلفا فقال المرتهن: رجعت قبل البيع، و قال الراهن: بعده، كان القول قول المرتهن ترجيحا لجانب الوثيقة؛ إذ الدعويان متكافئتان‏ (5).

قال: وجه التكافؤ: أنّ الراهن يدّعي تقدّم البيع على الرجوع و الأصل عدمه، و المرتهن يدّعي تقدّم الرجوع على البيع و الأصل عدم تقدّمه أيضا، فتكافأ الأصلان فيتساقطان، و يبقى حكم الرهن على العين باقيا و هو ترجيح جانب الوثيقة. إلى أن قال: و في إطلاق الحكم بذلك بحث آخر و هو أنّ ذلك كلّه إنّما يتمّ حيث يطلقان الدعويين من غير اتّفاق منهما على زمان معيّن للبيع أو الرجوع، أو مع اتّفاقهما إلى وقت واحد؛ لتحقّق الأصول المذكورة، أمّا لو اتّفقا على زمان أحدهما و اختلفا في تقدّم الآخر، فإنّ الأصل مع مدّعي التأخّر ليس إلّا، و وجه ذلك أنّهما لو اتّفقا- مثلا- على وقوع البيع يوم الجمعة و ادّعى المرتهن الرجوع قبله من غير تعيين زمان، فالأصل‏

____________

(1). «ك»: لذا.

(2). عرفت في الهداية السابقة في ص 269.

(3). «ز، ك»:- السعيد.

(4). «م»: قال في مسألة.

(5). المثبت من المصدر و في النسخ: متكافئان.

286

يقتضي تأخّره؛ لأنّ ذلك حكم كلّ حادث إلى أن يعلم وجوده و إنّما علم وجوده بعد البيع، فيقدّم قول الراهن، و لو انعكس بأن اتّفقا على وقوع الرجوع يوم الجمعة و ادّعى الراهن وقوع البيع قبله من غير اتّفاق على وقت، فالأصل يقتضي تأخّره إلى أن يعلم وجوده و إنّما علم بعد زمان الرجوع، فيقدّم قول المرتهن.

قال (قدّس اللّه روحه)(1): و هذا التفصيل هو الأقوى و هو خيرة الدروس، و فيما عداه يقدّم قول المرتهن كما ذكره الأصحاب؛ لقيام الدليل على ترجيح جانب الوثيقة كما حقّقنا (2)، انتهى ما أفاده‏ (3).

و بعد الاطّلاع على ما نبّهنا (4) عليه في الهداية السابقة من عدم التعويل على مثل هذه الأصول؛ لعدم دلالة دليل على اعتبارها و الوجوه التي وجّهنا بها كلام القوم، لا يخفى عليك ما فيه من وجوه الصحّة و الفساد، فتدبّر.

و لعلّ العمدة في تلك الوجوه بعد البناء على الظنّ هو القول بأنّ ترتيب اللوازم العاديّة و أحكامها من باب التسالم، و اللّه الموفّق‏ (5) الهادي.

تذنيب [فى الاستصحاب القهقرى‏]

عكس الاستصحاب المذكور استصحاب‏ (6) القهقرى على ما هو المعروف في لسان عوام الطلبة، و قد نبّهنا على فساده في أوائل المبحث بهذا العنوان‏ (7)؛ إذ ليس من الاستصحاب، لاستلزامه اليقين السابق و الشكّ اللاحق، و ما يراد من ذلك إثبات الوجود اللاحق في الزمن السابق المشكوك ذلك الوجود فيه، و لا دليل على ثبوت‏

____________

(1). «ز، ك»: (رحمه اللّه).

(2). مسالك الأفهام 4: 77- 79.

(3). «ز، ك»:- ما أفاده.

(4). «م»: بما نبّهناه.

(5). «ز، ك»:- الموفّق.

(6). كذا. و لعلّ الصواب: الاستصحاب.

(7). انظر ص 14.

287

ذلك من العقل و لا من النقل، و قد يعبّر عن ذلك بأصالة تشابه الأزمان و هو أيضا ممّا لا وجه له؛ لعدم ما يقضي‏ (1) بذلك على ما هو الظاهر منها (2). اللّهمّ إلّا أن يكون المدرك فيها الغلبة، فتأمّل.

نعم، يمكن أن يكون هذا نتيجة لاستصحاب عدمي معقول و هو أن يقال: لو لم يكن كذلك لزم حادث آخر و الأصل عدمه كأصالة عدم النقل، مثلا لو ثبت أنّ الأمر في العرف للوجوب فشكّ أنّه‏ (3) في اللغة أيضا كذلك أم لا (4)، فلو قلنا بأنّه‏ (5) في اللغة أيضا للوجوب لا يلزم حادث غير ما دلّ الدليل على وجوده و حدوثه في الحال، و لو قلنا بعدمه يلزم أن يكون هناك أيضا حادث آخر و الأصل عدمه، و لا يعارضه أصالة تأخّر الحادث؛ لأنّ مجرى ذلك فيما إذا كان الاستعمال في السابق معلوما على الإجمال و لم يعلم خصوصية المستعمل فيه، و حينئذ لا يجري أصالة تأخّر الحادث؛ للعلم بالحدوث إجمالا، و الكلام في التعدّد و الاتّحاد، و الأصل يقضي‏ (6) بالثاني؛ لأصالة عدم تعدّد الوضع، و هذا و إن كان مثبتا إلّا أنّه من الموارد التي لا مناص من العمل بها؛ لكونه من مباحث الألفاظ، نعم لو كان المعنى المستعمل فيه في السابق معلوما كاللاحق و شكّ في بدو الحدوث و النقل فأصالة التأخّر تقضي‏ (7) بالتأخّر، و لا يجري فيه أصالة عدم النقل في السابق كما في الحقيقة الشرعية، فإنّ استعمال الصلاة في اللغة معلوم و في عرف المتشرّعة أيضا معلوم و إنّما شكّ في بدو النقل، فبأصالة عدم النقل لا يمكن إثبات الحقيقة الشرعية بالنسبة إلى زمان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)؛ إذ الأصل تأخّر الحادث‏

____________

(1). «ج»: ما يقتضى.

