مطارح الأنظار - ج4

- الشيخ أبي القاسم الكلانتري المزيد...
781 /
305

هداية [في استصحاب الفرد المردّد]

إذا علمنا بحدوث حادث مردّد بين أمرين وجوديين أو عدميين أو مختلفين كما إذا علمنا بدخول شخص في الدار مردّد بين كون الداخل زيدا أو عمرا فهل في المقام أصل يرجع إليه فيهما أو في أحدهما، أو لا؟

و التحقيق في المقام أن يقال: إنّ في المثال المذكور تارة: يراد من إعمال الأصل فيه إثبات عدم كون الداخل زيدا أو عمرا ليترتّب عليه أحكامه، و أخرى: يراد فيه‏ (1) استصحاب عدم دخول زيد أو عمرو.

لا مجال للاستصحاب على الأوّل؛ لأنّه بمنزلة إثبات الفصول المعتبرة في ماهيّات الأنواع بالأصول، كما إذا قطعنا بحدوث حيوان مردّد بين كونه ناطقا أو ناهقا، فإنّه لا مجال لاستصحاب عدم الناطقية أو الناهقية فيه؛ إذ لا يكون عدم الناطقية أو عدم الناهقية معلوما بالنسبة إلى هذا الموجود المردّد، فعدم كون الداخل زيدا (2) لم يكن معلوما قبل فلا علم في السابق، فينتفي الاستصحاب بانتفاء أحد أركانه. و ما قد يرى في بعض كلمات العلماء من إثبات عدم السيادة بالأصل‏ (3)، فمبنيّ على المسامحة؛ إذ

____________

(1). «ز، ك»: فيه هو.

(2). «ج»: «زيد» و في «م»: «غير زيد» ثمّ شطب على «غير».

(3). انظر مصباح الفقيه 1: 270 ط الحجري؛ كتاب الطهارة من (التنقيح) للسيّد الخوئي 6: 94؛ جامع المدارك 1: 81؛ كتاب الخمس للحائري: 483.

306

المقصود استصحاب عدم تولّده من هاشم، و على تقدير جريان الاستصحاب لا ينبغي الشكّ في أنّ استصحاب عدم كون الداخل زيدا لا يجدي في كون الداخل عمرا؛ لأنّه من المقارنات الاتّفاقية و قد عرفت في الهدايات السابقة عدم إحراز المقارن باستصحاب المقارن كما مرّ (1).

و أمّا على الثاني فلا ريب في جريان استصحاب عدم دخول زيد كجريانه بالنسبة إلى عمرو أيضا، إلّا أنّه لا يفيد أحد الاستصحابين في إثبات كون الآخر داخلا؛ لأنّه مثبت فلا تعويل عليه، و هل يترتّب على الاستصحابين أحكام عدم الحادثين معا أو لا؟ التحقيق التفصيل بين الموارد، فإنّه ربّما يترتّب على الاستصحابين أحكامهما معا، و ربّما لا يترتّب شي‏ء منهما، و ربّما يقال بترتّب حكم واحد منهما لا على سبيل التعيين، و ربّما يترتّب حكم واحد منهما على سبيل التعيين.

أمّا الأوّل: ففيما لم يكن للعلم الإجمالي حكم لعدم لزوم المخالفة العملية (2) كما إذا تطهّرنا بما يحتمل كونه ماء أو بولا، فإنّه يعلم إجمالا إمّا بزوال الحدث بواسطة الوضوء، أو بحدوث النجاسة في محالّ الوضوء، فإنّه يترتّب على استصحاب عدم كونه بولا عدم نجاسة المحالّ، و على استصحاب عدم كونه ماء عدم حصول الطهارة، فتأمّل.

و كما إذا كان هناك ماء غير معلوم الكرّية فلاقاه جسم نجس فإنّه يؤخذ بعدم نجاسة الماء و عدم طهارة الملاقي.

ثمّ إنّه لا يخفى أنّ ذلك فيما إذا لم يكن في المقام أصل موضوعي مثل طهارة المائع في الأوّل نظرا إلى قاعدة الطهارة، فإنّه مزيل لاستصحاب بقاء الحدث، و كاستصحاب عدم الكرّية فيثبت بذلك النجاسة كما لا يخفى.

و أمّا الثاني: ففي الشبهة المحصورة، إلّا أنّ الكلام في المقام مع قطع النظر عن جريان الأصل الموضوعي.

____________

(1). مرّ في ص 254.

(2). «ك»: العلمية؟

307

فإن قلت: لا دليل على اعتبار الاستصحاب فيما خالفه العلم الإجمالي؛ إذ مع ذلك يمتنع حصول الظنّ من الطرفين، و أمّا الأخبار فالظاهر منها ما إذا لم يكن في البين علم إجمالي، فلا وجه للعمل بالاستصحاب لا عقلا و لا نقلا.

قلت: قد عرفت‏ (1) أنّ بناء القوم فيه على ما استفدنا من كلماتهم فيما سبق على العمل به من باب الظنّ النوعي و هو موجود، و أمّا الأخبار فلا نسلّم عدم شمولها للمقام‏ (2) كما عرفت تفصيل الكلام فيها في محلّها (3) من لزوم الاجتناب و عدم التعويل على استصحاب الطهارة فيهما أو في أحدهما؛ لانقطاع الحالة السابقة بالعلم الإجمالي. و هل الأصلان في موارد الشبهة المحصورة يمنع عن التعويل عليهما عدم جريانهما أو تعارضهما؟ التحقيق التفصيل‏ (4) بين الموارد.

و توضيحه أن يقال: إنّ محلّ جريان الاستصحاب إن كان مجرى للدليل الدالّ على لزوم الاجتناب فعدم التعويل بواسطة عدم الجريان؛ إذ الدليل على الاجتناب- و هو حكم العقل بعد خطاب الشرع بلزوم الاجتناب عن الحرام الواقعي و عدم التصرّف في الدليل الدالّ على الواقع‏ (5) كما هو مفروض الكلام من لزوم الاجتناب في الشبهة المحصورة- دليل اجتهادي حاكم على الاستصحاب- فلا يجري الاستصحاب بعد حكم العقل بخلافه و ذلك فيما إذا كان الاستصحاب جاريا في حكم يخالف مقتضى حكم العقل بلزوم الاجتناب‏ (6)، كما فيما إذا علمنا بحرمة أحد المالين المباحين إجمالا، فإنّ خطاب الشارع‏ (7) بحرمة التصرّف في مال الغير و الغصب يقضي‏ (8) بلزوم الاجتناب عنهما، و استصحاب الحلّية و الإباحة لا يجدي في قبال ذلك، فلا مجرى للاستصحاب؛

____________

(1). انظر ص 55.

(2). «م»: المقام.

(3). «ز، ك»: محالّها.

(4). «ز، ك»: هو التفصيل.

(5). «ز، ك»: الرافع.

(6). من هنا إلى قوله: عنهما، سقط من نسخة «ك».

(7). «ز»: الشرع.

(8). «ج»: يقتضي.

308

لارتفاع الشكّ المأخوذ في مجراه بالدليل الاجتهادي، و إن كان مجرى الاستصحاب أمرا آخر غير ما يجري فيه ذلك الدليل الدالّ على لزوم الاجتناب على وجه يكون الاستصحاب محقّقا لموضوع لا يجري فيه ذلك الدليل الحاكم بلزوم الاجتناب، فعدم التعويل من باب التعارض بعد الجريان، كما إذا علمنا بنجاسة أحد الإناءين إجمالا، فإنّ استصحاب الطهارة وارد على ذلك الدليل بمعنى أنّه محقّق لموضوع لا يجري فيه ذلك الدليل، فإنّ العقل يحكم باحتمال النجاسة مقدّمة بلزوم الاجتناب، و الاستصحاب يحكم بعدم الاحتمال شرعا، فالأصلان جاريان إلّا أنّهما متعارضان كما سبق بيانه تفصيلا في الشبهة المحصورة، هذا ما يقتضيه جليّ النظر.

و أمّا دقيق الفكر فيقضي‏ (1) بعدم الفرق بين المقامين؛ إذ الدليل الدالّ على لزوم الاجتناب ليس دليلا اجتهاديا حقيقة، بل هو عبارة عن وجوب تحصيل الامتثال بعد العلم بالاشتغال، و الاجتناب من المالين المشتبهين من جهة المقدّمة العلمية، و الاستصحاب على أيّ تقدير حاكم على قاعدة الاشتغال، فاستصحاب الحلّية و الإباحة رافع لاحتمال أن يكون هذا الفرد هو المحرّم، فلا يجري فيه المقدّمة العلمية.

نعم، لو كان الأصلان في المشتبهين غير الاستصحاب كأن كانا براءتين، فلا مجال لجريانهما في قبال قاعدة الاشتغال؛ لورودها عليها و حكومتها بالنسبة إليها كما لا يخفى، فتدبّر.

و أمّا الثالث: ففيما إذا لم يكن الموافقة القطعية بعد اعتبار العلم الإجمالي في الجملة واجبا، كما فيمن يرى عدم وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة بالنسبة إلى الكلّ، و كما إذا فرضنا حصول العلم الإجمالي بين شيئين غير مرتبطين على ما مرّ تفصيل الكلام فيهما.

____________

(1). «ج، م»: يقضي.

309

و أمّا الرابع: ففيما إذا لم يكن للآخر حكم أو لم يكن في محلّ الابتلاء، كما إذا علمنا بوقوع عقد مردّد بين أن يكون دائما أو منقطعا، فإنّ أصالة عدم الدوام يحتمل بالنسبة إلى نفي توارث الزوجة من الزوج فيما لو ادّعته، و أصالة عدم الانقطاع لا تجدي‏ (1) في هذا الحكم شيئا، و كما إذا قال الموكّل: وكّلتك في بيع العبد، و ادّعى الوكيل وكالته في بيع الجارية، فإنّ القول قول الموكّل؛ لأصالة عدم توكيله لبيع العبد، فيجدي في أخذ الثمن من الوكيل، و أصالة عدم الوكالة في بيع الجارية فيه لا يجدي‏ (2) شيئا، كما إذا ادّعى أحد المتعاقدين وقوع العقد على عشرة و الآخر وقوعه‏ (3) على ثمانية، فأصالة عدم وقوعه على العشرة يجدي‏ (4) في أخذ الزائد، و لا يجدي في هذا الحكم نفيا و لا إثباتا أصالة عدم وقوعه على الثمانية، و كما إذا شكّ في ولادة شخص من هاشم، فأصالة عدم تولّده من هاشم يثمر في عدم استحقاقه الخمس، و لا يثمر أصالة عدم تولّده من غيره في نفي هذا الحكم، و كما إذا شكّ في كون مكان مسجدا أو دارا، فأصالة عدم كونه مسجدا يجدي في اللبث فيه جنبا، و لا يضرّ في ذلك أصالة عدم كونه دارا، و كما إذا شكّ في كون القرينة صارفة أو مؤكّدة، فأصالة عدم الصرف يجدي في حمل اللفظ على المعنى الحقيقي، و لا يضرّ في ذلك عدم كونها مؤكّدة إلّا على تقدير أن يكون أصالة عدم التأكيد مثبتا (5)؛ لكونها صارفة، و ذلك جار في الكلّ، و قد عرفت عدم الاعتداد بهذه الأصول، و من هنا يظهر أنّ ما أفاده بعضهم من أنّه لو شكّ في القرينة الحالية لا يجوز التمسّك بالأصل في نفيها لوجود الحال قطعا بين المتكلّم و المخاطب، ممّا لا وجه له؛ إذ أصالة عدم كون الحال قرينة تجدي في حمل اللفظ على المعنى الحقيقي، و أصالة عدم كونها غير قرينة، لا يضرّ في ذلك.

____________

(1). «ج، م»: لا يجدي.

(2). «ز، ك»: لا يحتمل.

(3). «ز»: على وقوعه.

(4). «ك»: تجدي و كذا في المورد الآتي.

(5). «ز، ك»: مثبتة.

310

ثمّ إن شئت قلت في تلك الأمثلة و ما يضاهيها: إنّ الأصل إنّما يجري في اللوازم و الآثار إلّا أنّه لا يجدي في اللوازم المتجدّدة، فكن على بصيرة من الأمر كي لا تشتبه‏ (1) عليك حقيقة الحال في الموارد.

____________

(1). «ز، ك»: لا يشتبه.

311

هداية [في الاستصحاب في الأجزاء بعد تعذّر الكلّ‏]

إذا تعذّر الإتيان بالكلّ بعد التمكّن منه‏

فلإجراء حكم الكلّ في الأجزاء الباقية طرق:

أحدها: الأخذ بالعمومات‏

الدالّة على عدم سقوط الميسور بالمعسور و وجوب الإتيان بما هو المقدور، كقوله: «الميسور لا يسقط بالمعسور» (1) و «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه» (2) و قوله: «إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم» (3) على ما سبق منّا تحقيق القول فيها في بعض المباحث الماضية (4).

و ثانيها: الاستقراء

فإنّه قد يوجد في كلمات البعض دعوى مطلوبية الأجزاء الباقية بعد تعذّر المركّب في أمثال المركّبات الشرعية، و ليس بتلك المكانة من البعد إلّا أنّه لا يثمر (5).

