تعريب تاريخ الأدب الجغرافي العربي - ج2

- إيكناتي يوليانوويج كراشكوفسكي المزيد...
503 /
718

قد كان محصورا بشكل خاص فى وسط بلاطى و إكليروسى صرف لذا فقد تركز اهتمامه الرئيسى على الحياة الدينية، أى بالذات ذلك الميدان الذى كان مقفلا و عسير الاتصال بل و أكثر من ذلك غير مفهوم بالكلية بالنسبة للرحالة العرب الذين زاروا روسيا. و فى هذا الصدد فإن «سفرة» أو «رحلة مكاريوس» أثر فريد فى نوعه بالرغم من مجاله الضيق المحدود الذى لا يضم جميع جوانب الحياة الكنسية نفسها. و لا يزال بعض المادة محتفظا بقيمته إلى أيامنا هذه* * *، مثال ذلك رواية بولس المسهبة عن المسائل المتعلقة بالآثار الكنسية و هى فى هذا تمثل أهمية فى المكانة الأولى بالنسبة لتاريخ الفن الروسى القديم. و فى كلامه لا يقتصر بولس على المعمار وحده بل يقدم لنا وصفا مفصلا للكنائس و أبراجها، كما أن نفس القدر من الاهتمام يوليه أيضا للكلام على الايقونغرافيا(Iconography) فيحلل بالتفصيل الميزات الهامة لفن التصوير بروسيا الجنوبية و يبدى نفس هذه الدقة فى وصفه للرسوم المصورة على الجدران و التى سلبت لبه بشكل خاص؛ و رواياته فى هذا المجال تمثل بالنسبة لآثار عديدة أهمية تاريخية عظمى بل و أحيانا تعد الشاهد الوحيد على مجرد وجود تلك الآثار.

و تمثل روايات بولس المفصلة عن طقوس الخدمة الدينية(Liturgy) فى الحياة الكنسية أهمية كبرى، و هنا لا يقتصر كلامه على العبادة بالمعنى الضيق لهذا اللفظ بل يمس أحيانا مسائل التلاوة و الترتيل و الإنشاد التى بدت لهم مختلفة تمام الاختلاف عما عهدوه بأرض الوطن. لا شك أن إقامتهم الطويلة بروسيا كانت فى صالح الدقة و اكتمال الوصف؛ ففى أثناء وجوده بموسكو تمكن بولس من أن يراقب بدقة لا الخدمات الدينية المعتادة كالعبادات التى تستمر الليل بطوله بل و أيضا مجموعة الطقوس المتعلقة بالصيام الأكبر و عيد الفصح، هذا إلى جانب عدد عديد من المناسبات الدينية النادرة ابتداء من الطقوس السرية إلى تتويج الملوك؛ و قد أبصر هذه الأخيرة عند انتخاب أمير (Hospodar و لاخيا (الأفلاق) الجديد. أما فيما يتعلق بالأناشيد الكنسية فقد عالج بولس الكلام عليها بالتفصيل، أضف إلى هذا أنه كان لمكاريوس صلة مباشرة بها؛ ذلك أن هذه كانت واحدة من المشاكل الدينية فى ذلك العصر التى أثارت الخواطر فى كل من دولة الموسكوف و أكراينا؛ و يوجد توقيع مكاريوس على منشور إدخال الغناء الجماعى فى الأناشيد الكنسية بروسيا، و هو ذلك المنشور الذى تم طبعه فى عام 1915. و يرتبط هذا المنشور بالرحلة الثانية لمكاريوس إلى روسيا، و هى الرحلة التى قام بها بمناسبة انعقاد مجمع عام 1666- 1667 86.

و مما لا شك فيه أن عددا من التفاصيل التى يوردها بولس ذات أهمية محدودة ولاتهم سوى المتخصصين فى ميادين معينة، و إذا حدث و أن لاحظنا لديه ميلا إلى المبالغة فى وصف جوانب معينة من الحياة فيجب ألا يغيب عن بالنا أن عرضه يقوم على قاعدة عريضة و يعكس جميع دلائل الواقعية و ذلك فى أسلوب طليق لا محل فيه للصنعة و التكلف؛ و هو و إن أظهر بعض السذاجة إلا أنه أسلوب مباشر و لا يخلو أحيانا من أثر المرح. و فى هذا تكمن قيمة ذلك الأثر بوجه عام؛ و هو و إن لم يمثل مصنفا ممتازا من حيث القيمة

719

الأدبية إلا أنه يشغل مكانة جديرة به و يمكن الاعتراف به كمصنف أصيل لا يفتقر إلى الأهمية بأية حال.

و دراسة هذا الأثر سواء من الناحية اللغوية أو من حيث تحليل مادته الواقعية أبعد بكثير من أن تكون قد استوفت حقها، بل على العكس من ذلك فإنها لم تتجاوز فى الناحية الأولى خطواتها البدائية. و يمكن إرجاع هذا من جانب إلى أن أوروبا لم تتعرف على مخطوطات الأثر إلا مؤخرا، فقد عرفت أولى مخطوطاته فى السنوات العشرينات من القرن التاسع عشر و هى تلك المحفوظة بالمتحف البريطانى* * * و تحمل تاريخ 1765؛ و قد تم اقتناؤها بحلب فى عام 1824 87 و لعبت بالتالى دورا كبيرا فى التعريف بالكتاب إذ اعتمدت عليها ترجمة بلفورF .C .Belfour التى ظهرت خلال الفترة 1829- 1836 88 و التى ترتبط بها جميع الدراسات بالتقريب التى ظهرت عن مكاريوس بما فى ذلك الدراسات الروسية المبكرة؛ هذا* * * و قد نشر قطعا من تلك الترجمة بالمرPalmer و ريدنغ‏Ridding بانجلترا بعد مائة عام من ذلك، أى سنة 1936. و إلى بداية العشرينيات من نفس ذلك القرن ترجع معلوماتنا عن مخطوطة أخرى مكتوبة بالقلم الكرشونى (و هو كتابه اللغة العربية بالحروف السريانية) الذى كان يستعمله الموارنة، و كان قد أبصرها سنكوفسكى فى عينطوره (بلبنان) مع أستاذه المارونى المعروف أنطون عريضة 89؛ و ليس فى الإمكان التثبت من صحة هذا الزعم إلى أيامنا هذه إذ لم يتم الكشف عن أى أثر لهذه المخطوطة حتى الآن.

أما فى روسيا فقد بدأت مخطوطات الكتاب فى الظهور منذ السنوات الأربعينات من القرن الماضى و ذلك بفضل مجهودات شخصيات مختلفة جذبت الأنظار الى أهمية هذا الأثر بالنسبة لتاريخ بلادنا، و النسخ الثلاث التى ترجع إلى تلك اللحظة قد نقلت عن أصل واحد يرجع تاريخه إلى عام 1700 و وجد آنذاك بدمشق، فالنسخة الأولى التى يرجع تاريخها إلى عام 1847 كان يمتلكها القسم التدريسى بوزارة الخارجية الروسية و هى الآن بمعهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية و تحمل رقم‏C .157 ، أما الثانية التى ترجع إلى عام 1849 فموجودة بالمكتبة العامة بلنينغراد، هذا على حين نحتل نسخة عام 1859 مكانها فى مكتبة الأرشيف الرئيسى لوزارة الخارجية السوفيتية و هى التى تعتمد عليها أساسا الترجمة الروسية التى ندين بها لقلم ج. ا. مرقص (1896- 1900). و فى نهاية القرن التاسع عشر وقعت إلى المكتبة الأهلية بباريس من مجموعة شيفير 90 مخطوطة من هذا الكتاب غير مؤرخة و ترجع دون شك إلى القرن السابع عشر، و هى مكتوبة بخطين الرئيسى منهما يرى فيه البعض خط بولس نفسه‏ 91 و هو أمر ليس بمستبعد و لو أن إثباته لا يزال فى حاجة إلى بعض أدلة نهائية يمكن إجراؤها عن طريق المقارنة مع مكاتيب من تدوينه لا يرقى الشك صحة نسبتها إليه. و هذه المخطوطة الأخيرة هى التى جعلها أساسا لترجمته الفرنسية للكتاب العلامة الرومانى ن. رادوRadu الذى أخرج القسم الأول من هذا المصنف‏ 92. و فى نهاية السنوات التسعينات من القرن الماضى جلب كريمسكى من سوريا نسخة لا تخلو من السقط لمسودة مختصرة و ذلك مخطوطة ترجع إلى القرن الثامن عشر. و هذه المسودة المختصرة لا ترتفع إلى بولس نفسه بل إلى‏

720

الجيل التالى له و قد قام أليسنتسكى‏Olesnitski بعمل مقارنة جزئية بينها و بين المسودة الأكمل، كما أنه توجد ترجمة لها من عمل كزماT .G .Kezma محفوظة بأكاديمية العلوم الأوكراينية. و بعد ثورة اكتوبر (البلشفية) وجدت طريقها إلى مكتبة معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية مخطوطة عام 1700 التى تحمل رقم‏B 0321 و هى المخطوطة الأم التى ترجع إليها المخطوطات الثلاث الموجودة كما لاحظنا بروسيا؛ و لم تجر الاستفادة من هذه المخطوطة حتى الآن إلا بصورة ضعيفة بواسطة ب. رادو فى مقدمته لطبعته التى أومأنا إليها (1927). و يرجع الفضل إلى العلامة السورى قسطنطين الباشا فى التعريف بمخطوطة أخرى موجودة* * * بحلب يرجع تاريخها إلى عام 1750 93؛ و بحسب ألفاظه فهى تتفق أكثر شى‏ء مع مخطوطة باريس. و هكذا من بين جميع هذه المادة تظفر بأهمية خاصة ثلاث مخطوطات فقط هى المخطوطة الباريسية و مخطوطة لينينغراد لعام 1700 و مخطوطة لندن، و يعد رادو مخطوطة باريس أقيم هذه الثلاث و له بعض الحق فى هذا و لو أن مخطوطة لندن هى أكمل مسودة لهذا الكتاب؛ غير أن المشكلة المتصلة بعلاقة هذه المخطوطات ببعضها البعض و أيضا علاقة مخطوطتى كريمسكى و حلب بها تحتاج إلى دراسة لغوية تفحص جميع مادتها؛ و لا يمثل مجهود رادوRadu فى هذا الصدد سوى خطوة أولية فى هذا الاتجاه.

و نفس الحكم يصدق على دراسة الكتاب فى مجموعه إذ لا توجد حتى الآن ترجمة كاملة له يمكن وصفها بأنها علمية، كما لا يوجد أيضا بحث موجز يقدم لنا صورة عما تم إنجازه حتى هذه اللحظة فى دراسة الكتاب.

و تعتبر ترجمة بلفور كما بينا أول محاولة لتعريف أوروبا بهذا الأثر، و قد اعتمدت عليها الأبحاث الروسية الأولى التى صدرت على هيئة ترجمات جزئية أو مقالات متفرقة. و كان أول من عرف بها الروس هو تلميذ سنكوفسكى، الأثرى و عالم النّميات(numismatics) المعروف ب. س. سافيلييف‏B .S .Saveliev الذى نشر قطعا كبيرة منها فى «مكتبة المطالعة»Biblioteka dlia chlenia عام 1836 94، أى قبل أن تكتمل طبعة بلفور؛ و قد جعلت ملاحظاته النقدية و تعليقاته من هذه المقالة واحدة من أقيم المقالات بالنسبة لذلك العصر المبكر. و انتعشت العناية بهذا الأثر فيما بعد فى السنوات السبعينات و ظهر عدد من الترجمات و المقالات التى تعالج مسائل متفرقة و ندين بها لأقلام روشينسكى‏L .P .Rushinski (1871) 95 و بلاغوفوD .Blagovo (1875- 1876) 96، و أبولنسكى‏Abolenski (1876) 97، و غير ذلك مما لا ترتفع أهميته إلى ما كتب هؤلاء 98؛ و من الملاحظ أنهم اعتمدوا على ذات المصدر. و على أية حال فقد ظل بلفور المصدر الوحيد بالنسبة للمؤرخين الروس للتعرف على أسفار مكاريوس لحين ظهور أبحاث و ترجمة البروفسور ج. ا. مرقص‏G .A .Murkos فى التسعينيات من القرن الماضى. و نفس الوضع ينطبق على العلماء الرومانيين؛ و من الطريف أن نلاحظ أن الترجمة الجزئية الأولى التى ظهرت باللغة الرومانية و هى التى قام بها نغروتسى‏

721

Negruzzi

(1862) إنما ترتفع إلى المقتطفات التى نقلها إلى الروسية سافيلييف‏ 99، هذا على حين أن ترجمتى الأكاديمى ب. ب. خجداى‏ 100B .P .Hasdeu (1865) و تشوران‏ 101Cioran (1900) إنما تعتمد على بلفور نفسه؛ و فى السنوات الثمانينات ترجمت ثلاث قطع من العربية إلى الرومانية رأسا بواسطة المستعرب الرومانى غاسترM .Gaster 102، و أغلب الظن أنه اعتمد فى ذلك على مخطوطة المتحف البريطانى. و على وجه العموم فإن بولس يتمتع بمكانة كبرى كمصدر موثوق به لدى العلماء الرومانيين* * *، و كما يذكر يتزميرسكى‏A ,I ,latsimirski فإنه «من العسير أن نلتفى ببحث جاد فى تاريخ رومانيا لا توجد فيه إشارة إلى رحلة الشماس بولس» 103.

و منذ بداية السنوات التسعينات أخذت فى الظهور ملاحظات متفرقة تمس مؤلفات مكاريوس، و مقتطفات مترجمة من رحلته بقلم الأستاذ جرجى ا. مرقص الدمشقى الأصل، و هى كأنها تفتتح عهدا ثانيا فى دراسة كتاب بولس الحلبى. و كان ما نشره أشبه ما يكون بخطوة تحضيرية لترجمة الكتاب ترجمة كاملة إلى الروسية؛ و قد ظهرت هذه الترجمة بالفعل فى خمسة أجزاء فى الفترة 1896- 1900 و تضم إلى جانب ذلك مواد إضافية مختلفة. و لكونه من أصل عربى و تلقى دراساته العليا بروسيا، فكان بذلك يجيد العربية و الروسية على قدم المساواة، فإن مرقص كانت لديه جميع الميزات اللازمة لإنجاز هذه المهمة.

و ترجمته تقف دون أدنى ريب فى موضع لا تصل إليه ترجمة بلفور، و لكن ضره الافتقار إلى منهج علمى فيلولوجى رصين، ثم أيضا اقتصاره على مخطوطة واحدة. و فى اللحظة الحاضرة بعد اكتشاف مخطوطة باريس، بل و مخطوطة لينينغراد لعام 1700 بالذات و هى التى تمثل أصل المخطوطة التى اعتمد عليها مرقص فى ترجمته، فإن الترجمة فى مجموعها يجب أن تعد الآن غير مرضية من الناحية العلمية و بالية إلى حد كبير؛ و هى قد حظيت بتعليقات عديدة فى الصحف الروسية و الرومانية عند ظهورها و كان معظم تلك التعليقات فى صالحها. و لم يظهر أى أثر كبير حول الرحلة باللغة الروسية منذ ترجمة مرقص هذه؛ و لا تخلو من الفائدة مقالات متفرقة لكريمسكى ظهرت فى عام 1913 و يعالج فيها لأول مرة الكلام عن المسودة المختصرة للكتاب الموجودة بمخطوطة تخصه. كما لا يخلو من الفائدة فيما يتعلق بالمسائل التى تمس الآثار و الفنون و الخدمة الدينية بحث بقلم غولوصوف‏A .Golosov (1916) اعتمد فيه على ترجمة مرقص، غير أن بحثه هذا بقى غير تام فضلا عن أنه لدى مقارنته بالأبحاث السابقة يبدو و كأن الباحث قد تناول موضوعه كهاو(dilettante) و أن معرفته على وجه العموم سطحية، و ربما كان مرجع ذلك إلى أن المؤلف كان يعمل بالأقاليم.

و فى القرن العشرين تزايد عدد الأبحاث باللغة العربية عن مكاريوس و بولس، و يجب أن نفرد من بينها مكانة خاصة لعدد من المقالات و الملاحظات المتفرقة بقلم حبيب الزيات. أما طبعة قسطنطين الباشا (1912) 104 لمقدمة الرحلة اعتمادا على مخطوطة باريس، و مع الاستعانة أيضا بمخطوطة حلب، فهى‏

722

كما بين حبيب الزيات‏ 105 ليست بالمرضية. و قد أحرز العلماء الرومانيون فى الأعوام الأخيرة للمرة الثانية تقدما محسوسا فى دراسة المصنف؛ و إذا كانت الترجمة الرومانية الأولى التى تعتمد على المخطوطة الباريسية و التى قام بها بويسكو تشوكانيل‏Popescu Ciuscanei (1903) قد توقفت عقب صدور القسم الأول و اقتصرت على وصف الرحلة فى آسيا الصغرى* * *، أضف إلى هذا أنه لا يمكن اعتبارها وفقا لرأى مواطنه ب، رادو ترجمة جيدة 106، فإن هذا الأخير قد تهيأ لمهمته بصورة أكثر جدية. و قد مكنته إقامته الطويلة بباريس من التعرف جيدا على مخطوطة باريس التى جعلها الأساس لعمله فى نشر المتن و ترجمته إلى الفرنسية و هو قد استعان إلى جانبها بمخطوطتى لندن و لينينغراد لعام 1700. و فى عام 1927 أخرج القسم الأول من مصنفه، أشبه ما يكون «بمقدمة» لبقية الكتاب تحوى تفاصيل أساسية عن المخطوطات الثلاث الهامة و محاولة من المؤلف لإثبات أفضلية مخطوطة باريس على مخطوطتى لندن و لينينغراد على أساس فحص دقيق للمتن؛ ثم يلى هذا تحليل للترجمات التى ظهرت حتى ذلك الحين (بما فى ذلك ترجمة مرقص) على ضوء فحص للأقسام المتعلقة برحلتهم فى آسيا الصغرى و ملدافيا و ولاخيا. و هو قد بين فيما يتعلق بالقسم الخاص بآسيا الصغرى السقط الموجود عند بلفور نتيجة لاعتماده على مخطوطة المتحف البريطانى وحدها (و لدى مرقص أيضا إذا افتقدت تلك المواضع فى مصدره المسكوفى). و بهذا فإن عمل رادو يمثل دو، شك خطوة إيجابية يجب البدء منها فى المستقبل عند القيام بأية أبحاث تتعلق بفحص متن الرحلة. و يكمن عيب رادو الرئيسى فى معرفته الضئيلة بالأبحاث الروسية فى هذا المجال، و ربما أيضا فى تقييمه المححف لمخطوطة لينينغراد. و فى عام 1930 ظهرت القطعة الأولى من المتن و الترجمة وفقا للقواعد التى عرض لها فى «المقدمة» و عند ما يكتمل عمله فإنه سيكون بلا شك خطوة جديدة فى دراسة مصنف بولس الحلبى‏ (*). و من سبق الحوادث بالطبع أن نصدر حكمنا على ما ستكون عليه الأقسام الخاصة بالأواكراين و روسيا و التى ستمثل بالنسبة لرادو صعوبة أكبر، غير أنه يمكن الافتراض سلفا بأن الفرصة أكثر مواتاة بالنسبة لعلماء بلادنا للاضطلاع ببحث مستوعب عن مكاريوس و بولس يشارك فيه مؤرخونا و مستعربونا على قدم المساواة و يشمل هذا فى المكانة الأولى إخراج متن علمى محقق و لو لتلك الأقسام من الرحلة التى تمس وطننا مسا مباشرا.

و لتنفيذ مثل هذا العمل العلمى الضخم يجب أن نأخذ فى حسابنا أيضا مصنفات أخرى تتعلق بالجغرافيا لا ندين بها لقلم بولس بقدر ما ندين بها لقلم مكاريوس. و عدد هذه المصنفات ليس بالكبير و هى تحمل فى أغلبيتها الطابع المعروف لنا جيدا، أعنى فى صورة نقول بدائية أو مسودات أولية على هيئة «كراسات عامة». و أهمها هى ملاحظاته عن جورجيا (بلاد الكرج) التى دونها أثناء رحلته الثانية إلى البلاد الروسية، و قد تم نشرها مرتين المرة الأولى فى المتن العربى و الترجمة الفرنسية بقلم لبيدفاO .S .Lebedeva

____________

(*) لا أعتقد أنه قد ظهر من مؤلف رادوRadu ما يتجاوز هذه القطعة. (المترجم)

723

(1905) 107 و الثانية فى ترجمة روسية بقلم ب. ك. جوزى (1905) 108، و اعتمد الاثنان على مخطوطة الفاتيكان لعام 1756* * * التى تضم عددا من المؤلفات الصغرى لمكاريوس يوجد من بينها ترجمات ن الإغريقية و نقول شتى و مسودات تخطيطية لا يربط بينها أى رابط من ناحية المضمون و لكنها تحمل ترقيما متسلسلا، و تشغل من بينها ملاحظاته عن بلاد الكرج الفصول من الثامن و العشرين إلى الحادى و الثلاثين.

و هذه الملاحظات تعالج الكلام بشكل خاص على المسائل المتعلقة بالحياة الكنسية الدينية، غير أن كمية صيل التى تمس الحياة الاجتماعية و المسائل الجغرافية الخالصة كبيرة بصورة لا تقل مما هو عليه الحال مصنف بولس الضخم. و الحكم الذى أصدرناه من قبل على دراسة مرقص ينطبق بدوره على دراستى لريفا و جوزى، فهما و إن كانتا بالنسبة لعصرهما ذاتى فائدة كبرى و مكنتا فى الوقت نفسه من إعطاء صورة عن المعلومات التى يحتويها المصنف إلا أنه فى اللحظة الحاضرة و بعد أن وجدت طريقها إلى معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية المسودة الأصلية بخط يد المؤلف لجميع هذه التصانيف‏ 109، فإن الحاجة ماسة إلى إصدار طبعة جديدة. و مثل هذه المهمة ينبغى أن يضطلع بها مستعرب يأخذ فى حسابه أيضا فحص المادة المدونة باللغة الكرجية و يولى عناية خاصة لدراسة لغة مكاريوس نفسه التى وجدت اللهجة الدارجة طريقها إليها أكثر مما حدث مع لغة بولس. و من المأمول أن يسد هذا النقص البحث العلمى الذى يقوم بتحضيره العلامة التفليسى تسرتيلى‏G .V .Tsersteli و الذى يجرى إعداده للطبع‏ 110.

