معجم مصطلح الأصول‏

- هيثم هلال المزيد...
392 /
305

الملزمة و أخطأ الواقع. و ليس للآمر معاقبته على ذلك ما دام قد اعتمد على ما أقامه له من الطرق، و ألزمه السير على وفقها، أو كان ملزما بحكم العقل بالسير عليها كما هو الشأن في الحجج الذاتية.

فمثلا، المشرّع الذي جعل الطريق إلى قوانينه جريدة الدولة الرسمية لا يسوغ له أن يعاقب مواطنيه إذا اعتمدوا عليها في سلوكهم، و تبيّن فيها الخطأ في النقل بسبب من الطباعة أو غيرها. و لو قدّر له أن يعاقب لكان عرضة للكثير من التقريع أو اللوم عقلا، و لكان أيسر ما يقال له: «كيف تعاقبه على السير على وفق ما ألزمته بالسير عليه؟ أ ليس هذا هو الظلم بعينه؟».

المعرفة

من الفعل «عرف يعرف» و هي المصدر. و قد ذهب بعضهم إلى أنها تعني العلم، و ذهب آخرون إلى التفرقة بينهما و هو الصواب. فالمعرفة تستدعي سابقة جهل، بخلاف العلم، و لهذا لا يستعمل في حق البارئ عزّ و جل، إذ لا يقال: عرف اللّه كذا فهو عارف، و لسبب آخر، أيضا، و هو أن العلم فيه اليقين بخلاف المعرفة فهي من باب الظن.

و كذلك العلم أعم من المعرفة و أشمل فالمعرفة جزئية. و هذا يتضح من مسالك لغة العرب و توجهاتهم في استعمال الكلمتين.

المعقول الكلي‏

و هو الذي يطابق صورة في الخارج.

نحو: «الإنسان» و «الحيوان» و «الضاحك».

معقول النص‏

را: القياس.

المعقولات‏

را: الأوليات.

المعقولات الأولى‏

و هي ما يكون بإزائه موجود في الخارج، كطبيعة الحيوان و الإنسان، فإنهما يحملان على الموجود الخارجي، كقولنا: «زيد إنسان» و «الفرس حيوان».

المعقولات الثانية

و هي ما لا يكون بإزائه شي‏ء فيه، كالنوع و الفصل و الجنس، فهي لا تحمل على شي‏ء من الموجودات الخارجية.

المعلّل‏

هو بزنة «مفعّل» اسم فاعل من «علّل» يطلق على الذي ينصب نفسه لإثبات الحكم بالدليل.

المعلول الأخير

و هو ما لا يكون علة لشي‏ء أصلا.

المعنى الأصلي‏

را: الدلالة الأصلية.

306

المعنى الإفرادي‏

اصطلاح خاص ورد في «الموافقات» للشاطبي، مقابل اصطلاح آخر «المعنى التركيبي». و يعني به المعنى المنبثق عن لفظ بعينه. فقد كانت العرب تعنى بالمعنى الإفرادي، و عني به الصحابة في المواضع التي ينجم عنها تشريع في الكتاب أو السنة. فمثلا في الروايات الشعرية ترد ألفاظ بعنيها يحرص على عدم تغييرها لدى الرواة، كأسماء الأعلام و أسماء الأماكن مما يحيل المعنى جملة لو غيّر هذا اللفظ. و كذلك ما ورد عن عمر في سؤاله عن قوله تعالى: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى‏ تَخَوُّفٍ‏ [النّحل: الآية 47] فإنه سئل عنه في الخطبة على المنبر، فقال رجل من هذيل:

«التخوّف عندنا التنقّص» ثم أنشده:

تخوّف الرحل منها تامكا قردا* * * كما تخوّف عود النّبعة السّفن‏

فقال عمر: «أيها الناس، تمسّكوا بديوان شعركم في جاهليتكم، فإن فيه تفسير كتابكم» فهذا البحث عن المعنى الإفرادي لأنه قد توقف عليه معنى الآية.

المعنى الأوّليّ‏

را: الدلالة الأصلية.

المعنى الإيجاديّ‏

و هو توقف المعنى على الاستعمال و وجوده به، كالهيئة و الربط في المعنى الحرفي.

المعنى التابع‏

را: الدلالة التابعة.

المعنى التركيبي‏

اصطلاح خاص في مقابل «المعنى الإفرادي» و يريد به الشاطبيّ كل معنى فهم على الجملة دون مراعاة اللفظ بعينه، بل هو حاصل المعنى المستفاد من التركيب لا من اللفظ المعيّن.

و ينبني على هذا أن العرب لا تعنى باللفظ المفرد إذا لم يكن هناك غاية معينة من ورائه. فهناك في الرواية الشّعرية عنهم ما يوضّح هذا، من ذلك ما رواه ابن جني عن عيسى بن عمر أو غيره قال: «سمعت ذا الرّمة ينشد:

و ظاهر لها من يابس الشّخت و استعن‏* * * عليها الصّبا، و اجعل يديك لها سترا

فقلت: أنشدتني: (من بائس)، فقال: (يابس) و (بائس) واحد. فلم يعبأ ذو الرمة بالاختلاف بين البؤس و اليبس، لمّا كان معنى البيت قائما على الوجهين و صوابا على كلتا الطريقتين. و قد نهى عمر صبيغا مؤدّبا له لسؤاله عن (المرسلات) و (العاصفات) و نحوهما، و ذلك لأن المعنى التركيبي مفهوم على الجملة، و لا ينبني على هذه الأشياء حكم تكليفي.

المعنى الثانويّ‏

را: الدلالة التابعة.

307

المعنى الخطاريّ‏

و هو خطور المعنى بالبال بمجرد التلفظ بدون أن يذكر في طيّ تركيب من التراكيب، كالمعنى الاسمي.

المعنون‏

را: العنوان.

المعنويّ‏

و هو الذي لا يكون للسان فيه حظّ، و إنما هو معنى يعرف بالقلب.

المغالط

را: التبكيت المشاغبي.

المغالطات اللفظية

و هي المغالطات الواقعة في الألفاظ من جهة الإفراد أو التركيب. و منها ما يكون في جوهر اللفظ من جهة اشتراكه، أو في حاله و هيئته بأمور خارجة عليه عارضة، و منها ما يكون يقتضي المغالطة بنفس التركيب، أو يقتضيه توهم وجود التركيب، أو توهم عدمه.

المغالطات المعنوية

و هي كل مغالطة غير لفظية. و تنقسم إلى قسمين: الأول: ما تقع في التأليف بين جزءي قضية واحدة (الموضوع و المحمول أو المقدم و التالي)؛ و الثاني: ما تقع في التأليف بين القضايا. و الأول له ثلاثة أنواع هي: «إيهام الانعكاس» و «أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات» و «سوء اعتبار الحمل» و الثاني له أربعة أنواع هي: «جمع المسائل في مسألة واحدة» و «سوء التأليف» و «المصادرة على المطلوب» و «وضع ما ليس بعلة علة». فهذه سبعة أنواع للمغالطات المعنوية.

المغالطة

و هي في الأقيسة ما يفيد تصديقا جازما، و قد اعتبر فيه أن يكون المطلوب حقّا، و لكنه ليس بحق واقعا. (را:

التبكيت المشاغبيّ).

المغالطة باشتراك الاسم‏

و لا يراد «الاشتراك اللفظي» بل أن يكون اللفظ صالحا للدلالة على أكثر من معنى واحد بأي نحو من أنحاء الدلالة، سواء أ كانت بسبب الاشتراك اللفظي أو النقل أو المجاز أو التشبيه أو الاستعارة أو التشابه أو الإطلاق أو التقييد أو نحوها.

و أكثر المغالطات ترجع إلى هذه الناحية اللفظية منذ أقدم العصور حتى نقل أن أفلاطون قد خصها بكتاب دون باقي أقسام المغالطات اللفظية. و باعتبار اختلاف المساحات الدلالية للألفاظ و قصور تحديد المراد منها فلا بد من التدقيق في المراد منها. و مثال ذلك خلافهم في الحسن و القبح.

المغالطة باشتراك التأليف‏

را: مغالطة تفصيل المركّب.

308

المغالطة باشتراك القسمة

را: مغالطة تركيب المفصل.

مغالطة تركيب المفصّل‏

و يسمّيها الطّوسيّ «المغالطة باشتراك القسمة» و هي من أقسام ما يدعى «المغالطات اللفظية». و تعني ما تكون المغالطة بسبب توهّم وجود تأليف بين الألفاظ المفردة و هو ليس بموجود. و ذلك بأن يكون الحكم في القضية مع عدم ملاحظة التأليف صادقا، و مع ملاحظته كاذبا، فيصدق الكلام مفصّلا لا مركّبا، فلذلك سمّي بالمعنون أعلاه.

و هو على نحوين: إما أن يكون التفصيل و التركيب في الموضوع أو في المحمول. فالأول: أن يكون الموضوع له عدّة أجزاء، و كل جزء منها له حكم خاص، و الأحكام بحسب كل جزء صادقة، و إذا جعلنا الموضوع المركّب من الأجزاء بما هو مركب كانت الأحكام بحسبه كاذبة، كما يقال، مثلا: «الخمسة زوج و فرد، و كل ما كان زوجا و فردا فهو زوج، ... الخمسة زوج»، و هذه النتيجة كاذبة مع صدق المقدمتين. و السّرّ في ذلك أنه في «الصغرى» و هو الموضوع (الخمسة) إذا لوحظ بحسب التفصيل و التحليل إلى اثنين و ثلاثة صح الحكم عليه بحسب كل جزء أنه زوج و فرد، أي: الاثنان زوج، و الثلاثة فرد. أما إذا لوحظ بحسب التركيب فالحكم عليه بأنه زوج و فرد كاذب، إذ ليس عدد الخمسة بما هي خمسة إلا فردا. و كذلك في «الكبرى» الموضوع- و هو ما كان زوجا و فردا- إن لوحظ بحسب التفصيل و التحليل صح الحكم عليه بأنه زوج. أما إذا لوحظ بحسب التركيب فالحكم عليه بأنه زوج كاذب، لأن المركب من الزوج و الفرد فرد.

أما الموضوع في «النتيجة» (الخمسة زوج) فلا يصح أن يؤخذ إلا بحسب التركيب، لأن الحكم على أي عدد بأنه زوج أو فرد لا يصح إلا إذا لوحظ بما هو مركب، و لا يصح أن يلاحظ بحسب التفصيل و التحليل إلا إذا حكم عليه بهما معا، أو بأنه زوج و زوج، أو بأنه فرد و فرد. و من ثمّ كان الحكم على الخمسة بأنها زوج كاذبا.

و الحاصل أن الموضوع في «الصغرى» و «الكبرى» لوحظ بحسب التفصيل و التحليل، و لذا كانتا صادقتين.

و في «النتيجة» لوحظ بحسب التركيب فكانت كاذبة. فإذا اشتبه الأمر على القائس أو المخاطب و ركّب ما هو مفصّل وقعت المغالطة و كان الغلط.

الثاني: أن يكون المحمول له عدّة أجزاء، و كل جزء إذا حكم به منفردا على الموضوع كان صادقا، و إذا حكم بالجميع بحسب التركيب بينها، أي: المركب بما هو مركب، كان كاذبا. مثاله: إذا كان زيد غير ماهر في شعره، و كان ماهرا في‏

309

فن آخر، و هو الخياطة، مثلا، فإنه يصح أن يحكم عليه بانفراد أنه شاعر مطلقا، و يصح، أيضا، أن يحكم عليه بانفراد أنه ماهر مطلقا.

فإذا جمعت بين الحكمين في عبارة واحدة و قلت: «زيد شاعر و ماهر» فإن هذه العبارة توهم أن هذا الحكم وقع بحسب التركيب بين الحكمين، أي: أنه شاعر ماهر في شعره. و هو حكم كاذب بحسب الفرض. و لكن إذا لوحظ بحسب التفصيل و التحليل إلى حكمين أحدهما غير مقيّد بالآخر كان صادقا.

مغالطة تفصيل المركّب‏

و يسمّيها الطّوسيّ «المغالطة باشتراك التأليف» و هي من أقسام «المغالطات اللفظية». و هي ما تكون المغالطة بسبب توهم عدم التأليف و التركيب، مع فرض وجوده. و ذلك بأن يكون الحكم في القضية بحسب التأليف و التركيب صادقا، و بحسب التفصيل و التحليل كاذبا فيصدق مركّبا لا مفصّلا. مثاله: «الخمسة زوج و فرد» فإنه إنما يصح إذا حمل الجزءان معا بحسب التركيب بينهما على الخمسة بأن تكون الواو عاطفة بمعنى جمع الأجزاء، كالحكم على الدار بأنها آجرّ و جصّ و حسب، أي: أنها مركبة من مجموع هذه الأجزاء. و أما إذا حمل كل من الجزءين بانفراده بحسب التفصيل و التحليل بأن تكون الواو عاطفة بمعنى الجمع بين الصفات كان الحكم كاذبا، كالحكم على شخص بأنه شاعر و كاتب، لأن عدد الخمسة ليس إلا فردا، بل يستحيل أن يكون عدد واحد فردا و زوجا معا.

فمن لاحظ القضية كونها محمولة بحسب التفصيل و التحليل- أي: توهّم عدم التركيب- فقد كان غالطا مغالطا.

المغالطة في الإعراب و الإعجام‏

من أقسام «المغالطات اللفظية»، و هي فيما إذا كان اللفظ يتعدّد معناه بسبب أمور عارضة على هيئة خارجة عن ذاته، بأن يصحّف اللفظ نطقا أو خطّا بإعجام أو حركات. مثلا قال ابن سينا ذاكرا عن الحكماء ما معناه: «إن اللّه تعالى بحت وجوده» فصحّفه بعضهم ظانّا أنه قصد «يجب وجوده».

المغالطة في هيئة اللفظ الذاتية

من أقسام المسمّى «مغالطات لفظية». و تكون فيما إذا كان اللفظ يتعدّد معناه من جهة تصريفه أو تذكيره أو تأنيثه أو كونه اسم فاعل أو اسم مفعول. و لعدم تمييز أحدهما من الآخر يقع الاشتباه و الغلط، فيوضع حكم أحدهما للآخر.

نحو: «العدل» من جهة كونه مصدرا مرّة، و صفة مرّة أخرى، و نحو: «تقوم» من جهة كونه خطابا للمذكّر المفرد تارة، و للمؤنث الغائبة المفردة تارة أخرى، و نحو: «المعتاد» و «المختار» لاسم الفاعل‏

310

مرة، و لاسم المفعول أخرى.

و ينبغي أن يشار أن الكلمة في العربية مهما كثرت تقاليبها و اشتقاقاتها فلكل هيئة منها معنى بإزائها لا يجوز حمله على اشتقاق آخر. فكلمة «المولى» غير كلمة «الوليّ» و غير كلمة «الولاية» فلا يرد أن يوجد قاسم معنوي بين هذه الكلمات، بل يقال: «إن لكل كلمة معنى إزاءها تواضع عليه أهل اللغة».

مغالطة المماراة

و هي ما تكون المغالطة تحدث في نفس تركيب الألفاظ، و ذلك فيما إذا لم يكن اشتراك في نفس الألفاظ و لا اشتباه فيها، و لكن بتركيبها و تأليفها يحصل الاشتباه و الاشتراك، كقول عقيل رضي اللّه عنه حين طلب منه معاوية أن يسبّ أخاه عليا رضي اللّه عنه على المنبر فقال:

«أمرني معاوية أن أسبّ عليّا. ألا فالعنوه» فجاء الإيهام من طرف تردّد عود الضمير إلى معاوية أو إلى عليّ، مع أن اللعن لمعاوية. و يدخل في هذا الباب أيضا «التورية» من علم البديع.

المفرد

و هو اصطلاح يقابل اصطلاحا هو «المركّب». و يعني عند النحاة الكلمة الواحدة. و أما أهل الأصول و المنطق فيعرّفونه بأنه لفظ وضع لمعنى، و لا جزء لذلك اللفظ يدل على المعنى الموضوع.

و يشمل بهذا أربعة أقسام:

الأول: ما لا جزء له البتة، كباء الجر.

الثاني: ما له جزء، و لكن لا يدل مطلقا، كالزاي من (زيد).

الثالث: ما له جزء يدل، لكن لا على جزء المعنى، ك «إن» من حروف كلمة «إنسان» فإنها لا تدل على بعض الإنسان، و إن كانت بإيرادها تدل على الشرط أو النفي.

الرابع: ما له جزء يدل على جزء المعنى، لكن في غير ذلك الوضع، كقولنا: «حيوان ناطق» علما على شخص.

و يستعمل المفرد إزاء لفظ آخر اصطلاحي هو «الجمع».

المفسّر

و هو في اصطلاح: ما زاد وضوحا على النص على وجه لا يبقى معه احتمال التأويل أو التخصيص، مثل قوله تعالى:

فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ‏ [الحجر: الآية 30] ف «الملائكة» اسم ظاهر عام، و لكنه يحتمل الخصوص، فلما فسّر بقوله: «كلهم» انقطع هذا الاحتمال، لكنه بقي احتمال الجمع و التفرق، فانقطع احتمال تأويل التفريق بقوله: «أجمعون». و قد جعلوا هذا من أقسام الكتاب و السنة، على أنه لا محلّ لبحثه في هذا الباب.

311

المفصّل‏

و هي من أقسام السّور. و هي التي تكون أواخر القرآن. و اختلف في تعيين أوّله. و الظاهر أنه «الحجرات». و سمّي كذلك لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة، و قيل: «لقلّة المنسوخ منه» و لهذا يدعى «المحكم». و هو ثلاثة: طوال، قصار، أوساط. فالأول من «الحجرات» إلى «البروج» و الثاني من «الزلزلة» إلى آخر القرآن، و الثالث من «الطارق» إلى «لم يكن». (و را: التفصيل).

