مطارح الأنظار - ج4

- الشيخ أبي القاسم الكلانتري المزيد...
781 /
405

يقال: إنّ الدليل الاجتهادي هو ما يدلّ على الحكم الواقعي من غير ملاحظة الشكّ في موضوعه، و ما يدلّ على حكم الواقعة (1) من حيث كونها مجهول الحكم كأن يكون مبنيّا (2) لحكم الشكّ فهو دليل عملي مثل الأصول الأربعة الكلّية و الأصول الجزئية كالقرعة و أشباهها، و أمّا الأخبار الآحاد فليست مبنيّة (3) لحكم الواقعة باعتبار الشكّ، و كذا ما يدلّ على اعتبارها أيضا فإنّ الأدلّة الدالّة عليه إنّما تدلّ على اعتبارها من حيث إنّها طرق إلى الواقع و حكايات عنه و كواشف منه‏ (4)، و ستعرف لذلك زيادة تحقيق.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا: أنّ المراد بالأدلّة الاجتهادية هو ما عدا الأصول العملية ممّا يكشف عن حكم الواقعة المشكوكة لا من حيث إنّها مشكوكة، و لا ضير في ذلك أن يكون قطعيا أو ظنّيا أو تعبّديا صرفا، و فيما ذكرنا أيضا يختلف المراد، مثلا إنّ الحكم الواقعي في الشكّ في التكليف هو البراءة، فلو تخلّف عنها المجتهد و حكم بالاحتياط كما عن الأخباريين فهو في حقّه حكم ظاهري، و لو تردّد في ذلك الحكم فلا بدّ له من الرجوع إلى أصل آخر مقرّر فيما شكّ في كونه من موارد البراءة و الاحتياط، و هو أيضا قد يصير مجهولا إلى الانتهاء إلى حدّ لا يعقل فيه الخطأ كالعلم، فإنّه ليس وراء عبّادان قرية.

و لا بأس بتوضيح المقال بالمثال، فيقال: إنّ الدليل الدالّ‏ (5) على حرمة العصير من حيث هو عصير و موضوع واقعي دليل اجتهادي، و هذه الحرمة المستفادة منه حكم واقعي، ففي صورة القطع بذلك فلا إشكال، و كذا في صورة الظنّ فإنّ الدليل الدالّ على اعتباره لا يدلّ عليه من حيث إنّه مجهول الحكم، و أمّا لو جهلنا بذلك الحكم الواقعي‏

____________

(1). «م»: واقعة.

(2). «ز»: مبيّنا.

(3). «ج، م»: فليس مبنيا، «ز»: مبيّنة.

(4). «ج، م»: طريق إلى الواقع و حاكي عنه و كاشف منه.

(5). «ز، ك»:- الدالّ.

406

فإن‏ (1) وصلنا إلى ما هو حكم‏ (2) الشاكّ من الأخذ بالبراءة- مثلا- فهو، و يكون إذا ذلك الحكم حكما ظاهريا، و ذلك الدليل أصلا و قد يعبّر عنه بالواقعي الثانوي، و إلّا فالمرجع ما هو مقرّر بعد ذلك فذلك الحكم ظاهري ثانوي، و ذلك الدليل أصل ثانوي، إلى أن ينتهي‏ (3) في المرتبة الرابعة أو الثالثة إلى ما لا يعقل الشكّ فيه كأحد (4) القضايا البديهية.

و إذ قد عرفت المراد من الدليل الاجتهادي فنقول: إذا وقع التعارض بين الاستصحاب و الأدلّة الاجتهادية فتارة: يقع الكلام فيما إذا كان مبنى الاستصحاب على الظنّ، و أخرى: فيما كان مبناه الأخبار.

فعلى الأوّل لا إشكال في تقديم الأدلّة على الاستصحاب فيما لو كانت مفيدة للقطع؛ لارتفاع موضوع الاستصحاب بالقطع حقيقة و واقعا، فلا يعقل الاستصحاب.

و أمّا فيما لم تكن‏ (5) مفيدة للقطع فإن قلنا باعتبار الاستصحاب من حيث الظنّ و لو نوعا، كما استظهرناه من مذاق القدماء من القوم‏ (6)، فلا شكّ أيضا في تقديم الأدلّة الاجتهادية على الاستصحاب؛ لأنّ المدرك فيه هو بناء العقلاء و ليس بناؤهم على الأخذ بالحالة السابقة في قبال الدليل القاضي بارتفاعها، و لعلّ السرّ في ذلك عدم بقاء استعداده لإفادة الظنّ، و يكون ملحقا بأخبار المجانين- مثلا- في عدم استعداده لإفادة الظنّ النوعي، فليس عدم إفادته الظنّ من حيث وجود المعارض و المصادمة كما في تعارض الأخبار مثلا؛ لأنّ المنساق من كلمات بعضهم على ما نبّهنا عليه فيما تقدّم‏ (7) أنّ عدم الظنّ على الخلاف و عدم الدليل مأخوذ في ماهيّة الاستصحاب، و يزيد ذلك وضوحا فيما لو انتفى الظنّ من غير جهة المعارضة بواسطة الموهنات‏ (8) الأخر.

____________

(1). «ج، م»: و إن.

(2). «م»:- حكم.

(3). «ج، م»: ينهى.

(4). «ز، ك»: كأخذ.

(5). في النسخ: لم يكن.

(6). «ج، م»:- من القوم.

(7). انظر ص 78.

(8). «ز، ك»: الأمارات.

407

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ ذلك إنّما يثمر في ارتفاع الظنّ الشخصي، و أمّا الظنّ النوعي فلا معنى لارتفاع استعداده، و يمكن أن يقال: إنّ الوجه في ذلك أنّ بناء العقلاء على ذلك إنّما هو في مقام التحيّر، و بعد وجود الدليل فلا حيرة لهم فليس بناؤهم على الأخذ بالحالة السابقة.

و كيف كان، فالذي يسهّل الخطب في المقام هو اتّفاق القائلين‏ (1) بالاستصحاب من الأصحاب و غيرهم على العمل بالدليل و طرح الحالة السابقة في قباله، و لم يعهد منهم الخلاف في ذلك من وجه عدا ما يظهر من المحقّق القمي حيث إنّه- بعد ما نقل عن بعض المتأخّرين‏ (2) عدم معارضة الاستصحاب بدليل- قال: إن أراد من الدليل ما ثبت رجحانه على معارضه فلا اختصاص لهذا الشرط بالاستصحاب فإنّه سار في الكلّ.

و إن أراد من الدليل ما يقابل الأصل، ففيه: أنّ الإجماع على ذلك إن سلّم في أصل البراءة و أصل العدم فهو في الاستصحاب ممنوع، أ لا ترى أنّ جمهور المتأخّرين قالوا:

إنّ مال المفقود في حكم ماله حتّى يحصل العلم العاديّ بموته استصحابا للحالة السابقة مع ما ورد من الأخبار المعتبرة بالفحص أربع سنين ثمّ التقسيم بين الورثة، فكيف يدّعى الإجماع على ذلك؟

و إن أراد أنّ الاستصحاب من حيث هو لا يعارض الدليل القطعي‏ (3) كما أنّ العامّ و المفهوم من حيث إنّهما كذلك لا يعارضان الخاصّ و المنطوق، فله وجه إلّا أنّه لا ينافي تقديمه على الدليل بواسطة الخارج كما فيهما أيضا.

ثمّ أردف ذلك باحتمال أخذ الظنّ في تعريف الاستصحاب كأن يكون الحكم مظنون البقاء فحكم بانتفاء الاستصحاب و حقيقته عند وجود الدليل، فلا يعقل الاشتراط، و على تقدير عدم اعتباره في ماهيّة (4) ورود (5) الأمر بين اعتباره من جهة الظنّ‏

____________

(1). «ج، م»: العاملين.

(2). هو الفاضل التوني في الوافية: 208.

(3). في المصدر: النطقي.

(4). «ز، ك»: اعتباره من جهة.

(5). «ج»: مردّد.

408

و من جهة (1) الأخبار فأورد على الاشتراط على الأوّل بمثل ما أورده أوّلا من عدم الاختصاص بالاستصحاب لتبدّل الظنّ وهما بعد ورود الدليل، و على الثاني في غير ما إذا كان الدليل قطعيا بأنّ المرجع إلى تعارض الدليلين حينئذ أيضا، فلا وجه للاختصاص‏ (2)، هذه‏ (3) خلاصة ما أفاده في القوانين إلّا أنّه لم نقف على وجه.

أمّا أوّلا: فنختار من الترديدات ثانيها (4)، و (5) منع الإجماع ممّا لا يصغى إليه بعد ظهوره بالتتبّع في مطاوي كلماتهم، و أمّا حديث المفقود فممّا لا مساس له بالمقصود؛ لأنّ القائلين‏ (6) بالاستصحاب على ما يظهر منهم في الفقه إنّما تمسّكوا به من جهة ضعف تلك الأخبار عندهم على ما صرّح به المحقّق في الشرائع‏ (7).

على أنّ بعد التسليم عن ذلك أنّ الكلام في المقام إنّما هو في تقديم الأدلّة الاجتهادية على الاستصحاب بمعنى أنّه لو قام دليل على ارتفاع الحالة السابقة فهل يؤخذ بالاستصحاب و يحكم بحسبه بوجودها و ترتيب آثارها عليها، أو لا بدّ من الأخذ بمفاد ذلك الدليل و الحكم بارتفاع الحالة السابقة و عدم ترتيب الآثار عليها، بل ترتيب آثار العدم عليها كما هو ظاهر؟ مثلا لو قامت‏ (8) البيّنة على موت زيد المشكوك موته فإن قلنا بأنّ من شرط العمل بالحالة السابقة عدم العلم بارتفاعها في الزمان اللاحق، فلا يجب إنفاق زوجته من ماله، بل يؤخذ بأحكام موته من عدم تورّثه من مال مورّثه و تقسيم أمواله بين الورثة و نحوها. و إن قلنا بعدم الاشتراط، فيقع التعارض؛ لأنّ قضيّة الاستصحاب هو الأخذ بالحالة السابقة، و البيّنة تقضي‏ (9) بارتفاعها.

____________

(1). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: و صحّة.

(2). القوانين 2: 75- 76 و في ط: ص 277.

(3). المثبت من «ك» في سائر النسخ: هذا.

(4). «ز»: ثانيهما.

(5). «م»: «إذ» بدل «و».

(6). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: العاملين.

(7). الشرائع 4: 846 ط الشيرازي.

(8). «ز، ك»: قام.

(9). «ج»: يقتضي.

409

و أمّا لو قام دليل على أنّ حكم المشكوك المسبوق بالحالة السابقة مطلقا أو في خصوص مورد- مثلا- هو كذا بخلاف ما هو المستفاد من دليل الاستصحاب، فلا شكّ في وقوع التعارض بين أدلّة الاستصحاب و بينه، كما في الشكّ في عدد الركعات فإنّ قوله: «فابن على الأكثر» في مقام الشكّ ممّا يقضي‏ (1) بعدم الأخذ بالحالة السابقة و ترتيب آثار الوجود على المشكوك المسبوق بالحالة السابقة العدمية، و الأخبار الواردة في تقسيم مال المفقود من هذا القبيل، و لا تعارض بينها (2) و بين الاستصحاب بمعنى أنّ‏ (3) المستفاد منها أنّ المفقود الذي لا يعلم‏ (4) وجوده و عدمه بعد الفحص عنه‏ (5) أربع سنين يقسّم ماله بين ورثته كما أنّه تعتدّ زوجته، ثمّ تحل للازدواج‏ (6) بعد أن لم تصبر مثلا، فهذه قاعدة خاصّة و أصل خاصّ وارد في مقام حكم الشي‏ء المشكوك كنفس الاستصحاب، و لا ريب في تقدّمه عليه على تقدير اعتبار الأخبار الدالّة عليه كما عرفت في تقديم‏ (7) أخبار الشكّ في عدد الركعات عليه كما لا يخفى، و ليس مفادها أنّ الحالة السابقة التي هي مناط الاستصحاب قد ارتفعت و إن كانت مشاركة في الحكم بعدم الأخذ بالآثار المترتّبة على الحالة السابقة مع الدليل القاضي بارتفاع الحالة السابقة، و لعلّ ذلك هو الوجه في الاختلاط بينهما (8).

و بالجملة: فالمقصود هو القول بعدم الأخذ بالحالة السابقة فيما لو قام دليل على ارتفاعها (9) لا (10) القول بعدم ما يقضي‏ (11) بخلاف ما يقضي به الاستصحاب في مقام عدم‏

____________

(1). «ج»: يقتضي.

(2). «ز، م»: «بينهما»، ثمّ استدرك في نسخة «م» ما بين السطور «و بين الاستصحاب».

(3). «ز، ك»: «بل» بدل «أنّ» و كان في نسخة «م»: «أن بل» ثم شطب على «بل».

(4). «م»: لا نعلم.

(5). «ز»: فيه، «ك»: في.

(6). «ج، م»: للأزواج.

(7). «م»: تقدّم.

(8). «ج»: بينها.

(9). «م»: ارتفاعهما؟

(10). «ز، ك»:- لا.

(11). «ج»: «يقتضي» و كذا في المورد الآتي.

410

العلم بالحالة السابقة، غاية ما يمكن أن يقال: هو أنّ الأحكام المعمولة في الأدلّة اللفظية من تقديم‏ (1) الخاصّ على العامّ و نحوه، ممّا يجب مراعاتها في المقام أيضا فلا وجه لتقديم أخبار الاستصحاب على مثل هذه الأخبار الخاصّة المبنيّة (2) لحكم الشكّ، فيجاب عنه بالقضيّة المعروفة من أنّ العامّ مع عمومه ربّما يقدّم على الخاصّ لأمور خارجية عنهما و ذلك ظاهر جدّا.

