إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار

- إدريس الجعيدي المزيد...
479 /
105

المحروسة بعناية الله بوجود مولانا- نصره الله- و كان هذا الباشدور المذكور عين لنا اليوم الذي يكون نهوضنا فيه من العدوتين إلى طنجة ليكون دخولنا معه إليها في يوم واحد بحول الله، و تأخر نهوض مقيده مع الأمين المذكور ليوم السبت الخامس و العشرين من ربيع‏ المذكور، و خرجت من بيت سكناي بعد صلاة ركعتي الضحى به و تلاوة ما ينبغي للمسافر قراءته عند خروجه من منزله و هو: «بسم الله الرحمن الرحيم لا تخف دركا و لا تخشى، لا تخف نجوت من القوم الظالمين، إنك من الآمنين. لا تخف و لا تحزن، لا تخف إنا منجوك. لا تخافا إنني معكما أسمع و أرى لا تخف نجوت من القوم الظالمين. و الله يعصمك من الناس. إنا كفيناك المستهزئين فسيكفيكهم الله و هو السميع العليم، و لا حول و لا قوة إلا بالله العظيم، لبست ستر الملك العظيم، و تحصنت بإسمك القديم الأزلي، و ترديت برداء عائشة أم المؤمنين، و تقلدت بسيف علي، و دخلت في خزائن بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين إلى آخرها».

و كنت تلقيت هذا عن الشيخ الجليل الشريف الأصيل العارف بالله سيدي محمد الدباغ الفاسي نفع الله به و بأسلافه‏ و ذلك في أواسط شعبان عام سبعة و سبعين و مائتين و ألف، و كان إذ ذاك بسلا، حرسها الله من كل بلا، و كنا نتأهب للسفر لحج بيت/ 9/ الله الحرام و زيارة قبر نبيه عليه الصلاة و السلام، و كان أفادني هذا الشيخ الجليل إذ ذاك أن من تلا ذلك وقت خروجه مسافرا فإنه لا يلقى إلا خيرا، و لا يرى‏

____________

(1) 20 ماي سنة 1876 م.

(2) عثرت في خزانة بيت ابنه سيدي عبد القادر بن إدريس الجعيدي الكائنة (باب احساين بسلا) على كناشة لصاحب الرحلة بخط يقول: «في يوم 8 شعبان عام 1279 ه أفادنا الشيخ ... سيدي محمد الدباغ ... إذا أردت السفر فاقرأ الفاتحة 3- و قل اللهم احفظني و احفظ ما معي و بلغني و بلغ ما معي، ثم اقرأ سورة الإخلاص 3، ثم قل مثل ذلك ثم اقرأ آية الكرسي 3، ثم قل مثل ذلك، فإنك إذا قلته حفظت و من معك».

(3) (روى عن والده الفقيه العلامة سيدي عمر، و أن ذلك مروي عن سيدي عبد الله البرنوي). نفس الكناشة السابقة.

106

مكروها في سفره، فكان الأمر كذلك و الحمد لله. و خرج لوداعنا جماعة من الأخلاء و الأصدقاء و الأحباب من أهل العدوتين و الخاصة من أعيان البلدتين، و ودعناهم بعد مجاوزة الأجنة، و استوهبنا منهم صالح الدعاء و أرسلنا الأعنة، و بتنا الليلة الأولى و الثانية عند بعض أحبتنا من أهل قبيلة الغرب. و في يوم الاثنين السابع و العشرين‏ من الربيع المذكور في الساعة التاسعة منه. وصلنا لضريح الولي الأشهر سيدي أبي سلهام‏ نفع الله به، فاغتنمنا زيارته كما ينبغي و استرحنا هناك هنيئة، ثم جددنا السير و كان وصولنا لمدينة العرائش بعد صلاة العصر بقريب، و حين أشرفنا على الدخول إليها قدم الأمين التاجر السيد بناصر السابق ذكره فارسا بكتابه لعامل العرائش‏ يطلب منه تعيين محل نبيت به الليلة القابلة، فعينه وجدناه من أشرف الأماكن المخزنية هناك، و وجه ما لا بد منه من الإكرام، و في الحين اكتشف خبر قدومنا الأمينان‏ الفاضلان السلويان الطالب السيد الحاج محمد بن القايد السيد أحمد زنيبر و ابن عمه الطالب السيد عبد الهادي بن القايد الطالب السيد ...