المفهوم‏

تطلق كلمة «المفهوم» على ثلاثة معان:

الأول: المعنى المدلول للفظ الذي يفهم منه، فيساوي كلمة «المدلول»، سواء كان مدلولا لمفرد، أو لجملة، و سواء كان مدلولا حقيقيّا أو مجازيّا.

و منه قول الأصوليين «مفهوم المشترك» أو «مفاهيم المشترك».

الثاني: و يراد به كلّ معنى يفهم، و إن لم يكن مدلولا للفظ، فيعمّ المعنى الأول و غيره، و يقابل «المصداق» في كتب أصول الإمامية و علم الكلام. و هذا مستخدم حديثا بغير تحديد دقيق للمراد به. و لشدة الخلاف الفكري حول المسألة نقترح تعريفا له على النحو التالي: «هو المعنى المدرك له واقع في الذهن، سواء أ كان واقعا موجودا في الخارج أو واقعا متصوّرا في الذهن بالاستناد إلى واقع محسوس».

فالمفاهيم بهذا هي «معاني الأفكار».

و بناء على تعريفنا للعقل في هذا الكتاب يتضح أن المفاهيم تتألف من ربط المعلومات بالواقع أو العكس بالاستناد إلى قاعدة أو قواعد معينة، و يكون بالتالي أثرها في سلوك الإنسان.

الثالث: و هو ما يقابل المنطوق.

و حدّه أنه ما فهم من اللفظ في غير محلّ النطق، أي: هو ما دل عليه مدلول اللفظ، يعني المعنى الذي دل عليه معنى اللفظ.

و هو من دلالة الالتزام على الصحيح في الأبحاث الأصولية. فقوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏ [الإسراء: الآية 23] المفهوم منه (و لا تضربهما). و هو قسمان: مفهوم موافقة، و مخالفة. و دلالة المفهوم هي دلالة التزامية. و لا علاقة لدلالة التضمن به، و لا لدلالة المطابقة.

مفهوم الإرادة

و هو معنى اسمي وضع له لفظ «الإرادة».

مفهوم الحصر

و هو عند مثبته قسم من أقسام مفهوم المخالفة. و يعني نفي الحكم الواقع تحت الحصر عما عداه. و الحصر له معنيان:

الأول: هو «القصر» باصطلاح علماء البلاغة، سواء كان من نوع قصر الصفة على الموصوف، أو العكس، و الثاني:

312

هو ما يعمّ القصر و الاستثناء الذي لا يسمّى «قصرا» بالاصطلاح، و هو المقصود هنا.

و الأدوات الدالة على مفهوم الحصر هي «إلا» التي للاستثناء، و يدخل معها التي تكون للحصر بعد نفي، نحو: «لا صلاة إلا بطهور»، و كذلك «إنما»، و «بل» الدالة على الردع و إبطال ما ثبت أولا، نحو: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ* بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِ‏ [المؤمنون: الآية 70] و هي تدل على انتفاء مجيئه بغير الحق. و هناك هيئات بلاغية أخرى غير الأدوات، كتقدم المفعول في قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة: الآية 5] و مثل تعريف المسند إليه بلام الجنس مع تقديمه، نحو:

«العالم محمد» و «القول ما قالت حذام» و نحوها. و مفهوم الحصر غير ثابت عند التحقيق في «إنما» كقوله (عليه السلام):

«إنما الشّفعة فيما لم يقسم» و قوله: «إنما الأعمال بالنيات» و قوله: «إنما الولاء لمن أعتق» و قوله: «إنما الرّبا في النسيئة» فهي لا تدل على الحصر، و لا يعمل بمفهوم المخالفة لها. و ذلك لأن «إنما» في اللغة لا تدل على الحصر قطعا، عند أهل اللغة، حتى يعمل بمفهوم المخالفة، بل ترد و المراد بها الحصر و ربما ترد و لا حصر لها. فقوله تعالى: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ‏ [الكهف: الآية 110] و قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ [التّوبة:

الآية 60] و المراد هنا الحصر في الآيتين، و قوله (عليه السلام): «إنما الربا في النسيئة» لا يراد منها الحصر، فالربا غير منحصر في النسيئة، لانعقاد إجماع الصحابة على تحريم ربا الفضل، فلم يخالف سوى ابن عباس ثم رجع عنه. و كذلك قوله (عليه السلام): «إنما الشفعة فيما لم يقسم» لا يراد منها الحصر، فالشفعة غير محصورة في الشريك بل هي كذلك ثابتة للجار، لقوله (عليه السلام): «جار الدار أحقّ بالدار من غيره» و قوله: «الجار أحق بسقبه ما كان» و قوله: «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها و إن كان غائبا». و ما دامت دلالة «إنما» كذلك، ترد للحصر، و ربما لا ترد له فلا يكون لها مفهوم مخالفة.

مفهوم الشرط

و هو من أقسام «مفهوم المخالفة».

و يعني تعليق الحكم على الشي‏ء بكلمة «إن» أو غيرها من الشروط اللغوية، فإنه يدل على نفي الحكم عند عدم تحقق الشرط، فإذا لم يثبت الشرط لا يثبت المشروط، و ثبوت المشروط يلزم عند ثبوت الشرط.

و العرب استعملوا «إن» للشرط، فسمّيت «حرف شرط» و هو استعمال وارد عن العرب. و ثبوت المشروط عند ثبوت الشرط، و عدمه عند عدمه بدلالة «إن» عليه يثبت أن مفهوم الشرط معمول به، فإذا كان شرطا في الثبوت كان العدم معمولا به، و إن كان شرطا في العدم كان الثبوت معمولا به، فيقتضي أن مفهوم المخالفة في الحكم المعلّق به معمول به.

313

فقوله تعالى: وَ إِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَ‏ [الطّلاق: الآية 6] فإنه يدل على عدم وجوب الإنفاق بعدم الحمل، فعلق الحكم بالشرط.

مفهوم الصفة

و هو يقال له: «مفهوم الوصف»، و هو قسم من أقسام مفهوم المخالفة.

و يعني تعليق الحكم بصفة من صفات الذات، فيدل على نفي الحكم عن الذات عند انتفاء تلك الصفة. و تكون الصفة في هذه الحال وصفا مفهما، أي: مما يفيد العلّية، فإن لم تكن وصفا مفهما فلا مفهوم لها، كقوله (عليه السلام): «في الغنم السائمة زكاة» فالغنم اسم ذات، و لها صفتان: السّوم، و العلف. و قد علّق الوجوب على صفة السوم، فيدل ذلك على عدم الوجوب في المعلوفة، فلفظ السائمة وصف مفهم، فكان لها مفهوم.

و أما إذا كان الوصف غير مفهم كقولنا: «الأبيض يشبع إذا أكل» فهو غير مفهم، لأن الأسود يشبع إذا أكل. و يقال له: «الأمر المقيّد بصفة» و هو نظرة إلى مضمون الخطاب من حيث إن النص يأتي و يتضمن الأمر، ثم من حيث هو مطلق أو مقيّد. و هو على هذا عنوان بحث جزئي في (المطلق و المقيّد) و ليس اصطلاحا لمفهوم المخالفة للصفة.

مفهوم العدد

من أقسام «مفهوم المخالفة». و يراد به تعليق الحكم بعدد، أي: أن تقييد الحكم بعدد مخصوص يدل على أن ما عدا ذلك العدد بخلافه، كقوله تعالى:

الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [النّور: الآية 2] فقد قيّد الحكم بعدد معيّن هو «مائة» فيدل على تحريم ما زاد على المائة. و لا يعمل بهذا المفهوم إلا في حالة واحدة، و هي ما إذا قيّد الحكم بعدد مخصوص و كان يدل على ثبوت ذلك الحكم في العدد، و نفيه عمن سواه، أو يدل على نفيه في العدد، و ثبوته فيما سواه من سياق الكلام، كما هي الحال في فحوى الخطاب، و كان مما تنطبق.

عليه دلالة الالتزام بأن كان ذلك المعنى ينتقل الذهن إليه عند سماع الكلام، أي:

كان من اللازم الذهني، فإن لم يكن منه فلا يعتبر، لأن هذا المفهوم من دلالة الالتزام، و المعتبر فيها اللزوم الذهني. و أما إذا كان سياق الكلام لا يدل عليه، كما إذا قال شخص لآخر له عليه دين: «أعطني القرشين اللّذين لي عليك» فلا مفهوم له، إذ لم يرد ب «قرشين» تقييد الحكم بالعدد، و إنما هو إطلاق لمطلق العدد. فقد يكون الدّين الذي له مئات الدنانير.

مفهوم الغاية

و هو من أقسام «مفهوم المخالفة».

و معناه تعليق الحكم بغاية. و إذا قيّد الحكم بغاية فإنه يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية، كقوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ‏ [البقرة: الآية 187]،

314

فقد قيد الصيام بغاية هي الليل، فهو يدل على عدم الصيام بعد أن يدخل الليل. و ما يؤكّد أن المعنى أنه بعد دخول الليل لا صيام هو قول الرسول (عليه السلام): «ما عجّلوا الفطور»، و بدليل النهي عن الوصال في الصوم.

و لو لم يكن مفهوم المخالفة معمولا به لما كان تقييده بها نافيا للحكم عما بعدها، و لم تكن لذكرها فائدة، و هو خلاف الواقع، و خلاف ما عليه القرآن.

فالواقع أن الحكم منفيّ فكان نفيه ناتجا عن مفهوم المخالفة للغاية، و ما عليه القرآن أن كلّ كلمة أو حرف يذكر فيه فهو لفائدة، و ليس لزيادة، فعدم العمل بهذا المفهوم جعل ذكر الغاية عبثا، و لا يجوز، فاقتضى إعمال مفهوم المخالفة لها.

مفهوم اللّقب‏

أكثر أهل الأصول على التمييز بينه و بين مفهوم الصفة. و معناه نفي الحكم عما لا يتناوله عموم الاسم، أو تعليق حكم باسم. و يراد باللقب كلّ اسم سواء كان مشتقا أو جامدا، وقع موضوعا للحكم، كالفقير في قولهم: «أطعم الفقير»، و قوله (عليه السلام): «الطعام بالطعام مثلا بمثل» فكلمة «الطعام» لقب على جنس الطعام. و كل اسم دل على جنس أو شخص أو نوع فهو «لقب».

و لا حجة في مفهوم اللقب عند الأكثرين، و هو عند مثبته من «مفهوم المخالفة» قسم منه.

مفهوم المخالفة

و يقابله «مفهوم الموافقة»، و يقال له:

«المفهوم المخالف»، و «دليل الخطاب» و «لحن الخطاب». و هو ما يكون مدلول اللفظ في محلّ السكوت مخالفا لمدلوله في محل النطق. يعني أن ما فهم من مدلول اللفظ من معان و أحكام يكون مخالفا لما فهم من اللفظ نفسه. فالمعنى اللازم لمدلول اللفظ، إذا كان مخالفا لذلك المدلول فهو «مفهوم المخالفة».

و هو لا يخرج، لدى التحقيق، عن «مفهوم الصفة، و مفهوم الشرط، و مفهوم الغاية، و مفهوم العدد». و أما مفهوم الاسم مطلقا سواء أ كان علما، نحو:

«زيد»، أو اسم جنس، نحو: «في الغنم زكاة»، أو ما في معناه كاللّقب و الكنية فلا يدلّ على نفيه عن غيره. و كذلك الوصف غير المفهم لا يعمل به، كقوله عليه الصلاة و السلام: «للسائل حقّ و إن جاء على فرس»، فلا يعني أن غير السائل لا حقّ له في الزكاة، بل تعطى للسائل و غير السائل، و كذلك لا يعمل بمفهوم «إنما» را: مفهوم الحصر. و لا يعمل بهذا المفهوم إذا جاء نص من الكتاب أو السنة يعطّله، و كذلك لا يعمل بكل ما كان تخصيصا لمحل النطق بالذكر، لخروجه مخرج الأعم الأغلب، و ذلك كقوله‏

315

تعالى: وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ‏ [النّساء:

الآية 23] و قوله: وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها [النّساء: الآية 35] و قوله عليه الصلاة و السلام: «أيّما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل» و قوله (عليه السلام): «فليستنج بثلاثة أحجار» فإن تخصيصه بالذكر لمحل النطق في جميع هذه الصّور إنما كان لأنه الغالب، إذ الغالب أن الربيبة تكون في الحجر، و أن الخلع لا يكون إلا مع الشقاق، و أن المرأة لا تزوّج نفسها إلا عند عدم إذن الولي لها، و إبائه من تزويجها، و أن الاستنجاء لا يكون إلا بالحجارة، فلا مفهوم للخطاب في كل هذه الأمثلة.

مفهوم الموافقة

و هو قسم رئيس من أقسام «المفهوم». و يعرّف بأنه ما يكون مدلول اللفظ في محلّ السكوت موافقا لمدلوله في محلّ النطق. يعني أن ما فهم من مدلول اللفظ من معان و أحكام يكون موافقا لما فهم من اللفظ نفسه، فالمعنى اللازم لمدلول اللفظ إذا كان موافقا لذلك المدلول فهو مفهوم الموافقة. و يسمّى «فحوى الخطاب» و «لحن الخطاب» و المراد به معنى الخطاب، و يدعى أحيانا «تنبيه الخطاب».

و مثاله قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏ [الإسراء: الآية 23]، فإنه يدل على تحريم شتم الوالدين و ضربهما.

فتحريم التأفيف إنما كان لما فيه من أذى، فيلزم من تحريم التأفيف تحريم ما هو أشدّ منه أذى كالشتم و الضرب. و هذه الإفادة من تركيب الجملة و ليس من المفرد.

و تكون دلالته من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى، كالمثال المذكور، أو بالتنبيه بالأعلى على الأدنى، أو من قبيل المساوي، أو غير ذلك مما يكون لازما للمنطوق، كقوله (عليه السلام): «احفظ عفاصها و وكاءها» فهو يدل على حفظ ما التقط من الدنانير.

مفهوم الوصف‏

را: مفهوم الصفة.

المقاصد الأصلية

و هو اصطلاح لأهل الأصول في تقسيمهم للمقاصد الشرعية من «المصالح المرسلة». و هي التي لا حظّ فيها للمكلّف، و هي عندهم الضروريات المعتبرة في كل ملّة. و أما أنها لا حظّ فيها للعبد فمن حيث هي ضرورية، لأنها قيام بمصالح عامة مطلقة، لا تختص بحال دون حال، و لا بصورة دون صورة، و لا بوقت دون وقت. و تنقسم إلى مقاصد ضرورية عينية، و إلى ضرورية كفائية.

و يقابل اصطلاح «المقاصد الأصلية» اصطلاح آخر، و هو «المقاصد التابعة».

316

المقاصد التابعة

و هو قسيم ل المقاصد الأصلية».

و يراد بالمقاصد التابعة أنها التي روعي فيها حظّ المكلّف. فمن جهتها يحصل له مقتضى ما جبل عليه من نيل الشهوات، و الاستمتاع بالمباحات، و سدّ الخلّات.

و ذلك أن حكمة الحكيم الخبير حكمت أن قيام الدين و الدنيا إنما يستمر و يصلح بدواع من قبل الإنسان تحمله على اكتساب ما يحتاج إليه هو و غيره، فخلق له شهوة الطعام و الشراب إذا مسه الجوع و العطش، ليحركه ذلك الباعث إلى التسبّب في سد هذه الخلّة بما أمكنه.

و كذلك خلق له الشهوة إلى النساء، لتحركه إلى اكتساب الأسباب الموصلة إليها، و كذلك خلق له الاستضرار بالحرّ و البرد و الطوارق العارضة، فكان ذلك داعية إلى اكتساب اللباس و المسكن، ثم خلق الجنة و النار، و أرسل الرّسل مبيّنة أن الاستقرار ليس هاهنا، و إنما هذه الدار مزرعة لدار أخرى، و أن السعادة الأبدية و الشّقاوة الأبدية هنالك، لكنها تكتسب أسبابها هنا بالرجوع إلى ما حدّه الشارع أو بالخروج عنه. فأخذ المكلّف في استعمال الأمور الموصلة إلى تلك الأغراض. و لم يجعل له قدرة على القيام بذلك وحده، لضعفه عن مقاومة هذه الأمور، فطلب التعاون بغيره، فصار يسعى في نفع نفسه و استقامة حاله بنفع غيره، فحصل الانتفاع للمجموع بالمجموع، و إن كان كلّ واحد إنما يسعى في نفع نفسه. و من هذه الجهة صارت المقاصد التابعة خادمة للأصلية و مكمّلة لها. و هي مما يقتضيه لطف المالك بالعبيد، بخلاف الأصلية التي هي مما يقتضيه محض العبودية.

المقاصد التّحسينية

من أقسام المقاصد الثلاثة، و معناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات، و تجنب الأحوال المدنّسات التي تأنفها العقول الراجحات، و يجمع ذلك كله قسم مكارم الأخلاق. و هي جارية في العبادات و العادات و المعاملات و الجنايات. ففي العبادات كإزالة النجاسة و الطهارات كلها و ستر العورة، و التقرب بنوافل الخيرات من الصدقات و القربات، و في العادات كآداب الأكل و الشرب و مجانبة المآكل النّجسات، و المشارب المستخبثات، و الإسراف و الإقتار، و في المعاملات كالمنع من بيع النجاسات و فضل الماء و الكلأ و سلب المرأة منصب الإمامة، و في الجنايات كمنع قتل النساء و الصبيان و الرهبان في الجهاد.