و يمكن أن نستدل من نفس هذه المجموعة من تصانيف مكاريوس على أنه خضع فى تصوراته الجغرافية العامة لتأثير المصادر البيزنطية قبل غيرها، فلديه مقالات بعناوين «فى الجزر الكبرى الموجودة بالبحر» 111 و «طبيعة عرائس البحر(sirens) و الطيور المذكورة فى المزامير» 112 الخ. و اعتمادا على نفس تلك المصادر خلف لنا «وصفا لرومة» لا يزال فى المخطوطات‏ 113، و هو ينتمى إلى نفس ذلك الطراز لوصف رومه المعروف لنا من نماذج سابقة. غير أن الاعتماد على هذه المصادر الكتابية لم يضعف بأية حال اهتمامهم الحى المباشر بالبلاد التى زاروها بل أثار فى أنفسهم الرغبة لتعريف مواطنيهم بتاريخ و جغرافيا الشعوب الأخرى؛ فبولس مثلا قد دون أثناء إقامتهم بكولومنه التى اضطرهم إليها انتشار الطاعون «تاريخ الملك باسيليوس ملك البغدان» و حملاته العسكرية و حروبه، كما يذكر هو نفسه فى إحدى المخطوطات التى نقلها بخط يده آنذاك‏ 114؛ ثم إن مكاريوس نفسه قد ألف فى تاريخ الافلاخ‏ 115 أثناء إقامته الاضطرارية بجورجيا و كتب مقالة فى فتح القسطنطينية 116، أثناء وجوده بتفليس. من كل هذا يتضح لنا أن كلا من مكاريوس و بولس كانا شخصين يفيضان بالحيوية و النشاط و تملكهما دافع شديد لتنوير القارئ العربى و تثقيفه بحسب ما تراءى لهما* * * فى ذلك الحين، و هما يستحقان من هذه الناحية كل تقدير و اعتراف بالجميل من بنى وطنهما. أما «رحلة مكاريوس» فستظل على الدوام أثرا ذا مكانة مرموقة بالنسبة للأجيال التالية.

724

و مثل هذا الحكم لم يمنع بالطبع بعض البحاثة من أن يقفوا موقفا سلبيا بإزاء الدوافع الشخصية التى كانت وراء الرحلة؛ فهم قد أبصروا فى سلوك الرحالتين ضربا من الكدية و الاتجار بالغفران(induigence) 117؛ و قد وصف أحد النقاد بولس بأنه «شاهد مرتش، قد رشاه الشعب الروسى بالتبرعات الوافرة التى حملها أبوه من بلادنا» 118. و مثل هذه الجوانب يجب بالطبع أخذها فى الحساب عند درس الأثر من الناحية التاريخية و الاجتماعية.

و نستطيع الآن من وجهة نظر دراستنا هذه أن نختتم كلامنا عن أوصاف الرحلات العربية التى خرجت من الوسط المسيحى فى القرن السابع عشر بقولنا إنها لا ترتفع من حيث تركيبها الأدبى إلى مصاف المصنفات المبكرة من هذا الطراز التى دونها مؤلفون مسلمون و التى تستند على تقاليد ضاربة فى القدم. و رغما من هذا فإن اثنين منهما على الأقل و هما لبولس الحلبى و إلياس الموصلى يقفان دون منازع فوق جميع أوصاف الرحلات الأخرى التى خرجت من نفس ذلك الوسط من حيث أصالة الموضوع و حقهما فى أن يعترف بهما كمصادر ذات أهمية استثنائية بالنسبة لجغرافيا البلاد التى يصفانها.

و قد ظلت الأوصاف الإقليمية(regional) فى القرن السابع عشر و الأزمنة التالية له ممثلة بعدد من المؤلفات بطائفة من النقلة المقلدين، بحيث لا يمكن القول بأنها فاقت فى شى‏ء غيرها من مؤلفات ذلك العصر. و بعض هذه الأوصاف يتعلق بسوريا و هى موجودة عادة فى المخطوطات، أما المؤلفون فلم يكونوا فى أنفسهم من الشخصيات الهامة. مثال ذلك ناصر الدين السوائى الشفونى‏ 119 و كان خطيبا بأحد المساجد كما يشير حمله للقب الخطيب، و قد وضع فى حوالى عام 1054 ه- 1644 رسالة بعنوان «الجوهر المكنون فى زيارة جبل قاسيون» عالج فيها الكلام كما يتبين من العنوان على موضع من أشهر مواضع الزيارة بدمشق. غير أنه من بين الفصول السبعة لهذا الكتاب الكبير الحجم فإنه لا تعالج سوى ثلاثة منها الكلام على جبل قاسيون و «مغارة الدم» و مسجد إبراهيم، أما بقية فصول الكتاب فتتحدث عن دمشق عامة و عن فضائلها و الدور الذى خصص لها عند قيام الساعة 120؛ و لعله لهذا السبب حمل المصنف فى مخطوطة أخرى عنوانا مغايرا بعض الشى‏ء هو «الجوهر المكنون فى فضائل الشام و جبل قاسيون و فى فضل التين و الزيتون» 121. و إلى نفس هذا الوسط ينتمى محمد بن يحيى الحلبى الفرضى المتوفى فى عام 1090 ه- 1679 122 و الذى اشتغل بالتدريس لبعض الوقت بالمسجد الأموى بدمشق.

و قد ترك لنا مصنفا من نفس المضمون، ليس فى ضخامة المصنف السابق و لو أنه يفضله من ناحية التبويب، و يحمل عنوان «الإشارات إلى أماكن الزيارات»؛ و هو يعالج فيه من الزاوية المعهودة لنا جيدا و فى نفس الصور التقليدية الكلام على «زيارات دمشق و ما حولها من قبور الصحابة و التابعين و العلماء العاملين و الأولياء و الصالحين و المعابد المباركة و الأماكن الشريفة» 123. و قد حفظ هذا الضرب من الأدب* * * بعض السمات التى ثبتت فى عهود سابقة؛ فمثلا يرتبط باسم مؤلف غير معروف لنا عن كتب‏

725

هو التمر تاشى الذى ألف حوالى عام 1106 ه- 1694 مصنف بعنوان «الخبر التام فى حدود الأرض المقدسة و فلسطين و الشام» 124؛ و يمكن أن نحس من العنوان نفسه بذلك الاتجاه القوى الذى عهدناه فى عصور سابقة للربط بين فلسطين و سوريا. و من المؤسف أن هذا المصنف معروف فى مخطوطة واحدة بمجموعة تيمور بالقاهرة 125، مما يجعلنا نقتصر فى حكمنا عليه من العنوان وحده.

و ثمة مؤلف آخر يمتاز بالطرافة و الشهرة هو أحد مواطنى مكة و بها اشتغل لمدة طويلة بالتدريس و كان كاتبا مثمرا للغاية حتى لقبه معاصروه «سيوطى عصره»؛ و مما لا شك فيه أن محمد بن علّان البكرى الصديقى (توفى فى عام 1057 ه- 1648) يقرب كثيرا من السيوطى فى طراز مؤلفاته فهى فى معظمها رسائل موجزة تعالج موضوعات مستقلة من مختلف الأنواع‏ 126. و سنقتصر فى هذه اللحظة على الكلام عن بعض رسائل له تعالج الجغرافيا الإقليمية و ينعكس فيها حبه العميق لوطنه الحجاز؛ و فيما يتعلق بها هى أيضا نجد أنفسنا مضطرين إلى أن نقنع بعناوينها فقط التى يوردها لنا حاجى خليفة. و أحد هذه المصنفات يحمل عنوان «فضائل مكة المكرمة»، مكونا بهذا حلقة فى سلسلة قديمة و حافلة من مؤلفات ذات طابع عام‏ 127؛ و البعض الآخر منها يعالج موضوعات ذات طابع خاص، مثال ذلك رسالة له فى تاريخ عمارة البيت الحرام كان الدافع إلى تأليفها حدوث سيل عنيف سقط بسببه البيت الحرام‏ 128.

و ثمة رسالة أخرى أكثر نخصصا من تلك يعالج فيها الكلام عن فضل الحجر الأسود بعنوان «العلم المفرد فى فضل الحجر الأسود» 129؛ و فى نفس الأسلوب يفرد رسالة للطائف بعنوان «طيف الطائف بفضل الطائف» و هى بحسب قول حاجى خليفة «مختصر .... على مقدمة و بابين فرغ فى صفر سنة 1048 ه [- 1638]» 130. و إن مجرد ذكر عدد مصنفات هذا «السيوطى المكى»* * * ليقف دليلا واضحا على استمرار الرواج الذى تمتع به هذا الضرب من المصنفات إلى العصر الذى عاش فيه ذلك المؤلف.

أما نمط الرحلات الذى انتشر فى هذا العصر فلعل خير مثال نقدمه له هو مصنفات مواطن دمشقى ينتمى إلى أسرة المحبى التى اشتهرت بعدد من العلماء، أعنى فضل اللّه بن محب الدين المتوفى سنة 1082 ه- 1671 131. و قد غادر فضل اللّه دمشق و هو فى سن الشباب لعدم رضاه بالمركز التدريسى الذى كان يشغله فسافر إلى حلب فى عام 1048 ه- 1638 و هو فى سن السابعة عشر و لكنه لم يصب نجاحا كثيرا فرجع إلى دمشق حيث تنازل له والده عن مركزه التدريسى؛ و فى عام 1051 ه- 1641 سافر إلى القسطنطينية، فاشتغل بالتدريس لمدة عام ثم رجع لبعض الوقت إلى دمشق و غادرها فى عام 1059 ه- 1649 فى معية القاضى إلى مصر و كان نائبا له فى القضاء و هناك اشتغل بالتدريس بالأزهر. و بعد أن أمضى أعواما طويلة بمسقط رأسه سافر إلى القسطنطينية للمرة الثانية فى عام 1073 ه- 1662 و أقام بها فى هذه المرة لمدة أربعة أعوام بالتقريب؛ أما السنوات الأخيرة من حياته فقد أمضاها بدمشق.

و قد ترك لنا انطباعاته عن جميع رحلاته فى ثلاث مولفات يدعوها قستنفلد «الرحلة الحلبية»Iter Halebenese

726

و «الرحلة المصرية»Iter Aegyptiacum و «الرحلة إلى القسطنطينية»Iter Cons tantinopolitanum ؛ و لم تصلنا فى مجموعها 132 و لكن عناوينها توكد مرة أخرى ما ذكرناه من قبل عن دور مركز الجذب الذى أخذت تلعبه استنبول بالنسبة للبلاد العربية فى ذلك الوقت.

فهى قد اجتذبت أهل الأدب بصورة خاصة و من مناطق مختلفة، و كان بعض هؤلاء من «المدينتين المقدستين» مكة و المدينة؛ و أحد سكان المدينة و ممن نشأوا بها كان محمد كبريت المدنى (توفى فى عام 1070 ه- 1659) الذى قام برحلة فى عهد السلطان مراد الرابع (1032 ه- 1049 ه- 1623- 1639) إلى عاصمة الخلافة عام 1039 ه- 1629- 1630 ترك لنا وصفها فى مصنف بعنوان «رحلة الشتاء و الصيف» معروف فى عدد كبير من المخطوطات‏ 133 و فى طبعة قاهرية قديمة ليس من السهل الحصول عليها الآن‏ 134. هذا و يتسم وصف رحلته بالتنوع، فهو قد غادر المدينة إلى العقبة ثم اجتاز سيناء إلى القاهرة و ركب البحر من الإسكندرية إلى القسطنطينية، أما فى طريق العودة فقد أخذ طريق البر مارا على حلب و حماة و دمشق و من هناك أخذ طريق الحاج الشامى إلى مكة. و أسلوبه على وجه العموم بسيط و لكنه مفعم* * * بالاستشهادات الشعرية من مختلف العصور، و هو ينقل أحيانا عن المؤرخين و الجغرافيين بصدد المواضع التى يرد ذكرها لديه‏ 135.

أما معاصره و ابن وطنه ابراهيم بن عبد الرحمن الخيارى المدنى (المتوفى عام 1082 ه- 1671) 136 فهو ابن لعلامة مصرى كان استوطن المدينة 137، و قد كان الإبن خطيبا بمسجد النبى‏ 138 ثم حدث أن فقد وظيفته هذه بغير وجه حق إثر نميمة من طرف أحد العلماء لذا فقد قرر* * * السفر إلى استنبول فى عام 1080 ه- 1669 ليسترد حقه. و استغرقت الرحلة ما يقرب من العامين، و قد غادر المدينة فى اليوم الحادى عشر من شهر يونيو عام 1080 ه- 1669 و مر فى طريقه على تبوك و معان سالكا طريق الحاج الشامى حتى بلغ دمشق فى الرابع عشر من شهر يوليو. و بعد أسبوعين من هذا غادرها إلى القسطنطينية مارا فى طريقه على حمص و أنطاكية و المصيصة حتى بلغ دار الخلافة فى التاسع من سبتمبر.

و قد أخذ طريق العودة بعد عام بالتقريب و ذلك فى سبتمبر من عام 1081 ه- 1670 سالكا نفس الطريق إلى دمشق الى بلغها فى السابع عشر من نوفمبر؛ و أعقب هذا زيارته لنواحى فلسطين فر بالرملة و زار بيت المقدس و جيل و الخليل و غزة حتى وصل إلى القاهرة، و فى مصر تخلف إلى الثالث و العشرين من شهر فبراير عام 1081 ه- 1671 ثم أخذ طريق الحاج المصرى فاجتاز سيناء و مر بالعقبة فى طريقه إلى المدينة التى بلغها فى اليوم التاسع و العشرين من شهر مارس من نفس العام و ذلك قبل قليل من وفاته. و قد استغرقت الرحلة واحدا و عشرين شهرا و وصفها فى مصنف بعنوان «تحفة الأدباء و ساوة الغرباء»؛ 139 و هى تحمل فى بعض مخطوطاتها زيادات بقلم ابراهيم الجينينى الدمشقى (توفى عام 1108 ه- 1696) 140 و كان على معرفة جيدة بنواحى سوريا و فلسطين‏ 141. و كان الخيارى فقيها متضلعا و قد ألفى دروسا

727

فى الحديث أثناء زيارته لدمشق و كان ممن استمع إليه المؤرخ المحبى‏ 142؛ و من الطبيعى أن تنضم رحلته فى جوانب منها إلى نمط الرحلات العلمية المعروفة لنا جيدا و لكنه بحب أن نستدرك على هذا بقولنا إنه كان يفضل ايراد ما أبصره بنفسه بدلا من الاعتماد على ألفاظ الغير. و قد اجتذب عنايته شيئان. فهو قد اهتم من ناحية «بالمواضع المقدسة» خاصة بفسلطين و يذكر فى هذا بكتب «الفضائل» عن المدن الشامية؛ و من ناحية أخرى نراه يوجه اهتمامه إلى العلماء المحليين و أهل الأدب بوجه عام الذين جهد فى أن يدخل معهم فى علاقات. أما وصفه فقد صاغه فى أسلوب كلاسيكى تغلب عليه «الصنعة» و تنتثر فيه الاستشهادات و المقتطفات من القرآن و الحديث و «مقامات» الحريرى و عدد كبير من الأشعار 143. و هو يسوق أحيانا مما دونه أقلام معاصريه فقد ضمن مثلا قطعا من رسائل وجه بها إليه عالم دمشقى هو رمضان بن موسى بن عطيف الدمشقى (توفى عام 1095 ه- 1684) و كان من المولعين بالشعر و التاريخ و اشتغل بالتدريس هناك‏ 144، و ندين له بوصف رحلة إلى طرابلس الشام تم تدوينها فى عام 1043 ه- 1633 و تم الكشف عن مخطوطها ببرلين منذ عهد غير بعيد 145. و على أية حال فإن المعطيات الجديدة* * * لدى الخيارى ليست بالقليلة، و يتبين من القطعة فى وصف رحلته من دمشق إلى الرملة التى نشرها توخ‏Tuch أنه من الممكن أن يفيد منها العلماء المشتغلون بدراسة آثار الكتاب المقدس(biblical archaeology) و مؤرخو الحروب الصليبية أيضا 146. و قد فحص رتشارد هارتمان‏R .Hartmann الذى شغل خاصة بدراسة الطريق بين سوريا و مصر 147 مصنف الخيارى إلى جانب عدد كبير من المؤلفين ممن مر بنا الكلام عليهم و استطاع أن يخرج بنتيجة هامة مؤداها أن الطريق بين دمشق و القاهرة فى ذلك العهد، أى حوالى عام 1700، هى نفس الطريق المسلوكة فى عهد سلطنة قايتباى‏ 148. و قد كان أحد أبناء الخيارى عالما أيضا و ساح فى مصر و سوريا و القسطنطينية و لكن لا علم لنا بمصنفات له‏ 149.

و بالطبع فإن الحجاز و مكة بصفتها مركزا دينيا مرموقا قد اجتذبت إليها الرحالة بقدر ليس أقل مما عليه الحال مع القسطنطينية مركز الحياة السياسية و الإدارية للدولة. غير أنه من بين المصنفات المطبوعة فى هذا الميدان ليس فى إمكاننا أن نشير إلّا إلى واحد من المقلدين فقط و كان على صلة وثيقة بالدوائر الشيعية هو بدر الدين بن سالم الملقب بتابع الصديق. فهو قد دون فى حوالى عام 1062 ه- 1652 قصة «رحلة» قام بها أحد شيوخه و تحمل عنوانا تغلب عليه الصنعة و يشير بصراحة إلى موضوع المصنف و هو «المجاز فى حقيقة رحلة الشيخ محمد زين العابدين الصديقى إلى الحجاز»؛ و الكتاب طبع فى القاهرة دون ذكر لسنة الطبع و نادر للغاية كما أنه لم يفحص إلى الآن بطريقة علمية 150.

أما من بين الرحلات التى اتجهت فى ذلك العصر إلى بلاد أخرى بخلاف القسطنطينية فيجب أن نفرد بالذكر بعضها إما لشخصية مؤلفيها أو لأهمية المواضع التى زاروها. و تقدم شخصية صدر الدين على بن أحمد بن محمد المعصوم الحسنى المدنى‏ 151 مثلا طريقا للوحدة الثقافية التى ربطت بين البلاد الإسلامية فى ذلك‏

728

العهد، فهو و إن كان أصلا من أهل المدينة (و بها ولد فى عام 1052 ه- 1642) إلا أنه ينحدر من أسرة من العلماء و رجال الحكومة ارتبطت بإيران و الهند و بصورة خاصة بحيدر أباد. و قد غادر أبوه الهند إلى المدينة نتيجة للدسائس الحكومية و لكنه رجع إلى الهند فى عام 1054 ه- 1644 و لحقت به أسرته بعد اثنى عشر عاما* * * من ذلك بعد إلحاحه الشديد و ذلك فى عام 1066- 1069 ه- 1655- 1658.

هذه الرحلة الأخيرة من مكة إلى كلكنده بالهند و التى سارت ببطء شديد مجتازة إيران و الهند هى التى وصفها لنا على خان اعتمادا على ذكريات الأسرة فى عام 1074 ه- 1663 تحت عنوان «صلوات الغريب و سلوة الأريب» 152، و هى معروفة إلى الآن فى مخطوطة يتيمة موجودة ببرلين‏ 153. و بعد وفاة والده فقد على خان عطف حكام حيدر أباد فالتجأ الى كنف السلطان أورنكزيب فى برهانبور حيث شغل وظيفة كتابية، و فيما بعد قام برحلة إلى إيران وزار مشاهد الشيعة ببغداد و النجف و كربلاء؛ ثم استقر بشيراز يعمل بالتدريس إلى أن وافته منيته بها فى عام 1104 ه- 1692 أو فى عام 1120 ه- 1708. و هو قد نال الشهرة بين معاصريه كأديب منشى‏ء و لا زال يتمتع ببعضها إلى الآن، و إلى جانب رسائل له فى البلاغة و الشعر نال رواجا خاصا مختارات شعرية ترجم فيها للشعراء و أتمها فى عام 1082 ه- 1671 بعنوان «سلافة العصر من محاسن أعيان العصر»، و هى توجد فى عدد كبير من المخطوطات و ظهر قسم منها فى طبعة قاهرية لا تبعث كثيرا على الرضى (1324 ه- 1906). و هو ينضم فى هذا إلى المنهج القديم و يكمل مصنفا مشابها للخفاجى الذى سبقه بقليل فيقدم مختارات لشعراء القرن الحادى عشر الهجرى موزعا إياهم بحسب المناطق. و هذا المنهج الذى التقينا به عند بعض السابقين له منذ القرن الحادى عشر* * * الميلادى لا يخلو أحيانا من بعض الفائدة لأنه يتضمن معطيات جغرافية صرفة. و الاتجاه العام لهذا المصنف يعاوننا على فهم السبب فى أن وصف رحلته كان كذلك ذا أهداف أدبية فى الغالب و يحمل طابع الرحلة «العلمية» التى تقوم على أساس ترجمة المؤلف لسيرة حياته و تستطرد أحيانا فى موضوعات أدبية صرفة لا تخلو من بعض الطرافة و لو أنها تفتقر إلى التنظيم.

و تمثل أهمية كبرى من وجهة نظر التاريخ العام و الجغرافيا واحدة من الرحلات القليلة التى اتجهت من بلاد العرب الجنوبية إلى أرض الحبشة. أما المؤلف و هو الحسن بن أحمد الحيمى‏ 154 الكوكبانى (توفى عام 1071 ه- 1660) 155 فينتمى إلى أسرة كبيرة و كان رجلا عالما استعان به الإمام المتوكل من أئمة الزيديين فى مهام دبلوماسية عديدة فبعث به إلى حضرموت ثم وجهه فى عام 1057 ه- 1647،* * * و هو لما يكد يرجع من حجته الثالثة إلى مكة 156، إلى فاسيلداس ملك الحبشة (1632- 1667) و كانت عاصمته غندر. و قد أشيع آنذاك عن رغبته؛ اعتناق الإسلام؛ و رغما مما يحيط بهذه الرواية من عصر الخيال إلا أنها تجد بعض التعضيد فى المصادر البرتغالية 157. هذا و قد خرجت السفارة من قلعة شهارة الكبيرة* * * الواقعة على مقربة من صنعاء و كان يقيم بها آنذاك أمام اليمن فبلغت مرفأ مخا و عبرت‏

729

إلى الساحل الغربى للبحر الأحمر فنزلت بمحلة صغيرة تدعى بيلول بمنطقة قبائل الدناكلة و هناك أمضى الرحالة ما يقرب من شهرين. و قد مكنت هذه الأقامة المؤلف من أن يقف على عاداتهم البدائية التى كان من شأنها أن تسترعى أنظار رجل مسلم ينتمى إلى حضارة أرفع. ثم ضربوا بعد ذلك برا فى أرض قبائل القالةGalla الذين يقول المؤلف عنهم إنهم كانوا بمثلون خطرا كبيرا لا على القوافل وحدها بل و أيضا على السكان الحضر. ثم تخلفوا مرة ثانية لمدة أربعين يوما بمدينة كبيرة تسمى أندرته، و بعد ذلك اخترقوا أرض الفلاشة ( «الفلاسه») الذين يورد عنهم المؤلف تفاصيل شيقة، حتى بلغوا مقر النجاشى بغندر.

