معجم مصطلح الأصول‏

- هيثم هلال المزيد...
392 /
205

ناحية اشتراط جهتها ببقاء عنوان الموضوع، نحو: «كلّ كاتب متحرك الأصابع دائما ما دام كاتبا» فتحرك الأصابع ليس دائما ما دام الذات، و لكنه دائم ما دام عنوان الكاتب ثابتا لذات الكاتب.

العزيمة

هي في اللغة: «القصد المؤكّد».

يقال: «عزمت على كذا عزما و عزما، و عزيمة و عزيما» إذا أردت فعله، و قطعت عليه. و هي في الاصطلاح: «ما شرع من الأحكام تشريعا عاما، و ألزم العباد بالعمل به» و هي تقابل الرّخصة.

العصمة

و هي ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها.

العصمة المؤثّمة

و هي التي يجعل من هتكها آثما.

العصمة المقوّمة

و هي التي يثبت بها للإنسان قيمة بحيث من هتكها فعليه القصاص أو الدّية.

العفو

زعم بعض الأصوليين أن هناك مرتبة بين الحلال و الحرام سمّاها بهذا الاصطلاح، و لم يحكم عليه بأنه واحد من الخمسة التي هي جهة الفعل من حيث كونه فرضا، أو مندوبا، أو حراما، أو مكروها، أو مباحا. و مع ذلك لم يجعلها حكما شرعيا سادسا. و جرى الاحتجاج لهذه المسألة بأخبار عن الرسول (عليه السلام). و لا بد لنا من بحث هذه المسألة بشكل صحيح، ليقرّر معنى العفو الوارد في هذه الأخبار.

فما رواه ابن ماجة و التّرمذيّ عن سلمان الفارسيّ قال: (سئل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن السّمن و الجبن و الفراء فقال:

«الحلال ما أحلّ اللّه في كتابه، و الحرام ما حرّم اللّه في كتابه، و ما سكت عنه فهو مما عفا لكم») و ما رواه أبو الدّرداء عن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «ما أحلّ اللّه في كتابه فهو حلال، و ما حرّم فهو حرام، و ما سكت عنه فهو عفو. فاقبلوا من اللّه عافيته، فإنّ اللّه لم يكن لينسى شيئا» و تلا: وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم: الآية 64]. و ما رواه أبو ثعلبة عن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «إن اللّه فرض فرائض فلا تضيّعوها، و حدّ حدودا فلا تعتدوها، و سكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها». فهذه الأحاديث هي أخبار آحاد من جهة، فلا تعارض النصّ القطعيّ، و لا تدل بأيّ حال على أن هناك أشياء لم تبيّنها الشريعة، و إنما تدل على أن هناك أشياء لم يحرّمها اللّه تعالى «رحمة بكم فعفا عنها، و سكت عن تحريمها». فموضوع هذه الأحاديث ليس السكوت عن تشريع أحكام لها، بل السكوت عن تحريمها.

و ليس معنى السكوت عن تحريمها تشريع حكم الإباحة لكلّ ما لم يبينه كذلك، بل هذا السكوت هو سكوت من الشارع،

206

و سكوته هو تشريع للإباحة، فينطبق على ما يسكت عنه فقط لا على كل شي‏ء لم يبيّنه.

على أن معنى الأحاديث العفو عن هذه الأشياء نظير قوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْها [المائدة: الآية 101] بدليل نص الأحاديث، و بدليل ما سيقت له الأحاديث. و هو النهي عن السؤال عما لم يحرم فيحرم. عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: «ما لم يذكر في القرآن فهو مما عفا اللّه عنه» و كان يسأل عن الشي‏ء لم يحرم فيقول: «عفو» و قيل له: «ما تقول في أموال أهل الذّمّة؟» فقال:

«العفو» يعني: لا تؤخذ منهم زكاة. و قال عبيد بن عمير: «أحلّ اللّه حلالا، و حرّم حراما. فما حلّ فهو حلال، و ما حرّم فهو حرام، و ما سكت عنه فهو عفو» و قد كان النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) يكره كثرة السؤال فيما لم ينزّل فيه حكم بناء على حكم البراءة الأصلية، إذ هي راجعة إلى هذا المعنى، و معناها أن الأفعال معها معفوّ عنها. و قد قال عليه الصلاة و السلام: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شي‏ء لم يحرم عليهم فحرم عليهم من أجل مسألته» و قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم. ما نهيتكم عنه فانتهوا، و ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» و قرأ (عليه السلام): وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ‏ [آل عمران: الآية 97] الآية. فقال رجل: «يا رسول اللّه، أ كلّ عام؟» فأعرض، ثم قال: «يا رسول اللّه، أ كلّ عام؟» «فأعرض، ثم قال: «يا رسول اللّه، أ كلّ عام؟» فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«و الذي نفسي بيده لو قلتها لوجبت، و لو وجبت ما قمتم بها، و لو لم تقوموا بها لكفرتم. فذروني ما تركتكم» فهذا كلّه يدلّ على أن المراد من قوله: «و سكت عن أشياء» أي: لم يحرّمها، و هو نظير قوله في حديث آخر: «ذروني ما تركتكم» و تعينه رواية له أخرى هي: «و عفا عن أشياء» أي: تجاوز عنها و لم يحرّمها.

و معنى ذلك كله أنه لم يحرّمها أشياء، و ما لم يحرّمه من الأشياء المعيّنة الداخلة تحت حكم السكوت فهو غير محرّم، فحكمه أنه حلال. فالسكوت سكوت عن التحريم و ليس عن بيان الحكم الشرعي.

و ما سكت عنه الشرع هو بعض المباح، و سكوته عنه تبيان له بأنه مباح. فالعفو هو إحلال للشي‏ء، أي: أنه ليس بحرام.

العقد

و هو ارتباط بإيجاب و قبول على وجه مشروع بين شخصين أو أكثر على وجه يثبت أثره في محلّه. فعلى هذا تكون أركان العقد ثلاثة: العاقدان، و الصّيغة، و المعقود عليه، و هو هنا محلّ العقد.

العقل‏

يرد اصطلاح العقل في جميع مجالات الثقافة الإسلامية، و على رغم أنه المنتج للأفكار جميعها، فقد ضبط المنتج‏

207

و لم يضبط المنتج. و بالرغم من كل التعريفات التي تزيد على الثلاثين فإنه لم يرد تعريف واحد يثلج الصدر و يجلو الغموض عن هذه المعضلة إلى يومنا هذا عند أصحاب الفكر و حملة الثقافة. و نحن نضرب الذكر صفحا عن هذه التعريفات، و نحاول فيما يلي أن نقدّم تعريفا نزعم أنه الشافي.

فهو نقل الواقع إلى الدماغ بواسطة الحواس الخمس، مع وجود معلومات سابقة تفسّر هذا الواقع. و توضيحه أنه لا بد للإدراك أو التفكير من وجود دماغ سليم، و وجود واقع تقع عليه الحواسّ.

و هذا الواقع هو المشاهد المحسوس أو المدرك المحسوس، سواء أ كان محسوس الذات أو مدركا ذاته أو مدركا أثره. و ما يحصل من الحواس هو النقل. و ليس شي‏ء غير النقل. و هذا النقل لا يشكّل تفكيرا و لا إدراكا، بل هو موجود لدى الحيوان كما هو لدى الإنسان.

و مع ذلك نقول عن الإنسان: إنه عاقل، بخلاف الحيوان فإنه ليس كذلك.

فلا ريب أن ثمة أمرا آخر غير مسألة النقل.

فالحواس بمجرد نقلها للواقع لا تشكّل عقلا، فهذا كله إحساس. و إحساس زائد إحساس زائد مليون إحساس يساوي إحساسا فقط. فمثلا لو رأى شخص شخصا لا يعرف عنه شيئا في مكان، ثم رآه بعد مدّة في مكان آخر، فهذا تماما كرؤية الحيوان لهذا الشخص، فهو تمييز غريزي، أو إحساس غريزيّ، و الذي حصل هو استرجاع لهذا الإحساس.

و جلاء المسألة أنك لو تأملت معرفة الطفل بأن النار تحرق لوجدت أنه مجرد تمييز غريزي، تماما كما أن الحيوان يعرف أن الشعير يؤكل من كثرة ترداد تقديمه له. و لو أننا أعطينا طفلا مجموعة من الصور و طلبنا إليه أن يستخرج منها صورة «فيل، قطار، ضبع ...» و هو لا يعرف شيئا عنها فلا شك أنه لن يستطيع استخراجها، و لو أننا أعطيناه معلومات عن هذه الصّور فالبديهي أنه سيستخرجها.

و هذا تماما كما لو أعطينا شيئا من معلومات لشخص عن حروف لغة لا يستطيع قراءتها، فإنه سيتعلم. و لكنّ المعلومات السابقة وحدها لا تشكّل عقلا. فلنرجع إلى مسألة الطّفل و الصّور. فالطفل لا نكتفي في الحقيقة بأن نعطيه معلومات هكذا دون تعيين، و إلا فلن يستطيع تعيين الصورة المطلوبة. فنحن قدّمنا له معلومات سابقة، غير أننا لو أشرنا إلى كل صورة على حدة و قلنا: (هذه صورة فيل، مثلا، و هذه صورة قطّ إلى آخره)، فالواضح أننا ربطنا المعلومات بالواقع و هذه هي خاصية الربط، أي: الخاصية التي تفسّر هذه المعلومات السابقة أو تربطها بالواقع.

و بهذا يكتمل البرهان على تعريفنا المقدم.

و بهذا يتضح، أيضا، أنّ زعم من جعل العقل دليلا من الأدلة الشرعية، مع تفسيره بأنه الاجتهاد، هو زعم باطل من‏

208

أساسه، فالاجتهاد شي‏ء و العقل شي‏ء آخر.

بل العقل هو القائم بالاجتهاد، و الاجتهاد ثمرة منه، فلكي يفهم الإنسان نصّا شرعيّا، و يستنبط المعاني الشرعية منه لا بد من عملية عقلية تحصر في النص، فتكون وظيفة العقل هنا فهم النص و استنباط الحكم الشرعي منه، بينما في العقيدة يكون العقل دليلا. فمثلا البرهان على وجود إله واحدة دليله من العقل مباشرة، أي: أن العقل يأتي بدليل من عنده.

و أيضا، يسقط قول من زعم أن الحسن ما حسّنه العقل.

العقل العمليّ‏

و يقابله «العقل النظريّ» من أوصاف العقل في أصول الإمامية. و هذا التقسيم كما يصرّحون هو تقسيم بحسب مدارك العقل. و يعنون ب «العقل العملي» إدراك ما ينبغي أن يعمل، أي: حكمه بأن هذا الفعل ينبغي فعله أو لا ينبغي فعله.

العقل النظريّ‏

و هو من أوصاف العقل في مباحث أصول الإمامية. و المراد منه إدراك ما ينبغي أن يعلم، أي: إدراك الأمور التي لها واقع. و هو يقابل «العقل العمليّ».

العقوبة

را: الحرام.

العكس المستوي‏

و هو عبارة عن جعل الجزء الأول من القضية ثانيا، و الجزء الثاني أولا، مع بقاء الصدق و الكيف بحالهما كما إذا أردنا عكس قولنا: «كلّ إنسان حيوان» بدّلنا جزءيه و قلنا: «بعض الحيوان إنسان» أو عكس قولنا: «لا شي‏ء من الإنسان بحجر» قلنا: «لا شي‏ء من الحجر بإنسان».

عكس النّقيض‏

و هو جعل نقيض الجزء الثاني جزءا أوّلا، و نقيض الأول ثانيا مع بقاء الكيف و الصدق بحالهما. فإذا قلنا: «كل إنسان حيوان» كان عكسه «كل ما ليس بحيوان ليس بإنسان».

العلاقة

و هي بفتح العين تكون في الخصومة و الحبّ. و تعني تعلّق الخصم بخصمه و المحب بمحبوبه. و بكسر العين هي ما تعلّق الشي‏ء بغيره، نحو علاقة السوط و القوس و غيرهما. و علاقة المجاز هي تعلقه، كذلك، بمحل الحقيقة، و تعليقها به هو ما يكون من انتقال الذهن، بواسطتها، عن محل المجاز إلى الحقيقة.

و اصطلاحا تعرف بأنها الصفة الظاهرة المشتركة بين محلّ المجاز و ما تجوّز به عنه، لتكون رابطة بينهما، مصحّحة للتجوز.

209

علاقة الاستعداد

و هي إحدى علاقات المجاز.

و يقصد منها أن يسمّى الشي‏ء المستعدّ لأمر باسم ذلك الأمر، كتسمية الخمر و هي في الدّنّ ب «المسكر»، فإن الخمر في تلك الحالة ليست بمسكر بل مستعد له. و يعبرون عن هذه العلاقة بتسمية إمكان الشي‏ء باسم وجوده أو بعبارة:

«تسمية الشي‏ء باسم ما يؤول إليه».

علاقة الأول‏

و «الأول» على وزن «القول». و هي تعرّف بأنها ما إذا كانت المناسبة بين ذاتين، فتسمّى الذات في الحالة الأولى باسمها في الحالة الثانية. و ذلك كأن نسمي «الإنسان» «ترابا» باعتبار أوله إليه.

علاقة الجزئية

و هي إحدى علاقات المجاز. و يعنى بها إطلاق اسم الجزء على الكل، كقوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ* [النّساء:

الآية 92] أي: عتق عبد. فأطلق الرقبة، و هي جزء من العبد، و أراد الإنسان الرقيق.

علاقة الزّيادة

من علاقات المجاز. و القصد منها أن ينتظم الكلام بإسقاط كلمة فيحكم بزيادتها، كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ [الشّورى: الآية 11] فإنّ الكاف زائدة، و يسمّى مجازا بالزيادة، أي: ليس مثله شي‏ء، إذ لو كانت الكاف أصلية لكان تقدير الكلام: ليس مثل مثله شي‏ء، لأن الكاف بمعنى «مثل»، و حينئذ، فيلزم إثبات مثل للّه تعالى. و هو محال.

فالمراد نفي المثل لا نفي مثل المثل.

علاقة السببية

و هي إطلاق اسم السبب على المسبّب، و هي من علاقات المجاز.

و يقال فيها أيضا: إطلاق العلة على المعلول. و هي أربعة أقسام: السببية القابلية، و الصّورية، و الفاعلية، و الغائية.

فكل موجود لا بد له من هذه الأربعة فالسرير مثلا: مادته الخشب و هي القابل، و فاعله النجار، و صورته الانسطاح، و غايته الاضطجاع عليه. و سمّيت الثلاثة الأولى أسبابا لتأثيرها في الاضطجاع، و سمّي الرابع- و هو الغائيّ- سببا، لأنه الباعث على ذلك، فإنه إذا استحضر في ذهنه الاضطجاع حمله ذلك على العمل.

علاقة الكلّية

و هي إحدى علاقات المجاز. و يراد منها أن يطلق الكلّ و يراد البعض، كالقرآن إطلاقا على بعض القرآن، و كقوله تعالى:

يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ‏ [البقرة: الآية 19]، أي: أناملهم، فأطلق الإصبع على «الأنملة».

علاقة المجاورة

و هي من علاقات المجاز. و تعني تسمية الشي‏ء باسم ما يجاوره، كإطلاق‏

210

اسم «الراوية» على ظرف الماء، و هو القربة. فإن «الراوية» لغة، اسم للجمل أو البغل أو الحمار الذي يستقى عليه. و أطلق على «القربة» لمجاورتها له. و هذه العلاقة قد تكون على درجات.

علاقة المحلّيّة

و هي من علاقات المجاز. و لها وجهان: الأول: هو التجوّز بلفظ المحلّ عن الحالّ فيه، كتسمية المال كيسا في قولهم: «هات الكيس» و المراد به: المال الذي فيه، لأنه حالّ في الكيس، و كذلك تسمية الخمر كأسا أو زجاجة و الطعام، مائدة أو خوانا، و الميت جنازة، و المكتوب ورقة و كتابا و بطاقة، لأن هذه الأشياء حالّة في المحالّ المذكورة؛ و الثاني: التجوز بلفظ الحال عن المحل، كتسمية الكيس مالا، و الكأس خمرا، و المائدة طعاما، و الجنازة ميّتا، و الورقة مكتوبا، عكس الأول.

علاقة المسبّبية

و هي من علاقات المجاز. و يراد بها إطلاق اسم المسبّب على السبب، كتسمية المرض المهلك بالموت. فأطلق الموت على المرض المهلك من باب إطلاق اسم المسبّب على سببه.

علاقة المشابهة

و هي إحدى علاقات المجاز.

و المشابهة هي الاشتراك في صفة، يجب أن تكون ظاهرة ينتقل الذهن إليها، فيفهم القصد عند القرينة باعتبار ثبوتها له. و هي إما معقولة كالأسد للشجاع، و إما محسوسة كالأسد على الصورة المنقوشة على الحائط، أي: على رسم الأسد و صورته.

و يسمى هذا النوع «المستعار» و بعضهم يطلقه على المجاز ككل.

علاقة المشارفة

و هي ما إذا كانت المناسبة بين الزمانين بأن يسمّى الشي‏ء، مثلا، في هذا الحال باسمه في الحال الثاني، لتقارب الزمانين.

علاقة المضادّة

و هي إحدى علاقات المجاز. و تعني تسمية الشي‏ء باسم ضده. نحو قوله تعالى:

وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشّورى: الآية 40] فأطلق على الجزاء سيئة مع أن الجزاء حسنة، أو المضادة المنزّلة منزلة التناسب و التشابه بواسطة تمليح أو تهكم كما في قولنا للبخيل: «هو حاتم» و للجبان: «هو أسد».

