إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار

- إدريس الجعيدي المزيد...
479 /
55

و التجريب و يخبر الزبيدي بذلك ليكون على بال. و تعرض لأهمية تموين الجيوش ليس فقط بالأسلحة و الذخيرة بل بالمواد الغذائية الضرورية لتحركها و زيادة قدراتها، فتطرق لكيفية تحضير الخبز لحوالي ثمانين ألف جندي بواسطة آلات ضخمة لطحن الزرع و عجنه و طهيه خلال يوم واحد فقط، و ذلك استعدادا لأيام الحرب.

و بأنجلترا دولة السفير د. هاي الذي كان يدعو المخزن إلى القيام بإصلاحات عسكرية في النصف الثاني من القرن 19 م، و الذي تحول إلى سمسار لبيع الأسلحة لفائدة بلاده و دول أخرى، و الذي بعث ابنه روبرت كترجمان رسمي مرافق لأعضاء السفارة المغربية، توجه بهم إلى ترسانة ولويش‏Woolwich الشهيرة بصناعة الأسلحة بمختلف أنواعها، جعلت الجعيدي يهتم بما يراه مناسبا لبلاده و تحدث بإسهاب عن كيفية صناعة رويضات العود أي العجلات‏ التي تركب في العربات و الكراريط التي تحمل العدة و المدافع، و لا تخفى علينا أهمية العجلات و دورها في العمل على نقل البضائع و المسافرين، خاصة أن المغرب لم يكن يتوفر على طرق معبدة بمعناها الأوربي، و لا على قناطر و جسور متينة لربط مدنه و أقاليمه لإخراجها من العزلة، لأن الحمل كان في الغالب على البغال و الجمال، و لم يكن يخطر بالبال أن الطرق و وسائل الجر التي تستعمل العجلات ذات منافع اقتصادية و استراتيجية، فلم تكن تعرف العجلة إلا لجر المدافع السلطانية أثناء الحركات العسكرية، لهذا اهتم الجعيدي بكيفية صناعتها و دقق في الأمر و تتبع جميع المراحل بمهارة نادرة.

كما اهتم بالسلاح البحري‏ الخطير الذي استنبطه المهندس البريطاني‏Robert Whitehead المعروف باسم الطوبيدTorPedo سنة 1866 م و هو صاروخ بحري يخضع لتوجيه مسافي بدفع ذاتي يحمل كمية كبيرة من المتفجرات يمكن القذف به من البر

____________

(1) الرحلة، ص 260.

(2) انظر رحلة الجعيدي: 318 و 319 و 320.

(3) كان اهتمام المغاربة كبيرا بعلم أو فن المدفعية (تاطبجيت) بحكم موقعه الجغرافي و امتداد شواطئه المفتوحة على المتوسط و المحيط. هذه الترسانة زارها كذلك محمد الفاسي «الرحلة الإبريزية ..»: 23.

حققها محمد الفاسي.

56

أو من باخرة إلى باخرة أخرى قصد تفجيرها.

و من اهتمامات الحسن الأول كذلك معرفة كيفية صناعة الذخيرة الحربية لهذا تطرق الجعيدي لأسلوبهم التقني لصناعة الخفيف أي الرصاص و الكور أي القذائف و القنابل داخل أوراش كبيرة تحوى حوالي ستة آلاف من العمال، جعلت السلطان يقتنع بضرورة إنشاء معمل صنع القرطوش بأكدال مراكش بمساعدة فرنسا أواخر عام 1304 ه و معمل آخر بدار السلاح بفاس قصد توفير الذخيرة الحربية بكمية كبيرة محليا، بدل جلبها من الخارج بأثمنة مرتفعة و تنازلات سياسية. و كذلك الحال بالنسبة للمدافع التي اشتراها الزبيدي من أنجلترا نظرا لما اكتسبته من فعالية عسكرية خلال القرن 19 م، بفضل المدفعية استطاع الحسن الأول أن يخرج منتصرا في كل حركات الجنوب و يركز السلطة المركزية في الأطلس و الريف و إرهاب القبائل بها دون حرب، غير أن مسطرة الشراء كانت معقدة بالإضافة إلى عدم وجود جهاز إداري مغربي مختص للقيام بهذه العمليات جعل المغرب يواجه عدة مشاكل من جراء ذلك، لهذا تتبع الجعيدي معظم المراحل التقنية بدار صناعة المدافع‏ فوصفها و نقل صورا حية عن عمل صناعها، كل فئة على حدة، و كان في وصفه دقيقا و مستقصيا و كأنه يكتب تقريرا مفصلا من أجل بناء مثيلة لها لكثرة التفاصيل التي يوردها.

____________

(1) «الإتحاف» لابن زيدان ج 2: 499.

(2) انظر رسالة الحسن الأول ب «الجيش المغربي و تطوره في القرن 19 م»، (د. د. ع برادة ثريا، ص 281، كلية الآداب بالرباط). الذي قام أواخر سنة 1876 م، بتزويد طنجة بستة مدافع كبيرة و طلب من السفير دراموندهاي تدريب المغاربة عليها و إصلاح أبراج طنجة من طرف بعض الضباط البريطانيين إلا أن المشروع قد تأخر بسبب تماطل المهندسين البريطانيين فعوضهم المغاربة و لم يتم وضع المدافع الثقيلة فوق أبراج طنجة حتى عام 1889 م. بعد أن كلف مالية المخزن مصاريف ثقيلة. (الإتحاف، ج 2: 474- 484 ظهائر سلطانية إلى الزبيدي كلها مؤرخة سنة 1881 م في موضوع أثمان و تكاليف المدافع الستة البريطانية الصنع).

(3) رحلة الجعيدي، 314- 315.

57

و أثناء عودتهم مرة ثانية إلى التراب الفرنسي، خصصت لهم الحكومة الفرنسية عدة زيارات إلى منشآتها العسكرية بعدما علمت أن المغاربة خلال إقامتهم ببلجيكا و أنجلترا اطلعوا على الكثير من الصناعات الحربية، بينما أثناء إقامتهم الأولى بفرنسا اقتصرت زياراتهم على المرافق الثقافية و الاقتصادية و العمرانية فقط، لهذا ركزت على هذا الجانب لإظهار عظمتها في هذا الميدان و ذلك في إطار المنافسة الشديدة بين باعة الأسلحة. فأخذتهم إلى فابريكة صنع رويضة الكراريط من العود، و فابريكات صنع الخفيف و الكور و خزائن العدة مثل ما تقدم بيانه أثناء إقامتهم بلندن، و قد تجنب الجعيدي تكرار الخوض في ذلك و اختصر ذلك في سطرين‏ فقط، و تطرق فقط لخاصية متميزة تعرف عليه بفرنسا، هي أنهم يتوفرون على مختبر خاص به‏ عدد من المعلمين المهندسين يوتى لهم بعدد من العينات الجديدة من المكاحيل التي تظهر عند كل جنس من الأجناس الأخرى، ليختبروها و يقلبوها و يخبروهم بما يظهر لهم منها، و ذلك لمسايرة التطور التقني الحربي، بدل الاكتفاء بشراء الأسلحة الجديدة جاهزة فقط، حتى لو كانت عاجزة إن فاسدة كما سبق القول. و أكد أن سبب هذا التفوق راجع إلى مدارسهم المتعددة، لتكوين أبنائهم تكوينا ثقافيا عسكريا منذ الصبا، عند زيارتهم «لسكويلة» أي المدرسة العسكرية بباريس. و ذكر «أنهم‏ يأتون إلى هذه الدار في الساعة الخامسة من صباح كل يوم، و لا يخرجون منها حتى تصل الساعة الحادية عشرة ليلا، و تبقى لهم من اليوم بليلته ست سوائع للنوم و الاستراحة ...» و هي إشارة ضمنية لأهمية الدراسة المتخصصة و المكثفة.

أما الحكومة الإيطالية فقد توصلت هي الأخرى بعدة تقارير من سفرائها بعواصم الدول المعنية عن أنشطة السفارة المغربية بها، بالإضافة إلى تواجد سفيرهم بطنجة السيد ستيفانو سكوفاصو الذي سبق وصول السفارة إلى طورين، كان يغازل المخزن‏

____________

(1) انظر رحلة الجعيدي: ص 321.

(2) نفس الرحلة: ص 322.

(3) نفس الرحلة: ص 323.

58

المغربي بتزويده بالأسلحة الإيطالية من أجل كسب ثقته، لهذا أقيمت مناورات حربية بالذخيرة الحية على شرف المغاربة، و قد استحسن الجعيدي المدفعية الإيطالية الحديثة التي تعمر من الخلف، و قد وصفها بشكل علمي دقيق ساعدني على إدراك شكلها فرسمتها بطرة الصفحة تقريبا للفهم، خاصة أنه تشكك في أقوال الطبجية الإيطاليين الذين أخبروهم أن القذيفة قد أصابت الهدف البعيد عن أنظارهم، فحين رأوهم على ذلك الحال طلبوا منهم التوجه إلى مكان سقوط القذيفة لمعاينة الإصابة، ثم أعادوا الكرة بضربها مرة ثانية، حينئذ تأكدوا من جودة و دقة و قوة هذه المدافع الكبيرة، ثم بين كيف تتم عملية مسامتة الهدف مع نيشان المدفع بتفصيل ساعدني على تصور ذلك فرسمته بطرة الصفحة كذلك. و هذا راجع لمعرفته الكييرة بقواعد الحساب و الهندسة التي كان يلقنها لبعض أصدقائه الذين يتدربون على فن المدفعية بسلا، لهذا أعجب بهذه المدافع فتمنى لو كانت في مراسي المغرب شي‏ء في أبراجها «.. لكان ذلك من الاستعداد بالقوة الظاهرة في الوقت بحسب الاستطاعة، لا بحسب العناد بحيث تكون العدة التي عندنا مماثلة للعدة التي عند النصارى كيفية و عددا، لأن في ذلك حرجا و مشقة و المولى جل علاه سلك بهذه الأمة المحمدية مسلك اللطف و الفرج فقال عز و جل: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ و إنما أمرنا سبحانه بالاستعداد بحسب الاستطاعة فقال تعالى: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏

____________

(1) سلما وجه مولاي عبد العزيز العساكر لقتل الثائر أبي حمارة أعطاهم السلاح الذي صنع في معامل فاس الذي بناه والده و أنفق فيه الملايين الكثيرة في شراء معمل من إيطاليا و بنائه مع المواد التي كانت تصنع البنادق، و كانت تلك البنادق بيضاء مفضضة فأطلقوا عليها اسم «البويضة» فلما ضربوا بها الفتان صارت تتكسر في أيديهم، فكم من واحد كسرت يده، و كم من واحد قتلته، و أنا بنفسي رأيت بعض البنادق مكسرة في أيدي العساكر الذين رجعوا منكسرين يوم دخولهم لفاس في يوم مشهود. فهذه نصيحة إيطاليا للمغرب». هذه شهادة يقدمها محمد بن الحسن الحجوي في رسالته الطويلة إلى الوزير الأول الجباص (مخطوط خ. ع. الرباط ج 204 ص 24) انظر مجلة كلية الآداب، الرباط، عدد 10، 1984، ص 52 سعيد بنسعيد «المثقف المخزني ...».

(2) رحلة الجعيدي: ص 377.

59

مِنْ قُوَّةٍ و لم يقل: مثل استعدادهم لطفا بهذه الأمة و رحمة بها ...».

من خلال هذا المجهود الذي بذلته السفارة المغربية في المجال العسكرية طبقا لتعليمات السلطان الحسن الأول تظهر لنا الآمال التي كانت تعقد من وراء هذه الرحلة السفارية.

غير أن تعدد أنواع الأسلحة و مصادرها، كان يخلق مشكل تعدد أنواع العدة و أنواع قطع الغيار مما كان يجعل إصلاحها مشكلا صعبا، خاصة أن الكثير منها غير صالح للاستعمال لأدنى عطب و يجعل تدريب العسكر على استعمالها صعبا.

فالإصلاحات العسكرية التي قام بها الحسن الأول طوال فترة حكمه و رغم المجهودات التي قامت بها سفارة الزبيدي و غيره لتمهد له الطريق في التعرف على المعامل الحربية بأوربا و أجود العينات، لم تكلل مجهوداته بالنجاح المطلوب لتستجيب إلى حاجيات المغرب بقدر ما كانت فرصة للسماسرة و تجار الأسلحة و المهندسين الأجانب للإثراء السريع على حساب مالية الدولة المغربية. و بهذا تكون الإصلاحات قد فشلت في تحقيق الأهداف المرجوة، لأنها كانت نابعة و مرتبطة بمصالح الدول الأجنبية أكثر من كونها نابعة من رغبة محلية هادفة إلى إصلاح حقيقي.

الجانب العلمي و الفني في الرحلة:

البحث العلمي‏

بحكم الثقافة العلمية التي يتميز بها الجعيدي عن باقي رفاقه في ميدان الهندسة و الحساب و علم الفلك و الاستكشاف، اهتم كثيرا بالبحث العلمي في شتى الميادين، محاولا تسليط الضوء على أهم المنجزات العلمية التي توصل إليها الغرب، و قد سخر لبلوغ هذه الغاية كل قدراته العقلية و المعرفية قصد الوصول إلى الهدف. (كما رأينا في الجانب العسكري) خاصة أنهم تعرفوا على الكثير من الدور العلمية و الثقافية، كحدائق الحيوان و المتاحف المتنوعة و المعارض العلمية، و غيرها.

____________

(1) سورة الأنفال: الآية 60.

60

علم الحيوان،

اهتم به كثيرا و تتبع في دراسته أنواعها و أشكالها، و خاصة الحيوانات النادرة أو المجهولة منها في بلاده سواء منها البرية أو البحرية فيكثر من وصف شكلها الخارجي، كالحمار الوحشي أو الزرد و القنقر الأسترالي و الكركدن و غيرها، أما البحرية فقد تعرف عليها و هي تعيش داخل أحواض السمك‏Aquariums في بيئة مصطنعة مصغرة توفر لها شروط الحياة التي نجدها في المحيطات و البحار.

أما في متاحف التاريخ الطبيعي فقد تعرف على بعض الحيوانات المنقرضة، كالماموث الذي وصف شكل هيكله العظمي و تساءل‏ هل انقرض قبل أو بعد الطوفان الذي أصاب الأرض كما جاء في القرآن الكريم.

متاحف التاريخ الطبيعي‏

التي تحفظ و تصنف و تدرس و تحلل عالم الطبيعة بتعاون مع الجامعات المتخصصة.

فقد تعرف هناك على بعض‏ العينات من المعادن (علم المناجم) و النباتات الطبيعية أو المجففة (علم النبات) و البقايا البشرية (علم الأجناس البشرية)، إلا أنه تعامل‏

____________

(1) رحلة الجعيدي، ص 178- 182.

(2) رحلة الجعيدي، ص 182.