____________

(1). عوالى اللآلى 4: 58، ح 205 و فيه: «لا يترك الميسور ...».

(2). عوالى اللآلى 4: 58، ح 207.

(3). رسائل السيّد المرتضى 2: 244؛ تفسير مجمع البيان 3: 329؛ تفسير جوامع الجامع 1: 536؛ عوالى اللآلى 4: 58، ح 206؛ بحار الأنوار 22: 31، باب 37؛ و ورد في كتب العامّة مسندا كصحيح البخاري و مسلم و سنن ابن ماجة و النسائي و البيهقي و مصنّف عبد الرزاق و مسند ابن راهويه و أحمد و أبي يعلى و صحيح ابن خزيمة و ابن حبّان و معجم الأوسط للطبراني.

(4). في بحث البراءة في ج 3، ص 561. و قد بسطنا الكلام هناك فلاحظ.

(5). «ج، م»: لا يسمن.

312

و

ثالثها: الاستصحاب‏

كما أنّه أحد وجهي كلامي المحقّق و العلّامة في مسألة وضوء الأقطع في المعتبر و المنتهى‏ (1)، و الوجه الآخر في كلامهما احتمال الاستناد إلى الأدلّة الاجتهادية.

و كيف‏ (2) كان،

فللمستصحب أن يقرّره بوجهين:

الأوّل: أنّه لا ريب في تعلّق التكليف بالكلّ‏

عند التمكّن منه على ما هو المفروض في عنوان الهداية فهو بحيث لو كان المكلّف آتيا به كان التكليف ساقطا قطعا، و بعد التعذّر شكّ في سقوط التكليف و الأصل بقاؤه و عدم سقوطه، فيجب‏ (3) الإتيان بالأجزاء الباقية.

فإن قلت: إن أراد المستصحب استصحاب وجوب‏ (4) الكلّ فقد ارتفع قطعا، و إن أراد استصحاب الأجزاء الباقية فلم يعلم وجوبها قبل، فلا يجري الاستصحاب.

قلت: أمّا أوّلا: فليس من دأب المناظر في ميدان المناظرة صرف عنان الكلام إلى تعيين ما هو المستصحب في المقام، بل عليه أن يلاحظ فيما هو المرام من الاستصحاب كما لا يخفى على من تأمّل‏ (5).

و أمّا ثانيا: فهنا (6) شقّ ثالث و هو اختيار بقاء التكليف المردّد بين كونه على وجه يرتفع بعد التعذّر قطعا و بين كونه على وجه لا يرتفع كأن يكون المكلّف به هو القدر المشترك بين الكلّ و غيره، و استصحاب أمثال الأمور المردّدة ممّا لا ضير فيه؛ لصدق الحدّ عليه و شمول الدليل له.

____________

(1). المعتبر 1: 144؛ المنتهى 2: 37 و في ط الحجري 1: 59.

(2). «ز، ك»: فكيف.

(3). «ز، ك»: سقوط التكليف و عدمه فيجب.

(4). «م»: وجود.

(5). في هامش «م»: فيه أنّ الترديد في المستصحب و إبطال كلّ شقّ من طرفي الترديد ليس كلاما خارجا عن طور المناظرة و قانون التوجيه (ظ). «منه».

(6). «ج، م»: فهاهنا.

313

نعم، لا بدّ من ملاحظة أن لا يكون المقصود من إثبات المردّد بالاستصحاب إجراء أحكام أحد الأطراف عليه.

فإن قلت: إنّ المقام ليس من موارد الاشتغال؛ إذ ما هو معلوم الوجوب غير ممكن الامتثال، و ما هو ممكن الامتثال غير معلوم الوجوب، فالأصل البراءة. لا يقال: إنّ عدم إمكان الكلّ لا يضرّ في استصحاب وجوب الباقي كما في المطلق و المقيّد، فإنّ قضيّة مطلق الاشتغال وجوب الامتثال بالمطلق أيضا. لأنّا نقول: إنّ الأخذ بالمقيّد لم يكن أخذا بما هو المكلّف به في الواقع و إنّما كان من وجوه الاحتياط، بخلاف الإتيان بالكلّ في المقام فإنّ الأخذ به بعد (1) التمكّن منه و الإتيان به إنّما هو الأخذ بما هو المكلّف به واقعا و ليس من موارد الاحتياط، فإنّه هو المتعيّن في حقّ المتمكّن، و بعد تعذّر الكلّ لا مجال للاستصحاب.

قلت: لا فرق بين استصحاب المطلق بعد تعذّر المقيّد و بين استصحاب الباقي بعد تعذّر الكلّ.

و توضيح ذلك و تحقيقه: أنّ من الواجبات الموسّعة ما لا يختلف أفراده إلّا باعتبار اختلاف الأزمنة التي يقع الفعل فيها مع مماثلتها و اتّحادها نوعا، و منها ما يختلف أفراده باعتبارات أخر أيضا، كما في الصلاة بالنسبة إلى أحوال المكلّفين من الأمور التي تختلف عناوين الأحكام باختلافها كالسفر و الحضر أو وجدان الماء و تعذّره و الصحّة و المرض و العجز و القدرة و نحوها، فإنّ الصلاة بالنسبة إلى كلّ من المسافر و الحاضر شي‏ء، و بالنسبة إلى الواجد و الفاقد شي‏ء، و بالنسبة إلى المريض و الصحيح شي‏ء، و كذا العاجز و القادر (2)، فالمتّصف بالوجوب الموسّع هو القدر المشترك بين تلك الأفراد المختلفة شخصا و نوعا المتّحدة في كونها صلاة، و ليس خصوص صلاة الحاضر واجبا موسّعا؛ ضرورة عدم وجوبها على المسافر، و لا واجبا مضيّقا؛ ضرورة حصول‏

____________

(1). «ز، ك»: لعدم.

(2). «ج، م»: و الصحيح و العاجز و القادر شي‏ء.

314

الامتثال بغيرها عند لحوق ما يقضي بذلك الغير و هذا ظاهر لا سترة عليه، فالأمر بوجوب الإتيان بالكلّ كأقيموا الصلاة إنّما قيّد إطلاقه حال الإمكان بأن يأتي المكلّف بالسورة مثلا أو على وجه خاصّ و كيفية مخصوصة، و الإتيان بالمأمور به على هذا الوجه ليس أمرا متيقّنا حتّى يؤخذ به و يدفع الباقي بالأصل، بل هو مردّد بين أن يكون المطلوب هو خصوص المقيّد على وجه لو انتفى القيد انتفى التكليف رأسا، و بين أن يكون المطلوب هو المطلق و لكن قيّد إطلاقه بكذا في حال كذا على وجه لو انتفى القيد لم ينتف التكليف بالمطلق؛ لاحتمال أن يكون المطلوب هو القدر المشترك بين الكلّ و الأجزاء الباقية، فعلى التقديرين المطلوب عند التمكّن هو المقيّد و إنّما المجمل هو وجه التكليف به، و منه جاء الاشتغال كدوران الأمر بين المتباينين كما في الظهر و الجمعة.

و بالجملة: فمعلومية المكلّف به عند التمكّن ليس باعتبار أنّه المكلّف به حقيقة على وجه لو انتفى القيد ينتفي التكليف، بل يحتمل أن يكون بواسطة أنّه كلّ فهو مطلوب بنفسه، و أن يكون بواسطة (1) أنّه‏ (2) أحد (3) أفراد الواجب الموسّع فلا يرتفع التكليف بعد ارتفاعه كما لا يخفى.

هذا غاية ما يمكن أن ينتصر للمستدلّ في المقام، إلّا أنّه بعد ذلك أيضا ممّا لا يستقيم‏ (4) بعد الغضّ عن جريان قاعدة الاشتغال، فإنّها هي مبنى‏ (5) الاستصحاب كما لا يخفى؛ لأنّ استصحاب‏ (6) الوجوب المردّد كما هو المفروض لا يجدي في الحكم بوجوب الأجزاء الباقية التي هي إحدى‏ (7) طرفي الترديد.

____________

(1). «ز، ك»:- بواسطة.

(2). المثبت من «م» و في سائر النسخ:- أنّه.

(3). «ج، م»: أخذ أحد.

(4). «ز، ك»: ممّا يستقيم.

(5). «ج»: منشأ، و في «ز»: «على» بدل: «مبنى» و في «ك»: فإنّها مبنيّ على. و ما أثبتناه من «م» و كانت فيها أوّلا «على» ثمّ شطب عليها و كتب بما في المتن مع علامة الظاهر.

(6). «ز، ك»:- استصحاب.

(7). «م»: أحد.

315

و بعبارة واضحة: إنّ المقصود بالاستصحاب‏ (1) هو الحكم بوجوب الأجزاء الباقية التي هي إحدى‏ (2) طرفي الترديد و هذا ممّا لا يترتّب على استصحاب الأمر المجمل إلّا أن يكون الأصل مثبتا، أو قلنا باستثناء هذه الموارد- باعتبار خفاء الواسطة أو اتّحادها وجودا مع المستصحب- من الأصول المثبتة، فإنّ بقاء الوجوب و إن كان يغاير وجوب الباقي مفهوما إلّا أنّه‏ (3) لا مصداق للمستصحب إلّا أن يكون الباقي واجبا كما في مثال بقاء الكرّ.

الثاني: أنّ تلك الأجزاء التي شكّ في وجوبها كانت واجبة في السابق عند التمكّن،

فيستصحب وجوبها إلى أن يحصل القطع بالارتفاع.

و فيه: أنّ من الواجب في جريان الاستصحاب كما مرّ غير مرّة اتّحاد القضيّة المشكوكة و القضيّة المتيقّنة موضوعا و محمولا، فلو اختلف عنوان الموضوع أو المحمول فلا يجري فيه الاستصحاب، و المقام ممّا يغيّر فيه الموضوع و المحمول كلاهما:

أمّا الأوّل: فلأنّ المتّصف بالوجوب من هذه الأجزاء لم يكن ذواتها، بل هي بعنوان أنّها أجزاء كانت متّصفة بالوجوب، و قد تبدّل ذلك العنوان فإنّها قد صارت معنونة بعنوان الكلّية؛ إذ ليس‏ (4) الكلّ حينئذ إلّا تلك الأجزاء.

و أمّا الثاني: فلأنّ الوجوب المحمول على تلك الأجزاء، عند التمكّن من الكلّ [ليس إلا] وجوبا مقدّميا تبعيا و قد تبدّل بالوجوب النفسي، و لا فرق في ذلك بين أن يكون الأجزاء مطلوبة بأوامر متعدّدة مستقلّة، و بين أن يكون الأمر بها مستفادا من الأمر بالكلّ؛ إذ على تقديره لا يزيد على إفادة كونها مطلوبة للغير، إذ احتمال المطلوبية النفسية عند الشكّ مدفوع بأصالة البراءة كما هو ظاهر، فإثبات وجوب تلك الأجزاء وجوبا نفسيا باستصحاب وجوبها عند التمكّن ليس إلّا كإثبات قعود عمرو

____________

(1). «ز، ك»: أنّ الاستصحاب.

(2). «ج، م»: أحد.

(3). «ج، م»: أن.

(4). «ج»: ليست.

316

باستصحاب قيام زيد.

هذا على ما يقتضيه مذاق التحقيق، و أمّا على مشرب القوم فلا ينهض هذا الجواب بدفع الاستصحاب و إن أفاده‏ (1) غير واحد منهم كالمحقّق الخوانساري‏ (2) و المحقّق القمي‏ (3) و نقله الأستاد دام شرفه‏ (4) عن شيخه الشريف‏ (5)، و هو بمكان من البعد منهم؛ إذ بعد ما يظهر منهم من المسامحة في أمر الاستصحاب موضوعا و محمولا حتّى أنّهم قد استصحبوا الكرّية في الماء الموجود في الحوض بعد انتصافه فيه فلا مانع من الأخذ بمقتضى الاستصحاب في أمثال المقام، سيّما بعد ملاحظة أنّ العرف ربّما لا يفرّقون بين نوعي الوجوب و يفهمون من الوجوب أمرا جامعا بين النفسي و الغيري، و كيف‏ (6) كان فعلى مشربهم لا ينبغي التردّد في جريان هذا الاستصحاب، و لعلّ ذلك منهم غريب.

____________

(1). «ج»: أفاده بها.

(2). مشارق الشموس: 110.

(3). لم أجده في القوانين.

(4). «ز، ك»:- دام شرفه.

(5). كما في تقريرات درسه للفاضل الأردكاني (مخطوط): 291؛ و في ضوابط الأصول: 432.

(6). «ز، ك»: فكيف.