علاقة النّقصان‏

أدخله بعضهم في المجاز. و يعني أن ينتظم الكلام بزيادة كلمة فيعلم نقصانها كقوله تعالى: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف:

الآية 82] أي: أهل القرية، فإن القرية هي الأبنية المجتمعة، و هي لا تسال. و قد جعل هذا القسم من المجاز في التركيب.

و لا يثبت هذا النوع بل هو إضمار، و هو

211

من باب الحذف في اللغة العربية. و الأصل أن التقدير للكلمة المحذوفة يلجأ إليه مراعاة للحقيقة، و هو من دلالة المفهوم.

العلامة

هي كلّ ما كان رمزا لشي‏ء، أو شرطا شرعيّا، أو علة ذاتية معتبرة بذاتها، أو علة شرعية موجبة بالشرع، أو سببا، أو خاصية.

فأما الأول فكمثل علم الثوب، أو العسكر، فهذا مما يطلق عليه لفظة «علامة» و المراد دلالة الوجود فيما كان موجودا قبله. و تدعى «علامة محضة».

و أما الشرط فكقولهم: «الإحصان علامة على رجم الزاني» و الإحصان شرط شرعي من شروط السبب.

و أما العلة الذاتية فهي علة الحقائق المعتبرة بذاتها، و هي من باب المجاز في الإطلاق، و هي في العلل العقلية و المنطقية نحو: الكسر، علامة على الانكسار و هو نتيجة له هنا بمعنى أنه أثر.

و أما العلّة الشرعية فيقال عنها: «إنها علامة على الحكم»، و يقال في السبب الشرعي، كذلك، كدلوك الشمس علامة على دخول وقت الصلاة و إيجابها، بمعنى أنه أمارة. و الخاصيّة كذلك يطلق عليها «علامة» كالإحراق علامة على النار و هو ما تعطيه النار و ينتج عن النار، و هذا إطلاق مجازيّ.

العلّة

العلة في اللغة هي المرض، من الفعل «علّ يعلّ» و يقال: «اعتلّ» و تطلق على كل ما يحدث تغيّرا في المحل كالمرض و نحوه. و هي في اصطلاح المحدثين: «سبب غامض يقدح في الحديث مع ظهور السلامة منه». و أما الأصوليون فيطلقونها و يريدون بها:

«الباعث على تشريع الحكم» و هي تدور مع المعلول وجودا و عدما. و قد يتجاوزون فيطلقونها و يريدون بها «السبب» فيستخدمون عبارة السبب. و هو خلط في الاصطلاح. فثمة فرق بين العلة و السبب شاسع، إذ السبب أمارة على الحكم يلزم من وجودها وجود و من عدمها عدم بخلاف العلة فهي الباعث على تشريع الحكم. و تؤخذ صراحة أو دلالة أو استنباطا. و كلها بدلالة النص من حيث اللغة، بحسب ما جاء عن أهلها، و بعاضد شرعيّ بحسب معاني النصوص.

و الأصوليون يطلقون على العلة أسماء مختلفة فيسمونها «السبب، و الأمارة، و الداعي، و المستدعي، و الباعث، و الحامل، و المناط، و الدليل، و المقتضي، و الموجب، و المؤثر». فأما تسميتها سببا، فلأنها طريق إلى معرفة الحكم، و هو يثبت عند وجودها، لأنها إنما المثبت لها الشارع، و أما تسميتها أمارة فظاهر في أن الأمارة هي العلامة، و العلة الشرعية علامة على ثبوت الحكم.

212

و أما تسميتها داعيا و مستدعيا فلأنها تدعو الشارع إلى وضع الحكم عند وجودها، و تستدعي ذلك لمصلحة المكلف في معاشه و معاده، و كذلك هي الباعث له و الحامل على ذلك.

و أما تسميتها مناطا فذلك لأن الحكم يناط بها، أي: يعلّق. و معنى كونها دليلا ظاهر، و هو أنها إذا وجدت في محلّ دلت على ثبوت الحكم المعلّق عليها فيه، كالإسكار في النبيذ، و الكيل في الأرز.

و معنى كونها موجبا و مؤثرا هو أنها توجب معرفة ثبوت الحكم، و تؤثر في معرفته للقطع بأن الموجب له، و المؤثر إنما هو الشارع.

و لنا أن نقول: إن العلة المعتبرة في التعليل هي علة الصراحة، أو الدلالة، أو الاستنباط، أو القياس. و هي العلة الصريحة، أو الدلالية، أو المستنبطة، أو القياسية.

العلّة البسيطة

و هي كلّ علة تتركب من وصف مناسب منفرد غير مركّب مع غيره. و ذلك كعلة الطواف في طهارة سؤر الحيوانات، و علة الطواف في العبد في رؤية المرأة في ثياب البذلة و الامتهان في بيتها، و علة التشويش في النهي عن القضاء. و هي المقصودة بقولهم: «التعليل بالوصف البسيط».

علة الدلالة

را: العلة الدلالية.

العلّة الدّلالية

و هي العلة الدال عليها الدليل دلالة، و هو ما يسمى ب «التنبيه و الإيماء» و الذي نرتضيه و نرجحه من الأقوال في هذا الصدد أنه قسمان:

الأول: أن يكون الحكم مسلّطا على وصف مفهم بحيث يكون له مفهوم موافقة أو مفهوم مخالفة. ففي هذه الحال يعدّ الوصف علة و يعلل به الحكم، و ذلك كقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ‏ [التّوبة: الآية 60] فإن «المؤلّفة قلوبهم» أشخاص مسلمون تتألف قلوبهم بإعطاء الزكاة، فهو ليس اسما، و إنما هو وصف مناسب لحكم إعطاء الزكاة. فعلة إعطائهم تأليف قلوبهم، و مثل ذلك «الفقراء» لكونهم فقراء، و علة كونهم مساكين في «المساكين» و كذلك «العاملين عليها» لكونهم عاملين عليها، أي: اتصافهم بهذه الأوصاف. و كذلك قوله (عليه السلام):

«القاتل لا يرث» فكلمة «القاتل» وصف مفهم، دل على أنه علة لعدم الإرث، أي: علة عدم توريثه كونه قاتلا.

القسم الثاني: أن يكون التعليل لازما من مدلول اللفظ وضعا لا أن يكون اللفظ دالّا بوضعه على التعليل. و هو خمسة أنواع:

أحدها: ترتيب الحكم على الوصف بفاء التعقيب و التسبيب. و ذلك كقوله‏

213

تعالى: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: الآية 38] فإذا دخلت الفاء في أيّ جملة يترتب فيها الحكم على الوصف فإنه يفيد التعليل، سواء دخلت على الحكم أو دخلت على الوصف.

و ذلك لأن الفاء وضعت في مثل هذه الصور للتسبيب فتفيد العلية. أما ورودها في اللغة بمعنى الجمع المطلق، و ورودها بمعنى «ثم» في إرادة التأخير و المهلة، فإن هذا غير ظاهر فيها، علاوة على كونه يكون في حال وجود قرينة تمنع التعقيب و التسبيب. و لهذا فالأصل فيها إفادة التعليل. و الجمع و التأخير خلاف الأصل.

و ذلك أن الفاء موضوعة في اللغة للترتيب و التعقيب. ففي قوله (عليه السلام): «من أحاط حائطا على أرض فهي له» يدل الترتيب على العلية، لأن الفاء هنا للتعقيب، و حينئذ يلزم أن يثبت الحكم عقيب ما رتب عليه، فيلزم سببيته للحكم.

ثانيها: ما لو حدثت واقعة فرفعت إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فحكم عقيبها بحكم، فإنه يدل على كون ما حدث علة لذلك الحكم. و ذلك كما روي أن أعرابيّا جاء إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: «هلكت و أهلكت» فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «ما ذا صنعت؟» فقال:

«واقعت أهلي في نهار رمضان عامدا» فقال (عليه السلام): «أعتق رقبة» فإنه يدل على كون الوقاع علة للعتق. و ذلك لأنا نعلم أنّ الأعرابيّ إنما سأل النبي (عليه السلام) عن واقعة لبيان حكمها شرعا، و أن النبي (عليه السلام) إنما ذكر ذلك الحكم في معرض الجواب له، لا أنه ذكره ابتداء منه، لما فيه من إخلاء السؤال عن الجواب، و تأخير البيان عن وقت الحاجة، و كل ذلك و إن كان ممكنا إلا أنه خلاف الظاهر. فإذا كان ذلك جوابا عن سؤاله، فالسؤال الذي عنه الجواب يكون ذكره مقدّرا في الجواب في كلام المجيب، فيصير كأنه قال: «واقعت فكفّر».

ثالثها: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا لو لم يقدّر التعليل به ما كان لذكره فائدة. و منصب الشارع مما يتنزه عنه.

و النصوص التشريعية، عادة، يكون لكل ما يذكر فيها اعتبار تشريعي، و لذلك يعدّ هذا النص معلّلا، و يكون الوصف علة، مثل ما إذا كان الكلام جوابا على سؤال، سواء أ كان الوصف في محل السؤال، أو عدل عن محل السؤال في بيان الحكم إلى نظير لمحل السؤال. و ذلك كما روي عنه (عليه السلام): أنه سئل عن جواز بيع الرّطب بالتمر، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «أ ينقص الرطب إذا يبس؟» فقالوا: «نعم» فقال: «فلا، إذا» فاقتران الحكم بوصف النقصان في جوابهم أن الرطب ينقص إذا يبس لا يمكن أن يكون عبثا، و لا بد من فائدة، و اقتران جواب النبي عن بيع الرطب بالفاء في قوله: «فلا، إذا» و هي من صيغ التعليل دلالة على أن النقصان علة امتناع بيع الرطب بالتمر، من ترتيبه الحكم على‏

214

الوصف بالفاء، و اقترانه بحرف «إذا». و في هذا المثال كان الوصف الذي ذكر واقعا في محل السؤال. و مثال ما إذا كان الوصف في غير محلّ السؤال، و هو أن يعدل في بيان الحكم إلى ذكر نظير لمحل السؤال.

و ذلك كما روي عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه لما سألته الجارية الخثعمية و قالت: «يا رسول اللّه، إن أبي أدركته الوفاة و عليه فريضة الحج، فإن حججت عنه أ ينفعه ذلك؟» فقال (صلى اللّه عليه و سلم):

«أ رأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أ كان ينفعه ذلك؟» فقالت: «نعم» قال: «فدين اللّه أحقّ بالقضاء». فالخثعمية إنما سألت عن الحج، و النبي (عليه السلام) ذكر دين الآدمي، فذكر لها نظيرا للمسئول عنه، و ليس جواب المسئول عنه نفسه، و لكنه ذكره مرتّبا الحكم الذي سألت عنه عليه.

فاقتران الحكم بوصف، و هو الدين، لا يمكن أن يكون عبثا، بل لا بد أن يكون لفائدة. و ذكر الرسول عليه الصلاة و السلام لهذا الوصف مع تريب الحكم عليه يدل على التعليل به، و إلا كان ذكره عبثا.

رابعها: أن يذكر في النص حكم أمر من الأمور، ثم يعقب على ذكره بذكر الفرقة بينه و بين أمر آخر يشمله الحكم، لو لم تذكر هذه التفرقة بينهما، كقوله (عليه السلام): «لا تبيعوا البر بالبرّ» إلى قوله: «فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد» فقد ذكر حكم بيع البر بالبر بالنهي عنه، ثم عقّب على ذلك بأنه إذا اختلف الجنسان من الحبوب كالبر و الشعير فإنه يجوز. فهذه التفرقة بين الحكمين تدل على أن اتحاد الجنسين هو علة النهي عن البيع بدليل إباحته للبيع في حالة اختلافهما. و هذه التفرقة تكون في هذا النوع بألفاظ متعددة تفهم معنى التفرقة بين الأشياء. فمنها ما تكون التفرقة بلفظ الشرط و الجزاء كالحديث المذكور قبلا، و منها ما تكون فيه بالغاية، كقوله تعالى: وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ‏ [البقرة: الآية 222] و منها ما تكون بالاستثناء، كقوله تعالى: فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ‏ [البقرة: الآية 237] و منها ما تكون بلفظ الاستدراك، كقوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ‏ [المائدة: الآية 89] و منها أن يستأنف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الآخر، كقوله (عليه السلام): «للراجل سهم و للفارس ثلاثة أسهم».

خامسها: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مفهما أنه للتعليل و مفهما وجه العلية فيه. و ذلك كقوله (عليه السلام): «لا يقضي القاضي و هو غضبان» فقد ذكر الشارع مع النهي عن القضاء حالة الغضب. و الغضب وصف مفهم أنه للتعليل، و مفهم أنه كان علة للنهي عن القضاء لما فيه من تشويش الفكر و اضطراب الحال، فدل ذلك على أن الغضب علة. و كذلك إذا قال أحد الناس:

«أكرم العالم و أهن الجاهل» فإنه ذكر مع الإكرام و هو الحكم وصف مفهم أنه‏

215

للتعليل، و مفهم أنه كان علة للإكرام لما هو عليه من العلم، و كذلك الإهانة ذكر معها وصف مفهم أنه للتعليل، و أنه كان علة للإهانة لما هو عليه من الجهل. و هكذا كل وصف مفهم إذا أتى في النص على هذا النحو كان علة للحكم دائرة مع المعلول.

علة السّند

و هو في اصطلاح أهل الحديث من مواطن العلة. و هي العلة التي تتعلق بالسند من إعلاله بالوقف، أو الإرسال، أو الانقطاع. و يتجاوز أثرها إلى المتن أحيانا. فمثلا حديث يعلى ابن عبيد الطنافسيّ عن سفيان الثوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن الرسول (صلى اللّه عليه و سلم):

«البيّعان بالخيار» فقد غلط يعلى على سفيان في قوله: «عن عبد اللّه بن دينار» لا عن «عمرو بن دينار». و مما يتعدى تأثير القدح إلى المتن من العلل مثل ما روى موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: (من جلس مجلسا كثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم: «سبحانك اللهم و بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك و أتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه») فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع عن سهيل بل هو مما حدّث به سهيل عن عون بن عبد اللّه من قوله لا من قول الرسول (عليه السلام). فهذه العلة قدحت في السند و المتن.

علة الصّراحة

را: العلة الصريحة.

العلة الصّريحة

و هي التي يدل عليها النصّ صراحة، و تفهم من منطوق النص أو من مفهومه.

و ذلك أن يذكر دليل من الكتاب أو السنة على التعليل بالوصف بلفظ موضوع له في اللغة من غير احتياج فيه إلى نظر و استدلال. و هو قسمان:

الأول: ما صرّح فيه بكون الوصف علة الحكم. مثال ذلك قوله عليه الصلاة و السلام: «إنما جعل الاستئذان لأجل البصر» أي: إنما شرع عند الدخول في دار الغير، لئلا يقع النظر على ما حرّم النظر إليه، و قوله عليه الصلاة و السلام:

«إنما نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحي لأجل الدافّة، ألا فادّخروها» و الدافّة:

جماعة يذهبون مهلا لطلب الكلأ في سنة القحط، مأخوذ من «الدفيف» و هو «الدبيب» و المراد في الحديث: القافلة السيّارة، أو الدافة: الجيش يدفون نحو العدد، أي: يدبّون نحوه. و كذلك قوله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ‏ [المائدة: الآية 32].

القسم الثاني: ما ورد فيه حرف من حروف التعليل، و هي ألفاظ التعليل الصريحة- (را: ألفاظ التعليل الصريحة)- و نشير هنا إلى أنّ إفادة الصيغة للتعليل إنما تكون إذا تحققت فيها ثلاثة أمور:

216

أحدها: أن يكون الحرف نفسه قد وضع في اللغة للتعليل، و الثاني: أن يكون ما دخلت عليه وصفا، و الثالث: أن يكون هذا الوصف مناسبا للحكم، و الحكم ثابت على وفقه، (را: المناسب). فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة أفادت الصيغة التعليل، و وجب أن يعلّل الحكم الوارد فيه النص. و إذا لم تجتمع هذه الأمور فإنه لا تكون الصيغة للتعليل. فاللام في قوله تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ‏ [الحجّ:

الآية 28] و في قوله: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا [القصص: الآية 8] ليست للتعليل بل للعاقبة، لأن الحرف و إن كان قد وضع للتعليل في اللغة، و لكنه لا يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا من شرع الحكم. فالحج لم يشرع لشهود منافع. و فرعون و امرأته لم يأخذا موسى لأجل أن يكون لهما عدوا. و «أنّ» في قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ [الأنفال: الآية 13] ليست للتعليل، و ذلك لأن الحرف و إن كان قد وضع للتعليل في اللغة، و لكنه لم يدخل على وصف مناسب، فانتقى منه كونه للتعليل.

العلة الصّورية

أو «الصورة» و قد يعبر عنها بقولهم:

«ما به الوجود» أي: الذي يحصل به الشي‏ء بالفعل. فإنه ما لم تقترن الصورة بالمادة لم يتكون الشي‏ء، و لم يتحقق، كهيئة السرير و الدار و صورة الجنين التي بها يكون إنسانا.

و مثال أخذ الصورة في البرهان قولهم: «لم كانت هذه الزاوية قائمة»؟ فيجاب: «لأن ضلعيها متعامدان».

العلة الغائية

أو «الغاية». و قد يعبّر عنها بقولهم:

«ما له الوجود» أي: التي لأجلها وجد الشي‏ء و تكوّن، كالجلوس للكرسي و السّكنى للبيت. و مثال أخذ الغاية في البرهان قولهم: «لم أنشأت البيت؟» فيجاب: «لكي أسكنه» و كذلك قولهم:

«لم يرتاض فلان؟» فيجاب: «لكي يصحّ».