و لم تكن إقامة السفارة اليمنية بالعاصمة هادئة على الدوام فقد تعرضوا للحريق مرتين من جانب السكان المحليين على ما يبدو، و الذين نقموا منهم تعضيدهم للمسلمين. و يقدم لنا المؤلف تفاصيل شيقة عن محادثاته مع قبطى كان يشغل مكانة رفيعة بين رجال الدين و كان مقربا من مطران الحبشة «أبونا» الذى كان آنذاك منفيا فى إحدى «جزر النيل» كما ذكر محدثه؛ و من الطريف أن مترجم النجاشى كان رجلا من بخارا دخل فى المسيحية و كان يجيد العربية إجادة تامة 158. هذا و قد امتدت إقامة السفارة بالعاصمة إلى مدة تقرب من تسعة أشهر 159 و رجعت بسلام إلى اليمن فى ربيع الأول سنة 1059 ه- مايو 1649 سالكة طريقا معروفا مر بها على ميناء مصوع ( «مسوع») و جزيرة دهلك حتى بلغت مرفأ اللّحية.

و يذكر مترجم سيرة الحيمى أن السفارة قد أثارت فى نفوس الأهالى ذعرا شديدا لأن أفرادها كانوا يحملون معهم أسلحة نارية، مما لم يكن آنذاك تحت أيدى القالة أو الأحباش. و كان ذلك العهد عهد انتصار للأحباش فى نضالهم مع جيرانهم المسلمين، و لو أن هذا لم يحل دون وجود عدد كبير من المسلمين داخل أرض الحبشة. و قد أبصرت السفارة قريبا من غندر نفسها بلدة جميع سكانها من المسلمين‏ 160، كما وجد عدد كبير من أتباع مذهب الشافعى فى مواضع عديدة من تلك البلاد؛ بل إن العاصمة نفسها كان بها حى خاص بالمسلمين‏ 161. و نحن نعلم جيدا أن ملك الحبشة قد أصدر فيما بعد، و ذلك فى عام 1668، مرسوما لم يلبث أن تجدد العمل به فى عام 1678 يقضى بمنع المسلمين من الإقامة* * * فى مكان واحد مع المسيحيين و هذا فى حد ذاته يقف دليلا على كثرة المسلمين فى تلك البلاد 162.

و وصف هذه الرحلة الذى تم تدوينه بعد رجوعهم بقليل يحمل على ما يبدو عنوان «حديقة النظر و بهجة الفكر فى عجائب السفر» 163. أما أسلوبه فقد صيغ فى لغة أدبية جيدة و عناية بالتنميق و تكلف للسجع، كما يحوى من موضع لآخر مقتطفات شعرية. و قد ضمن المؤلف وصف رحلته قصيدتين وضعهما و هو بالحبشة يعبر فيهما عن شوقه و حنينه إلى أرض الوطن. و إلى جانب العرض الشيق فإن وصف الرحلة مفعم بالتفاصيل الطريفة، و كان أول من وجه إليه الأنظار هو بريتوريوس‏F .Praetorius و ذلك منذ عام 1885، ثم أصبح بفضل البحثين اللذين عملهما بيزرPeiser فى متناول أيدى المشتغلين‏

730

بالدراسات الحبشية بوصفه مصدرا هاما للتعرف على عهد فاسيلداس الذى لا توجد مادة عنه فى التواريخ الحبشية (*).

و من العسير أن نلتقى فى مصر فى القرن السابع عشر بأسماء كبيرة أو طريفة فى ميدان الجغرافيا، حتى و لا من بين الرحالة، و رغما من ذلك ترفع رأسها فى وسط الفقهاء من وقت لآخر أصداء ضعيفة للأنماط التقليدية؛ و خير مثال لهذا شهاب الدين القليوبى (المتوفى عام 1069 ه- 1658) و هو على وجه العموم شخصية متعددة الجوانب بالنسبة لعصره‏ 164، فقد كان من رجال الحديث و لكنه تابع باهتمام أيضا دراسة الطب و أطرف من هذا أنه اكتسب الشهرة عقب وفاته بين مواطنيه و بين المستعربين الأوروبيين بكتاب له فى «النوادر» لا يزال يطبع فى الشرق إلى أيامنا هذه. و قد خلف القليوبى تصانيف عديدة يتناول بعضها شعائر الحج‏ 165 و مواضع العبادة بالحجاز 166، فهى تكمل بهذا طراز «فضائل» المدن المقدسة.

و أهم من هذا رسالة له بعنوان «رسالة فى معرفة أسماء البلاد و أطوالها و انحرافها» 167 يقدم فيها جداول غير كبيرة فى تسع ورقات تتضمن تعدادا لأهم المدن وفقا لحروف المعجم مع تحديد أطوالها و عروضها و انحرافها؛ و بهذا فإننا نقابل حتى فى القرن السابع عشر ترجيعا لصدى «الزيجات» القديمة المعروفة لنا فى الجغرافيا الرياضية. و لم يقف القليوبى بالطبع بمفرده فى هذا الميدان إذ نلتقى من وقت لآخر «بالموقتين» الذين شغلوا نزولا على طبيعة أعمالهم بمعالجة أمثال هذه الموضوعات إلى منتصف القرن التاسع عشر.

أما جداول القليوبى فلم تلق أى رواج و لا تزال معروفة حتى الآن فى مخطوطة وحيدة 168.

و إلى جانب سوريا و الجزيرة العربية أخرج لنا المغرب فى هذا العصر عددا كبيرا من المصنفات ذات الطابع الجغرافى؛ و لقد حدث أن لاحظنا غير ذات مرة أن المجال قد انفسح هناك ابتداء من القرن الخامس عشر لانتعاش كبير فى كتابة التاريخ دون غيره من العلوم حتى فاق المغرب فى هذا بقية الأقطار العربية و ظل ذلك الفن يشغل اهتمام علمائه المحليين إلى القرن العشرين، و لعل السبب فى ذلك كما يذكر بروكلمان‏ 169 هو أن الانقلابات العديدة فى الحكومات قد عاونت كثيرا على أمدادهم بالمادة اللازمة.

و إلى جانب هذا أيضا يجب أن نضع وصف الرحلات التى كان الحج يمثل الدافع الأول بالنسبة لها؛ و يغلب على هذه الرحلات فى العادة المادة المدونة فى التراجم و أيضا الحكايات و القصص هذا على حين يقتصر وصف البلاد فى عديد من الأحيان على تكوين الإطار العام الذى تستند عليه تلك المادة. و بالنسبة لمراكش فقد وجد إلى جانب رحلة الحج فى ذلك العصر، و فى العصور السابقة عليه و التالية له أيضا، الرحلة الدبلوماسية التى اتجهت فى الغالب إلى تركيا و أوربا و كثيرا ما اشتملت على مادة جغرافية ذات قيمة لا تجارى. و يعترض ليفى بروفنسال‏Levi -Provencal على زعم بروكلمان بأن المغرب آنذاك لم يخرج مؤرخين صرفين باستثناء الزيانى و أن معظم المؤلفين فى ذلك الوقت كانوا من مؤرخى الأدب عامة

____________

(*) نشر هذا الكتاب بالقاهرة منذ أعوام الدكتور مراد كامل بعنوان «سيرة الحبشة» اعتمادا على مخطوطة نثر عليها حديثا فى اليمن و يرجع تاريخ كتابتها إلى عام 1060 ه، و هى محفوظة بمكتبة أحد أحفاد المؤلف. (المترجم)

731

( Polyhistor )

و أسهموا بالتأليف فى كل فروعه‏ 170؛ و بروكلمان محق فى حكمه هذا طالما حملت ألفاظه تلك على أن المقصود بها هو أن مصنفاتهم لم تخرج عن نطاق المنهج المعهود لدى المؤلفين المسلمين. غير أنه ليس بمقدور أحد أن ينكر أن انتشار التأليف فى مجالى التاريخ و الجغرافيا التاريخية بالمغرب إنما يمثل ظاهرة تلفت النظر بالنسبة لذلك العهد بأجمعه عند مقارنة ذلك ببقية الأقطار العربية 171.

و العصر الذى نعالج الكلام عليه فى هذا الفصل بالذات يقدم لنا رحالتين يمثلان كلا الاتجاهين، هما الحاج العباشى و الدبلوماسى الوزير الغسانى. أما الأول و هو أبو سالم عبد اللّه بن محمد بن أبى بكر العياشى‏ 172 فمن البربر من قبيلة ايت عياش التى كانت تقيم بسجلماسة مركز واحة تفيللت بأطلس الوسطى. و قد ولد رحالتنا فى عام 1037 ه- 1628، و هو كجميع معاصريه ممن دفعتهم الرغبة فى طلب العلم إلى الرحلة ارتحل و هو فى سن الشباب إلى مدينة فاس التى كانت تمثل آنذاك مركز الثقافة بأفريقيا الشمالية، و قد وجه اهتمامه إلى ثلاثة فروع من علوم الدين هى الحديث و الشريعة و التصوف. و فى عام 1059 ه- 1649 أدى فريضة الحج لأول مرة فمر فى طريقه بتوات و ورجله و طرابلس حتى بلغ مصر، ثم تابع دراسته لبعض الوقت فى كل من القاهرة و مكة كما أقام مرة ثانية ابتداء من عام 1073 ه- 1662 مدة ليست بالطويلة بمكة و المدينة، و لكنه توفى بموطنه* * * من الطاعون فى عام 1090 ه- 1679. و قد دون مذكراته المتقطعة أثناء الحج، غير أن رحلته الأخيرة دفعته إلى تبييض المسودة النهائية لوصف رحلته المعروف لنا بعنوانين أحدهما تقليدى صرف هو «الرحلة العياشية» و الآخر تغلب عليه الصنعة هو «ماء الموائد»؛ و الكتاب موجود فى طبعة حجرية ظهرت فى جزئين بفاس فى عام 1310 ه- 1898 173؛ و يبصر من مضمونه أن المؤلف قد وجه عنايته فى المكانة الأولى بالطبع إلى الكلام عن الأولياء و العلماء و الدراويش و أهل التصوف و يغلب على عرضه أحيانا طابع متعدد الألوان لمادة متنوعة من محيط الجغرافيا و العادات و الدين و حياة المتصوفين و أهل الحديث، كما أنه إلى جانب أهميته كمصدر جغرافى يجب ألا تغفل أهميته التاريخية بالنسبة لذلك العصر رغما من أن أوصافه على وجه العموم جافة و تنقصها الحيوية. أما أسلوبه الأدبى فتنعكس فيه بالطبع علامات عصر التدهور و لكنه يتميز بالبساطة باستثناء الحالات التى يعالج فيها المؤلف الكلام على الموضوعات الصوفية و يرى لزاما عليه أن يلجأ إلى لغة مغلقة و متكلفة. أما تركيب الكتاب العام فقد أفسده إلى حد كبير ميل المؤلف المبالغ فيه إلى الاستطرادات المتتالية.

و يحتل أهمية خاصة فى مادته الواقعية وصفه لطرق القوافل من المغرب إلى مكة مع تبيان واف للمنازل المختلفة؛ كما توجد لديه تفاصيل تمكن من تبيان الحد الذى يفصل بين الأراضى الصحراوية و الأراضى الصالحة للزراعة، و قد لفت الأنظار إلى هذا منذ الأربعينيات من القرن الماضى مترجم الرحلة بربروجه‏Berbrugger . غير أن المؤلف نفسه لم يعتبر كل هذا جديرا باهتمام الرحالة الجاد؛ فهو قد صرف اهتمامه قبل كل شى‏ء إلى فحص مناهج العلوم الإسلامية فى البلاد التى زارها بحيث يمثل كتابه إلى حد ما

732

دائرة معارف فريدة من نوعها فى العلوم و التصوف. و قد رأى لزاما عليه أن يشير فى كل موضع إلى المخطوطات النادرة التى رآها فى الأماكن المختلفة؛ و المؤلفون المتأخرون فى المغرب أفادوا كثيرا من كتابه‏ 174 و هو يحتل آخر موضع فى سلسلة المنتخبات الجغرافية التى نشرها بلاشيرBlache ?re و التى كثيرا ما رجعنا إليها فى تضاعيف كتابنا هذا؛ و لا يوجد بالطبع ما يبرر ذلك لأنه وجد بعد العياشى عدد من الكتاب من نفس الاتجاه يتممون التقاليد الجغرافية و إن لم يأتوا فيها بجديد، غير أنه يمكن على أية حال أن نعترف به كنموذج لجميع مؤلفى هذا العهد الأخير الذى لم يطرأ فيه أى تقدم فى هذا الميدان إلى العصر الحاضر، أو على الأقل إلى القرن التاسع عشر.

أما الرحلة الأخرى التى قام بها الدبلوماسى فهى تمثل أهمية أكبر من وجهة نظرنا. و أبو عبد اللّه محمد الوزير الغسانى من أسرة أصلها من الأندلس و لكنها استقرت بمراكش، و كان يعمل كاتبا ببلاط الشرفاء العلويين بمكناس فى عهد مولاى اسماعيل الطويل الأمد (1083 ه- 1139 ه- 1673- 1727)؛ و قد اكتسب الشهرة* * * كخبير بأسماء الكتب(blbliograph) و خطاط و ناثر فنى‏ 175. و فى عام 1689 عند ما استرجع الشريف مدينة العرائش من الأسبان و وقعت حاميتهم فى يده فكر فى أن يعرض على ملك أسبانيا استبدال الحامية بخمسمائة أسير مراكشى ممن كانوا فى الأسر بأسبانيا و خمسة آلاف كتاب من الاسكوريال، و وقع اختياره على الوزير الغسانى ليضطلع بهذه المهمة. و من العسير القول بصورة محددة عما إذا كانت تلك هى حقا أهداف الرحلة، إلا أن الرحالة على أية حال يتحدث عن ذلك كثيرا فى خلال وصفه لرحلته. و هو فى الواقع يتكلم عن وجود أسرى مراكشيين بقادس و قرطبة و مدريد و لكنه لا يذكر شيئا عن ترحيلهم إلى أرض الوطن‏ 176؛ أما المخطوطات فقد كان للمراكشيين فكرة مضطربة بعض الشى‏ء بصددها، و هم كانوا على علم بأن الأسبان نقلوا إلى مكتبة الاسكوريال «خزائن من قرطبة و إشبيلية و غيرهما 177». و من المعلوم أن مجموعة الإسكوريال ترجع فى الواقع إلى عهد متأخر و تمثل فى جوهرها قسما من مكتبة مولاى الشريف زيدان (1012 ه- 1038 ه- 1603- 1628) التى سطى عليها القراصنة أثناء رحلة للشريف من آسفى إلى أغادير 178، و عند ما علم المراكشيون بخبر الحريق الذى تعرضت له مكتبة الإسكوريال فى عام 1671 لم يصروا كثيرا على استرداد المخطوطات بل عرضوا أن يستبدلوها بخمسمائة أسير آخر. و نظرا لأن وصف الرحلة لا يذكر شيئا عما تم بصدد هذا العرض فإن بعض البحائة يميل إلى الافتراض بأن هدفى الرحلة المشار إليهما لم يكونا إلا ذرا للرماد فى العيون و أن الهدف الحقيقى كان على أغلب الظن محاولة عقد معاهدة صلح بين الطرفين‏ 179. و على أية حال فقد رأى المؤلف من الضرورى أن يظهر اهتمامه بالهدف الأول للرحلة بأن يعنون كتابه «رحلة الوزير فى افتكاك الأسير». و مما يؤسف له أن جميع المخطوطات المعروفة حتى الآن ليست كاملة و تنقطع‏

733

فى وصف طريق العودة عند طليطلة 180؛ و اعتمادا على إحداها قدم لنا سوفيرSauvaire ترجمة مختصرة للكتاب‏ (*).

خرجت السفارة من سبتة فى الخامس عشر من المحرم سنة 1102 ه- 19 أكتوبر 1690 متجهة إلى جبل طارق، و مرت فى طريقها على طريف و قادس و شريش و «ايشكا»Ecija و قرطبة و لينارس‏Linares و مانسنارس‏Manzanaies و موراMora حتى بلغت مدريد فى اليوم السابع من ربيع الثانى من نفس العام- 8 يناير 1691. ثم غادرت مدريد فى طريق الرجعة فى أول رمضان- 29 مايو إلى طليطلة، و ينقطع بعد هذا وصف الطريق بانقطاع المخطوطة. هذا و يكشف الرحالة عن قوة ملاحظة و انتباه غريبين بالنسبة لعصره‏ 181، كما و أن سعة أفقه و ما اتسم به من روح التسامح الشديد الغريب بالنسبة لمراكشى من عصره قد سمح له بأن يتجاذب أطراف الحديث بيسر مع رجال الدين‏ 182 الذين كانوا يلعبون دورا خطيرا فى أسبانيا لذلك العهد، و أيضا مع بقايا* * * العرب المتنصرين. و من الطريف فى هذا الصدد أن نشير إلى محادثاته الطويلة فى محلة اندوخرAndujar قرب قرطبة مع «أولاد السراج»، و هم أحفاد بنى سراج المشهورين الذين انتقلوا إليها من غرناطة فى أواخر القرن الخامس عشر 183.

و هو يولى نفس القدر من الانتباه لتفهم أسلوب المعيشة فى أديرة الراهبات التى تعرف عليها بصورة مباشرة.

و المؤلف يتحاشى القصص فى عرضه و لا يثقل وصفه على عكس الكثيرين بالاستطرادات المنقولة عن مؤلفين آخرين، بل إن مسجدا مشهورا كمسجد قرطبة لا يظفر لديه إلا بمكانة صغيرة. و فى مقابل هذا فهو يتحدث بتفصيل أكثر عن تاريخ أسبانيا الحديثة و عن آخر هجرة للموريسكيين منها، كما يفصل الكلام بصورة خاصة عن سياسة أوروبا المعاصرة له. و من اتجاهه العام يبدو كعالم اثنوغرافى و اجتماعى أكثر منه مؤرخا، فهو يهتم قبل كل شى‏ء بوصف الأخلاق و العادات و النظم؛ و فى هذا المجال قد تفوق معطياته أحيانا الأوصاف الأوروبية المعاصرة له‏ 184. و هو على معرفة جيدة بنظام «ديوان التحقيق»lnquisition الذى تركز نشاطه فى ذلك العصر بصورة خاصة فى محاكمة المتهمين بالتهود؛ و قد كان شاهدا لمصارعة الثيران التى يرجع أول ذكر لها فى العادة إلى القرن السابع عشر و لو أنها لم تكن قد اكتسبت فى تلك الآونة طابعها العنيف الذى تحيط به الطقوس الدينية بل كانت مناسبة شعبية لا تقتصر على المحترفين وحدهم إذ كان يأخذ طرفا فيها كل من يدعى لنفسه الشجاعة و رباطة الجأش‏ 185. و رحالتنا يولى عناية خاصة لوصف الرقصات الشعبية التى عملت تكريما له‏ 186 و يقدم لنا تحليلا لشخص الملك كارلوس الثانى آخر سلالة الهابسبرج على العرش الأسبانى (1665- 1700) معتمدا فى ذلك على انطباعاته الشخصية؛ و يجب الاعتراف بأن هذا التحليل لا يخلو من بعض الزيادة على ما سرده الرحالة الأوروبيون فى هذا

____________

(*) نشر متن هذا الكتاب الفريد البستانى مع ترجمة اسبانية فى عام 1940 بطنجة. (المترجم).

734

الصدد 187. هذا و قد اقتصرت دائرة اتصاله بالطبع على الوسط الأرستقراطى، و جهد رجال البلاط فى أن يحدثوا فى نفسه أثرا طيبا بأدبهم الجم و بشاشتهم و حسن معاملتهم، كما بذلوا جهدهم فى أن يروه كل ما يمكن أن يكون ذا طرافة و أهمية بالنسبة له‏ 188. غير أن هذا لم يطغ على الجوانب الأخرى للحياة فهو يهتم بالجانب الاقتصادى و بوجه الكثير من انتباهه إلى طرق الزراعة و تربية الحيوان‏ 189؛ أما فيما يتعلق بعالم الطبيعة فهو يقف موقف الملاحظ المهتم بنشاط الإنسان فيه و لا يولى اهتماما خاصا بالمناظر الطبيعية أو جمال الطبيعة نفسها أو يكلف نفسه نقل الأوصاف الشاعرية التى صاغها الغير 190. و فى مقابل هذا فقد كان فى موقف يمكنه من أن يتثبت من الأثر السى‏ء الذى تركه كشف أميريكا على أسبانيا و الإسبانيين رغما من الغنى الفاحش الذى عاد إلى البلاد نتيجة لذلك‏ 191.

و بوجه عام فكتابه لا يخلو من الطرافة و مادته ذات أهمية فى العادة، و هى تمس السكان و المدن و الريف و الطبقات العليا و الدنيا و لا يوجد فى عرضه أى أثر للتحيز المقيت أو العصبية ضد الأجانب بل ينبض بالكثير من العاطفة الطيبة نحو الغير مما سمح له يتفهم أشياء كثيرة تعد غريبة بالنسبة للمسلمين. و إن ما يمتاز به العرض من حيوية و قوة ملاحظة ليقف كفئا لأحسن أوصاف الرحلات الأوروبية لذلك العهد فهو يقدم لنا لوحة دقيقة للحياة الإسبانية و على الأخص حياة البلاط الإسبانى فى عهد كارلوس الثانى‏ 192. و لعلنا نذكر جيدا كيف أنه قبل عشرين عاما من الغسانى وجد الرحالة العربى المسيحى إلياس الموصلى فى نفس تلك الظروف، و لعل عقد مقارنة خاصة بين معطياتهما سيكشف لنا عن تفاصيل ليست بالقليلة من حيث طرافتها. و لنذكر عرضا أن الغسانى يتحدث عن سفارة من «مسكوبيا» زارت أسبانيا قبل مجيئه بثلاثة أعوام‏ 193، و مى المحتمل أنه إنما يشير بذلك إلى سفارة روسية زارت فرنسا و أسبانيا فى عام 1687 ..