317

هداية [في قاعدة اليقين‏]

قد ذكرنا فيما مهّدناه لتحديد الاستصحاب في أوّل الباب أنّه استفعال من صحب، و هو لغة أخذ الشي‏ء مصاحبا، و عدم صدقه على ما إذا سرى الشكّ إلى زمن اليقين ممّا لا ريب فيه؛ ضرورة توقّفه على تحقّق المستصحب كما هو ظاهر، و اصطلاحا فعلى‏ (1) ما مرّ من وجوه اختلاف تحديداته يستفاد منها اعتبار تحقّق المستصحب في زمن اليقين و كان الشكّ في بقائه و ارتفاعه بعد ما كان التحقّق في زمان معلوما، و هذا كما ترى تنحصر موارده‏ (2) في الشكوك الطارئة فيه لا عليه، فما قد يوجد في بعض الكلمات من عدم حجّية الاستصحاب في الشكّ الساري ينبغي أن يحمل على عدم تعقّل الاستصحاب فيه و خروجه عن‏ (3) أفراده، بل و لو فرض اعتباره و حجّيته فلا يسمّى استصحابا، مضافا إلى عدم دلالة شي‏ء من أخبار الباب على اعتبار هذا الاستصحاب.

نعم‏ (4)، ظاهر بعض منها كرواية الخصال و هو قوله (عليه السّلام): «من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه» (5) دلالته على اعتباره مطلقا كما هو أحد احتماليها على ما احتملناه‏

____________

(1). «م»: ففي.

(2). «ج، م»: مورده.

(3). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: من.

(4). «ز، ك»: «من» بدل: «نعم».

(5). تقدّم في ص 103.

318

في ردّ الاستدلال بها على الاستصحاب كما ذكرها غوّاص بحار الأنوار (1) في جملة أدلّة الاستصحاب عند ذكر القواعد المشتركة (2).

و قد تفطّن بذلك الشيخ الأجلّ كاشف الغطاء فيمن تيقّن بالطهارة و شكّ فى الحدث حيث قال: [و لو سبق العلم بتقدّم شي‏ء أو تأخّره، ثمّ طرأ الشكّ غير متذكّر لسبب العلم، بنى على علمه على إشكال، و إن ذكر سببه و رأى أنّه غير قابل لترتّب العلم فلا بناء عليه؛ لأنّ المراد بعدم نقض اليقين بالشكّ عدم النقض بالشكّ الطارئ بعده بقسميه- ما اقترن بسبب الاستدامة و غيره- دون الطارئ عليه.] (3) و أومأ إليه أيضا المحقّق القمي‏ (4) في بحث حجّية العامّ بعد التخصيص حيث استصحب بعضهم الحجّية في مقام الاستدلال على الحجّية.

و بالجملة: فذلك ممّا لا ريب فيه و لا شبهة تعتريه و لا يهمّنا إطالة الكلام فيه، بل المقصود إنّما هو التنبيه عليه.

فالمهمّ في المقام هو بيان أنّ الأعمال المترتّبة على المعلوم السابق هل هي ممضاة شرعا أو لا بدّ من استئنافها؟ و هل يمكن إجراء تلك الأحكام بالنسبة إلى الأعمال المستقبلة أو لا؟ فتحقيق الكلام في مقامين:

[المقام‏] الأوّل: في بيان حكم الأعمال السابقة

في أمثال هذه الوقائع، مثلا لو اعتقد عدالة زيد فصلّى معه، أو طلّق حليلته و هو بمسمع منه، أو اعتقد عدم جزئية السورة في الصلاة بواسطة إخباره عن مجتهده، أو استنبطه المجتهد عن‏ (5) دليل، ثمّ شكّ في عدالته في الزمان‏

____________

(1). انظر البحار 77: 359.

(2). «ك»: القواعد الشرعية الكلّية.

(3). كشف الغطاء 2: 103 و في ط الحجري: 102. و في النسخ موضع مقول القول قدر سطر بياض.

(4). القوانين 1: 265.

(5). «ز، ك»: من.

319

الأوّل و في دلالته فهل يحكم بصحّة صلاته و عدم لزوم الإعادة في الوقت و القضاء في خارجه‏ (1)، و عدم وجوب نفقة الزوجة عليه فيما مضى، إلى غير ذلك من الأحكام الماضية أو لا؟

التحقيق أن يقال: إنّ تلك الأحكام إمّا أن يكون موضوعها نفس الاعتقاد، و إمّا أن يكون الاعتقاد طريقا إلى ما هو الموضوع حقيقة و هو الواقع أو جزء منه و هو الواقع المعلوم.

فعلى الأوّل لا كلام في صحّة تلك الأعمال؛ لوقوعها عن أهلها في محلّها، لكن حيثما كان الموضوع مجرّد الاعتقاد و لو في وقت ما يعني وقت الاشتغال بالعمل كما في مثال الاقتداء مع الإمام المعلوم عدالته حال الاقتداء على وجه، و أمّا لو كان الموضوع هو دوام الاعتقاد فلا إشكال في فساد العمل أيضا؛ لانتفاء موضوعه بمعنى أنّ تبدّل الاعتقاد يكشف عن عدم تحقّق الموضوع وقت الاشتغال بالعمل.

و على الثاني و هو ما إذا كان الموضوع مجرّد الواقع أو مع العلم فالشكّ إمّا أن يكون شكّا في الموضوع كما في مثال العدالة، و إمّا أن يكون شكّا في الحكم كما في مثال جزئية السورة.

فعلى الأوّل: لا ريب في أنّ قضيّة القواعد الأوّلية عدم صحّة الأعمال، بل لا بدّ من الأخذ بما يقتضيه الأدلّة فيما لم يكن هذا الاعتقاد حاصلا، مثلا لو كان العدالة الواقعية معتبرة في واقعة الطلاق فصحّة الطلاق موقوفة (2) على إحرازها و المفروض عدم العلم بها، فلا بدّ من الأخذ ببقاء الزوجية و أصالة عدم وقوع الطلاق و المباينة كما هو ظاهر.

نعم، في أمثال المقام قاعدة أخرى تقضي بالإجزاء و الاكتفاء و صحّة الأعمال الماضية على تقدير نهوضها فيما نحن بصدده و هي قاعدة الشكّ بعد الفراغ عن العمل المدلول عليها بجملة من الأخبار كقوله: «إنّما الشكّ في شي‏ء لم تجزه» بعد قوله: «إذا

____________

(1). «ج، م»: الخارج.

(2). «ج»: موقوف.

320

شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره» (1) إلخ، و قوله: «كلّ شي‏ء قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه» (2) فإنّ مقتضي هذه القاعدة عدم الاعتناء بالشكّ و القول بصحّة الصلاة و الإجزاء بها، إلّا أنّ شمولها للمقام ممّا لا يخلو عن شي‏ء فإنّ الشكّ تارة:

متعلّق بإحداث البطلان في العمل الماضي عمدا، و تارة بترك شي‏ء منه نسيانا أو سهوا، و تارة: متعلّق‏ (3) بإيجاد نفس العمل و عدم إيجاده، و تارة: متعلّق‏ (4) بصحّة الاعتقاد بما هو معتبر في العمل، لا إشكال في شمولها للأوّلين، و يحتمل شمولها للثالث على أفسد الاحتمالين، و أمّا الرابع فشمول تلك الأخبار لمثل هذا الشكّ في غاية الإشكال و الحكم به في نهاية الصعوبة، سيّما فيما لو بنينا على اعتبار تلك القاعدة من حيث الظهور فإنّ عدم ظهور الأخبار الدالّة عليه في مثل المقام ظاهر.

نعم، لا يبعد القول بذلك على تقدير التعبّد، و ستعرف‏ (5) لذلك زيادة تحقيق في محلّه‏ (6) إن شاء اللّه.

و على الثاني: فلا ريب في فساد الأعمال الماضية، سواء فرض في المقلّد أو في المجتهد؛ لعدم ما يقضي‏ (7) بالصحّة.

و أمّا القاعدة المذكورة فقرائن اختصاصها بما إذا كان الشكّ في الموضوع دون الأحكام على منار كما توضحه‏ (8) ملاحظة الأخبار الواردة في هذا المضمار، بل لا يكاد يذهب إليه وهم كما يدلّ عليه قوله: «في شي‏ء لم تجزه» و قوله: «قد جاوزه» و قوله:

«و دخل في غيره» سيّما بعد ملاحظة قوله: «في شي‏ء من الوضوء» و قوله في رواية أخرى: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» (9) إلى غير ذلك ممّا لا يخفى على المتدبّر.

____________

(1). سيأتي في ص 445.

(2). سيأتي في ص 446.

(3). «ز، ك»: يتعلّق.

(4). «ز، ك»: يتعلّق.

(5). ستعرف في ص 461- 462.

(6). «ز، ك»:- في محلّه.

(7). «ج»: يقتضي.

(8). المثبت من «م» و في سائر النسخ: يوضحه.

(9). سيأتي في ص 446.

321

ثمّ إنّ ما ذكرنا إنّما هو بالنسبة إلى قاعدة كلّية مطّردة، و إلّا فقد يكون في بعض الموارد أدلّة خاصّة تدلّ على عدم اعتبار الشكّ بعد الفراغ من أيّ وجه كان في الأحكام أيضا كما في خصوص الصلاة لرواية خاصّة.

المقام الثاني في بيان الحال في تلك الواقعة بالنسبة إلى الوقائع المستقبلة

، فنقول: إنّه يمكن الاستناد في المضيّ على الآثار الماضية بالنسبة إلى زمن المستقبل بأحد الأمرين:

الأوّل: ما قد يظهر من الشيخ الأجلّ كاشف الغطاء (1) فيمن شكّ في الوضوء بين الظهر و العصر حيث استظهر جواز الدخول في العصر بالوضوء المشكوك فيه، و نقل الأستاد- دام عزّه- عن بعض أجلّة معاصريه الفتوى بذلك أيضا، و الوجه فيه أنّ المستفاد من الأدلّة الدالّة على لزوم حمل الفعل على الصحّة إنّما هو الحكم بإحراز ما يحتمل الفساد بتركه و ترك ما يحتمله بفعله واقعا، و بعد ذلك فلا فرق بين الأعمال الماضية و المستقبلة، كما في الاستصحاب فإنّ الطهارة المستصحبة كما تجري بالنسبة إلى الصلاة الماضية كذلك تجري بالنسبة إلى ما يشتغل بها المكلّف بعد ذلك أيضا، مثلا لو شكّ في الوضوء بعد صلاة الظهر فالشارع حكم‏ (2) بإلغاء الشكّ، و الحكم بأنّ الشاكّ متطهّر واقعا بمعنى‏ (3) لزوم ترتيب‏ (4) الطهارة الواقعية عليه و من جملة ذلك جواز الدخول فيما هو مشروط بالطهارة واقعا كالصلاة و الطواف و نحوهما، هذا و قد استشكل فيه مرّة أخرى.

____________

(1). كشف الغطاء 2: 107 و في ط الحجري: 103 (البحث الثاني).

(2). المثبت من «ك» و في سائر النسخ:- حكم.

(3). «م»: «على» بدل: «بمعنى».

(4). «ز، ك»: ترتّب.

322

الثاني: ما يظهر من الشيخ الجليل أيضا في بعض فروع الكشف‏ (1) من أنّ أفعال المسلم محمولة على الصحّة، و قضيّة ذلك عامّة بالنسبة إلى أفعال الجوارح و الأعمال القلبية و ما يطرأ للإنسان من الحالات و الملكات، ففيما لو شكّ في صحّة الاعتقاد فالأصل يقضي‏ (2) بصحّته و مطابقته للواقع كصحّة قوله: و بعد ما حمل اعتقاده على الصحّة و حكم حكما شرعيا بواقعية ما اعتقده فلا يفرق في ذلك الأعمال السابقة و الأفعال اللاحقة.

و شي‏ء (3) من الوجهين لا يكاد يتمّ: أمّا الأوّل: فلأنّ الصحّة المستفادة من الأخبار لا تزيد على الصحّة في الأعمال السابقة التي قد انقضى محلّها، و أمّا الأعمال الآتية فمحلّها باق و لا يزيد مفادها على عدم المؤاخذة بالأفعال الماضية، و أمّا ثبوت الواقع بواسطة الحمل فممّا لا دليل عليه، فعلى هذا فلا بدّ في الأعمال اللاحقة من العمل على ما يقتضيه القواعد فيما لو فرضنا انتفاء ذلك الاعتقاد و إن قدّر بناء العمل على الآثار الماضية أيضا (4).

و أمّا الثاني: فلأنّ صحّة الاعتقاد كصحّة القول و الاجتهاد لها وجهان: أحدهما:

عدم تقصير المعتقد كالقائل و المجتهد في تحصيل اعتقاده و قوله و اجتهاده، فالفاسد منها (5) ما لم يتفحّص المعتقد في تحصيله، و عمد القائل بالكذب، و قصّر المجتهد في الاجتهاد، و ثانيهما: مطابقة قوله و اعتقاده و اجتهاده للواقع، فالفاسد منها ما يخالف الواقع.

فإن أراد المستدلّ من قاعدة الصحّة في الاعتقاد ما يعمّ الثاني أيضا فهو و إن كان يجدي فيما رامه إلّا أنّه ممّا لا دليل عليه؛ لعدم إفادة الأدلّة فيما عدا الصحّة

____________

(1). كشف الغطاء 1: 201- 202، و في ط الحجري 35 (البحث السادس و الثلاثون).

(2). «ج، ك»: يقتضي.

(3). «ج، م»: شيئا.

(4). «ز، ك»:- أيضا.

(5). «ز، ك»:- منها.

