تعريب تاريخ الأدب الجغرافي العربي - ج2

- إيكناتي يوليانوويج كراشكوفسكي المزيد...
503 /
618

إذ أن اثنين من كبار ممثلى الأدب التركى فى المحيط الجغرافى فى القرن السابع عشر قد مزجا بين الاتجاهين القديم و الجديد بصورة واضحة و أعنى بهما العالم الكبير و مؤرخ الأدب و الجغرافيا حاجى خليفة، ثم الرحالة الشهير أوليا چلبى.

و لقد تردد اسم الأول منهما مرارا عديدة على جميع صفحات كتابنا هذا بالتقريب و ذلك لأهمية سفره الببليوغرافى الضخم الذى طبقت شهرته الآفاق و الذى لا يستطيع الاستغناء عنه من يريد الغوص فى الأدب العربى بل و فى الأدبين الفارسى و التركى إلى حد ما. و نرى لزاما علينا أن نوليه عناية مزدوجة فهو لم يكن جغرافيا تركيا فحسب بل و كان كاتبا باللغة العربية دوّن بعض مصنفاته الجغرافية بهذه اللغة الأخيرة. و نحن عند ما نصفه بأنه جغرافى تركى كبير ينبغى ألا نغالى من هذه الناحية فهو أبعد من أن يكون بحاثة أصيلا كبعض من ورد ذكرهم خلال صفحات هذا الكتاب، إذ يحول دون ذلك انغماسه التام فى الثقافة الأدبية المدونة بحيث لا تجد الخبرة العملية أو التجربة الشخصية سبيلها إلى مصنفاته. و لكنه يعوض هذا باطلاع واسع المدى فقد تشرب الثقافة الإسلامية فى جميع فروعها الثلاثة و هى الأدب العربى و الفارسى و التركى. و قد أحس حاجى خليفة بعاطفة جياشة نحو العلم فأولاه مخلصا كل جهده و نشاطه.

و قد منعته أمانته من أن يغمض عينيه عن التأثيرات و الحقائق التى قدمت من الغرب فجهد دائما فى أن يفيد منها و لم يخش فى ذلك الاتهام بالبدعة أو الإدانة بالزيغ. و على الرغم من اعتماده الأساسى على الثقافة الشرقية فهو لم يرفض المصادر الغربية أو يطرحها ظهريا بل كان على أتم استعداد ليتفهم ما وقع إليه منها عرضا عن طريق الآخرين و ذلك وفقا لمنهجه الخاص و لمفهومه الثقافى. و هو و إن انتسب إلى عصر يعد بحق عصر تدهور إن لم يكن عصر سقوط تام بالنسبة للثقافة العربية إلا أنه ينهض دليلا واضحا على أن تلك الثقافة لم تمت فى ذلك العصر بل على العكس من ذلك تطلبت من ممثليها بذل مجهود مضاعف لا مكان فيه للكلل و الملل و لو لطرفة من الزمان؛ و لا تخلو سيرة حياة حاجى خليفة من عبرة فى هذا الصدد لأنه لم يستطع أن يقتطع للعلم خالصا وفقا لمفهومه سوى فترات قصيرة من حياته. و معرفتنا بسيرة حياته تعتمد على مصادر جديرة بالثقة، فهى من ناحية مستقاة من ترجمة حياته التى كتبها بقلمه(autobiography) و ألحقها بأحد مصنفاته* * * الذى يحمل عنوان «ميزان الحق فى اختيار الأحق‏ 63» و تسوق تاريخ حياته إلى العام السابق لوفاته؛ و من ناحية أخرى على مواد جمعها الناشر لأحد كتبه فى عام 1146 ه- 1733 ( «تقويم التواريخ») 64.

ولد حاجى خليفة بالقسطنطينية عام 1017 ه- 1609 فى أسرة موظف صغير يعمل بديوان العسكرية؛ و اسمه فى الأصل هو مصطفى بن عبد اللّه لكن غلب عليه على الدوام لقبا كاتب چلبى و حاجى خليفة.

و بعد أن حصل على التعليم الأولى المعهود آنذاك سلك خطو أبيه فالتحق مند عام 1032 ه- 1623 بالديوان ليتذرب على الأعمال الكتابية و لم يلبث أن شغل وظيفة كتابية متواضعة هى وظيفة «محاسب» بوحدات الجيش بالألاضول و بهذا أخذ طرفا فى الحملة العسكرية على بلاد الفرس التى لم توفق فى حصارها لبغداد فى عام 1035 ه- 1626، و حضر حصار أرضروم عام 1036 ه- 1037 ه- 1627- 1628

619

عند قتال آبازه باشا للانكشارية 65؛ و بعد أعوام من هذا رجع إلى القسطنطينية ليشغل وظيفة رئيس للكتبة و لذلك لقب بكاتب چلبى. هذا و قد أيقظت فى نفسه دروس شيخ العلماء قاضى‏زاده الشوق نحو العلم و وجد فى هذا تشجيعا من أبيه فاتجه فى بادئ الأمر إلى دراسة العربية، غير أن اندلاع نيران الحرب مع الفرس اضطره إلى إيقاف تلك الدراسة فى عام 1039- 1629 فتبع القوات العثمانية إلى همدان و بغداد و لم يرجع إلى موطنه إلا فى عام 1041 ه- 1630 حيث شغل نفسه بدراسة التفسير و تعمق فى فهم البيضاوى و الغزالى على قاضى‏زاده المذكور. و فى عام 1043 ه- 1633- 1634 ذهب إلى سوريا مع جيش الصدر الأعظم محمد باشا و اشترك فى الحملة الكبرى على بلاد الفرس لعام 1043 ه- 1045- 1633- 1635 التى قادها السلطان مراد الرابع بنفسه. و عند ما عسكر الجيش بحلب لتمضية فصل الشتاء اغتنم حاجى خليفة هذه الفرصة فأدى فريضة الحج ثم اشترك فى حصار اريقان (روان)Erivan عام عام 1044 ه- 1635 66. و كان شوقه و تشوقه إلى العلم قد قوى لديه عقب إقامته بحلب التى كانت لا تزال محتفظة بمكانتها الثقافية آنذاك، و قد دفعه هذا إلى المطالبة باحالته إلى الاستيداع و رجع إلى القسطنطينية حيث انصرف انصرافا تاما لمدة عشرة أعوام إلى دراسة التفسير و الحديث و المنطق و اللغة، ثم تحول بعد ذلك إلى دراسة الرياضيات و الفلك و الجغرافيا و الطب. و قد عاونه على أن يتفرغ إلى الدراسة ثروة ورثها عن بعض قرابته؛ و هو يفصل لنا فى ترجمته لسيرة حياته كيف كان يصرف مبالغ طائلة لاقتناء الكتب‏ 67؛ ثم لم يلبث أن اتسعت شهرته و بدأ يخطو شيئا فشيئا فى مجال التدريس. و قد هرع إلى مديد العون إليه قائد الجيش العثمانى الذى كان يعرفه شخصيا و هو محمد باشا فعينه فى عام 1058 ه- 1648 نائبا ثانيا بالإدارة المالية الرئيسية لديوان الجيش ( «باش محاسبه ده ايكنجى خليفه»)* * * و بهذا ثبت عليه بالتالى لقب حاجى خليفة (*)؛ و كانت هذه الوظيفة اسمية فقط فقد كلف بالحضور إلى الخدمة مرتين فى الأسبوع. غير أن خبرته فى الشئون المالية لم تكن بأقل شهرة من سمعته العلمية فدعى فى عام 1063 ه- 1653 إلى الاشتراك فى لجنة خاصة برئاسة السلطان محمد الرابع لبحث الوسائل الناجعة لإجراء التحسينات على ميزانية الدولة. و قد وضع حاجى خليفة بهذه المناسبة مذكرة رفعت بعد أعوام إلى المفتى الأكبر 68، و ترجمها إلى الألمانية فى القرن التاسع عشر برناورBernauer بوصفها مصدرا هاما للمسائل التى تتناول الكلام عليها 69؛ ثم نشرها فى عام 1280 ه- 1863 الكاتب التركى أحمد وفيق (توفى عام 1308 ه- 1891) الذى عرف عنه بوجه عام الاهتمام بمثل هذه المسائل‏ 70.

و ظل حاجى خليفة مدة أربعة أعوام بعد هذا يعمل فى البحث و التدريس إلى أن و افاه الأجل بمسقط

____________

(*) «لقبوه بذلك بعد أن حج و ترقى بين الكتاب إلى رتبة النيابة عن رئيس القسم على مصطلح العثمانيين، و ذلك أن صفار الكتاب يسمون فى مصطلحهم الملازمين و فوقهم الخلفاء و فوقهم الرئيس الأعلى للكتاب. و مؤلف: الكشف معروف بين المستشرقين باسم «حاجى قالفه» على طبق ما يلهج به العوام فى عاصمة الخلافة» [عن مقال الشيخ محمد زاهد الكوثرى‏] (المترجم).

620

رأسه فى سبتمبر من عام 1607 ه- 1657 71 نتيجة لتوعك طارئ ألم به؛ و قد يرجع البعض تاريخ وفاته إلى عام 1068 ه- 1658 72 و هو أقل دقة من سابقة؛ و لم يكن حاجى خليفة قد جاوز الخمسين من عمره حين وافته منيته‏ 73 (*).

و من الواضح أن بابنجرBabinger لم يتنكب الصواب حين عد حاجى خليفة «أكبر مؤرخ أدبى(Polyhistor) بين العثمانيين، انتظمت معرفته جميع فروع العلوم المعروفة آنذاك‏ 74. غير أننا إذا قارنا تراث حاجى خليفة الأدبى بآثار كاتب من نفس الطراز كالسيوطى مثلا لظهر الاختلاف الجوهرى بين الاثنين بصورة جلية سواء من حيث الأهداف أو الكم. و ينعكس تملكه لناصية جميع العلوم المعروفة لعصره قبل كل شى‏ء فى مصنفه الضخم «كشف الظنون»، و هو أشبه ما يكون بدائرة معارف و سجل عام فى تواريخ المصنفات المختلفة؛ غير أن حاجى خليفة على نقيض السيوطى لم ير البتة ما يستوجب وضع مؤلف خاص فى كل فرع من فروع العلم المعروفة له. أما من حيث الكم فإن إنتاجه العلمى أقل بكثير من إنتاج السيوطى و لو أن ميوله الشخصية تنعكس فيه بصورة أكثر جلاء. و كما رأينا فإن لديه فى الواقع مصنفات تعالج المسائل المالية و الاقتصادية؛ و هو قد عالج التأليف أيضا فى الموضوعات الأدبية و الفقهية كما هو الشأن عادة مع المؤلفين الإسلامية، بيد أن الغالبية العظمى من تآليفه إنما تعنى قبل كل شى‏ء بالتاريخ بل و بالجغرافيا أيضا بنفس القدر. فحاجى خليفة قد أحس بميل خاص نحو هذين الفرعين من الأدب، و لا غرابة فى ذلك فإن أثرهما فى مجال الأدب كان أكثر دواما و استمرارا بل إنهما ما زالا محتفظين بقيمتهما العلمية إلى أيامنا هذه* * *. و التباين الكبير بين عدد مصنفات حاجى خليفة الذى يتراوح بين العشرين و الثلاثين و بين مصنفات السيوطى التى تقارب الخمسمائة يمكن رده إلى حد ما إلى أن فترة النشاط التأليقى الفعال لحاجى خليفة لم تكن طويلة. فهو قد انتهى من تدوين أول مؤلف له، و هو مصنف ذو طابع تاريخى كتبه باللغة العربية، فى عام 1051 ه- 1641 75، أما مؤلفه الأخير و الذى يمس أحيانا سيرة حياته فقد انتهى منه قبل عام من وفاته و ذلك فى نوفمبر من سام 1067 ه- 1656 76.

من هذا يتبين لنا أن حاجى خليفة قد استطاع أن يدون عددا من المؤلفات الكبرى التى قفزت إلى أجزاء عديدة فى فترة لا تتجاوز الخمسة عشر عاما؛ و لعله يمكن تفسير هذا بأن المؤلف قد بدأ فى جمع مادته بلا شك قبل ذلك بعهد طويل أى منذ سنى شبابه الأولى ثم ظل يزيد فيها على ممر الأيام غائصا فى مختلف فروع العلم زد على هذا أنه قد اضطر مرات عديدة إلى عمل مسودات جديدة لتحل محل القديمة.

أما بالنسبة لنا فتشغل المكانة الأولى بالطبع مؤلفاته المخصصة للجغرافيا أو المتصلة بها اتصالا مباشرا،

____________

(*) احتفل بتركيا فى عام 1957 بمرور ثلاثمائة عام على وفاته، و ظهر بهذه المناسبة كئيب يضم مجموعة من المقالات عن حياته و مصنفاته و ذلك بعنوان‏

Katlp Celabl, Hayatl, ve, Essrleri hakkinda Incelemeler, Tllk Tarkh Kurumu

(المترجم)Yayinlarlndan ,VII Serl ,No 33 -Ankara ,7591 .

621

و عددها أربعة هى: معجمه الببليوغرافى الضخم الذى وضعه باللغة العربية و الذى يحيط بجميع فروع العلم و الأدب؛ تم سفره الأساسى فى الجغرافيا العامة باللغة التركية؛ و أخيرا مصنفان باللغة التركية يحملان طابعا أكثر تخصصا أحدهما صياغة معدلة لأطلس أوروبى للعصر القريب منه و الآخر مصنف تاريخى يرتبط ارتباطا وثيقا بالجغرافيا الملاحية. و قد اكتسب شهرة واسعة النطاق معجمه الببليوغرافى الكبير أوLexicon Bibliographicum و هو العنوان اللاتينى الذى أعطاه إياه ناشره الأوروبى. و أهمية هذا السفر كبيرة بالنسبة لجميع فروع العلوم و من ثم فإننا لن نبحث صلته بالجغرافيا وحدها بل ستمس أيضا بعض المسائل المتصلة بأهدافه العامة و بالمادة التى يحتويها بين دفنيه.

و يتبين لنا من ترجمة المؤلف لسيرة حياته أنه قد بدأ يجمع المادة لمصنفه هذا منذ عام 1045 ه- 1635 أى عقب رجوعه من الحملة العسكرية التى أمضى وقتا منها بمدينة حلب حيث أدهشه غنى دكاكين الوراقين و الكتبيين بالكتب فبدأ فى فحص محتوياتها و تدوين عناوين المخطوطات و مضمونها 77؛ و لا غرو فقد كانت حلب من أكبر المراكز الثقافية بالبلاد العربية منذ عهد الحمدانيين فى القرن العاشر و ظلت محتفظة بهذه المكانة إلى عهد حاجى خليفة. و إذا كان العثمانيون كما رأينا قد سلبوا القاهرة كنوزها المخطوطية و أن عددا ضخما من هذه الكتب قد وجد طريقه إلى القسطنطينية فإن مصير سوريا كان أفضل من ذلك بكثير. و على النقيض من دمشق فإن حلب قد امتازت بخاصية أخرى، هى أنها لم تقف عند حد كونها مركزا للثقافة العربية القديمة بل* * * فتحت أبوابها أيضا للتأثيرات الجديدة حتى أصبحت فى بعض الأحيان مهدا لحركات أدبية مجددة. و لنذكر فى هذا الصدد أنه قبل أعوام من زيارة حاجى خليفة لها عاش بهذه المدينة لفترة طويلة المستشرقان بوكوك‏Pococke و غوليوس‏Golius مؤسسا الاستعراب فى أوروبا. و يتبين من مجموعة مخطوطات الأخير الموجودة بليدن أن القسم الأهم منها قد جمعه بحلب؛ كما نذكر أيضا أنه بعد عشرين عاما من حاجى خليفة خرج من مدينة حلب فى طريقه إلى بلاد «المصكوف» النائية البطريرك مكاريوس الأنطاكى الذى و إن انتمى إلى وسط مغاير تماما إلا أنه جهد بقدر استطاعته فى أن يوقظ الميل نحو الثقافة بين مواطنيه من العرب النصارى؛ و بعد قرن من هذا عاش بجلب جرمان فرحات الذى يعد من القوى المحركة التى أدت إلى انبعاث النهضة الأدبية العربية فى القرن التاسع عشر.

و ظلت حلب محتفظة بأهميتها كمركز ثقافى حتى القرن التاسع عشر، و من الملاحظ أن أفضل مخطوطات مجموعة روسوRousseau التى تزين معهد الدراسات الشرقية لأكاديمية العلوم السوفيتية قد جاءت من حلب، بل إن حلب كان ينظر إليها فى استنبول على عهد هامرHammer على أنها أنسب مركز للتمكن فى دراسة اللغة العربية و الأدب العربى، و يصدق هذا على الفارسية أيضا 78.

فليس غريبا إذن أن يدهش غناها بالمخطوطات فى القرن السابع عشر شخصا كحاجى خليفة، بل و ليس بعيدا أن تكون الجالية الأوروبية المقيمة بها هى التى أطلعته على المؤلفات الأوروبية فى ميدان‏

622

الجغرافيا، تلك المؤلفات التى لعبت بالتالى دورا كبيرا فى نشاطه العلمى؛ و ليست المادة العلمية التى أمدته بها استنبول بأقل أهمية من تلك التى حبته بها حلب؛ فقد أصبحت استنبول منذ بداية القرن السادس عشر كما رأينا سوقا حافلا للمؤلفات العربية. و يتضاءل بصورة واضحة إلى جانب هذين المركزين الكبيرين دور المراكز الأخرى خاصة و أن إقامته بها كانت على أغلب الظن قصيرة الأمد و لو أنه يتبين من دلائل متفرقة أن حاجى خليفة قد جهد دائما فى الاتصال بالعلماء المحليين فى كل موضع زاره كما جهد فى ذات الوقت فى الاطلاع على جميع مجموعات المخطوطات التى مر عليها محاولا على الدوام أن يستكمل مادته إلى آخر أيام حياته.

و قد سار العمل فى تأليف هذا الكتاب ببطء شديد فأكمل الجزء الأول بعد خمسة عشر عاما، أى فى سنة 1064 ه- 1653 79. و يبدو أن الكتاب لم يأخذ صيغته النهائية إلى لحظة وفاة المؤلف شأنه فى هذا شأن جميع المؤلفات التى من هذا القبيل؛ كما و أنه يقابلنا فيه من لحظة لأخرى بياض بالأصل.

و الكتاب لا يمثل فى طابعه مرجعا ببليوغرافيا مكرسا لوصف الكتب فحسب بل إنه يقدم لنا بنفس الدرجة عرضا جامعا للعلوم. لا على طريقة موسوعات عهد المماليك الكبيرة بل على أسلوب المراجع الموجزة فى العلوم التى يشغل مصنفه بينها مركزا هاما و يتمم سلسلة موغلة فى القدم و لو أنه أبعد من أن يمثل آخر حلقاتها.* * * و مقدمة هذا الكتاب تعطينا فكرة جيدة عن أهدافه و قيمته الخاصة بل و عن المصادر التى اعتمد عليها؛ و هو بعد أن يورد الألفاظ المعهودة فى بدء الكلام لدى علماء المسلمين كحمد اللّه و شكره و الصلاة على نبيه الخ يلج موضوعه مباشرة فيقول:

«أما بعد لمّا كان كشف دقائق العلوم و تبيين حقائقها من أجل المواهب و أعز المطالب قيض اللّه سبحانه فى كل عصر علماء قاموا بأعباء ذلك الأمر العظيم و كشفوا عن ساق الجد و الاهتمام بالتعليم و التفهيم سيما الأئمة الأعلام من علماء الإسلام الذين قال فيهم النبى عليه الصلاة و السلام علماء أمتى كأنبياء بنى إسرائيل فإنهم سباق غايات و أساطين روايات و دراسات فمنهم من استنبط المسائل من الدلائل فأصّل و فرّع و منهم من جمع و صنف فأبدع و منهم من هذّب و حرّر فأجاد و حقّق المباحث فوق ما يراد رحم اللّه أسلافهم و أيد أخلافهم غير أن أسماء تدويناتهم لم تدوّن بعد على فصل و باب و لم يرد فيه خبر كتاب.

و لا شك أن تكحيل العين بغبار أخبار آثارهم على وجه الاستقصاء لعمرى أنه أجدى من تفاريق العصاء إذ العلوم و الكتب كثيرة و الأعمار عزيزة قصيرة و الوقوف على تفاصيلها متعسر بل متعذر و إنما المطلوب ضبط معاقدها و الشعور على مقاصدها و قد ألهمنى اللّه تعالى جمع أشتاتها و فتح علىّ أبواب أسبابها فكتبت جميع ما رأيته فى خلال تتبع المؤلفات و تصفح كتب التواريخ و الطبقات و لما تم تسويده فى عنفوان الشباب بتيسير الفياض الوهاب أسقطته عن حيز الاعتداد و أسبلت عليه رداء الأبعاد غير أنى كلما وحدت شيئا ألحقته إلى أن جاء أجله المقدر فى تبييضه و كان أمر اللّه قدرا مقدورا فشرعت بسبب من الأسباب و كان ذلك فى الكتاب سطورا و رتبته على الحروف المعجمة كالمغرب و الأساس حذرا من التكرار و الالتباس.

623

و راعيت فى حروف الأسماء إلى الثالث و الرابع ترتيبا فكل ما له اسم ذكرته فى محله مع مصنفه و تاريخه و متعلقاته و وصفه تفصيلا و تبويبا و ربما أشرت إلى ماروى عن الفحول من الرد و القبول و أوردت أيضا أسماء الشروح و الحواشى لدفع الشبهة و رفع الغواشى مع التصريح بأنه شرح كتاب فلانى و أنه سبق أو سيأتى فى فصله بناء على أن المتن أصل و الفرع أولى أن يذكر عقيب أصله و ما لا اسم له ذكرته باعتبار الإضافة إلى الفن أو مصنفه فى باب* * * التاء و الدال و الراء و الكاف برعاية الترتيب فى حروف المضاف إليه كتاريخ ابن أثير و تفسير ابن جرير و ديوان المتنبى و رسالة ابن زيدون و كتاب سيبويه و أوردت القصائد فى القاف و شروح الأسماء الحسنى فى الشين و ما ذكرته من كتب الفروع قيدته بمذهب مصنفه على اليقين و ما ليس بعربى قيدته بأنه تركى أو فارسى أو مترجم ليزول به الإبهام و أشرت إلى ما رأيته من الكتب بذكر شى‏ء من أوله للإعلام و هو أعون على تعيين المجهولات و دفع الشبهة و قد كنت عينت بذلك كثيرا من الكتب المشتبهة أما أسماء العلوم فذكرتها باعتبار المضاف إليه فعلم الفقه مثلا فى الفاء و ما يليه كما نبهت عليه مع سرد أسماء كتبه على الترتيب المعلوم و تلخيص ما فى كتب موضوعات العلوم كمفتاح السعادة و رسالة المولى لطفى الشهيد و الفوائد الخاقانية و كتاب شيخ الإسلام الحفيد و ربما ألحقت عليها علوما و فوائد من أمثال تلك الكتب بالعزو إليها و أوردت مباحث الفضلاء و تحريراتهم بذكر ما لها و ما عليها و سميته بعد أن أتممته بعون اللّه و توفيقه كشف الظنون عن أسامى الكتب و الفنون. و أهديته إلى معشر أكابر العلماء و زمرة الفحول و الفضلاء و ما قصدت بذلك سوى نفع الخلف و إبقاء ذكر أثر السلف و قد ورد فى الأثر عن سيد البشر من ورّخ مؤمنا فكأنما أحياه و اللّه الميسّر لكل عسير نعم المبشر و نعم النصير و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلى العظيم و هو على مقدمة و أبواب و خاتمة» 80.

و تمضى المقدمة بعد هذا مكوّنة فى حد ذاتها رسالة مستقلة تتحدث عن ماهية العلم و قيمته و تقسيم العلوم و مراتب العلم و شرفه و ما يلحق به و ما يجب أن يتصف به المؤلفون، و عن الشروط اللازمة لنجاح البحث العلمى و الالتزامات التى يتطلبها. و هى تنقسم إلى خمسة أبواب و ينقسم كل باب بدوره إلى عدد من الفصول تحمل عناوين مرهقة على الطراز القديم و استطرادات شتى. و ليس ثمة ما يكشف عن أصالة فى هذا القسم من كتاب حاجى خليفة لأن المؤلف يعتمد فيه اعتمادا كبيرا على المراجع السابقة له فى هذا المضمار. و تتّبع هذه المصادر لا يمثل شيئا عسيرا خاصة و أنها جميعا ترجع إلى العصر السابق لعصر المؤلف مباشرة و تنتمى إلى فئة المراجع فى العلوم التى أشرنا إليها* * * من قبل. و يحتل المكانة الأولى من بينها لدى حاجى خليفة كتاب «مفتاح السعادة» لطا شكبرى‏زاده الشهير و هو مؤلف عاش قبل ذلك بقرن من الزمان (توفى فى عام 968 ه- 1561) و ضرب بسهم وافر فى جميع فروع العلم(Polyhistor) ؛ و الكتاب موجود الآن فى متناول أيدى القراء فقد طبع أصله العربى و ترجمته التركية بل و ترجمة جزئية إلى اللغة الألمانية بقلم ريشرRescher . و قد وضح من فحص هذا المصنف إلى أى مدى اعتمد

624

عليه حاجى خليفة اعتمادا جوهريا لا من حيث المادة فحسب بل و من حيث تصنيفه للعلوم و تبويبه العام‏ 81؛ بل إن عرضه فى بعض الأحايين لا يمثل سوى إعادة لصياغة الأقسام المقابلة من مصنف طاشكبرى‏زاده.

