تعريب تاريخ الأدب الجغرافي العربي - ج2

- إيكناتي يوليانوويج كراشكوفسكي المزيد...
503 /
568

يقابلنا بنفس المعنى «راهدان» أو «راهدار» 24 (أى «المرشد» أو «الدليل»)، ثم لفظ نال رواجا كبيرا هو «ناخدا» (*) (و جمعها «نواخذة»، أى «سيد السفينة» أو «صاحبها») 25 الذى وجد إلى جانبه لفظ عربى ذا صيغة فريدة و هو «ربّان» (و جمعها «ربابنة»، أى «القبطان» أو «قائد السفينة» 26) و لفظ آخر مجهول الأصل هو «إشتيام» (جمعها «أشاتمة») 27. و يكثر عدد هذه الألفاظ عند التعرف على الاصطلاحات الفلكية فى مؤلفات ابن ماجد الذى سيرد الكلام عليه للتو، و أهمها لفظ «خنّ» (و جمعها «أخنان»، و يقصد بها منازل البوصلة أو أجزاؤها(Les rumbs de vent 28، و لفظ «الجاه» (أى النجم القطبى) 29 و «باشى» (أى ارتفاع النجم) 30 الخ، و جميع هذه الألفاظ تقف دليلا قاطعا على أن العرب قد استعاروا من الفرس جميع اصطلاحات الجغرافيا الملاحية تقريبا. و فى العصور القديمة عند ما* * * اقتصرت الملاحة عند العرب على الملاحة الساحلية 31 فإنه لم تكن لهم معرفة بهذه الاصطلاحات و لكنهم ما لبثوا أن أخذوا شيئا فشيئا من الفرس «وردة الرياح»(Rose de vent) التى عرفناها من قبل فى صورتها المعربة فقط، كما أخذوا أيضا «الراهنامجات» المختلفة التى مكنتهم بالتدريج من أن يصبحوا منافسين خطيرين للفرس فى الملاحة بالمحيط الهندى بأجمعه‏ 32.

و توجد بالطبع أسباب أخرى غير التى ذكرناها حالت دون بقاء هذه «المرشدات» البحرية» إلى أيامنا هذه رغما من عددها الكبير. و على أية حال فواقع الأمر هو أننا نلتقى لأول مرة بمصنفات فى هذا الصدد فى حدود القرنين الخامس عشر و السادس عشر و ندين بها على وجه التحديد لاثنين من المؤلفين، و هى التى فتحت أنظارنا لأول مرة على هذا الأدب فى مضمونه الواسع.

و قد ورد اسما هذين المؤلفين من وقت لآخر لدى العلماء الأوروبيين من قبل و ذلك اعتمادا على المصادر التركية، غير أن معرفة الدوائر العلمية بآثارهما معرفة مباشرة إنما تدين بها إلى المستشرق الفرنسى غابرييل فيران‏G Feirand و هو عالم ممتاز تركز نشاطه العلمى فى الثلث الأول من القرن العشرين و يعد من كبار المتخصصين فى الجغرافيا التاريخية للمحيط الهندى و الجزائر الشرقية المنتشرة من ساحل أفريقيا الشرق إلى سواحل الصين. و يعتمد نشاطه العلمى فى هذا المجال على تدريب بعيد المدى وسعة فى الأفق العلمى لا مثيل لها؛ و قد كان فيران فى بادئ الأمر من تلامذة رينيه باسيه‏R .Bassct و تخرج عليه فى محيط الدراسات العربية و الأفريقية ثم أمضى جميع حياته بالتقريب فى الخدمة الدبلوماسية بالمستعمرات الفرنسية بالمحيط الهندى من مدغشقر إلى الهند الصينية؛ و تمثل أهمية كبيرة فى هذا الصدد دراساته عن اللغة الملغاشية و آثار مدغشقر القديمة. و لم يلبث أن اجتذبه هذا الاتجاه إلى الاهتمام بأرخبيل الملايو و دفعه لا إلى دراسة لغة الملايو وحدها بل و لغات الشرق الأقصى الأخرى و إلى التعرف على تاريخ تطور علم الفلك فى تلك النواحى؛

____________

(*) ناخذا و مصطلحاتها المتعددة الأخرى ناخذاه و ناخوذا و ناخوذة و ناوخذا بالذال أو الدال معرب الفارسية نارخدا أى سيد السفينة. (المترجم)

569

و لم يكتف بهذا بل ألم بجميع ما يمت بصلة إلى ذلك العالم القائم بذاته، أعنى ذلك المحيط الحضارى الذى امتزجت فيه الحضارة العربية بالحضارتين الهندية و الملايوبة. و قد توج جانبا من مجهوده فى هذا الصدد بإخراج مؤلفه الأساسى الذى جمع فيه المادة العربية و الفارسية و التركية المتعلقة بالجغرافيا التاريخية للهند و الشرق الأقصى بعنوان «قصص الرحلات و النصوص الجغرافية العربية و الفارسية و التركية المتعلقة بالشرق الاقصى من القرن الثالث عشر إلى القرن الثامن عشر، ترجمها و ألف بينها و علق عليها غ. فيزان، جزآن. باريس 1913- 1914»

Relations de voyages et textes ge? ographiques arabes, persans et turks relatifs a? PExtue? me- Orient du XIIIc au XVIIIe SIE? cIes, traduits, revus et annole? s par G Ferrand. I- II, Paris. 3191- 4191

و هو نفس ذلك السفر الضخم الذى رجعنا إليه مرارا فيما مر من هذا الكتاب. و قد حالف التوفيق فيران أثناء جمعه لمادة هذا الكتاب فى أن يكشف عن مصنفات لمؤلفين عربيين من الذين دونوا فى محيط الجغرافيا الملاحية هما أحمد بن ماجد و سليمان المهرى. و إذا كان الكشف عن هذه المؤلفات وليد الصدفة البحتة إلا أن توضيح الأهمية الكبرى لهذه النصوص و إلقاء الضوء على محتوياتها ما كان ليتأتى إلا لعالم متعدد النواحى من طراز فيران الذى كرس جميع حياته العلمية لهذا الميدان، بل إن آخر خطوة فى نشاطه العلمى كانت ترتبط ارتباطا وثيقا بهذه المصنفات الأخيرة* * * التى كشفت عن آخر صفحة مشرقة فى تاريخ الأدب الجغرافى العربى.

و كما يحدث عادة مع الاستكشافات الكبرى فإن هذه أيضا قد أحاط بها صعوبات ليست بالضئيلة، بل إن تحديد شخصية المؤلف الأول استدعى تطبيق مناهج فى البحث معقدة و لا تخلو من الطرافة؛ و لم يتحقق هذا إلا بعد مقارنة المصادر البرتغالية و العربية و التركية بعضها بالبعض.

لقد حدث و أن سقنا قبل لحظة روايات لبعض المؤلفين البرتغاليين تبين كيف دار فاسكو دا غاما حول الطرف الجنوبى لأفريقيا عند رأس الرجاء الصالح إلى أن وصل فى اليوم الخامس عشر من شهر مارس عام 1498 إلى ملندى على الساحل الشرقى لأفريقيا، و هى تقع إلى الجنوب من خط العرض الثالث جنوبى خط الاستواء 33؛ و فى خلال الشهر الذى أمضاه هناك تعرف فاسكو دا غاما بربان «مسلم من كجرات (بالهند)» يدعى «المعلم كاناكا»Malemo Canaqua ، و فى بعض الروايات «كانا»Cana 34، و دله على طريق الهند و أوصل سفنه فى اليوم الرابع و العشرين من شهر أبريل من نفس العام إلى ميناء قليقوت‏ 35 على ساحل ملبار 36. و قد أخذ الكشف عن هذه الأسماء الغامضة بعض الوقت، إذ ثبت أنها تشير إلى ألقاب احترام لا إلى أسماء أعلام. و قد أثبت فيران أن لفظMalemo ليس سوى تحريف للفظ العربى «معلم» بلغة السواحيلى‏Swahili السائدة بأفريقيا الشرقية 37؛ و قد دخل هذا اللفظ فى الاصطلاح الملاحى و أطلق فى الأدب الكلاسيكى على الشخص الذى نال خبرة عملية و نظرية فى المسائل البحرية (و جمعه «معالمة»). و فى شكل مقارب لهذا هوMalim دخل هذا اللفظ فى لغة

570

الملايو 38، و هو منتشر فى جميع بقاع المحيط الهندى‏ 39 بل و عرف منذ ذلك العهد فى اللهجة البرتغالية المستعملة فى آسيا 40. أما لفظ «كاناكا» فهو الشكل الذى استعمل فى ملبار 41 و فى لغة التامل‏ 42 ليؤدى اللفظ السنسكريتى‏ganika و يقصد به «الحاسب» و «المنجم». و إلى بداية القرن السادس عشر نرى المؤلف البرتغالى دورات باربوساDuarte Barbosa يتحدث عن طبقة(caste) الكاناكا كابملبار الذين كانت مهنّهم التنجيم و يوكد أن الملوك لم يكونوا ليتصرفوا فى شى‏ء قبل معرفة رأيهم و أن التجار كانوا يستشيرونهم فى طالع تجاراتهم و رحلاتهم‏ 43. أما فى ذلك النص الذى يتعلق برحلة فاسكو دا غاما* * * فيبدو أن المقصود بهذا اللفظ هو «الخبير بالشئون الملاحية و الفلكية»؛ و بهذا يمكن الجزم بأنه لا توجد فى هذا اللفظ أية إشارة إلى اسم علم. غير أن الشخص الذى يختفى وراء هذه التسمية أمكن الكشف عنه بالرجوع إلى نص لمؤلف عربى و اتضح أنه ملاح عربى معروف.

فقطب الدين النهروالى (917 ه- 990 ه- 1511- 1582) الذى مر بنا الحديث عنه كخبير بخطط مكة، و سيمربنا اسمه فيما بعد بصدد رحلته إلى استنبول، و الذى ترجع تآليفه إلى ما بعد خمسين عاما بالتقريب من ذلك الحادث الخطير أى كشف البرتغاليين لطريق الشرق، أقول إن قطب الدين هذا قد حفظ لنا فى كتابه عن فتح العثمانيين لليمن «البرق اليمانى فى الفتح العثمانى» رواية هامة عن ظهور البرتغاليين فى المحيط الهندى‏ (*)؛ و كان هذا الحادث الخطير لا يزال عالقا بأذهان المتقدمين فى السن فى عهد قطب الدين. و قد عرف نص هذه الرواية منذ عهد طويل فى دراسة لسلقستر دى ساسى (1794) ثم فى ترجمة أحدث من ذلك باللغة البرتغالية للعلامة دافيد لوبيزDavid Lopes (1892) 44؛ غير أن فيران وحده هو الذى نمكن من تقديم ترجمة دقيقة لهذا النص و تزويده بتعليقات وافية. كتب قطب الدين يقول: «وقع فى أول القرن العاشر [ابتداء من عام 1495] من الحوادث الفوادح النوادر دخول الفرتقال اللعين من طايفة الفرنج الملاعين إلى ديار الهند و كانت طايفة منهم يركبون من زقاق سبتة/ مضيق جبل طارق/ فى البحر و يلجّون فى الظلمات/ أو بحر الظلمات و هو المحيط الأطلنطى/ و يمرون خلف جبال القمر بضم القاف و سكون الميم جمع أقمر أى أبيض و هى مادة أصل بحر النيل و يصلون إلى المشرق و يمرون بموضع قريب من الساحل فى مضيق أحد جانبيه جبل و الجانب الثانى فى بحر الظلمات فى مكان كثير الأمواج‏ 45 لا تستقر به سفاينهم و تنكسر و لا ينجو منهم أحد و استمروا على ذلك مدة و هم يهلكون فى ذلك المكان و لا يخلص من طايفتهم أحد إلى بحر الهند إلى أن خلص منهم غراب [سفينة صغيرةCaravelle / إلى (بحر) الهند فلازالوا يتوصلون إلى معرفة هذا البحر إلى أن دلهم شخص ماهر من أهل البحر يقال له أحمد بن ماجد صاحبه كبير الفرنج و كان يقال له الأملندى/ الشكل العربى للفظ البرتغالى‏Almirante أى الأميرال‏] و عاشره فى السكر فعلمه الطريق فى حال سكره و قال لهم لا تقربوا

____________

(*) لا بد و أن ذكر الخليج الفارسى بدلا من المحيط الهندى لدى المؤلف كان من قبيل السهو. (المترجم)

571

الساحل من ذلك المكان [أى الساحل الأفريقى‏] و توغلوا فى البحر ثم عودوا [أى إلى ساحل الهند] فلا تنالكم الأمواج، فلما فعلوا ذلك صار يسلم من الكسر كثير من مراكبهم فكثروا فى بحر الهند و بنواكوة بضم الكاف العجمية و تشديد الواو بعدها هاء]Goa[ اسم لموضع من ساحل الدكن هو تحت الفرنج الآن (و) من بلاد الدكن قلعة يسمونها كوتا 46 ثم أخذوا هرموز و تقووا هناك و صارت الأمداد تترادف عليهم* * * من البرتغال فصاروا يقطعون الطريق على المسلمين أسرا و نهبا و يأخذون كل سفينة غصبا إلى أن كثر ضررهم على المسلمين و عم أذاهم على المسافرين فأرسل السلطان مظفر شاه بن محمود شاه بن محمد شاه سلطان كجرات يومئذ [917 ه- 932 ه- 1511 ه- 1525] إلى السلطان الأشرف قانصوه الغورى [906 ه- 922 ه- 1501- 1516] يستعين به على الافرنج» 47.

يجب أن نطّرح من هذا المتن الحكاية الخاصة «بسكر» الربان المسلم إذ من الواضح أن المؤلف إنما أراد بها على ما يبدو إيجاد تبرير لموافقة ذلك الملاح على أن يرشد سفينة للفرنجة، كما و يجب أيضا أن نطّرح الأخطاء الصغيرة فى الوقائع التاريخية مثال ذلك أن هرمز قد فتحها البوكرك عام 1507 أى قبل بناء جوا البرتغالية(Nova Goa) 48؛ أما بخلاف هذا فإن الرواية تعكس بحق الوقائع التاريخية كما تصورها سكان سواحل المحيط الهندى و البحار المتفرعة منه. و تجتذب الأهمية بالنسبة لنا نقطتان، فلفظ «الملندى» كما أثبت فيران إنما هو تحريف للفظ البرتغالى «الميرانتى»Almirante و هو اللقب الذى كان يحمله على ما يظهر فاسكو دا غاما. و من الطريف أن نذكر فى هذا الصدد أن ذلك اللفظ قد ورد بهذا الشكل العربى لدى ابن خلدون من قبل‏ 49؛ ثم أهم من ذلك كله أن المتن يقدم لنا دليلا ذا قيمة كبرى إذ يعطى اسم الربان على أنه أحمد بن ماجد 50. و قد دفع هذا العلماء بالتالى لأن يتذكروا أن مصنفات شخص بهذا الاسم ذاته هى التى كانت المصدر الأساسى لمصنف فى الجغرافيا الملاحية وضعه أمير البحر التركى سيدى على ريس الذى قذف به مصيره إلى الخليج الفارسى و الهند بعد خمسين عاما بالتقريب من الحوادث التى نتكلم عنها. فهذا الأمبرال التركى يذكر فى مقدمة كتابه الذى أشرنا إليه عددا من مصنفات أحمد بن ماجد بعناوينها 51، و يفضل هذا و جد اسم ابن ماجد طريقه إلى الدوائر العلمية الأوروبية منذ بداية القرن التاسع عشر؛ غير أن الكشف عن الأصول العربية لمصنفاته تأخر إلى عام 1912.

و قد تم هذا الكشف بين جدران المنزل نفسه إذا جاز هذا التعبير، و هو أمر ليس بالنادر فى تاريخ العلم. فبينما كان المستعرب المعروف غودفروا ديمومبين يبحث فى محفوظات المكتبة الأهلية بباريس عن مواد لزميله فيران و ذلك من أجل مؤلفه الضخم من الشرق الأقصى كشف من مخطوطتين تضمان مصنفات لأحمد بن ماجد و لسليمان المهرى‏ 52. و قد بقى لغزا حتى ذلك الوقت كيف أن حافظ المخطوطات بالمكتبة الأهلية المستشرق رينوReinaud لم يفطن لوجودهما على الرغم من أنه يتكلم عن سليمان المهرى فى مؤلفه الجامع «مقدمة عامة لدراسة الجغرافيا عند المشارقة»introduction Ge ?ne ?rale a ?la Ge ?ographie

572

des Orientaux

مستقيا معلوماته فى هذا الصدد من المصنف التركى لسيدى على ريس. و لعله يمكن تفسير هذا بأن إحدى المخطوطتين* * * قد اشترتها المكتبة الأهلية من أستاذ عربى كان يقيم بفرنسا هو سليمان الجزائرى‏ 53 فى عام 1860 54 أى فى السنوات الأخيرة من حياة رينو؛ بيد أن المخطوطة الأخرى كانت موجودة بالمكتبة الأهلية منذ القرن الثامن عشر 55؛ هذا و قد تم العثور بالتالى على مذكرة موجزة بخط يد رينو تشير إلى معرفته بهذه المخطوطة و لكن لم يقدر لتلك السطور أن ترى النور 56. و من الغريب حقا أن ذلك الكشف الضخم كان عليه أن ينتظر إلى عام 1912 رغما من أن كلا المخطوطتين قد ورد ذكرها فى فهرس المكتبة الذى عمله دى سلان‏De Stane و تم طبعه فى عام 1895 57. هذا و قد ساق الكشف عن هاتين المخطوطتين الفريدتين إلى الكشف شيئا فشيئا عن مخطوطات أخرى و مواد ممائلة؛ ففى أوائل السنوات العشرينات من هذا القرن عرفت مخطوطة دمشق‏ 58 التى اجتذبت بالتالى أنظار فيران، كما ظهرت إشاعة بوجود مخطوطة أخرى بجدة 59. و قد تم الكشف فيما بعد عن مصنفات أخرى لابن ماجد لا وجود لها بمخطوطات باريس و ذلك بالموصل‏ 60 و بمعهد الدراسات الشرقية بلنينغراد؛ و لم يكتب لفيران أن يفحص هذه الكشوف الأخيرة، كما و أن بعض أقسام مخطوطة الموصل تحتاج إلى فحص دقيق للتوكد من صحتها. هذا و قد عاجل الموت فيران دون أن يكمل دائرة البحث الذى بدأه و ذلك بترجمة المصنفات التى نشرها و التعليق عليها؛ و رغما من ذلك فإن الطبعة المصورة للمتن التى نشرها فيران و أيضا سلسلة الأبحاث و المقالات التى دبجها يراعه حول نقاط عامة و خاصة تتعلق بهذه المؤلفات، كل هذا يمكننا من تكوين فكرة واضحة للغاية عن أهمية هذا الكشف بالنسبة لتاريخ الأدب الجغرافى العربى.

و يمكن أن تمثل حصيلة لجميع دراساته فى هذا الصدد تلك الأبحاث المفصلة التى أسهم بها فيران فى «دائرة المعارف الإسلامية» 61، و بصورة خاصة أيضا كتابه «مقدمة فى الملاحة الفلكية عند العرب»lntroduetion a ?PAstior ,omie Nauhque Arabe (1928) 62 الذى يحوى إلى جانب هذا أبحاثا مستقلة تعالج مسائل ذات طابع تخصصى و ندين بها إلى قلم العلامة السويسرى ليوبولد دى سوسير61 opold de Saussuie (1866 .. 1925) 63 الخبير فى الفلك لدى الصينيين و فى المسائل البحرية، و هو أخ للعالم اللغوى المشهور (*).

هذا و لم يمكن العثور على أية معلومات عن سيرة حياة هذين المعلمين الذين حفظت لنا مصنفاتهما مخطوطتا باريس فى أى مصدر آخر حتى الآن، و كل ما استطاع أن يجمعه البحاثة عنهما كانت معلومات نزرة أمكن استقراؤها من اسميهما* * * و من بعض الإشارات النادرة فى مؤلفاتهما نفسها. فالأول يدعى‏

____________

(*) يقصد فردينان دى سوسيرPerdinand de Sausure (1857- 1913) العلامة اللغوى الشهير صاحب كتاب «دروس فى علم اللغة العام»Cours de llnguisllque Oe ?ne ?raie (1916) الذى لعب دورا كبيرا فى نشأة علم اللغة المعاصر. (المترجم)

573

شهاب الدين أحمد بن ماجد السعدى النجدى فهو بهذا ينتمى إلى نجد و هى حالة نادرة لأن الملاحين كانوا فى عهد ازدهار الحضارة العربية من بين الفرس عادة؛ غير أنه ولد بجلفار على الساحل العربى لخليج عمان. و عند ما تصفه المصادر البرتغالية بأنه «مسلم من كجرات» فينبغى أن نبصر فى هذا انعكاسا لصلته بالهند ليس إلا، و ربما كانت مركزا لعملياته البحرية؛ و يلوح أنه كان من الشيعة و هو أمر مفهوم على ضوء علاقاته الدائمة مع الفرس‏ 64. و غير معروف لنا عام ميلاده أو عام وفاته، و يمكن أن نستدل من تاريخ تأليف مصنفاته على أن نشاطه يقع فى النصف الثانى من القرن الخامس عشر؛ و هو يذكر فى إحداها أن له تجربة أربعين عاما فى الملاحة الشى‏ء الذى دفع فيران إلى الافتراض بأن تاريخ ميلاده يرجع إلى السنوات الثلائينات من القرن الخامس عشر 65. و من هذا يتضح لنا أن إرشاده لسفن فاسكو دا غاما كان فى الغالب من أواخر أعماله الملاحية الكبرى.

و ينحدر ابن ماجد من صلب أسرة اشتغل أفرادها بقيادة السفن‏ 66، فجده و أبوه كانا «معلّمين» 67 أيضا و خلفا اسميهما فى عالم الملاحة و فى الأدب بل و فى الأرسطورة كذلك. و يقص علينا الرحالة المشهور برتون‏Sir Richard Burton أن ملاحى عدن كانوا إلى منتصف القرن التاسع عشر ينسبون اختراع البوصلة إلى ولى من أهل الشام يدعى الشيخ ماجد و يقرءون الفاتحة على روحه قبل ركوبهم البحر 68.