1688 كما يستفاد من مصادر أخرى‏ 194. و لم تمر سفارة الغسانى هكذا دون أن تترك أثرها على سير الأدب، و سنرى فى القرن التالى لهذا رحلة مماثلة إلى أسبانيا قام فيها بمهمة دبلوماسية رجل آخر من أهل مراكش يدعى الغزال يمكن أن نلمح فى تضاعيف وصفه لرحلته انعكاسا معينا لوصف رحلة الغسانى‏ 195.

و أغلب الظن أن الشريف اعتبر رحلة الغسانى رحلة موفقة اذ نراه يبعث به فى العام التالى أى فى سنة 1103 ه- 1692 كاتما لأسرار سفارة أخرى وجه بها إلى الأتراك فى الجزائر. و لم يحفظ لنا وصف لهذه الرحلة الأخيرة. هذا و قد توفى الغسانى بفاس فى سنة 1119 ه- 1707.

و كما هو الحال مع العهود السابقة فإن المغرب يقدم لنا فى القرن السابع عشر بعض المؤرخين الذين يلفتون النظر إما لميلهم الواضح نحو الجغرافيا أو لوجود معطيات جغرافية وافرة فى مؤلفاتهم. و قد اكتسب أكبر شهرة بينهم فى الأوساط العلمية الأوروبية محمد بن أبى القاسم الرعينى القيروانى المعروف عادة بنسبته الأخيرة أو بكنيته الثانية «ابن أبى دينار» 196؛ و يوجد مصنفه «كتاب المؤنس فى أخبار أفريقيا و تونس» فى طبعة تونسية قديمة ترجع إلى عام 1286 ه- 1869 و أخرى أحدث منها ترجع‏

735

إلى عام 1350 ه- 1931، و أيضا فى ترجمة فرنسية قام بها پليسييةPe ?lissier و رموزاRe ?musat على أساس إحدى مخطوطات الكتاب. أما الكتاب فقد تم تدوينه تبعا لما جاء بالمخطوطة و الطبعة فى عام 1110 ه- 1698 أو فى عام 1092 ه- 1681 197، و لا يزال غير مفهوما على الإطلاق ذلك السهو الذى جعل كرامرس يرجع ذلك إلى عام 850 ه- 1446 198.* * * و ينقسم المصنف إلى سبعة أبواب و خاتمة فالباب الأول فى وصف تونس و الثانى فى ولاية أفريقية و الثالث يعالج الكلام على فتح العرب لها على حين أفرد الباب الرابع للفاطميين و الخامس للزيريين (من القرن العاشر إلى القرن الثانى عشر) و السادس للحفصيين (من القرن الثالث عشر إلى القرن السادس عشر) و السابع لعهد السيادة التركية.

و تتضمن الخاتمة أربعة أقسام تحتوى على زيادات و تتمات بعضها ذو طابع عرضى، مثل معلومات متفرقة عن تونس و ما جرى فيها من تغييرات على ممر التاريخ و عما اكتسبه صحيح البخارى من رواج فى شمال أفريقيا الخ. و فى بعض أقسامه، خاصة الأول و الثانى، يقترب المصنف من طراز الجغرافيا الإقليمية أحيانا و من نمط «الفضائل» أحيانا أخرى، و رغما من تاريخه المتأخر فإن الكتاب يظفر بتقدير عال؛ و عنه يقول أمارى و هو خبير بمثل هذه المواد: «هذا مصنف نقلى دقيق للقرن السابع عشر جمع بين دفتيه عددا كبيرا من الملاحظات الطبوغرافية و التاريخية عن افريقيا منذ الفتح العربى لها إلى الفتح العثمانى. و المؤلف لا يفتقر إلى موهبة النقد و قد أفاد كثيرا من مواد جديدة لم تصل إلينا بطريق مباشر» 199. و لاحظ كوديراCodera أن كتاب القيروانى لا يخلو من الأهمية حتى بالنسبة لتاريخ أسبانيا 200.

و مهما يكن من شى‏ء فإن أكبر شخصية فى محيط الأدب عامة فى القرن السابع عشر هو المقّرى؛ و فى مؤلفه الرئيسى تنعكس قبل كل شى‏ء شخصية المؤرخ أن مؤرخ الأدب، بل و أصح من هذا شخصية الأديب و ذلك وفقا للمفهوم الدقيق لهذا اللفظ فى الوسط العربى. غير أن شخصيته تقف أنموذجا جيدا لجميع عصر التدهور، كما أن المادة التى جمعها ذات فائدة بالنسبة لجميع المسائل المتعلقة بأسبانيا الإسلامية بصورة تجعل من المستحيل علينا أن نتجاهله فى دراسة عامة كهذه تعرض لتاريخ الأدب الجغرافى. و هو لا يخلو من الطرافة من ناحية أخرى إذ يعد أيضا أنموذجا جيدا للصلة الوثيقة فى مجال الثقافة التى ربطت بين البلاد العربية فى ذلك العصر 201. ولد أحمد بن محمد بن أحمد المقرى التلمسانى حوالى عام 1000 ه- 1591 بتلمسان كبقية أسلافه المباشرين؛ و نسبته الأخرى التى تعطى أحيانا فى صورة المقرى تشير إلى أن أسرته تنتسب إلى محلة صغيرة تقع قريبا من تلك المدينة، و ليس ثمة ما يدعو إلى أن نرى فيها تحريفا للقب المقرئ التى تشير إلى العمل بتلاوة القرآن أو تدريسه للصبية 202. و كان أحد أسلافه معلما للأديب الأندلسى المغربى المشهور فى القرن الرابع عشر ابن الخطيب، و لعل تأثير هذه الصلة قد إنعكس بالتالى فى أن أصبح المقرى قارئا متحمسا لهذا الكاتب و الشاعر الكبير و خصص له مصنفه الأساسى الذى سيرد بنا الكلام* * * عليه. و قد تتلمذ المقرى فى صباه على عمه الذى كان يشغل منصب الإفتاء و أعاد

736

عليه سبع مرات قراءة صحيح البخارى الذى أصبح بمرور الزمن الموضوع المفضل لتدريسه حتى نال الشهرة فيه بين الناس. و كانت فاس فى ذلك العهد مركز الدراسات الدينية بالمغرب و اشتهر فيها بذلك مسجد القرويين المعروف، و إليها رحل المقرى و هو غلام فى عام 1009 ه- 1600؛ و فى العام التالى لهذا زار مراكش ثم أغمات حيث يوجد قبر الأمير الشاعر المعتمد. و قد زار المقرى مسقط رأسه عدة مرات فى سنى حداثته و لكن نراه مرة ثانية بفاس فى عام 1013 ه- 1604، ثم ما لبث أن استقر بها لمدة طويلة ابتداء من عام 1022 ه- 1613 و شغل بها منصبا محترما كإمام و مفت بجامع القرويين رغما من حداثة سنه. و كان موضوع تدريسه الخاص طول حياته هو الحديث و دوّن فى ذلك عددا من التصانيف اعتمد عليها فى التدريس فى تلك الآونة و فيما بعد أثناء إقامته بالمشرق؛ إلا أن ميوله الخاصة، أو كما مقال «غير الرسمية»، قد اجتذبته على ما يبدو منذ سن مبكرة نحو أدب الأندلس و تاريخها فليس غريبا إذا أن يهتم منذ أيام شبابه الأولى بالمعتمد و ابن الخطيب. و ثمة ظروف خاصة يمكن أن تكون قد تركت أثرها عليه، ذلك أن أيام صباه تتفق مع لحظة طرد الموريسكيين نهائيا من أسبانيا فى عهد فيليب الثانى فى عام 1609؛ و قد انتقلت هذه الفئة النشطة إلى شمال أفريقيا باعداد كبيرة و استقرت بمدنها الكبرى مثل تونس و فاس و تلمسان‏ 203. و كان فى مستطاع المقرى أن يسمع منهم روايات حية كما كان بمقدورهم أن يحملوا معهم من أسبانيا بقايا المصادر الأدبية لا باللغة الألخميادوية وحدها بل و أيضا بالعربية الخالصة؛ و مهما يكن من شى‏ء فلا يوجد ثمة شك فى أن المقرى لم تفته فى هذا العهد المبكر من حياته المواد المتعلقة بالحضارة العربية الإسبانية، بل و ربما يكون قد جمعها بكميات كبيرة. و قد تمكن المقرى من العثور على أشياء ذات أهمية بمكتبة سلاطنة السعديين بمدينة مراكش و لا بخلو من مغزى أن احدى المخطوطات التى اشتغل بدراستها موجودة حاليا بالإسكوريال‏ 204، و أغلب الظن أن هذا قد تم دون نظام محدد أو خطة مرسومة. و هذه الاتجاهات لم تجد انعكاسا فى المؤلفات الأدبية للمقرى إلا قريبا من نهاية حياته عند ما حمله أصدقاؤه على وضع أثر أدبى ميزه عن بقية المشتغلين بالعلوم الدينية.

و فى آخر رمضان من عام 1027 ه- سبتمبر 1618 غادر المقرى المغرب و وجهته الأساسية حج بيت اللّه. و أغلب الظن أنه اعتقد أن غيبته لن تطول* * * لأنه ترك وراءه القسم الأساسى من مخطوطته و مادته بالمغرب؛ غير أنه لم يقدر له الرجوع مرة ثانية إلى أرض الوطن. و خط سير رحلته معروف لنا جيدا من إشاراته الشخصية فى مقدمة كتابه الذى يهمنا بصورة خاصة، فقد أخذ طريق البحر إلى مصر و لكنه لم يقم طويلا بالقاهرة فى هذه المرة الأولى إذ غادرها فى رجب من عام 1028 ه- يونيو 1619 إلى مكة.

و لم يلبث أن رجع إلى القاهرة فى المحرم من عام 1029 ه- ديسمبر 1619 فتزوج بها، و يلوح أنه قد عقد العزم على الإقامة بها لمدة طويلة. و من الجلى أن ظروف حياته لم تسر بحسب ما يهوى، و ينعكس هذا فى شكايته التى نظمها شعرا و فى القاق الذى استولى على نفسه حتى دفعه إلى الترحال مرة ثانية. ففى ربيع‏

737

الأول من عام 1029 ه- فبراير 1620 قام برحلة قصيرة إلى بيت المقدس و لكنه رجع بالتالى إلى القاهرة؛ و قد حج إلى عام 1037 ه- 1627 خمس مرات زار خلالها المدينة سبع مرات و ألقى دروسا فى الحديث بها أكثر من مرة. و بعد رجوعه إلى القاهرة فى صفر من عام 1037 ه- أكتوبر 1627 بدأ يدرّس بالأزهر، و فى رجب من نفس العام- مارس 1628 زار القدس و لكنه لم يمض بها أكثر من خمسة و عشرين يوما؛ و فى شعبان (أبريل) زار دمشق لأول مرة و قد اجتذبه إليها دعوة من معارف جدد له فقد التقى أثناء الحج بمفتى سوريا العالم العمادى (توفى عام عام 1051 ه- 1641) 205 الذى تولى لعدد من السنين أمارة الحاج الدمشقى فدعاه لزيارة دمشق‏ 206 التى كانت تعتبر نفسها فى ذلك الوقت مركزا ثقافيا لا يقل قدرا عن القاهرة. و بدمشق التقى المقرى بشخص حمل له إعجابا شديدا هو أحمد بن شاهين القبرصى (توفى عام 1053 ه- 1643)، و هو معلم و أديب من أهل البلاد 207. و بفضل علاقته به تيسرت له الإقامة بدمشق و استطاع أن يدرس الحديث بالمدرسة الجقمقية؛ و مرة أخرى اضطلع المقرى بتدريس صحيح البخارى و ختم ذلك فى هذه المرة خلال أربعين يوما و ذلك فى السابع عشر من رمضان من عام 1037 ه- 21 مايو 1628 وسط جو من الحماس و الاحتفال الشعبى. و قد وجد من بين تلامذته شخصيات نابهة يذكر معجم السير للمحبى عن أحدهم و هو يحى بن أبى الصفا المحاسنى توفى (عام 1053 ه- 1643) أنه «كان يصحبه كظله»؛ و قد استمع هذا الشخص لجميع ما قاله المقرى و دون بالتالى ما أملاه عليهم الشيخ‏ 208. و غادر المقرى دمشق فى الخامس من شوال عام 1037 ه- التاسع من يونيو 1628 و أقام بالقاهرة حوالى ثلاث سنوات إلى شعبان من عام 1040 ه- مارس 1631 حينما غادرها فى زيارة ثانية لدمشق لم تطل أكثر من الأولى. هذا و قد سرته كثيرا دمشق كما سره أهلوها* * *؛ و يبدو أنه قد نال هناك لأول مرة فى حياته التقدير و الاعتراف الكامل بمكانته العلمية، و ينعكس هذا فى الأشعار و المكاتبات التى تبادلها مع صديقيه الدمشقيين العمادى‏ 209 و أحمد بن شاهين‏ 210 و التى ترد شذرات منها فى مؤلفه و فى مختلف المجموعات الأدبية. و قد ألف ابن شاهين معجما خاصا للسير يتعلق بإقامته بدمشق و ينعكس فيه صدى هذه التيارات الأدبية، و هو محفوظ فى مخطوطة موجودة بمعهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية 211. و قد عنّت للمقرى الفكرة بأن ينتقل للإقامة نهائيا بدمشق فرجع إلى القاهرة و بدأ فى تصفية أعماله بها و لكن الموت اختطفه فى مرض فجائى فى جمادى الثانية من عام 1041 ه- يناير 1632 و لم يتجاوز الأربعين إلّا بقليل.

و يعود الفضل بلا شك إلى الدمشقيين فى تشجيع المقرى على إخراج أكبر آثاره الأدبية، و هو نفسه يقول إنه فى محادثاته مع أصدقائه و خاصة مع أحمد بن شاهين‏ 212 كان كثيرا ما يتذاكر الأندلس‏ 213؛ و يبدو أنه أثار فى نفس هذا الأخير تقديرا و إعجابا كبيرين لشخصية وزيرها لسان الدين بن الخطيب و نبوغه فألح عليه بأن يصنف فى ذلك سفرا خاصا 214. و قد امتنع المقرى* * * طويلا عن الاستجابة لهذه‏

738

الرغبة لعلل مختلفة و لكنه لم يلبث أن أذعن بعد ذلك‏ 215، و يبدو أنه لم يكن بوسعه مقاومة ميوله الشخصية. و لما رجع المقرى إلى القاهرة ظل ابن شاهين يذكره فى خطاباته و قصائده بالوعد الذى قطعه على نفسه فبدأ المقرى العمل فى المصنف و فرغ منه فى أقل من عام و ذلك بتاريخ 27 رمضان من عام 1308 ه- 21 مايو 1629، و أغلب الظن أنه أتم المسودة الأولى فقط دون أن ينقحها 216. و فى شكلها هذا كانت مكرسة لإبن الخطيب وحده و من ثم فقد حملت لهذا السبب عنوان «عرف الطيب فى التعريف بالوزير ابن الخطيب» 217، و توجد نسخة من هذه المسودة القصيرة بمعهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية 218.

غير أنه منذ بداية العمل فى الكتاب عنت للمقرى فكرة ضرورة استكمال هذه الدراسة بمعالجة الكلام على تاريخ الأندلس و أدبها عامة مؤرخا للعهد المبكر* * * و العهد المتأخر 219؛ و هكذا نشأ بالتدريج خلال تحضيره للمسودة الثانية من الكتاب قسم جديد مستقل ذو طابع عام احتل المكانة الأولى من مصنفه و شغل بالتقريب ثلثى الكتاب كله. و فى هذه الصورة النهائية أتم المؤلف مصنفه فى اليوم الأخير من عام 1039 ه- التاسع من آغسطس 1630 220 و أعطاه عنوانا يجمع بين الموضوعين هو «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب و ذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب» 221. و القسم الأول منه مفرد للكلام عن الأندلس عامة، و يوجد فى طبعة أوروبية قديمة قام بتحضيرها دوزى‏Dozy و ديغاDugat و كريل‏Krehl و رايت‏Wright (1855 .. 1861) و جمعت إلى هذا ملاحظات قيمة لفليشرPleischer فى نقد المتن‏ 222؛ أما الكتاب فقد ظهر فى طبعة كاملة غير علمية بمصر (بولاق 1279 ه- 1862 1863؛ القاهرة 1302 ه- م 188).

و يمكن القول بأن المقرى قد خلد الدور الكبير الذى لعبه أصدقاؤه الدمشقيين فى خروج الكتاب‏ 223، فهو فى مقدمته العريضة يومئ أكثر من مرة و بالتفصيل إلى إلحاحهم الشديد و إلى محادثاتهم و تذكيراتهم الكتابية فى هذا الصدد إن نثرا و إن شعرا. و هو يبين أن مصنفه هذا الكرس لأسبانيا العربية يرتبط بالسوريين فى أربعة نقاط، أولاها أن الدافع الأول لظهوره يرجع اليهم؛ ثم إن أهل الشام هم الذين افتتحوا أسبانيا؛ أضف إلى هذا أن الشطر الأكبر من سكانها العرب كان ينتمى إليهم؛ و بخلاف ذلك فإن غرناطة التى أصبحت بالتالى آخر ملاذ للعرب بأسبانيا كان أول من أستوطنها عند إنشائها جماعة تتكون فى معظمها من أهل دمشق‏ 224. و لعل عواطف المقرى نحو أصدقائه السوريين هى التى توضح السبب فى أنه وصع مصنفا تاريخيا بعنوان «عرف النشق فى أخبار دمشق» تقتصر معرفتنا به حتى الآن على عنوانه فقط الذى ورد فى قائمة ببليوغرافية 225.

و إن الأمد الوجيز الذى أكمل فيه المقرى تأليف كتاب يضم ما يقرب من ثلاثة آلاف صفحة مطبوعة ليقف بالطبع دليلا على أن موضوع الكتاب كان يشغل جانبا من تفكيره على الدوام و أن مادته قد تم‏

739

اختيارها منذ وقت طويل. و فى الواقع فهو يذكر فى مقدمة كتابه أنه قد جمعها و هو لا يزال بأرض الوطن‏ 226 و لكنه تركها وراءه بالمغرب باستثناء قسم ضئيل منها 227؛ و فضلا عن هذا فهو يشير أكثر من مرة من خلال العرض إلى أسماء مصنفات معروفة كانت تحت تصرفه بالمغرب و لكنه لم بعثر عليها اطلاقا* * * بالمشرق‏ 228 فمثلا نراه يذكر بصدد الذخيرة لإبن بسام ما نصه: «فإن الذخيرة غريبة فى البلاد المشرقية و قد كان عندى بالمغرب من هذا النوع ما أستعين به فخلفته هنالك و اللّه يلم الشمل» 229.

و عند اختتامه لأحد أبواب كتابه يضيف: «الوافدون من المشرق على الأندلس كثيرون جدا إلا أن عدم المادة التى أستعين بها فى هذه البلاد تبين عذرى و لو اجتمعت على كتبى المخلفة بالمغرب لأتيت فى ذلك و غيره بما يشفى و يكفى ...» 230. و أمثال هذه الكتب كثير، و لعل هذا كان هو العامل الأساسى الذى جعله يتردد فى البداية حول إمكان تحقيق هذا العمل الذى دفعه إليه أصدقاؤه. و قد كان الأمد الوجيز الذى استغرقه تأليف الكتاب هو السبب أيضا للأسف فى أن هذا المصنف الذى وضع أساسا اعتمادا على الذاكرة و غلب عليه طابع العجلة يعكس بوضوح آثار هذا سواء فى الترتيب العام للكتاب أو فى تفاصيله. فهو يحفل بعدد غير قليل من الأخطاء كما يحفل بحالات عديدة للتكرار و السقط التى اعترف المؤلف نفسه أحيانا بوجودها، غير أن جميع هذه المناقص يرجح بها من الجهة الأخرى غنى الكتاب بمادته التى لا يعاد له فيها أى مصدر من المصادر الموجودة بين أيدينا للتعريف بأسبانيا العربية.

و ينقسم الكتاب فى مجموعه إلى قسمين و يسود الانتظام توزيع مادته فى الداخل وفقا للتبويب الذى وضعه المؤلف، و لو أنه يلاحظ أن المادة لا تسير وفقا لذلك فى العناوين المتأخرة. و كل من القسمين الأول و الثانى يحتوى على ثمانية أبواب‏ 231، و تسبقهما مقدمة طويلة 232 يعرض فيها المقرى لتفاصيل من سيرة حياته و لجميع تاريخ تصنيف الكتاب. أما بالنسبة للأنماط الجغرافية فهو ينضم إلى النماذج المعروفة لنا جيدا لنمط الرحلة «العلمية»، و لكن إذا أجاز هذا التعبير فهو إنما يمثل أنموذجا لتدهور ذلك النمط.

و تكاد معطياته الواقعية تقتصر على إيراد التواريخ التى يبدأ فيها تنقلاته من موضع بلى آخر أو يحدد و صونه إليه، و هى فى العادة تتميز بالدقة رغما من جنوحها إلى الاقتضاب؛ بل إن أسماء العلماء المحليين ممن يرد ذكرهم عادة فى الرحلات من هذا الطراز لا وجود لها لدى المقرى باستثناء أصدقاثه الدمشقيين الذين يتحدث عنهم بالتفصيل و يسوق نقولا من رسائلهم النثرية و الشعرية. و بخلاف هذا فإن المقدمة كلها تمثل على وجه التقريب مجموعة من الأشعار فى تصوير حالته النفسية أثناء الرحلة، مثال ذلك وصفه لحالة الهلع الذى استولى عليه من ركوب البحر و هو موضوع نلتقى به لدى جميع الرحالة بالتقريب.

و المقرى يربط بين هذه المنتخيات الشعرية بجمل قصيرة مسجوعة، أما اختياره للقطع الشعرية فكثيرا ما يغلب عليه طابع الصدفة كما أن العرض العام للكتاب يسوده الإطالة و الإسهاب الشديدان؛ و لا يخلو من طرافة* * * فى هذا الصدد أن المؤلف يستشعر فى نفسه هذا العيب و لكنه يعجز عن توجيه تيار المادة

740

الأدبية الجارف و يقتصر على ملاحظات يحس منها عجزه و سذاجته، مثال ذلك قوله: «و كأنى بعاتب يقول ما هذا التطويل» 233؛ أو «و ربما يقول من يقف على سرد هذه الأمداح النبوية إلى متى و هذا الميدان تكل فيه فرسان البديهة و الروية» 234؛ أو «و قد امتد بنا الكلام و ربما يجعله اللاحى ذريعة لزيادة اللام فلنرجع إلى ما كنا بصدده» 235.