(2). «م»: منه.

(3). «ج، م»:- أنّه.

(4). «ج، م»: أيضا للوجوب أو لا.

(5). «ج، م»: بأنّها.

(6). «ج»: يقتضى.

(7). المثبت من «م» و في سائر النسخ: يقضي. «ج»: تقتضي.

288

إلى زمن اليقين بوجوده‏ (1)، و إثبات الأصل ممّا لا ضير فيه على ما عرفت مرارا كما لا يخفى، و اللّه الموفّق‏ (2) الهادي.

____________

(1). «ج»: لوجوده.

(2). «ز، ك»:- الموفّق.

289

هداية [في استصحاب الصحّة]

قد تداول بينهم التمسّك باستصحاب الصحّة فيما إذا شكّ في أثناء العمل في صحّته باعتبار الشكّ في اعتبار شي‏ء فيه و عدمه، و تنظّر فيها بعض الأواخر، و التحقيق عندنا عدم الاعتداد به في بعض الوجوه دون آخر.

و توضيح المقصد أن يقال: إنّ بطلان العبادة- مثلا- تارة بواسطة انتفاء أمر معتبر فيها على وجه غير ممكن التدارك كما إذا ترك السورة في الصلاة مع الوصول إلى حدّ الركوع، و أخرى بواسطة وجود ما يقطع به العمل‏ (1) كالتكلّم في الأثناء فهو قاطع للعمل و مبطل أيضا؛ إذ كلّ قاطع مبطل و لا عكس. و كيف كان‏ (2) فالكلام يقع في موردين؛ إذ المستصحب للصحّة (3) إنّما يريد (4) الصحّة بالنسبة إلى الأجزاء المادّية للصلاة مثلا، و أمّا بالنسبة إلى الجزء الصوري‏ (5) لها و اشتمال الصلاة على هذا الجزء الصوري إنّما يستفاد من الأخبار الواردة الدالّة على قطعها، فيستفاد منها أنّ لها هيئة (6) ارتباطية تقطع بقواطعها، كما إذا (7) استفدنا من لفظ النقض في‏ (8) أنّها حالة مستمرّة، و هذا

____________

(1). «ج»:- العمل.

(2). «م»:- كان.

(3). «ج»: بالصحّة.

(4). «ج، م»: يراد.

(5). «ز، ك»: الأجزاء الصورية.

(6). «ز، ك»: أنّ الماهية.

(7). «ج، ز، ك»:- إذا.

(8). كذا. و الظاهر زيادة لفظة «في».

290

الجزء الصوري و إن كان داخلا في عنوان القسم الأوّل لأنّ انتفاءه انتفاء أمر معتبر فيها على وجه لا يمكن تداركها، إلّا أنّ التقسيم له فائدة أخرى تطّلع عليها بعيد ذلك.

[الكلام فى قسمان‏]

[القسم الاول اذا كان الشك فى الاجزاء المادية]

أمّا الكلام في القسم الأوّل‏ (1) فالصحّة المقصود إثباتها تارة: يراد منها موافقة الأمر، و أخرى: ترتّب‏ (2) الأثر عليه على اختلاف المعنى منها، و لا وجه لاستصحابها على التقديرين، أمّا على الأوّل فلأنّ كون الجزء موافقا للأمر إمّا يقصد منه الأمر المستفاد من الأمر بالكلّ، و إمّا الأمر المتعلّق بنفس الكلّ، و الثاني غير حاصل‏ (3) عند فقد الكلّ كما هو المفروض، و الأوّل قطعي حال الشكّ فلا يقين بالسابق على الأوّل، و لا شكّ في اللاحق على الثاني، و أمّا على الثاني فلأنّ الأثر المستصحب إمّا أن يكون أثر الكلّ، أو الأثر المترتّب على الأجزاء التي لم يأت بها، أو أجزاء (4) الماهيّة (5)، لا معنى للأوّلين؛ لعدم اليقين السابق فيهما، كما أنّه لا معنى للأخير أيضا؛ إذ الأثر المترتّب على الجزء ليس إلّا كونه بحيث‏ (6) لو انضمّ إليه الأجزاء الباقية على وجه معتبر شرعا لكان مؤثّرا في حصول الكلّ و المركّب، و وقوعه على هذا الوجه أمر قطعي لا شكّ فيه، و عدم ترتّب الأجزاء اللاحقة لا يوجب زوال الأثر من الأجزاء السابقة، و هذه الصفة موجودة فيها فعلا؛ إذ لا يزيد ذلك على حيثية تعليقية يكفي في صدقها صدق التعليق و إن كذب المتعلّقان كما لا يخفى.

لا يقال: قد يكون الأجزاء اللاحقة مؤثّرة في وقوع الأجزاء السابقة على وجه الصحّة فيشكّ في ذلك فيستصحب.

لأنّا نقول: أوّلا: فلا قطع بالمستصحب في أوّل الأمر حينئذ. و ثانيا: لو فرض حصول القطع فيمتنع زواله؛ لأنّ ما وقع على صفة يمتنع انقلابه من تلك الصفة (7).

____________

(1). سيأتي القسم الثاني في ص 296.

(2). «ج»: ترتيب.

(3). «ج»:+ حال!

(4). في النسخ: الأجزاء.

(5). «ز، ك»: الماهيّة.

(6). «ز، ك»:- بحيث.

(7). «م»: الصحّة.

291

و ثالثا: لا يثمر في الأجزاء الباقية إذ لا يزيد ذلك على القطع الوجداني بصحّتها و على تقديره لا يجدي بالنسبة إليها كما لا يخفى.