(3) هذا التساؤل طرح نوعا من الجدال بين ابنه عبد القادر الجعيدي و المؤرخ بن علي الدكالي في الهوامش التي كتبوها بطرر بعض صفحات الرحلة قصد الشرح أو التعليق على أحداث أو ظواهر واردة في النص.

(4) نفس الرحلة: ص 227.

(5) رحلة الجعيدي: ص 228- 229.

(6) رحلة الجعيدي: ص 229.

(7) رحلة الجعيدي: ص 230.

61

معها بشكل سطحي نظرا لضعف خرته في هذا الميدان، و كذلك الحال بالنسبة لمتاحف العلوم التقنية.

المعارض الصناعية الدولية

قد كانت ظاهرة حضارية اجتاحت العالم الصناعي، بسبب جو التنافس العلمي الذي كان قائما بينهم، و قد برزت أنجلترا في هذا الميدان بإقامتها أول معرض عمومي (دولي) اشتركت فيه معظم الأمم، و أنشأوا لهذا الغرض الدار الرحيبة المعروفة بقصر البلورCrystal Palace منذ سنة 1851 م، حيث يتلاقى فيه أهل الأبحاث و الأشغال و الملاهي، هذا المعرض الفريد من نوعه خصه الجعيدي بدراسة مطولة، تناول خلالها جل الأشياء التي أثارت انتباهه و استغرابه، كألعاب السرك و البهلوان، و المحاولات الأولى للغطس تحت الماء بالاستعانة بأجهزة الهواء المضغوط المتصل بالخرطوم على سطح الأرض، و أجهزة اللعب الكهربائية، وقاعة عرض الصور الفوتوغرافية بواسطة آلات علمية كهربائية كبيرة، و التي سبقت ظهور السينما الحقيقية على يد الأخوان‏Lumiere سنة 1895 م. و من حسن الصدف أنهم تعرفوا عليهم و هم صغار صحبة والدهم السيدAntoine Lumiere عند زيارتهم لورش عمله الخاص بتطوير فن التصوير الشمسي (الفوتوغرافيا) بجبل‏MontPlaisir بضواحي ليون الفرنسية و غير ذلك. و بمعرض العلاج و الإنقاذ ببروكسيل‏ وصف لنا في رحلته بعض الوسائل المستحدثة في هذا الميدان، نظرا لتضخم المدن، و تطور وسائل النقل، و ذلك بهدف مواجهة الحوادث و النكبات، مثل عمل رجال‏

____________

(1) رحلة الجعيدي: 292 إلى 295.

(2)

L`EncycloPe? die du cine? ma, Roger Boussinot Bordas I, P. 73.

(3) ب ص 262 من الرحلةL ص‏ExPosition d ص.hygiene et de souvetage

62

المطافئ‏ و مراكب الإنقاذ و جهاز التلغراف و غير ذلك. أما بمعرض العلوم بمدينة فرنسي الإيطالية فقد اهتم بأجهزة الرصد الفلكية كالإسطرلاب، و أخضع نفسه لتجربة علمية تتلخص في تحويل الطاقة الميكانيكية إلى طاقة كهربائية. (مثل دينامو الدراجة العادية) كما أطلعه الأطباء على علم تشريح الأعضاء و الأنسجة التي تتكون منها الكائنات الحية (الإنسان و الحيوان و النبات) و على مراحل حمل المرأة و الهيكل العظمي لجسم الإنسان و غير ذلك.

اهتمامات الرحالة

الاهتمامات الخاصة التي أثارت فضول الجعيدي العلمي كثيرة و في شتى الميادين، أخص بالذكر منها، أنه لاحظ وجود الثلج في أيام فصل الصيف، فسأل أحد ضباط الجيش الفرنسي العاملين بالجزائر و الذي كان يجلس بجواره في إحدى الحفلات الرسمية بباريس، عن سبب عدم ذوبان الثلج رغم بقائه في الهواء مثل ما يحدث في بعض بلاد المغرب، فأخبره أنهم يخزنونه في المطامير و يغطونه بالتبن كما يفعل المغاربة عند خزن الزرع، و عند الاحتياج يأخذون منه القدر المحتاج بعد غسله، غير أن الجعيدي لم يكتفي بما سمع، و لم يقتنع حتى اكتشف الحقيقة العلمية لطريقة صناعة الثلج بعد تزايد الطلب عليه بسبب ضرورة نقل و حفظ المواد الغذائية و غير

____________

(1) بقيت مكافحة الحرائق لزمن غير بعيد مبادرة شعبية لا تملك من الوسائل سوى دلو الماء، و لم تبدأ الاستعاة بالمضخات المائية إلا سنة 1699 م. ثم تأسست فرق حرس المضخات، و كانت تضم نخبة من الرجال، ثم استبدلت بفوج من الإطفائيين العسكريين، و في ق 19 م بدأت تنتشر المؤسسات الإطفائية المنظمة بأوربا. (الموسوعة العربية).

63

ذلك. و ذلك أثناء عودته على متن باخرة إيطالية إلى طنجة حيث طلب من قائد الباخرة أن يصاحبه لمشاهدة آلة يدوية لصنع الثلج في مدة قصيرة، فوصف تجربته و رسم شكل الآلة الخارجي. كما تعرف على قبة الغاز التي تطير بالناس في الجو قصد معرفة حالة الطقس ببلادهم و لأسباب عسكرية كذلك. و تتبع معاينة الأساليب التقنية المستعملة في المطبعة الوطنية الفرنسية لطبع الكتب و كيفية خياطتها و تسفيرها، و تأسف لعدم اشتغال المطبعة العربية هناك بسبب قلة الطلب عليها.

و خص بالبحث المستفيض ببروكسيل آلية تغويز الفحم الحجري الذي يستعمل في الإنارة و الطهي في المدن الكبرى، و يسمى عادة غاز الاستصباح كطاقة رخيصة، بعد حرق الفحم الحجري في أفران كبيرة، لإزالة غاز ثاني أكسيد الكبريت و هو غاز سام ذو رائحة كريهة غير مرغوب في وجوده مع الغازات الهيدروكاربونية، التي توزع بواسطة أنانيب باطنية على الدور و الحوانيت التي تتوفر على‏ عدادات تسجل مقدار استهلاك كل دار أو حانوت خلال الشهر.

اكتفي بهذا القدر لأن رحلته في الحقيقة علمية أكثر منها أدبية.

الجانب الفني إلى جانب اهتمامات الجعيدي بالفن الهندسي و المعماري، كانت له اهتمامات بالفن المسرحي و الموسيقى، كباقي الرحال العرب إلى أوربا خلال القرن 19 م.

____________

(1) «.. و يطبع في هذه الدار بجميع الأقلام الموجودة في الوقت عدا القلم العربي، فلم نر مطبعة هناك، و إن كانت موجودة هناك فلم يصادف وقت الطبع بها، و لعله لقلة طالبها ..». رحلة الجعيدي:.

(2) رسمت شكل هذه العدادات بطرة الصفحة من الرحلة، حسب ما ذكره الجعيدي في وصفه لها تقريبا للفهم.

64

كان تأثير المسرح عليهم تأثيرا واضحا كفن قائم بذاته. باعتباره الأداة التصويرية الهادئة في التعبير عن مشكلات المجتمع الأوربي. و من الطريف أن نسمع رأي الرحالة الصفار في المسرح الذي زاره لأول مرة في باريس، و تنبه إلى دوره في التثقيف و الترفيه، يقول: « .. من محال فرجاتهم، المحال المسماة بالتياترو أو الكومدية و تسمى الأوبرا و هو محل يلعب فيه بمستغربات اللعب و مضحكاته و حكاية ما وقع من حرب أو نادرة أو نحو ذلك، فهو جد في صورة هزل، لأنه يكون في اللعب اعتبار أو تأديب أو أعجوبة أو قضية مخصوصة و يكتسبون من ذلك علوما جمة ..»، و هذا الرأي يقارب ما كتبه الطهطاوي‏ الذي يراه جدا في صورة هزل، و اتخاذ الجد صورة الهزل إنما مرده استنباط العبرة منها. أما الجعيدي فقد تعرف هو الآخر على المسرح بدار الأوبرا بباريس و شاهد به بعض المسرحيات و اعتبر مشاهده من الأمور الحقيقية البعيدة عن الخدعة. «.. أما ما يفعله بعمل السيمياء المسماة عندنا «بخنقاطرة» فأمرها مسلم مفرز مشهور، رأينا من ذلك في بعض الديار ما سأذكره، و ذلك أنهم يرسلون سترا بأحد أرباع الدار، يصير حاجزا بين جميع من في الدار الذين أتوا للفرجة، و بين محل اللعب، حتى يتناولوا العمل الذي يريدون ظهوره، فإذا فرغوا من تهيئه يرفعون الستر فترى ذلك المحل المتخذ للعب قد انبسط و امتد غاية .... و حين‏

____________

(1) «الرحلة إلى باريس»، ص 62، مخطوط ب خ. ح. بالرياط، رقم 113.

(2) رفاعة رافع الطهطاوي الذي عاد من فرنسا ليبراليا و كان يدعو إلى الديمقراطية على طريقة المثاليين في رحلته «تخليص الإبريز في تلخيص باريس» لهذا لم يكن يخفى عليه قيمة المسرح في الحياة الديمقراطية، راجع كتاب «العرب و فن المسرح»، د. أحمد شمس الدين الحجاجي، القاهرة، 1975 م.

65

لعبهم يكون أصحاب الموسيقا مشتغلين بها، و عددهم أظنه يزيد على المائة ...»، كما وصف لنا الجعيدي المسرح الملكي بلندن من الناحية الهندسية، و تأسف لأنه لم يسعفه الحظ من حضور إحدى عروضه، و تطرق لأهمية المداخل المالية التي تجنيها التجار من كرائهم للمسرح أو حجزهم لعدد من مقاعده. و بإيطاليا شاهد المغاربة بعض العروض المسرحية و خاصة المتعلقة بفن الرقص المعروف «البالي» لم يذكرها في رحلته بل أشارت إليها الصحف الإيطالية ضمن أنشطة السفارة، و هي التي تولدت عليها المستملحة الفكاهية التي أشرت إليها في الجانب الفكاهي من هذه الدراسة.

أما عن الجانب الموسيقي في الرحلة، فإننا نجد الجعيدي يشير في كل مرة إلى وجود الأجواق الموسيقية عند كل الاستقبالات الرسمية، فيصفها و يحاول رصد أوجه الاختلاف في ما بين هذه الأجواق من حيث اللباس أو الآلات التي يعزفون بها و أحيانا حتى النغمة الموسيقية. بل يطلعنا في رحلته أنهم خلال إقامتهم بروما كانت بعض الفرق الموسيقية تزورهم بمقر إقامتهم قصد الترحيب و الترفيه عليهم «... جماعة من أصحاب الطرب بنحو أربعة عشر رجلا بأيديهم كثرات و أعواد مثل الآلة التي تستعمل في الغرب .. و طلع معهم جماعة من النسوة اللواتي كن جالسات في براح الدار ... و صاروا يخدمون بتلك الآلات بنغم مستعذبة تشبه النغم التونسية ...»، كما ركز على الجانب التطبيقي لهذه الأجواق الحديثة باعتبارها تعزف قطعا موسيقية مكتوبة على الأوراق و يسيرها بما يعرف بالمايسترو» ... قدمت جماعة كبيرة من أصحاب الطرب أيضا للدار التي نحن نازلون بها ... و هم ممن يخدمون بالطرنبطات على أشكال من الهيئة و من الكبر و الصغر و بالمزامير و غيرها ...

يخدمون واقفين يصنعون دائرة منهم، ... كحلقة المداح، و كل واحد ينصب قدامه ثلاثة أعمدة تجتمع رؤوسها قدامه، فينصب على رأسها أعوادا رقاقا مربعة الشكل ليضع عليها الأوراق التي تبين له فيها خدمة طبائع الموسيقا التي يخدمون بها، ...

فيتقدم واحد منهم و يقف في وسط الحلقة، و ينصب ثلاثة أعمدة كذلك قدامه، و يوقد له الضوء و يأخذ بيده قضيبا و يشتعل ...».

نستنتج اهتمام الجعيدي بفن الموسيقى من خلال المؤلفات المخطوطة التي تركها لنا

66

المؤرخ أحمد الناصري و المسجلة بكتابه‏، «الاستقصا»، أنه ترك رسالتين في فن الموسيقى. إحداهما خاطب بها صديقه العلامة الفلكي، إدريس الجعيدي السلاوي، و الأخرى قيدها في الموضوع نفسه، و بحث فيهما في النغمات العربية و المقابلة بينها و بين الموسيقى العجمية.

الجانب العمراني و المنشآت العمومية و الاجتماعية في الرحلة

لرحالة الجعيدي ميل كبير إلى فن المعمار كواجهة حضارية نظرا لتعوده على مشاهدة روائع العمران في المغرب من مساجد و مدارس و قصور و سواق و أقواس و أضرحة و غير ذلك.

بالإضافة إلى معرفته الجيدة لعلم الهندسة و الحساب و اطلاعه على كتاب أقليدس الرياضي اليوناني الشهير في علم الرياضيات و الهندسة، لهذا أعار هذا الفن باهتمام كبير في رحلته هاته. فكان يقف أمام العمران الأوربي‏ بإعجاب يحصي الأعمدة و السواري و الأبواب و أنواع الأثاث و الحمامات و يقيس الطول و العرض و يذكر أشكال الزخرفة و التمويه وسعة الأماكن و يستعمل مصطلحات الحرفيين كالتخريم و القريسة و التشجير و الدرابيز و السبنية و التوريق و الفورمة و الجوائز و البارات و غير ذلك بصفته العارف المتمكن بخبايا هذا الفن.

فمعرفته بالهندسة المعمارية المغربية التقليدية، جعلته يلاحظ التجديد الحاصل في الهندسة المدنية في أوربا، التي أخذت بأسباب العلم و التغيير باستحداث كل ما يجعلها سهلة و منظمة و ممتعة. و بالاهتمام بها هو قديم و العمل على صيانته و الحفاظ عليه لحمايته من الضياع و الاضمحلال.

____________

(1) «الاستقصا»، الجزء الأول، ص 32، رقم 21 من جدول مؤلفاته.

(2) معظم الرحالة المغاربة لأوربا خلال القرنين 18 و 19، اهتموا بهذا التطور الحضاري و العمراني الذي كانت تشهده المدن الأوربية.

67

العمران‏

المدن الحديثة التي اكتشفها الجعيدي لأول مرة في حياته، لا تمت بصلة إلى المدن العتيقة التي تركها في المغرب، فهي مدن ذات شوارع فسيحة و مبلطة وسطها خاص لمرور العربات و الأكداش و الجانب الأيمن و الأيسر خاص بالراجلين، و مع امتدادها تنتشر أشجار مخضرة مصطفة بقصد استحسان المنظر، و بين كل شجرتين قطعة نحاسية قائمة برأسها فنار كبير يوقد ليلا «... لاشتغال أهل البلد بأمور دنياهم بالليل بكامله كأشغالهم بها بالنهار ...». و لكثرة النشاط التجاري و الاقتصادي و نقل السلع.