و أمّا ثانيا: فلأنّ ما ذكره من الترديد بين أخذ الظنّ في تعريف الاستصحاب ممّا ليس في محلّه؛ لعدم اعتبار الظنّ في واحد من التعاريف على ما سمعت الكلام فيها، نعم يظهر من العضدي‏ (3) أنّ الاستصحاب هو الاستدلال المعهود، و على تقدير تعقّله فليس استصحابا كما لا يخفى.

و أمّا ثالثا: فلأنّ ما ذكره في ثاني شقّي هذا (4) الترديد من عدم الاختصاص بالاستصحاب بعد تبدّل الظنّ المعتبر (5) فيه وهما، ليس على ما ينبغي؛ لأنّ اطّراد ذلك وجه للاختصاص، و إلّا فلا وجه للقول بالتبدّل على الإطلاق فلعلّه لم يتبدّل في مورد.

و أمّا رابعا: فلأنّ المستفاد من مقالته أخيرا هو وقوع التعارض بين أخبار الاستصحاب و بين الأدلّة الاجتهادية، و سيأتي بعيد (6) ذلك عدم استقامة أمثال هذه الكلمات على ما هو مذاقنا في الاستصحاب.

هذا تمام الكلام فيما لو قلنا بالاستصحاب من جهة الظنّ النوعي، و محصّله: أنّ الاستصحاب مثل الغلبة يزول استعداده للظنّ بعد وجود الدليل، فإنّ إلحاق المشكوك بالأعمّ الأغلب إنّما هو فيما كان الفرد المشكوك ممّا تساوى طرفاه لو لا إلحاقه بالأعمّ،

____________

(1). «ز، ك»: تقدّم.

(2). «ز»: المبيّنة.

(3). شرح مختصر المنتهى: 453 و تقدّم عنه في ص 11.

(4). «ج»:- هذا.

(5). «ز، ك»: المعتدّ.

(6). «ز، ك»: بعد.

411

و بعد قيام الدليل على تفرّده من الأفراد الأخر لا يبقى موضوع المفروض في الغلبة كما هو ظاهر، و العمدة هو الإجماع المدّعى في كلام جماعة (1) المؤيّد بعدم ظهور الخلاف بين العاملين بالاستصحاب على ما عرفت.

و أمّا لو قلنا بالاستصحاب من جهة الظنّ الشخصي فمع قطع النظر عن عمل القائل به قضيّة القاعدة هو القول بدوران الأمر مدار الظنّ، فعلى فرض وجود الظنّ في طرف الاستصحاب لا معني للقول بتقديم‏ (2) غيره عليه مع وجود ما هو المناط في الاعتبار على ما هو مقتضى الإنصاف إلّا أنّه لم يعهد منهم ذلك في وجه، فيبنى طرح الظنّ الاستصحابي في قبال الأدلّة الاجتهادية على دعوى الإجماع على ذلك، و على تقديره فيشكل الأمر في استفادة اعتبار مثل ذلك من الدليل، فليتدبّر فيه فإنّه ممّا لا يكاد يتمّ في وجه.

و أمّا على الثاني‏ (3): فلا إشكال في ورود الدليل الاجتهادي على الاستصحاب فيما لو كان مفيدا للقطع؛ لأنّ الممنوع في تلك الأخبار نقض اليقين بالشكّ و ليس المقام منه؛ إذ المفروض حصول اليقين على ارتفاع الحالة السابقة، و صريح بعضها هو جواز نقضه بيقين آخر مثله، بل الأمر به من حيث وقوع الفعل المطلوب في حيّز الخبر من قوله:

«لكنّه ينقضه» و مثل ذلك نسمّيه بالورود، و تحقيقه أن يكون الدليل على وجه بتحقّقه يرتفع محلّ الآخر و ينتفي موضوعه.

و أمّا فيما لو كان الدليل الدالّ على ارتفاع الحالة السابقة ظنّيا فقد يقال‏ (4): إنّه يقدّم على الاستصحاب من قبيل تقديم‏ (5) الأدلّة القطعية؛ لانتهاء الظنّ إليه، فعند الدقّة الناقض لليقين ليس إلّا اليقين، إلّا أنّه كلام خال عن التحقيق؛ لأنّ المناط في الورود

____________

(1). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: جملة.

(2). «ج، م»: تقدّم.

(3). أي فيما كان مبناه الأخبار.

(4). «ز، ك»: قال. و القائل به بعض الأعيان كما سيأتي في ص 418.

(5). «ز، ك»: تقدّم.

412

هو ارتفاع موضوع الدليل حقيقة و لا يتحقّق ذلك إلّا بعد تحقّق اليقين الواقعي الوجداني، و من المعلوم أنّ اليقين باعتبار شي‏ء يغاير كون ذلك الشي‏ء يقينا، فالورود موضوع واقعي متفرّع على موضوع واقعي، و جعل الشي‏ء بمنزلة اليقين لا يترتّب عليه ما هو من لوازم حقيقة اليقين واقعا كارتفاع الشكّ مثلا، فالتحقيق أنّه ليس من الورود، بل هو من جهة التحكيم، و توضيحه يحتاج إلى تمهيد مقدّمتين:

الأولى: في أنحاء التصرّفات الواقعة في الأدلّة و لو بحسب ما يظهر منها صورة (1)، فتارة: يكون بالورود على نحو ما عرفت آنفا، و ربّما يكون بينه و بين التخصّص‏ (2) فرق من أنّ التخصّص‏ (3) قد يكون أعمّ من الورود فإنّه على ما عرفت لا بدّ من أن يكون الوارد رافعا لموضوع المورود (4) فينتفي ما هو المناط بعد وجود ذلك الدليل، بخلاف التخصّص‏ (5) فإنّه قد يحتمل أن يكون فيما لا ارتباط بين الحكمين أيضا، فإنّ وجوب إكرام زيد لا ارتباط له بوجوب‏ (6) إهانة عمرو مثلا، و لا يبعد أن يقال بالتخصّص‏ (7) في ذلك، فتأمّل.

و أخرى: يكون على وجه التخصيص و لازمه بقاء الموضوع و إخراج الحكم، كما في قولنا: أكرم العلماء، و لا تكرم زيدا العالم مثلا.

و أخرى: يكون على وجه الصرف عن الظاهر مطلقا كما في قرائن المجاز، و ذلك على وجهين: فتارة: يكون الصارف بمدلوله اللفظي ناظرا إلى الدليل الأوّل، كما في قولنا: رأيت أسدا (8)، و قولنا: أعني الرجل الشجاع مثلا، و أخرى: لا يكون الصارف كذلك و لكنّ العقل بعد ملاحظة ذلك الصارف و ظهوره في مقام الصارفية يحكم بأنّ‏

____________

(1). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: ظهوره.

(2). «ج»: «التخصيص».

(3). «ج، ز»: «التخصيص».

(4). «ج»: الورود.

(5). «ج، ز»: «التخصيص».

(6). «ج، م»: لوجوب.

(7). المثبت من «م» و في سائر النسخ: بالتخصيص.

(8). «ك»: أسدا يرمي.

413

ظهوره حاكم على ظهور اللفظ في معناه الحقيقي كما في العامّ و الخاصّ أيضا، فإنّ العقل بعد ما يلاحظ من التناقض بين العامّ و الخاصّ- ضرورة رجوعهما إلى سالبة كلّية و موجبة جزئية أو موجبة كلّية و سالبة جزئية- يحتمل عنده ورود ظهور الخاصّ على العامّ بحمله عليه أو التصرّف في الخاصّ بحمل أمره أو نهيه على وجه لا ينافي ظهور العامّ، و هكذا في القرينة فإنّ من المحتمل ورود ظهور «يرمي» على ظهور المعنى الحقيقي ابتداء، مثل احتمال ورود ظهور المعنى الحقيقي على ظهور القرينة كأن يحمل على معنى لا ينافي المعنى الحقيقي، ثمّ‏ (1) بعد ملاحظة التعارض و التناقض يساعد على تقديم‏ (2) ظهور الخاصّ و القرينة في الأغلب على الآخر، فيحكم بحمل العامّ على الخاصّ، و الحقيقة على المجاز، ففي هذين القسمين ليس الخاصّ و القرينة ناظرين‏ (3) إلى خلافهما بمدلوليهما؛ لما عرفت من عدم الارتباط بينهما، و لهذا قد تراهم يلتزمون بورود العامّ على الخاصّ أيضا، و قد لا يحكمون بمقتضى القرينة الصارفة أيضا، بخلاف ما إذا كان أحد المتعارضين و لو في الصورة ناظرا إلى الآخر بمدلوله اللفظي كأن يكون مبيّنا له مفسّرا له كاشفا للمراد عنه، و لازمه عدم المعارضة و عدم التناقض؛ ضرورة انتفاء التعارض بين المفسّر و المفسّر، و البيان و المبيّن، كيف و هو ناظر إلى ما هو المراد منه و إن كان لا يخلو عن ارتكاب شي‏ء أيضا إلّا أنّ الفرق بينهما واضح ظاهر غير خفيّ على أحد، و ذلك بحسب الواقع قد يكون عين التخصيص و إن لم يكن منه ظاهرا بواسطة اختلاف وجوه الكلام كما إذا كان المفسّر خاصّا بحسب المفهوم، و قد يكون غيره كما إذا كان المفسّر مساويا للمفسّر، و إن جوّزنا التفسير بالأعمّ فمخالفته مع التخصيص أظهر، و منه يظهر أنّ ملاحظة النسبة بين المفسّر و المفسّر ليس في محلّه؛ إذ بعد كونه بيانا فلا يعقل ملاحظة النسبة، لاختصاصها بالمتعارضين و المفروض انتفاؤه‏

____________

(1). «ز، ك»: «و» بدل: «ثمّ».

(2). «ز، ك»: تقدّم.

(3). هذا هو الصواب، و في «ج، م»: ناظران. و في «ز، ك»: ناظرا.

414

على وجه يقضي‏ (1) بذلك.

ثمّ إنّ البيان قد يختلف وضوحا و خفاء، فأوضح البيانات ما قد يوجد في كلمات اللغويين و المترجمين من بيان معنى اللفظ في تلك اللغة أو في لغة أخرى، و أخفى من ذلك ما قد عرفت من تفسير الأسد بالرجل الشجاع، و أخفى من ذلك قوله تعالى:

ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (2) و آيتي الاستباق‏ (3) و المسارعة (4) على تقدير دلالتها (5) على المطالب المستدلّ بها عليها، فإنّها بيانات للأحكام الثابتة في الدين بأجمعها، فكأنّ‏ (6) مفادها أنّ المجعول‏ (7) في‏ (8) الدين هو ما لا حرج فيه، و أنّ المراد بتلك الأوامر الواردة في الشريعة و المقصود منها الفورية مثلا، فلا مجال للتعارض على ما زعمه المحقّق القمي؛ إذ (9) من المعلوم أنّ البيان ليس منافيا للمبيّن، و أخفى من ذلك ما تسمعه في حكومة الأدلّة الاجتهادية على الأصول العملية، و من جملة علامات البيان أنّه لو قطع النظر عن ورود المبيّن كان البيان لغوا صرفا، كما يظهر من ملاحظة قولنا:

أعني الرجل الشجاع، لو لم يكن كلاما برأسه، أو (10) قولنا: ما أردت الأسد الحقيقي، بل أردت الرجل الشجاع، إذا (11) لم يكونا مسبوقين بقولنا: رأيت أسدا مثلا، و من كواشفه أيضا أنّ حمل البيان على وجه لا يكون بيانا ممّا يعدّ في العرف من إخراج الكلام عمّا سيق إليه بالمرّة، بخلاف التخصيص فإنّ حمل الأمر فيه على الاستحباب أو تصرّف آخر فيه على وجه لا ينافي عموم العامّ، ليس بهذه المثابة من القبح كما لا يخفى على من‏

____________

(1). «ج»: يقتضي.

(2). الحج: 78.

(3). قوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ‏ البقرة: 148؛ المائدة 48.

(4). قوله تعالى: وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ‏ آل عمران: 133.

(5). «ز، ك»: دلالتهما.

(6). «ز، ك»: لكان.

(7). «ز»: المجمعون، «ك»: المجموع.

(8). «م»: «من»، «ز»: «فمن».

(9). «ج»: «و» بدل: «إذ».

(10). «ز، ك»: إذ.

(11). «ك»: إذ، و كذا غيّرت ب «إذ» في نسخة «ز».

415

ألقى السمع و هو سديد السليقة و مستقيم الطبيعة.

الثانية: قد عرفت في بعض ما قدّمناه من مباحث الظنّ أنّ معنى جعل الشي‏ء طريقا فيما يحتاج إلى الجعل- كالظنّ و ما يشاركه في اشتماله على احتمال عدم المطابقة للواقع ممّا يكون أصل مفاده مع قطع النظر عن حجّيته‏ (1) كاشفا عن الواقع حاكيا له ناظرا إلى ما في نفس الأمر مطابقا للواقع بحسب أصل مفاده و إن احتمل الخلاف أيضا عقلا (2) و لو احتمالا مساويا- ليس ما قد يظهر من بعض الأفاضل أنّ ذلك الشي‏ء يكون من الأسباب الشرعية كالزوال- مثلا- للصلاة حتّى يكون معنى اعتبار البيّنة أو خبر الواحد أنّه إذا أقيمت البيّنة على كذا يجب كذا، و إذا ورد خبر مدلوله كذا يجب الأخذ به مثلا، كما في غيرها من الأسباب الشرعية التي هي معرّفات للأحكام.