و يمكن أن يقرّر الاستصحاب في هذا المقام بوجوه إلّا أنّه لا يجدي في الكلّ.

الأوّل: استصحاب القابلية، و بيانه:

أنّ القراءة- مثلا- كان على وجه يصحّ أن يكون جزء فعليا للصلاة، و بعد حدوث تلك الحادثة لا يعلم بقاؤها على هذه الصفة و الأصل بقاؤها.

و فيه: أنّ الشكّ في كون الجزء المفروض قابلا لأن يصير جزء فعليا من الصلاة إمّا بواسطة أمر سابق على ذلك الجزء أو في نفس ذلك الجزء أو بواسطة أمر لاحق له. لا معنى له على الأوّلين لما عرفت من القطع بذلك، و كذا على الثالث؛ لأنّ الشكّ إنّما هو في اللاحق، و استصحاب كونه جزء فعليا لا يرتفع الشكّ الموجود بالنسبة إلى اللاحق، لكونه من الأصول المثبتة.

الثاني: استصحاب وجوب الإتمام،

فإنّ قبل عروض سانحة كان الواجب إتمام الصلاة، و بعد ذلك لا يعلم به، فيستصحب الوجوب السابق.

و فيه: أنّ الإتمام معناه ضمّ الأجزاء الباقية إلى الأجزاء الماضية ليتمّ العمل و المفروض عدم العلم بالباقي و الشكّ في اعتبار شي‏ء آخر فيه، و استصحاب وجوب الإتمام لا يجدي في ارتفاع الشكّ في أنّ الشي‏ء (1) الفلاني جزء أم لا.

الثالث: استصحاب حرمة القطع‏

؛ لأنّ قبل حدوث الشكّ كان يحرم على المكلّف قطع الصلاة، و بعده يشكّ في الحرمة و الأصل بقاؤها، فيحرم عليه التكلّم أو شي‏ء آخر من القواطع.

و فيه: أنّ حرمة القطع و فعل القاطع إن أريد حرمته بذاته مع قطع النظر عن اتّصافه‏

____________

(1). «ج»: الجزء.

292

بالقاطعية فغير مسلّمة؛ إذ لا دليل على حرمة التكلّم مع قطع النظر عن كونه قاطعا للصلاة. و إن أريد حرمته بعنوان القاطعية فلا بدّ من العلم بكونه قاطعا، و على تقدير الشكّ في الجزء أو الشرط في حال الترك لا يعلم انقطاع الصلاة بواسطة ذلك الشي‏ء المتروك حتّى لا يكون التكلّم قاطعا؛ إذ بعد الانقطاع لا يعقل القطع و لا عدم انقطاعها (1) بواسطة ذلك الشي‏ء؛ إذ المفروض كونه مشكوكا حتّى يكون قطعا، فيكون من موارد الشبهة الموضوعية التي لا دليل على لزوم الاجتناب فيها في غير ما سبق بالعلم الإجمالي، فالأصل البراءة فلا يحرم القطع كما لا يخفى.

فإن قيل: إنّ العرف يحكمون بكونه قطعا فيحرم.

قلنا: لا مدخل للعرف في مثل المقام كما هو ظاهر. نعم، لو كان المستند في الحكم دليلا لفظيا غير الاستصحاب كآية البطلان‏ (2) كان للتمسّك بالعرف فيها وجه، و لمّا انجرّ الكلام إلى هذا المقام فالمناسب تحقيق هذه‏ (3) الآية الشريفة (4).

قد استدل بها جماعة في جملة من الموارد، منهم ابن إدريس‏ (5) في إفطار قضاء الصوم قبل الزوال رادّا على الرواية الدالّة على الجواز بأنّها خبر واحد لا يقبل لتخصيص الكتاب، و منهم بعض آخر (6) في وجوب إتمام الصلاة و عدم إبطالها عند الشكّ في الجزئية و الشرطية أو (7) المانعية، فالآية تدلّ على عدم جواز إبطال العبادات و الأعمال، سواء كان العمل صحيحا لو لا الإبطال كالصوم المفروض في كلام ابن إدريس، أو شكّ في صحّته كما في الصلاة عند الشكّ في الشرطية أو المانعية.

و تقريب الاستدلال على وجه شامل للإبطال فيما شكّ في بطلانه‏ (8) أن يقال: إنّ الآية

____________

(1). «ز، ك»: انقطاعه.

(2). محمّد: 34.

(3). «ز، ك»: هذا.

(4). «ز، ك، ج»:- الآية الشريفة.

(5). لم أعثر عليه في السرائر.

(6). انظر هامش فرائد الأصول 2: 377.

(7). «م»: و.

(8). «ز، ك»:- فيما شكّ في بطلانه.

293

بعمومها تدلّ على عدم جواز رفع اليد عن العمل، ففيما لو لم يكن وجه للإبطال سوى ذلك فظاهر. و أمّا في القسم‏ (1) الآخر فعدم جواز رفع اليد إمّا بواسطة وجوب المضيّ في العبادة و إن كانت فاسدة، و إمّا بواسطة صحّتها و كونها مسقطة للقضاء و الإعادة، و الأوّل باطل؛ للعلم بانتفائه عدا ما ثبت في موارد مخصوصة، فتعيّن الثاني. و ليس لأحد أن يقول: إنّ وجوب المضيّ لا يبقي الشكّ في المانعية أو الجزئية- مثلا- كما في الاستصحاب؛ إذ التمسّك بالأدلّة الاجتهادية كالكتاب يجدي بالنسبة إلى إثبات اللوازم و الملزومات كما في الاستدلال على صحّة المعاملة بوجوب الوفاء لها على ما هو المدلول عليه بقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2) إذ قد يمكن استكشاف بعض الموضوعات بعموم العامّ، كما (3) إذا شكّ في كون زيد صديقا للمولى مع العلم بكونه من جيرانه بعد ما أمر المولى بإضافة جيرانه على وجه العموم مع العلم بعدم إرادة العدوّ منهم، فبعموم وجوب إضافة الجيران و إكرامهم يحكم في المشكوك بكونه صديقا فيجب إضافته و إكرامه، فنقول بمثل ذلك في المقام فإنّ حرمة الإبطال و عدم جواز رفع اليد عن العمل بعمومها (4) يستكشف عن صحّة العمل، فالصحّة مستفادة من عموم النهي كما لا يخفى. هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال.