____________

(1) الأحد 26 ربيع الثاني/ 21 ماي 1876 م.

الاثنين 27 ربيع الثاني/ 22 ماي 1876 م.

(2) 22 ماي 1876 م.

(3) (... يوجد ضريحه .. عند مصب وادي الخضر .. جوار مدينة سوق الأربعاء الغرب أصله من مصر تدل عليه النسبة، و اسمه عثمان و كنيته أبو سعيد و كنية الكنية أبو سلهام .. و بها يعرف عند العامة .. و هم يقصدونه للتبرك و الاستشفاء من العاهات ..) و كانت وفاته سنة نيف و أربعين و ثلاثمائة. انظر ترجمته عند: أعلام المغرب العربي، عبد الوهاب بن منصور، ج 2: 187؛ الناصري، الاستقصاء، 1: 193 و 194؛ مرآة المحاسن، أبو عبد الله محمد العربي الفاسي: 40.

(4) الحاج علي بن محمد العرائشي سنة 1862 م بعد أن كان في سلك الأمناء، و حتى سنة 1877 م، كان لا يزال عاملا على العرائش و أصيلا. محمد داود، تاريخ تطوان، 5: 51؛ عبد الرحمان ابن زيدان، إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، 2: 397، الطبعة الثانية، 1990 م.

(5) شغل السلاويون العديد من المناصب المخزنية. «كتابا .. و حسابا أمناء .. بمراسي الإيالة المولوية منهم حصة وافرة من العدول و الأمناء يقومون بضبط الداخل و الخارج بها ..» الإتحاف الوجيز، ابن علي الدكالي: 30.

107

نصّ الرّحلة

الجزء الأول:

/ 10/ ذكر الدخول لثغر طنجة و مدة المقام فيها إلى الوصول لمرسيلية

ففي يوم الأربعاء التاسع و العشرين من ربيع‏ الثاني دخل إليها الفقيه الأسعد الذكي الأنبل الأرشد خديم سيدنا المنصور بالله أدام علاه، الباشدور الذي لا زالت ضروب السعادات، و لسيادته تسدى، و على يده الكريمة أنواع الفتوحات، تظهر و تبدي، أوحد النبلاء سيدي الحاج محمد الزبدي أبقاه الله محفوظا بعين الإجلال و الإقبال ملحوظا بمنه آمين. و كان دخوله للثغر المذكور في ضحى اليوم المشار إليه، و حيث أشرف على الدخول و تحقق بذلك عامل البلد خديم مولانا المؤيد بالله الباشا الأطهر المسن‏

____________

(1) 24 ماي 1876.

108

الأكبر السيد أجلالي بن حم‏ أعانه الله و سدده، ركب من معه هناك من الجيش السعيد و العسكر الجديد و خرج لملاقاة الباشدور المذكور اهتماما بشأنه، و تنويها بمكانته و قدره، و تلاقى معه هناك خارج البلاد، و دخل مصاحبا له مع من ذكر من الجيش و العسكر السعديين إلى المحل المعين لنزوله و هي دويرة رياض قصبة المخزن هناك.

فنزل بها حامدا لمولاه، على ما خوله من منن العافية و أولاه. و بعد غروب شمس اليوم المذكور ظهر هلال جمادى الأولى الموالي لربيع الثاني‏ المذكور، فتبين أن دخول الباشدور المذكور لذلك الثغر كان بعد مفارقة جرم القمر لجرم الشمس و انفصاله عنها و شروعه في الاستمداد من نورها، و في ذلك من الدلائل الواضحة عند أرباب ذلك‏

____________

(1) الباشا الجيلاني بن حم البخاري المكناسي: «حاله بطل شجاع ... فقيه ماهر في فن الحساب و الوقت ... خرج بأهله من مكانة ... آخر الدولة السليمانية ... إلى أن تم الأمر للسلطان مولاي عبد الرحمن ... رجع لمكناسة ... و نظمه في سلك خاصة حاشيته إلى أن أسند إليه رياسة مشوره ...