المقاصد الحاجيّة

و هي من أقسام المقاصد. و معناها أنها المقاصد التي يفتقر إليها من حيث التوسعة، و رفع الضيق المؤدي في الغالب إلى المشقة و الحرج، و المشقة اللاحقة بفوت المطلوب. و هي جارية في‏

317

العبادات و العادات و المعاملات و الجنايات. فأما في العبادات فكالرّخص المخفّفة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض و السفر، و في العادات فهي كإباحة الصيد و التمتع بالطيبات مما هو حلال، و في المعاملات تكون كالقراض و المساقاة و السّلم، و في الجنايات هي كالحكم بالقسامة، و كضرب الدّية على العاقلة.

المقاصد الضرورية

و هي قسم من أقسام المقاصد الثلاثة. و معناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين و الدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد.

و الضروريات منها ما هو أصل مثل المقاصد الخمسة، و هي: حفظ النفس، و حفظ الدين، و حفظ النسل، و حفظ العقل، و حفظ المال؛ و منها ما هو ليس أصلا، مثل تحريم شرب القليل من المسكر.

و الضروريات كذلك على ضربين:

أحدهما: ما كان للمكلّف فيه حظّ عاجل مقصود، كقيام الإنسان بمصالح نفسه و عياله في الاقتيات، و اتخاذ السّكن، و المسكن، و اللباس، و ما يلحق بها من المتمّمات، كالبيوع، و الإجارات، و الأنكحة و غيرها من وجوه الاكتساب التي تقوم بها الهياكل الإنسانية. و الثاني:

ما ليس فيه حظّ عاجل مقصود، سواء كان من فروض الأعيان كالعبادات البدنية و المالية، من طهارة، و صيام، و صلاة، و زكاة، و حج، و ما أشبه ذلك، أو كان من فروض الكفايات، كالولايات العامة، من خلافة، و وزارة، و نقابة، و عرافة، و قضاء، و إمامة صلوات، و جهاد تعليم، و غير ذلك من الأمور التي شرعت عامة لمصالح عامة، إذا فرض عدمها أو ترك الناس لها انخرم النظام.

المقاصد الضرورية العينية

و هي من أقسام الضرورية في مقابل «الكفائية». و يراد بالعينية أنها على كل مكلّف في نفسه، من حيث إنه مأمور بحفظ دينه اعتقادا و علما، و بحفظ نفسه قياما بضرورية حياته، و بحفظ عقله حفظا لمورد الخطاب من ربّه إليه، و بحفظ نسله التفاتا إلى بقاء عوضه في عمارة هذه الدار، و رعيا له عن وضعه في مضيعة اختلاط الأنساب العاطفة بالرحمة على المخلوق من مائه، و بحفظ ماله استعانة على إقامة تلك الأوجه الأربعة.

المقاصد الضرورية الكفائية

و هي مقابل «الضرورية العينية»، و معنى أنها كفائية هو من حيث كونها كانت منوطة بالغير أن يقوم بها على العموم في جميع المكلّفين، كي تستقيم الأحوال العامة التي لا تقوم الخاصة إلا بها.

318

و هذا القسم مكمّل ل «العينيّ» فهو لاحق به في كونه ضروريّا، إذ لا يقوم العيني إلا بالكفائي. و ذلك أن الكفائيّ قيام بمصالح عامة لجميع الخلق، فالمأمور به من تلك الجهة مأمور بما لا يعود عليه من جهته تخصيص لأنه لم يؤمر إذ ذاك بخاصة نفسه فقط، و إلا صار عينيّا، بل بإقامة الوجود.

المقاصد غير الضرورية

و هو تقسيم في مقابل «المقاصد الضرورية». و هي كلّ ما كان من قبيل ما تدعو إليه الحاجة و يكون أصلا أو يكون ليس بأصل، أو يكون من قبيل الحاجات الزائدة و ليس أصلا.

فأما ما يكون من قبيل الذي تدعو إليه الحاجة و يكون أصلا فهو مثل تسليط الوليّ على تزويج الصغيرة، و أما ما يكون كذلك و ليس أصلا فهو مثل رعاية الكفاءة، و أما ما كان من قبيل ما تدعو الحاجة إليه، و يكون ليس أصلا، و يكون من قبيل الحاجات الزائدة، و هو ما يقع موقع التحسين و التزيين و رعاية أحسن المناهج من العادات و المعاملات فمثل سلب المرأة أهلية الحكم.

المقبولات‏

و هي قضايا مأخوذة ممن يوثق بصدقه تقليدا، إما لأمر سماويّ، مثل الشرائع و السنن المأخوذة عن النبي و الإمام المعصوم، و إما لمزيد عقله و خبرته كالمأخوذات من الحكماء و أفاضل السّلف و العلماء الفنيين من آراء في الطب أو الأخلاق أو نحوها، و كأبيات تورد شواهد لشاعر معروف، و كالأمثال السائرة التي تكون مقبولة عند الناس و إن لم تؤخذ من شخص معيّن، و كالقضايا الفقهية المأخوذة تقليدا عن المجتهد. و تفترق عن «اليقينيات» و «المظنونات» بالتقليد للغير الموثوق به. و الأخذ بها على سبيل الظن أو القطع.

و قد تكون قضية واحدة يقينية عند شخص، و مقبولة عند آخر باعتبارين، كما يمكن أن تكون من المشبهات أو المسلّمات باعتبارات أخر.

المقتضي‏

را: العلة.

المقدار

و هو الاتصال العرضي، و هو غير الصورة الجسمية و النوعية. فهو إما امتداد واحد و هو «الخط» أو اثنان و هو «السطح» أو ثلاثة و هو «الجسم التعليمي». و المقدار في اللغة هو الكمية. و ينطلق في الاصطلاح على الكمية المتصلة التي تتناول «الجسم» و «الخط» و «السطح» و «الثّخن» بالاشتراك.

فالمقدار و «الهوية» و «الشكل» و «الجسم التعليمي» كلها أعراض بمعنى واحد عند الحكماء.

و قد رفض جمع من المتكلمين من‏

319

«المعتزلة» فكرة «الاتصال» فأنكروا المقدار بهذا المعنى، بناء على أن «الحركة» في نظرهم هي مجموع من الآنات و السكونات، إذ الظاهر الاتصال في البصر، و الحقيقة عندهم وجود التوقفات. و هذا منهم لكي ينفوا قدم «الحركة» في رأيهم.

المقدّم‏

و هو اصطلاح في القضية الشرطية و يعبّر عن الطّرف الأول في المتصلة، و عن أحد الطرفين في الشرطية المنفصلة، لأن حق المتصلة كذلك و ليس المنفصلة، و لأن الأخيرة غير متميّزة.

مقدمات الإرادة

و هي خمس:

الأولى: العلم بالشي‏ء.

الثانية: التصديق لفائدته.

الثالثة: الميل إلى الشي‏ء.

الرابعة: الجزم.

الخامسة: العزم.

و الجزم و العزم كلاهما يعبر عنه ب «هيجان الرغبة إلى الشي‏ء».

المقدّمات المفوّتة

و هو اصطلاح للإمامية، باعتبار أن ترك هذه المقدمات موجب لتفويت الواجب في وقته. و معناه أنه كل مقدمات ورد في الشريعة وجوب بعضها قبل زمان ذيها في الموقّتات، كوجوب قطع المسافة للحج قبل حلول أيامه، و وجوب الغسل من الجنابة للصوم قبل الفجر، و وجوب الوضوء أو الغسل (على قول) قبل وقت الصلاة، عند العلم بعدم التمكن منه بعد دخول وقتها.

مقدّمة

و هي تستعمل بكسر الدال، و ذكرت بفتحها في قادمة الرّحل، و هي أوله مما يلي وجه الراكب. و يقال: «مقدمة الجيش» بكسر الدال، و هي أوله. و ترجع تراكيب هذه المادة إلى معنى الأوّلية، فمقدمة الكتاب: أوله، و يجوز في الدال الوجهان: الفتح و الكسر، لصيغة اسم المفعول، و صيغة اسم الفاعل، و هي في الأصل صفة، ثم استعملوها اسما في كل ما وجد فيه التقديم نحو: «مقدمة الجيش و الكتاب» و «مقدمة الدليل و القياس» و تعني هنا القضية التي تنتج ذلك مع قضية أخرى، نحو: «كلّ مسكر خمر، و كلّ خمر حرام»، و نحو ذلك: «كل وضوء عبادة، و كل عبادة يشترط لها النّيّة» و كذلك نحو:

«العالم مؤلّف، و كل مؤلّف محدث» و أشباه ذلك.

و يقال، أيضا: «مقدمات الزّنا» و المراد ما يكون في أول موضوع فعل الزنا، و تكون جزءا منه، كالقبلة و المصافحة بشهوة و الغمز ... أي: أنها داخلة في موضوع ما يسمّى «فعل الزنا».

و تعرّف «المقدمة» في المنطق بأنها

320

كل قضية تتألف منها صورة القياس.

و «مقدمة الكتاب» ما يذكر فيه قبل الشروع في المقصود لارتباطها. و أما «المقدمة الغريبة» فهي اصطلاح منطقي يراد به التي لا تكون مذكورة في القياس لا بالفعل و لا بالقوة كما إذا قلنا: ( «أ» مساو ل «ب»، و «ب» مساو ل «ج» ... «أ» مساو ل «ج») و ذلك بواسطة مقدمة غريبة و هي «كلّ مساو لمساو لشي‏ء مساو لذلك الشي‏ء».

و «مقدمة الكتاب» هي ما يذكر فيه قبل الشروع في المقصود كما ذكرنا.

و لكنّ بينها و بين «مقدمة العلم» عموما و خصوصا مطلقا. فالأخيرة تعني ما يتوقف عليه الشروع في المقصود.

و الفرق بين «المقدمة» و «المبادئ» أن الأولى أعم من الثانية، إذ هي ما تتوقف عليه المسائل بلا واسطة أو بواسطة، و المبادئ هي ما تتوقف عليه المسائل بلا واسطة. (را: المبادئ).

و الخلاصة أن المقدمة تارة تنطلق على ما تتوقف عليه الأبحاث الآتية، و أخرى على قضية جعلت جزء القياس، و على ما تتوقف عليه صحة الدليل.

مقدمة الجدل‏

و هي «مسألة الجدل» بعد أن يسلم بها المجيب و يجعلها السائل جزءا من قياسه.

المقدمة الخارجية

و يقابلها «الداخلية» من أقسام «مقدمة الواجب». و هي كل ما يتوقف عليه الواجب، و له وجود مستقل خارج عن وجود الواجب. و هي تنقسم إلى قسمين:

عقلية، و شرعية.

المقدمة الداخلية

و هي إحدى مقدمتين في تقسيم «مقدمة الواجب» و هي جزء الواجب المركب، كالصلاة. و إنما اعتبروا الجزء مقدمة باعتبار أن المركب متوقف في وجوده على أجزائه، فكل جزء في نفسه هو مقدمة لوجود المركب، كتقدم الواحد على الاثنين. و سمّيت «داخلية» لأجل أن الجزء داخل في قوام المركب، و ليس للمركّب وجود مستقلّ غير نفس وجود الأجزاء.

المقدمة الشرعية

من أقسام «المقدمة الخارجية» و تعني، لدى الإمامية، كلّ أمر يتوقف عليه الواجب توقفا لا يدركه العقل بنفسه، بل يثبت ذلك من طريق الشرع، كتوقف الصلاة على الطهارة، و استقبال القبلة و نحوها. و يسمّى هذا الأمر، أيضا، «الشرط الشرعي» باعتبار أخذه شرطا و قيدا في المأمور به، عند الشارع قبل قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلا بطهور» المستفاد منه شرطية الطهارة للصلاة.

المقدّمة الصغرى‏

را: الحد الأصغر.

321

المقدّمة العبادية

و المقصود بهذا الاصطلاح، لدى الإمامية، هو كلّ مقدمة شرعية وقعت على وجه عباديّ، و ثبت، بالتالي، ترتب الثواب عليها بخصوصها. و تقع في الطهارات الثلاث: الوضوء، و الغسل، و التيمم.

المقدمة العقلية

من أقسام «المقدمة الخارجية» لدى الإمامية. و تعني كل أمر يتوقف عليه وجود الواجب توقفا واقعيّا يدركه العقل بنفسه من دون استعانة بالشرع، كتوقف الحج على قطع المسافة. و يقابلها «المقدمة الشرعية».

المقدّمة الكبرى‏

را: الحد الأكبر.

مقدمة الواجب‏

و هي «المقدمة الوجودية» كذلك.

و هي تقسيم للمقدمة يقابله «مقدمة الوجوب». و يراد بها لدى الإمامية ما يتوقف عليها وجود الواجب بعد فرض عدم تقييد الوجوب بها، بل يكون الوجود بالنسبة إليها مطلقا، و لا تؤخذ بالنسبة إليه مفروضة الوجود، بل لا بد من تحصيلها مقدمة لتحصيله كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، و السفر بالنسبة إلى الحج، و نحو ذلك. و يسمّى الواجب بالنسبة إليها «الواجب المطلق».

و هي تنقسم إلى قسمين: داخلية، و خارجية.

مقدّمة الوجوب‏

و هي «المقدمة الوجوبية» أيضا، إحدى مقدمتين، و الأخرى هي «مقدمة الواجب» مقابلها، في أصول الإمامية.

و هي تعرف بأنها ما يتوقف عليها نفس الوجوب، بأن تكون شرطا للوجوب في رأي، أو أنها تؤخذ في الواجب على وجه تكون مفروضة التحقّق و الوجود في رأي آخر.

و مثالها الاستطاعة بالنسبة إلى الحج، و البلوغ و العقل و القدرة بالنسبة إلى جميع الواجبات. و الواجب بالنسبة إليها يسمّى «الواجب المشروط».

المقدمة الوجوبيّة

را: مقدمة الوجوب.

المقدمة الوجودية

را: مقدمة الواجب.

المقدور

و هو من أنواع «مشروط الوقوع».

و هو واجب بنفس الخطاب الذي طلب به الواجب. و وجوبه كوجوب الشي‏ء الذي جاء خطاب الشارع به، تماما من غير فرق. و ذلك كغسل المرفقين، فإنه لا يتم القيام بالواجب، و هو غسل اليدين إلى المرفقين، إلا بغسل جزء منهما، لأن الغاية تدخل في المغيّا. و يتوقف حصول‏

322

الواجب الذي هو المغيا على حصول جزء من الغاية، أي: يتوقف غسل اليدين على غسل جزء من المرفقين، فالأول المغيا و الثاني الغاية. و لذلك كان جزء من المرفقين غسله واجبا و لو كان الخطاب لم يأت به، و لكنه أتى بما يتوقف وجوده عليه. فيكون خطاب الشارع شاملا الواجب، و شاملا ما لا يمكن القيام بهذا الواجب إلا به، و تكون دلالة الخطاب عليه دلالة التزام و لذلك كان واجبا.

و هكذا كل شي‏ء لا يتم القيام بالواجب إلا به و لم يكن شرطا فيه فهو واجب.

المقرئ‏

و هو العالم بالقراءات و الراوي لها مشافهة. و تشترط المشافهة لأن حفظ «التيسير» و هو كتاب في القراءات، ليس يخوّله أن يقرئ بما فيه إن لم يشافهه من شوفه به مسلسلا، إذ هناك أشياء في القراءات لا تحكم إلا بالسماع و المشافهة.

المقلّد المتّبع‏

و هو الذي عنده بعض العلوم المعتبرة في التشريع، و لكنه لا يستطيع بها الاجتهاد، فيقلد غيره في أخذ الحكم مع أخذه لدليل الحكم.

فمثلا أن يعرف فروض الوضوء، و يعرف أن هذه الفروض مأخوذة من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا [المائدة: الآية 6].

المقلّد العاميّ‏

من أنواع المقلدين. و هو المقلّد الأميّ الذي ليس لديه بعض العلوم المعتبرة في التشريع، فهو يسأل عن حكم الفعل أو الشي‏ء الذي يريد القيام به فيقال له: «حرام، أو واجب، أو مندوب، أو مكروه، أو مباح» فيتبع ذلك دون أن يعرف الدليل الذي أخذ منه الحكم.

المقيّد

و هو يقابل «المطلق». و يراد به ما دل على مدلول معيّن، أو ما أخرج عن شائع في جنسه بوجه ما. فما دل على مدلول معيّن فهو كزيد، و عمرو، و ما أخرج عن شائع في جنسه فكإطلاق صفة زائدة تصف مدلول «المطلق». نحو كلمة «عراقيّ» في تقييد «دينار»، فتقول: «دينار عراقي».

المكابرة

و هي المنازعة في المسألة العلمية لا لإظهار الصواب بل لإلزام الخصم. و قد يراد بها معنى آخر متعارف عليه هو مدافعة الحق بعد العلم به.

المكاتبة

و هي إحدى طرق تحمل الحديث لدى المحدّثين. و تعني أن يكتب العالم أو الشيخ بخطه، أو يكلّف غيره بأن يكتب عنه بعض حديثه، لطالب حاضر عنده، أو لشخص غائب عنه، فيرسل الكتاب إليه مع من يثق به. و هي قسمان:

323

الأول: أن تقترن كتابة الشيخ بالإجازة، كأن يكتب إليه الأحاديث ثم يذكر له لفظ الإجازة، فهو مناولة مقترنة بإجازة، أي:

يشابهها في القوة و الصحة؛ و الثاني: أن يكتب إليه من غير لفظ الإجازة. و هذا القسم مما اختلفوا في الأخذ به و عدمه.

و لفظ المكاتبة من مثل أن يقول: «كتب إليّ فلان قال: حدّثنا فلان ...».