و يحكى لنا ابن ماجد نفسه أن اسم «ظهرة (*) ابن ماجد»(reel) كان يطلق على موضع بالساحل الشرقى للبحر الأحمر قريبا من جزيرة المرما و ذلك لأن أباه كان يربط سفينته فى ذلك الموضع‏ 69؛ و كان أبوه يلقب «بربّان البرين» (أى ساحلى البحر الأحمر) 70. و يذكر ابن ماجد فى موضع آخر كيف حدث و أن كتبت له السلامة أثناء ركوبه البحر الأحمر عند ساحله الغربى فى عام 890 ه- 1485 لاعتماده على قول أبيه بأنه لا يوجد ممر بين جزيرة أسما و مسند (إلى الجنوب من خط 17 درجة شمالا) و ذلك على خلاف زعم بقية الربابنة 71. هذا و قد دون الأب تجاربه البحرية فى مصنف ضخم هو «الأرجوزة الحجازية» التى كانت تضم أكثر من ألف بيت فى وصف الملاحة على سواحل البحر الأحمر 72؛ و قد أمكن للابن أن يستدرك بعض التصحيحات على أبيه اعتمادا على ملاحظاته الشخصية و يضيف إليه بطريقة منتظمة 73.

غير أن الذى يستحق الفضل الأكبر من بين جميع أفراد هذه الأسرة هو بلا شك أحمد بن ماجد، أو كما دعى نفسه «ناظم القبلتين مكة و بيت المقدس» و «حاج الحرمين الشريفين»

____________

(*) لم أستطع العثور على هذا المعنى الاصطلاحى لفظ «ظهرة» حتى فى معجم محدث كمعجم الزبيدى؛ غير أن اشتقاق اللفظ و استعماله فى هذا المعنى فيه الكثير من الصواب و التوفيق. و قد جاء فى لسان العرب أن الظهرة السلحفاه و أن الظواهر هى أشراف الأرض، فليس ثمة ما يحول دون استعماله فى معنى الصخور التى لا يكاد يسترها الماء و التى تمثل خطرا كبيرا بالنسبة للملاحين.

و الإدريسى يستعمل فى هذا المعنى لفظ تروش. (المترجم)

574

و «أسد البحر الزخار» و «خلف الليوث» و «المعلم العربى» 74، و «رابع الثلاثة» و «رابع الليوث» 75؛ و يمكن أن نوكد الآن بأن مصنفاته تمنحه الحق لأن يفخر بنفسه بمثل هذه الطريقة. و رغما من ندرتها فإن مخطوطات مصنفاته على جانب كبير من الجودة، فالمخطوطة الرئيسية بباريس تمثل نسخة مأخوذة من الأصل و ترجع إلى عام 984 ه- 1576 76؛ أما مخطوطة دمشق فقد نسخت بمكة فى سنة 1001 ه- 1592 77، كما و أن نسخ المصنفات الثلاث الموجودة بمعهد الدراسات الشرقية ترجع إلى منتصف القرن السادس عشر 78.

و آثار ابن ماجد كثيرة و يبلغ عدد الموجود منها فى الآونة الحاضرة الأربعين، و معظمها قد تمت صياغته شعرا وفقا للمنهج التذكيرى(mnemotechnique) القديم. غير أن واحدا من مصنفاته الكبرى الهامة قد كتب بالنثر و يحمل عنوان «كتاب الفوايد فى أصول علم البحر و القواعد» و فيه يفصل المؤلف الكلام على الجانبين النظرى و العملى للمسائل الملاحية معتمدا من جهة على من سبقوه فى هذا المضمار و من جهة أخرى على تجاربه الشخصية بصورة خاصة. و ميدان هذا الكتاب الرئيسى هو البحر الأحمر، و الخليج الفارسى و المحيط الهندى و أرخبيل الهند الشرقية (الملايو)، أما تاريخ تدونه فيتأرجح بعض الشى‏ء أثناء العرض مما يستدل منه على أن المؤلف قد أضاف إليه مرات عديدة و أعاد تنقيحه بصورة يمكن القول معها بأن الكتاب قد خضع لثلاث مسودات، و ذلك فى أعوام 880 ه- 1475 و 882 ه- 1478 و 895 ه- 1489 بالتعاقب‏ 79؛ و هو ينقسم بحسب تبويبه إلى اثنى عشر قسما يطلق المؤلف على كل منها اسم «فائدة»، كأنما يريد بهذا التذكير بعنوان الكتاب. فالفائدة الأولى تبحث فى نشأة الملاحة مع إيراد تفاصيل يغلب عليها الطابع الأسطورى كما يعالج فيها أيضا الكلام على الإبرة الممغنطة؛ أما الفائدة الثانية ففى ما يجب معرفته من الشئون البحرية «للمعلم» الأصيل، هذا بينما تعرّف الفائدة الثالثة بمنازل القمر و الرابعة بمنازل وردة الرياح الاثنين و الثلاثين التى تظهر على البوصلة و تسمى «بالأخنان» (مفردها «خن») 80؛ و لعله لا يخلو من الفائدة لو أضفنا إلى هذا أن نفس تلك الطريقة لا تزال مستعملة إلى الآن فى نفس تلك النواحى فملاحو البحر الأحمر لا يطبقون على البوصلة الأوروبية الحديثة نظام التقسيم المعهود بل* * * يقسمونها إلى اثنين و ثلاثين قسما ترتبط بطلوع و مغيب نجوم معينة و تبينها هذه «الأخنان» 81.

و أما الفائدة الخامسة فتعالج الكلام على الجغرافيين و الفلكيين الأول، بينما تفصل السادسة الكلام فى الطرق البحرية و السابعة فى الأرصاد الفلكية؛ و كانت هذه تتم فى الغالب عن طريق قياس المسافات بين النجم القطبى (الجاه) 82 و اثنين من نجوم الدب الأصغر (الفرقدين) و النعش من نجوم الدب الأكبر 83، و هى نفس النجوم التى لا تزال تلعب نفس الدور لدى ملاحى البحر الأحمر حاليا 84، و لا تقاس العروض فى مصنفات ابن ماجد بالدرجات بل بواسطة ما يسمى فى مصطلحه «بالإصبع»، و لعل هذه التسمية تشير إلى الطريقة البدائية للراصدين الأوائل؛ و قد تمكن دى سوسير من أن يحدد مقاسه بالكثير من الدقة

575

بما يعادل درجة واحدة و سبع و ثلاثين دقيقة 85. و كانت هذه الطريقة واسعة الانتشار و يبدو أنه وجدت اصطرلابات مقسمة لا بالدرجات بل بهذه الأصابع‏ 86. و أصل هذه الطريقة غير معروف و فيران لم يستطع أن يتتبعه سواء بين اليونان أو بين الفرس أو لدى أهل الصين أو الهند أو فى اندونيزيا. و أحمد بن ماجد و مدرسته هو الجغرافى العربى الوحيد الذى لم يتبع مذهب بطلميوس فى تقسيم خطى الاستواء و الزوال إلى ثلاثمائة و ستين درجة، فلديه يوجد مئتان و أربعة و عشرون‏ (*) إصبعا يمكن الوصول إليها عن طريقتين إحداهما أن كلّ بيت من بيوت وردة الرياح يحتوى على سبعة أصابع و الأخرى هو أن كل منزل من المنازل القمرية الثمانية و العشرين به ثمانية أصابع؛ و يشير الحاصل فى كلا الحالتين إلى أن الإصبع يعادل درجة و سبعا و ثلاثين دقيقة 87. أما القسم الباقى من «كتاب الفوائد» فيغلب عليه الطابع العملى التطبيقى، فالفائدة الثامنة تبحث فى العلامات التى تشير إلى اقتراب اليابس و فى توجيه السفينة و قيادتها و فى مرافئ كجرات‏ (**) التى شغلت مكانا رئيسيا على ما يبدو فى نشاط ابن ماجد الملاحى. و الفائدة التاسعة تعالج الكلام على السواحل ابتداء من رأس الحد فى الجزيرة العربية، و العاشرة فى «الجزر الكبار المشهورات المعمورات و هى جزيرة العرب و جزيرة القمر و هى مدكشكر و شمطرة و جاوة و الجور [فورموزا] و سيلان و زنجبار و البحرين و جزيرة ابن جاوان و سقطرة». أما فى الفائدة الحادية عشرة فيرد الكلام على المواسم و السفر فى البحر؛ ثم يختتم كتابه بالفائدة الثانية عشرة «فى صفة بحر القازم [البحر الأحمر] و جزره و شعبانه» 88.

أما بقية مصنفات أحمد بن ماجد فمنظومة شعرا و تحمل عادة اسم «الأراجيز» رغما من أنها لم تنظم فى كل الحالات ببحر الرجز، و تتراوح أحجامها بين عشرين و ثلاثمائة بيتا. و فى معظم* * * الأحوال تعالج كل واحدة منها الكلام على طريق بحرى معين، أى أنها أشبه ما تكون بمرشدات بحرية بالنسبة لعصرها و أحيانا قد تمس الكلام على مسائل تخصصية ترتبط بالملاحة و علم الفلك البحرى‏ 89. و إحدى هذه الأراجيز قد تم تأليفها قبل «كتاب الفوائد» فهى بهذا أشبه ما تكون بمسودة مبدئية لمادته، تلك هى أرجوزته الكبرى الواقعة فى ألف بيت بالتقريب و التى تحمل عنوان «حاوية الاختصار فى أصول علم البحار» 90 التى فرغ منها بمسقط رأسه جلفار فى عام 866 ه- 1462 91. و هى تقع فى إحدى عشر فصلا يبحث الأول منها فى العلامات التى تشير إلى اقتراب اليابس، و الثانى فى منازل القمر و بيوت البوصلة و فى الأصابع و «الترفا». و هذا اللفظ الأخير وفقا لتحقيق دى سوسير 92 هو المعادل(e ?quivalent) الجغرافى للفظ الإصبع و يساوى سبعة و تسعين ميلا بحريا بالتقريب، أى رحلة يوم بحرى و ذلك بمعدل سرعة متوسط يساوى أربعة أميال بحرية فى الساعة أو بعبارة أخرى أربع عقد(noeud) .

و يعالج الفصل الثالث الكلام على مسائل التوقبت و الرابع فى المواسم؛ و من الخامس إلى الثامن يرد وصف طرق الملاحة المختلفة فى المحيط الهندى و بحاره و خلجانه؛ ثم يلى هذا الفصل التاسع فى الأرصاد و العاشر

____________

(*) ورد فى الكتاب سهوا مئتان و أربعون بدلا من مائتين و أربعة و عشرين. (المترجم)

(**) يكتبها ابن ماجد دائما جوزرات. (المترجم)

576

و الحادى عشر فى مسائل مختلفة تتعلق بالملاحة من بينها تفسير لفظ يستعمل فى القياس هو «زام» (و جمعها أزوام) كان قد ورد من قبل فى كتاب «عجائب الهند»؛ و كما وضح حاليا فهو يساوى ثمن يوم بحرى بليلته أى ما يعادل ثلاث ساعات بالتقريب.

هذان المصنفان، المنثور و المنظوم، أعنى «كتاب الفوايد» و «حاوية الاختصار»، هما أهم ما دونه يراع ابن ماجد من بين جميع مصنفاته الموجودة بين أيدينا سواء من حيث الحجم أو المضمون. و بعض مصنفاته الصغرى تعالج أحيانا مسائل متفرقة تتعلق باللاحة أو توضح مصطلحات فنية خاصة، غير أن غالبيتها تقدم لنا أوصافا مفصلة للطرق البحرية، أى أنها تمثل «مرشدات بحرية». و خير مثال لهذا ثلاث أراجيز محفوظة بين مخطوطات معهد الدراسات الشرقية و لم تجد مكانها بالتالى بين المادة التى وصلت إلى يد فيران‏ (*)، إحداها (فى حوالى ستمائة بيت) تصف الطريق من ملبار إلى «سفالة الزنج» على الساحل الشرقى لأفريقيا فى حين تصف الثانية (فى مائتين و ثمانين بيتا) الطريق بين الهند و سيلان و جاوه، أما الأخيرة و هى أصغرها (فى حوالى خمسة و خمسين بيتا) فتتناول وصف الطريق فى البحر الأحمر بين جدة و عدن. و بهذا فإن تلك الأراجيز الثلاث ترسم لنا صورة حية لذلك الميدان الذى نشط فيه بشكل خاص «المعلم العربى» 93.

و بين التاريخين المذين أتم فيهما تأليف «حاوية الاختصار» و «كتاب الفوايد» أى بين عامى 1462 و 1490 بمكن توزيع بقية* * * مصنفات ابن ماجد الأخرى التى أمكن معرفة تواريخ تأليفها على وجه التحديد 94. و تتبقى أرجوزة واحدة فقط من بينها يرجع تاريخها إلى عام 900 ه- 1494 1495 95، فهى تقف بذلك دليلا آخر على أن نشاط حياته الملاحية لم يتجاوز حدود القرن الخامس عشر فيما يبدو.

و نتيجة لهذا يمكن القول بأن «كتاب الفوايد» يتوج معرفته النظرية و تجاربه العملية و يمثل الأوج الذى بلغته خبرته فى الملاحة و تطبيقه العملى لنظرياتها.

و ابن ماجد يقدر السابقين له فى هذا المضمار تقديرا عاليا خاصة الثلاثة الذين ذكرهم بأسمائهم‏ 96 مضافا إليهم والده و جده؛ و لكن هذا لم يمنعه على أية حال من توجيه النقد إليهم فهو يقول ما نصه‏ 97:

«و قد عظمنا علمهم و تأليفهم و جللنا قدورهم رحمة اللّه عليهم بقولنا أنا رابع الثلاثة و ربما فى العلم الذى اخترعناه فى البحر ورقة واحدة تقيم فى البلاغة و الصحة و الفايدة و الهداية و الدلالة بأكثر ما صنفوه ...

«و هم مولفين لا مجربين و لم أعلم لهم رابع غيرى و قد وقرتهم بقولى إنى رابعهم لتقدمهم فى الهجرة

____________

(*) نشر أحد تلامذة كراتشكوفسكى و هو شوموفسكى هذه الأراجيز الثلاث مع ترجمتها إلى الروسية و تزويدها بتعليقات وافية بعنوان «ثلاث مرشدات بحرية غير معروفة لأحمد بن ماجد الدليل العربى لفاسكو دا غاما، موجودة فى مخطوطة فريدة بمعهد الدراسات الشرقية لأكاديمية العلوم السوفيتية، موسكو- ليننجراد 1957».

T. A. Shumobski. Tri nelzbsatnic lotsll Akhmada Ibn Madjlda arabskoqi lotamans Vasko da Daml,

(المترجم)

V ualkninol ruaikoplal Inatltuta Vostokovedenia ANSSSR, M- L., 7501

577

فقط و سيأتى بعد موتى زمانا و رجالا يعرفون لكل أحد منزلته و لما اطلعت على تأليفهم و رأيته ضعيف بغير قيد و لا صحة بالكلية و لا تهذيب هذبت ما صح منه و ذكرت الاختراعات التى اخترعتها و صحتها و جربتها عام بعد عام فى نظم الأراجيز و القصايد ....» (*) 98.

و ابن ماجد قارئ مطلع فى مجال الأدب و لا يقتصر محيط قراءته على أهل الجغرافيا الملاحية «كالليوث الثلاثة» 99 و غيرهم من ممثلى هذا الاتجاه الذين لم يكن عددهم بالقليل رغما من أن «راهنامجاتهم» لم تصل إلينا و أن معرفتنا بمعظمهم ترجع إلى مصنفات ابن ماجد وحدها 100. و معرفة ابن ماجد بالأدب الجغرافى عامة ليست أقل من معرفته بالأدب الملاحى، و تحتل المكانة الأولى بالنسبة له بطبيعة الحال الجغرافيا الرياضية فيرد لديه ذكر المجسطى و البتانى و عبد الرحمن الصوفى و المراكشى و الطوسى و أولوغ بيك‏ 101، أى بالتقريب جميع حلقات تلك السلسلة التى عالجنا الكلام عليها من قبل. و من ناحية أخرى تقابلنا لديه أسماء ابن حوقل و ابن سعيد و ياقوت‏ 102، أضعف إلى هذه أنه لا يهمل إيراد أسماء مصنفات أدبية صرفة 103 كما يستشهد بأبيات لعدد من الشعراء ابتداء من العصر الجاهلى إلى القرن الخامس عشر 104.

و اطلاع ابن ماجد الواسع و تجربته العريضة يبرران إلى حد كبير الفكرة الرفيعة التى كونها عن نفسه و عن مصنفاته؛ و لهذا السبب فإن فيران و هو خير خبير فى هذا النمط من الأدب لم يبالغ حين رأى فى «كتاب الفوايد» «أثرا يدعو إلى الإعجاب»

( POeuvre est admirable )

و اعتبره ذروة التأليف الفلكى الملاحى لعصره، كما اعتبر ابن ماجد أول مؤلف للمرشدات البحريةInstructions Nautiqnes الحديثة. و وصفه للبحر الأحمر لم يفقه بل و لم يعادله، باستثناء بعض التصحيحات فى العروض، أى مرشد أوروبى فى الملاحة الشراعية(marine a ?voie) كما و أن معلوماته عن الرياح الموسمية و الرياح المحلية و طرق الملاحة الساحلية(au cabolage) و البعيدة المدى تتميز بأقصى درجة من الدقة و التفصيل يمكن أن نتوقعها فى ذلك العصر. و من الملاحظ أن معرفته بأندونيريا كانت أقل من معرفته بسواحل المحيط الهندى و جزره، و لسبب لا ندرى كنهه تصور ابن ماجد جزيرة جاوة ممتدة من الشمال إلى الجنوب على نقيض اتجاهها الفعلى، و تتكرر نفس هذه الغلطة لدى المؤلف التالى له سليمان المهرى بل و وجدت طريقها إلى الترجمة التركية لسيدى على ريس، و هذا كما يعتقد فيران هو التصحيح الوحيد الهام الذى يمكن إجراؤه فى مؤلفاته‏ 105.

أما علاقته بالمذهب الهندى فكانت قوية للغاية و ليست أقل من علاقته بالأدب العربى. و فى تحليله‏

____________

(*) نقلنا النص حرفيا دون أن نجرى فيه أى تصحيح، و لن يخفى على القارئ العربى أن ابن ماجد لم يحفل كثيرا لقواعد اللغة أو النحو. (المترجم)

578

للصفات التى يجب أن يتحلى بها المعلم الماهر يسوق ابن ماجد فى هذا الصدد و فى القرن الخامس عشر نفس الألفاظ تقريبا التى وردت فى المصنف الهندى المشهور للقرن الأول للميلاد «جاتكا مالا»Ja ?taka -Ma ?la 106. و بعد قرن من ابن ماجد عند ما عالج أبو الفضل العلامى وزير أكبر الكلام عن المسائل البحرية فى مصنفه «آئين أكبرى» عبر عن نفس تلك الآراء فيما يتعلق بصفات «المعلم» بل و بنفس الأسلوب تقريبا 107. و بهذا نبصر أمام أعيننا كيف اندمجت عناصر مختلفة من الحضارات العربية و الإيرانية و الهندية على ممر قرون طويلة لتخرج لنا مزيجا مركبا فى مجال الجغرافيا الملاحية 108.

و قد حفظت ذكرى ابن ماجد إلى عصرنا هذا، ففى الثلاثينيات من القرن الماضى وجد فى يد أحد النواخذة سفر بعنوان «ماجد كتابى» محلى ببعض التصاوير و يمثل فى الغالب أحد مصنفاته، و لم يكن بوسع ذلك الملاح أن يستغنى عنه فى رجعته‏ 109.

أما الممثل العربى الثانى للجغرافيا الملاحية الذى أصبح معروفا لنا بفضل أبحاث فيران فإنه لم يكن على ما يبدو فى نفس القدر من الأصالة و الإبداع كزميله السابق له. و أصل سليمان المهرى من بلاد العرب أيضا فهو من مدينة الشحر على الساحل الجنوبى لحضرموت، و قد اشتهر سكان هذه المواضع منذ القدم بالمهارة فى الملاحة و كانت لهم صلات عن طريق البحر بسواحل أفريقيا الشرقية* * * و أرخبيل الهند الشرقية على السواء. و من المؤسف أنه لا توجد لدينا أية تفاصيل تتعلق بسيرة حياة هذا الملاح العربى حتى فى مصنفاته نفسها، و بهذا فإننا لا نستطيع تحديد الفترة التى عاش فيها إلا اعتمادا على تعليلات ثانوية، فإحدى مصنفاته يرجع تاريخ تأليفه إلى عام 917 ه- 1511 110 و لكن عند ما صنف سيدى على ريس كتابه «محيط» فى عام 961 ه- 1554 فإن سليمان المهرى لم يكن فى عداد الأحياء 111. لهذا* * * فإن فترة نشاطه تقع على ما يبدو فى النصف الأول من القرن السادس عشر، أى بعد مضى بعض الوقت على رسوخ قدم البرتغاليين بالمحيط الهندى‏ (*).

و على نقيض الحال مع ابن ماجد فإن جميع المصنفات الخمس التى تبقت لنا عن سليمان المهرى مكتوبة نثرا و محفوظة بأجمعها فى إحدى مخطوطتى باريس المشار إليهما (رقم 2559) 112. و هى من حيث مضمونها تكرر إلى حد كبير مادة ابن ماجد، و ليس ثمة ما يدعو إلى الكلام عليها جميعها بالتفصيل؛ و ينقسم أكبرها و هو «العمدة المهرية فى ضبط العلوم البحرية» 113 الذى يرجع تاريخ تأليفه إلى عام 917 ه- 1511 114 إلى سبعة أبواب تنقسم بدورها إلى فصول. فالباب الأول يبحث فى أصول الفلك البحرى مع التعريف بمعظم الاصطلاحات التى مرت بنا؛ و فى الباب الثانى يتحدث عن النجوم و جميع ما يتعلق بها من شئون الملاحة؛ أما الباب الثالث ففى الطرق البحرية الواقعة «فوق الريح و تحت الريح»

____________

(*) لا أدرى ما الذى دفع المؤلف مرتين إلى الكلام عن الخليج الفارسى بدلا من المحيط الهندى. و قد اعتمدت على سيال العبارة لأجرى هذا التصحيح. (المترجم)

579

أى إلى الغرب و الشرق من رأس كومورين‏Comorin . و يبحث الباب الرابع فى الطرق المارة على الجزر الكبرى المختلفة، بينما يبحث الخامس فى القياسات(latitudes) التى مرت بنا من قبل مثل قياس النجم القطبى (الجاه) و الفرقدين (ب، ج من الدب الأصغر) و النعش (ا، ب، ج، د من الدب الأكبر). و أما الباب السادس فيفصل فيه الكلام على الرياح الموسمية السائدة بالمحيط الهندى بينما يفرد السابع لوصف البحر الأحمر و يشفع ذلك بإعطاء وصف لحوالى الثلاثين من طرق الملاحة مبينا فى ذات الوقت المخاطر التى ينبغى أن يتجنبها الملاحون.