بل التحقيق أنّ معناه جعلها مرآة عن الواقع و طريقا إليها تنزيلا لما ليس من العلم منزلة العلم، فيترتّب عليه الآثار التي تترتّب‏ (3) على المعلوم ممّا كان العلم طريقا إليها، تنزيلا لاحتمال الكذب المتطرّق في البيّنة منزلة العدم، فلا بدّ من طرح الأحكام الشرعية المترتّبة على الاحتمال و الشكّ، و الأخذ بالأحكام التي تلحق‏ (4) المعلوم ممّا يكون العلم طريقا إليها، و يجب الأخذ بقوله و تصديقه و الاعتراف بمطابقته للواقع و الإذعان بحقّية خبره و الاعتقاد بصدق كلامه و عدم الاعتناء (5) باحتمال الكذب و عدم المطابقة في كلامه، و حيث إنّ الأمر بالتصديق و الاعتقاد بالمطابقة بعد وجود الشكّ‏ (6) وجدانا ممّا لا يعقل فلا جرم يؤول المعنى إلى إلغاء أحكام الشكّ‏ (7)، فتقع الأدلّة الدالّة على الحجّية في تلك الأمارات مفسّرة للشكّ الواقع في أدلّة الأصول، و هذا هو المراد

____________

(1). «ز، ك»: صحّته.

(2). «ز، ك»: فعلا.

(3). في النسخ: يترتّب.

(4). «ز، ك»: يلحق.

(5). «ز، ك»: الاعتداد.

(6). «ز، ك»: شكّ.

(7). «ز، ك»: الأحكام المترتّبة على الشكّ.

416

بالتنزيل كما في غيره من التنزيلات الشرعية، مثلا فيما لو لم يكن هذا الاحتمال منزّلا منزلة العدم كان له أحكام منها الأخذ بالبراءة فيما لو كان الشكّ في نفس التكليف، و الأخذ بالاحتياط فيما لو كان الشكّ في المكلّف به بعد العلم بثبوت التكليف، و الأخذ بالاستصحاب فيما لو (1) كان للمشكوك حالة سابقة مثلا، و الأخذ بالتخيير في موارد الحيرة، كما عرفت تفصيل الكلام فيها بما لا مزيد عليه و كان ثبوت هذه الأحكام للشكّ أمرا قطعيا على وجه كان الحكم بعدم حجّية أمارة مشكوكة مستندة إلى لزوم طرح هذه الأحكام من غير دليل شرعي كما عرفت مرارا، فإذا حكم الشارع بتنزيل هذا الاحتمال منزلة العدم و جعل ذلك الشي‏ء كما إذا كان معلوما، كان معناه أنّه يجوز (2) طرح الأحكام الثابتة لهذا (3) الاحتمال شرعا و ترتيب آثار الشي‏ء إذا لم يتطرّق إليه احتمال، ففي مورد البراءة لا يجوز الأخذ بالبراءة، و في مورد الاحتياط لا يجب الأخذ بالاحتياط، و في مورد الاستصحاب لا مناص من الأخذ بما يدلّ على ارتفاع الحالة السابقة و الأخذ بأحكام الواقع، و كذا الكلام في التخيير لأوله حقيقة إلى البراءة.

نعم، لمّا كانت واقعية تلك الأمارة و طريقيتها (4) بواسطة حكم الشارع و تنزيله لها منزلة الواقع لا جرم كانت الأحكام المترتّبة على الواقع هي الأحكام التي تكون بجعل الشارع دون الأحكام العقلية التي لا دخل للشارع في مقام التكليف و الشارعية فيها و إن لم تكن‏ (5) خارجة عن قدرته في مقام التكوين كما في غيره من التنزيلات الشرعية على ما عرفت وجه الكلام فيها في بعض الهدايات السابقة.

و من هنا يظهر الوجه في أنّ حسن الاحتياط ليس ممّا يرتفع بعد دلالة دليل اجتهادي ظنّي على ثبوت حكم مخالف للاحتياط؛ لأنّ ذلك إنّما كان من آثار عدم‏

____________

(1). «ج، ز»:- لو.

(2). «ز»: لم يجوز.

(3). «ج»: بهذا.

(4). «ج، م»: طريقتها.

(5). المثبت من «م»، و في سائر النسخ: لم يكن.

417

إحراز الواقع في نفسه مع قطع النظر عن‏ (1) الشرع أيضا، فلم يكن ذلك بوضع الشارع حتّى يرتفع برفعه، فلو قامت البيّنة على تعيين جهة القبلة بين الجهات المحتملة فغاية ما يستفاد منها هو رفع الوجوب الناشئ من عدم البيان بعد ثبوت التكليف، و أمّا حسنه فهو من‏ (2) آثار حقيقة الشكّ و عدم العلم عقلا، و العقل قاض به إحرازا للواقع المطلوب، فهو ثابت حقيقة، نعم لو تبدّل الشكّ علما ارتفع الحسن أيضا بارتفاع محلّه كما هو ظاهر.

و بالجملة (3): فجعل الشي‏ء علما غير العلم واقعا، فأحكام العلم واقعا غير مترتّب على ما ليس بعلم واقعا.

فإن قلت: لازم ما ذكرت عدم ارتفاع وجوب الاحتياط أيضا، فإنّ وجوبه أيضا من الأحكام العقلية فإنّ العقل خوفا من وقوع النفس في الضرر المحتمل يحكم بوجوب الاحتياط كما عرفت في موارده، بل اللازم عدم ارتفاع البراءة أيضا فإنّها أيضا حكم عقلي فلا يرتفع كما في حسن الاحتياط.

قلت: كم من فرق بينهما، فإنّ حكم العقل بوجوب الاحتياط إنّما هو بواسطة عدم البيان على وجه تؤمن‏ (4) النفس من وقوعها في الضرر، و (5) بعد وجود الدليل و البيان المعتبر يرتفع موضوع الحكم، بخلاف الحسن فإنّه يحكم به‏ (6) العقل من حيث عدم وصوله إلى الواقع، و بعد إقامة الدليل المعتبر هو موجود أيضا؛ إذ المفروض عدم كونه واقعا في الواقع فيلحقه حكمه واقعا. و بمثله نقول في البراءة كما سيجي‏ء له زيادة تحقيق إن شاء اللّه.

____________

(1). «ز، ك»: من.

(2). «ز، ك»: «فمن» بدل: «فهو من».

(3). «ج، م»: فبالجملة.

(4). في النسخ: يؤمن.

(5). «ز، ك»:- و.

(6). «ز، ك»:- به.

418

و إذ قد تمهدت‏ (1) هاتين المقدّمتين فنقول: إنّ نسبة الأدلّة الاجتهادية إلى الأصول العملية نسبة المفسّر إلى المفسّر، و المبيّن إلى المبيّن؛ لأنّك قد عرفت أنّ معنى اعتبارها هو إلغاء أحكام الاحتمال التي هي بعينها مفاد الأصول العملية التي منها الاستصحاب، فإنّ قوله: «لا تنقض» معناه ترتيب أحكام المتيقّن على المشكوك حال الشكّ، و مفاد قوله: «إذا شهد عندك المسلمون فصدّقهم» (2) أو آية النبأ هو أنّ المراد و المقصود من الشكّ هو غير الشكّ في الموارد التي يوجد فيها الخبر أو البيّنة (3)، فالبيان في هذه الموارد ممّا يشبه التخصيص معنى؛ لكون المبيّن خاصّا إلّا أنّه ليس من التخصيص ظاهرا (4)؛ لما عرفت من اختلاف وجوه الكلام، فإنّ قولك: أردت الإنسان، بعد الأمر بإكرام الحيوان ليس من التخصيص ظاهرا؛ لعدم تعرّض المخصّص بلفظه لمفاد العامّ كما عرفت في المقدّمة الأولى‏ (5) و إن كان في معناه، و لهذا لا يناقضه إلّا أنّه كما عرفت من أخفى أفراد البيان.

و لذا قد التبس الأمر في ذلك على بعض الأعيان فزعم أنّ بعد ورود الأدلّة الاجتهادية يرتفع موضوع الاستصحاب حقيقة (6)، و غفل عن وجود الشكّ الواقعي حسّا (7) في موارد الاستصحاب، فلا يتحقّق الورود، فإنّ المتبادر من الأخبار هو اتّحاد مورد اليقين و الشكّ و المفروض أنّ متعلّق الشكّ هو الحكم الواقعي، و لا يجدي في رفع ذلك اليقين بالحكم الظاهري، فإنّ اليقين بشي‏ء غير اليقين باعتبار شي‏ء فيه، و الموجب للورود هو الأوّل دون الثاني، و لا ملازمة بينهما (8) كما أشرنا إليه سابقا أيضا (9).

و كذلك قد اختفى الأمر على بعض الأفاضل فزعم أنّ موارد الأدلّة الاجتهادية

____________

(1). «ز، ك»: عرفت.

(2). سيأتي في ص 474.

(3). «ز، ك»: البيّنة أو الخبر.

(4). «ز، ك»: في الظاهر.

(5). قوله: «لعدم تعرّض ...» إلى هنا ورد في «ز، ك» بعد قوله: «أو الخبر» فيما تقدّم.

(6). «ز»: قطعا حقيقة، «ك»: حقيقة قطعا.

(7). كتب فوقها في نسخة «م»: حتّى ما.

(8). «ز، ك»: «هاهنا» بدل: «بينهما».

(9). أشار في ص 411- 412.

419

بواسطة أدلّة اعتبارها مخصّصة- بالفتح- عن عموم قوله: «لا تنقض» و هذه الدعوى و إن كانت أقرب من الأولى إلّا أنّه غير جار على التحقيق أيضا؛ لمكان الفرق الواضح‏ (1) بين الحكومة و التفسير و بين التخصيص، و منشأ التحكيم فيما نحن بصدده هو ما مهّدناه في المقدّمة الثانية من أنّ معنى اعتبار الدليل الاجتهادي ليس ما يظهر من صاحب المعالم‏ (2) أنّه من الأسباب الشرعية المحضة، بل معناه ما عرفت من أنّ البيّنة من حيث إنّها حاكية عن مدلولها صادقة شرعا لا بدّ من طرح الأصول في قبالها و الأخذ باحتمال الواقع و طرح احتمال خلافه و عدم الاعتناء بالشكّ، و لهذا يكون لكلّ واحد من الأدلّة الاجتهادية جهتان: جهة موضوعية بها (3) صارت‏ (4) حجّة شرعية، وجهة طريقية لأجلها حكم الشارع باعتبارها (5) شرعا، فهي إذا برزخ بين الأسباب الصرفة و الطرق الصرفة كالعلم مثلا، فلو لاحظنا قوله: «لا تنقض اليقين» و قوله:

«اعمل بالبيّنة» مثلا و تحقّقنا مفادهما نعلم بأنّ الثاني بيان للأوّل، فكأنّ الثاني يفسّر (6) الشكّ المعتبر في موضوع الاستصحاب و ليس من التخصيص في شي‏ء، و ممّا يدلّ على ذلك هو ما عرفته في المقدّمة الأولى من أنّ علامة البيان هو كونه لغوا لو فرض عدم المبيّن كما يظهر من‏ (7) أدلّة العسر و الحرج و آيتي المسارعة (8) و الاستباق‏ (9)، فإنّها (10) على تقدير أن لا يكون في الدين أمر أو نهي تقع لغوا صرفا، بل يكون‏ (11) أضحوكة محضة (12)

____________

(1). «ز، ك»: الواقع.

(2). لم نعثر عليه.

(3). «ز، ك»:- بها.

(4). المثبت من «ج»، و في سائر النسخ: صار.

(5). «ج، م»: باعتباره.

(6). المثبت من «م»، و في سائر النسخ: تفسير.

(7). «ج، م»: في.

(8). قوله تعالى: وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ‏ آل عمران: 133.

(9). قوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ‏ البقرة: 148؛ المائدة: 48.

(10). «م»: فإنّهما.

(11). «ز، ك»: «حتّى أنّه» بدل: «بل يكون».

(12). «ج»: محضا.

420

كما لا يخفى، بخلاف التخصيص كما في قوله: لا تكرم زيدا العالم، فإنّه كما يصحّ بعد ورود العامّ كذا يصحّ على تقدير انتفاء العامّ رأسا، و ذلك ظاهر في الأدلّة الاجتهادية؛ إذ بعد ما عرفت من أنّ معنى عدم اعتبارها هو الاعتناء بالشكّ و الأخذ بأحكامه بحسب اختلاف الموارد، و معنى اعتبارها هو إلغاء تلك الأحكام، لا ينبغي الارتياب في لغوية اعتبار الأدلّة الاجتهادية لو لم تكن‏ (1) تلك الأحكام ثابتة للشكّ.

و بعبارة أخرى: لو لم تكن هذه الأحكام ثابتة لموارد الشكّ لم يكن لإلغائها- كما هو مفاد اعتبار الأدلّة الاجتهادية- معنى، بل كان لغوا صرفا.

ثمّ لا فرق في ذلك بين التقديم و التأخير؛ إذ الجمع بين الأدلّة لا يفرق فيه ذلك كما في العموم و الخصوص أيضا، نعم لو كان معنى اعتبارها كونها أسبابا شرعية كان القول بالتخصيص في محلّه.

و من هنا ينقدح فساد مقالة من زعم أنّ بين الدليل الدالّ على البيّنة و بين الاستصحاب عموم من وجه، حيث إنّ الأوّل يعمّ الموارد التي تؤخذ (2) فيها الحالة (3) السابقة و غيرها، و الثاني أعمّ من موارد البيّنة و غيرها، فلا بدّ من الأخذ بالمرجّحات.