المكروه‏

الكرة بالضم في اللغة هو المشقة، و الكريهة: الشّدّة في الحرب. و يعرّف المكروه شرعا بأنه «ما مدح تاركه و ما لم يذمّ فاعله» و يترتّب الثواب على الترك شرعا. و هو ضدّ المندوب في المعنى.

و تجدر الإشارة إلى أمرين: الأول أن المكروه قد يطلق بمعنى (التنزيه) عند الإطلاق لدى المتأخرين، و الثاني: أن المتقدّمين ربما يطلقونه على (الحرام) كما هو الحال عند الإمام أحمد و الشافعي رحمهما اللّه.

المكلّفون‏

المراد هم المكلفون بالأحكام، و هم جميع الناس، و لذلك قيل في الحكم: إنه خطاب الشارع المتعلّق بأفعال العباد» فلا فرق بين مسلم و غيره في التكليف بأحكام الشرع. و قد اختلف الأصوليون في مسألة الخطاب بالفروع و الأصول، هل الكفار مخاطبون بالأصول و الفروع أو بالفروع دون الأصول أو بالأصول دون الفروع؟

و الذي يصح من خلال عموم الأدلة أن الناس جميعهم مخاطبون بالأصول و الفروع على حد سواء. و الآيات من مثل: وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [الفرقان: الآية 63] و من مثل: وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ [فصلت: الآيتان 6- 7] و يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ [القيامة: الآية 10] إلى أن يقول: فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى‏ [القيامة: الآية 31] فهذه كلها تخاطب الكافرين بالأحكام الفروعية و معهم المسلمون لعموم قوله:

وَ عِبادُ الرَّحْمنِ‏ [الفرقان: الآية 63] و كذلك حديث الرسول (عليه السلام):

«بعثت إلى الأحمر و الأسود». و هذا كله من جهة الخطاب. و أما التنفيذ فشي‏ء آخر إذ لا ينفّذ و لا يلزمون بالتنفيذ عليهم- أعني الكفار- ما يشترط فيه الإسلام. بل كلّ ما لا يشترط فيه الإسلام يطبّق عليهم، و يلزمون به.

المكّي‏

و هو يستخدم لدى العلماء في أحد معان ثلاثة:

الأول: ما نزل بمكة و لو بعد الهجرة من القرآن. و يدخل في مكة ضواحيها كالمنزل على النبي عليه الصلاة و السلام بمنى و عرفات و الحديبية. و هذا كما هو واضح لوحظ فيه مكان النزول، و هو تقسيم غير مضبوط.

الثاني: ما وقع من القرآن خطابا لأهل مكة. و جعل منه ما صدر بلفظ: «يا

324

أيّها الناس» لأن الكفر غالب على أهل مكة. و كذلك صيغة: «يا بني آدم» فهي ملحقة بها. و هو كسابقه فضلا عن أنه غير مطّرد فهناك آيات مدنية صدرت بصيغة: «يا أيها الناس» كما في البقرة.

الثالث: و هو ما نزل قبل الهجرة النبوية إلى المدينة و إن كان نزوله في غير مكة. و هو ملاحظ فيه زمن النزول. و هو الصحيح و المشهور عند العلماء لأنه مضبوط و حاصر.

و يقابل «المكيّ» اصطلاح «المدني».

الملازمة

هي في اللغة امتناع انفكاك الشي‏ء عن الشي‏ء. و اصطلاحا تعني كون الحكم مقتضيا للآخر على معنى أن الحكم لو وقع يقتضي وقوع حكم آخر اقتضاء ضروريا، كالدّخان للنار في النهار، و النار للدخان في الليل.

الملازمة الخارجية

هي كون الشي‏ء مقتضيا للآخر في الخارج، أي: في نفس الأمر، أي: كلما ثبت تصوّر الملزوم في الخارج ثبت تصور اللازم فيه، كالزوجية للاثنين، فإنه كلما ثبت ماهية الاثنين في الخارج ثبتت زوجيته فيه.

الملازمة الذهنية

هي كون الشي‏ء مقتضيا للآخر في الذهن، أي: متى ثبت تصوّر الملزوم في الذهن ثبت تصور اللازم فيه، كلزوم البصر للعمى، فإنه كلما ثبت تصور العمى في الذهن ثبت تصور البصر فيه.

الملازمة العاديّة

و هي ما يمكن للعقل تصور خلاف اللازم، كفساد العالم على تقدير تعدد الآلهة، بإمكان الاتفاق.

الملازمة العقلية

و تطلق باعتبارين: الأول ما يسمّى اللزوم أو التلازم العقلي، و هو بحث في اللازم في المنطق و ينسحب على اللغة، و يعرّف بأنه ما لا يمكن للعقل تصور خلاف اللازم، كالبياض للأبيض، ما دام أبيض؛ و الثاني و هو اصطلاح أصولي في كتب الإمامية و يريدون به حكم العقل بالملازمة بين حكم الشرع، و بين أمر آخر، سواء كان حكما عقليّا، أو شرعيّا أو غير ذلك، مثل الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراريّ الذي يلزمه عقلا سقوط الاختياري لو زال الاضطراريّ في الوقت أو خارجه.

الملازمة المطلقة

هي كون الشي‏ء مقتضيا للآخر.

و الشي‏ء الأول: هو المسمّى بالملزوم، و الثاني: هو المسمّى باللازم، كوجود النهار لطلوع الشمس، فإن طلوع الشمس مقتض لوجود النهار، و طلوع الشمس ملزوم، و وجود النهار لازم.

325

الملال‏

و هو فتور يعرض للإنسان من كثرة مزاولة شي‏ء، فيوجب الكلال و الإعراض عنه.

الملك‏

يطلق، بكسر الميم، اصطلاحا للمتكلمين على حالة تعرض للشي‏ء بسبب ما يحيط به، و ينتقل بانتقاله كالتعمّم و التقمص. فكلاهما حالة لشي‏ء بسبب إحاطة العمامة بالرأس، و القميص بالبدن.

و الملك هو في الشرع نفس الملكية الخاصة، و يكون تعريفه بأنه مصلحة تقدّر شرعا بالعين أو المنفعة يكون صاحبها بموجبها قائما بالتصرّف بالعين تصرفا حاجزا عن تصرف غيره فيه أو بالانتفاع بالمنفعة على وجه الاختصاص بها.

الملكة

يعرّفها أهل الاصطلاح بأنها صفة راسخة في النفس. و يحقّقونها أنها صفة إذ تحصل للنفس هيئة بسبب فعل من الأفعال، و يقال لتلك الهيئة: «كيفية نفسانية»، و تسمى حالة ما دامت سريعة الزوال، فإذا تكررت و مارستها النفس حتى رسخت تلك الكيفية فيها، و صارت بطيئة الزوال، تصير ملكة، و بالقياس إلى ذلك الفعل عادة و خلقا.

و الحقيقة أنه يرد على التعريف أن بعض الأفعال تسبب هيئة، أو كيفية نفسانية هي نوع من الانفعالات مثلا، فهي هيئة تحصل في الباطن و الظاهر.

فهي تشارك التعريف في المعنى.

فالتعريف عام غامض. و لنا أن نقول:

«الملكة هي قوة الفهم، و الرّبط». (را:

العقل).

المماثلة

و هي عبارة عن المشاركة في الحقيقة النوعية. مثلا مماثلة صلاة الظهر لصلاة العصر. (را: الاتحاد).

الممانعة

و هي امتناع السائل عن قبول ما أوجبه المعلّل من غير دليل.

الممكنة الخاصة

و هي «الممكنة العامة» المقيّدة باللاضرورة الذاتية. و معناها أن الطرف الموافق المذكور في القضية ليس ضروريّا كما كان الطّرف المخالف بحسب التصريح في القضية ليس ضروريّا، أيضا. فيرفع بقيد اللاضرورة احتمال الوجوب إذا كانت القضية موجبة، و احتمال الامتناع إذا كانت القضية سالبة. و مفاد مجموع القضية بعد التركيب هو الإمكان الخاص الذي هو عبارة عن سلب الضرورة عن الطرفين.

و تتركب الممكنة الخاصة من ممكنتين عامتين، و تكون فيها الجهة نفس المادة الواقعية إذا كانت صادقة. و يكفي لإفادة ذلك تقييد القضية بالإمكان الخاص‏

326

اختصارا. فنقول: «كل حيوان متحرك بالإمكان الخاص» أي: كلّ حيوان متحرك بالإمكان العام، و لا شي‏ء من الحيوان بمتحرك بالإمكان العام.

و التعبير بالإمكان الخاص بمنزلة ما لو قيدت الممكنة العامة باللاضرورة كما لو قلنا في المثال: «كل حيوان متحرك بالإمكان العام لا بالضرورة».

الممكنة العامة

و هي ما دلت على سلب ضرورة الطّرف المقابل للنّسبة المذكورة في القضية فإن كانت القضية موجبة دلت على سلب ضرورة السلب، و إن كانت سالبة دلت على سلب ضرورة الإيجاب. و معنى ذلك أنها تدل على أن النسبة المذكورة في القضية غير ممتنعة سواء كانت ضرورية أو لا، و سواء كانت واقعة أو لا، و سواء كانت دائمة أو لا. نحو: «كلّ إنسان كاتب بالإمكان العام» أي: أن الكتابة لا يمتنع ثبوتها لكل إنسان فعدمها ليس ضروريّا، و إن اتّفق أنها لا تقع لبعض الأشخاص.

و عليه فهي أعمّ من «المطلقة العامة».

الممنوع‏

را: الحرام.

المموّهة

و هي التي يكون ظاهرها مخالفا لباطنها. و هي صفة للقضية.

المنار

كتاب للنّسفيّ حافظ الدين عبد اللّه ابن أحمد المتوفى سنة تسعين و سبع مائة.

اختصر فيه العبارة، و بتركيز دقيق. و هو على منهج الفقهاء في أصول الفقه.

و شرح عدة شروح منها شرح ابن ملك، و ابن عابدين المتوفى سنة مائتين و اثنتين و خمسين بعد الألف. و الكتب المذكورة مطبوعة جميعا طبعات قديمة.

المناسب‏

و هو الذي يطلق عليه في هذا الكتاب «الوصف المناسب» أو «الوصف المفهم» و هو يعبر عن المعنى المراد منه، فهو وصف ثم هو مفهم للعلية من جهة أخرى. و تعريفه بأنه عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا من شرع ذلك الحكم، مع عدم الخروج عن وضع اللغة.

و العبارة الأخيرة في التعريف لازمة كلّ اللزوم، فليس هناك مجال للعقل في هذا الباب، بل العقل لا يفهم الأوصاف إلا تبعا لما يعدّه أهل اللغة كذلك.

المناسب المؤثّر

و هو ما أثّر جنسه في نوع الحكم لا غير، كالمشقّة مع سقوط الصلاة. و هو العلة المنصوص عليها، سواء أ كان الشارع قد دلّل عليها صراحة أو إشارة بأتمّ وجوه الاعتبار. و يسمّون القياس بناء

327

على هذا المناسب «القياس في معنى الأصل».

المناسب الغريب‏

و هو الذي أثّر نوعه في نوع الحكم، و لم يؤثّر جنسه في جنسه. و سمّي به لكونه لم يشهد غير أصله المعيّن باعتباره.

و يمثّلون له بالطّعم في الربا، فإن نوع الطعم مؤثّر في حرمة الرّبا، و ليس جنسه مؤثرا في جنسه.

المناسب المرسل‏

و هو الذي يظهر للمجتهد أن بناء الحكم عليه لا بد أن يحقّق مصلحة ما مع أن الشارع لم يقم على اعتباره أو إلغائه أيّما دليل. و هذا القسم مما تبنى عليه المصالح المرسلة.

المناسب الملائم‏

و هو الذي لم يعتبره الشارع بعينه علّة لحكمه في المقيس عليه، و إن كان قد اعتبره علة لحكم من جنس هذا الحكم في نص آخر. و يقولون: «هو ما أثّر جنسه في جنسه كما أثر نوعه في نوعه».

و مثّلوا له بحديث الرسول عليه الصلاة و السلام: «لا يزوّج البكر الصغيرة إلا وليّها» فهم زعموا أن الحديث اشتمل على وصفين كل منهما صالح للتعليل، و هو الصّغر و البكارة، و بما أنه علّل ولاية الولي على الصغيرة في المال في آية:

وَ ابْتَلُوا الْيَتامى‏ حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ‏ [النّساء: الآية 6] و ما دام الشارع قد اعتبر الصّغر علة للولاية على المال- و الولاية على المال و الولاية على التزويج نوعان من جنس واحد هو الولاية- فيكون الشارع قد اعتبر الصّغر علّة للولاية على التزويج بوجه من وجوه الاعتبار، و لهذا يقاس على البكر الصغيرة من في حكمها من جهة نقص العقل و هي المجنونة أو المعتوهة، و تقاس عليها، أيضا، الثيّب الصغيرة.

المناسب الملغى‏

و هو الذي ألغى الشارع اعتباره مع أنه مظنّة تحقيق المصلحة، أي: إنّ بناء الحكم عليه من شأنه أن يحقّق مصلحة، و لكن دل دليل شرعي على إلغاء اعتبار هذا المناسب، و منع بناء الحكم الشرعي عليه. و مثّلوا له بفتوى من أفتى أحد الملوك بأن كفارته في إفطار شهر رمضان بإتيان جاريته نهارا هو صيام شهرين متتابعين بالخصوص، فهو قد رأى أن المناسب من تشريع هذه الكفارات ردع أصحابها عن التهاون في الإفطار العمديّ، و مثل هذا الملك لا تهمه بقية خصال الكفارة لتوفر عناصرها لديه، فإلزامه بالصيام أكثر مناسبة لتحقيق مظنّة الحكمة من التشريع، و لكن هذا ينافي إطلاق التخيير، فكأن الشارع ألغى بإطلاقه التخيير و عدم تقييده بالأخذ بالأشق هذا المناسب، فلم يصوّبوا هذه الفتوى.

328

المناسبة

را: الاتحاد.

المناط

هو، لغة، اسم مكان من «ناط نوطا» أي: علق، فهو منوط به الحكم، أي: علق به. يقال: «نطت الحبل بالوتد أنوطه نوطا» إذا علّقته. و في الاصطلاح بنفس معناه اللغوي فهو الشي‏ء المتعلق به الحكم أو الشي‏ء الذي نيط به الحكم، و جي‏ء بالحكم له. فالشراب، و الماء، و الشخص هي كلها مناط. و العلة عند الأصوليين مناط.

المناظرة

لغة من «النظير» أو «النّظر بالبصيرة».

و اصطلاحا هي النظر بالبصيرة من الجانبين في النّسبة بين الشيئين إظهارا للصواب.

المنافرات‏

هي ما يتعلّق بإثبات فضيلة شي‏ء ما أو رذيلته، أو نفعه أو ضرره للعموم بوجه من الوجوه على نحو له علاقة بالمخاطبين، و يكون هذا الشي‏ء حاصلا فعلا فإذا قرّر الخطيب فضيلته أو نفعه سمّي «مدحا» و إلا سمّي «ذمّا».

المناقضة

و هي لغة إبطال أحد القولين بالآخر، و اصطلاحا هي منع مقدمة معيّنة من مقدمات الدليل. و شرطها ألا يجوز منعها إذا كانت من «الأوليات و المسلّمات».

المناولة

و هي من طرق الرواية و كيفيتها.

و تعني أن يقول الشيخ للراوي: «خذ هذا الكتاب فاروه عني» و يكفي مجرّد اللفظ فيها دون أن يناوله الكتاب بيده، لأن الإذن إنما يستفاد من اللفظ، لا من إعطائه الكتاب، فلو اقتصر على إعطائه الكتاب دون قوله: «اروه عني» لم تجز الرواية. و المناولة من العادة و الاتفاق، لا اشتراط لإعطاء الكتاب فيها، فهي بهذا تستحيل إلى نوع إجازة.

المنجزية

و يريدون بها اعتبار ما تقوم عليه الحجة من الأمور الموصلة إلى واقع ما تقوم عليه، بحيث يسوغ للمشرع أن يعاقب إذا قدّر لها إصابة الواقع مع تخلف المكلّف عنها.

و هي من اللوازم العقلية التي لا تنفك عن مفهوم «الحجّة» لدى الإمامية.

فليس للمواطن مثلا إذا بلّغ بواسطة الجريدة الرسمية بنفاذ قانون ما أن يتخلّف عن امتثاله بدعوى عدم حصول العلم بمدلوله، لاحتمال الخطأ أو الاشتباه في الطريق. و من حق الدولة أن تعاقب و تعتبر عدم الأخذ بما في الجريدة تمردا أو عصيانا، و لا يجديه اعتذاره بأن هذه الطريق لم تفده العلم ما دام عالما بجعلها طريقا من جهة دولته أو مشرّعه. و من هنا صح احتجاج المولى عليه، و إلزامه بنتائج تمرده.

329

المندوب‏

را: الندب.

المندوحة

و تعني، اصطلاحا، فيما يعبر به عن مركب «قيد المندوحة» أن يكون المكلّف متمكنا من امتثال الأمر في مورد آخر غير مورد الاجتماع.

منزلة السّنّة

و يعنى بها منزلة السنة من القرآن.

فالسنة من حيث الدليل هي كالكتاب ثبوتا سواء بسواء أي: هي من الوحي، لقيام الدليل القاطع عليها من القرآن. و هي بالنسبة إلى الكتاب قاضية عليه، إذ يكون ما في الكتاب محتملا للأمرين فأكثر، فتأتي السنة بتعيين أحدهما، فيرجع إليها و يترك مقتضى ظاهر الكتاب، نحو قوله تعالى:

وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ‏ [النّساء:

الآية 24] بعد قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ وَ عَمَّاتُكُمْ‏ [النّساء: الآية 23]، مما يدل على حلّ كل ما عدا ما ذكر، فجاءت السنة فأخرجت من ذلك نكاح المرأة على عمتها أو خالتها من قوله (عليه السلام):

«لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها» فكان ذلك تركا لظاهر الكتاب و تقديم السنة عليه. و قد يكون ظاهر الكتاب أمرا فتأتي السنة فتخرجه عن ظاهره، فقد أتى القرآن بأخذ الزكاة من جميع الأموال ظاهرا، فجاءت السنة فخصّصته بأموال مخصوصة عيّنتها، و حصرت أخذ الزكاة منها فقط، فلا تؤخذ من غيرها.

