معجم مصطلح الأصول‏

- هيثم هلال المزيد...
392 /
55

بدعة الهوى‏

و هي كلّ بدعة تنجم عن هوى مريض و ميل فاسد. كالمعتزلة و فئات من الخوارج. فهؤلاء اتّبعوا ما تهوى الأنفس فجاءوا بطرق فاسدة في الاستنباط، و اتّبعوا علم الكلام الذي أزاغهم عن الحقائق.

البدل‏

من صفات علوّ الإسناد. و هو الوصول إلى شيخ شيخه كذلك أي: مع علوّ بدرجة فأكثر من غير طريق ذلك المصنّف المعين، بل من طريق آخر أقلّ عددا منه كأن يقع لراو ذلك الإسناد بعينه من طريق أخرى إلى «القعنبيّ» عن «مالك»، فيكون «القعنبيّ» بدلا فيه من «قتيبة». و «القعنبيّ» ليس شيخا للبخاري، فحصلت «الموافقة» مع شيخ شيخه، و هو «مالك».

و من أمثلته حديث ابن مسعود مرفوعا: «يوم كلّم اللّه موسى كان عليه جبّة صوف و نعلان من جلد حمار ميّت».

و تجدر الإشارة إلى أن أكثر استعمالهم ل «البدل» و كذلك «الموافقة» في العلوّ مقارنة. و إلا فهما واقعان بدونه. و ذلك لقصد بعث الطالبين أو تحريضهم على سماعه و الاعتناء به، أي:

الإسناد العالي.

البديهيّ‏

و هي صفة للمعلوم يراد بها الذي لا يتوقف حصوله على نظر و كسب سواء أحتاج إلى تجربة و حدس أو غيرها أم لم يحتج فيرادف الضروريّ. و يطلق، أيضا، على ما لا يحتاج بعد توجه العقل إلى شي‏ء أصلا، فيكون أخصّ من الضروري.

كتصور الحرارة و البرودة، و كالتصديق بأن النفي و الإثبات لا يجتمعان و لا يرتفعان.

البديهيّات‏

را: اليقينيات.

البراءة الأصليّة

و تطلق و يراد بها أنّ الأصل هو براءة الذمة. و لا يجوز أن يعاقب أحد، مثلا، إلا بحكم محكمة، لأنّ الأصل خلوّ الذمة مما يتّهم به، بناء على البراءة الأصلية.

البراءة الشّرعيّة

تطلق و يراد بها الوظيفة الشرعية النافية للحكم الشرعي عند الشّكّ فيه و اليأس من تحصيله. و كونها وظيفة يعني أنها غير ناظرة إلى الواقع.

البراءة العقلية

و يراد بها لدى الإمامية الوظيفة المؤمّنة من قبل العقل عند عجز المكلّف عن بلوغ حكم الشارع أو وظيفته.

56

براعة الاستهلال‏

و يراد بهذا التركيب أحد أمرين:

الأول: أن يشير المصنّف في ابتداء تأليفه قبل الشروع في المسائل بعبارة تدل على المرتّب عليه إجمالا.

الثاني: كون ابتداء الكلام مناسبا للمقصود. و هو ما يحاوله المصنفون في ديباجاتهم.

البرهان‏

و يرد في الكتاب و السّنّة بمعنى «الدليل القطعيّ» في كل النصوص إطلاقا دون استثناء، من كتاب اللّه أو السّنة.

و في الاصطلاح هو قياس مؤلّف من اليقينيات سواء كانت ابتداء- و هي «الضروريات»- أو بواسطة، و هي ما يدعى «النظريات».

و ينقسم إلى قسمين: «برهان علة» و «برهان دلالة». و عند أهل الكلام له أقسام أخرى. و يرد عندهم في «الخطابة» بأنه كل «اعتبار» يستتبع المقصود بسرعة.

و «البرهان» كذلك مؤلّف لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد اللّه الجوينيّ النّيسابوريّ الشافعي، في علم أصول الفقه على منهج «علم الكلام». و قد حقّقه الدكتور عبد العزيز الديب كرسالة للدكتوراة في موضوع الأصول، و طبع في قطر.

برهان الدّلالة

و هو الاستدلال بالمعلول على العلة، أو بأحد المعلولين على الآخر. فلو قلت:

«كلّ شبعان قد أكل كثيرا، و زيد شبعان فإذا قد أكل كثيرا» هذا هو برهان الدلالة. فهذا استدلال من باب المعلول على العلة.

برهان العلّة

و هو الاستدلال بالعلة على المعلول.

مثال ذلك الاستدلال على المطر بالغيم، و على شبع زيد بأكله، فتقول: «من أكل كثيرا فهو في الحال شبعان، و زيد قد أكل كثيرا فهو إذا شبعان».

البساطة بحسب الحقيقة

و يقال لها: «البسيط الحقيقيّ» مقابل «المركّب بحسب الحقيقة». و المراد بها عدم انحلال المفهوم و لو بالتّعمّل العقليّ.

مثلا في قولنا: «ناطق» من «حيوان ناطق» هو بسيط حقيقيّ. و يعدّ قسم «البسيط المفهوميّ» أعمّ من «البسيط الحقيقيّ» الذي له وجود واحد بلا تركيب.

البساطة بحسب المفهوم‏

و المراد بها اصطلاحا كون حضور المفهوم في الذهن حضورا لمعنى واحد، كالإنسان. و يقابلها «المركّب بحسب المفهوم». و هو «البسيط المفهوميّ».

57

البسيط الحقيقيّ‏

را: البساطة بحسب الحقيقة.

البسيط المفهوميّ‏

را: البساطة بحسب المفهوم.

البشريّة

و هم أصحاب بشر بن المعتمر كان من أفاضل المعتزلة. و هو الذي أحدث القول بالتوليد. زعم هؤلاء أن الأعراض و الطعوم و الروائح و غيرها تقع متولّدة في الجسم من فعل الغير، كما إذا كانت أسبابها من فعله.

البطلان‏

و هو قسيم «الصّحة» و مقابلها. و يعني عدم موافقة أمر الشارع. و يطلق و المراد به عدم ترتب آثار العمل عليه في الدنيا، و العقاب عليه في الآخرة، بمعنى أن يكون العمل غير مجزئ، و لا مبرئ للذّمة، و لا مسقط للقضاء. فالصلاة إذا ترك ركن من أركانها فهي باطلة، و الشّركة إذا فقد شرط من شروط صحتها فهي، كذلك، باطلة، و كذلك البيع المنهيّ عنه كبيع الملاقيح (ما كان في بطون الأمهات) فهو باطل. و يترتّب على البطلان حرمة الانتفاع، و استحقاق العقاب عليه في الآخرة. و لذلك كان للبطلان آثار في الدنيا، و يترتب عليها آثار في الآخرة.

البعض‏

اسم لجزء مركّب تركّب الكلّ منه و من غيره.

البلاغة

و تطلق على المتكلم و على الكلام.

فإذا كانت البلاغة في المتكلم فهي عبارة عن ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ. و كلّ بليغ سواء كان كلاما أو متكلما فصيح، فالفصاحة مأخوذة في تعريف البلاغة. و ليس كل فصيح بليغا.

و البلاغة في الكلام هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال. و المراد ب «الحال» الأمر الداعي إلى التكلم على وجه مخصوص مع فصاحة الكلام. و ذكر بعضهم أن البلاغة تنبئ عن الوصول و الانتهاء، يوصف بها الكلام و المتكلم فقط دون المفرد.

بناء العقلاء

را: السيرة العقلائية.

البيان‏

يقال في اللغة: «بان لي هذا المعنى بيانا» أي: ظهر، فالبيان هو الإظهار. و في الاصطلاح هو إخراج الشي‏ء من حيّز الإشكال إلى حيز الوضوح. و يمكن أن يقال: إنه العلم أو الظن الحاصل من الدليل. و لذا عرّفه بعضهم بأنه الدليل.

فقوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ [الأنعام: الآية 72] هو مجمل، و قوله‏

58

عليه الصلاة و السلام: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» هو بيان لهذا المجمل.

و البيان قد يكون قوليّا، و ربما يكون فعليّا، كما تكون وجوهه على أنحاء خمسة: بيان تقرير، و بيان تفسير، و بيان تغيير، و بيان تبديل، و بيان ضرورة. و هذه الأوجه خاصّة بالحنفية.

بيان التّبديل‏

و يعنون به التعليق بالشرط، كقوله عزّ و جل: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ‏ [الطّلاق: الآية 6] فإنه يتبيّن به أنه لا يجب إيتاء الأجر بعد العقد إذا لم يوجد الإرضاع، و إنما يجب ابتداء عند وجود الإرضاع، فيكون تبديلا لحكم وجوب أداء البدل بنفس العقد.

و هذا بخلاف «التغيير» الذي يكون تغييرا لمقتضى صيغة الكلام الأول، بينما يكون «التبديل» إخراج الكلام من أن يكون إخبارا بالواجب أصلا.

و هذا النوع لا يصحّ مفصولا بل هو موصول.

بيان التّغيير

و هو الاستثناء، كما قال سبحانه:

فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً [العنكبوت: الآية 14] فالألف هي اسم موضوع لعدد معلوم، فما يكون دون ذلك العدد يكون غيره لا محالة، فلو لا الاستثناء لكان العلم يقع لنا بأنه لبث فيهم ألف سنة. و مع الاستثناء إنما يقع لنا العلم بأن نوحا (عليه السلام) لبث فيهم تسع مائة و خمسين عاما، فيكون هذا تغييرا لما كان مقتضى مطلق تسمية الألف. و هذا النوع لا يصحّ إلا موصولا.

بيان التفسير

و هو بيان المجمل و المشترك.

و المقصود أن العمل بظاهره غير مراد أو ممكن و إنما يوقف على المراد للعمل به بالبيان، فيكون البيان تفسيرا له. و ذلك نحو قوله تعالى: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ [البقرة: الآية 43] و قوله تعالى:

وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: الآية 38]. فالآية الأولى فيها إجمال، و الثانية فيها اشتراك. و لم يمكن العمل بالآيتين إلا بعد بيان جاء مفسّرا لهما، فرفع عن الأولى الإجمال، و عن الثانية احتمال الاشتراك، فتعيّن المراد بالبيان.

هذا و ننوّه إلى أن بحث الاشتراك لغويّ، و ليس موضعه هنا في باب (البيان) لأن البيان من أقسام الكتاب و السنة.

بيان التقرير

و هو يكون في الحقيقة التي تحتمل المجاز، أو العامّ الذي يحتمل الخصوص، موصولا كان أو مفصولا،

59

فيكون البيان قاطعا للاحتمال مقرّرا للحكم على ما اقتضاه الظاهر. و ذلك نحو قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ‏ [الحجر: الآية 30] فصيغة الجمع تعمّ الملائكة على احتمال أن يكون بعضهم، و قوله تعالى: كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ‏ [الحجر: الآية 30] بيان قاطع لهذا الاحتمال. و كذلك قوله تعالى: وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ‏ [الأنعام: الآية 38] يحتمل المجاز، لأن البريد يقال له: طائر فإذا قال: «يطير بجناحيه» بيّن أنه أراد الحقيقة.

و في الحق أن هذا البحث لغويّ يبحث في موضع آخر من أبحاث اللغة و ليس في هذا الباب الذي هو (البيان) الذي هو من أقسام الكتاب و السّنّة.

بيان الضرورة

و يعرّف بأنه نوع من البيان يحصل بغير ما وضع له في الأصل. و هو على أربعة أوجه: فمنه ما ينزل منزلة المنصوص عليه في البيان، و منه ما يكون بيانا بدلالة حال المتكلم، و منه ما يكون بيانا بضرورة دفع الغرور، و منه ما يكون بيانا بدلالة الكلام.

فالأول نحو قوله تعالى: وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ‏ [النّساء: الآية 11] فإنه لمّا أضاف الميراث إلى الأبوين صدر الكلام، ثم بيّن نصيب الأمّ كان ذلك بيانا أن للأب ما بقي، فلا يحصل هذا البيان بترك التنصيص على نصيب الأب. بل بدلالة صدر الكلام يصير نصيب الأب كالمنصوص عليه.

و الثاني كالسكوت من صاحب الشرع عن معاينة شي‏ء عن تغييره يكون بيانا منه لحقّيّته باعتبار حاله، فالبيان واجب عند الحاجة إلى البيان. فلو كان الحكم بخلافه لبيّن ذلك لا محالة، و لو بيّنه لظهر. و السكوت بعد وجوب البيان دليل النفي، كسكوت الصحابة عن بيان قيمة الخدمة للمستحق على المغرور، فهو دليل على نفيه، بدلالة حالهم، لأن المستحقّ جاء يطلب حكم الحادثة و هو جاهل بما هو واجب له، فكان يجب عليهم في مثل هذه الحادثة، و هي أول ما وقع بعد الرسول (عليه السلام)، مما لم يسمعوا فيه نصّا، كان يجب عليهم البيان بصفة الكمال.

و الثالث من الأوجه هو كنحو سكوت المولى عن النهي عند رؤيته العبد يبيع و يشتري، فإنه يجعل إذنا له بهذا في التجارة، لضرورة دفع الغرور عمن يعامل العبد، فإن في هذا الغرور إضرارا بهم، و الضرر مرفوع و مدفوع، و لذا لم يصحّ الحجر الخاص بعد الإذن العام المنتشر.

و الناس لا يتمكنون من استطلاع رأي المولى في كل معاملة يعاملونه مع العبد، و إنما يتمكنون من التصرف بمرأى العين منه، و يستدلون بسكوته على الرضا، فسكوته كالتصريح بالإذن لضرورة دفع الغرور.

60

و أما النوع الرابع فكما إذا قال: لفلان عليّ مائة و درهم، أو مائة و دينار، فإنّ ذلك بيان للمائة أنها من جنس المعطوف.

فقوله: «و درهم» أو «و دينار» بيان للمائة عادة و دلالة. أما العادة فلأن الناس اعتادوا حذف ما هو تفسير عن المعطوف عليه في العدد إذا كان المعطوف مفسرا بنفسه كما اعتادوا حذف التفسير عن المعطوف عليه، و الاكتفاء بذكر التفسير للمعطوف فهم يقولون: (مائة و عشرة دراهم) على أن يكون الكلّ من الدراهم، و إنما اعتادوا ذلك لضرورة طول الكلام، و كثرة العدد. و الإيجاز عند ذلك طريق معلوم عادة. و أما من حيث الدّلالة فلأن المعطوف مع المعطوف عليه كشي‏ء واحد، من حيث الحكم و الإعراب، بمنزلة المضاف مع المضاف إليه، ثم الإضافة للتعريف حتى يصير المضاف معرّفا بالمضاف إليه. فكذلك العطف متى كان صالحا للتعريف يصيّر المعطوف عليه معرّفا بالمضاف إليه، فكذلك العطف متى كان صالحا للتعريف يصيّر المعطوف عليه معرّفا بالمضاف إليه. فكذلك العطف متى كان صالحا للتعريف يصيّر المعطوف عليه معرّفا بالمعطوف باعتبار أنهما كشي‏ء واحد. و كلّ هذا فيما يجوز أن يثبت في الذّمّة عند مباشرة السبب بذكر المعطوف بالمعطوف عليه كالمكيل و الموزون. فأما ما ليس بمقدّر لا يثبت دينا في الذّمّة كالثياب فلا.

البيان الفعليّ‏

و هو كلّ ما كان بيانه فعلا للرسول (عليه السلام). فمثال الفعل ما روي عنه أنه عرّف الصلاة و الحجّ بفعله حيث قال:

«صلّوا كما رأيتموني أصلّي» و قوله:

«خذوا عني مناسككم» فإن فعله للصلاة بيان لقوله تعالى: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة: الآية 43] و فعله للحج بيان لقوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: الآية 97].

و البيان الفعلي أقوى من البيان القولي، لأن الفعليّ فيه مشاهدة و معاينة لصورة الفعل، و هو زيادة على ما يفيده مجرد القول.

البيان القولي‏

و هو كلّ ما كان بيانه قولا من اللّه أو الرسول. فأما الأول فهو نحو قوله تعالى: صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها [البقرة:

الآية 69] إلى آخر آيات الموضوع، فإنه بيان لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة: الآية 67]؛ و أما الثاني، أي: ما كان بيانه قول الرسول (عليه السلام) فمثاله ما أخرجه البيهقيّ من طريق الحسن قال: «لم يفرض الصدقة النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) إلا في عشرة: في الحنطة و الشعير، و التمر و الزبيب، و الذّرة، و الإبل، و البقر، و الغنم، و الذهب و الفضة» فهو بيان لآيات فرض الزكاة.

61

البيّنة

و هي في كلام اللّه و الرسول و الصدر الأول اسم لكل ما يبيّن به الحقّ. و قد فسرت في القرآن بأنها الحجّة الواضحة.

و في اصطلاح الأصوليين و الفقهاء تطلق على الشاهد و اليمين و الإقرار و المستندات الخطّيّة المقطوع بصحتها، مما يحكم به القاضي. و تختلف البينات عن الأدلة بأن الأولى وردت بالنص، و لا يجوز أن يكون بغير هذه الأربع، فلا يعتدّ بشهادة نساء مهما بلغ عددهنّ على جريمة ما لم يكن معهنّ رجل في الشهادة، بخلاف الأدلة إذ تخضع للتصرف و الاجتهاد.