إذ بعد ما تحقّق من كون تلك الأدلّة محكّمة على الأدلّة التي بها يثبت أحكام الشكّ فلا معنى لملاحظة النسبة، إذ المفسّر و إن كان عامّا مقدّم على المفسّر، و الوجه فيه هو أنّ بعد فرض التفسير فهو عند العرف أظهر، فلا بدّ من الأخذ به، على أنّ العموم في المقام ممنوع، فإنّ دليل البيّنة حاكم على مطلق أحكام الشكّ التي منها الاستصحاب، و منشأ الخيال المذكور هو ملاحظته بالنسبة إلى خصوص دليل الاستصحاب، و نظير ذلك ما مرّ مرارا من أنّ أدلّة نفي العسر و الحرج إنّما يلاحظ بالنسبة إلى جميع الأحكام‏

____________

(1). «ج، م»: «لم يكن» و كذا في المورد الآتي.

(2). «ك»: يؤخذ، «ج»: يوجد، و في نسخة «م» كان تمام حروفها مهملا.

(3). «ز، ك»: بالحالة.

421

الثابتة في الدين و لا يلاحظ بالنسبة إلى خصوص الصلاة.

و بالجملة: فبعد ما عرفت من التحقيق فلا وقع لأمثال هذه الكلمات الواهية.

و ممّا ذكرنا يظهر الوجه في تقديم الأدلّة الاجتهادية على سائر الأصول غير الاستصحاب أيضا كالبراءة و نحوها، فإنّ الكلّ مشتركة في كونها أحكاما للشكّ، و جميع الأدلّة الاجتهادية أيضا مشتركة في كونها مبطلة (1) لأحكام الشكّ، و يلزمها اعتبار مدلولها، و لك أن تقول بأنّ الغرض من جعلها اعتبار مفاد هذه الأدلّة الظنّية، و يلزمها إلغاء أحكام الشكّ، إلّا أنّ الأوّل بالواقع أقرب‏ (2) كما لا يخفى، فتدرّب و تدبّر (3).

تذنيب زعم بعض متأخّري المتأخّرين‏

أنّه لو حمل اليقين الناقض في الأخبار على اليقين الواقعي المتعلّق‏ (4) بالحكم النفس الأمري، كان الدليل الدالّ على اعتبار الأدلّة الاجتهادية مخصّصة لأخبار الاستصحاب بالتقريب الذي عرفت الوجه فيه في كلام القائل بالتخصيص مطلقا، و لو حمل على الأعمّ من اليقين الظاهري و الواقعي كان القول بالورود مطلقا في محلّه؛ لارتفاع موضوع الشكّ بعد فرض وجود اليقين بالحكم الظاهري، و أنت بعد ما أحطت خبرا (5) بما قرّرنا لك فيما تقدّم تعرف أنّه كلام ظاهري لا يلتفت إليه؛ إذ لا يعقل حمل اليقين على اليقين الظاهري، فإنّ مورد الشكّ و اليقين كليهما (6) هو الواقع، فالمستفاد من أخبار الاستصحاب أنّ الشكّ في الحكم الواقعي لا

____________

(1). «ج، م»: مبطلا.

(2). في هامش «م»: و الوجه في كونه أقرب أنّ الأمارة الظنّية التي تحكي بمدلولها عن الواقع جهة الواقع منها غير قابلة لأن تصير متعلّقة للجعل، و إنّما القابلة له هو احتمال خلاف الواقع، فمقتضى الترتيب الطبيعي هو رفع احتمال المخالفة، و يلزمه اعتبار الاحتمال المطابق، فتدبّر.

«منه»

(3). «ج، م»:- و تدبّر.

(4). «ج، م»: المعلّق.

(5). «ج، م»:- خبرا.

(6). «ج، م»: كلاهما.

422

يرفع اليقين بالحكم الثابت أوّلا إلّا باليقين الواقعي، و اليقين بالحكم الظاهري لا يرفع الشكّ بالحكم الواقعي، فلا يكون واردا رافعا لموضوع الشكّ، فلا بدّ من التحكيم على ما عرفت.

فإن قلت: إنّه لو حمل اليقين في الأخبار على اليقين بالحكم الواقعي لما صحّ التمسّك بالاستصحاب في موارد الأدلّة الاجتهادية؛ لعدم اليقين بالحكم الواقعي في أوّل الأمر.

قلت: المستفاد من الأخبار هو عدم جواز نقض اليقين المتعلّق بالحكم بالشكّ المتعلّق بالواقع إلّا باليقين المتعلّق بالواقع، فالحكم الثابت أوّلا ممّا لا يلاحظ فيه الواقعية أو الظاهرية، بل لفظ اليقين هو عبارة عن إدراك جزمي و هو حاصل و لا دخل لمتعلّقه فيه، و أمّا الشكّ فلا يعقل تعلّقه إلّا بالحكم الواقعي، و إلّا لم يكن الشكّ في البقاء و الارتفاع، بل مرجع الشكّ حينئذ إلى الشكّ في حجّية الدليل الدالّ على الحكم أوّلا.

نعم، لو كان الشكّ متعلّقا بالحكم الظاهري كأن‏ (1) كان الشكّ في الحجّية فالمشكوك هو بقاء الحجّية (2) و ارتفاعها، و اليقين الثاني كان متعلّقا بحجّيته أيضا، كان من الورود كما لا يخفى، و كن على بصيرة من الأمر و احفظ ما ذكرنا من الحكومة فإنّه ينفعك في كثير من مباحث التعادل‏ (3) و التراجيح.

ثمّ إنّ لنا نوعا آخر من التحكيم و هو أن يكون الدليل دالّا على أنّ الحكم الفلاني الثابت للموضوع الفلاني الواقعي ثابت لموضوع ظاهري آخر نزّله الشارع منزلة ذلك الموضوع الواقعي، كما في موارد الاستصحاب الموضوعي بالنسبة إلى الأحكام الشرعية المترتّبة على الموضوعات الواقعية كأحكام الطهارة المترتّبة على المتطهّر الواقعي من جواز الجواز في المسجدين و مسّ كتابة القرآن، فإنّها مترتّبة على موضوع‏

____________

(1). «ز، ك»:- كأن.

(2). «ز، ك»: الحجّة.

(3). «ز، ك»: من المباحث الآتية في التعادل.

423

نزّله الشارع منزلة الواقع بالاستصحاب، و هذا هو المراد ممّا قرع الأسماع من حكومة الاستصحاب الموضوعي بالنسبة إلى الأحكام المترتّبة على الموضوع الواقعي، فهذه الحكومة عكس الحكومة في الاجتهاديات فإنّ مقتضاها المضايقة من ترتيب‏ (1) أحكام الشكّ، و قضيّة هذه الحكومة التوسعة من جريان أحكام الواقع على المستصحب كما عرفت.

ثمّ إنّ ما ذكرنا من الحكومة و الورود إنّما تنبّهنا به من ملاحظة كلام الصدوق في اعتقاداته‏ (2) مثل قوله: اعتقادنا في الفلان أنّ أخباره واردة (3) على كذا أو حاكمة (4) عليه، فليراجعها.

____________

(1). «ز، ك»: ترتّب.

(2). الاعتقادات: 114، و فيه: «اعتقادنا في الحديث المفسّر أنّه يحكم على المجمل، كما قال الصادق (عليه السّلام)». و عنه في وسائل الشيعة 27: 117، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 28.

(3). «ج، م»: وارد.

(4). «ج، م»: حاكم.

424

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

425

هداية [في تعارض الاستصحاب مع الأصول العملية]

في بيان الحال في تعارض الاستصحاب مع الأصول العملية الدائرة في الأحكام و الموضوعات كالبراءة و الاحتياط و التخيير، أمّا تعارض الاستصحاب مع البراءة بمعنى قاعدة البراءة لا استصحابها فإنّه على تقدير تعقّله كما مرّ إليه الإشارة (1) يكون من تعارض الاستصحابين، و ستعرف الكلام فيه إن شاء اللّه، فلا شكّ في تقديم الاستصحاب عليها، سواء قلنا بالبراءة من جهة حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان أو بواسطة أخبار الإطلاق و التوسعة فيما ليس فيه علم.

أمّا على الأوّل‏ (2) فالأمر واضح فإنّ حكم العقل لا يزيد على قبح العقاب على ما هو غير معلوم و لا ينافي ذلك جواز العقاب على ما هو معلوم، ففي مورد تعارض الاستصحاب و البراءة لنا حكمان: أحدهما: الحكم الواقعي في واقعة العصير إذا ذهب ثلثاه بالشمس- مثلا- بعد الاشتداد و الغليان الذي هو متعلّق جهل المكلّف، و ثانيهما:

حكم الشارع بحرمة نقض الحالة السابقة و المفروض كونه معلوما، فيختلف مورد الحكمين، فإنّ حكم العقل‏ (3) بقبح العقاب إنّما هو في شي‏ء غير معلوم، و العقاب على‏

____________

(1). «ز، ك»: الإشارة إليه. و أشار إليه في ص 38 و تقدّم الكلام فيه مفصّلا في ج 3، ص 329.

(2). في هامش «ج»: تعارض الاستصحاب مع قاعدة البراءة العقلية.

(3). «ز، ك»:- فإنّ حكم العقل.

426

شي‏ء معلوم، و يكفي هذه الجهة في الحكم‏ (1) بحرمة العصير العنبي إذا لم يذهب ثلثاه بالنار مثلا.

[تقديم الاستصحاب على البراءة الشرعية بوجوه ثلاثة]

أمّا على الثاني‏ (2) فلوجوه ثلاثة:

أحدها: ما عزاه بعضهم إلى صاحب الذخيرة و تبعه في ذلك سيّد الرياض‏

(3) (قدّس اللّه روحهما الزكية) (4) من أنّ المنساق من أخبار البراءة هو الشكوك البدوية التي لم يرد فيها من أصل الشريعة أمر أو نهي، و أمّا ما ورد فيه أمر أو نهي و إن كان بعد ذلك أيضا مشكوكا فلا تشمله هذه الأخبار؛ إذ لا فرق في الورود بين أن يكون واردا في زمان الشكّ أو قبله، إذ لا تقييد في قوله: «حتّى يرد فيه أمر أو نهي» (5) ففيما له حالة سابقة لا تعارض بين الأخذ بالاستصحاب و قاعدة البراءة المستفادة (6) من قوله: «حتّى يرد فيه أمر أو نهي» لدخوله تحت الغاية، فلا يجوز إعمال البراءة؛ إذ المفروض أنّه ممّا ورد فيه أمر و ليس المقصود هو الأمر الاستصحابي، بل الأمر الدالّ على ثبوت الحكم في الزمن الأوّل.

و فيه: أنّ المتبادر من الأخبار هو العلاج في حال الحيرة و الجهل، و لا يفرق في ذلك ورود النهي قبل ذلك مع الجهل في الحال، فتنزيل هذه الأخبار على مثل ما ذكره السيّد في غاية البعد عند الدقيق من النظر و إن كان قد يجلو (7) عند الجليّ من النظر، فتدبّر (8).

____________

(1). «ز، ك»: يكفي في هذه الجهة الحكم.

(2). في هامش «ج»: تعارض الاستصحاب مع قاعدة البراءة الشرعية.

(3). في هامش «م»: لا يخفى أنّ المتراءى من السيّد إنّما هو القول بذلك في قاعدة الطهارة لا في أصالة البراءة و إن كان مناط الأمر و ملاكه فيهما متّحدا، فتدبّر. «منه». انظر ص 430.

(4). «ز، ك»:- قدّس ... الزكية.

(5). من هنا إلى قوله: أمر أو نهي، سقط من نسخة «ك». و تقدّم الحديث في ج 3، ص 358.

(6). «ج، م»: المستفاد.

(7). المثبت من «م»، و في سائر النسخ: قد يخلو.

(8). «ز، ك»:- فتدبّر.

427

[الثانى بعين ما ذكر فى البراءة العقلية]

و ثانيها: ما ذكرنا في وجه‏ (1) التقديم على تقدير استنادها (2) إلى العقل، و الفرق بينه و بين الأوّل هو أنّ النهي الملحوظ في الأوّل هو غير النهي الاستصحابي. و فيه هو (3) بعينه.

[الثالث و هو التحقيق حكومة الاستصحاب على البراءة]

و ثالثها: و (4) هو التحقيق على ما أفاده‏ (5) أستادنا المحقّق رفع اللّه بدره في سمائه‏ (6) أنّ أخبار الاستصحاب حاكمة على أخبار البراءة فتكون‏ (7) مقدّمة عليها.

و أمّا الثاني فلما مرّ الكلام فيه في الهداية السابقة بما (8) لا مزيد عليه.

و أمّا الأوّل فلما عرفت في بعض مباحث البراءة و الاحتياط أنّ الحكم الوارد في موضوع الشكّ على قسمين: فتارة: يكون حكما للشكّ من غير أن يكون محتاجا في ترتيب الآثار إلى إحراز شي‏ء كما في البراءة و الاحتياط، فإنّ مجرّد الشكّ يكفي في الحكم بترتيب آثار البراءة و الاشتغال بحسب اختلاف مورديهما، و تارة: يكون حكما للشكّ لكن بعد إحراز شي‏ء آخر كما في الاستصحاب، فإنّ ما يترتّب على المشكوك ليس من أحكام نفس الشكّ، بل هو من أحكام الواقع المحرز في مقام الشكّ بالاستصحاب، فالمنساق من أخبار البراءة هو الأخذ باحتمال عدم التكليف من حيث عدم العلم بالتكليف لا البناء على أنّ هذا الاحتمال هو الواقع، فلا يستفاد منها جعل أحد (9) طرفي الاحتمال بمنزلة الواقع كما في أخبار الاحتياط أيضا، فإنّ الأخذ بأطراف الشبهة فيما يحتمل الوجوب ليس باعتبار البناء على أنّ المحتمل منزّل منزلة الواقع، بل بواسطة احتمال أنّه الواقع، و كذا فيما يحتمل الحرمة، فإنّ الفرق بين الإذعان بواقعية احتمال و الأخذ به من حيث إنّه واقع و بين الأخذ بشي‏ء باحتمال أنّه الواقع في منار من‏

____________

(1). «ج، م»: توجيه.