خلفه من بعده السلطان سيدي محمد ... فرشحه لعمالة مراكش ثم رده لوظيفة رياسة المشور، و تولى عاملا على الزراهنة، ثم ولاه ولده السلطان مولاي الحسن الأول عاملا بفاس. بعد ... واقعة ابن المدني بنيس الشهيرة و ذلك عام 1290 ه». ابن زيدان، الإتحاف، 2: 110. ثم عينه عاملا على طنجة في الوقت الذي تزايد فيه مدى عتو سيرة بعض الدبلوماسيين و تجرئهم على الحكام الشرعيين.

و وقعت له العديد من الاصطدامات مع أعضاء السفارة الفرنسية بطنجة سنة 1294 ه. دورية مديرية الوثائق الملكية، الرباط، العدد 4: 56. و توفي سنة 1295 ه بطنجة.

(2) الأول يقصد به الجيش المغربي التقليدي الذي تعرض لهزيمتي إيسلي و تطوان، فأرغم المخزن المغربي على القيام بتجديده، في البداية على نسق نظام الجيش التركي الحديث. إتحاف أعلام الناس، 5:

238، 239؛ و العز و الصولة في معالم نظم الدولة، الرباط، (1962، 2: 214، 215) منذ عام 1261 ه. و كثيرا ما كان يطلق عليه إسم «العسكر» الجديد أو النظام (كشف الغمة: 15) فأخذ يباشر مهمته إلى جانب الجيش المغربي التقليدي و أحدث لهذا العسكر وزارة على حدة يدعى صاحبها العلاف الكبير، و كان لهم لباس خاص من الملف الرفيع (إتحاف، م. س 3: 568).

(3) الخميس 25 ماي 1876 م.

109

الفن الدالة على السعادة الكبرى له في هذه الوجهة المباركة، و لا يقال أن خروجه من حضرة فاس كان في أواخر الشهر المذكور، و كان الهلال إذ ذاك مشرفا على الدخول تحت شعاع الشمس، و ذلك الوقت ينهي عنه أرباب ذلك الفن من الشروع في الأمور المهمة كالسفر و الزواج و غيرهما لأنا نقول: ليس ذلك أي خروجه من فاس/ 12/ خروجا حقيقيا إنما هو انتقال من محل لآخر على حسب مقتضيات هذه الوجهة السعيدة، و الخروج الحقيقي‏ كان تقدم قبل ذلك في الحضرة العالية بالله بحمراء مراكش- حرسها الله-. و لا شك أن أفعال العقلاء مصونة عن العبث.

دخول الرئيس و مرافقيه لطنجة

رجع. و في فاتح جمادى الأولى المذكور دخل للثغر المذكور الأمين الأمجد، الحازم الضابط الأنجد، الذي صلحت بفضل الله أحواله و نشأته، و تميزت بمنه و كرمه مروءته و ديانته و نجدته، ذو الأيادي و الإنعام، و وافر الفضل و الإكرام التاجر الطالب السيد بناصر غنام أصلح الله حاله و حالنا في سائر الأحوال، و كان بجميعنا معينا و حافظا في الإقامة و الارتحال، مصاحبا له مقيده تولاه مولانا الكريم الرؤوف الرحيم.

و حين أشرفنا على الدخول لطنجة أنهض الأمين المذكور فارسا كان معنا بكتاب‏

____________

(1) يقصد علم المنجمين و غيره من العلوم التي تهتم بوصف الأجرام و أبعادها و حركاتها و كيفية رصدها، و يستخدم كذلك في معرفة المستقبل، و طبائع الأوقات من نحوس و سعود (دائرة المعارف، المجلد 7:

481).

(2) كانت الانطلاقة الأولى من مراكش سنة 1292 ه، مقتصرة على دولة فرنسا، و قد أخبر بذلك القائم بأعمال فرنسا بطنجة من قبل النائب محمد بركاش في غشت عام 1875 م «إلا أن بعض الحوادث قد أخرت تطبيق المشروع إذ لم يغادر مندوب السلطان مدينة طنجة إلا في السنة التالية عام 1876 م».

و نحو أربع دول أوربية انطلاقا من مدينة فاس. (جاك كيلي، السفارات و البعثات المغربية إلى فرنسا)، مجلةHesPeris -Tamuda ، العدد 6 عام 1961 م.

(3) 25 ماي سنة 1876 م.