و أما المصنف الثانى الكبير لسليمان المهرى فيحمل عنوان «كتاب المنهاج الفاخر فى علم البحر الراخز» و ينقسم هو أيضا إلى سبعة أبواب‏ 115 تسبقها مقدمة يفسر لنا فيها معنى الاصطلاحين «زام» و «ترفا».

أما الباب الأول فيصف فيه السواحل القارية للمحيط الهندى، بينما يفرد الثانى للكلام على عروض الموانى الموجودة على السواحل المشهورة و المعمورة، و الثالث لوصف الجزر الكبار المعمورة المشهورة، و الرابع فى المسافات بين بلاد العرب و ساحل الهند الغربى و موانى خليج البنغال من ناحية، و بين ساحل أفريقيا الشرقى و موانى سومطرة و جاوة و بالى من ناحية أخرى. أما الباب الخامس فمفرد لذكر الرياح و العواصف و المخاطر التى تتعرض لها السفن، و السادس يعالج الكلام على العلامات التى تشير إلى اقتراب الأرض على سواحل الهند الغربية و جزيرة العرب و أفريقيا الشرقية، هذا بينما يبحث الفصل السابع فى حلول الشمس و القمر* * * منطقة البروج(Signes du zodiaque) ؛ و فى الخاتمة يقدم مرة أخرى وصفا لخمس طرق ملاحية.

و يلوح أن الرقم «سبعة» كان محببا إلى سليمان، و واحد فقط من مصنفاته و هو رسالة غير كبيرة فى حساب التقويم (القمرى و الشمسى و الرومى و القبطى و الفارسى) ينقسم إلى ستة أبواب‏ 116. و له رسالة أخرى غير كبيرة أيضا ذات مضمون عام بعنوان «تحفة الفحول فى تمهيد الأصول» عمل لها شرحا وافيا 117 على طريقة العلماء القدامى فى مختلف فروع العلوم؛ و تتداخل مادتها بوجه عام مع مضمون المصنفات السابقة؛ فالباب الأول فى صفة الأفلاك و النجوم و فى المغناطيس و بيت الإبرة، و الثانى فى تقسيم الدائرة إلى اثنين و ثلاثين جزءا هى «الأخنان»، و الثالث يورد تحديدا مفصلا للفظ «زام» مع وصف لاستعماله؛ أما الباب الرابع ففى الطرق البحرية الساحلية منها و التى فى عرض البحر، و الخامس فى تحديد ارتفاع النجوم، و السادس فى المسافات بين الموانى و نقاط أخرى، و يختتم ذلك بالباب السابع فى الرياح خاصة الموسمية بالمحيط الهندى.

و سليمان المهرى يصل فى نهاية الشوط إلى نفس النتيجة التى وصل إليها ابن ماجد بالتقريب و هى أن المعرفة بالشئون البحرية إنما تقوم على أساس مزدوج من سلامة التفكير و الخبرة العملية 118.

و قد زاول سليمان نشاطه بعد نصف قرن بالتقريب من أحمد بن ماجد، و رغما من ذلك فإنه لا ينعكس‏

580

فى تآليفه أى أثر لنفوذ البرتغاليين الذين حدث له و أن التقى بهم دون شك خلال أسفاره البحرية، لأن السيادة على المياه الغربية للمحيط الهندى كانت قد انتقلت إلى أيديهم منذ بداية القرن السادس عشر كما رأينا.

و قد ظلت مصنفاته عربية صرفة 119 و لكنها تقدم لنا بالطبع مزيجا مركبا(Yathesis) من تجربة عدد كبير من الشعوب إن لم يذكر من بينهم ممثلى العلم الغربى فقد ذكر على الأقل أهل التجربة العملية منهم؛ ففى كلام له عن بعض المعالمة نراه يشير إلى «معالمة البحر الهندى و هم العرب و الهرامزة و أهل الهند و الشوليان/cholas سكان ساحل كروماندل/ و الزنوج و كذا معالمة الغرب كالمغاربة و الفرنج و الروميين» 120؛ و ذكر الأخيرين يقف دليلا على أن محيط تجربته العملية كان واسعا للغاية رغما من أن مصنفاته تبدو قاحلة و فقيرة إذا ما قورنت بمصنفاته ابن ماجد من وجهة نظر الاطلاع الأدبى و المستوى الثقافى العام.

و دراسة آثار ابن ماجد و سليمان لا تخلو من صعوبات معينة، و قد أعرب دى سلان‏De Slane ، و هو أول من وصف هذه المخطوطات، عن ريبته الشديدة فى إمكان فهم مادتها يوما ما؛ و هو يقول ما نصه «إن أسلوبها يحفل بالكثير من الحوشى الغريب و تكثر به الاصطلاحات الفنية* * * التى لا يتسنى فهمها إلا لملاحى المحيط الهندى دون غيرهم» 121. و يجب فى البداية أن نقف موقف المعارضة من الشطر الأول لهذه القضية ذلك لأن لغة ابن ماجد و سليمان بسيطة على وجه العموم، هذا إذا أخذنا فى حسابنا الحدود الضيقة التى أملاها الالتزام بالوزن الشعرى فى معالجة موضوع فنى كهذا؛ و قد يلاحظ أحيانا لدى ابن ماجد رغما من اطلاعه الواسع فى محيط الأدب وجود بعض الألفاظ العصبة بل و الخروج على الفصيح؛ بيد أن هذه ظاهرة عادية بالنسبه للعصر و الوسط الذى عاش فيه و أولى بنا أن نعجب لارتفاع مستوى أسلوبه فى الكتابة. و قد رأى فيران لزاما عليه أن يصحح أيضا الشطر الثانى من حكم دى سلان تصحيحا جوهريا 122 فهو يعتقد بأن هذه المرشدات و التعليمات الملاحية و الفلكية إنما عملت بواسطة ملاحين من أجل ملاحين فلا محيص من أن تكتب باللغة الملاحية الفلكية الخاصة بذلك الوسط الملاحى، و بما أن هذه اللغة قد بقيت إلى الآونة الحاضرة مجهولة تمام الجهل و لم تخضع بعد لدراسة دقيقة فمن المنطقى أن يحتاج عدد من ألفاظها إلى إعمال الجهد و إلى البحث و التقصى؛ و كما يبدو من مجهودات فيران و دى سوستر فإن هذه المهمة و إن كانت عسيرة للغاية إلا أنها أبعد من أن تكون مستحيلة بل كان نصيبها التوفيق فى حالات عديدة و أسهمت بهذا فى غنى المعجم العربى.

و مهما يكن من شى‏ء فإن الكشف عن مصنفات ابن ماجد و سليمان و إن تم للأسف فى عهد متأخر إلا أنه يعتبر حدثا كبيرا ليس بالنسبة لموضوع دراستنا وحده، أعنى الأدب العربى الذى بدت لنا فيه صفحة مشرقة لم تكن معروفة من قبل، بل و أيضا لأن هذه المصنفات تحتل مكانة مرموقة فى تاريخ الحضارة البشرية جمعاء؛ فهى تصور لنا بدقة كبرى طبيعية الأوضاع الملاحية الأوقيانوسية فى النصف الثانى‏

581

من القرن الخامس عشر و ذلك فى المجال البحرى الممتد بين ساحل أفريقيا الشرقى ابتداء من رأس الرجاء الصالح بالتقريب و بين ميناء الزيتون الشهيرة بالصين‏ (*) و هو يشمل البحر الأحمر و الخليج الفارسى و جميع جزر المحيط الهندى و أرخبيل آسيا الشرقية باستثناء الفلبين و اليابان وحدهما. و الى جانب هذا فهى تمثل أهم مصدر للمعلومات الجغرافية التى كانت تحت تصرف العصور الوسطى المتأخرة عن البحار الجنوبية؛ و كما اعترف ابن ماجد نفسه فهى تعتمد إلى حد ما على تلك المرشدات البحرية التى وصفها أبوه و جده من قبل و أيضا على معلومات لملاحين عاشوا فى عهود سابقة لذلك ثم صححها و أضاف إليها ابن ماجد من أجل ملاحى القرن الخامس عشر. فهذه المصنفات يمكن اعتبارها إلى حد كبير جماعا للمعارف التى وجدت تحت تصرف جميع ملاحى بحر الهند بما فيهم العرب و الزنوج و الهنود الغربيون و الشوليان و الاندونيزيون بل و حتى الصينيون، و على هذا فهى تمثل أهم مصدر* * * لتاريخ الملاحة و التجارة فى البحار الجنوبية فى الفترة السابقة للفتح البرتغالى مباشرة 123.

و من الواضح أن ابن ماجد و سليمان المهرى قد اقتصرا فى مادتهما على المذهب الشرقى وحده و لا يوجد أى أثر للنفوذ البرتغالى عليهما البتة رغما من أن الثانى قد وقع نشاطه الملاحى فى عهد سيطرة البرتغاليين؛ و على النقيض من هذا فإن النفوذ العربى يبدو قويا على البرتغاليين الذين تعرفوا على التجربة العربية فى الملاحة منذ لحظة دورانهم حول رأس الرجاء الصالح، بل إن أقدم مادونوه فى هذا المجال يحمل آثار النفوذ العربى بوضوح أضف إلى هذا أن بعض الاصطلاحات الفنية البرتغالية ليست سوى ترجمة صرفة لمثيلاتها العربية 124.

و إذا كان تأثير أدب الجغرافيا الملاحية العربية على أهل الغرب فى القرنين الخامس عشر و السادس عشر جليا بهذا القدر فقمين أن يكون تأثيره على أهل المشرق أوسع و أعمق؛ و يمكن تتبع هذا بصورة خاصة على الجغرافيا الملاحية فى الأدب التركى التى مرت فى القرن السادس عشر على فترة من الازدهار و الانتعاش تدين بها ليس قليلا إلى هذه المصنفات العربية التى فرغنا للتو من الكلام عليها.

لقد حدث و أن ذكرنا أن اسمى ابن ماجد و سليمان قد وجدا طريقهما إلى الدوائر العلمية الأوروبية فى بداية القرن التاسع عشر بفضل كتاب ألفه الملاح و الشاعر و الكاتب التركى سيدى على ريس؛ فمصنفه، فى «الأوقيانوغرافيا»Oceanography إذا جاز هذا التعبير، قد اعتمد إلى حد كبير على آثار هذين المؤلفين العربيين بصورة يضحى معها من العسير فى الظروف الحاضرة موافقة رأى القائلين بأصالة كتابه هذا. و على ممر الزمن الذى ظلت فيه هذه الآثار منزوية فى طى النسيان فإن مصنفه بقى متمتعا بالإعجاب و التقدير الشديدين اللذين هو جدير بهما؛ غير أنه حدث تبدل جوهرى فى الصورة بمجرد اكتشاف تلك الأصول إذ وضح أن جميع ذلك الثناء الذى أغدق عليه إنما ينبغى أن يكون فى الحقيقة من نصيب تلك المصادر العربية التى اعتمد عليها. و من ثم فقد حدث نتيجة لهذا الكشف رد فعل معين، إذ سقطت‏

____________

(*) ورد بالكتاب سهوا الهند الصينية بدلا من الصين. (المترجم)

582

قيمته بعض الشى‏ء و وضع فى المكان اللائق فيه كنقالة فحسب؛ و سنرى فيما بعد أن هذا الحكم الأخير أبعد من أن يكون مقبولا من الجميع.

و قد حمل سيدى على بن حسين إلى جانب رتبته «كريس» أو «قبودان» لقب «چلبى»، كما عرف أيضا بمخلصه «كاتب رومى» أو «كاتبى» أو «رومى» 125 و كان يمهر بها أشعاره التى نالت بعض الشهرة فى الأدب الفنى العثمانى. و ينسب إليه إلى جانب هذا ترجمة لرسالة فى الفلك أتمها بحلب فى عام 956 ه- 1549 و هى من تأليف أحد معاونى أو لوغ بيك العلامة على قوشجى المعروف لنا جيدا و الذى لعب فى النصف الثانى* * * من حياته العلمية دورا كبيرا فى نشر العلوم الدقيقة بين الأتراك العثمانيين؛ و يمكن الالتقاء بمخطوطة هذه الترجمة من آن لآخر مما يشير إلى أنها قد تمتعت يوما ما بقدر من الرواج‏ 126. غير أن ما ناله سيدى على ريس من شهرة كبرى إنما يرجع فى الواقع إلى الدور الذى لعبه فى تاريخ الدولة العثمانية من ناحية و إلى ما دونه من آثار تجريبية و نظرية فى الشئون البحرية من ناحيق أخرى.

و قد بلغ الاهتمام بالشئون البحريق و الملاحية فى الدولة العثمانية درجة رفيعة فى ذلك العصر، و سنلتقى فى هذا الفصل من كتابنا بعدد هائل من الشخصيات الكبرى التى لعبت دورا آخر فى هذا المجال. و يرجع أصل سيدى ريس إلى أسرة من عمال الدولة لذا فإنه نال خبرة عملية جيدة فى شبابه و اشترك فى عدد من الحملات البحرية فى أرخيبل بحر إيجه و فى الحملة العسكرية التى انتهت بإخضاع جزيرة قبرص فى عام 1522، ثم أخذ طرفا لبعض الوقت فى العمليات العسكرية التى قام بها خير الدين بربروسا الشهير على الساحل الشمالى لأفريقيا. و بعد أن اكتسب الشهرة اشترك فى حملة السلطان سليمان الثانية على بلاد الفرس و هى الحملة التى عبرت القوقاز و آذربيجان فى عام 1548، كما شارك أيضا فى حملته الثالثة التى أمضى السلطان فى خلالها بعض الوقت بمدينة حلب و هناك أكمل مؤلفنا ترجمته لرسالة قوشجى التى أشرنا إليها. و فى حلب بالذات كلفه السلطان بأن يذهب لإحضار الأسطول العثمانى المصرى من البصرة إلى السويس بعد أن نكبه البرتغاليون‏ 127.

و كانت تلك آخر محاولة بالتقريب للعثمانيين لوضع حد لتفوق البرتغاليين فى الخليج الفارسى و المحيط الهندى، فقد أبحر الأسطول العثمانى إلى تلك المياه لأول مرة فى عام 1538 بهدف كسر شوكتهم و لكن لم يكتب له التوفيق و كان المكسب الوحيد للعثمانيين من تلك المحاولة العسكرية هو أن ميناء جدة قد أصبحت منذ تلك اللحظة فى قبضتهم. و فى عام 1551 أخر الأسطول العثمانى المصرى من السويس إلى عمان فاستولى على مسقط و لكن محاولته الاستيلاء على هرمز ناءت بالفشل فلم يوفق فى الرجوع إلى مصر سوى سفينتين على حين التجأت خمس عشرة سفينة أخرى إلى ميناء البصرة، و كانت تلك هى التى كلف على ريس بقيادتها من البصرة إلى السويس. و على الرغم مما أظهره من البطولة فقد منى هو أيضا بالفشل إذ هزم البرتغال بتفوقهم الواضح الأسطول العثمانى شر هزيمة ففقد عددا من سفنه و لم تنجح فى الإفلات سوى تسع سفن‏

583

وصلت إلى سورات بكجرات فى حال يرثى لها؛ و هناك اشتراها أمير سورات و وعد بإرسال ثمنها إلى القسطنطينية. ثم تم تسريح بحارتها و اختار على ريس من بينهم خمسين فقط ليصحبوه فى العودة إلى أرض الوطن بطريق البر؛ و قد قوبل على ريس باحترام كبير فى أحمد أباد عاصمة كجرات و أفاد من وقت فراغه هناك، و ذلك بعد ثمانية أشهر أمضاها فى كفاح عنيف فى البحر، فأنهى كتابه الرئيسى فى المحرم من سنة 962 ه- 1554 و هو الكتاب الذى يهمنا هاهنا و الذى اشتهر بعنوانه المختصر «محيط» 128، أو فى صورته الكاملة كما يبدو من مخطوطة فينا «المحيط فى علم الأفلاك و الأبحر» 129.* * * غير أن مسودته النهائية تم تدوينها عقب ذلك لأن المؤلف ذكر فيها وصفا لطريق عودته إلى أرض الوطن، و يرجع هذا إلى عام 964 ه- 1556 130. و هذا الكتاب لم ير النور إلى الآن فى صورته الكاملة. غير أن كلا مخطوطتيه المعروفتين لنا تتمتع بقيمة كبيرة، فإحداهما و هى مخطوطة فينا نقلت عن أصل الكتاب بديار بكر فى عام 966 ه- 1559 أى و المؤلف لا يزال على قيد الحياة؛ أما الثانية المحفوظة بنابلى فيرجع تاريخ تدوينها إلى عام 979 ه- 1571 131. هذا و قد نشر قسما كبيرا من كتاب «محيط» فى ترجمة إنجليزية و ذلك فى النصف الثانى من السنوات الثلاثينات للقرن التاسع عشر المستشرق همرHammer 132 و ظلت هذه الترجمة إلى آخر ذلك القرن المصدر الوحيد للتعرف على الأثر و على مصادره العربية. و يمثل خطوة هامة فى دراسته ما تم نشره و ترجمته من أقسامه على يد بونيللى‏Bonelli و بتنرBittner فى منتصف السنوات التسعينات من القرن الماضى، و أيضا بشكل خاص ذلك البحث الجغرافى الجدى الذى ندين به لقلم الخبير الكبير بالجغرافيا التاريخية توماشك‏Tomaschck 133. و كان كتاب على ريس قبل اكتشافات فيران يعد بالإجماع أتم وصف للبحار الجنوبية، و ليس هذا فحسب بل الأثر الوحيد حتى تلك اللحظة الذى يقدم لنا فكرة عما بلغته الجغرافيا الملاحية لدى المسلمين فى نهاية العصور الوسطى؛ و إلى جانب هذا فقد وضح أن المؤلف لم يكن جاهلا بأخبار اكتشاف الأسبان و البرتغاليين للعالم الجديد كما تبين أن أبعد موضع يذكره فى الشرق الأقصى هو جور (كوريا أوفورموزا) 134. و ان نظرة عاجلة إلى فهرس موضوعات كتابه لتبين لنا دون حاجة إلى برهان أو دليل مدى اعتماده على مصادره العربية 135.

ينقسم كتاب «محيط» إلى مقدمة و عشرة أبواب تنقسم بدورها إلى عدد من الفصول يختلف عددها من باب لآخر؛ ففى المقدمة القصيرة يتكلم المؤلف عن الظروف التى وضع فيها كتابه و يذكر أنه اعتمد فى تأليفه على محادثات مثمرة طيلة ثمانية أشهر مع «المعالمة» المهرة الذين التقى بهم فى الخليج الفارسى، و على تلك المصنفات العربية الخمس التى يذكرها بعناوينها؛ و اثنان من هذه المصنفات لابن ماجد أما الثلاثة الأخرى فلسليمان‏ 136 و هى الموجودة غالبا فى متناول الأيدى فى الأصل الذى نشره فيران.

و يبحث الباب الأول من كتاب «محيط» فى الاتجاهات الجغرافية و تقسيم القبة السماوية و أبعاد النجوم و ارتفاعها، و هنا يرد لأول مرة بالنسبة للعلم الأوروبى تفسير لفظ «إصبع». أما فى الباب الثانى فيعالج‏

584

الكلام على حساب الوقت فيبحث فى أسس السنين الشمسية و القمرية كما يبحث أيضا فى السنين البيزنطية و القبطية و الفارسية. و فى الباب الثالث يتناول الكلام على تقسيم بيت الإبرة و على منازلها و على «الترفا»؛ و لم يصبح معنى هذه الألفاظ مفهوما بتمامه إلا بعد تحليل المصادر* * * العربية. أما الباب الرابع فيصف الطرق البحرية الساحلية إلى الغرب و الشرق من رأس كومورين، كما يتحدث فيه المؤلف عن «الدنيا الجديدة» أميريكا؛ و هو يدين بمعلوماته فى صددها 137 إلى مسيحى من الذين دخلوا حظيرة الإسلام‏ 138؛ و فى حديثه عنها يوكد على ريس أن «الدنيا الجديدة» ليست من ضمن «الربع المعمور» من الأرض أو من «الأقاليم السبعة» كما أنه على علم باكتشاف البرتغاليين لها «منذ أكثر من خمسين عاما» 139. و يفرد الباب الباب الخامس خاصة للكلام على الحساب و المصطلحات الفنية المستعملة بين الملاحين، على حين يفرد الباب السادس للكلام على ارتفاع بعض النجوم التى تستعمل فى قياس (عرض) الموانى و الجزر (كالنجم القطبى و الفرقدين و نعش)، و المقياس الرئيسى لديه هو الإصبع. و يبحث الباب السابع فى المسافات بين الموانى و الطرق المستعملة فى تحديدها خاصة مقياس «الزام»، و يليه الباب الثامن فى الرياح الموسمية مع تحديد مواقيت هبوبها، ثم الباب التاسع فى وصف ثلاثين طريقا بحريا (القسم الجنوبى من البحر الأحمر و السواحل الأفريقية و الآسيوية للمحيط الهندى)؛ و أخيرا يأتى الباب العاشر الذى يتحدث فيه عن المخاطر التى يتعرض لها الملاحون خاصة الأعاصير(cyclones) . من هذا التعداد يتضح لنا إلى أى حد ارتبط «محيط» بمصادره العربية ارتباطا وثيقا، و إلى أى حد كان بمستطاعه قبل الكشف عن تلك المصادر أن يحدث أثرا بالغا فى نفس كل من قرأه بما يحفل به من مادة قيمة و ما يمتاز به من طرافة و أصالة.