323

بالوجه‏ (1) الأوّل، فإنّ وجوب تكذيب السمع و البصر على تقدير شمول مثله للأفعال الصادرة عن الفاعل الجاهل، ممّا ليس فيه دلالة على كون القول أو (2) الاعتقاد أو الاجتهاد مطابقا للواقع، بل و لا أظنّ أنّ أحدا يقول بذلك فيما إذا كان مدرك الاعتقاد و (3) الاجتهاد موجودا حاضرا لدى المعتقد و المجتهد، مثلا لو فرضنا أنّ المجتهد إنّما قطع بجزئية السورة في الصلاة بواسطة رواية مرسلة ضعيفة الدلالة فتذكّر بعدم إفادة مثلها القطع في العادة فشكّ في نفس الحكم الذي أفتى به من‏ (4) أوّل الأمر، فلا يعقل الحكم بواسطة أصالة الصحّة بالمطابقة كما هو ظاهر، حتّى أنّ الشيخ‏ (5) أيضا (6) إنّما يستفاد من بعض تضاعيف كلماته تقييده بخفاء المدرك، و كلامه إنّما هو في مجرّد الاعتقاد مع قطع النظر عن مدرك الاعتقاد.

و إن أراد صحّة الاعتقاد على الوجه الأوّل فهو حقّ لكنّه لا يفيد (7) فيما رامه؛ إذ غايته عدم تقصيره و عصيانه في تحصيل الاعتقاد و الاجتهاد و عدم تعمّده‏ (8) بالكذب، و أين‏ (9) هو من مطابقة قوله و اعتقاده و اجتهاده للواقع‏ (10)؟

تنبيه‏

زعم بعض من لا تحقيق له شمول أخبار الاستصحاب للشكوك السارية أيضا؛ لأنّ قضيّة الأخبار عامّة شاملة للمقامين، إذ المناط فيها على مجرّد الشكّ و اليقين و هو حاصل فيهما، و حيث إنّ بعض من لا درية (11) له قد تفصّى عن مثله بعدم انصراف‏

____________

(1). «ز، ك»: بوجه.

(2). المثبت من «م» و في سائر النسخ: و.

(3). «م»: أو.

(4). «م»: فمن.

(5). كشف الغطاء 2: 103، و في ط الحجري 102.

(6). «ز، ك»:- أيضا.

(7). «ز، ك»: لا يفيده.

(8). «ز، ك»: العمل.

(9). «ز، ك»: و إنّ.

(10). «ج، م»: بالواقع.

(11). «ك»: لا دراية.

324

الأخبار إلى الشكوك السارية فاعترضه بأنّ الانصراف إنّما يتمّ‏ (1) فيما لو سلّمناه عند إطلاق الدليل و المفروض على ما بيّن في محلّه عموم أخبار الباب، فلا وجه لدعوى الانصراف فيه، و لقد أغرب بعضهم فادّعى أنّ مورد الأخبار المذكورة في الشكوك السارية، و هو غريب عجيب‏ (2)؛ إذ ليس فيها منها عين و لا أثر.

و التحقيق: عدم الارتباط بينهما، و توضيحه يتوقّف على بيان وجوه الفرق بين المقامين، فنقول: إنّ الاستصحاب يفترق مع الشكّ الساري مفهوما و موردا و ثمرة.

أمّا الأوّل: فلأنّ المعتبر في الاستصحاب هو الوجود السابق- و إن لم يكن معلوما في السابق، بل لو علمنا (3) بوجوده في السابق في زمان الشكّ ببقائه على وجه تقارن‏ (4) الشكّ اليقين في زمان واحد كان استصحابا، و أمّا ما هو المعروف من اعتبار اليقين السابق فمن حيث إنّ اليقين مرآة عن الوجود و التحقّق، و ليس لخصوص وصف اليقين في السابق مع قطع النظر عن استكشاف الواقع به مدخلية في الاستصحاب- و الشكّ اللاحق في بقاء الموجود المتحقّق سابقا و ارتفاعه، و المعتبر في الشكّ الساري هو وصف اليقين السابق على الشكّ- و إن كان ذلك اليقين متعلّقا بموجود في اعتقاد المعتقد حال الاعتقاد إلّا أنّ حدوث ذلك و تحقّقه غير ملحوظ في الشكّ الساري و لو في اعتقاده- و الشكّ اللاحق في صحّة ذلك اليقين و مطابقته للواقع و عدمها، و لا ينافي القطع بارتفاعه على تقدير وجوده و صحّة اليقين أو القطع ببقائه على هذا التقدير (5) أو الشكّ فيه؛ إذ لا يناط بالشكّ في الوجود في الزمن الثاني، و إنّما مناطه الشكّ في صحّة الاعتقاد و هو لا ينافي القطع بالبقاء؛ ضرورة إمكان حصول القطع بالملازمة مع الشكّ في وجود الملزوم كما هو ظاهر.

____________

(1). «ز، ك»: «هو» بدل: «يتمّ».

(2). «ج، م»:- عجيب.

(3). «ز، ك»: علمناه.

(4). «ز، ك»: يقارن.

(5). «ز، ك»: هذا الفرض و التقدير.

325

و أمّا الثاني: فلأنّ الاستصحاب في موارد الشكّ الساري بأجمعها يقضي بعدم التحقّق و عدم ثبوت الحكم، فلا يجتمع معه في مورد.

و أمّا الثالث: فلأنّ المطلوب في مورد الاستصحاب إنّما هو تصحيح الأعمال المترتّبة على الوجود بعد حدوث الشكّ، فهو يثمر في الأعمال المستقبلة غالبا و علاج بالنسبة إليها، و المطلوب في مورد الشكّ الساري إنّما هو تصحيح الأعمال الماضية الصادرة حال اليقين، و إنّما الحاجة في صحّة العمل المترتّب على ذلك اليقين و الشكّ في صحّة اليقين إنّما كشف عن الحاجة.

و إذ قد تقرّر الفرق بين المقامين فليس ينبغي أن يذهب وهم إلى أنّ ما ورد في أحدهما يصلح أن يكون دليلا في الآخر؛ إذ لا جامع بينهما إلّا مجرّد لفظ اليقين و الشكّ، و هل يصلح ذلك بعد وجوه‏ (1) الاختلاف و التباين منشأ لمثل هذا التوهّم؟

و ليت شعري فهل قول أبي جعفر (عليه السّلام) في صحيحة زرارة: «فإنّه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين أبدا بالشكّ» (2) يمكن أن يجعل بيانا لحكم‏ (3) الشكّ في صحّة اليقين بعد سؤال السائل: الرجل ينام و هو على وضوء أ توجب الخفقة؟ فإنّ السؤال إنّما هو عن حكم المتيقّن بعد الوجود و الشكّ في بقائه و ارتفاعه، و لا ربط بينه و بين حكم الشكّ في صحّة اليقين و تحقّق المتيقّن، و هل يمكن أن يكون المراد به أعمّ من الشكّين بعد انتفاء الجامع بين متعلّق الشكّين و اليقينين‏ (4)؟ كما أنّه لم يذهب وهم إلى أنّ قول الإمام:

«إنّما الشكّ في شي‏ء لم تجزه» (5) يعمّ الشكّ في وجود المشكوك فيه و عدمه بعد العلم بوجوده في الجملة.

نعم، قد نبّهنا (6) على ما يظهر من رواية الخصال في أحد احتماليه، فإنّ قوله: «من‏

____________

(1). «ز، ك»: وجود.

(2). تقدّم في ص 88.

(3). «ز، ك»: بحكم.

(4). «م»: اليقين.

(5). تقدّم في ص 319- 320 و سيأتي في ص 445.

(6). نبّه في ص 104 و تقدّمت رواية الخصال في ص 103.

326

كان على يقين» يحتمل أن يراد به من كان وصف اليقين حاصلا له‏ (1) ثمّ شكّ في صحّة ذلك اليقين فليمض على يقينه و يحكم بصحّة يقينه، و يحتمل أن يراد من كان له متيقّن موجود (2) معلوم على أن يكون اليقين جهة للقضيّة لا موضوعا فيها ثمّ شكّ في بقائه و ارتفاعه فليمض على يقينه و يحكم بوجود المتيقّن بترتيب آثاره عليه، فعلى الأوّل يصير دليلا للشكّ الساري، و على الثاني دليلا للاستصحاب، إلّا أنّ الثاني بقرينة قوله:

«فليمض» أظهر؛ لبعده‏ (3) بالنسبة إلى الأوّل كما (4) لا يخفى.

تذنيب‏

قد يظهر من بعضهم التمسّك في موارد سريان الشكّ باستصحاب الحكم الظاهري، مثلا فيما لو اعتقد المجتهد حلّية العصير العنبي أو طهارته، ثمّ طرأ الشكّ عليه، فقبل طريان الشكّ على‏ (5) صحّة الاعتقاد كان العصير في مرحلة الظاهر بحسب ما أدّى إليه نظر المجتهد حلالا و طاهرا، و بعد الشكّ يستصحب الحلّية الظاهرية و الطهارة الثابتة في مرحلة الظاهر.

و ليس في محلّه؛ لأنّه من الاستصحاب العرضي و هو ليس معتبرا (6). و تحقيقه أنّه إذا كان للفعل أو الشي‏ء المستصحب جهتان يترتّب على إحداهما حكم قطعا، و ترتّبه على الأخرى مشكوك من أوّل الأمر ابتداء، ثمّ بعد ارتفاع الجهة المعلومة لا يمكن استصحاب ذلك الحكم؛ إذ ثبوت الحكم بالنسبة إلى الجهة المشكوكة غير معلوم و بالنسبة إلى الجهة المعلومة معلوم الارتفاع، مثلا فيما لو فرضنا حيوانا متولّدا من الكلب و الغنم و لم يعلم إلحاقه بأحد عموديه عرفا، فمقتضى القاعدة الحكم بطهارته‏

____________

(1). «ز، ك»:- له.

(2). «ج، م»: و موجود.

(3). «ز، ك»: لبعدها.

(4). «ز، ك»: فكما.

(5). «ز، ك»: في.

(6). «ز، ك»: بمعتبر.

327

نظرا إلى أصالة الطهارة، إلّا أنّه ربّما يغالط فيقال: إنّ ذلك الحيوان المتولّد من الكلب باعتبار ملاقاته لباطن الكلب أو بواسطة تلطّخه بدم النفاس كان نجسا قطعا، و بعد ما زالت النجاسة العرضية- مثلا- يشكّ‏ (1) في بقاء النجاسة و ارتفاعها فتستصحب‏ (2) النجاسة، و فساده ممّا لا يكاد يخفى على أوائل العقول. و من هذا القبيل جملة من موارد الاستصحاب و قد مرّ الإشارة إلى بعضها، كما في استصحاب وجوب الأجزاء بعد تعذّر الكلّ، و منه ما غالط به بعض الأخبارية على ما نقل عنه في ردّ العمل بالاستصحاب في الأحكام من أنّ العمل به قبل الفحص حرام قطعا، و بعده يشكّ فيها، و الاستصحاب يقضي بحرمته، و منه ما تمسّك به بعضهم‏ (3) في إثبات حجّية العامّ المخصّص باستصحاب حجّيته قبل التخصيص بعده، فإنّ الكلّ على حدّ سواء في عدم الاعتداد بالاستصحاب فيها (4)؛ لأنّ الحكم اللاحق للعنوان باعتبار أمر طار عليه قد ارتفع قطعا، إذ لا ريب في انتفاء الاعتقاد بالحلّية أو الطهارة بالنسبة إلى المثال الأوّل، فإنّه كان هو المنشأ لتخيّل الحكم الظاهري و لم يكن حكما ظاهريا أيضا كما لا يخفى، و الحكم اللاحق للعنوان باعتبار أمر (5) آخر غير معلوم الثبوت ابتداء، فلا يتحقّق الاستصحاب.

فالاستصحاب في هذه الموارد بالنسبة إلى الجهة المشكوكة يكون من الاستصحاب في الشكوك السارية، و بالنسبة إلى الجهة المعلومة من الاستصحاب في الشكوك العرضية، فعند التحقيق يكون الشكّ في الاستصحاب العرضي من الشكّ في الأقلّ و الأكثر لا على وجه الارتباط بين الأقلّ و الأكثر، بل الأقلّ بعنوانه معلوم تفصيلا و الزائد غير معلوم كذلك، و بمثل ذلك يجاب في المغالطة الأخبارية فإنّ الحرمة اللازمة

____________

(1). «ج، م»: نشكّ.

(2). المثبت من «م»، و في سائر النسخ: فيستصحب.

(3). نقل المحقّق القمي في القوانين 1: 265 عن بعضهم أيضا، كما تقدّم عنه في ص 318.

(4). «م»: فيهما (ظ).

(5). «ج، م»:- أمر.