أما المؤلفون الثلاثة الأخر الذين يشير إليهم فى مقدمة كتابه فأولهم المولى لطفى الشهيد أو بصورة أدق لطف اللّه الطوقانى (توفى فى عام 900 ه- 1494) 82، و هو يسبق طاشكبرى‏زاده بخمسين عاما. و ينقسم مؤلفه فى العلوم إلى قسمين كبيرين أحدهما فى «علوم العربية» و الآخر فى «علوم الشريعة»، و هو يعالج فى القسم الأول الكلام على واحد و ثلاثين علما و فى الثانى على أربع و أربعين علما. و قريب من عهده عاش «شيخ الإسلام الحفيد» أحمد بن يحيى التفتازانى (توفى فى عام 916 ه- 1510) 83 و هو أيضا يعالج العلوم على مجموعتين الشرعية و الفلسفية. أما أقرب الثلاثة إليه من الناحية الزمنية فهو مؤلف «الفوائد الخاقانية» محمد أمين الشروانى الذى أتم كتابه عام 1029 ه- 1614 84 و أقام تصنيفه على رقم مصطنع هو رقم ثلاثة و خمسين، و هو مجموع حروف اسم أحمد؛ و المؤلف يصف العلوم على التتابع مبتدئا بالعلوم الشرعية ثم اللغوية فالفلسفية.

و مما لا شك فيه أن حاجى خليفة قد رجع إلى أصحاب الموسوعات الأولى فى تصنيف العلوم كالأكفانى مثلا (توفى فى عام 749 ه- 1348) 85 و لكنه لم يعبأ بالإشارة إلى أسمائهم، غير أنه اتبع منوال طاشكبرى‏زاده فى تصنيفه الواسع للعلوم حتى وصل بعددها إلى أكثر من ثلثمائة؛ و مرد هذا كما سنرى إلى ذكره أحيانا لعلم واحد تحت عناوين مختلفة و إيراده أحيانا لأقسام مختلفة لعلم واحد على أنها علوم مستقلة. و على الرغم من تقسميه للعلوم على خمس مجموعات داخل رسالته العامة فإنه لم يقتصر فى الكلام عليها فى هذا القسم من كتابه وفقا للخطة التى عرض لها فى المقدمة بل عاود الكلام عليها من جديد داخل القسم الأساسى من مصنفه مفردا لكل منها فقرات ليست بالطويلة فى ثنايا ملاحظاته الجمة عن أسماء الكتب. و هو فى هذا المجال يعيد بوجه عام ما قاله فى المقدمة و لكنه يضيف فى العادة إلى هذا تقسيم العلم إلى فروعه المختلفة مع ذكر أهم المؤلفات فى كل ميدان. هذه الفقرات التى أفردها للكلام على العلوم المختلفة تتفاوت من حيث الحجم و الأهمية تبعا لمكانة كل علم بالنسبة للعصر الذى عاش فيه حاجى خليفة نفسه،* * * و نتيجة لذا فإن بعض تلك الفقرات قد تتحول إلى رسائل قصيرة قائمة بذاتها بينما لا يوجد تحت العنوان فى بعض الحالات سوى مكان شاغر بالأصل. و مهما كان موقف البحاثة من أصالة هذه الرسالة الفذة فى تصنيف العلوم و ما يجب أن يتصف به العلماء فإنه مما لا شك فيه أنها تستحق اهتماما جديا من وجهة النظر التاريخية الأدبية لأنها تقدم لنا خلاصة للخبرة النظرية و العملية التى تجمعت لدى المسلمين فى هذا المجال على مدى الفترة التاريخية الطويلة التى تمتد من القرن التاسع إلى القرن السابع عشر.

و قد كان هامرHammer موفقا فى محاولته التى ترجع إلى ما يقرب من قرن و نصف القرن عند ما وضع فى عام 1804 «موسوعة فى العلوم الشرقية»Encyclophdische Uberslcht der

625

Wissenschaften des Orients

فى أكثر من سبعمائة صفحة معتمدا فى ذلك اعتمادا أساسيا على سفر حاجى خليفة. و هو يقدم لنا ترجمة مشطرة للرسالة التى تحويها مقدمة حاجى خليفة 86 ضاما إليها الأقسام المختلفة فى وصف العلوم التى يحتويها صلب الكتاب‏ 87، و يردف على هذا بضم خاتمة المصنف‏ 88 التى ستقف عندها فيما سيمر من هذا الفصل. و كما هو الحال دائما مع دراسات هذا المستشرق الكبير فإنه لمما يؤسف له حقا أن تنفيذ هذا المشروع الذى يعد فى الحقيقة أول مجهود علمى له و الذى بدأه منذ عام 1794 89 لم يرتفع إلى مستوى الغرض الذى أراده؛ و ستكون مهمة مشكورة لو فكر أحد الباحثين فى أن يعيد الكرة على أسس جديدة تضع فى حسابها من جهة تطور العلم منذ أيام هامر و من جهة أخرى المسائل المتعلقة بإخراج متن علمى موثوق به لهذا الأثر الكبير. و منذ عهد ليس بالبعيد (1919) قدم قيدمان‏Wiedemann عرضا دقيقا للغاية و لكن يغلب عليه الإيجاز لتصنيف حاجى خليفة للعلوم الطبيعية و الرياضية و ضم إلى ذلك مادة طاشكبرى‏زاده و غيره من المؤلفين فى هذا الميدان. غير أن قيدمان حصر نفسه فى سرد الأسماء و ترجمة بعض التعريفات‏ 90 و لو أنه يجب الاعتراف بأن مجهوده يمثل خطوة مفيدة فى سبيل تفهم الفكرة الأساسية التى يقوم عليها هذا التصنيف العام.

و موقف حاجى خليفة من الجغرافيا داخل تصنيفه هذا معروف لنا بعض الشى‏ء فيما مر بنا من هذا الكتاب، ففى الفصل الذى أفردناه للكلام على الجغرافيا الرياضية أوردنا القسم الذى يعالج فيه هذا الموضوع من صلب مصنفه‏ 91 و منه يتبين لنا أن حاجى خليفة يعد الجغرافيا قبل كل شى‏ء علما «بطلميوسيا»، فضلا عن أنه يبدى اهتماما خاصا بالجغرافيا الفلكية بل و يعتبر جميع تطور الجغرافيا عند العرب بمتابعة امتداد لمذهب بطلميوس. و هو يفرد داخل علم الفلك مكانا خاصا «لعلم الزيجات و التقاويم‏ 92» و يثبّت بهذا استعمال* * * هذين اللفظين اللذين مر بنا كثيرا؛ كما يوجد لديه داخل قسم «الهندسة» قسم خاص «للملاحة» 93 يقرب كثيرا من الجغرافيا الملاحية، و فيه يعرف الملاحة تعريفا خاصا ربما يرجع فى الأصل إلى محرر كتابه عربه جى باشى. و نصه كالآنى:

«هو علم باحث عن كيفية صنعة السفن و كيفية ترتيب آلاتها و كيفية إجرائها فى البحر و يتوقف على معرفة سموت البحار و البلدان و الأقاليم و معرفة ساعات الأيام و الليالى و معرفة مهاب الرياح و عواصفها و رخائها و ممطرها و غير ممطرها و من مباديه علم الميقات و علم الهندسة» 94.

و من هذا المثال يتضح لنا أن حاجى خليفة قد عدل كثيرا من موقفه النظرى إزاء الجغرافيا، و لعل السبب فى ذلك هو اتساع أفق معرفته بالتالى عند ما تعرف على الجوانب العملية فى محيط الأدب الجغرافى باللغة العربية. فهو لم يعد يقتصر على الكلام على الجغرافيا «الرياضية» وحدها بل و يتكلم عن الجغرافيا «التاريخية» أيضا 95؛ و أهم من ذلك بكثير هو اعترافه بالأهمية المستقلة لعدد من كبير من الأقسام و الفروع التى اكتسبت فى الوسط العربى وجودا مستقلا نتيجة لاحتياجات عملية معينة مما سبق أن عالجنا

626

الكلام عليه فى حينه. فمثلا نراه يفرد أقساما خاصة لموضوعات شتى مثل «علم مسالك البلدان» 96 و «علم خواص الأقاليم و البلدان» 97 و «علم خواص البر و البحر 98» و «علم البرد و مسافاتها» 99 مع أن ذلك يدخل تحت موضوع الفلك؛ و فى هذا الصدد نبصر أحيانا فى تعريفاتها ضربا من الصراع بين الآراء النظرية و نتائج التجربة العملية. و يصلح نموذجا لهذا تعريفه للقسم الأخير، أى الخاص بالبريد و المسافات، ففيه يقول:

«و هو علم يتعرّف منه كمية مسالك الأمصار فراسخ و أميالا و أنها مسافة شهرية أو أقل أو أكثر ذكره أبو الخير من فروع علم الهيئة و ذلك أولى بأن يسمى علم مسالك الممالك مع أنه من مباحث جغرافيا» 100.

و ليس من العسير أن نبصر من هذا المثال كيف أن الأقسام النظرية من كتاب حاجى خليفة لا تقدم أية مادة جديدة فى إيضاح تاريخ تطور الأنماط الجغرافية لدى العرب؛ و من الجائز ألا يكون هو نفسه قد قصد إلى ذلك بل اكتفى كما هو الحال مع بقية الأقسام الأخرى بعرض أمين للآراء المشهورة أو المتعارفة فى عصره.

و على الرغم مما تتمتع به مقدمة الكتاب من أهمية بالنسبة للتاريخ الثقافى عامة، و على الرغم أيضا من قيمة آرائه النظرية فيما يتعلق بالعلوم المختلفة التى عبر عنها فى تلك المقدمة، فإن الحيوية الكبرى التى يتميز بها مصنفه و التى يحتفظ بها إلى أيامنا هذه لا يرجع الفضل فيها إلى تلك المقدمة العامة فى العلوم بل إلى القسم الببليوغرافى الذى يمثل صلب الكتاب. ففيه يقدم لنا حاجى خليفة وفقا للمنهج الذى عرضه فى المقدمة واحدا و خمسمائة و أربعة عشر ألف عنوان للمصنفات و العلوم سائرا فى هذا على النظام الأبجدى. و هو عدد لا يستهان به بالنسبة لذلك العصر خاصة إذا ما وضعنا فى حسابنا أن عدد الكتب و الرسائل التى يسجلها يتجاوز هذا بكثير فهو يسوق تحت رقم ما أسماء عدد من الشروح و التعليقات بصدد مصنف ما، كما أنه حين يتكلم عن أحد العلوم تظهر لديه مجموعة من أسماء المراجع الأساسية فى ذلك العلم. و تفوز بنصيب الأسد بطبيعة الحال المصنفات المدونة باللغة العربية، غير أن أهمية المصنفات فى مجالى الأدب الفارسى و التركى لا تقل عن ذلك كثيرا. و قد رأينا خلال دراستنا هذه كيف أننا اضطررنا إلى الالتجاء إلى مصنف حاجى خليفة بصدد كل أثر تقريبا يمس المسائل الجغرافية؛ و من الملاحظ أن كتاب قستنفلدWusienfeld الذى طال عليه الأمد و الذى يمثل أول محاولة لتقديم بحث جامع فى «الأدب الجغرافى لدى العرب» (1842)

Die Literatur dei Fidbeschreibung bei den Arabern

لا يمثل فى الواقع سوى نقول غير كاملة من كتاب حاجى خليفة. و من الثابت أن الكتاب يتمتع بنفس القدر من الأهمية بالنسبة لجميع فروع الأدب و العلم العربى الأخرى بحيث لا يوجد فرع منها لم يكن هذا الكتاب هو المرجع الأول فيه. و هذه المكانة الكبرى للمصنف قد تم الاعتراف بها بين الأوساط العلمية الأوروبية و لما يمض على وفاة المؤلف بضع عشرات من السنين، فعليه يعتمد كل الشطر الببليوغرافى تقريبا لكتاب، المكتبة الشرقية»Bihliothe ?que Oriemlute لدربلوd`lierbelot

627

(1625- 1695)، و هو ذلك المرجع الشهير الذى نال صيتا واسعا فى القرن الثامن عشر و ظهرت طبعته الأولى عقب وفاة المؤلف و ذلك فى عام 1697 عنى بنشرها و زاد عليها المستشرق الفرنسى غالان‏A .Galland (1646- 1715) المشهور بترجمته «لألف ليلة و ليلة» إلى الفرنسية؛ و لم يلبث أن أعيد طبعه خمس مرات خلال مائة عام (1776، 1777- 1779، 1780، ثم طبع بالألمانية عام 1789- 1790 101. و قد خلف المستشرق الفرنسى بتى دى لاكرواPetit de laCroix عند وفاته (فى عام 1713) مسودة ترجمة تقع فى ثلاثة أجزاء لكتاب حاجى خليفة ترجع إلى الفترة 1698- 1705 102. أما المتن العربى الكامل للكتاب فقد نشره مع ترجمة لاتينية المستشرق الألمانى فليغل‏G .Flu ?gel (1802- 1870) فى الفترة 1835- 1858 فى خمسة أجزاء من المزدوج‏in foIio ، و منذ تلك اللحظة أصبح المرجع الذى لا يستغنى عنه جميع المشتغلين بدراسة الحضارة الإسلامية 103. و الطبعتان اللتان تلتا طبعة فليغل و هما طبعتا بولاق (1274 ه- 1857- 1858) و استنبول (1311 ه- 1893- 1894) لا تمثلان أية خطوة إلى الأمام عند مقارنتهما بالطبعة الأوروبية و لا يرجع إليهما إلا فى حالة افتقاد الأولى، زد على هذا أنهما لا ترتفعان إلى مستوى طبعة فليغل بأية حال من الأحوال‏ 104 (*).

و يجب ألا يغيب عن البال أنه بالنظر للمادة الضخمة المتنوعة التى يحتويها الكتاب بين دفتيه فإن المتن أبعد من أن يعتبر قد ثبت بصورة علمية نهائية إذ أن هذا يتطلب فى واقع الأمر دراسة مستقلة لكل حالة على حدة.

و نحن بوجه عام إزاء مصنف قيم لا تقف أهميته كما ذكرنا من قبل عند محيط الأدب الجغرافى وحده بل تمتد لتشمل جميع الأدب و الحضارة العربية. و لهذا يصبح فى مقدورنا أن نفهم ذلك الشعور بالفخر و الزهو الذى ختم به حاجى خليفة مصنفه فى تعابير بلاغية رفيعة؛ و هذه الخاتمة و إن لم تأت بجديد إلا أنها لا تخلو من بعض القيمة سواء من ناحية الأسلوب أو من ناحية رأيه الشخصى فى نفسه؛ و هو رأى لا نستطيع القول بأنه قد جاوز فيه الحد. قال:

«قد انتهى القول بنا فيما قررناه و انتجز الغرض الذى انتحيناه و استوفى الشرط الذى شرطناه مما أرجو أن يكون فيه فى كل نوع من العلوم للطالب مقنع و فى كل باب منهج إلى بغيته و منزع و قد سفرت فيه عن نكت و فوائد تستغرب و تستبدع و أوردت من النوادر ما لم يرد لها قبل فى أكثر التصانيف مشرع و وددت او وجدت من بسط قبل الكلام فيه أو مقتدى يفيدنيه عن كتابه أو فيه لاكتفى بما أرويه عما أروّيه و إلى اللّه عز و جل جزيل الضراعة فى المنة فى قبول ما منه لوجهه و العفو عما تخلله من تزيّن و تصنع لغيره و أن يهب لنا بجميل كرمه و عفوه ما أودعناه من الكلام على بعض الكتب و المصنفين و من ذكر كتب الأوائل و أصحاب‏

____________

(*) ظهرت باستنبول طبعة جديدة فى جزئين (1941- 1943) تعتمد على نسخة المؤلف نفسه، و ذلك بعناية محمد شرف الدين يالتقايا و رفعت بيلكه الكليسى. (المترجم)

628

الأديان و ما يتعلق بالمجون و الخلاعة و الخذلان و يحمى أعراضنا من ناره الموقدة بحرمة أمين وحيه و يجعلنا ممن لا يذاد إذ ذيد عن حوضه و يجعله لنا و لمن تهمّم باستكتابه سببا يصلنا بأسبابه و ذخيرة نجدها يوم نجد كل نفس ما عملت من خير 105 محضرا انحرز بها رضاه و جزيل ثوابه و يحشرنا فى أصحاب اليمين* * * من أهل شفاعته و نحمده سبحانه تعالى على ما هدانى إليه من جمعه و ألهم و فتح البصيرة لدرك حقائق ما أودعناه و فتهم و نستعيذه جل اسمه من دعاء لا يسمع و علم لا ينفع و عمل لا يرفع فهو الجواد الذى لا يخيب عن أمله و لا ينتصر من خذله و لا يردّ دعوى القاصدين و لا يصلح عمل المفسدين و هو حسبنا و نعم الوكيل و صلوته على نبيه محمد خاتم النبيين و على آله و صحبه أجمعين و سلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين و الحمد للّه رب العالمين» 106.

و بالطبع فقد أولى العلماء الأتراك و العرب هذا الكتاب اهتماما لا يقل بأية حال عن اهتمام العلماء الأوروبيين به و أصبح مرجعا من المراجع الأساسية بالنسبة لهم كذلك، و قد استدرك عليه البعض و زاد عليه و اختصره البعض الآخر أكثر من مرة خلال القرنين الثامن عشر و التاسع عشر ناهيك عن الحالات التى لا يحصيها العد فيما يتعلق بالإفادة منه فى مختلف الأبحاث و الدراسات. و يمكن تكوين فكرة عامة عن ذلك من طبعة فليغل التى ضاعف من قيمتها بالنسبة للطبعات الشرقية أن الناشر استغل بانتظام المسودة المنقحة التى عملها بعد أكثر من قرن من ذلك ابراهيم افندى عربه جى باشى (المتوفى عام 1190) ه- 1776) 107؛ لهذا ينبغى ألا يغيب عن ذهننا أننا إنما نستعمل مصنف حاجى خليفة فى رواية عربه‏جى باشى و أنه من الضرورى فى حالات معينة أن تميز بين الأصل و الزيادة. و الخاتمة التى وضعها عربه‏جى باشى تقدم لنا فكرة عن مجهوده كما تبين لنا فى ذات الوقت أن حاجى خليفة لم يكن قد أجرى قلمه بتصحيح التفاصيل بشكل نهائى، و هو أمر طبيعى فيما يتعلق بالمصنفات الببليوغرافية من هذا الطراز، هذه الخاتمة كما نشرها فليغل تمس جوهر الموضوع مباشرة على النحو الآتى:

«قد اتفق الفراغ عن تصحيح هذا الكتاب بعون عناية الملك الوهاب المشتهر بأسماء الكتب لدى أعيان الأفاضل و الكتاب و قد أمرنى بتصحيحه من هو ولى للعلماء الأعلام و صدر للفضلاء و النبلاء الفهام و الحال أن النسخ من هذا الكتاب قد تطرق فيها التحريف و التصحيف بكثرة الاستكتاب فامتثلت أمره بين الإقدام و الإحجام لعلمى بما انطوى عليه من الإعجام مع ما فى من العجز و القصور و العى و الفتور و اشتغال الأفكار و مصابرة الأقدار فاعتمدت على عوائد مولاى الجليل فى أقداره الجميل* * * فشمرت ساعد الاجتهاد و أخذت فى تحرير ما به قد أشاد بعد أن حصلت مسودة المؤلف لتكوّن الغلط من النساخ إذ الغالب عليهم أن يكونوا للكتب مسّاخ فتتبعت كل ما فيه من كتب و رسائل و حواش و شروح و مراسل بمراجعة كتب الطبقات و التواريخ التى تنوف عن أربعمائة مجلد حتى جعلت كل كتاب بربه مؤيد و جررت وفيات المصنفين الأمجاد بعد أن كانت متفاوتة الأعداد و ربما كان بعضهم خال عن ذكر زمن الوفاة فذكرته ليكون مكملا غير مفتقر لما سواه و أدرجت على ترتيب ما صنّف بعده مما يعدّ و ما فاقه من الكتب و الحواشى‏

629

مما يوجد و كل ما ذكر فيه من بعد تأريخ وفاته فهو مضموم و ما فات مصنفه مما ألّف قبله و هو مفهوم حتى أشرق تمامه فى وقت الإشراق من يوم الأحد الرابع عشر من شهر ربيع الآخر لسنة سبعين و مائة بعد الألف السابع [- 27 ديسمبر 1756] فنسأل اللّه سبحانه أن يجيزنا عليه من كرمه العميم و أن يجزل صلتنا برحمته إنه البرّ الرؤوف الرحيم و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم تسليما و الحمد للّه رب العالمين» 108

و بقدر ما يمكن الحكم لا من ألفاظ المؤلف نفسه فحسب بل و من آراء العلماء الذين تعمقوا فى دراسة هذه المسألة كفليغل و نالينو 109 فإن كتاب عربه جى باشى أهل للثقة و يتصف بالدقة، و ذلك وفقا لمفهوم العصر الذى عاش فيه. و قد سار العلماء الأتراك الذين اهتموا بتاريخ تأليف الكتب على هذا النهج فذيلوا الكتاب و زادوا عليه زيادات قيمة، ففى أواخر القرن السابع عشر (*) أضاف إليه أحمد طاهر حنيف زاده (توفى فى عام 1217 ه- 1802) خمسمائة عنوان جديد فى مصنفه «آثار نو» (الآثار الجديدة) فبلغ بالرقم سبعة و خمسة عشر ألف عنوان (15007) 110 تتعلق فى معظم الحالات بأزمنة متأخرة و تمس أساسا المصنفات المدونة باللغتين الفارسية و التركية، و ينبغى عند الرجوع إليه أن يميز القارئ بين معطيات حنيف‏زاده و بين المتن الأصلى لحاجى خليفة. و قد ظلت التذييلات من هذا الضرب تتعاقب إلى أيامنا هذه بالتقريب، ففى منتصف القرن التاسع عشر قام بذلك عارف حكمت (توفى فى عام 1275- 1858)، و فى بداية القرن العشرين قام به بغدادى اسماعيل باشا (توفى فى عام 1338 ه- 1920) الذى وصل بالرقم إلى تسعة عشر ألف. غير أنه‏ 111 من العسير علينا الحكم على هذه التذييلات و ذلك لسبب بسيط هو أنها لم تطبع حتى أيامنا هذه‏ (**).

و قبل فترة طويلة من انتهائه من الجزء الأول من مصنفه الببليوغرافى أخذ ميل حاجى خليفة نحو الجغرافيا يظهر بصورة واضحة فبدأ فى وقت واحد يعالج التأليف فى عدد من المصنفات فى ذلك المجال.

و هو يعترف أن من الأسباب التى دفعته إلى ذلك كانت حملة كريت ( «اقريطش») لعام 1055 ه- 1645 التى حفزته إلى التهام جميع ما وصل إلى متناول يده فى الجغرافيا، أعنى باللغات الشرقية المعروفة له‏ 112. و لما اتسعت معارفه فى هذا المجال بدأ فى حوالى عام 1058 ه- 1648 فى وضع مصنفه الذى اكتسب بالتالى شهرة ليست بالضئيلة و هو «جهاننما» 113 (وصف العالم) 114؛ و أغلب الظن أن النموذج الأدبى الذى حذا حذوه فى هذا الصدد كان كتاب محمد عاشق «مناظر العوالم» المعروف، فهو قد اعتمد كثيرا على متنه على الرغم من أن كتابه يختلف اختلافا جوهريا من حيث المنهج عن كتاب محمد عاشق‏ 115. و قد دون حاجى خليفة مصنفه منذ البداية باللغة التركية؛ أما الزعم القائل بأنه قد دونه‏

____________

(*) من الجلى أن المؤلف إنما يريد القرن الثامن عشر. (المترجم)

(**) طبع مصنف بغدادى إسماعيل باشا فى جزئين باستنبول (1945- 1947). (المترجم)

630

فى الأصل باللغة العربية فيرجع إلى رينو 116؛ و على الرغم من أن فستنفلد 117 قد أثبت منذ عهد طويل خطل هذا الزعم إلا أنه ما فتئ يتجدد إلى أيامنا هذه و بتفاصيل مغربة فى الخيال كقول بلوشيه‏ 118 مثلا إن «جهاننما» قد كتب فى الأصل باللغة العربية ثم نقله إلى التركية هنغارى من الذين دخلوا حظيرة لإسلام.