و يمكننا لتكوين فكرة عن هذا أن نكتفى بالتحليل الذى عمله له توماشك، و هو علامة اشتهر بمعرفته الواسعة بالجغرافيا و التاريخ و لكنه لم يكن من المتخصصين فى الاستشراق بل كان بحاثة يهتم بفحص المسائل من وجهة نظر تاريخ الجغرافيا العامة. و هو يعتبر «محيط» أثرا نادرا بل يرى فيه الأثر الوحيد من نوعه فى الشرق الذى يبحث فى المسائل البحرية فى القرون الأخيرة من العصور الوسطى، كما يعتقد أيضا أنه يجمع بين دفتيه مادة نقلية لا مثيل لها بحيث يمكن مقارنته بأفضل الآثار البرتغالية من هذا الطراز 140؛ أما مضمونه فحافل للغاية و هو أشبه ما يكون بمرشد شرقى للملاحة(Sailing Directory) فريد فى نوعه يفوق بكثير جميع ما عرف إلى تلك اللحظة و لا يبلغ مرتبته إلا بضعة مصنفات أوروبية مثل مرشدات الملاحة(Seespiegel) التى كانت تصدرها مدن الهانزا 141؛ و تتركز أهميته بصورة خاصة فى أنه يعاون على رسم خارطة لسواحل المحيط الهندى و جميع الأرخبيل الشرقى تفوق بشوط بعيد من حيث الدقة و الصحة تلك الخارطات الخيالية لمصنفات العصر الكلاسيكى و لا تقل شأنا من خارطات البرتغاليين المعاصرة لها، و يميل توماشك إلى الاعتقاد و بأن هذه الأخيرة قد خضعت بعض الشى‏ء لتأثير الخارطات الشرقية و هو أمر يوافقه عليه كونتى روسينى‏Conti Rossini 142. و كتاب «محيط»

585

يمثل إلى حدما* * * انتقالا جوهريا من مجال الملاحظات المتناثرة و الإرصادات المبعثرة للعهود السابقة إلى مجال المعرفة المدروسة للعصور الحديثة، و يتدارك النقص فى معلوماتنا عن بلاد كبيرة و هامة كالهند؛ هذا و ينتظم مجال بحثه جميع السواحل و الجزر الممتدة من جدة إلى كوريا 143. و مما يدعو إلى الدهشة حقا أن تسجيل جميع تلك التفاصيل قد تم بتطبيق مناهج بدائية فى الرصد الفلكى ورثت عن العهود الأولى لنشأة علم الفلك و لكن اعتمدت من ناحية أخرى على تجارب حافلة و خبرة طويلة لأجيال عديدة من الملاحين الفرس و العرب و الهنود. و يمكن القول بأنه لم يصلنا من العهود السابقة للعهد البرتغالى أى شبيه* * * لهذه الأرصاد التى تعتمد على مراقبة النجم القطبى و نجوم الدبين الأكبر و الأصغر، و لهذا السبب فإن الخارطة التى تم تصويرها بناء على ملاحظات كتاب «محيط» تكتسب أهمية كبرى لأنها تمثل ذروة ما بلغه فن الكارتوغرافيا فى الشرق. أما نقطة التحول التالية لهذه فى ذلك الميدان فيبصرها توماشك فى الخارطات البرتغالية، و هى تلك الخارطات الممتازة التى ظلت المرشد الأول للملاحة فى بحر الهند حتى عام 1648 144.

و باكتشاف المصادر العربية «لمحيط» فقد ثبت أن ذلك التقدير و الإطراء الذى تمتع به الكتاب و كان له ما يبرره إنما ينبغى أن يتجه إلى ناحية أخرى؛ و فى أبحاثه العديدة حول هذه المسألة ابتداء من عام 1913 يصر فيران إصرارا شديدا يصل به أحيانا إلى درجة التطرف على أن «محيط» بأجمعه لا يمثل سوى ترجمة، بل و ترجمة حرفية فى بعض الأحايين، لمصنفات أحمد بن ماجد و سليمان المهرى حيث لم يفعل سيدى على ريس شيئا سوى أن نقل كلا مهما بحذافيره‏ 145. و فى خاتمة بحث من أبحاثه الأخيرة يصرح بما نصه «لم يعد «محيط» يمثل بالنسبة لنا تلك الأهمية التى أثارها فى القرن الماضى، و ذلك منذ اللحظة التى تم فيها الكشف عن أصوله العربية. و فى الواقع أن سيدى على ريس لم يفعل شيئا سوى أن ترجمتها ترجمة حرفية مع إضافات تافهة أتت بنتيجة عكسية أحيانا» 146.

إن رأى فيران هذا لا يخلو من التعسف؛ و قد لاحظ توماشك أن سيدى على ريس قد أضاف إلى مادة مصادره الكثير من معلوماته الشخصية، مثال ذلك ملاحظاته عن المحاصيل الرئيسية للأقطار المختلفة و عن الجهات المقابلة من الكرة الأرضية(antipodes) و عن اكتشافات الأسبان و البرتغاليين فى «الدنيا الجديدة» 147. و إلى هذا يضيف كاله‏P .Kahle زيادات هامة بفحصه لأوصاف الآلات الفلكية الملاحية(nautische Instrumente) التى يعرضها بوضوح كتاب «محيط» و كانت غير معروفة لدى العرب‏ 148، ثم يبين كيف كان يعرفها المؤلف‏ 149* * * و كيف كان يجيد استعمالها 150. و كاله لا ينفى أن كتاب «محيط» قد فقد بوجه عام أهميته عقب العثور على مصادره العربية، غير أن الملاحظات التى بيناها تدل على أننا بإزاء ملاج ماهر استطاع الإفادة من مصادره بالكثير من الذكاء.

أما تلك الأقسام من كتابه التى لا توجد فى المصادر العربية فستحفتظ على الدوام بأهميتها كاملة فير منقوصة،

586

و بهذا فإن كتاب «محيط» لا يستحق فى هذه النقطة بالذات تلك الإدانة الشديدة التى وجهها إليه فيران، و إن وجد ثمة ما يبررها.

و كتاب «محيط» لم يظفر برواج ما بين الأتراك أنفسهم، و لعل مرد ذلك إلى أن مادته ذات لون تخصصى يحول دون تداولها إلا بين المتخصصين فى الشئون البحرية أو المهتمين بدراسة المسائل الجغرافية.

و قد بدا هذا الاتجاه التخصصى فى الأسلوب نفسه فغلب عليه نتيجة لذلك طابع فنى(technical) صرف لا يمكن أن يحس منه اطلاقا أن المؤلف كان كاتبا كبيرا على حد سواء، و يصف توماشك لغته بأنها «مرهقة و مطنبة»(schleppencd und Weitshweifig) . أما من عنوا بتلك المسائل التى يعالجها فقد عرفوه جيدا، فحاجى خليفة مثلا ينقل عنه فى كتابه فى الجغرافيا «جهاننما» جميع القسم من الباب الرابع الذى يعالج الكلام على جاوه و سومطره و سيلان، كما ينقل عنه بالحرف الواحد تقريبا وصفه لجزر نيكوبار و ملديف‏ 151.

و باسم سيدى على ريس يرتبط مصنف آخر ذو طابع جغرافى هو «مرآت الممالك»؛ و لعله يمثل أهمية أكبر بالنسبة لجماهير القراء. و فيه يعرض المؤلف اوصف تجواله على مدى أربعة أعوام فى طريق عودته من الهند إلى وطنه بطريق البر حين حدث له أن اجتاز عددا من الأقطار و مر بعدد كبير من المدن.

فمن كجرات عبر سيدى على نهر السند إلى لاهور و من هناك اتجه إلى دلهى حيث بلاط السلطان همايون، و قد استقبله السلطان بالكثير من العطف فى نوفمبر من عام 1554 بل وجهد فى إقناعه بالبقاء فى خدمته، غير أنه رغما من جميع عروضه المغرية فإن سيدى على غادر دلهى إلى بلاده حاملا رسالة من همايون إلى السلطان سليمان القانونى لا يزال أصلها محفوظا إلى أيامنا هذه‏ 152، و وصل سيدى على إلى كابل ثم اجتاز بدخشان و ختلان و بلاد ما وراء النهر و خوارزم و كان قصده أن يجتاز سهوب (دشت) قپچاق ليصل إلى استراخان، غير أن العمليات العسكرية لجنود دولة المسكوف فى تلك الأصقاع اضطرته إلى الرجوع القهقرى إلى خراسان؛ و زاد فى تعقيد سير الرحلة و إبطائها اشتعال نيران الحرب آنذاك بين الدولة العثمانية و بلاد الفرس. و فى قزوين تشرف على ريس بمقابلة الشاه طهماسب و لكنه لم يشأ الانضمام إلى سفارته التى بعث بها إلى السلطان سليمان بل حمل منه هو أيضا رسالة خاصة إلى السلطان لا يزال أصلها محفوظا إلى اليوم‏ 153. و بلغ سيدى على ريس القسطنطينية فى أبريل عام 964 ه- 1557، ثم غادرها إلى أدرنه حيث رفع تقريره إلى السلطان سليمان؛ و قد حظيت توضيحاته بالقبول لدى السلطان الذى لم يلبث أن عينه* * * دفتردار لولاية دياريكر؛ و قد توفى سيدى على ريس فى عام 970 ه- 1562 154.

و بفضل الترجمة القديمة الموجزة التى ندين بها للمستشرق الألمانى ديتس‏Dietz فإن هذا المصنف الذى كان معروفا فى المحفوظات فقط قد اجتذب أنظار أوروبا منذ عام 1811: ثم نقل موريس‏M .Morris

587

الترجمة الألمانية إلى الفرنسية فى عام 1826- 1827؛ بيد أن الأصل التركى لم يطبع إلا فى عام 1313 ه- 1895 155، و ذلك على يد الأديب التركى المعروف أحمد جودت. و اعتمادا على هذه الطبعة ترجم فامبيرى‏A .Vambery الكتاب إلى الإنجليزيه (1899)؛ و حتى هذه الترجمة الأخيرة لا تقف عند المستوى المطلوب‏ 156. و «مرآت الممالك» هو النموذج الوحيد لوصف رحلة يصلنا عن العهد الكلاسيكى للأدب العثمانى‏ 157، و يمكن الحكم من وصفه القصير على العدد الكبير من البلاد التى عبرها المؤلف و الشخصيات الكبرى لعصره التى التقى بها. و أسلوبه فى هذا الكتاب يختلف اختلافا أساسيا عن أسلوب مصنفه الآخر «محيط»، فنحن هاهنا بإزاء مصنف حاول فيه مؤلفه أن يظهر نفسه كأديب بكل ما يحمل هذا اللفظ من معنى، و لعل هذا الاتجاه الأدبى للكتاب لم يكن فى صالح السرد الجغرافى من وجهة نظرنا إذ تتناثر فيه المقتطفات الشعرية من شعره هو و من شعر الغير و تغلب على أسلوبه المحسنات البديعية و التشبيهات الشعرية مما يولد الإحساس بأن المادة الجغرافية إنما تشغل المكانة الثانية لدى المؤلف؛ و لكن لا يمكن بأية حال إنكار أن الكتاب يتمتع فى بعض جوانبه بحيوية كبيرة و يقدم على وجه العموم تفاصيل كثيرة قيمة ذات طابع واقعى. أما بالنسبة للمناطق الواقعة على المجرى الأعلى لنهر أمودريا (جيحون) فإن معلوماته تتميز بأهمية خاصة كما وضح ذلك من دراسات فتشنكوFedchenko 158 و مينايف‏Minacv 159.

و يمكن أن نلاحظ لدى على ريس ظاهرة طريفة تقف دليلا على بقاء النظريات الجغرافية القديمة و صلابة مقاومتها من جهة و على استمرار الاختلاف القديم بين النظرية و التطبيق من جهة أخرى، و هو شى‏ء كان من العسير أن نتوقع وجوده لدى رجل ذى خبرة بالجغرافيا الملاحية كعلى ريس. فهو مثلا عند ما وضح للسلطان همايون فى عام 1556 السبب فى تلقيب السلطان العثمانى «بسلطان الأقاليم السبعة» نراه يفسر هذا بقوله إن سلطانه يمتد على مدن و أقطار تقع فى نطاق الأقاليم السبعة ففى الإقليم الأول توجد اليمن و فى الثانى مكة و فى الثالث مصر و فى الرابع حلب و فى الخامس استنبول و فى السادس كفا (فيودوسياFeodosia ) و فى السابع بوداBuda و فينا 160* * * إزاء هذا التقسيم الذى يرتفع إلى العصور الوسطى و الذى أضحى مجردا من كل صلة بالواقع* * * فإنه لا يمكننا إلا أن نوافق توماشك فى ألفاظه و إن كان قد أصدرها فى مناسبة أخرى، فهو يقول «لقد بلغ الأمر مع العلماء آنذاك حدا جعلهم يروا من الأفضل أن يحنوا هاماتهم للعلماء الأوائل بدلا من أن يفيدوا من التجارب العملية التى تجمعت فى عصرهم و بين ظهرانيهم، ذلك أن العنجهية العلمية قد دفعت باتباع مذهب بطلميوس إلى الاعتقاد بأنه من العار عليهم أن ينزلوا إلى مستوى الجماهير فيأخذوا العلم من تجارب الملاحين» 161. و كما أبصرنا من قبل فقد اهتم على ريس بدور التجربة فى كتابه «محيط» و انعكس ذلك فى كتابته، غير أن النظرية القديمة قد استطاعت و لو بطريقة غير شعورية أن تسيطر عليه و تبعث فيه أحيانا ضربا من الإصرار على التمسك بالقديم و تكرار النظريات البالية. و رغما

588

من اعترافنا بما يدين به لمصادره العربية فلنا الحق كل الحق فى القول بأن كتاب على ريس يمثل ظاهرة كبرى فى الجغرافيا الملاحية لدى الأتراك، هذا مع اعتقادنا أن تقدير العلامة التركى المعاصر ع. عدنان (اديفار) له مبالغ فيه بصورة كبيرة 162.

و ما قام به سيدى على ريس بالنسبة للمحيط الهندى قام به بالنسبة للبحر الأبيض المتوسط و بحر إيجه معاصر له لم تنته حياته نهاية سعيدة و هو پيرى ريس الذى استند مجهوده العلمى على قاعدة أوسع مما كان عليه الحال مع سيدى على ريس. و إذا كان الأخير قد اعتمد اعتمادا كليا على النظرية و التجربة الشرقيتين فإن پيرى ريس قد أفاد من المادتين الشرقية و الغربية على السواء، زد على هذا أنه لم يكتف بالجمع بينهما جنبا إلى جنب بل مازج بينهما و تمثلهما فى تأليف عضوى متناسق. أما من حيث المنهج فهو قد فاق على ريس بشوط بعيد، و تعتبر آثاره التى ظهرت فى القرن السادس عشر أقصى ما بلغته الجغرافيا و الكارتوغرافيا الملاحية بين الأتراك فى عهد ازدهار قوتهم و سلطانهم.

و شخصية پيرى ريس نموذج جيد(lypical) لهذه الفترة فى تاريخ الملاحة العثمانية، فهو لا يقف نسيج وحده بل يكمل حلقات تلك السلسلة من الشخصيات الكبرى التى تولت قيادة الأسطول العثمانى آنذاك، و هو كمعاصره الشهير خير الدين بربروسا أو كخاله كمال ريس الذى تدرب عليه فى الشئون البحرية لم يفرق دائما فى نشاطه البحرى بين دور القرصان الغاشم و أمير البحر التركى الذى يعمل فى خدمة الدولة العثمانية، و يلوح أن الدولة نفسها لم تستطع أن تفصل بدقة بين هذين الدورين. و خير مثال لهذا خير الدين بربروساBarbarosaa (حوالى عام 1483- 1546) بكلربك الجزائر و واضع أسس السيادة العثمانية على شمال أفريقيا، فإنه قد رجع القرصنة أكثر من مرة 163.

و اسم پيرى ريس غير معروف لنا فى أصله على وجه الدقة، و يبدو أنه كان يدعى محى الدين ابن محمد لأن پيرى كان مخلصه الأدبى‏ 164، و هو كخاله كمال ريس الذى غرق فى يناير من عام 916 ه- 1510 165* * * و الذى عرفته وثائق و حوليات جمهورية البندقية 166 باسم‏Camaili كان على ما يبدو مسيحيا فى الأصل و ربما من أصل يونانى‏ 167؛ و ياوح أنه شارك فى المغامرات البحرية الكبرى لخاله فى الحوض الغربى للبحر الأبيض المتوسط عند ما أرسله السلطان العثمانى فى عام 892 ه- 1487 لتقديم العون إلى آخر أمراء غرناطة من دولة بنى نصر، غير أن محاولاته لم تسفر عن أية نتائج إيجابية 168. و مما لا شك فيه أن پيرى ريس قد شهد استسلام الأسطول البندقى للأتراك عند ليبانتوLepanto فى عام 905 ه- 1499 169؛ و إلى حوالى هذا العهد ترجع بعض المصادر مغامرة معينة فى تاريخ حياته و هى نشاطه كجاسوس بالبندقية حوالى عام 1502 170.

و هو يدين بالكثير لمدرسة كمال ريس، و هذا الأخير لم يكن قائدا بحريا من الطراز المقاتل و لكنه كان‏ (*)

____________

(*) هذه ليست واقعة ليبالتو البحرية المشهورة لعام 1571 التى هزم فيها الأسطول المسيحى أسطول العثمانيين. (المترجم)

589

يتمتع فى مقابل ذلك ببراعة سياسية كبيرة حتى اضطر جمهورية البندقية إلى التراجع مرارا 171 و متن صلة الدولة العثمانية بشمال أفريقيا بشكل ملحوظ 172، فلا غرو أن أشاد الشعراء الأتراك بأعماله المجيدة فى قصائد خاصة تحتوى إحداها على عشرة ألف مثنوى‏ 173. و يلاحظ مؤرخ سيرة حياته(biographer) أن ما قام به پيرى ريس لم يكن ليتأتى دون رحلات كمال ريس و خبرته و أثره الكبير عليه، بل إن نفس القول يصدق على ما ناله بيرى ريس من مكانة مرموقة 174.

و لعل الفضل يرجع إليه أيضا فى معرفة پيرى ريس الواسعة بمصر، إذ أن صلة كمال ريس بها ترجع إلى عام 1498 175 عند ما قام بمهمة من أجل الدولة؛ غير أن الحظ لم يبسم هناك بالتالى لابن أخته فقد حدث بعد ذلك بمدة طويلة أن شغله منصب قبودان مصر ثم كلفه السلطان بالمهمة التى أشرنا إليها من قبل و هى قيادة الأسطول العثمانى المصرى من السويس إلى الخليج الفارسى لقتال البرتغاليين. و فى طريقه أخضع پيرى ريس عدن فى عام 945 ه- 1538 و انتهب مسقط فى عام 959 ه- 1551 ثم حاصر هرمز بيد أنه فشل فشلا كاملا أمام البرتغاليين الذين هزموه شر هريمة فلم يستطع الإفلات إلا بثلاث سفن وصل بها إلى السويس. ثم قدم إلى المحاكمة فى القاهرة و لعب دورا ليس بالضئيل فى إدانته شكوى و الى البصرة مما جرى على يده من سبى و نهب على طول سواحل الخليج الفارسى، فحكم عليه بالإعدام و تم تنفيذ ذلك فى حوالى عام 962 ه- 1554 أو قبل ذلك بقليل‏ 176.

هذه الحياة المتقلبة المليئة بالأحداث لم تمنعه على أية حال، و ذلك على النقيض من خاله، أن يخلف صيتا واسعا فى الأدب الجغرافى يستند* * * بصورة خاصة على أطلس ملاحى كبير يعرف باسم «بحرية» و خارطة كبيرة للعالم ينعكس فيها بعض الشى‏ء تأثير خارطة كولومبس التى لم تصل إلى أيدينا 177.

و يحيط بالتاريخ الأدبى لوضع المصنف الأول تعقيد شديد لا يقتصر سببه فى أنه وجدت للكتاب مسودتان كما اتضح فى الآونة الأخيرة، بل لأن المؤلف نفسه قد أحاطه ببعض الغموض. فهو يذكر أن الدافع إلى تأليف الأطلس كان مناسبة اعتلاء السلطان سليمان للعرش عند ما حاول أهل كل مهنة أن يقدموا إليه هدية من مجال فنهم، لهذا فقد بدأ المؤلف عمله فى عام 927 ه (ابتداء من ديسمير عام 1520) و رفع الأطلس كاملا إلى السلطان سليمان فى عام 930 ه- 1523 178. غير أنه يبدو من أقسام معينة فى المقدمة أن پيرى ريس قد بدأ عمله فى الأطلس قبل ذلك بمدة طويلة أى فى عهد السلطان سليم و كان يريد رفعه إليه و لكن لما وافته منيته رفعه إلى السلطان سليمان القانونى‏ 179. و تشير جميع القرائن إلى أن العمل قد سار جنبا إلى جنب فى كل من الأطلس و الخارطة المشار إليها و ذلك بمدينة غليبولى التى كانت المركز الإدارى للاسطول العثمانى آنذاك و وجدت بها المادة اللازمة التى استعان بها المؤلف فى شكل واسع. و إلى جانب هذا فقد كانت وراء المؤلف تجربة عشرين أو ثلاثين عاما 180 من المران العملى فى الشئون البحرية بحيث تردد صدى ذلك فيما تميز به المصنف من نضج و اكتمال.

590

و كتاب «بحرية» و إن كان يمثل فى أساسه أطلسا ملاحيا إلا أنه كان يستهدف و لو بقدر متواضع أن يكون دليلا للملاحة الشراعية ببحر إيجه و البحر الأبيض المتوسط 181 و أن يخدم فى نفس الوقت كمرشد فى معرفة المواضع المبينة على الخارطات؛ و لهذا السبب فإن المصنف يقدم وصفا مفصلا بما فيه الكفاية لجميع السواحل مع بيان التيارات و الشعب و المراسى و الخلجان و المرافئ و المضايق و منابع المياه العذبة و المواضع المحصنة و القلاع و المبانى و الحرائب‏ 182، كما يتعرض خلال ذلك للحديث عن الجغرافيا السياسية و الوضع الإدارى للأماكن المختلفة. و لا يخلو من طرافة فى هذا الصدد أن نلاحظ أن تعليقاته البدائية على الآثار القديمة تمثل رغما من سذاجتها أهمية كبيرة فى بعض الأحايين‏ 183. و لنذكر على سبيل المثال أن البحوث الأثرية الحديثة التى أجريت فى منطقة ملطية و فى الجزر و السواحل المجاورة قد أثبتت أن پيرى ريس محل للثقة فمن بين جميع التفاصيل التى يوردها لا توجد واحدة لم تدعمها الأبحاث المعاصرة 184.

و تشمل المسودة الأولى لكتاب «بحرية» مائة و ثلاثين فصلا يعالج كل واحد منها الكلام على موضع جغرافى أو ناحية غير كبيرة و ذلك بحسب ترتيب معين لا تتفق فيه جميع مخطوطات الكتاب. و كل قسم من هذه الأقسام تصوره فى العادة خارطة و يقف أشبه ما يكون مستقلا بنفسه بحيث يفتقد أى رباط عام داخل الكتاب باستثناء التتابع الجغرافى على طول سواحل البحر الأبيض المتوسط ابتداء من غليبولى.