و منزلتها كذلك أنها بيان للكتاب، و يتلخص بيانها في أمور: أولها أن تفصّل مجمل الكتاب، نحو أمر اللّه به من الصلاة من غير بيان لمواقيتها، و أركانها، و عدد ركعاتها فبينت السنة ذلك. قال (عليه السلام): «صلّوا كما رأيتموني أصلّي»، و كذلك الحج من غير بيان في القرآن لمناسكه، و الزكاة كذلك فجاءت السّنّة مبيّنة لكل ذلك.

و الثاني من البيان هو تخصيص عام الكتاب، من ذلك أن القرآن أمر أن يرث الأبناء الآباء على نحو ما بيّن في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ‏ [النّساء: الآية 11] فكان عامّا في كل أب يورث و كل ولد وارث، فخصصت السنّة الأب المورّث بغير الأنبياء: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» كما خصصت الوارث بغير القاتل في قوله: «لا يرث القاتل». و من بيانها للكتاب تقييد مطلقه نحو قوله تعالى:

وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: الآية 38] فهو مطلق في كل سرقة، و كل سارق، و جاءت السنة و قيّدت السرقة التي يجري فيها القطع بقيود، نحو أن تكون ربع دينار فصاعدا في قوله (عليه السلام): «القطع في ربع‏

330

دينار فصاعدا» و غيره. و أخيرا تأتي لإلحاق فرع من فروع الأحكام بأصله الذي ورد في القرآن، فيظهر هذا الفرع على أنه تشريع جديد، و عند التدقيق يتبين أنه ملحق بأصله الذي ورد في القرآن و هو كثير. من ذلك أن اللّه يقول: وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ‏ [الأعراف: الآية 157] و لم يذكر تفصيلات، ففصلت السنة بما يعين المجتهد إذ نصّت على النهي عن أكل لحم الحمر الأهلية، و كل ذي ناب من السباع، و كل ذي مخلب من الطير. فهذا ما يعنى به من ذكر منزلة السنّة. و هي «الرتبة» و «المرتبة».

المنسوخ‏

و هو الحكم المرتفع بغيره، أي:

الحكم المبطل و المنتهى بغيره، كحكم تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي (عليه السلام)، و حكم الوصية للوالدين و الأقربين، و حكم التربص حولا كاملا عن المتوفى عنها زوجها و غيره.

و أما إذا قيد فيقال: «المنسوخ له» و هو علة النسخ، و بعضهم يطلقها على العلة القريبة من حكمة أو مصلحة مقتضية للنسخ. و كذلك يقال: «المنسوخ به» و هو اللفظ أو الحكم الرافع لغيره كقوله تعالى:

فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‏ [البقرة: الآية 144] الدال على التوجه إلى الكعبة. (را: الناسخ).

المنطق‏

و هو آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر. فهو علم آليّ كما أن «الحكمة» علم نظري غير آلي. فالآلة بمنزلة «الجنس» و «القانونية» يخرج الآلات الجزئية لأرباب الصنائع. و أما قولنا: «تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر» فيخرج العلوم القانونية التي لا تعصم عن الخطأ في الفكر بل في المقال، كالعلوم العربية.

المنطوق‏

و يقابله في الأصول «المفهوم».

و يراد به ما دل عليه اللفظ قطعا في محلّ النطق أي: ما فهم من اللفظ مباشرة من غير واسطة و لا احتمال، فتخرج بهذا «دلالة الاقتضاء»، لأنها لم تفهم قطعا بل احتمالا، و لم تفهم مباشرة من اللفظ و إنما يقتضيها ما فهم من اللفظ، فقوله (عليه السلام): «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» نفي لوجود الصلاة مع أنها قد وجدت بالفعل، فيكون المراد نفي الصحة أو نفي الكمال. فدلالة الحديث على عدم صحة الصلاة، أو عدم كمالها ليس من دلالة المنطوق، إذ لم تفهم من اللفظ مباشرة، بل اقتضاها المعنى الذي فهم من اللفظ، و لذلك لا بد من ذكر كلمة «قطعا» في التعريف لبيان أن اللفظ دل عليه دلالة قطعية.

و كل ما دل عليه اللفظ «مطابقة» أو

331

«تضمنا» فهو المنطوق، و ليس الذي يفهم من سياق الكلام. و دلالة الخطاب على الحكم بمنطوقه يحمل أولا على «الحقيقة الشرعية» كقوله (عليه السلام): «ليس من البرّ الصيام في السفر» فيحمل على الصيام الشرعي لا اللغوي، و ذلك لأن النبي بعث لبيان الشرعيات، فإن لم يكن اللفظ حقيقة شرعية، أو كان و لم يمكن أن يحمل عليها، حمل على الحقيقة العرفية الموجودة في عهده (عليه السلام)، لأنه المتبادر إلى الفهم، و لاعتبار الشرع العرف في كثير من الأحكام، كالأيمان، فإن تعذّر حمله على الحقيقة الشرعية، و على الحقيقة العرفية الموجودة في عهده (عليه السلام) حمل على «الحقيقة اللغوية».

فالنصوص التشريعية ألفاظ شرعية جاءت لبيان الشريعة فيكون الأصل في دلالتها هو المعنى الشرعي ثم المعنى العرفي ثم المعنى اللغوي. و هذا إذا كثر استعمال الشرعي و العرفي، بحيث صار يسبق أحدهما دون اللغوي. فإن لم يكن كذلك كان مشتركا لا يترجّح إلا بقرينة، فإن تعذرت الحقائق الثلاث حمل على المجازيّ صونا للكلام عن الإهمال.

فهذه هي دلالة الخطاب بمنطوقه على الأحكام، بيّنّاها كيلا يحدث تداخل بين المفهوم و بين المنطوق، فعليه تكون الحقيقة بأقسامها الثلاثة، و المجاز المقابل لها من دلالة المنطوق، و دلالة المنطوق لا تخرج عن دلالة المطابقة أو التضمن.

المنع‏

و يقال له: «منع حكم الأصل».

و معناه منع المعترض حكم أصل المستدل. و مثال ذلك فيما لو قال قائل:

«النبيذ مسكر فكان حراما قياسا على الخمر» فقال المعترض: «لا نسلّم تحريم الخمر» إما جهلا بالحكم، أو عنادا فهذا منع حكم الأصل. و لو قال: «لا أسلّم وجود الإسكار في الخمر» لكان هذا منع وجود المدّعى علّة في الأصل، و لو قال:

«لا أسلم أن هذا الإسكار علة التحريم» لكان هذا منع علية الوصف في الأصل، و لو قال المعترض: «لا أسلّم وجود الإسكار في النبيذ» لكان هذا منع وجود العلة في الفرع. ففي «الأصل» ثلاثة منوع، و في «الفرع» منع واحد. و يلاحظ أن ما ورد في تعريف المنع لا يحصره في «الأصل» بل له أضرب أخرى كما في المثال الأخير. و «سؤال المنع» من «قوادح العلة».

و ثمة اصطلاح آخر و هو ما يكون المنع مبنيا عليه، أي: ما يكون مصحّحا لورود المنع إما في نفس الأمر، أو في زعم السائل. و له صيغ ثلاث: إحداها أن يقال: «لا نسلّم هذا لم لا يجوز أن يكون كذا؟» و الثانية: «لا نسلم لزوم ذلك، و إنما يلزم أن لو كان كذا»، و الثالثة: «لا نسلم هذا، كيف يكون هذا و الحال أنه كذا؟».

332

منع حكم الأصل‏

را: المنع.

المنقول‏

من سمة الألفاظ. و يعني أن يوضع اللفظ لمعنى ثم ينقل إلى غيره و يشتهر في المعنى الثاني فيكون بهذا اللفظ واحدا و المعنى كثير، إلا أن اللفظ لم يوضع لكل واحد نحو لفظ «الصلاة» و «الدابة» و «الفاعل» النحوي.

و الناقل إما أن يكون الشرع فيكون المنقول شرعيا، كالصلاة و الصوم فهما في اللغة للدعاء و مطلق الإمساك، ثم نقلهما الشرع إلى الأركان المخصوصة و الإمساك المخصوص مع النيّة؛ و إما أن يكون الناقل غير الشرع. و هذا يتعلق بالعرف العام و هو «المقول العرفيّ» و يدعى «حقيقة عرفية» كالدّابّة فهي في أصل اللغة لكل ما يدبّ على الأرض، ثم نقله العرف العامّ إلى ذات القوائم الأربع من الخيل و البغال و الحمير، أو يتعلق بالعرف الخاص و يدعى «منقولا اصطلاحيّا» كاصطلاح النحاة و النّظّار.

فأما اصطلاح النحاة فمثل «الفعل» فإنه كان موضوعا لما صدر عن الفاعل، كالأكل، و الشرب، و الضرب، ثم نقله النحويون إلى كلمة دلت على معنى في نفسها مقترنة بأحد الأزمنة الثلاثة.

و أما اصطلاح النّظّار فمثل «الدّوران» فهو في الأصل للحركة في السّكك، ثم نقله هؤلاء إلى ترتب الأثر على ما له صلوح العلّية، نحو: «الدّخان» فإنه أثر يترتب على النار، و هي تصلح أن تكون علة للدخان و إن لم يترك معناه الأول، فإنه يستعمل فيه، أيضا.

و يسمّى اللفظ «حقيقة» إذا استعمل في الأول، و هو «المنقول عنه»، و يدعى «مجازا» إذا استعمل في الثاني، و هو «المنقول إليه» فالكلمة «أسد» لفظ وضع أولا للحيوان المفترس ثم نقل إلى الرجل الشجاع لعلاقة بينهما هي الشجاعة. فالأول هو «حقيقة» و الثاني «مجاز». هذا ما يقوله الأصوليون، و فيه نظر و بحث نجمل الحديث فيه. فالألفاظ المنقولة هي «الحقيقة العرفية و الشرعية» فهذا النقل فيها جرى بالاستعمال من معناها الذي وضعت له إلى معنى آخر هو المعنى الذي استعملت له فصارت «حقيقة» فيه. فقد نقل الشرع اللفظ الذي وضعه العرب لمعنى آخر اشتهر به من قبيل نقل الحقيقة العرفية لا من قبيل المجاز، إذ لا توجد علاقة بين اللفظين، فمثلا «الصلاة» ليس فيها ملاحظة المعنى الأصلي أثناء النقل، فهي تطلق على صلاة الأخرس الذي لا يفهم الدعاء في الصلاة حتى يأتي به. و كذلك بقية الألفاظ. فلا مجاز.

و الحقيقة العرفية العامّة هي كالوضع من العرب، إذ إنهم هم الواضعون و هم نقلة هذا بالاستعمال، و كذلك «الخاصّة» فقد جرى اصطلاح العلماء عليها بمرأى‏

333

و مسمع من أهل اللغة فأقرّهم أهل اللغة عليها و استعملها بنفس المعنى المصطلح عليه أهل اللغة فهذا منهم اعتبار لها بالإقرار، فهي حقيقة كالوضع. و ليست من المجاز.

الموازنة

را: الاتحاد.

الموافقات‏

و عنوانه الأصلي: «الموافقات في أصول الأحكام» كتاب للشاطبيّ أبي إسحاق إبراهيم بن موسى اللّخمي الغرناطي المتوفّى سنة تسعين و سبع مائة. جمع فيه بين مبادئ الأصول، و حكم الشريعة و مقاصدها. و هو سهل العبارة، فيه بناء فكريّ كثيف و جديد، يثير النظر و التأمل.

الموافقة

و هي من صفات العلوّ في الإسناد.

و هي الوصول إلى شيخ أحد المصنّفين من غير طريقه. و ذلك كأن يقع لراو حديث عن شيخ «مسلم» عاليا بعدد أقلّ من العدد الذي يقع لذلك الراوي به الحديث عن ذلك الشيخ إذا رواه هذا الراوي عن «مسلم» عنه.

مثاله حديث رواه «البخاريّ» عن محمد بن عبد اللّه الأنصاري عن حميد عن أنس مرفوعا: «كتاب اللّه القصاص» فإذا رواه الراوي من جزء «الأنصاريّ» تقع موافقة ل «البخاري» في شيخه مع علوّ درجته.

و خلاصة ما جاء في الموافقة أن يروي الراوي حديثا في أحد الكتب الستة بإسناد لنفسه من غير طريقها، بحيث يجتمع مع أحد الستة في شيخه مع علوّ هذا الطريق الذي رواه على ما لو رواه من طريق أحد الكتب الستة. و لو اجتمع مع أحد الستة في شيخ شيخه مع علوّ طريقه فهو «البدل».

الموثّق‏

را: القوي.

الموجّهة البسيطة

و هي خلاف المركّبة. و لا تنحلّ إلى أكثر من قضية واحدة.

الموجّهة المركّبة

و هي ما انحلت إلى قضيتين موجهتين بسيطتين، إحداهما موجبة و الأخرى سالبة. و لذا سميت مركبة.

الموجود

و هو نقيض «المعدوم» و حدّده الحكماء بأنه الذي يمكن أن يخبر عنه.

و هو بالتعريف مبدأ الآثار و مظهر الأحكام في الخارج.

الموضع‏

و يقال في اللغة على محلّ الشي‏ء، و يطلق في الاصطلاح و يراد به كل حكم كليّ تنشعب منه و تتفرع عليه أحكام كلّية كثيرة، كلّ واحد منها بمثابة الجزئي‏

334

بالإضافة إلى ذلك الكلي الأصل لها، و في عين الوقت كلّ واحد من هذه الأحكام المتشعبة مشهور في نفسه، يصح أن يقع مقدمة في «القياس الجدليّ» بسبب شهرته. و باختصار هو الأصل أو القاعدة الكلية التي تتفرع منها قضايا مشهورة.

و لا تشترط شهرته. و مثاله قولهم: «إذا كان أحد الضّدين موجودا في موضوع كان ضدّه الآخر موجودا في ضد ذلك الموضوع» فهذه القاعدة «موضع» إذ تنشعب عنها عدّة أحكام مشهورة تدخل تحتها نحو قولهم: «إذا كان الإحسان إلى الأصدقاء حسنا فالإساءة إلى الأعداء حسنة، أيضا» و قولهم: «إذا كانت معاشرة الجهّال مذمومة فمقاطعة العلماء مذمومة» و قولهم: «إذا جاء الحق زهق الباطل» و هكذا. فهذه الأحكام و أمثالها أحكام جزئية بالقياس إلى الحكم الأول العام، و في نفسها أحكام كلية مشهورة. و سمّي الموضع كذلك لأنه موضع للحفظ و الانتفاع و الاعتبار. و ذلك أنهم ينصحون للمجادل أن يحفظ الموضع و لا يظهره بل يستنبط منه لأن نقضه و ردّه أسهل و أسرع من الجزئيات المستنبطة منه.

الموضوع‏

يطلق و يراد به محلّ العرض المختصّ به، كما يراد به الأمر الموجود في الذهن.

و قد ينطلق على المادة حال اقترانها بالصورة الممكنة لها. و عند أهل الكلام كذلك يطلق على ما يحكم عليه بشي‏ء آخر: إنه هو أو ليس هو، كما في «الإنسان» من قولنا: «الإنسان حيوان» أو «الإنسان ليس بحجر» و يقابله «المحمول» و هو «ما يحكم به» و ليس «ما يحكم عليه».

و موضوع العلم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، كالكلمات لعلم النحو، فإنه يبحث فيه عن أحوالها من حيث الإعراب و البناء. و «الموضوع له» هو ما يبحث في الأشياء الموضوعة لها الألفاظ.

و هي المعاني الذهنية دون الخارجية.

الموضوع الخارجي‏

من أقسام الموضوعات. و يراد به ما له وجود في الخارج مستقلّ أو متعيّن، كالماء و التراب و نحوها.

الموضوع العرفيّ الانتزاعيّ‏

و هو الموضوع الذي له وجود اصطلاحيّ عند أهل الاختصاص، و لكنه في المنشأ انتزاعيّ، كالبيع و نحوه.

الميل‏

في اللغة مصدر «مال يميل»، و في الاصطلاح يطلق على كيفية بها يكون الجسم موافقا لما يمنعه، و ينطلق على ما يدعى عند المتكلمين «اعتدال الميل» و هي حالة تعرض للجسم مغايرة للحركة، تقتضيه الطبيعة بواسطتها لو لم يعق عائق، و يعلم مغايرته لها بوجوده بدونها في الحجر المدفوع باليد، و الزّقّ المنفوخ المسكّن تحت الماء.

***

335

حرف النون‏

النادر

و هو ما قلّ وجوده و إن لم يخالف القياس.

النادم‏

را: المشاجرات.

الناسخ‏

يطلق هذا الاصطلاح حقيقة على اللّه سبحانه: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ‏ [الحجّ: الآية 52] و قد يطلق على الآية أنها «ناسخة» فيقال: «آية السيف نسخت كذا، فهي ناسخة»، و كذلك يطلق على كل طريق يعرف به نسخ الحكم من خبر الرسول و فعله و تقريره. و يطلق على الحكم فيقال: «وجوب صوم رمضان نسخ وجوب صوم عاشوراء، فهو ناسخ». و كذلك يطلقونه على المعتقد لنسخ الحكم فيقال: «فلان نسخ القرآن بالسّنّة» أي: يعتقد ذلك.