328

لعدم‏ (1) الفحص قد زالت و الحرمة الذاتية لم تثبت، و كذا في العامّ المخصّص فإنّ الحجّية المستندة إلى عدم التخصيص قد ارتفعت، و غيرها مشكوكة من أوّل الأمر و إلّا يلزم البداء المحال و ذلك أمر واضح و إن اشتبه بعض أفراده على بعض الأفهام، و لكن بعد ملاحظة ما ذكرنا من الأمثلة لا يكاد يشتبه الأمر على أحد، و أوضح فسادا من الكلّ ما لو شكّ- مثلا- في حيوان خلق إبداعا و شكّ في طهارته و نجاسته، فإنّ المغالط قد ينجّسه بنجاسة عرضية كأن يبول عليه أحد، ثمّ بعد زوال تلك النجاسة العرضية يستصحب النجاسة لإثبات النجاسة الذاتية، فكن على بصيرة من الأمر و تأمّل و اغتنم و اللّه الموفّق الهادي‏ (2).

____________

(1). «ز، ك»: بعدم.

(2). «ز، ك»:- و اللّه ... الهادي.

329

هداية [في الاستصحاب التعليقي‏]

قد اصطلح بعض الأواخر على تسمية بعض أقسام الاستصحاب بالاستصحاب التعليقي، و ربّما يتراءى في بعض الأنظار (1) عدم الاعتداد بهذا القسم من الاستصحاب.

و تحقيق المقام: أنّ موضوع الحكم قد يكون الماهيّة المجرّدة عن الوجودين كما في لوازم الماهيّة مثل‏ (2) زوجية الأربعة و نحوها كما في الأحكام الطلبية فإنّ الوجوب إنّما هو من لواحق الماهيّة كالمطلوبية؛ إذ بعد الوجود فلا وجه لوجوبه و مطلوبيته، لاستحالة تحصيل الحاصل، غايته أنّ الطالب إنّما يلاحظ الماهيّة الموجودة في الذهن بعنوان وجودها في الخارج فيلحقها وصف المطلوبية و من هذه الجهة تفترق الزوجية اللازمة للأربعة، و لهذا ترى‏ (3) أنّ المتصوّر لماهيّة الصلاة لا يعدّ ممتثلا للأمر بها.

و قد يكون الماهيّة (4) الموجودة في الخارج، فالوجود الخارجي ليس إلّا جزء من موضوع الحكم، فهو متعلّق به لا أن يكون معلّقا عليه، كما في نجاسة الكلب فإنّ النجاسة إنّما هي من ملحقات الموجود (5) الخارجي و ليست النجاسة معلّقة على وجود

____________

(1). السيّد المجاهد في المناهل: 625 (كتاب الأطعمة و الأشربة) كما عنه في فرائد الأصول 3:

222.

(2). «ز، ك»: في مثل.

(3). المثبت من «ج» و في سائر النسخ:- ترى.

(4). «ز، ك»: الماهيّة.

(5). «ز، ك»: الوجود.

330

الكلب في الخارج، نعم لو كان الموضوع هو نفس الماهيّة (1) كما في المثال المتقدّم صحّ التعليق بالوجود الخارجي.

و قد يكون الموضوع هو الموجود الخارجي لكن تعلّق الحكم به معلّق على حصول أمر آخر.

و الفرق بين المقامين واضح فإنّ انتفاء الحكم على تقدير عدم المعلّق عليه بواسطة انتفائه و إن كان الموضوع موجودا على الأخير، و انتفائه على تقدير عدم الموضوع بواسطة انتفاء الموضوع، فعدم النجاسة فيما لو قدّر عدم الكلب بواسطة عدم الكلب، فنجاسة الكلب منفيّة لا أنّ النجاسة عن الكلب منفيّة، بخلاف ما إذا كان الحكم معلّقا على أمر آخر كما في وجوب الحجّ فإنّ الوجوب عن المكلّف منفيّ عند انتفاء الاستطاعة كما لا يخفى‏ (2).

و بالجملة: فالحكم المتعلّق على موضوع خاصّ ليس معلّقا على وجود الموضوع فيما لو كان الموضوع هو الموجود، و إلّا فلم يبق لنا حكم تنجيزي أصلا، فالمراد بالاستصحاب التعليقي هو استصحاب الحكم المعلّق على وجود أمر عند احتمال زوال ذلك الحكم، مثلا إنّ نجاسة العصير العنبي معلّق على غليان ذلك العصير و اشتداده و عدم ذهاب ثلثيه، و هذه عبارة عن قضيّة تعليقية و هي أن يقال: إنّ العصير إنّما هو على وجه لو غلى و اشتدّ و لم يذهب ثلثاه كان نجسا، فالشكّ في هذه القضيّة تارة:

يتعلّق ببقاء الملازمة في الوقت الثاني و ارتفاعها، و تارة: ببقاء السببية المستفادة من اقتران الشرط في جملة المقدّم بأداة الشرط، و أخرى: في الحكم المعلّق عليه. لا إشكال في جريان الاستصحاب على الأوّلين؛ لعدم المانع منه و ليس من الاستصحاب التعليقي‏

____________

(1). «ز»: الماهيّة.

(2). في هامش «م»: لو علم الناس ما في زيارة الحسين (عليه السّلام) في نصف شعبان لقامت .... رحالهم على الخشب.

331

في شي‏ء منهما، و إنّما الكلام في استصحاب الحكم المعلّق عليه، كما إذا شكّ في نجاسة العصير المأخوذ من الزبيب فيقال: إنّ العنب- مثلا- عصيره فيما لو غلى و اشتدّ و لم يذهب ثلثاه نجس قطعا، و بعد ما صار زبيبا يشكّ في نجاسة عصيره و عدمها، فيستصحب الحكم المعلّق عليه. و كما أنّ المرأة قبل الوقت عند بياضها كانت بحيث لو دخل الوقت يجب عليها الصلاة. و بعد دخول الوقت يشكّ‏ (1) في الوجوب بواسطة احمرار وجدتها (2) غير معلوم الحيضية، فيستصحب الوجوب المعلّق على دخول الوقت. و كما في وجوب الحجّ فإنّ المكلّف قبل الاستطاعة كان بحيث لو استطاع وجب عليه الحجّ، ثمّ شكّ في الوجوب المعلّق على الاستطاعة عند الخوف من العدوّ الذي يحتاج دفعه إلى بذل بعض من المال، فيستصحب الوجوب المعلّق، و لا ضير في هذا الاستصحاب أيضا من جهة التعليق.

فإن قلت: إنّ استصحاب الحكم المعلّق دائما معارض باستصحاب عدم الحكم المنجّز عند فقد المعلّق عليه، مثلا استصحاب وجوب الحجّ معارض باستصحاب عدم وجوب الحجّ المنجّز عند عدم الاستطاعة، و كذا استصحاب وجوب الصلاة معارض باستصحاب عدم وجوب الصلاة قبل، فلا يجدي استصحاب الوجوب.

قلت: نعم، و لكنّ الشكّ في الوجوب و عدمه بعد حصول المعلّق عليه مسبّب عن الشكّ في بقاء الحكم المعلّق عليه، و بعد استصحاب الحكم المعلّق فلا يبقى للشكّ في الوجوب مجال، فلا تعارض؛ لأنّه مزيل بالنسبة إليه، فلا إشكال في جريان الاستصحاب من حيث إنّ المستصحب معلّق‏ (3)، نعم لا بدّ من ملاحظة شي‏ء آخر في أمثال هذه الموارد و هو أنّ سبب الشكّ قد يكون من أجزاء المقدّم و التالي في القضيّة التعليقية فلا بدّ من إحراز هذه المقدّمة، فالملازمة إنّما هي‏ (4) بين المقدّم و التالي لكن بعد

____________

(1). «ج، م»: شكّ.

(2). في النسخ: وجدها.

(3). «ز، ك»: معلوم.

(4). «ج، م»: هو.

332

الأخذ بجميع ما يعتبر في الطرفين، ففيما لو علمنا بذلك فلا شكّ في عدم جريان الاستصحاب؛ إذ عدم الحكم على تقدير قطعي و ثبوته على تقدير مشكوك أصلا، و قد عرفت عدم جريان الاستصحاب في هذه الموارد. و كذا فيما لو شككنا في جزئية شي‏ء للمقدّم أو للتالي إلّا أن يستفاد من ظهور اللفظ الوارد في مقام التعليق شرطية الشي‏ء الخاصّ مع قطع النظر عمّا عداه، فإنّ المناط في تشخيص هذه الأمور على الرجوع إلى الأدلّة الدالّة على هذه الأحكام التعليقية، فربّما يستفاد منها شرطية شي‏ء خاصّ، و ربّما يستفاد انضمام شي‏ء آخر إليه، و هذا هو الوجه في خلافهم في وجوب الحجّ على المستطيع فيما لو توقّف دفع العدوّ على دفع بعض المال الذي يبقى معه الاستطاعة، و ربّما يتسامح في بعض ما يحتمل كونه جزء من المقدّم كالوصف أو الحال أو الزمان فيلاحظ (1) فيها كونها ظرفا لا قيدا لأحد الطرفين، مثلا في قولنا الماء المتغيّر فيما لو كان مقدّما في قضيّة تعليقية قد يعتبر مركّبا فبانتفاء أحد جزئية ينتفي التالي، و قد يعتبر المقدّم هو الماء في حال التغيّر على وجه لا يكون التغيّر مناطا في الملازمة (2)، فعلى الأوّل لا معنى للاستصحاب، و على الثاني يجري الاستصحاب، إلّا أنّه لا يخفى على أحد أنّه‏ (3) بعد إحراز أنّ السبب و العلّة التامّة للحكم و حدوثه‏ (4) هو الماء في حال التغيّر و المفروض وجوده في الحال أيضا، فالشكّ في البقاء و الارتفاع غير معقول إلّا على تقدير احتمال أن لا تكون‏ (5) العلّة المبقية هي‏ (6) العلّة المحدثة، فالشكّ في البقاء و الارتفاع معقول على هذا الوجه.

فبالحقيقة الاستصحاب التعليقي ليس إلّا كالاستصحاب التنجيزي، فكما أنّ جريان الاستصحاب التنجيزي عند التحقيق يتوقّف على اتّحاد القضيّة المشكوكة

____________

(1). «ز، ك»: فلاحظ.

(2). «ز، ك»: للملازمة.

(3). «ج، م»: أنّ.

(4). «ج»: هو و حدوثه.

(5). «ج، م»: يكون.

(6). «ج، م»: هو.

333

و المتيقّنة، فكذا جريان التعليقي أيضا يتوقّف على الاتّحاد بين القضيّة التعليقية المشكوكة و بين معلومها.

فإن قلت: إنّ الظاهر من الجملة الشرطية هو أنّ المقدّم علّة لوجود التالي و إن كان الواقع شرطا (1) من العلل الناقصة كأن يكون شرطا أصوليا مثلا، فعند وجود المعلّق عليه لا معنى للشكّ.

قلت: قد لا يكون التعليق مستفادا من ظواهر الألفاظ الواردة في المقام؛ لإمكان استفادته من أمر لبّي، فلا ظهور فيه، و مع ذلك فالشكّ ممكن بواسطة احتمال ارتفاع أحد أجزاء (2) العلّة (3) التامّة للحكم المعلّق عليه و لا ينافيه ظهور اللفظ في العلّية؛ إذ ربّما يتّفق اجتماع الأجزاء عدا الجزء المعلّق عليه فيصحّ التعليق على وجوده أو بواسطة ارتفاع ما يمكن أن يكون من العلّة، و يحتمل أن يكون من أجزائها، فيستصحب الحكم المعلّق عليه عند هذه الاحتمالات.

فإن قلت: إنّه‏ (4) قبل زمان الشكّ كانت العلّة التامّة موجودة عدا الجزء المعلّق عليه، و بعد وجوده و الشكّ في ارتفاع بعض الأجزاء أو ارتفاع ما يحتمل الجزئية يستصحب العلّة التامّة، فيترتّب عليها المعلول.

قلت: نعم، و لكنّه لا بدّ أن يعلم أنّه على تقدير احتمال ارتفاع بعض أجزاء العلّة، كما إذا علمنا بأنّ التغيّر في مثال الماء من أجزاء العلّة ثمّ شككنا في ارتفاعه و بقائه يستصحب العلّة التامّة، و لا حاجة إلى استصحاب الحكم المعلّق عليه، لترتّبه على العلّة، كما أنّ بعد فرض جريان الاستصحاب في الموضوع لم يبق شكّ في الحكم و لا معنى لاستصحابه و لو مع قطع النظر عنه، و على تقدير ارتفاع ما يحتمل كونه من العلّة

____________

(1). «ز، ك»: هو شرطا.

(2). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: الأجزاء.

(3). «ز، ك»: للعلّة.

(4). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: إنّ.

334

يكون الأصل مثبتا، مثلا لو زال التغيّر قطعا و احتملنا أن تكون‏ (1) العلّة مركّبة منه و من غيره فأصالة بقاء العلّة لا يترتّب عليها (2) أنّ الموجود هي العلّة إلّا بملازمة عقلية و قد عرفت عدم الاعتداد بمثله، فتدبّر.

____________

(1). «ج، م»: يكون.

(2). «ج، م»: عليه.

335

هداية [في بيان استصحاب الحكم المخصّص‏] (1)

إذا ثبت في الشريعة حكم بدليل عامّ عموما أزمانيا ثمّ ثبت بدليل مخصّص لذلك العامّ ارتفاع ذلك الحكم في قطعة من الزمان ففي زمان الشكّ هل يؤخذ بعموم العامّ أو باستصحاب حكم‏ (2) الخاصّ؟ وجهان بل قولان:

يظهر من ثاني المحقّقين في جامع المقاصد (3) في تلقّي الركبان فيما إذا شكّ في بقاء الخيار و ارتفاعه تحكيم عموم‏ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (4) على استصحاب الخيار (5)، و يظهر من الشهيد (6) في عدّة مواضع من المسالك‏ (7) الأخذ بالاستصحاب‏ (8).