أما المسودة الثانية للمصنف فقد بدأ فيها بعد قليل من الأولى، و كانت المناسبة التى دعت إلى ذلك هو أن السلطان سليمان القانونى كان قد بعث بالصدر الأعظم إبراهيم باشا إلى مصر فى أكتوبر عام 930 ه- 1524، و كان يقود الأسطول پيرى ريس الذى حمل معه نسخة من كتابه «بحرية» و كان قد انتهى من تأليفه قبل ذلك بقليل و لكنه كان يمثل «أوراق مبعثرة» 185 على حد قول مؤلفه.

و قد رجع بيرى ريس أثناء اللحظات الحرجة من الرحلة إلى كتابه أكثر من مرة بحيث استطاع إبراهيم باشا أن يقدر قيمته و من ثم فأشار عليه بأن يؤلف بين هذه الأوراق على صورة كتاب كامل فاستجاب پيرى ريس لرغبته و بدأ يعيد النظر فى المتن و الخارطات‏ 186 حتى انتهى من المسودة فى فى خلال عامين من ذلك، أى فى عام 932 ه- 1526 187.

و التغيرات الأساسية التى طرأت على الكتاب و التى يمكن تتبعها من التحليل الذى قام به تيشنرTaeachner معتمدا فى ذلك أساسا على مخطوطات استنبول‏ 188 قد قبلها فى جوهرها كاله‏Kahle رغما من أنه أظهر فى البداية بعض التردد حول نسبة المسودة الثانية إلى المؤلف نفسه. و لا تزال بعض النقاط التى تمس تفاصيل معينة غير واضحة و لن يتم توضيحها إلا بعد دراسة دقيقة منظمة لجميع الأثر خاصة النماذج الموجودة باستنبول و التى لم تفحص بعد بصورة وافية.

و التعديل الذى أجرى فى المسودة الثانية للمصنف يمس قبل كل شى‏ء الخارطات التى زيد فى عددها بشكل كبير؛ ففى المسودة الأولى حظى كل قسم من الأقسام المائة و الثلاثين بخارطته الخاصة به، أما الآن‏

591

فإن عدد الخارطات ارتفع إلى مائتين و عشرة خارطة بخلاف خارطات أخرى ذات طابع مستقل‏ 189.

و ينمو عدد الخارطات فى المخطوطات التى ترجع إلى تاريخ متأخر عن ذلك و لعلها لا تقتصر فى هذا على مادة پيرى ريس وحده، و يتضح هذا بصورة خاصة من مثال البحر الأدرياتيكى حيث تنفرد الفصول الستة المكرسة له (من الثامن و الخمسين إلى الثالث و الستين) باثنين و أربعين خارطة، لعلها هى التى تبقت من أربع و أربعين‏ 190 و تبدو هذه الزيادة أيضا فى أقسام أخرى، فالنيل مثلا (الفصلان الثامن و التسعون و التاسع و التسعون) يفوز هنا بلا أقل من عشر خارطات‏ 191.

و لم يقتصر التعديل الذى أجرى فى المسودة الثانية على المادة الكارتوغرافية وحدها بل امتد إلى المتن أيضا، فالمقدمة قد غيرت معالمها تماما* * * لأن المؤلف أضاف إليها رسالة منظومة فى خمسين فصلا تعالج موضوعات شتى مما يحتاج إليه الملاحون‏ 192 كالخبرة و الاستعداد الفطرى فى هذه المهنة و استعمال البوصلة و الخارطات و المعرفة بالجغرافيا الملاحية، كما يرد عرض لبعض أقسامها مثل منابع النيل و زنزبار و بحر عدن و المحيط الهندى و بحر الصين و المحيط الأطلنطى و الاكتشافات البرتغالية و توضيح خطوط الزوال و خطوط العرض‏ 193. و تنتهى المقدمة يقصيدة طويلة أشبه بخاتمة فى مائة بيت يعرض فيها المؤلف للأسباب التى حدت به لوضع المسودة الثانية للكتاب‏ 194.

و التنوع الذى طرأ على هذه المسودة الثانية، التى ترد بعض مادتها نثرا و ذلك عند توضيحه للخارطات و بعضها شعرا، يرجعه المؤلف إلى عوامل خارجية صرفة؛ مثال ذلك أن الحاجة إلى استعمال الأطلس قد تطرا ليلا فى لحظات خطر ماثل لذا فمن الضرورى أن تكون المعلومات فى متناول اليد سريعا و لن يتأتى هذا بالنسبة لأثر شعرى‏ 195. و هذا القول لا يخلو بالطبع من وجاهة، غير أننا إذا أمعنا النظر فى محتويات الفصول المنظومة شعرا فإنه لن يفوتنا ملاحظة الشبه فى بعض النقاط بين هذه المقدمة و رسائل أحمد بن ماجد بحيث يدعو الأمر إلى التساؤل أليس من الممكن أن يكون پيرى ريس قد اطلع خلال الفترة الزمنية بين المسودتين على أراجيز الربان العربى و أنه قد صاغ بالتالى مقدمته على منوالها.

و بالطبع فإن الشبه بين الاثنين يقف عند هذا الحد، و من المستحيل تصور وجود علاقة أيا كانت بينهما لأن پيرى ريس ينتمى إلى مجموعة أخرى لا تمت بصلة ما إلى وسط سيدى على ريس. و يرى المتخصصون أن لغة «بحرية» سهلة و لو أنها لا تخلو من وقت لآخر من استعمال بعض الصيغ المهجورة مما يرفع من قيمتها لدى المشتغلين بدراسة اللغات التركية 196.

أما فيما يتعلق بمصادره الكارتوغرافية فإن أطلس پيرى ريس يرتبط ارتباطا كليا بالمادة الغربية، و يكفى مجرد إلقاء نظرة على أية واحدة من خارطاته ليقتنع المرء فورا بعدم وجود أى أثر للتقاليد العربية المعروفة لنا جيدا. هذه الانطباعة الأولى قد وكدها بالتالى عدد من الأبحاث المتعلقة بالأقسام المختلفة و التى ساقت إلى نتائج ملموسة فى هذا الصدد، و لو أنه يجب الاعتراف أن بعضها لا يخرج بطبيعته عن محيط

592

الافتراضات نسبة لأن الأصول التى اعتمد عليها پيرى ريس لم تصل إلينا. و قد ثبت بوجه عام أنه قد سار فى الغالب على منوال النماذج التى عملها البنادقة و التى كانت تحت تصرفه بغليبولى؛ و تمثل هذه النماذج خارطات مستقلة و هى التى عملت على أساسها البورتولانات الغربية و لكنها أكثر قيمة منها بفضل أحجامها الكبيرة.* * * و پيرى ريس لم يكتف بالطبع بتقليدها تقليدا أعمى، فمثلا نراه يجرى تصحيحا جوهريا فى رسم بحر إيجه معتمدا فى ذلك على ملاحظاته الشخصية 197. و نظرا لأن هذه الخارطات الخاصة لم تحفظ لنا فإن كتاب «بحرية» يكتسب بهذا أهمية مضاعفة بصفته مصدرا لا مثيل له للتعرف على الكارتوغرافيا الأوروبية المبكرة 198. و يمكن أحيانا تتبع المادة التى استقى منها پيرى ريس بالكثير من اليقين فقد ثبت أن لرسومه الجغرافية التى تصور بحر الأرخبيل علاقة بالأثر المعروف باسم «ايزولاريو»Isolario للإيطالى بارتولوميو دالى سونتى‏Bartolomeo da li Sonelli المطبوع بالبندقية فى عام 1485 أو بعد ذلك بقليل؛ و تبدو صلة الرحم بين الاثنين واضحة بما لا يدع مجالا للشك بمجرد وضعهما جنبا إلى جنب‏ 199، و يرتفع أصل الاثنين على ما يبدو إلى الخارطات القديمة التى كان يستعين بها ربابنة السفن فى الملاحة، و لكن مع فارق بسيط هو أن پيرى ريس يقدم لنا مجموعة كاملة من الخارطات لجميع سواحل البحر الأبيض المتوسط على حين يقتصر بارتولوميو على بحر إيجه وحده‏ 200. و لعله يجب أبصار اسمه فى «بورتولوميه» الذى يذكره پيرى ريس فى الفصل السابع و الأربعين من مقدمته الشعرية؛ و من الطريف أن كاله‏Kahle لسهو وقع فيه هاهنا قد جهد فى أن يرى فى هذا الشكل رسم بطلميوس‏ 201 رغما من أن الأخير يرد لدى پيرى ريس فى الشكل الذى استعملته العرب. و من المحتمل أنه قد وجدت بين يديه مرشدات الملاحة الشراعية التى نالت انتشارا واسعا آنذاك و التى لم يصلنا شى‏ء عنها من العصور الوسطى الأوروبية 202. و نظرا لأن مصنفه يعكس إلى حد ما المرشدات الإيطالية، لا فى الخارطات وحدها بل و فى المتن أيضا، فإنه يمكن القول بأنه لم يحفظ لنا سر فرع واحد من الملاحة فقط بل قد حفظ لنا جميع علم البحار تقريبا 203.

و مما لا شك فيه أن پيرى ريس قد جمع معلومات شفوية من عدد من الملاحين ذوى التجربة، فقد التقى بملاحين برتغاليين عرفوا الصين‏ 204، كما يغلب أنه التقى بأحد الذين أخذوا طرفا فى رحلة ماجلان حول الأرض و هو المدعو انتونيو بيغافتاF .A .Pigafetta 205. و قد ثبت أن روايته عن مختلف الشعوب الغريبة فى بحار الشرق الأقصى إنما ترتفع إلى مصدر صينى وصله فى أغلب الظن عن طريق البرتغاليين‏ 206.

و اعتمادا على هذه المادة المتشاكلة المصادر و التى دون بعضها على ما يبدو بالإغريقية و الإيطالية، و هما لغتان عرف إحداهما جيدا بحكم مولده‏ 207، فقد استطاع پيرى ريس أن يخرج لنا مؤلفا باللغة التركية مستقلا بذاته. و نظرا لمعرفته الجيدة بالبحر الأبيض المتوسط فقد عرف كيف يستعمل مصادره‏

593

بالكثير من الذكاء و حسن الفهم و أن يضيف إليها الكثير* * * مما حصل عليه عن طريق تجربته الشخصية.

و تتميز بأهمية خاصة و قيمة كبرى تلك الأقسام من كتابه التى تعتمد على معرفته المباشرة بنقاط جغرافية معينة؛ و على أية حال فإنه لا يمكن الإحساس من تصفح المصنف بأنه مصنف نقلى بل يغلب أن يكون أثرا مستقلا قائما بذاته‏ 208. و كما لاحظ بلوشيه‏Blochet بالكثير من الصواب فإنه لا يمكن بأية حال مقارنة خارطاته بمدرسة الصفاقسى الذى لم يكن فى هذا المضمار سوى ملاح تافه اقتصر فى وصفه على السواحل‏ 209. و يقف كتاب «بحرية» فى جميع الأدب التركى فريدا فى نمطه، بل إن المؤلف نفسه يذكر فى فاتحة كتابه أنه يمثل بالنسبة لمواطنيه شيئا لم يعهدوه من قبل، كما و أن حاجى خليفة الذى كان خبيرا فى الجغرافيا الملاحية يوكد بالتالى أنه لم يدون بعده شى‏ء شبيه به فى هذا المضمار 210. أما فى الأوساط الحديثة فقد قيل أحيانا فى وصف «بحرية» إنه «أهم ما دونه الأتراك فى محيط الجغرافيا» 211.

و خير دليل على تفوق پيرى ريس على معاصريه و من خلفوه فى هذا الفن أنه لم يوجد بعده من يستطيع أن يجرى أى تجديد فى متنه؛ و إذا كانت الخارطات كما لاحظنا قد زيد فى عددها و أضيف إليها الكثير فإن المتن لم تضف إليه سوى معلومات ضئيلة ليتفق مع الأوضاع السائدة فى عهود متأخرة هذا بينما بقيت مادته الأساسية كما هى لم يعتريها أى تغيير. و لعل هذا قد عاون بدوره على احتفاظ الترك بمرشداتهم البحرية المستعملة فى الملاحة الشراعية، و ذلك على عكس رصيفاتها الغربية التى لم تكن سوى توضيحات للجوانب العملية و لم يلبث أن بطل استعمالها سريعا و طوتها زوايا النسيان؛ أما «بحرية» فكان أثرا أدبيا مرموقا كتب له البقاء 212. أما بالنسبة للمتخصصين فقد كان الوضع على النقيض، إذ أن الخارطات لعبت بالنسبة لهم دورا جوهريا على حين كانت أهمية المتن ثانوية 213؛ و هو لم يعتريه تغيير كبير و كان يدون تارة على المساحات الشاغرة فى الخارطات أو يهمل تماما طورا آخر 214. و قد أثبت البحث أن الخارطات التركية للبحر الأبيض المتوسط التى ترجع إلى القرن السابع عشر إنما ترتبط ارتباطا وثيقا بعمل پيرى ريس‏ 215.

هذا و قد قدر العثمانيون المصنف حق قدره و أفادوا منه بصورة أوسع بكثير مما فعلوا مع كتاب سيدى على چلبى، و هو أمر مفهوم بالنسبة لأهمية المنطقة التى يعالجها. و قد ورد ذكره لدى حاجى خليفة فى مرجعه الضخم «كشف الظنون» و فى مصنفه الجغرافى الكبير «جهاننما» و فى كتابه فى تاريخ الأسطول العثمانى «تحفة الكبار» 216؛ كما و أن أوروبا قد تعرفت عليه منذ بداية* * * القرن التاسع عشر و ذلك بفضل مجهود المستشرق ديتس‏Dietz ، و هو نفس البحاثة الذى قدم أول معلومات عن كتاب سيدى على ريس‏ 217؛ ففى عام 1789 و ذلك عند ارتقاء السلطان سليم الثالث للعرش تمكن ديتس من الحصول على مخطوطة أنيقة ذات قيمة كبرى لأنها كانت ملكا لسلاطنة آل عثمان أنفسهم و لعلها رفعت كهدية* * * إليهم، ثم انتقلت بمرور الزمان إلى الحر ملك لتسلية الجنس اللطيف لأن خارطاتها قد تم تصويرها بمهارة

594

فائقة و فى ألوان متعددة. و انتقال هذا الأثر القيم من يد إلى أخرى لم يكن من شأنه أن يؤدى إلى الحفاظ عليه، فلما انتهى إلى يد ديتس لم يكن فى صورته الكاملة بل على شكل خارطات منفردة و منزوعة، فضلا عن أنه لم يكن معروفا له لا اسم المؤلف و لا شكل المصنف العام. و رغما من ذلك فإن مقاله الذى حلل فيه المصنف بشكل عام يمثل أهمية لا شك فيها بالنسبة لعصره و يلقى الضوء على دور الأتراك فى ميدان الكارتوغرافيا، و هو أمر كانت المعرفة به ضئيلة آنذاك. و لا يخلو من الطرافة اختياره للمصور الذى يبين جزيرة رودس مع وصفها، و هو الذى تبدأ به المخطوطة فى الهيئة التى وجدها عليها ديتس، و قد نشر متنه مع ترجمة ألمانية. هذا و قد فتح العثمانيون رودس فى عام 1522 أى بعد بضعة أعوام من وضع پيرى ريس لأطلسه و يعتقد ديتس أن عمله هذا ربما ساعد بعض الشى‏ء فى إنجاز تلك المهمة 218. و لقد كان مقال ديتس بمثابة حجر الأساس لدراسات متفرقة لأقسام الأطلس فى القرنين التاسع عشر و العشرين، أما المخطوطة نفسها فقد وجدت طريقها فى آخر الأمر إلى الكتبة الأميرية بتركيا 219. و ليست أقل قيمة من ذلك المخطوطة الموجودة ببولونياBolyuna من مجموعة مارتشبلى‏Marcelli و التى وصفها لنا روزن‏V .R .Ruscn ، و يرجع تاريخها إلى عام 977 ه- 1570 220. و وجود عدد من مخطوطات هذا الأطلس ضمن مجموعات المخطوطات الكبرى مثل باريس‏ 221 و بصورة خاصة درسدن التى ترتفع نسختها إلى عام 961 ه- 1554، أى و المؤلف على قيد الحياة 222، قد عاون كثيرا على دراسة عدد من فصول الكتاب المختلفة المتصلة بمسائل معينة، فمثلا تم نشر و ترجمة الأوصاف و الخارطات، إما قسما منها أو بتمامها، الخاصة بأثينا و لسبوس و ديلوس و ملطية و لمنوس و بيروت و قبرص و استنبول و صقلية و ألبانيا و البندقية 223 هذا إلى جانب رودس كما ورد فى أعلاه. و قد تم فى وقت لآخر فحص أقسام أخرى من الأطلس مع تحقيق فريد يستند على التجربة الواقعية، فباوشيه مثلا قد قام مستعينا بخارطاته برحلة بحرية صغيرة على ساحل فرنسا الجنوبى، و من الطبيعى أنه كشف أثناء ذلك عن بعض الأخطاء فى الأطلس‏ 224. و كان ما أحاط بتركيب المصنف من تعقيد* * * أن لم يجرؤ أحد على إخراج طبعة كاملة له أو ترجمته إلى لغة أجنبية إلا فى السنوات العشرينات من هذا القرن.

و قد تم ذلك على يد بول كاله‏Paul Kahle الذى اعتمد على مخطوطة بولونيا فنشر المتن فى عام 1926 مع ترجمة ألمانية مزودة بالتعليقات و ذلك لتمان و عشرين فصلا منه، أى ما يعادل ربع الكتاب بالتقريب؛ و مما يؤسف له حقا أن الطبع وقف عند هذا.

و إذا كان كتاب «بحرية» قد عرف بهذه الطريقة مدة تقرب من القرن و نصف القرن للدوائر العلمية الأوروبية فإن الأثر الثانى لپيرى ريس لم يتم الكشف عنه إلا منذ عهد قريب و أثار ما يستحقه من تجديد الاهتمام بالمؤلف فظهر فى هذا الصدد عدد من الأبحاث لا باللغات الأوروبية وحدها بل و باللغتين التركية و العربية أيضا 225. و توجد فى كتاب «بحرية» إشارة لپيرى ريس نفسه يفهم منها أنه قد أكمل رسم‏

595

خارطة كبيرة للعالم بغليبولى فى عام 1513 و رفعها بعد أربعة أعوام من هذا إلى أعتاب السلطان سليم فى عام 1517 و ذلك أثناء وجوده بمصر. هذه الإشارة قد قفزت إلى الأذهان فى عام 1929 عند ما كشف عالم الآثر التركى المشهور خليل أدهم و البروفسور ديسمان‏Deissmann بمكتبة السراى باستنبول عن نصف ممزق لخارطة للعالم رسمت بدقة و زوقت بالألوان على رق(Pergame) ؛ و هى تمثل القسم الغربى من العالم شاملة للمحيط الأطلنطى و أميريكا و القسم الغربى من العالم القديم و مبينة عليها سواحل أوروبا الغربية و أميركا؛ أما التفاصيل الجغرافية فمكتوبة فيها بالتركية و لكن نطق الأسماء يرد على الطريقة الإيطالية و ربما يمكن تفسير هذا بأنه استقى مادته الأساسية من مصادر إيطالية، مكتوبة أو شفوية 226. و قد تتحول البيانات الجغرافية أحيانا إلى قوائم مفصلة فى أجزاء مختلفة من الخارطة مكنت البحاثة بالتدريج من إثبات تاريخها بالكثير من اليقين، و يرجع الفضل الأكبر فى هذا المجال إلى الخبير الكبير بالكارتوغرافيا التركية پول كاله الذى عرف فى عدد من المقالات بهذا الكشف و قدم دراسة جامعة له فى عام 1933؛ و قد ترجع صدى هذا الكشف بين عدد من الدوائر العلمية فى جميع أنحاء العالم و من بينها الجمعية الجغرافية السوفيتية 227. و لم تلبث الخارطة أن أصبحت فى متناول أيدى الجميع عند ما تم نشرها فى صورة فوتوغرافية ملونة أنيقة بواسطة الجمعية التاريخية التركية (1935).

هذا و قد تمكن پول كاله فى أبحاثه الدقيقة من أن يدلل بسرعة فائقة، آخذا فى حسابه إشارة پيرى ريس التى ترتفع إلى عام 919 ه- 1513، على أن هذا النموذج يمثل نفس تلك الخارطة التى رفعها پيرى ريس إلى السلطان سليم عام 1517. و يتضح من الطرف الممزق من الجانب الأيمن أن هذا القسم من الخارطة قد فصل بطريقة آلية وحشية عن القسم الشرقى الذى لم يلبث أن فقد بالتالى. و من العسير بالطبع التخمين عن الدافع الذى جر إلى هذا،* * * و يرى البعض أن السلطان سليم نفسه هو الذى انتزع ذلك القسم من الخارطة الذى يضم الصين ليتمكن من استعماله بسهولة. إذ من المعلوم أن السلطان سليم كان يولى اهتماما خاصا لتلك البلاد يتفق مع أطماعه السياسية فيما يتعلق بالجزء الشرقى من آسيا؛ و لنعيد إلى الأذهان مرة أخرى أن البعض قد ربط بين هذا و بين رحلة على أكبر كما بينا فى حينه‏ 228. و مهما يكن من شى‏ء فإن هذا الاكتشاف قد لعب دورا هاما للغاية فى إلقاء ضوء على شخصية پيرى ريس و على جميع الوضع الثقافى لذلك العصر. و تحليل العلماء للمصادر التى اعتمد عليها فى رسم خارطته قد أسبغ على هذه المسألة أهمية عالمية، فپيرى ريس يذكر فى إحدى قوائم خارطته أنه قد أفاد من أربع عشر خارطة من بينها ثمانية بطلميوسية «يسميها العرب «جغرافيا» و واحدة عربية تبين الهند و أربع برتغالية تبين السند و الهند و الصين و واحدة كولومبسية» 229. و الملاحظة الأخيرة تكفى فى حد ذاتها لإثارة قدر كبير من الاهتمام، بيد أن وجود عامل آخر قد رفع من قيمتها إلى حد يفوق العادة؛ فقد وضح بالتالى أن پيرى ريس اعتمد على أقدم خارطة لأميريكا كان قد عملها كولومبس نفسه أو أشار بعملها ليبين مسير الاستكشافات فى تلك النواحى‏

596

و أرسل بها فى عام 498 من جزيرة هايتى إلى أسبانيا. و توجد تفاصيل محددة عن هذه الخارطة فى الأدب الأوروبى القديم، إلا أن نسختها نفسها قد اختفت تماما و لا يوجد أثر لها إلا فى عمل الكارتوغرافى التركى الذى وقع أصل خارطة كولومبس فى يده عند نهب سفينة مسيحية بالبحر الأبيض المتوسط عام 1501، فاستغل الخارطة فى رسم خارطته عام 1513 230؛ و لا شك أن هذا الظرف يكفى فى حد ذاته ليضمن لاسم پيرى ريس مكانة مرموقة فى تاريخ الكارتوغرافيا العالمية. و يبدو أن پيرى ريس قد ظل مهتما «بالدنيا الجديدة» إلى ما بعد هذا التاريخ، بل و يوجد أساس للافتراض بأنه ترجع إليه خارطة أخرى رفعها إلى سليمان القانونى فى عام 935 ه- 1529، أى بعد ثلاثة أعوام من إتمامه لمصنف «بحرية»، و مبينة عليها الاستكشافات البرتغالية الجديدة فى أميريكا الجنوبية و الوسطى و فى نيوفوندلاند؛ و هى أيضا بدورها محفوظة بالسراى و فى شكل ممزق أيضا للأسف‏ 231.