النافلة

را: النّدب.

الناموس‏

و هو الشرع الذي شرعه اللّه.

النبيّ‏

و هو من جاءه الوحي و لم يكن مستقلّا برسالة، بل جاء مكمّلا لرسالة الرسول الذي جاء قبله، كأنبياء بني إسرائيل إلا آدم (عليه السلام) فقد ثبتت نبوّته بنصّ عن الرسول عليه أفضل الصلاة و التسليم.

النتيجة

في اللغة يقال للشّاتين إذا كانتا سنّا واحدة: «نتيجة». و «غنم فلان نتائج» أي: في سنّ واحدة. ثم أطلقت على كل حاصل عن فكر. و في اصطلاح أهل الكلام هي المطلوب عينه. و يسمّى بها بعد تحصيله من القياس.

النّدب‏

و يقال له أيضا: «المندوب» و «المستحبّ» و «السّنّة». و هو، لغة، مصدر «ندبه يندبه ندبا»، و اسم المفعول‏

336

«مندوب» و يعني الدعاء إلى أمر مهمّ. و في الاصطلاح الشرعي هو ما أثيب فاعله و لم يعاقب تاركه. و هو من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول مجازا.

و يدعى في العبادات «نافلة» و ربما يذكر بكلمة «فضيلة».

النّدم‏

و هو غمّ يصيب الإنسان و يتمنّى أن ما وقع منه لم يقع. و قد جاء في النص عن النبي (عليه السلام): «الندم توبة».

النزاهة

و هي عبارة عن اكتساب مال الغير من غير ظلم و لا مهانة للغير.

النّسبة

و هي إيقاع التعلّق بين شيئين.

النّسبة الثبوتية

و هي ثبوت شي‏ء لشي‏ء على وجه هو هو.

النّسخ‏

النسخ في اللغة هو الرفع و الإزالة.

يقال: «نسخت الشمس الظلّ، و الريح الأثر». و قد يراد به ما يشبه النقل، نحو:

«نسخت الكتاب» فإن نسخ الكتاب ليس نقلا لما في المنسوخ منه حقيقة، لبقائه بعد النسخ، و إنما هو مشبه للنقل، من جهة أن ما في الأصل صار مثله في الفرع لفظا و معنى. و من هذا الباب تناسخ المواريث، و هو بانتقالها من قوم إلى قوم مع بقاء المواريث في نفسها، إذا انتقلت حالها.

و هو في الاصطلاح إبطال الحكم المستفاد من نص سابق بنص لاحق، و رفعه. و معنى الرفع: إزالة الحكم على وجه لو لاه لبقي ثابتا، كرفع الإجارة بالفسخ، إذ الفسخ هو قطع لدوامها، و ليس زوالها بانقضاء مدّتها. و النسخ دعوى تحتاج إلى دليل. فليس مجرّد التعارض يحمل على النسخ. فمثلا قوله (عليه السلام): «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها» و الدليل على النسخ في عبارة «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ..». و يجدر أن ننوّه إلى أن أهل التفسير يطلقون على إبطال شريعة بشريعة أخرى لفظ «النسخ» و هو في اللغة «تبديل».

نسخ التّلاوة

و يعني في اصطلاح الأصوليين نسخ الحكم لفظا و معنى. و قد ضربوا له أمثلة نحو ما ورد في السنّة من أنه كانت هناك آيات في القرآن ثم نسخت. فمما صح عن عمر أنه قال: «لو لا أن يقال: زاد عمر في القرآن لأثبتّها» و الآية التي يتكلم عليها عمر هي: «الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالا من اللّه و اللّه عزيز حكيم» و كذلك مما كان متلوّا من القرآن: «لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم». فهذه نسخت من‏

337

القرآن كلية. و يقول المحققون: «إنها أخبار آحاد لا يثبت بها قرآن كالقراءة الشاذّة.

و القرآن هو ما ثبت بالتواتر من الوحي المنزل للإعجاز، و ما نسخت تلاوته ليس كذلك».

النّسيان‏

و هو الغفلة عن معلوم في غير حالة السّنة. فلا ينافي الوجوب- أي: نفس الوجوب- و لا ينافي وجوب الأداء.

النّشق‏

را: الضّرب.

النصّ‏

النص، لغة، هو الكشف و الظهور، و منه: «نصّت الظبية رأسها، أي: رفعته و أظهرته، و منه: منصّة العروس» و هو الكرسيّ الذي تجلس عليه لظهورها عليه.

و يعبّر به، لغة، عن الرفع إلى غاية ما ينبغي. و منه يقال للسير الشديد الذي يستخرج أقصى ما عند الإبل.

و في الاصطلاح جعله الأصوليون من أقسام الكتاب و السنة، و يعرّفونه بأنه ما ازداد وضوحا على الظاهر لمعنى في نفس المتكلم لا في نفس الصيغة، نحو قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ‏ [النّساء: الآية 3] فإن أول الآية: وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى‏ فَانْكِحُوا [النّساء: الآية 3] أي: إن خفتم ألّا تعدلوا في اليتامى لقصور شهوتهنّ، و قلة رغبتهن فيكم، فانكحوا غيرهنّ ما طاب لكم أي: ما حلّ لكم. زعموا أن الآية ظاهرة في تجويز نكاح ما طاب من النساء، لأنه يفهم بمجرّد سماع الصيغة.

و هي أيضا «نص» في بيان العدد، لأن جواز النكاح عرف قبل ورود الآية، بنصوص أخرى، و بفعل الرسول، إلا أن العدد لم يكن مبيّنا فبيّن بهذه الآية، ففهم أن الآية لتشريع تعدد الزوجات بأربع معتبرا فهما للنص، و فهم الزواج لغير اليتيمات ظاهرا، أي: فهما للظاهر. و أيضا، يستعمل اصطلاح «النص» للدلالة على معان أخر عند أهل الأصول:

فمنها: ما دلّ على معنى قطعا، و لا يحتمل غيره قطعا، كأسماء الأعداد. نحو:

«أحد، اثنين، ثلاثة». و بهذا المعنى ترد عبارة: «نصّ عليه أحمد» و عبارة: «هو منصوص أحمد».

و منها: ما دلّ على معنى قطعا، و إن احتمل غيره، كصيغ الجموع في «العموم» تدل على أقل الجمع قطعا، مع احتمالها الاستغراق.

و من المعاني أيضا: ما دل على معنى كيف كان. و هو الغالب في استعمال الفقهاء في الاستدلال، حيث يقولون:

«لنا النصّ و المعنى» و «دلّ النص على هذا الحكم». و منها: أنه يراد به الكتاب و السنة، و يعرّف بأنه الدليل اللفظي الناهض بالحكم الشرعي، و الثابت عن‏

338

الشارع من طريق القطع، أو الظنّ المعتبر شرعا أو عقلا، سواء كان كتابا أو سنّة.

النظّامية

و هم أصحاب إبراهيم بن سيّار النّظّام. و هو من شياطين القدرية طالع كتب الفلاسفة، و خلط كلامهم بكلام المعتزلة. قالوا: «إن اللّه لا يقدر على أن يفعل بعباده في الدنيا ما لا صلاح لهم فيه، و لا يقدر أن يزيد في الآخرة أو ينقص من ثواب و عقاب لأهل الجنة و النار».

النّظر

هو في اللغة مصدر للفعل «نظر، ينظر» و يعني نظر العين و القلب. فالنظر من العين هو حسّها، و من القلب هو الفكر في الشي‏ء تقدّره و تقيسه منك. و هو بهذا المعنى الأخير ألصق بمراد الأصوليين، فلذلك يعرّف بأنه الفكر الذي يطلب به علم أو ظن. و المراد ب «الفكر» هنا: «التفكر» أي: إمعان الرّويّة، بمعنى إعمال العقل بعملية عقلية، باصطلاحنا المعاصر.

النّظم‏

هو في اللغة جمع اللؤلؤ في السلك، و في الاصطلاح: تأليف الكلمات و الجمل مترتّبة المعاني، متناسبة الدلالات، على حسب ما يقتضيه العقل. و بعبارة أخرى:

هو الألفاظ المترتّبة المسوقة، المعتبرة دلالاتها على ما يقتضيه العقل. و «نظم القرآن» يراد بهذه العبارة العبارات التي تشتمل عليها المصاحف صيغة و لغة.

النّعمة

و هي ما قصد به الإحسان و النفع لا لغرض و لا لعوض.

النّفاق‏

إظهار الإيمان باللسان، و كتمان الكفر بالقلب.

النّقض‏

أحد «قوادح العلة» و يعني إبداء الوصف المدّعى بدون وجود الحكم في الصورة، و يعبر عنه ب «تخصيص الوصف» كقول الشافعي في حق من لم يبيّت النيّة:

«تعرّى أوّل صومه عنها فلا يصحّ» فيجعل عراء أول الصوم عن النية علّة لبطلانه، فيقول الحنفي: «و هذا ينتقض بصوم التطوّع، فإنه يصح بدون التبييت، فقد وجدت العلة و هي العراء بدون الحكم، و هو عدم الصحة».

و إذا كان النقض واردا على سبيل الاستثناء فهو لا يقدح، كما في العرايا و هو «بيع الرّطب على رءوس النخل بالتمر» فهذا ورد ناقضا بالنص لعلة تحريم الربا، بل لكل ما أجمع عليه من العلل:

«الطّعم، أو الكيل، أو القوت، أو المال» و كلها موجودة في «العرايا». و أما إذا كان النقض واردا على غير وجه الاستثناء و فيه أقوال أربعة و تفصيلات في كتب الأصول.

339

النقض المكسور

را: الكسر.

النّقط

و النقطة علامة للحروف معروفة، إذ هي من الإعجام. غير أنها في القديم كانت تستعمل على غير المعهود في ضبط المهملات. و نقل عنهم الاختلاف في الأسلوب، فمنهم من ينقط تحت الراء و الصاد و الطاء و العين و نحوها من المهملات عدا الحاء المهملة، و التي تحت السين مبسوطة صفّا، و أما الشين فيجعلون النّقط فوقها كالأثافيّ كما نحن عليه اليوم في الخطّ الطباعي؛ و منهم من يجعل علامات غير النقط.

النّقل‏

يطلق، اصطلاحا، على نقل الألفاظ من معنى إلى آخر، و اللفظ يقال له في هذه الحال: «منقول» كالنقل من الحقيقة اللغوية إلى الحقيقة الشرعية، نحو: «الصلاة» من معنى «الدعاء» إلى «الهيئة المخصوصة من حركات و سكنات في الشرع». و يطلق، كذلك، على كل ما سمع مشافهة، و عن الرسول ما سمع منه مشافهة سواء أ كان ما بلّغه من القرآن، أو ما كان من سنته. و يقال له: «السّمع» أيضا. و قد يكون آحادا أو متواترا. فالسنّة، مثلا، منها ما هو متواتر، و منها ما هو آحاد. و أما القرآن فنقله إنما حدث بالتواتر، إذ كان الرسول مكلّفا بإلقاء القرآن على جمع تقوم الحجّة بنقلهم له. فهو أصل التواتر. و يشار إلى أن هذه المسألة غير مسألة «جمع القرآن».

النقل أولى من الاشتراك‏

و تكون هذه القاعدة في تعارض ما يخلّ بالفهم، فيقال حين يتعارض هذان الاحتمالان: «النقل» و «الاشتراك»: «النقل أولى من الاشتراك». و ذلك لأن المنقول مدلوله مفرد في الحالين: قبل النقل و بعده. أما قبل النقل فلأن مدلوله المنقول عنه، و هو المعنى اللغويّ؛ و أما بعده فالمنقول له و هو الشرعيّ أو العرفي. و إذا كان مدلوله مفردا فلا يمتنع العمل به، بخلاف المشترك فإن مدلوله متعدّد في الوقت الواحد. فلا يعمل به إلا بقرينة.

فمثلا، لفظ «الزكاة» يحتمل أن يكون مشتركا بين النّماء و القدر المشترك المخرج من النّصاب، و أن يكون موضوعا للنماء فقط ثم نقل إلى القدر المخرج شرعا.

فيكون النقل أولى لما ذكرناه.

النقل و التخريج‏

و هما كلمتان متلازمتان جعلتا اصطلاحا واحدا، بخلاف اصطلاح «التخريج». و هو، أي: النقل و التخريج، يقع في أقوال الفقهاء كثيرا فيقولون: «في هذه المسألة قولان بالنقل و التخريج».

و يراد ما يتعلق بنصوص إمام مذهب، إذ يكون من نص الإمام بأن ينقل عن محلّ إلى غيره بالجامع المشترك بين محلّين.

340

مثلا قال في الوصايا: «و من وجدت له وصية بخطّه عمل بها، نصّ عليه، و نص فيمن كتب وصيته و ختمها و قال: اشهدوا بما فيها أنه لا يصحّ» فتخرج المسألة على روايتين. و وجه الشّبه بين المسألتين أن في كل واحدة منهما قد وجدت وصيته بخطه.

و قد نص فيهما على حكمين مختلفين، فيخرّج الخلاف في كل واحدة منهما بالنقل و التخريج.

النّكتة

و هي مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر و إمعان فكر. مأخوذة من «نكت رمحه بأرض» إذا أثّر فيها. و سمّيت المسألة الدقيقة «نكتة» لتأثير الخواطر في استنباطها.

النّهي‏

في الاصطلاح هو طلب الترك على وجه الاستعلاء. و يعني طلب ترك الفعل، أي: طاعة الشارع فيما نهى عنه. و ليس النهي في كل ما نهى الشارع عنه سائرا على وتيرة واحدة بل تختلف النواهي باختلاف القرائن و الأحوال، فقد يكون النهي للتحريم، و قد يكون للكراهة، و غير ذلك. و هو نوعان: صريح، و غير صريح.

و قد التبس على الأصوليين التفريق بين النهي و بين صيغة النهي، تماما كما حدث في الأمر، مما يدعو إلى التخليط في البحث، فهم قالوا: «النهي للتحريم» و ترتّب عليه أن يقولوا: «الأمر بالشي‏ء نهي عن ضده». و كلها أبحاث خاطئة، فاقتضى التنويه لجلاء اللبس عن هذا المصطلح. را: صيغة النهي.

النهي الصريح‏

و هو كلّ نهي جاء بلفظ النهي، أو بصيغة وضعت في اللغة للدلالة عن النهي. فمما جاء بلفظ النهي قوله تعالى:

إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ‏ [الممتحنة: الآية 9] و مما جاء بصيغته قوله عزّ و جل: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏ [النّساء: الآية 43] فجاءت «لا الناهية» الداخلة على المضارع.

النهي عن العبادة

المقصود بعبارة «العبادة» ما هو بالمعنى الأخص، أي: خصوص ما يشترط في صحتها قصد القربة، أو فقل هي خصوص الوظيفة التي شرعها اللّه تعالى لأجل التقرب بها.

و صوره على أنحاء: أحدها: أن يتعلّق النهي بأصل العبادة، كالنهي عن صوم العيدين، و صوم الوصال، و صلاة الحائض و النّفساء؛ و ثانيها: أن يتعلق بجزئها، كالنهي عن قراءة سورة من سور العزائم في الصلاة؛ و ثالثها: أن يتعلّق بشرطها أو بشرط جزئها، كالنهي عن الصلاة باللباس المتنجّس أو المغصوب؛ و رابعها: أن يتعلّق بوصف ملازم لها أو لجزئها، كالنهي عن الجهر بالقراءة في‏

341

موضع الإخفات، و النهي عن الإخفات في موضع الجهر.

و باختصار فالنهي إما عائد إلى الأصل، و إما إلى وصف خارجي مكمّل له، أو إلى الفرع، أو وصف خارجي مكمل له.

النهي عن المعاملة

و المعاملة هي مجمل التصرفات المتعلّقة بالعباد فيما بينهم، أو بعبارة أخرى: هي العلاقات التي تتمّ بين العباد فيما بينهم. و يكون النهي عنها بداعي بيان مانعيّة الشي‏ء المنهي عنه أو بداع آخر مشابه له تارة، و أخرى يكون بداعي الردع و الزّجر، من أجل مبغوضيّة ما تعلّق به النهي، و وجود الحزازة فيه. و هذا يكون النهي فيه إما عن ذات السبب، أي: عن العقد الإنشائي، أو عن التسبيب به لإيجاد المعاملة، كالنهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة في قوله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ‏ [الجمعة: الآية 9] و إما أن يكون عن ذات المسبّب، أي:

عن نفس وجود المعاملة، كالنهي عن بيع المصحف أو الآبق.

و بعبارة أخرى: النهي إما أن يرجع إلى نفس العقد أو ركن من أركانه، و إما أن يكون راجعا إلى صفة لازمة للتصرف أو للعقد لا للعقد نفسه و لا إلى ركن من أركانه، أو لأمر خارج عن العقد.

النهي غير الصريح‏

و هو ما لا تكون فيه صيغة النهي هي الدالّة على النهي، بل الجملة الواردة في النص قد تضمّنت معنى النهي، أي:

تكون الدلالة على النهي آتية مما تضمّنته الجملة الواردة في النص من معنى النهي لا من صيغته. و من أحواله ما جاء مجي‏ء الإخبار عن تقرير حكم. نحو قوله تعالى:

وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النّساء: الآية 141] و منه ما ورد من ألفاظ التحريم صراحة في الحكم الشرعي لا في النهي كلفظ «حرّم، حرم» في قوله تعالى:

وَ حَرَّمَ الرِّبا [البقرة: الآية 275].