«... كأن الحرب مشتعلة بينهم و كل يجري حسب جهده و طاقته ... كأن المحلة دخلت البلاد ...»، و عند الفجر تقريبا تنطلق عملية تنظيف و كنس الشوارع من روث الخيل و الغبرة بالماء الذي يجري بسرعة، و كذلك الحال عند نزول المطر، لكون الطرق محدبة الشكل تنتهي إلى مجاري المياه، أما الأزبال المنزلية فلها أماكنها المعينة و هي مدن ذات بنايات عالية من أربع إلى سبع طبقات، نوافذها و شرفاتها مفتوحة نحو الخارج بدل الداخل كما كان سائدا في البناء المغربي، و عند ملتقى الطرق الأربعة توجد النافورات ذات المياه المتدفقة و بعض التماثيل المستعذبة، و بأسفل العمارات توجد المقاهي و المكاتب و الحوانيت التي تعرض التحف البديعة،

____________

(1) مثلا «... باريس ذات الحسن الفريد، الجامعة لما تشتهيه النفس في الأرض على وجه ما تحب و تريد، إذ هي جنة الدنيا بلا منازع و مأوى الحكماء و العقلاء و النبلاء بلا معارض ...». رحلة الجعيدي:.

(2) «... قيل لي ذات يوم الذباب لا يوجد في مدينة باريز، فقلت له و هل يتركون له شيئا من القاذورات التي ينزل عليها ... عدا يوما واحدا رأيت فيه ذبابة واحدة في حانوت جزار ما أنظفها و ما أظرفها ...»!، رحلة الجعيدي:.

68

و بقربها بعض رجال الأمن لتنظيم المرور و حفظ الأمن مع انتشار الحدائق‏ و المنتزهات «... فتخاله كزريبة بديعة التزويق في غاية التنميق، و الصبيان يمرون بها مع أمهاتهم، و لا ترى واحدا ينزع شيئا من ذلك النوار إنما يتركون ذلك تحسينا للنظر و مصلحة البصر ...» و بها العديد من المقاعد العمومية قصد الاستراحة و الاستجمام و غير ذلك من التنظيمات العمرانية الحديثة التي اقتحمت اهتمام الجعيدي و عقله.

كما أعجب كثيرا بعظمة الفنادق الأوربية باعتبارها تضم أرقى التحف البديعة و الأثاث المستظرفة و الخدمات السريعة و التجهيزات الحديثة قصد توفير الراحة لرواد الفندق، فخصها بالبحث و الوصف الدقيق الممتع حتى قال «... إذا استحضرت ذلك و تأملته و وسعته دائرة خيالك على تفاصيله المبينة، فكأنك تشاهد ذلك عيانا ...». بل تجاوز ذلك بمحاولته الجادة لكشف شكل فندق مرسيليا الهندسي رغم عدم اطلاعه على أصل تخطيطه في تقرير طويل بلغ حوالي عشر صفحات، و رغبة منه في تفادي التكرار و الإطناب، اختصر الكلام عن فندق لندن رغم عظمته في بضعة أسطر فقط. و توسع في وصفه القصور الملكية البريطانية و البلجيكية و الإيطالية التي تزخر بالتحف النادرة و المتوارثة عند أسرهم الملكية أو المستوردة من المستعمرات.

وصف الجعيدي العديد من المنشآت العمومية و الاجتماعية بعد أن رتبت لهم الزيارات إليها من طرف البلد المضيف، فوقف في رحلته على وصف العديد من المتاحف باعتبارها المكان الذي تجمع فيه الأشياء ذات الأهمية التاريخية و العلمية

____________

(1) كانت الهيئة الدبلوماسية تقوم بالضغط على السلطان الحسن الأول لإنجاز إصلاحات حضرية بطنجة تتعلق بترصيف طرقها و تزويدها بالماء الصالح للشرب و بناء مجزرة عمومية بها، و غير ذلك حسب المناهج الأوربية (راجع رسالة محمد الأمين البزاز»، المجلس الصحي الدولي بالمغرب من 1792 إلى 1929») و ذلك لتسهيل حركة الاستيطان الأوربي.

69

و التقنية و الفنية، بغية حفظها و عرضها للمتفرجين، كمتاحف العلوم التقنية التي تبرز الأدوات و الآلات و الأجهزة القديمة و تطورها، التي بواسطتها يستطيع المشاهد تتبع تطور الاختراعات التي توصلت إليها العبقرية البشرية في كل الميادين. ثم متاحف التاريخ الطبيعي و دار الوحوش الميتة و حديقة الحيوان و متحف الشمع الشهير ببريطانيا، و متحف ليزانفليد و متحف المعادن الملكي ببروكسيل و مدرج كوليسير بروما باهتمام كبير خاصة أن أخباره قد انتشرت عبر المعمور خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، و كان يعتبر من عجائب و غرائب الوقت فوصف لعبة رقص الأفيال و لعبة الكلاب، و الغريب في الأمر أنه تعرف على ثلاثة مغاربة واحد مراكشي و الآخران من سوس، يقومون بألعاب بهلوانية فوق الخيل من أتباع أولاد سيدي أحمد و موسى بلندن. و قد سبق له أن تعرف على السرك بباريس و حاول استنباط أنواع الخدعة التي يستعملونها في حركاتهم فوق الخيل و غيره، «... ليس في ذلك كبير مزية، بل ذلك كله من قبيل الرياضيات و الممارسات، و النشأة في ذلك من حال الصبي حيث يعتاد ذلك و يصير ذلك لمتعاطيه طبيعة و عادة ...» و قارنهم بما يقومون به أصحاب البارود في المغرب من ألعاب الفروسية التي يتعجب منها «... و لا يأخذون عن ذلك أجرى و لا لهم عنه وظيف بخلاف هؤلاء، فإن لهم فيه تجارة كبيرة و صائرا عظيما ..».

و قد أشار إلى أن العلامة ابن خلدون قد تطرق إلى هذا الجانب في مقدمته «...

إنها من قبيل المدارك التي يدركها الإنسان بالتدريج و الرياضة ...». و يقصد

____________

(1) ختم زيارته لدار البلار بلندن «بأن هدفه لم يكن الفرجة فقط بل في هيئة الدار و كيفيتها». مع العلم أن فكرة إقامة المعارض الدولية قد تنبهت لها الكثير من الدول في أوربا و أمريكا و تنافست في ما بينها في إقامة المعارض العامة و حققت من وراء ذلك أرباحا كبيرة، بالإضافة إلى تشجيع الأبحاث و الأشغال و المناظرة و غير ذلك.

(2) انظر رحلة الجعيدي، و كذلك دراسة محمد عابد الجابري «إبستيمولوجيا المعقول و اللامعقول في مقدمة ابن خلدون. «أعمال ندوة ابن خلدون»، ص 73، كلية الآداب بالرباط، سنة 1979.

70

بذلك أن المعارف النفسانية إما مصدرها الوحي الذي يلقى في صنف خاص من البشر و هم الأنبياء و الرسل، و إما مصدرها الرياضة و الاكتساب لا الوحي.

و من أهم الزيارات التي يذكرها زيارته دار المطبعة الوطنية بباريس و شرحه كيفية الطبع و التسفير و غير ذلك، في الوقت الذي لم يعرف المغرب إلا المطبعة الحجرية التي أدخلها إلى المغرب قاضي تارودانت من مصر سنة 1866 م، فكان المغرب يتطلع لهذا الاختراع العلمي. ثم زيارتهم للمكتبة الوطنية الضخمة بباريس. فتحدث عن كيفية توزيع الكتب على رواد المكتبة، و أشار إلى وجود بعض المخطوطات العربية معروضة هناك. فطلب منهم أن يدفعوا له تقييدا بما عندهم من كتب العربية فوعدوا به، و لم يكن وفاء بهذا الوعد. كما تعرف بروما على دار المرضى أو المستشفى الخاص بالعميان تشرف عليه الرهيبات، خاصة أن السفارة المغربية كانت تقدم الهبات المالية إلى الكثير من دور الإحسان و الأيتام و العجزة و المستشفيات الفقيرة في كل مدينة نزلت بها، و تتلقى عن ذلك العديد من‏ رسائل الشكر و التقدير، و تترك انطباعات حسنة لدى حكومات و شعوب هذه الدول.

نقل الجعيدي الكثير عن هذا الجانب و حاول‏ رصد هذه الحركية القوية التي تهدف التجديد و التغيير و البناء و التطور في جميع مظاهره، رغم قصر مدة إقامتهم بأوربا، لم يتعرض لمساوئهم و لا لجوانبهم السلبية التي تتمثل في استخدام قوة التطور و الاختراع و المال لإخضاع الشعوب الضعيفة المتخلفة و قهرها و استعبادها.

____________

(1) مظاهر يقظة المغرب الحديث، محمد المنوني، ج 1: 201، الرباط، 1973.

(2) «الإتحاف» لابن زيدان، ج 2: 279.

(3) رغم توسعه في وصف مدنهم، وجه دعوة مباشرة لزيارتها لمن له القدرة على ذلك حتى يتعرف على حضارتهم مباشرة «... فليس من سمع كمن رأى ... بهذا نبأتك و لكن لست بخبير، فإن كنت من الأعيان، فانهض إليها فليس الخبر كالعيان و إن كنت من العاجزين فاقنع بما أتيتك و كن من الشاكرين ...».

71

بعض المظاهر الاجتماعية:

الطعام و المجتمع الأوربي و المغربي‏

القصد من هذه الدراسة ليس نظام الطعام و ترتيبه في مضمونه المادي فحسب، و إنما في دلالاته الاجتماعية و رموزه الثقافية أيضا. لأن أهميته كونه وسيلة لتغذية الجسم بغية الحياة. بل أيضا يرتبط بالبيئة و الاقتصاد و بالدين و المعتقدات الشعبية، و ربما بكافة مظاهر الحياة الإنسانية المادية و الفكرية، و على هذا الأساس يشكل الطعام مركبا حضاريا في الفكر الأنثروبولوجي، خاصة أن احتفالية النظر و الأكل و الشراب تشكل‏ سمة جلية في الثقافة العربية (الكرم، الضيافة ....).

من هنا تأتي الأهمية التي أعطاها الجعيدي لآداب المائدة عند الأوربيين و التي أكثر الحديث عنها في رحلته، خاصة أنهم حضروا العديد من مآدب الأكل الرسمية بأوربا، فوصفها بدقة متناهية تنم عن إدراكه التام بطقوسها و آدابها، لهذا حاولت تتبع وصفه لها خطوة خطوة أثناء تحقيق رحلته، فكنت أجد تطابقا تاما بين ما ذكره و بين ما تذكره المراجع المختصة بدارسة التقاليد البروتوكولية لكيفية الأكل أثناء المآدب الدبلوماسية. و هي طقوس تطورت مع نمو الطبقة البورجوازية و ارتفاع مستوى الدخل و المعيشة، و هي مغايرة بطبيعة الحال لما كان سائدا في المجتمع المغربي و الإسلامي على العموم، لا من حيث الشكل أو المضمون، و قد انعكس هذا على سلوك أعضاء

____________

(1) انظر الفصل الخامس من كتاب «أدب الرحلات» تأليف د. حسين محمد فهيم، سلسلة عالم المعرفة 138 في ذكر الطعام و استنباط أحوال المجتمعات.

(2) تجدر الإشارة إلى الدراسة التي وصف فيها المستشرق الفرنسي أشتور وجبات الطعام لدى طبقات المجتمع العربي خلال العصر العباسي مسترشدا بالكثير من كتابات الرحالة الطوافين منهم و المؤرخين، و من هذه الدراسة استنبط الباحث الأوضاع الاجتماعية و تأثيرها في التركيبة السكانية، كما ربط بين صلة التغذية بالأمراض التي كانت منتشرة في بعض المجتمعات العربية إبان عصر النهضة الإسلامية. و حالة النمو السكاني في تلك الحقبة الزمنية.

72

السفارة المغربية عندما امتنعوا عن الأكل لاعتبارات دينية (الأكل الحلال، و الأكل الحرام)، ففي باريس لم يكن هناك مشكل، لأن الحكومة الفرنسية المطلعة على أحوال و عادات العرب. استدعت بعض الضباط الفرنسيين العاملين بالجزائر للجلوس بجوار المغاربة لمساعدتهم «... ثم سرنا نحو القبة التي فيها الغداء، فدخلناها فالتفت إلينا كبير الدولة، و تكلم بلغته، فقال لي رجل من عسكره كان بقربي، إنه يقول لكم مرحبا بكم، و إنه وكلني بالجلوس معكم لأبين لكم الطعام الحلال عليكم من غيره، و وجدته يحسن اللغة العربية ...».

أما الحكومة البلجيكية على ما يظهر لن تنتبه إلى طبيعة ضيوفها المغاربة المتشبثين بالشريعة الإسلامية، و الذين امتنعوا عن مشاركتهم في الأكل، أثناء حضورهم حفلة غذاء أقامها الملك اليوبولد الثاني على شرفهم «... ثم أخذوا يخرجون بالطعام و أنواع الحلواء في أواني كبيرة، و يطوفون بها على من بالمائدة، فكل واحد يأخذ منها بمغرفة ما يريد و يضعه في الطبسيل الذي قدامه ... و هكذا حتى فرغ من الطعام، و نحن تناولنا من ذلك يسيرا من حلواء معقودة على الثلج مع غيرها من الحلواء

____________

(1) كان وسق المواد الغذائية إلى أوربا، يفرض على السلطان المغربي أن يستشير الفقهاء و الأمناء و التجار في الإباحة و المنع، لأن المعاملة مع «الكفار» كانت بمثابة إعانة لهم على المسلمين مثلما ذكر صاحب الاستقصا. و كان مصدر بعض الهلع الذي كان يصيب التجار و خاصة السفير البريطاني بالمغرب هاي الذي كان يطلب تصدير الثيران إلى جبل طارق «و سمعنا أناسا لا عقل لهم و لا تجربة في هذا الأمر يقولون أن وسق الطعام حرام لبر النصارى و قائل ذلك من قلة عقله، لا يتنبه للكسوة الجديدة التي عليه كونها عملا بيد النصارى و رأسه الخارج منه هذا الكلام ملتف برزة من عمل النصارى ...

و يذهب لداره يشرب القهوة و الشاي الواردين من بلد النصارى، و السكة التي تحرث بها الأرض و صفيحة بهائمه و سيفه و مكحلة، كل ذلك وارد من بر النصارى، و من يقل ذلك جاهل و لا عقل له ... إن الله سبحانه جعل تحت سلطاتنا عددا كثيرا من المسلمين بالهند أربعين مليونا و لا نمنعهم من نعم الله ...» وثائق المخطوطات البريطانية 133/ 174 ...F .O النص العربي لمذكرة 27 مارس 1855 م.