و التحقيق أن يقال: إنّ‏ (9) الدليل الدالّ على الحكم المخالف للاستصحاب تارة: يكون مهملا بالنسبة إلى الأزمنة التي تقع فيها الأفراد، كما إذا قال المولى: أكرم العلماء ملاحظا فيها عموم الأفراد فقط من غير مدخلية الزمان في ذلك الحكم، فلا يختلف الوجوب باختلاف الأزمنة حينئذ.

____________

(1). العنوان من هامش «م».

(2). «ج، م»: الحكم.

(3). «ز، ك»:- في جامع المقاصد.

(4). المائدة: 1.

(5). جامع المقاصد 4: 38.

(6). «ز، ك»:+ (رحمه اللّه).

(7). «ز، ك»:- في عدّة مواضع من المسالك.

(8). مسالك الأفهام 3: 190 و 431، و 4: 100 و 184، و 5: 192، و 8: 34، و قارن بما ذهب في خيار الغبن و الرؤية 3: 204 و 221.

(9). «م»:- يقال إنّ.

336

و تارة: يكون عامّا (1) بالنسبة إليها فتارة: على وجه يكون الحكم ثابتا في تمام الزمان فيكون كلّ واحد من أجزاء الزمان جزء لا فردا (2)، و أخرى: على وجه يكون الحكم ثابتا في كلّ واحد من أفراد الزمان فيكون كلّ جزء من الزمان ملحوظا في نظر الآمر فردا مغايرا للآخر.

و مرّة: يكون الدليل مشكوكا فيه إهمالا و عموما على الوجهين.

لا إشكال في جريان الاستصحاب على الأوّل؛ لعدم المانع منه بعد وجود أركانه من اليقين السابق و الشكّ اللاحق.

كما أنّه لا إشكال في جريانه على الأوّل من الثاني؛ لأنّ المفروض خروج القطعة المفروضة المخصّصة من العامّ، و خروجها عن العامّ في زمن اليقين و الشكّ بالنسبة إلى لزوم التخصيص في العامّ مساو لعدم ملحوظية الزمان فيه إلّا على هذا الوجه الذي لا يفرق فيه الخروج في الزمانين، و ذلك ليس من تخصيص العامّ في شي‏ء، بل لو فرض عدم اعتبار الاستصحاب أيضا لم يكن الأخذ بالعامّ وجيها؛ لعدم دلالته على أفراد الزمان، بل لا بدّ من الأخذ بسائر الأصول كما إذا لم يكن في ذلك المورد عموم و لا استصحاب.

و من هذا القبيل مسألة الخيار فإنّ ما يظهر لنا بعد التأمّل الصادق عدم دلالة أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3) على عموم زماني يكون كلّ جزء من أجزاء الزمان ملحوظا في نظر الشارع مقصودا له في وجوب الإمضاء بمضمون العقد و لزوم الوفاء به، فلو تساهل من له الخيار في الأخذ بخياره على وجه لم يصدق فيه الغرر (4) العرفي صحّ استصحاب حكم الخاصّ و الأخذ بالخيار في ثاني الزمان، و وافقنا في ذلك جماعة من‏

____________

(1). «ز، ك»: تكون عامّة.

(2). «ز، ك»: لأفراده.

(3). المائدة: 1.

(4). «ج»: الفور، كتب تحتها في نسخة «م»: «ضرر».

337

الأعاظم منهم سيّد الرياض‏ (1) إلّا أنّه قيّد الحكم بما إذا كان الحكم الخياري مدركه الإجماع، و أمّا لو كان الوجه في ثبوت الخيار هو نفي الضرر و الضرار فلا يجري فيه الاستصحاب؛ لاستناد الحكم فيه إلى علّة معلومة الارتفاع كما في استصحاب الأحكام العقلية. و أمّا ما أفاده المحقّق الثاني من أنّ قوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2) لو لم يكن عامّا بالنسبة إلى الزمان لم ينتفع‏ (3) بعمومه، فهو في غاية الجودة، إلّا أنّه لا يجديه فإنّ من الظاهر أنّ عموم الزمان الملحوظ فيه لا يجب أن يكون على الوجه الثاني كما لا يخفى، هذا إذا كان عموم الدليل في مجموع الزمان على ما هو القسم الأوّل من التقسيم الثاني.

و أمّا القسم الثاني و هو ما كان عموم الدليل بالنسبة إلى الأزمنة عموما متناولا لكلّ جزء من أجزائه بحيث يكون كلّ واحد منها فردا برأسه ملحوظا للآمر (4)، فلا يجري فيه الاستصحاب على بعض الوجوه و يجري على بعض آخر، و يكشف عن العموم على هذا الوجه إمّا ملاحظة عنوان العامّ كأن يكون مشتملا على أداة استغراق بالنسبة إلى الزمان أيضا كما في قولنا أكرم العلماء في كلّ زمان زمان، و إمّا يستفاد ذلك من عنوان المخصّص فإنّه دليل على المستثنى منه كالمستثنى في ملاحظة الزمان فيه قيدا؛ لأنّ الظاهر منه الاتّصال، و لا يفرق في ذلك بين أن يكون العموم مستفادا على الوجه المذكور من اللفظ أو العقل بمعونة حذف المتعلّق و نحوه.

و كيف كان ففيما لو وجد مثل هذا العامّ في الأدلّة فإمّا أن يكون الحكم في دليل المخصّص معلّقا على موضوع موجود في بعض الأفراد الملحوظة في ذلك العامّ، كما إذا أمر المولى بلزوم الإتيان بالصلاة في كلّ زمان- مثلا- إلّا من كان مريضا أو مسافرا

____________

(1). الرياض 8: 199- 200، و 10: 387، و في ط الحجرية 1: 525- 526، و 2: 135.

(2). المائدة: 1.

(3). «ج»: لم ينفع.

(4). «م»: به الآمر.

338

مثلا، فعند الشكّ في ارتفاع ذلك الموضوع لا إشكال في جريان الاستصحاب في نفس ذلك الموضوع، و يلازمه عدم الاعتداد بالعموم على ما هو الظاهر، كما إذا شكّ في حصول الحدّ في الفرد الخارج من عموم الزمان كما في قولنا: «أكرم العلماء في كلّ يوم إلّا يوم الخميس» ثمّ شكّ في انتهائه مثلا، و إن كان بينهما فرق‏ (1) آخر من جهة أخرى.

و إمّا أن لا يكون كذلك، كما إذا شكّ في المثال المذكور في وجوب الإكرام في الجمعة فلا بدّ من الأخذ بعموم العامّ فيه، و لا وجه للأخذ بالاستصحاب في مثله و إن فرضنا عدم عموم العامّ؛ لأنّ المفروض أنّ الزمان قيد للحكم فبملاحظة اختلافه يختلف أفراد الحكم و لا يصحّ إجراء حكم فرد و انسحابه في آخر بالاستصحاب، و ليس هذا بواسطة أنّ العامّ دليل اجتهادي و لا يعارضه الاستصحاب العملي كما قد يتوهّم.

نعم، لو فرضنا إهمالا في عنوان المخصّص و لم يكن عموم العامّ كاشفا عن اعتبار الزمان في المخصّص على الوجه المعتبر فيه- إذ كما أنّ المخصّص يكشف عن عموم العامّ قد يكون عموم العامّ أيضا كاشفا للمخصّص كما إذا ثبت عدم وجوب إكرام العلماء في الخميس لا على وجه التقييد- فيجري فيه الاستصحاب، و إنّما يمنع منه عموم العامّ فلو لا العامّ كان الاستصحاب هو المرجع، بخلاف الأوّل فإنّه على هذا التقدير لا يصحّ الأخذ بالاستصحاب، بل لا بدّ فيه‏ (2) من الرجوع إلى ما يقتضيه سائر القواعد الممهّدة لبيان مواضع الشكّ.

ثمّ إنّ كلام المحقّق الثاني و الشهيد إن كان في خصوص قوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فلم يظهر لنا مخالفتهم لما أوردناه من التحقيق و إن صعب الأمر في‏ (3) بعض المصاديق من المفهوم المذكور كما عرفت في خصوص المثال على حذو ما سبق، و إن كان ذلك من‏

____________

(1). «ج، م»: فرقا.

(2). «ج، م»:- فيه.

(3). «ز، ك»: «يختصّ» بدل: «صعب الأمر في» و بعد «في» زاد ما بين السطور في نسخة «م» بخط آخر: «تحقيق».

339

جهة إطلاق القول بحكومة العامّ الزماني على الاستصحاب أو ورود الاستصحاب على العامّ، ففساده ممّا لا يكاد يخفى بعد ما أوردنا (1) لك من التحقيق، و أنت بعد ما أحطت خبرا بما قد سلف ذكره تقدر على الاحتجاج بكلّ من الوجهين و إبطاله، فلا نطول بذكره، إلّا أنّ هاهنا كلاما أفاده بعض أفاضل السادات‏ (2) من متأخّري المتأخّرين- لا بأس بنقله تتميما للمبحث-: من أنّ استصحاب الحكم المخالف للأصل دليل شرعي مخصّص للعمومات، و لا ينافيه عموم أدلّة حجّيته من أخبار الباب الدالّة على عدم جواز النقض بغير (3) اليقين‏ (4)؛ إذ ليس العبرة في العموم و الخصوص بدليل الدليل، و إلّا لم يتحقّق لنا في الأدلّة دليل خاصّ؛ لانتهاء (5) كلّ دليل إلى أدلّة عامّة، بل العبرة بنفس الدليل، و لا ريب أنّ الاستصحاب الجاري في كلّ مورد خاصّ‏ (6) لا يتعدّاه إلى غيره فيقدّم على العامّ كما يقدّم على غيره من الأدلّة (7)، و لذا ترى‏ (8) أنّ الفقهاء يستدلّون في [إثبات‏] (9) الشغل و النجاسة و التحريم بالاستصحاب في مقابلة ما دلّ على البراءة الأصلية و طهارة الأشياء و حلّيتها، و من ذلك استنادهم‏ (10) إلى استصحاب النجاسة و التحريم في صورة الشكّ في ذهاب ثلثي العصير في‏ (11) كون التحديد (12) تحقيقيا

____________

(1). «ز، ك»: أوردناه.

(2). في هامش «م»: و هو العلّامة الطباطبائي السيّد مهديّ بحر العلوم في الفوائد الغروية [116- 117] و كذا كتب تحتها في «ز، ك»: «سيّد بحر العلوم» و أدرج «في الفوائد الغروية» في المتن بعد «السادات» و ليس بصواب.

(3). «ز، ك»: بعد.

(4). في المصدر: عدم جواز نقض اليقين بغيره.

(5). في المصدر: لانتهاء حجّية.

(6). في المصدر: خاصّ به.

(7). في المصدر و نقل فرائد الأصول 3: 277: الأدلّة عليه.

(8). «ز، م»: نرى.

(9). ما بين المعقوفين من المصدر.

(10). المثبت من «ك» و هو موافق للمصدر و نقل فرائد الأصول و في «م» زيادة: على استثنائهم (ظ) و في «ج» زيادة: إلى استنادهم و في «ز، ك»: استثناؤهم إلى استنادهم.

(11). في المصدر و نقل فرائد الأصول: و في.

(12). في المصدر: التحديد به.

340

أو تقريبيا (1)، و في صيرورته‏ (2) قبل ذهاب الثلثين دبسا، إلى غير ذلك‏ (3)، انتهى كلامه على ما لخّصه بعض الأجلّة (4).

ثمّ اعترض الملخّص‏ (5) عليه بأنّ هاهنا مقامين: الأوّل: تخصيص العامّ و رفع شموله لبعض ما يتناوله بالاستصحاب، الثاني: إبقاء حكم التخصيص بعد قيام دليله في بعض ما يتناوله العامّ بالاستصحاب.

أمّا المقام الأوّل: فلا ريب في عدم حجّية الاستصحاب فيه، سواء كان حكم العامّ موافقا للأصل أو مخالفا له‏ (6)؛ لاقتصار حجّيته على صورة عدم اليقين على الخلاف و إن كان اليقين حاصلا من عموم و نحوه‏ (7) ممّا يكون في أدنى درجات الاعتبار، و إلّا لم يوجد أمر و لا نهي؛ لمعارضة كلّ منهما باستصحاب البراءة الأصلية؛ إذ لا فرق بين عموم العامّ و غيره من حيث كونه دليلا لفظيا. و لم يصلح عامّا للتمسّك به في موارد الشكّ إلّا فيما لا يجوز تطرّق التخصيص إليه من دليل خارجي؛ لأنّ القدر الثابت بالعامّ هو ذلك البعض الذي لا يجوز أن يكون مخصّصا.