110

يخبره بإشرافنا إلى الدخول، فطار به و رجع و صادفنا قرب باب/ 13/ المدينة، فرجع معنا متقدما أمامنا و نحن في أثره قاصدين محل النزول الذي تقدم ذكره، إلى أن وصلنا إليه سالمين، و لمولانا سبحانه حامدين شاكرين. و بعد هنيهة تلاقينا بالباشدور المذكور مهنئين لسيادته بسلامته و عافيته‏، فسر بقدومنا و انبسط، و ارتفع عنه ما كان يتوهمه بتأخيرنا حسبما ذلك مضى و فرط، و وجدناه نازلا بقبة الدويرة المذكورة، و فيها قبالة الداخل إليها صالة مزخرفة ذات سراجم‏ كبار لها دفف‏ من الساج‏ و أخرى من الزاج‏ مشرفة على الأسد الضاري بغاز البحر الجاري‏.

و هناك نظرة فائقة، و مسرة للقلب رائقة، فحين رأينا ذلك المنظر البهي و الرونق الشهي، أخبرنا الباشدور المذكور أنه عينه لنزولنا فيه مع أنه مرتفع من مقعده، فكان اللائق بمنصبه أن يكون منزله به لمناسبته لمرتبته العظيمة، و إنما تأخر عنه و رفعنا إليه رفع الله/ 14/ قدره، برورا منه و واضعا، خلد الله في الصحائف مآثره الحسنى و ذكره، و أخبرنا رعاه الله أن نائب مولانا المفوض إله المعول في الأمور البرانية عليه، قطب العقلاء، و أوحد النبلاء، ذا الرأي السديد و الجد و الإجتهاد السديد، الذي انتعش بتصدره لتلك الرتبة غربنا أتم انتعاش.

____________

(1) سفيري فرنسا بطنجة أخبر وزارته بباريس بقدوم السفير الزبيدي إلى طنجة، مع تقرير مفصل عن مرافقيه. طنجة 27 ماي عام 1876 م.

M. A. E. F.( A. D ), CorresPondance Politique. Maroc, Volume 04, Folio 151, 251.

(2) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

(3) نفس الملحق: 4.

(4) نفس الملحق: 4.

(5) نفس الملحق: 4.

(6) مضيق جبل طارق يربط بين البحر المتوسط و المحيط الأطلسي.

(7) نفس الملحق: 4.

111

الفقيه سيدي محمد بركاش‏ أدام الله إليها انتصابه، و أبقى له و لأعقابه لتلك الرتبة انتسابه. قدم في الساعة العاشرة من يوم الخميس‏ فاتح جمادى المذكورة في البابور، لأنه كان تركه برباط الفتح‏ و حين قدم الباشدور المذكور لطنجة و لم يجده بها ضاق صدره لأنه كان متوقفا عليه في أمور مهمة، و أعظمها غرض مهم يتوقف سفرنا في البحر عليه و لا يتأتى بدونه، و كان يقال بقدوم الفركاطة للسفر بعد أربعة أيام، و ذلك الغرض متعذر لا بد فيه من مراجعة الحضرة العالية بالله، و لا أقل في مدة/ 15/ المراجعة و حصول ذلك الغرض من نحو نصف شهر، و انظر ما يترتب على مقام الفركاطة التي ترد للسفر جل تلك المدة. و بقدوم النائب المفوض إليه المذكور دبر برأيه السديد و دهائه الفريد، في حصول ذلك الغرض من غير

____________

(1) ولد بالرباط سنة 1225 ه/ 1808 م و هو ينتمي إلى أسرة أندلسية عملت بعد هجرتها في أسطول الجهاد، اشتغل منذ صغره بالتجارة في مدينة جبل طارق، ثم عين عاملا لمدينة الدار البيضاء، و بعد حرب تطوان أعفى محمد الخطيب نائب السلطان في الشؤون الخارجية و عين محمد بركاش مكانه حوالي 1862 م، مثل المغرب في عدة سفارات إلى الخارج، و في مؤتمر مدريد سنة 1880 م كما ضربت على يده السكة المغربية في الخارج، و اشتري بواسطته و واسطة ابنه الحاج محمد، السلاح الحديث للجيش المغربي، و ما زال في منصه حتى ساءت حالته الصحية و ضعف بصره، فسافر إلى أوربا للتداوي، و بدأ ينوب عنه في غيبته الحاج محمد بن العربي الطريس، إلى أن مات سنة 1303 ه/ 1886 م و دفن بمقبرة العلو بالرباط في الروضة المعروفة لأسرته. (الوثائق الملكية، عدد 4: 20 و 21).