و الإنصاف عدم دلالة الآية على ذلك؛ إذ الوجوه المحتملة فيها كثيرة:

الأوّل: أن يكون المراد بها إحداث صفة البطلان في العمل‏

و النهي عنه على ما يقتضيه ظاهر قوله: «لا تبطلوا» فإنّه من الإبطال و هو في اللغة ظاهر في إحداث البطلان الذي‏ (5) هو المصدر المجرّد منه بعد ما كان العمل صحيحا و لم يكن باطلا، فيختصّ بما إذا كان العمل صحيحا لو لا الإبطال، بل الظاهر منه على المفروض أن يكون الإبطال بعد تمام العمل و وقوعه على وجه الصحّة بإحداث عمل محبط لما وقع‏

____________

(1). «ز، ك»: تقسيم.

(2). المائدة: 1.

(3). «ج، م»:+ فيما.

(4). «ز، ك»: بعمومه.

(5). «ز، ك»:- الذي.

294

صحيحا كالشرك و نحوه، و يعاضده قوله تعالى قبل الآية هذه: وَ سَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ‏* ... أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ‏ (1) و يوضحه‏ (2) قوله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى‏ (3) فإنّ الظاهر كونهما على وجه واحد، و من المعلوم أنّ المستفاد من الثاني النهي من إحداث صفة البطلان في الصدقات الصادرة من العباد (4) بالمنّ على من تصدّق بشي‏ء له أو أذى عليه كما فيما ورد في تفسيره، و يؤيّده تفسيره في الروايات بالشرك فقال (عليه السّلام): «لا تبطلوا أعمالكم بالشرك» (5) و قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في رواية مضمونها أنّه قال: «من قال: لا إله إلّا اللّه غرس له في الجنّة كذا، و من قال: الحمد للّه له كذا»، إلى أن تعجّب بعض من السامعين فقال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «فلا ترسلوا إليها نارا فتحرقوها» (6)، ثمّ قرء قوله تعالى: وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ‏ (7).

الثاني: أن يكون المراد بالآية إحداث الموصوف بالبطلان متّصفا بهذه الصفة،

فالمعنى: لا يجوز لكم إيجاد الصلاة باطلا بواسطة عدم إطاعة اللّه و إطاعة رسوله من عدم تعليم‏ (8) أحكام العمل و كيفياته كما يقتضيه ظاهر العطف على «أطيعوا» و الأفعال المزيدة قد تستعمل في هذا المعنى كما في قولهم: «لا تضيّق فم الركية للفتى‏ (9)» فإنّ المراد به عدم إيجاده متّصفا بهذه الصفة، و أمثاله في العرف كثيرة، و منها قولهم: «مجمل» إذ ليس الإجمال صفة طارئة، فالنهي عن الإجمال كأن يقال: «لا تجمل في القول» معناه:

لا توجد قولا متّصفا بعدم وضوح الدلالة، و كذا قولهم: «مبيّن» إذ البيان في قبال‏

____________

(1). محمّد: 32- 33.

(2). «م»: توضيحه.

(3). البقرة: 264.

(4). «ج، م»: العبادات.

(5). لم أجده.

(6). المثبت من «ك» و هو موافق لمصادر الرواية و في «م»: فتحرقها و في «ج، ز»: فيحرقها.

(7). وسائل الشيعة 7: 186، باب 31 من أبواب الذكر؛ بحار الأنوار 8: 186، باب 23، ح 154 و 93: 168، باب 2، ح 3.

(8). كذا، و الأنسب تعلّم.

(9). «ز، ك»:- للفتى.

295

الإجمال و ليس ممّا يطرأ اللفظ بعد الحدوث في الأغلب، فالأمر بالبيان بيان لإيجاد بيان ظاهر الدلالة و بيّن المقصود و ذلك ظاهر.

الثالث: أن يكون المراد بها ما هو مناط الاستدلال المذكور من وجوب المضيّ على العمل‏

و عدم جواز رفع اليد عنه، و هو لو لم نقل بكونه خلاف الظاهر بالنسبة إلى الوجهين الأوّلين فلا أقلّ من التساوي، سيّما الأوّل منهما؛ لموافقته‏ (1) للعرف و اللغة و نظائرها في الكتاب العزيز و ما قبلها و الروايات الواردة فيها كما مرّ، سلّمنا عدم المكافئة فلا يجوز الحمل على الأخير؛ إذ لا ريب في جواز رفع اليد عن كثير من الأعمال الواجبة فكيف بالمستحبّات و المباحات، و تخصيصها بالشرعيات مجازفة، و على تقديره العمل بها فيها أيضا مكابرة، و القول بالأخذ بعمومها خرج ما خرج، و بقي الباقي في العامّ مجازفة في مكابرة؛ إذ التخصيص قد يبلغ حدّا لا يجوز القول به في كلام الحكيم و إن قلنا بجواز تخصيص الأكثر، فلا بدّ من حملها على طائفة معهودة صادقة على الصلاة (2) الواجبة فقط أو على الإبطال بالشرك كما ورد في الرواية، و لا يجوز أن يكون هذا فردا منها، فيكون البيان مختصّا ببعض‏ (3) أفراده؛ لعدم الجامع القريب بين الإبطال على الوجه المزبور و رفع اليد، فيلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد (4).