غير أن جميع هذه المآخذ التى اعترف هو نفسه بوجودها لم تمنعه من إعادة الكرة، فلدى أقرب فرصة تتكرر لديه نفس اللوحة دونما أى تغيير حتى فى الأقسام الداخلية من الكتاب. و الباب الأول من القسم الأول (الجزء الأول، الصفحات من 80 إلى 140) مكرس فى أساسه لجغرافيا الأندلس و آثارها و مدنها، الكبرى أولا ثم تتلوها تلك التى تعتبر من الدرجة الثانية. و هذا الباب ينتمى وفقا لمصادره و صياغته إلى طراز الفضائل المعروف لنا و لكنه عرضة لنفس تلك المآخذ التى ذكرناها بصدد المقدمة؛ و هو يمثل فى جوهره خليطا من النقول تربط بينها ألفاظ المؤلف و لو أنه يلاحظ ها هنا أن المادة حافلة للغاية و متنوعة و تدعو إلى الثقة، و هذا يفسر أهميتها الكبرى من أجل دراسة المسائل التى تعالج الكلام عنها، و يبحث الباب الثانى (الجزء الأول، الصفحات 140- 210) فى فتح العرب للأندلس و حكم الأمراء، أما الثالث (الجزء الأول، الصفحات 211- 296) فيعالج الكلام على ازدهار الأندلس فى عهد الخلفاء و ملوك الطوائف ثم إخضاع المرابطين و الموحدين لها و عن الملاذ الأخير للعرب بغرناطة فى عهد بنى نصر.

و يقدم الباب الرابع (الجزء الأول، الصفحات 297- 462) وصفا مفصلا لقرطبة خاصة فى عهدى ازدهارها (تحت حكم الأمويين إلى عام 1013، و قبل استيلاء القشتاليين عليها فى عام 1236)؛ و يظفر بنصيب الأسد فى هذا الوصف كلامه عن جامعها المشهور و قصر الزهراء و غير ذلك من الآثار؛ و هو يذكرنا بالنمط الجغرافى المعروف لنا أعنى نمط «الفضائل». و الباب الخامس الذى يحتل المكانة الثانية فى جميع الكتاب من حيث الحجم (الجزء الأول، الصفحات 463 ... 943) يقدم لنا أكبر كمية من المادة التاريخية الأدبية فقد أفرده المؤلف لذكر من رحل من الأندلسيين إلى المشرق، و هو يورد فيه سر ثلاثمائة و أربعة لمثل هولاء الرحالة و لا يخلو كلامه أحيانا من معطيات مفصلة للغاية و نقول كبيرة الحجم؛ و فى هذا الصدد تقابلنا لديه استطرادات خاصة فى مدح دمشق. و هذه السير تختلف اختلافا كبيرا فى أحجامها فتتراوح بين بضعة أسطر و عشرات الصفحات، و أكبرها هى التى كرسها للكلام عن ابن العربى المتصوف (الجزء الأول، الصفحات 567- 583، رقم 113)، و أبى حيان النحوى (الجزء الأول، الصفحات 829- 862، رقم 214)، و على الأخص للرحالتين ابن سعيد (الجزء الأول الصفحات 634- 707، رقم 166) و ابن جبير (الجزء الأول، الصفحات 714- 797 رقم 178). و تفيض القطعة التى أفردها لإبن سعيد بمقتطفات من ديوانه و من كتابه «المغرب» حيث يرد وصفه الطريف للقاهرة. و من بين الصفحات الثمانين التى أفردها للكلام عن ابن جبير لا يشغل‏

741

الكلام عن شخصه أو مصنفه* * * فى واقع الأمر أكثر من عشر صفحات؛ أما بقية الصفحات فتقدم صورة حية عن منهج المقرى فى التأليف حيث تظفر دمشق كما هى العادة بمركز الصدارة. فهو بعد أن يسوق قطعا من وصف ابن جبير لها ينتقل إلى الكلام عما قاله الآخرون فى مدح دمشق خاصة الشعراء (الجزء الأول، الصفحات 719- 734)، ثم عن المكاتبات و الرسائل المنظومة و المنثورة التى تبادلها مع أصدقائه من أهل دمشق و التى تشغل القسم الأكبر من هذا الموضع (الجزء الأول، الصفحات 734- 781)، كما أن هذا يقدم له فرصة طيبة لإيراد قطع كبيرة من رسائله مع علماء المغرب (الجزء الأول، ص 781- 791)؛ و أمام هذا المنهج الذى اتبعه المؤلف ينكشف لنا السر فى أن كتاب المقرى قد تضخم فى بعض مواضعه بصورة خرج بها من حد المألوف. و يماثل هذا الباب فى أسلوبه الباب السادس الذى كرسه للكلام عن الوافدين على الأندلس من المشرق (الجزء الثانى، الصفحات 2- 103) و الذى يقدم فيه ترجمات لسير اثنين و سبعين من القادة و الإداريين و العلماء و الرحالة. أما الباب السابع فيعرض فيه لمواضيع شتى و هو أكبر أبواب الكتاب (الجزء الثانى، الصفحات 104- 670)، و فيه يقدم المؤلف تحليلا لأخلاق أهل الأندلس و فضلهم فى مجال العلم و الأدب، و يمكن تكوين فكرة عن ضخامة المادة التى يسوقها فى هذا الصدد أنه ضمن فيه ثلاث رسائل بأجمعها فى فضل الأندلس للشقندى و ابن حزم و ابن سعيد؛ و تحتوى هذه القطعة على معلومات وافية عن الأدباء و الشعراء يوجد من بينها ترجمات لما بين خمس و عشرين و ثلاثين من شاعرات الأندلس. أما الباب الثامن و الأخير من القسم الأول (الجزء الثانى، الصفحات 671- 835) فتغلب عليه المادة التاريخية و هو مفرد فى أساسه للكلام على الكفاح بين الإسبان و العرب و يسوق فيه العرض إلى سقوط غرناطة.

و أما القسم الثانى من هذا المصنف الضخم و الذى كان يحمل فى البداية شكلا مستقلا فإنه يمثل فى ذاته دراسة واسعة عن الوزير و الأديب الغرناطى المشهور للقرن الرابع عشر لسان الدين بن الخطيب (713 ه- 776 ه- 1313- 1374)، و يبحث الباب الأول منه فى أصله و أسلافه؛ أما الثانى فيسرد تاريخ حياته الخاصة هذا بينما يتحدث فى الباب التالى لهذا عن سير حياة شيوخه مع إيراد قطع مناسبة من مصنفاتهم. أما الباب الرابع فيورد فيه نماذج من أقواله فى مناسبات شتى و نقول من رسائله، على حين ترد فى الباب الخامس منتخبات من نثره و شعره يغلب عليها السجع. و يوجد بالباب السادس ثبت تام لمؤلفاته فى جميع ميادين العلم و الأدب، الكاملة منها و التى لم يكملها هذا مع تحليل لمحتوياتها و إيراد نماذج منها. و قد أفرد الباب السابع للكلام على بعض من تلامذته و من ساروا على نهج أسلوبه الأدبى؛ و أخيرا يبحث الباب الثامن فى أولاده و أحفاده و ما حفظ عنه من صنوف المواعظ و الأقوال المأثورة. و هذه المناسبة الأخيرة تقدم الفرصة للمؤلف لاختتام كتابه بسوق عدد من الأشعار التى قيلت فى مدح النبى.

إن هذا التحليل الذى أجريناه لمحتويات الكتاب ليوضح بجلاء مقدار علاقة المقرى بالأدب الجغرافى.

742

و كما أبصرنا فإن المقدمة و البابين الأول و الرابع من القسم الأول يمكن ضمهما دون أى اعتراض إلى أنماط جغرافية محددة؛ و بنفس القدر يمكن القول بأن البابين الخامس و السادس يمثلان مقتطفات منقولة عن عدد كبير* * * من الرحلات. و مما لا شك فيه أن هذه الاعتبارات الشكلية لا تكفى فى حد ذاتها لإدخال «نفح الطيب» فى عرض عام للأدب الجغرافى بل يجب أن نأخذ فى حسابنا إلى جانب هذا الأهمية الكبرى للمادة التى يحويها بين دفتيه بالنسبة للجغرافيا فى أوسع مفاهيمها. و كل النقص المحيط بهذا الكتاب إنما مرده فى واقع الأمر كما يقول ديغاDugat فى تحليله العام له إلى أنه يمثل «مفازة لا يوجد بها دليل» 236 خلال أكثر من ألفين من الصفحات، غير أنه يجب ألا ننكر من ناحية أخرى أنه يعرض أمام أنظارنا جميع أسبانيا المسلمة من القرن الثامن إلى القرن الخامس عشر و ذلك فى ميادين التاريخ و الأدب و العلم و الفن و الاجتماع. فهو بهذا إنما يمثل لوحة هائلة لا تخلو من نصيب معين من الحيوية و الوضوح نلتقى فيها بالآدميين و بالمدن و الآثار و الحوادث و الرحلات و المعارك و مناظر من مختلف الأنواع مما لا يوجد مثيل له فى جميع الأدب العربى.

و لا مشاحة فى أن المقرى يفتقر افتقارا تاما للأصالة، غير أنه ما لم يتم الكشف عن جميع المصادر التى استقى منها مادته، و هو أمر بعيد الحدوث، فسيظل محتفظا على الدوام بأهميته و قيمته. و المقرى باعتباره أحد ممثلى الأسلوب «المتكلف» يكشف عن فقر كبير سواء فى ذوقه الأدبى أو فى مهارته ككاتب، و ذلك عند مقارنته بشخص كالعتبى مثلا بل و حتى بابن عربشاه؛ و رغما من هذا فإن حماسه الفطرى للأدب الفنى و حبه الشديد للأندلس ليس من شأنه أن يترك القارئ دون أن يمس شغاف قلبه و يحرك من عواطفه؛ و لهذا السبب فإن مصنفه يمثل قبسا من الضوء فى فترة معتمة من تطور الأدب الجغرافى فى القرن السابع عشر.

743

حواشى الفصل الثالث و العشرين‏

____________

(1)-Guidi ,RB ,p .334 -244

(2) شيخو، وصف، ص 736- 743، 794- 799. راجع أيضا مصنفه:

Catalogue raisonne?, I, p. 32, No 53; p. 97, NO 331, 3 and p. 08, NO- VV, XIII, 6091, p. 117-

و أيضا مصنفه:

431; Catalogue, p. 73, NO 211 Benshevich, p. XXXVII, No 213

(3) شيخو، وصف، ص 741

(4) شرحه، ص 739- 742

(5) شرحه، ص 742- 743، 794- 797

(6) شرحه، ص 797- 798

(7) شرحه، ص 737- 739

(8) شرحه، ص 798- 799

(9) شرحه، ص 799

(10)

- Cheikho, Catalogue raisonne?, I, p. 61- 71, NO 92- Cheikho, Catalogue, p. 99, NO 021

(11) سركيس، لغة العرب، الجزء التاسع، ص 508- 510

(12) شرحه، ص 506- 508

(13) شرحه، ص 511- 512

(14) رباط، المشرق، الجزء الثامن، ص 826-Rabbath ,Rihlat

(15) شرحه، ص 829

(16) رباط، المشرق، الجزء التاسع، ص 740- 474-Schnurrer ,p .652 -062 ,NO 402

(17) رباط، المشرق، الجزء الثامن، ص 821- 834، 875- 886، 931- 942، 794- 983، 1022، 1033، 1080- 1088، 1118- 1129.

(18) شرحه، الجزء التاسع، ص 75- 80.

(19)-Cf :Gordlevski ,ZKV ,V ,p .772 -872

(20)

- Gordlevski, Etnograficheskoe obozrenie, 6091, No 3- 4, p. 323

(21) سركيس، لغة العرب، الجزء التاسع، ص 452- چلبى، مخطوطات، ص 269- 270، رقم 23

744

____________

(22) سركيس، لغة العرب، الجزء التاسع، ص 453

(23) عن مجموعه اسبات راجع:Sbath ,Catalogue ,I ,p .26 ,No 801

- سركيس، لغة العرب، الجزء التاسع، ص 449

(24) سركيس، لغة العرب، الجزء التاسع، 449- 452* * *Loth ,Catalogue ,p .702 ,NO 917

(25) سركيس، لغة العرب، الجزء التاسع، ص 518

(26)-Murkos ,Puteshesivie Makarla ,V

(27)-Chaikho ,Catalogue ,p .15 ,No 261 -

[ (توجد) فى المخطوطة ملاحظة لكرتشكوفسكى: «اضافاتى»]

(28) الباشا، ص 46- 49- حبيب الزيات، صيدنايا، ص 76

(29) اقتبسها من قبل فستنفلدWu ?stenfeld

(30)Murkos ,Puteshestive Malarla ,V ,p .691

(31)

Krachkovski, Ruk. sobr. Grlgorla IV, p. 51- 61, No 03

(32)

- Krachkovski, Gramota loakl? ma IV, p. 21- 32- Sukhanov, Letopis, p 316, 516- 616

(33)Murkos ,Puteshestvie Makaria ,IV ,p .781

(34) شرحه، الجزء الثالث، ص 13

(35) شرحه، الجزء الرابع، ص 187

(36) شرحه، الجزء الثالث، ص 13

(37) النعمة، الجزء الرابع، ص 46، ملاحظة 2-

Makarll, rukopis Instituta Vostokovedenla AN SSSR, V 0321, leaf 511 b

(38)-Murkos ,Puteshestvie Makaria ,II ,p .211 -511

(39)-Krymski ,Rikhlat Makariius ,p .6 a

(40)-Belokurov ,p .581

(41) شرحه، ص 295- 297

(42) كان سوخالوف موجودا بياسى منذ 4 فبراير 1654:-Cf :Belokurov ,l ,p .633

(43)

- Murkos, Puteshestvie Makaria, III, p. 391; IV, p. 53. 63

(44)

- Belokurov, I, p. 503- Russki? biog. slovar, II, p. 803

(45)-Belkurov ,I ,524 -624

(46)-Murkos ,Puteshestvie ,Makaria ,III ,p .66 ,58

745

____________

(47)-Kapterev ,p .121 ,note

(48) حبيب الزيات، صيدنايا، ص 172

(49) شرحه، ص 204

(50)-Murkos ,Puteshestvie Makaria ,III ,p .66 ,58

(51)-Dmitrievshki ,p .8

(52)-Sukhanov ,Letopis ,p .166 -266

(53)-Dmitrievski ,p .63

(54) شرحه، ص 37

(55) شرحه، ص 38

(56) شرحه، ص 39* * *Djuze ,Gruzia v 71 -m stol .,p .4 -Lebedew ,p .6

(57) راجع مثلا: المشرق، الجزء الثانى و العشرين، ص 352 رقم 26

(58)-Kapterev ,p .121 ,note

(59)-Dmitrlevski ,p .14

(60)-Kapterev ,p .121 ,note

(61)

- Krachkovski, Gramota loskima IV, p. 22- 32- Cheikho, Catalogue, p. 151, No 175

(62) شيخو، شعراء النصرانية، الجزء الرابع، ص 437- 440- حبيب الزيات، صيدنايا، ص 37- 38

(63)

- Cheikho, Catalogue raisonne?, I, p. 87, No 331 and p. 97, No 431

(64)-De Slane ,Catalogue ,p .58 ,No 213 ,3

(65)-Murkos ,Puteshestvie Makaria ,III ,p .03

(66) شرحه، ص 102

(67) شرحه، ص 106

(68) شرحه، ص 110

(69) شرحه، ص 110

(70) شرحه ص 155

(71) شرحه، الجزء الرابع، ص 137، 138

(72) شرحه، الجزء الثالث، ص 90

(73) شرحه، الجزء الثانى، ص 139- 140

(74) شرحه، الجزء الرابع، ص 158

746

____________

(75) شرحه، الجزء الثالث، ص 21

(76) شرحه، ص 80

(77) شرحة، الجزء الرابع ص 142

(78) شرحه، الجزء الأول ص 2

(79) الباشا، ص 8، رقم 1

(80)-Murkos ,Puteshestvie Makaria ,III ,p .03

(81) شرحه‏

(82) شرحه، ص 66، 85؛ راجع الجزء الخامس، الصفحة الثالثة

(83) حبيب الزيات، سيدنايا

(84) حبيب الزيات، مكاريوس، ص 565- 567

(85)Golosov

(86)-Preobrajenski ,p .33 -14

(87)-Savellev ,Bibi .dlla Cht .,XV ,No 3 ,p .2

(88)-Belfour ,Travel ?s of Macarius ,9281 -6381

(89)-Saveliev ,Bibi .dl ?i ?a Cht .,XV ,No 3 p .2

(90)-Derenbourg -Schel ?er .p .7

(91) حبيب الزيات، مكاريوس، ص 562

(92)-Radu ,Voyage -Cf :Radu ,E ?iude ,p .1 ,3

(93) حبيب الزيات، مكاريوس ص 563

(94)

- Saveliev, BiBi, dila Cht, XV, No 3, p. 1- 52; No 4, p. 06- 211- Golosov, p. 05- 15

(95)-Golosov ,p .45 ,092 -292

(96) شرحه، ص 52- 53

(97) شرحه، ص 54

(98) شرحه، ص 53- 54

(99)-Radu ,E ?tude ,p .83 ,57

(100)Iatsmirski ,p .585) ,p .36 -Radu ,E ?tude ,p .83 : عن كتاب)-Golosov ,

(101) (تحليل)-Radu ,E ?tude ,p .83

(102)-Golosov ,p .36 -46

(103)-Iatsmiraki ,p .785

747

____________

(104) الباشا

(105) حبيب الزيات، مكاريوس، ص 561- 574

(106)-Radu ,E ?tude ,p .53

(107)-Lebedeva

(108)-Djuze ,Gruzla v 71 -m Stol .

(109)

- Krachovski, Ruk. sobr. Grtjoria IV, p. 51, No 92- Rukopis Inst. Vost. AN SSSR V 7221, leaves 39 a- 211 a

(110) نشر شذرة من هذا المصنف:

G. V. Tsereteli, Arabakia Khrestomatis. Tbilisi, 9491, p. 28 sui.

(111)

- Rukopis Inst. vost AN SSSR V 7221, Ch. 53, Ieaf 311 a

(112) شرحه،Ch .04 -24 ,Leaves 511 a -611 a

(113)

- Krachkovki, Ruk, Sobr. Grigoria IV, p. 31, No 42, V- Ruk. Inat. vost. AN SSSR, A 705, leaves 58 b- 301 a- Ruk, Brit, mus, Rieu, Pars II, p. 34, No XXVIII, 03

(114) النعمة، الجزء الأول، ص 394

(115) شرحه، الجزء الثالث، ص 46

(116) المشرق، الجزء الحادى و الثلاثون، 1933، ص 910- 920

(117)

- Smirnov, Bogosi, vestn., p. 171- 471- Ct: Krymski?, Rikhl? at Makarius p. 6, v

(118)-Smirnov ,Bogosi ?.vestn .,p .471

(119)-Brockelmann ,GAL ,II ,p .263 ,No 9

(120)-Ahlwardt ,V ,p .993 -004 ,No 6806

(121) شرحه، ص 400، رقم 6087

(122)-Brockelmann ,GAL ,II ,p .263 ,No 11 ;SB II ,p .984

(123)-Ahlwardt ,V ,p .724 -824 ,No 5216

(124)-Brockelmann ,GAL ,SB II ,p .984 ,No 11 a

(125)-RAAD ,III ,3291 ,p .443 ,No 11 -21

(126)

Wu? stenfeld, Gschichtschreibe r, p. 072- 272, No 765

(127) حاجى خليفة، الجزء الرابع، ص 452، رقم 9144

(128) شرحه، الجزء الثانى، ص 152

(129) شرحه، الجزء الرابع، ص 247، رقم 8284

748

____________

(130) شرحه، ص 174، رقم 8011

(131)

- Wu? stenfeld, Geschichtschreib er, 482282, No. 875- Brockelmann, Al- Muhibbi, EI, III p. 557- 657, 2- Wu? stenfeld, Muhibbi, p. 51- 91, No 9

(132)-Brokelmann ,Al -Muhibbi ,EI ,III ,p .657

(133) مخطوطة مكتبة جامعة لننغراد، رقم 366 ف‏Indices ,p .04 -ZBO ,III ,p .212

(134)-Brockelmann ,GAL ,II ,p .393 ,No 2 ;SB II ,p .835 -

محمد كرد على، خطط، الجزء الأول ص، 24 رقم 254-Sarkis ,p .0361 -1361

(135)-Tuch ,p .1

(136)

- Brockelmann, GAL, SB II, p. 835- Wu? stenfeld, Geschichtschreib er, p. 582, No 975.

(137)-Wu ?stenfeld ,Die C ?ufl ?ten ,p .921 ,No 112 .

(138)

- Brockelmann, GAL, II, p. 393- 493, No 3; SB II, p. 835- Wu? stenfeld, Geschichtschreib er, p. 482- 582, No 975- Wu? stenfeld, Die C? ufl? ten, p. 921- 231, No 212

(139)-See ?zen ,Al ?-khthari

(140)-Brockelmann ,GAL ,II ,p .413 ,No 61 ,1 ,SB II ,p .234

(141)-Tuch ,p .1

(142)-Wu ?stenfeld ,Muhibbi ,p .12

(143)-Tuch ,p .2 -3

(144)-Wu ?stenfeld ,Muhibbi ,p .211 ,No 19

(145)

- Brockelmann, GAL, SB II, p. 666, 01 a( sec?? on: Rumellen und Anatoll? en

(146)Tuch ,p .11

(147)-Hartmann ,Die Strasse ,p .996 -207

(148) شرحه، ص 702

(149)-Wu ?stenfeld ,Die C ?ufi ?ten ,p .231 ,No 312

(150)

- Brockelmann, GAL, II, p. 263, No 01; SB II, p. 984- Sarkis, p. 245

(151)

- Wu? stenfeld, Geschichtschreib er, p. 982- 992, No 985- Brokelmann, GAL, II, p. 124; SB II, p. 726- 826- Sarkis, p. 442- 542.