73

الطازجة ...»، و نفس المشكل البروتوكولي يتكرر في إيطاليا «... ثم أخذوا يأتون بأطعمتهم على عادتهم، فما تناولنا منها إلا الخبز و الزبدة و أنواع الحلواء، و كانوا يعرضون علينا أنوع الطعام التي يطوفون بها عليهم، فكنا نشير إليهم بالامتناع منها فيعرضونها على غيرنا ...»، غير أن الأمير الإيطالي تنبه إلى ذلك و اعتذر لهم عن هذا التقصير «... ذكر أنه رآنا لم نأكل شيئا من طعامهم في تلك الوليمة، و ألمه ذلك غاية، لكنه سره عدم أكلنا منه من جهة محافظتنا على شرعنا ...». هذه المواقف دفعت الأوربيين إلى البحث عن أسباب هذا الامتناع. لهذا نشرت الصحافة البلجيكية تقريرا مفصلا عن نمط عيش المغاربة داخل إحدى فنادقهم ببروكسيل.

«.. .. المطبخ (المغربي) به آلات الطبخ‏Goudin و تنكات مغربية في منتهى الغرابة ... إن وجباتهم تتكون من لحم الخروف، و الأرز، و الشاي و الحلويات، و الجزار بعد توجيه دعواته للنبي، على السنة المحمدية يبدأ في ذبح و سلخ الخرفان الذكور و الدجاج في البهو الخلفي، و لا يأكل اللحم إلا مرة واحدة في اليوم، لا خمرة على الطاولة، شاي، شاي دائما ...»، و في إطار الفضول الصحفي كذلك استطاع أحد الصحفيين الإيطاليين الدخول إلى‏ مقر إقامة السفارة المغربية صحبة الترجمان‏Bo -sio و كتب التقرير التالي في جريدته‏La .Lombardia «... ضيوفنا الأعزاء لا يأكلون لحم الخنزير و لا مشتقاته، كل ما يطبخ في المطابخ الأجنبية غير المسلمة، و هم يكتفون بأكل اللحوم المذبوحة، حيث يوجه الشاة إلى القبلة أي مكان قبر الرسول،

____________

(1)

G. D. B. R. A. LER( M. A. E. R. B. )Arch; Hist, DiP, J 81/ 974.) Bruxelles (.

(2) كانت للسفارة المغربية استقلاليتها من حيث تحضير الطعام كما يقول الجعيدي «... و أصحابنا الذين في المطبخة يذبحون كل يوم شاة من الضأن و يوتى لهم بالدجاج كل يوم و الحوت، و ما يحتاجونه من الإدام، و يوتى لنا في كل صباح بالقهوة و الحليب و الزبدة و غير ذلك من الأشربة، كشراب اللوز و شراب أحمر قان يضاف مع الماء بنحو الثلثين منه و الثلث من الماء ...».

(3)BIB ,COM .DI Milano (La lombardia) .

74

و يذبح و ينتظر حتى تسيل دماؤها و تسلخ و تقدم مطبوخة، و هذه الطريقة صعبة و لكنها صحية ...».

كما كانت للجعيدي التفاتة أخرى تخص المستوى الرفيع للوجبات الغنية و الشهية التي كانت تقدم في إحدى السجون الأنجليزية التي زارها بلندن «... و فيه مطبخة كبيرة يطبخ فيها للمساجين من أزكى الطعام، وجدنا فيها أكوابا ممتلئة حريرة جامدة، رفع منها صاحب المطبخة مغرفتين كبيرتين في زلافة، و قطع من خبزة طرفا نحو نصف رطل ميزانا، و قطعة لحم نحو أوقيتين أو أقل مع إدام يسير، و قال الترجمان هذا ما يطعم للمساجين كل يوم ...» في إطار إعجابه بنظام السجون الجديد الذي يهدف الإصلاح و التأهيل بواسطة أساليب التربية و التهذيب مثل عقوبة العمل في الأعمال الزراعية و الصناعية بدل تعذيب المحكوم عليه «.... حتى قيل لهم من ضاقت عليه المعيشة منهم فيدخل لهذا السجن فلعله يجده أفضل من محله، فانبسطوا لذلك ...». إن الحديث عن العمران و المنشآت العمومية و الاجتماعية و ما يستنبط منه يحتاج إلى المزيد من التحليل و الدراسة ليزودنا و لا شك بالكثير من المعلومات و الإيضاحات، لأن وصفه للمجتمع الآخر هو تعبير عن مجتمع الرحالة و تعريف له بالسلب المنطقي، حيث لا يسجل الرحالة في رحلته إلا الأشياء التي يفتقدها في مجتمعه الأصلي، ليصل في النهاية إلى تحديد مجتمعه.

المرأة

الحديث عن المرأة في الرحلة السفارية، كما هو الشأن بالنسبة لبقية القضايا الأخرى هو نتيجة انطباعات أولية، و وصف لمظاهر خارجية لم يكن الوقت من النفوذ لبواطينها.

و لا ريب أن إسهام المرأة الأوربية في الحياة العامة اقتضى تحررها من تقاليد المجتمع القديم، و تغيير المقاييس الأخلاقية تبعا لذلك.

و رحلة الجعيدي عموما إشارات إلى مساهمة المرأة الأوربية إلى جانب الرجل في العمل داخل الأوراش و الفابريكات «... ثم أوتي بنا إلى محل آخر فيه خلق كثير

75

من النساء و الرجال، ينشرون القالب الكبير من السكر ...» نظرا لحاجة سوق العمل التي تحتاج إلى المزيد من الأيدي العاملة. بل يذكر كذلك تواجد الصبيان بكثرة في المراكز الصناعية و التجارية. غير أن الجعيدي لا يتردد لحظة في التغزل بسيدات المجتمع الأوربي، فإن هذا الغزل هو و دون شك تجسيد لإعجابه بالتطور الذي كانت تمر به المرأة الأوربية آنذاك، فعند زيارته لإحدى الدور التجارية الكبرى بباريس التي تعرض التحف المصنوعة من البلار، أعجب بإحداهن «.... حين سمع نساؤهن بأننا هناك خرج بعضهن بقصد رؤيتنا لأنهن يستغربن زيّنا و يتعجبن منا، فالتفتت إلينا إحداهن، فتذكرت ما قيل في مثل ذلك:

بدار الزاج قمر* * *فضحت زين العجم‏

سلبت عقل رامق‏* * *سلب عقل بمدام‏

هام من حسنها وجدا* * *ذو عفاف و كرم‏

و هي من نور حسنها* * *تقتبس محو الظلام‏

قلت جذلى بوصال‏* * *قالت: فاقرأه سلامي‏

إن بالحل وطني‏* * *و أنتم أهل الحرم‏

صدقت فيما نطقت‏* * *و حقا قالت حذام ...»

____________

(1) يقول بعض الشعراء:

إذا قالت حذام فصدقوها* * *فإن القول ما قالت حذام‏

اسم امرأة عربية، و الإشارة من المؤلف إلى هذا الشعر واضحة على سبيل الاقتباس.

76

فهو يقصد بهذا التغزل إشاعة روح المرح في ما بين أعضاء السفارة قصد التسلية و الترفيه‏. بل نجد في إحدى قصائده الشعرية يقسم بكل المناظر المكشوفة من المرأة التي أكره على مشاهدتها و هي ترقص على خشبة المسرح و هي دعابة أدبية مقصودة، نظرا لما يتيمز به من روح مرحة.

كما أشار لهذا التحرر من خلال مشاركتها في الحفلات و السهرات و اختلاطها بالرجل و هي في كامل زينتها و أبهتها «.. ... و النساء يجررن ثياب الحرير بنحو ثلاثة أذرع في الأرض، و غالبها مرصع بالديمانض، و كذلك في نحورهن و على رؤوسهن ... و رأينا في نسائهم حياء كبيرا لأنهن يرفعن إلينا من بعد، فإذا قربن و وقع بصرنا على إحداهن نكست بصرها إلى الأرض، و غالبهن على هذه الحالة ...».

هذا الموقف يجعلنا أمام حالة ربما نادرة من حالات التكيف السريع مع التحرر الأخلاقي، على أن المرأة الأوربية يغلب عليها النبل و الطهر و العفاف، عكس‏ من يصفها بالفجور و الرذيلة، و نحن نعلم وضعية المرأة المغربية في تلك العصور، و ما كانت عليه من الجهل الفكري و التخلف الاجتماعي و الانغلاق، و نعلم أيضا موقف الإسلام من المرأة و ما يوجبه عليها من الأخلاق و الاستقامة مع العلم و الوعي المشاركة في الحياة.

____________

(1) انظر الجانب الفكاهي من الدراسة و القصيدة. كما أن الرحالة الصفار يتغزل في المرأة الفرنسية «...

و تسدل ذلك الثوب حتى يستر بناءها، فلا يظهر شي‏ء من أسفلها بالكلية، فإذا أقبلت عليك تشتهي أن تمسكها من ذلك الخصر ...» «رحلة إلى فرنسا» ص 105 و 106 و 70 مخطوطا.

(2) رحلة الجعيدي، عند حضورهم حفلة شاي أقامها وزير المستعمرات البريطانية بلندن.

(3) كمثال على ذلك ما أبداه ابن رعثمان المكناسي في رحلته «البدر السافر لهداية المسافر» من امتعاض عند حضوره بعض الحفلات الليلية بنابولي، ص 252.

77

مظاهر التقدم الصناعي و المالي و الفلاحي في الرحلة:

الصناعة

قامت أساسا على القوة البخارية التي تعتبر أعظم اكتشاف توصلت إليه أوربا خلال القرن 19 م، و التي فتحت الباب أمام اختراعات لا حصر لها في جميع الميادين، فقد حلت الآلات البخارية مكان الأيدي العاملة في الصناعة. و انتشرت خطوط السكة الحديدية بشكل كثيف في أوربا، مما شجع تنقل الأشخاص و البضائع، و ساعد على تنمية الهجرة القوية و نمو المدن، غيرت معالم العهد القديم.

الفحم الحجري‏

المصدر الطاقي الوحيد الذي اعتمد عليه الاقتصاد الأوربي، لهذا خصه الجعيدي في «رحلته» بالبحث المستفيض، فوصف لنا طريقة استخراجه عبر آبار عميقة و متعددة ينزل إليها الخدمة بالتناوب بواسطة المصاعد التي حاول رسم شكلها الخارجي بطرة الورقة، و تهوية المناجم لاستخراج الغازات السامة، و ضخ المياه الباطنية، و غير ذلك. و إن احتراقه ينتج عنه غاز الاستصباح الذي يخصص للطهي و الإنارة، و يولد كذلك‏ حرارة هائلة داخل الأفران العالية لصهر الحديد و غيره.

مما لا شك فيه أن التقارير التي كانت تصل إلى الحسن الأول من الزبيدي، قد

____________

(1) رحلة الجعيدي، عند زيارتهم لأوراش شركة كوكريل‏Kockrill المجتمعة حول مناجم الفحم عند مدينة سوران‏Seraing البلجيكية.

(2) «... لم أقف على أصل الحركة الأولى التي ينشأ عنها سائر الحركات ...».

فعلق المؤرخ محمد بن علي الدكالي في الطرة «هي قوة البخار الذي نشأ من تسخين الماء الحار الشديد الغليان» لكن الجعيدي تدارك هذه الهفوة في ما بعد.

78

أطلعته على أهمية استخراج الفحم بطرق علمية، فابتداءا من سنة 1878 م وجه السلطان أوامره إلى الحاجب موسى بن أحمد ليستفسر فابتداء من السفير هاي عن ذلك. و طلب منه مد المخزن المغربي بالخبراء في هذا الميدان، و بالفعل توافد على المغرب العديد من المهندسين المتخصصين منهم البريطاني‏E .Silva الذي تمكن من العثور على منجم فحمي بالقرب من طنجة بمساعدة المهندس المغربي الزبير سكيرج و الإشراف الإداري لمحمد الزبيدي، الذي أوضح للسلطان بأن بداية الاستخراج يمكن أن تتم «... بحفر آبار ثلاثة كآبار السواني متفرقة ليعرف منها الجهة القريبة للمنفعة فيقع الشروع منها ...»، كما طلب الزبيدي «التوجيه على عشرين معلما من أهل تدغة الذين يحفرون الخطاطير بالحوز يحفرون الآبار بصائر قريب الأجرة ..» بعد أن رفض السلطان استغلاله من طرف المؤسسات الأجنبية، بل طلب المساعدة في البحث و التنقيب فقط، لأنه كان يرى في ذلك أداة للتغلغل الأجنبي، كما رفض باقي العروض الأجنبية الأخرى.

وسائل النقل: كان على رأسها «بابور البر» أو القطار البخاري‏ الذي أثار إعجابه خاصة أنه كان الوسيلة الوحيدة لتنقلهم عبر التراب الأوربي، و وفر لهم الراحة و متعة

____________

(1) رسالة موسى بن أحمد إلى د. هاي بتاريخ 17 رجب 1295 ه/ 17 يوليوز سنة 1878 م وثائق المفوطات البريطانية 89/ 174.F .O ..

(2) الكناش 348 الخزانة الحسنية ص 54 رسالة السلطان إلى بركاش بتاريخ 5 صفر 1301 ه/ 6 دجنبر 1883 م.

(3) نفس الكناش 125 رسالة الزبيدي إلى السلطان بتاريخ 16 ربيع الأول 1301 ه/ 15 فبراير 1884 م و ب «الإتحاف» خ. ح 463.

(4) في سنة 294 ه، وفد على السلطان عدة باشدورات الأجناس «... و تكلم الفرنسيس في شأن بابور البر و التلغراف و إجرائهما بالمغرب، كما هو في سائر بلاد المعمور، و زعم أن في ذلك نفعا كبيرا للمسلمين و النصارى، و هو و الله عين الضرر، و إنما النصارى جربوا سائر البلاد فأرادوا أن يخربوا هذا القطر السعيد الذي طهره اللّه من دنسهم، نسأله سبحانه أن يكبت كيدهم و يحفظ المسلمين من شرهم ...». «الاستقصا»، الناصري، ج 9: 162.

79

السفر و السرعة في التنقل عبر خطوط حديدية قوية تشق الجبال و تقطع السهول و تعبر الأنهار و الوديان بدقة و نظام بديع. و قد أشار الجعيدي إلى الكثير من أسماء المحطات التي كانوا يمرون عليها و مدة التوقف فيها.

كما أشار إلى أهمية المواصلات عبر الأنهار و الحيل التي استنبطوها في الربط بينها، بواسطة قنوات و سدود صغيرة لرفع أو حفظ مستوى المياه حسب الحاجة، و يستغلونها كذلك في صيد الأسماك بها، و استغلال مياهها في سقي المزروعات عند ضفافها.