و كذلك ما جاء ذم فاعله أو ذمه كقوله:

بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ‏ [الأعراف:

الآية 81] و ما جاء مجي‏ء ترتيب العقاب على المنهي عنه نحو: وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً [النّساء: الآية 14] و ما جاء مجي‏ء الإخبار ببغض اللّه و الكراهية للفعل كقوله تعالى:

إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ‏ [الأنعام: الآية 141] و قوله: وَ لا يَرْضى‏ لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [الزّمر: الآية 7] و منه الإخبار الدالّ على الترك في الحكم، أي: طلب الترك.

النّوع‏

و هو المرتبة الثانية من مراتب الأشياء بالنظر إلى كليتها و جزئيتها، و عمومها و خصوصها، و ذلك بعد الجنس. فالعبادة جنس، و الصلاة و الزكاة نوعان للعباد.

342

و يقولون: «الواحد بالنوع» و يعني أنه لفظ واحد، و مسمّى واحد دل على نوع.

فالإنسان، مثلا، نوع الحيوان. و يطلق «النوع» على كل قانون تستنبط منه المواضع أي: المقدمات الخطابية.

النوع الإضافي‏

و هي ماهية يقال عليها و على غيرها «الجنس» قولا أوّليّا، أي: بلا واسطة، كالإنسان بالقياس إلى «الحيوان» فإنه ماهية يقال عليها و على غيرها، كالفرس، «الجنس» و هو «الحيوان» حتى إذا قيل: «ما الإنسان و الفرس؟» فالجواب: «إنه حيوان». و هذا المعنى يدعى «نوعا إضافيّا» لأن نوعيته بالإضافة إلى ما فوقه و هو «الحيوان» و «الجنس النامي» و «الجسم» و «الجوهر». و احترز بالقول:

«أوليّا» عن «الصنف» فهو كليّ يقال عليه و على غيره «الجنس» في جواب «ما هو؟» حتى إذا سئل عن «الترك» و «الفرس» بما هما؟ كان الجواب: «الحيوان» لكن قول «الجنس» على «الصّنف» ليس بأولى بل بواسطة حمل النوع عليه. و خرج باعتبار الأولية «الصنف» لأنه ليس منه.

النوع الحقيقي‏

و هو كليّ مقول على واحد أو على كثيرين متفقين بالحقائق في جواب ما هو؟

فالكلي جنس، و المقول على واحد هو إشارة إلى النوع المنحصر في الشخص، و قولنا: «على كثيرين» ليدخل النوع المتعدّد الأشخاص، و قولنا: «متفقين بالحقائق» ليخرج «الجنس» فهو مقول على كثيرين مختلفين بالحقائق، و قولنا:

«في جواب ما هو؟» يخرج الثلاث الباقية: «الفصل» و «الخاصّة» و «العرض العام» لأنها لا تقال في جواب ما هو؟

و سمّي به لأن نوعيته إنما هي بالنظر إلى حقيقة واحدة في أفراده.

***

343

حرف الهاء

الهجرة

و هي ترك الوطن الذي بين الكفّار و الانتقال إلى دار الإسلام.

الهداية

تنطلق للدلالة على ما يوصل إلى المطلوب، بمعنى سلوك طريق يوصل إلى المطلوب. و هي في الشرع ما يوصل إلى الإيمان الصحيح، على عكس «الضلال» و «الإضلال» الدالتين على الوصول أو الإيصال إلى الكفر، بالمعنى الشرعي.

الهذليّة

أصحاب أبي الهذيل العلاف «شيخ المعتزلة» قالوا بفناء مقدورات اللّه تعالى، و بأن أهل الخلد تنقطع حركاتهم، و يصيرون إلى خمود دائم.

الهزل‏

و هو ألّا يراد باللفظ معناه الحقيقي و لا المجازي. ضد «الجد».

الهمّ‏

هو عقد القلب على فعل شي‏ء قبل أن يفعل من خير أو شرّ.

الهوى‏

و هو ميلان النفس إلى ما تستلذّه من الشهوات من غير داعية الشرع.

الهينمة

و هي إخفاء الصوت أثناء القراءة.

***

344

حرف الواو

الواجب‏

را: الفرض.

الواجب الأصليّ‏

و هو، لدى الإمامية، في أصولهم ما قصدت إفادة وجوبه مستقلّا بالكلام، كوجوبي الصلاة و الوضوء المستفادين من قوله تعالى: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:

الآية 43] و قوله: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏ [المائدة: الآية 6].

الواجب التّبعيّ‏

اصطلاح للإمامية أصوليّ. و يعرّف بأنه ما لم تقصد إفادة وجوبه، بل كان من توابع ما قصدت إفادته. و هو كوجوب المشي إلى السوق المفهوم من أمر المولى بشراء اللحم من السوق، فإن المشي إليها، حينئذ، يكون واجبا، لكنه لم يكن مقصودا بالإفادة من الكلام، كما في كل دلالة التزامية فيما لم يكن اللزوم فيها من قبيل البين بالمعنى الأخص.

الواجب التخييري‏

را: الواجب المخيّر.

الواجب التعبّديّ‏

يعرّف قدماء الشيعة هذا المصطلح في كتبهم بأنه «ما لم يعلم الغرض منه» و لا يراد هذا المعنى لدى المتأخرين.

و سمّي تعبّديّا لأن الغرض الداعي للمأمور ليس إلا التعبد بأمر اللّه فقط. و المتأخرون يرون أنها الواجبات التي لا تصح و لا تسقط أوامرها إلا بإتيانها قربيّة إلى وجه اللّه تعالى. كالصوم و الصلاة. و يقال لها:

«العباديات» أو «التعبديات»، و هي تقابل «التوصّليات». و معنى قولهم: «قربية» أنها إنما هو بإتيانها على نحو قصد امتثال أوامرها، أو بغيره من وجوه قصد القربة إلى اللّه تعالى.

الواجب التّعييني‏

اصطلاح بهذا اللفظ للإمامية، و يعرّفونه بأنه الواجب بلا واجب آخر يكون عدلا له و بديلا عنه في عرضه، كالصلاة اليومية. و يقابله «الواجب التغييري».

345

الواجب التوصّلي‏

و يعرّفونه قدماء الشيعة الإمامية بقولهم: «ما كان الداعي للأمر به معلوما» إلا أنه غير سائر عند المتأخرين، و المتأخرون يقولون: «الواجبات التوصليات هي التي تسقط أوامرها بمجرّد وجودها، و إن لم يقصد بها القربة، كإنقاذ الغريق، و أداء الدّين، و دفن الميت، و تطهير الثوب و البدن للصلاة، و نحوها».

و «الواجبات التوصليات» هي مقابل «الواجبات التعبديات».

الواجب العينيّ‏

را: فرض العين.

الواجب غير الفوري‏

و هو من أقسام الواجب غير الموقّت لدى الإمامية. و يعرّف بأنه ما يجوز تأخيره عن أول أزمنة إمكانه، كالصلاة على الميت، و قضاء الفائتة، و الزكاة، و الخمس. و يقابله «الواجب الفوري».

الواجب غير الموقّت‏

و هو تقسيم للواجب، لدى الإمامية، باعتبار الوقت. و يعرّف بأنه ما لم يعتبر فيه شرعا وقت مخصوص، كقضاء الفائتة، و إزالة النجاسة عن المسجد، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و غير ذلك. و إن كان كلّ فعل لا يخلو، عقلا، من زمن يكون ظرفا له. و يقابله «الواجب الموقت». و ينقسم غير الموقت إلى:

فوري، و غير فوري.

الواجب الغيريّ‏

و يعني لدى الإمامية الواجب لأجل واجب آخر، كالوضوء فإنه مقدمة لواجب الصلاة.

الواجب الفوريّ‏

و هو من أقسام الواجب غير الموقت لدى الإمامية. و يراد به ما لا يجوز تأخيره عن أول أزمنة إمكانه، كإزالة النجاسة عن المسجد، و ردّ السلام، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

الواجب الكفائيّ‏

را: فرض الكفاية.

الواجب المبهم‏

را: الواجب المخير.

الواجب المحتّم‏

و هو ما فرض على المكلّف أن يقوم به، و لم يخيّر، بل طولب بفعله على التعيين. كالصلاة فمحتم عليه أن يقوم بها دون أي تخيير بينها و بين غيرها. و يدعى كذلك «الواجب المعيّن».

الواجب المخيّر

و هو ما خيّر فيه المكلّف بين عدة أفعال. نحو قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ‏

346

1- أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة: الآية 89] الآية. فالمكلف مخيّر بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، إذ الواجب عليه واحد منها لا بعينه. و هذا التقسيم بالنظر إلى المفعول لا الفاعل. و يدعى «الواجب المخير» كذلك «الواجب المبهم».

الواجب المشروط

و هو ما توقّف وجوبه على شي‏ء آخر خارج عن الواجب، و هذا الشي‏ء، مأخوذ في وجوب الواجب على نحو الشرطية، كوجوب الحج بالقياس إلى الاستطاعة، فلا يجب الحجّ إلا عند وجود الاستطاعة. فقد اشترط الوجوب بحصول خارج عن الواجب و هو الاستطاعة. و هو يقابل «الواجب المطلق».

الواجب المضيّق‏

و هو تقسيم للفرض أو الواجب من حيث الأداء، و ذلك إذا كان وقت الواجب غير فاضل عنه كالصوم، إذ يجب أداؤه فور وجوبه، و لا يجوز تأخيره، فإن أخّره أثم و لزمه القضاء. را: الواجب الموقت.

الواجب المطلق‏

و هو الواجب إذا قيس وجوبه إلى شي‏ء آخر خارج عن الواجب. و هذه النظرة إلى الواجب لدى أصوليي الإمامية. و يعرّفون «الواجب المطلق» بأن يكون وجوب الواجب غير متوقف على حصول شي‏ء آخر خارج عنه، كالحج بالقياس إلى قطع المسافة، و إن توقّف وجوده عليه. و هو «مطلق» لأنه غير مشروط بحصول ذلك الشي‏ء في الخارج، فيقابله «الواجب المشروط».

الواجب المعلّق‏

و هو اصطلاح للإمامية يراد به تعليق الفعل- لا وجوبه- على زمان غير حاصل بعد. و ذلك بأن تكون فعلية الوجوب سابقة زمانا على فعلية الواجب فيتأخّر زمان الواجب عن زمان الوجوب، كالحجّ، مثلا، فإنه عند حصول الاستطاعة يكون وجوبه فعليّا، كما قيل، و لكن الواجب معلّق على حصول الموسم، فعند حصول الاستطاعة وجب الحجّ، و لذا عليه أن يهيّئ المقدمات و الزاد و الراحلة حتى يحصل وقته و موسمه ليفعله في وقته المحدّد له.

و يقابله «الواجب المنجز».

الواجب المعيّن‏

را: الواجب المحتّم.

الواجب المنجز

و هو ما كان زمان الواجب نفس زمان الوجوب. و ذلك بأن تكون فعلية الوجوب مقارنة زمانا لفعلية الواجب، كالصلاة بعد دخول وقتها فإن وجوبها فعليّ، و الواجب- و هو الصلاة- فعلي، أيضا. و يقابله لدى الإمامية مصطلح «الواجب المعلّق».

347

الواجب الموسّع‏

و هو عندهم نظر إلى الفرض من حيث أداؤه. و يعني أن يكون وقت الواجب فاضلا عنه كصلاة الظهر مثلا، إذ جميع أجزاء الوقت إلى العصر وقت لأداء الواجب فيه فيما يرجع إلى سقوط الفرض به، و حصول مصلحة الواجب. فالحج واجب موسع بعد حصول الاستطاعة، أي: للمستطيع أن يقوم به في كل وقت بعد حصول الاستطاعة. و هذا التقسيم يقابله «الواجب المضيّق» أو «الفرض المضيّق» من حيث الأداء. را: الواجب الموقت.

الواجب الموقّت‏

و هو تقسيم للواجب باعتبار الوقت، لدى الإمامية. و هو ما اعتبر فيه، شرعا، وقت مخصوص. و لا يكون فعله زائدا عن وقته المعيّن له فهو باطل عقلا. و أما أن يكون فعله مساويا لوقته المعين له فهو واقع، كالصوم، إذ فعله ينطبق على وقته بلا زيادة و لا نقصان من طلوع الفجر إلى الغروب و هو عندهم «المضيّق»؛ و أما ما يكون فعله ناقصا عن الوقت المعيّن له فهو المسمّى عندهم ب «الموسّع» لأن فيه توسعة على المكلّف في أول الوقت و أثنائه، كالصلاة اليومية، فإنه لا يجوز تركه في جميع الوقت، و يكتفى بفعله مرة واحدة في ضمن الوقت المحدّد له.

الواجب النفسي‏

و هو لدى الإمامية الواجب لنفسه لا لأجل واجب آخر، كالصلاة اليومية.

و يقابله الواجب الغيري.

واجب الوجود

و هو الذي يكون وجوده ذاتيّا أو من ذاته و لا يحتاج إلى شي‏ء أصلا. و بعبارة أخرى: هو الذي تحتاج إليه الأشياء و لا يحتاج إلى شي‏ء.

الواجبات القبول‏

و هي ما كان السبب في شهرتها كونها حقّا جليّا، فيتطابق من أجل ذلك على الاعتراف بها جميع العقلاء، كالأوليات و الفطريات و نحوهما. و هي «المشهورات» بالمعنى الأعم.

الواسطة في الإثبات‏

را: الحدّ الأوسط.

الواصلية

أصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء المعتزليّ. قالوا بنفي الصفات عن اللّه سبحانه و بنفي القدرة عنه، بتأوّلهم لصفاته، أي: هم عطّلوا صفات اللّه.

و كذلك أسندوا القدرة إلى العباد.

الواضع‏

يراد به في علم الأصول عند قوم «اللّه تعالى» أي: أنه واضع اللغة، و أما من يرى غير ذلك فيطلقه و يعني به «الناس» أي: هم‏

348

الذين تواضعوا على اللغة و اصطلحوا عليها.

الواقع‏

اسم فاعل من «وقع» يستخدم وصفا للتعبير عن الشي‏ء الساقط. و في الاصطلاح هو اسم ذات يعبر على مراد أهل الكلام عن اللوح المحفوظ، و هو العقل الفعّال عند الفلاسفة.

و قد استعمل المتأخرون من أهل الأصول و الفقهاء هذه العبارة لتدل على حادث خارجي أو واقعة شرعية. و أما استعمال الواقع بالمعنى المعروف للدلالة على مجمل ما يكون خارج ذهن الإنسان. فهذا اصطلاح معاصر. و القدماء يطلقون كلمة «الأعيان» مقابل «الأذهان».

الوجادة

و هي، بكسر الواو، مصدر مولّد للفعل «وجد يجد». و لم يسمع عن العرب. و اصطلح المحدّثون على إطلاقه بمعنى ما أخذ من العلم من صحيفة، من غير سماع و لا مناولة، و لا إجازة، كأن يجد شخص كتابا بخطّ من عاصره، و عرف خطه، سواء لقيه أو لم يلقه، أو بخط من لم يعاصره، و لكنه ثبت عنده صحة نسبة الكتاب إليه، بشهادة أهل الخبرة، أو بشهرة الكتاب إلى صاحبه، أو بسند مثبت فيه، و غيره مما يؤكّد نسبة الكتاب إلى صاحبه، فيروي عن هذا الكتاب. و هذه الطريقة من طرق التحمل نادرة و قليلة في المتقدّمين. و ألفاظ الوجادة هي من قبيل: «وجدت في كتاب فلان، أو قرأت في كتاب فلان» و نحوها.

الوجوب‏

و هو السقوط في اللغة. و في الاصطلاح عند الفقهاء هو عبارة عن شغل الذّمّة، و في اصطلاح المتكلمين هو ضرورة اقتضاء الذات عينها و تحققها في الخارج.

و هو ضرورة ثبوت المعمول لذات الموضوع و لزومه لها، على وجه يمتنع سلبه عنه، كالزوج بالنسبة إلى الأربعة، فإن الأربعة لذاتها يجب أن تتصف بأنها زوج. و قولنا: «لذات الموضوع» يخرج به ما كان لزومه لأمر خارج عن ذات الموضوع كثبوت الحركة للقمر، فهي لازمة له، و لزومها لا لذاته بل لوضع الفلك و علاقته بالأرض.

وجوب الأداء

و هو عبارة عن طلب تفريغ الذّمّة.

الوجوب الشرعي‏

و هو ما يكون فاعله مستحقّا للثواب، و تاركه مستحقّا للذم و العقاب.

الوجوب العقليّ‏

ما لزم صدوره عن الفاعل بحيث لا يتمكن من الترك بناء على استلزامه محالا.

349

الوجوب غير المحدّد

و يقابله «الوجوب المحدّد» في الاصطلاح لدى أهل الأصول. و هو ما لم يحدّد الشارع متعلّقه. و هو مثل: «العدل، الإحسان، و الوفاء، و مواساة ذي القربى، و المساكين و الفقراء، و الاقتصاد في الإنفاق» و هي تختلف باختلاف الحاجات و الأحوال و الأزمان.

الوجوب المحدّد

و يقابله «الوجوب غير المحدد».

و هو ما كان متعلّقه محدّدا بأن عيّن له الشارع مقدارا معلوما لا تبرأ الذّمّة إلا بأدائه بمقداره الذي حدّده الشارع و عيّنه، كالصلوات الخمس، و زكاة الأموال، و صوم رمضان.

الوجود الاستقلالي‏

و هو ما كان موجودا لنفسه و في نفسه، كالجوهر.