(2). «ج»: إسنادها.

(3). «ز، ك»: «ما مرّ» بدل: «هو».

(4). «ز، ك»:- و.

(5). «ز، ك»: أفاد.

(6). «ز، ك»:- رفع ... سمائه.

(7). في النسخ: فيكون.

(8). «ز، ك»: ممّا.

(9). «ز، ك»: أخذ.

428

الوضوح، بخلاف أخبار الاستصحاب فإنّ مفادها هو عدم نقض اليقين السابق و الإذعان ببقائه و القول بأنّ احتمال عدمه غير مطابق للواقع، غاية ما في الباب أنّ واقعية الاحتمال جعلي صرف و تعبّدي محض، و من هنا ترى أنّ الاستصحاب لا يفيد شيئا وراء ما يفيده الواقع بمعنى أنّ حكم الشي‏ء المشكوك المسبوق بالحالة السابقة هو حكمه عند العلم به من غير اختلاف بينهما، و لنعم ما أفاده الأستاد في الكشف عن هذا المعنى من أنّ الاستصحاب على ما يعطيه التدبّر إنّما هو بمنزلة المتمّم لأدلّة الاجتهاد كالإجماع المركّب، فإنّ الحكم في زمان اليقين مستند إلى الدليل الأوّل و في زمان الشكّ مستند إلى الاستصحاب، كما هو في الإجماع المركّب أيضا كذلك.

فعلى ما ذكرنا يظهر الوجه في تقديمه على البراءة فإنّه بمنزلة الأدلّة الاجتهادية بالنسبة إلى حكم الشكّ مع‏ (1) القطع النظر عن البناء على أحد طرفي الاحتمال، فكما عرفت الوجه في تقديم الأدلّة الاجتهادية على الأصول فكذلك تعرف تقديمه عليها من غير فرق بينهما من هذه الجهة، و توضيحه: أنّ دليل البراءة يحكم بعدم الحكم في الواقعة المشكوكة، و دليل الاستصحاب يقضي بالبناء على الحالة السابقة و أخذها واقعا بجعل احتمال بقائها واقعا، و حيث إنّه‏ (2) لا معنى لجعل الاحتمال واقعا إلّا بالتنزيل من جعل أحكامه‏ (3) الشرعية في مورد الاحتمال و رفع أحكام الاحتمال في مورد ذلك الاحتمال المنزّل منزلة الواقع، لا جرم كان مفاد أدلّة الاستصحاب ناظرا إلى أدلّة البراءة، و هو معنى الحكومة، فكما قد عرفت حكومة نفس الدليل بالنسبة إلى البراءة لكون دليله بمفاده اللفظي ناظرا إليها، فكذا فيما (4) هو بمنزلة متمّماته كالإجماع المركّب، فقوله: «لا تنقض» يكون بيانا للشكّ في مورد البراءة فإنّ المراد به هو في غير ما له حالة سابقة ثابتة بالدليل، كما أنّ مفاد الدليل الدالّ على الأوّل هو بيان أنّ المراد

____________

(1). «ج»: فمع.

(2). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: أن.

(3). «ز»: الأحكام.

(4). «ز»: فكذا ما.

429

بالشكّ هو في غير موارد الدليل كما لا يخفى.

و من هنا ينقدح الوجه في عدم ذهابنا إلى القول بالإجزاء فيما لو (1) انكشف الخلاف في الطرق الظاهرية؛ إذ بعد ما فرضنا من أنّ المصلحة في جعل هذه الطرق لا تزيد (2) على مصلحة الواقع بل إنّما تكون‏ (3) طرقا موصلة إليه، لا يعقل‏ (4) القول بالإجزاء؛ ضرورة أنّ اللازم للقول بالإجزاء هو القول ببدليتها عن الواقع كما في التيمّم لا (5) القول بطريقيتها (6).

و كيف كان، فالحقّ أنّ بعد وجود دليل‏ (7) الاستصحاب لا يجري دليل البراءة؛ لأنّ عدم العلم المأخوذ في موضوع البراءة على ما يفسّره أخبار الاستصحاب غير الشكّ الذي يكون مسبوقا بالحالة السابقة، فتكون أخبار الاستصحاب حاكمة (8) على أخبار البراءة، و لا ينافي ذلك حكومة الأدلّة الاجتهادية على الاستصحاب؛ لأنّ العارف بصناعة الكلام له فهم هذا المقام فهو على وجه يحكم عليه الدليل و يكون حاكما على هذه الأصول، و السّر في ذلك اختلاف مراتب الشكّ، ففي موارد الأصول على ما قرّرنا مرارا لا مناص من اعتبار الشكّ فيها (9) إلّا أنّه ربّما يكون عدم الشكّ‏ (10) المعتبر في بعضها مأخوذا في موضوع الآخر فيكون حاكما على الآخر، و ربّما يكون أحدهما (11) في عرض الآخر فيتعارضان كما ستعرف.

و أمّا تعارض الاستصحاب مع الاحتياط، فتقديم الاستصحاب عليه ممّا لا ينكر (12)،

____________

(1). «ز»: «إذا» بدل: «لو» و سقطت من نسخة «ك».

(2). في النسخ: لا يزيد.

(3). في النسخ: يكون.

(4). «ز»: لا يقضي، و سقطت من نسخة «ك».

(5). «ز، ك»: «على» بدل: «لا».

(6). «ج، م»: بطريقتها.

(7). المثبت من «ز» و في سائر النسخ:- دليل.

(8). «ج، م»: فيكون ... حاكما.

(9). المثبت من «ز»، و لم ترد كلمة «فيها» في سائر النسخ.

(10). «ز»: الشكّ المأخوذ.

(11). «ز»: «مأخوذا» بدل: «أحدهما».

(12). «ز»: لا يخفى.

430

و الوجه التحقيقي فيه ما عرفت من الحكومة.

و أمّا تعارض الاستصحاب مع أصالة التخيير فيما إذا دار الأمر بين المتباينين و لم يكن للعمل بأحدهما مرجّح في البين، فمن المعلوم تقديم الاستصحاب عليه؛ لأنّ التخيير حكم عقلي صرف و مقدّماته لا تجري في موارد وجود الحالة السابقة؛ لأنّ الأخذ بها مرجّح‏ (1) بمقتضى قوله: «لا تنقض».

و ممّا ذكرنا يظهر وجه تقديم الاستصحاب على أصالة الطهارة المعمولة في الموضوعات و الأحكام على بعض الوجوه أيضا؛ لأنّ ما أفاده السيّد (2) في البراءة جار فيها من غير مناقشة على ما يظهر من سياق دليلها فلاحظها، مضافا إلى جريان الوجه المطابق للتحقيق فيها أيضا.

هذا تمام الكلام في تقديم الاستصحاب و معارضته مع الأصول الكلّية الدائرة في الأحكام الشرعية و الموضوعات، فتفطّن‏ (3) فإنّ الوصول إلى حقيقة الأمر دونه خرط القتاد، بل و أصعب منه، و اللّه الموفّق الهادي‏ (4).

____________

(1). «ز، ك»: لكون الأخذ بها مرجّحا.

(2). في هامش «م»: قلت: بل السيّد ما أفاد الوجه إلّا في المقام، فتدبّر. «منه».

(3). «ز، ك»: تفطّن.

(4). «ز، ك»:- و اللّه ... الهادي.

431

هداية [في تعارض الاستصحاب مع القرعة]

في تحقيق الكلام فيما إذا تعارض الاستصحاب مع القرعة التي جعلها الشارع لكلّ أمر مجهول، فإنّها أيضا من الأصول المعمولة في الموضوعات و لا كلام لأحد من المسلمين و لا المنتحلين إليه في أصل مشروعيتها، و نقل الإجماع عليها متظافر، و الأخبار الواردة فيها على ما جمعها و انتظمها في سلك التحرير بعض أفاضل متأخّري‏ (1) المتأخّرين‏ (2) بالغة حدّ التواتر فإنّها تبلغ حدّ الأربعين، بل و يزيد عليه خمسة، و لم نعرف فيها مخالفا إلّا من لا يعتدّ بخلافه؛ لعدم اعتداده بمخالفة اللّه و مخالفة رسوله، بل يمكن‏ (3) استفادة أصل مشروعيتها من الكتاب العزيز من قوله عزّ من قائل‏ (4) في حكاية يونس- على نبيّنا و (عليه السّلام)(5)-: فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ‏ (6) و قوله جلّ اسمه‏ (7) في حكاية مريم: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ‏ (8) على تأمّل يظهر الوجه فيه من بعض الهدايات السابقة.

____________

(1). «ز»: متأخّر و سقطت من «ك».

(2). عوائد الأيّام: 460- 651 و في ط الحجري: 225- 226.

(3). «ك»: بل و يمكن.

(4). «ز، ك»: قوله تعالى.

(5). «ز»: (عليه السّلام)، و لم ترد في «ك».

(6). الصافات: 141.

(7). «ز، ك»: قوله تعالى.

(8). آل عمران: 44.

432

و بالجملة: فالأخبار كثرتها في ذلك ممّا تكفي‏ (1) عن تجشّم تصحيح السند و توضيح الدلالة؛ إذ لا إجمال في مفادها بحسب المفردات الواقعة فيها، و لا بحسب الهيئة الملتئمة من‏ (2) ملاحظة بعضها إلى الآخر، إلّا أنّ الأخذ بعمومها حتّى في الأحكام ممّا لم يذهب إليه وهم، و لو عمل بأمثال القرعة في الأحكام الشرعية لم يبق منها عين و لا أثر و يصير الفقه علما جديدا لا يشتمل عليه زبر الأوّلين و لا يوجد شي‏ء منه في كتب الآخرين، و لعلّك‏ (3) بعد التأمّل في أخبارها تقدر على استخراج ذلك منها أيضا، إلّا أنّ الخطب فيه سهل‏ (4) بعد الإجماع القطعي على التخصيص على تقدير العموم.

و أمّا الأخذ به في الموضوعات فلا إشكال فيه من جهة الدلالة اللفظية؛ لما عرفت من وضوح الدلالة و سلامة السند، إلّا أنّ الواقع أنّ دلالتها موهونة في الموارد التي لم يظهر من الأصحاب التعويل عليه و الاتّكال به كما في أمثاله من العمومات الموهونة كأخبار نفي الضرر و الحرج و نحوهما، فإنّه لا ينبغي الاجتراء على مثل هذه الأمور بعد إعراض العلماء الأخيار العارفين بمواقع الكلام و الآخذين بمجامع الأخبار.

بل قد يتخيّل في وجه ذلك أنّ موارد القرعة لا يخلو إمّا أن يكون موارد الدليل، أو لا، و على التقديرين فلا مجال للقرعة فيها، أمّا على الأوّل فواضح؛ لارتفاع الاشتباه و التحيّر بواسطة الدليل، و أمّا على الثاني فلأنّ الأصول العملية لمكان أخصّية أدلّتها بالنسبة إلى القرعة مقدّمة عليها، إلّا أنّ ذلك لا يتمّ في التخيير؛ إذ لا دليل عليه سوى حكم العقل به بعد التحيّر، و بعد إمكان الترجيح بالقرعة لا يحكم العقل به؛ لانتفاء مقدّماته.

و لا يخفي أنّ هذا الوجه‏ (5) لو تمّ فهو يجري‏ (6) في الأحكام أيضا مع قطع النظر عن‏

____________

(1). «ز، ك»: يكتفي.

(2). «ز، ك»: عن.

(3). «ز، ك»: فلعلّك.

(4). «ز»: فيها يسهل.

(5). «ج، م»: الوجه هذا.

(6). «ز، ك»: «فيجري» بدل «فهو يجري».

433

انعقاد الإجماع على التخصيص أيضا، و مع ذلك فلا يتمّ في التخيير إلّا بدعوى الإجماع؛ لما ذكره المتخيّل من انتفاء مقدّماته، و كيف كان فلا إشكال في خروج الأحكام مع قطع النظر عن هذا الوجه.

و أمّا الموضوعات فالإنصاف أنّ هذا الوجه لا يتمّ فيه أيضا؛ لأنّ مبنى هذا الوجه على ملاحظة النسبة بين أخبار الأصول و أدلّة القرعة و الأخذ بأحكام التعارض من تقديم‏ (1) الخاصّ على العامّ و نحوه، و الذي يقتضيه التدبّر في أخبار القرعة من حيث اشتمال بعضها (2) على أنّ «من فوّض أمره إلى اللّه هداه اللّه إلى ما هو الأصلح بحاله» و نحوه ممّا يقرب مضمونه؛ لما ذكرنا أنّ القرعة من الطرق الواقعية الموصلة إلى ما هو الثابت في نفس الأمر، فإنّ من ألطاف اللّه على عباده إهداءهم إلى مثل هذا الطريق‏ (3) الذي ينكشف الواقع به من اللّه، فيكون مقدّما على الأصلين- البراءة و الاحتياط- قطعا بحسب مفاد الأدلّة الدالّة على اعتبارهما، فإن كان في المقام إجماع على تقديم الأصول على القرعة فهو، و إلّا فالقول بتقديم القرعة على ما وراء الاستصحاب في غاية القوّة نظرا إلى استفادة الطريقية من سياق‏ (4) الأدلّة الواردة في اعتبارها.

و أمّا الاستصحاب فالأمر فيه في غاية الإشكال مع قطع النظر عن دعوى الإجماع على تقديمه عليها فيما لو حاولنا استفادة ذلك من الأدلّة، فإنّك على ما عرفت يظهر من دليله طريقته بالنسبة إلى بعض الأصول كالبراءة و الاحتياط و التخيير، فيحتمل أيضا بالنسبة إلى القرعة أن يكون طريقا فيكون مقدّما عليها، كما يحتمل العكس، و يحتمل أيضا أن يكون أحدهما في عرض الآخر فلا يتحقّق حكومة بينهما و لا بدّ (5) من الأخذ

____________

(1). «ز، ك»: تقدّم.