العلة الفاعلية

أو «الفاعل» أو «السبب» أو «مبدأ الحركة». و قد يعبّر عنها بقولهم: «ما منه الوجود» و يقصدون المفيض و المفيد للوجود، أو المسبب للوجود، كالباني للدار، و النجّار للسرير، و الأب للولد و نحو ذلك.

و قد يقصد بعضهم من تعبير «ما منه الوجود» خصوص المفيض للوجود، أي:

الخالق المصوّر. و الفاعل بهذا المعنى هو خصوص الباري تعالى. و أما الفاعل المسبّب للوجود الذي ليس منه فيض الوجود و خلقه، و هو ما عدا اللّه تعالى من الأسباب، فيعبّر عنه «ما به الوجود».

و مثال أخذ الفاعل في البرهان: «لم صار الخشب يطفو على الماء؟» فيقال:

«لأن الخشب ثقله النوعيّ أخف من ثقل الماء النوعي».

217

العلة القاصرة

و هي من موانع العلة و التعليل.

و تعني ما لا توجد في غير محلّ النص، كالثّمنية في النقدين، أي: كونهما أثمان الأشياء في الأصل، فإن هذا مختص بهما قاصر عليهما. و قد اعتدّ بعضهم بالعلة القاصرة، و لا يصح.

العلة القياسية

و هي العلة التي لم يرد بها دليل شرعي، و لكن ورد النص الشرعي بمثلها عينا و جنسا. و هي العلة التي تؤخذ بالقياس، إذ تقاس العلة التي لم يرد بها دليل شرعي على العلة التي ورد بها النص الشرعي، لأنّ وجه التعليل فيها قد ورد به النصّ الشرعي، إلا أنه يشترط في العلة التي يقاس عليها أن تكون مأخوذة من نص مفهم أنه للتعليل، و مفهم وجه العلية فيه، حتى يكون وجه العلية قد ورد فيه النص، و ذلك حتى تعتبر أنها مما جاء به الوحي. فتكون قد ورد الوحي بوجه العلية، و هو الذي جعلها تقاس على العلة التي جاء بها الوحي، و جاء بوجه العلية فيها. و هذه هي الحالة الوحيدة التي يجوز فيها قياس علة على علة، و ما عداها فلا يصح إطلاقا، إذ إن قياس علة على علة هو كقياس حكم لم يرد له دليل شرعي على حكم ورد له دليل شرعي، فكما أنه لا يجوز قياس حكم على حكم إلا إذا كان الحكم المقيس عليه معلّلا بعلة شرعية دل عليه الشرع، و لا يجوز قياس حكم على حكم لمجرد المشابهة بين الوظيفتين، فكذلك قياس علة على علة إلا إذا بيّن الشرع وجه العلية، أي: ورد الشرع بوجه العلية، فلا يجوز بناء المسألة في قياس العلة على مجرّد الشّبه بين علتين، و من ثم فلا يكون هذا القياس إلا في الوصف المفهم أنه للتعليل، و لوجه العلية فيه.

و قياس العلة لا بد من تبيان وجه التعليل في العلة إما من الشارع، و إما من مدلول اللغة؛ فإذا وجد في العلة بيان وجه العلية من قبل الشرع، بأن كان النص قد ورد فيه وجه العلية باعتباره دليلا على العلة فهذا يجوز فيه القياس. و بالاستقراء لا يوجد ذلك إلا في حالة واحدة، و هي ما ذكرناه من شرط التعليل فلا يرد القياس في العلة المستنبطة، و لا في العلة المأخوذة من وصف غير مفهم و لا في الاسم الجامد لأنه ليس بوصف و لا يتضمن معنى العلية.

و مثال الوصف الذي ذكره الشارع مع الحكم، و كان لفظه مفهما بحسب وضع اللغة، وجه العلية فيه قوله (عليه السلام):

«لا يقضي القاضي و هو غضبان» فالغضب علة النهي عن القضاء، فهو علة مانعة من القضاء. و لفظ «الغضب» يفهم منه أن كونه غضبا كان علة للنهي عن القضاء. و الذي جعله علة هو ما فيه من تشويش الفكر و اضطراب الحال، كالجوع، مثلا، فلا يقضي القاضي و هو جوعان. فالغضب هو العلة التي اتخذت أصلا للقياس عليها.

218

و بالتدقيق فيها يتبين أنها وصف مناسب يفهم السبب الذي جعله علة، أي: هي وصف مفهم أنه للتعليل و مفهم وجه العلية فيه، و لذلك صح القياس عليها.

و بهذا نخلص إلى أن شروط العلة التي اتّخذت أصلا للقياس هي ثلاثة:

الأول: أن تكون وصفا لا اسما جامدا، و الثاني: أن تكون وصفا مفهما، أي:

دالّا على معنى آخر غير دلالة اللفظ، أي: دالّا على أنه للتعليل؛ و الثالث: أن يكون الوصف دالّا على وجه العلية.

و لذلك لا يدخل التعليل الألفاظ الجامدة مطلقا. و عليه فإن قوله (عليه السلام):

«الذهب بالذهب مثلا بمثل، و الفضة بالفضة مثلا بمثل، و التمر بالتمر مثلا بمثل، و البرّ بالبر مثلا بمثل، و الملح بالملح مثلا بمثل، و الشعير بالشعير مثلا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى» هذا الحديث لا يعلّل ما جاء فيه مطلقا، لأن هذه الأشياء ألفاظ جامدة، و ليست وصفا، فلا تشعر بالعلية، و لا يفهم منها التعليل لا لغة و لا شرعا. فينحصر تحريم الربا بهذه الأشياء الستة، و تكون الأموال الرّبوية محصورة في هذه الستة فحسب.

فلا يقال: «حرّم الرّبا في الذهب، لأنه موزون، أو لأنه معدن نفيس» فتجعل علة تحريم الربا فيه كونه ذهبا أو فضة، و يجعل وجه العلية فيه كونه موزون جنس، أو كونه معدنا نفيسا. فكلمة «الذهب» و «الفضة» اسم جامد، و ليس وصفا، فلا يصح أن يكون علة مطلقا، فلا يقاس عليه. و هو، أيضا، لا يتضمن أي تعليل، و لا يدل على جهة العلية فيه، فلا يقاس على علته. فلا قياس حكم، لأنه ليس علة، و لا قياس علة، لأنه كذلك، و لأنه لا دلالة فيه على وجه العلية.

و كذلك لا يقال: «حرّم الرّبا في الحنطة و الشعير و التمر و الملح، لأنه مكيل» فتجعل علة التحريم فيه كونه حنطة أو شعيرا أو ملحا، و يجعل وجه العلية فيه كونه مكيل جنس، أو كونه طعاما. فكلمة «الحنطة، الشعير، التمر، الملح» أسماء جامدة و ليست أوصافا. فلا يصح أن تكون علة مطلقا، إذ لا يقاس عليها.

و هي، أيضا، لا تتضمن أيّ تعليل، و لا تدل على وجه العلية فيها، فلا يقاس عليها، فهي لا يقاس عليها قياس حكم لأنها ليست علة، و لا قياس علة لذلك و لأنها لا تدل على وجه العلية. و لا يقال: «إن العلة فيه هي الزيادة، و هي تتحقق في كل جنس من الأجناس، فيحرم تبادل جنس واحد مطلقا، أي:

مطلق جنس يحرم لوجود الزيادة» لا يقال هذا لأن قوله في الحديث: «مثلا بمثل» هو وصف و ليس علة للتحريم، و لا يمكن أن يفهم منه كونه علة لا لغة و لا شرعا، فلذلك يبقى الحكم مسلّطا على اللفظ الجامد. و لذا قال في نهاية الحديث:

«فمن زاد أو ازداد فقد أربى» أي: من زاد أو ازداد في هذه الأشياء المنصوص عنها.

219

فالزيادة محصورة في هذه الأشياء للنص عليها؛ و لأن قوله: «مثلا بمثل» و «فمن زاد أو ازداد فقد أربى» جاء وصفا لهذه الأشياء الستة، و لذلك كرّر هذا الوصف مع كل واحد منها حتى تتحقق فيه الوصفية، و أكد بقوله: «فمن زاد أو ازداد فقد أربى» و من هنا لا يعتبر تبادل الجواهر النفيسة كالماس و الجوهر و نحوه ربا و لو زاد أو ازداد لعدم النص عليه. و عليه فلا ربا في الزيتون و لا في البصل أو الليمون أو التفاح أو الحديد أو النحاس أو التراب أو الإسمنت أو غير ذلك لعدم النص عليه.

و هكذا كل وصف غير مفهم لا يتّخذ أصلا للقياس. و بناء على ذلك كله فقياس العلة محصور بالعلة التي تثبت بالوصف المفهم ليس غير.

العلة المادية

أو «المادة» التي يحتاج إليها الشي‏ء ليتكون و يتحقق بالفعل بسبب قبوله للصورة. و قد يعبّر عنها بقولهم: «ما فيه الوجود» كالخشب و المسمار للسرير، و الجصّ و الآجر و الخشب و نحوها للدار، و النطفة للمولود.

و مثال أخذ المادة في البرهان قولهم:

«لم يفسد الحيوان؟» فيقال: «لأنه مركب من الأضداد».

العلة المتعدّية

التعدي صفة للعلة و بالتالي شرط من شروطها، و معناه أن تكون متجاوزة لمحل النص إلى غيره، و ذلك كتجاوز العلة في قوله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ‏ [الجمعة: الآية 9] و هي ما يلهي عن الصلاة، فالعلة هي الإلهاء فتتجاوز إلى كل عقد كالإجارة، و كل تصرف من التصرفات الشرعية المطلوبة كالوصية و العمل. و هي عكس العلة القاصرة.

علّة المتن‏

و هي من مواطن العلة. و هي كل علّة خفيّة أو ظاهرة تقدح في متن الحديث المروي عن الرسول (عليه السلام). من ذلك ما رواه إبراهيم بن طهمان عن هشام بن حسان عن محمد ابن سيرين عن أبي هريرة، و سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل كفّيه ثلاث مرات قبل أن يجعلهما في الإناء، فإنه لا يدري أين باتت يده، ثم ليغترف بيمينه من إنائه، ثم ليصبّ على شماله فليغسل مقعدته». فإن قوله: «ثم ليغترف ..» إلى آخر الحديث هو من كلام ابن طهمان، فقد كان يصل كلامه بالحديث فلا يميزه المستمع.

العلة المركّبة

و هي كل علة مؤلفة من الصفة الحقيقية و الإضافية، كقولهم: «قتل صدر من الأب فلا يجب به القصاص» فالقتل حقيقي، و الأبوّة إضافية، أو تكون مؤلفة

220

من الصفة الحقيقية و السلبية، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد الذي ليس بحق. و يشار إلى هذه العلة بقولهم:

«التعليل بالوصف المركب».

العلة المستنبطة

و هي العلة التي تستنبط من النص الواحد، أو النصوص المتعددة المعينة استنباطا. و ذلك أن يكون الشارع قد أمر بشي‏ء أو نهى عن شي‏ء، في حالة إما مذكورة معه في النص، أو مفهومة فيه من قرائن واقعية تعيّن وجودها فعلا، ثم ينهى عن الذي أمر به، أو يأمر بما نهى عنه لزوال تلك الحالة، فيفهم، حينئذ، أن الحكم معلّل بتلك الحالة، أو بما تدل عليه. و ذلك كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ‏ [الجمعة:

الآية 9] فالآية سيقت لبيان أحكام صلاة الجمعة لا لبيان أحكام البيع. فالنهي عن البيع حصل في حالة النداء للجمعة، ثم جاء النص يقول: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ‏ [الجمعة: الآية 10] فأمر بالانتشار في الأرض و الابتغاء من فضل اللّه في حالة زوال تلك الحالة، و هو إذا قضيت صلاة الجمعة، أي: جاز البيع عند انتهاء صلاة الجمعة. فيستنبط من ذلك أن علة منع البيع حال أذان الجمعة هو الإلهاء عن الصلاة، و هو ما دلت عليه تلك الحالة؛ و كقوله (صلى اللّه عليه و سلم): «المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء و الكلإ و النّار» و ثبت عنه (عليه السلام) أنه سكت عن ملك الناس للآبار في أراضيهم، و لملكية الأفراد للماء في المدينة و الطائف، و لكنّ وجود الآبار التي سمح الرسول بملكيتها للأفراد كان لزراعة البساتين و غيرها. و لم تكن للجماعة فيها حاجة، فدل السماح بها في هذه الحال على أن الشركة في الماء، إنما تكون فيما للجماعة فيه حاجة، فيستنبط من هذا أن وجود الحاجة للجماعة في الماء هو علّة الشّراكة فيه، أي: كون الماء من مرافق الجماعة هو علة الشراكة فيه، أي: علة كونه من الملكية العامة. و بذلك لا تكون الشراكة في ثلاث بل لكلّ ما فيه حاجة للجماعة. و إذا خلت حاجة الجماعة من أيّ واحد من هذه الثلاث ذهبت الشراكة لذهاب العلة. و هكذا كلّ نص سيق الحكم فيه لحالة أو وصف ثم ورد نصّ آخر في الأمر بحكم يخالف ذلك الحكم، فإنه يستنبط من النصين أن تلك الحالة علّة أو تدلّ على علة الحكم. و من ذلك أن ينهى الشارع عن أمر نهيا عامّا، و يبيحه في حالة ما من حالتي ذلك الأمر، فيستنبط من إباحته في إحدى حالتيه مع وجود النهي العام أنّ علة النهي هي الحالة المقابلة للحالة التي أبيح فيها.

و نشير إلى أن العلة المستنبطة لا يجري فيها قياس العلة، إذ تظل في حدود النص الذي علّلت مضمونه. (را:

العلة القياسية).

221

العلة المعدّة

و هي العلة التي يتوقف وجود المعلول عليها من غير أن يجب وجودها مع وجوده، كالخطوات.

العلم‏

و يراد به في الإطلاق ثلاثة أمور:

الأمر الأول: و هو المطلق في مقابل «الظن» في القرآن الكريم، في مجال الاعتقاد، كما في قوله تعالى: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ‏ [النّساء: الآية 157].

و يعرّف بأنه صفة يحصل لنفس المتّصف بها التمييز بين حقائق المعاني الكلية حصولا لا يتطرق إليه احتمال نقيضه.

و هو المعنى الذي اصطلح عليه الأصوليون، و هو من باب الإطلاق الحقيقي.

و الأمر الثاني: و يراد به مجرد الإدراك سواء كان الإدراك جازما أو مع احتمال راجح، أو مرجوح، أو مساو. و هذا الإطلاق على سبيل المجاز. و قوله تعالى: ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ [يوسف: الآية 51] المراد منه نفي كل إدراك، فشمل الجازم و غيره.

و الأمر الثالث: و يراد به التصديق قطعيّا أو ظنيّا، و إطلاقه على الأوّل حقيقة، و على الثاني مجاز. فقوله تعالى:

فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ‏ [الممتحنة: الآية 10] هو من باب التصديق الظني. و أخيرا ربما يطلق على «المعرفة».

العلم الاتّفاقيّ‏

و هو الذي يصير علما لا بوضع واضع، بل بكثرة الاستعمال مع الإضافة أو اللازم لشي‏ء بعينه في الخارج أو في الذهن، و لم تتناوله السببية.

العلم الإجماليّ‏

و هو في الاصطلاح لدى أهل الميزان عبارة عن الارتكاز الذي إذا توجّه الذهن إليه حصّله بالفكر من بين المعاني المركوزة.

العلم الاكتسابيّ‏

هو الذي يحصّل بمباشرة الأسباب.

العلم الإلهيّ‏

و هو علم باحث عن أحوال الموجودات التي لا تفتقر في وجودها إلى المادة.

العلم الانطباعي‏

و هو «العلم الحصولي». و يراد به حصول العلم بالشي‏ء بعد حصول صورته في الذهن. و يقابله «العلم الحضوري».

العلم الانفعالي‏

و هو ما أخذ من الغير.

علم الحديث‏

و يراد به العلم الذي يهتم بنقل ما أضيف إلى الرسول (عليه السلام) قولا أو

222

فعلا أو تقريرا، نقلا دقيقا محرّرا، أو يهتم بمعرفة القواعد المعرّفة بحال الراوي و المروي.

و هو قسمان: علم الرواية، و علم الدراية. (را: علم الرواية).

العلم الحصولي‏

را: العلم الانطباعي.

العلم الحضوري‏

و هو حصول العلم بالشي‏ء دون حصول صورته في الذهن، نحو علم زيد لنفسه. و هو إطلاق لكلمة «العلم» متجاوز فيه.

علم الخلاف‏

و يقال له، أيضا: «علم الخلافيات».

و هو علم يقتدر به على حفظ الأحكام الفرعية المختلف فيها بين الأئمة أو هدمها بتقرير الحجج الشرعية و قوادح الأدلة.

علم الخلافيات‏

را: علم الخلاف.

علم الدّراية

و هو علم الحديث دراية. و يعرّف بأنه العلم الذي يتعلق بمعرفة القواعد المعرّفة بحال الراوي و المرويّ.

و موضوعه هو السند و المتن. فالسند من جهة أحوال أفراده، و اتصاله أو انقطاعه، و علوّه أو نزوله و غيره. و المتن من جهة صحته أو ضعفه و ما يلحق بهما.