البيهسيّة

و هم أصحاب أبي بيهس بن الهيضم ابن جابر. قالوا: «الإيمان هو الإقرار و العلم باللّه و بما جاء به الرسول عليه الصلاة و السلام» و هم وافقوا القدرية بإسناد أفعال العباد إليهم.

***

62

حرف التاء

التّابعيّ‏

و يقال له كذلك: «تابع». و هو من لقي واحدا من الصّحابة أو أكثر، و إن لم يصحبه. و هو الذي عليه أكثر العلماء. و قد اشترط بعضهم شروطا خالفها العلماء.

و عددهم يفوق الحصر، إذ كلّ من رأى صحابيا عدّ من التابعين. و قد توفي الرسول عليه الصلاة و السلام عن مائة ألف و نيّف من صحابته، تفرقوا في البلاد، و رآهم ألوف الأتباع.

و قد قسّم التابعون خمس عشرة طبقة، آخرهم من لقي أنس بن مالك من أهل البصرة، و من لقي عبد اللّه بن أبي أوفى من أهل الكوفة، و من لقي السائب بن يزيد من أهل المدينة، و من لقي عبد اللّه بن الحارث بن جزء من أهل مصر، و من لقي أبا أمامة الباهليّ من أهل الشام.

و اتفق العلماء الأئمة على أن آخر عصر التابعين هو حدود سنة خمسين و مائة من الهجرة، و أن سنة عشرين و مائتين آخر عصر أتباع التابعين.

التّابعيّ المخضرم‏

المخضرم، لغة، بكسر الراء و فتحها: من أدرك الجاهلية و الإسلام، و كذلك الدّعيّ، و الناقص الحسب، و من لا يعرف أبوه. و يقال أيضا: «لحم مخضرم: للذي لا يعرف من ذكر أو أنثى» و «ناقة مخضرمة» إذا قطع طرف أذنها.

و «التابعيّ المخضرم» هو الذي أدرك الجاهلية و زمن النبي عليه الصلاة و السلام و أسلم و لم يره، كأبي رجاء العطارديّ، و سويد بن غفلة. و قد أحصاهم أحد العلماء فأوصلهم إلى نيّف و أربعين مخضرما.

التّالي‏

و هو اصطلاح على الطّرف الثاني من القضية الشرطية المتصلة، و على أحد الطرفين في المنفصلة لأنها غير متميزة كالمتصلة، و ليس من حق أطرافها هذه التسميات، إذ لا يتفاوت المعنى بتقديم التسمية أو تأخيرها. و كذلك «المقدّم».

63

التّأديبيّات الصّلاحيّة

و تدعى «المحمودات» و «الآراء المحمودة» أيضا. و تعرّف بأنها ما تطابق عليها الآراء من أجل قضاء المصلحة العامة للحكم بها باعتبار أن بها حفظ النظام و بقاء النوع، كقضية حسن العدل و قبح الظلم. و معنى حسن العدل أن فاعله ممدوح لدى العقلاء، و معنى قبح الظلم أن فاعله مذموم لديهم. و هي من أقسام «المشهورات».

التأسّي‏

و هو في الفعل أن تفعل مثل فعل الرسول، على وجهه، من أجل فعله.

فكلمة «مثل فعله» قيد، لأنه لا تأسي مع اختلاف صورة الفعل، و كلمة «على وجهه» قيد ثان فإن معناه المشاركة في غرض ذلك الفعل و نيّته، لأنه لا تأسي مع اختلاف الفعلين في كون أحدهما واجبا، و الآخر ليس بواجب، و إن اتحدت الصورة، و كلمة «من أجل فعله» قيد ثالث، لأنه لو اتفق فعل شخصين في الصورة و الصفة و لم يكن أحدهما من أجل الآخر، كاتفاق جماعة في صلاة الظّهر مثلا، أو صوم رمضان اتباعا لأمر اللّه، فإنه لا يقال:

يتأسى البعض بالبعض. و على هذا لو وقع فعله في مكان أو زمان مخصوص فلا مدخل له في المتابعة و التأسي، و سواء تكرر أم لم يتكرر، إلا أن يدل الدليل على اختصاص العبادة بذلك المكان أو الزمان كاختصاص الحج بعرفات، و اختصاص الصلاة بأوقاتها، و اختصاص صوم رمضان. و من ثم فلو فعل الرسول فعلا على أنه مندوب و نحن على أنه واجب فحرام و لا تأسي.

التأسيس‏

و هو عبارة عن إفادة معنى آخر لم يكن أصلا قبله. و يقول أهل الأصول:

«التأسيس خير من التأكيد» لأن حمل الكلام على الإفادة خير من حمله على الإعادة.

التأكيد

و هو «التوكيد» كذلك. و التعريف الذي نراه له أنه تقوية مدلول اللفظ المذكور أوّلا بلفظ ثان مستقلّ بالإفادة.

و اللفظ تارة يؤكّد بنفسه بتكراره، نحو: «قام قام» و تارة يؤكّد بغيره إما المفرد للواحد و للمثنى و للجمع، نحو:

«جاء زيد نفسه» و «جاء الزيدان كلاهما، و المرأتان كلتاهما» و فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ‏ [الحجر: الآية 30]؛ و إما أن يؤكّد الجملة. نحو: «إنّ» في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ‏ [الأحزاب: الآية 56].

التأكيد اللفظيّ‏

و هو أن يكرّر اللفظ الأول. نحو:

«أتى أتى زيد».

64

التأكيد المعنويّ‏

و هو أن يؤكّد اللفظ بلفظ من مثل:

«العين و النفس» و نحوها. و ذلك مثل:

«جاء الرجل عينه» و «نفسه»، و «جاء الطلاب أنفسهم». و هو يقابل «التوكيد اللفظي» أو «التأكيد اللفظي».

التأليف‏

و هو جعل الأشياء الكثيرة بحيث لا يطلق عليها اسم الواحد، سواء كان لبعض أجزائه نسبة إلى البعض بالتقدم و التأخر أم لا. و هو أهمّ من الترتيب. و ربما يطلق عليه «التألّف».

تأمّل‏

فعل أمر يرد في كتب الإماميّة نهاية كلّ تدقيق في المطلب، و يريدون به على المشهور الإشارة إلى إيراد في المطلب.

و أما إذا قرن بلفظ «جيدا» فليس فيه إشارة إلى شي‏ء.

التّأويل‏

في اللغة من «آل، يؤول» إذا عاد إلى كذا و رجع إليه. و يراد به عند المتقدّمين أحد معنيين: الأول بمعنى «التفسير» تقريبا إلا أنهم، بالتدقيق، يجعلون التفسير «بيان المراد باللفظ»، و التأويل «بيان المراد بالمعنى»؛ و المعنى الثاني أنه نفس المراد بالكلام، فنفس الأمور الموجودة في الخارج ماضية أو مستقبلة هي معنى التأويل، و هو عرفيّ. فإذا قلنا: «طلعت الشمس» فتأويلها هو نفس طلوعها.

و قد اصطلح المتأخرون من أهل الأصول على التأويل بأنه «صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به» و منه «المؤوّل» جعلوه من أقسام الكتاب و السنة قالوا: «قد يكون أحد مدلولي اللفظ في دلالة الألفاظ أرجح من الآخر، لكن ذلك المدلول المرجوح قد يوافقه دليل من خارج، فإذا انضم إليه صارا جميعا مساويين لذلك المعنى الراجح، فيجب التوقف على المرجّح أو الراجحين عليه، فيجب تركه و العدول إليهما» هذا ما يرونه و يضربون مثلا عليه قول النبي (عليه السلام): «الجار أحقّ بصقبه» فهو ظاهر في ثبوت الشّفعة للجار الملاصق و المقابل، أيضا، مع احتمال أن المراد بالجار الشريك المخالط، إما حقيقة و إما مجازا، لكن هذا الاحتمال ضعيف بالنسبة إلى الظاهر. فلما نظرنا إلى قوله (عليه السلام): «إذا وقعت الحدود و صرفت الطرق فلا شفعة» صار هذا الحديث مقوّيا لذلك الاحتمال الضعيف في الحديث المتقدم حتى ترجّحا على ظاهره، فقدّمناهما، و قلنا: «لا شفعة إلا للشريك المقاسم» و حملنا عليه الجار في الحديث الأول. فعلى المتأوّل عندهم وظيفتان:

الأولى بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي ادعاه، و الثانية: بيان الدليل الموجب للصرف إليه عن المعنى الظاهر.

65

التأويل البعيد

و هو ما يحتاج لمعرفته و الوصول إليه إلى مزيد من التأمّل مع كون اللفظ يحتمله.

و ذلك كاستنباط ابن عباس رضي اللّه عنهما أن أقل الحمل ستة أشهر من قوله تعالى:

وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [الأحقاف:

الآية 15] مع قوله تعالى: وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [البقرة: الآية 233]، و من ذلك قولهم في الحديث: «لا يقتل مؤمن بكافر، و لا ذو عهد في عهده» إذ قالوا: (إنّ النبيّ عليه الصلاة و السلام عطف على «لا يقتل مؤمن بكافر» قوله: «و لا ذو عهد في عهده» و حكم المعطوف حكم المعطوف عليه.

فوجب أن يكون معناه: «و لا يقتل ذو عهد في عهده بكافر». و معلوم أن ذا العهد يقتل بالكافر الذّمّي، و لا يقتل بالكافر الحربيّ. فكان قوله: «لا يقتل مؤمن بكافر» معناه: «بكافر حربي» لأن المضمر في المعطوف هو المظهر في المعطوف عليه. فأضمروا في المعطوف ما هو مظهر في المعطوف عليه من القتل و «الكافر» و لما رأوا أن ذلك إن أضمر في المعطوف كان مخصوصا في الحربي.

و أوجبوا تخصيص المعطوف عليه، أيضا، بالحربيّ.

و هذا كما هو ظاهر يحتاج إلى كثرة تأمل، و إعمال للعقل غير يسير، و أمثال هذه التأويلات تحتاج إلى فكر مستنير فيه العمق و الشمول.

التأويل القريب‏

و هو ما يمكن معرفته بأدنى تأمل مع احتمال اللفظ له. و مثاله اعتبار التصدّق بمال اليتيم أو التبرع به لغيره، أو إتلافه مساويا لأكله، أو أولى بالتحريم الذي دل عليه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى‏ ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [النّساء: الآية 10] و منه اعتبار التبوّل في إناء ثم صب البول في الماء الراكد مساويا للتبول المباشر فيه الذي ورد النهي عنه بقوله عليه الصلاة و السلام: «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه» باعتبار أن كلا العملين مؤدّ لتلوث الماء، و إثارة الوسوسة.

التّأويل المستبعد

و يسمى «التأويل المردود» و «التأويل الباطل». و هو ما لا يحتمله اللفظ، و ليس لدى المؤوّل على تأويله أيّ نوع من أنواع الدلالة. فمثلا فسر بعضهم قوله عزّ و جل:

وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‏ [النّحل:

الآية 16] بأن «النجم» هو الرسول (عليه السلام)، و «علامات» هم الأئمة. و كذلك تفسير «الآيات» بالأئمة، و «النّذر» بالأنبياء من سورة يونس، و «النبأ» بالإمام علي، من سورة النبأ.

التّبادر

و هو من علامات الحقيقة لدى الأصوليين. و يعرّف بأنه انسباق المعنى من نفس اللفظ مجرّدا عن كلّ قرينة.

66

فكلمة «ماء» يحصل التبادر بانسباق الذهن إلى أنها الجسم السائل البارد بالطّبع، دون قرينة.

التّباين‏

و هو ما إذا نسب أحد الشيئين إلى الآخر لم يصدق أحدهما على شي‏ء مما صدق عليه الآخر. و هو نوعان: «التباين الكليّ»، و «التباين الجزئيّ».

التّباين الجزئيّ‏

و هو أن يصدق الشيئان في الجملة، نحو: «الحيوان» و «الأبيض» فيكون بينهما «التباين الجزئي» و العموم من وجه.

و مرجعهما إلى قضيتين سالبتين جزئيتين.

التّباين الكليّ‏

و هو ألّا يتصادق الشيئان على شي‏ء أصلا، نحو: «الإنسان» و «الفرس».

و مرجعهما إلى قضيتين سالبتين كليتين.

التّبكيت‏

و هو في اللغة التعنيف و التقريع إما بالسوط و إما بالسيف، و يستعمل في التعنيف على سبيل المجاز. و يطلق اصطلاحا على كل قياس تكون نتيجته نقضا لوضع من الأوضاع، باصطلاح أهل الكلام، لأنه تبكيت لصاحب الوضع. و قد يطلق عليه بهذا العموم اصطلاح «التبكيت المغالطيّ» باعتبار نقضه.

التبكيت البرهانيّ‏

و هو كلّ تبكيت تكون موادّه من «اليقينيات».

التبكيت الجدليّ‏

و هو التبكيت الذي تكون موادّه من «المشهورات» و «المسلّمات».

التبكيت السّوفسطائيّ‏

و هو الذي لا تكون موادّه من مواد «البرهانيّ» و لا «الجدليّ». و إن كانت من مواد «البرهاني» شبيهة به مادة و هيئة حقّ و التبس أمره على المخاطب فهو المعنون له.

التبكيت المشاغبيّ‏

و هو شبيه ب «الجدل» سواء كانت مواده من «اليقينيات» أو من «المشهورات» أو «المسلّمات» أو لم تكن منها، و لكنّ صورة القياس فيه غير صحيحة على حسب قوانينه، فيكون القياس، حينئذ، شبيها بالحق و اليقين أو شبيها بالمشهور مادة أو هيئة، ليلتبس أمره على المخاطب و يروج عليه، و يكون عنده في معرض التسليم لقصور فيه أو غفلة، و إلا فلا يستحقّ اسم «القياس». و تسمى صناعته «مشاغبة».

و سببه إما الغلط حقيقة من «القائس»، و إما تعمد تغليط الغير و إيقاعه في الغلط مع انتباهه إلى الغلط. و هذا يحصل في «السّوفسطائي» أيضا. و يقال للقائس في الحالين: «مغالط» و القياس يدعى «مغالطة». و صناعته «صناعة المغالطة».

67

التبكيت المغالطيّ‏

را: التبكيت.

التّثبيت‏

و هو اصطلاح يقصد به كلّ قول يقع حجّة في الخطابة، و يمكن فيه أن يقع التصديق بنفس المطلوب بحسب الظن، سواء كان قياسا أو تمثيلا. و يدعى، أيضا، «الحجّة الإقناعية».

التّجربيّات‏

و هي «المجرّبات» راجعة إلى «البديهيات» و يعرّفها أصحاب الكلام بأنها القضايا التي يحكم بها العقل بواسطة تكرر المشاهدة منّا في احساسنا فيحصل بتكرر المشاهدة ما يرسّخ في النّفس حكما لا شك فيه، كالحكم بأن كل نار حارة، و أن الجسم يتمدد بالحرارة. و أكثر مسائل «الطب» و «الطبيعة» و «الكيمياء» من هذا النوع. و يذكرون أن الاستنتاج في هذا الباب هو من نوع «الاستقراء الناقص» المبني على التعليل المفيد للقطع. و هذا، في الحق، تشويش في الذهن كبير. فهذه طريقة في التفكير مردّها إلى التجربة و الملاحظة و الاستنتاج. و هي في عصرنا تدعى «الطريقة العلمية» بالاصطلاح المعاصر لكلمة «العلم». و هي في الحقيقة ظنيّة في إثبات وجود الشي‏ء، و ظنيّة في الحكم على كنه الشي‏ء و صفاته. و ناحية ثانية هي أن المسألة مردها إلى وجود معلومات سابقة عن الموضوع المبحوث فيه و إلا رجعنا إلى مجرّد الإحساس. و لا علاقة لها بما يسمونه «البديهيّات».

التحرّي‏

و يراد به طلب أخرى الأمرين و أولاهما.

التّحريج‏

را: الحرام.

التحرير

و يراد به بيان المعنى بالكناية.

التحريف‏

يرد هذا اللفظ عند المتقدمين بمعنى «التصحيف» غير أن العلماء من أهل الحديث يطلقونه اصطلاحا على ما وقع التغيير فيه في الشّكل، أي: في ضبط حركاته. و أما التصحيف فهو ما وقع التغيير فيه في اللفظ أو المعنى، أو تغيير النّقط في الحروف مع بقاء صورة الخط.

و مثال «التحريف» حديث جابر: «رمي أبيّ يوم الأحزاب على أكحله» حرفه بعضهم إلى «أبي» من الأب. و هو «أبيّ ابن كعب» و أبو جابر استشهد يوم أحد.

التحسينيّات‏

را: المقاصد التحسينيّة.

التحقيق‏

يطلق في كتب الأصول و عند المحدّثين، و يراد به إثبات المسألة بدليلها.