(2) 25 ماي سنة 1876 م.

(3) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

(4) كان بركاش ينتقل بين الرباط و طنجة بحرا لأن الطرق البرية كانت غير آمنة على النفس و البضاعة تتطلب زمنا طويلا لأن الحمل كان على البغال و الجمال. مصطفى بوشعراء، الاستيطان و الحماية، 1:

392).

(5) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

(6) القصر السلطاني بفاس.

112

مراجعة و لا توقف، و ما ذلك بأول بركاته، و لا بنقطة من فيض بحر ذكائه، و هذا من سعادة الباشدور المذكور التي اكتسبها و اقتبسها من سعادة مولانا المنصور، ضاعف الله نصره و تأييده بتضاعف الأعصار و الدهور، و أبقى له و لأعقابه الكرام البررة كمال الاستيلاء و تمام الظهور. و بعد استقرار الباشدور تلاقى‏ بنواب الأجناس و تلاقوا به حكم قوانينهم. و في يوم الجمعة ثاني جمادى المذكور، ركبنا معه بعد الصلاة لزيارة ولي الله الأكبر ذي السر الواضح الأشهر و الكرامات الباهرة و الأسرار المشاهدة الظاهر الذي أقر بولايته كل غني/ 16/ و محتاج العارف بالله تعالى سيدي محمد الحاج‏ أفاض الله علينا من بحره الزاخر، و أمدنا من مدده العميم الوافر، فزرناه زيارة راغب خاشع، بتدلل و قلب خاضع. و لمقامه (قدس الله سره) هيبة ربانية و سطوة عرفانية، رضي الله عنه مستغنية عن التعريف. و من يكن في مقام التعريف ففي‏

____________

(1) دون مراجعة السلطان بفاس و ذلك لربح الوقت و المصاريف و تجنب المماطلة الإدارية المخزنية.

(2) سفير فرنسا بطنجة أبرق إلى وزارته بباريس بوصول السفير الزبيدي إلى طنجة، و أنه أجرى معه لقاءين تعرف خلالهما على الرسالة التي يحملها إلى رئيس الجمهورية و ما تحتويه من مطالب و موقفه منها. طنجة 27 ماي 1876 م.

M. A. E. F( A. D ), Corresoendance oilitique, Maroc, Volume 04, Falio 351.

(3) 26 ماي سنة 1876 م.

(4) محمد الحاج المدعو بوعراقية، دفين مدينة طنجة توفي سنة 1130 ه. و قد حبس أملاكه على ضريحه و نسبه: محمد الحاج بن عبد الله الحاج بن عيسى ابن محمد الحاج صاحب زاوية فاس بن علال الحاج يتصل نسبه بالمولى إدريس. المكنى «بو عراقية الخضراء» لما كان يتوج به رأسه من قلنسوة منسوبة إلى القطر العراقي، رمزا و اشعارا إلى انتسابه إلى دفين النجف سيدنا علي بن أبي طالب، ولد هو و أخوه سيدي الحاج الغزاوي بقبيلة بن حسان، ثم انتقل القطبان إلى قبيلة الأخماس، في عهد أسد الدولة العلوية مولاي إسماعيل، نقلهما إلى ثغر طنجة للجهاد في سبيل الله، التي كانت محتلة من طرف الأنجليز، و هناك التقيا بالمجاهد علي بن عبد الله الريفي و ولده أحمد، فحاصروا المدينة ... (زعامة سياسية و دينية) إلى أن هجها الأنجليز أيام سنة 1095 ه .. و توفي سيدي محمد الحاج في طنجة سنة 1130 ه (حسب ما جاء في الرخامة الحائطية التي وجدتها بضريحه بطنجة).

113

تعريف القاصر مثلي به عين التحريف.

ورود الفركاطة للسفر

و في عشية يوم السبت‏ 3 منه قدمت الفركاطة المعينة للسفر، و أخبر بها رايس المرسى أولا فظن أنها غيرها لعدم انصرام الأمد المعين لقدومها، فصرنا شاكين فيها مترددين في أمرها من عدم إخبار باشدور جنس الفرنصيص‏ بها، و في ضحى‏

____________

(1) 27 ماي عام 1876 م.