و المقصود بحال الراوي هو من حيث القبول أو الرد، أي: معرفة حاله جرحا أو تعديلا، و تحملا و أداء، و كل ما يتعلّق بنقله. و أما حال المروي فيراد بها كلّ ما له علاقة باتصال الأسانيد أو انقطاعها، و معرفة علل الأحاديث و غير ذلك من حيث القبول أو الردّ. و يسمّى هذا القسم «علوم الحديث» أو «مصطلح الحديث» أو «أصول الحديث».

علم الرواية

و هو علم من علوم الحديث الذي يهتم بنقل ما أضيف إلى الرسول من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية نقلا دقيقا محرّرا. فموضوعه نقل السّنّة و حفظها و ضبطها ضبطا تامّا متحرّزا فيه عن الخطأ.

العلم الضروريّ‏

و هو ما يعلم من غير نظر، كتصورنا لمعنى «النار» و أنها حارة.

العلم الطبيعيّ‏

و هو العلم الباحث عن الجسم الطبيعي من جهة ما يصح عليه من الحركة و السكون.

علم علل الحديث‏

و هو العلم الذي يبحث عن الأسباب الخفية الغامضة من جهة قدحهما في الحديث، كوصل منقطع، و رفع موقوف، و إدخال حديث في حديث، أو إلزاق سند بمتن و غير ذلك.

223

العلم الفعليّ‏

و هو ما لا يؤخذ من الغير.

العلم القديم‏

و هو العلم القائم بذاته تعالى، و لا يشبّه بالعلوم المحدثة للعباد. و يقابله «العلم المحدث».

العلم القصدي‏

و هو ما وضع لشي‏ء، أي: هو بوضع الواضع.

علم الكلام‏

و يعرّف بأنه علم باحث عن الأعراض الذاتية للموجود من حيث هو على قاعدة الإسلام، أو هو العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسبة عن الأدلة. فالبحث فيه عن ذات اللّه سبحانه، و صفاته، و أحوال الممكنات من المبدأ و المعاد على قانون الإسلام. فهو بحث في الاعتقادات أو فيما طلب الإيمان به. و يقال لخائض هذا العلم: «متكلّم».

و يبدو أن ظهوره كان في العهد الأموي، إذ ترجمت بعض كتب اليونان من «المنطق»، إلا أن انتشاره بسرعة و على نحو متعمّق فيه كان في عصر الخليفة العباسي «المأمون» الذي حمل الناس على عقيدة «الاعتزال» التي سبّبت حرجا في المجتمع آنذاك. و قد كانت أفكار المعتزلة أشهر هذه الأفكار الكلامية، مما أحدث ضجة لدى الناس، فانبرى العلماء للرد عليها. و قد كانت هناك فرق كثيرة منهم بالإضافة إلى فرق أخرى غيرهم، كالمرجئة و الجبرية.

و كان لدخول «المنطق اليوناني» أثر طاغ على بعض الناس، إذ هو يبعث على النشوة بالأفكار الجديدة التي لا عهد للمسلمين بها، بأسلوب جديد متميّز.

و قد ثبت الأثر المدمّر لهذه الأفكار فأفتى جلّة العلماء بتحريم العمل و الأخذ بهذا العلم، إذ إن أصحابه قد تركوا كتاب اللّه و سنّة رسوله.

و المدقّق في مناهج هؤلاء المتكلّمين يرى الأخطاء القاتلة المهلكة في التفكير.

فقد أرادوا تعريف العقل فعرّفوه بخيالات و أوهام فلم يعرفوا ما وظيفة هذا العقل و ما دوره، فنجم كمّ هائل من الأفكار الباطلة التي تدل على مبلغ تردّي فكر صاحبها و جهله. و من القضايا الجوهرية مسألة الأسلوب المنطقي الذي يتركب من قضايا. كل قضية منها تترابط مع الأخرى، و هذا الترابط هو الذي يحدّد صدق القضية أو كذبها. فلو أخذنا فكرة خلق القرآن الاعتزالية على النحو الذي طرحوه نقول:

«القرآن كلام، و كل كلام مترتّب في الحدوث متعاقب في الوجود فهو مخلوق، فالقرآن مخلوق» فيرد أيضا:

«القرآن كلام اللّه، و كلامه صفته فهو منه، فالقرآن قديم» و مع أن هذا الرد ينقض ما يقولون غير أنه باطل. فما هو الذي يحدّد الصواب من الخطأ؟ هم يؤولون بذلك إلى‏

224

الترابط بين القضايا حقيقة. فهو المقياس في النهاية. فالمنطق من الأساليب العقلية و لا يصح أن يكون طريقة للتفكير، إذ هو عرضة للخطإ. و أما حدود العقل فليس له حدود عندهم، إذ طرحت مسألة صفات اللّه و وصلوا إلى نفيها حقيقة إذ اللّه عندهم عالم بلا علم، سميع بلا سمع و هلم جرّا، مع انجرافهم في التأويل الباطل. فأما الصفات فحقيقة الصفات المادية أنها لا يقع عليها الحس فلا يمكن أن يتصوّر سواد أو بياض غير قارّين في جسم أو مادة، فإن الحسّ واقع على الشي‏ء الأبيض أو الأسود، أي: على أثر الصفة. فلا يتأتّى التفكير في الصفات أصلا. و صفات اللّه من ذاته، و هي تابعة للموصوف ذاته، فلا يمكن الإحساس بذاته فكيف بصفاته؟ هذا لو فهموا وظيفة العقل، غير أنهم جاءوا بالمعقولات و جعلوها في قضايا فانتهوا إلى معقولات في النتائج، و طرحوا المحسوسات و أفضوا إلى محسوسات فلم يميزوا بين ما يطرح و ما لا يطرح.

و أما التأويل فقد نشأ عند المتكلمين حين أثاروا المسائل في العقل و انتهوا إلى نتائج بالعقل، فلما قابلوها بالنص وجدوا النصّ يتعارض مع بعض ما وصلوا إليه بالعقل، فلووا النص ليصير متماشيا مع نتائجهم فمن هنا جاء التأويل. هذا قليل من كثير أردنا لفت النظر من خلاله إلى كارثة علم الكلام.

و أخيرا فثمة فرق بين هذا العلم و بين الفلسفة. فالمتكلمون مسلمون أرادوا دعم العقيدة الإسلامية فكان الإسلام هو الطرح الأساسيّ، و أما الفلاسفة فطرحوا الموضوعات كما هي عند اليونان و انتهوا إلى حصيلة يونانية فخرجوا عن الإسلام.

العلم النظريّ‏

و هو ما لا يعلم إلا بنظر، أو ما يتقدمه تصديق يتوقف عليه.

علم اليقين‏

و هو ما أعطاه الدليل بتصور الأمور على ما هو عليه.

علوم الحديث‏

را: علم الدراية.

علوم القرآن‏

و هي المباحث المتعلّقة بالقرآن الكريم من ناحية نزوله، و ترتيبه و جمعه، و كتابته، و قراءته، و تفسيره، و إعجازه، و ناسخه و منسوخه، و دفع الشّبه عنه، و نحوها.

و قد توسع بعض العلماء في هذا الإطلاق فجعله شاملا العلوم الدينية و العربية، و حتى الطب و الهيئة و الهندسة.

و ليس بمأخوذ به.

و موضوع «علوم القرآن» هو مجموع موضوعات تلك العلوم المنضوية تحت لوائه. منها علم التفسير، و علم القراءات، و علم الرسم العثماني و علم‏

225

إعجاز القرآن، و علم أسباب النزول، و علم الناسخ و المنسوخ، و علم غريب القرآن ... و اصطلاح علوم القرآن مردّه إلى القرن السابع الهجري.

العلوّ المطلق‏

و هو ما قرب رجال سنده من الرسول عليه الصلاة و السلام بسبب قلة عددهم بالإضافة إلى سند آخر أكثر منه عددا يروى به الحديث ذاته، أو بالنسبة لمطلق الأسانيد.

و هذا النوع أجلّ الأنواع على أن يكون بإسناد صحيح. و قد فضل جمهور المحدّثين الإسناد العالي عن الثقات على «النازل» و لو كان عن الثقات. و لم يروا في طلب العالي عن غير ثقة أيّة فائدة.

و إذا تميّز «النازل» بفائدة ما فهم يؤثرونه على «العالي».

العلوّ النّسبيّ‏

و يقال له: «الإضافيّ» أي: بأن يضاف إلى شي‏ء معيّن كالقرب من إمام من أئمة الحديث، أو إلى رواية كتاب معتمد، أو بتقدم وفاة الراوي، أو بالنسبة إلى تقدم السماع. فهذه أربعة أنواع.

فأما القرب من إمام من أئمة الحديث فكالأعمش، و هشيم، و مالك، مع صفة الإسناد إليه و إن كثر العدد بعده إلى الرسول (عليه السلام). و الثاني مثل الصحيحين و السّنن الأربعة و نحوها، نحو أن يروي راو من طريق غير طريق البخاري مثلا حديثا أخرجه البخاريّ و يلتقي بشيخ البخاري أو شيخ شيخه بحيث يكون رجال إسناده من هذا الطريق أقلّ عددا مما لو رواه من طريق البخاري. و هذا اشتهر باسم «الموافقة» و «البدل» و «المساواة» و «المصافحة». و الثالث أن يوجد إسنادان متساويان في عدد رواتهما، و لكنه يحكم بالعلو لأحدهما دون الآخر لتقدم وفيات رواته عن وفيات رواة رجال الآخر، و مثال هذا أن من سمع الحديث من «سماك بن حرب» (123 ه.) عن «عامر الشّعبيّ» (103 ه.) عن علي بن أبي طالب (40 ه.) أعلى نسبيّا ممن سمعه من «شعبة بن الحجّاج» (160 ه.) عن «الأعمش» (148 ه.) عن «عبد اللّه بن أبي أوفى» (87 ه.) لتقدم وفاة الثلاثة الأوّلين على الثلاثة الآخرين. و أخيرا العلو بالنسبة إلى تقدم السماع كأن يسمع شخصان من شيخ واحد أحدهما سمع منه منذ ستين سنة و الآخر منذ أربعين سنة، مثلا، فالأول أعلى سماعا من الثاني و إن تساوى عدد الرواة إليهما. فمن سمع من شيخه قديما أعلى ممن سمع منه أخيرا.

العمرية

و هي جماعة مثل «الواصلية» من المعتزلة إلا أنهم فسّقوا الفريقين في قضية عثمان و علي رضي اللّه عنهما. و ينسبون إلى «عمرو بن عبيد» من رواة الحديث، معروف عنه الزّهد، تابع واصل بن عطاء في القواعد، و زاد عليه في تعميم التفسيق.

226

العمق‏

و هو البعد المقاطع للطّول و العرض.

العمل‏

في اللغة يدلّ على الفعل مع أثر.

و يعني اصطلاحا «العبادة» من الشرع، و ذلك في قول الرسول (عليه السلام):

«إنما الأعمال بالنيات»، أي: «العبادات» من صوم و صلاة و حج و زكاة و جهاد.

العمود

و هو اصطلاح من «صناعة الخطابة» يعني كل قول منتج لذاته للمطلوب إنتاجا بحسب الإقناع. و تسميته كذلك باعتبار أنه قوام الخطابة، و عليه المعوّل في الإقناع.

و يتألف من «المظنونات» أو من «المقبولات» أو من «المشهورات». و هو من «أجزاء الخطابة».

العموم‏

و هو، في اللغة، يعني الشمول.

يقال: «هذا الكساء يعمّ من تحته، أي:

يشملهم» فلا بد من وجود شامل و مشمول. و هو يدل على مسمّيات الألفاظ، فهو مما يعرض للألفاظ. و أما في المعاني فمختلف فيه.

و في الاصطلاح هو لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بلفظ واحد، نحو:

«القوم، الرجال». و هو مستفاد من وضع اللغة. و يقابله «الخصوص».

العموم الاستغراقيّ‏

و هو أن يكون الحكم شاملا لكل فرد، فيكون كل فرد وحده موضوعا للحكم، و لكل حكم متعلّق بفرد من الموضوع عصيان خاص، نحو: «أكرم كل عالم»، فكل عالم موضوع للإكرام، و كل فرد من الذي يقال له: «عالم» له منزع خاص به مختلف عن الآخر.

العموم البدليّ‏

و هو أن يكون الحكم لواحد من الأفراد على البدل، فيكون فرد واحد فقط- على البدل- موضوعا للحكم، فإذا امتثل في واحد سقط التكليف، نحو) (أعتق أيّة رقبة شئت). و معنى العموم هنا هو عموم البدلية، أي: صلاحية كل فرد لأن يكون متعلّقا أو موضوعا للحكم.

و إذا كانت استفادة العموم من هذا بمقتضى الإطلاق، فهو يدخل في المطلق لا العام.

و عموم متعلّق الحكم لأحواله و أفراده، إذا كان متعلّقا للأمر الوجوبيّ أو الاستحبابي، فهو على الأكثر من نوع العموم البدلي.

العموم المجموعيّ‏

و هو أن يكون الحكم ثابتا للمجموع بما هو مجموع، فيكون المجموع موضوعا واحدا، كوجوب الإيمان بالرّسل، فلا يتحقّق الامتثال إلا بالإيمان بالجميع.

و هو اصطلاح لدى الإمامية بهذا اللفظ.

227

العناد

و هو في اللغة المباراة و المجاراة، و كذلك المعارضة في الوفاق. و اصطلاحا هو تعمد تغليظ الغير عن قصد مدافعته و تعجيزه إذا كان مبطلا و مصرّا على باطله. و هذا من أغراض المغالطة كالامتحان.

العناديّة

و هم الذين ينكرون حقائق الأشياء، و يزعمون أنها أوهام و خيالات كالنقوش على الماء.

العنديّة

و هم الذين يزعمون أن حقائق الأشياء تابعة للاعتقادات حتى إن اعتقدنا الشي‏ء جوهرا فجوهر، أو عرضا فعرض، أو قديما فقديم، أو حادثا فحادث.

العنوان‏

يرد استعمال هذا الاصطلاح في أصول الإمامية في قبال مصطلح آخر هو «المعنون». و يشير هذان إلى دلالة المفهوم على المصداق. و ذلك حين يكون النظر إلى الحكم إلى أبعد مما يكون عليه «المفهوم» و «المصداق» فينظر إلى ما وراء المفهوم بملاحظته كي يجعل حاكيا عن مصداقه و دليلا عليه، كقولنا:

«الإنسان ضاحك» أو «الإنسان في خسر» فيشار بمفهوم «الإنسان» إلى أشخاص أفراده، و هي المقصودة في الحكم.

و ليس ملاحظة المفهوم في الحكم و جعله موضوعا إلا للتوصل إلى الحكم على الأفراد، فيسمّى المفهوم، حينئذ، «عنوانا» و المصداق «معنونا» و يقال لهذا الإنسان: «الإنسان بالحمل الشائع» فلو قال الأصولي على سبيل المثال: «اللفظ المجمل: ما كان غير ظاهر المعنى» فقد يعترض في بادي الرأي فيقال له: «إذا كان المجمل غير ظاهر المعنى فكيف جاز تعريفه و التعريف لا يكون إلا لما كان ظاهرا معناه؟» و الجواب من هذا المنظور: مفهوم المجمل، أي: المجمل بالحمل الأوّلي، مبيّن ظاهر المعنى، لكن مصداقه، أي: المجمل بالحمل الشائع، كاللفظ المشترك المجرد عن القرينة غير ظاهر المعنى. و هذا التعريف للمجمل بالحمل الشائع.

العهد

أصله حفظ الشي‏ء و مراعاته حالا بعد حال، ثم استخدم في الموثق الذي يلزم مراعاته.

العهد الخارجيّ‏

و هو الذي يذكر قبله شي‏ء.

العهد الذهنيّ‏

و هو الذي لم يذكر قبله شي‏ء.

عوارض الأهلية

و هي أوصاف تطرأ على الإنسان فتسلبه كل أهليّة أو بعضها. و هي‏

228

قسمان: «عوارض سماوية» و «عوارض مكتسبة».

العوارض الذّاتية

هي التي تلحق الشي‏ء لما هو هو، كالتعجب اللاحق لذات الإنسان أو لجزئه، كالحركة بالإرادة اللاحقة للإنسان بواسطة أنّه حيوان أو بواسطة أمر خارج عنه مساو له، كالضّحك العارض للإنسان بواسطة التعجب.

العوارض السماويّة

و هي العوارض التي تطرأ على الإنسان جبرا عنه، و لا قبل له بردّها.

و من أهمها: «الجنون، العته، الإغماء، النوم، النسيان، و المرض، و الموت» فإن أصيب المكلّف ببعض هذه العوارض أصبحت أهليته أهلية ناقصة في الوجوب و الأداء.

العوارض الغريبة

و هي العارض لأمر خارج أعمّ من المعروض، كالحركة اللاحقة للأبيض بواسطة أنه جسم، و هو أعمّ من الأبيض و غيره؛ و العارض للخارج الأخص منه، كالضحك العارض للحيوان بواسطة أنه إنسان، و هو أخص من الحيوان؛ و العارض بسبب المباين، كالحرارة العارضة للماء بسبب النار و هي مباينة للماء.

العوارض المكتسبة

و هي العوارض التي يتّصف بها الإنسان باختياره. من أهمها: «الجهل، و السكر، و الهزل، و السّفه».

عود الشي‏ء على موضوعه بالنقض‏

و هي عبارة عن كون ما شرع لمنفعة العباد ضررا لهم، كالأمر بالبيع و الاصطياد، فإنهما شرعا لمنفعة العباد فيكون الأمر بهما للإباحة، فلو كان الأمر بهما للوجوب لعاد الأمر على موضوعه بالنقض حيث يلزم الإثم و العقوبة بتركه.

العيب الفاحش‏

و هو بخلاف «اليسير» و هو ما لا يدخل نقصانه تحت تقويم المقوّمين.