68

تحقيق العلّة

و هو اصطلاح مقترح يغني عن «تخريج المناط» و «تنقيح المناط» و ينفي هذا الخلط بين العلة و بين المناط، و ما يلازم هذا كله. فنقول: إن تحقيق العلة هو النظر في الباعث على الحكم، كالنظر في قوله (عليه السلام): «أ ينقص الرّطب إذا يبس؟» حين سئل عن بيع الرطب بالتمر، و قال: «فلا إذا» هل يفيد العلية أو لا؟

و كالنظر في قوله تعالى: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ‏ [الحشر: الآية 7] هل يفيد العلية أو لا؟ و كالنظر في قوله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ‏ [الجمعة:

الآية 9] مع قوله: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ‏ [الجمعة: الآية 10] هل يفيد العلية أو لا؟

و أما تحقيق العلة فهو يرجع إلى فهم النصّ الذي جاء معلّلا، أي: يرجع إلى النقليات، إلى معرفة الكتاب و السنة، و لذلك يشترط فيمن يحقّق العلة أن يكون مجتهدا.

تحقيق المناط

يعرّف لدى الأصوليين بأنه النظر في وجود العلة في آحاد الصّور بعد معرفتها في نفسها. و يكون ببيان وجود علة الأصل في الفرع، أو ببيان وجود علة متّفق عليها في محلّ النزاع، كبيان وجود الطّواف المتّفق عليه في الهرّة في الفأرة و نحوها. و هو من طرق الاجتهاد في العلة.

و نحن نحاول تأصيل الاصطلاح هنا، فنزعم أن هذا المعنى ليس بصحيح، و كذلك ما ذكروه في «تنقيح المناط» و «تخريج المناط» فهو يدخل الدارس و الباحث في متاهات لا فائدة منها.

و الذي نختاره بديلا عن الاصطلاحين الأخيرين هو «تحقيق العلة» و نرى إلغاء هذه الفوارق. و قد حققناه في موضعه.

و أما تحقيق المناط فنرى أنه بفهم المناط نفسه مما ذكرناه في بابه يعرّف بأنه الوقوف على حقيقة الأشياء من حيث كون الحكم الشرعي المتعلق بها ينطبق عليها أم لا. فهو النظر في معرفة الحكم الشرعي أو في معرفة وجود الحكم الشرعي في آحاد الصّور، بعد معرفته من الدليل الشرعي أو من العلة الشرعية. فجهة القبلة هي مناط وجوب استقبالها، و وجوب استقبالها هو الحكم الشرعي، و هو قد عرف من قبل مدلولا عليه بقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ‏ [البقرة: الآية 144] و كون هذه الجهة هي جهة القبلة هو المناط، فتحقيق هذا في حالة الاشتباه هو تحقيق المناط. فيكون تحقيق الشي‏ء الذي هو محلّ الحكم. و المناط غير العلة، و تحقيقه كذلك. و ذلك لأن تحقيق المناط هو النّظر في حقيقة الشي‏ء الذي يراد تطبيق الحكم عليه، كالنظر في الشراب هل هو خمر أو لا؟ و النظر في الماء هل هو مطلق أو لا؟ و النظر في الشخص هل هو

69

محدث أو لا؟ و النظر في الجهة هل هي القبلة أو لا؟ و المناط هو الشراب و الماء و الشخص وجهة القبلة. فتحقيق كون الشراب المعيّن خمرا أو ليس بخمر، و كذلك الماء هو كونه مطلقا أو غير مطلق ليتأتى الحكم عليه بأنه يجوز الوضوء منه أو لا هو تحقيق المناط. و يرجع تحقيق المناط إلى العلوم و الفنون و المعارف التي تعرّف هذا الشي‏ء، و لذلك لا يشترط فيمن يحقّقه أن يكون مجتهدا بل يكفي أن يكون عالما بالشي‏ء من خلال علمه بالمعارف التي تتعلق بذلك الشي‏ء، ليتنزّل الحكم الشرعيّ على وفق ذلك المقتضى. و سواء كان الشخص العالم بهذه الأمور مجتهدا، أم كان شخصا آخر غيره يرجع إليه المجتهد لمعرفة الشي‏ء، أم كان الذي يشرح كتابا.

فلا يشترط في تحقيق المناط ما يشترط في الاجتهاد من علم بالأمور الشرعية، و علم بالعربية، بل يكفي فيه أن يعرف الموضوع المراد تطبيق الحكم عليه، و لو كان جاهلا كلّ الجهل في سواه، كالمحدّث العارف بأحوال الأسانيد و طرقها و صحيحها من سقيمها، و ما يحتجّ به من متونها مما لا يحتج به، فهذا يعتبر علمه فيما هو متعلّق بالحديث سواء كان عالما بأمور الشريعة أم ليس كذلك، و عارفا بالعربية أم ليس كذلك؛ و كالطبيب في العلم بالأدواء و العاهات و كالصانع في علمه بعيوب الصناعات، و كعرفاء الأسواق في معرفة قيم السّلع و مداخل العيوب فيها، و كالماسح في تقدير الأرضين و نحوها، و كعالم اللغة في معرفة اللفظة و معناها، و كالمخترع للآلات، و كالعالم في الذّرّة، و كالخبير في علوم الفضاء، و نحو كل هذا و ما أشبهه مما يعرف بواسطته مناط الحكم الشرعي، لا يشترط فيه أن يكون مجتهدا، حتى و لا أن يكون مسلما، لأن المقصود من تحقيق المناط هو الوقوف على حقيقة الشي‏ء، و هذا لا دخل له في الاجتهاد و لا بالمعارف الشرعيّة و لا باللغة العربية، بل القصد منه محصور بأمر معين، و هو معرفة الشي‏ء.

و تحقيق مناط الحكم، أي: الشي‏ء المراد تطبيق الحكم عليه، أمر لا بدّ منه قبل معرفة الحكم، و لا يمكن معرفة الحكم إلا بعد تحقيق المناط. فإن كل دليل شرعي مبنيّ على مقدمتين لا بد منهما: إحداهما راجعة إلى تحقيق المناط، و الأخرى ترجع إلى الحكم الشرعي. فالأولى عقليّة محضة، أي:

تثبت بالفكر و التدبر. و هي ما سوى النّقليّة، و الثانية نقليّة، أي: تثبت بفهم النص الشرعي الذي صحّ نقله و هو الكتاب و السّنّة و الإجماع. فعلى المجتهد أن يتفهّم الحقيقة من الحادثة أو الواقعة أو الشي‏ء الذي يريد بيان الحكم الشرعي بشأنه، و بعد أن يقف عليه ينتقل لفهم النقليات، أي: لفهم النّصّ الشرعيّ المراد استنباط الحكم منه، لتلك الحادثة أو الواقعة أو الشي‏ء، أو لفهم الحكم‏

70

الشرعي المراد تطبيقه على تلك الحادثة، أو الواقعة، أو الشي‏ء، أي: لا بد أن يلاحظ حين استنباط الأحكام، و حين تبنيها فهم الواقع و الفقه فيه، ثم فهم الواجب في معالجة هذا الواقع من الدليل الشرعي، و هو فهم حكم اللّه الذي حكم به في هذا الواقع، ثم يطبّق أحدهما على الآخر، و بعبارة أخرى: أن يتوصّل بمعرفة الواقع و التفقه فيه إلى معرفة حكم اللّه.

التّحمّل‏

و هو أخذ الحديث عن الشيخ بطريق من طرق التحمل، كالسماع، و القراءة، و الإجازة، و المناولة و غيرها من طرق التحمل.

التّحويق‏

و يعني وضع نصف دائرة أو نصفي دائرة متقابلين، و هما القوسان اللذان على شكل الهلال هكذا: (). و يستخدم في اصطلاح كتابة الحديث للدلالة على أن هناك كلاما مضروبا عليه.

التّخالف‏

را: المتخالفان.

التّخريج‏

اصطلاح في كتابة الحديث. و يراد به أن يذكر في الحاشية ما سقط من الأصل في المتن، بحيث يوضع خطّ بين الكلمتين الساقط بينهما ما سقط؛ أو يكون التخريج في الحواشي بما يكون من شرح أو تنبيه على غلط أو اختلاف رواية أو نسخة أو نحو ذلك مما ليس من الأصل. و هنا اختار بعض أهل المغرب ألّا يخرّج خطّ تخريج، لئلا يدخل اللّبس فيحسب من الأصل، و اختار بعضهم خطّ التخريج إلا أنه بشرط انبثاقه من الكلمة المراد تصحيحها أو التنبيه على اختلاف رواية في الحاشية؛ كما اختار بعض الناس أن يجعل على الحرف المقصود بذلك التخريج علامة كالضّبّة، أو التصحيح إيذانا به. (را: اللّحق).

و يطلق عند علماء الأصول على ما يكون من القواعد الكلّية للإمام، أو الشرع، أو العقل. و حاصله أنه بناء فرع على أصل بجامع مشترك، نحو تخريجهم على قاعدة «تكليف ما لا يطاق» فروعا كثيرة في أصول الفقه، و في الفروع.

و يفترق عن «النقل و التخريج» بأنه أعم، لأن «النقل و التخريج» يختصّ بنصوص إمام المذهب.

التخريج على شرط الشيخين‏

و هذه العبارة ترد على هذا النحو، و ترد بإفرادهما: «التخريج على شرط البخاري» مثلا. و معناهما أن البخاريّ و مسلما اختلفا في رواة الحديث، لاختلاف صفاتهم المعتبرة عندهما، فاتفقا على الإخراج عن طائفة من الرواة، و انفرد البخاريّ بالرواية عن طائفة من الرواة، و انفرد مسلم بالرواية عن طائفة، فزعم‏

71

المستدركون عليهما أنهم قد وجدوا أحاديث قد رواها من خرجا عنه اتفاقا أو انفرادا، و من يساوي من خرجا عنه، فخرّجوها، و قالوا: (هذا استدراك عليهما على شرطهما أو شرط واحد منهما).

تخريج المناط

و هو من أنواع الاجتهاد في العلة الشرعية. و «التخريج» هو الاستخراج و الاستنباط، و يراد بهذا التركيب إضافة حكم لم يتعرض الشرع لعلّته إلى وصف مناسب في نظر المجتهد بالسّبر و التقسيم، و هو الاجتهاد في العلة بتعليق حكم نصّ الشارع عليه، و لم يتعرض لعلته على وصف بالاجتهاد. و بعبارة أوضح هو استخراج العلة من أوصاف غير مذكورة، كاستخراج الكيل من حديث الرّبا دون الطّعم و الاقتيات، و هي أوصاف الأصل.

التخصّص‏

يفرق الإمامية بين هذا الاصطلاح و اصطلاح آخر «التخصيص»، فيريد علماؤهم من التخصيص أنه إخراج من الحكم مع دخول المخرج موضوعا، نحو: «كل مكلّف يجب عليه الصوم في شهر رمضان إلا المسافر» فالمسافر داخل في موضوع «المكلّف» و لا يجب عليه الصوم.

و أما المراد بالتخصّص فهو الخروج الموضوعيّ الوجداني، و هو الذي يدعى عند النحاة «الاستثناء المنقطع». و مثاله:

«كل مكلّف يجب عليه الصيام إلا الطّفل» فالطفل خارج عن موضوع التكليف وجدانا.

و الفارق بين «التخصّص» و بين «الورود» أن الأول خروج موضوعيّ وجدانيّ، و لكن لا بتوسّط تعبّد من الشارع، و أما الثاني فهو خروج موضوعي وجداني، و لكن بواسطة تعبد الشارع.

التخصيص‏

را: الخصوص.

التخصيص أولى من الاشتراك‏

و ترد هذه القاعدة إذا تعارض احتمالا التخصيص و الاشتراك، فيكون أوّلهما أولى من الثاني، لأن التخصيص أولى من المجاز و خير منه، و المجاز خير من الاشتراك، فيكون التخصيص خيرا من الاشتراك من باب أولى، فضلا عن أن الخير من الخير خير.

مثال ذلك قوله عزّ و جلّ: وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ‏ [النّساء: الآية 22]. فيحتمل أن يكون لفظ «النكاح» مشتركا بين «العقد» و «الوطء»، و أن يكون حقيقة في «العقد» كما في قوله عزّ و جل:

وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى‏ مِنْكُمْ‏ [النّور: الآية 32] غير أنه إذا حمل على «العقد» شمل «العقد الصحيح» و «العقد الفاسد» فتخصيصه ب «العقد الصحيح» أولى من جعله شاملا «العقد» و «الوطء». فيحمل على التخصيص لأنه أولى من الاشتراك‏

72

لما ذكر. و بناء عليه فلا تفيد الآية نكاح امرأة زنى بها الأب، فلا يحرم هذا النكاح.

التخصيص أولى من الإضمار

و تقديم الأوّل حين التعارض في هذه القاعدة لأنه أولى من المجاز الذي يتساوى و الإضمار، فيكون كذلك. و مثاله قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة:

الآية 179] فهو يحتمل أن يكون لفظ «حياة» المراد منه العموم، أي: عموم جميع الناس، و خصّص ببقاء المقتول، لأن الحياة له في زجر القاتل عن قتله، إذ قتل القاتل يمنعه من القتل فيحول دون أن يقتل شخصا، فتكون الحياة لمن كان سيقتل؛ و يحتمل أن يكون هناك إضمار، فالمعنى أن شرعية القصاص حياة، لاقتضائها بقاء نفسين بارتداع القاتل عن القتل تحرّزا عن القصاص. و حمله على التخصيص- أي: لكم في القصاص حياة بسبب قتل القاتل لسلامة الناس من شرّه فيحيا من كان سيقتل- أولى من حمله على إضمار شي‏ء، أي: تقدير «شرعية القصاص» أو أن لفظ «الحياة» يحتمل الحياة الحقيقية لكل الناس، و خصص بغير الجاني، لأنه لا حياة له بل يقتل؛ و يحتمل تقدير «شرعية القصاص» أي:

لكم في مشروعية القصاص حياة، لأن الشخص إذا علم أنه يقتصّ منه فينكفّ عن القتل، فيرجّح أن المراد منه حياة غير المقتول، أي: التخصيص، على أن يكون المراد منه مطلق الزّجر، أي: الإضمار، لما ذكرنا.

التخصيص أولى من المجاز

و تقديم التخصيص في هذه القاعدة لأن الباقي بعد التخصيص يتعين فيعرف، لأن العام يدل على جميع الأفراد، فإذا خرج البعض بدليل بقيت دلالته على الباقي من غير تأمل لتعينها. و أما المجاز فقد يتعين و ربما لا يتعين، لأنّ اللفظ وضع ليدلّ على المعنى الحقيقيّ. فإذا انتفى المعنى الحقيقيّ بقرينة اقتضى صرف اللفظ إلى المجاز إلى نوع تأمّل و استدلال لاحتمال تعدد المجازات. و من هنا لم يؤكّد تعيينه بخلاف «التّخصيص»، فقد تأكد تعيينه. و ما تأكّد تعيينه أولى مما لم يتأكّد، فكان التخصيص أولى من المجاز.

مثاله قوله تعالى: وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ‏ [الأنعام: الآية 121] فهو يحتمل أن يكون لفظ «ما لم يذكر اسم اللّه عليه» المراد منه العموم مطلقا، أي: ما ذكر اسم اللّه عليه، و ما لم يذكر، ثم خصّص بنصوص أخرى بما ذكر اسم اللّه غيره عليه، و يحتمل المراد: (ما ذكر اسم غير اللّه) فيكون مجازا، فحمله على التخصيص أولى.

التخصيص أولى من النّقل‏

و يقدّم الأول على الثاني حين التعارض في هذه القاعدة لأن التخصيص‏

73

خير من المجاز، و المجاز خير من النقل، فيكون التخصيص خيرا من النقل، لأن الخير من الخير خير.

مثاله قوله تعالى: وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ [البقرة: الآية 275] فيحتمل أن يكون لفظ «البيع» المراد منه البيع، لغة، بمعنى مبادلة مال بمال مطلقا، فيكون من ألفاظ العموم، و التخصيص فيها بنص شرعي؛ و يحتمل أن يكون المراد منه البيع الشرعيّ المستجمع شرائطه الشرعية، فيكون لفظ «البيع» منقولا إلى معناه الشرعي. و بعبارة أخرى تحتمل الآية أن البيع هو البيع اللغويّ قد خصّص بنصوص أخرى، فهي محتملة التخصيص، أو أن البيع هو البيع الشرعي المستجمع جميع شرائطه. و حمله على البيع اللغويّ الذي خصّص بنصوص أخرى أولى من حمله على نقل البيع اللغويّ إلى البيع الشرعيّ، لأن التخصيص أولى من النقل.

التخصيص بالإجماع‏

و الظاهر من كتب الأصول أن المقصود بالإجماع إنما هو إجماع الصحابة في المذاهب عدا الإمامية فهو إجماع العترة. و الإجماع يحتوي الدليل على التخصيص، و ليس من المخصّصات المتعلقة بالألفاظ. و أما إجماع الصحابة فلأنه يكشف عن دليل شرعي، فإذا أجمعوا على أن هذا الحكم حكم شرعيّ فإنه يعني أن لهم دليلا على ذلك. فهم قد رووا الحكم و لم يرووا الدليل، فكانت كرواية الدليل، و لذلك كان إجماعهم كاشفا عن أن هناك دليلا شرعيا، أي:

أنهم سمعوا رسول اللّه قاله، أو رأوه فعله، أو سكت عنه فيكون من قبيل السّنّة، و يعامل معاملتها. و من وقوع التخصيص فعلا في القرآن بإجماع الصحابة، من قوله تعالى في حقّ القاذفين: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [النّور:

الآية 4] فأجمعوا على تخصيصه بالأحرار، و تنصيف حد القذف على العبد.