و هكذا فالجغرافيا الملاحية عند الأتراك فى القرن السادس عشر قد ساقتنا فى آخر الأمر لا خارج حدود الشرق وحده بل و حدود أوروبا أيضا، و لا شك أن ارتباطها بالمذهب العربى قد ضعف بالتدريج و لكنه لم ينفصم كلية كما يمكن أن نتبين من مصادر الخارطة العالمية لپيرى ريس. غير أن ذلك الارتباط يختلف اختلافا تاما عن ارتباط الآثار العربية للقرن الخامس عشر بذلك المذهب، فابن ماجد كما رأينا قد اعتمد اعتمادا كاملا على المذهب العربى و ترسم خطاه فى هذا كل من سليمان المهرى و الملاح التركى سيدى على چلبى رغم معرفتهما بالبرتغاليين و احتمال استفادتهما من التجربة العملية لهؤلاء الأخيرين.

أما بالنسبة لپيرى ريس فإن المذهب العربى لا يمثل سوى عنصر من العناصر العديدة فى مؤلفاته، بل و عنصر من الدرجة الثانية إلى جانب ذلك؛* * * و لعل مرجع هذا إلى حد كبير هو المناطق التى وجه إليها پيرى ريس اهتمامه الرئيسى. و قد أفاد پيرى ريس بمهارة من المراجع الأوروبية التى ارتفعت قيمتها فى ذلك العصر بالذات، و بذل جهده فى أن يتمثلها بشكل عام حتى غدت جزءا من تجربته الشخصية. و رغما من الاختلاف الضخم بينهما من حيث المنهج و المادة فإن ابن ماجد و پيرى ريس يتبوءان عن جدارة مركز الصدارة فى الأدب الجغرافى الملاحى لدى العرب و الترك فى عصرهما بصورة تجعلنا نقول إن ما بلغه هذا الأدب من عظمة و مجد إنما يرجع إليهما شخصيا.

و من الطبيعى أن نتتبع فى هذا الفصل تطور الأدب الجغرافى الملاحى لدى العرب بتفصيل أكثر بحيث يمكن القول بأنه قد تم توضيح خطوطه الجوهرية بصورة متكاملة؛ و هو يحتل المكانة الأولى فى الأدب الجغرافى العربى للقرنين الخامس عشر و السادس عشر و يمثل آخر تيار أصيل فى هذا الميدان إلى القرن العشرين. و مما لا شك فيه أنه بالنسبة للأدب التركى فى ذلك العصر أيضا فإن الجغرافيا الملاحية تمثل صفحة من أنصع صفحاته؛ و هى بالطبع لا يمكن فصلها عن التطور العام للأدب الجغرافى التركى. ذلك الأدب الذى بدأ ينتعش قبل قليل من هذا فى القرن الخامس عشر و الذى يقدم لنا فى القرن السابع عشر شخصيات‏

597

كبرى فى ميدان الجغرافيا. و فى تتبعنا لهدفنا العام الذى جعلناه نصب أعيننا فى هذا الكتاب فإنه ليس بوسعنا أن نغض النظر عن هذا الأدب فى خطوطه العامة، إذ من الضرورى بالنسبة لنا أن نبين أى الجوانب من المذهب التقليدى العربى تركت عليه أكبر الأثر، و كيف تم تعديل و تحوير هذه الجوانب، و فى أى مجال بالذات انتعشت و ازدهرت الأصالة المستقلة للأتراك أنفسهم، و أى الأنماط بالذات نال الرواج لديهم فى الغالب. و سنبصر بالتدريج كيف أخذ هذا الأدب يتجه أكثر فأكثر نحو المنهج و المراجع.

الأوروبية و كيف تم الانفصال نهائيا بينه و بين المنهج العربى بحيث لم يعد يلعب أى دور بالنسبة لعرضنا هذا باستثناء آثار منفصلة منه. و عند ما نبلغ تلك النقطة فسنجد أنفسنا مضطرين إلى تركه نهائيا، و لكن قبل هذا يجدر بنا أن نكرس الفصل التالى بأجمعه للكلام على الأدب الجغرافى لدى الأتراك العثمانيين مبينين العلاقة الحيوية التى ربطت بين الأدبين الجغرافى التركى و الجغرافى العربى فى تلك العهود.

598

حواشى الفصل العشرين‏

____________

(1)Hennig ,IV ,p .14

(2)-Reinaud ,Introduction ,p .CLXVII

(3)-Ferrand ,Introduction ,p .532

(4) شرحه، ص 236 (مع الإحالة إلى المقالة عن الخارطة)

(5)-Reinaud ,Introduction ,p .CDXXXIX -CDXLIV

(6) قارن:

- Juynboli, Arabisch in Nederiand- Kramers, EI, EB, p. 27

(7)-Kramers ,EI ,EB ,p .17

(8)

- Ferrand, EI, IV, p. 493- Sarton, II, p. 122- Ferrand, Introduction, p. 322, 522- 722

(9) المقدسى،BOA ,III 2 ، ص 10- 11

(10) قارن خارطات الخوارزمى‏

(11) قارن صورة الأرض على شكل طائر

(12) المقدسى،BOA ,III ، 1900 ص 10- 11. الترجمة لدى:Ranking and Azoo p .41 التعليقات لدى:Ferrand ,Introduction ,p .432 -532

(13) المسعودى مروح الذهب الجزء الأول، 281- 283

(14) شرحه.

(15)

- Ferrand, L`Element persan, p. 052- 752: Le port de Siraf

(16) شرحه، ص 207 وFerrand ,Introduction ,p .522

(17)-Ferrand ,Iranics ,p .421

(18)

- Feraand, L`El? ement persan, Texi?, p 691, 802 Ferrand, Introduction p 322

(19)-Ferrand ,Iranica ,p .421

(20)-Ferrand ,L`El ?ement persan ,p .312 -412 ,752

(21)

T`A, II, p. 15, sul- Hess, p. 13- Ferrand, L`El? ement person, p. 212

(22)

- Ferrand, L`El? ement person, p. 902 512, 432- Perrand, Iranica, p. 321- 421

(23)-Ferrand ,Introduction ,p .732

(24)-Ferrand ,Iranica ,p .521 -621

599

____________

(25)

- Ferrand, L`Element persan, p. 832- 932- T`A, II, p. 182, 7 infra- Hess, p. 03- 13

(26)-T`A ,II ,p .15 ,31 -Hess ,p .03 -13

(27) (المقدسى و الجواليقى)

- Ferrand, Introduction, p. 532- Ferrand, Sayabidja, p. 512

(28)-Ferrand ,L`El ?ement person ,p .122 -222

(29) شرحه، ص 218

(30)-Ferrand ,Introduction ,p .952

(31)-Ferrand ,L`Element persan ,p .532

(32) شرحه، ص 247

(33)

- Ferrand, Introduction, p. 381, 191- Ferrand, Annales, p. 982, note, 1

(34)-Ferrand ,Introduction ,p .381 -481

(35) شرحه، ص 192

(36) شرحه، ص 194

(37)

- Ferrand, Annai? es, p. 292, note 2- Ferrand, Introduction, p. 281

(38)-Ferrand ,Introduction ,p .971 ,281

(39)-Ferrand ,Annai ?es ,p .292 ,note 2

(40)-Ferrand ,Introduction ,p .281

(41)-Ferrand ,Annal ?es ,p .292

(42)-Ferrand ,Introuction ,p .691

(43)

- Ferrand, Annel? es, p. 292- Ferrand, Review in: JA, CCIV, p. 411- Ferrand, Introduction

(44)-Ferrand ,Introduction ,p .481

(45) بحسب كتاب:

فإن المقصود فى أغلب الظن رأس الرجاء الصالح‏Ferrand ,Introduction ,781 ,note 4 ,

(46)Ferrand ,Introduction ,p .681 ,note 2 : القلعة بالسنسكريتية

(47)

- Ferrand, Introduction, text, transi. and commentary, p. 581- 091

(48) شرحه ص 190، حاشية 2-Stu ?be ,p .643

(49)-Ferrand ,Introduction ,p .881 -981 ,note 3

(50) كان أول من أثبت أن أحمد بن ماجد هو المرشد الذى تتكلم عنه المصادر البرتغالية هو أحمد زكى باشا، و ذلك فى عام 1917، قارن:Ferrand ,Le Kouen -Louen ,p .294 ,note

(51)-Ferrand ,Introduction ,p .691 -891

600

____________

(52)

- Oaudefroy- Demombyces, Muhit, p. 745- 055- ct. Ferrand, Relations, II, p. 584, note 2- Ferrand, Introduction, p. 552, note 1

(53) عن سليمان الحرائرى، راجع: طرازى، صفحة 119:

Cheikho, La LItIe? rature, 21, p. 301- 401

(54)-Ferrand ,Introduction ,p .091 ,642

(55) شرحه، ص 254 (نسخة 1- عسكرى عام 1732)

(56)

- Oaudefroy- Demombynes, Muhit, p. 945- Ferrand, Introduction, p. 742

(57)-Brockelmann ,OAL ,SB ,II ,p .971

(58) سعيد الكرمى، ص 33- 35-Ferrand ,Introduction ,p .991 -002

(59)-Ferrand ,EI ,IV ,p .693 ,note 2

(60) د. چلبى، مخطوطات، ص 280- 282، رقم 67- د. چلبى، لغة العرب، المجلد التاسع، 1931، ص 401- 412-Brockeimann ,OAL ,SB II ,p .132 No No 7 -8

(61)

Ferrand, Madagaskar, p. 86- 08- Ferrand, Sayabidja, p. 412- 512- Ferrand, Soisia, p. 705- 015- Ferrand, Zabag, p. 9721- 1821

(62)-Ferrand ,Introduction ,

(63)-Saussure ,Commentaire

(64)

- Ferrand, Introduction, p. 822- Ferrand, L`El? e? ment person, p. 491

(65)-Ferrand ,Introduction ,p .022

(66) شرحه، ص 221- 222

(67)-Ferrand ,L`Eiement persan ,p .791 -902

(68)-Ferrand ,Introduction ,p .722 -822

(69)-Ferrand ,L`Eiement persan ,p .702

(70) شرحه، ص 205

(71)Ferrand ,Annales ,p .992 -003

(72)

- Ferrand, L`Eiement persan, p. 502- Ferrand, Annales, p. 992

(73)-Ferrand ,Annales ,p .992

(74)-Ferrand ,Introduction ,p .022 -122

(75) قدرى حافظ طوقان، ابن ماجد، ص 633- 636* * *Ferrand ,Introduction ,p .422

(76)-Ferrand ,Introduction ,p .991 ,642

(77) شرحه، ص 199- 200

(78)

- I, LIu. Krachkovski, Nad arbskimi rukopisiami, Izbrannye Sochinenia, I, p. 47- 87, I- Shumovski, trl neizvesinye lotsii Akhmada ibn Madjidaj

601

____________

(79)

- Ferrand, Introduction, p. 102- 202- Taeschner, review of: G. Ferrand, Introduction, Dl, XIX, 0391, p. 53- 83- Ferrand, L`Eiement person, p. 591, 791, 802- 902

(80) قارن:Ferrand ,L`Eiment person ,p .122 -222

(81)-Gobbe ?e ,p .441 ,051

(82) راجع:Ferrand ,L`Eiment persan ,p .812

(83)-Saussure ,p .921 -251 -Ferrand ,Annales ,p 303

(84)-Gobbe ?e ,p .541

(85)-Saussure ,p .251 -351

(86) شرحه، ص 159- 160، حاشية 1 (مع المراجع)

(87)-Ferrand ,Ge ?ographes arabes p .231

(88)

- Ferrand, Annales, p. 492- Ferrand, Introduction, p. 202

(89) المحتويات لدى:Ferrand ,Introdution ,p .802 -812

(90)

- Ferrand, Annales, p. 492- 592- Ferrand, Introdution, p. 302- 602

(91)

- Ferrand, Annales, p. 592- Ferrand, Introdution, p. 602- 702

(92)-Saussure ,p .171

(93) راجع:p .957 مع الصورةKrachkovski ,Arabskie Geograty ,p .067 ,

(94)

- Ferrand, L`Eiement persan, p. 391- Ferrand, Introduction, p. 912

(95)-Ferrand ,Introduction ,p .212 (No VI)

(96) شرحه، ص 223- 227

(97) راجع: شرحه، ص 224- 225

(98)Ferrand ,L`El ?ement persan ,p .791

(99)-Ferrand ,Introduction ,p .322 ,522 -722

(100) شرحه، ص 223- 226Ferrand ,L`Element persan ,p .691 ,802

(101)-Ferrand ,Introduction ,p .032 -232

(102) شرحه، ص 232

(103) شرحه، ص 230، 232، 233

(104) شرحه، ص 229- 230

(105) شرحه، ص 219- 220

(106) شرحه، ص 180- 181

(107) شرحه، ص 181- 182

602

____________

(108) راجع على وجه العموم: شرحه، ص 177- 183

(109)-Prinsep ,p .01 -Ferrand ,Introduction ,p .722

(110)-Ferrand ,Introduction ,p .342

(111) شرحه، ص 237.

(112) شرحه‏

(113) شرحه، ص 239- 243

(114) شرحه، ص 243

(115) شرحه، ص 243- 244.

(116) شرحه، ص 237- 238.

(117) شرحه، ص 238- 239، 244. 246

(118) شرحه، ص 239.

(119)-Ferrand ,Annales ,p .213

(120)

- Ferrand, L`Ei? ement person, p. 512- 612- Ferrand, Introduction, p. 93, note 2

(121)-De Sl ?ane ,Catalogue ,3881 -5981 ,p .104

(122)

- Ferrand, Introduction, p. 042- 742- Ferrand, Annales, p. 492

(123)-Ferrand ,Introduction ,p .742

(124)-Ferrand ,Annales ,p .213

(125)-Su ?sshelm ,Ali (Sidi Ali) ,p .103

(126)-Taeschner ,OLO ,p .04 ,note 2

(127)

- Ferrand Introduction, p. 42 B- 052 Tomaschek, SBAW, VIII, p. 3

(128)

- Tomaschek, Mohit, p 2- 3 Ferrand, Introduction, p. 152- Bonei? i? i?, p. 157

(129)-Bittner ,W I KM ,X ,p .12

(130)-Bonei ?i ?i ?,p .257

(131) شرحه‏Ferrand ,Introduction ,p .152

(132)-Hammer ,Oeschichte

(133) تعدادها لدى:Ferrand ,Introduction ,p .152 -452

(134)-Su ?ssheim Ali (Sidi Ali) ,p .103

(135)

- Tomaschek, Topographie, p. 7- 8- Ferrand, Introduction, p. 152- 452

(136)

- Tomaschek, Topographie, p. 5- Billner, Mohit, p. 35- Ferrand

شرحه، ص 197- 252.

603

____________

(137)-Bonelii ,p .357 -777 -Bittner ,Mohit ,p .57 -67

(138)-Conti Rossini ,p .744

(139)-Bittner ,Mohit ,p .57 -67

(140)-Tomaschek ,Topographie ,p .6

(141) شرحه، ص 8

(142)-Conti Rossini ,p .054

(143)-Tomaschek ,Topographie ,p .13

(144) شرحه‏

(145)

- Ferrand, Relations, II, p. 584, note 2- Ferrand, Introduction, p. 611. note 2, 891, 842

(146)-Ferrand ,Introduction ,p .552

(147)-Tomaschek ,Topographie ,p .6 -7

(148)-Kahle ,Nautische Instrumente ,p .671

(149) شرحه، ص 182

(150) شرحه، ص 183

(151)-Tomaschek ,Topographie ,p .7

(152) 207- 209.

- Schefer, Chrestomathie persane, II, p. 222 and Text, p.

(153) شرحه، ص 223 و ص 209- 212

(154)-Tomaschek (شرحه‏

- Ferrand, Introduction, p. 942- 052(- Schefer, Topographie, p. 7 sui

(155)

- Barbier de Meynard, review: JA, 9 Se? rie, VII, p. 763- 863

ملاحظات عامة فقط

(156)-Ferrand ,Introduction ,p .052

(157) قارن:-Taeschner ,GLO ,p .34 ;cf .Kramers ,EI ,EB ,p .37

(158)-Fedchenko ,Ocherk geografi ?i

(159)-Minav ,p .08 -18

(160)Vambery ,: نقلا من‏

- Honigmann, Die Sieben Klimata, p. 801, Travels of Sidi Ali Reis, p. 25

(161)-Tomaschek ,Topographie ,p .72

(162)-Mieli ,p 182

604

____________

(163)-Yver ,Khair al -Din ,p .439 -639

(164)

- Babinger, Piri Reis, p. 6511- Kahie, Piri Resi, Bahriye, II, Einleitung, p. XVI

(165)-Burski ,p .38 ;cf .p .9 ,note 2 and p 57

(166) شرحه، ص 76 و ما يليها

(167) شرحه، ص 15، 20-Babinger ,Pirl Reis ,p .5511

(168)-Burski ,p .12 -32

(169)Kahle ,Pirl Reis ,Bahriye ,II ,Einteitung ,p .VI

(170)Burski ,p .93 -04 ,note 1

(171) شرحه، ص 77- 79

(172) شرحه، ص 80.

(173)-Babinger ,GOW ,p .94 ,No ,92

(174)-Burski ,p .28 ,note 2

(175) شرحه، ص 28- 32

(176)-Babinger ,Piri Reis ,p .6511

(177)-cf :Krachkovski ,Kolumbovskia karia ,p .481 -681

(178)-Babinger ,Piri Reis ,p .0511 ?

(179)

Kahie, Piri Reis, Hahrlye, II, Einleitung, p. XVI XVII

(180) شرحه،P ,VI

(181) شرحه،P .XIII

(182)

- Babinger, piri Reis, p. 6511- Menzei?, OLZ, 4. 8291, revl? ew, p. 682 Herzo? g, cf: Kahie, Piri Reis, Bahriye, II, Einleitung, p. V- VI

(183),p .VI شرحه-Herzog ,cf :Kahie ,

(184)-Kahie ,Piri Reis ,Bahriye ,II ,Einleitung ,p .VI

(185)-Kahie ,piri Reis ,p .16 .36

(186) شرحه، ص 63

(187) شرحه، ص 62ct :review :Taeschner ,DI ,XVII ,p .511

(188)-Review :Taeschner ,DI ,XVII ,p .411 -511

(189)-Kahie ,Pirl Reis ,p .36

(190)-Bra ?unlich ,Islamica ,p .692

(191)

- Kahie, piri Reis, Bahriye, II, Einleitung, p. XXXIII

605

____________

(192)-Kahie ,Pirs Reis ,p .06 -16

(193)-Bra ?unlich ,Islamica ,p .792

(194)-Kahie ,piri Reis ,p .16

(195) شرحه، ص 64

(196)-Bra ?unlich ,Islamica ,p .992

(197) ألفاظ هرتسغ-Kahie ,Piri Reis ,Bahriye ,II ,Einleitung ,p .V ,

(198)-Taeschner ,GLO ,p .24

(199)-Kahie ,Piri Reis ,Bahriye ,II ,Einleitung ,p .VIII

(200) شرحه،p .VIII

(201)-Kahie ,Piri Reis ,p .66

(202)-Kahie ,piri Reis ,Bahriye ,II ,Einleitung ,p .IX

(203) شرحه‏p ,X

(204)-Kahle ,Piri Reis ,p .86 ,17

(205) شرحه، ص 76

(206) شرحه، ص 68- 69، 72- 73، 75

(207) شرحه، ص 65

(208)-Kahie ,piri Reis ,Bahriye ,II ,Einleitung ,p .X

(209)-Blochet ,L`Etude ,p .52

(210)

- Kahie, piri Reis, Bahriye, II, Einleitung, p. VII XII- Kahie, Piri Reis, p. 56

(211)-Kahie ,Columbus -Karte ,p .31

(212)-Kahie ,piri Reis ,Bahriye ,II Einleitung ,p .X

(213) شرحه،p .XII

(214)-Bra ?unlich ,Islamica ,p .792

(215)-Taescher ,DI ,XVII ,p .611 ,note 2

(216)

- Kahie, piri Reis, Bahriye, II, Einleitunge, p. XIV- XV

(217)

- Diez, Denkwu? rdigkeiten, I, p. 33- 17- Kahie, Piri Reis, Bahriye, II, Einleitung, p. XXX- XXXIII

(218)-Diez ,Denkwu ?rdigkeiten ,I ,p .66 -86

(219)

- Kahie, piri Reis, Bahriye, II, Einleitung, p. XXX- XXXIII

(220) شرحه،p .XXIV -XXVII

606

____________

(221) لوصف مخطوطة باريس لپيرى ريس راجع:Blochet ,L`Etude p .12 -62

(222)

- Kahie, piri Reis, Bahriye, II, Einleitung, p. XXII- XXIV

(223)

- Krachkovski, Koiumbovskia Karta, p. 581 Babinger, Piri Reis, p. 6511

(224)-Blochei ,L`Etude ,p .52 -62 ,note 2

(225)

- Babingker, piri Reis, p. 7511- Krachkovski, Kolumbovskia Karta, p. 481

(226)

- Babinger, Piri Reis, p. 6511 7511- Brockelmann, GIV, p. 282 Br? unl? ich, I wel? tu? rkische Wei? t? karnte, p. 42

(227)-Krachlovski ,Kolumbovskia Karta

(228)-Jacob ,In :Kahie ,Columbus -Karte ,p .5

(229)-Br ?un ??ch ,Zwel tu ?rkische Weliknrten ,p .91

(230)Krachkovski ,Kolumbovskia Karta ,p .681

(231)-Bra ?un ??ch ,Zwel ?tu ?rkische Wei ??karten ,p .42

607

الفصل الحادى و العشرون الأدب الجغرافى التركى من القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر

تحت يدنا بحث قيم جدير بالثقة يمكّننا من تتبع سير تطور الأدب الجغرافى لدى الأتراك العثمانيين بصورة يصعب توفرها لا بالنسبة للأدب الفارسى وحده بل و حتى بالنسبة لجوانب معينة من الأدب العربى نفسه. ففى عام 1922 وقع اختيار الأستاذ فرانتس تيشنرF .Taeschner على هذا الموضوع ليحاضر فيه تلامذته، ثم لم يلبث أن أجرى فيه قلمه بالتعديل و أضافت إليه زيادات هامة و نشره على هيئة مقال كبير يقع فى خمسين صفحة 1. و قد كان هدفه الأساسى بالطبع هو أن يبين الخطوط العامة لتطور الأدب الجغرافى عند الأتراك و لكنه جهد فى ذات الوقت ليستوعب ما استطاع أسماء أهم المؤلفين و أهم الآثار و أن يجمع ثبتا بأسماء المراجع الهامة فى هذا الصدد. و مجهوده من هذه الناحية بل و من نواح أخرى يفوق بمدى كبير المحاولة القديمة المماثلة التى قام بها فستنفلد فيما يتعلق بالأدب الجغرافى العربى، و يقدم لأول مرة عرضا متتابعا يمكن الاطمئنان إليه و يغنى الباحث عن فحص كل مسألة على حدة. و قد اعتمد كرامرس اعتمادا كبيرا على بحثه هذا حين معالجته الكلام على الجغرافيا لدى العثمانيين فى مقاله الذى ظهر «بدائرة المعارف الإسلامية»، ذلك المقال الذى لا يخلو من أهمية كبرى بوصفه عرضا عاما لتطور الأدب الجغرافى فى الشرق الأدنى بأجمعه.