(2). انظر وسائل الشيعة 27: 257، باب 13 من أبواب كيفية الحكم، ح 4 و 5 و 13.

(3). «ك»: هذه الطرق، و في «ج»: هذا الطرق.

(4). «ج، م»: مساق.

(5). «ز، ك»: «و لا» بدل «و لا بدّ».

434

بقواعد المعارضة، فيقدّم عليه الاستصحاب لمكان الأخصّية.

و منشأ الاحتمالات هو أنّ الجهل المعتبر في موضوع هذه الأصول قد يكون مأخوذا في أحدهما (1) بعد الشكّ المأخوذ في آخر، كما في الشكّ المأخوذ في البراءة فإنّ الحقّ على ما مرّ إنّما هو تأخّره عن الشكّ المأخوذ في الاستصحاب، و لذا قلنا بحكومة الاستصحاب عليها، و قد يكون أحدهما في عرض الآخر، كما في الشكّ في أخبار البناء على الأكثر في عدد الركعات مثلا، فيعارضان فيحكم بالتخصيص أو يؤخذ بالخاصّ حكومة على اختلاف وجوه الكلام الوارد في عنوان الدليل، فالشكّ المأخوذ في القرعة يحتمل أن يكون متعلّقا بالواقع و الظاهر معا لكن بالنسبة إلى الاستصحاب فيقدّم عليها، و يحتمل أن يكون الشكّ في مورد الاستصحاب كذلك فيقدّم القرعة عليه، و يحتمل أن يكون المعتبر فيهما شكّ واحد واقعيا فقط أو ظاهريا أيضا و لازمه التكافؤ على ما عرفت.

هذا فيما لو حاولنا استفادة ذلك من الأدلّة و إلّا فالأمر سهل؛ إذ بعد ما فرضنا من كون القرعة طريقا فلا يجب الأخذ بها في الموضوعات، لعدم وجوب الفحص في العمل بالأصول فيهما، و لا يزيد شأن القرعة على البيّنة فكما أنّ مع إمكان إقامة البيّنة على إثبات موضوع يصحّ العمل بالاستصحاب، بل و سائر الأصول، فكذا مع إمكان استخراج الواقع بالقرعة يجوز العمل بالأصل، بل الأمر كذلك مع إمكان تحصيل العلم القطعي أيضا.

لا يقال: إنّ المستفاد من أخبار القرعة هو وجوب إيجادها و لزوم الإقراع، و بعد الوجود على ما اعترفت‏ (2) لا بدّ من الأخذ بما استخرجه القرعة فالإشكال باق بحاله.

لأنّا نقول: قد يناقش في استفادة وجوب الإقراع من الأدلّة، بل لا يزيد حالها على البيّنة كما عرفت، و معنى اعتبارها أنّها لو أقيمت فهي معتبرة، و في المقام أمر آخر

____________

(1). «ج، م»: أحدها.

(2). «ز، ك»: عرفت.

435

و هو أنّ الاستصحاب في الموارد الجزئية الفرعية لو سلّم عدم العلم بتقدّمه على القرعة فالاستصحاب في المسألة الأصولية بحاله؛ إذ يرجع‏ (1) الكلام إلى أنّ المرجع هو القرعة (2) و عدم الأخذ بأحكام الشكّ، أو يجب الحكم بما يقضي‏ (3) به الاستصحاب، و الأصل يقضي بالثاني.

و قد يتخيّل في المقام: أنّ أخبار القرعة لمكان عمومها لأنواع‏ (4) الشكّ المعتبر (5) في موارد الأصول أعمّ من أخبار الاستصحاب، و هي بواسطة شمولها للأحكام و الموضوعات أعمّ من أخبار القرعة، فيتعارضان في مورد الاجتماع فلا وجه لتقديم الاستصحاب على القرعة. إلّا أنّك بعد ما تعلم من أنّ النسبة بين الأدلّة إنّما تلاحظ (6) قبل خروج فرد من أحد المنتسبين لا بعده- إذ المدار على إرادة الخاصّ من العامّ و لا فرق في ذلك بين الفردين كما لا يخفى- لا حاجة إلى تضعيف هذا الخيال و تزييف هذا الاحتمال‏ (7) فإنّه بمكان من الوضوح.

و قد يتخيّل أيضا- في تقديم الأصول على القرعة-: أنّ المتبادر من الاشتباه و الجهل هو الاشتباه في جميع المراتب، فمورد القرعة فيما إذا لم يكن في المقام شائبة من الدليل و لو كان أصلا. إلّا أنّه مجرّد دعوى لا شاهد عليها.

و قد يقال في ذلك أيضا: إنّ الاستصحاب و كذا سائر الأصول مقدّم على القرعة طبعا؛ إذ لا معنى للاستصحاب إلّا الحالة السابقة و الشكّ في ارتفاعها، و بعد تحقّق مورده فلا بدّ من ترتيب‏ (8) آثاره عليه، فلا يبقى للقرعة موضوع و لا مورد.

____________

(1). «ج، م»: مرجع.

(2). «ز، ك»: الفرعية؟

(3). «ج»: يقتضي، و كذا في المورد الآتي.

(4). «ج، م»: أنواع.

(5). «ز، ك»:- المعتبر.

(6). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: يلاحظ.

(7). «ز، ك»:- و تزييف هذا الاحتمال.

(8). «ز، ك»: ترتّب.

436

قلت: و لعلّ‏ (1) ذلك موقوف على عدم استفادة الطريقية من أخبار القرعة، و إلّا فهو في الأدلّة الاجتهادية كالبيّنة أيضا كذلك، فتدبّر.

تنبيه اعلم‏ (2) أنّ موارد القرعة على قسمين:

قسم له واقع غير معلوم عندنا كما في قطيعة الغنم الموطوءة واحدة منها، و الآخر ما ليس له واقع كأكثر موارد القرعة التي قالوا بالقرعة فيها اتّفاقا، كما إذا وقع التشاحّ بين الزوجات في المضاجعة فيمن قدم‏ (3) من سفره أو من‏ (4) عقد عليهنّ دفعة واحدة- مثلا- [و] كما إذا تنازع المتعلّمان في تقديم أحدهما على الآخر في التعليم، و كما إذا وردا في مكان من المسجد أو من مباح الأصل للحيازة مثلا، أو إذا تشاجر الإمامان في الجماعة في المسجد، و أمثال ذلك ممّا يقرب من عشرين موردا على ما عدّها بعض الأكارم.

فبملاحظة هذين القسمين ينقدح لك القول بأنّ تشريع القرعة إنّما هو بواسطة الوصول إلى المصالح الجزئية التي لا تكاد تنضبط؛ لعدم اجتماعها في عنوان كلّي و أمر جامع لجميعها المكنونة في خصوص الموارد الجزئية و الموضوعات الشخصية (5)، فإنّ المصالح الكلّية المنضبطة المندرجة تحت قاعدة كلّية إنّما بيّنها (6) الحكيم الخبير (7) في ضمن أصول كلّية، و حيث إنّه كان بعد ذلك مصالح جزئية لم يكن يصل إليها المكلّفون إلّا بجعل طريق للوصول إليها، شرّع لنا ما به نهتدي إليها أيضا كالقرعة في الموارد المذكورة التي لا واقع‏ (8) لها، و منه‏ (9) الاستخارة في مقام الحيرة، كذا أفيد.

____________

(1). «ز، ك»: و بعد.

(2). «ج، م»:- اعلم.

(3). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: أقدم.

(4). «ز، ك»:- من.

(5). «ز، ك»: الخفية.

(6). «ك»: نبّهنا.

(7). «ج، م»: اللطيف.

(8). «ز، ك»: وقع.

(9). «ز، ك»: منها.

437

قلت: و لعلّ اختصاص الإجماع بالعمل بها في الموارد التي لا واقع‏ (1) لها يكشف عن فهم المجمعين من لفظ الاشتباه و الجهل الذي لا يشوبه غيره ظاهرا و واقعا، فيسهّل الخطب في تقديم الاستصحاب عليه، إلّا أنّ دعوى ذلك في الأخبار مكابرة بعد ورود رواية قطيعة الغنم فيما له واقع، فتدبّر (2).

____________

(1). «ز، ك»: وقع.

(2). «ز، ك»:- فتدبّر.

438

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

439

هداية [في تعارض الاستصحاب مع اليد]

في بيان الحال في تعارض الاستصحاب مع اليد و ليعلم أوّلا: أنّ‏ (1) اليد تارة: تكون‏ (2) مثبتة للملك كما في الحيازة، و أخرى: تكون‏ (3) كاشفة عنه، لا كلام في الأولى‏ (4) منهما، و أمّا الثانية فلا إشكال في كونها من أمارات الملك و علامات الاختصاص عرفا، و أمّا شرعا فلا ينبغي الارتياب في كاشفية اليد عن الملك في الجملة، بل و نقل الإجماع- على ما قيل- عليها متضافر (5)، و يكشف عن ذلك‏ (6) حكمهم بتقديم قول ذي اليد على غيره في موارد الخصومات و مظانّ المرافعات و نحو ذلك، و الأخبار في ذلك أيضا كثيرة، و إلّا لم يقم للمسلمين سوق.

و ليس المقام ممّا ينبغي فيه تحقيق الكلام فيهما و إنّما الشأن في كيفية تعارضها مع الاستصحاب، فنقول: لا شكّ أنّ الوجه في حجّية اليد إنّما هو باعتبار ظهورها في الملكية فإنّ التعيين الموجود (7) في اليد يحتمل وجوها (8): كأن تكون‏ (9) مغصوبة أو عارية

____________

(1). «ج، م»: أنّه انّ.

(2). «ج، م»: يكون.

(3). «ج، م»: يكون.

(4). «ز، ك»: الأوّل.

(5). «ز، ك»: متضافرة.

(6). «ز، ك»: عنه.

(7). «ز، ك»: تعيين موجود.

(8). «ز، ك»: وجودها.

(9). «ج، م»: يكون.

440

أو مستأجرة أو مرهونة أو مملوكة و نحو ذلك من الوجوه المحتملة لها إلّا أنّ الغالب في غالب أفراد (1) النوع هو الملكية، و هذا الظهور المستفاد من هذه الغلبة قد اعتبره الشارع، فاليد المردّدة بين هذه الوجوه المختلفة الظاهرة في الملكية قد جعلها الشارع أمارة للملك بإلغاء احتمال الخلاف و عدم لزوم ترتيب‏ (2) آثار الاحتمال عند الشكّ.

فلا جرم لا بدّ من تقديم اليد على الاستصحاب، فهي‏ (3) حاكمة على الاستصحاب على نحو حكومة سائر الأدلّة الاجتهادية عليه، و لا ينافي ذلك ورود البيّنة التي هي أيضا من الأدلّة الاجتهادية و الأمارات الواقعية على اليد؛ لما قد عرفت أنّ اليد المردّدة بين الوجوه المحتملة الظاهرة في واحد منها جعلها الشارع أمارة للملك، و البيّنة إذا أقيمت فإنّما تدلّ على تعيين واحد من تلك الوجوه، فتكون‏ (4) حاكمة عليها، فإنّ مراتب الشكّ متفاوتة، فربّما يعتبر موضوعا لحكم‏ (5) بعد فرض انتفاء العلم و حصول الشكّ في جميع المراتب، و ربّما يختلف ذلك بحسب ما يقتضيه الدليل، و ذلك نظير (6) ما قرع الأسماع مرارا من لزوم حمل اللفظ على معناه الحقيقي عند دوران الأمر بين الحقيقة و المجاز لظهوره فيها، و لا ينافي ذلك الظهور قيام دليل على اعتبار المعنى المجازي في مورد.

و كيف كان، فالحقّ الحقيق بالتصديق هو حكومة اليد على الاستصحاب، سواء قلنا به تعبّدا أو ظنّا، أمّا على الأوّل فظاهر ممّا بيّنّا لك آنفا، و أمّا على الثاني فقد يتراءى في بعض الأنظار الجليّة تساويهما؛ لابتنائهما على الظهور و الظنّ، و لا بدّ من الأخذ بالمعالجات المعمولة بين أمثالهما من تقديم الظنّ الشخصي على النوعي مثلا، و الحكم بالمرجّحات عند تساويهما بذهاب الظنّ منهما، إلّا أنّه لا وجه لذلك عند

____________

(1). «ز»: فرد، و سقطت من «ك».

(2). «ز، ك»: ترتّب.

(3). «ز، ك»: فهل هي.

(4). «ج، م»: فيكون.

(5). «ز، ك»: تعتبر موضوعا يحكم.

(6). «ز، ك»: و نظيره.

441

الأنظار الدقيقة؛ لأنّ الوجه في ظهور الاستصحاب ليس على ما قيل إلّا غلبة بقاء الموجودات الممكنات، و لا ريب في أنّ هذه الغلبة غلبة جنسية لا تكاد تقابل‏ (1) الغلبة الصنفية، فإنّ الأغلب فيما يوجد في أيدي الناس في معاملاتهم و تقلّباتهم له المحتملة بين وجوه السلطنة و ضروب الاستيلاء من الملكية و الإجارة و الوكالة و الوديعة و العارية و العداوة المردّدة بينها أن يكون على وجه الملكية، فالظنّ حاصل بانتقاض الحالة السابقة التي هي‏ (2) المناط في الاستصحاب.