التخصيص بالأدلة المتصلة

و المراد بالأدلة المتصلة كلّ دالّ لا يستقلّ بنفسه، بل يكون متعلّقا باللفظ الذي ذكر فيه العامّ، كأن يكون، مثلا، بالاستثناء. و الاستثناء أداة من أدوات التخصيص متصلة بالعام الذي يجري تخصيصه.

و الأدلة المتصلة على أربعة أنواع:

«الاستثناء» و «الشرط» و «الصّفة» و «الغاية».

التخصيص بالأدلة المنفصلة

المتصل عكس المنفصل. و يراد بالمنفصل: ما يستقل بمعناه أو بنفسه، استقلالا بنصّ آخر منفصل عن النص «العام»، مثل تخصيص الجلد بالزاني غير المحصن بنص آخر و هو رجم الرسول للزاني المحصن. و الأدلة المنفصلة هي الأدلة السمعية، لأن العام الذي يخصّص إنما هو لفظ جاء به الدليل السّمعيّ، فلا

74

يخصّصه إلا دليل سمعي مثله. و الأدلة السمعية هي الكتاب و السنة و إجماع الصحابة، و القياس. و لا يعد العقل و لا الحسّ منها على التدقيق.

التخصيص بالاستثناء

و هو اصطلاح يراد به إخراج ما بعد «إلا» أو إحدى أخواتها مما قبلها. و أدوات الاستثناء هي: «إلّا، غير، سوى، خلا، حاشا، عدا، ما عدا، ما خلا، ليس، لا يكون، و نحوه» و أمّ الباب في هذه الصّيغ هي «إلا». و يشترط أن يكون المستثنى متصلا بالمستثنى منه، حقيقة، من غير تخلّل فاصل بينهما، أو في حكم المتصل، و هو ما لا يعدّ المتكلم به آتيا به بعد فراغه من كلامه الأول عرفا، و إن تخلل بينهما فاصل بانقطاع النّفس، فإذا حصل فاصل بينهما لا يعتبر الاستثناء.

و السكوت الطويل الذي يعدّ قاطعا للكلام لا يعتبر فيه الاستثناء، بل السكوت القصير البسيط الذي يعهد في مثله دوران الفكرة أو طروء عارض على مجلس كدخول شخص، فهذا هو المعتبر الذي لا يخلّ بالاستثناء.

التخصيص بالتقرير

و يراد به إقرار الرسول و تقريره على أمر من الأمور. و هذا الباب ليس بثابت، فلم يأتوا له بمثال إلا تقديرا: فلو ورد النهي عاما عن شرب الخمر، ثم رأيناه أقرّ بعض الناس على نوع منها، أو مقدار يسير، أو على شرب النبيذ، استدللنا بذلك على إباحة ما أقر عليه. و هو لم يقع.

و حقيقته أنه ملحق بالسّنّة، إذ إنها مما يتعلق بنقل تقرير الرسول (عليه السلام)، فلا حاجة لإثباته كقسم خاصّ، أي: هو من باب «التخصيص بالسّنّة».

التخصيص بالحسّ‏

أثبت بعض الأصوليين هذا الباب، جاعلا الحسّ مخصّصا، و احتجّ لذلك بقوله عزّ و جل: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ بِأَمْرِ رَبِّها [الأحقاف: الآية 25]. فهو عام أريد به الخاصّ، فخرجت السماء و الأرض من العموم حسّا.

و ليس هذا القسم بثابت حقيقة، فهذا من باب تخصيص الكتاب بالكتاب و هو من الأدلة المنفصلة. فقد قال تعالى في سورة (الذاريات) في نفس القصة: وَ فِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ‏ [الذّاريات: الآية 41] ما تَذَرُ مِنْ شَيْ‏ءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ‏ [الذّاريات: الآية 42] فهو بناء للعام من سورة (الأحقاف) على الخاصّ من (الذاريات) فكأنه قال: «تدمّر كلّ شي‏ء أتت عليه».

التخصيص بالسّبب‏

نقل علماء الأصول أن بعض المجتهدين أجاز التخصيص بالسبب.

و بالتدقيق تبيّن أن هذا النقل غير صحيح، إذ هو مفهوم خاطئ انتشر بين النّقلة منهم. و بيان ذلك أن المتقدمين أرادوا بالسبب ما ورد في‏

75

حادثة من الحوادث، أو ورد جوابا لسؤال من سائل. و لم يخصّوا الخطاب بالحادثة، و لا بالسائل وحده. فآية السرقة، مثلا، نزلت في سرقة المجن أو رداء صفوان، و آية الظهار نزلت في حقّ سلمة بن صخر، و آية اللعان نزلت في حق هلال بن أميّة. فكلها لا عبرة فيها بخصوص الحادثة، فيكون الخطاب عامّا، و لو كان السبب خاصّا. و لا معنى للنقل عن هؤلاء العلماء بأن السبب يخصص، بل صح عنهم أنهم يقولون بقاعدة: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» و إن لم ينصّوا عليها.

و عليه فلا ثبوت لمدلول هذا الاصطلاح، كما ننوّه إلى أن الألفاظ المنقولة بعبارات المتقدمين المنسوبة إليهم هذا القول تنقض أقوال الأصوليين، مما ليس لنا أن نستعرضه هنا.

التخصيص بالسّنّة

و المعنى أن السنة تخصّص، سواء أ كان المخصّص الكتاب أم السّنّة فأما تخصيصها للكتاب فمنه قوله تعالى:

يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ‏ [النّساء: الآية 11] فقد خصّص بقول الرسول (عليه السلام): «القاتل لا يرث». و قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [النّور: الآية 2] قد خصّص برجمه (عليه السلام) ماعزا.

و أما أنها تخصص السنة فمن ذلك أن الرسول قال: «فيما سقت السماء العشر» فخصّص بقوله: «لا زكاة فيما دون خمسة أوسق». و السّنة تخصص سواء أ كانت متواترة أم آحادا في كلا الموضعين.

التخصيص بالشّرط

و هو من أدلة التخصيص المتصلة.

و يراد بهذا الاصطلاح أن يقع تخصيص العامّ بأداة من أدوات الشرط اللغوي.

و الشرط هو ما يلزم من نفيه نفي أمر ما على وجه لا يكون سببا لوجوده، و لا داخلا في السبب. و حكمه أنه إذا دخلت صيغة من صيغ الشرط الكلام فإنها تخرج منه ما لولاها لبقي فيه، أي: أن الشرط يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، كقولك: «أكرم المجاهدين إن فتحوا الحصن» فإنه لو لا صيغة «إن» لكان الإكرام عامّا لجميع المجاهدين، و لكنّ دخول «إن» أخرج منه من لم يفتح الحصن، و أخرجهم إن لم يفتحوا الحصن. و صيغ الشرط كثيرة و هي: «إن» الخفيفة، و «إذا، و من، مهما، حيثما، إذما، أينما ...» و أمّ هذه الصيغ كلها «إن» الشرطية، لأنها حرف و ما عداها أسماء، و الأصل في إفادة المعاني للأسماء إنما هو الحرف، و لأنها تستعمل في جميع صيغ الشرط. و شرط صحة الشرط أن يكون متصلا بالمشروط حقيقة من غير تخلل فاصل بينهما، و يجوز تقديمه على المشروط و تأخيره عنه مع بقاء الاتصال.

76

التخصيص بالصّفة

و هذا من التخصيص بالأدلة المتصلة، فهو يعني قرن العامّ بصفة من صفات الذات تخرج منه ما عداها، كقول الرسول عليه الصلاة و السلام: «في كل إبل سائمة، في كل أربعين ابنة لبون» فإن قوله:

«سائمة» صفة اقترنت بالعام الذي هو لفظة «إبل» فشملت جميع الإبل إلا أن اقترانها بالصفة «سائمة» أخرج منه غير السائمة، و هي «المعلوفة». فدل على أنه لا زكاة في المعلوفة. فالصفة خصصت العام.

و شرط صحة التخصيص بالصفة أن تكون متصلة بالموصوف أو في حكم المتصلة.

التخصيص بالعادة

المقصود بالعادة لدى الأصوليين ما يشمل عادة الفعل، و عادة استعمال للعموم. و هي العادة المعتبرة بخلاف العموم. و هي إذا كانت عادة في الفعل فذلك بأن يعتاد الناس شرب بعض الدماء، ثم يحرّم اللّه سبحانه الدماء بكلام يعمّها، فلا يجوز تخصيص هذا العموم، بل يجب تحريم ما جرت به العادة، لأن العموم دلالة، فلا يجوز تخصيصه إلا لدلالة. و إذا كانت العادة في استعمال العموم، فيجوز أن يستغرق العموم في اللغة، و يتعارف الناس استعماله في بعض تلك الأشياء فقط، نحو اسم «الدابة» فإنه في اللغة لكل ما يدب، و قد تعورف استعماله في الخيل فقط. فمتى أمرنا اللّه سبحانه في الدابة بشي‏ء حملناه على الخيل دون ما يدب من نحو الإبل و البقر، فالاسم بالعرف أحقّ. و ليس هذا بتخصيص على الحقيقة، لأن اسم الدابة لا يصير مستعملا في العرف إلا في الخيل، فيصير كأنه ما استعمل إلا فيه. و إطلاق «العادة» على الحقيقة العرفية تلبيس في المصطلح. (را: الحقيقة العرفية).

التخصيص بالعقل‏

زعمت طائفة من أهل الأصول أن العقل مخصّص، فأثبتوا هذا الاصطلاح، و احتجوا له بقوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: الآية 97] و كون «الصبيّ» و «المجنون» من الناس لا يرادان من العموم، إذ دل العقل على امتناع تكليفهما، فكان مخصّصا لعموم الآية، و بقوله تعالى: خَلَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ [الأنعام: الآية 102] و قوله: وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ [المائدة: الآية 120] و أنه متناول بعموم لفظه، لغة، كلّ شى‏ء، مع أن ذاته و صفاته أشياء حقيقة، و ليس خالقا لها، و لا هي مقدورة له، لاستحالة خلق القديم الواجب لذاته، و استحالة كونه مقدورا بضرورة العقل، فقد خرجت ذاته و صفاته بدلالة ضرورة العقل عن عموم اللفظ، و بذلك كان العقل مخصصا لعموم الآيات. و المسألة الأولى جاء النص بتخصيص «الصبي» و «المجنون» و إخراجهما من مراد العموم، فهو من‏

77

باب تخصيص الكتاب بالسنة، و الثانية لا علاقة لهذا الاستدلال فيها بالأحكام الشرعية في الآيتين المذكورتين، إذ هما من باب العقائد. و عليه فلا يثبت مدلول هذا الاصطلاح على الإطلاق.

التخصيص بالغاية

و يراد به أن يجري التخصيص بلفظ من ألفاظ الغاية. و صيغ الغاية لفظان هما:

«إلى، حتى». فإذا دخلت أيّ منهما على الكلام العام أخرجت منه ما بعدها، فلا بد أن يكون حكم ما بعدها مخالفا لما قبلها، كقوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ‏ [البقرة: الآية 187] فحكم «الليل» الذي بعد «إلى» مخالف لما قبلها، و قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏ [المائدة: الآية 6] فحكم «المرافق» الذي بعد «إلى» مخالف لما قبلها، فخصّصت الحكم بما قبل «إلى» و أخرجت منه ما بعدها.

و هذا البحث فيه تخليط عند الأصوليين. فما شرحناه هو الذي اتضح لنا من معنى الاصطلاح. و أما الخلافات الأخرى على دخول الغاية التي بعد حروف الغاية في المغيّا فهذا ليس من البحث في الخصوص أو «التخصيص» في شي‏ء. و هو خاص بالمنطوق، و أما هذا القسم فيرجّح أن ندخله في باب «التخصيص بالمفهوم»، أو ينبغي تقييده بقولنا: «التخصيص بمفهوم الغاية».

التخصيص بقضايا الأعيان‏

و قضايا الأعيان هي كلّ قضية في حالة أو أحوال عينية أو معيّنة أو بعبارة أخرى تقع في معيّن من الأفراد أو عددهم.

و يمثّل لهذا النوع من التخصيص أن النبي عليه الصلاة و السلام نهى عن لبس الحرير للرجال، ثم أذن في لبسه لعبد الرحمن بن عوف و الزّبير بن العوّام لقمل كان بهما. فإذنه لهما قضية عين، فيكون الإذن في هذه الحالة مخصّصا لعموم النهي. و هذا عند من يثبت هذا النوع و يجيزه، مع أن الأكثر أن قضايا الأعيان ليس فيها بذاتها ما يفيد التخصيص. و هي على أية حال من باب ما يكون تخصيصا بالسّنّة.

التخصيص بالقياس‏

اختلفوا على المراد بالقياس، كما اختلفوا في جواز التخصيص به. و لم نر له مثالا. و الذي نراه في هذه المسألة أن القياس المعتبر هنا هو القياس الذي ورد بعلته الشرع، أي: الذي علته مأخوذة من الكتاب و السنة و إجماع الصحابة، و ما لم تكن علته قد وردت في الشرع فإنه لا يعدّ دليلا شرعيا.

و المثال الذي نراه لهذه المسألة هو في قوله تعالى: وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ [البقرة:

الآية 275] فلفظ «البيع» عامّ في كل بيع، و ورد التخصيص بقول الرسول عليه الصلاة و السلام: «لا يبع حاضر لباد» فقد وردت‏

78

العلة في الحديث بأنها جهالة سعر السوق؛ فهذه قد خصصت عموم البيع المستفاد من الآية.

التخصيص بالكتاب‏

و المراد أن الكتاب يخصّص الكتاب أو يخصص السنة. فمن الأول قوله تعالى:

وَ أُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ‏ [الطّلاق: الآية 4] فهذه الآية وردت مخصّصة لقوله تعالى: وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً [البقرة: الآية 234]. و منه قوله تعالى: وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏ [المائدة: الآية 5] وردت الآية مخصّصة لقوله عزّ و جلّ: وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ‏ [البقرة: الآية 221].

و أما تخصيص عموم السّنّة بخصوص القرآن فلم يأتوا له بمثال، بل ذكروا الخلافات فيه. و لعلنا ينقصنا الفحص.

التخصيص بمذهب الراوي‏

و المراد به أن يروي الراوي حديثا عاما، و عمله مخالف لما رواه، فقال قوم: «هو مخصّص للعموم المراد من الحديث». و يبدو أن المراد بمذهب الراوي مذهب الصحابي. فأبو هريرة كان يغسل الإناء ثلاثا من ولوغ الكلب، و هو قد روى حديث الرسول (عليه السلام):

«إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعا». هذا على قول من قال: «قول الصحابي دليل». و ليس بثابت. و إلا فتكون الحجج متناقضة حين خلاف الصحابة.

التخصيص بالمفهوم‏

و يعني أن يقوم المفهوم بالتخصيص سواء أ كان مفهوم موافقة أم مفهوم مخالفة.

و مثاله قوله (عليه السلام): «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شي‏ء إلا ما غير طعمه و لونه و ريحه» فالحديث يدل بمنطوقه على أن الماء لا ينجّسه عند عدم التغير شي‏ء، سواء أ كان قلّتين أم لم يكن كذلك، فمنطوقه شامل الكثير، و القليل، و الجاري، و الراكد. و قوله (عليه السلام):

«إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل خبثا» يدل بمفهومه على أن الماء القليل ينجس، و إن لم يتغيّر. فالمفهوم في الحديث الثاني خصص منطوق الحديث الأول.

تخصيص العلة

هو اصطلاح أصوليّ يراد به تخلّف الحكم عن الوصف المدّعى عليه في بعض الصور لمانع. يقال مثلا:

«الاستحسان ليس من باب خصوص العلل» يعني ليس بدليل مخصّص للقياس بل عدم حكم القياس لعدم العلة.

تخصيص الوصف‏

را: النقض.

79

التخيير

و هو على وزن (تفعيل) من الفعل «خار يخير»، و «اختار، يختار» و يعني ردّ العاقل إلى اختياره، إن شاء فعل، و إن شاء لم يفعل. و هو يعني في الاصطلاح الإباحة، و هي التخيير بين الفعل و الترك، أي: ما يستوي فعله و تركه.

التخيير الشرعي‏

و هو اصطلاح لدى الإمامية يراد به جعل الشارع وظيفة اختيار إحدى الأمارتين للمكلّف عند تعارضهما، و عدم إمكان الجمع بينهما، أو ترجيح إحداهما على الأخرى بإحدى المرجحات المعروفة عندهم.

و هو وظيفة شرعية لا حكم شرعيّ، أي: أنه غير ناظر إلى الواقع، و إنما جعل لرفع الحيرة فقط لدى تعارض الأمارتين.