(2) الفركاطة الحربية الفرنسيةCassard التي نقلت السفارة المغربية من طنجة إلى مرسيليا. وثائق أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية بباريس.

(3) شارل جوزيف تيسوCharles JosePh Tissot ولد بتاريخ 29 غشت 1822 م و بدأ حياته الدبلوماسية سنة 1849 م، متلقبا في عدة مناصب بالإدارة المركزية الفرنسية، ثم عين وزيرا مفوضا لفرنسا بطنجة التي التحق بها و م 25 ماي سنة 1871 م بعد إقالة البارون إيمي داكان الذي له علاقة طيبة مع المخزن.

و ظل يواصل مهمته من سنة 1864 م إلى سنة 1871 م، غير أنه «ذهب ضحية جهوده في سبيل الحد من الحماية ... و ضد بنشيمول ترجمان المفوضية الفرنسية التي كان يسيطر عليها يهود طنجة ...»، جان لوي مييج، المغرب و أوربا، 1: 171 و 3: 190، 129. و 5: 88. و قد وصفه بركاش بأنه «رجل مليح، يبحث عن دوام الهدنة و تأسيس المحبة و الوقوف مع الحق ... و كانت تقدمت له خدمة بتونس، و يعرف شيئا من العربية». رسالة بركاش إلى السلطان الحسن الأول في 2 شعبان 1288 ه/ 17 أكتوبر 2872 م.

كان تيسو من علماء التاريخ و الآثار، و قد أجرى خلال مقامه بالمغرب عددا من الأبحاث الجغرافية و الجيولوجية نشرت في المجلات العلمية بباريس، و يبدو أن معرفته بالعربية و اهتمامه بالثقافة جعلاه أحد المقربين إلى السلطان، و يعتني بإصلاح الهياكل المخزنية و يتفق في ذلك مع جون درموند هي، و ظل في منصفه حتى سمي بعده السفير ده فيرنوبي‏A .de Vernouillet في نونبر 1877 م و عين هو سفيرا لفرنسا بمدينة أثينا ثم بإسطنبول فلندن.

Miege, Le Maroc et l`EuroPe, ome 2: 384, 091, Tome 1: 071.

114

يوم الأحد الرابع‏ منه أخبر بقدومها الباشدور المذكور فسأله بواسطة الباشدور المذكور، هل تتهيئون‏ للركوب فيها عاجلا أو لا بد من مقامها شيئا ما؟

فأجاب/ 17/ على لسانه ترجمانه‏، أمر هذه الفركاطة إليك و حكمها بيدك فإن شئت أن تسافر الآن أو بعد مضي شهر من الزمان فكبيرها مأمور بذلك، و بمساعدتك في مرادك، و من هنا يعلم اللبيب و يتيقن الفطن الحاذق الأريب، بحصول السعادة العظمى في هذه الوجهة المباركة الممنونة لفضل الله و كرمه، لأن المعهود في شأن الباشدور الذي يطلع من الغرب‏ لبعض الأجناس أن يقيم بطنجة عدة شهور حتى ترد الفركاطة أو بابور السفر و شتان ما بين ذا و ذاك، هدانا الله و إياك، و من باب الفضل دعاني و دعاك، ثم أجاب الباشدور و الترجمان المذكور بعد المفاوضة في ذلك‏

____________

(1) 28 ماي عام 1876 م.

(2) في الأصل تتهيوءا- خطأ-.

(3) حول مونج‏Jules Monge الترجمان الأول بمفوضية فرنسا بطنجة، يهودي مغربي محمي، رافق الوزير المفوض الفرنسي بطنجة أثناء زيارته لفاس لتهنئة السلطان الحسن الأول. كما رافق السفير الزبيدي في سفارته إلى أوربا، و يظهر أن هذا الترجمان لوح للسفير برغبته في مصاحبته بدعوى مساعدته، و هو في الحقيقة يبغي التجسس عليه لإطلاع حكومته على مفاوضاته مع حكومات الدول الأخرى انجلترا و بلجيكا و إيطاليا، و مع أنه لم يجب إلى مرغوبه فإن المسؤولين المغاربة قد قدروا محبته و اعتناءه، و طلبوا من حكومته حسن مكافأته! كما جاء ذلك في جواب من النائب السلطاني محمد بركاش إلى السفير الحاج محمد الزبيدي حول المذاكرات التي أجراها بباريس مع وزير الخارجية الفرنسية بتاريخ 3 جمادى الثانية عام 1293 ه. (الاثنين 26 يونيو عام 1876 م) مكتبة الحاج أحمد الزبيدي بالرباط. إتحاف أعلام، 2: 309.