و أمّا المقام الثاني: فلا ريب في حجّية الاستصحاب فيه إذا اشتمل على شرائط الحجّية و هو ممّا لا خلاف فيه و ليس من تخصيص العامّ بالاستصحاب في شي‏ء، و من هذا الباب ما ذكره من الأمثلة، فإنّ عمومات البراءة إنّما دلّت على البراءة عند عدم ما يدلّ على الاشتغال، فإذا دلّ الاستصحاب على بقاء الاشتغال أو على بقاء الموضوع يتفرّع عليه، فشأن الاستصحاب في تلك العمومات تحقيق عنوان لا يجري فيه العمومات، و كذلك الكلام في عموم الطهارة.

____________

(1). في المصدر: لا تقريبيا.

(2). في المصدر: صورة صيرورته.

(3). الفصول: 214.

(4). في هامش «ز، ك، م»: [و هو «م»] صاحب الفصول، انتهى و سيصرّح بذلك أيضا كما سيأتي.

(5). «م»: المتلخّص.

(6). «ج، م»:- له.

(7). «ز»: نحوها.

341

إلى أن قال: فاتّضح ممّا حقّقنا أنّ الفاضل المذكور قد خلط بين المقامين من حيث إنّ صدر كلامه يدلّ على مصيره إلى الجواز في المقام الأوّل، و ذيله على إثبات الجواز في المقام الثاني، و اتّضح أيضا ضعف دليله و عدم مساعدة ما استشهد به من كلام الأصحاب على ما أرسله، فثبّت و لا تغفل‏ (1)- (2)، انتهى ما أورده الملخّص‏ (3) في الفصول بتغيير (4) و إسقاط ما و تلخيص في الجملة.

أقول- و باللّه التوفيق و هو الهادي إلى كلّ الصواب و حقّ الصواب‏ (5)-: و لقد أجاد المعترض في بعض ما أورده و لكنّه ما أجاد في الكلّ، و توضيح المقام و تحقيقه أنّ الاستصحاب تارة: يلاحظ بالنسبة إلى سائر الأصول المعمولة في موارد الشكّ من أصالة البراءة و الطهارة و الاشتغال و نحوها، و لا شكّ في تقديم الاستصحاب على تلك الأصول؛ لأنّ ما دلّ على اعتبارها مغيّا بغاية تتحقّق‏ (6) بالاستصحاب كأمثال الأدلّة الاجتهادية لفظية أو غيرها، و أخرى: يلاحظ بالنسبة إلى الأدلّة الاجتهادية من العمومات المنجّزة كقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ‏ (7) و نحوه من عمومات الحلّ كقوله: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (8) فإنّ التحقيق على ما عرفت فيما قدّمنا في أصالة الاباحة عدم دلالتها على إثبات الحلّ في مقام الشكّ و الظاهر كما هو المراد بالأصل، و مثل قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ‏ (9) ممّا يستفاد من مساقها أو من دليل خارجي من الاستثناء و نحوه استمرار الأحكام المدلول عليها بتلك العمومات، و قد عرفت فيما مرّ من التحقيق أنّ العامّ المقصور على استغراق الأفراد ممّا لا كلام فيه.

____________

(1). «ز، ك»: فلا تغفل.

(2). الفصول: 214- 215.

(3). «ج، م»:- الملخّص.

(4). «ز، م»: بتغيّر.

(5). «ز، ك»:- و باللّه ... الصواب.

(6). في النسخ: يتحقّق.

(7). المائدة: 4 و 5.

(8). البقرة: 29.

(9). المائدة: 3.

342

و أمّا المستغرق للأزمان فقد عرفت انقسامه إلى عموم دائمي استمراري، و إلى عموم أزماني استغراقي.

لا كلام في جريان الاستصحاب في القسم الأوّل من دون أن يكون مخصّصا للعامّ؛ إذ التخصيص فرع الارتباط، و المفروض عدم دلالته عليه في كلّ زمان فلا ارتباط فلا تخصيص.

و أمّا القسم الثاني فقد مرّ أنّ المخصّص ربّما يكون معلّقا على موضوع فيستصحب ذلك الموضوع و ليس من التخصيص في شي‏ء، و قد يكون الشكّ في حصول الحدّ فيستصحب و ليس من التخصيص في شي‏ء، و قد يكون عنوان المخصّص مهملا فيمكن استصحابه لو (1) لا العموم فلا يجري فيه الاستصحاب نظرا إلى ورود الدليل الاجتهادي على العملي كائنا ما كان، و قد يكون الدليل عامّا شاملا لتمام أفراد الزمان على حسب ما لاحظها الآمر في مقدار الزمان، سواء كان ذلك العموم مستفادا من عنوان العامّ أو من عقل أو نقل و نحوهما، فلا بدّ من الأخذ بعموم العامّ و ليس من مجرى الاستصحاب في شي‏ء؛ لأنّ المفروض كونه مقيّدا (2) بالزمان و بعد زوال القيد و حصول قيد آخر للحكم يصير فردا آخر قطعا، و لا يمكن انسحاب حكم فرد قطعي المغايرة (3) لفرد آخر فيه.

فاتّضح ممّا حقّقنا أنّ الفاضل المذكور إنّما خلط بين الأدلّة التعليقية الدالّة على أحكام الشكّ و بين غيرها، و ما استشهد به‏ (4) من كلام الفقهاء إنّما هو من هذا القبيل.

و أمّا الاستشهاد بعمومات الحلّ فلعلّه مبنيّ على ما نبّهنا عليه من أنّ متمسّك البعض في مقام إثبات الإباحة الأصلية هو هذه العمومات و المعترض المذكور إنّما خلط بين الكلّ و إن أصاب بعض الحقّ في عدم جواز ورود الاستصحاب كائنا ما كان على‏

____________

(1). «ج، ز، ك»:- لو.

(2). «م»: مقيّدة.

(3). «ز، ك»: فرد المغاير.

(4). «ج، م»:- به.

343

الدليل اللفظي الاجتهادي، فتارة يظهر من كلامه تقديم الاستصحاب على الأدلّة التعليقية، و أخرى تقديم الاستصحاب الموضوعي على غيره، و قد يظهر منه عدم جريان الاستصحاب في غير العموم المعلّق حكمه على العلم و غير استصحاب الموضوع مع أنّك تحقّقت جريانه في القسم الأوّل و ليس من العمومات المعلّقة على العلم حكما، و قد يظهر منه مدافعة العامّ للاستصحاب فيما لا يجري لكونه اجتهاديا، و ليس كذلك؛ لما عرفت من أنّه‏ (1) بعد ما صار الزمان قيدا لكلّ فرد من أفراد الحكم الواقع فيه يختلف الأفراد باختلاف الأزمنة، و بعد الاختلاف ليس من محلّ الاستصحاب في شي‏ء حتّى يكون ارتفاعه بواسطة الدليل، بل بواسطة عدمه لعدم‏ (2) محلّه و مجراه كما (3) هو ظاهر (4).

____________

(1). «ج، م»: أنّ.

(2). «م»: عدم تقدّم.

(3). «م»: فيما.

(4). «ز»: كما مرّ هو الهادي. «ك»: كما مرّ و اللّه الهادي.

344

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

345

هداية [ (في الاستصحاب) في الأمور التدريجية] (1)

المستصحب قد يكون من الأمور التي تجتمع‏ (2) أجزاؤها في الوجود الخارجي كالرطوبة (3) و اليبوسة و نحوهما، و قد يكون ممّا ليس له جزء (4) خارجي‏ (5) كالطهارة و النجاسة و الملكية و الحلّية و الحرمة و نحوها، لا إشكال في جريان الاستصحاب في هذين القسمين على تقدير اجتماع سائر الشرائط على التفاصيل المتقدّمة، و قد يكون ممّا لا يجتمع أجزاؤه في الوجود الخارجي كالتكلّم و المشي و الجريان ممّا ينتهي إلى مقولة الحركة أو ما ينتزع منها من الأوصاف اللازمة لها كمقدارها (6)- مثلا- ممّا ينقضي شيئا فشيئا كالليل و النهار و الشهر و نحوها، و قد يظهر من البعض‏ (7) تمثيله لذلك بالكرّية و ليس في محلّه؛ لأنّ الكرّية ليست‏ (8) من الأمور التدريجية و إنّما تحصل دفعة و إن توقّف حصولها كذلك على اجتماع أجزاء متفرّقة في الأزمنة المختلفة في بعض الأوقات، و إلّا فيمكن‏ (9) حصولها بدون ذلك أيضا، و هل يمكن القول بجريان‏

____________

(1). العنوان من هامش «م».

(2). المثبت من «م»، و في سائر النسخ: يجتمع.

(3). في هامش «م»: لا يخفى أنّ ما ذكرنا من الرطوبة يصحّ باعتبار المحلّ و حينئذ فيصحّ في الجميع، فتدبّر. «منه».

(4). «ز، ك»: جزئي.

(5). «ج»: خارجيا.

(6). «ز، ك»: لمقدارها.

(7). «ز، ك»: بعضهم.

(8). «ز، ك»: ليس.

(9). «ز، ك»: فيكون.

346

الاستصحاب في هذا القسم؟ الحقّ نعم لو لم نأخذ بضبط أمر الموضوع و اعتمدنا في إحرازه على المسامحة العرفية، و أمّا إذا قلنا بالتدقيق في الموضوع فلا يجري الاستصحاب؛ لأنّ الموجود من الأجزاء في الأمور التدريجية قد ارتفع قطعا و غير الموجود في ذلك الزمان غير معلوم الوجود، بل قضيّة الأصل عدمه، إلّا أنّه لا بدّ أن يعلم من ملاحظة كلمات العلماء أخباريا و أصوليا جريان الاستصحاب في تلك الأمور عندهم فلعلّ الأمر عندهم مبنيّ على التسامح، و ليس بذلك البعيد في أمثال الأمور المفروضة كالتكلّم و المشي فإنّ الموضوع عندهم أمر اتّصالي قارّ و لو بحسب ما يؤدّي إليه أنظارهم و إن كانت قاصرة عن الوصول إلى ما هو الواقع فيها و قد يتراءى أن يكون المستصحب هو العزم على التكلّم أو المشي، أو المادّة في جريان النهر، و عدم الاعتداد بما يمنع عن وقوع هذه الأمور بعد إحراز العزم و المادّة، فيكون الاستصحاب مرجعه‏ (1) إلى استصحاب الأمر العدمي و لا يعقل التدريج في الأمور العدمية (2)، هذا إنّما يتمّ في الأمور التدريجية التي تقع‏ (3) في الزمان، و أمّا نفس الزمان فربّما يقوّى في النظر عدم جريان الاستصحاب فيه و لو بعد مراعاة المسامحة العرفية كما لا يخفى، سيّما بعد ملاحظة ظهور أخبار الباب في مثل الزمان و عدم إمكان حصول الظنّ ببقائه.

نعم، في الزمان استصحاب عدمي لا غبار عليه كاستصحاب عدم وصول الشمس إلى دائرة (4) نصف النهار، و عدم استتار القرص، و عدم وصوله إلى الأفق‏ (5)، و نحو ذلك كاستصحاب عدم طيّ المسافة المفروضة في البروج التي تدور الشمس في منطقتها (6)، إلى غير ذلك، و قد عرفت أنّ تلك الأعدام ممّا لا يصحّ وصفها بالتدريجية، بل هي أمور مستمرّة معلومة مستصحبة إلى زمن العلم بارتفاعها؛ لوجود علّة الوصول إلى‏

____________

(1). «ز، ك»: فيكون مرجع الاستصحاب.

(2). «ز، ك»: التدريجية.

(3). «ج، م»: يقع.

(4). «ج، م»:- دائرة.

(5). «ز، ك»: الأرض.

(6). «ز، ك»: منطقها.

347

تلك الحدود من المسافة (1)، فلاحظ و تدبّر فإنّ الأمر بمكان من الغموض و الخفاء في بعض الموارد من الزمانيات و الزمان‏ (2).

____________

(1). «ج، م»: المسافات.

(2). «ز، ك»:- و تدبّر ... و الزمان.

348

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

349

هداية [في استصحاب الكلّي‏] (1)

إذا شككنا في بقاء القدر المشترك و الجنس بعد العلم بزوال فرد منه فهل يمكن الأخذ باستصحاب الجنس و القدر المشترك في إثبات بقائه و لو في فرد آخر أو لا؟

و (2) تحقيق الكلام أنّ هاهنا (3) صورا عديدة:

الأولى: أن يكون ذلك الأمر المشترك غير معيّن في ضمن أحد الفردين ابتداء، بل يكون مردّدا بين فردين أحدهما قطعي الارتفاع، فلو كان المشترك متقوّما بقوامه فقد ارتفع قطعا، و لو كان متحقّقا بتحقّق غيره فهو باق قطعا.

الثانية: أن يكون وجوده معلوما في ضمن معلوم معيّن قطعي الارتفاع مع احتمال تقوّمه بفرد مماثل له نوعا.

الثالثة: أن يكون كالثانية مع احتمال تبدّله بفرد متّحد معه في الجنس.