و اختيار المكلّف لإحداهما لا يسري لتغيير الواقع فيغيره عما هو عليه.

و هو غير «الواجب المخير» فهو حكم شرعي، إذ إنه في كلّ من فردي التكليف التخييريين؛ و هو الذي وجّه إليه التكليف على سبيل البدل، فيه مصلحة توجب جعل الحكم على وفقها بخلافه هنا. فكلّ من فردي التخيير لا يعلم وجود المصلحة فيه، و إنما المصلحة في متعلّق إحدى الأمارتين فحسب، لافتراض التناقض بينهما، و صدور واحدة منهما دون الأخرى. و المصلحة إنما هي في نفس الجعل لا في المتعلّق، و هي لا تتجاوز مصلحة التيسير.

التخيير العقليّ‏

و يقترح أحد العلماء تسميته «التخيير التكوينيّ». و يراد به الوظيفة العقلية التي يصدر عنها المكلّف عند دوران الأمر بين المحذورين- الوجوب و الحرمة- و عدم تمكنه حتى من المخالفة القطعية.

التخييل‏

را: الإيهام.

التداخل‏

و يراد به أنه عبارة عن دخول شي‏ء في آخر بلا زيادة حجم و مقدار.

التدقيق‏

و هو إثبات المسألة بدليل دقّ طريقه لناظريه.

التدليس‏

و هو، لغة، «الدّلس» بفتح الدال و اللام يطلق على الظّلمة. و يقال: «دلّس في الشي‏ء أو السلعة» إذا كتم ما بها من عيب، و التدليس مصدره. و في اصطلاح الحديث هو مأخوذ من هذا المعنى باعتبار كتمان الراوي و إخفاء حقيقته إلا أنه أعم من هذا، فهو ينطلق على رواية الراوي عمن عاصره دون لقيا أو سماع منه على وجه يوهم هذا السماع، أو يلبّس في هذا السماع. و هو نوعان: «تدليس الإسناد» و «تدليس الشيوخ».

80

تدليس الإسناد

و هو أن يروي الراوي عمن عاصره و لم يلقه، أو عمن لقيه، أو يروي ما لم يسمعه منه على وجه يوهم سماعه، مثل أن يقول: «عن فلان» أو «قال فلان» و نحوهما. و لو قال فيما لم يسمعه:

«حدّثني» أو «سمعت»، أو كلّ صيغة صريحة لا تجوّز فيها كان كذبا صريحا، لأنه صرّح بسماع ما لم يكن سمعه.

و هناك صور أخرى لهذا النوع من التدليس أشدّ سوءا، كأن يسقط شيخه أو شيخ شيخه أو غيره لكونه ضعيفا، أو صغيرا، أو لاعتبارات أخر؛ ثم يأتي بلفظ يحتمل سماع شيخه ممن فوقه تحسينا للحديث ليبدو كأنه متصل السند بالثقات، و هذا ما يدعى تسوية، و يقال له: «تدليس التسوية». و هو شرّ التدليس لما فيه من تغرير شديد. و للمجتهدين تفصيلات في هذا النوع، فمنهم من يردّ و لو بتدليس مرّة، و منهم من يجعله كالمرسل فيقبل، و منهم من يردّ الحديث المدلّس على بيان في الرواية، فيقبل رواية المدلس إذا تبين عدم تدليسه فيها فقط.

تدليس البلاد

را: تدليس الشيوخ.

تدليس التسوية

را: تدليس الإسناد.

تدليس الشيوخ‏

و هو أن يلجأ الراوي إلى أن يسمي شيخه أو يكنيه أو يصفه أو ينسبه بما لا يعرف به. و هو أخفّ من تدليس الإسناد.

و مثاله قول أبي بكر بن مجاهد المقرئ: «حدّثنا عبد اللّه بن أبي عبد اللّه» و هو يريد به «عبد اللّه بن أبي داود السّجستانيّ» صاحب «السنن» فأبو داود اشتهر بهذه الكنية لا بكنية «أبي عبد اللّه».

و يلحق بهذا النوع من التدليس تدليس البلاد، كما لو قال المصريّ مثلا: «حدثني فلان بزقاق حلب» و أراد موضعا بالقاهرة، أو قال البغداديّ: «حدثني فلان بما وراء النّهر» و أراد «دجلة» مثلا.

و شرّ هذا النوع ما كان الحامل عليه ضعف الشيخ، فيدلّسه حتى لا تظهر روايته عن الضعفاء. و كذلك تدليس البلاد مكروه لما فيه من إيهام الرحلة في طلب الحديث إلا أن يوجد صارف عن هذا المراد.

و بالجملة فهذا النوع مكروه لما فيه من إضاعة الوقت في تبين المراد بهذا كله فضلا عن التغرير بعض الأحايين.

التذكرة

و هو اصطلاح لدى أهل الأصول، و أحد نوعي الكتابة في الرواية، مقابل «الإمام». و يراد به أن ينظر الراوي أو من مثله في المكتوب فيذكر أو يتذكّر به ما كان مسموعا له.

81

و بما أن النسيان لا يستطاع الامتناع منه إلا بحرج بيّن، و الحرج مدفوع. و بعد النسيان النظر في الكتاب طريق للتذكر و العود إلى ما كان عليه من الحفظ، و إذا عاد كما كان فالرواية تكون عن ضبط تام.

التّذنيب‏

في اللغة من «ذنابة الشي‏ء» بكسر الذال، أي: آخره. و في الاصطلاح هو جعل شي‏ء عقيب شي‏ء لمناسبة بينهما من غير احتياج من أحد الطرفين.

و يستعمل في الكتب إثر بحث من الأبحاث.

التّراخي‏

و هو في الاصطلاح عبارة عن تأخير الامتثال عن انقضاء الأمر، زمنا يمكن إيقاع الفعل فيه، فصاعدا.

الترادف‏

و هو اصطلاحا عبارة عن توالي الألفاظ المفردة الدالة على شي‏ء واحد باعتبار واحد.

و هو يطلق على معنيين: أحدهما الاتحاد في الصّدق، و الثاني الاتحاد في المفهوم. و من نظر إلى الأول فرّق بينهما، و من نظر إلى الثاني لم يفرّق بينهما.

الترادف خلاف الأصل‏

و معنى ذلك أن الترادف خلاف الراجح حتى إذا تردّد اللفظ بين كونه مترادفا، و كونه غير مترادف فحمله على الترادف ليس أولى، بل الأولى حمله على عدم الترادف و إن كان خلاف الأصل.

الترتيب‏

لغة هو جعل كل شي‏ء في مرتبته، و اصطلاحا هو جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد، و يكون لبعض أجزائه نسبة إلى البعض بالتقدم و التأخر.

الترتيل‏

يطلق على رعاية مخارج الحروف و حفظ الوقوف، و على خفض الصوت و التّحزين بالقراءة، و على رعاية الولاء بين الحروف المركبة.

الترجمة

و هي تدل في اللغة على معان:

الأول: تبليغ الكلام لمن لم يبلغه.

و منه قول الشاعر:

إن الثمانين، و بلّغتها* * * قد أحوجت سمعي إلى ترجمان‏

الثاني: تفسير الكلام بلغته التي جاء بها. و منه قيل في ابن عباس: «إنه ترجمان القرآن» جاء في الأساس: «كلّ ما ترجم عن حال شي‏ء فهو تفسرته».

الثالث: تفسير الكلام بلغة غير لغته.

يقال: «و قد ترجمه و ترجم عنه» إذا فسر

82

كلامه بلسان آخر. و جاء في تفسير ابن كثير أن «ترجمة» تكون في لغة العرب بمعنى «التبيين» مطلقا سواء اتحدت اللغة أم اختلفت.

الرابع: نقل الكلام من لغة إلى أخرى.

و بما أن هذه المعاني فيها بيان فجاز على سبيل السّعة إطلاق الترجمة على كل ما فيه بيان مما عدا هذه الأربعة، فقيل:

«ترجم لهذا الباب بكذا» أي: عنون له، و «ترجم لفلان» أي: بين تاريخه، و «ترجم حياته» أي: بيّن ما فيها.

و «ترجمة هذا الباب كذا» أي: بيان المقصود منه.

و قد أصبح مدلول كلمة الترجمة مخصوصا، اصطلاحا، يطلق على المعنى الرابع اللغوي. و تعريف هذه الكلمة هنا:

هي التعبير من معنى كلام في لغة بكلام آخر من لغة أخرى مع الوفاء بجميع معانيه و مقاصده.

و الترجمة قد تكون حرفية أو تفسيرية.

الترجمة التفسيرية

و هي تقابل «الترجمة الحرفية» و يقال لها، أيضا: «الترجمة المعنوية». و هي التي لا تراعى فيها محاكاة الأصل في نظمه و ترتيبه، بل المهم فيها حسن تصوير المعاني و الأغراض كاملة، و لذلك قيل لها: «الترجمة المعنوية».

و يعمد المترجم فيها إلى المعنى الذي يدل عليه تركيب الأصل فيفهمه ثم يصبه في قالب يؤديه من اللغة الأخرى، موافقا لمراد صاحب الأصل من غير أن يكلف نفسه عناء الوقوف على كل مفرد، و لا استبدال غيره به في موضعه.

الترجمة الحرفيّة

و هي التي تراعى فيها محاكاة الأصل مراعاة تامة في نظمه و ترتيبه. فالمترجم ترجمة حرفية يقصد إلى كل كلمة في الأصل فيفهمها، ثم يستبدل بها كلمة تساويها في اللغة الأخرى، مع وضعها موضعها، و إحلالها محلها، و لو أدى ذلك إلى خفاء المعنى المراد من الأصل، بسبب اختلاف اللغتين في مواقع استعمال الكلام في المعاني المرادة إلفا و استحسانا.

و يقال لهذه الترجمة، أيضا: «المساوية» و «اللفظية».

الترجمة اللفظية

را: الترجمة الحرفية.

الترجمة المساوية

را: الترجمة الحرفية.

الترجمة المعنوية

را: الترجمة التفسيرية.

التّرجّي‏

و هو إظهار إرادة الشي‏ء الممكن أو كراهته.

83

الترجيح‏

و هو في اللغة التمثيل و التغليب، من قولهم: «رجح الميزان». و اصطلاحا هو تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى ليحكم بها شرعا للعمل بها. و لا يجري الترجيح بين القطعيات، و لا بين القطعيّ و الظنيّ، و لذلك قيل في التعريف:

«الأمارتين» أي: الدليلين الظنيين. و أما تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى لبيان أن إحداهما أفصح من الأخرى لا ليعمل بها، فهذا ليس من الترجيح المصطلح عليه. فقيّد التعريف لذلك بعبارة:

«للعمل بها». فإذا تعارضت الأدلة و كان لبعضها مزية على الآخر فهو الترجيح.

و الخطوط العريضة للترجيح بين الأدلة الظنية تتلخص بما يلي:

أولا: إذا تعارض نصان فإنما يرجّح أحدهما على الآخر إذا لم يمكن العمل بكل واحد منهما. فإن أمكن و لو من وجه دون وجه فلا يصار إلى الترجيح، لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما بالكلية. فكون الأصل في الدليل هو الإعمال لا الإهمال يجعل إعمالهما معا أولى من إهمال أحدهما. مثال ذلك قوله عليه الصلاة و السلام: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» فإنه معارض لتقريره (عليه السلام) الصلاة لجار المسجد في غير المسجد. و مقتضى كل واحد منهما متعدّد، فإنّ الخبر يحتمل نفي الصحة، و نفي الكمال، و نفي الفضيلة، و كذا التقرير يحتمل ذلك، أيضا. فيحمل الخبر على نفي الكمال، و يحمل التقرير على الصحة. و مثال ذلك أيضا قوله (عليه السلام): «أ لا أخبركم بخير الشهود؟

فقيل: نعم، فقال: أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد» فهو معارض لقول الرسول (عليه السلام): «ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد» فيحمل الأول على حق اللّه تعالى، و الثاني على حق الآدمي.

الثاني: إذا تعارض نصان، و تساويا في القوة و العموم، و علم المتأخر منهما فالمتأخر ينسخ المتقدم. و إن جهل و لم يعلم أيّهما المتقدّم و أيّهما المتأخر يرجّح أحدهما على الآخر إن كانا ظنّيّين. و أما القطعيان فلا تعارض بينهما، إذ لا يقع في القطعيات تعارض.

و أما إن لم يتساويا في القوة و العموم بأن كان أحدهما قطعيّا و الآخر ظنيّا أو كان أحدهما عامّا و الآخر خاصّا، فإنه هنا يحصل الترجيح. فإذا كانا لا يتساويان في القوة بأن كان أحدهما قطعيّا و الآخر ظنيّا، فيرجح القطعي و يعمل به، و يترك الظني، سواء أ كانا عامين أم خاصين، أو كان المقطوع به خاصّا و المظنون عامّا. فإن كان المقطوع به عامّا و المظنون خاصّا عمل بالمظنون، و إن كانا لا يتساويان في العموم و الخصوص بأن يكون أحدهما

84

أخصّ من الآخر مطلقا فحينئذ يرجّح الخاصّ على العام، و يعمل به جمعا بين الدليلين. و إن كانا لا يتساويان في العموم بأن يكون العموم و الخصوص بينهما من وجه دون وجه، فحينئذ يطلب الترجيح بينهما من جهة أخرى ليعمل بالراجح، لأن الخصوص يقتضي الرّجحان. و قد ثبت هاهنا لكل واحد منهما خصوص من وجه بالنسبة إلى الآخر، فيكون لكل منهما رجحان على الآخر. و مثاله قوله عليه الصلاة و السلام: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» فإن بينه و بين نهيه (عليه السلام) عن الصلاة في الأوقات المكروهة عموما و خصوصا من وجه، لأن الخبر الأول عام في الأوقات، خاص ببعض الصلوات و هي القضاء، و الثاني عام في الصلاة خاص ببعض الأوقات و هو وقت الكراهية، فيصار إلى الترجيح على الوجه السابق.

الثالث: الترجيح بالحكم. و يقع ذلك بأمور:

أحدها: يرجّح الخبر المبقي لحكم الأصل على الخبر الرافع لذلك الحكم، كقوله عليه الصلاة و السلام: «من مس ذكره فليتوضأ» مع ما روي مرفوعا بلفظ:

«الرجل يمسّ ذكره أ عليه وضوء؟ فقال (صلى اللّه عليه و سلم): «إنما هو بضعة منك» فيرجح خبر النقض، لأن مبقي الحكم يرجح على رافعه، و ذلك لسببين: أحدهما أن العمل برافع الحكم يعني نسخه. و هو لا يجوز إلا بقرينة مبيّنة للنسخ. و هنا لا توجد قرينة تدل على النسخ. الثاني: أن العمل بمبقي الحكم يجعل الصلاة يقينية في صحتها بعدم فعل ما يظنّ أنه نقض، بخلاف العمل برافع الحكم فإنه يجعل صحة الصلاة ظنية لوجود ما يظنّ أنه ينقض. و كونها يقينية الصحة مقدّم على كونها ظنية الصحة، لقوله (عليه السلام):

«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».

ثانيها: الخبر الدال على التحريم راجح على الخبر الدال على الإباحة لقوله عليه الصلاة و السلام: «ما اجتمع الحلال و الحرام إلا و غلب الحرام على الحلال».

و أيضا فإن الأخذ بالاحتياط يقتضي الأخذ بالتحريم، لأن الفعل إن كان حراما ففي ارتكابه ضرر و إن كان مباحا، فلا ضرر في تركه و لقوله (عليه السلام): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».

ثالثها: الخبر الدال على التحريم يساوي الخبر الدال على الوجوب. فإذا ورد دليلان أحدهما يقتضي تحريم شي‏ء، و الآخر يقتضي إيجابه فيتعادلان، أي:

يتساويان حتى لا يعمل بأحدهما إلا بمرجّح، لأن الخبر المحرّم يتضمن استحقاق العقاب على الفعل، و الخبر الموجب يتضمن استحقاق العقاب على الفعل، و الخبر الموجب يتضمن استحقاق العقاب على الترك، فيتساويان، و يحتاج ترجيح أحدهما إلى مرجح. فإذا لم يوجد المرجح مطلقا فحينئذ يرجح التحريم على‏

85

الإيجاب لأنه ينطبق عليه حديث: «ما اجتمع الحلال و الحرام إلا و غلب الحرام على الحلال».

رابعها: الخبر الدالّ على الوجوب راجح على الخبر الدالّ على الإباحة، أي: إذا ورد دليلان أحدهما يقتضي الوجوب و الآخر يقتضي الإباحة يقدم الدليل الدال على الوجوب على الدليل الدال على الإباحة، لأن الدليل الدال على الوجوب مساو للدليل الدال على التحريم، و بما أن التحريم راجح على الإباحة فيرجّح الوجوب على الإباحة.

خامسها: الخبر الدال على التحريم راجح على الخبر الدال على الكراهة، لأن الكراهة طلب الترك طلبا غير جازم، و التحريم طلب الترك طلبا جازما، و الجزم مقدّم على غير الجزم.