صناعة السكر: التي لها ارتباط بحاجيات السوق المغربية الاستهلاكية، و التي انتشرت عادة استهلاكه بكثرة، و كان‏ دخوله للمغرب أيام سيدي محمد بن عبد الله، و قد خلق عصرئد بعض المشاكل الفقهية و اضطرابا كبيرا، فالبعض يحرمه و البعض يحلله، مما دفع السلطان مولاي سليمان أن يبعث بمن يثق بدينه و علمه ليتعرفوا عن طرق صناعته «فأخبروا بطهارة أصله و إباحة فرعه»، إنما حرم الجامد منه أي «سكار القالب» نظرا لأنهم يضيفون مادة كحولية بقدر معين إلى البلورات السكرية و قد تعرف على ذلك الجعيدي و تظاهر بجهله لها «.... انظر من أي شي‏ء هو ذلك الماء المتخذ للتصفية ...»، غير أن هذه النتيجة التي توصلوا إليها لم تحترم مع‏

____________

(1) قد نرجع اهتمام الجعيدي بأهمية الأنهار، لاستقراره على إحدى ضفاف نهر أبي رقراق الذي لعب دورا تاريخيا إبان الجهاد البحري و قبله كمرسى للمجاهدين، لولا الحاجز الرملي الذي أصبح مانعا لدخول السفن الكبيرة لمرسى العدوتين خشية التحريث و الجنوح، و قد انعكس ذلك على اقتصاد المدينتين.

(2) انظر مخطوط محمد المامون بن عمر بن الطائع الكتاني الحسني (ب. خ. ع. بالرباط، رقم 532، ص 133 و 145 فقد كان المغاربة لا يشربون الشاي إنما يحتسون نقيع النعنع أو الشيبة معطر بورق الورد أو ماء زهر البرتقال و الليمون. انظر مقال ليلى أبو زيد «نحن و الأنجليز و نقط الالتقاء» في مجلة دعوة الحق، نوفمبر 1980 م ص 73 و تختلف الروايات في تاريخ دخول عادة الشاي إلى المغرب.

80

مرور الزمن، بل حصل العكس حيث تزايد الاستهلاك بشكل صاعدي، و كان يكلف ميزانية المخزن مبالغ باهضة، مما دفعه إلى التفكير في العمل على استحداث‏ معمل لصناعة السكر بالمغرب.

لهذا نجد السفارة المغربية بمجرد وصولها إلى مرسيليا، تقوم بزيارة لفابريكة السكر، و قد خصه الجعيدي بالبحث المستفيض لما شاهده من عمل الخدمة به، و كيفية نشره إلى قطع صغيرة على شكل مربعات صغيرة، و أشار في الأخير «.... و سمعنا بأن حكيما هناك التزم على نفسه أن يخدم السكر القالب و يوجده في أربع و عشرين ساعة، و أنه لا يضيف إليه شيئا مما يصفى به الآن (يقصد المادة الكحولية دون أن يذكرها) ... فقيل له إن القائمين بخدمة المكينة الآن حيث يستوفون مدة «كنطردتهم» يكون الكلام في ذلك ...» إشارة إلى أنهم قد فتحوا باب الحوار معهم لجلب أحد الحكماء إلى المغرب لدراسة موضوع صناعة السكر الذي أصبح مع مرور الوقت مادة شعبية.

الصناعات النسيجية: التي أصبحت تجد في السوق المغربية رواجا كبيرا، نظرا لجودتها و ثمنها المناسب، و كان لذلك تأثير سلبي على الطبقات الحرفية التقليدية المغربية لفائدة طبقات من التجار المغاربة و الأجانب الذين يستوردون الأثواب و المنتوجات. و قد أدى ذلك إلى تحطيم الهياكل الاقتصادية التقليدية الموجودة و تعويضها بغيرها مع تسرب الاقتصاد النقدي و التجاري. لهذا وصف طرقهم الميكانيكية التي تشتغل لوحدها مع مراقبة من طرف الخدمة من غزل و نسج الصوف و القطن و الحرير و الكتان و الماركان، و تعرف على بعض الأثواب التي تصل إلى المغرب‏

____________

(1) كان في أكدال مراكش معمل لتكرير السكر جلب إليه محمد بن عبد الرحمان الصناع من مصر.

الإتحاف ج 3: 556. كما أسس الحسن الأول مصنعا بتجهيزات أنجليزية و بمساعدة المهندس‏jOHN Jachson Guy عام 1296 ه/ 1878 م و كلفه نفقات باهضة و لكنه أحيل بعد سنوات إلى مدبغة للجلود بمنطقة الحوز.

(2) انظر دراسة إدريس بنعلي عن علاقة بعض المغاربة بالتجارة الخارجية في القرنين الحالي و الماضي في «المجلة المغربية للقانون و السياسة و الاقتصاد»، عدد 8: 97 سنة 1981 م.

81

كالموبر البرانية و الثوب المسوس و الديباج و البرتك و الملف و غيرها من الأثواب الفاخرة و المشجرة بخيوط الذهب. و الحرير خصه بدراسة خاصة عن كيفية غسله و وزنه و التفريق بين أنواعه و ثمنه «.... فالثوب الذي وجدناه منسوجا ... ثمنه أربعون ريالا، فإذا قسم هذا المنكب الذي طوله خمسة أمتار، و هي تعدل تسعة أذرع تقريبا، على قالة و نصف يكون فيه ستة مناكب، و إذا قسمت هذه القطعة نصفين عرضا صارت اثنتي عشرة شقة، طول كل واحدة أزيد من خمسة عشر ذراعا، و هو إذن أرخص بكثير من المسوس المصنوع من الخيط الذي يجلب للغرب ...» إشارة إلى الأرباح الطائلة التي كان يجنيها التجار من بيع بعض الأثواب.

غير أن ازدهار هذه الصناعة يحتاج إلى احتكار الأسواق العالمية و مناطق المواد الأولية، لهذا كانت تسعى الدول الأوربية في الحصول على امتيازات لزراعة القطن‏ بالمغرب مثل ما حصل بمصر و الهند و الولايات المتحدة الأمريكية، فواجهتهم أولا طبيعة الملكية الزراعية بالبادية المغربية، و تخوف المخزن من أن يجلب ذلك المزيد من الأوربيين إلى البلاد.

صناعة الزجاج و البلار و المرايا: التي لم تكن معروفة في المغرب، و لم تكن‏

____________

(1) نستنتج من تقييد السفير هاي إلى السلطان «... إن فلاحة القطن فيها الغني لإيالة سيدنا أيده الله في بعض المواضع التي تناسب أرضها ذلك ... و لا بد من رد البال لغرس التوت أيضا و صنع الحرير، إن عددا كثيرا من الحرير يجلب لهذه الإيالة ... حيث إيالة مراكش قادرين على صنع الحرير في إيالتهم لما يكفيهم و للوسق ... و أيضا قصب الحلو (قصب السكر) فغرسه في هذه الإيالة كثير منه ...» بتاريخ 6 ماي 1862 م من وثائق المحفوظات البريطانية 137/ 174.F .O . و انظر الكناش رقم 47 ب خ. ح. بالرباط رسالة بتاريخ 12 ربيع الثاني 1283 ه/ 24 غشت حول زراعة قصب السكر بحاجة.

(2) رحلة الجعيدي: و قد أعرب الحسن الأول ل د. هاي عن رغبته في إقامة مصنع للزجاج بالمغرب و معامل حربية، غير أنه أبلغ السلطان بجسامة تكاليف مثل هذه المشروعات و أنه من الأرخص أن يشتري ما يريد من بريطانيا و غيرها من الأمم. «تاريخ العلاقات الأنجليزية- المغربية»، روجرز، ترجمة لبيب رزق، ص 242.

82

تشكل طبقة حرفية بل كانت تستورد من الخارج، لهذا تناول هذا الصناعة انطلاقا من الحرفي الصغير الذي يشغل في ورشه الصغير، و تتبع الخطوات التي يتبعها للحصول على المصنوعات الزجاجية، بل دقق حتى في بعض المواد الأولية التي يقيمها قصد الوصول إلى العجينة النهائية التي تتحول بمجهوده الفني إلى تحفة جميلة، و نفس الشي‏ء بالنسبة لصناعة المرايات و الثريات الضخمة داخل فابريكات مختصة في ذلك.

باقي الصناعات الأخرى: كالتعدينية التي أشار فيها إلى كيفية صنع «الصواني» و تفضيضها أو تذهيبها و أواني الطبخ، و مواد البناء، و التماثيل و الفلايل و الإبر، ثم صناعة أدوات البناء من النحاس، إلى أن ينتهي إلى أفران صهر الحديد لصناعة محركات البواخر و القاطرات و خطوط السكة الحديدية و غير ذلك من الآلات الكبيرة، و التي كانت تعتبر من الأمور العجيبة عصرئد عند المغاربة.

عمل الجعيدي أمام هذا التطور المادي الهائل الذي يهدف التجديد و التغيير و البناء كل جهده لنقل نشاط هذه الحركية التقنية في جميع مظاهرها. يصف أصعب مراحل الصنعة بكل تدقيق و تفصيل و بلغة واضحة يستعمل فيها بعض الكلمات الدارجة للوصول لغرضه، و يطرح الكثير من الأسئلة عندما تستوقفه بعض الأشياء المغربية، و كأنه يجمع المعلومات لغرض معين، فقد استطاع هذا الفقيه الذكي أن يقربنا من الوسط الذي عاش فيه بضعة شهور، فقد بحث و دقق و حقق و سأل و استفاد، و قارن و لا حظ ... يأتي بذلك على وجه الاستغراب لأنه مفقود في بلاده المغربية.

83

الجانب المالي‏

إلى جانب المهام السياسية و العسكرية و الاقتصادية التي كلفت بها السفارة المغربية من قبل السلطان الحسن الأول، تأتي المهمة المالية المتعلقة بإعادة تجديد ضرب السكة المغربية، التي كانت قيمتها في تدهور مستمر لأسباب كثيرة و متنوعة، أمام السكة الأجنبية التي كانت تروج بجانبها لاحتياج المغاربة لها في شراء حاجياتهم من الخارج و الداخل. بالإضافة إلى ظهور نقود مزورة و مقلدة للسكة المغربية، و تهريب العملة الذهبية و الفضية إلى الخارج و غير ذلك. « فانعكس الحال على التجار و تقاعدوا على الريال و البسيطة و فاضت الفلوس في الأسواق حتى صارت معاملة الناس ليست إلا بها، و حصل للتجار من الضرر في رخص الريال، ما كان للضعفاء في قلة الفلوس ...» فأصبح المغرب يتخبط في أزمة مالية جديدة جعلت الحسن الأول يبحث عن طريقة مثلى لإعادة تجديد ضرب السكة، و قد اقترحت عليه بعض الحلول من طرف المندوب البريطاني د. هاي سنة 1875 م‏ ضمن برنامجه الإصلاحي الذي تقدم به إلى السلطان، و ذلك بإعادة ضرب السكة المغربية وفق معايير جديدة تساير التطورات الحاصلة في أوربا بدل ضربها بالطرق‏

____________

(1) عندما ولي محمد الرابع، عمد إلى ضرب «الدرهم الشرعي» عام 1261 ه/ 1845 م كمحاولة لتأسيس عملة مغربية جديدة لا تتأثر بتقلبات السكة الأجنبية، و حمل المغاربة على أن لا يذكروا في معاملاتهم و أنكحتهم و سائر عقودهم إلا الدرهم الشرعي «مظاهر يقظة المغرب الحديث» محمد المنوني، ج 1: 85.

(2) الاستقصا، الناصري، ج 4: 254 و 255 أثناء حوادث عام 1294 ه.

(3) في أبريل 1875 سافر د. هاي إلى فاس لتقديم احتراماته للسلطان الجديد، و عبر له بصراحة على ضرورة إجراء إصلاح إذا ما أراد أن يبقى المغرب بلدا مستقلا، فاعترف له السلطان بأن السبب الرئيسي لتدهور البلاد هو استمرار النظام الحكومي القائم على الموظفين الذين لا يتقاضون أجورا، و اعتراض عدد من كبار رجال البلاط لأي تجديد، مما يجعل من المستحيل عليه القضاء على الفساد في يوم واحد. «تاريخ العلاقات الأنجليزية- المغربية»، روجرز، ترجمة لبيب رزق، ص 241.

84

العتيقة التي كانت متبعة في المغرب، و بكميات كافية لسد حاجيات السوق المغربية.

دار ضرب السكة بباريس‏

بالفعل كفلت سفارة الزبيدي بدراسة موضوع إمكانية إعادة ضرب السكة المغربية بإحدى الدول الأوربية، و تنفيذا لرغبة السلطان زارت السفارة المغربية بنك فرنسا و دار ضرب السكة بباريس، كما جاء في «رحلة الجعيدي» الذي سجل لنا تفاصيل هذه الزيارة الاستطلاعية انطلاقا مما شاهدوه في معرض النقود القديمة التي كانت سائدة عند الكثير من الدول بما فيها المغرب، ثم تناول كيفية ضرب النقود المعدنية الفرنسية من الفضة و النحاس بواسطة آلات ميكانيكية انطلاقا من تذويب المعدن إلى أن يصبح قطعة نقدية جاهزة، «... فيخرج عنده و قد رقم في حرفه ما يرقم في حرف الريال من حروفهم ..»، و قد أبدى الجعيدي إعجابا كبيرا بذلك «... مكينة أخرى يرت منا الأذهان و صار كل منا كالحيران الولهان، و هي في غاية اللطافة و الظرافة و النظافة ...».

مما لا شك فيه أن الزبيدي الذي كان يراسل الحاجب السلطاني باستمرار ليطلعه على نشاطه هناك، قد أبلغه بالأهمية التقنية التي كانت تتوفر عليها دار ضرب السكة بباريس.

____________

(1) «... و وجدنا في بعضها ريالات ثلاثة من الريال ذي شعب أربع المسمى عندنا بالريال المقنت، من سكة مولانا السلطان سيدي محمد بن عبد الله ...».

85

دار ضرب السكة بلندن‏

في نفس السياق فقد خصت الحكومة البريطانية السفارة المغربية بزيارة «لدار البانكة و ضرب السكة» قصد إطلاعهم على ما وصلوا إليه من تقنية ميكانيكية لضرب الليبرة الأنجليزية، و هذا يدخل بطبيعة الحال في إطار التنافس الذي كان قائما بين الأبناك الفرنسية و الأبناك الأنجليزية لاستقطاب المخزن المغربي لضرب عملته ببلادهم «.. و هي دار عظيمة كأنها مدينة مشتملة على ديار. و طرق دففها من الحديد ... فسألنا عن عددهم فقيل في هذه الدار من الكتاب ثلاثة آلاف، و ألف واحد من سائر الخدمة، ثم أوصلنا كبيرهم إلى مطبعة سكة الكاغد ...». العملة الورقية أثارت فضوله العلمي فخصها ببحث مستفيض و تتبع مراحل الطبع «.....