و قد بقيت المسودة الأولى للمصنف غير مكتملة رغما من أن المؤلف رفعها إلى السلطان محمد الرابع‏ 119؛ و قد حال دون إتمامها اشتغال حاجى خليفة بوضع مؤلفات أخرى ذات طابع جغرافى أيضا و لكنها تنتمى إلى اتجاه آخر يرتبط بتعرفه على الأدب الجغرافى الأوروبى فى تلك الآونة. و لقد أحس حاجى خليفة من نفسه حاجة ملحة إلى التعرف على هذا الأدب لأسباب معينة أولها رغبته فى أن يضم إلى مصنفه الجغرافى بعض الخارطات و كانت وسيلته الوحيدة إلى ذلك هو نسخها من المصنفات الأوروبية 120؛ و ثانيها أنه كان يريد الحصول على مادة أكثر وفرة عن العالم الغربى؛ و هو قد ذكر هذا بوضوح فى ترجمته لسيرة حياته(aulobiography) و فى مقدمته لترجمة كتاب أوروبى لم يلبث أن ضمنه بالتالى المسودة الثانية «لجهالتما» 121. و بالطبع فقد كان من العسير عليه أن يقتحم هذا الميدان اعتمادا على مجهوده الفردى، غير أنه وفق فى حوالى عام 1064 ه- 1654 كما يذكر فى ترجمته لسيرة حياته‏ 122 فى الحصول على معاون نشط فى شخص راهب فرنسى متفقه اعتنق الإسلام و تسمى الشيخ محمد الإخلاصى، فدرس على* * * يده المؤلفات الأوروبية الكبرى فى مجال الجغرافيا و الكارتوغرافيا كالأطالس و المؤلفات المختلفة لعلماء ذلك العصر مثل أورتلى‏Ortelius (انتورب 1570) و لورنزو دانانياJ .L .d`Ananis (البندقية 1582) و كلوفريوس‏Cluverius (امستردام 1635) 123 و انعكس معظم هذا فى المسودة الثانية، أو «الأوروبية» إن صح القول بذلك، لكتابه «جهاننما». و هو لم يكتف بالرجوع إليها كمصادر أو بالنقل عنها فحسب بل نراه يخرج فى عام 1064 ه- 1065 ه- 1654- 1655 بمساعدة محمد الإخلاصى المذكور ترجمة كاملة «للأطلس الأصغر»Atlas Minor لجيرارد مركاتورGerard Mercalor تحت عنوان «لوامع النور فى ظلمات أطلس مينور»؛ و قد أمكن للبحائة أن يثبتوا على وجه التحديد أنه اعتمد فى ذلك على المسودة المصلحة للأطلس التى نشرها هوندس‏J .Hondus فى أرنهيم‏Arnheim عام 1621 124. و يوجد باستنبول عدد هائل من مخطوطات هذا الأطلس الفريد فى نوعه و الذى خرج نتيجة لمجهود مشترك لعالمين، بل إن النسخة الأصلية التى ترتفع إلى حاجى خليفة 125 لا تزال موجودة أيضا باستنبول؛ و فيما عدا هذا فإننا بكل أسف نفتقر إلى أى اون من المعلومات عن هذا المجهود العلمى لحاجى خليفة.

و عند ما بلغ حاجى خليفة بالأطلس الثلثين، أى قبل أن يفرغ منه نهائيا، بدأ فى تحضير المسودة الثانية لكتابه «جهاننما» و أغلب الظن أنه لم يتمم الأطلس‏ 126 شأنه فى هذا شأن المسودة الأولى «لجهاننما».

631

و يمكن بوجه خاص الحكم على المسودة الثانية «لجهاننما» من فحص مخطوطة بفينا تحوى إلى جانب قسم كامل بتمامه تخطيطات غير كاملة للأقسام التالية بقلم حاجى خليفة نفسه‏ 127، كما تحوى أيضا تصحيحات و ملاحظات أجريت على نفس هذه المسودة الثانية و لكنها بقلم شخص آخر لعله فيما يغلب على الظن مكمل حاجى خليفة المدعو أبو بكر بن بهرام‏ 128. و يكفى لتكوين فكرة عن الطابع العام لهذه المسودة إلقاء نظرة على القسم المفرد للروملى و البوسنه و الذى قام بدراسته هامرHammer منذ عام 1812.

و قد ساد الاعتقاد وقتا طويلا بأن المخطوطة التى اعتمد عليها هامر قد فقدت بالتالى‏ 129 غير أن الفحص الدقية الذى أجراه تيشنرTaeschner أثبت أنها هى نفس مخطوطة فينا التى مر ذكرها 130.

و لم يكن مصير المسودة الثانية «لجهاننما» بأفضل من مصير السابقات عليها فهى أيضا بدورها لم تكمل؛ و بقدر ما يمكن الحكم عليها، و ذلك اعتمادا على القسم المفرد لآسيا و الذى نشره فى عام 1145 ه- 1732 مؤسس فن الطباعة بتركيا إبراهيم متفرقة، فإنه يحيط بهذه المسودة عدد من المسائل الشائكة* * * المرتبطة بتاريخها الأدبى؛ و كما قال تيشنر فإن مصيرها يحيط به ظلام كثيف و ذلك منذ اللحظة التى بدأ فيها المؤلف تدوين ألفاظه إلى اللحظة التى تم فيها طبع ذلك القسم من المسودة 131. و فوق هذا فإن الطبعة تحتوى على زيادات كبيرة ذكر الناشر أنها ليست من عمل حاجى خليفة، زد على ذلك أنه يهمل الإشارة إلى أقسام معينة لا يشك فى أنها ليست لحاجى خليفة. و لعل التفسير الوحيد لهذا هو أنه قد وجدت بين يدى الطابع مسودة مصلحة غير معروفة لنا و أنه قد قنع بالإشارة إلى الزيادات التى أضافها هو نفسه‏ 132 على حين عجز عن التمييز بين المواد المختلفة التى وقعت فى يده أو لم يجد حاجة إلى تبيان ذلك.

و على الرغم من كل هذه التفاصيل المعقدة فإن الفكرة العامة للكتاب و تركيبه واضحة كل الوضوح، و ينحصر الاختلاف الأساسى بين المسودتين الأولى و الثانية فى أن هذه الأخيرة قد استقت مادتها لا من المصادر الشرقية وحدها كما كان عليه الحال من قبل بل و من المصادر الأوروبية أيضا بحيث يبدو تأثير هذه الأخيرة واضحا للعيان‏ 133؛ ثم إن تبويب المادة نفسه يختلف اختلافا جوهريا مع أسلوب المدرسة القديمة فى الأدب الجغرافى العربى بحيث لا تظهر أقاليم بطلميوس السبعة و أقاليم أبى الفدا و «العرفية» الثمانية و العشرون إلا عرضا إذ يبرز هاهنا تقسيم جديد للمادة بتوزيعها وفقا للقارات أطلق على الخامسة منها اسم القارة «الماجلانية»، أما فى داخل القارات نفسها فإن التقسيم يسير وفقا للوحدات السياسية و هذه بدورها تفسح المجال للأقسام الإدارية (و هى «الإيالات» و «الألوية» بالنسبة للدولة العثمانية).

و يوجد بالمقدمة عرض للخطوط العريضة للجغرافيا الرياضية و الفلك وفقا للمذهب الأوروبى، و هو يعتمد فى هذا أساسا على كلوفريوس و يحاول من آن لآخر إجراء مقارنة بين المذهبين الأوروبى و الشرقى‏ 134؛ و على أية حال فإن حاجى خليفة لم يكن من هدفه لا فى هذا المصنف و لا فى مصنفاته الأخرى أن يقوم ببحث علمى أصيل فى ميدان الفلك و الرياضيات. و قد قيل فى حقه أكثر من مرة

632

إنه ليس بعالم بحاثة بل هو ناقل قبل كل شى‏ء؛ و تتمثل مكانته بالنسبة للأدب الجغرافى العربى التركى فى أنه أول من حاول الإفادة من نتائج الأبحاث العلمية الأوروبية الحديثة إلى جانب استعماله المصادر الشرقية القديمة و أن ذلك لم يحدث لديه عرضا بل حدث بصورة منظمة، زد على هذا أن اختياره لمادته يتسم بالكثير من التوفيق و يكشف عن فطرة سليمة. و يرى بارتولد فى نشاطه فى هذا المجال أول محاولة للمزج بين معطيات العلم الأوروبى و معطيات العلم الإسلامى و يوكد أنه لم يحدث أن قام أحد بمثل هذه المحاولة فى الأدب الجغرافى الأوروبى لذلك العهد 135. و كان هدفه الثابت هو تأليف «مدخل»(Handbuch) جديد من أجل القارئ العادى فى القرن السابع عشر يبين فيه النتائج العملية التى سادت فى ذلك العصر، أى أنه لم يكن من غرضه البتة أن يقوم بأبحاث علمية مستقلة 136.

و كما نبصر من مقدمة «جهاننما» فإن حاجى خليفة قد اعتمد فى وضع كتابه على عدد من المصادر باللغة العربية 137، فهو قد رجع إلى المؤلفين الكلاسيكيين من طراز المقدسى كما أفاد إلى مدى بعيد من جميع ضروب كتب «المسالك» كمصنفات البلخى و ابن حوقل و المسعودى و البكرى و ابن سعيد و المهلبى و العذرى. و هو على معرفة جيدة بمعجم ياقوت و بمصنفاته الأخرى فى مسوداتها و تنقيحاتها المختلفة كما عرف جيدا الإدريسى و أبا الفدا و معجم الحميرى، على الرغم من أن المعرفة بهذا الأخير كانت أمرا نادر الحدوث؛ و هو لا يكتفى بالنقل من أصحاب المصنفات ذات الطابع العام كالهروى و القزوينى و ابن الوردى بل أخذ أيضا من «المتخصصين» كخليل الظاهرى، و لمعرفته بالأدب الملاحى نجده يشير إلى عدد من مصنفات سليمان المهرى. و هو يسلك نهج المذهب القديم باستعماله لترجمات بطلميوس و لكنه لا يهمل المؤلفات الحديثة سواء كانت باللغة الفارسية مثل «هفت إقليم» أو بالتركية مثل مصنف سپاهى‏زاده و «بحرية» و «تحفت الزمان» و «مناظر العوالم» الذى يحتل بالطبع المكانة الأولى من بين مصادره الرئيسية.

و أول ما يجب على الباحث الذى يتفرغ لفحص متن «جهاننما» هو أن يميز بين المادة التى ترتفع إلى حاجى خليفة نفسه، أى إلى فترة سلطنة مراد الرابع و إبراهيم و محمد الثانى (منتصف القرن السادس عشر)، و بين المادة التى استقاها من السابقين له. و تحيط بمثل هذا العمل صعوبات جمة لأن حاجى خليفة وقف من مصادره موقفا مغايرا لموقف محمد عاشق فلم يشر إليها فى صلب الكتاب بل اكتفى بالإشارة إليها فى المقدمة وحدها؛ و فى حالات نادرة قد يحدث الضد كما هو الحال مع «أنيس المسامرين» الذى يعالج الكلام على أدرنة فإن حاجى خليفة لم يشر إليه فى المقدمة 138. و لهذا السبب فإن على الباحث أن يتجنب خطأ شائعا يرتبط بمتن حاجى خليفة كما يرتبط بالمتون الجغرافية السابقة له، و هو الاعتقاد بأن جميع ما لم يرد على هيئة اقتباسات من مؤلفين آخرين إنما هو لحاجى خليفة وحده‏ 139.

و هو قد استقى مقدارا كبيرا من مادته فى واقع الأمر من «مناظر العوالم»، غير أن عرضه فى جميع نقاطه أوسع من ذلك بكثير. و فيما يتعلق بالدولة العثمانية فإن مصنفه يمتاز بالكثير من التفصيل و السعة حتى‏

633

أنه يمكن أن يعد فى الحقيقة الوصف الجغرافى الأول و الوحيد للإمبراطورية الذى ندين به لقلم مؤلف عثمانى.

و حاجى خليفة لم يتحول بطريقة منتظمة كمحمد عاشق بهدف جمع المادة الجغرافية من أجل مصنفه و لكننا نعلم تمام العلم أنه سافر كثيرا و شارك فى عدد من الحملات العسكرية و أن منصبه الحكومى قد ساعده كثيرا فى الإفادة من الوثائق الرسمية. و لا تزال الحاجة ماسة للغاية لعمل دراسة لمتن «جهاننما» وفقا للمنهج النقدى فى دراسة النصوص، ذلك أن هذه المهمة لا تزال فى بداية شوطها. و يرجع فضل كبير فى هذا المضمار إلى مجهودات تشنر الذى ألقى الضوء فى عدد من مقالاته على مسائل ذات أهمية بالغة تتعلق* * * بالتاريخ الأدبى لهذا المصنف، غير أن هناك الكثير مما لا يزال ينتظر البحث فى هذا الصدد. و قد أصبح «جهاننما» المصنف الجامع الأول بالنسبة للأجيال التالية، و كما هو الشأن مع عدد من المؤلفات التى لقيت الرواج و الانتشار بين القراء فإن الحد الفاصل بين الرواية الأولى للمؤلف و الزيادات التى أدخلت عليها قد انمحى تماما و ساق هذا بدوره إلى تعقيد مهمة الباحث بشكل ملحوظ 140.

و لا تقل عن هذا تعقيدا المسألة المتعلقة بالخارطات و الرسوم التى يتراوح عددها وفقا للنسخ بين التسعة و الثلاثين و الأربعين و الواحد و الأربعين. و توجد هذه الخارطات مع اختلافات ضئيلة فى نسخ متفرقة من الطبعة التى أخرجها إبراهيم متفرقة فى عام 1145 ه- 1732 للقسم الخاص بآسبا من «جهاننما»؛ و هى لا ترتبط من قريب أو بعيد بالمذهب العربى لذا فقد كان من الطبيعى ألا تجد لها مكانا فى المجموعة الضخمة التى نشرها كونراد ميلرK .Miller ، زد على هذا أن المخطوطات نفسها لم تفحص فحصا دقيقا من وجهة نظر الكارتوغرافيا. و يقدم لنا بلوشيه‏Blochet معطيات طريفة بصدد المخطوطة الباريسية التى لم يتعرف عليها بابنجرBabinger 141 و التى ترتفع إلى عام 1142 ه- 1729 142؛ و قد قام بنسخها شخص يدعى محمود بن عبد اللّه و لكن الرسم على ما يبدو من عمل شخص آخر. و معظم خارطاتها و أشكالها الكوزموغرافية ليست سوى تقليد صرف لنظيراتها الأوروبية، و هذا يمس بصورة خاصة «شكل العالم» و «وردة الرياح» اللذين تم تخطيطهما بطريقة محكمة. أما الجهات فتشبه الحال التى عليها الأطالس الأوروبية أى بوضع الشمال فى أعلى الخارطة، و كذلك تم تبيان المدن وفقا للمذهب الأوروبى السائد آنذاك برسم مجموعة من المنازل جيث يمكن تمييز المدن الإسلامية بظهور مآذن المساجد. و من بين الخارطات ذات الطابع العام خارطة مزدوجة للعالم و خارطات لأوروبا و آسيا و أمريكا و المناطق القطبية الشمالية و الجنوبية؛ و قد بين على جميع الخارطات شبكة خطوط الطول و العرض مما يشير مرة أخرى إلى تأثير النماذج الأوروبية. و علاقة هذه المخطوطة الباريسية بالمتن الأصلى لحاجى خليفة و مصوراته لا تزال تحتاج إلى دراسة دقيقة؛ و يدعونا ضيق الحد الزمنى الذى يفصل بين تاريخ المخطوطة و هو عام 1142 ه- 1729 و تاريخ الطبعة و هو عام 1145 ه- 1732 لأن نفترض أن هذه الأخيرة قد اعتمدت على الأولى أو أنها على الأقل إحدى المسودات الأخيرة لهذا المصنف و لا يمكن بأية حال أن ترتفع إلى عصر حاجى خليفة.

634

و كما ذكرنا من قبل فإن حاجى خليفة لم يكمل أيضا المسودة الثانية «لجهاننما» و قد قام بهذا العمل أبو بكر ابن بهرام (توفى عام 1102 ه- 1691) و ذلك فى غضون القرن الذى عاش فيه حاجى خليفة نفسه.

و جميع الدلائل تشير إلى أنه هو الذى أعطاها صورتها النهائية، و على أية حال فإنها هى التى اعتمدت عليها طبعة عام 1145 ه- 1732 التى تنسب الزيادات العديدة الواردة فى المتن إلى هذا الشخص بعينه‏ 143. و لأبى بكر ابن بهرام مصنف ضخم فى ستة أجزاء بعنوان «جغرافياى كبير» أتمه قبل ذلك، أى فى عام 1086 ه- 1675 و سنعالج الكلام عليه فى مكانه من هذا الفصل: و لم يخل القرن الثامن عشر من مكملين و مقلدين «لجهاننما» فالمصادر تربط به* * * مصنفا لمحمد سعيد شهرى‏زاده (توفى فى عام 1178 ه- 1764) بعنوان «روضة الأنفس فى تاريخ» و تصفه بأنه تتمة «لجهاننما»؛ و يرجع تاريخ تأليفه إلى عام 1153 ه- 1740 144. و لعله تحت تأثيره أيضا الذى ينعكس فى العنوان نفسه ظهر مصنف لمحمد بن حسن شيخى بعنوان «جهاننماى أوروبا» الذى تم تأليفه فى عام 1145 ه- 1732 145؛ و مما يعزز هذا الافتراض أن ذلك المؤلف كان بوجه عام ذا معرفة جيدة بمؤلفات حاجى خليفة و وضع تذييلا لمصنفه التاريخى «تقويم البلدان» تناول فيه تاريخ الفترة بين عامى 1059 ه- 1649 و 1144 ه- 1731 146.

و جميع هذه المحاولات تتضاءل أمام الطبعة الجزئية التى نشرها إبراهيم متفرقة عام 1145 ه- 1732 و التى تعد بحق مجهودا ممتازا بالنسبة لذلك العصر حتى من وجهة النظر الفنية(technlcnl) و تذكرنا فى هذا بالمطبوعات العربية التى أخرجتها مطبعة المديتشى فى القرنين الخامس عشر و السادس عشر. و هذه الطبعة تحتوى على القسم المخصص لآسيا مضافا إليه التكملة التى عملها أبو بكر بن بهرام و الزيادات التى وضعها الناشر نفسه و هى تمثل أكثر من ثلث الكتاب الذى ظهر فى ثمان و تسعين و ستمائة صفحة من القطع الكبير. و الطبعة مزودة بتسع و ثلاثين خارطة فاخرة بعضها ملون، و قد أثار ظهور هذه الطبعة كبقية نشاط هذه المطبعة اهتمام أوروبا و إعجابها نتيجة لما أغدقه عليها الرحالة و الدبلوماسيون و العلماء من ثناء عاطر و تقدير عال. و يبدو من ألفاظ الراهب تودرينى‏Toderini الذى عاش باستنبول فى أواخر القرن الثامن عشر و عرف بتفقهه فى الأدب التركى أن الأتراك كانوا يرون فيها آنذاك خير ما أخرجته مطبعة إبراهيم متفرقة 147.

و هى تعد فى الوقت الحاضر شيئا نادرا للغاية إلا أنه يوجد منها لحسن الحظ نسخة بمعهدنا الشرقى.

هذه الطبعة التى تبرز جانبا فقط من كتاب حاجى خليفة كانت فى حقيقة الأمر الصدر الرئيسى للعلماء الأوروبيين فى جميع أبحاثهم المتعلقة «بجهاننما» إلى أيامنا هذه، و لكن بعد كل الذى ذكرناه فإنها لم تعد وافية بالغرض إذ يجب لمواصلة البحث فى هذا المصنف الاستعانة ببقية المادة الموجودة فى مخطوطات الكتاب العديدة التى تحفل بها دور المخطوطات باستنبول و التى أبعد من أن تكون قد فحصت فى مجموعها 148.

و اعتمادا على الطبعة ظهر فى القرن الثامن عشر و بداية القرن التاسع عشر عدد من الترجمات الجزئية؛ أما مشروع إخراج ترجمة كاملة لها فقد وقف عند حد محاولة فريدة لعالم التركيات السويدى الكبير نور برج‏

635

M. Norberg

(1747- 1826) الذى بدأ فى تنفيذ ذلك المشروع منذ عام 1784 ثم نشر جزئين من ترجمته اللاتينية فى عام 1818 فيما يقرب من ألف و مائتى صفحة. و تقتصر الترجمة على المتن الرئيسى للكتاب أى أنها أسقطت المقدمة، و يبدأ الجزء الأول باليابان* * * أما الثانى فيبدأ بالعراق‏ 149. و بالرغم مما تمتع به كتاب نوربرج من مكانة بالنسبة للعصر الذى ألف فيه فمن الطبيعى أنه لم يعد ذا قيمة كبيرة بالنسبة للعصر الحاضر. و على أية حال فإن دراسة «جهاننما» قد توقفت منذ منتصف القرن التاسع عشر لأن البحاثة انصرفوا إلى دراسة العهود السابقة فى تاريخ الأدب الجغرافى؛ و لكن لم يلبث أن تجدد الاهتمام به فى العشرينيات من القرن العشرين بفضل أبحاث تيشنر التى تمخضت عن اهتمامه بدراسة محمد عاشق فقد أثار هذا المستشرق طائفة من المسائل التى تتعلق فى جوهرها بمتن الكتاب و سار قدما فى طريق حلها، و لا تزال أبحاث تيشنر العديدة فى هذا الصدد تمثل آخر ما وصل إليه العلم فى دراسة «جهاننما».

أما المصنف الرابع لحاجى خليفة الذى يجتذب اهتمامنا من وجهة النظر الجغرافية فإنه يرتبط بميدان أنجز الأتراك فيه أعمالا مجيدة، أعنى ميدان الجغرافيا الملاحية. و قد حزت فى نفس حاجى خليفة الهزائم التى منى بها الأسطول العثمانى فى زمنه فرأى لزاما عليه أن يذكر مواطنيه بماضيهم المجيد فوضع فى هذا مصنفا كبيرا أتمه فى نوفمبر عام 1067 ه- 1656 بعنوان «تحفة الكبار فى أسفار البحار» 150.

و الكتاب فى أساسه مصنف تاريخى و لكنه يرتبط ارتباطا وثيقا بالجغرافيا، و هو ينقسم إلى قسمين غير متجانسين يقع الأكبر منهما فى تسعة فصول و يبحث فى تاريخ الأسطول القديم و انتصاراته مركزا اهتمامه على الحروب مع البندقية و جنوا و غيرهما من دول النصرانية. و إلى جانب هذا فهو لا يهمل تفصيل الكلام على ما قام به العثمانيون فى البحر الأسود و البحر الأحمر و الخليج الفارسى و المحيط الهندى. أما العرض فيرد فى صورة تراجم لقادة الأسطول الكبار وفقا للتتابع الزمنى، و هكذا يمر أمام ناظرينا واحدا تلو آخر قبودانات البحر العثمانيون ممن سطروا صفحات مجيدة فى تاريخ الكفاح البحرى و اكتسبت شخصياتهم لونا أسطوريا بالنسبة للأجيال التالية ابتداء من خير الدين بربروسا و عروج إلى كمال باشا العروف لنا من قبل ثم الملاحان العالمان پيرى ريس و سيدى على چلبى و معاصروهما الذين يصغرونهما سنا و خلفوهما فى قيادة الأسطول و هم بياله باشا و طرغود و على باشا و غيرهم. و بهذا تنكشف أمام أبصارنا لوحة حافلة متنوعة تتميز بالكثير من الحيوية و يمتزج فيها وصف الحملات البحرية بالآراء الجغرافية السائدة فى ذلك العصر.

أما القسم الثانى و الأصغر من الكتاب فيقع فى سبعة فصول تتسم بالقصر و يتناول فيها المؤلف الكلام على ديوان البحرية(admiralty) و الأسطول على أيامه، و هنا يقدم لنا المؤلف قائمة بجميع قادة الأسطول مع تحليل لنظامه الإدارى و وصف مفصل لأنواع السفن المختلفة و لأساليب القتال البحرى.

هذا و يبدأ الكتاب بمقدمة موجزة ذات طابع جغرافى عام تعالج الكلام على البحار و سواحل أوروبا مع وصف مفصل تفصيلا وافيا لجمهورية البندقية و الأراضى التابعة لها. و يجب ألا يغيب عنا أن البندقية كانت تحتل آنذاك المكانة الأولى بين الدول التى تقيم لها الدولة العثمانية وزنا خاصا.

636

و يتبين لنا بجلاء من سيرة حاجى خليفة أنه كان بصفة دائمة شخصا «بريّا»، أى أنه لم يكن على معرفة جيدة بالبحر؛ بيد أنه يبرهن فى كتابه هذا على معرفة عريضة بالجغرافيا الملاحية و بالأدب البحرى هذا فيما عدا معلوماته الواسعة فى كل ما يتصل بهذا الموضوع: و هذا إن دل على شى‏ء فإنما يدل على أن ذكرى ماضيهم المجيد كانت لا تزال حية فى مخيلة جميع الأتراك و أن التعرف على هذا الماضى كان مما يعتز به علماؤهم.

و أغلب الظن أن عددا من أهل جيله كانوا معاصرين لأحداث ذلك الماضى المجيد إذ أن جانبا من قصصه قد دون عن طريق المشافهة.