(152)-Griffini ?,Lista ,RSO ,III ,p .119 ;RSO ,IV ,p .201

(153)-Ahlwardt ,V ,p .434 -534 ,No 6316

749

____________

(154) هكذا النسبة؛ غير أن غريفينى(Griffinl ,ZDMG ,96 ,p .77 ,note 5) يعطيها صورة: الخيمى‏

(155)-Brokelmann ,GAL ,p .204 ,No 7 ;SB II ,p .055 -155 -

الشوكانى، الجزء الأول، 189- 191Wu ?stenfeld ,Jemen ,p .301 ,No 46 -Pelser : تقريظه لكتاب‏No ?ldeke ,

(156)-Peiser ;p .V ,text ,p .7

(157)-Praetorius ,p .304 -404

(158)-Peiser ,text ,p .04 -14 ,74

(159) شرحه،p .XII ,p .35 ,57

(160) شرحه،Text ,p .53

(161) شرحه،p .14

(162)-Guidi ,Abyssini ?en ,p .721

(163)-Peiser ,Translation ,p .III

(164)

- Brockelmann, GAL, II, p. 463- 563, No. 5; SB II, p. 294- 394- Brockelmann, EI. II, p. 357- Sarkis, p. 5251- 6251

(165)-Brockelmann ,GAL ,SB II ,p .394 ,22

(166)-Brockelmann ,EI ,II ,p .563 ,11

(167)-Brockelmann ,EI ,II ,p .357 ,3

(168)-Garrett ,Catalogue ,p .942 ,No 657

(169)-Brockelamnn ,GAL ,II ,p .554

(170)-Le ?vi -Provenc ?al ,Hist .d .Chorrfa ,p .32 ,note 1

(171)-Brockelmann ,GAL ,SB II ,p .776 ,note

(172)

- Brockelmann, GAL, II, p. 464, No 3; SB II, p. 117- Mohammed ben Cheneb, Al- Aiyashi, p. 132- Le? vi- Provenc? al, Hist d. Chorla, p. 262- 462- Blache? ra, p. 963- 073

(173) العياشى، ماء الموائد

(174)-Le ?vi -Provenc ?al ,Hist ,d .Chorfa ,p .454

(175)

- Brockelmann, GAL, SB II, p. 217, No 4 a- Sauvatre, Voyage en Espagne- Le? vi- Provenc? al, Hist. d. Chorfa, p. 482- 682- Pe? re? s L`Espagne, p. 5- 71

(176)-Pe ?re ?s ,L`Espagne ,p .9

(177)-Sauvaire ,Voyae en Espagne

750

____________

(178) عن المراجع انظر:Pe ?re ?s ,L`Espagne ,p .7 ,note 1

(179)-Pe ?re ?s ,L`Espagne ,p .8

(180) شرحه،p .6 ,note 1

(181) شرحه،p .8

(182) شرحه،p .9

(183) شرحه،p .01

(184) شرحه،p .11

(185) شرحه،p .21

(186) شرحه‏

(187) شرحه،p .31 -41

(188)-Le ?vi -Proverncal ,Hist ,d .Choria ,p .582 -682

(189)-Pe ?re ?s ,L`Espagne ,p .51 -61

(190) شرحه، ص 16

(191) شرحه، ص 12- 13

(192) شرحه، ص 17

(193)-Sauvai ?re ,Voyage en Espagne ,p .88 -98

(194)-Kryiova ,p 823 -Alkseev ,p .163

(195)Le ?vi Provenc ?al ,Hist .de Chorfa ,p .923

(196)

Wu? atenfeld, Geschichtschribe r, p. 982, No 685- Brockelmann, GAL, II, p. 754, No 4; SB, II, p. 286- Sarkis, p. 03- Basset, EI, II, p. 773- Amari(- Nallino ), I, p. 88, No 66

(197)Pe ?llsster ,p .IV

(198)Kramers ,EI ,EB ,p .17

(199)Amari (-Nallino) ,I ,p .88

(200)-Codera ,Decadencia ,p .713 ,note 1

(201)

- Wu? stenfeld, Geschichtschrei? ber, p. 562- 762, No 955- Pons Bolgues, p. 714- 914- Brockelmann, GAL, II, p. 692- 792, No 6; SB II, p. 704- 804- Le? vi- Provenc? al, p. 981- 091- Mohammed BenCheneb, E? tude, p. 151- 251, No 201- Carra de Vaux, Les Penseurs, I, p. 851- 271- Mieli, p. 272, 472- Sarkis, p. 6771- 8771- Dugat, Analectes, I, p. XIX- XXVI, XXVII- XCVI

751

____________

(202)Cf :Brockelman ,GAL ,SB II ,p .704 ,note

(203)-Dugat ,Analectes ,I ,p .XCX

(204)-Le ?vi -Provenc ?al ,Al -Makkari ,p .981

(205)-Brockelmann ,GAL ,II ,p .192 ,No 7 ;SB II ,p .204

ابن معصوم، السلافة، ص 372- 375 (مراسلات شعرية مع المقرى)

(206) المقرى، الجزء الأول، ص 42، السطر الثانى من أسفل‏

(207)-Brockelmann ,GAL ,II ,p .572 ,No 12 ;SB II ,p .583

ابن معصوم، السلافة، ص 375- 385 (قصائده التى وجه بها الى المقرى، ص 376- 379)، ص 593 (قصائد المقرى اليه)- المقرى، الجزء الاول، ص 43-

Wu? stenfeld, Muhibbi, p. 07- 17, NO 35

(208)-Wu ?stenfeld ,Muhibbi ,p .711 -811 ,NO 101

(209) المقرى، الجزء الأول، ص 734- 736، 745- 749، 763

(210) خطابه، راجع: المقرى، الجزء الأول، ص 66- 68؛ و قصائده: شرحه ص 69- 70، 736- 745، 773، 779

(211)-Rosen ,Notices Sommaires ,p .122 ,No 962 ,1

(212) المقرى، الجزء الأول، ص 43

(213) شرحه، ص 47

(214) شرحه، ص 48

(215) شرحه، ص 54

(216) شرحه، ص 65

(217) شرحه، ص 78

(218) مخطوطة معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية رقم د 159-

Rosen, Collect. seient., p, 92- 03 I, No 75

(219) المقرى، الجزء الأول، ص 71

(220) شرحه، ص 70

(221) شرحه، ص 78

(222)-Fleischer ,Kleinere Schrilten ,II ,p .361 -964

(223) المقرى، الجزء الأول، ص 75، 779

(224) شرحه، ص 78

(225) المحبى- المقرى، الجزء الأول،p .XCVIII ؛ عن ليته فى تأليف الكتاب راجع:

المقرى، الجزء الأول، ص 791

752

____________

(226) المقرى، ص الجزء الأول، ص 71

(227) شرحه، ص 72

(228) شرحه، ص 102، ص 116

(229) شرحه، الجزء الثانى، ص 81

(230) شرحه، الجزء الثانى، ص 103

(231) شرحه، الجزء الأول، ص 75- 78

(232) شرحه، ص 2- 79

(233) شرحه، ص 22

(234) شرحه، ص 38

(235) شرحه، ص 65

(236)-Dugal ,Analectes ,I ,p .XCI .

753

الفصل الرابع و العشرون القرن الثامن عشر

يقدم لنا القرن الثامن عشر لوحة للأدب الجغرافى معروفة لنا جيدا من العهود السابقة، فقد انتعش فيه بصورة كثيفة نمطان فقط أحدهما هو الجغرافيا الإقليمية من طراز «الفضائل» و الآخر نمط الرحلة.

و كلا النمطين ارتبط ارتباطا وثيقا «بالأماكن المقدسة» الإسلامية و المسيحية على السواء، إما على هيئة وصف لها أو رحلة إليها. و كما كان عليه الحال من قبل فإن الرحلة كثيرا ما استندت على أساس ترجمة شخصية لحياة الرحالة نفسه قد تتحول أحيانا إما إلى معجم للسير يترجم فيه لشيوخه و للعلماء الذين التقى بهم و إما إلى مختارات أدبية(anthology) تعطى فكرة جيدة عن الذوق الأدبى لعصره و لكن يحتل الجانب الجغرافى فيها مكانة ثانوية.

هذا و قد ظلت منتعشة فى ذلك العهد أيضا سلسلة الرحلات التى خرجت من الوسط العربى المسيحى؛ و كان القرن الثامن عشر بالنسبة لذلك الوسط عهد نهضة أدبية فقد بلغت فيه أوصاف الرحلات، بعكس ما كان عليه الحال من قبل، درجة رفيعة من الصياغة الفنية. و هذه الرحلات الأخيرة قد انجهت فى جوهرها إلى رومة و فلسطين و سينا، كما أن بعضها وجد طريقه إلى مصر؛ أضف إلى هذا أنه كان ينعكس فى بعضها الآخر من وقت لوقت صدى الاهتمام بروسيا.

و كما حدث من قبل فقد ظلت كل من سوريا و المغرب المورد الرئيسى للأدب غير أنه يجب أن نشير بصفة خاصة إلى أن زيادة الاهتمام بسوريا دون غيرها من البلاد إنما مرده إلى أن عددا كبيرا من المصنفات التى تم تأليفها هناك موجود فى مجموعات المخطوطات بمعهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية و أيضا بمدينة برلين، و مما يميز عددا كبيرا من الرحالة السوريين هو معرفتهم الوثيقة بالقسطنطينية.

أما فى بقية البلاد العربية فإن المصنفات الجغرافية يمكن تتبعها فى حالات منفردة، و العراق مثلا تقدم لنا أثرا طريفا يكشف عن جانب من ظروف الصراع بين الفرس و الأتراك فى عهد نادر شاه؛ و أما مكة فقد ظلت محتفظة بأهميتها كمركز للدراسات الدينية و وجد بها عدد كبير من المؤلفين ممن مسوا الموضوعات الجغرافية و لومسا رفيقا؛ و علاقة هؤلاء المؤلفين الوثيقة بالهند قد جعلت من مصنفاتهم فى بعض الأحايين مصادر* * * ذات قيمة بالنسبة لجغرافيا الهند أو إيران أما المركز الثانى للعلوم الدينية الذى ظل يلعب دورا كبيرا فى العالم الإسلامى و هو الجامع الأزهر فإنه لم يهتم للجغرافيا إطلاقا؛ و الاستثناء الوحيد فى هذا الصدد يمثله معجم ضخم يعكس صدى متأخرا لطراز المعاجم الجغرافية الذى مربنا.

754

و قد سار المغرب على نهج المذهب القديم، و تشير قرائن الأحوال إلى أنه كان فى الطليعة بين البلدان العربية فى إنتاجه الجغرافى. حقا إن الأنماط هناك لم تكن كثيرة بطبيعة الحال، بل يمكن القول بأنها كانت قاصرة على نمط الرحلة وحده، و لكن فى مقابل هذا تنوعت أصنافه. و طبيعى أن تكون لكثرة الغالبة من بينها لرحلات الحج المختلفة، و لكن وجدت إلى جانبها الرحلات فى داخل البلاد نفسها و كان الغرض من هذه الأخيرة فى الغالب كرحلات للتفتيش. و تتصف بالتنوع الطريف كما حدث من قبل السفارات الدبلوماسية التى اتجهت إلى أسبانيا و التى تقدم لنا مادة وافرة تساعدنا على فهم المؤلف نفسه و البلاد التى زارها؛ أما المغرب فإنه يكاد يقدم لنا أكبر مؤرخ لهذا العصر، و قد عرف عن هذا المؤرخ الاهتمام بالموضوعات الجغرافية و هو يسوقنا مع بعض المؤلفين الآخرين إلى القرن التاسع عشر بالتقريب. و مما يزيد فى صعوبة دراسة هذا العصر أن عددا قليلا من بين آثاره قد رأى النور أضف إلى هذا أن المطبوع منها لم يكن دائما فى متناول اليد، كالطبعات الحجرية التى عملت بفاس مثلا.

أما مدّاح «المدن المقدسة» بفلسطين فقد كانوا فى هذا العصر أيضا من بين السكان المحليين قبل كل شى‏ء، و كمثال لهذا نذكر اسم محمد بن محمد بن شرف الدين الخليلى المقدسى الذى تشير نسبته إلى مدينة حبرون الخليل و أغلب الظن أنه ولد بها؛ و هو قد أمضى أيام الدراسة بمصر و لو أنه عاش بالقدس و توفى بها عام 1148 ه- 1735 1؛ و قد شغل منصب القضاء فى وطنه و ارتبط بمسجد عمر و هذا يفسر بدوره اهتمامه بآثار فلسطين القديمة. أما رسالته الصغيرة الحجم و التى أتم تأليفها بعد عام 1122 ه- 1710 فتحمل عنوانا لا يخلو من الخلط هو «تاريخ بناء البيت المقدس»، ذلك أن الكتاب يمثل فى الواقع أنموذجا لما اصطلحنا على تسميته بأدب فلسطين الدعائى المعروف لنا جيدا و الذى يعالج الكلام على القدس‏ 2.

و يقول المؤلف فى مقدمة كتابه إن «المنصور المؤيد بالبرهان و السير فى ساير الزمان» هو من يزور بيت المقدس و ما حولها؛ و يبين الباب الأول فضل الإقامة ببيت المقدس و العمارة فيه و ما ينطوى على ذلك من الخير، هذا على حين يبحث الباب الثانى فى العيون و الآبار و منابع المياه، و الثالث فقط يبحث فى تاريخ المدينة و لو أنه يحفل بكمية من الأشعار فى مدح القدس و فلسطين؛ أما الخاتمة فمكرسة بالطبع للكلام عن الأنبياء و الصالحين ممن ارتبط اسمهم بالقدس و فلسطين. من هذا يتبين لنا أن المصنف يفتقر افتقارا تاما إلى الأصالة، بل إنه يعتمد اعتمادا أساسيا على مصنف مجير الدين المعروف لنا جيدا من القرن السادس عشر هذا إلى جانب زيادات ليست بذات بال تتناول الكلام عن المبانى التى زيدت مؤخرا و تتحدث عن بعض المتصوفين المدفونين بالقدس و المواضع المحيطة بها. و للمؤلف ميل واضح نحو الشعر،* * * فإلى جانب أربع قصائد له و لغيره يحتويها هذا المصنف نجد أحيانا فى المخطوطات قصائد أخرى له فى مدح مسجد القدس‏ 3.

و هناك مؤلفون من أقطار أخرى تشربوا حب فلسطين و تخصصوا فى دراسة تلك البلاد؛ و من بين‏

755

هؤلاء مصطفى أسعد بن أحمد بن محمد الدمياطى اللقيمى الذى و إن حمل بالتالى لقب المقدسى إلا أنه ولد بدمياط عام 1105 ه- 1693. و قد أدى فريضة الحج منذ شبابه الأول فى صحبة والده ثم تلقى تعليمه بمكة و المدينة و القاهرة و دمشق و المقدس و لكنه عاش معظم حياته بالقاهرة، ثم بدمشق‏ 4 و هناك توفى فى عام 1173 ه- 1759 5 أو عام 1178 ه- 1765. 6 و ينعكس اهتمامه بالقدس فى النمطين اللذين راجا فى ذلك العصر، أعنى «الفضائل» و «الرحلة»، فأول مصنفاته و هو «لطايف أنس الخليل فى تحايف القدس و الخليل» مصنف كبير يقع فى ثمانية أبواب مع مقدمة و خاتمة 7. و هو يعالج فى البداية الكلام على حدود فلسطين و مدنها الكبرى ثم ينتقل إلى الكلام فى البابين الأولين على «أسماء البيت المقدس و شرفه» و يذكر أسماء ولاته و من عاش فيه من الشخصيات البارزة. و بعد وصف المسجد الأقصى يرد الكلام على المدينة نفسها و آثارها الأخرى، ثم على الخليل و المواضع الواقعة حول القدس.

و وفقا للتقليد المعروف لنا جيدا فإن الأنبياء و الصحابة و غيرهم من الشخصيات التاريخية المشهورة التى دفنت هناك يشغلون جانبا بارزا من اهتمامه؛ و تلعب الأساطير فى هذا الصدد دورا مرموقا فالفصل الثامن مثلا مكرس بأجمعه للكلام على الخضر (عليه السلام). و تبحث الخاتمة فى «ذكر الشام و فضلها و بهجتها و شرف محلها»، و هو يتبع فى هذا نفس الطريقة القديمة فى وصف الأماكن المقدسة بفلسطين و يحس خلال العرض بأجمعه اهتمام المؤلف الكبير بالجانب الأدبى، فهو كان شاعرا و من أصحاب «المقامات»؛ و قد حاز هذا الفن الأخير تقديرا عاليا بين معاصريه‏ 8.

هذا و قد ترك لنا الدمياطى وصفا لرحلته من دمياط إلى القدس فى مصنف خاص يحمل عنوان «موانح الأنس برحلتى لوادى القدس» 9؛ استغرقت الرحلة نفسها ستة أشهر من عام 1149 ه- 1731 و لكن وصفه لها لم يدونه إلا بعد عشرين عاما من ذلك التاريخ فى عام 1164 ه- 1751 معتمدا فى أغلب الظن على مذكرات سابقة. و يجهد المؤلف فى وصف مارآه* * * من غريب فى طريقه و من التقى بهم من العلماء و أهل التصوف و يسوق خلال ذلك مقدارا كبيرا من الأشعار له و لغيره. و لتكوين فكرة عن عقليته و مشربه يذكر أنه إلى جانب وصف الرحلة يوجد ما يشبه أن يكون ذيلا لها، هو عبارة عن قصة ليست بالطويلة تدور حول زيارته لقبر نبى أسطورى يدعى أبلوقيا انتشرت القصص حوله حتى تردد صداها فى «ألف ليلة و ليلة»؛ و هذه القصة أيضا تحفل بدورها بالأشعار التى قيلت فى بطل الرحلة.

و لسنا فى حاجة بالطبع إلى أن نستدرك مرة أخرى بقولنا إن المصنفات من هذا الضرب ليست بذات أهمية بالنسبة للجغرافيا بقدر ما هى مهمة بالنسبة لتصوير الوسط و العصر اللذين ظهرت فيهما.

أما فيما يتعلق بتصوير ذلك الوسط حقا فإن مصنفات بعض المؤلفين السوريين التى ظهرت فى تلك الآونة تتمتع بأهمية قصوى، إذ نجد بينهم عددا من الشخصيات ذات الصلة الوثيقة بالأدب بوجه عام كما نلتقى أيضا برحالة زار تلك الأقطار و يمكن اعتباره أكبر رحالة لذلك العصر حركة و نشاطا و إنتاجا.

756

و أحد هؤلاء المؤلفين هو عبد الرحمن بن ابراهيم بن أحمد بن عبد الرزاق الخطيب‏ 10، و ليس لدينا فى الواقع ما نذكره عنه سوى اسمه هذا؛ و اللقب الأخير يشبر إلى علاقته بأحد المساجد الكبرى. و قد وضع هذا الرجل فى عام 1140 ه- 1727 رسالة بعنوان «حدائق الأنام فى فضائل دمشق و الشام»، و هى معروفة إلى يومنا هذا فى مخطوطة يتيمة 11. و يمكن أن يستدل من اسم المصنف نفسه على ارتباطه الوثيق بتقليد معروف فى الكلام عن فضائل دمشق، و الكتاب فى الواقع أنموذج جيد لنمط «الفضائل» الذى ظل باقيا لقرون طويلة دون أن تمتد إليه يد التغيير. و ينقسم الكتاب إلى ثمانية أبواب تسير على النهج المعهود لنا من قبل؛ فالباب الأول يبحث فى حدود الشام و أسماء الشام و دمشق، بينما يشير الثانى إلى الآيات القرآنية الواردة فى ذلك و يسوق الثالث الأحاديث المتعلقة بها و يحلل الباب الرابع ذكرها فى فى التواريخ القديمة. أما القسم الثانى من الكتاب و الذى يعتبره المؤلف أهم القسمين فهو يسير أيضا وفقا للتقاليد القديمة، فالباب الخامس يتحدث عن مسجد دمشق الجامع و ما به من الآثار و السادس عمن توفى بسوريا من الأنبياء و الصحابة و السابع عن الأولياء و الصالحين الذين دفنوا بها هذا بينما يحتوى الباب الثامن و الأخير على طائفة من الأشعار قيلت فى مدح دمشق. و من هذا السرد المفصل يتبين لنا بدقة أن هذا النمط لم يأت بجديد حتى فى القرن الثامن عشر 12.

و على النقيض من معرفتنا بالخطيب تقف معرفتنا بمؤلف آخر يدعى محمد بن عيسى بن محمد بن كنّان الدمشقى المتوفى عام 1153 ه- 1740 و الذى نال الشهرة لا كخطيب فحسب بل و كمؤرخ للأدب‏ 13. و كان مؤلفا غزير المادة عالج الكتابة فى مختلف مسائل الحديث و الأخلاق‏ (*) و فى تاريخ مدارس دمشق. و قد اجتذبه بصورة خاصة تاريخ موطنه دمشق، سواء فى الماضى أو فى العهد المعاصر له و نرك لنا مذكرات يومية طريفة سجل فيها حوادث* * * الفترة بين عامى 1111 ه- 1699 و 1653 ه- 1740 يمكن أن تصلح كمصدر قيم بالنسبة للتاريخ المحلى‏ 14. و إلى جانب هذا فإن مصنفه الجغرافى أيضا يرتفع بعض الشى‏ء فوق المستوى العام لذلك العصر؛ و هو يحمل العنوان المعهود «المراكب الإسلامية فى الممالك و المحاسن الشامية» 15. و عند تحليله يتبين لنا أنه مصنف يجمع بين الجغرافيا و الأدب الفنى، فالمؤلف يفيد من ملاحظاته الخاصة و يجمع إلى هذا المادة التى استقاها من عدد كبير من المصادر. و فيه يرد وصف للمدن الكبرى مثل دمشق و حلب و حماة و طرابلس و صفد، و يتحدث أيضا عن منازل الطريق إلى مكة و مراحل الطريق إلى مصر. و إلى جانب هذا يوجد بالكتاب أشعار كثيرة قيلت فى الأزهار و النباتات و الأشجار التى يستشعر ابن كنان ميلا شديدا نحوها يذكرنا بأحد السابقين له فى هذا المضمار؛ كما لديه أيضا أشعار فى الاحتفالات و المواكب، الأمر الذى يشير إليه عنوان الكتاب نفسه؛ و هو يختتم‏

____________

(*) اعتقد أن ايراد لفظeliguetie فى الأصل الروسى خطأ مطبعى، و أنه يجب استبداله بفلظrthlcs . (المترجم)

757

كتابه بالطريقة المعهودة فيتكلم عن فضائل الشام مع إيراد بعض الأشعار فى ذلك:

هذا و قد اشتهر معاصره أحمد بن على المنينى المتوفى عام 1172 ه- 1759 لا بمصنفه* * * الجغرافى بل بشرحه المشهور على سيرة السلطان محمود الغزنوى المعروفة و التى ألفها العتبى فى بداية القرن الحادى عشر 16.