العيب اليسير

هو ما ينقص من مقدار ما يدخل تحت تقويم المقوّمين، و قدّروه في العروض في العشرة بزيادة نصف، و في الحيوان درهم، و في العقار درهمين‏

.***

229

حرف الغين‏

الغافل‏

يطلق عند العلماء على أمثال السّاهي و المجنون و السكران و النائم و نحوهم.

الغاية

و هي ما لأجله وجود الشي‏ء. و تطلق على النهاية القريبة و البعيدة.

الغبطة

عبارة عن تمني حصول النعمة لك كما كان حاصلا لغيرك من غير تمني زواله عنه.

الغبن الفاحش‏

و هو ما لا يدخل تحت تقويم المقوّمين.

الغبن اليسير

و هو ما يقوم به مقوّم.

الغرابة

و هي كون الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى، و لا مألوفة الاستعمال.

الغرابيّة

و هم قوم زعموا أن محمدا (عليه السلام) بعليّ رضي اللّه عنه أشبه من الغراب بالغراب و الذّباب بالذباب، فبعث اللّه جبرائيل إلى عليّ فغلط صاحب الرّيش أي: جبرائيل و لذلك يلعنون صاحب الريش.

الغرر

ما يكون مجهول العاقبة لا يدرى أ يكون أم لا؟

الغرور

و هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى، و يميل إليه الطّبع.

الغريب‏

را: الذاتي.

غريب الإسناد

و هو الغريب إسنادا لا متنا كالحديث المعروف متنه برواية جماعة من الصحابة فيتفرّد راو واحد بروايته عن صحابي آخر، فإنه يكون غريبا من هذا الوجه مع‏

230

أن متنه ليس غريبا. و هذا ما يريده التّرمذي بقوله: «غريب من هذا الوجه» و مثاله حديث: «الأعمال بالنّيّة» رواه عبد المجيد بن عبد العزيز عن زيد بن أسلم، و هو غير محفوظ عن الأخير بوجه. فأخطأ عبد المجيد و هو ثقة.

غريب بعض المتن‏

و هذا النوع فيه نظر، إذ إن غرابة المتن تستلزم غرابة الإسناد، فلا يوجد حديث غريب متنا لا إسنادا في الأصل.

و ما روي عن تفرد مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر بكلمة «من المسلمين» و ذلك قوله المرويّ: «فرض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) زكاة الفطر من رمضان على كلّ حرّ أو عبد ذكرا كان أو أنثى من المسلمين، صاعا من تمر، أو صاعا من شعير» فهو تفرد إسناد و متن.

و حديث: «إنما الأعمال بالنيات» حديث تفرّد به عن عمر علقمة، و تفرد به عمر رضي اللّه عنه، فهو غريب في الإسناد أصلا. و لا يعدّ غريبا في المتن دون الإسناد.

غريب الحديث‏

و هو عبارة عما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ البعيدة من الفهم لندرتها، أي: لقلة دورانها في الاستعمال.

غريب المتن و الإسناد

و هو الحديث الذي يتفرد برواية متنه راو واحد. و مثاله حديث محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: (قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إن هذا الدّين متين.

فأوغل فيه برفق، و لا تبغّض إلى نفسك عبادة اللّه، فإن المنبتّ لا أرضا قطع، و لا ظهرا أبقى») فهو غريب المتن و الإسناد.

فلم يروه عن ابن المنكدر عن جابر غير محمد ابن سوقة، كما قال الحاكم النّيسابوريّ.

الغشاوة

و هو ما يتركّب على وجه مرآة القلب من الصّدأ، و يكلّ عين البصيرة و يعلو وجه مرآتها. و بعبارة أخرى: تغطية القلب و البصيرة.

الغصب‏

في اللغة هو أخذ الشي‏ء ظلما مالا كان أو غيره، و في الشرع أخذ مال متقوّم محترم بلا إذن مالكه بلا خفية. فلا يتحقق في الميتة لأنها ليست بمال، و كذا في الحرّ، و لا في خمر المسلم لأنها ليست بمتقومة، و لا في مال الحربيّ لأنه ليس بمال محترم. و عبارة: «بلا إذن مالكه» احتراز عن «الوديعة»، و عبارة: «بلا خفية» لتخرج السّرقة. و هو في «آداب البحث» يعني منع مقدمة الدليل على نفيها قبل إقامة المعلّل للدليل على ثبوتها، سواء كان يلزم منه إثبات الحكم المتنازع فيه ضمنا أو لا.

231

الغفلة

تطلق و يراد بها ألّا يخطر في بال الإنسان ما يعدّ مهما بالنسبة إليه. و هذا يؤول إلى عدم التدقيق في المسائل، كأن يقال عن نحويّ: «فيه غفلة». و أما ما يراه بعضهم أنها متابعة النّفس على ما تشتهيه أو إبطال الوقت بالبطالة فهذا ليس تعريفا للغفلة بل ذكر لبعض أسبابها.

الغيرة

و هي كراهة شركة الغير في حقه.

غير المستقلّات العقلية

و هي لدى الإمامية تقابل «المستقلات العقلية» و هي ما لا يستقل بها العقل، أو يحكم بها بداهة. و معناها أن العقل لم يستقلّ بالدليل وحده للوصول إلى النتيجة، بل يستعين بحكم شرعي في إحدى مقدمتي القياس، و هي الصغرى و المقدمة الأخرى، و هي الكبرى. (را:

المدركات العقلية غير المستقلة).

مثاله حكم العقل بالملازمة بين وجوب ذي المقدمة شرعا، و بين وجوب الحكم العقلي الذي هو عبارة عن حكم العقل بالملازمة عقلا بين الحكم في «المقدمة الأولى» و بين حكم شرعي آخر.

و أهم ما يبحث في هذا النوع هو «الإجزاء» و «مقدّمات الوجوب».

غير المقدور

هو أحد أنواع «مشروط الوقوع».

و يعني عدم اقتدار المكلّف عليه. و هذا غير واجب، لقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: الآية 286] و لقوله عليه الصلاة و السلام: «إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم»، و لأنه لا يجوز التكليف بما لا يطاق، لأن التكليف به يقتضي نسبة الظلم إلى اللّه، و هو غير جائز.

***

232

حرف الفاء

الفائدة

و هي اسم فاعل من قولهم: «فأدت له فائدة» من باب «باع» و «أفدته إفادة» أعطيته، و «أفدت منه مالا»: أخذته.

فالفائدة في الأصل هي الزيادة تحصل للإنسان. و من هذا (فائدة العلم و الأدب).

الفاحشة

و هي التي توجب الحدّ في الدنيا و العذاب في الآخرة.

الفاعل المختار

اصطلاح يعبّر عمّن يصح أن يصدر عنه الفعل مع قصد و إرادة.

الفتنة

في الأصل يقال: «فتنت الذّهب بالنّار» إذا عرضته عليها لتختبر هل هو خالص أو مشوب. و منه «الفتّانة» و هو الحجر الذي يجرّب به الذهب و الفضة.

و تجمع هذه الكلمة في اللغة كل ما يتبيّن به حال الإنسان من الخير و الشر. و قد علل المتأخرون نصوصا بالفتنة و هي مما خرجوا به على جميع الأقوال قاطبة، مع الخروج عن دلالة اللغة كلّية. و إطلاق «الفتنة» على النساء في بعض الأحاديث هو من «الاتّساع» و كل لفظ متّسع فيه لا يعلّل به.

الفتوى‏

و هي، لغة، من الفعل «أفتى» بمعنى أبان، و «الفتيا» و «الفتوى» بمعنى واحد، و المصدر الإفتاء. و اصطلاحا هي ما يبيّنه المفتي أو الفقيه من حكم شرعي للواقعة المسئول عنها.

الفجور

و هي صفة يباشر المتّصف بها أمورا على خلاف الشرع و المروءة.

فحوى الخطاب‏

را: مفهوم الموافقة.

فحوى القول‏

را: مفهوم الموافقة.

الفخر

و هو التطاول على الناس بتعديد المناقب.

233

الفراسة

و هي في اللغة التّثبّت و النظر. و قد تطلق على «قياس الدلالة» عند الفقهاء.

الفرد المطلق‏

و هو ما تفرّد به راو واحد عن جميع الرواة. و ذلك أن يتفرد صحابيّ عن الرسول (عليه السلام)، أو تابعيّ عن الصحابي، أو تابع التابعيّ عن التابعي و لم يرو ما تفرّد به من طريق آخر لا بالحفظ و لا بالمعنى.

فمثلا إن قولهم: «تفرّد سعيد بن المسيّب بكذا و كذا عن أبي هريرة» يفيد أن ما روي عن أبي هريرة هو عن طريقه فقط و لو تعددت الطرق إليه. و يمثّل لهذا النوع من «الصحيح» حديث: (النهي عن بيع الولاء و عن هبته) فقد تفرّد به عبد اللّه بن دينار عن ابن عمر، تابعيّ حافظ متقن عن صحابيّ، فله الحكم بالصحة.

و تفرد الراوي إما أن يكون بمرويّ ليس فيه مخالفة الراوي لمرويّ غيره، و إما أن يخالف. فعلى الأول ينظر إلى شروط الراوي فيدخل الحديث بحسبها في الأقسام الثلاثة أحدها؛ و على الثاني يدخل في «المضطرب» أو «المنكر» أو «الشاذّ» بشروط كل منها.

الفرد النّسبيّ‏

و هو ما حكم بتفرده بالنسبة لصفة معيّنة، أي: قيّد بصفة خاصة، و إن كان الحديث بنفسه مشهورا. و ليس تفردا مطلقا بألّا يروى الحديث إلا من طريق واحد، بل مقيّد بصفة خاصة إلا أن يراد، مثلا، بتفرد أهل بلد تفرّد واحد من تلك البلد، فيدخل، حينئذ، في «الفرد المطلق».

و «الفرد النسبيّ» على أنواع:

الأول: ما قيّد ببلد معين، كقولهم:

«تفرّد بهذا الحديث أهل مكة، أو أهل الشام، أو أهل المدينة».

الثاني: ما قيّد بثقة، كقولهم: «لم يرو حديث كذا ثقة إلا فلان».

الثالث: ما قيّد بإمام أو حافظ و نحوه، كقولهم: «تفرّد بهذا الحديث فلان عن فلان» أو «لم يرو حديث كذا عن فلان إلا فلان».

(را: الحديث الغريب).

الفرض‏

و هو «الواجب» في اصطلاح أهل الأصول، و يعني ما يذمّ شرعا تاركه قصدا مطلقا، و يثاب فاعله، و واقعه هو ما طلبه الشارع طلبا جازما بدليل قطعي أو ظني.

غير أن بعض الأصوليين يرى أنه إذا ثبت التكليف بدليل قطعي، كالكتاب و السنة المتواترة فهو «الفرض»؛ و إن ثبت بدليل ظني، كخبر الواحد و القياس فهو «الواجب». و هذا التفريق ليس اصطلاحا على الحقيقة، بل تعريف لمسمّى معيّن، فيجب أن يكون مطابقا للواقع، و الشرع طلب طلبا جازما بقطع النظر عن ثبوت الدليل قطعا أو ظنّا. فلا عبرة بهذا التفريق‏

234

بين اللفظين. و معنى الوجوب. لغة:

الثبوت و الاستقرار، و اللزوم، و السقوط.

و يطلق «الفرض» كذلك على معنى أن يسأل عامّا فيجيب خاصّا، أو يفتي عامّا و يدلّ خاصّا، و يقال فيه كذلك:

تخصيص صور النّزاع بعضها بالحجاج و إقامة الدليل عليها.

فرض العين‏

و هو بالوصف «الفرض العينيّ» تقسيم للفرض من حيث القيام به. و يقابله «فرض الكفاية». و لا فرق بينهما في الإيجاب، إذ كلّ منهما طلب الفعل طلبا جازما. و يعرّف، اصطلاحا، بأنه ما طلب من كل فرد بعينه، كالصلوات الخمس.

فهي منوطة بأفراد المكلّفين، كلّ على حدة.

الفرض العينيّ‏

را: فرض العين.

الفرض الكفائيّ‏

را: فرض الكفاية.

فرض الكفاية

و هو ما طلب من جميع المكلّفين، فإذا أقامه البعض سقط عن الباقين.

فيطلب فعل الفرض أو الواجب فحسب، كصلاة الجنازة، مثلا. و أما إذا لم يقم به فيظل فرض عين في رقبة كل مكلّف.

و هو، أيضا، «الفرض الكفائي».

الفرع‏

و هو مقابل للأصل، مأخوذ من فرع الشجرة. و هو اصطلاحا، كل ما استند في وجوده إلى غيره استنادا ثابتا. فيحترز بهذا من المشروط و نحوه، ممّا استناد وجوده إلى غيره عرضيّ، لاقتضاء العقل أو الشرع توقفه على وجوده، و ليس هو من ذاته، كالغصن من الشجرة، و نحوه. و أما قولهم: «هذا من فروع الدين، و هذه المسألة فرع على كذا» فهو مجاز، إذ ليس فيه تبعيض و لا استناد ذاتيّ.

و «الفرع» من أركان القياس، اسم لشي‏ء يبنى عليه «الأصل».

و المراد بكلمة «الأحكام الفرعية» القضايا التي لا يتعلّق بالخطإ في اعتقاده مقتضاها، و لا العمل به قدح في الدّين، و لا العدالة في الدنيا، و لا وعيد في الآخرة، كمسألة النّيّة في الطهارة، و بيع الفضوليّ، و النكاح بغير ولي، و قتل المسلم بالذمي، و الحكم على الغائب، و أن الحكم لا ينفذ باطنا. و هذا بخلاف ما يقدح في الدّين، كاعتقاد قدم العالم، و نفي الصانع، و إنكار المعجزات، و إبطال النّبوات، أو يقدح في العدالة، أو الدّين على خلاف فيه، كالمسائل التي بين المعتزلة و الأشعرية و الأثريّة، كمسألة الكلام، و الرؤية، و الجهة.

و بالجملة فمسائل الشريعة إما مكفّر قطعا، كنفي الخالق، أو غير مكفّر قطعا، نحو استباحة النبيذ بالاجتهاد؛ أو واسطة

235

بين القسمين تحتمل الخلاف. و يلزم على ما ذكرنا أن شرب الحنبليّ للنبيذ، و أكل الحنفيّ لحم الخيل معتقدا تحريمه ليس من الأحكام الفرعية بل من الأصولية، إذ يحرم عليهما، و يقدح في عدالتهما، و لأن هذا شي‏ء يتعلق بالمعتقد و مخالفته، فخرج عن حدّ الفروع المتعلّقة بالأفعال.

الفرق‏

و هو من «قوادح العلة». و يعين جعل تعيّن الأصل علّة، أو الفرع مانعا. و هو ضربان كما يتضح من التعريف. و بيان ذلك أن الضرب الأول و هو أن يجعل المعترض تعين أصل القياس، أي:

الخصوصية التي فيه، علة لحكمه هو كقول الحنفي: «الخارج من غير السبيلين ناقض للوضوء بالقياس على ما خرج منهما، و الجامع هو خروج النجاسة» فيقول المعترض: «الفرق بينهما أن الخصوصية التي في الأصل و هي خروج النجاسة من السبيلين هي العلة في انتقاض الوضوء لا مطلق خروجها» و أما الضرب الثاني و هو أن يجعل تعيّن الفرع- أي:

خصوصيته- مانعا من ثبوت حكم الأصل فيه فهو كقول الحنفية: «يجب القصاص على المسلم بقتل الذّمّي قياسا على غير المسلم، و الجامع هو القتل العمد العدوان» فيقول المعترض: «الفرق بينهما أن تعين الفرع، و هو كونه مسلما مانع من وجوب القصاص عليه لشرفه».

و يؤثّر الضرب الأول عند من لم يجز التعليل بعلتين، و الثاني عند من جعل النقض مع المانع قادحا.

الفرقة

بكسر الفاء، هي اسم للثلاثة فصاعدا.

الفساد

و هو و «البطلان» مترادفان. غير أن هناك من فرّق بينهما. فيختلف الفساد عن البطلان بأنّ البطلان هو عدم موافقة أمر الشارع في أصله، أي: من حيث أصله، إذ يكون الأصل ممنوعا كبيع الملاقيح، أو أن ثمة شرطا مخلّا بأصل الفعل. بخلاف الفساد فإن الفعل يكون في أصله موافقا لأمر الشارع، و لكن وصفه غير المخلّ بالأصل هو المخالف لأمر الشارع. فمثلا النهي عن أن يبيع حاضر لباد، فإذا حصل بيع فهو فاسد، لجهالة البادي للسعر، و حين يرى السوق يخيّر عندئذ بين إنفاذ البيع و بين فسخه. بينما جاء النهي في الأصل، و في الأساس عن بيع الملاقيح فلا يجوز من أساسه. و الفساد لا يوجد أصلا في العبادات، فلا يتصوّر، لأن المتتبع للشروط و الأركان يجد فيها أنها جميعا متعلّقة بالأصل، و لكنه يتصوّر وجوده في المعاملات.

فساد الاعتبار

و هو من «قوادح العلة» و يعني مخالفة القياس نصّا، أي: يكون القياس مخالفا للنص أو الإجماع. و سمّي كذلك لأن‏

236

اعتبار القياس مع النص أو الإجماع اعتبار له مع دليل أقوى منه. و هو اعتبار فاسد و ظلم، لأنه وضع له في غير موضعه.