و ليس ثمة ما يدعو بالطبع لأن نذكر بصورة خاصة أن المصادر الكتابية لحاجى خليفة كانت حافلة للغاية بالنسبة لموضوعه هذا، فقد انتظمت فى الواقع نواحى عديدة و كان من بينها على سبيل المثال «غزوات خير الدين باشا» و هى ذكريات أمير البحر التركى و القرصان المشهور التى أملاها على سنان چاوش فى عهد السلطان سليمان القانونى‏ 151. و من الثابت أيضا أن مادته المتعلقة ببقية أبطال الكتاب قد اعتمدت على مصادر مماثلة.

و العدد الكبير لمخطوطات «تحفة الكبار» يشير إلى أن هذا المصنف قد نال رواجا كبيرا و هو يوجد فى مجموعات المخطوطات المختلفة بأوروبا و استنبول بل إن مخطوطة المؤلف التى كتبها بخط يده موجودة بهذه المدينة 152، غير أن الذى أكسب الكتاب شهرة خاصة هى الطبعة التى أخرجها إبراهيم متفرقة فى ثلاثة أجزاء فى عام 1141 ه- 1729، أى قبل ثلاثة أعوام من ظهور طبعته «لجهاننما»، و هى مشابهة لتلك من حيث الجودة و الإتقان و لكنها تتسم بالروعة و النفاسة فى حد ذاتها 153. فهى تضم خمسا و سبعين صفحة من القطع المزدوج(in folio) إلى جانب سبع صفحات على هيئة مقدمة و صفحتين لتصويب الأخطاء الواردة فى صلب الكتاب؛ و قد ألحقت بها خمس خارطات تصور نصف الكرة(hemisphere) و البحرين الأبيض المتوسط و الأسود و الجزر التابعة للدولة العثمانية و بحر الأدرياتيك و جزره ثم قمباص (بيت الإبرة) مزدوج من النوع الذى تعرفنا عليه فى الفصل المعقود للجغرافيا الملاحية. و الذى قام بتصوير رسوم هذه الطبعة رسام أصله من فينا و عمل ذلك تحت إشراف راهب اسبانى من أهل العلم، على حد قول أوروبى عاصر ظهور طبعة الكتاب.

أما أوروبا فقد تعرفت على المصنف عن طريق مخطوطات متفرقة و قبل أن يخرج من المطبعة.

و لاهتمام الأوروبيين بتركيا و بالنزاع من أجل سيادة البحار فقد ظهرت له ترجمات عديدة منذ القرنين السابع عشر و الثامن عشر و لو أنها لا تزال موجودة على شكل مخطوطات؛ و إحدى هذه الترجمات ندين بها لقلم المستشرق الفرنسى بتى دى لاكرواPe ?tis de la Crlox (توفى فى عام 1713) 154. و بعد قرن من هذا ظهرت الترجمة الإنجليزية التى اعتمدت على النص المطبوع و هى من عمل متشل‏J .Mitchell (1831) و لكنها لا تتجاوز الأربعة فصول، أى ما يقرب من نصف القسم الأول للكتاب‏ 155.

و ترجم المستشرق كاله‏Kahie فصلين من القسم الثانى هما الخامس و السادس (و يشملان الصفحات‏

637

169- 172 من الطبعة الأولى و 151- 158 من الطبعة الثانية) فى تجهيز السفن و معداتها و تكاليفها، و قد شرح كاله ترجمته هذه* * * و نشرها فى مقدمة مؤلفه عن كتاب «بحرية» لپيرى ريس‏ 156. أما بين الأتراك أنفسهم فقد تمتع «تحفة الكبار» بنفوذ طويل الأمد دام إلى القرن العشرين تقريبا.

و فى القرن الثامن عشر وضع محمد سعيد شهرى‏زاده (توفى عام 1178 ه- 1764) مصنفين فى تاريخ مشاهير قادة الأسطول العثمانى‏ 157؛ و قد ظل هذا التقليد حيا فى الأدب التركى إلى القرن التاسع عشر 158 حينما أخرج على رضا سيفى مؤلفاته فى سير حياة كمال ريس و عروج (1325 ه- 1907- 1908) و طرغود ريس (1327 ه- 1909) و بربروسا (1328 ه- 1910) 159. و يمكن أن نلاحظ فى القرن العشرين تجدد الاهتمام بمصنف حاجى خليفة و ذلك بفضل مجهود اثنين من ضباط البحرية العثمانية كرسا نشاطهما بصورة خاصة لدراسة تاريخ الأسطول العثمانى؛ أما أحدهما و هو صفوت بك (توفى عام 1332 ه- 1913) 160 فقد اهتم بإخراج طبعة ثانية للطبعة الأولى(incunabula) لكتاب حاجى خليفة فى عام 1329 ه- 1911 161 و زودها بعدد من الخارطات و الرسوم نقلها عن الطبعة الأولى للكتاب و عن مصادر أخرى، إلا أنه يلاحظ أحيانا أنه لا علاقة لبعضها بمادة الكتاب.

و أما الثانى و هو محمد شكرى (توفى عام 1328 ه- 1910) 162 فإنه إلى جانب بعض المؤلفات فى تاريخ الأسطول العثمانى قد فكر فى إخراج سفر ضخم بعنوان «أسفار بحرية عثمانية» ( «الحملات البحرية العثمانية») و لكن لم ير النور منه سوى الجزء الأول الذى ظهر فى عام 1306 ه- 1887 فى أكثر من خمسمائة صفحة؛ و هو أيضا يشمل عددا كبيرا من الرسوم. و نصف هذا الكتاب بالتقريب مكرس للكلام على تاريخ الحقبة السابقة للعثمانيين و ذلك منذ العصور القديمة، و هو يعتمد فى هذا القسم على مصادر تتفاوت من حيث القيمة أما الفصل الرابع الطويل (الصفحات 59- 131) فيعالج الكلام بصفة خاصة عن العرب و عن الأسطول العربى. و على الرغم من وجود بعض الخلط و من انصراف المؤلف إلى الاهتمام بمسائل أخرى تتعلق بالحضارة العربية فإن هذا الفصل لا يخلو من بعض الأهمية بالنسبة لموضوع دراستنا.

أما تاريخ الأسطول العثمانى فيبدأه منذ لحظات نشاطه الأولى عند حصار القسطنطينية ثم يعرض للمعارك البحرية من عهد بربروسا فيفصل القول فى ذلك أكثر مما فعل حاجى خليفة و يسوق عرضه إلى العهد الذى انتهى عنده الأخير على وجه التقريب. و لا يمكن إنكار الصلة المباشرة بين الكتابين بحيث يمكن القول بأن «تحفة الكبار» يمثل مصدرا من المصادر الأساسية للمؤلف فى الجزء الأول من كتابه؛ و من هذا يتبين لنا أن اهتمام الأتراك بالجغرافيا الملاحية ظل محنفظا بحيويته إلى أيامنا هذه و أن تأثير حاجى خليفة لعب دورا كبيرا فى هذا المجال؛ و كندرمان‏Kindermann الذى يعد من خيرة العارفين بتاريخ الشئون البحرية لدى المسلمين يلاحظ بالكثير من الصواب أنه و إن لم يوجد حتى الآن عرض عام لتاريخ لللاحة عند العثمانيين إلا أنه يوجد فى متناول أيدينا أبحاث تحضيرية جيدة للقيام بمثل هذا العمل. و يمكن‏

638

أن ننسج على منوال كندرمان فنضيف إلى- ذكرناه أو لم نذكره من المصنفات التركية* * * فى هذا الميدان تلك المواد الحافلة(articles) التى ازدانت بها صفحات «دائرة المعارف الإسلامية» و التى ندين بها فى معظم الأحوال لقلمى بابنجرBabingger و دنى‏Dany 163.

لقد أدى بنا تحليلنا للمصنفات الأربعة الأساسية لحاجى خليفة و التى تمس الجغرافيا إلى الإقرار بأن جامعه الضخم «جهاننما»، و سفره الخاص فى محيط الجغرافيا الملاحية «تحفة الكبار»، و مرشده الببليوغرافى العظيم «كشف الظنون» قد ظل كل منها محتفظا بنفوذ كبير و تأثير فعال على سير تطور الأدب الجغرافى العربى التركى، كما و أن العلم الأوروبى لم يهمل تقديرها حق قدرها و بهذا نستطيع القول و نحن مطمئنون بأن حاجى خليفة يستحق عن جدارة أن يعترف به كأكبر جغرافى ظهر بالشرق الأدنى فى القرن السابع عشر.

أما الشخصية الثانية التى برزّت فى محيط الجغرافيا فى نفس ذلك القرن فقد كان الرحالة الأكبر أوليا چلبى، أو «ابن بطوطة التركى» 164 كما يروق للبعض أن يدعوه. و كما هو الشأن دائما فإن هذه المقارنة لا تخلو من جانب من الصحة و لكنها تتطلب من ناحية أخرى بعض الحذر، فأسفاره لم تبلغ المدى الذى بلغته أسفار ابن بطوطة كما أنها لم تمتد فى اتجاه الشرق إلى أبعد من العراق و لهذا فمن العسير الموافقة على لقب «سياح عالم» 165 الذى ما زال الأتراك يطلقونه عليه أحيانا إلى أيامنا هذه. أما من حيث ثقافته الجغرافية فقد كان بلا شك أكثر قراءة و اطلاعا من ابن بطوطة و لجأ أكثر منه إلى استعمال المصادر الأدبية.

و المادة التى يقدمها أوليا چلبى عن سنى حياته الأولى من خلال وصفه الضخم لرحلته مادة متفرقة للغاية و يعوزها التماسك؛ و لكنه يسوق فى مقابل ذلك معلومات طريقة عن أسلافه و هى على الرغم من أنها لا تخلو من عنصر الخرافة إلا أنها تعين على تفهم الوسط الذى نشأ فيه «ابن بطوطة التركى». فقد كان جده حاملا للواء السلطان محمد الثانى الفاتح و اشترك فى فتح القسطنطينية، و قد بلغ أفراد أسرته فى العادة أعمارا طويلة فجده عاش ليبلغ سن المائة و سبع و أربعين أما والده درويش محمد فقد كان جواهرى «قويومجى باشى» البلاط السلطانى و كان فى معية السلطان سليمان القانونى فى أكثر من حملة عسكرية و خدم عشرة من السلاطين و توفى عام 1058 ه- 1648 عن مائة و سبعة عشر عاما. و لا شك أن مركزه كان مشرفا بما فيه الكفاية لأن أم ولده أوليا چلبى كانت أختا للصدر الأعظم؛ أما رحالتنا فقد ولد عام 1020 ه- 1611 و لكن على الرغم من أصله الرفيع فإنه لم يلتحق لا بالجيش الذى كان قريبا منه طول حياته و لا بالبلاط؛ و لا شك فى أنه قد ظهرت لديه منذ البداية ميول علمية و من المعروف أنه كان يحب أحيانا عرض معارفه على الرغم من أنها لم تكن عميقة الجذور. و مهما يكن من شى‏ء فإننا نلتقى به منذ عام 1045 ه- 1636 «حافظا» بمسجد أيا صوفيا* * * و هناك اجتذب اهتمام السلطان مراد الذى ضمه إلى حاشيته فى عمل يتعلق فى أغلب الظن بالبلاط ( «مصاحب»). غير أننا نراه بعد هذا يلتحق بالجيش النظامى برتبة «سباهى»؛ و من الملاحظ أنه لم يرتفع عاليا فى سلك الرتب العسكرية و لعل ذلك يرجع من ناحية إلى أن اتجاهاته كرحالة بدأت تتبلور منذ تلك اللحظة و لم تلبث أن لعبت الدور الرئيسى فى مجرى حياته بأجمعه.

639

و نستطيع القول بأن أسفاره بدأت منذ عام 1041 ه- 1631 و ذلك عند ما أخذ يتجول بانتظام فى نواحى القسطنطينية و المواضع المحيطة بها و قد كرس لهذا فيما بعد الجزء الأول من وصفه الضخم الذى يقع فى عشرة أجزاء و الذى يفصل فيه القول عن أسفاره التى انتظمت واحد و أربعين عاما و التى دونها فى الغالب على شكل يوميات‏ 166. و قد صاغ وصفه للرحلة على هيئة قصص مسهبة يصف فيها ما عاناه من مصاعب و ما مر به من تجارب، و هى لا تخلو من تأثير عامل الخيال مما يذكرنا من بعيد بالبارون منشاوزن‏Baron Mu ?nchausen (*)، و لكنها تتسم من ناحية أخرى بدقة منقطعة النظير بحيث تمكننا من تتبع خط سير هذا التركى الذى لم يقر له قرار فأخذ يجوب الآفاق مرة فى لبوس إمام أو مؤذن فى الحملات العسكرية و مرة ككاتب للسر فى معية شخصيات من كبار رجالات الدولة و طورا كمبعوث خاص لهم إلى العاصمة. و قد ساقته أسفاره إلى بلاد الفرس و القوقاز و بغداد و سوريا و مكة و مصر و جنوبى روسيا و الأفلاق‏Wallachia و البوسنه و النمسا و المجر بل و إلى أعماق بلاد ألمانيا و ربما إلى الأراضى الواطئة و السويد و بولندا. و آخر تاريخ يذكره فى وصف أسفاره هو عام 1089 ه- 1678 و لهذا فيفترض أنه قد توفى عقب ذلك بقليل و ذلك فى عام 1090 ه- 1679 و لم تتقدم به السن كثيرا كأسلافه القريبين منه.

و أفضل وسيلة لتتبع طريق رحلته هو أن نساير حكايته لها لأنه جهد بوجه عام فى أن يحتفظ بالتتابع الزمنى لتحركاته‏ 167، فالجزء الأول مخصص للكلام على استنبول و النواحى المحيطة بها و كان قد بدأ فى جمع مادته منذ عام 1041 ه- 1631. أما الجزء الثانى فيتناول فيه الكلام على بروسه (1950 ه- 1640) و ازميد (نيقوميدية) و رحلته إلى باطوم و طربيزون و بلاد الأبازةAbkhazia (1050 ه- 1054 ه- 1640- 1644) و الحملة على كريت (1055 ه- 1645) و رحلته إلى أرضروم و آذربيجان و كرجستان‏Georgla و أماكن أخرى (1056 ه- 1058 ه- 1646- 1648).

و فى الجزء الثالث يصف رحلته إلى دمشق و سوريا و فلسطين و أرميه و سيواس و كردستان و أرمينيا (1058 ه- 1060 ه- 1648- 1650) و الروملى، خاصة منطقتى بلغاريا و دوبروجه (1061 ه- 1062 ه- 1651- 1652). و فى عام 1059 ه- 1649 أدى أوليا چلبى فريضة الحج و لكنه أرجأ وصفها إلى الجزء التاسع من مصنفه. و فى الجزء الرابع يصف لنا و ان و تبريز و بغداد و البصرة (1065 ه- 1066 ه- 1655- 1556)، أما الخامس فيحوى خاتمة وصف رحلته السابقة من و ان إلى البصرة و وصف رحلته إلى أوتشاكوف‏Ochakov (قره كرمان) و الحملة ضد راكوتشى‏Rakoczi و الغارة على روسيا و ذلك فى عام 1066 ه- 1068 ه- 1656* * * 1658، ثم الحملة على العصاة بالأناضول و رجوعه من بروسه عن طريق الدردنيل إلى أدرنه (1069 ه- 1070 ه- 1659)؛ و يلى‏

____________

(*) اشتهر باللغة الإنجليزية كتاب تم تأليفه فى القرن السابع عشر باسم رحلات البارون منشاوزن نال بالتالى شهرة عريضة و ترجم إلى عدد من اللغات؛ و هى بالطبع رحلات من صنع الخيال تضم أمشاجا من مواد ترجع إلى عصور تاريخية مختلفة. (المترجم)

640

هذا وصفه للسفارة إلى البغدان‏Moldavia و الحملة على ترانسلفانياTransylvania (*) و البعثة إلى البوسنة و الحملة على دلماسيا ثم رجوعه إلى صوفيا (1070 ه- 1071 ه- 1660). و الجزء السادس تشغله الحملة على ترانسلفانيا و البعثة إلى ألبانيا و رجوعه إلى استنبول (1071 ه- 1072 ه- 1661- 1662)، و الحملة ضد المجر و محاصرة ايوارErsekujvar) أو(Neu IIu ?usel ، و رحلته فى النمسا و ألمانيا و هولندا حتى بلوغه بحر الشمال. و يحتوى هذا الجزء على تفاصيل مغربة فى الخيال عن جيش من التتار عدده أربعون ألف جندى و عن الاستيلاء على ايوار و بعض قلاع البحر الأخرى و تمضيتهم الشتاء بقشلاق بلغراد (1073 ه- 1074 ه- 1663- 1664)، ثم البعثة إلى بلاد الهرسك و رحلته إلى راغوزه‏Ragusa و الحملة على الجبل الأسودMontenegro و كانجه‏Kaniza بالمجر و كرواتيا. أما الجزء السابع فمخصص لوصف النمسا و المجر و البغدان و الأفلاق و القريم و داغستان و غيرها من نواحى القوقاز و دشت قبجاق و استراخان و الطريق إلى ازاق‏Azov ؛ و فى الجزء الثامن يصف القريم ابتداء من ازاق‏Azov ، ثم كريت و سلانيك و الروملى بما فى ذلك أدرنة، و الجزء التاسع أفرده لوصف حجته فى عام 1059 ه- 1649 منذ بدايتها من استنبول و فيه يرد وصف مفصل للأناضول و سوريا و الحجاز؛ أما العاشر و الأخير فيحوى وصف مصر مع استطرادات تاريخية مسهبة، ثم الكلام على السودان و بلاد الحبش. هذا و يضم الجزء السابع وصفه لفينا و أوربا الوسطى حيث بلغ أوليا چلبى مدينة دنكرك؛ و يبدو أنه كان فى بداية الأمر ضمن حاشية السفير قره محمد باشا عام 1075 ه- 1664 التى كانت تضم مائة و خمسين شخصا، ثم لم يلبث أن أتم تجواله منفردا و لم يرجع إلى استنبول إلا بعد ثلاثة أعوام و نصف و ذلك فى سنة 1970 ه- 1668 مجتازا فى طريقه بلاد السويد و بولندا و روسيا و القريم‏ 168. و فى العام التالى لهذا أى فى سنة 1080 ه- 1669 اشترك أوليا چلبى فى حملة ضد كريت، ثم فى الحملة ضد المينا(les Mainotes) و قد تردد صدى هذا فى الجزء الثامن من كتابه.

و مصنف أوليا چلبى الذى يقع فى عشرة أجزاء بعنوان «تاريخ سياح» أو «سياحتنامه» يعد من أهم الوثائق التى تصف العصر الذى عاش فيه، فهو مصدر تاريخى فى المكانة الأولى بالنسبة لتلك الفترة و يقدم لنا فى ذات الوقت وصفا للبلاد و الشعوب التى رآها بما لا يدانيه فيه أحد؛ و هو معين لا ينضب فى تفاصيله التى تمس جميع مظاهر الحضارة البشرية 169. و المتخصصون لا يغضون النظر عن عيوبه و لكنهم فى الوقت نفسه لا يتناسون مزاياه الساطعة، و عنه يقول موردتمان‏Mordtmann الذى يعد من خيرة العارفين بتركيا:

____________

(*) استعمل المؤلف للتعبير عن هذا الإقليم اسم «المدن السبع»Semigrad مترجما بهذه التسمية الألمانية للمنطقة و هى‏Slebenbu ?rgen ، و ذلك إشارة إلى مدنه السبع الكبرى التى أنشأها المهاجرون الألمان. أما اسم ترانسلفانيا و معناه باللإتيلية «الأرض الواقعة وراء الغاية» فهو الذى شاع فى الفرنسية و الإنجليزية و انتقل منهما إلى بقية اللغات. و قد عرف الترك المنطقة باسم «اردل»، و هو من التسمية الهنغاريةErdely أى «وراء الغابة» و منها انتقل إلى الرومانيةArdel . و المنطقة الآن تكون جزءا من جمهورية روماليا. (المترجم)

641

«لقد كان أوليا چلبى كاتبا خصب الخيال مع جنوح واضح إلى الغريب و إلى المخاطر؛ و هو يفضل الأسطورة على الوقائع التاريخية الجافة و يلذ له الدخول فى المبالغات بحيث يبلغ فى ذلك حد الاسلاف؛ فإذا ما وضعنا فى حسابنا هذه النقائص فإنه يجب الاعتراف من جهة أخرى بأن كتابه ذخيرة لا تنفذ فى جميع ما يمس الحياة الاجتماعية* * * و الأدب الشعبى و الجغرافيا و أنه يعرض كل هذا فى أسلوب يمتاز بالبساطة و الحيوية معا» 170.

أما بارتولد مع ما عهد فيه من صراحة فإنه لم يستطع إلا أن يوفيه حقه حين قال: «و من الآثار ذات الأصالة التى دونت باللغة التركية وصف رحلة أوليا چلبى الذى يفوق كثيرا آثار الجغرافيا العربية الكلاسيكية فى غزارة مادته (الجغرافية و الاثنوغرافية و اللغوية) على الرغم من أنه قد أعمل فيه خياله بصورة كبيرة» 171. و قد كرر بارتولد هذا الحكم على اوليا چلبى بإيجاز فى كتابه «الحضارة الإسلامية»Kul ?tura Musulmanstva فقال: «أوليا چلبى الذى يفوق من حيث وفرة المادة و غزارة المعلومات مصنفات خيرة الجغرافيين العرب، على الرغم من جنوحه الواضح إلى الخيال» 172.

و إلى مدرسة الجغرافيين العرب يجب أن نضم اسم أوليا چلبى، فمصنفه الفذ الذى يقف نسيج وحده ينتمى بأجمعه إلى المذهب الإسلامى القديم و لا يكشف عن أية معرفة بالأفكار الجغرافية الأوروبية 173، و هو فى هذا يقف على طرف نقيض مع معاصره الذى يكبره سنا حاجى خليفة.

و مما لا ريب فيه أن أوليا چلبى الذى كان يزهو من وقت لآخر بما ناله من معرفة واسعة قد وجد تحت تصرفه مصادر شرقية من جميع الألوان، بيد أن وصف رحلته يعتمد أساسا على ملاحظاته الشخصية الدقيقة كرحّالة يتميز بذهن صاف و درجة عالية من حب الاستطلاع. و من الطبيعى أنه أخذ بعض وصف الرحلة من مصادر أخرى، و يصدق هذا مثلا بصورة خاصة على الإحصائيات و المداخل التاريخية التى ضمنها بعض فصول كتابه. و كثير من الحكايات التى يروبها عن كرامات الأولياء و الصالحين، و هو أمر أحس على الدوام بميل شديد نحوه، قد أخذه عن مختلف كتب «المناقب» و «الزيارات» كما أن بعض معطياته التاريخية التى ترجع إلى عهود مبكرة قد نقلها عن «تواريخ آل عثمان» 174.

و ليس من اليسير الجزم بأنه قد استعار مادته بطريق مباشر عند ما يعالج الكلام على المسائل التى تمس الجغرافيا المحلية و المنطقية بصفة خاصة، و لو أن هذا لا ينفى من جهة أخرى أن ما دونه فى هذا المجال ربما كان صدى لقراءاته فى الماضى لمؤلفين جغرافيين أو لحصوله على معلومات ذات طابع جغرافى. و قد أثبت تيشنر بما لا يدع مجالا للشك أن أوليا چلبى لم يكن على معرفة «بجهاننما» لمعاصره حاجى خليفة الذى يكبره فى السن، و لكنه فى مقابل هذا عرف عن كتب «مناظر العوالم» لمحمد عاشق الذى كان أقرب إليه فى روحه. و تنعكس معرفته بهذا الأخير فى أنه عرف جيدا نظام توزيعه الجغرافى للأقاليم إلى أقاليم بطلميوسية «أقاليم حقيقية» من جهة،* * * و إلى أقاليم وفق منهج أبى الفدا «أقاليم عرفية»، أى‏

642

مناطق جغرافية(geographlcal reGions) ، من جهة أخرى‏ 175. و لعل معرفته بالجغرافيين العرب و الفرس التى تنعكس فى بعض صفحات كتابه قد جاءته عن طريق «مناظر العوالم» المذكور؛ و تكثر هذه المعلومات بوجه خاص عند ما يعالج الكلام على المناطق الإسلامية القديمة مثل العراق‏ 176 التى يقدم لنا مجموعة وافرة من المعطيات عن تاريخها القديم. أما ذكر المصادر الغربية لديه فإنه عند المقارنة بالمصادر الشرقية إنما يأتى عرضا و لا يلعب دورا ذا أهمية سواء من حيث الكم أو من حيث مكانة المصدر نفسه، و لا يتجاوز ذلك «أطلس مينور»Atlas Minor (الأطلس الصغير) الذى قد عرفه بلا شك عن طريق مسودة حاجى خليفة، ثم خارطة للعالم‏Mappa Mundi يحيط بها الشك و يبدو أنها ذات طابع عام يجعل من العسير التثبت من أصلها 177.