و قد تجمعت بالطبع خلال العشرين عاما الأخيرة مادة جديدة و ظهرت طبعات و دراسات جديدة حتى أصبح الأمر يستدعى قدرا ليس بالقليل من الزيادات إلى مقال تشنر المذكور؛ و فى هذا الصدد لا يخلو من فائدة عامة بالنسبة لتاريخ الأدب الجغرافى العثمانى كتاب بنجرBabinger الضخم عن مؤرخى آل عثمان‏Die Ges chichtsschreiber der Osmanen ، فقد كان من الطبيعى أن يعالج فيه المؤلف الكلام عن آثار جغرافية فى جوهرها 2. و فى معرض الدراسات المستقلة المكرسة لمعالجة موضوعات خاصة يلفت النظر بشكل خاص عدد من المقالات لتشنر نفسه الذى ظل يعمل بجد و إخلاص فى هذا الميدان لإلقاء الضوء على مسائل جغرافية معينة فى هذا المجال. و الأدب الجغرافى التركى كما بينه تشنر فى خطوطه العامة لن يحتل بالطبع مركز الصدارة فى بحثنا هذا إذ أن ما يهمنا فى هذا الصدد هو توضيح علاقته بالأدب الجغرافى العربى و تبيان الأنماط التى حظيت فيه بازدهار خاص. و تشنر قد مس هذه المسائل بالطبع و نحن أيضا قد فصلنا القول فيها أحيانا بصورة وافية* * *، كما أننا سنعرض فيما يلى من هذا الفصل بالإيجاز لأهم نقاط ذلك الأدب.

لقد أسبق و أن عالجنا الكلام فى الفصل السابق لهذا على ما حظيت به الجغرافيا الملاحية من ازدهار

608

بين الأتراك العثمانيين فى النصف الثانى من القرن السادس عشر، و لكن من الملاحظ انبعاث ضرب من الحيوية و الانتعاش فى ميدان الأدب الجغرافى بوجه عام حتى قبل تلك الفترة؛ و يمكن ربط هذا بحركة تاريخية فريدة هى «إحياء العلوم الكلاسيكية»(Revival of classical learning) . و إذا كانت الثقافة اليونانية قد لعبت ذلك الدور بالنسبة لأوروبا اللاتينية فإن هذا الدور نفسه قد لعبته الثقافة العربية بالنسبة للأتراك، حيث برزت هذه النهضة لديهم قبل كل شى‏ء فى الاهتمام الخاص بالآثار الجغرافية و ترجمتها إلى التركية بصورة منتظمة.

و لقد تجدد الاهتمام بالمصادر الجغرافية العربية لدى الأتراك العثمانيين منذ النصف الثانى للقرن الخامس عشر و ذلك فى عهد السلطان محمد الفاتح (855 ه- 886 ه- 1451- 1481)؛ فترجمت جغرافيا بطلميوس فى ذلك العهد مرتين. و أغلب الظن أن اللغة التركية لم تكن قد اكتسبت مرونة كافية بعد لذا فقد نقل الكتاب إلى اللغة العربية وفقا للمذهب القديم الذى كان سائدا فى القرنين الثامن و التاسع.

و يمكن تكوين فكرة جيدة عن إحدى هاتين الترجمتين من الطبعة المصورة(Incsimile) التى نشرها البحاثة المصرى الأمير يوسف كمال (1929) المشهور بخبرته فى ميدان الجغرافيا التاريخية 3. و قد حظيت بنفس هذا القدر من الاهتمام أيضا «المدرسة الكلاسيكية» للجغرافيين العرب للقرن العاشر، ففى عهد محمد الثالث فى نهاية القرن السادس عشر ترجم شريف أفندى إلى اللغة التركية كتاب الإصطخرى المعروف‏ 4؛ و فى نفس الوقت تقريبا فإن المؤرخ على چلبى الذى سيمر بنا الكلام عليه فى هذا الفصل قد ضم إلى كتابه «كنه الأخبار» ترجمة تركية مختصرة و مصلحة للنسخة الفارسية لكتاب الاصطخرى «صور الأقاليم» 5.

أما فى محيط الجغرافيا الرياضية الفلكية فإن هذه النهضة ترتبط ارتباطا قويا بنشاط عالم من علماء النصف الثانى للقرن الخامس عشر أيضا و هو على القوشجى (توفى فى عام 879 ه- 1474) الذى عرفناه كواحد من معاونى أولوغ بيك فى مرصده بسمرقند و الذى التجأ إلى أراضى الدولة العثمانية عقب مصرع ولى نعمته؛ و قد تمتعت رسالته فى الجغرافيا الرياضية و الفلكية برواج كبير هناك من بين جميع المصنفات التى على شاكلتها و نقلت إلى التركية أكثر من مرة؛ و إحدى ترجماتها كما رأينا ندين بها لسيدى على ريس المعروف بينما قام بالترجمة الثانية بعد ذلك بثلاثين عاما ملا برويز (المتوفى عام 987 ه- 1579) 6. من هذا يتبين لنا أن انبعاث الاهتمام بالجغرافيا لم يقف عند حد الجغرافيا الكلاسيكية وحدها بل تجاوزه إلى الاهتمام بالجغرافيا المعاصرة فى مختلف أنماطها. و فى عهد السلطان مراد الثالث فى نحو عام 960 ه- 1582 تمت كما سبق أن* * * ذكرنا ترجمة الوصف الفارسى للصين الذى دونه على أكبر 7، كما ترجم فى القرن الخامس عشر إلى اللغة التركية الوصف الجغرافى لمصر ذو الطابع التخصصى و هو من عمل ابن الحيعان و ذلك اعتمادا على المسودة التى ترجع إلى عام 777 ه- 1375؛ و قد حدث أن بينا فى حينه أن هذا الكتاب لا يتمتع فى الواقع بأهمية كبرى و أغلب الظن أن هذه الترجمة التركية التى توجد فى مخطوطة بقينا بعنوان «ذكر

609

أقاليم ديار مصرية» كان مبعثها هو اهتمام العثمانيين بمصر فى القرنيين الخامس عشر و السادس عشر.

و من بين جميع فروع الأدب الجغرافى التى ازدهرت فى الفترة التالية للعصر الكلاسيكى أحس الترك كما أحس العرب من قبلهم بميل خاص نحو الكوزموغرافيا، و هى تلك الأوصاف العامة لجميع العالم التى أفرد فيها مكان معين للجغرافيا إلى جانب الفلك و الانثروبولوجيا و الحيوان و النبات و المعادن و جميع ضروب الأساطير 8. و قد حظى القزوينى بمكانة خاصة فى هذا المجال و ترجم مصنفه «عجائب المخلوقات» عدة مرات إلى التركية 9 و لخصه المؤلف التركى أحمد بيجان منذ عام 857 ه- 1453 و سنلتقى بهذا الأخير كمؤلف مستقل فى خلال هذا الفصل؛ أما الترجمات الكاملة للكتاب فترجع إلى القرن السادس عشر 10.

و قد أثار أهمية أكثر من ذلك كتاب «خريدة العجائب» لابن الوردى فترجم إلى التركية لا أقل من خمس مرات ترجع أولاها إلى القرن الخامس عشر و تمت قبل استيلاء العثمانيين على القسطنطينية 11، أما الترجمات الأخرى فيرجع معظمها إلى القرن السادس عشر و تحمل إحداها تاريخ 963 ه- 1556 12.

و محمود عاشق الذى سيرد الكلام عليه بعد قليل، و هو أول مؤلف لأثر جامع فى الجغرافيا باللغة التركية، قد ضمن مصنفه ترجمة ملخصة لمؤلف ابن الوردى فى الكوزموغرافيا و ذلك حوالى عام 1006 ه- 1598 13. و على غرار نمط الكوزموغرافيا تمتع بنفس هذه الدرجة من الرواج بين الأتراك العثمانيين مصنف أبى الفدا فى الجغرافيا، و قد ذكرنا فى حينه أن سباهى‏زاده (المتوفى عام 997 ه- 1588) قد أعاد صياغته بالعربية على هيئة معجم و زاد عليه إلى العصر الذى عاش فيه، ثم لم يلبث أن عمل له ترجمة موجزة باللغة التركية 14. أما مصنف أبى الفدا فى التاريخ فقد نقل إلى التركية منذ القرن الخامس عشر 15 كما أن الترجمات التركية العديدة لتاريخ الطبرى، و هى تستند فى معظم الأحوال على ترجمته الفارسية من عمل البلعمى، قد بدأت فى الظهور منذ السنوات العشر الأولى للقرن الخامس‏ 16 عشر.

إن هذه الأسماء العديدة التى مرت سريعا أمام ناظرينا تكفى لإعطاء فكرة عن النشاط الكبير الذى قام به العثمانيون لتمثل التراث العربى فى محيط الأدب الجغرافى القديم و الحديث، و لم يكن ليقدر لهذا النشاط أن يبلغ ذلك المدى لو لا أن وجدت المخطوطات العربية طريقها فجأة فى ذلك العصر* * * إلى الدولة العثمانية خاصة إلى العاصمة استنبول حتى أصبحت مجموعاتها فى المخطوطات تضارع، إن لم تفق، مثيلاتها فى البلدان العربية الأخرى. هذا و قد بدأت تركيا تمارس منذ القرن السادس عشر حقها كبلد فاتح من مختلف المخطوطات بصورة منتظمة من مصر، و بهذا وجدت طريقها إلى استنبول مجموعات كاملة من مختلف «الأوقاف» الحكومية و المخطوطات الشخصية لعدد من أمراء المماليك خاصة أولئك الذين حاق بهم لسبب ما سخط الدولة العثمانية. و قد سار هذا السيل من المخطوطات فى صورة منتظمة و سريعة حتى أنه توجد حالات تم فيها الكشف بعد قرون طويلة عن وجود مجموعات كاملة من المصنفات التى ألفت بمصر و التى افتقدها الباحثون عقب الغزو العثمانى لها، مثال ذلك الموسوعات الكبرى لعهد المماليك التى أبنا عن أهميتها

610

بالنسبة للأدب الجغرافى العربى فيما مر من الكتاب. و يرجع معظم المخطوطات التى وجدت طريقها إلى استنبول إلى عهد المماليك، و من بينها عدد ليس بالقليل من النسخ التى رفعت هدايا إلى السلاطين و الأمراء و كتبت بخط أنيق و زينت برسوم فنية رفيعة، كما يوجد بينها أيضا عدد من المخطوطات الأولى التى كتبت بيد المؤلفين أنفسهم و التى ترجع إلى عهود سابقة. و لم يقتصر وجود المخطوطات على المجموعات العامة الموجودة بالمساجد الكبرى بل وجدت أيضا فى المجموعات الشخصية و بدكاكين الوراقين؛ و نحن نذكر جيدا كيف تحدث الرحالة العربى التمجروتى فى حماس بالغ عما حفل به سوق الوراقين باستنبول من مخطوطات عربية متنوعة. و منذ ذلك التاريخ نافست استنبول بمحتوياتها فى المخطوطات العربية أمهات الحواضر العربية الكبرى كالقاهرة و دمشق بل وفاقتها فى بعض الأحايين، و كما عاون وصول المخطوطات اليونانية إلى إيطاليا على إحياء الثقافة الكلاسيكية القديمة فقد نشأ عن وصول المخطوطات العربية إلى تركيا قيام حركة مشابهة فى الأدب التركى خاصة فى ميدان الجغرافيا؛ و قد ظلت هذه المخطوطات لعهد طويل مجهولة لدى الدوائر العلمية الأوروبية باستثناء القليل منها الذى وصل علمه إليها عن طريق المصادفة البحتة فى الغالب؛ غير أن السنين العشرة الأخيرة قد وكدت احتمال العثور على مخطوطات مختلفة فى شتى فروع العلوم بين مجموعات المخطوطات هناك، و يرجع الفضل الأكبر فى إلقاء الضوء على هذا إلى مجهودات المستشرق الألمانى ريترRitter . و كما وضح فيما بعد فإن عددا كبيرا من هذه المخطوطات يدخل فى محيط الأدب الجغرافى بل إن بعضا منها مما يتعلق بالعصر الكلاسيكى قد دفع إلى التفكير فى إعادة طبع بعض أجزاء «مكتبة الجغرافيين العرب»Bibliotheca Geographorum Arabicorum 17؛ أما فيما يتعلق بالعصور التالية لذلك* * * فقد تم الكشف عن مواد فى غاية من الأهمية فيما يتصل بالإدريسى، كما أن الكوزموغرافيات المختلفة تجد مكانها بصورة حافلة للغاية بين هذه المجموعات من المخطوطات. هذه النهضة الفريدة للأدب العربى التى دعمها ترجمة عدد كبير من آثاره إلى التركية و وصول عدد هائل من المخطوطات إلى أراضى الدولة العثمانية كان من شأنها أن تساهم فى خلق و نمو أدب أصيل باللغة التركية نفسها، بالرغم من أن هذا الأدب لم يقدم لنا فى عهده الأول أية آثار ذات قيمة.

و يعد أول مؤلف لأثر من هذا النوع يازجى أوغلو أحمد بيجان الذى كما أسلفنا القول قد قام فى عام 857 ه- 1453 بعمل مختصر «لعجائب المخلوقات» للقزوينى؛ و مخطوطات هذا المختصر ليست بالنادرة 18 بل إن الكتاب نفسه قد طبع بقازان فى عام 1888، و هى طبعة من العسير الحصول عليها الآن‏ 19 و لكن مجرد الاهتمام بطبعه يقف دليلا واضحا على انتشار هذا المختصر فى الماضى حتى بين شعوب الاتحاد السوفيتى. و من المحتمل أن تكون معرفته بالمذهب الجغرافى هى التى دفعته لوضع رسالة مستقلة بعنوان «در مكنون» كثيرا ما نلتقى بمخطوطاتها هى أيضا؛ و على الرغم من هذا فإن صلته بالآثار الكلاسيكية العربية ضعيفة، و هو يعالج موضوعه فى الغالب من الوجهة الأسطورية الشعبية و تحتل‏

611

العوامل الدينية لديه مكانة واضحة كما أنه لا يعنى كثيرا بما يدور على الأرض بقدر عنايته بالآثار السماوية و جهنم و أدوار الخليقة و سير الأنبياء و يوم القيامة و الإرهاصات التى تشير إلى اقتراب الساعة؛ أما فى كلامه على الظواهر الأرضية فهو يفرد أهمية خاصة لكل أصناف الغرائب و الخوارق‏ 20. و لمصنف أحمد بيجان هذا ذيل على هيئة رسالة صغيرة مجهولة المؤلف بعنوان «مرآت العوالم» تنسب فى مخطوطة فينا إلى المؤرخ المشهور على (توفى عام 1008 ه- 1599) و هى تنتمى إلى نفس تلك السلسلة من الكوزموغرافيات التى لم تكن غريبة على عالم الواقع فحسب بل و غلبت عليها المادة الأسطورية تماما 21.

و بعد فيجب القول بصورة عامة بأن الأدب الجغرافى التركى لم يقدم لنا خلال القرن الذى تلى أحمد بيجان سوى عدد قليل من الآثار التى يمكن أن توصف بالأصالة؛ و الاستثناء الوحيد فى هذا الصدد تمثله كما رأينا الجغرافيا الملاحية التى تقف برهانا ساطعا على النتائج القيمة التى يمكن الوصول إليها عن طريق مزج التجربة العملية بالأسس العلمية المستمدة من الاتجاهات النظرية القديمة 22، و فيما عدا هذا فإن الأنماط الجغرافية الأخرى تبدو شديدة الهزال و شاحبة فالجغرافيا العلمية لم يكتب لها نجاح كبير بل اكتفت فى العادة بتلك الرسائل من طراز مؤلف على القوشجى الواسع الانتشار. و لم توجد إلى جانبه سوى بضعة قوائم جافة تحدد المواقع الجغرافية للمدن المختلفة و أوصاف الطرق العديدة التى تربط بين مختلف الأماكن، كما وجدت فى بعض الأحايين رسائل صغرى تبحث فى تقسيم الأقطار أو فى الإحصائيات الحكومة المختلفة.

و يجب أن نولى عناية خاصة لليوميات السلطانية العديدة التى تتضمن وصف تنقلات سلاطنة آل عثمان و سير حملاتهم العسكرية و تحركاتهم فى أنحاء الإمبراطورية؛ و قد أخذ عددها يزداد منذ عصر السلطانين سليم الأول‏ 23 و سليمان‏ 24، و يوجد قدر كبير منها فى ترجمات غير كاملة و ملخصات* * * باللغات الأوروبية المختلفة (خاصة الفرنسية و الألمانية) منذ القرن السابع عشر؛ و يمكن لهذه اليوميات أن تقدم مادة هامة بالنسبة للأوصاف الطبوغرافية و الجغرافيا السياسية للدولة العثمانية و لكن لا يمكن بالطبع أن تعد أدبا جغرافيا 25. و ليس ثمة ما يدعو إلى الزيادة فى القول بأن الآثار التاريخية العثمانية الأولى مثل «بهجة التواريخ» لشكر اللّه (توفى عام 894 ه- 1489) لا تخلو أحيانا من بعض الأهمية باللنسبة للجغرافيا 26.

و قد نالت رواجا خاصا فى العهد الأول للأدب العثمانى تلك المصنفات التى تقف على الحد الفاصل بين الجغرافيا و التاريخ، بل و فى كثير من الأحيان لا تخلو من عنصر الشعر و الأسطورة، و هى المتعلقة بوصف المدن و المواضع المختلفة. و هذه المصنفات تذكرنا أحيانا بنمط «الفضائل» القديم، بل و أكثر من ذلك بتلك الأوصاف الأدبية لمدينة رومة التى نجدها عند الجغرافيين القدامى و التى قام بتحليلها المستشرق غويدى‏Guidi ، أو بوصف القسطنطينية الذى ورد بتفصيل أكثر فى كوزموغرافيا ابن الوردى؛

612

و إلى هذه المدينة الأخيرة و إلى آثارها القديمة اتجهت بطبيعة الحال عناية المؤلفين و المترجمين العثمانيين.

و المصنفات التى تحمل عنوان «تاريخ قسطنطينية» أو «تاريخ أيا صوفيا» و التى توجد فى المخطوطات يبلغ عددها حدا بعيدا، و هى نادرا ما تشابهت فى تبويبها و تمثل فى العادة تاريخا أسطوريا للمدينة و وصفا لخططها قبل الفتح العثمانى. بل إن أحد المصنفات من هذا الطراز يرتبط باسم على القوشجى المعروف لنا جيدا (توفى فى عام 879 ه- 1474) 27 و بعض هذه المصنفات كما بين موردتمان‏Mordymann 28 لا يمثل فى واقع الأمر سوى تعديل طفيف للحكايات البيزنطية و على العكس من هذا فإن بعضها يرتفع إلى مصادر أبعد من ذلك. و خير مثال للمجموعة الثانية مسودة بعنوان «تاريخ قسطنطينة» موجودة فى مخطوطة بالمتحف البريطانى كان قد نشر قسما منها و درسها ف. اسميرنوف‏V .Smirnov فى عام 1898؛ و كلا المخطوطة و المصنف يرجعان إلى ما قبل القرن الخامس عشر أو كما يفترض ريوRieu إلى بداية القرن السادس عشر 29. و قد أعرب الناشر عن أمله فى أن يقدم الكتاب بعض المادة بالنسبة للتاريخ الطوبوغرافى للمدينة و آثارها فى العصر القريب من عصر المؤلف، غير أن التحليل الدقيق الذى قام به روزن‏Rosen 30 و الذى يكشف عن عمق و ذكاء كما هو شأن هذا العالم دائما قد أثبت أن هذا الأثر منقول برمته عن مؤلفات سابقة و أن أهميته لا تتعدى مجال التاريخ الأدبى حتى أنه لا يمثل أهمية بالنسبة للعصر الذى تم تدوينه فيه. و ينبغى أن نلاحظ منذ البداية أن الكتاب لا يتميز بالأصالة و أنه كما تم الافتراض من قبل إنما يرتفع إلى مصنف فارسى للقرن العاشر ثم تدوينه فى عهد السامانيين‏ 31؛ أما مادته الأساسية فمأخوذة من* * * أوصاف نصف أسطورية لمؤلفين عرب من طراز ابن الفقيه و ابن رسته كما يمكن أن تكون قد وجدت طريقها إليه تفاصيل ترجع إلى مصادر سريانية بيزنطية. و لعلنا نذكر جيدا كيف أمكن لغويدى‏Guidel أن يكشف عن هذا عند تحليله للمادة المشابهة لهذه فى المصادر العربية فى وصف أنطاكية و رومه؛ و من الأوفق أن نضرب صفحا عن أى أمل فى العثور على معلومات بيزنطية ذات قيمة ترجع إلى عهود متأخرة فى هذه المصنفات التركية فى «تاريخ قسطنطينية».