و حيث رآني كبيرهم أرصد دوران بعض النواعير و المجانبة في يدي، فأخبر أن هذه الدار يطبع فيها في كل يوم مليون من الإبرة ... هناك أوقفونا على بعض الكواغد زورها عليهم بعض من الفرنصيص، و تداولها أناس بالدفع، و عند رجوعها لدار المطبعة تفطن لها الكتاب من جهة النمروس لا غير ... و التاريخ لا زال لم يخرج من الدار، أخبروا به، وجدوا في طلب من زوره حتى وجدوه، و حكم عليه بالسجن ثلاثين عاما ...»، و هذا الإخبار يدخل هو الآخر في إطار المنافسة. كما حاولوا الأنجليز إبراز أهمية العملة الورقية و صعوبة تزويرها و إمكانية حرقها بعد أن تتقادم بحضور الكتاب و الأمناء ثم إعادة طبعها من جديد و هي تحمل أرقام الأوراق التي تم حرقها بدار المطبعة مرة أخرى. و هكذا، كما أطلعوهم على كيفية ضرب السكة الذهبية، غير أن المغاربة على ما يظهر استحسنوا السكة المعدنية التي ألفوها في بلادهم منذ قرون طويلة، خوفا من جهل العامة للعملة الورقية.

____________

(1) ذكر الطاهر الفاسي في رحلته الإبريزية: 35 «... و قد أحدثوا هذه السكة (الورقية) في القرب، و سبب إحداثه كما يقال، أن الدولة الأنجليزية بلغها عن بعض أجناس النصارى، يقولن إن دولة انجليز حصل لها ضعف و فلس مثلا، فاتفقوا على استعمال ذلك إظهارا للقوة دمرهم الله ...».

86

الصراع الفرنسي الأنجليزي لضرب السكة المغربية: بعد عودة السفارة المغربية برز الزبيدي كخبير في هذا الميدان نظرا لخبرته الطويلة و كذلك لمعرفته لدور ضرب السكة بأوربا، فأوكل إليه الحسن الأول مهمة الإشراف على المفاوضات المتعلقة بضرب السكة المغربية بالخارج، و أعطاه حرية مفاوضة سفيري فرنسا و أنجلترا، و هذا نص ما كتبه سفير أنجلترا للزبيدي «... كنا أطلعنا العلم الشريف بالضرر الصادر للعامة في رواج‏ سكة النحاس القبيحة التي كل واحد قادر على تزويرها و يسعى بذلك الربح لنفسه ... فقد كنا أشرنا على السلطان أيده الله بجعلها تضر بفبريكة سكة النحاس في مدينة برمنكهام ... أجابني بأنه استحسن نصيحتنا و عزم على العمل بمقتضى إشارتنا وقت الإمكان، و ذكر لنا إسمكم بأنكم أنتم إن شاء الله مكلفون بتأمل هذه الأمور .. فنطلب منكم رفعه للسلطان ..» يظهر أن السلطان أظهر استحسانه لطلب السفير دريموند. هاي لترضية خاطره، و علق أمر الموافقة النهائية على أمينه الحاج محمد الزبيدي و الذي أخبره بضرورة التنصل من ذلك « .. و طلب منك (د. هاي) أن تتلاقى مع نائب أرباب السلف الذي بطنجة فسوفته. و ظهر لك عدم الملاقاة به، و التنصل إن وجدت السبيل لذلك ... و حين ترجع لحضرتنا الشريفة تشافه بما ظهر لك في ذلك صار بذلك بالبال و العمل على ما ظهر لك في ذلك ...».

____________

(1) انظر: نص هذه الرسالة ب «الإتحاف» لابن زيدان، ج 2: 445 و 446 بتاريخ 20 مارس سنة 1881/ موافق 19 ربيع الثاني عام 1298 ه بتوقيع د. هاي.

(2) رسالة سلطانية سرية إلى الأمين الحاج محمد الزبيدي. الإتحاف، ج 2: 444، بتاريخ 3 صفر عام 1298 ه.

87

حصول فرنسا على الصفقة

أصدر السلطان ظهيرا شريفا إلى النائب محمد بركاش بضرب السكة المغربية بفرنسا بدل أنجلترا « .. و بعد، وصل جوابك بأن السدد الذي ظهر للخديم الزبيدي في شأن السكة ... و توجيه تلك السكة لبر النصارى ... لأنها إذا كانت مساوية لسكة الفرنصيص وزنا و عيارا مقبولة بإيالته تكون مقبولة في إيالات أخرى مثل سكته و لم يظهر لكفى ذلك ضرر ... فقد ساعدنا عليه على نحو ما عمله معهم الخديم الحاج محمد الزبيدي ..». هكذا تعاقد المخزن مع دار سييرSeillie ?re الفرنسية لصنع 20 مليونا من الريال الحسني، مما أغضب السفير البريطاني الذي كتب إلى الأمين الزبيدي فيما بلغه من عدم مساعدته فيما أراده من ضرب السكة النحاسية المغربية بأنجلترا «... فقد عز بي حيث سمعت أن السلطان لم يساعد لما أشرنا به ... و أرباب فبريكة سكة النحاس (بأنجلترا) يجعلون الفلوس لبلادنا و للطليان و لعدد دول أخرى هذه مدة سنين معددة بدون شكاية من أحد لا من حيثية المعدن و لا من السكة كما يقع عند الغير ..».

النتيجة النهائية

لكن حدث- مع الأسف- ما عكس النتيجة، فإن الدولة التي ضربت هذه العملة بدار سكتها بباريس، لم تستطع أن تنفد التصميم المثقف عليه بدقة، و لم تجعل العملة المغربية الجديدة مساوية للفرنك الفرنسي، و إنما جعلتها تزيد عليه خلافا للمتفق عليه، و قد أرغم المخزن المغربي على قبولها على علاتها، و من هنا جاءت الكارثة، فصارت قيمتها تنحط شيئا فشيئا.

____________

(1) ظهير سلطاني ب «الإتحاف»، لابن زيدان، ج 2: 442 بتاريخ 17 جمادى الأولى عام 1301 ه.

(2) رسالة من دريموند هاي إلى الأمين الحاج محمد الزبيدي، ب «الإتحاف» لابن زيدان، ج 2: 450 بتاريخ 14 يوليوز عام 1881 م/ موافق 16 شعبان عام 1298 ه.

88

فقرر الحسن الأول سنة 1888 م الاستغناء مؤقتا عن الضرب بأوربا، و أمر بشراء آلة من بلجيكا لضرب النقد، و لكن دواليبها لم يكتب لها الدوران، ثم أمر ببناء المكينة بفاس لصياغة العملة النحاسية و كانت حتى سنة 1891 م لم تخرج هي الأخرى نقودا، و بالتالي عجز المخزن في التحكم للحد من هذه الأزمة المالية التي حلت بالاقتصاد المغربي‏ و آلت محاولة الإصلاح إلى فساد.

الزراعة

كانت للجعيدي التفاتات قليلة لميدان الزراعة لاعتبارات بيئية و اجتماعية كثيرة، رغم أن النهضة الحديثة أولت لهذا القطاع عناية فائقة، لأن أنشطة السفارة المغربية كانت متمركزة في المدن و العواصم، فلم يتمكنوا من زيارة الضيعات النموذجية المتواجدة في البوادي و القرى، لكن الجعيدي شاهد ذلك التطور الهائل في هذا الميدان من نوافذ القطار الذي كان يمر بهم وسط الأراضي الزراعية «... ثم أخذ البابور في السير .. و نحن بين جنتين عن اليمين و اليسار، و الأنهار جارية، و أشجار البساتين متقاربة لا متجافية ...» و هي إشارة إلى استغلالهم المجال الفلاحي بكثافة و نظام متقن.

التسييج‏

الجانب الذي اهتم به الجعيدي كثيرا و أشار إليه عدة مرات، هو نظام‏

____________

(1) حديث هذه النكسة التي وقعت في ضرب السكة الحسنية في «الاستبصار» للطاهر الأودي، ص 147 و 148 و 174 و 200.

89

التسييج‏ المنتشر بكثرة، و الذي يحيط بالبساتين و المزارع و العراصي باعتبارها ضيعات نموذجية غير مفتوحة، على عكس ما كان سائدا في المغرب من أنظمة عقارية معقدة و متخلفة كانت تتأثر بالجفاف و تسلط الجراد، مما كان يؤدي إلى انهيار المحصولات و ارتفاع الأسعار، و بالتالي إلى مجاعات عامة، و تنقلات واسعة لحشود بشرية جائعة، كانت الأوبئة تجد مرتعا خصبا لها، مما يؤدي إلى كوارث اجتماعية و اقتصادية، كما حدث خلال كارثة القرن التي دامت زهاء سبع سنوات. من 1878 إلى 1884 م و هي الكارثة التي و اكبت إصلاحات مولاي الحسن الأول، على عكس ما كانت تعرفه أوربا من نمو ديمغرافي، و تطور في القرى و الأرياف‏.

____________

(1) عرفت كل من أنجلترا و غرب فرنسا في البداية ثم باقي أوربا الغربية، ثورة زراعية عميقة تمثلت في التسييج. فقد حل الحقل المسيج محل الحقل المفتوح‏OPen field و بالتالي مهدت لتحول البنية الزراعية حيث اختفت الخدمة الجماعية و إطلاق المواشي في الحقول بعد الحصاد بل تجمع في الاصطبلات، حيث تعطى أسمدة وافرة و تزايد كميات الصوف، و زراعة الأراضي المستريحة بالنباتات العلفية و الزيتية و الخضروات، و قد حاربت الحكومات هذه الإجراءات بمراسيم برلمانية في ق 15 م، لكن في ق 18 م أصبحت الحكومات تساند هذا الاتجاه، لأن التسييج ساعد على التقدم التقني و ارتفاع المردودية و الدخول في الحركة التجارية، و بالتالي تزايد التداول النقدي بشكل متعمق في العالم القروي. انظر رحلة الجعيدي:.

(2) انظر رسالة محمد الأمين البزاز، المجلس الصحي الدولي بالمغرب، كلية الآداب بالرباط، أبريل 1980 م.

(3) كتب «الصفار التطواني» مبديا إعجابه بانتشار مظاهر المدنية بالبوادي الأوربية «... اعلم أن هؤلاء القوم ليس عندهم في مساكنهم اخصاص و لا خيم و لا نواويل، و إنما يعرفون البناء لا غير، إلا أن بناء البوادي متميز عن بناء الحواضر، فقراهم في الحقيقة من جملة المدن، يوجد فيها ما يوجد في الحاضرة من الأسواق، و ما يباع فيها و غير ذلك، و قد رأينا في طريقنا هذا ما يشهد شهادة حق لأهل هذه البلاد بالاعتناء التام و التبصر العام بأمر دنياهم و إصلاح معاشهم و إتقان تدبيرهم ..». رحلة إلى فرنسا، مخطوط، ص 29.

90

وفرة الإنتاج الفلاحي‏

لاحظ الجعيدي ذلك في رحلته عند وصفه لأسواقهم و متاجرهم الكبيرة و مآدبهم و غير ذلك، و من المقارنات اللطيفة التي أوردها حول طرق زراعة العنب أو الكرمة في كل من المغرب و إيطاليا عند خروجهم لمشاهدة مناورات حربية بضواحي طورين‏ «.. هم ينصبون مع كل ساق دالية خشبة برأسها أعمدة تنزل عليها أغصان الدالية، لما يرون في ذلك من المصلحة لها، فتخلخل الريح و الهواء فيما بين أغصان الدالية و ما تحتها، و تشرق أشعة الكواكب عليها، بخلاف الدالية التي في بعض مدن الغرب، فإنهم يتركون أغصان الدالية يترامى بعضها فوق بعض حتى يلتئم غالبها، و لا يمكن السلوك بينها إلا بمشقة ... و يبقى غالب عنا قيد العنب إذ ذاك منحجبا بين الأغصان و الأوراق عن تمام نفوذ الهواء و الأشعة، و ربما يكون تتولد آفة للعنب من ذلك و الله أعلم ...»، بمعنى تبقى عرضة للحشرات و الطفيليات التي تقلل من جودة الإنتاج و من مردودية الحقل كذلك.

الاهتمام بغرس الورود

استحسنه كثيرا و تذوق جمالية غرس الورود و الأزهار في الحدائق و البساتين و عند ضفاف الأنهار، و حتى داخل البيوت و الفنادق و الأماكن الآهلة، علما أن زراعة النباتات الصغيرة في الأواني أصبحت صناعة رائجة و علما وراثيا يسخران لرفاهية الإنسان، باستحداث نباتات قادرة على النمو في الأماكن المغلقة، و طرق حمايتها أيام البرد.

لكن رغم هذا التطور الكبير في الإنتاج الفلاحي، فإن معظم الرحلات السفارية لم توليه اهتماما كبيرا يناسب أهمية هذا القطاع الذي ظل متخلفا و جامدا بالمغرب لمدة طويلة من الزمن، حتى عهد الحماية التي عملت على استغلاله و تطويره قصد ربطه بالاقتصاد الأوربي كسوق تكميلي.

____________

(1) انظر رحلة الجعيدي: 381.

91

الجانب الفكاهي في الرحلة

- يتميز أسلوب الجعيدي في الكتابة بروح المرح و الفكاهة الأدبية التي تهدف النقد في صورة الهزل، و قد أخذ ذلك حيزا لا بأس به داخل رحلته، نستنتج منه بطريقة غير مباشرة المعاناة التي كان المغاربة يعانون منها من جراء ضرورة تكيفهم مع المجتمع الأوربي المتشبع بالعلمانية و الليبرالية و الحرية، و البعيد كل البعد عن بيئتهم التقليدية و مجتمعهم المتشبث بالروح الإسلامية، و بالفعل فقد سايروا الوضع الجديد بديناميكية الدبلوماسي العصامي الذي لا يهتز للمغريات و المتشبث بمبادئه الإسلامية، رغم الفوارق الكبيرة التي كانت بين أفراد السفارة المغربية من ناحية السن و الثقافة.

مستملحة

أتحفنا الجعيدي بها و ما هي إلا تصوير جري‏ء و صريح لمعايشة رفاقه، من خلال ما يروج في دائرتهم، مما يبعث على إشاعة روح المرح فيما بينهم للتسلية و التزجية، و توثق لنا كل ما يحدث له و لغيره على سبيل الفكاهة الأدبية، لذلك توزعت عليهم الأدوار في هذه المستملحة الهزلية حسبما لهم من خدمة و مكانة و اعتبار، و تتلخص أن الأمين غنام هدد الجعيدي أنه سيشتكيه إلى القاضي لينال من عدالته و يسقط شهادته، بسبب مشاهدته رقص البنات‏ شبه عاريات (البالي) على المسرح، فدافع الجعيدي عن نفسه بنثر مسجوع و قصيدة شعرية من الإيقاع الخفيف تتجلى فيها قمة

____________

(1) ذهب السفير تميم إلى مسرح الأكاديمية الموسيقية الملكية بباريس و شاهد عرض «بالي» و لقد سببت تلك المناظر عجبا شديدا لدى أعضاء الوفد المغربي الذين كانوا برفقة تميم لدرجة أن أحدهم امتنع عن النظر إلى ما يجري على خشبة المسرح قائلا «أن ذلك ضرب من السحر». انظر: تاريخ تطوان، القسم الثاني من المجلد الأول، ص 262 تطوان 1959.