من كل هذا يتضح لنا أن المصادر المكتوبة لا تلعب دورا كبيرا فى مصنف أوليا چلبى و أن وصفه للموضوعات الجغرافية فى جميع الأقطار التى زارها إنما يعتمد فى معظم الأحوال على ملاحظاته الشخصية المباشرة. و لهذا فإن مادته تتميز بالأصالة و الشخصية أكثر من مادة محمد عاشق و حاجى خليفة و تعد مصدرا قائما بذاته فيما يتعلق بالأقطار و الشعوب التى تناول الكلام عليها هؤلاء المؤلفون الثلاثة. و مع ذلك فإنه يجب الاحتراز من الإفراط فى الثقة بروايته، خاصة و أنه ليس من عادة أوليا چلبى أن يشير إلى المصادر التى قد يحدث أن تتسرب إلى المتن فى بعض الأحايين دون أن يلتفت القارئ إلى ذلك. كما يجب أن نضيف إلى هذا أن المؤلف لا يخلو من بعض العجب بنفسه و من الميل إلى المبالغة، و أسوأ من ذلك أنه يعمد أحيانا إلى العبث بالحقائق و من ثم فليس غريبا أن تجد طريقها إلى الكتاب بعض الأخطاء و بعض الأحكام المتعسفة. لهذا كله فإن دراسة المصنف و الإفادة منه فى البحث العلمى يحتاج دائما إلى اعمال التحفظ و بذل العناية الشديدة؛ و لا شك فى أن النتائج التى يمكن الحصول عليها بعد ذلك ستكون ذات قيمة كبرى بالنسبة للباحث‏ 178. و كما هو الشأن مع العلماء الذين أوردنا رأيهم فى أوليا چلبى فإن تيشنر بدوره لم يتنكب الصواب حينما عد أوليا چلبى جغرافيا كبيرا بل و بوأه مركز الصدارة فى الجغرافيا الوصفية بين الأتراك العثمانيين. و إذا كان محمد عاشق قد اختتم المذهب القديم فى الجغرافيا التقليدية الذى ساد فى العصور الوسطى فإن أوليا چلبى يختتم هو الآخر أيضا سلسلة الجغرافيين الرحالة من أهل الشرق الذين جابوا الآفاق و دوخوا البلاد 179.

و لا يمكن القول بأن المجهودات التمهيدية التى بذلت فى دراسة أوليا چلبى و متنه، أو الأبحاث التى أجريت فى هذا الصدد، تتناسب مع ما هو عليه من أهمية؛ و قد عقد من المسألة تلك الأوضاع التى أحاطت بالطباعة فى تركيا أو على الأصح بالرقابة على المطبوعات بحيث لم ير النور منذ عام 1258 ه- 1843 سوى مختارات من الجزء الأول و مقتطفات ضئيلة من الأجزاء التالية و هذه لم يكن من شأنها أن تقدم أية فكرة عن الكتاب فى مجموعه. فقط و فى عام 1314 ه- 1315 ه- 1896- 1897 بدأ نجيب عاصم‏

643

فى إخراج طبعة كاملة تعتمد على مخطوطة محفوظة باستنبول و لم تلبث الطبعة أن توقفت لفترة طويلة بعد صدور الجزء السادس فى عام 1308 ه- 1900؛ و فى عام 1928 ظهر الجزآن السابع و الثامن‏ 180 ثم تلاهما فى عام 1935 التاسع و أخيرا الجزء العاشر فى عام 1938؛ و قد ظهرت هذه الثلاثة الأخيرة بالأحرف اللاتينية. و إلى جانب ما يسود هذه الطبعة من تباين و اختلاف مرده إلى أنها استغرقت نصف قرن بالتقريب لتخرج كاملة فإنه لا يمكن بأية حال القول بأنها طبعة علمية أو أنها ترضى مطالب البحث العلمى الحديث، فالمتن من ناحية لم يتم إعداده بطريقة نقدية منهجية زد على هذا أن الرقابة قد ناخت بكلكلها على الأجزاء الستة الأولى‏ 181 فأحدثت بها الكثير من التشويه، لكل هذا فإن الحاجة ماسة للغاية إلى ظهور طبعة علمية جديدة تعمل حسابا لكل المخطوطات العديدة التى تم الكشف عنها إلى الآن‏ 182.

و فى بداية القرن التاسع عشر ترجم هامرHammer بعض مواد لغوية جمعها أوليا چلبى عن اللغتين الكردية و التتارية 183 و أتبع ذلك بترجمته للجزئين الأول و الثانى من الكتاب و ذلك فى الأعوام 1834 و 1846 و 1850 معتمدا فى هذا على مخطوطة فى حوزة الجمعية الأسيوية الملكيةThe Royal Asiatic Soclety . و كما هو الحال دائما مع هذا المستشرق فقد قام هنا أيضا بدور الرائد الذى يكشف عن طريق جديد و لكنه جمع إلى ذلك العيوب المعهودة فى تآليفه. و فى خلال القرن الذى تلا هذا لم يظهر أى إنتاج بالتقريب بخلاف الترجمة الهنغارية للجزء السادس المكرس فى معظمه لبلاد المجر؛ أما الاجزاء الأخرى فلم يظهر منها فى الترجمة سوى شذرات متفرقة داخل أبحاث شتى و هذا يصدق مع الأسف على الأقسام التى تناول فيها الكلام على جنوبى روسيا و شعوب الاتحاد السوقيتى بوجه عام خاصة و أن المادة التى جمعها عنهم أوليا چلبى ليست بالقليلة و لم تدرس إلى الآن إلا فى أبحاث و مقالات قليلة و متفرقة بحيث يمكن القول بأن هذه المادة لا تزال تنتظر البحث. كذلك لا تزال فى حاجة إلى الدراسة المسائل المتعلقة بالتاريخ الأدبى «لتاريخ سياح»، و لعل البحث الوحيد الذى مسها بصورة عامة و عاجلة هو دراسة رتشارد هارتمان‏R .Hartmann عن رحلة أوليا چلبى فى أرض الجزيرة 184.

و قد ركز هارتمان اهتمامه بصورة رئيسية على نقاط معينة فى وصف أوليا چلبى كخط سير الرحلة و مجارى الأنهار و موقفه من الآثار التاريخية و المعتقدات الشعبية. و جميع هذه المسائل بلا شك ذات مغزى كبير بالنسبة للمصنف فى مجموعه و بالنسبة للمنهج العام الذى اتبعه المؤلف. فمن الغريب أن نجد مؤلفا* * * متأخرا مثله تكون لرواياته أهمية كبرى بالنسبة للجغرافيا التاريخية للشعوب القديمة، فطرق المواصلات قد احتفظت فى حالات عديدة بنفس اتجاهها على مر قرون طويلة. مثال ذلك أن الطريق من سيواس إلى ملطية يتفق فى جوهره مع الوصف القديم الموجود فى «وصف طريق انطونينوس»I ?tinerarlum Antonini بصورة يقدم لنا معها أوليا چلبى أفضل تعليق على وصف الطريق القديم‏ 185؛ و فى حالات أخرى لا تخلو معطياته من الطرافة فهى فى ذلك أشبه ما تكون بتعليقات بلينيوس‏Plinius 186.

644

و وصفه للطرق بوجه عام يوكد وجهة النظر الغالبة و التى مؤداها أن أوليا چلبى لم يعمد إلى الخداع بل إن روايته توحى بالثقة منذ اللحظة الأولى‏ 187. و إذا حدث أن وقف القارئ موقف الحذر من مادته فإن هذا لا يمس سوى ناحية تناوله لمصادره و موقفه ممن زودوه بالمعلومات. ففكرته مثلا عن روافد دجلة ليست سوى هراء و هى غير جديرة بالثقة لدى مقارنتها بمادة حاجى خليفة التى تنم عن معرفة جيدة بهذا الموضوع‏ 188؛ و على الرغم من هذا فلا ينبغى أن تغطى عيوبه على محاسنه لأنه كان شاهد عيان لكثير مما وصفه و لو أن لديه بلا شك نقاطا عديدة اتبع فيها مصادر غير جديرة بالثقة و هو عند ما يقف عند حد تدوين ما شاهده بعينى رأسه فإنه يستحق ثقتنا إلى درجة كبيرة على الرغم من أخطائه و مبالغاته‏ 189، أما حين يتبع رواية الآخرين فإنه يتردى بسهولة فى الخطأ نتيجة لسرعة تصديقه و لو أنه يجب ألا يدان فى صرامة على هذا الموقف‏ 190.

و أوليا چلبى يتمتع بدرجة كبيرة من حب الاستطلاع، مثال ذلك أنه أولى اهتماما خاصا للآثار «الكلدانية» القديمة بالعراق و آسيا الصغرى، و هى نفس تلك الآثار التى أخذت تلعب دورا هاما فى العلم الأوربى فى القرن العشرين‏ 191؛ و لقد أثارت عجبه أكثر من مرة هذه الآثار المنحوتة فى الصخور كما أثارت من بعد عجب الرحالة فى العصور التالية 192، كذلك اجتذبت اهتمامه الأبنية ذات السراديب التى تكثر فى تلك النواحى‏ 193. و لا شك أن المسافر الذى جال كثيرا فى تلك البقاع سيدهش لدقته الكبرى فى وصف الجسور التى مر عليها أو التى وردت فى روايته‏ 194 بحيث يتضاءل أمام وصفه لها وصفه للخانات (الفنادق) التى نزل بها 195.

و تمكن الصلة الحقيقية بين ابن بطوطة و أوليا چلبى بصورة قوية فى أن كليهما يجعل الآدميين محور اهتمامه. و رحالتنا يولى اهتماما شديدا لتفصيل الكلام على الأوضاع السياسية فى البلاد التى زارها* * * و يقدم نماذج للغاتها و لهجاتها، الأمر الذى لا يتوفر لدى معظم الرحالة. و مما لا شك فيه أنه لا يفتقر إلى المقدرة على وصف أخلاق و عادات الجماعات التى مر عليها، زد على ذلك أن مادة ضخمة ذات طابع حضارى و تاريخى قد تناثرت خلال صفحات كتابه الضخم. و لكن مما يؤسف له حقا أنه قد استقى معلوماته فى هذا الصدد من شتى ألوان الخرافات التى اعتقد فى صحتها بمنتهى السهولة و لو أنه لم يتخل أبدا عن مقدرته فى الملاحظة. و هو كثيرا ما يعالج خلال كلامه على المدن الكبرى الحديث على الأطعمة و على حرف الأهالى، و يصف ذلك فى العادة فى خطوط حية و معبرة تقدم لنا لوحة واضحة متعددة الجوانب و الألوان لحياة السكان المحليين.

و كما هو أمر طبيعى بالنسبة لشخص من وسطه و عصره فإن أوليا چلبى يولى اهتماما خاصا للكلام على الدين و طقوس العبادة فى الأماكن التى زارها. و فى كلامه على القرى فإنه يلاحظ دائما بالكثير من الدقة أحوال سكانها و ما إذا كانوا مسلمين أم نصارى أم من الأرمن‏ 196، كما أنه فى وصفه للمدن يقف‏

645

بانتظام للكلام على مواضع الزيارات فيها و يقص معجزات الأولياء و بركات المواضع المقدسة 197 مما يقرب كثيرا بينه و بين على الهروى السابق عليه فى هذا المضمار. و حتى فى رواياته هذه أيضا فإنه يتصف بالصدق من وجهة النظر الذاتية بل و يستحق الثقة على الرغم من أنه يقف موقف غير الناقد من كل هذه المعجزات و الغرائب التى عدها حقائق واقعية 198. و هو يولى أحيانا اهتماما ليس بالقليل للمعتقدات الدينية بين النصارى‏ 199، و مما هو جدير بالثناء أنه لا يركز اهتمامه فى المعتقدات الرسمية السائدة بين صفوة النصارى و التى يعرفها جيدا بقدر ما يجهد فى تصوير معتقدات الكتل الشعبية 200. و كل هذا يعطى الحق الكامل للدوائر العملية المعاصرة لتعترف به كآخر رحالة كبير يختتم بحق سلسلة الرحالة الكبار للشرق الأدنى‏ (*).

لقد كان القرنان السادس عشر و السابع عشر عهد ازدهار و انتعاش بالنسبة للأدب الجغرافى التركى، ففى البداية يقابلنا التطور المزدهر فى محيط الجغرافيا الملاحية، أما فى نصفه الثانى فيقدم لنا ثلاث شخصيات متباينة كل التباين و لكن كل واحدة منها تمثل أهمية خاصة و تشغل مكانة كبيرة و تتصف بالأصالة، أعنى بذلك محمد عاشق و حاجى خليفة و أوليا چلبى. فهم قد بزّوا غيرهم فى هذا المجال و لا يمكن بأية حال مقارنة الآخرين بهم. و من الطبيعى أن تستحق بعض شخصيات القرن السابع عشر اهتماما معينا، كما أنه من الممكن أن تكشف الدراسة العميقة بمرور الزمن عن دورهم بصورة أكثر جلاء مما هو عليه الآن.

و مثل هذا الحكم يصدق على متمم حاجى خليفة و مكمل عمله الذى غطى عليه أيضا هذا الأخير رغما مما يتمتع به من قدر معين من الأصالة* * * لا يرقى إليه الشك، ذلك هو أبو بكر بن بهرام (توفى عام 1102 ه- 1691) الدمشقى مولدا و الذى أمضى معظم أيام حياته باستنبول و حلب‏ 201. فهو قد امتاز باطلاعه الواسع، و إذا حدث أن كان اسمه غير معروف بالتقريب إلى أيامنا هذه فإن مرد ذلك إلى حد كبير على ما يبدو إلى أن مؤلفاته ظلت باقية على هيئة مخطوطات و لو أن عددها كبير بشكل ملحوظ. و إلى جانب‏

____________

(*) بمناسبة انتهاء كلامه على أوليا چلبى، يجب أن نوافق المؤلف على رأيه فى الطبعة التركية (و الوحيدة) لمصنفه؛ و لا شك أن الحاجة لا تزال ماسة الى خروج طبعة علمية منقحة و مزودة بالتعليقات بقلم المتخصصين. و يجب أن نعترف بالفضل لبعض العلماء الأوروبيين ممن عالجوا جوانب مختلفة من المصنف. و فى هذا الصدد أشير إلى الدراسات التى ظهرت فى الآونة الأخيرة:

1- عن رحلته فى الاتحاد السوقيتى:

- Evliya Celebl, Knign Puleaheislvla, lzvlechenia iz Sochinenls Turiskogo Pul? es? hes? l? vennlka 71 veku. Percvod I Kommentaril, Sostavitel A. D. Jeltyakov, red. A. S. Tverltlnovn Vypusk I, Zemll Moldxvli I Ukrainy, Moskvs, 1891.

. 2- عن رحلته فى يوغوسلانيا:

- Evllja Celeblja, Putopis Odlomlci o Jugoslobenskim Zemijams, Preveo, Uvod I Kommetar Napisse Hazim Shabanovic, 2 vois, Sarajevo, 7591.

3- عن رحلته إلى فينا:

- Im Reiche des Goldenen Apiels, Das lu? rklschen Weltenbummlers denkwu? rdige, Relse. in- das

Giauereniand und in die Stadt und Festung Wien anno 5661 U? bers, einyeleltet u. erklu? rt von

. (المترجم)R .Kreutel .Graz ,7591 .

646

تتمته «لجهاننما» التى ذكرناها فى موضعها فقد وضع فى عام 1086 ه- 1675 بتكليف من السلطان محمد الرابع مصنفا فى ستة أجزاء بعنوان «جغرافياى كبير»، اختصره فيما بعد فى جزئين. و كلا المصنفين معروف فى نسختين فاخرتين رفعتا إلى الأعتاب السنية و فى مسودات لم يبيضها المؤلف. و يرى بعض المؤلفين الأتراك فى مصنفه هذا ترجمة مصلحة لمؤلف كتب أصلا باللاتينية، و قد استطاع بابنجر أن يدلل أن نفس هذا المصنف يحمل عنوانا آخر هو «نصرة الإسلام و السرور فى تحرير أطلس مينور» و أن يرى مصدره فى «الأطلس الكبير»Atlas Major للعلامة الهولندى بلاى‏W -J .Blaeu (1571- 1638) الذى نال رواجا كبيرا فى أوربا لذلك العصر؛ و هو فرض مغر خاصة و أن السفير الهولندى قد رفع نسخة من هذه الطبعة اللاتينية بالذات كهدية إلى السلطان العثمانى فى عام 1668 و لهذا فمن حقنا أن نضع ابن بهرام فى عداد الجغرافيين ذوى المكانة ممن نحوا فى الجغرافيا منحى حاجى خليفة بل و ربما ترسم خطاه فى هذا الميدان‏ 202.

و يقف دليلا على الرباط الوثيق الذى ربط فى ميدان الجغرافيا بين النواحى المختلفة للإمبراطورية العثمانية فى تلك الآونة مصنف ينتمى إلى نمط الجغرافيا الإقليمية من جهة و إلى نمط الخطط من جهة أخرى.

و صفى الدين عيسى القادرى أحد كبار رجال طائفة النقشبندية، و أصله من مندلى بإيران، وضع مصنفا باللغة التركية عام 1077 ه- 1666 بعنوان «جامع الأنوار فى مناقب الأخيار» و هو عبارة عن تاريخ من دفنوا ببغداد و نواحيها من الأولياء و الصالحين؛ و قد أكمله المؤلف بنفسه إلى عام 1092 ه- 1681 203. و إذا كان المؤلف قد اعتمد أساسا فيما يتعلق بتاريخ الأزمنة السالفة على المؤلفات المشهورة لابن خلكان و بصورة خاصة للكاتبين الفارسيين جامى و مير خوند فإنه يمكن أن يعد فيما يتعلق بالأزمنة المتأخرة مصدرا من الدرجة الأولى فى مجالى الطبوغرافيا و الأئنوغرافيا، و ينعكس هذا جليا فى الأبحاث التى كتبها عن بغداد المستشرقان الفرنسيان هوارHuart و ماسينيون‏Massignon اللذان أفادا كثيرا من مادته. و من الطبيعى أن يثير مصنف صفى الدين اهتمام العلماء العرب ببغداد فنقله إلى العربية فى القرن التاسع عشر بعض أفراد أسرة الآلوسى المشهورة التى قدمت لنا عددا من العلماء.

و تقدم لنا الآثار التاريخية المختلفة التى دبجتها أقلام المؤلفين الأتراك فى القرن السابع عشر مادة جغرافية حافلة؛ و يجب ألا يدهشنا هذا فى شى‏ء فقد كان ذلك أمرا معتادا فى* * * العصور الأدبية المختلفة بل و حدث أن أشرنا فى خلال عرضنا إلى أمثلة عديدة من هذا القبيل. و لكننا سنقتصر فى هذه المرة على مثالين أحدهما مصنف معروف جيدا للمؤرخ حسين هزار فن‏ 204 بعنوان «تلخيص البيان فى قوانين آل عثمان» الذى توجد أفضل مخطوطاته بمعهد الدراسات الشرقية 205 و ترتفع إلى عام 1080 ه- 1669؛ و ينقسم الكتاب إلى ثلاثة عشر فصلا و هو أشبه ما يكون بعرض عام للتشريعات القانونية الكبرى لعهد السلطان محمد الرابع و للنظم الحكومية فى ذلك العصر. و من البديهى أن فصولا منه تدخل بأجمعها فى نطاق الجغرافيا،

647

فالفصل الثانى مثلا مفرد لبناء القسطنطينية و آثار الأباطرة البيزنطيين و للأبنية التى شيدت فى العهد العثمانى و وصف القصر السلطانى و كنوز السلاطنة العثمانيين. و يتناول عدد من فصوله الكلام على الضرائب و إدارة الأراضى مع تحليل مفصل لأشكالها المختلفة. و يعالج الفصل العشرون الكلام على التعدين و الملاحات و تخطيط بعض المدن الخ. و أقرب المؤلفات شبها إلى كتاب هزار فن هى تلك المداخل الإدارية الدواوينية لعصر المماليك من نوع كتاب خليل الظاهرى التى وقفنا عندها حينا من الوقت؛ و مثل هذه الأخيرة فإن كتاب هزار فن يمثل أهمية كبيرة بالنسبة للجغرافيا السياسية و بوجه خاص الجغرافيا الاجتماعية و الاقتصادية.

أما المثال الثانى الذى وقع عليه اختيارنا فهو المؤرخ منجم باشى (توفى عام 1113 ه- 1702) الذى عالج التأليف عن منطقة تتصل اتصالا مباشرا بوطننا السوقيتى. و هو تركى أصله من سلانيك و كما يبدو من اسمه فقد شغل وقتا ما وظيفة منجم بالبلاط و لكنه أمضى الأعوام الأخيرة من حياته بمكة و المدينة مغضوبا عليه؛ و هو قد دون مصنفه الأساسى «جامع الدول» باللغة العربية و لكنه اعتمد فيه على مصادر باللغات الثلاث العربية و الفارسية و التركية، و يشمل الكتاب تاريخ الفترة السابقة لعام 1083 ه- 1672 و لم يترجم الكتاب إلى اللغة التركية إلا عقب وفاته، و ذلك فى الأعوام 1132 ه- 1142 ه- 1720- 1730، بعنوان «صحائف الأخبار»، ثم طبعت هذه الترجمة فى عام 1285 ه- 1868 فى ثلاثة أجزاء تضم نحوا من ألفين و مائتى صفحة 206. و منذ عهد ليس بالبعيد أثبت أحمد زكى وليدى اعتمادا على المخطوطة العربية الموجودة باستنبول أن منجم باشى قد اعتمد على مصنف تاريخى جغرافى مشهور تم تدوينه باللغة العربية هو «دربند نامه» الذى يبحث فى تاريخ باب الأبواب و ما وراء القوقاز 207. و يكتسب هذا الرأى أهمية خاصة إذا ما أخذنا فى حسابنا أن المؤرخ الكبير بارتولد قد نفى نفيا باتا وجود الأصل العربى لهذا المصنف الأخير 208؛ و يبدو أن البحث الخاص الذى وعد زكى وليدى بكتابته حول هذه المسألة لم ير النور إلى لحظة تدوين هذه السطور.

و على الرغم من هذين المثالين اللذين وقفنا عندهما فإن من المستحيل أن ينكر أحد أن المذهب العربى، و الإسلامى عامة، قد خبا نوره بين الأتراك العثمانيين بعد حاجى خليفة و أوليا چلبى فقد أخذ تأثير الأدب الأوروبى و نفوذه يزداد شيئا فشيئا حتى بلغ فى بعض الأحايين درجة من القوة استطاع معها أن يطرد المؤلفات الأدبية الأصيلة و يرجع بها إلى الصف الخلفى‏ 209؛ غير أن فن التاريخ وحده هو الذى أبدى مقاومة عنيفة أمام هذا التأثير و ذلك لارتباطه الوثيق بنظام الدولة نفسها، و يتمثل هذا من جهة فى وجود المؤرخين الرسميين للبلاط الذين بقوا يشغلون هذا المنصب ما بقى نظام الحكم العثمانى العتيق أى حتى عهد ثورة «تركيا الفتاة»Yeni Osmanlilar بالتقريب؛ و ليس ثمت داع إلى أن نضيف أن معظم أولئك المؤرخين قد قنعوا بتقليد النماذج القديمة 210. و قد أخذت أوروبا بما بلغته من شأو و تقدم تجتذب أنظار العثمانيين‏

648

فى جميع مجالات الحضارة الروحية و المادية بشكل مضطرد و وجدت الاتجاهات الحضارية القادمة من أوروبا فى ذلك العهد مدخلا سهلا إلى العثمانيين فى أثناء فترة الانتفاضة التى حاولوا فيها استعادة مجدهم القديم أثناء سلطنة أحمد الثالث و وزيره الداماد إبراهيم باشا عند ما حدث ما اصطلح البعض على تسميته «استعادة المجد القديم فى زى جديد»؛ و تتمثل إحدى مظاهر هذه الحركة التجديدية فى إدخال فن الطباعة بالحروف العربية فى عام 1141 ه- 1729 211. و لعلنا نرى لهذا السبب أن من حقنا أن نقول إن أهم ظاهرة فى محيط الأدب الجغرافى للقرن الثامن عشر لم تكن تلك المصنفات المختلفة أو المؤلفين المختلفين الذين عالجوا التأليف فى هذا المجال بقدر ما تمثلت فى قياء فن الطباعة بتركيا الذى ساهم منذ اللحظة الأولى تقريبا فى نشر و ترويج عدد من أهم الآثار الجغرافية القديمة و الحديثة.