سادسها: الدليل الدالّ على الوجوب راجح على الدليل الدالّ على النّدب، لأن الوجوب طلب الفعل طلبا جازما، و الندب طلب الفعل طلبا غير جازم، و الجازم مقدّم على غير الجازم.

سابعها: الدليل النافي مرجّح على الدليل المثبت. فإذا وجد دليلان أحدهما إثباتا و الثاني نفيا فالنافي مرجح على المثبت، كخبر بلال بأنّ النبي (صلى اللّه عليه و سلم) دخل البيت و صلى، و خبر أسامة أنه دخل و لم يصلّ. فإنه يرجّح خبر أسامة.

ثامنها: الدليل النافي للحدّ مرجح على الدليل المثبت له. فإذا وجد دليلان أحدهما ينفي الحدّ، و الآخر يثبته يرجّح الدليل الثاني. و الدليل على ذلك ثلاثة أمور: الأول قوله (عليه السلام): «ادرءوا الحدود بالشبهات». و الثاني: أن الحد ضرر و الرسول يقول: «لا ضرر و لا ضرار». و الثالث: قوله، أيضا: «لأن يخطئ أحدكم في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة». الرابع: يرجّح خبر الآحاد على القياس الذي علته مستنبطة استنباطا أو أو مقيسة قياسا، لأن الخبر وحي ظاهر الدلالة على الحكم في التعبير عنه، و العلة فهم بأنّ هذا مما جاء به الوحي. و ظاهر الدّلالة من النصّ مقدّم على الفهم من مدلوله. و أما العلة الصريحة فهي تأخذ حكم النص الذي جاءت فيه و كذلك هي العلة الدلالية.

الترجيح اللفظيّ‏

و هو الترجيح الواقع في الألفاظ، إما من جهة متنها، أو سندها، أو قرائنها المحتفّة بها.

التركيب‏

و هو، في اللغة، ضمّ شي‏ء إلى غيره من جنسه أو غير جنسه. و منه تركيب الفصّ في الخاتم، و النصل في السهم، و منه ركوب الدابة، لأن الراكب ينضم إليها و يلابسها، كما زعم أهل اللغة.

و يشتمل الاصطلاح على المعنى‏

86

اللغويّ، فيقال: «تركيب الكلمة» و هو ما تضامّ فيها من الحروف بعضها إلى بعض، و «التراكيب» ما تضامّ من العبارات إلى بعضه.

و الظاهر أنّ التركيب أخصّ من «التأليف» لأن الأخير مأخوذ من «ألف فلان فلانا» و «ألف الطائر وكره» يألفه «ألفا» إذا لازمه، و لم يؤثر مفارقته، و ذلك لا يستلزم الانضمام و الملابسة، بل يحصل بمجرد المقاربة، بخلاف التركيب، فإنه «تفعيل» من «الرّكوب». و المماسّة و الملابسة فيه لازمة.

التّزاحم‏

و هو في اصطلاح الإمامية صدور حكمين من الشارع المقدّس و تنافيهما في مقام الامتثال اتفاقا، إما لعدم القدرة على الجمع بينهما كما هو الغالب في هذا الباب، و إما لقيام الدليل من الخارج على عدم إرادة الجمع بينهما. و في مثل هذه الحال لا بدّ من الرجوع إلى مرجّحات هذا الباب.

و بما أن التعارض ضابطه عندهم هو تكاذب الدليلين على وجه يمتنع اجتماع صدق أحدهما مع صدق الآخر. و هو وصف للدليلين لا للمدلولين، و يوصف المدلولان بالتنافي؛ فيكون، على هذا، الضابط في التفرقة بين باب التعارض و باب التزاحم أن الدليلين يكونان متعارضين إذا تكاذبا في مقام التشريع، و يكونان متزاحمين إذا امتنع الجمع بينهما في مقام الامتثال مع عدم التكاذب في مقام التشريع.

تساقط الدليلين‏

و معنى هذه العبارة أن كلّا من الدليلين يكون ساقطا عن الحجية الفعلية، و خارجا عن دليل الحجّية.

التسامح‏

يرد هذا اللفظ كالاصطلاح في الكتب فيراد به ألا يعلم الغرض من الكلام و يحتاج في فهمه إلى تقدير لفظ آخر. و يطلق على مراد آخر و هو استعمال اللفظ في غير الحقيقة بلا قصد علاقة معنوية، و لا نصب قرينة دالة عليه اعتمادا على ظهور المعنى في المقام. على أن وجود العلاقة يمنع التسامح.

التساهل‏

و هو في العبارات أداء اللفظ بحيث لا يدلّ على المراد دلالة صحيحة.

التسلسل‏

و هو اصطلاح مستعار من علم الكلام، لأهل الأصول. و يراد به ترتيب أمور غير متناهية. و الترتيب قد يكون طبعيا، كالتسلسل في العلل و المعلولات، و الصفات و الموصوفات، أو قد يكون وضعيا، كالتسلسل في الأجسام.

87

التشخّص‏

و هو صفة تمنع وقوع الشّركة بين موصوفيها. و يطلق كذلك على المعنى الذي يصير به الشي‏ء ممتازا عن الغير بحيث يميّز، لا يشاركه شي‏ء آخر.

التشكيك بالأولويّة

و هو اختلاف الأفراد في الأولوية و عدمها، كالوجود، فهو في «الواجب» أتمّ و أثبت و أقوى منه في «الممكن».

التشكيك بالتقدم و التأخر

و هو أن يكون حصول معناه في بعضها متقدّما على حصوله في البعض، كالوجود، فإن حصوله في «الواجب» قبل حصوله في «الممكن».

التشكيك بالشّدّة و الضّعف‏

و هو أن يكون حصول معناه في بعضها أشدّ من البعض، كالوجود، فإنه في «الواجب» أشدّ من «الممكن».

التصحيح‏

من اصطلاحات الكتابة في الحديث.

و يعني كتابة عبارة: «صح»، كأن ينتهي اللّحق في الحاشية فيكتب هذه العبارة إثر ما نقله. و قد ترد معها كلمة «رجع». و أما في الكلام فيفعل ذلك فيما صحّ رواية و معنى غير أنه عرضة للشك و الخلاف ليعرف أنه لم يفضل عنه و أنه قد ضبط و صح على هذا الوجه.

و «تصحيح الحديث» يعني في عبارتهم نسبته إلى الصّحّة، أي: أنه حديث صحيح الإسناد.

التصحيف‏

و هو أن يقرأ الشي‏ء على خلاف ما أراد كاتبه أو على خلاف ما اصطلحوا عليه.

تصحيف البصر

و هو نوع من التصحيف يقع في المكتوب، فتسببه أحوال الكتابة. و هو يعود إلى المعنيّ من «تصحيف المتن» و داخل في عمومه. و مثاله تصحيف عبد اللّه بن لهيعة لعبارة: «احتجر» إلى «احتجم». (را: تصحيف المتن).

و كذلك يعود إلى «التصحيف في الإسناد» فكلاهما يقع في المكتوب.

تصحيف السّمع‏

و هو تحريف يقع لدى سماع الراوي للحديث من شيخه، فيقع الاشتباه في اللفظ أثناء التلفظ. و من ذلك ما روى بعضهم حديثا لعاصم الأحول فقال فيه: «واصل الأحدب». و هذا مما لا يشتبه في الكتابة بل في السمع. و على كل حال فالسمع و البصر أسباب و دوافع للتصحيف. فهذا الاصطلاح من باب المجاز النقلي العرفي الخاص. و هذا النوع يشمل السّند و المتن معا مثل «تصحيف البصر».

88

التصحيف في الإسناد

و هو التغيير الذي يلحق باسم في سلسلة السند. و هذا النوع يحتاج إلى معرفة واسعة، و باع طويل في الرجال ليكتشف الخطأ الوارد.

مثال ذلك حديث شعبة عن العوّام ابن مراجم عن أبي عثمان النّهديّ عن عثمان بن عفان قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لتؤدّنّ الحقوق إلى أهلها» الحديث.

صحّف فيه يحيى بن معين فقال: «ابن مزاحم» بالزاي و الحاء، و هو بالراء المهملة و الجيم.

و منه ما رواه أحمد بن حنبل قال:

حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن مالك بن عرفطة عن عبد خير عن عائشة أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) نهى عن الدّبّاء و المزفّت. قال أحمد: «صحف شعبة فيه. فإنما هو خالد بن علقمة».

تصحيف اللفظ

و هذا الاصطلاح فيه مجاز.

فالتصحيف مداره على اللفظ. و يراد به أن يحدث تغيير في الكلمة في الحديث أو الرواية. نحو ما نقل يحيى ابن سلام عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ‏ [الأعراف: الآية 145] قال: «مصر» و هذا أشنع التصحيف بل قال قتادة:

«مصيرهم». و كذلك حديث أبي ذر:

«تعين الصانع» و هو ضدّ «الأخرق» صحفه هشام بن عروة «الضائع» و رواه الزّهري صحيحا بالصاد المهملة.

تصحيف المتن‏

و هو ما يقع التصحيف في متن الحديث. و مثاله ما رواه ابن لهيعة عن كتاب موسى بن عقبة إليه بإسناده عن زيد ابن ثابت أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) احتجم في المسجد. و إنما هو بالراء: «احتجر في المسجد بخصّ و حصير حجرة يصلي فيها» فصحّفه ابن لهيعة لكونه أخذه من كتاب بغير سماع.

تصحيف المعنى‏

و هو إطلاق مجازي، باعتبار أن التصحيف يؤول إلى تغيير المعنى. و ذلك نحو ما رواه محمد بن المثنّى شيخ مسلم أن أبا موسى العنزيّ قال لهم يوما: «نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة. قد صلى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)» و هو قد فهم المعنى خطأ مما روي أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) صلّى إلى عنزة، و المراد حربة نصبت بين يديه فصلى إليها. و كذلك أعرابيّ حرّفها فقال: «إنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان إذا صلّى نصبت بين يديه شاة» فهو قد صحّفها بسكون النون من (عنزة).

التّصديق‏

هو نسبة حكمية بين الحقائق بالإيجاب أو السلب، أو إسناد أمر إلى آخر إيجابا أو سلبا. نحو قولنا: «العلم‏

89

حسن، و العلم ليس بقبيح». و هو كالتصور قد يكون بديهيّا، و قد يكون كسبيا.

التصرّف‏

و هو التنقل في الأزمنة و الأحوال.

و «التصرف في الأدلة» عبارة عن التنقل في أحوالها من حال إلى حال. نحو: حمل العام على الخاص، و المطلق على المقيد، و المجمل على المبيّن.

التصريف‏

و هو تحويل الأصل الواحد إلى أمثلة مختلفة لمعان مختلفة لا تحصل إلا بها.

التصوّر

و هو اصطلاح من «المنطق» في الأصل. و يعرّف بأنه إدراك الحقائق مجردة عن الأحكام، أو حصول صورة الشي‏ء في العقل بعبارة أخرى. و قد يكون بديهيّا أو كسبيّا. فالأول كتصورنا معنى «النار» و الثاني كتصورنا معنى «الملك» و أنه من نور.

التصويب الباطل‏

و قد بينه الشيخ الأنصاريّ من الإمامية بأنه على نحوين:

الأول: ما ينسب إلى الأشاعرة. و هو أن يفرض أن لا حكم ثابتا في نفسه يشترك فيه العالم و الجاهل، بل الشارع ينشئ أحكامه على طبق ما تؤدي إليه آراء المجتهدين.

الثاني: ما ينسب إلى المعتزلة. و هو أن تكون هناك أحكام واقعية ثابتة في نفسها يشترك فيها العالم و الجاهل، و لكن لرأي المجتهد أثر في تبدل عنوان موضوع الحكم أو متعلّقه، فتحدث على وفق ما أدى إليه رأيه مصلحة غالبة على مصلحة الواقع، فينشئ الشارع أحكاما ظاهرية ثانوية غير الأحكام الواقعية. و هذا المعنى ترجع إليه السببية المحضة. و إنما كان هذا تصويبا باطلا لأن معناه خلوّ الواقع عن الحكم حين قيام الأمارة على خلافه.

التضايف‏

و هو كون تصور كل واحد من الأمرين موقوفا على تصور الآخر، و كذلك يطلق التضايف على كون الشيئين بحيث يكون تعلق كلّ واحد منهما سببا لتعلق الآخر به كالأبوة و البنوة. و المعنى الأول من علم الكلام.

التّضبيب‏

و يقال له، أيضا: «التمريض». من «ضبّة الباب» التي يقفل بها. و هو أن يجعل على ما صح وروده كذلك من جهة النقل غير أنه فاسد لفظا أو معنى، أو ضعيف، أو ناقص مثل أن يكون غير جائز من جهة العربية، أو يكون شاذّا عند أهلها يأباه أكثرهم، أو مصحّفا، أو ينقص من جملة الكلام كلمة أو أكثر أو ما أشبه ذلك؛ فيمدّ على ما هذا سبيله خطّ، أو له مثل الصاد، و لا يلزق بالكلمة المعلّم عليها

90

كيلا يظنّ «ضربا» و كأنه صاد التصحيح.

بمدّتها دون حائها. كتبت كذلك ليفرّق بين ما صح مطلقا من جهة الرواية و غيرها، و بين ما صح من جهة الرواية دون غيرها فلم يكمل عليه التصحيح، و كتب حرف ناقص على حرف ناقص إشعارا بنقصه و مرضه مع صحة نقله و روايته، و تنبيها بذلك لمن ينظر في كتابه على أنه قد وقف عليه و نقله على ما هو عليه، و لعل غيره قد يخرّج له وجها صحيحا، أو يظهر له بعد ذلك في صحته ما لم يظهر له الآن. و لو غيّر ذلك و أصلحه على ما عنده لكان متعرضا لما وقع فيه غير واحد من المتجاسرين الذين غيّروا، و ظهر الصواب فيما أنكروه و الفساد فيما أصلحوه.

التّضمين‏

و المراد به تضمين فعل معنى فعل آخر كقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏ [النّور: الآية 63] فقد ضمن «يخالفون» معنى «يعرضون»، و لهذا عدّي بكلمة «عن».

التطوّع‏

اصطلاح أصوليّ فقهيّ، و هو اسم لما شرع زيادة على الفرض و الواجبات.

التطويل‏

و هو أن يزاد اللفظ على أصل المراد بلا فائدة أو ربما تكون فيه فائدة.

التعادل‏

و هو اصطلاحا عبارة عما إذا تعارضت الأدلة و لم يكن لبعضها مزية على البعض الآخر. و التعادل لا يقع بين الدليلين القطعيين مطلقا، و كذلك لا يقع بين الدليل القطعيّ و الدليل الظنيّ، لكون القطعيّ مقدّما على الظنيّ. و أما التعادل بين الدليلين الظنيين، أي: بين خبر الآحاد و خبر الآحاد، فإن القياس المنطقيّ يدل على جوازه، لكن واقع الأدلة يدل على أنه لا يوجد فيها تعادل، و أن التعادل لم يقع في الأدلة الظنية مطلقا، فضلا عن أن القول بجوازه ينافي إعمال الدليل.

أما بالنسبة إلى الفرض المنطقي فإنه لا يمتنع أن يخبر أحد العدلين عن وجود شي‏ء و الآخر على عدمه. و بناء على ذلك يجوز أن يقع التعادل. غير أن الواقع التشريعيّ يخالف ذلك، فإنه لم يقع أن أخبر عدل بوجود شي‏ء و أخبر الآخر بعدمه، بحيث يستويان في جميع الظروف و الأحوال و الأوضاع إلا في حالة واحدة و هي «النسخ». و النسخ ليس من قبيل التعادل، و عليه، فإن التعادل غير واقع في الأدلة الظنية. و الدليل هو أنه لو تعادل الدليلان الظنيان بأن لزم المجتهد أن يعمل بهما، أو يتركهما، أو يعمل بأحدهما. فإن عمل بكل واحد منهما لزم اجتماع المتنافيين، و إلا لزم أن يكون نصبهما عبثا، و هو على اللّه تعالى محال. و إن عمل بأحدهما نظر: إن عيّنّاه له كان‏

91

تحكما و قولا في الدين بالتشهي، و إن خيّرناه كان ترجيحا لأمارة الإباحة على إباحة الحرمة، و قد ثبت بطلانه. و لهذا لم يقع التعادل بين الدليلين الظنيين و لا يجوز شرعا. فلا تعادل بين الأدلة مطلقا.

التّعارض‏

و يراد بهذه اللفظة تقابل أمرين على وجه يمنع كل منهما صاحبه. و تطلق على تعارض الأقوال و الأفعال فيما بينها في النصوص المروية عن الرسول. و هذا الإطلاق اعتباري و ليس بحقيقة أي: أن المسألة بحسب النظرة الظاهرة للنصوص فيما يبدو للعقل أنه تعارض، و لكن الواقع أنّه، أي: التعارض، مزال باجتهاد المجتهد.