و لو لا تقديم اليد على الاستصحاب لم يقم للمسلمين سوق؛ إذ الأغلب سبق الأعيان الموجودة في الأيدي بالحالة السابقة المنافية (3) لمقتضى اليد، و لا فرق في ذلك بين قيام البيّنة على الحالة السابقة أو علمنا بخلاف مقتضى اليد؛ لعدم التنافي‏ (4) بين مفاديهما، فإنّ قضيّة البيّنة هي ملكية العين قبل اليد لغير صاحب اليد، و قضيّة اليد هي الملكية حالة الاستيلاء، و لا منافاة بينهما؛ لإمكان الجمع بينهما، إذ لا يعقل أن تكون‏ (5) الأمارة المنزّلة منزلة العلم أعلى شأنا من نفس العلم.

نعم، لو أقرّ ذو اليد على أنّ الموجود في يده كان ملكا لغيره قبل حدوث يده لم يحكم بمقتضى اليد لا لأجل تقديم‏ (6) الاستصحاب على اليد- كما زعمه بعض مشايخنا المعاصرين على ما يظهر من كلامه في بعض فروع المسألة من قوله: من أنّ المتيقّن من أدلّة اليد هو فيما إذا لم يعارضها الاستصحاب فإنّ ذلك بمكان من البعد- بل من حيث إنّ الإقرار منضمّا إلى اليد دليل على دعوى انتقال الملك من المقرّ له إليه، فعليه إقامة ما يثبت به الدعوى من بيّنة و نحوها، و بذلك يظهر الفرق بين الإقرار و البيّنة، فإنّ الإقرار من حيث إنّه فعله يدلّ بالالتزام على انتقاله منه إليه، دون البيّنة فإنّه لا دلالة

____________

(1). «ز، ك»: لا يكاد يقاوم.

(2). «ج، م»: هو.

(3). «ز، ك»: النافية.

(4). «م، ك»: المنافي.

(5). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: يكون.

(6). «ز، ك»: تقدّم.

442

فيها على ذلك كما في صورة العلم، فلو لم نقل باعتبار الاستصحاب كان الوجه‏ (1) هو ما ذكرنا أيضا و ذلك ظاهر.

و في المقام إشكال آخر و هو أنّهم شكر اللّه مساعيهم‏ (2) لم يفرّقوا في موارد اليد و الحكم بتقديمها على الاستصحاب بين ما هو موجود في الأيدي بحسب الظاهر المتعارف من الاستيلاء و السلطنة، كاستيلاء الرجل على ملبوسه و مأكوله و داره و ما يتقلّب به فيها من أثاث و فراش‏ (3) و غير ذلك من العقار و المنقول من خيل و أنعام و نحوها، و بين ما ليس في اليد بحسب ما هو المتعارف فيها، كالكنز المدفون في الدار المنقولة إلى الغير بسبب من الأسباب الشرعية، و كالجوهرة المكنونة في جوف الدابّة و السمكة، فإنّ اليد على الكنز و تلك الجوهرة إنّما هو بواسطة السلطنة على الدار و الدابّة و ليس للمالك‏ (4) عليها سلطنة ابتداء كما في غيرها، فحكموا بتقديم اليد على الاستصحاب في أمثال المقام كما يظهر من حكمهم بوجوب تعريف المال المذكور للمالك المنتقل منه الملك إليه لو كان حيّا و لوارثه لو كان ميّتا مع عدم نهوض المناط في التقديم في هذا القسم؛ لعدم ظهور في ذلك لا شخصا و لا نوعا.

اللّهمّ إلّا أنّ يقال: إنّ حكمة التشريع في اليد هي استفادة الظهور منها بكون‏ (5) ما في اليد ملكا لذيها و لا يجب الاطّراد في ذلك، إلّا أنّ هذا مجرّد ادّعاء لم يقم عليه دليل و لا وفت به بيّنة، و لذلك لا يكون المقام خاليا عن الإشكال كما تشعر (6) به عبارة المدارك‏ (7) و إن عاتبه بعض من تأخّر عنه‏ (8) في ذلك بما ليس في محلّه.

____________

(1). «ز»: كما انّ الوجه.

(2). «ز، ك»:- شكر اللّه مساعيهم.

(3). «ز، ك»: من أساس و متاع و فراش.

(4). «ز، ك»: ممالك.

(5). «ك، م»: يكون.

(6). «ز، ك»: يشعر.

(7). المدارك 5: 372.

(8). غنائم الأيّام 4: 300، انظر كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: 143- 144.

443

نعم، هناك أخبار يدلّ على وجوب التعريف في بعضها صراحة كما في رواية الصرّة (1) الموجودة في جوف الأضحية يوم النحر، و عناية في غيرها بدعوى اتّحاد المناط و نحوه، و اللّه الموفّق و هو (2) الهادي.

____________

(1). وسائل الشيعة 25: 452، باب 9 من كتاب اللقطة، ح 1 و 2.

(2). «ز، ك»:- الموفّق و هو.

444

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

445

هداية [في تعارض الاستصحاب مع قاعدة التجاوز]

في بيان الحال في تعارض الاستصحاب مع الأصل المدلول عليه بجملة من الأخبار المعتبرة الآتية إن شاء اللّه المعبّر (1) عنه بأصالة وقوع الفعل عند الشكّ فيه بعد تجاوز المحلّ، و تحقيق الكلام فيه في مقامين:

المقام الأوّل في أصل مشروعية الأصل المذكور

، فنقول: إنّما يدلّ على الأصل المذكور بعد منقول الإجماع على ما نقله الأستاد دام عزّه المستفيضة (2) من الأخبار:

أحدها: الموثّق: «إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكّك بشي‏ء إنّما الشكّ في شي‏ء لم تجزه» (3).

و ثانيها: الخبر المنقول عن الصادق (عليه السّلام): «إذا خرجت من شي‏ء ثمّ دخلت في غيره فليس شكّك بشي‏ء» (4).

و ثالثها: قوله (عليه السّلام) أيضا: «كلّ شي‏ء [شكّ فيه ممّا] قد جاوزه و دخل في غيره فليمض‏

____________

(1). «ز، ك»: المعبّرة.

(2). «ز، ك»:- المستفيضة.

(3). وسائل الشيعة 1: 470، باب 42 من أبواب الوضوء، ح 2.

(4). سيكرّره في الحديث السابع فلاحظ تخريجه هناك.

446

عليه» (1).

و رابعها: صحيحة زرارة ففيها: «فإذا قمت من الوضوء و قد فرغت عنه و قد صرت في حال أخرى في الصلاة أو غيرها فشكّك في بعض ما سمّى اللّه ممّا أوجب اللّه عليك [فيه وضوءه‏] لا شي‏ء عليك فيه» (2).

و خامسها: رواية محمّد بن مسلم عن الصادق (عليه السّلام): رجل شكّ في الوضوء بعد ما فرغ عن الصلاة؟ قال (عليه السّلام): «مضى على صلاته و لا يعيد» (3).

و سادسها: مضمرة بكير بن أعين قال: قلت له الرجل يشكّ بعد ما توضّأ (4)؟ قال:

«هو حين ما يتوضّأ (5) أذكر منه حين يشكّ» (6).

و سابعها: صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل شكّ في التكبير و قد قرء؟

قال (عليه السّلام): «يمضي» قلت: رجل شكّ في الركوع و قد سجد؟ قال (عليه السّلام): «يمضي» ثمّ قال (عليه السّلام): «يا زرارة إذا خرجت من شي‏ء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‏ء» (7).

و ثامنها: الصحيح المشتمل على قوله (عليه السّلام): «و إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض، و إن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض، كلّ شي‏ء شكّ فيه ممّا قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه» (8).

و تاسعها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام): «كلّ ما شككت فيه ممّا قد

____________

(1). سيكرّره في الحديث الثامن فلاحظ تخريجه هناك.

(2). وسائل الشيعة 1: 469، باب 42 من أبواب الوضوء، ح 1.

(3). وسائل الشيعة 1: 470، باب 42 من أبواب الوضوء، ح 5، و فيه: «يمضي».

(4). في المصدر: يتوضّأ.

(5). في المصدر: حين يتوضّأ.

(6). وسائل الشيعة 1: 471، باب 42 من أبواب الوضوء، ح 7.

(7). وسائل الشيعة 8: 237، باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 1.

(8). وسائل الشيعة 6: 318، باب 13 من أبواب الركوع، ح 4، و 369، باب 15 من أبواب السجود، ح 4.

447

مضى فامضه كما هو» (1).

و عاشرها: ما رواه في الوسائل عن قرب الإسناد عن عبد اللّه بن الحسن عن جدّه عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السّلام)، قال: سألته عن رجل ركع و سجد و لم يدر هل كبّر أو قال شيئا في ركوعه و سجوده؟ هل يعتدّ بتلك الركعة و السجدة؟ قال (عليه السّلام): «إذا شكّ فليمض في صلاته» (2).

فتلك عشرة كاملة إلى غيرها من الأخبار الواردة في هذا المضمار، و لا كلام في استفادة ما ذكر (3) منها؛ لظهورها فيه، و كثرة الأخبار و الاعتبار عند الأصحاب تغنينا عن تجشّم تصحيح أسانيدها، فلا يعتدّ بما قيل من ضعف في بعض رواتها (4) أو إضمار في بعضها أو إرسال في آخر.

إنّما الكلام في أنّ هذه القاعدة هل بعمومها شاملة لما إذا شكّ في الشي‏ء وجودا و (5) صفة، أو يختصّ بالوجود فقط و ليست شاملة لما إذا شكّ في اعتبار كيفية زائدة على نفس الوجود في الشي‏ء؟ فلو شكّ في نفس الوضوء و وجوده، فلا إشكال في أنّ الأصل وقوعه بعد تجاوز محلّه على ما ستقف على تفاصيله. و أمّا لو شكّ في الوضوء لا في وجوده، بل فيه بمعنى تعلّق الشكّ بما هو معتبر فيه من جزء أو شرط و نحوه، فعلى الأوّل تدخل في القاعدة الشريفة المزبورة، و على الثاني لا تدخل إلّا أن يلاحظ ذلك الجزء بنفسه من غير تعلّق له بشي‏ء آخر، فيكون من موارد القاعدة الشريفة (6).

فيه إشكال، و توضيح الكلام و تحقيق المقام هو أن يقال: إنّ هناك قاعدتين:

إحداهما: أصالة وقوع الفعل عند الشكّ فيه بعد تجاوز المحلّ، و الأخرى: أصالة حمل‏

____________

(1). وسائل الشيعة 8: 238، باب 23 من أبواب الخلل في الصلاة، ح 3.

(2). وسائل الشيعة 8: 239، باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 9؛ قرب الإسناد:

198، ح 755، و في ط الحجري: 91.

(3). «ز، ك»: ذكرنا.

(4). في هامش «م»: فإنّه قد يناقش في وثاقة بكير.

(5). «ك»: أو.

(6). «ز، ك»: المذكورة.

448

فعل المسلم على الصحّة و ستعرف تفصيل الكلام في الأخيرة- إن شاء اللّه- في محلّها (1)، و لا إشكال في شمول تلك القاعدة للموارد التي يشكّ فيها في غير الوجود على تقدير التسرية من فعل الغير إلى فعل النفس كما ستطّلع عليها، و إنّما الإشكال في شمول القاعدة التي نحن بصددها لهذه الموارد، و وجه الإشكال أنّ الظرفية المستفادة من كلمة «في» في قوله: «فيه» في الأخبار المذكورة تارة: يراد بها الظرفية المتداولة عندهم في قولهم: «شكّ في شي‏ء» يعني شكّ في أصل وجوده و عدمه، فكلمة «في» صلة مبيّنة (2) لما وقع في‏ (3) محلّ الشكّ و لما هو مشكوك، كما في اللام الداخلة على المراد المبيّنة (4) لأنّ ما دخلته هو المراد. و تارة (5): يراد بها الظرفية التي ليست من هذا القبيل، فالشكّ‏ (6) في شي‏ء معناه الشكّ في أثنائه لا في نفسه و وجوده.

و لا ريب أنّ المعنيين مختلفان‏ (7) و لا جامع بينهما، فإن أريد من قوله: «فيه» المعنى الأوّل كما هو الظاهر من قولهم: «شكّ فيه» فلا ريب في عدم اشتمال القاعدة المزبورة لهذه الموارد إلّا أن يرجع الشكّ إلى نفس ذلك الشي‏ء الذي شكّ باعتباره في أثناء المشكوك فيه كما عرفت و إن كانت هذه الموارد مشمولة لقاعدة حمل الفعل على الصحّة على تقدير التسرية.

و إن أريد من قوله: «فيه» المعنى الثاني فيلزم خروج الموارد التي شكّ في نفس العمل و إن شملت الموارد التي حصل في العمل شكّ مع بعده عن مساق الرواية، مضافا إلى لزوم تخصيص مورد الخبر، فإنّ الشكّ في أجزاء الوضوء حين الاشتغال به ممّا يعتدّ به و لا بدّ من الأخذ بأصالة العدم فيها.

____________

(1). و هو في الهداية الآتية.

(2). «ك»: مبنيّة (ظ) و في «ج»: مثبتة.

(3). «ج، م»:- في.

(4). «ك»: المبنية (ظ) و في «ج»: المثبتة (ظ).

(5). في النسخ: فتارة.

(6). «ج»: فانّ الشكّ.

(7). «ج» مختلفين.

449

و إن أريد من قوله: «فيه» كلاهما يلزم إرادة المعنيين من لفظ واحد مع ما قرّر في‏ (1) محلّه من شناعة (2) مثله، اللّهمّ إلّا أن يتمسّك بذيل ما يجمع بين المعنيين من القدر المشترك و هو بعيد في الغاية.

فالأولى إرجاع الشكوك الأثنائية إلى الشكوك الوجودية بملاحظة وجود نفس الجزء أو الشرط و إيجاد الكيفية التي باعتبارها حصل الشكّ في العمل المشتمل عليها كما لا يخفى.