فجملة الكلام في هذا المقام: أنّ الشكّ لو كان متعلّقا بما هو بمنزلة الجزء الماديّ من الصلاة كما في السورة مثلا، فلا جريان للاستصحاب فيه على بعض الوجوه المتقدّمة، و لا يجدي في بعض آخر؛ إذ المدار على ارتفاع هذا الشكّ إمّا وجدانا، و إمّا شرعا و كلاهما منفيّان، أمّا الأوّل فبالفرض، و أمّا الثاني فلعدم جريان استصحاب صحّة

____________

(1). «ز، ك»: بموافقته.

(2). «م»: الصلوات.

(3). «ز، ك»: محضا لبعض.

(4). «ج، م»: المعنى الواحد.

296

الأجزاء السابقة، و عدم إثبات استصحاب وجوب‏ (1) الإتمام و القابلية عدم جزئية المشكوك، و عدم العلم بالموضوع في استصحاب حرمة القطع، و عدم دلالة الآية على حرمة القطع في هذا المقام‏ (2).

و أمّا الكلام في القسم الثاني‏ (3) و هو ما إذا كان الشكّ في الجزء الصوري‏

للصلاة مثلا، و بعبارة أخرى ما إذا كان الشكّ في قاطعية شي‏ء للصلاة أو عروض القاطع، و قد عرفت أنّ المستفاد من الأخبار الواردة في حرمة القطع أنّ الصلاة ذات هيئة ارتباطية متّصلة بعض أجزائها بالآخر (4) في نظر الآمر، فالتحقيق جريان الاستصحاب فيه و كونه مفيدا أيضا. بيان ذلك: أنّه لا شكّ في اتّصاف الأجزاء السابقة بحالة ارتباطية على وجه يمكن أن يصير جزء فعليا للصلاة فيما لو انضمّ إليها الأجزاء الأخر، فتلك الحالة تارة: نعلم ببقائها عند انضمام الأجزاء الباقية إليها صحيحة، و تارة: نعلم بارتفاعها كما إذا عرض المصلّي حال اشتغاله بالصلاة قاطع معلوم القاطعية كالتكلّم، و أخرى يشكّ في بقائها و ارتفاعها بواسطة الشكّ في عروض القاطع كالتكلّم بكلام طويل- مثلا- أو قطع العارض كأن تكلّم بلفظة واحدة مفيدة كقولنا (5): «ق» أمرا مثلا، و الأصل بقاء تلك الحالة و بعد وجودها شرعا تصير مطابقة للأمر بها و يترتّب عليها آثارها، و هو المراد بالصحّة المستصحبة.

لا يقال: القطع أمر نسبي لا يتحقّق إلّا بين شيئين متحقّقين و المفروض عدم وجود الأجزاء اللاحقة، فلا يتحقّق القطع.

لأنّا نقول: عند العلم بحصول القاطع المعلوم أيضا لا يكون الأجزاء الباقية

____________

(1). «ز، ك»:- وجوب.

(2). في هامش نسخة «م»: اللّهمّ إلّا أن يتمسّك بأنّ وجوب الإتمام إنّما يلازم عدم الجزئية شرعا؛ لعدم القول بالفصل، إذ لا يعقل القول بوجوب الإتمام مع لزوم الإعادة، فتأمّل «منه».

(3). تقدّم القسم الأوّل في ص 290.

(4). «ز، ك»: «ببعض» بدل: «بالآخر».

(5). «م»: كقوله.

297

موجودة، فكيف يتصوّر القطع فيه مع أنّه مسلّم عندنا؟ فما هو الجواب فيه هو الجواب هنا أيضا. و حلّه‏ (1) أنّ المقطوع هو الكون الصلاتي المترتّب بعض‏ (2) أجزائها على بعض الموجود في نظر المصلّي على ما (3) أمر به الشارع في صورتي العلم و الشكّ، و لا يتأتّى القول بأنّ الربط بين الأجزاء (4) السابقة و اللاحقة على هذا الوجه يكون من أوّل الأمر مشكوكا فلا يجري الاستصحاب؛ لأنّ موارد الاستصحاب موارد الشكّ و هذا من لوازم الشكّ كما لا يخفى.

فإن قلت: إنّ الشكّ في الجزئية و الشرطية و المانعية أيضا يلازم الشكّ في الهيئة الطارئة للأجزاء و ارتفاعها و الأصل بقاؤها على‏ (5) تلك الحالة أيضا، فالمقامان يجري الاستصحاب فيهما.

قلت: إنّ الشكّ في الجزئية و إن كان يلازم الشكّ في الهيئة لانبساطها على تمام الأجزاء فالشكّ في واحد منها شكّ فيها أيضا، إلّا أنّ البطلان مستند إلى فقد الجزء كالسورة، أو وجود المانع كالنجاسة الثابتة قبل الصلاة أيضا، و ارتفاع الجزء الصوري تابع لارتفاعه، فلا يستند إلى ارتفاعها البطلان كما لا يستند إلى بقائها صحّة الصلاة من هذه الحيثية؛ لبقاء الشكّ فيه بعد ذلك أيضا، و قد عرفت في المقام الأوّل جريان هذا الاستصحاب و عدم جدواه؛ لكونه مثبتا بالنسبة إلى نفي الشكّ عن المشكوك المفروض.

و الحاصل: أنّ وجود الربط لمّا كان في المقام مستصحبا صحّ الاستناد إليه في إثبات الصحّة التابعة لوجوده‏ (6) بخلاف المقام الأوّل، إلّا على دعوى غير بيّنة و لا مبيّنة من أنّه كلّما وجب إبقاء (7) الربط الذي هو بمنزلة الجزء الصوري كان الصلاة صحيحة مطابقة

____________

(1). «ز، ك»: علمه. «ج»: حمله.

(2). «م»: على بعض.

(3). «ج، م»:- ما.

(4). «ز، ك»: أجزائه.