و أصله من منين و هى قرية من قرى منطقة دمشق، إلا أنه عاش منذ أن بلغ سن الثالثة عشرة* * * بدمشق نفسها و هناك اشتغل لفترة طويلة بالتدريس بالجامع الأموى. و قد دفعه الاهتمام بمواضع دمشق إلى تأليف مصنف جغرافى يحمل العنوان التقليدى «الانعام بفضائل الشام» و يحتوى أيضا على نفس المادة التقليدية؛ و كان الأصل الذى دونه المؤلف بخط يده موجودا بمكتبة جامعة القديس جوزيف ببيروت و لكنه فقد فى الحرب العالمية الأولى‏ 17. و الكتاب يقع فى ثمانية فصول تبحث الموضوعات المعروفة لنا مثل سبب تسمية «الشام» و الآيات أو الأحاديث الواردة فى فضلها و الصحابة و التابعين الذين اتصل ذكرهم بها؛ و يظفر بفصل خاص مسجدها و قبر يوحنا المعمدان؛ أما الفصول الثلاثة الأخيرة فتعالج الكلام عمن دفنوا بدمشق و ضواحيها من المشاهير، و هى التى تمثل بالذات أهمية كبرى بالنسبة للطبوغرافية التاريخية كما أبان عن ذلك خبير كبير بماضى سوريا هو الأب لويس شيخو اليسوعى‏ 18. و على الرغم من أن المؤلفات من هذا الضرب قد اتبعت من حيث موضوعها و محتوياتها تقليدا معروفا لم تحد عنه إلا أنها ظلت بصفة عامة مرغوبا فيها من الجميع؛ فمصنف المنينى هذا نقله إلى التركية شخص يدعى شريف محمد 19 و هذا بدوره يقف برهانا جديدا على الصلة الوثيقة التى ربطت بين الأدبين العربى و التركى و التى انتعشت بصورة خاصة فى ذلك العهد. و يمكن أن نضيف عرضا أن المنينى قد وضع أيضا فى عام 1158 ه- 1745 مصنفا خاصا عن الحرب التى دارت رحاها بين الأتراك و نادر شاه‏ 20؛ هذا و قد تردد صدى النضال بين الطرفين فى أقطار عربية عديدة و سنرى فيما يلى أنه قد ظهر فى هذا الصدد مصنف بالعراق لا يخلو من بعض الأهمية بالنسبة للجغرافيا نفسها.

و كان من بين أساتذة المنينى بدمشق عبد الغنى بن إسماعيل النابلسى (1050 ه- 1143 ه- 1641- 1731) الذى أو شك أن يكون أشهر صوفى و رحالة فى سوريا لذلك العهد و الذى خلف وراءه عددا هائلا من مختلف المصنفات‏ 21. و هو ينتسب إلى أسرة عرف أهلها على السواء بالتقوى و بالنشاط فى محيط الأدب، و يرتبط اسم أبيه‏ 22 و عمه‏ 23 من وقت لآخر بمصنفات دينية. أما عبد الغنى نفسه فقد أصبح يتيما منذ سن مبكرة و اشتغل و هو لا يزال صبيا بدراسة مؤلفات اثنين من كبار المتصوفة هما ابن العربى* * * و التلمسانى. و لا شك أنه نتيجة لتأثيرهما عليه قد حدث له أن أمضى فى العزلة سبعة أعوام، و لم يقم بأولى رحلاته إلى بغداد إلا فى عام 1075- 1664 و لكنه و هو فى سن الكهولة ملكت نفسه رغبة شديدة فى التجوال فأمضى ما يقرب من الأربعة أعوام، ابتداء من سنة 1100 ه- 1688، مترحلا من موضع إلى آخر وزار فى خلال ذلك لبنان فى عام 1100 ه- 1688، و فى عام 1101 ه- 1690

758

زار القدس و الخليل، و فى عام 1105 ه- 1693 قام برحلته الكبرى إلى مصر و الحجاز التى امتدت مع بعض التوقف إلى ثلاثة أعوام حتى عام 1108 ه- 1696؛ و فى عام 1112 ه- 1700 زار طرابلس.

و أخيرا ابتداء من عام 1114 ه- 1702 استقر بموطنه و أمضى الثلث الأخير من حياته بدمشق.

و على الرغم من أن أربعة من مصنفات النابلسى الجغرافية التى يصف فيها تجواله معروفة لنا إلا أن شهرته فى الأقطار العربية لا تستند عليها، كما و أن شخصيته كأديب لا تقوم عليها؛ ذلك أن النابلسى كممثل نموذجى لعصره نال الشهرة قبل كل شى‏ء كدرويش متصوف و من ثم فقد احتلت المكانة الأولى بالنسبة له تجاربه الروحية الوجدانية التى ترتبط بالمسائل الدينية و الاجتماعية التى واجهت أبناء جيله. و هو كثيرا ما دخل فى جدال عنيف حول هذه المسائل و نال شيئا فشيئا تقدير الجميع و اعترافهم به كحجة فى هذا الميدان، و ليس أدل على ذلك من أنه فى يوم وفاته خرجت دمشق على بكرة أبيها تشيعه. و للنابلسى مؤلفات كثيرة فى التصوف صاغها نثرا و شعرا؛ و هو يحذو حذو أساتذته من الصوفية فى خروجه على النماذج الكلاسيكية فى الشعر، و كثيرا ما لجأ إلى استعمال الموشح. و قد لقيت رواجا كبيرا قصيدته «البديعية» فى مدح الرسول، التى جرب فيها مختلف بحور الشعر و أوزانه؛ و لا يزال متمتعا بالشهرة إلى يومنا هذا شرحه لأشعار الشاعر الصوفى المصرى للقرن الثالث عشر عمر بن الفارض؛ كما لا يخلو من مغزى أن مصنفه فى تفسير الأحلام الذى طبع مرات عديدة، هو أكثر المصنفات فى هذا الباب.

انتشارا فى الأقطار العربية. و أخيرا نذكر أنه يرتبط باسمه عدد من التنبؤات عن مصير الدولة العثمانية ترجع إلى منتصف القرن الثامن عشر. و أمام هذه الاتجاهات العديدة فى نشاطه الفكرى فليس عسيرا أن نتصور ما ستكون عليه أوصاف رحلاته بالنسبة للجغرافيا؛ و من حسن الحظ فإن النتيجة العامة جاءت أفضل بكثير مما كان يتوقع من كاتب فى مثل اتجاهه. و هو بالطبع أبعد بكثير من أن يقدم لنا وصفا للأوضاع المعاصرة للبلاد التى زارها، فقد تركز اهتمامه بوجه خاص فى التاريخ الأسطورى للمدن المقدسة و الذى يستقيه من مؤلفين كالهروى و العليمى. و الصورة التى ترتسم لشخصه فى مصنفاته بما يحيط بها من الزهو بالنفس و إظهار التدين(s anctimoniousness) ليس من شأنها أن تحبب القارئ فيها، غير أن أسفاره فى مقابل هذا قد شغلت مجالا واسعا بحيث لا يمكن تجريدها كلية من بعض المعطيات الإيجابية بالنسبة للطبوغرافيا التاريخية 24، و من ثم فإنها تحفل بكمية هائلة من المعلومات فى مجالى الحضارة و التاريخ* * * تستحق معها فحصا دقيقا 25. و يمكن القول بأن هذه هى الفكرة العامة التى تكونت لدى العلماء الأوروبيين الأوائل الذين شغلوا فى منتصف القرن الماضى بدراسة رحلاته مثل كريمرKremer و فليغل‏Fiugel و غلدميسترGlldemelster ؛ و قد وكد هذه الصورة العامة فى الآونة القريبة منا ريتشارد هارتمان‏R .Hartmann عقب فحصه لمادة النابلسى بصدد دراسته للطريق بين دمشق و القاهرة فى الفترة التاريخية الممتدة من العصر الرومانى إلى القرن التاسع عشر.

759

و يبدو أن النابلسى نفسه قد صنف رحلاته الكبرى بطريقة منظمة فأطلق عليها على التوالى اسم الصغرى فالوسطى فالكبرى. أما الأولى فقد أفرد لها مصنفه «حلة الذهب الإبريز فى رحلة بعلبك و البقاع العزيز» التى وصف فيها فى ستين صفحة رحلته التى بدأها فى الثلاثين من أغسطس عام 1100 ه- 1688 وزار فيها المواضع التى يتبرك بها المسلمون بلبنان خاصة مقابر الأنبياء و الأولياء المختلفين‏ 26. أما الرحلة «الوسطى» فقد بدأها فى الثامن و العشرين من شهر مارس عام 1101 ه- 1690 و كانت وجهتها بيت المقدس، و قد أخذ فيها «طريق الماء»Via maris المشهور فى العصور الوسطى مارا بطبرية و نابلس.

و لم تطل إقامته بالقدس إلى أكثر من سبعة عشر يوما، وزار الخليل و المواضع القريبة ثم أخذ طريق الرجعة فى التاسع و العشرين من أبريل مارا بنفس الطريق الذى جاء به حتى بلغ دمشق فى العاشر من مايو؛ و قد جعل عنوان هذه الرحلة «الحضرة الأنسية فى الرحلة القدسية» 27. أما تلك التى حازت الرواج أكثر فقد كانت رحلته «الكبرى» التى وصفها تحت عنوان «الحقيقة و المجاز فى رحلة الشام و مصر و الحجاز» 28 و التى بدأها فى الثانى من سبتمبر عام 1105 ه- 1693 و استغرقت ثلاثمائة و ثمانية و ثلاثين يوما.

و وفقا للعنوان فإن وصف الرحلة ينقسم إلى ثلاثة أقسام تعالج الكلام على سوريا و مصر و الحجاز. غادر عبد الغنى النابلسى دمشق متجها نحو الشمال فزار حمص و حماة و اللاذقية و طرابلس، ثم اجتاز جبال لبنان فزار بيروت و دير القمر و صيدة و صور و عكا و الناصرة و نابلس و القدس. و كما حدث فى المرة الأولى فقد زار أيضا المناطق المحيطة بالقدس ثم أخذ الطريق إلى الرملة و منها إلى يافا و عسقلان ثم غزة و منها إلى خان يونس حتى بلغ العريش؛ و مما يقف دليلا على سعة اطلاعه إشارته بصدد هذه الرحلة إلى رحلة محمد كبريت الحافلة بالأشعار. و دخل النابلسى مصر عن طريق الصالحية و بلبيس حتى بلغ القاهرة و أقام بها اليوم الثانى عشر بعد المائة من بداية رحلته. أما مشاهد مصر المختلفة فإنه يعرضها لنا بالأسلوب المعهود عنه معتمدا فى ذلك من جهة على ملاحظاته الشخصية و من جهة أخرى على مؤلفات المقريزى و السيوطى و بصورة خاصة على مصنفات صوفى من القرن السادس عشر هو الشعرانى* * *. و بعد هذا أخذ طريق الحاج المصرى فمر على ينبع و بلغ المدينة فى اليوم الثامن و الثلاثين بعد المائتين من ابتداء الرحلة؛ ثم دخل مكة فى اليوم الحادى و الثلاثين بعد الثلاثمائة من ذلك، و رجع إلى دمشق بطريق الحاج السورى.

و فيما عدا هذه الرحلات الثلاث التى يمكن وصفها بأنها رحلاته «الدينية»(Canonized) فإن للنابلسى مصنفات جغرافية أخرى غير معروفة كثيرا، أحدها تم تأليفه فى عام 1112 ه- 1700 و يصف فيه رحلته إلى طرابلس و هو بعنوان «التحفة النابلسية فى الرحلة الطرابلسية 29»؛ أما ذوقه الشعرى فينعكس فى مدحه لدمشق الذى صاغه على هيئة موشح‏ 30 على نمط «الفضائل» المعروف لنا جيدا.

و العدد الكبير من المصنفات الذى وضع فى هذا الباب يفسر لنا لماذا نفذ الاهتمام بالمسائل الجغرافية إلى النابلسى من خلال دراساته الطويلة للمادة التصوفية؛ و لا شك أن هذا الضرب من المصنفات كان على الدوام محل الإقبال و الطلب حتى حازت أوصاف رحلاته رواجا كبيرا بسوريا فى القرن الثامن عشر.

760

و بالطبع لم تكن الدوافع إلى الترحال بين أبناء جيله هى نفس تلك الدوافع السامية التى كانت ور رحلات النابلسى، فأحدهم و هو مرتضى بك بن مصطفى بن حسن الكردى قد غادر موطنه دمشق فى عام 1127 ه- 1715 إلى القاهرة، هربا من دائنيه، و هناك توفى بعد عام 1133 ه- 1721 31، و كان الميل إلى الأدب قويا عنده فصاغ وصف رحلته سجعا؛ و هى تحفل بعدد هائل من الأشعار و باستطرادات مسهبة تطغى أحيانا على وصف الرحلة نفسه. و مصنفه «تهذيب الأطوار فى عجائب الأمصار» 32 يقدم لنا وصفا للرملة و غزة و القاهرة و مصر بأجمعها، و هو يعالج فيه شتى الموضوعات فيتحدث عن الأهرامات و النيل و الجامع الأزهر و علمائه بل و حتى عن الاضطرابات الشعبية بالقاهرة. و قد زار مصر العليا أيضا فمر على منفلوط، غير أن عواطفه كانت موجهة دائما نحو دمشق التى أفرد لها عددا من قصائد المدح.

و قد ظل الحج بطبيعة الحال هدفا لرحلات عدد كبير من أهل دمشق، ففى نحو عام 1120 ه- 1708 أدى فريضة الحج إلى مكة مرتضى بن على علوان‏ 33. و نعلم من وصفه لرحلته الذى وصلنا بخط يده‏ 34 أنه أدى فريضة الحج لأول مرة قبل ثلاثين عاما من ذلك أى فى سنة 1088 ه- 1677؛ و فى المرة الثانية صحب قافلة الحاج الشامى فأخذ طريق الحج المعهود واصفا لنا بدقة كاملة منازله المختلفة* * *. و قد استغرقت منه هذه الرحلة عشرة أشهر و كرس لهذا الموضوع إلى جانب وصف الرحلة قصيدتين أيضا.

و الرحالة الذين خرجوا من سوريا معروفون لنا نسبيا أكثر من غيرهم. غير أن هذا لا يعنى أن بلادا عربية أخرى لم تسهم بنصيبها فى هذا إذ أن بعضها ترك أثرا محسوسا فى هذا الميدان. و أحد أهل مكة و هو العباس بن على بن نور الدين المكى الموسوى الحسينى‏ 35 غادر مسقط رأسه بعد عام 1130 ه- 1718 و ظل يتجول لمدة اثنى عشر عاما 36 محتفظا فى خلال ذلك بمذكرات منتظمة 37. و فى عام 1148 ه- 1736 عند ما كان بمدينة المخادون أخبار رحلته فى كتاب بعنوان «نزهة الجليس و أمنية الأديب الأنيس»، و هو واحد من المصنفات القليلة لذلك العهد التى وجدت فى طبعة قاهرية 38. و قد رفع المؤلف كتابه إلى شخص كان يقيم باليمن اسمه أحمد بن يحيى الخازندار، و يبدو أنه كان من بين أولئك الذين شجعوه على القيام برحلاته‏ 39. و يفتقر وصف الرحلة افتقارا تاما إلى التنظيم و الترتيب هذا بالرغم من أن مادته موزعة وفقا للنواحى الجغرافية و المدن التى زارها المؤلف؛ و هو يبدأ بمكة فيتحدث عن حدودها و عيونها 40، ويليها المدينة التى يفرد لها وصفا مبالغا فيه‏ 41، و تليها نجد 42؛ و يلى هذا دون اتباع لنظام معين الكلام على الكوفة و بقية مدن العراق (بغداد و سامرا) ثم مصر فخراسان فالهند فاليمن. و هو يترجم خلال ذلك كله لعدد كبير من الشخصيات (خاصة بين أهل مكة)؛ و يغلب على المصنف كله الطابع المعروف لنا جيدا للرحلة العلمية التى تشبه من ناحية المختارات الأدبية و من ناحية أخرى معاجم السير؛ و من الملاحظ أن المادة الأدبية و السّير تزحم فيه المعطيات الجغرافية بصورة واضحة، غير أن هذه الأخيرة لا تخلو بدورها من بعض الطرافة و القيمة إذا ما عرضت لفحص دقيق خاصة من وجهة النظر التاريخية الحضارية.

761

هذا و قد حفظت لنا العراق عن هذا العهد مصنفا محليا ذا قيمة كبرى و لو أن معرفتنا به تقتصر حتى هذه اللحظة على جانب فقط منه؛ و هو من تأليف عالم ينحدر من دوحة عراقية ذات ماض هى أسرة السويدى، واحدة من تلك الأسر العربية الفاضلة التى حفظت لنا تقاليد العلوم الإسلامية القديمة فى هذه العصور المظلمة بالنسبة للأدب العربى و مهدت الطريق* * * لنهضة ذلك الأدب فى القرن التاسع عشر. ولد عبد اللّه حسين السويدى ببغداد فى عام 1104 ه- 1692 و نال حظه من التعليم بها و بالموصل عاصمة العراق الثانية، ثم أمضى أعواما طويلة من حياته يعمل بالتدريس بمسقط رأسه إلى حين وفاته بها فى عام 1174 ه- 1760 43. و قد انعكست ميوله الأدبية* * * فى عدد من القصائد و المقامات التى شغل بتأليفها بشغف شديد فى أوقات فراغه من الدراسات الدينية. و يبدو أنه أدى فريضة الحج مرتين، فى عام 1148 ه- 1150 ه- 1735- 1737 و فى عام 1157 ه- 1744؛ و يرتبط بحجته الثانية بوجه عام وصفه لرحلته بعنوان «النفحة المسكية فى الرحلة المكية» الذى ترجع معرفتنا به إلى قطعة قائمة بذاتها فى مصنفه «كتاب الحجج القطعية لاتفاق الفرق الإسلامية». و هو كتاب لقى رواجا و ذيوعا واسعين و بستبين هذا لا من مخطوطاته العديدة 44 فحسب بل و من أنه ظهر أيضا فى طبعة قاهرية لعام 1323 ه- 1906 ثم من ظهوره فى ترجمة تركية بعد ثلاثة أعوام من ذلك‏ 45. و الكتاب يقف فى الطليعة بوصفه أثرا يقدم لنا فكرة دقيقة عن تلك المحاولة التى قام بها نادر شاه (1148 ه- 1160 ه- 1736- 1747) للتوفيق بين السنة و الشيعة؛ و قد أشار غولدزهر فى حينه إلى غرابة هذه الواقعة و إلى الشخصيات التى سجلت حوادثها 46؛ هذا كما و قد حلل ا. ا. شمت‏A .E .Shmidt بالتفصيل رواية السويدى عنها و نقل عنه قطعا كبيرة 47.

لقد عنت لنادر شاه فكرة إقامة مناظرة كبرى بين علماء الشيعة بالنجف و كربلاء و علماء السنة من أهل أفغانستان و ماوراء النهر؛ و قد اضطر مؤلفنا تحت ضغط التهديد إلى أن يشارك فيها بأمر من والى بغداد المشهور أحمد باشا (توفى عام 1160 ه- 1747) 48 كممثل لعلماء السنة بالدولة العثمانية. و جرت هذه المناظرة قرب النجف بتاريخ اليوم الثانى عشر من ديسمبر من عام 1156 ه- 1743 49؛ و هى لم تترك أى أثر يذكر سواء فى ميدان التاريخ أو السياسة و لكن يرجع إليها الفضل فى ظهور مصنف طريف للغاية يحتوى على وصف ممتع لجميع هذه الأحداث و يقدم صورة تفيض بالحيوية للمناظرة نفسها. و قد قرر المؤلف أن يقوم بحج بيت اللّه‏ 50 شكرا له لخروجه سالما من هذه المحنة، و فى وصفه لحجته ضمن قصة تلك المناظرة.

و فى مقدمته لذلك الذيل يصف المؤلف سالما الحوادث المعاصرة له و القريبة منه المتعلقة بتاريخ إيران و الدولة العثمانية و ظهور نادر شاه و حصاره لبغداد مرتين و انتخابه شاها لإيران بمرج مغان فى عام 1148 ه- 1736 ثم محاولته الدخول فى علاقات مع الدولة العثمانية لنعترف بالمذهب الشيعى كمذهب رسمى للإسلام.

و تحتل المكانة الرئيسية قصته التى تفيض بالحيوية و التى يصف فيها ظروف مقابلته* * * لنادر شاه الذى ترك فى نفسه أثرا طيبا للغاية منذ الوهلة الأولى؛ و بطبيعة الحال فإن المادة الجغرافية عنده شحيحة للغاية، هذا إذا استثنينا وصفه الذى يفيض بالحيوية لرحلته التى خرج فيها من بغداد و بقائه بالنجف لمدة يومين.

762

و يقابل هذا من الجانب الآخر أن التفاصيل التى أوردها فى مجالى التاريخ و الثقافة لا تقل أهمية عن أسلوب الرحلة الذى يتسم بالوضوح و الإبانة. و القطعة التى تبقت من وصف الرحلة تعطينا الحق الكامل فى الافتراض بأن وصف رحلة الحج الذى دونه يراع السويدى يرتفع فى مجموعه على المستوى العام؛ و مما يؤسف له أن هذا الوصف معروف حتى الآن فى عدد محدود من المخطوطات التى من العسير الوصول إليها و بهذا فإنه لم يجتذب الأنظار بعد بصورة جدية. أما خط سير الرحلة فإنه لم يتجه إلى بلاد العرب رأسا فقد أخذ العلامة فى البداية طريق الشمال إذ خرج من بغداد إلى الموصل و منها إلى حلب فدمشق‏ 51، و أغلب الظن أن طريق الحاج المألوف لم يكن مأمونا تماما أو أن المؤلف أراد فقط أن يزور الموصل التى أمضى فيها سنى دراسته؛ و فيما عدا هذا فإن بقية تفاصيل رحلته غير معروفة لنا.

و الصورة العامة للمادة الجغرافية التى نلتقى بها فى البلاد العربية الواقعة إلى الشرق من سوريا فى هذا القرن فقيرة و شاحبة للغاية، بل إن سوريا نفسها تقتصر على اتجاه واحد فقط فى مجال الجغرافيا و لكنه تميز بالحيوية و النشاط و يمثل كلا متماسكا على الرغم من تعدد العناصر المكونة له و تلونها. و أعنى بهذا وصف الرحلة، خاصة رحلة الحج التى خرجت هذه المرة من وسط النصارى العرب.