المقام الثاني في تعارض الاستصحاب مع هذه القاعدة،

فنقول: الحقّ حكومة هذه القاعدة على الاستصحاب أيضا؛ لمكان تعرّض أخبارها لفظا لأخبار الاستصحاب على ما عرفت في غيرها من الموارد، و إن أبيت عن ذلك فلا إشكال في تقدّمها على الاستصحاب؛ لمكان أخصّية هذه الأخبار عن أخبار الاستصحاب، كما في أخبار البناء على الأكثر عند الشكّ في عدد الركعات، على أنّ الإمام (عليه السّلام) إنّما قدّم تلك القاعدة في مواردها على الاستصحاب، و لو لم يكن هذه القاعدة مقدّمة عليه لم يتحقّق لها مورد أصلا؛ لاستحالة انفكاكه عنها في شي‏ء من مواردها، و ذلك أمر ظاهر لا سترة عليه.

و ينبغي التنبيه على أمور:

[لتنبيه‏] الأوّل هل المستفاد من هذه الأخبار هو الحكم بوجود المشكوك فيه‏

ليترتّب مطلقا (3) عليه جميع ما يترتّب على وجوده واقعا من الآثار الشرعية كما في الاستصحاب‏

____________

(1). «ج، ز» و نسخة بدل في «م»: من.

(2). «ك»: امتناع.

(3). «ز، ك»:- مطلقا.

450

الوجودي، أو وقوعه من الحيثية التي وقع الشكّ باعتبارها فقط لا الحكم بوجوده مطلقا فلا يترتّب عليه إلّا الآثار الشرعية التي تلحق المشكوك بالحيثية (1) التي يصدق باعتبارها التجاوز عن محلّ المشكوك؟ وجهان، بل يمكن أن يقال قولان:

يظهر من فيلسوف القوم الشيخ الجليل كاشف الغطاء في مقدّمات الكشف‏ (2) القول بالوجود.

و الحقّ على ما يقتضيه القواعد الراجعة إلى استفادة الأحكام من الأدلّة هو الثاني على ما أفاده الأستاد أنار اللّه برهانه‏ (3).

و يظهر الثمرة في ترتيب غير الآثار المترتّبة على تلك الحيثية من الأحكام اللاحقة لمطلق الوجود، كما إذا شكّ في الوضوء بعد الفراغ من الظهر، فعلى الأوّل يصحّ الدخول في العصر لوجود الطهارة الشرعية التي يجوز معها الدخول في جميع ما هو مشروط بها شرعا، و على الثاني يجب الاقتصار بالظهر فقط و لا يجوز الاكتفاء به لصلاة العصر؛ لأنّ الوضوء إنّما تجاوز محلّه بالنسبة إلى الظهر فقط دون العصر، فلا بدّ من تحصيل الطهارة للعصر شرعا.

و تحقيق المقام يتوقّف على تمهيد مقدّمة و هي أنّه لا يكاد يخفى على أحد أنّ الحكم بوجود الشي‏ء المشكوك مع العلم بكونه مشكوكا ممّا لا يعقل، فلا بدّ من تنزيل الكلام الدالّ على ذلك على وجه لا ينافي حكم العقل بفساد ذلك كما في غيره من المواضع التي لا بدّ صرف الكلام الوارد فيها إلى خلاف ما يظهر منه صونا لكلام الحكيم عن‏ (4) أمثال هذه‏ (5) المحاذير على ما عرفت في جملة من التنزيلات الشرعية و تعبّديات الشارع‏

____________

(1). «ز، ك»: فالحيثية.

(2). انظر كشف الغطاء 1: 201 و في ط الحجري: 35 في البحث السادس و الثلاثين.

(3). «ز، ك»:- أنار اللّه برهانه.

(4). «ج، م»: من.

(5). «ج، م»:- هذه.

451

كما في الاستصحاب أيضا كذلك، و لا يخفى أيضا أنّ بعد ما بنينا على صرف الكلام عن ظاهره بارتكاب تقدير (1) فيه من قبيل الدلالة الاقتضائية، فذلك ليس أمرا منضبطا كأن يكون على طور واحد و طرز فارد لا يمكن التخلّص عنه، بل إنّما هو على حسب ما يظهر للمنزّل من مصالح التنزيل و مفاسده، فربّما يحكم بوجود شي‏ء مشكوك تنزيلا له منزلة الموجود على وجه الإطلاق لمصلحة دعته إلى التنزيل المذكور على الوجه المذكور، و ربّما يحكم بوجود شي‏ء لا على وجه الإطلاق، بل يحكم بوجوده معنونا بعنوان خاصّ، فعلى الأوّل يجوز ترتيب آثار ذلك الشي‏ء عليه حال الشكّ على وجه الإطلاق، و على الثاني لا بدّ من الاقتصار على الأحكام الشرعية المترتّبة على ذلك العنوان فقط.

و من‏ (2) ذلك يجي‏ء التفكيك بين اللوازم و الملزومات العقلية، بل الشرعية أيضا، كما فيما لو أقرّ واحد بأبوّته لزيد و أنكرها زيد، فإنّه يحكم بلوازم الأبوّة للمقرّ و لا يجب أن يقيم زيد بلوازم البنوّة، فيعطى ميراث الأب و لا يؤخذ من‏ (3) ورثته‏ (4) ميراثه، و أمثال هذه التفكيكات‏ (5) في الشريعة غير عزيز، و إنّما المائز بين القسمين الرجوع إلى عنوان الدليل، فإن استفدنا منه الحكم بوجود الشي‏ء مطلقا كما في الاستصحاب فما يترتّب عليه هي‏ (6) الأحكام الشرعية المترتّبة على ذلك بجميع عناوينه، و إن استفدنا منه حكمه‏ (7) بوجوده بعنوان خاصّ فلا يجوز التعدّي إلى حكم ذلك الشي‏ء بغير العنوان الذي باعتباره حكم بوجوده، بل لا بدّ من الاقتصار عليه؛ لعدم ما يقضي‏ (8) بذلك من دليل عقلي أو نقلي، و الأصل يقضي‏ (9) بعدمه.

____________

(1). «ز، ك»: تقييد.

(2). المثبت من «م» و في النسخ: فمن.

(3). «ج»: «قسم» بدل: «من».

(4). «ج، م»: ورثه.

(5). «ج، م»: أمثال التكليفات.

(6). «ج، م»: هو.

(7). «ز، ك»: حكمه منه.

(8). «ج»: يقتضي، «ز، ك»: يفضي.

(9). «ج»: يقتضي.

452

و إذ قد تمهّد هذا (1) فنقول: إنّ قوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء شكّ فيه ممّا قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه» (2) إنّما هو تنزيل للمشكوك فيه منزلة الموجود لكن على عنوان مخصوص‏ (3) باعتبار قيد المجاوزة عن المحلّ.

نعم، لو كان الحكم بوجود الشي‏ء المشكوك من غير أن يكون مقيّدا بهذا القيد كان الحكم بوجوده مطلقا على إطلاقه في محلّه؛ لعدم ما ينافي ذلك بعد وجود ما يقضي‏ (4) به، و أمّا بعد التقييد (5) فلا، فالوضوء إنّما هو شي‏ء قد شكّ فيه، و لكن باعتبار أنّه معنون بعنوان الوجوب‏ (6) الغيري لصلاة الظهر قد جاوز محلّه؛ لأنّ محلّ الشرط (7) هو مقارنته مع المشروط و المفروض انقضاء المشروط، و لكن باعتبار أنّه مقدّمة للعصر ممّا لم يتجاوز محلّه، نعم لو بنينا على المحلّ العرفي ففيما لو شكّ قبل الشروع في الصلاة مطلقا في الوضوء، فيحكم بوجوده و يصحّ معه الدخول في الصلاتين؛ لإحراز القيد الأخير في المشكوك المحكوم بالوجود شرعا.

لا يقال: إنّ الوضوء الواحد حقيقة يكفي عن جملة من الصلوات، و بعد ما فرضنا من أنّ صلاة الظهر إنّما وقعت على طهارة و وضوء فلا بدّ من الحكم بجواز الدخول في العصر أيضا، و إلّا فيلزم أن لا يكون الظهر واقعا على طهارة و قد قال الشارع: «لا صلاة إلّا بطهور» (8) و بالجملة: فالطهارة أمر مقدّمي و يكفي في وجود المقدّمة و ترتيب ذويها (9) عليها ترتيب واحد منها و المفروض تحقّقه بالنسبة إلى صلاة الظهر التي هي‏

____________

(1). «ج، م»: هذه.

(2). تقدّم في ص 446.

(3). «ز، ك»: مخصّص.

(4). «ج»: يقتضي، «ز»: يفضي.

(5). «ز»: التقيّد.

(6). «ج»: وجوب.

(7). «ج»: الشروط.

(8). وسائل الشيعة 1: 315، باب 9 من أبواب أحكام الخلوة، ح 1، و 365- 366، باب 1 من أبواب الوضوء، ح 1، و 369، باب 2 من أبواب الوضوء، ح 3، و 372، باب 4 من أبواب الوضوء، ح 1، و ج 2: 203، باب 14 من أبواب الجنابة، ح 2. و تقدّم في ص 165.

(9). «ز، ك»: ذيها.

453

واحدة منها.

لأنّا نقول: حفظت شيئا و غابت عنك أشياء، فإنّ وجود المقدّمة حقيقة و واقعا يكفي في ترتيب ذويها (1) عليها من غير إعادة (2) لها و تكرار فيها (3)، و أمّا وجودها التنزيلي فلا بدّ من الاقتصار على قدر التنزيل شرعا، و أمّا حديث الطهور (4) فواه جدّا؛ لكونه طهارة شرعية على حسب التنزيل كما في الاستصحاب، فهذه القاعدة أيضا محكّمة على قوله: «لا صلاة إلّا بطهور» على نحو تحكيم الاستصحاب عليه إلّا أنّه لا بدّ من مراعاة مقدار التنزيل في كلّ واحد منهما.

و ما ذكرنا من مراعاة العنوان المنزّل و مقدار التنزيل ليس بذلك البعيد، فإنّ كثيرا ما يوجد أمثاله‏ (5) في الأحكام الشرعية، فإنّ للشي‏ء قد يكون وجوها مختلفة و عناوين متعدّدة يستتبع كلّ واحد منها أحكاما متفاوتة كما عرفت في الوضوء، و كذلك في الغسل فإنّه من حيث إنّه حركة و سكون له أحكام و من حيث إنّه تصرّف في مال الغير له أحكام أخر، فلو شكّ في الغسل بعد التجاوز عن محلّه يحكم بوجوده من حيث إنّه شرط شي‏ء (6) لا يجوز الدخول فيه بدونه مثلا، و لا يثبت بذلك جميع عناوينه، فلا يجب على الشاكّ في الغسل بعد البناء على وجوده دفع الأجرة إلى صاحب الحمّام مثلا، و ذلك أمر ظاهر بعد ظهور تعقّل التفكيك بين الأمور المتضايفة في الشريعة و العناوين المتلازمة كما في الأقارير و الدعاوي و نحوها ممّا لا حدّ له و لا حصر (7) فيه، و بعد دلالة الدليل على الوجه المذكور فإنّ قضيّة القواعد المعمولة في استخراج المطالب من الألفاظ الواردة في بيانها هو الأخذ بجميع ما يظهر من القيود في‏

____________

(1). «ز، ك»: ذيها.

(2). «ز، ك»: إفادة.

(3). «ز، ك»: منها.

(4). «ز، ك»: الظهر.

(5). «ز، ك»: مثاله.

(6). «ز، ك»:- شي‏ء.

(7). «ز، ك»: لا ينحصر.

454

الدليل عند استفادة المطلوب منه، و قد عرفت أنّ مضمون هذه الأخبار مع جميع القيود الملحوظة فيه من صدق الشي‏ء و الشكّ فيه و التجاوز عن محلّه لا يصدق على الشي‏ء المشكوك فيه بجميع عناوينه و تمام حيثياته؛ لعدم صدق المضمون على الوضوء في الملاحظة المذكورة، لانتفاء القيد (1) الأخير، فيختلف عن أحكام يترتّب‏ (2) على عنوان غير مشتمل على هذا القيد و قد مرّ مرارا بأنّه لا غرو في ذلك.

و (3) من ذلك ما لو نذر قراءة سورة معيّنة كسورة يس- مثلا- في الصلاة، فإنّ التجاوز من محلّ السورة إنّما يجدي في الحكم بقراءة مطلق السورة لا السورة الخاصّة؛ لعدم ثبوت هذا (4) العنوان بالأصل.

و نظيره في غير المقام ما (5) لو ثبت اشتغال ذمّة واحد لآخر بإقامة شاهد على استراقه منه شيئا و إتمامه باليمين، فإنّه يحكم بمجرّد الاشتغال دون عنوان السرقة فلا يجوز قطع يده، بخلاف ما لو ثبت بشاهدين فإنّ عنوان السرقة يثبت بذلك فيترتّب عليه أحكامها.

و لا مناص ممّا ذكرنا إلّا بدعوى أنّ المستفاد من الأخبار هو الحكم بوجود المشكوك فيه مطلقا، و عدم الاعتناء بأمثال هذه النكات و الدقائق في استنباط الأحكام من الأدلّة و استخراج المطالب من الألفاظ (6) الواردة في مقامها و لعلّها خارجة عن طريق العلم و الاستدلال، فإنّ الأحكام العرفية مع كمال سهولتها فهي في عين الصعوبة، فليس كلّ ما يكون حاله إليهم سهلا فإنّه صعب مستصعب، فتدبّر.

____________

(1). في النسخ: قيد.

(2). «م»: ترتّب.

(3). «ز، ك»:- و.

(4). «ز، ك»: هذه.

(5). «ز، ك»:- ما.

(6). «ز»: ألفاظ.