(5). «ج، م»: في.

(6). «ج»: بوجوده.

(7). «ز»: إلقاء.

298

للأمر مسقطة للقضاء.

و من ذلك كلّه يظهر لك الوجه في استناد جملة من الفحول كالشيخ و أضرابه‏ (1) باستصحاب الصحّة في موارد الشكّ، فإنّها كلّها في هذا المقام دون المقام السابق، و لا شكّ أيضا أنّ قاعدة الاشتغال في الشكّ في الجزئية و (2) الشرطية ممّا لا يجوز الاعتماد عليها بعد جريان استصحاب الصحّة؛ لكونه واردا عليها.

نعم، لا ينبغي الركون إليه في المقام الأوّل على تقدير القول بالاشتغال؛ لعدم المدخلية في الاستصحاب بالنسبة إلى المشكوك، فما قد يظهر من بعضهم مع مصيره إلى القول بالاشتغال من التمسّك بأصالة الصحّة و استصحابها زاعما ورودها على الاشتغال، ممّا لا وجه له، و لعلّ التعويل على الآية أيضا في هذا المقام ممّا لا يخلو عن قوّة، سيّما بالنسبة إلى الأجزاء السابقة، فتدبّر.

____________

(1). انظر الخلاف 3: 150؛ المبسوط 2: 147؛ السرائر 1: 220؛ المعتبر 1: 54؛ نهاية الإحكام 1:

538؛ تذكرة الفقهاء 1: 24؛ تمهيد القواعد: 273.

(2). في هامش «م»: قلت: و لعلّ جريان استصحاب بقاء الربط مخصوص بما إذا حصل الشكّ في الأثناء على ما قيّدنا بذلك عنوان الهداية، و إلّا فلو فرض حصول الشكّ في انقطاع الصلاة بالأمر الفلاني قبل الدخول فيها فلو فرض صحّة الدخول في الصلاة بعدم إمكان قصد القربة على تقدير الشكّ، فلا وجه للاستصحاب؛ لعدم اليقين السابق كما لا يخفى على المتأمّل، اللّهمّ إلّا أن يتمسّك بالاستصحاب العدمي بالنسبة إلى وجود القاطع أو قاطعية الموجود، فتأمّل فإنّه خارج عن المفروض على تقدير حدوره «منه».

299

هداية [في استصحاب الاشتغال‏]

قد اشتهر بينهم التمسّك باستصحاب الاشتغال في موارد كثيرة، و تحقيق القول في ذلك أن يقال: إنّ الشكّ في البراءة و الاشتغال تارة بواسطة الشكّ في حصول المبرئ المعلوم المبرئية، كما إذا علمنا بالتكليف المعلوم المبيّن كوجوب صلاة الظهر و شككنا في الإتيان بها، و تارة بواسطة الشكّ في مبرئية الفعل الموجود، كما إذا سلّم على جماعة شخص فتبرّع في الجواب عنه ثالث خارج منهم أو واحد من الجماعة فشككنا في براءة الباقي و إسقاط تكليفهم بحصول هذا الفعل من الشريك أو المتبرّع، و كما إذا صلّى على الميّت صبيّ مراهق على القول بشرعية عباداته فشككنا في سقوط الوجوب بفعله عن غيرهم، و كما إذا تبرّع في زكاة فطر الضيف أجنبي أو الضيف بنفسه زكّى فشككنا في سقوط وجوب الزكاة عن صاحب الضيف، و كما إذا التقطنا شيئا فشككنا في سقوط وجوب التعريف بفعل الوكيل، و نحوها ممّا لا يعدّ و لا يحصى، و تارة بواسطة الشكّ في أصل التكليف و كيفياته بعد العلم به إجمالا، كما إذا علمنا بوجوب الصلاة في الجمعة و لم نعلم المكلّف به تفصيلا هل هو الظهر أو الجمعة؟ في الشبهات الحكمية بأقسامها، و كما إذا اشتبهت القبلة بين الجهات أو الجهتين في الشبهات الموضوعية على ما مرّ تفاصيلها، و لنورد الكلام في هذه الأقسام في مقامين:

300

المقام الأوّل [فيما اذا كان الشك فى البراءة و الاشتغال بواسطة الشك فى حصول المبرئ المعلوم المبرئية او بواسطة الشك فى مبرئية الفعل الموجود]

في القسمين الأوّلين، فنقول: التحقيق‏ (1) عدم الاحتياج إلى الاستصحاب فيهما، و على تقديره فلا يجدي فيما هو المطلوب عند الشكّ في البراءة و الاشتغال.

أمّا الأوّل: فلأنّ الحاجة إلى الاستصحاب إنّما هو فيما إذا كان المستصحب مشكوك البقاء أو الحكم المترتّب عليه، وجودا كان المستصحب أو عدما، فعند ذلك يحكم ببقاء ذلك المستصحب إمّا بواسطة إثبات نفسه، و إمّا بواسطة إثبات الحكم المتفرّع عليه، و المقام ليس منه، إذ ليس المقصود إثبات نفس المستصحب بدون أن يترتّب عليه شي‏ء، و أمّا الأحكام المترتّبة على المستصحب فهي مترتّبة على ما هو مقدّم طبعا على الاستصحاب و هو مجرّد الشكّ المعتبر في محلّ الاستصحاب و مجراه. و توضيحه:

أنّ أحكام المستصحب- وجودا كان أو عدما- قد يختلف مع الأحكام المترتّبة على عدم العلم به و الشكّ فيه كما (2) في استصحاب وجود زيد و عدمه، فإنّ ما يترتّب على الوجود المحكوم بالبقاء- كالحكم بعدم جواز نكاح حليلته، و وجوب النفقة عليه، و وجوب انعزال نصيبه من مال مورّثه، و نحوها- ممّا لا يترتّب على عدم العلم بوجوده، فمجرّد عدم العلم مع عدم العلم بالحالة السابقة الوجودية لا يجدي في ترتيب هذه الأحكام، و قد يتّحد مع الأحكام المترتّبة على عدم العلم بذلك‏ (3) المستصحب، فإذا لا حاجة في الحكم بترتيب هذه الآثار على إحراز وجود المستصحب أو عدمه، بل يكفي في ذلك مجرّد عدم العلم، كما فيما إذا شككنا في حجّية شي‏ء كالظنّ- مثلا- فإنّ ما يترتّب على عدمها إنّما يترتّب على نفس الشكّ فيها، كما نبّهنا على ذلك فيما تقدّم في مباحث الظنّ‏ (4) حيث تمسّك بعضهم في مقام تأصيل الأصل بأصالة عدم الحجّية، و ما

____________

(1). «ز، ك»: إنّ التحقيق هو.