و يرتبط ميلاد هذه الفكرة بل و إخراجها إلى عالم الوجود ارتباطا وثيقا باسم إبراهيم متفرقة (حوالى عام 1674- 1160 ه- 1747) 212، و هو مجرى الأصل و كان يتهيأ فى صباه ليكون من رجال الدين و لكنه وقع فى أسر الأتراك منذ عام 1693 و دخل فى الإسلام؛ و قد عاونه ميله إلى الدراسات التاريخية و الجغرافية و موهبته التى لا يتطرق إليها الشك فى مجال التنظيم فى أن يصبح من كبار رجالات العلم و الأدب فى الدولة العثمانية و من أكثرهم نشاطا و حيوية 213. و تاريخ إدخال فن الطباعة إلى الدولة العثمانية مدروس فى جميع جوانبه بفضل عدد من الأبحاث الجادة التى ظهرت فى الآونة الحاضرة، و إن ظروف ذلك العهد لتكشف لنا بوضوح تام لماذا كان من شروط السماح بدخول آلة الطباعة هو أن تقلع تماما عن طبع أى كتاب له علاقة بالقرآن و الحديث. و قد كان هذا نعمة كبرى بالنسبة للعلوم «الدنيوية» خاصة التاريخ و الجغرافيا اللذين اجتذبا عناية إبراهيم متفرقة بشكل خاص‏ 214 حتى أنه لا يوجد أقل من ستة كتب* * * ترتبط بموضوعات ذات طابع جغرافى من بين السبعة عشر كتابا التى تقع فى ثلاثة و عشرين جزءا التى أخرجتها مطبعته. ففى العام الأول لنشاطها أخرجت المطبعة (1141 ه- 1729) «تحفة الكبار» لحاجى خليفة 215؛ و فى العام الذى تلاه (1142 ه- 1729) خرجت الترجمة التركية لمصنف باللاتينية من وضع علامة يسوعى عاش طويلا بإيران هو الأب كروزينسكى‏Krusinski بعنوان «ترجمة تاريخ سياح»، و هو يبحث فى الحرب مع الأفغانيين و سقوط دولة الصفويين‏ 216.

و بالنسبة لظروف العلاقات السائدة آنذاك بين العثمانيين و إيران فإن هذا الموضوع كان بهم بصورة خاصة الدوائر الرسمية العثمانية، كما أن الكتاب فى حد ذاته لم يكن خلوا من الأهمية فى تفاصيله الجغرافية و التاريخية. و فى عام 1142 ه- 1730 ظهر «تاريخ الهند الغربى» 217، ثم ظهرت خلال عامين من هذا رسالة موجزة فى ثلاث و عشرين صفحة من القطع الكبير من تأليف إبراهيم متفرقة نفسه بعنوان «فيوضات مغنطيسية» و بالنسخة مصوران منقوشان يمثلان «الوردة المغناطيسية»؛ و لم يمكن التثبت من مصدره حتى الآن. و يذكر تسلسيوس‏Celsius أن المؤلف قد جمع معطياته من كتاب عربى،

649

غير أن افتتاحية الكتاب نفسه تتحدث عن «كتب لاتينية» 218. و لعل أكبر خدمة قدمتها هذه المطبعة هى نشرها لكتاب «جهاننما» لحاجى خليفة فى عام 1145 ه- 1732 219. أما آخر السلسلة الجغرافية فيمكن أن نعده مصنف علامة بوسنوى من أهل نوفى‏Novi يدعى عمر و يحمل عنوان «أحوال غزوات در ديار بوسنه»، و قد تم طبعه فى عام 1154 ه- 1741 220؛ و هو قصة ممتعة للغاية من وجهة نظر التاريخ الحضارى مكتوبة بأسلوب سهل يتميز بالحيوية 221 و مسرودة على لسان حكيم أوغلو على باشا عن الحوادث التى جرت فى البوسنة بين عام 1149 ه- 1736 و مارس 1152 ه- 1739 أثناء الحرب مع النمسا. و كان المؤلف معاصرا لهذه الحوادث و أخذ طرفا فيها، و لأهمية روايته فقد ترجمت إلى الألمانية (1789) و الإنجليزية (1830). و من هذا يتضح لنا أن المطبعة قد دفعت بمطبوعاتها إلى رواج المؤلفات الكبرى القديمة من جهة و إلى استيفاء المطالب المعاصرة من جهة أخرى، و كانت خدماتها بالنسبة لأدب التاريخ ليست بأقل مما هو عليه الحال مع أدب الجغرافيا، و يكفى أن نذكر فى هذا المجال «تقويم التواريخ» لحاجى خليفة (1146 ه- 1733) 222، ثم طبعتها الأساسية لتواريخ آل عثمان الكبرى (1147 ه- 1153 ه- 1734- 1741) 223. و مما يؤسف له حقا أن نشاط المطبعة قد توقف منذ عام 1155 ه- 1742 عقب نشرها للمعجم الفارسى التركى الضخم لشعورى‏ 224؛ و ليست واضحة لنا تمام الوضوح الأسباب التى تقف وراء هذا.

و فيما يتعلق بالجغرافيا فإنه يجب ألا نغفل ذكر أن إبراهيم متفرقة قد طبع بضعة خارطات متفرقة ليس من السهل دائما تحديد زمنها بدقة. و من الطريف أن كلا النقاشين اللذين قاما برسم الخارطات من أصل شرقى على ما يبدو، فأحدهما كان يدعى أحمد القريمى أما الآخر فأرمنى يدعى مغردج الغلطوى؛ و من الواضح أن الخارطات الثلاث التى بقيت قد عملت بأهداف تتصل بسياسة الدولة العثمانية فى ذلك العصر فإحداها تمثل خارطة لبلاد الفرس مع جزء كبير من الأناضول و بعض أراضى الدولة العثمانية أما الثانية فخارطة للبحر الأسود مبينة عليها الموانى و بعض الأراضى المتاخمة من القارتين‏ 225 الأوروبية و الأسيوية على حين أفردت الثالثة لمصر وحدها. هذه الخارطات على ما يبدو لا ترتبط فى شى‏ء بالخارطات التى تزين طبعة «جهاننما» و لو أنه توجد بين هذه الأخيرة خارطات قصد بها أن تكون منفصلة؛ و هذا يدفعنا بدوره مرة ثانية إلى الرجوع إلى المسألة المتعلقة بمصورات مصنف حاجى خليفة إذ لا يوجد ثمة شك فى أنها ترتبط ارتباطا وثيقا بنشاط إبراهيم متفرقة و ليست لها علاقة بحاجى خليفة نفسه. و فيما عدا هذا فإن جميع المسائل الأخرى يجب أن تبقى مطروحة على بساط البحث.

و نسخ هذه الطبعة تمثل شيئا نادرا للغاية، و أكثر ندرة من ذلك أن تحتفظ اللسبخ بالمجموعة الكاملة للرسوم التى تبلغ الأربعين فى عددها؛ و مما يزيد فى صعوبة دراستها افتقارها إلى الترقيم زد على هذا أن الملازم قد اختلطت عند جمعها و وقعت فى غير مواضعها المعينة لها. و فى نسخة معهد* * * الدراسات الشرقية

650

التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية و التى رقمها المستشرق فرين‏Fra ?hn يبلغ عدد المصورات وفق ترقيمه الأربعين، أو التسعة و الثلاثين مصورا على الأصح‏ 226 لأن فرين أعطى الرقمين الرابع و الخمس لخارطة العالم المرسومة على ورقة مطوية. و تحفل المقدمة بشكل خاص بعدد من الرسوم فيها عدد من الرسوم التخطيطية و الجداول، ثم يلى هذا الخارطات التى تتعاقب الواحدة تلو الأخرى إلى آخر الكتاب. و هذه الخارطات هى الآتية: (1) الدائرة السماوية (أمام عنوان الكتاب)، (2) نماذج لأشكال هندسية (ص 8)، (3) رسوم توضح كروية الأرض (ص 19)، (4) و (5) العالم وفقا لبطلميوس (ص 21)، (6) مصور آخر للعالم (ص 25)، (7) خارطة السماء (ص 27)، (8) القباب السماوية وفقا لبطلميوس (ص 33)، (9) توزيع اليابس و الماء (ص 49)، (10) «الربع» المعمور و جداول الأقاليم (ص 51)، (11) جدول الأقاليم و المسافات (ص 57)، (12) «وردة الرياح» (ص 59)، (13) بيت الإبرة «البوصلة» (ص 65)، (14) نصف الكرة (ص 71)، (15) البحر الأبيض المتوسط و البحر الأسود (ص 75)، (16) البحر الأدرياتيكى (ص 77)، (17) سواحل تركيا على البحر الأبيض المتوسط (فى نفس الصفحة)، (18) خارطة مسطحة لنصفى الكرة (ص 91)، (19) أوروبا (ص 99)، (20) أفريقيا (ص 101)، (21) آسيا (ص 103)، (22) أمريكا (ص 113)، (23) القطبان الشمالى و الجنوبى (ص 119)، (24) اليابان (ص 125)، (25) غينيا (فى نفس الصفحة)، (26) جزر الهند الصينية (ص 131)، (27) خارطة أخرى لها، (28) خارطة جزر «ملوكه»Moluccas (ص 135)، (29) سومطرة (ص 143)، (30) أرخيبل الملايو و جزر الفلبيين (ص 145)* * *، (31) الصين (ص 153)، (32) دول السهوب الكبرى «ممالك دشت كبير» (أى سيبريا- و آسيا الوسطى، ص 165)، (33) الهند (ص 193)، (34) إيران فى عهد الصفويين (ص 289)، (35) ماوراء النهر (ص 327)، (36) القوقاز (ص 431)، (37) جزيرة العرب (ص 384)، (38) آذربيجان (ص 487)، (39) آسيا الصغرى (ص 629)، و أخيرا (40) البوسفور «خليج القسطنطينية» (ص 671).

و جميع هذه المصورات ترتفع إلى أصل أوروبى صرف و لا يوجد بها من العنصر التركى سوى التسميات الجغرافية؛ غير أن بعضها يستحق أن نقف عنده بوجه خاص فمثلا مصور العالم (رقم 6 على صفحة 25) المرسوم على ورقة مطوية يحمل عنوانا خاصا لا بالتركية وحدها بل و بالعربية أيضا و ذلك على عكس ما هو عليه الحال مع بقية الخارطات، و فوق هذا فقد بيّن عليه تاريخ منفصل بالعربية نصه كالآتى: «رسمت و طبعت هذه الصورة المرغوبة بدار الطباعة العامرة فى البلدة الطيبة قسطنطينية سنة اثنا و أربعين و مائة و ألف»؛ و قد أضيفت أسفل هذا عبارة بالعربية أيضا نصها «على يد الحقير إبراهيم الجغرافى من متفرقكان دركاه عالى». و إذا كان المقصود من ذكر هذا التاريخ الذى يسبق فى الواقع تاريخ الطبعة بثلاثة أعوام هو الإشارة

651

إلى أن إعداد الطبعة قد أخذ وقتا طويلا فإن أسلوب هذا التوقيع كله ليقف دليلا على أن المصور ذو طابع مستقل و أنه قد نشر فى أغلب الظن منفصلا ثم ضم بالتالى إلى «جهاننما». أما المصور الذى يبين «بيت الإبرة» (الرسم رقم 13 بصفحة 65) فقد نص بالتحديد على أنه يرتبط بالكتاب الآخر لإبراهيم متفرقة بعنوان «فيوضات مغنطيسية» الذى ظهر قبل عام من هذا فى سنة 1144 ه- 1732؛ و من الواضح أن الرسم قد استعمل فى الحالتين.

أما عبارة «على يد ... إبراهيم» التى وردت فى الفقرة السابقة فليس هناك ما يدفعنا إلى أخذها أخذا حرفيا و أن نعد المصور من عمل يده شخصيا، فقد كان معاوناه الأولان فى هذا المجال رسامين أو نقاشين مشهورين مر بنا اسماهما منذ لحظات؛ و عدد الرسوم التى تحمل توقيع أحمد القريمى أحد عشر رسما هى الأول و الثالث و الثامن و العاشر و الحادى عشر و الرابع عشر و الخامس و العشرون و الثامن و العشرون و الرابع و الثلاثون و السادس و الثلاثون و السابع و الثلاثون، و تلك التى تحمل توقيع مغردج الغلطوى سبعة هى السابع و الثانى عشر و السابع و العشرون و الثانى و الثلاثون و الثالث و الثلاثون و الخامس و الثلاثون و التاسع و الثلاثون. و هذا الأخير يعطى اسمه مرة على شكل مغردج «غلطة» كما فى الرسمين السابع و الثانى عشر، و مرة على شكل مغردج «غلطوى» و ذلك فى بقية الرسوم؛ و كلاهما يستعمل لفظ «عمل» و لو أنه ليس من الممكن أن نحدد بدقة أكثر ما الذى يجب فهمه من هذا اللفظ. و فى المصور رقم 39 (ص 6209) يوجد إلى جانب التوقيع العادى «عمل مغردج غلطوى» توقيع آخر هو «رسمه إبراهيم طويخانوى»؛ و يجب أن يفهم من هذا أن الأولين كانا نقاشين‏ 227 بينما كان الأخير رساما. و على الخارطتين الختاميتين لآسيا الصغرى و البوسفور (الرقمان 39 و 40 بصفحتى 629 و 671) يبرز فجأة و بطريقة غير متوقعة على الإطلاق المذهب القديم و ذلك بوضع الجنوب فى أعلى الخارطة مما يحمل على الاعتقاد أن إبراهيم قد اعتمد فى هذه الحالة بالذات على مصادر مغايرة. و كل هذه المسائل لا تزال تحتاج إلى البحث و هى تقف دليلا جديدا على أن كلّا من «جهاننما»* * * و طبعة إبراهيم متفرقة برسومها العديدة لم يدرسا بعد دراسة علمية جادة.

من كل ما تقدم يتبين لنا بصورة لا تقبل الشك أن إبراهيم متفرقة لم يكن ذلك الطابع(Printer) الكبير فحسب بل كان فى ذات الوقت جغرافيا مبرزا يقف فى مستوى واحد مع علماء الجغرافيا الأوروبيين المعاصرين له؛ و يبدو هذا بصورة واضحة إلى جانب مجهوده العلمى الشخصى الذى أشرنا إليه أيضا فى إعداده لطبعة «جهاننما» و فيما زاده عليها من تذييلات؛ و هو يقدم لنا فى هذه التذييلات معلومات قيمة عن الجغرافيا و الكوزمولوجيا لدى الشعوب الأوروبية كما و أنه يقدم عرضا عاما لتاريخ الكوزمولوجيا وفق المصادر الأوروبية يمكن أن يعد أول محاولة لتعريف القارئ التركى بصورة العالم لدى الجغرافيين و الفلكيين الكبار مثل بطلميوس و كوبرنيك و تيخوبراهى‏ 228. أما عن الفترة التى تلى توقف نشاط المطبعة

652

فلعل مما يجتذب اهتمامنا بصورة خاصة واقعة معينة من تاريخ سيرة حياة إبراهيم، ففى عام 1156 ه- 1743 بعث به الباب العالى إلى داغستان لتنصيب أحمد خان أوسمى على القيتاق‏ (*) 229.

ان إدخال فن الطباعة إلى الدولة العثمانية و الذى كان يعد فاتحة عهد جديد فى تاريخ الثقافة التركية الحديثة قد أحدث رد فعل عظيم فى أوروبا لذلك العهد و فى الأوساط العلمية المعاصرة؛ بل و حتى قبل ظهور الطبعات المختلفة فإن نبأ قيام المطبعة قد تردد صداه فى الصحف و تلى ذلك أن حظيت كل طبعة بإشارة خاصة كحدث هام قائم بذاته؛ و معظم الطبعات التى كانت تمثل أهمية خاصة قد تم تحليلها بتفصيل مستفيض أو ترجمت إلى اللاتينية أو إلى إحدى اللغات الأوروبية الحديثة. و فى عام 1751 قدم ساسيوس فى تاريخه لمكتبة استكهولم تحليلا خاصا لجميع ما نشرته المطبعة 230، و منذ ذلك التاريخ تعاقبت المؤلفات و الأبحاث عن المطبعة و عن مؤسسها أحيانا و ظل عددها يطرد إلى أيامنا هذه حتى توجت بالبحث المركز الذى ندين به لقلم بابنجر (1919) (**).

و لم تكن روسيا فى ظروف ذلك العهد على علم بظهور هذه الحركة الثقافية الجديدة فى الدولة العثمانية، إلا أن اسم إبراهيم متفرقة على الرغم من ذلك لم يكن مجهولا هناك فقد نقل إلى الروسية اثنان من الكتب التى طبعها و ذلك فى عهد الإمبراطورة كاترينا رغما من أنهما فى حقيقة الأمر لم ينتميا إلى محيط الجغرافيا أو إلى المؤلفات التى تناولنا الكلام عليها؛ و من الطريف أن كليهما ظهر فى عام 1777 و ربما كان ذلك نتيجة للحرب التى اندلعت منذ زمن غير بعيد بين الدولتين و انتهت بصلح كوجوك قينارجى (1774).

أما الكتاب الأول فيحمل فى ترجمته الروسية عنوان «شرح التكتيك أو فن قيادة الجيش، نشره و طبعه بالقسطنطينية باللغة التركية إبراهيم أفندى متفرقة و نقله إلى الروسية الكسى لقاشيوف‏سان بطرسبورغ 1777».

Izobrajenie Taktiki, ili iskusnii obraz pravlenia voiskogo, obnarodovano i napichatano v Konslantinopole na tureiskom iazyke Ibrakhimom Eiendiem Mutteferikom. Perevedeno.

231Alekseem Levashevim SPb ,7771 .

و لا يترك العنوان أدنى شك فى أن* * * هذه الترجمة إنما اعتمدت على الترجمة الفرنسية التى ظهرت بفينا فى عام 1769 لرسالة باللغة التركية نشرت عام 1144 ه- 1732 بمطبعة إبراهيم متفرقة بعنوان «أصول الحكم فى نظام الأمم». و مؤلفها هو البارون بونيفال‏Bonneval (1675- 1747) الذى اعتنق الإسلام و اتخذ اسم أحمد باشا و شغل فى ذلك الوقت منصب قائد الطوبجية العثمانية 232؛ و قد اقتضت عوامل عسكرية معينة ترجمة الرسالة أولا إلى الفرنسية ثم بالتالى إلى الألمانية التى تلتها الترجمة الروسية.

____________

(*) أوسمى لقب أمير القيتاق و يعتقد البعض أن أصل اللفظ هو مسمى العربى. (المترجم)

(**) مما لا شك فيه أن كلام كراتشكوفسكى عن إبراهيم متفرقة فى هذا الفصل يعتبر خطوة إلى الإمام فى دراسة نشاط إبراهيم متفرقة و ذلك لدى مقارنته بمقال موردتمان الذى ظهر «بدائرة المعارف الإسلامية». (المترجم)

653

أما الأثر الثانى من بين مطبوعات إبراهيم متفرقة الذى وجد طريقه إلى البلاد الروسية فقد كان الأجرومية التركية لهولدرمان التى ظهرت باللغة الفرنسية فى القسطنطينية سنة 1730؛ و كانت أول كتاب بالفرنسية يطبع بالحروف المسبوكة. و كان طبع إبراهيم متفرقة لهذا الكتاب يمثابة استجابة لحاجة «الافرنج» المقيمين بالدولة العثمانية. أما ما ثار من نزاع حول شخصية المؤلف فيمكن القول بأنه قد سوى الآن إذ ثبت أنه المبشرMissionary الجزويتى هولدرمان‏J .B .Holdermann (1694- 1730) من أهالى استراسبورج و قد اعتمد فى أجروميته على الأجرومية المشهورة من تأليف مننسكى‏F .Meninski (1623- 1698)؛ و قد توفى المؤلف بعد ثلاثة أشهر من خروج مصنفه من المطبعة. هذا و قد قوبل الكتاب بحماس شديد من الصحافة العلمية لذلك العهد 233 و ظهرت منه طبعتان فى روسيا فى وقت واحد بالتقريب‏ 234 فالطبعة الأولى أخرجتها مطبعة أكاديمية العلوم فى عام 1776 أما الثانية فظهرت فى عام 1777 بمناسبة إدخال تدريس اللغة التتارية بجامعة موسكو، و ندين بهذه الترجمة الأخيرة لطالب يدعى غابلينزل‏Gablizl و هى لا تختلف عن الترجمة الأولى إلا من ناحية العنوان و الافتتاحية و لعلها هى نفس تلك الترجمة و لكن تحت غلاف جديد. و ثمة حقيقة أخرى لا تخلو من مغزى و هى أنه إذا كانت أجرومية هو لدرمان هى أول كتاب فرنسى يطبع فى القسطنطينية بالحروف الفرنسية المحلية فقد كانت الترجمة أيضا بالنسبة لروسيا أول كتاب تستعمل فى طبعه حروف الطباعة العربية المتحركة لا النقش على المعدن(gravure) .

و لقد كان بمقدور القراء الروس فى عهد كاترينا أن يكوّنوا فكرة عامة عن نشاط إبراهيم متفرقة و عن الطبعات التى خرجت من مطبعته، فكتاب «قراءات من أجل الذوق و الذهن و الشعور»

Chtenie dlia vkusa i razuma l chustvovanli

الذى ظهر عام 1791 235 يحتوى على «قطوف من الأدب التركى»lzvlechenia iz turetakoi llterature مأخوذة عن كتاب «الأدب التركى»Letteratura Turchesca لتوديرينى المطبوع بالبندقية عام 1787 236. و قد أقام الأب توديرينى‏G .Toderini (1728- 1799) لمدة خمس سنوات بالقسطنطينية (1781- 1786) و وضع مؤلفا عاما فى ثلاثة أجزاء يعرض فيها. تاريخ الأدب العثمانى* * * بلى و جميع جوانب الثقافة لدى العثمانيين، و كان الكتاب يعد بالنسبة لعصره المؤلف الأساسى فى هذا الموضوع، و لم يلبث أن ترجم سريعا إلى الفرنسية (1789) و الألمانية (1790) 237؛ و المؤلف يولى أهمية خاصة فى كتابه هذا للطبعات الأولى التى ظهرت بتركيا 238. من كل هذا يستبين لنا أن «المتشوقين إلى المعرفة من بين الروس» فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر كان بمقدورهم أن يتعرفوا لا على إسم ابراهيم متفرقة فحسب بل و أيضا على مطبوعاته الجغرافية و على نشاطه كجغرافى ذى مكانة.

و نشاط هذه الشخصية التى جهدت كثيرا فى إدخال فن الطباعة إلى الدولة العثمانية و نشر المعلومات الجغرافية بين رعاياها، الأمر الذى يعد بحق أهم ظاهرة فى الأدب الجغرافى التركى للقرن الثامن عشر.

654

يجب ألا يخفى عن ناظرنا جوانب أخرى جديدة فى أدب ذلك العصر لا يمكن القول بأنها كانت فقيرة فى مادتها.

و بالطبع فإنه لم تظهر أنماط جديدة لم تكن معروفة لنا من قبل، كما أن الأنماط السابقة قد تباورت و اكتسب بعضها أهمية خاصة بل و رواجا خاصا فى بعض الأحايين. فإلى عهود قريبة جدا ظلت تظهر الأوصاف الطبوغرافية و المنطقية(regional) وفقا للمنهج القديم فى مختلف بلاد الدولة العثمانية، إلا أن النمط الذى اكتسب الرواج و الذيوع لدى القراء كان نمط الرحلة فى أشكاله المتعددة. فإلى جانب الترجمات(translations) التى ربما كان مبعثها دوافع شخصية، و الرحلات التى اتجه معظمها إلى الشرق، اتسعت بشكل ملحوظ حلقة الحجيج الذى كان يخرج من مختلف بلدان الدولة و انعكس ذلك فى مختلف الصور الأدبية. كما نما بصورة خاصة طراز ما يسمى «سفارتنامه» و هى أوصاف للسفارات التى بعث بها الباب العالى إلى الحكومات الأجنبية. هذا و قد تمخض النشاط الدبلوماسى للدولة العثمانية فى ذلك العهد عن قيام علاقات قوية مع عدد كبير من الدول فى الشرق و الغرب، غير أن ما دون من آثار فى هذا الصدد يمس بصورة خاصة دول أوروبا التى كانت تمثل بالنسبة للأتراك طرافة الشى‏ء الجديد.

و بفضل نمط «سفارتنامه» هذا الذى ظل يصدر فى سلسلة لا تنقطع و فى أشكال متنوعة فإنه قد وجدت تحت تصرفنا أوصاف متعددة لبلدان مختلفة يمثل بعضها أهمية خاصة كبولندا و روسيا. أما أدب الترجمة، أعنى ترجمة الآثار الجغرافية الأوروبية و صياغتها بصورة تلائم عقلية القارئ التركى فقد أخذ ينمو بصورة ملحوظة فى القرن الثامن عشر 239 بحيث يستطيع كل نمط من الأنماط المعروفة لنا أن يقدم فى هذا الصدد نماذج جديرة بالاهتمام.