«... و ما ذكره لك موسى مونج من أنه لو وجد السبيل للتوجه معك لمباشرة ذلك لفعل، غير أنه لا يقدر على التوجه معك لدولة أخرى بغير إذن من دولته، مع ما أجبته به قد علمناه و جازه خيرا على ذلك غاية، و لا شك عندنا في محبته و اعتنائه، و قد أخبرنا باشدوره هنا و طلبنا منه المجازاة له، و النيابة عنا في ذلك، إلا أنه غير لائق أن تتعبه و لا سيما في الأمور الغير الموافقة للطباع ...».

(4) يقصد المملكة المغربية.

115

مع النائب المفوض إليه، بأن ركوبه في تلك الفركاطة يكون يوم الأربعاء السابع‏ منه على الساعة الحادية عشرة، فبقيت بمحل ترسيتها إلى اليوم المذكور لتهيئ بعض المقتضيات بثغر طنجة و تجديد ما أبلاه السفر في البر و تبديله بما يناسب سفر البحر، و في ليلة الأربعاء أمر الباشدور بحضور كبير المخازنية، فحضر و أعلمه أن يخبر أصحابه بالتيقظ قبل الفجر و خروج الخيل المهدية شيئا فشيئا كل اثنين منفردان، و نزع صفائحها، و نزولها للمرسى بقص طلوعها للبابور، فأجاب بالسمع و الطاعة، و قام بذلك أتم قيام حتى طلعت الخيل كلها للبابور بل لتلك الفركاطة، و في الساعة الثامنة من يوم‏ الأربعاء المذكور نزلت الصناديق‏ التي فيها الأغراض الشريفة، مع صناديق حوائج السفر المحتاج إليها، و طلعت للسفر بالفركاطة و ترك الفراش كله ببيت بتلك الدويرة المذكورة مختوم عليه، عدا شي‏ء يسير من فراش الباشدور فإنه أمر بطلوعه للفركاطة فطلع، و كانت مدة إقامته بطنجة نحو سبعة أيام نسأل الله الإعانة على التمام بجاه خير الأنام عليه فضل الصلاة و السلام.

____________

(1) 31 ماي عام 1876 م.

(2) هو قائد المحلة أو قائد الرحى (1000 جندي).

(3) 31 ماي عام 1876 م.

(4) نظرا لكثرة و تنوع الهدايا، كتب عبد الله بن أحمد المكلف بالسهر على صنعها بفاس رسالة إلى الحاجب السلطاني يستفسر في أمر الطلب السلطاني الضخم. ابن زيدان، إتحاف، م. س، 2: 295.

«أخانا الفقيه ... موسى بن سيدي أحمد ... و بعد، إن المعلمين ذكروا أنهم إن صنعوا ذلك بأجمعه ربما يستغني عن بعضه فيبقى بيدهم كاسدا لا يجدون مشتريا له منهم لعدم صلاحيته هنا، و عليه فإن كان المراد صنع الجميع من غير أن يرد لهم شي‏ء، فيعتمدون على ذلك و إن كان المراد صنع البعض المختار من ذلك فليبين المراد لهم، حتى تطمئن نفوسهم فيما يقدمون على صنعه».

116

الخروج من ثغر طنجة و الركوب في البحر إلى الوصول لمدينة مرسيلية

لما طلعت تلك الحوائج كلها للفركاطة و معها المخازنية و الخدمة،/ 19/ المعينين للسفر في هذه الوجهة السعيدة، أذن للأمين المذكور و كاتبه بالتقدم للمرسى، فتقدمنا فوجدنا بها جما غفيرا من أعيان أهل‏ البلد عامة و خاصة، و من أجناس النصارى خلقا كثيرا فجلسنا هنيئة بنبح‏ المرسى، و إذا بالعسكر السعيد قد أقبل متحرفا للبعض مطرفا و لآخرين مرهبا، فمر على نسقه المعهود، و كل عند حده المحدود. ثم أقبل الباشا الذي تقدم ذكره آنفا، و عرف ببعض أوصافه سالفا و بقي راكبا أحسن جواد، في وسط ذلك السواد، و بعده أقبل النائب المفوض إليه المذكور راجلا و في حلل سيادته رافلا، فمر على باب المرسى فقابله الأنام‏

____________

(1) هم أعوان أحد ممثلي المخزن أي السلطة، يبلغون أوامره و يوجهون لتنفيذها و خدمة من يعملون تحت إمرته.