و لقد حدث أن تعرفنا على عدد ملحوظ منها فى الفصل السابق على هذا، غير أننا نلتقى فى الفترة التى نعالج الكلام عليها بشى‏ء أشبه ما يكون بازدهار لهذا النمط. و خير دليل على هذا أنها بدأت تظهر فى أكثر الدوائر اختلافا، بل إنها استهدفت الارتفاع بالمستوى الفنى نفسه مرسلة فى هذا أول خيط لفجر النهضة الأدبية الحديثة فى الوسط المسيحى.

و قد اتجهت هذه الرحلات كما هو الحال من قبل إلى فلسطين و سوريا و رومه قبل غيرها؛ و ترجع علاقة بعض رجال الإكليروس الشرقيين ممن كانوا يتكلمون العربية بمدينة رومه إلى القرن السادس عشر.

و إلى هذه العلاقة يرجع السبب فى الأحداث التى تمت فى غضون القرن السابق لهذا مثل رحلة إلياس الموصلى إلى أميريكا. و يعد خضر الكلدانى الذى جاء بعده بمدة قرن من الزمان شبيها له إلى حد ما؛ و هو نسطورى الأصل ولد بمدينة الموصل فى عام 1679 52 و تلقى دراسة دينية جيدة ثم أنشأ مدرسة بمسقط رأسه لم تلبث أن تمتعت بسمعة طيبة. و قد جنح به ميل ظاهر منذ سن مبكرة إلى العلم و إلى قرض الأشعار الدينية، كما ندين له أيضا بمعجم كبير للغات الأرامية و العربية و التركية، و له كذلك خطب و أغان و تسابيح باللغتين السريانية و العربية 53. و بعد أن تجاوز سن* * * الثلاثين اعتنق خضر الكلدانى تحت تأثير الرهبان الكبوشيين(Capuccines) المحليين العقيدة الكاثوليكية و تعرض من جراء ذلك لاضطهاد أهل عقيدته السابقة حتى اضطر آخر الأمر إلى الهرب من موطنه فى أغسطس من عام 1724. و قد اتجه فى البداية إلى نصيبين ثم غادرها إلى ماردين و منها إلى الرها، و فى الرابع و العشرين من شهر فبراير عام 1725 بلغ حلب ثم أبحر من ميناء الإسكندرونة فى السادس من شهر مايو. و قريبا من تونس تعرضت سفينتهم لعاصفة

763

بحرية شديدة و لم يبلغوا ميناء ليفورنوLivorno إلا فى السابع عشر من شهر يوليو؛ و فى طريقه إلى رومه مر على پيزاPisa و شفيته فكياCivita Veccia حتى بلغوا أعتاب البابا بندكت الرابع عشر فى اليوم السابع عشر من شهر أغسطس. و برومه استقر النوى بخضر الكلدانى، و بها توفى حوالى عام 1755 54.

و وصف هذه الرحلة و ما سبقها من حوادث، مضافا إليها فترة إقامته بإيطاليا، قد سجلها خضر جميعها فى مصنف خاص نشره الأب لويس شيخو اليسوعى معتمدا فى ذلك على مخطوطة فريدة يمتلكها أحد الأشخاص بالقاهرة 55، و هى تشمل الفترة من عام 1719 إلى عام 1734 و تقف فجأة بكل أسف عند اليوم السادس عشر من شهر يوليو من عام 1734. و المسائل التى شغلت بال المؤلف محدودة بالطبع، فهو يروى بالتفصيل قصة اعتناقه الكاثوليكية و اضطهاد أبناء جلدته له، كما يصف لنا أعياد سنة اليوبيل برومه و طقوس «القنقلاوى» (*) و الكنائس المختلفة و آثار القديسين و الشعائر الدينية. و يجتذب اهتمامه بصورة خاصة المواكب و الاحتفالات و الألعاب النارية(fireworks) ؛ و كان يلفت نظره من حين لآخر بعض الظواهر الطبيعية كعاصفة غير مألوفة. و بالرغم من أنه زار بعض نواحى إيطاليا فكان مثلا فى عام 1731 على سواحل الأدرياتيك إلا أن الفاتيكان وحده و ما يتعلق به هو الذى يمثل محور اهتمامه؛ و هو يحكى عن جميع المنازل التى يقيم بها الرهبان، بل إنه ليذكر خبر المبشرين الدينيين الذين أرسلوا إلى أمريكا؛ و لعل أخبار رحلة الياس الحلبى الموصلى لم تكن غريبة عليه. و منشأ الأهمية التى نالتها رحلته يرجع إلى أنها ذات كفتين متعادلتين فى تصويرها للعلاقات التى تربط بين الشرق و الغرب فى ذلك العهد و فى نطاق معين، هذا من جهة. و من جهة أخرى فى أنها كشفت عن مشاعر و انطباعات رجل شرقى يزور أوروبا المعاصرة له.

و مبلغ علمنا برحلة خرجت من حلب إلى فلسطين و قام بها شخص يدعى إلياس الغضبان الحلبى‏ 56 يرجع إلى مجرد وصف لمخطوطتها الموجودة ببيروت؛ و صاحب هذه الرحلة من طائفة الروم الكاثوليك‏Oreek Unialtes و كان من الشخصيات المرموقة بين أهل عقيدته فى حلب؛ و قد خرج فى رحلة للحج فى صحبة راهبين بطريق البر فى الثالث عشر من شهر أبريل و عاد فى السابع و العشرين من مايو، و ذلك من عام 1755. و تشير مدة الرحلة القصيرة إلى أنها كانت رحلة خاطفة، و على الرغم من هذا فإن وصفه لها كما بين شيخو يحفظ مقدارا من المعلومات القيمة فى مجالى التاريخ و الطبوغرافيا. و الرجلة تنقسم إلى قسمين يعالج الأول منهما الكلام على الرحلة نفسها بينما يصف الثانى الأماكن المقدسة.

و قبل ذلك بقليل، و على التحديد فى عام 1753، زار سيناء خليل الصباغ، و هو من طائفة الملكيين‏Melkites ؛ و توجد بالمكتبة الأهلية بباريس مخطوطة يصف فيها رحلته و قد نشرها الأب لويس شيخو اليسوعى اعتمادا على نسخة منقولة عنها و موجودة ببيروت‏ 57. و وصف هذه الرحلة ليس بطويل و لا

____________

(*) من الإيطاليةConclave و معناها المكان المغلق الذى يعتزل فيه الكرادلة لانتخاب البابا الجديد. (المترجم)

764

يشغل فى مجموعه أكثر من اثنى عشر ورقة مخطوطة مكرسة كلها بالتقريب لمواضع سيناء المقدسة. و قد بدأ خليل الصباغ رحلته من مصر فى رفقة رئيس الدير الذى كان فى طريق عودته من القاهرة و كان بصحبته ستة و خمسون حاجا مسيحيا. و قد أخذوا فى طريقهم أحد عشر يوما؛ و هو يذكر فى آخر وصفه بأن سير الرحلة من القاهرة إلى طور سيناء يتطلب على وجه الدقة مائة ساعة. و يسبق وصفه الموجز لسير الرحلة وصفه المفصل لكنيسة طور سينا و خزانة الدير و مواضع القداسة الأخرى الموجودة حوله. و هو يقدم لنا معلومات وافية عن بستان الدير و مقبرته و كذلك عن حياة الرهبان و الحجاج التى راقبها عن كثب، سواء فى الأعوام العادية أو فى أثناء الاحتفالات الدينية الخاصة التى أقيمت فى يوم عيد القديسة كاترينا.

و أسلوب قصته بوجه عام بسيط و مكتوب فى لغة لا تخلو أحيانا من الألفاظ الدارجة، غير أن الميل إلى الصنعة الأدبية كان يظهر لديه بين آونة و أخرى و لهذا كان يعمد إلى السجع بطريقة بدائية جانبها التوفيق.

و إذا كان وصف خضر الكلدانى قد أثار فينا إلى حد ما ذكر كتاب إلياس الموصلى فإن خليل الصباغ من جهة أخرى يشابه كثيرا من أهل الفترة السابقة الشماس افرام «الساذج».

لقد أخذ مستوى الثقافة الأدبية بين العرب المسيحيين يرتفع قرب ذلك العصر بصورة ملحوظة، و يستبين لنا هذا بصورة جلية من مثال نسوقه لشخص آخر من مواطنى حلب أيضا ترك لنا وصفا لزيارته لمصر هو إبراهيم الحكيم الحلبى (توفى حوالى عام 1770) من طائفة الروم الكاثوليك‏Oreek Uniate ؛ و كانت مهنته الطب و لكنه كان يشعر بميل شديد نحو قرض الشعر 58 كما كان وثيق الصلة بدائرة أتباع جرمان فرحات (توفى فى عام 1732) باعث النهضة الأدبية فى مدينة حلب مركز الثقافة القديم بسوريا الشمالية (*).

و كان إبراهيم الحلبى إلى حد ما تلميذا لاثنين من أبناء عقيدته كانا أصغر سنا منه، أحدهما هو الشاعر نقولا الصائغ (توفى فى عام 1756) و الآخر هو عبد اللّه الظاهر مؤسس إحدى دور الطباعة الأولى بلبنان و الذى عرف أيضا بمناظراته الدينية (توفى فى عام 1748) 59. هذا و قد اضطره إلى القيام برحلاته التزامات مهنته من جهة و الاضطهاد الدينى الذى تعرض له من جهة أخرى، ففى عام 1740 كان بأدنة، و فى عام 1750- 1752 كان بحمص، و فى عام 1757 اضطر إلى الذهاب إلى سيواس‏ 60 فى معية الوالى التركى. غير أن حماية كبار رجال الدولة* * * الذين كانوا فى حاجة إلى خبرته كطبيب لم تجده نفعا أمام الاضطهاد الدينى من قبل بنى وطنه حين زادت حدة الخصومة بين الأورثوذكس و الروم الكاثوليك، لذا فقد اضطر إلى الهرب إلى مصر فى عام 1760 و أقام بالقاهرة مدة عامين. و فى رسالة طويلة له بعث بها إلى أحد أصدقائه وصف لرحلته التى اجتاز فيها لبنان ثم ركب السفينة من بيروت إلى‏

____________

(*) المطران جبرائيل بن فرحات مطر المارونى، أديب سورى من الرهبان عاش بحلب (1670- 1732)، و درس اللاهوت و ترهب سنة 1693 و دهى باسم جرمالرس و انتخب أسقفا على حلب سنة 1725. كان يجيد عددا من اللغات، و له هذه من المؤلفات باللغة العربية (المترجم)

765

دمياط، كما يصف فيها أيضا انطباعاته عن القاهرة. و لكونه شاعرا معروفا له عدد من الأشعار و كان من أتباع الأسلوب المتكلف فقد جهد فى رسالته هذه أن يبين مهارته فى السجع و أن ينثر فى خلالها قطوفا متنوعة من أشعاره الخاصة حتى بدت الرسالة فى بعض المواضع و كأنها مصنف أدبى يعكس مشاعره و عواطفه أثناء الرحلة لا وصفا للرحلة نفسها. غير أنه من الممكن بلا أدنى جهد استنباط التفاصيل المتعلقة بالظروف الواقعية و الأوضاع السائدة؛ و مادته الجغرافية فى هذا الصدد جديرة بأن تجد من العناية و الاهتمام نفس القدر الذى ظفرت به محاولته الأدبية.

و قد حفظ لنا القرن الثامن عشر أثرا من نفس ذلك الوسط يقف دليلا على أن الاهتمام بروسيا قد ظل يتردد صداه حتى بعد رحلة مكاريوس الأنطاكى فى القرن السابع عشر. ففى مكتبة «ديوان الهند»India Office بلندن مخطوطة تضم مادة عن روسيا وضعها فيما يغلب على الظن أحد العرب الأورثوذكس من أهل سوريا لعله من رجال الدين و ذلك فى عام 1758، أى فى خلال حكم يليزافيتا (اليصابات) بتروفنا 61lelizavcta Petrovna ، و هذه النسخة التى تتكون من تسعة و ثمانين ورقة قد تم تدوينها فى عام 1799. و لا يوجد بالمخطوطة أى أثر سواء لاسم المؤلف أو لعنوان الكتاب و لكن ترد فى داخله الألفاظ الآتية: «ما قد احتوى عليه هذا الكتاب من أخبار المسكوف». و بعد «مقدمة» ليست بالطويلة يعالج فيها الكلام على أوروبا عامة يفرد المؤلف خمسة عشر فصلا ( «رأسا») للكلام على روسيا؛ و من هذه الفصول ستة خالصة للجغرافيا. و يلى هذا تحليل و وصف لسمة الروس و أخلاقهم و عاداتهم، ينتقل بعده للكلام على الحكومة و على النظامين المدنى و العسكرى و على الدين، ثم يتكلم بعد ذلك عن الأباطرة و البطاركة و يسوق بعض المعلومات عن المدارس بروسيا. و هذه الرسالة تمثل أهمية خاصة و لو من ناحية الكشف عن المصادر التى استقت مادتها منها. و قد أولاها بعض الاهتمام و ذلك فى بداية نشاطه العلمى ف. ر. روزن الذى وجدت بين أوراقه بعض مقتطفات من هذه المخطوطة 62؛ و حتى يحين الوقت لإخضاعها لفحص دقيق فإنه من العسير إصدار أى حكم على هذا الأثر الفريد فى نوعه و الذى يرتفع فى أغلب الظن إلى مصدر كتب أصلا بالإغريقية.

و ينافس المغرب سوريا من حيث الكم فيما يتعلق بالمصنفات المتصلة بالجغرافيا؛ و هنا أيضا نجد أن الدافع الأول كان هو الرحلة إلى الأماكن المقدسة، أى إلى الحج. و لم بخرج وصف الرحلة عن الإطار القديم، و قد تم تدوينه فى الغالب على هيئة يوميات؛ أما المؤلفون أنفسهم فإن أكثريتهم كانت تنتمى إلى الوسط الصوفى من بين العلماء المحليين.

و من وسط هؤلاء الأخيرين خرج أبو العباس أحمد بن محمد ناصر الدرعى المتوفى على أغلب الظن بتمجروت فى عام 1129 ه- 1717، و بها ولد فى عام 1057 ه- 1647 63. و كان أبوه شيخا لإحدى الزوايا و ترك أثرا فى الأدب؛ و خلفه الابن على تلك الزاوية، و قد ظهر منه فى خلال رحلاته‏

766

الاهتمام بتنظيم طائفة الشاذلية. و ينعكس ذوقه الأدبى بصورة واضحة فى وصفه لرحلة الحج، ذلك الوصف الذى يحمل عنوان «الرحلة الناصرية»؛ و تعتمد شهرة الكتاب لا على طبعته الفاسية لعام 1320 ه- 1902 فى جزئين و النادرة الوجود بقدر ما تعتمد على الترجمة المختصرة التى عملها بالفرنسية بربروجيه‏Berbrugger ؛ و قد اقتصر المترجم على الأقسام المتعلقة بشمال إفريقيا إلى طرابلس‏ 64 و لكن ترجمته تعطى فكرة واضحة عن المؤلف و عن المصنف نفسه. و يقوم المصنف أساسا على وصفه لحجته التى استغرقت اتنى عشر شهرا بالتقريب ابتداء من أكتوبر حتى أكتوبر الذى يليه من عام 1121 ه- 1122 ه- 1709- 1710؛ و يرد الكلام مرات عديدة خلال الكتاب عن حجاته السابقة الى مكة فى عامى 1096 ه- 1684 65 و 1109 ه- 1697 66.

و لم يتنكب بربروجيه الصواب عند ما وضع ترجمته لرحلة الدرعى فى كتاب واحد مع ترجمته لرحلة العياشى؛ إذ أنه يذكر بهذا الأخير سواء فيما يتعلق بطريق الرحلة الذى سلكه أو النهج الذى اتبعه فى التأليف على هيئة يوميات‏ 67. و هذا النهج لم يكن بالطبع شيئا جديدا، فالدرعى نفسه يذكرنا بعدد من السابقين له فى هذا المضمار من بنى وطنه مثل التجانى الذى وصف حجته فى القرن الرابع عشر. و قد خرج رحالتنا من مسقط رأسه مارا فى طريقه على سجلماسة حتى بلع طرابلس، و لكنه تخلف فى طريقه عدة مرات لزيارة مواضع جانبية كزيارته لمضارب قبيلة لواته البربرية و لبسكره و قابس. و هو يفرد لهذه الأخيرة وصفا وافيا، أما بقية طريقه إلى مكة فقد كان طريق الحاج المغربى المعهود الذى يمر بمصر.

و يتفق المؤلف كثيرا مع العياشى من حيث الموضوعات التى استرعت انتباهه فهو يقص بالتفصيل و بانتظام أخبار مقابلاته مع العلماء المختلفين فى خلال رحلته و يتحدث عما رآه من المخطوطات فى المجموعات المختلفة. و لم يكن غريبا عليه الاهتمام بالموضوعات التاريخية فهو يدخل فى استطراد خاص يتكلم فيه عن فتوحات عقبة بن نافع بأفريقيا الشمالية كما أنه يعلق على الأحداث المعاصرة له فيصف مثلا بالتفصيل ضرب الفرنسيين لطرابلس الذى شهده بنفسه فى أثناء حجته عام 1096 ه- 1684.

هذا و قد ظل ذلك اللون من الرحلات الأدبية متمتعا بالقوة و الحيوية، و خير مثال لهذا رحلة أحد تلامذة الدرعى‏ 68 و هو الشاعر و اللغوى محمد بن الطيب نور اللّه المدنى الشراغى الفاسى. هذا و قد أعدت له الأقدار مصيرا مختلفا، فهو قد ولد بفاس فى عام 1110 ه- 1698 و لكنه توفى عام 1170 ه- 1756 بالمدينة التى عاش بها أعواما طويلة* * * يشتغل بالندريس‏ 69؛ و كان تشوقه إلى الرحلة قويا و قام برحلة من المدينة إلى استنبول مارا فى طريقه على سوريا و لكنه رجع منها عن طريق مصر 70. و كان، إن صح هذا التعبير، من كبار أنصار التسفار و حفطت لنا فى هذا الصدد إحدى قصائده التى يعدد فيها فوائد السفر و يمتدحها 71؛ و هذا الموضوع بالطبع ليس بجديد فى الأدب و لكنه يقف على أية حال دليلا على اتجاهات المؤلف. و معروف فى إحدى المخطوطات وصفه لحجته فى عام 1139 ه- 1140 ه-

767

1727- 1728 من فاس إلى مكة ذهابا و إيابا 72، و قد خرج بتاريخ 25 فبراير 1139 ه- 1727 و أخذت منه هذه الرحلة خمسة عشر شهرا و واحدا و عشرين يوما. و المصنف على هيئة يوميات و لكنه مزود بمقدمة منسقة؛ و كان هدفه كما يقول هو نفسه ثلاثة أشياء هى أن يبين منازل الطريق، و أن يشير إلى جميع الشخصيات الهامة التى جاذبها أطراف الحديث حول أى موضوع، و أن يسوق شواهد شعرية تتعلق بالرحلة. و يتضح من فصول المقدمة ميله الواضح نحو التنظيم و التنسيق، و هو يتحدث فيها عن أهمية الحج و زيارة البيت الحرام و أهمية زيارة قبر النبى و عن الأسفار و فوائدها و عما يقع على المسافر من التزامات و أعباء؛ بل إنه يقدم فى الخاتمة بعض القواعد الصحيه التى يجب أن يتبعها المسافر و يشير إلى بعض الأشياء الضرورية اللازمة له فى أسفاره. و المولف على معرفة جيدة بالرحالة الحجاج المغاربة قبله، و هو كثيرا ما يقتطف من العبدرى و العياشى؛ أما مصنفه فلا يعتمد على ملاحظاته الشخصية فحسب بل و أيضا على دراسة دقيقة للأدب فى هذا المضمار. و قد أثبت البحث إلى جانب هذا دقته الكبرى فى المعلومات التى يوردها من محيط الطبوغرافيا عن جميع المواضع التى تتصل بطريق رحلته، هذا على الرغم من أنه لا يعطى المسافات بدقة على نحو ما فعل الكثيرون قبله.

و أوصاف «الرحلات» المغربية ليست معروفة لنا جميعها معرفة مباشرة؛ و قد تقتصر معرفتنا بالبعض على* * * مجرد* * * ذكره فى فهارس المخطوطات أو من عناوين طبعات من العسير الوصول إليها. مثال ذلك أنه فى حوالى عام 1163 ه- 1750 وضع عبد الرحمن بن محمد بن خرّوب المحّاجى وصف «رحلة» إلى مكة محفوظا لنا فى مخطوطة بالجزائر 73؛ و بعد خمسة عشر عاما من هذا وصف رحلته إلى الحجاز الحسين بن أحمد الورثيلانى (1125 ه- 1192 ه- 1713- 1778) 74 الذى ينتسب إلى قبيلة تقيم قرب بجاية. و قد نال نصيبه من العلم بموطنه ثم بالقاهرة؛ و فى سن متقدمة و ذلك فى عام 1179 ه- 1765 أدى فريضة الحج و وصف ذلك فى كتابه «نزهة الأنظار فى فضل علم* * * التاريخ و الأخبار» الذى اشتهر عادة بعنوان مختصر هو «الرحلة الورثيلانية». و الكتاب يتمتع برواج كبير فى شمال أفريقيا إذ ظهرت له طبعة تونسية بالحجر فى عام 1913- 1331 ه و طبعة أخرى جزائرية أيسر تناولا من تلك ظهرت فى عام 1326 ه- 1908 بعناية محمد بن شنب‏ 75. و الكتاب ليس بالكبير و لا يزيد حجمه عن مائة و تسع و ثمانين صفحة.

و إلى جانب رحلات الحج وصل إلينا من المغرب عدد من أوصاف الرحلات التى يمكن أن نعدها «دنيوية»؛ و هى تمثل أحيانا أهمية كبرى فى مجالى التاريخ و الحضارة كالرحلات إلى أسبانيا مثلا التى سيرد الكلام عليها فى حينها. و لا ينطبق هذا على مذكرات أحمد بن حسن المتييوى‏ 76 التى حفظت لنا بمحض الصدفة على ما يبدو، إذ اهتم بدراستها المستشرق النمساوى للقرن الثامن عشر فون دومبى‏Von Dombay (1755- 1810) الذى اشتغل طويلا بدراسة تاريخ المغرب و اللهجات المغربية، و لعل دراساته‏