و فى محيط الطبوغرافيا (أى تخطيط المدن) و الجغرافيا التاريخية بوجه عام فإن المكانة الأولى يحتلها بالنسبة لنا أثر لا يزال محتفظا بكل قيمته كمدخل عام إلى أيامنا هذه و هو «حديقة الجوامع» لحسين بن إسماعيل الإيوانسرائى (توفى عام 1201 ه- 1786)، و الذى ولد بضاحية من ضواحى القسطنطينية و منها أخذ نسبته‏ 240. و هو يقدم لنا فى مصنفه هذا وصفا لكل «الجوامع» و «المساجد»* * * و «المعابد» و زوايا الدراويش و المدارس و تكايا المساكين و المستشفيات و المقابر المشهورة سواء كانت باستنبول أو بالنواحى القريبة منها، ذاكرا فى الوقت نفسه أسماء و أخبار مؤسسيها و بناتها. و هو يعدد هذه المنشآت وفق حروف المعجم مع تواريخ بنائها إلى عام 1193 ه- 1770، و قد يصل بذلك فى بعض المواضع إلى عام 1195 ه- 1772 و هو العام الذى انتهى فيه من تدوين كتابه إذا استندنا فى ذلك على خاتمة الكتاب. هذا المصنف الذى يرتفع إلى نمط «الخطط» القديم و المعروف لنا جيدا يمثل أهمية لا نظير لها بالنسبة لتاريخ المعمار و الفن بوجه عام خاصة و أن عددا كبيرا من المبانى التى وصفها قد اندرس فيما بعد، كما أن المادة التى يضمها بين دفتيه من مجالى التاريخ الاجتماعى و الاقتصادى لا تقل أهمية عن ذلك؛ و فوق هذا فهو كتاب موثوق به فيما يتعلق بجميع مسائل الجغرافيا التاريخية 241. و قد قدر الأتراك‏

655

* * * قيمته فى القرن التاسع عشر فظهر عدد من المختصرات و التتمات بل و مصنفات جديدة من نفس الطراز يمتل بعضها تقليدا صرفا لهذا الكتاب‏ 242. و أشهر ذيوله مصنف لعلى ساطع أفندى (توفى عام 1258 ه- 1842) الذى امتاز بمعرفته العميقة بخطط استنبول و قد وصل بالكتاب إلى عام 1253 ه- 1837؛ و قد طبعت هذه النسخة المصلحة فى جزئين عام 1281 ه- 1864. و إلى جانب هذا فإن هناك ذيلا آخر لا يزال على هيئة مخطوطة و يصل إلى عام 1276 ه- 1859. و من هذا يتبين لنا أن النمط القديم «للخطط» قد ظل يتمتع بالحيوية إلى العصر الحديث لا فى الوسط العربى وحده بل و بين الأتراك العثمانيين أيضا.

و يصدق هذا الحكم بصورة أدق على الرحلات التى تكاثر عددها بشكل واسع فى القرن الثامن عشر و التى يمكن توزيعها على الأنواع المختلفة التى ذكرناها. و من بين الرحلات التى اتجهت شرقا إلى إيران نكتفى بذكر اثنتين فقط حدثنا فى وقت واحد حوالى منتصف ذلك القرن. فمؤلف الرحلة لأولى التى إلى جانب هذا تعكس سيرة حياته الطريقة بالنسبة لنا هو نعمان أبو سهل صالح‏زاده‏ 243، و أصله من الأناضول الشرقية و لكنه عاش طويلا ببلاط منكلى كراى خان القريم و شغل منصب قاضى عسكر بكفا (فيودوسيا)، و عقب صلح بلغراد مع النمسا فى عام 1154 ه- 1741 عين مندوبا فى لجنة تخطيط الحدود؛ ثم نجده فيما بعد ضمن أفراد سفارة أحمد باشا كسر يلى إلى نادر شاه فى عام 1160 ه- 1747.

و قد تردد صدى جميع هذه الخطوات الثلاث لتاريخ حياته فى كتابه «تدبيرات پسنديده» ( «التدبيرات المستحسنة») الذى ينقسم إلى ثلاث مقالات، فيلى الافتتاحية المقالة الأولى التى يتناول فيها الكلام على رحلاته بالقريم و إقامته ببلاط منكلى كراى، أما الثانية فتتحدث عن نشاطه كمندوب للجنة الحدود بالنمسا، بينما تعالج الثالثة، و ذلك بعد افتتاحية جديدة تمس الحوادث السابقة، رحلته الإيرانية التى بلغ فيها همدان. و من هذا يبدو لنا أن أفق رحلته متسع بما فيه الكفاية من الناحية الجغرافية و متنوع، كما أن مادته حافلة و تتمير بالطرافة فى كل جانب من* * * جوانبها. و لكن مما يؤسف له أن المصنف مازال معروفا إلى الآن فى مخطوطاته فقط.

و قد شارك فى نفس هذه السفارة إلى إيران زميل آخر له ترك لنا وصفا لها هو مصطفى رحمى (توفى* * * عام 1164 ه- 1751) الذى تتركز أهميته بالنسبة لنا قبل كل شى‏ء فى أن أصله من بغچه سراى بالقريم. و قد شغل بالتالى عددا من الوظائف الكتابية بعاصمة الدولة نفسها ثم ضم إلى هذه السفارة فى مهمة «مؤرخ رسمى». غير أن مصنفه «سفارتنامه إيران» غير معروف إلى الآن بصورة مباشرة، و يبدو أن ذكرى مسقط رأسه قد ترددت لديه فى مصنف بعنوان «تاريخ تتار» لعله يمس تاريخ خانات القريم‏ 244.

و كما ذكرنا قبل قليل فقد حظى بازدهار خاص بين نمط الرحلة فى ذلك العهد وصف الحج الذى يسير على نهج تقليد ضارب فى القدم فى البلاد العربية؛ و ليس ثمة ما يبرر تقديم قائمة بهذه الأوصاف‏

656

و يجدر بنا كما حدث فى حالة سابقة مماثلة أن نكتفى بعرض بعض النماذج إما لأنها معروفة بصورة أفضل لدى الدوائر العلمية أو لأنها تنفرد لسبب ما بصفات تميزها عن غيرها. و من أكثر هذه الأوصاف تفصيلا كتاب «مناسك الحج» لمحمد أديب الذى يرجع إلى عام 1193 ه- 1779، و هو معروف فى طبعة استنبولية قديمة ترجع إلى عام 1232 ه- 1816- 1817 و فى ترجمة فرنسية غير كاملة بقلم بيانكى‏Bianchi (1825) 245. هذا الكتاب يتميز على بقية أوصاف الحج بأنه لا يقنع بوصف طقوس الحج التى تتكرر إلى ما لا نهاية مع تغيرات طفيفة فى عدد لا يحصى من المؤلفات بل يفضل الكلام فى وصف الرحلة نفسها و بذا يصلح كمرشد لمن يريدون زيارة بيت اللّه مبينا لهم جميع معالم الطريق خاصة تلك التى ترتبط بتاريخ السيرة النبوية 246؛ و يمكن أن نتبين أحيانا تأثير المصادر الأدبية فى هذا الكتاب فقد ثبت أنه يعتمد فى بعض أقسامه على «جهاننما» 247.

و أكثر من هذا نلتقى بين مجموعات المخطوطة الحافلة بما يسمى «بوصف طريق الحج» الذى يكتفى بسرد جاف لمنازل الطريق‏ 248؛ و هذه الأوصاف لا تخلو فى ذاتها من بعض الأهمية أحيانا بالنسبة لطبوغرافيا و تاريخ بعض المواضع التى يرد ذكرها فيه، غير أن الوصف يتكرر على الدوام فى هذه الكتيبات المختلفة و لا يعتريه أدنى تغير ملحوظ. و لما كان العرض تغلب عليه العجلة و عدم الاكتراث فإن الأخطاء كثيرا ما تجد طريقها إليه كما تجد طريقها إليه فوق ذلك النقول و الاقتباسات من المؤلفين السابقين‏ 249.

و يمكن أن نميز من بين هذه الأوصاف مجموعة خاصة ذات أهداف أدبية، أى تلك التى تهدف بجانب أغراض الإفادة و التعليم تقديم وصف ذى طابع أدبى؛ و خير مثال لهذا مؤلف أصله من أورفا (الرها) و لكنه عاش طويلا بحلب ثم شغل فيما بعد منصبا كبيرا بالعاصمة استنبول و اسمه يوسف نابى توفى عام 1124 ه- 1712) 250؛ و له عدد من المصنفات التاريخية المكتوبة بأسلوب معنى به يجمع بين النثر و الشعر، كما أن له أيضا ملحمة تهديبية نالت رواجا كبيرا كان قد وضعها من أجل ابنه و صاغها فى وزن شعرى معقد 251. و جميع هذه المصنفات قد كسبت فى عصره و فى العصور التالية شهرة واسعة حتى أصبحت أنموذجا أدبيا يحتذى و جعلت المؤلف يفوز بلقب «ملك الشعراء». و فى أسلوب مصنوع أيضا صاغ وصف رحلته إلى الحجاز فى عام 1089 ه- 1678 الذى يحمل عنوان «تحفة الحرمين»، و قد بدأها من اسكدار مارا بقونيه و أورفا و حلب و دمشق و القدس، و أتم تدوينها حوالى عام 1093 ه- 1682 و طبعت باستنبول عام 1256 ه- 1849. أما مضمونها الذى تمت صياغته فى أسلوب رشيق فإنه كما يقول تيشنر غير مستساغ بالنسبة لنا 252، و يصدق هذا بشكل أكبر على الأوصاف الأخرى التى صيغت نظما و التى يمكن القول بأن معظمها لا قيمة له بالنسبة للأبحاث الطبوغرافية و الجغرافية بوجه عام‏ 253.

و يمكن لأوصاف السفارات «سفارتنامه» المختلفة أن تنافس من حيث الكم أوصاف الحج إذ لم‏

657

تفقها، و هى على وجه العموم تعتبر من أكثر ما يميز هذا العهد بل إنها تركت طابعها الخاص على جميع* * * الأدب الجغرافى التركى للقرن الثامن عشر بنفس القدر الذى ترك به حاجى خليفة و أوليا چلبى طابعهما على القرن السابع عشر. و يعدد لنا تيشنر من بينها ثمانية عشر مصنفا 254 ارتفع بها بابنجر إلى ستة و عشرين مصنفا 255؛ و هى فى الواقع أكثر من هذا 256 بل إن من بينها عددا غير قليل يمس روسيا مسا مباشرا. و يوجد عدد منها فى ترجمات و تعديلات قديمة و حديثة باللغات الأوروبية، بل إن بعضها قد نقل إلى البولندية و الروسية فى النصف الأول من القرن الماضى.

و تقفز إلى مقدمة السفارات التى تركت أثرها فى الأدب سفارة قره محمد باشا فى عام 1075 ه- 1665 إلى فينا؛ و قد أحاط بهذه السفارة الكثير من مظاهر العظمة و الأبهة و ضمت حاشيته مائة و خمسين شخصا كان من بينهم كما ذكرنا فى حينه الرحالة أوليا چلبى الذى و اصل بمفرده فيما بعد رحلته فى أوروبا الوسطى. و الوصف الذى حفظه لنا أوليا چلبى عن هذه السفارة و الذى ضمنه الجزء السابع من مؤلفه الضخم يمكن أن يعد فى هذه الحالة أقدم «سفارتنامه» مفصلة باللغة بالتركية 257.

هذا و كانت الصلة بين الأدبين التركى و العربى وثيقة للغاية فى بعض الأحايين داخل هذا النمط، و ينعكس هذا بصورة خاصة فى سفارة محمد سعيد المشهورة إلى فرنسا التى بعث بها السلطان أحمد فى عام 1132 ه- 1133 ه- 1720- 1721 إلى بلاط لويس الخامس عشر 258. و قد أثارت زيارته لباريس اهتماما كبيرا و تردد صداها بقوة فى الصحافة الفرنسية المعاصرة بل و حتى فى فن التصوير 259.

و مصنفه «سفارتنامه» معروف فى روايتين إحداهما مفصلة و الأخرى مجملة، و قد طبع عدة مرات و ترجم أكثر من مرة إلى الفرنسية منذ منتصف القرن الثامن عشر. و قد وصف المبعوث بتفصيل كبير طريق رحلته من طواون إلى باريس و مشاهد العاصمة المشهورة و استقبال الملك له و ما لقيه من تقدير و إكرام‏ 260؛ و قد اكتملت لنا من كل هذا لوحة فنية حية طريفة بالنسبة للأتراك و الأوروبيين على السواء. هذا و كان وصفه، و أكثر من هذا دعاية ابنه سعيد الذى صحبه فى هذه الرحلة، عاملا كبيرا فى إدخال فن الطباعة إلى تركيا 261. و لا يخلو من مغزى أن يجتذب هذا الأثر أنظار العرب بصورة خاصة؛ و نصه العربى موجود فى عدد كبير من المخطوطات‏ 262 توجد من بينها واحدة بمعهد الدراسات الشرقية ضمن* * * مجموعة روسو 263، و لا يزال الأمر يتطلب بحثا خاصا لتحديد العلاقة بين هذه المخطوطات مع بعضها البعض بل و بين النصوص التركية و الفرنسية و العربية المعروفة لنا؛ و لا شك أن مثل هذا البحث سيوكد مرة أخرى الطابع التركيبى(synthetic) للأدب الجغرافى فى ذلك العصر.

و يمكن أن تختتم سلسلة السفارات العديدة إلى فرنسا و التى سارت متتابعة الحلقات على ممر القرن الثامن عشر بالوقوف عند بعثة عبد الرحيم محب التى أرسلت عام 1220 ه- 1806 264؛ و كان الغرض منها حمل هدايا إلى نابليون و تهنئته و أن تبذل قصارى جهدها فى ذات الوقت لإقناعه بالدفاع عن مصالح‏

658

تركيا عند عقد الصلح مع روسيا. و فى ذلك المصنف الضخم الذى يقع فى 361 ورقة من القطع المزدوج أدرج عبد الرحيم أيضا تقاريره إلى الصدر الأعظم التى تنتظم مدى ستة أعوام كما ضمنه جميع تعليقات سفراء الدول الأجنبية فيما يتعلق بوضع الدولة العثمانية و وصف فيه محادثاته مع تاليران‏Talleyrand و مع الكونت روميانتسف‏Rumiantsev و تلستوى‏Tolstoy ، كذلك عرض فيها خواطره الشخصية؛ و مما يسبغ على الكتاب أهمية أكثر هو أن المؤلف ضمنه الإجابات و التعليمات التى تسلمها من قبل حكومته.

و فى مقابل هذا تقتصر الرواية المجملة بصورة خاصة عند حد تحليل الأوضاع الداخلية بفرنسا و وصف المعالم المشهورة مما يمكن من إجراء مقارنة طريفة مع وصف محمد سعيد الذى يرجع إلى عام 1132 ه- 1820 و الذى مر بنا الكلام عليه قبل قليل، بحيث يمكن ملاحظة التغيرات التى طرأت منذ تلك الزيارة الأولى.

و المؤلف يكشف دائما عن مقدرة فائقة فى الملاحظة الدقيقة و عن معرفة جيدة بقواعد السلوك الدبلوماسى.

أما أهمية وصفه بالنسبة للجغرافيا فى مفهومها الواسع فلا يحتاج إثباتها إلى عناء فهو يقدم لنا لوحة للرحلة نفسها و فى ذات الوقت يقدم تحليلا عميقا للأوضاع السائدة بأوروبا لذلك العهد مما كان يمثل إلى جانب غيره من الأهداف إحدى المهام الأساسية للبعثة 265. و بالنظر إلى أننا بسبيل تحليل آثار حافلة غنية كهذه فإنه لا يمثل سوى عنصر من الطرافة إشارتنا إلى أنه قد وجدت أيضا أوصاف سفارات منظومة بالشعر، أى بالأسلوب و الطريقة التى التقينا فيها ببعض أوصاف الحج المنظومة. و خير مثال لذلك سفارة حاجى على أغازشتولى المتوفى عام 1174 ه- 1761 و تشير النسبة إلى أنه من زشتوه أى مدينة سستوفاSistova البلغاريا، فقد بعث به بولندا فى عام 1168 ه- 1754 لينقل خبر ارتقاء السلطان عثمان الثالث عرش آبائه‏ 266. و فى المصنفات التى من هذا النوع الأخير يغلب الشكل على المضمون تماما، كما أنها قليلا ما تقدم أية مادة جغرافية يؤبه لها.

و قد شغلت بولندا و روسيا على مر هذه القرون مكانة هامة فى نشاط الدبلوماسية التركية، لهذا فليس من الغريب أن اتجه عدد كبير من هذه السفارات إلى تلك البلاد بأهداف متعددة. و بعض هذه السفارات حفظ لنا أوصافا متشابهة نقل بعضها إلى لغات تلك البلاد فى صورة ترجمات* * * كاملة أو معدلة.

و عند هذه الأخيرة فقط نسمح لأنفسنا بالتوقف للحظة قصيرة، خاصة و أن ذيول النسيان كادت أن تغطى عليها؛ و يرجع فضل كبير فى دراستها إلى المستشرق سنكوفسكى‏Senkovski و ذلك فى الفترة المبكرة لنشاطه العلمى فقد لفت النظر منذ عام 1825 فى الجزء الثانى من مجموعة مقالاته‏Lollectanea باللغة البولندية إلى ثلاث من هذه السفارات مع إيراد ترجمة مختصرة لها تعتمد فى أغلب الأحيان على النص الموجود بتاريخ أحمد واصف أفندى (توفى عام 1221 ه- 1806) 267. و أول هؤلاء الثلاثة من الناحية الزمنية هو درويش محمد الذى سافر مبعوثا إلى روسيا فى عام 1168 ه- 1755 268 لينقل خبر اعتلاء السلطان الجديد العرش؛ و إلى جانب وصفه للطريق من استنبول إلى بطرسبرغ يصف لنا بتفصيل كاف استقباله فى مختلف المدن الروسية و زياراته للمستشار بستوجف‏Bestujev و لنائب‏

659

المستشار، و لا يخلو وصفه أحيانا من تفاصيل تفيض بروح الفكاهة، كما لا تخلو من الطرافة ملاحظاته عن كييف و نوفعورود و عن الحفل التنكرى الذى شهده بالبلاط الامبراطورى و عن مرفأ كرونشتات‏Kronstadt و قصر بيترهوف‏Peterhof اللذين أجال فيهما النظر بصورة خاصة 269. و فى عام 1826 نشر سنكوفسكى ترجمة لوصفه باللغة الروسية فى «الأرشيف الشمالى»Severnii Arkhiv 270؛ و فى ذات الوقت ظهرت الترجمة الفرنسية بقلم ديموريه‏Dumoret فى «المجلة الأسيوبة» الفرنسيةJournal Asiatigue 271. و تقرب منه من الناحية الزمنية رحلة محمد أغا إلى بولندا عام 1757 التى نقلها سنكوفسكى إلى البولندية معتمدا على تاريخ واصف أيضا 272؛ و من الملاحظ أن بابنجر لا يذكر عنها شيئا عند كلامه على السفارات‏ 273. أما أهم هؤلاء المؤلفين الثلاثة الذين عرّف بهم سنكوفسكى القراء فى بولندا ثم فى روسيا فقد كان دون نزاع أحمد رسمى أفندى (توفى عام 1197 ه- 1783)، و هو دبلوماسى كبير و كاتب مؤرخ موهوب‏ 274 إلى جانب إجادته التامة للغة العربية التى ترك لنا بها «مقامات» و تآليف أخرى من مجال الأدب المصنوع‏ 275، و فى عام 1171 ه- 1757 رحل أحمد رسمى أفندى إلى فينا كسفير، و فى عام 1176 ه- 1763 اجتاز بولندا فى طريقه إلى بلاط ملك بروسيا ببرلين و خلف لنا وصفا مفصلا لانطباعاته عن السياسة البروسية و عن مدينة برلين و عن سكانها و عن كل ما يتصل برحلته فى بولندا. و فى خلال إقامته ببرلين فى عام 1764 تبادل معه المستشرق المكلنبرجى‏Mecklenburg الشهير تيخسن‏O .G .Tychsen أستاذ فرين عددا من المكاتبات باللغة العربية لم يلبث أن نشرها هذا الأخير فيما بعد ضمن مختاراته العربية (1792) 276.

هذا و قد تعرف القراء الأوروبيون على هاتين السفارتين منذ عهد هامر (1809)، كما أن سنكوفسكى قدم فى نفس مجموعته المذكورة ترجمة بولندية لوصف الرحلة الثانية 277. و بعد أعوام طويلة من هذا و بمناسبة اندلاع حرب القريم نشر تلميذه غريغورييف‏Grlgoriev الذى صار فيما بعد الأستاذ الأول لتاريخ الشرق بجامعة بطرسبرغ الترجمة الروسية فى مجلة «موسكفيتانين»Moskvitianln (1855) 278؛ و قد ظل هذا الأثر يجتذب الأنظار فى الأدب الأوروبى فى القرن التاسع عشر.

و بفضل مجهود سنكوفسكى تعرف القراء الروس على أثر ثان لأحمد رسمى أفندى يرتبط ارتباطا مباشرا بروسيا هو رسالته «خلاصة الاعتبار» التى تكشف عن ذكاء و فطنة و تتعلق بنتائج الحرب الروسية التركية 1769- 1775. هذا الأثر الذى لا يخلو أسلوبه من الفكاهة و لكنه يفيض بسخرية مريرة قد صيغ فى لغة بسيطة للغاية أقرب إلى لغة الكلام اليومية و يعد أنموذجا من النماذج الكلاسيكية الكبرى فى الأدب العثمانى‏ 279. و هو إلى جانب هذا يقدم لنا لوحة حية لتطور الحوادث التاريخية على مدى عشرة أعوام بالتقريب؛ و الكتاب فى مجموعه يحفل بتفاصيل جغرافية وافرة صيغت فى نفس الأسلوب الساخر.

و قد ظهرت أول ترجمة له بالألمانية فى عام 1813 و قام بها المستشرق المشهور ديتس‏Dietz الذى كان‏

660

يمد غوته‏Goethe بالمعلومات عن الشرق، و هو يعد من أوائل المشتغلين بالدراسات التركية فى أوربا.

و لم يكن بوسع الكتاب ألا يجتذب نظر سنكوفسكى خاصة و أن أسلوبه تربطه به رابطة الرحم، ففى عام 1842 قدم ترجمة كاملة أو على الأصح معدلة بطريقته الساحرة الجذابة و نشرها فى مصنفه «مكتبة القراءة»Biblioteka dlia chtenia ؛ و قد اعتمد سنكوفسكى فى ترجمته على مخطوطتين كانتا بمكتبة جامعة بطرسبرغ ليس لهما الآن من أثر 280. و بمناسبة اندلاع حرب القريم أعيد طبع الترجمة فى عام 1854، ثم نشرها فيما بعد مزودة بملاحظاته تلميذ سنكوفسكى المستشرق ب. سافيليف‏B .Saveliev ضمن «مجموعة مصنفات سنكوفسكى»Sobranie Sochinenii 281. و لا شك فى أن هذه الترجمة تدخل فى عداد أفضل ما سطره يراع هذا المستشرق الأديب. غير أن رسالة أحمد رسمى تمثل فى ذاتها مصنفا طريفا فيما يتعلق بتوضيحها للمادة الجغرافية. و معالجتها لها و هذا هو السبب الذى جعلنا نفرد لها سطورا فى عرضنا هذا إلى جانب سفارته البرلينية.

هذه النماذج الثلاثة للسفارات التى وجدت طريقها إلى الأدب الروسى بفضل مجهود سنكوفسكى و غريغورييف لا تستوعب جميع السفارات «سفارتنامه» التى تتصل بروسيا؛ و لا يزال أمام علماء التركيات الروس مهمة قومية لدراسة هذه المادة فى المستقبل و إلقاء الضوء على جوانبها الغامضة. و هى ترجع بأكملها تقريبا إلى القرن الثامن عشر و لا نعرف عن بعضها شيئا ما بخلاف وجود أوصافها بين مجموعات المخطوطات؛ و إذا ما حاولنا أن نرتبها ترتيبا زمنيا فسنلنقى بالأسماء الآتية: محمد أمين (توفى عام 1163 ه- 1750) الذى* * * ذهب سفيرا إلى روسيا فى عام 1151 ه- 1738 282؛ و عثمان شهدى الذى زار بلاط كاترينا عام 1171 ه- 1757 و خلف لنا وصفا للعاصمة يفيض بالحيوية و تحليلا لشخصيات كبار رجال الدولة 283؛ و محمد أمين نحيفى الذى وصف سفارة عبد الكريم باشا الذى عقد الصلح مع روميانتسف و كان سفيرا ببطرسبرغ عام 1185 ه- 1772 284؛ و نجاتى الذى ترك لنا وصف السفارة التالية التى وصلت بعد ثلاثة أعوام من هذا و ذلك فى سنة 1189 ه- 1775 285. و يختتم سلسلة هؤلاء الرحالة المعروفين لنا مصطفى راسخ (توفى عام 1218 ه- 1803) الذى بعث به الباب العالى عقب صلح ياسى (فى عام 1205 ه- 1790) إلى العاصمة الروسية فى عام 1207 ه- 1793 و الذى رجع إلى استنبول فى العام التالى لهذا؛ و مما يسبغ على وصفه أهمية خاصة هو تحليله لعدد كبير من شخصيات البلاط الروسى معتمدا فى ذلك على ملاحظاته الشخصية 286 كما و أنه لا يهمل إلى جانب هذا الكلام عن البلاد نفسها. و بجانب هذه الشخصيات التى ذكرناها فستكون من مهمة المتخصصين فى الدراسات التركية أن يبينوا بوجه التحديد المصادر التى اعتمد عليها كتاب صدر بالروسية هو «رحلة التركى قره بولاد الذى كان يعمل كاتما للسر لدى السفير العثمانى بروسيا»

Puleshestvie Luika Karabulata byvshcgo sekreiaria posolstva pri turetslcom pocle V Rosli

. و يقال إن هذا الكتاب قد نقله عن التركية

661

شخص يدعى يرميا شبينكوفسكى‏Y .Shpynkovski فى عام 1782 287، و من الملاحظ أنه لم يرد له ذكر له فى كتاب بابنجر 288

إن سلسلة السفارات المتتابعة الحلقات و التى لم تنقطع و لو لمدة خمسة أعوام متتالية لتقف دليلا على ما تمتع به هذا النمط من ذيوع و رواج فى ذلك العصر و توكد مرة أخرى أنه قد ترك طابعه المميز على جميع الأدب الجغرافى التركى لتلك العصور. و بهذا النمط نستطيع الآن أن نختتم فحصنا للآثار الأصيلة فى محيط الجغرافيا التى ترتبط فى أساسها بالمذهب الشرقى التقليدى، ذلك أن الترك المتعطشين إلى المعرفة قد بدأوا منذ القرن الثامن عشر بل و منذ القرن السابق عليه يتجهون بأبصارهم إلى أوروبا؛ و كما كان عليه الحال من قبل فقد نشطت بصورة خاصة حركة الترجمة من اللغات الأوروبية و كانت تضم بطبيعة الحال مؤلفات من ميدان الجغرافيا. و نحن نذكر جيدا عن العصر السابق لهذا ظهور ترجمات مثل «تاريخ الهند الغربى» أو «أطلس مينور»Atlas Minor ، أما الآن فقد نشطت بصورة أوسع ترجمة أوصاف الأقطار الأوروبية و أمريكا إلى جانب الأوصاف فى الجغرافيا العامة التى تعتمد على مصادر أوروبية 289.