و قد ظهرت شيئا فشيئا آثار مشابهة و بنفس هذا الأسلوب عن حواضر و مواضع أخرى إما لأنها ارتبطت بنمو سلطان العثمانيين أو تقليدا للمذهب العربى القديم، و يصدق هذا على بروسه المهد الذى نشأت فيه دولة آل عثمان، أو دمشق حيث يشير عنوان الرسائل «فضائل الشام» إلى ارتباطها الوثيق بنمط سابق معروف لنا جيدا، أو على مصر و النيل. و عدد الرسائل التى تحمل عنوان «فضائل الشام» كبير للغاية فى اللغة التركية، و هى تعرض لفضائل ذلك القطر خاصة مدينة دمشق بنفس الأسلوب المعروف لنا من النماذج العربية، و يحظى بعناية خاصة فى هذا الصدد وصف المسجد الأموى و الكلام عن الأنبياء و العلماء و المتصوفين الذين توفوا و دفنوا بالشام ثم ذكر المواضع المشهورة بدمشق. و جميع المصنفات من هذا الطراز على وجه التقريب ترتفع إلى أصول عربية و لو أن علاقتها بعضها بالبعض غير واضحة لأنها

613

لا تزال محفوظة فى العادة على هيئة مخطوطات‏ 32. و هذا الطابع نفسه تحمله أوصاف المدن المقدسة و هى مكة و المدينة و القدس التى تحتل مكانة كبيرة فى الأدب التركى الطبوغرافى و التاريخى لكافة ذلك العهد؛ و هى ترتبط أحيانا بالعدد المتزايد من الحجيج التركى و قد صيغ وصفها فى أسلوب خاص سنعرض لتحليله فيما سيأتى من هذا الكتاب. و هذه المصنفات تحمل فى معظم الأحايين عنوان «الفضايل» و توجد فى عدد كبير من المخطوطات التى تهمل أحيانا ذكر اسم المؤلف، كما و أنه من العسير استجلاء مصادرها دون القيام ببحث خاص فى هذا الميدان. و لإعطاء فكرة عن رواج هذا النمط من الأدب نذكر أن هناك ثلاثة آثار متشابهة من حيث الصيغة ترجع إلى مؤلف واحد هو محمد يحيى أفندى (حوالى عام 1010 ه- 1601) و هى «فضائل مكة مكرمة» و «فضائل مدينة منورة» و «فضائل قدس شريف»؛ و هذه الآثار الثلاثة موجودة فى عدد كبير من المخطوطات إلا أنها ليست بذات أهمية كبيرة على وجه العموم من الناحيتين التاريخية و الجغرافية 33.

و يلى هذا فى نحو عام 1046 ه- 1636 ظهور رسالة مماثلة عن مدينة أدرنة بعنوان «أنيس المسامرين» تتمتع على النقيض من ذلك بأهمية لا مثيل لها بالنسبة للجغرافيا المحلية؛ و مؤلفها و هو عبد الرحمن بن حسين حبرى، الذى يخلط اسمه أحيانا بأسماء مؤلفين آخرين مثل جورى و خيرى بل و حتى برورى‏ 34، أصله من أدرنه و اشتغل فيما بعد بالتدريس بها* * * و كان يحمل لمسقط رأسه حبا عميقا. و يقدم لنا مصنفه تاريخ هذه المدينة، التى كانت ذات يوم عاصمة للدولة العثمانية، بين عامى 760 ه- 1359 و 1043 ه- 1633 فى أربعة عشر فصلا يطرق جزء كبير منها موضوعات جغرافية. فالفصل الأول يعالج الكلام على فتح أدرنة بواسطة العثمانيين يليه الفصل الثانى الذى يتحدث عن قلعتها و شوارعها و ميادينها، ثم الفصل الثالث عن مساجدها و مؤسسات البر فيها، و الرابع فى مدرستها و زوايا الدراويش بها، و الخامس فى منازل القوافل و أماكن الضيافة، بينما يبحث الفصلان السادس و السابع فى الأنهار و فى بساتينها و جسورها و عيونها و آبارها. أما الفصل الثامن فيتحدث عن تحصينات أدرنه و ضواحيها و الريف المحيط بها، بينما يتحدث التاسع عن مقابرها. و بهذا فإننا نلتقى إلى جانب الموضوعات التاريخية بدراسة نموذجية لحاضرة كبيرة تشبه إلى حد كبير نمط «الخطط» العربى؛ هذا و قد أفاد حاجى خليفة من هذه الرسالة و أشاد بها كثيرا.

و فى القرن التاسع عشر ظهر مواطن آخر من أهل أدرنه يكمل حبرى ذلك هو بادى أحمد (توفى عام 1326 ه- 1908) الذى يقدم لنا وصفا تاريخيا جغرافيا قيما لمدينته فى ثلاثة أجزاء بعنوان «رياض بلدة أدرنة» لا يزال معروفا من مخطوطاته فقط. و لا يزال الغموض يكتنف حقيقة وضع «تاريخ» آخر ينسب لشخص اسمه «جورى چلبى» يتفق مع كتاب «أنيس المسامرين» من حيث مادته التاريخية و الجغرافية 35.

و قد تلى المحاولات الأولى لوضع مصنفات كبرى ذات طابع دينى أسطورى فى الكوزموغرافيا ظهور مصنفات كوزموغرافية صغرى فى عهد السلطان سليمان يغلب على مضمونها الجانب العلمى و تتميز

614

عن تلك ببعض الرزانة. و إحدى هذه الكوزموغرافيات الصغرى و هى «تحفة الزمان و خريدة الأوان» قام بتأليفها شخص يدعى مصطفى بن على وصلتنا عنه بعض رسائل فى الرياضة و الفلك و كان يعمل «موقتا» بمسجد سليمية باستنبول، و لا تزال تقابل فى المخطوطات شذور من كتابه «تحفة المجالس» الذى يعالج فيه الكلام على مائة مدينة و مواقعها الجغرافية و ذلك من بين المدن المحيطة باستنبول‏ 36. و أغلب الظن أنه يرتبط بهذا الاتجاه مخطوطة موجودة بفينا لرسالة بعنوان «إعلام العباد بأعلام البلاد» تقدم قطعة موجزة فى الجغرافيا الرياضية و الوصفية، و هى بدورها تم تأليفها فى عهد السلطان سليمان إلا أن اسم مؤلفها لا يزال مجهولا 37.

و ربما ظفر بعناية أكبر ذلك العرض للجغرافيا الوصفية وفقا للمذهب القديم الذى نلتقى به فى مقدمة تاريخ «كنه الأخبار» لمؤرخ لا يفتقر إلى بعض الشهرة هو على مصطفى بن أحمد چلبى (توفى عام 1008 ه- 1599) 38.* * * و قد أضاف هذا المؤلف إلى القسم الأول من كتابه «تذنيبا» يعرض فيه سريعا لوصف الأرض معتمدا أساسا على ثلاثة مؤلفين معروفين لنا جيدا هم أبو الفدا، و سباهى‏زاده التركى الذى قام بعمل مسودة جديدة لجغرافيا أبى الفدا كما سبق أن رأينا، ثم كتاب «صورة الأرض» الذى يمكن أن نبصر فيه الترجمة الفارسية المصلحة لمصنف الإصطخرى. و مؤلفنا يوافق المؤلفين العرب فى فكرتهم التى تقول بأن الأوضاع الجغرافية القديمة التى عرضها لنا المؤلفون السابقون لمّا تزل صحيحة فى أسسها إلى القرن السادس عشر؛ أما عرضه الجغرافى هذا الذى احتوته المقدمة و الذى يعد أشبه بالمدخل لمصنفه التاريخى الكبير فهو عرض موجز للغاية و لا يتعدى إيراد ملاحظات ذات طابع عام دون أن يدخل فى تفصيلات ما، و هو بهذا لم يلعب أدنى دور فى التطور العام للأدب الجغرافى التركى‏ 39.

إلا أننا فى نهاية هذا القرن السادس عشر نفسه نواجه بأهم مصنف جغرافى باللغة التركية يعرض لنا لأول مرة خلاصة عامة للمذهب العربى القديم و هو «مناظر العوالم» الذى فرغ مؤلفه محمد عاشق من تأليفه بدمشق عام 1006 ه- 1598 معتمدا فى ذلك على مواد أدبية و على معلومات جديدة جمعها أثناء تجواله بمناطق نائية 40 و الكتاب يتوّج تاريخ الفترة الشرقية، إن جاز هذا التعبير، للأدب الجغرافى التركى؛ بل إن المؤلف نفسه قد عبر عن أمله فى أن يكون مصنفه فاتحة عهد جديد فى ازدهار هذا الضرب من الأدب لدى الأتراك. و أول من حلل هذا المصنف و بين طابعه الأساسى على ضوء التطور العام للأدب الجغرافى هو المستشرق تيشنر الذى و إن قدر الكتاب حق قدره‏ 41 إلا أنه قلل من أهميته حين اعتبره «آخر مسودة شرقية لبطلميوس»؛ ذلك أن تيشنر فى الواقع لا يرى فى جميع الجغرافيا الوسيطة(Medieval) سوى حلقات متتابعة لتعديلات جديدة لبطلميوس‏ 42. و مما لا شك فيه أن محمد عاشق كان يحس بارتباطه الوثيق ببطلميوس فهو يعترف بأنه قد وزع القسم الجغرافى من «كوزموغرافيته» بحسب «الأقاليم الحقيقية» لبطلميوس؛ ثم وزع مادة هذه الأخيرة بحسب «الأقاليم العرفية» (أى المناطق الجغرافيةGeographical Regions ) وفقا لطريقة أبى الفدا 43. و لعل حاجى خليفة لم يتنكب‏

615

الصواب عند ما ذكر أنه قد أتم مسودة كتابه و لكنه لم يبيضها؛ و مخطوطات الكتاب فى الواقع نادرة للغاية و لم تعرف فى أوروبا إلى عهد قريب سوى مخطوطة واحدة موجودة بفينا 44 زد على هذا أن الكتاب لم ينشر منه سوى مقتطفات موجزة. أما المؤلف نفسه فإن معلوماتنا عنه لا تتعدى تلك الإشارات العارضة التى وردت فى مصنفه.

ولد محمد عاشق ابنا لمدرس بطربيزون فى نحو عام 962 ه- 1555 فيما يبدو 45، و غادر مسقط رأسه منذ بلوغه سن العشرين* * * فبدأ تجواله الطويل الذى دام عدة أعوام و كان هدفه فيما يغلب على الظن أن يجمع المادة من أجل كتابه؛ و قد تخللت هذا التجوال الطويل زيادات متقطعة إلى مسقط رأسه.

و هو قد أقام فى بعض المواضع فترات طويلة شغل خلالها عادة وظيفة كاتب صغير فى الشئون القضائية؛ و استغرقت إقامته بالروملى و الأناضول فترة أطول و كان هدفه من ذلك كما يفترض تيشنر أن يستكمل معلوماته عنها بالملاحظة المباشرة لأن المصادر المكتوبة عنها كانت قليلة، خاصة فى اللغة العربية. و بلغ محمد عاشق فى تجواله مدينة دربند و ذلك فى عام 990 ه- 1582، و ابتداء من عام 1005 ه- 1596 استقر بدمشق نهائيا؛ و ليس فى كتابه أدنى ذكر لأدائه فريضة الحج. و قد أتم كتابه خلال عامين فى أثناء وجوده بدمشق؛ و يبدو أنه قد توفى بعد ذلك بقليل، هذا إذا ما أخذنا برأى حاجى خليفة من أن الكتاب ظل فى شكل مسودة 46.

و كتاب «مناظر العوالم» يمثل من حيث تبويبه نموذجا جيدا لنمط الكوزموغرافيا كما عرفناه لدى القزوينى و الدمشقى و حمد اللّه مستوفى قزوينى، فالقسم الأول و هو قصير بعض الشى‏ء إذ لا يزيد على العشرين صفحة يبحث فى «العالم العلوى» 47 و يتضمن الكلام على السماء و سكانها و الأجسام السماوية و على الجحيم.

و باستثناء بعض المادة الفلكية فإن مضمون القسم الأول ليس فى واقع الأمر سوى مقدمة للقسم الثانى الذى يبحث فى «العالم السفلى»، فالأرض و سكانها تشغل أكثر من نصف المصنف أى نحو مائتين و خمسين صفحة. و وفقا للطريقة المتبعة عادة فى المصنفات الكوزموغرافية فإن المؤلف يقدم لنا وصفا عاما للأرض فيتحدث عن البحار و الجزر و البحيرات و الأنهار و منابع المياه و الجبال و أخيرا عن المدن التى يفرد لها أهمية خاصة. و يلى وصف الأرض الكلام على التاريخ الطبيعى و هو يشغل حيزا يقرب من ذلك إذ يصل إلى نحو المائتى صفحة. و معالجته لأقسامه يذكرنا بدوره بالكوزموغرافيات العربية فهو يتحدث عن المعادن فى صورها الصلبة و المائعة و الغازية ثم عن الطيب و النباتات و الحيوان و الإنسان‏ 48.

و جميع المادة الجغرافية موزعة لديه كما ذكرنا من قبل على الأقاليم السبعة البطلميوسية أو «أقاليم حقيقية» كما يدعوها المؤلف نفسه، ثم إلى ثمانية و عشرين إقليما «عرفية» وفقا لتقسيم أبى الفدا 49؛ و محمد عاشق يتبع هذا التقسيم الأخير حرفيا 50 باستثناء حالات قليلة يعالج فيها الكلام على مواضع لم ترد عند أبى الفدا. و فى مقابل هذا فإن مصادره عديدة و تكاد تشمل الأسماء الرئيسية من بين مصنفات الأدب الجغرافى العربى المعروفة لنا؛ و أكثر ما يقابلنا لديه أسماء ابن خردادبه و ابن الوردى و القزوينى‏

616

و ياقوت و حمد اللّه مستوفى. غير أن المكانة الأولى عنده يحتلها «تقويم البلدان» لأبى الفدا* * * فهو لم يستق منه نظام تقسيم البلدان فحسب بل و معظم مادته الجغرافية التى ضمنها جميع كتابه بحيث يمكن اعتبار مصنف محمد عاشق من هذه الناحية «مسودة موسعة باللغة التركية لأبى الفدا» كما يقول تيشنز

( ein erweiterte tu? rkische Ausgabe des Abulfida )

51. و لكنه إلى جانب هذا لا يهمل المصادر الأخرى بل يشير إليها بمنتهى الدقة و يضمن المادة المأخوذة عنها داخل الأقسام المختلفة التى أخذ تبويبها عن أبى الفدا كما رأينا؛ و أما تلك المواضع التى لم يرد ذكرها لدى أبى الفدا فإنه يضيفها إلى داخل كل قسم «كذيل» قائم بذاته، و معظمها بالطبع يعالج الكلام عن المواضع الجغرافية الكائنة بالأناضول و الروملى.

و يكمل المؤلف المادة النقلية بمعلوماته الشخصية التى تتميز بدورها بالتفصيل و الدقة و يصحبها فى العادة ذكر الشخص الذى استقى منه هذه المعلومات؛ و هى تمس فى الغالب تواريخ مدن معينة و الكلام على أبنيتها و سكانها 52. و من الملاحظ اختفاء أى أثر للنفوذ الأوروبى على كتاب محمد عاشق، و كل ما يورده عن أوروبا ضحل للغاية و لا يتجاوز فى العادة ما عرفه الجغرافيون العرب فى العصور الوسطى.

و بنفس الطريقة نفتقد لديه أية إشارة إلى الاكتشافات الجغرافية الكبرى و الرحلات الأوروبية التى تمت فى العهد القريب منه‏ 53، و لا يمكن بالطبع إرجاع هذا إلى محض المصادفة لأن قرائن الأحوال تشير إلى أنه قد فعل ذلك عن قصد؛ و يقف مثال پيرى ريس دليلا بينا على توفر المادة و المعلومات عن ذلك بقدر واف فى نطاق الدولة العثمانية و ذلك فى فترة تسبق الفترة التى عاش فيها محمد عاشق بعشرات السنين.

و لم يكن بوسع مؤلف «مناظر العوالم» بما عهد فيه من سعة الاطلاع و تعدد الميول أن يجهل هذا، غير أن كتابه على ما يبدو يمثل رد فعل ما ضد الاتجاهات الجديدة الوافدة من الغرب فهو يحاول معارضتها بالتراث القديم الذى جهد فى جمعه فى مؤلف شامل يلم بجميع أطراف الموضوع. و نتيجة لهذا فإنه على الرغم من كل ما يتمتع به هذا الكاتب من مكانة بوصفه آخر ممثل للأدب الجغرافى للعصور الوسطى فى الشرق فى صورته العربية، و على الرغم أيضا من الأهمية التى تتمتع بها روايته فى بعض الأحيان، فإن المصنف فى مجموعه أشبه ما يكون بشى‏ء متقادم لا يتفق مع واقع الأحوال التى وجد فيها بل يعكس عصورا تاريخية سابقة(anachronism) 54، و بهذا فلم يكن بمقدوره إرضاء مطالب معاصر به و لعل هذا هو السبب فى عدم انتشاره فى الشرق نفسه. و الشخص الوحيد الذى عرفه جيدا هو حاجى خليفة و من المحتمل أنه من آثار تلك المعرفة و دوافعها أن شرع فى وضع مؤلفه «جهاننما» و لو أنه لم يكن يرجع إلى محمد عاشق بصورة منتظمة 55.

لقد وجد النفوذ الأوروبى طريقة إلى الدولة العثمانية فى عهد محمد عاشق دون أن يواجه أية مقاومة تذكر و حمل معه أخبار الاكتشافات الجغرافية الجديدة بحبث لم يكن* * * من المستطاع تجاهلها أو ضرب صفح عنها. ففى نحو عام 947 ه- 1540، و عقب وفاة خير الدين بربروسا التى حدثت فى عام 953 ه- 1546، ظهر كتاب بعنوان «تاريخ الهند الغربى» كان الدافع إليه على ما يظهر الاستجابة للمطالب‏

617

المتزايدة من جانب القراء. و بالطبع فهو لا يمثل فى واقع الأمر تاريخا ما بل حكاية مشحونة بتفاصيل خرافية عن كشف الأوروبيين لجزر الهند الغربية مع وصف لعادات و طبائع سكانها 56؛ و هو فى الحقيقة ترجمة لمصنف «فرنجى» قصد به تعريف الجمهور فى أوروبا باكتشاف العالم الجديد أميركا 57، و تشير قرائن الأحوال إلى أن الدولة العثمانية استطاعت أن تعرف خبر هذه الواقعة بعد لحظه و جيزة من انتشاره بين جيرانها الأوروبيين و ذلك على يد أحد المسيحيين ممن دخلوا حظيرة الإسلام(renegade) .

و قد ظل هذا المصنف متمتعا بالرواج بين جماهير القراء حتى القرن الثامن عشر و كان من أوائل الكتب التى خرجت من مطبعة مؤسس الطباعة بتركيا ابراهيم متفرقة المشهور و ذلك فى عام 1142 ه- 1729؛ و تمثل هذه الطبعة فى الآونة الحاضرة شيئا نادرا و تعد من أشهر آثار الطباعة العربية فى الدولة العثمانية.

هذه الطبعة من قطع الثمن(octavo) تضم إحدى و تسعين صفحة من الحجم المزدوج و هى مزودة بأربع خارطات و بجدول يبين النجوم، هذا إلى جانب عدد من اللوحات المنقوشة(engraved) التى تصور سكان أمريكا و حيوانها و نباتها 58. و تاريخ تدوين هذا المصنف لم يثبت بصورة قاطعة فأحيانا يرجع إلى عهد السلطان مراد الثالث و ذلك فى نحو عام 990 ه- 1582 و ينسب تأليفه إلى شخص غير معروف تماما يسمى محمد بن يوسف الهروى‏ 59. و قد وقع كارا دى فو(Carra de Vaux) فى خطأ كبير حين نسب تأليف هذا الكتاب إلى حاجى خليفة 60، و وجد هذا الخطأ طريقه إلى مؤلفات أخرى حتى أيامنا هذه. ذلك أن المسألة المحيطة بشخص المؤلف الحقيقى لهذا الكتاب يجب أن تظل مفتوحة؛ و مخطوطة ليدن لمصنف حاجى خليفة الببلوغرافى الضخم و التى ترجع إلى عام 1729 و تختلف أحيانا فى قراءتها مع النسخة المطبوعة 61 تضم زيادة كبيرة عند معالجتها الكلام على هذا المصنف‏ 62، فتحت عنوان واحد يرد ذكر كتابين أحدهما باللغة العربية لمؤلف يدعى محمد بن يوسف الهروى نقله إلى التركية و زاد عليه شخص غير معروف أيضا هو أبو المخلف محمود بن يوسف المصرى و يرد فيه الكلام عن رحلات الهنود أولا إلى أمريكا ثم عن رحلات الأسبان. أما الرسالة الثانية و التى ترجع إلى عهد تال لهذا فقد ترجمها أحد الأتراك من اللغة «الفرنجية» و أضاف إليها تعليقاته من «تذكرة» ما. و إزاء هذا الخلط الواضح فإن من العسير أن تخرج بنتيجة ملموسة عن شخص المؤلف، ليس ذلك فحسب بل و من العسير أيضا أن* * * توضح طبيعة علاقة هذين المصنفين اللذين عرفهما حاجى خليفة بذلك المصنف الذى خرج فى طبعة قشيبة منذ الفترة الأولى لظهور فن الطباعة بالدولة العثمانية.

و يمكن أن نعتبر نهاية القرن السادس عشر خاتمة فترة معينة فى تاريخ الأدب الجغرافى التركى عند ما قدم لنا محمد عاشق خلاصة المذهب العربى القديم. و قد رأينا كيف استطاعت الجغرافيا الملاحية فى بداية ذلك القرن أن تشق لنفسها مسالك جديدة وصل علمها إلى أهل الغرب و أدت شيئا فشيئا إلى ظهور فروع جديدة فى ميدان الجغرافيا. غير أن هذا بالطبع لا يعنى أن المذهب القديم قد اختفى بدوره تماما