فمثال ما خالف الكتاب قولهم:

«يشترط تبييت النّيّة لرمضان، لأنه صوم مفروض فلا يصح تبييته كالقضاء» فيقال:

«هذا فاسد الاعتبار لمخالفته نصّ الكتاب و هو قوله تعالى: وَ الصَّائِمِينَ وَ الصَّائِماتِ وَ الْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ الْحافِظاتِ وَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَ الذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً [الأحزاب: الآية 35] فإنه يدل على أنّ كلّ من صام يحصل له الأجر العظيم. و ذلك مستلزم للصحة، و هذا قد صام، فيكون صومه صحيحا».

و مثلا ما خالف السّنّة قولهم: «لا يصح السّلم في الحيوان، لأنه عقد يشتمل على الغرر فلا يصح، كالسّلم في المختلطات» فيقال: «هذا فاسد الاعتبار لمخالفة ما روي عن النبي عليه الصلاة و السلام أنه رخّص في السّلم» و مثال ما خالف الإجماع أن يقول الحنفيّ: «لا يجوز أن يغسّل الرجل زوجه، لأنه يحرم النظر إليها فحرم غسلها كالأجنبية» فيقال له: «هذا فاسد الاعتبار لمخالفته الإجماع السكوتيّ، و هو أن عليّا غسل فاطمة و لم ينكر عليه، و القضية في مظنّة الشّهرة فكان ذلك إجماعا». و يشار إلى جواز اعتراض المستدلّ على النص من المعترض بوجه من وجوهه. و هذا النوع يرد على القياس، و كذلك «فساد الوضع».

فساد الوضع‏

و هو اصطلاح أصوليّ يرجع إلى باب «قوادح العلة» و هو أعم من «فساد الاعتبار». و يعرّف بأنه كون الجامع بين الأصل و الفرع ثبت اعتباره بنصّ أو إجماع في نقيض الحكم، نحو تعليل أصحاب الشافعي لإيجاب الفرقة بسبب إسلام أحد الزوجين.

فسق التأويل‏

و هو، اصطلاحا، عبارة عن صفة لمتصف بها، تعبّر عن مجاهرته بفعل محظور عند غيره، و ليس عنده باستناده إلى دليل أو شبهته. فالمعتزلة، مثلا، عند من فسّقهم ليسوا فسّاق تصريح بل تأويل، باعتبار أنهم متأولون، لديهم و لو شبهة دليل. ففعلهم أو تصرفهم ليس فسقا عندهم و لا معصية بل عند غيرهم. فهم على هذا كالمجتهد الذي لديه رأي ضعيف. في شرب النبيذ، مثلا، عند بعض المجتهدين. فهذا لا يحدّ و لا يرى أنه يحدّ لكونه ذا رأي و إن كان ضعيفا. ففيه ما يدرأ عنه الحدّ.

فسق التصريح‏

و هو، في الاصطلاح، صفة تكون لمتّصف بها، معبّرة عن مجاهرته بفعل محظور دون اعتباره لدليل أو شبهة دليل.

و يعني هذا أن الذي يجاهر بمعصية لا يستند إلى دليل أو حجّة فيما يقوم به،

237

فهو فسق عنده و عند غيره، كشرب الخمر في رمضان، إذ ليس ثمة دليل و لا شبهة دليل تجعل الخمر حلالا لا في رمضان و لا غيره.

الفصاحة

و هي في اللغة عبارة عن الإبانة و الظهور، و هي في «المفرد» خلوصه من تنافر الحروف و الغرابة و مخالفة القياس، و في «الكلام» خلوصه من ضعف التأليف. و تنافر الكلمات مع فصاحتها، احترز به عن نحو: «زيد أجلل و شعره مستشزر، و أنفه مسرج»؛ و في «المتكلّم» ملكة يقتدر ربّها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح.

الفصل المقوّم‏

و هو عبارة عن جزء داخل في الماهية، كالناطق مثلا، فإنه داخل في ماهية الإنسان، و مقوّم لها، إذ لا وجود للإنسان في الخارج و الذهن دونه.

الفصول‏

و هو جمع «فضل» و هو في الأصل مصدر «فصل، يفصل فصلا» إذا قطع.

و مادة «ف ص ل» ترجع إلى معنى القطع و الإبانة، ثم سمّي بالمصدر المذكور كل ما بيّن و ميّز شيئا و قطعه عنه. فمنها «الفصول» في الكتب المدوّنة، لأنها تميّز جمل الكلام بعضها من بعض، و منها اصطلاح أهل المنطق «فصول الأجناس» و هي تستخدم في الحدود، كالناطق في حدّ الإنسان بأنه «حيوان ناطق» و «الحسّاس» في حدّهم للحيوان بقولهم: «جسم حساس متحرك بالإرادة»، و منها «يوم الفصل» ليوم القيامة، إذ يفصل النّزاع و «فصل القضاء» لأنه يقطع النزاع. بين الخصوم، و «فصل الخطاب» لبيانه و تمييزه من غيره.

الفضل‏

و هو ابتداء إحسان بلا علة.

الفضوليّ‏

و هو من لم يكن وليّا، و لا أصيلا، و لا وكيلا في العقد.

الفضيلة

را: النّدب.

الفطرة

و هي الجبلّة المتهيّئة لقبول الدّين.

و بالاصطلاح المعاصر هي «غريزة التدين». و واقعها أنها ناجمة عن شعور طبيعيّ بالعجز و الاحتياج إلى الخالق.

و أما أنها «غريزة» فلأنها لا يمكن القضاء عليها في الإنسان إلا بموت الإنسان.

الفطريات‏

و هي من «البديهيات» و يراد بها القضايا التي قياساتها معها، أي: أن العقل لا يصدّق بها بمجرّد تصوّر طرفيها كالأوّليات، بل لا بد لها من وسط، إلا

238

أن هذا الوسط ليس مما يذهب عن الذهن حتى يحتاج إلى طلب و فكر. فكلما أحضر المطلوب في الذهن حضر التصديق به لحضور الوسط معه، مثل حكمنا بأن الاثنين خمس العشرة، فإن هذا حكم بديهي إلا أنه بوسط، لأن الاثنين عدد قد انقسمت العشرة إليه، و إلى أربعة أقسام أخرى كلّ منها يساويه، و كل ما ينقسم عدد إليه و إلى أربعة أقسام أخرى كل منها يساويه فهو خمس ذلك العدد، فالاثنان خمس العشرة. و مثل هذا القياس حاضر في الذهن لا يحتاج إلى كسب و نظر.

و مثل هذا القياس يجري في كل نسبة عدد إلى آخر، غير أنّ هذه النّسب يختلف بعضها عن بعض في سرعة مبادرة الذهن إلى المطلوب، و عدمها بسبب قلة الأعداد و زيادتها، أو بسبب عادة الإنسان في التفكير فيها و عدمه.

الفقرة

و هي في اللغة اسم لكلّ حلي يصاغ على هيئة فقار الظّهر، ثم استعير لأجود بيت في القصيدة تشبيها له بالحي، ثم استعير لكل جملة مختارة من الكلام تشبيها لها بأجود بيت في القصيدة. و هذا كلّه اصطلاح.

الفقه‏

هو في اللغة: الفهم. و في الاصطلاح: «العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من الأدلة التفصيليّة».

فلا بد من حصول ملكة لدى الشخص كي يكون فقيها. و لا يراد الإحاطة، بل لا بد من العلم بجملة من الأحكام بالنظر و الاستدلال. فالحكم الواحد أو الاثنان لا يسمّى العلم بهما فقها، و لا تكون أنواع الأدلة حججا. و علم الفقه خاص بالأدلة العملية، أي: التي تقوم بها الأعمال، فلا تدخل الاعتقادات، و لا تسمّى فقها.

فنّ الجدل‏

را: صناعة الجدل.

الفهم‏

و هو تصوّر المعنى من لفظ المخاطب.

الفور

يقال في اللغة: «فارت القدر» إذا غلت، و «ذهبت مكان كذا، ثم أتيت فلانا من فوري، أي: قبل أن أسكن».

و معنى «الفور» اصطلاحا: الشروع في الامتثال عقيب الأمر، من غير فصل.

و عكسه «التراخي».

***

239

حرف القاف‏

القادح‏

و هو كل ما أثّر في شي‏ء فأزاله عن مكانته، أو أزال وصفا له معتبرا به. فيقال:

«قوادح الأدلة» أي: النواقض التي تؤثّر في كون الدليل معتبرا، و كذلك «قوادح العلة» التي تؤثر في اعتبار العلة علة. فهي مطاعن فيها.

القارئ المبتدئ‏

و هو من شرع في الإفراد إلى أن يفرد ثلاثا من القراءات.

القارئ المنتهى‏

و هو الذي نقل من القراءات أكثرها و أشهرها.

قاعدة الحيل‏

و حقيقتها المشهورة هي تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي و تحويله في الظاهر إلى حكم آخر. و ذلك كالواهب ماله إلى رأس الحول فرارا من الزكاة.

فأصل الهبة على الجواز، و لكن كونها تمنع الزكاة تؤول إلى مفسدة، و لذلك تمنع الهبة في الحال. فإنّ من وجبت عليه الزكاة قدّم عملا ظاهر الجواز و هو الهبة لإبطال حكم شرعي- و هو وجوب الزكاة- و تحويله إلى حكم آخر، و هو عدم وجوب الزكاة.

و قد تصدى العلماء لإبطال هذه القاعدة، و شدّدوا النكير على الحيل، بل إن بعضهم اتهم من نسب هذا إلى صاحب أبي حنيفة بأنّه زنديق.

قاعدة رفع الحرج‏

و هي مما يفرّعون على «مآلات الأفعال». و هي السماح في عمل غير مشروع في الأصل لما يؤول إليه من الرّفق بالمشروع. فإذا كان في هذا العمل حرج على الناس يسمح به، لأن الرفق هو المشروع لقوله عزّ و جل: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: الآية 185] و لقوله، أيضا: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ [الحجّ:

الآية 78] و لقوله (عليه السلام): «بعثت بالحنيفيّة السّمحة» و كل ذلك ينافي الشرع الشاق الثقيل. و لهذا يعطى الفعل حكم ما

240

يؤول إليه لا الحكم الذي أنزله اللّه له.

و للحق فهذه القاعدة و هذا الفهم فيهما أشدّ المناقضة للشرع. فالآية الأولى نزلت و مجيئها بعد قوله تعالى: وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: الآية 185] فهو دليل على الرّخص التي رخص فيها الشارع للمسلمين من إباحة الفطر في السفر و المرض، و هكذا جميع الرخص الشرعية. فهو خاص في موضوع الرخص و هو الموضوع الذي جاء دليلا عليه. و أما قوله عزّ و جل: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ [الحجّ: الآية 78] فقد جاءت بعد قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏ [الحجّ:

الآية 77] وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ [الحجّ: الآية 78] فيكون الحرج- و هو الضّيق- قد رفع عنهم فيما أمرهم به من العبادة و فعل الخير، و الغزو من أجل رضا اللّه، فإنه هو الذي اختاركم أيها المؤمنون لدينه و لنصرته، و ما جعل عليكم من ضيق، بل بقدر ما تحملون.

فهو كقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: الآية 286] فجعل الدين ليس شاقّا بحيث لا يتحملونه.

و فوق ذلك فقد فتح باب التوبة للمجرمين، و جعل في الدين من الرخص و الكفارات ما يسهّل أمر الدين. و أما قول الرسول (عليه السلام): «بعثت بالحنيفية السمحة» فالمراد به أنه جاء بالشريعة القويمة التي هي لمصالح العباد، و ليست لقصد مشاقّ العباد. فهي «سمحة» أي:

كريمة. و أتى السماح مقيدا بما هو جار على أصول هذه الشريعة، و بحسب أدلتها، لا على ما يشتهيه الهوى، و يمليه العقل. و هذا الفهم الذي جاء به القائلون بهذه القاعدة مؤدّ إلى إيجاب إسقاط التكاليف جملة، فإن التكاليف كلها شاقة ثقيلة و من ثمّ سمّيت كذلك من «الكلفة» أي: المشقة. فإذا كانت المشقة حيث لحقت في التكليف تقتضي الرفع بهذه الدلائل، لزم ذلك إسقاط التكاليف.

قاعدة سدّ الذّرائع‏

و حقيقتها عند القائلين بها التوسّل إلى ما هو مصلحة في نظرهم. فكل مصلحة تؤدي إلى مفسدة تحرم تلك المصلحة و لو جاء النص بكونها حلالا، و كل مفسدة تؤدي إلى مفسدة أشد حلت تلك المفسدة و لو جاء النص بتحريمها. و يرى هؤلاء القائلون أن البيع أوّلا على سلعة بعشرة إلى أجل ظاهر الجواز من جهة ما يتسبّب على البيع من المصالح على الجملة. فإذا جعل مآل ذلك البيع مؤديا إلى بيع خمسة نقدا، بعشرة إلى أجل بأن يشتري البائع سلعته من مشتريها منه بخمسة نقدا، بعشرة إلى أجل. و السلعة لغو لا معنى لها في هذا العمل، لأن المصالح‏

241

التي لأجلها شرع البيع لم يوجد منها شي‏ء. و من أجل ذلك صار هذا البيع الجائز حراما نظرا لما يؤول إليه. و لكنهم قالوا بأن يظهر لذلك قصد، و يكثر في الناس بمقتضى العادة. و يقول المتعصبون لستر وجه المرأة: «إن وجه المرأة و إن أجاز الشرع كشفه و أخرجه من العورة بقوله تعالى: وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها [النّور: الآية 31]. و بقوله عليه الصلاة و السلام: إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها و يداها إلى المفصل» فرأوا أن كشف الوجه يؤول إلى الفتنة و خوفها، فحرم لذا كشف الوجه و إن كانت الأدلة تحلّه. و ذلك من باب «سدّ الذرائع» و هكذا كل مصلحة تؤدي إلى مفسدة تحرم، و كل مفسدة يؤدي تركها إلى مفسدة أشد منها تحلّ.

و لا يصح إلا قاعدة «الوسيلة إلى الحرام محرّمة» التي يشتبه أنها من هذا الباب. و وجه ذلك ما يدل عليه قوله تعالى: وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ‏ [الأنعام: الآية 108] فحرّم اللّه سبّ الأصنام و هو جائز، لأنه يكون سببا لسبّ اللّه. فدلت الآية على تحريم السبب الموصل حتما إلى سبب حرام، و ذلك أن سب الأصنام سبب لسبّ اللّه أنتج المسبّب حتما، فيكون واقعه ليس مظنّة السبب، بل هو حتميّ النتيجة للسبب. و دل النص على جواز هذا النوع فقط من مآلات الأفعال و هو أخذ السبب الجائز حكم المسبّب الممنوع إذا تحققت فيه السببية بأن كان السبب ينتج المسبّب حتما. و ما عدا ذلك ليس كذلك. فكل الأمثلة المستدل بها على سد الذرائع تبطل النصوص حقيقة.

قاعدة الضّرر

و تشمل هذه القاعدة- بتتبع أقوال الأصوليين المذكورة في كتبهم- أمرين:

أحدهما أن يكون الشي‏ء نفسه ضارّا، و لم يرد في خطاب الشارع ما يدل على طلب فعله أو طلب تركه أو التخيير فيه، فيكون كونه ضارّا دليلا على تحريمه لأن الشارع حرّم الضرر، و قاعدته: «الأصل في المضارّ التحريم».

أما الأمر الثاني فهو أن يكون الشارع قد أباح الشي‏ء العام، و لكن وجد في فرد من أفراد ذلك المباح ضرر، فيكون كون ذلك الفرد ضارّا أو مؤدّيا إلى ضرر دليلا على تحريمه، لأن الشارع حرّم الفرد من أفراد المباح إذا كان ذلك الفرد ضارّا، أو مؤديا إلى ضرر. و قاعدته: «كل فرد من أفراد المباح إذا كان ضارّا أو مؤدّيا إلى ضرر حرم ذلك الفرد و ظل الأمر مباحا».

القاعدة العامة

و هي الحكم العام المنطبق على أفراده. و كلمة «عام» و «عموم» تعني أن تكون الألفاظ موضوعة لغة للدلالة بصيغتها أو بمعناها على أفراد كثيرة غير محصورة على سبيل الاستغراق. نحو:

242

«القوم» و «المؤمنون» فقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: الآية 10] قاعدة عامة نسب الحكم فيها إلى لفظ عام.

و تختلف القاعدة العامة عن «الكلية» إضافة إلى ما ذكر بالتفريع. فالقاعدة الكلية يجري التفريع فيها على الجزئيات، بينما يظهر التفريع في العامة على الأفراد، فتطبّق عليهم فقط، فتشملهم كما يشمل العام جميع أفراده، إلا أن يرد نص شرعي فيؤخذ بالنص و تلغى القاعدة.

و إن كانت القاعدة هي نفسها نصّا شرعيا مثل قاعدة: «لا ضرر و لا ضرار» و مثل قاعدة: «الصّلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا»، فهي تعدّ دليلا شرعيا لأنها نص، و إلّا فلا بل تعدّ حكما شرعيا و يفرّع عليها. و هي في ذلك تماما كالتعريف العام.

القاعدة الكلية

و هي الحكم الكلي المنطبق على جزئياته. و إطلاق الكلية عليها على سبيل المجاز، لأن الكلية و الجزئية من دلالات المفرد لا من دلالة المركّب فلا محلّ لها في دلالة التركيب. و القاعدة الكلية جملة مركبة لا تدخلها الكلية باعتبار أن الكلي ما يشترك في مفهومه كثيرون، و بما أن القاعدة يشترك في مفهومها كثيرون فقد أطلق عليها وصف «الكلية» مجازا بهذا المفهوم.

و أما كونها «حكما» فلأنها مدلول خطاب الشارع، استنبطت من الخطاب.