فمن بين أوصاف أمريكا نشير إلى مصنف ظهرت طبعته فى السنوات الثلاثينات للقرن الثامن عشر 290 تحت عنوان «حديث نو» ( «حكاية* * * جديدة»)، و هو و إن ظهر بصدده عدد من الأبحاث ذات طابع ببليوغرافى إلا أن العلاقة بينه و بين الآثار التى من نفس هذا الطراز لم توضح بعد 291؛ و أغلب الظن أنه يرتبط ارتباطا وثيقا بأطلس مركاتورMercator كما أن بعض تفاصيله مستعار من مصنف فى الكوزموغرافيا من طراز مؤلفات مونسترS .Mu ?nster 292؛ و من المستحيل قبول الزعم القائل بنسبة الكتاب إلى حاجى خليفة 293. و ثمة مصنف آخر قامت فكرته على قاعدة واسعة، و ربما حدث ذلك تحت تأثير «جهاننما»، ذلكم هو السفر الضخم بعنوان «فننما جام جم فن جغرافيا» الذى وضعه فى عام 1144 ه- 1731 أرمنى من أهل قيصرية يدعى بترو بارونيان‏Petro Baronian 294.

و كما وضح فى الوقت الحاضر فإن هذا المصنف يمثل ترجمة معدلة لكتاب «الجغرافيا الملوكية» من تأليف جاك روب‏J .Robbe (1643- 1721) الذى طبع لأول مرة بباريس فى عام 1678، و قد استعمل بارونيان الطبعة الرابعة للكتاب التى ظهرت بلاهاى عام 1691 295. و من الطريف أن نلاحظ أن هذه الطبعة قد وقعت فى يد المترجم من تركة سفير هولندا باستنبول كولييه‏Colier (*) الذى عاش لأعوام عديدة بتركيا منذ عام 1668 و عاون كما أبصرنا فى حينه على نشر المعارف الجغرافية بالدولة العثمانية؛ و كان بارونيان المذكور يعمل موظفا لديه‏ 296. و من الملاحظ أن هذا الأخير قد اقتصر فى ترجمته على الفصول الأولى من الكتاب التى تمس الجغرافيا العامة، و هى ترجمة تقرب كثيرا من الأصل‏ 297.

و فى نهاية القرن الثامن عشر بدأت خطوة جديدة فى استيعاب الأتراك للعلم الأوروبى ترتبط إلى‏

____________

(*) ورد هذا الاسم مغلوطا فى المتن الروسى. (المترجم)

662

حد ما باستئناف المطبعة لنشاطها من جديد حوالى عام 1198 ه- 1784 298. و يمكن أن ينهض دليلا على هذا عناوين المصنفات التى وقع الاختيار عليها و التى تحتل الجغرافيا من بينها مكانة مرموقة؛ و من بين المصنفات الهامة فى هذا المجال يجب أن نشير على سبيل المثال إلى الترجمة التركية لأطلس فادن‏Faden الإنجليزى التى طبعت فى عام 1219 ه- 1804 299.

و لم يكن بوسع الأدب التركى أن يقدم مؤلفات جغرافية مستقلة باللغة التركية إلى تلك اللحظة، و يجب ألا يدهشنا هذا فى شى‏ء بإزاء افتقارهم التام إلى منهج علمى دقيق وفق مفهوم هذا اللفظ بين الأوروبيين‏ 300. و ليس معنى أن المنهج الأوروبى فى الجغرافيا قد توغل شيئا فشيئا فى الأدب التركى الحديث بل و فى الأدب الإسلامى عامة أن الأفق الجغرافى حتى بين الطبقات المثقفة و المسئولة قد تغير فى لمح البصر ابتداء من القرن السابع عشر، فالنظريات القديمة قد ظلت حية فى بعض الأحايين على الرغم* * * من كل التغيرات التى طرأت. و ثمة مثال نسوقه فى هذا الصدد قد لا يخلو من المبالغة و التهويل و لو أن صحته قد ثبتت من الوثائق المعاصرة، ففى عام 1769 عند ما أصدرت الإمبراطورة كاترينا الأمر إلى أسطولها بالإبحار من بطرسبرغ إلى بحر إيجه فإن الأتراك لم يتخذوا التدابير اللازمة على الرغم من أنه قد سبق تحذيرهم من هذا فى اللحظة المناسبة؛ ذلك أن وزراء السلطان لم يكن ليدور بخلدهم حتى فى عام 1770 أن فى استطاعة الأسطول الروسى أن يعبر من بحر البلطيق إلى البحر الأبيض المتوسط 301، فلما ظهر الأميرال سبيريدوف‏Spiridov بأسطوله فعلا فى بحر إيجه احتج الباب العالى لدى حكومة البندقية لسماحها له بالمرور من بحر الأدرياتيك، محتفظا بالفكرة القديمة للعصور الوسطى عن وجود «خليج» يربط بين هذين البحرين‏ 302.

و على أية حال فإن المادة الجغرافية الضخمة التى احتواها عدد من الآثار المتنوعة الكبرى لم تكن وقفا على البحاثة الأوروبيين وحدهم بل إن العلماء المحليين فى تركيا و فى أقطار أخرى من العالم الإسلامى برهنوا على أنهم لم يتناسوا المادة الجغرافية القديمة المدونة عن بلادهم و أنهم يريدون أن يدعموا أوصافهم الحديثة بخير ما خلفته لهم الأجيال السالفة فى هذا المجال. و قد نشط ذلك الاتجاه بتركيا فى أواخر القرن التاسع عشر بصورة محسوسة بحيث يمكننا من أن نختتم هذا الفصل من كتابنا بتقديم أمثلة من إنتاج هذا العهد «الجديد».

و أول ما يجب ملاحظته هو أن التناسب بين الأنماط قد تغير بعض الشى‏ء فاحتلت مركز الصدارة مرة أخرى المعاجم الجغرافية متممة بهذا سير التراث القديم و معدلة فى ذات الوقت من نفسها بما يلائم الظروف المعاصرة و ذلك بإدخال المادة الجديدة الوافدة من الغرب بمقادير كبيرة. و كثيرا ما يحدث تحت تأثير النفوذ الأوروبى أن تتجاوز المادة إطارها فتتحول لا إلى معاجم تاريخية جغرافية فحسب بل إلى دوائر معارف عامة. و كمثال لهذا نسوق محاولة لأحمد رفعت يغلقجى‏زاده (توفى عام 1312 ه- 1894)،

663

الذى إلى جانب مصنف ضخم فى التاريخ العام ساقه إلى عام 1295 ه- 1888 و ليست له أهمية فى ذاته، يقدم لنا معجما تاريخيا جغرافيا فى سبعة أجزاء تضم ألفين و مائة و عشرين صفحة بعنوان «لغت تاريخية و جغرافية» تم طبعه فى القسطنطينية عام 1299 ه- 1300 ه- 1882- 1883. و يعتقد بابنجر أنه مرجع مفيد يضم معطيات كثيرة لا وجود لها فى المصادر الأخرى و يستحق اهتماما أكثر مما خص به حتى الآن‏ 303.

هذا و هناك مصنف متأخر شيئا ما للصحفى و الأديب و المعجمى الألبانى المشهور شمس الدين سامى بك فراشرى (1850- 1904) 304، قد اكتسب صيتا واسعا سواء بين الدوائر المثقفة فى تركيا أو الدوائر العلمية الأوروبية التى قدرته حق التقدير؛ و المؤلف قد نال* * * حظه من التعليم بيانيناJanina و لكنه أمضى معظم حياته بالقسطنطينية هذا إذا ما استثنينا عامين قضاهما فى المنفى بطرابلس، سيريا السلطان عبد الحميد. و قد خلف سامى بك أثرا كبيرا فى الأدب التركى، غير أن الصيت الواسع و الانتشار الكبير كان من حظ مؤلفاته المعجمية(lexical) . و يندرج فى هذه السلسلة معجمه الكبير «قاموس الأعلام» و هو أشبه بدائرة معارف تاريخية جغرافية، و طبع فى الفترة ما بين عامى 1306 ه- 1889 و 1316 ه- 1898 فى ستة أجزاء يحوى كل واحد منها ثمانمائة صفحة. و قد استقى المؤلف مادته من مصادر شرقية و غربية، و يحتل المكانة الأولى من بين هذا الأخيرة المصادر المدونة بالفرنسية. و ينعكس بوضوح فى طريقة العرض ثقافة المؤلف الأوروبية لذا فليس من الغريب أن أطلق العلماء على هذا المعجم أحيانا اسم «لاروس التركى»؛ و هو لا يزال إلى أيامنا هذه أفضل مرجع فى بابه‏ 305.

و لم تزحمه المؤلفات التالية أو تحل محله غير أنه ظهرت إلى جانب ذلك معاجم من ذات النمط و لكنها أكثر تخصصا، فالمؤلف التركى على جواد (توفى فى عام 1332 ه- 1913)، و هو ضابط سابق كرس نفسه للتأليف فى التاريخ و الجغرافيا، قد أخرج إلى جانب عدد من المصنفات الجغرافية معجما فى أربعة أقسام يضم نحو ألف و مائتى صفحة بعنوان «ممالك عثمانينك تاريخ و جغرافيا لغتى» تم طبعه فى الفترة 1313 ه- 1317 ه- 1895- 1899. و مما يزيد فى قيمته أنه مزود برسوم متخيرة تبين خارطات و تخطيطات المدن، الأمر الذى يوكد أكثر من ذى قبل تأصل المنهج الأوروبى فى نشر المصنفات التى من هذا الصنف‏ 306.

و فى الواقع فإن الباب قد انفتح على مصراعيه أمام المناهج و الطرق الحديثة حتى انتهت بالقضاء قضاء مبرما على مناهج التأليف القديمة؛ و لا يخلو من مغزى فى هذا الصدد مثال عبد الرحمن شرف (1269 ه- 1343 ه- 1853- 1925) 307 الذى كان آخر مؤرخ رسمى لآل عثمان و شغل هذا المنصب إلى لحظة سقوط دولتهم (1909- 1918)، فهو إلى جانب منصبه الرسمى هذا كان رئيسا للجمعية التاريخية العثمانية (التركية فيما بعد) التى أنشئت حديثا كما كان أول محرر لمحلتها التى صدر العدد الأول منها عام 1910.

664

و هو يختلف فى منهجه التاريخى اختلافا بعيدا عن السابقين له و يميل إلى تطبيق انهج التجريبى(pragmatic) فى التأليف، كما أنه قد جهد فى إدخال مناهج البحث الأوروبية بين أبناء وطنه و عاون إلى جانب هذا فى نشر الآراء الحديثة من محيط الإحصاء و محيط الجغرافيا. و فى هذا المجال الأخير الذى يهمنا بصورة خاصة بدأت مصنفاته تظهر مبكرة شيئا ما و ذلك منذ السنوات الثمانينيات للقرن الماضى و أولها هو مصنفه الضخم «جغرافياى عمومى» الذى يقع فى جزئين و الذى طبع فى عام 1306 ه- 1888؛ و فيه تنعكس بصورة قاطعة ميوله التى أشرنا إليها، و تبدو هذه الميول بشكل أكثر دقة فى مصنفه «استاتسنيق* * * و جغرافياى عمومى» الذى ظهر بعد ذلك بعدة أعوام فى سنة 1314 ه- 1896. و عقب هذا انصرف شرف انصرافا تاما إلى التأليف التاريخى حتى اكتسب فيه شهرته الأساسية، غير أنه فيما يتعلق بالميادين التى أشرنا إليها قبل هذا فإنه يمكن أن نعده إلى حد ما رائدا و داعية لمناهج جديدة.

كذلك أخذت الجغرافيا الطوبوغرافية و المنطقية تغير أشكالها بالتدريج و يمكن أن نتايع تحت أبصارنا تطور تلك الحركة فى العصر الذى نعالج الكلام عليه؛ فأحمد حلمى خوجه زاده (توفى عام 1332 ه- 1913) رئيس طائفة النقشبندية يقدم لنا فى كتابه «زيارات أوليا» الذى طبع عام 1325 ه- 1907 مرشدا على الطريقة القديمة يبين مواضع القداسة بمدينة استنبول و نواحيها 308 مفعما إياه بسير الأولياء الذين يصف أضرحتهم وفقا للمنهج القديم المعروف لنا إلى عهد على الهروى. و فى وقت واحد معه ترك لنا محمد رئيف (توفى عام 1355 ه- 1916)، و هو أيضا ضابط سابق لم يلبث أن اجتذبه علم الآثار. عددا من المصنفات مكرسة بشكل خاص لتاريخ استنبول و عماراتها. ففى كتابه «مرآت استنبول» الذى ظهر عام 1314 ه- 1896 يقدم لنا وصفا دقيقا لأهم أبنية استنبول و ضواحيها؛ و الذى يهمنا بصورة خاصة هو تسجيله للنقوش المكتوبة تسجيلا وافيا. و إلى جانب هذا المصنف الضخم فقد ألف عددا من الرسائل الموجزة تنعكس موضوعاتها من عناوينها، مثل «تاريخ قصر طوپ قابو و منتزهه»Top qapu serayi humayun ve parglnin lnrikhi (1332 ه- 1914) و «منتزه السلطان أحمد و آثاره القديمة»Sultan Alimed parqi ve asari atiqesi (1332 ه- 1914)؛ و كل هذا إن دل على شى‏ء فإنما يدل على ظهور ضرب جديد من المؤلفات و على أن المذهب الأوروبى قد تم تمثله بصورة نهائية 309.

أما فى محيط الجغرافيا الإقليمية(regional) التى تعالج الكلام عن ولايات الدولة العثمانية فقد شغلت اليمن مكانة خاصة 310، و يرجع اهتمام الأتراك بتلك البلاد إلى عهد بعيد؛ و قد تبين لنا من كتاب قطب الدين النهروالى «البرق اليمانى» شدة اهتمام الأتراك باليمن منذ بداية فتحهم لها فى القرنين الخامس عشر و السادس عشر. و انبعاث هذا الاهتمام فى الفترات التاريخية التالية كان فى معظم الحالات نتيجة لحملات عسكرية و جهت إلى تلك البلاد، كما أن تجدد القتال ضد أئمتها فى القرن التاسع عشر قد

665

أدى إلى ظهور عدد كبير من المؤلفات عنها. و كان الدافع المباشر لظهور مصنف ما بوجه عام هو اشتراك مؤلفه الذى كان فى معظم الأحوال من طبقة العسكريين فى حملة عسكرية على اليمن. و هذا هو السر فى أن مادة معظم هذه المؤلفات كانت تنصب على وصف العمليات الحربية، غير أن بعضها كان يحمل طابعا جديا يحس فيه محاولة لوضع مقدمة تاريخيه تتضمن على الدوام معلومات جغرافية و فيرة بل إن الكتاب قد يحتوى أحيانا على عرض جغرافى عام قائم بذاته. و إلى جانب تنوعه الكبير فإنه مما يزيد فى أهمية هذا الأدب المتعلق باليمن أنه لم يدخل حتى الآن فى الأبحاث الأوروبية عن تلك البلاد.

و بعض هذه المصنفات معروف إلى أيامنا هذه فى مخطوطاته فقط، مثل «يمن تاريخى» ( «تاريخ اليمن») لإبراهيم آكياه‏Agiah الذى يرجع إلى أواخر القرن التاسع عشر 311. غير أن عددا من هذه المصنفات تم طبعه فى العشر سنوات الأولى من القرن العشرين و صحب عددا من هذه الطبعات كمية من الرسوم و الخارطات، و يمكن أن نشير من بينها إلى «يمن تاريخى» ( «تاريخ اليمن») الذى يقع فى جزئين لعاكف باشا (1326 ه- 1908) و «يمن و حياتى» ( «اليمن و حياتها») لحسن قدرى (1328 ه- 1910) و «يمن خاطره سى» ( «ذكريات اليمن») لرشدى (1327 ه- 1909) 312، و جميعها ترتبط بحملة عام 1896 313. غير أن أهم المصنفات التى من هذا الضرب كتاب يرجع إلى تاريخ أسبق من هذا وضعه قائد عثمانى موهوب هو أحمد رشيد باشا (توفى عام 1309 ه- 1891) و كان قد أمضى شطرا كبيرا من حياته فى حملات عسكرية بجنوبى الجزيرة العربية 314. و قد أثار فيه الاهتمام بتلك البلاد إقامته الطويلة هناك و التى بدأت بحملة عام 1870 فدفعه هذا إلى استيعاب الكتب العربية التى عالجت الكلام عليها و التى يوجد من بينها عدد لا نعرف عنه شيئا، ثم اعتمد على مادتها و على ملاحظاته الشخصية فأخرج لنا كتابه «تاريخ يمن و صنعاء» ( «تاريخ اليمن و صنعاء») فى جزئين (1291 ه- 1874). و ينقسم الجزء الأول إلى ثلاثة أقسام تعالج تاريخ الفترة الأولى لمحاولات الأتراك إخضاع تلك البلاد ابتداء من عام 901 ه- 1495 إلى انتهاء سيادتهم عليها فى عام 1045 ه- 1635، ثم تاريخ اليمن فى عهد الأئمة مع تفصيل الكلام على طوائفها، ثم أخيرا فتح العثمانيين الجديد لليمن فى عهد السلطان عبد المجيد. أما الجزء الثانى فيتناول الكلام على الحملة العسكرية لعام 1870 على العسير و اليمن و تنظيم إدارتها على وضع جديد و يقدم عرضا وافيا لجغرافيتها يهتم فيه بالكلام بصورة خاصة على محاصيلها و سكانها و صناعتها و آثارها القديمة. و لا يزال هذا الكتاب محتفظا إلى أيامنا هذه بأهميته كمرجع قيم عن تاريخ تلك البلاد تحت السيادة العثمانية و عن جغرافيتها بشكل خاص. و يبدو أن مصنف أحمد رشيد باشا هو الكتاب الوحيد فى سلسلة المراجع اليمنية الذى تعرف عليه العلم الأوروبى و ذلك بفضل مقال باربييه دى مينارBarbier de Meynard 315 الذى يقدم لنا ترجمة كاملة لكل القسم الجغرافى من الكتاب‏ 316.

و يختتم بابنجر مصنفه عن مؤرخى آل عثمان‏Die Ges chichtsschreiber der Osmanen

666

بالكلام عن محمد طاهر البروسلى (1278 ه- 1344 ه- 1861- 1925) الذى يقدم لنا فى مصنفاته الببليوغرافية حصيلة ذلك الفرع من الأدب أى التاريخ؛ و نحن بدورنا أيضا نجد لأنفسنا الحق فى أن نختتم به عرضنا للأدب الجغرافى التركى‏ 317 ففى سفره الضخم المعروف الذى ظهر فى ثلاثة أجزاء فى الفترة 1334 ه- 1343 ه- 1915- 1925 يترجم محمد طاهر لكبار علماء الدولة العثمانية من المشايخ و الفقهاء و الشعراء و الأدباء و المؤرخين و الأطباء و علماء الرياضيات و الجغرافيين.* * * و هو يولى هؤلاء الأخيرين عناية خاصة؛ فقد استشعر اهتماما معينا بذلك الفرع من الأدب و حدث أن وضع ترجمة لسيرة حياة حاجى خليفة. و من المستحيل القول بأنه من ممثلى النزعة العلمية الجديدة فهو قد اقتفى أثر القدماء، من أصحاب معاجم السير و مؤلفى «التذكرات»، بل إن كتابه يعد خاتمة لسلسلة المؤلفات من هذا الضرب. و ميله إلى هذه الموضوعات أمر لا يرقى إليه الشك، كما أن محاولته لإثبات أن الأتراك لم يكونوا شعبا محروما من الثقافة تنطوى على شعور نبيل، و يمكن القول بأنه قد وفق فى التدليل على ذلك بطريقة مقنعة؛ و لكن من ناحية أخرى قد لوحظ أكثر من مرة أن إشاراته إلى أسماء الكتب لا تخلو من الخطأ و أن كتابه من هذه الزواية لا يرقى إلى مرتبة المؤلفات الببليوغرافية الكبرى و لو أن هذا لا يحول دون اعتباره المرجع الوحيد فى سير و مصنفات كبار المؤلفين العثمانيين. و من الطريف بالنسبة لنا أن نلاحظ أن مذهبه فى عرض الأدب الجغرافى فى القرن العشرين لا يرتبط فقط بمذهب حاجى خليفة فى القرن السادس عشر أو ياقوت فى القرن الثالث عشر بل كذلك بمذهب ابن النديم فى القرن العاشر الميلادى.

من هذا يتضح لنا أنه على الرغم من دخول المادة الجديدة و اعتناق العلماء الأتراك لمناهج البحث الحديثة فإن المذهب العربى القديم قد ظل حيّا بين العثمانيين حتى السنوات العشرينات من القرن العشرين؛ و هذه الظاهرة الأخيرة تبرر لنا مرة أخرى ضرورة معالجة الأدب الجغرافى التركى فى عرض عام للأدب الجغرافى العربى لا تلك القرون وحدها فحسب حين كانت الصلة بين الاثنين واضحة للعيان بل كذلك فى العهد الذى حدث فيه الانفصام التام عن المنهج الشرقى فى كافة الاتجاهات و حين بدا أن التأثير الغربى الأوربى قد طرده نهائيا من مسرح الحوادث. و يلوح أن الأمر لم يكن بمثل هذه البساطة، إذ بمقدورنا أن نلاحظ ظهور براعم جديدة لهذه المذاهب القديمة حتى فى أيامنا هذه تعلن عن حقها فى البقاء و لا تفتقر فى واقع الأمر إلى بعض القيمة العلمية. و هذا هو السبب كما ذكرنا الذى حدا بنا لأن نفرد قسما خاصا فى عرض عام للأدب الجغرافى العربى نعالج فيه الكلام على الأدب الجغرافى التركى كما فعلنا من قبل مع رصيفه باللغة الفارسية.

667

حواشى الفصل الحادى و العشرين‏

____________

(1)-Taeschner ,GLO

(2)-Babinger ,GOW

(3)-Kramers ,EI ,EB ,p .27

(4)-Taeschner ,GLO ,p .93 -04 -Kramers ,EI ,EB ,p .27

(5)-Taeschner ,GLO ,p .04

(6) شرحه، ص 40، ملاحظة 2

(7) شرحه، ص 40- 41، ملاحظة 3

(8) شرحه، ص 35

(9) شرحه، ص 38

(10)-Kramers ,EI ,EB ,p .27

(11)

- Babinger, GOW, p. 51- 61 note 3- Taeschner, Bericht, p. 68- 78

(12)-Taeschner ,GLO ,p .93

(13)-Taescher ,Bericht ,p .78 ,note 12

(14)-Taescher ,GLO ,p .93

(15)-Babinger ,GOW ,p .51 ,note 3

(16) شرحه، ص 66- 67، ملاحظة 2

(17) قارن:BGA

(18)-Taeschner ,GLO ,p .73

(19)

- Orientallische Bibliographie, 3,( 9881 ), 0981, p. 11, No 312

(20)-Taeschner ,GLO ,p .73 -83 -Kramers ,EI ,EB ,p .27

(21)-Taeschner ,GLO ,p .83

(22) قارن:Taeschner ,GLO ,p .14 -34

(23)-Babinger ,GOW ,p .05 ,No 13

(24) شرحه، ص 177، رقم 59

(25)-Taeschner ,GLO ,p .34 -44

(26)-Babinger ,GOW ,p .02

(27) شرحه، ص 28- 29