92

الدعابة المقصودة إذ يقسم الجعيدي بكل المناظر المكشوفة التي أكره على مشاهدتها.

و الاتهام الثاني الذي وجه إليه على وجه المداعبة الأدبية كذلك أنه سيقال للقاضي أنه يشاركهم بشرب شراب أحمر اللون قان (يشبه لون الخمرة) فأجابهم بقصيدة شعرية مرتجلة مما جاء فيها:

فقلت:

و كيف الصبر و هي من وصفها* * *يسلى بها قلب الكئيب بنظرة

فاملأ الأواني منها فهي مباحة* * *ولى أذن صماء عن ذي ملامة

السرقة التي تعرضت لها السفارة المغربية

أدرج ضمن أدبياته الفكاهية قصة السرقة التي تعرضت لها السفارة المغربية بإيطاليا و عنوانها «نادرة من نوادر الزمان ترشد إلى اتخاذ الحذر في بلاد الأمان» تصور لنا كيف اكتشف الأمين غنام سرقة كيس به ألف لويزة ذهب من مال المخزن «...

فطار لبه و اضطرب قلبه و اعترته ألوان، و تقلصت منه الشفتان ......» فتشكك في رفاقه المغاربة و قال: «.. .. لا بد من تقليب حوائجكم ظنا منه أن النصارى لا يمدون اليد لمثل ذلك ... و قلب بمحضر مقيده (الجعيدي) حوائج الجماعة فلم يجد لذلك أثرا و لا وقف له على خبر، ثم أخبر بذلك الباشدور ...» الذي دخل عليه الترجمان صدفة و اكتشف الأمر بنفسه، رغم أن الزبيدي لم يكن في ظنه إخباره‏

____________

(1).Lalombardia et Corriere Dellasera

93

بذلك، و انتشر الخبر و نشرت الصحف‏ الإيطالية تفاصيل السرقة، خاصة أن السفارة المغربية كانت تستعد لاستقبال ملك إيطاليا في الغد، و قد استطاعت الشرطة الإيطالية إلقاء القبض على اللصوص، و أرجعت المبلغ المالي إلى الزبيدي الذي رفض تسلمه، لأنه ظن أن إرجاع الفلوس إليه ما هو إلا تغطية من طرف الحكومة الإيطالية للموضوع، و طالبهم بإحضار الكيس الذي كانت به الدراهم، فأجيب إن الكيس قد ألقاه اللصوص من القطار في إحدى الأودية، فوجه الأمين و الجعيدي إلى سجن طورين الجديد للتأكد من حقيقة القضية. هذه التغطية

____________

(1) اهمت الصحافة الإيطالية كثيرا بهذا الحدث، و تابعت القضية من أولها إلى آخرها و خاصة جريدةCorriere Della Sera كما هو مبين في تحقيق الرحلة.

(2) هناك أوجه من التشابه بين هذه القضية و ما وقع للحاج عبد الكريم بن محمد بريشة التطواني (1830- 1879 م) الذي توجه سفيرا لإسبانيا في يناير 1895 م للمذاكرة مع ملكة إسبانيا ضوناReina Dona بمدريد، لطمه أحد الجنرالات المتقاعدين على ملأ من الناس و الشارع، فامتنع بريشة على المشي لمقابلة الملكة، حتى قدمت الحكومة و الملكة الإسبانية اعتذارا رسميا عن هاته الإهانة، و من أجل جبر خاطره تنازلت إسبانيا على نصف الدين الذي كان لها على المغرب و تعديل مدة الدفع للقسط الباقي، و بذلك نجح نجاحا لم يسبق له مثيل (انظر ترجمته بقلم ح. أحمد معنينو «دعوة الحق»، عدد 4، أبريل 1971، ص 166، و عند محمد داود، مختصر تاريخ تطوان، ص 321، أما الزبيدي فإننا لا نعرف كيف تم جبر خاطره من هاته السرقة، لأن الحديث الذي دار بين الزبيدي شخصيا و ملك إيطاليا عند لقائه به ظل من الأسرار التي لم تكشف بعد كما جاء عند الجعيدي «... كان عندنا الإذن بالوقوف بباب القبة (الملك) عند دخول الباشدور، حتى يؤذن لنا بالدخول و عند دخوله سد ذلك الباب، و وقفنا ست دقائق ثم فتح الباب، و أذن لنا بالدخول ... فلم يكن في القبة إلا عظيم الدولة و الباشدور و الترجمان لا غير ... و ظهر فيه من الفرح و السرور ما لم نره من غيره ...». انظر ص من الرحلة، و قد ذكرت الصحافة الإيطالية أن أعضاء السفارة المغربية تلقوا هدايا ثمينة. و قد أشار إلى ذلك الجعيدي ص و ذكر أنه امتنع على أخذها حتى تعرض على السلطان الذي هو صاحبها الحقيقي ليجود عنهم برضاه، ثم عادوا في أجود السفن الإيطالية إلى طنجة.

94

المشوقة لهذا الحدث لم يشر إليها ابن زيدان في «الإتحاف» و لا غيره، و التي تظهر بأسلوب مرح مواقف المغاربة المشرفة و التلقائية أمام المشاكل الطارئة التي تعتريهم أثناء مهماتهم السفارية.

الرمز كتعبير ثاني‏

استعمل الجعيدي الرموز أحيانا في فكاهاته الأدبية، عندما تحدث عن مقارنة لطيفة بين الجواهر الشقية و السعيدة عند حضوره حفلة شاي مختلطة بلندن، لاحظ خلالها أن النساء الحاضرات متزينات بالجواهر السعيدة في نحورهن و على رؤوسهن أما الشقي منها «.. فهو كالأسير في طبقات اللظى و السعير، يطلب لسان حاله الإنقاذ من محنه و أهواله ...» نتحسس منها بعض الرموز التي لم تفصح صاحب الرحلة عنها، ربما يرمز لحال المرأة و المال.

من تهكماته الهزلية

أولا: على الأوربيين لكثرة ما يعرضونه من أندر الأشياء في متاحفهم أنه لما رأى صورة سيدنا آدم و حواء وصفهما في رحلته و قال لهم: «... إن من اعتنائهم بهذه الأمور أن تكون عندكم بلغة نبينا آدم فأين هي، قالوا تركها في الجنة عند خروجه فلذلك لا توجد هنا ..».

ثانيا: و كختام لهذا الجانب بما قاله في حق السفير الزبيدي، أنه ذات يوم كانوا يمرون بالعربات قرب رجل مسن بلجيكي‏ «... فحين رءا الباشدور المغربي قفز

____________

(1) انظر الرحلة، و قد اهتمت الصحف البلجيكية و الإيطالية بشخصية السفير الزبيدي و وصفت ملامحه «... رجل مسن و جميل المحيا، ذو لحية بيضاء يلبس الجلباب التقليدي و العمامة البيضاء، و له ما يقارب الستين عاما، وجهه مجع يتحرك كثيرا و ضعيف، عينه متقدة، و يحمل معه على الدوام ابتسامة ...». صحيفة ابروكسيل البلجيكية. «... إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون ...». الرحلة:.

95

من موضعه و صاح صيحة عظيمة كأنه فاجأه أسدا أو حل به ما هو أشد ...».

و بهذا الجانب الفكاهي من الرحلة نختتم دراستنا لرحلة الجعيدي إلى أوروبا.

96

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

97

ديباجة المؤلف‏

/ 1/ بسم الله الرحمن الرحيم‏

و صلى الله على سيدنا و مولانا محمد و آله و صحبه و سلم‏

1 [حمدا لمن فضل هذه الأمة المحمدية على سائر الأمم ...]

حمدا لمن فضل هذه الأمة المحمدية على سائر الأمم، و شرفها باتباع شريعة سيد العرب و العجم، جعل فيها في كل ذ عصر إماما على هذه الشريعة ثابت القدم، يقاوم من بغى من أهل الملل و يسد ما انخرم، و يحذر عظماءهم مما يرتكبه نوابهم و من في حماهم من الخدم، من مجاوزة الحدود و رفض العهود، و ارتكاب موجبات التفاقم و أسباب الندم، إخمادا لنار الفتن، و استفادا من أهوال تلك الظلم. نحمده تعالى و نشكره أن جعلننا من خير أمة أخرجت للناس الذين يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، يسعون في الصلاح و السداد بين الأجناس، فازدادت شرفا على شرف،

____________

(1) خطبة الكتاب، يشير فيها المؤلف إشارة عارضة تلميحية إلى المهمة السفارية التي يشارك فيها، و تعمل أساسا على تنبيه عظماء الدول و ملوكها إلى ما يرتكبه نوابهم (القناصل ...) و من يحتمي بهم.

98

و اشتهر فضلها كنار على علم. من يهده الله فلا مضل له، و من يضلله فلا راد لما سبق القضاء في سابق القدم. و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا و مولانا محمد الآمر على لسان الشرع للوقوف عند الحدود و الوفاء بالعهود، تبشيرا لمن استسلم، و تحذيرا لمن تعدى و ظلم. و على آله و أصحابه القائمين بنصرته و إعلاء كلمته، القامعين شوكة من عاند و شتم، صلاة و سلاما تحط بهما عنا الخطايا الكبائر و اللمم، و تجر بركتها عاجلا بتوالي المنن و النعم، آملا بالحفظ من فضل الله من كل الأسواء و النقمذ. و بعد فيقول العبد الفقير إلى ربه الوجل من عظم وزره، و سوء كسبه، إدريس بن محمد بن إدريس بن عبد القادر الجعايدي الحسني.

/ 2/ أحسن الله بمنه عاقبته و أدام في مرضاته و طاعته عافيته، لما أشرقت في هذا القطر المغربي أنوار طلعة مولانا الأمير الأفخم، ذي الجناب المهاب الأعظم ناشر لواء العدل في الأقطار، المتلقى بالطاعة و الاستسلام في القرى و الأمصار، من أتته الإمارة طالبة و بايعته الحواضر و البوادي قاطبة، صاحب المفاخر التي شهد بفضلها الخاص و العام، و المآثر التي ترتفع على الثريا و تكاثر الغمام القائم بنصرة الدين، إمام الغزاة و المجاهدين، وارث مناصب الإمارة كابرا من كابر، و قد افتخرت بطلعته السعيدة على‏

____________

(1) أثبت المؤلف في المقدمة الأولى ما يلي: و جعل فيها في كل (وقت و أوان من يرد من بغى من أهل العلن أصحاب القوانين و الديون، و يحذر عظماءهم مما يرتكبه خلفاؤهم النواب من مجاوزة الحدود و الميل عن سبيل الصواب، خمدا لنار الفتن و الأهوال، و ارتكابا لأشرف الأحوال. نحمده تعالى و نشكره أن جعلنا من خير أمة أخرجت للناس، الذين يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و يسعون في الصلاح و السداد بين الأجناس، حسما لمادة البغي و الادناس، و إرشادا لسلوك سبيل العقلاء الأكياس، و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا و مولانا محمد الآمر على لسان الشرع الكريم بالوقوف عند الحدود، فمن تلقى ذلك بالإذعان و القبول، فاز من فضل الله بالمنى و المقصود، و من بغى و طغى فبئس الورد المورود، و على آله و أصحابه الحاملين لواء العدل الممدود، صلاة و سلاما دائمين متواليين بلا حد محدود. و نرجو من الله بركتهما في اليوم المشهود) و بعد ... ثم رأى أن يغير ذلك بفقرة فنية مسجعة كتبها بنفس الخط في الهامش نسخة للفقرة المذكورة.

99

الأوائل الأواخر، السالك سبيل العدل على أوضح سنن.

الشريف العلوي علامة زمانه سيدنا و مولانا الحسن‏، خلد الله ملكه، و جعل الدنيا بأسرها ملكه، و أدام سعادة أيامه، و جعل البسيطة قبضة يده و طوع أحكامه و لا زال لواء عدله المنشور إلى يوم النشور. بادر أهل المودة من الروم‏ بالنهوض و القدوم‏، على هذا الإمام، الليث المقدام، بتهنئة سيادته باستقراره على كرسي الملك الموروث خلفا عن سلف و ارتقائه معارج العز و المجد و الشرف، سائلين تجديد عهود تمهيد طرق الرشاد بما يعود نفعه على الدول من الصلاح و السداد، اقتفاء لما أسسه أسلافه الكرام و وصلا لتلك العقود من غير انصرام، فنالوا المنى من عدله، و بسط عليهم أردية نواله و فضله. و بعد رجوع كل منهم‏ لأوطانه، و تبليغه/ 3/ ما كلف به‏

____________

(1) الحسن بن محمد بن عبد الرحمان العلوي، أو الحسن الأول تولى ملك المغرب سنة 1873 م، وارثا عن والده العديد من المشاكل السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، العاصفة بسيادة المغرب و استقراره، و ذلك في جو من التشتت الداخلي و التنافس الخارجي، فعمد داخليا إلى إصلاح هياكل المخزن و تجديدها مع قمع كل الفتن و الثورات الداخلة، و خارجيا عمل على الانفتاح التدريجي عن أوربا بإرسال البعثات العلمية و استيراد الأسلحة لتقوية الجيش المغربي و تنشيط العمل الدبلوماسي و تكثيفه لمواجهة التسرب الأوربي الاستعماري إلى داخل المغرب. توفي سنة 1894 م. «الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى»، 9: 274، الدار البيضاء، سنة 1954 م.

(2) يقصد الأوربيين، و هذه الكلمة أكثر تلطفا مما استعمله باقي الرحالة المغاربة لأوربا خلال القرن 19 م، مثلا نجد في رحلة الصفار التطواني إلى فرنسا صحبة السفير أشعاش ينعتهم بالكفار و عبدة الأوثان و أهل الضلال، و عند الطاهر الفاسي في رحلته الإبريزية ينعتهم بالقوم الكافرين، و عند أحمد الكردودي في تحفته السنية بالنصارى و أعداء الدين و غير ذلك.

(3) استقبل السلطان الحسن الأول و هو ما زال ولي العهد السفير الفرنسي المقيم بطنجة السيد طيسوTis -so في أبريل سنة 1873 م، و السفير الأنجليزي هاي ادريموند هاي بفاس في أبريل سنة 1875 م، كما استقبل فيما بعد سفراء إسبانيا و البرتغال و ألمانيا و غيرهم. الذين قدموا لتعزيته و تهنئته بتولية عرش المغرب.

(4) يقصد أهل المودة من الروم، و كان السياق يقتضي أن يقول: و بعد رجوع كل منهم.