تعارض ما يخلّ بالفهم‏

و هي عبارة عن الخلل الحاصل في فهم مراد المتكلم. و يحصل من احتمالات خمسة هي: «الاشتراك، و النقل، و المجاز، و الإضمار، و التخصيص»؛ فإذا انتفى احتمال الاشتراك و النقل كان اللفظ موضوعا لمعنى واحد، و إذا انتفى احتمال المجاز و الإضمار، أي: التقدير، كان المراد باللفظ ما وضع له، و إذا انتفى احتمال التخصيص كان المراد باللفظ جميع ما وضع له. فلا يبقى حينئذ خلل في الفهم، فيفهم، حينئذ، المعنى المراد من الأدلّة السمعية. و هذا بالنسبة لغلبة الظن لأنها كافية في استنباط الحكم الشرعي، أي: أنه إذا انتفت هذه الاحتمالات الخمسة لم يبق شي‏ء يخلّ بالظنّ فيفهم الحكم الشرعي. و أما لعدم الخلل باليقين و هو ما لا بد منه للعقائد فلا يكفي نفي هذه الاحتمالات الخمسة وحدها، بل لا بد لإفادة اليقين من أشياء أخرى معها. و هذه الأشياء هي: «انتفاء النسخ» و «التقديم و التأخير» و «تغيير الإعراب» و «التصريف» و «المعارض العقلي». فإذا انتفت هذه العشرة يفيد الدليل السمعي اليقين في الجميع.

التعاكس‏

هو عبارة عن جعل كلّ واحد من جزءي القضية مكان الآخر مع بقاء الكيفية و الصدق و الكذب بحالها.

التعدية

و تطلق في مجال القياس على «العلة» و يراد بها نقل الحكم من الأصل إلى الفرع بمعنى جالب الحكم. و تطلق على ما يكون من «قوادح العلة» و تعرّف بمعارضة وصف المستدل بوصف آخر متعدّ، كقول المستدل في بكر بالغ: «هي بكر فأجبرت كبكر صغيرة»، فيقول المعترض: «يتعدى الصّغر إلى ثيّب صغيرة» و هو يرجع إلى المعارضة في الأصل بوصف آخر و هو «البكارة بالصّغر». و تدعى، أيضا، «سؤال التعدية».

92

التعديل‏

و هو بخلاف الضّبط. و هو «تفعيل» من العدالة. فهو، اصطلاحا، نسبة ما يقبل لأجله قول الشخص. نحو أن ينسب إليه ما يسوّغ قبول قوله شرعا، من خير، و عفاف، و صيانة، و مروءة، و تدين و سوى ذلك.

التعريض‏

و هو من مصطلحات البلاغيين، مأخوذ من «العرض» بالضم، و هو الجانب. و يعرّف بأنه لفظ مستعمل في معناه مع التلويح بغيره، أي: بغير ذلك المعنى المستعمل فيه. و هو بمنزلة الكناية، و من باب الحقيقة لا المجاز.

و من ذلك قول إبراهيم (عليه السلام):

بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: الآية 63] غضب أن عبدت هذه الأصنام مع اللّه فكسرها، و إنما قصده التلويح أن اللّه سبحانه و تعالى يغضب أن يعبد غيره ممن ليس بإله من طريق الأولى. و قد أفهم (عليه السلام) السامعين مراده من غير تصريح.

التعريف‏

هو فعل المعرّف، ثم أطلق في الاصطلاح على اللفظ المعرّف به على سبيل المجاز، لأنه أثر اللافظ كما أن التعريف أثر المعرّف. و هو وصف الشي‏ء من حيث هو، أو وصف لواقع الشي‏ء، أو وصف لما لا يتحقق الشي‏ء إلا به. فمثلا لو قلنا: «الإنسان: حيوان ناطق» فهذا تعريف للإنسان من حيث هو، و لو عرفنا البيع مثلا بأنه «مبادلة مال بمال تملكا أو تمليكا على سبيل التراضي» فهذا تعريف للبيع من حيث هو. و أما لو قلنا:

«الإنسان هو الشخص الذي له يدان أو رجلان أو وجه و جوارح يبطش بها» فهذا وصف لواقع الإنسان، أي: ما يتعلق به.

و أما تعريفنا للسبب و الشرط مثلا: «السبب وصف ظاهر منضبط دلّ الدليل السمعيّ على كونه معرّفا لوجود الحكم لا لتشريعه» فهو وصف لما لا يتحقق الحكم الشرعيّ إلا به. و كذلك الأمر في الشرط.

و التعريف أعم من الحدّ لأن التعريف يحصل بذكر لازمه أو خاصته، أو لفظ يحصل معه الاطّراد و الانعكاس، و ليس كل تعريف حدّا، لأنه قد لا يتضمن جميع الذاتيات.

التعريف بالتشبيه‏

و هو مما يلحق (التعريف بالمثال) و يدخل في «الرسم الناقص» و يراد به أن يشبّه الشي‏ء المقصود تعريفه بشي‏ء آخر لجهة شبه بينهما على شرط أن يكون المشبّه به معلوما عند المخاطب بأن له جهة الشّبه هذه. و ذلك نحو تشبيه الوجود بالنور. و جهة الشبه بينهما أن كلّا منهما ظاهر بنفسه، مظهر لغيره. و يلاحظ أن هذا النوع ينفع كثيرا في المعقولات عند ما يراد تقريبها من المبتدئ بتشبيهها بالمحسوسات، إذ الأخيرة أقرب للذهن.

93

التعريف بالمثال‏

و يطلق عليه عند المحدثين «الطريقة الاستقرائية» التي يدعو لها علماء التربية، لتفهيم الناشئة و ترسيخ القواعد و المعاني الكلية في أفكارهم. و هي أن يكثر المؤلف أو المدرس قبل بيان التعريف أو القاعدة من ذكر الأمثلة و التمرينات، ليستنبط الطالب بنفسه المفهوم الكليّ أو القاعدة. و بعد ذلك تعطى له النتيجة بعبارة واضحة ليطابق بين ما يستنبط هو، و بين ما يعطى له من نتيجة بالنهاية.

و التعريف بالمثال لا يعدّ قسما من أقسام التعريف، بل هو من التعريف بالخاصّة، لأن المثال مما يختصّ بذلك المفهوم. فلذا هو يرجع إلى «الرسم الناقص». و قد أجيز الاكتفاء به دون ذكر التعريف المستنبط إذا كان المثال وافيا بخصوصيات الممثّل له.

التعريف الحقيقيّ‏

و هو أن يكون ذكر حقيقة ما وضع اللفظ بإزائه من معنى من حيث هي فيعرّف بغيرها.

التعريف اللفظيّ‏

و هو أن يكون اللفظ واضح الدّلالة على معنى فيفسّر بلفظ أوضح دلالة على ذلك المعنى، كقولك: (الغضنفر: الأسد) و ليس هذا تعريفا حقيقيا يراد به إفادة تصوّر غير حاصل، و إنما المراد تعيين ما وضع له لفظ الغضنفر من بين سائر المعاني. و ليس من أقسام «التعريف» و لا يستحقّ اسمه إلا من باب التوسع و المجاز.

التعسّف‏

و يطلق على حمل الكلام على معنى لا تكون دلالته عليه ظاهرة، و كذلك يطلق و يراد به الأخذ على غير طريق، و على الطريق الذي هو غير موصل إلى المطلوب، و بعضهم يريد به ضعف الكلام، و هذا المعنى نتيجة التعسف لا تعريف له.

التعقيد

و هو كون الكلام مغلقا لا يظهر معناه بسهولة. و ذلك بألا يكون اللفظ ظاهر الدلالة على المعنى المراد لخلل واقع إما في النّظم، مثل ألا يكون ترتيب الألفاظ على وفق ترتيب المعاني بسبب تقديم أو تأخير، أو حذف أو إضمار، أو غير ذلك مما يوجب صعوبة فهم المراد؛ و إما يكون الخلل واقعا في الانتقال، أي: لا يكون ظاهر الدلالة على المراد لخلل في انتقال الذهن من المعنى الأول المفهوم بحسب اللغة إلى الثاني المقصود بسبب إيراد اللوازم البعيدة المفتقرة إلى الوسائط الكثيرة مع خفاء القرائن الدّالة على المقصود.

التعليل في معرض النّصّ‏

و هي عبارة تستخدم لما يكون الحكم بموجب تلك العلة مخالفا للنص كقول‏

94

إبليس: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏ [الأعراف: الآية 12] بعد قوله عزّ و جل: اسْجُدُوا لِآدَمَ‏ [البقرة:

الآية 34].

التعيّن‏

و هو ما به امتياز الشي‏ء عن غيره بحيث لا يشاركه فيه غيره.

التغيّر

و هو انتقال الشي‏ء من حالة إلى حالة أخرى.

التغيير

و المراد به ما يحدث في الاشتقاق من زيادة أو نقصان في حرف أو حركة أو كليهما، أو بزيادة أحدهما و نقصانه، أو نقصان الآخر، أو بزيادته أو نقصانه بزيادة الآخر و نقصانه، أو بزيادتهما و نقصانهما.

و على هذا فأنواعه تفصيلا هي:

الأول: زيادة الحرف فقط. نحو:

«كاذب» من «الكذب» زيدت الألف بعد الكاف.

الثاني: زيادة الحركة. نحو: «نصر» الماضي من «النّصر» زيدت حركة الصاد.

الثالث: زيادة الحرف و الحركة جميعا. نحو: «ضارب» من «الضرب» زيدت الألف بعد الضاد، و زيدت، أيضا، حركة الراء.

الرابع: نقصان الحرف. نحو:

«خف» فعل أمر للمذكر مع النقصان للواو من «الخوف».

الخامس: نقصان الحركة. نحو:

«سفر» بسكون الفاء من «السّفر» نقصت الفتحة من الفاء.

السادس: نقصان الحرف و الحركة جميعا. نحو: «غلى» ماضيا من «الغليان» نقصت الألف و النون و فتحة الياء.

السابع: زيادة الحرف و نقصانه.

نحو: «صاهل» من «الصهيل».

الثامن: زيادة الحركة و نقصانها.

نحو: «حذر» من «الحذر» حذفت فتحة الذال و زيدت كسرتها.

التاسع: زيادة الحرف و نقصان الحركة. نحو «عادّ» بالتشديد من «العدد» زيدت الألف بعد العين، و نقصت حركة الدال الأولى للإدغام.

العاشر: زيادة الحركة و نقصان الحرف. نحو: «رجع» من «الرّجعى».

الحادي عشر: زيادة الحرف مع زيادة الحركة و نقصانها. نحو: «موعد» من «الوعد» زيدت فيه الميم و كسرة العين، و نقصت منه فتحة الواو.

الثاني عشر: زيادة الحركة مع زيادة الحرف و نقصانه. نحو: «مكمّل» اسم فاعل أو مفعول من «الكمال» زيد فيه حرف و حركة، و هما الميم الأولى و ضمتها، و نقصت الألف.

95

الثالث عشر: نقصان الحرف مع زيادة الحركة و نقصانها. نحو: «قنط» من «القنوط».

الرابع عشر: نقصان الحركة مع زيادة الحرف و نقصانه. نحو: «كالّ» اسم فاعل من «الكلال» نقصت حركة اللام الأولى للإدغام، و نقصت الألف التي بين اللامين، و زيدت ألف قبل اللامين.

الخامس عشر: زيادة الحرف و الحركة معا و نقصانهما معا. نحو:

«كامل» من «الكمال».

التفريط

و يستعمل في تجاوز الحدّ من جانب النّقصان و التقصير.

التفريع‏

و هو جعل شي‏ء عقيب شي‏ء لاحتياج اللاحق إلى السابق.

التفسير بالرأي‏

و هو الذي يكون من قبيل الاجتهاد.

فإذا كان الاجتهاد صحيحا مجانبا للهوى و للطرق الفاسدة فهو تفسير محمود.

و يشترط في هذا القسم من التفسير شروط أهمها: النقل عن رسول اللّه (عليه السلام) مع التحرز عن الضعيف و الموضوع، و الأخذ بقول الصحابي إذا كان في حكم المرفوع، أو مما يكون لا مجال للرأي فيه من الصحابي، و أيضا، الأخذ بدلالة لغة العرب و ما عليه أكثر النقل عنهم، أو ما اشتهر مدلوله، و كذلك يشترط أن يكون نصب عين القائم بهذا التفسير سنّة رسول اللّه عليه الصلاة و السلام.

و يجب البعد عن التهجم على تبيين المراد من كلام اللّه على جهالة بما جاء شرعا و لغة، و البعد عن طرق المذاهب الفاسدة، و عدم الاسترسال في الجزم بمراد اللّه في المسألة الكذائية.

التفسير المأثور

و يقال له: «التفسير بالأثر». و هو ما جاء في القرآن أو السنّة أو كلام الصحابة بيانا لمراد اللّه سبحانه في كتابه.

فمما جاء في القرآن قوله تعالى:

وَ ما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ‏ [الطّارق: الآية 2] النَّجْمُ الثَّاقِبُ‏ [الطّارق: الآية 3] فكلمة «النجم الثاقب» هي بيان لكلمة «الطارق».

و ما جاء في السنّة هو كقول الرسول (عليه السلام): «ألا إنّ القوة الرمي» في تفسير قوله تعالى: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: الآية 60].

و أما المنقول عن الصحابة فقد روي الكثير منه عن ابن عباس. و يعدّ العلماء تفسير الصحابيّ الذي شهد له الوحي و التنزيل من قبيل المرفوع. و قيّده بعضهم بما لا مجال للرأي فيه. و اختلف العلماء في تفسير التابعيّ هل هو من المأثور أو لا؟

96

التفسير المحمود

و هو كلّ ما كان من تفسير الصحابة و التابعين، و من اعتمد على أقوالهم بالأسانيد الصحيحة، و تفسير أهل الرأي الموفّق الذين جمعوا بين المأثور الصحيح و بين آرائهم المعتدلة. و يقابله «التفسير المذموم».

التفسير المذموم‏

و يقابل «التفسير المحمود». و هو تفسير أهل الأهواء و البدع. و قد عدوا تفسير الرّمّاني، و الجبّائي، و القاضي عبد الجبار المعتزليّ من التفسير المذموم.

و اختلف في الزمخشريّ.

و ميزان الذمّ إنما هو متعلّق بما يعدّه الشرع كذلك.

التفصيل‏

و يقابل «الإجمال» في الأصول، و يراد به تعيين بعض ما يحتمله المجمل أو كلّ ما يحتمله من احتمالات.

التفكير

و هو نفس معنى «العقل». و عند أهل المنطق هو «الضمير» نفسه باصطلاحهم و يسمونه «تفكيرا» باعتبار اشتماله على «الحد الأوسط» الذي يقتضيه الفكر.

التفهيم‏

و هو إيصال المعنى إلى فهم السامع بواسطة اللفظ.

التقابل‏

را: المتقابلان.

تقابل الضّدّين‏

و الضدان هما الوجوديان المتعاقبان على موضوع واحد، و لا يتصور اجتماعهما فيه، و لا يتوقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر.

و يفهم من عبارة: «المتعاقبان على موضوع واحد» أن الضدين لا بد أن يكونا صفتين. فالذاتان «إنسان و فرس» لا يسمّيان ضدين، و كذا «الحيوان و الحجر» و نحوهما، بل تدخل في المعاني المتخالفة.

و بعبارة: «لا يتوقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر» يخرج المتضايفان، لأنهما أمران وجوديان، أيضا، و لا يتصور اجتماعهما فيه من جهة واحدة، و لكنّ تعقّل أحدهما يتوقف على تعقل الآخر.

و من تقابل الضدين، مثلا: «الحرارة و البرودة» و «السواد و البياض» و «الفضيلة و الرذيلة» و «التهور و الجبن» و «الخفّة و الثّقل».

تقابل المتضايفين‏

و المتضايفان هما الوجوديان اللذان يتعقّلان معا، و لا يجتمعان في موضوع واحد من جهة واحدة، و يجوز أن يرتفعا- نحو: «الأب و الابن» و «الفوق و التحت» و «المتقدم و المتأخر» و «العلة

97

و المعلول» و «الخالق و المخلوق». و يلاحظ من هذه الأمثلة ما يلي:

أولا: أن تعقلنا لأحد المتضايفين لا بد من أن يجري معه تعقل الآخر، فإذا تعقلنا أن هذا أب أو هذه علة فلا بد أن نلاحظ أن للأب ابنا، و للعلة معلولا.

ثانيا: أن شيئا واحدا لا يصح أن يكون موضوعا للمتضايفين من جهة واحدة. فلا يصح أن يكون شخص أبا و ابنا لشخص واحد، و كذلك لا يصح أن يكون الشي‏ء فوقا أو تحتا لنفس ذلك الشي‏ء في وقت واحد.

ثالثا: أن المتقابلين في بعض هذه الأمثلة يجوز أن يرتفعا، فإن واجب الوجود لا فوق و لا تحت، و الحجر لا أب و لا ابن. و إذا اتفق في بعض هذه الأمثلة أنهما لا يرتفعان كالعلة و المعلول فليس لأنهما متضايفان، بل لأمر يخصهما، لأن كل موجود لا يخلو إما أن يكون علة و إما معلولا.

تقابل الملكة و عدمها

و يراد من العبارة أمران: وجوديّ و عدميّ لا يجتمعان و يجوز أن يرتفعا في موضع لا تصح فيه الملكة. كالبصر و العمى، فالبصر ملكة و العمى عدمها.