الوجود الذهني‏

و هو من مراتب الوجود للموجودات. و يعني صورة مدلول اللفظ الحاصلة في الذهن، كصورة «الرجل» و «الإنسان». و هذا الوجود لا يختلف باختلاف الأشخاص، بل و لا باختلاف اللغات، فإن صورة الرجل و الإنسان من حيث هو رجل و إنسان هي واحدة، و لا يقع في الذهن تفاوت بينهما بالخواص العارضة، بل هو بأخذ الماهية المشتركة بين أشخاص الرّجل و الإنسان، فالرضيع و الفطيم، و العظيم، و المراهق و الكهل و الفتى و الشيخ الهمّ، كلّ منهم رجل و إنسان في الذهن على السواء، و هو سواء في ذهن العربي و غير العربي.

و إذا قلنا: لفظ «الرجال» يدل على مسمّاه باعتبار وجوده الذهني، فهو يعني أنه يدل على الصورة المطابقة لتلك الأشخاص في الذهن.

الوجود الرابط

و هو ما يتوقّف وجوده على وجود الطرفين، بحيث لولاهما لم يوجد لا في الذهن و لا في الخارج، كمفهوم الحروف في النحو.

الوجود الرابطيّ‏

و هو ما كان موجودا في نفسه لغيره، كالأعراض بالنسبة إلى موضوعاتها.

الوجود العينيّ‏

و المعنى «الوجود في الأعيان». و هذا من مراتب وجود الموجودات و هي عين الموجودات الخارجية أو ذواتها. فإذا قلنا:

«الإنسان» و «الرّجل» فعين المفهوم منهما- و هو «الحيوان الناطق»- هو المقصود من هذا الوجود. و يختلف هذا الوجود باختلاف الأشخاص و الخواص، فزيد الطويل غير زيد القصير، و عمرو العالم غير عمرو الجاهل، و الفطيم أكبر من الوليد، و البالغ أقوى من الصبي، و هذا الشخص المعيّن هو غير ذلك المعيّن.

350

الوجود اللساني‏

و هو من مراتب الوجود، و هو لفظ اسمه الدال عليه كلفظ «الرجل» أو «الإنسان» الدال على مسمّاه، فوجوده لفظيّ في اللسان. فهذا الوجود يختلف باختلاف اللغات و بالنظر إلى الألفاظ فالتعبير عن البعير مثلا: «جمل» و «دوا» و «أشتر» بالعربي و التركي و العجمي.

و هذا الوجود أيضا هو دليل، بخلاف الوجودين: الذهني، و العيني، فلفظة «زيد» تدل على هذا الإنسان الخاص الموجود في الخارج، المطابق لصورته الموجودة في الذهن. فهما مدلولان للفظ و هو دليل لهما.

و إذا قيل: «دلالة الألفاظ على مسمّياتها باعتبار وجودها اللساني» فمعناه إذا قلت: «الرجال» أن هذا يفيد بالوضع أو بالاستعمال جماعة أشخاص من ذكور بني آدم، و هو الوجود اللساني.

الوجوديّة اللادائمة

و هي «المطلقة العامة» المقيّدة باللادوام الذاتي، لأن «المطلقة العامة» يحتمل فيها أن يكون المحمول دائم الثبوت لذات الموضوع، و يحتمل عدمه. و لأجل التصريح العام بعدم الدوام تقيّد القضية بكلمة «لا دائما» فيشار بها إلى «مطلقة عامة» كما ورد. فتتركب الوجودية اللادائمة من مطلقتين عامتين. نحو: «لا شي‏ء من الإنسان بمتنفس بالفعل لا دائما» أي: أن كل إنسان متنفس بالفعل.

الوجودية اللاضرورية

و هي «المطلقة العامة» المقيّدة باللاضرورية الذاتية، لأن «المطلقة العامة» يحتمل فيها أن يكون المحمول ضروريّا لذات الموضوع، و يحتمل عدمه. و لأجل التصريح بعدم ثبوت أو بعدم ضرورة ثبوته لذات الموضوع تفيد بكلمة «لا بالضرورة» و سلب الضرورة معناه الإمكان العام، إذ هو سلب الضرورة عن الطّرف المقابل.

فإذا سلبت عن الطرف المذكور صريحا في القضية و لنفرضه حكما إيجابيّا- فمعناه أن الطرف المقابل- و هو السلب- موجّه بالإمكان العام.

و عليه فيشار بكلمة «لا بالضرورة» إلى «ممكنة عامة». فإذا قلنا: «كل إنسان متنفس بالفعل لا بالضرورة» فإن «لا بالضرورة» إشارة إلى قولنا: «لا شي‏ء من الإنسان بمتنفس بالإمكان العام».

وجوه التّرجيحات‏

و هي الجهات التي يرجّح بها المجتهدون نصّا على آخر. و لقد زادت هذه الوجوه على المائة. و هاهنا نحاول أن نستقصيها كما وردت لدى المجتهدين. فالأول من هذه الوجوه كثرة الرواة، و الثاني: كون أحد الراويين أتقن و أحفظ، و الثالث: كونه متّفقا على عدالته، و الرابع: كونه بالغا حالة التحمل، و الخامس: كون سماعه تحديثا و الآخر عرضا، و السادس: كون أحدهما

351

سماعا أو عرضا و الآخر كتابة أو وجادة أو مناولة، و السابع: كونه مباشرا لما رواه، و الثامن: كونه صاحب القصة، و التاسع:

كونه أحسن سياقا و استقصاء، و العاشر:

كونه أقرب مكانا من النبي (صلى اللّه عليه و سلم) حالة تحمله، و الحادي عشر: كونه أكثر ملازمة لشيخه، و الثاني عشر: كونه سمعه من مشايخ بلده، و الثالث عشر: كون أحد الحديثين له مخرج، و الرابع عشر: كون إسناده حجازيّا، و الخامس عشر: كون رواته من بلد لا يرضى أهله بالتدليس، و السادس عشر: دلالة ألفاظه على الاتصال، نحو: «سمعت، حدّثنا»، و السابع عشر: كونه مشاهدا لشيخه عند الأخذ، و الثامن عشر: كون الحديث لم يختلف فيه، و التاسع عشر: كون راويه لم يضطرب لفظه، و العشرون: كون الحديث متّفقا على رفعه، و الحادي و العشرون:

كونه متّفقا على اتصاله، و الثاني و العشرون: كون راويه لا يجيز الرواية بالمعنى، و الثالث و العشرون: كونه فقيها، و الرابع و العشرون: كونه صاحب كتاب يرجع إليه، و الخامس و العشرون:

كون أحد الحديثين نصّا و قولا و الآخر ينسب إليه استدلالا و اجتهادا، و السادس و العشرون: كون القول يقارنه الفعل، و السابع و العشرون: كونه موافقا لظاهر القرآن، و الثامن و العشرون: كونه موافقا لسنّة أخرى، و التاسع و العشرون: كونه موافقا للقياس، و الثلاثون: كونه معه حديث آخر مرسل أو منقطع، و الحادي و الثلاثون: كونه عمل به الخلفاء الراشدون، و الثاني و الثلاثون: كونه معه عمل الأمّة، و الثالث و الثلاثون: كون ما تضمّنه من الحكم منطوقا، و الرابع و الثلاثون: كونه مستقلّا لا يحتاج إلى إضمار، و الخامس و الثلاثون: كون حكمه مقرونا بصفة و الآخر بالاسم، و السادس و الثلاثون: كونه مقرونا بتفسير الراوي، و السابع و الثلاثون: كون أحدهما قولا و الآخر فعلا فيرجّح القول، و الثامن و الثلاثون: كونه لم يدخله التخصيص، و التاسع و الثلاثون: كونه غير مشعر بنوع قدح في الصحابة، و الأربعون: كونه مطلقا و الآخر ورد على سبب، و الحادي و الأربعون: كون الاشتقاق يدل عليه دون الآخر، و الثاني و الأربعون: كون أحد الخصمين قائلا بالخبرين، و الثالث و الأربعون: كون أحد الحديثين فيه زيادة، و الرابع و الأربعون: كونه فيه احتياط للفرض و براءة للذّمّة، و الخامس و الأربعون: كون أحد الحديثين له نظير متّفق على حكمه، و السادس و الأربعون:

كونه يدل على التحريم و الآخر على الإباحة، و السابع و الأربعون: كونه يثبت حكما موافقا لما قبل الشرع، فقيل: «هو أولى» و قيل: «هما سواء»، و الثامن و الأربعون: كون أحد الخبرين مسقطا للحدّ، فقيل: «هو أولى» و قيل: «لا يرجّح»، و التاسع و الأربعون: كونه إثباتا

352

يتضمن النقل عن حكم العقل، و الآخر نفيا يتضمن الإقرار على حكم العقل، و الخمسون: كون الحديث في الأقضية و روى أحد الحديثين عليّ، أو في الفرائض و راوي أحدهما زيد، أو في الحلال و الحرام و راوي أحدهما معاذ، و هلم جرّا، فالذي عليه الأكثرون الترجيح بذلك، و الحادي و الخمسون: كونه أعلى إسنادا، و الثاني و الخمسون: كون راويه عالما بالعربية، و الثالث و الخمسون: كونه عالما باللغة، و الرابع و الخمسون: كونه أفضل في الفقه أو العربية أو اللغة، و الخامس و الخمسون: كونه حسن الاعتقاد، و السادس و الخمسون: كونه ورعا، و السابع و الخمسون: كونه جليسا للمحدّثين و العلماء، و الثامن و الخمسون:

كونه أكثر مجالسة لهم، و التاسع و الخمسون: كونه عرفت عدالته بالاختبار و الممارسة، و عرفت عدالة الآخر بالتزكية أو العمل على روايته، و الستون: كون المزكّي زكّاه و عمل بخبره، و زكّى الآخر و روى خبره، و الحادي و الستون: كونه ذكر سبب تعديله، و الثاني و الستون: كونه ذكرا، و الثالث و الستون: كونه حرّا، و الرابع و الستون: شهرة الراوي، و الخامس و الستون: شهرة نسبه، و السادس و الستون: عدم التباس اسمه، و السابع و الستون: كونه له اسم واحد على من له اسمان فأكثر، و الثامن و الستون: كثرة المزكّين، و التاسع و الستون: كثرة علم المزكّين، و السبعون:

كونه دام عقله فلم يختلط، بالإطلاق عند جماعة، و عند بعضهم بقيد عدم العلم هل رواه بحال سلامته أو اختلاطه، و الحادي و السبعون: تأخر إسلام الراوي، و بعضهم عكسه، و الثاني و السبعون: كونه من الصحابة، و الثالث و السبعون: كون الخبر حكي سبب وروده إن كانا خاصّين فإن كانا عامين فبالعكس، و الرابع و السبعون: كونه حكي فيه لفظ الرسول، و الخامس و السبعون: كونه لم ينكره راوي الأصل أو لم يتردّد فيه، و السادس و السبعون:

كونه مشعرا بعلوّ شأن الرسول و تمكنه، و السابع و السبعون: كونه مدنيّا و الآخر مكيّ، و الثامن و السبعون: كونه متضمّنا للتخفيف، و قيل بالعكس، و التاسع و السبعون: كونه مطلق التاريخ على المؤرّخ بتاريخ متقدّم، و الثمانون: كونه مؤرّخا بتاريخ مؤخّر على مطلق التاريخ، و الحادي و الثمانون: كون الراوي تحمّله في الإسلام على ما تحمّله راويه في الكفر أو شكّ فيه، و الثاني و الثمانون: كون لفظ الحديث فصيحا و الآخر ركيكا، و الثالث و الثمانون: كونه بلغة قريش، و الرابع و الثمانون: كونه لفظه حقيقة، و الخامس و الثمانون: كونه أشبه بالحقيقة، و السادس و الثمانون: كون أحدهما حقيقة شرعية و الآخر حقيقة عرفية أو لغوية، و السابع و الثمانون: كون أحدهما حقيقة عرفية و الآخر حقيقة لغوية، و الثامن و الثمانون:

353

كونه يدل على المراد من وجهين، و التاسع و الثمانون: كونه يدل على المراد بغير واسطة، و التسعون: كونه يومي إلى علة الحكم، و الحادي و التسعون: كونه ذكر معه معارضه، و الثاني و التسعون: كونه مقرونا بالتهديد، و الثالث و التسعون: كونه أشدّ تهديدا، و الرابع و التسعون: كون أحد الخبرين يقلّ فيه اللّبس، و الخامس و التسعون: كون اللفظ متّفقا على وضعه لمسمّاه، و السادس و التسعون: كونه منصوصا على حكمه مع تشبيهه بمحل آخر، و السابع و التسعون: كونه مؤكّدا بالتكرار، و الثامن و التسعون: كون أحد الخبرين دلالته بمفهوم الموافقة و الآخر بمفهوم المخالفة و قيل بالعكس، و التاسع و التسعون: كونه قصد به الحكم المختلف فيه و لم يكن بالآخر ذلك، و المائة: كون أحد الخبرين مرويّا بالإسناد و الآخر معزوّا إلى كتاب معروف، و الحادي بعد المائة:

كون أحدهما معزوّا إلى كتاب معروف و الآخر مشهور، و الثاني بعد المائة: كون أحدهما اتفق عليه الشيخان، و الثالث بعد المائة: كون العموم في أحد الخبرين مستفادا من الشرط و الجزاء و الآخر من النكرة المنفية، و الرابع بعد المائة: كون الخطاب في أحدهما تكليفيّا و الآخر وضعيّا، و الخامس بعد المائة: كون الحكم في أحد الخبرين معقول المعنى، و السادس بعد المائة: كون الخطاب في أحدهما شفاهيّا فيقدّم على خطاب الغيبة في حق من ورد الخطاب عليه، و السابع بعد المائة: كون الخطاب على الغيبة فيقدم على الشفاهي في حق الغائبين، و الثامن بعد المائة: كون أحد الخبرين قدّم فيه ذكر العلة، و قيل العكس، و التاسع بعد المائة: كون العموم في أحدهما مستفادا من الجمع المعرف فيقدم على المستفاد من «ما» و «من»، و العاشر بعد المائة: كونه مستفادا من الكل فيقدم على المستفاد من الجنس المعرف لاحتمال العهد، و الحادي عشر بعد المائة: يرجّح الخبر المبقي لحكم الأصل على الرافع له، و الثاني عشر بعد المائة: يرجح الخبر الدال على التحريم على الخبر الدال على الإباحة، و الثالث عشر بعد المائة: و الخبر الدال على التحريم يرجّح على الدال على الوجوب، و الرابع عشر بعد المائة: الخبر الدال على الوجوب يرجّح على الدال على الإباحة، و الخامس عشر بعد المائة: يرجّح الدال على الوجوب على الدال على الندب، و السادس عشر بعد المائة: يرجح الخبر الدال على التحريم على الدال على الكراهة، و السابع عشر بعد المائة: النافي للحد مرجح على المثبت له، و الثامن عشر بعد المائة: الدليل النافي يرجّح على المثبت، و التاسع عشر بعد المائة: يرجح خبر الآحاد على القياس ذي العلة المستنبطة أو القياسية ...

و هناك جزئيات كثيرة أخرى وردت في اجتهادات المجتهدين في المذاهب،

354

و تحتاج إلى نظر. و الخلافات كثيرة في إثبات هذه الوجوه، و ما ذكرناه لا يسلم به جميعا بل هناك ما هو مرفوض. و ليس تبيانه من شأن هذا الكتاب.

الوجيه‏

و هو من فيه خصال حميدة من شأنه أن يعرف و ينكر.

الوحدة

بما أن كل وجودين متقاربين، كالشجر الموضوع بجنب الحجر لا يسمّى مركبا فلا بد من أحد أمور ثلاثة في إطلاق الوحدة على الوجودين:

الأول: أن يكون اعتبار الوحدة من باب لحاظ الأجزاء بلحاظ واحد و تصور واحد، كالدار المركبة من الغرف و غيرها. فاللحاظ واحد و الملحوظ مستكثر.

الثاني: أن يكون اعتبار الوحدة من باب ترتّب غرض واحد على هذه الوجودات، كالمعجون المؤتلف من أشياء متباينة الذي له أثر كذا، فإن هذا المركب يدعى «واحدا» بلحاظ الأثر في وحدته.

الثالث: أن يكون اعتبار الوحدة من باب كون هذه الكثرة تعلّق بها طلب واحد، كالصلاة التي هي تعلق طلب واحد بالتكبير و الركوع و السجود و غيرها. ففي كل حال يدعى كل واحد من تلك الكثرة «الجزء».

الوحي الباطن‏

و هو اصطلاح يقابل «الوحي الظاهر». و يريدون به تأييد القلب على وجه لا يبقى فيه شبهة و لا معارض و لا مزاحم، و ذلك بأن يظهر له الحق بنور في قلبه من ربه يتضح له حكم الحادثة به.

و إليه أشار اللّه تعالى بقوله: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ‏ [النّساء: الآية 105].

و يزعمون أن هذا مقرون بالابتلاء (را: الابتلاء) و هو خاص بالرسول (عليه السلام) و لا شركة للأمّة فيه إلا أن يكرم اللّه به من شاء من أمته، لحقه، و ذلك الكرامة للأولياء.

و لنا أن نقول: إنه لا دليل على هذا كله، بل الرسول لا يبلّغ إلا بالوحي و هو الذي عندهم يدعى «الوحي الظاهر» و ليس غيره. و أما معنى الآية فينصرف إلى رؤية التبليغ عن اللّه بالوحي تماما دون زيادة و لا نقصان. و عليه فلا وحي باطنا، بل هناك وحي ليس غير. و موضوع الكرامة لا علاقة له بالوحي.

الوحي الظاهر

و هو اصطلاح لدى بعض الأصوليين، يطلقونه في مقابل «الوحي الباطن»، و يراد به كل ما يكون وحيا للرسول عليه الصلاة و السلام بما يكون على لسان الملك بما يقع في سمعه بعد علمه بالمبلغ بأنه قاطع، أو ما يتضح‏