لا إشكال في جريان الاستصحاب على المسامحة العرفية في ضبط الموضوع بالنسبة إلى القدر المشترك في الأولى من الصور؛ لعدم مدخلية الخصوصية المعلومة الارتفاع في الحكم المترتّب على نفس الأمر المشترك بين الفردين، فإنّ المطلوب بالاستصحاب على ما عرفت مرارا هو الأخذ بلوازم المستصحب فقط، ففي المقام لا

____________

(1). عنونه في هامش «م» ب «في استصحاب القدر المشترك بعد ارتفاع فرد خاصّ».

(2). كذا. و الأنسب بدون «و».

(3). «ز، ك»: هنا.

350

وجه للأخذ بأحكام إحدى الخصوصيتين باستصحاب القدر المشترك.

و ذلك كما في استصحاب كلّي الحدث المشترك بين الأصغر و الأكبر فإنّه يترتّب عليه أحكام مطلق الحدث من عدم جواز الدخول في المشروط بالطهارة من صلاة أو (1) طواف و نحوهما (2)، و لا يحكم بأنّه الجنابة مثلا، فيجوز له الجواز في أحد المساجد و اللبث في غيرها، و أمّا وجوب الغسل عليه فهو بواسطة وجوب الدخول فيما هو مشروط بالطهارة و تحصيل القطع بالطهارة الواقعية التي‏ (3) لا تحصل إلّا بعد الغسل كما لا يخفى. و بالجملة: فكلّ واحد من موجبات الوضوء و الغسل أمر حادث و الأصل عدمه، و ليس الأخذ به مجديا فيما نحن بصدده إلّا أنّ أصل‏ (4) الحدث المشترك أمر معلوم و الأصل بقاؤه إلى حدوث رافعه، و وجوب الغسل عليه قد عرفت الوجه فيه، نعم لو كان الوضوء محمولا على غير الجنب كما يظهر من قوله: وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (5) على بعض الوجوه، كان لإثبات وجوب الوضوء بعد عدم وجوب الغسل بانتفاء موضوعه بالأصل وجه، و من هذا القبيل استصحاب بقاء النجاسة المردّدة بين كونها ممّا ترتفع بغسلة واحدة أو بغسلتين. و استصحاب بقاء الاشتغال بالأمر الواقعي الواقع على الظهر أو الجمعة بعد فعل أحدهما.

و من هنا يظهر جريان الاستصحاب في هذه الصورة بناء على التدقيق أيضا، و ليس هذا من الاستصحاب العرضي في شي‏ء؛ لأنّ الحكم في الجهة المعلومة قد ارتفع‏ (6) قطعا و الجهة المشكوكة مشكوكة من أوّل الأمر بخلاف مثل استصحاب الاشتغال، فإنّ المعلوم أوّلا هو القدر المشترك بين الأفراد، فالخصوصيات خارجة عن المعلوم و انتفاؤها لا يوجب ارتفاع المعلوم، فيستصحب إلى حصول العلم بالارتفاع.

____________

(1). «ز، ك»: و.

(2). «ج، م»: نحوها.

(3). «ج»: «و هي» بدل: «التي».

(4). «ز، ك»: الموصل.

(5). المائدة: 6.

(6). «ز، ك»: لارتفع.

351

و بالجملة: فهذه الصورة و الاستصحاب العرضي متعاكسان في كيفية العلم بالمشترك و الخصوصيات، فإنّ المعلوم في الأخير هو الخصوصية كالمشكوك و المشترك معلوميته حاصل من معلومية الخصوصية، بخلاف الصورة هذه فإنّ المعلوم أوّلا هو القدر المشترك و يتبعه الحكم بلزوم الإتيان بالفرد فيستصحب إلى أن يحصل العلم بالارتفاع.

و أمّا الثانية: فكالأولى في جريان الاستصحاب بعد البناء على المسامحة العرفية، و أظهر الأمثلة في ذلك ما لو تبدّل أحد أفراد الماهيّة المشكّكة المختلفة شدّة و ضعفا بالآخر، كما إذا علمنا بارتفاع السواد الشديد، ثمّ شككنا في قيام الفرد الضعيف مقامه فإنّهم بانون في مثله على استصحاب مطلق السواد كما يظهر من استصحاب كثرة السهو فيما لو كانت قائمة على فرد شديد معلوم الارتفاع، ثمّ يشكّ‏ (1) في ارتفاع الماهيّة و انقلاب محلّه متّصفا بضدّه أو اتّصافه بفرد مماثل له في الماهيّة الضعيفة، و كذا في استصحاب كثرة السفر.

و أمّا الثالثة: فكما إذا علمنا بوجود إنسان في الدار يشكّ في تبدّله حمارا (2) بعد القطع بارتفاعه، فالتحقيق عدم جريان الاستصحاب فيه كما هو ظاهر بناء على الدقّة في الموضوع، و أمّا العرف فقد (3) يتسامح في مثل ذلك فيحكمون ببقاء الحيوان المشترك؛ لأنّ القدر المشترك هو ممّا لا يختلف باختلاف الأفراد و المفروض وجوده في الخارج و الأصل بقاؤه إلى ثبوت رافعه.

لكنّ الإنصاف أنّ جريان الاستصحاب في بعض أقسام هذه الصورة و بعض الأمثلة فيها كاد أن يكون بطلانه من أجلى البديهيات و أعلى‏ (4) الضروريات و إن كان الأستاد دام علاه مصرّا على توجيه الاستصحاب فيه مراعاة لمذاق القوم، و غاية ما

____________

(1). «ز، ك»: نشكّ.

(2). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: حجارا.

(3). «ج، م»:+ يقال.

(4). «ز، ك»:- البديهيات و أعلى.

352

يمكن أن يتعسّف في المقام هو أن يقال: إنّ العرف ربّما يتخيّلون الموضوع في هذه الاستصحابات أمرا قارّا مستمرّا غير مختلف باختلاف الأفراد و لا متفاوت‏ (1) بتفاوت الآحاد، كما يظهر من استصحاب بقاء السلسلة الفلانية و القبيلة الكذائية، أو استصحاب بقاء النوع أو عمارة البلد أو القرية مثلا، فكأنّ المعلوم أوّلا عندهم هو ما يقضي‏ (2) بوجود ذلك النوع أو السلسلة (3) كما عرفت في استصحاب جريان النهر (4)، و منه حكمهم باستصحاب الحيض فيما رأت الدم بعد أيّام قرئها و قبل كمال‏ (5) العشرة، و منه الحكم باستصحاب النجاسة فيما لو زال التغيّر (6) في جهة مع الشكّ في حدوث التغيّر من جهة أخرى. و كيف كان فليس‏ (7) أمر الاستصحاب عندهم مبنيّا على المداقّة حتّى أنّ من ذهب إلى تجدّد الأكوان و تبدّل الأمثال في الأعراض كالنظّام إنما يتمسّك بالاستصحاب فيما لو شكّ في بقاء الكون الموجود أو العرض‏ (8) المفروض مع اختلاف الأفراد المتتالية على تقدير الوجود، و لهذا لم نر أحدا أحال الاستصحاب على بقاء الأكوان و تجدّد الأمثال و عدمه.

و بالجملة: الذي يظهر لنا عدم جريان الاستصحاب عند الدقّة في الصورتين الأخيرتين؛ لأنّ المطلوب في هذا الاستصحاب و إن كان هو الأمر الكلّي الذي لا يختلف باختلاف الأفراد إلّا أنّه لم يكن بنفسه موجودا معلوما و إنّما كان موجودا في الخارج باعتبار وجود الفرد، فوجوده أوّلا قطعنا بارتفاعه، و ثانيا لم يعلم به و لو كان على تقدير الوجود غير مختلف مع الأوّل و الأصل عدمه، بل لو كشف الغطاء عن‏

____________

(1). «ز، ك»: يتفاوت.

(2). «ج»: يقتضي.

(3). في هامش «م»: و لعلّ الوجه في استصحاب بقاء السلسلة و النوع أو نسل بني فلان عدم العلم بانعدام الموجودين منهم فيخرج عن مفروض الصورة، فتدبّر.

(4). عرفت في ص 345- 346.

(5). «ج، م»: تكامل.

(6). «ج»: التغيير، و كذا في المورد الآتي.

(7). «ز، ك»: فكيف كان ليس.

(8). «ز»: الفرض.

353

وجه المطلوب لكنت أقول: إنّ قضيّة ما ذكرنا عدم جريان الاستصحاب في الصورة الأولى أيضا، و أمّا عرفا فيختلف فيه الأمثلة في الصورتين على ما عرفت، فربّما نقطع‏ (1) بالمسامحة و ربّما نقطع بعدمها، فالأمر في تشخيص ذلك في غاية الإشكال و نهاية الصعوبة، فتدبّر.

ثمّ إنّ الفاضل التوني قد أورد في الوافية كلاما يقرب ممّا ذكرنا حيث قال: الرابع:

أن يكون الحكم الشرعي المترتّب على الأمر الوضعي المستصحب ثابتا في الوقت الأوّل و يكون الحكم في الوقت الثاني فرعا لثبوته‏ (2) في الأوّل، فإذا لم يثبت في الزمان الأوّل فكيف يمكن إثباته في الزمان الثاني؟ ثمّ فرّع عليه عدم إمكان إثبات النجاسة باستصحاب عدم المذبوحية في الجلد المطروح؛ لأنّ النجاسة لم تكن‏ (3) ثابتة في وقت الحياة، قال: و السرّ فيه أنّ عدم المذبوحية لازم لأمرين: الحياة، و الموت حتف أنفه، و الموجب للنجاسة ليس هذا اللازم من حيث هو هو بل ملزومه الثاني أعني الموت حتف أنفه، فعدم المذبوحية لازم أعمّ لموجب النجاسة، فعدم المذبوحية العارض للحياة مغاير لعدم المذبوحية العارض للموت حتف أنفه، و المعلوم ثبوته في الزمان الأوّل هو الأوّل لا الثاني و ظاهر أنّه غير باق في الزمان الثاني، ففي الحقيقة يخرج مثل هذه الصورة من الاستصحاب؛ إذ شرطه بقاء الموضوع و عدمه هنا (4) معلوم.

قال: و ليس مثل المتمسّك بهذا الاستصحاب إلّا مثل من تمسّك على وجود عمرو في الدار في الوقت الثاني باستصحاب بقاء الضاحك المتحقّق بوجود زيد في الدار في الوقت الأوّل، و فساده غنيّ عن البيان‏ (5)، انتهى كلامه.

____________

(1). المثبت من «ز» و في سائر النسخ: يقطع.

(2). في المصدر: الوقت الأوّل إذ ثبوت الحكم في الوقت الثاني فرع لثبوت الحكم.

(3). «ج، م»: لم يكن.

(4). «ج»: هاهنا.

(5). الوافية: 210.

354

و لقد أجاد فيما أفاد من أصل المدّعى‏ (1) و إن كان ما أجاد فيما فرّع عليه، أمّا أوّلا:

فلأنّ النجاسة ليست من الأحكام المترتّبة على الموت حتف أنفه فهي من لواحق عدم التذكية كما يستفاد من حصر المحلّل في المذكّى في قوله‏ (2) تعالى: وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏ (3) و في الخبر: «فما علمت أنّه مذكّى فهو حلال» (4) فالحرمة و النجاسة إنّما هما (5) مترتبان في عنوان الأدلّة على عدم التذكية و ضدّاهما عليها (6)، فاستصحاب عدم التذكية و إن كان لا يجدي في إثبات الموت حتف أنفه- لأنّ نفي أحد الأضداد بالأصل لا يوجب إثبات الضد الآخر؛ لكونه من الأصول التي لا تعويل عليها- إلّا أنّه لا حاجة إلى إحراز الموت في هذه الأحكام.

و أمّا ثانيا: فلأنّ عدم المذبوحية ممّا لا يختلف أبدا فهو عدم واحد مستمرّ مستصحب و هو معلوم حال الحياة، و بعد إزهاق الروح يشكّ في رفع ذلك الأمر العدمي المعلوم، و الأصل يقضي‏ (7) ببقائه، و لا يعقل الترديد بين أن يكون ذلك العدم لازما للحياة أو (8) الموت حتف أنفه؛ لعدم التمايز بين قسميه كما في سائر الأعدام، و بعد إحرازه‏ (9) بالأصل على ما هو معلوم لكونه مفادا للأصل يترتّب عليه أحكامه المترتّبة عليه، و عدم نجاسة الجلد (10) حال الحياة ممّا لا دخل له في نجاسته بعد الممات و زهوق‏ (11) الروح.

أفاد الأستاد أدام اللّه إفاداته‏ (12) أنّ في سالف الزمان كنّا نفصّل بين الكلّيات الذاتية

____________

(1). «ز، ك»: أجاد في أصل المدّعى.

(2). «ج، م»: قوله.

(3). المائدة: 3.

(4). وسائل الشيعة 3: 408، باب 9 من أبواب النجاسات و الأواني و الجلود، ح 6، و 4: 354، باب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1، و فيها: «كلّ شي‏ء منه جائز إذا علمت أنّه ذكّي».

(5). «ج، م»:- هما.

(6). «ز»: عليهما.

(7). «ج»: يقتضي.

(8). «م»: إذ.

(9). «ز، ك»: إحرازها.

(10). «ز»: الحلية، «ك»: عدم النجاسة و الحلية.

(11). «ز، ك»: إزهاق.

(12). «ز، ك»:- أدام اللّه إفاداته.