و كلمة «الكلي» كذلك تنفي أن تنسب القاعدة إلى لفظ من ألفاظ العموم، إذ الحكم الكلي الذي يكون قاعدة كلية هو نسبة حكم إلى لفظ من ألفاظ الكلية فلذا هو «حكم كليّ»، و من ثمّ يكون كل حكم داخل تحت مدلول هذا اللفظ جزئية من جزئيات هذا الحكم الكلي لا فردا من أفراده. نحو قاعدة: الوسيلة إلى الحرام حرام» و قاعدة: «ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب».

القانون‏

هو نفس معنى «القاعدة» و يندر استعماله في الشرعيات إلا أنه في «النحو» و «المنطق» مستخدم، و بخاصة الأخير، و في مختلف الصناعات الأخرى.

القبيح‏

و يقابل «الحسن» في الاصطلاح الأصولي. (را: الحسن). و يطلق عليه «معصية» و يفيد عرفا أنه فعل يكرهه اللّه سبحانه، و يفيد في أصل اللغة أنه فعل يكرهه كاره. و يقال له، أيضا: «محظور» و الحظر يفيد المنع، و يفيد في العرف أن اللّه سبحانه قد منع منه بالنهي، و الوعيد، و الزجر. و يوصف كذلك بأنه «محرّم» و يفيد أن اللّه منع منه بالوعيد، و النهي، و هو كذلك في العرف. و يوصف بأنه «ذنب» أي: يتوقع المؤاخذة عليه، و العقوبة. و لذلك لا توصف أفعال البهيمة

243

و الطفل بذلك، و ربما وصف فعل المراهق كذلك، لما يلحقه الأدب على فعله.

و يوصف بأنه «مكروه» و يفيد في العرف أن اللّه سبحانه هو الكاره له. و يوصف بأنه «مزجور عنه» و «متوعّد عليه» و يفيد، عرفا، أن اللّه سبحانه و تعالى هو المتوعد عليه، و الزاجر له عنه.

القدر

و هو على معان عديدة. فقد يرد بمعنى «التقدير» و بمعنى «جعل الشي‏ء على مقدار» و بمعنى «وضع اللّه سبحانه للخاصيات في الأشياء» و بمعنى «العلم الذي هو في اللوح المحفوظ». و قد عرّف بأنه تعلّق الإرادة الذاتية بالأشياء في أوقاتها الخاصة. فتعليق كل حال من أحوال الأعيان بزمان و سبب معين هو عبارة عن «القدر». (را: خلق الأفعال).

القدرة

و هي بمعنى «الاستطاعة» لغة، و بمعنى «الطاقة» و كذلك «الوسع». و في الاصطلاح هي الصفة التي يتمكّن الحيّ من الفعل و تركه بالإرادة، أو هي صفة تؤثر في قوة الإرادة. و هي إما «قدرة ممكنة» و إما «قدرة ميسّرة».

القدرة الممكنة

و هي عبارة عن أدنى قوة يتمكن بها المأمور من أداء ما يلزمه أو لزمه بدنيّا كان أو ماليّا. و هذا النوع من القدرة شرط في حكم كل أمر احترازا عن تكليف ما ليس في الوسع.

القدرة الميسّرة

و هي ما يوجب اليسر على الأداء، و هي زائدة على «القدرة الممكنة» بدرجة واحدة في القوة، إذ بها يثبت الإمكان ثم اليسر، بخلاف «الممكنة» إذ لا يثبت بها الإمكان. و شرطت هذه القدرة في الواجبات المالية دون البدنية، لأن أداءها أشقّ على النفس من «البدنيات»، لأن المال شقيق الروح. و الفرق ما بينهما أن «الممكنة» شرط محض حيث يتوقف أصل التكليف عليها، فلا يشترط دوامها لبقاء أصل الواجب. و أما «الميسرة» فليست بشرط محض حيث لم يتوقف التكليف عليها، و هي تقارن الفعل عند أهل السّنّة و الأشاعرة خلافا للمعتزلة، لأنها عرض لا يبقى زمانين. فلو كانت سابقة لوجد الفعل حال عدم القدرة و أنه محال. و في هذا الكلام نظر.

القدم الذاتي‏

و هو عدم الحاجة إلى الغير.

القدم الزماني‏

و هو كون الشي‏ء غير مسبوق بالعدم.

القديم‏

و هو في اللغة العتيق: كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ‏ [يس: الآية 39] و قوله عزّ و جل أيضا: ضَلالِكَ الْقَدِيمِ‏ [يوسف:

244

الآية 95]. و يطلق، اصطلاحا، على الموجود الذي لا يكون وجوده من غيره، و هو «القديم بالذات»، و على «القديم بالزمان».

و نقيض «القديم» هو «المحدث» و عرّفه بعضهم بأنه الذي لا أوّل له و لا آخر، و هو بهذا المعنى نفس «الأزليّ».

و منع جماعة من إطلاق «القديم» على اسم اللّه، إذ لا يوجد نصّ بهذا الخصوص.

القديم بالذات‏

را: القدم الذاتي.

القديم بالزمان‏

را: القدم الزماني.

القراءات‏

و هي جمع «قراءة»، مصدر سماعيّ للفعل «قرأ». و في الاصطلاح هي مذهب يذهب إليه إمام من أئمّة القراء مخالفا به غيره في النطق بالقرآن الكريم، مع اتفاق الروايات و الطّرق عنه، سواء أ كانت هذه المخالفة في نطق الحروف أو في نطق هيئاتها.

القراءات الأربع عشرة

و هي عبارة تستخدم في الدلالة على أعداد القراءات المشهورة و غير المشهورة.

و القراء الأربعة الذين يزيدون على العشرة هم الحسن البصري، و ابن محيصن، و يحيى اليزيديّ، و الشنبوذيّ. و هؤلاء الأربعة المذكورون قراءاتهم غير متواترة، فتعدّ من قبيل قراءة الآحاد.

القراءات السبع‏

هي عبارة تستخدم للدلالة على قراءات الأئمة السبعة المعروفين و هم:

نافع، و عاصم، و حمزة، و ابن عامر، و ابن كثير، و أبو عمرو بن العلاء، و عليّ الكسائيّ. و كلها متواترة.

القراءات العشر

و تدل هذه العبارة على القراءات الواردة عن الأئمة العشرة. و بالإضافة إلى الأئمة السبعة هناك يعقوب، و أبو جعفر، و خلف. و النقل عنهم متواتر. و ليس بعد هؤلاء من نقل عنهم بتواتر.

(را: القراءات السبع و القراءات الأربع عشرة).

القراءات القرآنية

و هي اختلاف ألفاظ الوحي النازل على محمد عليه الصلاة و السلام، اختلافا في كمية الحروف، أو كيفيتها من تخفيف أو تثقيل، و تحقيق أو تسهيل، و نحو ذلك.

و قد اختلفوا في تفسير المراد من حديث الرسول: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف» على وجوه كثيرة، و مطوّلات ضخمة، و أظهر قول فيها أنها على لغات العرب. و الحاصل أن القراءات القرآنية هي تطبيق للحروف الواردة في الحديث.

245

و القراءات فيها الآحاد، و منها المتواتر. و لا يثبت قرآن إلا بالتواتر، فلا يعتبر قرآنا ما ورد منها بطريق الآحاد، و لو ورد بطريق صحيحة.

القراءة

و هو اصطلاح في كيفية الرواية، و معناه أن يقرأ الراوي على الشيخ، فيقول الشيخ: «نعم» أو يسكت. فله، عندئذ، أن يروي عن شيخه، قائلا: «أخبرنا» و «حدّثنا فلان قراءة عليه».

القرآن المعرّب‏

ورد هذا اللفظ عند بعضهم، و يعني أن القرآن مشتمل على الكلام المعرّب.

و هو ما كان أصله أعجميّا ثم استعملته العرب على نحو استعمالها لكلامها، في الحروف و الأصوات و الأوزان.

القران‏

و معناه في الأصول أن يقرن الشارع بين شيئين لفظا، تسوية بينهما، حكما في غير الحكم المذكور إلا بدليل. و الدليل يكون عند الأكثرين من خارج. و مثّلوا لهذه المسألة بقول الرسول (عليه السلام):

«لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم، و لا يغتسل فيه من جنابة» فلا يلزم من تنجس الماء بلا بول تنجّسه بالاغتسال، لأن الأصل عدم الشركة. فالأصل في العطف التغاير، أي: تغاير الحكمين. و من المسائل المبحوثة في هذا الباب مسألة اللفظين العامّين إذا عطف أحدهما على الآخر، و خصّ أحدهما، فلا يقتضي، مثلا، تخصيص الآخر. و هي مسائل مشهورة في الأصول، و فيها دقائق في الأبحاث بحسب نظر المجتهدين.

القرّاء

جمع «قارئ» اسم فاعل من «قرأ».

و يطلق اصطلاحا على إمام من الأئمة المعروفين الذين تنسب إليهم القراءات القرآنية.

القرعة

و هي إجالة السهام أو غيرها بين أطراف مشتبهة لاستخراج الحق من بينها.

القرينة

و هي «فعيلة» بمعنى «المفاعلة» مأخوذة من «المقارنة». و ترد بمعنى «الفقرة» و في الاصطلاح هي أمر يشير إلى المطلوب. و هي تستخدم في الشرعيات من قسم «البيّنات»، و في مجالات الصناعات المختلفة، و لا تختص ببعضها. و تختلف القرائن باختلاف الموضوع، و الحال، و اللغة، و المعاني و تعدّدها.

القسم‏

يقال: «قسم الشي‏ء» أي: ما يكون مندرجا تحته، و أخص منه، ك «الاسم» فهو أخص من «الكلمة» و مندرج تحتها.

(را: القسمة).

246

القسمة

و هي من الأمور القديمة، و ليست حديثة كما يظنّ. و قد وردت في الكتب المنطقية القديمة. و هي تشتمل على معنى بديهي لا يحتاج إلى تعريف. و تعريفها أنها تجزئة الشي‏ء و تفريقه إلى أمور متباينة.

و يسمى الشي‏ء «مقسّما» و كل واحد من الأمور التي انقسم إليها «قسما» بالقياس إلى نفس المقسّم، و «قسيما» بالقياس إلى غيره من الأقسام. مثلا لو قسمنا «العلم» إلى تصور و تصديق. فالعلم «مقسّم» و التصوّر «قسم» من العلم، و «قسيم» للتصديق.

القسيم‏

و «قسيم الشي‏ء» هو ما يكون مقابلا للشي‏ء، و مندرجا معه تحت شي‏ء آخر، نحو: «الاسم» فهو مقابل للفعل، و مندرجان تحت شي‏ء آخر و هي «الكلمة» التي هي أعمّ منهما. (را: القسمة).

القضاء

و هو في الاصطلاح يعني عند جمهور الأصوليين فعل العبادة كلها خارج الوقت.

و بعضهم يطلقه على فعل العبادة بعضها داخل الوقت و بعضها خارجه، فالبعض الأول: هو قضاء بالتّبعية و الثاني: قضاء بالأصالة، بخلاف نظرة بعضهم إذ يعمّون النوعين «بالأداء» أصالة و تبعية داخل الوقت و خارجه. (را: الأداء).

القضيّة

و هي من علم الكلام. و هي المركّب التام الذي يصح أن نصفه بالصدق أو الكذب لذاته. و يطلق على القضية «الخبر». و أجزاؤها هي: محكوم عليه يسمّى «موضوعا» و محكوم به يسمى «محمولا» و نسبة هي رابطة و هذا في القضية الحملية، و أما الشرطية فالأول:

مقدّم، و الثاني: تال، و الثالث: رابطة.

القضيّة الحملية

و هي ما حكم فيها بثبوت شي‏ء لشي‏ء أو نفيه عنه. نحو: «الحديد معدن» و «الرّبا محرّم» و «الصدق ممدوح». فالملاحظ أن المعنى في طرفيها هو: «هذا ذاك» أو «هذا ليس ذاك».

القضية السالبة

و هي ما كان الحكم فيها بسلب الحمل أو الاتصال أو الانفصال.

القضية الشّخصية

و تطلق على «القضية الحملية» و «الشرطية» كقسم لكل منهما. فأما في الحملية فهي تقسيم بحسب الموضوع.

و يقال لها: «المخصوصة» و هي التي يكون فيها الموضوع جزئيّا. نحو:

«محمد رسول اللّه» و «أنت عالم»، و أما في الشرطية فهو تقسيم لها باعتبار الأحوال و الأزمان التي يقع فيها التلازم أو العناد، إذ لا موضوع لها بما هو مفهوم‏

247

موجود في الذهن. و هي ما حكم فيها بالاتصال أو التنافي، أو نفيهما، في زمن معيّن شخصي أو حال معينة. فمن المتصلة: «إن جاء عليّ غاضبا فلا أسلّم عليه» و «إذا أمطرت السماء اليوم فلا أخرج من الدار» و «ليس إذا كان الشيخ حاضرا في الآن فإنه مشغول بالدرس».

و مما يكون في المنفصلة منها: «إما أن تكون الساعة الآن الواحدة أو الثانية» و «إما أن يكون زيد، و هو في البيت، نائما أو مستيقظا» و «ليس إما أن يكون الطالب، و هو في المدرسة، واقفا أو في الدرس».

القضية الشرطية

و هي ما حكم فيها بوجود نسبة بين قضية و أخرى أو لا وجود لها. و هي إما شرطية متصلة، و إما شرطية منفصلة.

القضية الشرطية المتصلة

و هي أن تكون الشرطية هي الاتصال بين القضيتين و تعليق إحداهما على الأخرى أو نفي ذلك. نحو: «إذا أشرقت الشمس فالنهار موجود، و ليس إذا كان الإنسان نمّاما كان أمينا».

القضية الشرطية المنفصلة

و هي أن تكون الشرطية هي الانفصال و العناد بينهما أو نفي ذلك. نحو: «اللفظ إما أن يكون مفردا أو مركبا» و «ليس الإنسان إما أن يكون كاتبا أو شاعرا».

القضية الطبيعية

و هي من أقسام «القضية الحملية».

و هي أن يكون الحكم في نفس الموضوع الكلي بما هو كليّ مع غض النظر عن أفراده، على وجه لا يصح تقدير رجوع الحكم إلى الأفراد. و سمّيت كذلك لأن الحكم فيها على نفس الطبيعة من حيث هي كلية. نحو: «الإنسان نوع» و «الناطق فصل» و «الحيوان جنس» و «الضاحك خاصة» ... فالحكم في هذه الأمثلة لا يصح إرجاعه إلى أفراد الموضوع، لأن الفرد ليس نوعا و لا فصلا و لا جنسا و لا خاصة.

القضية العدمية

و هي عبارة عما كان المحمول فيها عدم ذات، كقولنا: «الإنسان أعمى».

القضية المحصورة

و هي من أقسام الحملية و الشرطية، كل واحدة لها اعتبار في هذا التقسيم.

الأولى باعتبار الموضوع، و الثانية باعتبار الأحوال و الأزمان التي يقع فيها التلازم أو العناد. و يقال لها: «المسوّرة». و هي في الحملية أن يكون فيها الحكم على الكلي بملاحظة أفراده، كالمهملة، و لكنّ كمية أفراده مبيّنة في القضية، إما جميعا، و إما بعضا. و هي قسمان: كلية و جزئية.

و أما الشرطية المحصورة فهي ما بيّن فيها كمّيّة أحوال الحكم و أوقاته كلّا أو بعضا. و هي أيضا قسمان كالحملية.

248

القضية المحصورة الجزئية

و هي في «القضية الحملية» التي يكون الحكم فيها على بعض الأفراد. نحو:

«بعض الناس يكذبون» و وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبإ: الآية 13] وَ ما أَكْثَرُ النَّاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ‏ [يوسف:

الآية 103] و «ربّ أكلة منعت أكلات» و «ليس كل إنسان عالما».

و هي في الشرطية ما إذا كان إثبات الحكم أو رفعه فيها يختص في بعض غير معيّن من الأحوال و الأوقات. مثال المتصلة منها: «قد يكون إذا كان الإنسان عالما كان سعيدا» و «ليس كلما كان الإنسان حازما كان ناجحا في أعماله». و مثال المنفصلة:

«قد يكون إما أن يكون الإنسان مستلقيا أو جالسا» (و هذا عند ما يكون في السيارة، مثلا، إذ لا يمكنه أن يقف) و من المنفصلة كذلك: «قد لا يكون إما أن يكون الإنسان مستلقيا أو جالسا» (و ذلك يحدث عند ما يمكن له أن يقف منتصبا).

القضية المحصورة الكلية

و هي في «الحملية» ما كان الحكم فيها على جميع الأفراد. نحو: «كل ماء طاهر» و «كل ربا محرّم» و «لا شي‏ء من الجهل بنافع» و «ما في الدار ديّار». و هي في «الشرطية» إذا كان إثبات الحكم و رفعه فيها يشمل جميع الأحوال أو الأوقات.

مثال المتصلة منها: «كلما كانت الأمة حريصة على الفضيلة كانت سالكة طريق السعادة» و «ليس أبدا، أو ليس البتة إذا كان الإنسان صبورا على الشدائد كان غير موفّق في أعماله» و من المنفصلة: «دائما إما أن يكون العدد الصحيح زوجا أو فردا» و «ليس أبدا، أو ليس البتة إما أن يكون العدد الصحيح زوجا أو قابلا للقسمة على اثنين».

القضية المخصوصة

را: القضية الشخصية.

القضية المسوّرة

را: القضية المحصورة.