و لا يصح أن يحلّ العمى إلا في موضع يصح فيه البصر، لأن العمى ليس هو عدم البصر مطلقا، بل عدم البصر الخاص.

و هو عدمه فيمن شأنه أن يكون بصيرا.

فهما ليسا كالنقيضين لا يرتفعان و لا يجتمعان بل يرتفعان و إن كان يمنع اجتماعهما، فالحجر لا يقال فيه: «أعمى» و لا «بصير».

تقابل النّقيضين‏

أو «السلب و الإيجاب». و النقيضان هما أمران: وجوديّ و عدمي، أي: عدم لذلك لا وجودي. و هما لا يجتمعان و لا يرتفعان ببديهة العقل، و لا واسطة بينهما.

نحو: «إنسان و لا إنسان» و «سواد و لا سواد» و «منير و غير منير».

التقدير

و يطلق مقارنا للفظ «الفرض» عند أهل الأصول، و يراد به، حينئذ، إعطاء الموجود حكم المعدوم، أو إعطاء المعدوم حكم الموجود، فيقال: «يقدّر الفرض في كذا» و «الفرض مقدّر في كذا». و مثال إعطاء الموجود حكم المعدوم قولهم: «الماء للمريض الذي يخاف على نفسه باستعماله، فيتيمم مع وجوده حسّا» و مثلا إعطاء المعدوم حكم الموجود قولهم: «المقتول تورث عنه الدية و إلا تجب بموته و لا تورث عنه إلا إذا دخلت في ملكه، فيقدّر دخولها قبل موته».

و يطلق على تقدير معين لأشياء يقررها السوق و الوضع في المجتمع، و بعبارة أخرى: هو ما يختصّ بأشياء معينة يوجدها وضع السوق، أو وضع‏

98

المجتمع كتقدير الأثمان و الأجور و المهور. فالحكم الشرعيّ يوجب النفقة و المهر أو متعة الطلاق، أو أجرة الدار، و الخبراء يقدرون ذلك بأنه هو الذي أوجده وضع موجود بين الناس، أو أوجد ذلك السوق. فيرجع إلى الخبراء فيها.

التقديس‏

و هو في اللغة التطهير. و في الاصطلاح تنزيه الحقّ عن كلّ ما لا يليق بجنابه، و عن النقائص مطلقا، و عن جميع ما يعدّ كمالا بالنسبة إلى غيره من الموجودات.

التقريب‏

و هو اصطلاح يقصد به سوق الدليل على وجه يستلزم المطلوب أو على وجه يفيد المطلوب. و يدخل في الدليل مقدماته. و قد يكون هذا السّوق على وجه يلزم المدّعي، و قد يكون بجعل الدليل مطابقا للمدّعى. و إذا كان المطلوب غير لازم، و اللازم غير مطلوب فلا يتم التقريب.

التقرير

يراد به في الاستعمالات المختلفة من العلوم بيان المراد من المعنى بالعبارة.

و يطلق كذلك على «الإقرار» من الرسول عليه الصلاة و السلام.

تقرير المعصوم‏

و هو عند الإمامية أن يفعل شخص بمشهد المعصوم و حضوره فعلا فيسكت المعصوم عنه مع توجهه إليه و علمه بفعله، و كان المعصوم بحالة يسعه تنبيه الفاعل لو كان مخطئا. و يدعى سكوت المعصوم عن ردع الفاعل أو عن بيان شي‏ء حول الموضوع لتصحيحه «تقريرا للفعل» أو «إقرارا» أو «إمضاء» و نحو ذلك.

و يلحق بهذا «التقرير لبيان الحكم» كما لو بيّن شخص بمحضر المعصوم حكما أو كيفية عبادة أو معاملة، و كان بوسع المعصوم البيان، فإن سكوت الإمام يكون ظاهرا في كونه إقرارا على قوله، و تصحيحا و إمضاء له. و السّعة تكون من جهة عدم ضيق الوقت عن البيان، و من جهة عدم المانع منه، كالخوف و التقية و اليأس من الإرشاد و التنبيه.

تقرير النص‏

و هذا يحدث في «التخريج» فيقال:

«التخريج قد يقبل تقرير النصين، و قد لا يقبل» يعني أنّا إذا خرّجنا حكم كلّ واحدة من المسألتين في الأخرى لاشتباههما، فقد يمكننا بتدقيق النظر أن نقرر كلّ مسألة على ما نصّ فيها الإمام، فقط، من غير نقل حكم إحداهما إلى الأخرى، بأن نبدي بينهما فرقا مناسبا لاختصاص كل واحدة منهما بما نصّ عليه فيها.

مثال ذلك: و قال في القذف: «و من قال لامرأته: يا زانية، فقالت: بك زنيت، سقط عنه حقّها بتصديقها، و لم تكن قاذفة له». نص عليه، و نص فيمن قال لزوجته:

99

«زنى بك فلان، أنه قاذف لهما» فالصورتان و إن اشتبهتا من حيث إنها في قولها له:

«بك زنيت» قاذفة له بالالتزام و التّبع، و هو قوله لها: «زنى بك فلان» قاذف لفلان بالتبع، و لكنّ الفرق بينهما من جهة أنها إذا قالت له: «بك زنيت» فهي غير قاصدة لقذفه، و إنما قصدت إلزامه بمثل ما ألزمها و توبيخه على تعييره لها بفعل قد فعل مثله.

و ذلك مما تنكره العقول السليمة. كأنها قالت: «إن عيّرتني بالزنى فعيّر نفسك لأني و أنت اشتركنا فيه». و أما قوله لها فقد قصد قذفها، و أسنده إلى فلان إسناد الفاعلية، بخلاف قولها إذ أضاقت الزنى إضافة الفاعلية إلى نفسها دونه، فلذلك لم تكن قاذفة بخلافه هو حيث كان قاذفا لها.

التقسيم‏

و هو ضمّ مختصّ إلى مشترك، أو ضمّ قيود متخالفة بحيث يحصل عن كل واحد منهم قسم. و ذلك أن ينضم إلى مفهوم كلّي قيود مخصصة مجامعة إما متقابلة و إما غير متقابلة.

التقليد

و هو في اللغة جعل شي‏ء في العنق محيطا به. و منه «القلادة» للشي‏ء المحيط بالعنق. و لا تسمى العقود، و المخانق، و المرسلات في حلوق النساء و الصبيان، و كذلك السّبح التي هي في حلوق المتزهدين لا تسمى «قلائد» في عرف اللغة.

و في الاصطلاح هو عبارة عن العمل بقول الغير من غير حجّة ملزمة، كأخذ العاميّ بقول مثله، و المجتهد بقول مثله في الأحكام الشرعية. و أما اتّباع العامي للمفتي فليس من هذا الباب لعروّه- أي:

التقليد- عن الحجة الملزمة، و هنا عدم عروّ في قول المفتي.

و مورد التقليد في الأحكام لا الاعتقادات، فلا يحلّ التقليد في العقيدة إطلاقا، بناء على أن موضوع الآيات التي ذمت التقليد إنما ينصبّ على الاعتقاد.

و هو واضح على هذا النحو لمن تتبع آيات الظن و ذمّه.

التلازم‏

را: الملازمة.

التلبيس‏

ستر الحقيقة و إظهارها بخلاف ما هي عليها.

التماثل‏

را: المتماثلات.

التمثيل‏

و هو أن ينتقل الذهن من حكم أحد الشيئين إلى الحكم على الآخر لجهة مشتركة بينهما. و بعبارة أخرى: «إثبات الحكم في جزئيّ لثبوته في جزئيّ آخر مشابه له». و هذا يدعى عند الفقهاء و أهل الأصول «القياس». و مثاله: إذا ثبت عندنا أن النبيذ يشابه الخمر في تأثير السّكر على‏

100

شاربه، و قد ثبت عندنا أن حكم الخمر هو الحرمة، فلنا أن نستنبط أن النبيذ حرام، أيضا، أو على الأقل محتمل الحرمة للاشتراك بينهما في جهة الإسكار.

التمريض‏

را: التضبيب.

التمنّي‏

و هو طلب حصول الشي‏ء سواء كان ممكنا أو ممتنعا.

التمييز الغريزيّ‏

را: الإحساس و العقل.

التنافر

و هو وصف في الكلمة يوجب ثقلها على اللسان، و عسر النطق بها، نحو:

«الهعخع، مستشزرات».

التّنافي‏

و هو اجتماع الشيئين في واحد في زمان واحد، كما بين السواد و البياض، و الوجود و العدم.

التناقض‏

و هو اختلاف الحكمين إيجابا و سلبا، بحيث يقتضي ذلك لذاته صدق أحدهما و كذب الآخر، نحو قولنا: «زيد إنسان» و «زيد ليس بإنسان».

التنبيه‏

هو في اللغة الدلالة عما غفل عنه المخاطب، و في الاصطلاح هو ما يفهم من مجمل بأدنى تأمل إعلاما بما في ضمير المتكلم للمخاطب. و قد يكون على شكل قاعدة تعرف بها الأبحاث الآتية مجملة.

التنبيه بالأدنى على الأعلى‏

و هو اصطلاح يعبر عن أحد وجوه دلالة «مفهوم الموافقة». و يرى أهل الأصول أنها دلالة أولويّة، مأخوذة من الزيادة. و معنى الأولوية هو أن يكون من «باب أولى». و الصواب أن هذا الاشتراط ليس في اللغة، و ليست الأولوية أصل الدلالة، و لا معنى لاشتراطها. فالعربيّ يفهم من قول الرجل لخادمه: «لا تعط زيدا حبّة، و لا تقل له: أفّ، و لا تظلمه بذرة» أن المراد و المسبوق إلى الذهن لدى سماع هذه الجمل امتناع إعطاء ما فوق الحبة، و امتناع الضرب و الشتم، و امتناع الظلم بالبذرة فما فوق. فالمعتبر هو اللزوم الذهنيّ، بأن يكون المعنى لازما للمدلول عليه، و تابعا له، و هذا مستفاد من التركيب. فمدلول هذا الاصطلاح هو كعنوان على مسألة معنى معين، و ليس هو دلالة بعينها. فلا عبرة بتسميته «دلالة أولوية».

101

التنبيه بالأعلى على الأدنى‏

و هو أحد وجوه دلالة «مفهوم الموافقة» لدى الأصوليين. و يرونها دلالة «أولويّة» مأخوذة من النّقصان. و قد جعلوها كاسم لدلالة قائمة بذاتها، و لا يثبت هذا القول، بل الدلالة مستفادة من التركيب، و من قبيل الدلالة «الالتزامية» و مثاله قوله عزّ و جل: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ‏ [آل عمران: الآية 75] فالمعنى أن ما دون القنطار هو كذلك يؤديه إليك.

و لا بد في هذه الدلالة أن تكون ذهنية، فيكون المعنى لازما للمدلول عليه، و تابعا له، مستفادا من التركيب، و أن يكون تجانس بين المتلازمين. فمثلا لا يقال في قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏ [النّحل: الآية 106] إنّ المعصية هي من باب أولى، لأن المعصية نوع، و الكفر نوع آخر. فلا يصح التلازم بينهما.

تنبيه الخطاب‏

را: مفهوم الموافقة.

التنزيل‏

و هو ظهور القرآن بحسب الاحتياج بواسطة جبريل (عليه السلام) على قلب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم). و هو يستعمل في التدريج، بخلاف «الإنزال» الذي يستعمل في الدّفعة.

التّنزيه‏

و هو عبارة عن تبعيد الرّب عن أوصاف البشر.

التّنقيح‏

و هو اختصار اللفظ مع وضوح المعنى.

تنقيح الفصول‏

جزء من عنوان كتاب «تنقيح الفصول في علم الأصول» للقرافي شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي المتوفى سنة أربع و ثمانين و ست مائة، على المذهب المالكي. و هو مقدمة لكتاب فقهيّ له اسمه «الذخيرة»، كما أنه شرح الكتاب بعنوان «شرح تنقيح الفصول» و طبع في مجلد ضخم في تونس قديما، ثم في مصر (1973). و يراعي فيه مذهب الفقهاء و نمط تأليفهم.

تنقيح المناط

التنقيح في اللغة هو التخليص و التهذيب، يقال: «نقّحت العظم» إذا استخرجت مخّه. و في الاصطلاح يراد بتنقيح المناط إلغاء بعض الأوصاف التي أضاف الشارع الحكم إليها لعدم صلاحيتها للاعتبار في العلة، كجعل علة وجوب كفارة رمضان وقاع مكلّف أعرابيّ لاطم في صدره في زوجة في ذلك الشهر بعينه، و كون هذا الرجل في النصّ أعرابيّا لا أثر له، فيلحق به من ليس أعرابيّا، كالتركيّ و العجمي و غيرهما من أصناف‏

102

الناس؛ و كونه لاطما وجهه و صدره لا أثر له، فيلحق به من جاء بسكينة و وقار و ثبات، و كون الوطء في زوجة لا أثر له، فيلحق به الوطء في كلّ أنثى أو بهيمة أو ذكر في قبل أو دبر، اعتبارا لصورة الوقاع، و كونه في شهر معيّن لا أثر له، فيلحق به من وطئ في رمضان آخر. فلا أثر لهذه الأوصاف لعدم مناسبتها. فيكون تنقيح المناط هو تعيين وصف للتعليل من أوصاف مذكورة، كتعيين وقاع المكلف للكفارة. و تنقيح المناط عند أبي حامد الغزّاليّ هو إلغاء الفارق، نحو: لا فارق بين الأمة و العبد في سراية العتق، و لا فرق بين الذكر و الأنثى في مفهوم الرّق و تشطير الحدّ، فوجب استواؤهما فيه، و قد ورد النصّ بذلك في الإماء و نحو ذلك. و كأنه بإلغاء الفارق يدخل في معنى التنقيح الذي هو التخليص و التصفية، فكأنه يصفو الوصف، و يخلص للعليّة، فلا يكون هذا قولا ثانيا في تنقيح المناط، بل يكون إلغاء الفارق ضربا من تنقيح المناط.

را: تحقيق العلة و تحقيق المناط.

التواتر اللفظيّ‏

و هو أن ينقل العدد الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب خبرا عن الرسول عليه الصلاة و السلام بألفاظ واحدة.

و ذلك كقول الرسول (عليه السلام): «من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» فالرواة في العصور الثلاثة بمجموعهم نقلوا هذا الحديث بنفس الألفاظ.

التواتر المعنويّ‏

و هو أن ينقل العدد الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب وقائع مختلفة مشتملة على قدر مشترك، كما إذا أخبر واحد بأن حاتما أعطى دينارا، و أخبر آخر أنه أعطى جملا، و ثالث أنه أعطى شاة، و هلمّ جرا، حتى بلغ المخبرون عدد التواتر، فيقطع بثبوت القدر المشترك، لوجوده في كل خبر من هذه الأخبار و القدر المشترك هنا: مجرد الإعطاء، لا الكرم أو الجود لعدم وجوده في كل واحد. و يمثّل لهذا النوع برفع اليدين في الدعاء، فهو القدر المشترك في الأحاديث التي روت الوقائع المختلفة في الدعاء، و روت رفع اليدين معها.

التوجّه‏

استخدم كاصطلاح خاصّ، عند صاحب «المعالم» من الإمامية و عبّر به عن كلمة «الاجتماع» فقال: «الحقّ امتناع توجه الأمر و النهي إلى شي‏ء واحد ...» يعني: اجتماع الأمر و النهي.

التوجيه‏

و هو إيراد الكلام على وجه يندفع به كلام الخصم، أو على وجه ينافي كلام الخصم.

التوضيح‏

و هو عبارة عن رفع الإضمار الحاصل في المعارف.

103

التوكيد

را: التأكيد.

التوكيد اللفظيّ‏

را: التأكيد.

التوكيد المعنويّ‏

را: التأكيد.

التولّد

و يطلق على معنى صيرورة الحيوان بلا أب و أمّ، مثل الحيوان المتولد من الماء الراكد في الصيف.

التوليد

و هو أن يحصل الفعل عن فاعله بتوسط فعل آخر، كحركة المفتاح بحركة اليد.

***

104

حرف الثاء

الثابت‏

و هو اصطلاح حديثيّ ينطلق على الحديث «الصحيح».

الثّقة

و هي التي يعتمد عليها في الأقوال و الأفعال، و هي تكون من القناعة و القناعة إنما تكون عن فكر و شعور، و هي التي لا تتزعزع. و لا تكون الثقة اعتباطية إطلاقا.

الثّماميّة

و هم أصحاب ثمامة بن الأشرس.

زعموا أن اليهود و النصارى و الزنادقة يصيرون في الآخرة ترابا لا يدخلون جنة و لا نارا.

الثّمرة

و هي اصطلاح خاصّ لأبي حامد في «المستصفى» و ذلك في تقسيماته و تفريعاته لعلم الأصول. و يريد بهذا «الحكم و حقيقة الحكم، و أقسامه و أركانه، و فيما يظهره».

الثواب‏

و هو ما يستحقّ العبد به الرحمة و المغفرة من اللّه تعالى.

***