100

لدولته و سلطانه، اقتضى نظر مولانا السديد، و رأيه الموفق الرشيد، أن يرسل لهؤلاء الأجناس- الذين وفدوا على حضرته الشريفة- سفيرا من خاصة خدامه المقربين، و خدام أسلافه المقدسين المنعمين، و يتوجه معه إليهم كاتب و أمين، و نفر من جيشه السعيد من ذوي الوجاهة و التمكين، ليجازي أولئك الأجناس على ما صدر منهم من الاعتناء بجانبه العالي بالله، كما هي العادة في ذلك و سعيا في طاعة مولانا، و ليشرح هذا السفير لعظمائهم حال بعض نوابهم من نقض بعض العهود، و رفض بعض الشروط التي أسست على السنن المعهود، فوقع اختياره أعزه الله على خديمه الأنصح، و خديم أسلافه الأنجح الأملح الفقيه النزيه الذكي النبيه، السيد الحاج محمد بن المرحوم السيد الطاهر الزبدي الرباطي أصلا، خديم أعتابه الشريفة و أعتاب أسلافه الكرام، ثبت الله قدمه على تلك الخدمة الشريفة من غير انصرام، و لشهرته استغنيت به عن التعريف، إذ التعريف به مع جليل مرتبته قد يكون فيه تحريف أو تعنيف، و عينه- أعزه الله- لأن يوجهه إليهم باشدورا و سفيرا، و يحمله أسرارا إليهم و يكون في ذلك معينا و ظهيرا لما تحقق لديه- أيده الله- من أهليته لذلك، و تقديمه على غيره في هذا الباب ممن هنالك، و فوض إليه- أعزه الله- أن يعين كاتبا من خدامه أهل سلا، و أمينا من رباط الفتح من أهل المروءة و اليقظة و العلا. ثم إن هذا الباشدور تفاوض- كما قيل- مع بعض أعيان أهل الرباط، و كان ممن/ 4/ لهم في جنابنا محبة و اغتباط، في شأن هذا الكاتب الذي يقوم بتلك الكلفة، و يراعي حقوق المعاشرة و الألفة، فأشاروا عليه بصاحب هذا التقييد، و بالغوا في إطرائه بما

____________

(1) تصاعد تنافس النواب الأجانب بالمغرب في منح الحماية القنصلية بطرق غير مشروعة، و بالتالي خلطوا بين سياسات حكوماتهم و بين مصالحهم الخاصة و جمعوا بينهما فصاروا يتجرون في الحماية علانية مخالفين بذلك نصوص المعاهدات و الاتفاقيات التي تربطهم بالمخزن المغربي.

(2) كلمة إسبانية معناها سفير و هي تكتب‏Embajador و تنطق اليوم في لغتهم امباخضور.

(3) الرحلات السفارية لا تحتوي على معلومات صريحة عن موضوع السفارة و أسبابها، لأنها تعتبر ذلك من قبيل أسرار الدولة، التي لا تذاع على الجمهور في حياة المؤلف، و إنما تؤخذ المعلومات عن العلائق الدبلوماسية من الوثائق و المذكرات الرسمية المتبادلة بين رؤساء الدول و الوزراء و السفراء ..

101

ليس عليه مزيد مع أنه عن هذه الرتبة لبعيد، بل هو في ميدانها قصير و بليد، و لكن حملهم حسن الظن على تلك الإشارة، فساعدهم في غير برهان واضح و لا أمارة، و في الحين وجه الباشدور كتاب‏ مولانا الشريف لخديمه الأسعد الأنصح الأنجد، ذي الرأي السديد، القائد السيد الحاج محمد بنسعيد، بتنفيذ الكاتب الذي يعينه الباشدور من الأهلة و البدور، و عين له الكاتب الذي أشاروا به عليه، و أن يرسله عاجلا إليه، ليكلمه في شأن ذلك علانية، و ليأخذ بالحزم و التأهب و يكون من ذلك على نية. فأخبرني الخديم المذكور بهذا الخبر، و طالعني بذلك الكتاب الشريف فقلت أين السها من القمر، فلست من أولائك الفرسان، و ليس لي قلم و لا لسان، و يعرف هذا مني كل إنسان. فقال لا يقبل لك في هذا عذرا، و المعين أعرف بحالك و أدرى، فأجب من دعاك طوعا، فأنت معروف بالصبر و الاستسلام دأبا و طبعا. ثم توجهت إلى الباشدور فتلاقيت به و مخائل السرور عليه تدور، فأخبرني بخبر هذه الحركة السعيدة، و أنها قصيرة الأمد غير بعيدة. و دفع لي من الزاد، للتهيئ ما فيه الكفاية و غاية المراد، و أخبرني أن مولانا- أيده الله-، و أدام مجده و علاه، أمر بصنع كساوي‏

____________

(1) انظر نص هذا الكتاب الدراسة.

(2) ينتمي الحاج محمد بن الحاج محمد بن الحاج محمد بن أحمد بن أحمد بن سعيد السلاوي، إلى أسرة بن سعيد المشهورة بسلا، و المنحدرين من الأندلس، و تعتبر من العائلات المغربية المخزنية، كان أول منصب تقلده الحاج محمد بن سعيد في خدمة المخزن، هو أمانة مرسى آسفي ثم عين على رأس باشوية سلا و نواحيها سنة 1277 ه/ 1861 م و في سنة 1865 م أرسله السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن صحبة السفير محمد بن عبد الكريم الشركي إلى ملك فرنسا نابليون الثالث (1808- 1873 م)، و توفي الباشا الحاج محمد بنسعيد و هو ما زال يشغل منصب الباشا بمسقط رأسه سلا يوم 8 ربيع الثاني 1310 ه/ 30 أكتوبر 1892 م، كما تشهد على ذلك رسالة السلطان الحسن الأول إلى ابن الفقيد عبد الله بن سعيد يوليه باشوية سلا خلفا لوالده بتاريخ 13 نوفمبر 1892 م، و الذي عين في ما بعد عضوا بدار النيابة السلطانية بطنجة.- العدد العديد من الظهائر السلطانية المتعلقة بعائلة آل بن سعيد توجد بخزانة الحاج العربي بن سعيد بسلا-. نشر الكثير منها مصطفى بوشعراء في جزءين «التعريف ببني سعيد السلاويين و بنبدة عن وثائقهم»، الرباط، سنة 1991 م.

102

منتخبة بفاس/ 5/، له و لمن معه من الناس، و أنها تدفع بطنجة لأصحابها، للتجمل بها في ذهابها و إيابها، فتلقيت منه ذلك الزاد، بالشكر و الثناء كما هو المعتاد، بعد ما أطال معنا في ذلك الكلام، بما يسرنا و انصرفنا بسلام.

و أما الأمين الذي ارتضاه لهذه المرتبة، و اصطفاه بهذه القربة، فهو التاجر الصادق الحازم الضابط الفائق، الذي فاق في باب التجارة كل من يدعيها، و سلم له تلك الخاصية كل من يزعم أنه يحيط بها و يعيها، كيف لا و قد ظهرت عليه أمارات ذلك و هو شاب غلام، و هذا الطالب‏ النجيب السيد بناصر غنام، فلمعمري أن هذا الباشدور قد سقط على الخبير، و أنه بحاله خبير بصير، و لقد أسكن الدار بانيها، و مكن القوس لباريها، ثم لما شاع هذا الخبر في البلدان، و تواتر حتى لدى الولدان، و سمع به بعض علماء بلدتنا، الغائبين عن حضرتنا، و كان من خاصة أهل محبتنا، علامة الزمان، الأديب الفرد في هذا الأوان، قرة ناظري، و إنسان باصري، المشارك المتفنن سيدي أحمد الناصري‏ أحمد الله عاقبتي و عاقبته، و جعلني و إياه ممن يخشاه و يراعي مراقبته، اقترح علي أن أجعل رحلة في سفري و تستغرق نهاري و سهري، تكون جامعة لكل خبر غريب، و لما نراه في تلك الأوطان من كل أمر عجيب، إلى غير ذلك مما لا يخطر بالضمير حتى تكون قائمة مقام الأنيس السمير/ 6/. فكتبت له مجيبا، إني ليست راكبا في هذا المجال حمارا و لا نجيبا، فكيف يا سيدي تلقيني في هذه الوحلة و تقترح علي تلك الرحلة، و إني ذو باع‏

____________

(1) أصلها طالب العلم، و تعني المثقف أو العارف بالقراءة و الكتابة كان ينعت بها الموظفون المخزنيون أما الوزراء و السفراء فيطلق على الواحد منهم الفقيه.

(2) المؤرخ أحمد بن خالد الناصري السلاوي سني الطريقة، شديد الإنكار على أهل البدع مندد بالطوائف و أرباب الأهواء، من آرائه الرجوع إلى كتب السلف المدونة أيام ازدهار العلوم و إحياء ما اندثر منها كالطب و الفلسفة و التاريخ و ما إليها، تنقل في عدة وظائف بأنحاء المغرب، كان يتراسل أثناءها مع الكاتب إدريس الجعيدي السلاوي، و توجد مقدمة رحلة الجعيدي ضمن مخطوطات الخزانة الناصرية حسب فهرس الخزانة المذكورة تحت رقم 191، و قد وجه له الجعيدي رسالة أخرى حول فن الموسقى «الاستقصا»، م. س، 1: 32.

103

قصير، و لست أعد من أصحاب هذا الشأن في عير و لا نفير.

لكن سأجعل بحول الله تقييدا، يكون في بابه مفيدا، يشتمل على ما يستغرب من الأخبار، و تميل النفس إليه من عجائب تلك الأمصار، و أجبته بمضمن ذلك تسلية لخاطره، من باب الوعد الذي لا يجب الوفاء به، لاعتقادي أني لا قدرة لي على ذلك التكليف، و لقصوري عن رتبة التصنيف، و بمثله اقترحه علينا و نحن بطنجة الأمين الأخير، الصادق الأطهر، الجامع لأنواع الفضائل و الفواضل في كل مقام، الطالب الأخير السيد عبد القادر غنام‏، فذكرني ذلك الوعد، و كنت معه ساهيا و كاد يكون عندي نسيا منسيا، و كتب كذلك الآخر يذكرني خوف النسيان، و يتعاهدني في شأنه بعض الأحيان، فتبين أن لا بد من المساعدة، و أن لا محيد عن تقييد ما تقتضيه المشاهدة إذ ذاك أولى من أن أولي الأدبار، أو أعتذر أني لست من أولائك الأحبار، فشرعت إذ ذاك في هذا العمل، طالبا من الله الإعانة على بلوغ المنى و حصول الأمل، و جعلت أقيد ما أراه على سبيل العيان، و أدع ما ضاع الوقت عن تقييده في بعض الأزمان‏، و هكذا دأبي حالتي الإقامة و الظعن، مساعدا لطالبه و مستقلا من شتم و طعن، و دمت على ذلك في مدن الروم و أمصارها حتى/ 7/ استحسن ذلك الحال الحذاق‏ من الدول و أعيان أنصارها، فجاء تقييدا شاملا لكل غريبة أدناها و أقصاها، لا يغادر كبيرة أو صغيرة إلا أحصاها، و سميته إتحاف الأخيار

____________

(1) عبد القادر غنام الرباطي، عينه السلطان الحسن الأول أمينا بفاس بعد إبعاد الأمين محمد بن المدني بنيس سنة 1291 ه/ 1874 م، ثم كلف بتسجيل المدخولات بالعدوتين صحبة الأمين محمد مخا التازي سنة 1293 ه، ثم انتقل للعمل بطنجة حيث التقى بالجعيدي و ذكره بضرورة تسجيل تفاصيل رحلته السفارية، توفي الأمين عبد القادر غنام عام 1313 ه. (انظر جواب رسالة التعزية لمحمد بركاش التي توجد بالمكتبة العامة بتطوان، رسائل وزارية، محفظة رقم 33).

(2) ستأتي في ما بعد أمثلة لبعض ما أغفله الجعيدي في رحلته، و أثبتته مصادر أخرى.

(3) أثار الجعيدي بفضوله و شغفه في تسجيل كل ما يثير انتباهه بالبلاد الأوربية، انتباه الأجانب و استحسانهم لعمله هذا، فعملوا على مساعدته على فهم و إدراك بعض الأنظمة و المستحدثات لينقل تلك المعلومات في رحلته.

104

بغرائب الأخبار و رتبته على مقدمة و ستة أجزاء و خاتمة. فالمقدمة في بيان الأجناس الذين وجه إليهم مولانا- أيده الله- هذا الباشدور و من معه، و ذكر المدن التي دخلنا إليها من بر الروم و غيرها و مدة الإقامة و السفر من مدينة إلى أخرى برا و بحرا. و أما الأجزاء الستة فإن كل جزء منها يشتمل على أخبار و غرائب و فوائد و عجائب، و الخاتمة- رزقنا الله حسنها- في بيان معتقدنا في ذلك، و التبري‏ مما يتحدث به العوام الذين يجولون في بلاد الروم من مدح أحوالهم و حمد قوانينهم و افتخارهم بذلك، نعود بالله من هذا الاعتقاد و نسأله العصمة و التوفيق إلى سبيل الرشاد، و الثبات على طاعته و مرضاته و أن يجعلنا من الآمنين يوم الحشر و المعاد.

2 أقوال طالبا من الله الإعانة و بلوغ المأمول ...

أقوال طالبا من الله الإعانة و بلوغ المأمول، كان شروعنا في هذا التقييد حيث كنا بطنجة و تجددت الكتابة إلينا و الطلب في شأنه كما قدمنا ذكر ذلك. لكن ينبغي أن نلحق هنا أولا بيان وقت خروج الباشدور من الرباط، وقت خروجنا بعده إلى وصولنا لطنجة، بحسب ما علق بذهني الآن.

أما خروج الباشدور و نهوضه من رباط الفتح إلى الحضرة الإدريسية/ 8/، وقاها الله و حرسها من كل بلية، فكان في يوم الاثنين السادس من ربيع الثاني‏ عام أربعة و تسعين و مائتين و ألف‏، لغرض مولوي هنالك ثم يتوجه منها إلى ثغر طنجة

____________

(1) يسمي هذه الرحلة- خطأ- كل من أحمد النصاري و عبد الله الجراري و أحمد الصبيحي في كناشه الفالودج. «تحفة الأحبار بغرائب الأخبار».

(2) هذا الموقف من المؤلف يطرح إشكالية موقفه من الحضارة الأوربية التي يتحدث عنها في مخطوطة بلهجة إيجابية توحي بالتبني بعيدا عن الانبهار الغيبي، و في نفس الوقت يعارض من يفتخر بها و يعتبره خارجا عن الطريق المستقيم، فالمؤلف يفرق بين الصنائع المستحدثة من جهة و بين طريقة عيش الأوربيين كالنصارى و احتكامهم إلى قوانينهم غير الشريعة الإلهية، فيستحسن الأولى و يستنكر الثانية مستعيذا بالله ممن يغتر بهذه الأشياء.

(3) 1 ماي سنة 1876 م.

(4) سبق قلم، إذ كان خروجه عام 1293 ه/ 1876 م.