(2). «م»: كما هو.

(3). «ز، ك»: «عدم ذلك»، بدل: «عدم العلم بذلك».

(4). نبّه في ج 3، ص 76.

301

نحن فيه من قبيل الثاني فإنّ وجوب الإتيان بالمأمور به عند الشكّ في الامتثال مترتّب على مجرّد الشكّ في الامتثال و لا بدّ من البراءة اليقينية، فقولهم: «الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية» ناظر إلى إحراز القيد و هو تحصيل اليقين، و لا يجوز الاقتناع بالشكّ، فإنّ المناط في ذلك هو لزوم دفع الضرر على ما هو صريح العقل القاطع كما في نظائره من وجوب شكر المنعم و نحوه، و مجرّد حصول المناط كاف في الحكم بآثاره المترتّبة عليه و لا حاجة في ذلك إلى إحراز المستصحب بالاستصحاب لترتيب هذه الآثار.

و أمّا الثاني: فلأنّا لو سلّمنا الاحتياج إلى إحراز المستصحب وجودا أو عدما في المقام حتّى يترتّب عليه الآثار المطلوبة فتلك الآثار ممّا لا يترتّب‏ (1) على المستصحب.

بيان ذلك أنّ الاشتغال عبارة عن صفة منتزعة من الإنشاء و الطلب بالنسبة إلى المكلّف بمعنى أنّ الطالب بعد ما أنشأ الطلب التكليفي بالقول أو كشف عنه بعد إيجاده في نفسه بواسطة القول على اختلاف القولين، يمكن أن ينتزع‏ (2) من المكلّف صفة يعبّر عنها بالاشتغال كما ينتزع من الفعل كونه مطلوبا، و بذلك يصحّ إطلاق الطالب على الآمر أيضا، و هاهنا (3) معنى آخر يعبّر عنه بالوجوب تارة و بالإيجاب أخرى على اختلاف الاعتبارات، و هو المراد بالحكم الشرعي و مرجعه إلى أحد الأخيرين، و ليس هذا الإنشاء عندنا- كما عليه المحقّقون- إلّا الإرادة الجازمة و الكراهة الثابتة بناء على أنّ الطلب هو عين الإرادة لا ما يستتبعه و إن كان مغايرا له، و لا أمر آخر مفارق له كما زعمه الأشاعرة.

و بالجملة: فالوجوب الذي هو حكم شرعي يكون في عرض الاشتغال إن فرضنا الوجوب بالنسبة إلى الفعل، و هما معلولان حينئذ لعلّة ثالثة و هو الإيجاب و الطلب و الإرادة، و إن لاحظناه‏ (4) بالنسبة إلى الطالب فالاشتغال مترتّب عليه عقلا، و على‏

____________

(1). «ز، ك»: ممّا يترتّب.

(2). «ج، ز»: ينزع.

(3). «ز، ك»: هنا.

(4). «ز، ك»: لاحظنا.

302

التقديرين لزوم الامتثال من الأحكام العقلية المترتّبة على الاشتغال فعند وجوده الحقيقي يترتّب عليه لزوم الامتثال المطلوب من استصحابه في أمثال المقام، و أمّا عند إحراز الاشتغال بالاستصحاب لا يترتّب عليه إلّا أحكامه الشرعية.

نعم، يصحّ في المقام استصحاب الوجوب الذي هو حكم شرعي؛ إذ معنى الاستصحاب هو جعله في مقام الظاهر و إنشاؤه، و بعد الجعل و الإنشاء (1) يترتّب عليه‏ (2) جميع لوازمه العقلية و الشرعية من وجوب الامتثال و حدوث الاشتغال، فإنّه على تقدير القول بالجعل ظاهرا حقيقي واقعي لا استصحابي ظاهري كما لا يخفى.

نعم، يترتّب على استصحاب الاشتغال آثاره الشرعية المترتّبة عليه، مثلا لو قيل بأنّ من اشتغل ذمّته بالفرائض لا يجوز له ارتكاب السنن و النوافل، صحّ الاستناد إلى الاستصحاب في الحكم بعدم جواز ارتكاب النوافل له، و من اشتغل ذمّته بالظهر لا يجوز له الدخول في العصر.

اللهمّ إلّا أن يقال في المقام بأنّ الاستصحاب مجد من وجهين:

أحدهما: أنّ المستفاد من الأمر بإبقاء الاشتغال حال الشكّ عرفا هو جعل الحكم الشرعي و إنشاء طلب ظاهري؛ إذ كما عرفت أنّ الاشتغال و الوجوب من أطراف إضافة واحدة كالصفة المنتزعة من المأمور به و هي المطلوبية، فإنّ بعد كشف الشارع و الطالب عن إرادته الجازمة يمكن لنا انتزاع تلك الأوصاف من محالّها، فالمراد بالحكم الشرعي هو الأثر الباقي بعد الإنشاء؛ ضرورة انعدامه بعد وجوده على ما صرّح بذلك أستاد (3) الكلّ في رسالته المعمولة في مقدّمة الواجب، فكما أنّ الحكم بالبقاء المستفاد من دليل الاستصحاب يعدّ عرفا جعل حكم مثله في الظاهر، فكذلك بالنسبة إلى الصفة المنتزعة من المكلّف، فإنّ التفرقة بينهما مكابرة.