القضية المنتشرة

و هي التي حكم فيها بضرورة ثبوت المحمول للموضوع أو سلبه عنه في وقت غير معين من أوقات وجود الموضوع لا دائما بحسب الذات. فإن كانت موجبة كقولنا: «بالضرورة كل إنسان متنفس في وقت ما لا دائما» كان تركيبها من موجبة منتشرة مطلقة و هي قولنا: «بالضرورة كل إنسان متنفس في وقت ما» و سالبة مطلقة عامة، أي: قولنا: «لا شي‏ء من الإنسان بمتنفّس بالفعل» الذي هو مفهوم اللّادوام. و إن كانت سالبة كقولنا:

«بالضرورة لا شي‏ء من الإنسان بمتنفس في وقت ما لا دائما» فتركيبها من سالبة منتشرة هي الجزء الأول، و موجبة مطلقة عامة هي اللادوام.

249

القضية المهملة

و هي من أقسام «الحملية» باعتبار الموضوع، و «الشرطية» باعتبار الأحوال و الأزمان الواقع فيها التلازم أو العناد.

و سمّيت كذلك في «الحملية» لإهمال بيان كمّيّة أفراد الموضوع. و يراد منها أن يكون الحكم فيها على الكلي بملاحظة أفراده، بأن يكون الحكم في الحقيقة راجعا إلى الأفراد. و الكلي جعل عنوانا و مرآة لها إلا أنه لم يبيّن فيه كميّة الأفراد لا جميعها و لا بعضها. نحو: الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: الآية 2] و «رئيس القوم خادمهم» و «ليس من العدل سرعة العذل». فالأمثلة ليس فيها ما يدل على أن الحكم عام لجميع ما تحت الموضوع أو غير عام. و أما «الشرطية» المهملة فهي ما حكم فيها بالاتصال أو التنافي، أو رفعهما في حال أو زمان ما، من غير نظر إلى عموم الأحوال و الأزمان أو خصوصهما. مثال المتصلة فيها: «إذا بلغ الماء كرّا فلا ينفعل بملاقاة النجاسة» و «ليس إذا كان الإنسان كاذبا كان محمودا». و من المنفصلة: «ليس إما أن يكون الشي‏ء معدنا أو ذهبا» و «القضية إما أن تكون موجبة أو سالبة».

القضية الموجبة

و هي ما كان الحكم فيها بنسبة الحمل أو الاتصال أو الانفصال.

القطع‏

و هو الجزم الذي لا يحتمل الخلاف.

قطعيّ الثبوت‏

و هو الخبر الذي ثبت بالتواتر، أي:

نقله جمع غفير يؤمن عدم تواطؤهم فيه على الكذب، و يكون مستندهم الحسّ، في جميع العصور الثلاثة.

قطعيّ الدلالة

و هو الخبر الذي تكون دلالته تفيد رفع أيّ احتمال مما يخلّ بالفهم. و هو على عشرة احتمالات. (را: تعارض ما يخل بالفهم).

القلب‏

يطلق على جعل المعلول علّة، و العلة معلولا، و شرعا على عدم الحكم لعدم الدليل، و يراد به ثبوت الحكم بدون العلة. و يطلق القلب في القرآن و يقصد به من دلالة اللغة أحد معنيين: «الوجدان» أو «العقل». و لا يراد به مضخّة الحياة.

و في اصطلاح أهل الأصول يعبّر به عن إحدى «قوادح العلة» و هو أن يربط المعترض خلاف قول المستدل على العلة التي استدل المستدل بها إلحاقا بالأصل المقيس عليه. و هو على ثلاثة أقسام:

أولها: أن يكون لنفي مذهب المستدل صريحا، كقول الحنفية: «مسح الرأس ركن من أركان الوضوء، فلا يكفي فيه أقلّ ما ينطبق عليه الاسم قياسا على‏

250

الوجه» فيقول الشافعي: «مسح الرأس ركن من أركان الوضوء فلا يقدر بالرّبع قياسا على الوجه» فقد نفى مذهب المستدل و لم يثبت مذهب المعترض.

و ثانيها: أن يكون لنفي مذهب المستدل ضمنا، أي: يدل على بطلان لازم من لوازمه، كقول الحنفية: «بيع الغائب عقد معاوضة فيصح مع عدم رؤية المعقود عليه قياسا على النكاح» فيقول الشافعي: «بيع الغائب عقد معاوضة فلا يثبت فيه خيار الرؤية كالنكاح» و ثبوت خيار الرؤية لازم لصحة الغائب عندهم.

و إذا انتفى اللازم انتفى الملزوم.

و ثالثها: أن يكون لإثبات مذهب المعترض، كاستدلال الحنفية على اشتراط الصوم في صحة الاعتكاف بقولهم: «الاعتكاف لبث مخصوص فلا يكون بمجرده قربة، كالوقوف بعرفة، فإنما صار قربة بانضمام عبادة أخرى إلى الاعتكاف و هو الإحرام» فيقول الشافعي:

«لبث مخصوص فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة». و من أنواع القلب:

«قلب المساواة» أو «التسوية» و «قلب الدليل» و «قلب الدعوى» و «قلب الاستبعاد» و «قلب العلة».

قلب الاستبعاد

و هو من «أنواع القلب» المعدود من «قوادح العلة» و يتم هذا النوع باستبعاد دليل في الاعتراض من المعترض وارد في نفس موضوع الاعتراض بناء على حجة المعترض.

و من صوره فيما لو ادّعى اللقيط اثنان فأكثر بلا بينة، و لم توجد قافة، و قلنا: «إنه يترك حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء ممن ادعاه». فلو اعترض معترض بأن يقال:

«تحكيم الولد في النسب تحكيم بلا دليل» فيقال جوابا للاعتراض: «تحكيم القائف، أيضا، تحكيم بلا دليل».

قلب التّسوية

را: قلب المساواة.

قلب الدّعوى‏

و هو من «أنواع القلب» من «قوادح العلة». و يراد به قلب القضية بصورها المختلفة بإضمار «الدليل» فيها، أو مع عدم إضمار «الدليل».

فأما قلب الدعوى مع إضمار الدليل فيها فكقولهم: «كلّ موجود مرئيّ» فيقال حينئذ: «كل ما ليس في جهة ليس مرئيّا» فدليل «الرؤية» هو «الوجود» و أما مع عدم إضمار الدليل فهو مثل: «شكر المنعم واجب لذاته» فيكون «القلب» إذ ذاك:

«شكر المنعم ليس واجبا لذاته». و هذا البحث فيه موارد في «علم الجدل» و قواعد طويلة أصولها في كتب «المنطق» أو «علم الكلام».

251

قلب الدليل‏

و هو من «أنواع القلب» المعدودة من «قوادح العلة». و المراد أن يجري قلب الدليل على وجه يكون ما ذكره المستدل يدل عليه لا له. و هذا نوع نادر في القياس. و مثّلوا له بمثال هو قول المستدل لتوريث ذوي الأرحام في توريث «الخال» بقوله عليه الصلاة و السلام:

«الخال وارث من لا وارث له»، فيعترض المعترض قائلا: «هذا الدليل يدل عليك لا لك فهو يدل على أنه لا يرث بطريق أبلغ، لأنه نفي عام كما يقال: الجوع زاد من لا زاد له، و الصبر حيلة من لا حيلة له».

و ليس الصبر حيلة، و لا الجوع زادا و هذا المثال ليس بجيّد على التحقيق، إذ لا علاقة له بالقياس و لا بالعلة.

قلب العلة

و هو من «أنواع القلب». و يراد به أن يبيّن المعترض أن العلة ما ذكره المستدل من الدليل يدل عليه لا له. و هو عند بعضهم نوع «معارضة» و عند آخرين «إفساد» و يقال: «تسليم للصحة» أيضا عند قوم. و من أنواع «قلب العلة» ما يكون قلبا لتصحيح مذهب المعترض مع إبطال مذهب المستدل صريحا، و منه ما يكون قلبا كالنحو السابق إلا أنه من غير تصريح بإبطال مذهب المستدل، و منه قلب لإبطال مذهب المستدل فقط دون تعرض لتصحيح مذهب المعترض سواء كان الإبطال صريحا أو لزوما. را: القلب.

و الواضح أن «قلب العلة» هو ما يدعى «القلب» إطلاقا.

قلب المساواة

و يقال له: «قلب التسوية». من أنواع «القلب» الذي يعدّ من «قوادح العلة» و يراد به أن يكون في «الأصل» حكمان، أحدهما منتصف من «الفرع» بالاتفاق بينهما، و الآخر مختلف فيه، فإذا أراد المستدل إثبات المختلف فيه بالقياس على «الأصل» فالمعترض يقول: «تجب التسوية بين الحكمين في «الفرع» بالقياس على «الأصل» فيقول المعترض: «تجب التسوية بين الحكمين في «الفرع» بالقياس على «الأصل». و يلزم من وجوب التسوية بينهما في «الفرع» انتفاء مذهبه. مثاله:

استدلال الحنفية على وقوع طلاق المكره بقولهم: «المكره مالك للطلاق مكلّف، فيقع طلاقه بالقياس على «المختار» فيقول الشافعي: «المكره مالك مكلّف فنسوي بين إقراره بالطلاق و إيقاعه إياه، قياسا على المختار و يلزم من هذا ألا يقع طلاقه ضمنا، لأنه إذا ثبتت المساواة بين إقراره و إيقاعه مع أنّ إقراره غير معتبر بالاتفاق، لزم أن يكون الإيقاع، أيضا، غير معتبر».

القناعة

هي في اللغة تدل على الرّضا. و في الاصطلاح هي التصديق بالشي‏ء على نحو فكري أو شعوري، أو فكري و شعوري‏

252

معا. فالقناعة على نحو فكري فقط يمكن أن تتأثر و تتزحزح، و كذلك هي ظنية على نحو شعوري فتتغير إلا أنها تكون راسخة و ثابتة إذا كانت على نحو فكري و شعوري في آن معا. فلذلك تكون في الاعتقادات السليمة بأن يعتقد الشخص بعدم إمكان أن يكون له ما ينقض ذلك التصديق، و في الأمور الأخرى غير الاعتقادية تكون النفس أميل إلى التصديق مع إمكان ما ينقضه. و هذا هو الظن الغالب.

قواعد رسم المصحف‏

و هي مجموعة الضوابط في خطّ المصحف العثماني و رسمه. و هي ستّ قواعد: الحذف، و الزيادة، و الهمز، و البدل، و الفصل و الوصل، و ما فيه قراءتان.

القوى الطبيعية

را: القوة.

القوى العقلية

را: القوة.

القوى النفسانية

را: القوة.

القول‏

و هو في اللغة مجرّد النطق، و في الاصطلاح لفظ وضع لمعنى ذهني.

و خرج المهمل بلفظ: «وضع لمعنى» و اختلف في معنى هذه العبارة الأخيرة لدى علماء الأصول على ثلاثة أقوال:

الأول: و هو المعنى الذهنيّ، و هو ما يتصوّره العقل، سواء طابق ما في الخارج أم لا، لدوران الألفاظ مع المعاني الذهنية وجودا و عدما.

القول الثاني: أنه وضع للمعنى الخارجي، أي: الموجود في الخارج.

القول الثالث: أنه وضع للمعنى من حيث هو من غير ملاحظة في الذهن أو في الخارج.

و الصواب أن اللغة ما ورد فيها من ألفاظ و أقوال إنما تكون للتعبير عما في الأذهان. و هذا بخلاف الموجود الذي يكون له وجود في الأذهان أو في الأعيان، فهو من الموجودات. و هي مسألة غير مسألة اللغة بألفاظها و عباراتها. و كذلك غير موضوع مطابقة ما في الأذهان لما في الأعيان. و من هنا أتى اللّبس في تفسيرات العبارة الواردة في التعريف.

القول بالموجب‏

و هو من «قوادح العلة». و «الموجب» هو موجب دليل المستدل. و هو عبارة عن تسليم مقتضى ما جعله المستدل دليلا لحكم مع بقاء الخلاف بينهما فيه. و ذلك بأن يتخيل أن ما ذكره من النص أو القياس مستلزم للحكم أو حكم المسألة المتنازع فيها، مع أنه غير مستلزم له، فلا ينقطع النزاع بتسليمه. و هو قسمان:

أحدهما: أن يقع في النفي. و ذلك‏

253

إذا كان مطلوب المستدل نفي الحكم.

و اللازم من دليله كون شي‏ء معيّن غير موجب لذلك، فتمسك به لتوهمه أنه مأخذ الخصم. مثاله: أن يقول الشافعي في القتل بالمثقّل: «التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، كالتفاوت في المتوسّل إليه» يعني أن «المحدّد» و «المثقل» وسيلتان إلى القتل، و التفاوت بينهما لا يمنع الوجوب كما لا يمنعه التفاوت في المقتولين أي: المتوسل إليه، من الصّغر أو الكبر أو الخساسة أو الشرف. فيقول الحنفي: «كون التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص مسلّم، و نحن نقول بموجبه، و لكن لا يجوز أن يمنع وجوبه أمر موجود في المثقل غير التفاوت، و أنه لا يلزم من إبطال هذا المانع المعيّن إبطال جميع الموانع».

و القسم الثاني: أن يقع في الإثبات.

و ذلك إذا كان مطلوب المستدل إثبات الحكم في الفرع، و اللازم من دليله ثبوته في صورة ما من الجنس، كاستدلال الحنفية على وجوب الزكاة في الخيل بقولهم: «الخيل حيوان يسابق عليه فتجب الزكاة فيه قياسا على الإبل»، فيقال لهم:

«مقتضى دليلكم وجوب مطلق الزكاة و نحن نقول بموجبه، فإنا نوجب فيه زكاة التجارة، و محلّ النزاع فيه إنما هو في زكاة العين، و لا يلزم من إثبات المطلق إثبات جميع أنواعه».

القول الجدليّ‏

را: الجدل.

القوّة

و هي في الاصطلاح ما يعبر عن تمكن الحيوان من الأفعال الشاقة، فقوى النفس النباتية تسمى «قوى طبيعية» و قوى النفس الحيوانية تدعى «قوى نفسانية» و قوى النفس الإنسانية تدعى «قوى عقلية». و القوى العقلية باعتبار إدراكاتها للكليات تدعى «القوة النظرية» باعتبار استنباطها للصناعات الفكرية من أدلتها بالرأي تسمى «القوة العملية».

يرد هذا اللفظ في اللغة بمعنى «القدرة» فيقال: «قوة المشي و القيام».

و أما في الاصطلاح فيعني القابلية و التهيؤ للوجود كقولنا: «البذرة شجرة بالقوة» و «الأخرس ناطق بالقوة».

القوة الباعثة

و تطلق على قوة تحمل القوة «الفاعلية» على تحريك الأعضاء عند ارتسام صورة أمر مطلوب أو مهروب عنه في الخيال. فهي إن حملت على التحريك طلبا لتحصيل الشي‏ء المستلذّ عند المدرك، سواء كان ذلك الشي‏ء نافعا بالنسبة إليه في نفس الأمر، أو ضارّا تسمّ «قوّة شهوانية» و إن حملت على التحريك طلبا لدفع الشي‏ء المنافر عند المدرك ضارّا كان في نفس الأمر أو نافعا تسمّ «قوة غضبية».

254

القوة الشّهوانية

را: القوة الباعثة.

القوة العملية

را: القوة.

القوة الغضبية

را: القوة الباعثة.

القوة الفاعلة

و هي القوة التي تبعث العضلات للتحريك الانقباضيّ، و ترخيها أخرى للتحريك الانبساطي على حسب ما تقتضيه «القوة الباعثة».

القوة المتصرّفة

و هي عبارة في الاصطلاح عن قوة من شأنها التصرف في الصّور و المعاني بالتركيب و التفصيل، فتركب الصور بعضها ببعض مثل تصور إنسان ذي رأسين أو جناحين. و هم يسمونها «القوة المفكّرة» إذا كانت باستعمال العقل لها، و «القوة المتخيّلة» باستعمال الوهم لها، لتصرفها في الصور الخيالية.

القوة النظرية

را: القوة.

القويّ‏

و يطلق عند الإمامية على «الموثّق» و هو ما دخل في طريقه من نصّ الأصحاب على توثيقه مع فساد عقيدته، و لم يشتمل باقية على ضعف. و قد يطلق على ما يروي الإماميّ غير الممدوح و لا المذمّم.

و يطلق كذلك لدى المحدّثين على الحديث «الصحيح» و ذلك لنكتة تبدو عند الجهبذ الناقد. (را: الجيد).

القياس‏

و هو، في اللغة، التقدير. و حدّه أنه إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر، لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت.

و مبنى القياس على العلة، فلا يوجد قياس دون علة هي الباعث على الحكم. و دليل القياس دليل قطعي، و ذلك أن محل اعتباره دليلا شرعيا إنما يرجع إلى النص نفسه، إذ لا تعتبر العلة فيه إلا إذا دل الشرع عليها، فيكون اعتباره دليلا شرعيّا أمرا حتميّا، و يكون راجعا إلى نفس النص، و لذلك يقال له: «معقول النص». و عليه فإن هذا القياس دليله نفس دليل النص الذي دل على العلة. فإن كان دليل العلة هو الكتاب فدليل هذا القياس هو دليل الكتاب، و إن كان دليلها هو السّنّة فدليل القياس هو دليل السنة، و إن كان دليلها هو إجماع الصحابة فدليل القياس هو دليل إجماع الصحابة و بذلك يكون دليل القياس قطعيّا، لأنه نفس دليل النص الذي دل على العلة، أي: نفس أدلة الكتاب و السنة و إجماع الصحابة، و هي أدلة قطعية. و عليه فإن الدليل الشرعي على حجية القياس هو مجموع الأدلة التي تدل‏