____________

(1). «ج، م»:- و الإنشاء.

(2). «ز، ك»:- عليه.

(3). «م»: الأستاد.

303

و ثانيهما: أنّه لا ريب في ترتّب الأحكام الشرعية المترتّبة على الاشتغال عليه بعد الاستصحاب، كعدم جواز الدخول في العصر بعد الشكّ في الإتيان بالظهر و استصحاب بقاء الاشتغال بالظهر، و قد يكون ذلك الحكم الشرعي المجعول في مرحلة الظاهر كما هو المستفاد (1) من استصحاب موضوعه، لازما لحكم شرعي آخر، و حينئذ فلا ريب في لزوم الأخذ بهذا الحكم الشرعي أيضا؛ إذ بعد القول بمجعولية هذا الحكم الشرعي فيترتّب عليه جميع ما يترتّب عليه و يجب الأخذ بكلّ ما هو مستند إليه كوجوب مقدّماته و نحو ذلك، و من جملة مقدّمات الإتيان بالعصر إنّما هو الإتيان بالظهر قبل الإتيان به، فالقطع ببراءة الذمّة عن صلاة العصر يتوقّف على الإتيان بالظهر حال الشكّ، و هو من نتائج بركات بقاء الاشتغال استصحابا و ذلك ظاهر.

ثمّ أنّه قد يتوهّم: عدم الفرق بين استصحاب الاشتغال و قاعدته؛ حيث إنّ كلّا منهما موقوف على العلم السابق و الشكّ اللاحق، و قد مرّ (2) منّا ما يوضح به فساد ذلك، فإنّ الحكم المترتّب على المستصحب إنّما هو مترتّب عليه، فبانسحابه في الزمن الثاني يترتّب عليه بخلافه في قاعدة الاشتغال؛ إذ لا حاجة فيها إلى انسحاب المعلوم كما في قاعدة البراءة و استصحابها.

المقام الثاني [فيما اذا كان الشك فى البراءة و الاشتغال بواسطة الشك فى اصل التكليف (الشبهات الحكمية) و فى الشبهات الموضوعية]

في القسم الأخير من الأقسام المذكورة، و نقول فيه أيضا: إنّ بعد الإجمال في المكلّف به تارة: يكون الشكّ في أنّ ما يمكن الامتثال به مبرئ عن الاشتغال اليقيني أو لا، كما إذا تردّد المكلّف به بين المطلق و المقيّد بعد تعذّر المقيّد، و أخرى: في أنّ أحد الفعلين مبرئ مع التمكّن منهما معا أو لا (3).

____________

(1). «ز، ك»: الظاهر المستفاد.

(2). مرّ في ج 3، ص 332 و ما بعدها.

(3). «ج، م»:- أو لا.

304

و التحقيق: عدم الاعتداد بالقاعدة المزبورة فيهما أيضا، أمّا الأوّل فلعين ما ذكر في المقام الأوّل من عدم الحاجة؛ لكفاية الشكّ عن الاستصحاب بانسحاب المستصحب، فلا بدّ من الإتيان بالمطلق كعتق الكافرة عند تعذّر المقيّد؛ لبقاء العلّة التامّة للامتثال و هو دفع احتمال الضرر الموجود عند الشكّ في الفراغ.

فإن قلت: إنّ مقتضى الاشتغال هو كون المقيّد مأمورا به، و بعد تعذّره فلا أمر به؛ لسقوطه بسقوط المأمور به.

قلنا: لا إشكال في وجوب الامتثال بالمطلق على تقدير القول بالبراءة عند دوران الأمر بين المطلق و المقيّد كما هو التحقيق؛ لوجود الأمر و التمكّن من المأمور به، و أمّا على القول بالاشتغال فلا شكّ في‏ (1) أنّ الالتزام بالمقيّد إنّما هو بواسطة دفع الضرر المحتمل في جانب المقيّد، و ذلك لا يقضي‏ (2) بأنّ المأمور به هو خصوص المقيّد واقعا على وجه لو تعذّر كان الأمر ساقطا بواسطة سقوطه، بل هو أخذ بالاحتياط؛ لكونه جمعا بين الحقّين، و بعد التعذّر لا بدّ من الإتيان بالمطلق دفعا للخوف، و لا ينافي ذلك تعذّر أحد أطراف العلم الإجمالي؛ إذ لو كان العلم حاصلا قبل التعذّر لا يتفاوت الحال بين التعذّر و عدمه، فإنّه بمنزلة الامتثال به.

نعم، لو كان العلم الإجمالي حاصلا بعد التعذّر لم يتّجه القول بالإتيان؛ لأوله‏ (3) على الشكوك البدوية كما نبّهنا عليه في الشبهة المحصورة (4)، و بعد التسليم نقول: لا جدوى في الاستصحاب؛ لكونه من الأصول المثبتة، اللّهمّ إلّا أن يدفع بأحد الوجهين على ما سبق ذكرهما (5)، و منه‏ (6) يظهر الكلام في الثاني أيضا؛ لكون الأصل على تقدير الأخذ (7) مثبتا كما في استصحاب البراءة و لقد نبّهنا على ذلك في أصالة البراءة أيضا، فتدبّر (8).

____________

(1). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: إلى.

(2). «ج»: لا يقتضي.

(3). «ك»: لا دلالة، و في «ز»: لإدلاله (ظ).

(4). نبّه عليه في ج 3، ص 474.

(5). سبق في ص 302.

(6). «ز، ك»: من هنا.

(7). «ز، ك»: الحاجة.

(8). «ز، ك»:- فتدبّر.