(2) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

(3) بلغ سكان طنجة في شتى الفترات أعدادا مختلفة يقدرها بعض المؤلفين كما يلي:

سنة 1874 م نسبة السكان 15000 نسمةMiege ,Le Maroc et l`EuroPe ,Tome .3 ,

سنة 1884 م نسبة السكان 21000 نسمة. 461، 14

مثل ذلك قاله الطبيب الانجليزي ليرد عن سنة 1872 م إذ كان مجموع السكان بطنجة 14600 نسمة منهم: (9000 مسلم و 5000 يهودي و 600 نصراني). حسب ما ذكره عبد المجيد بن جلون، جولات في مغرب أمس، 1872 م، ص 19، الرباط، 1974 م.

ثم تعاظمت الهجرة إلى المغرب بعد سنة 1872 م، بحيث أصبحت نسبة الأوربيين بطنجة مرتفعة و كذلك بالدار البيضاء و العرائش و الجديدة و الصويرة و الرباط.

(4) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

(5) الباشا الجيلاني البخاري المكناسي عامل طنجة.

(6) المراد به كثرة الملئ.

(7) محمد بركاش النائب السلطاني بطنجة، كان بمثابة وزير للخارجية.

117

بالتبجيل و الاحترام، و لم يكن غير قليل و قد أقبل الباشدور ذو القدر الجليل الذي من الله تعالى برفقته على مقيده العاجز الذليل، و هو غير راكب بل ماش‏ و معه من ليس للعهود و الشروط ناسيا، من قوم الأجناس، الحكماء الأكياس و العيون ترمقه بالتوقير و العظيم، و تصافحه الخاصة/ 20/ مصافحة وداع بالتجليل و التفخيم، فودعه وداع الأخلاء، و شيعوه تشييع الأحباء الأجلاء، و هم بفضله معترفون، و من بحر سيادته و سعادته يغترفون، و قلت في هذه المعنى سالكا سبيل هذا المبنى.

تبارك من حباك بكل فضل‏* * *و خصك بالمزايا و بالكمال‏

فسدت القوم كلهم جميعا* * *و مأواك بينهم دروة المعالي‏

و لا غرو أن تسود الكل طرا* * *و ليس الأمر من حيز المحال‏

فإن المولى يختص من يشاء* * *بإنعامه على مر الليالي‏

و لعمري أنه لجدير بقول من قال و أجاد في المقال:

فإن تفق الأنام و أنت منهم‏* * *فإن المسك بعض دم الغزال‏

ثم صعد فلكا جارية سابحة، و اقتفت أثره أخرى ألحقت به جماعته الرابحة قاصدين فركاطة السفر، راجين بفضل الله/ 21/ أمن مخوف و حسن الظفر، فوصلوا إليها و صعدوا عليها.

____________

(1) في الأصل ماشيا- خطأ-.

(2) الأبيات من البحر الوافر لكن إيقاعها منكسر.

(3) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

118

طلوع الباشدور للفركاطة

فتلقى له الرئيس و الكبراء و الأعيان و النظراء، و فئة من العسكر لابسة آلة حربها مصطفة بناحيتي شرقها و غربها، و الكل يشير بالترحيب، و العسكر مشتغل بالتحريب، لأن في ذلك قام مقام سلاحه، عن إفصاحه بكلامه، ثم نزل الرئيس إلى القامرة التي هي بكل زخرف و مستلذ عامرة، و اتبعه بإشارته الباشدور و أمينه و كاتبه خائفا وجلا مما هو كاسبه، ثم بين لكل واحد من القامرة فراشه و وطاءه، فتبين، و عين ما يحتاج إليه من الضروريات فظهر و تعين كل بما يناسب مرتبته و يلائم مقامه و منزلته، و للكل في ذلك غاية التوسعة، و مسرة للقلب نابعة، و لما استقر بنا المكان، و كانت الساعة الحادية عشرة و النصف بإن من الزمان طلبنا من الله الأمن و الأمان. استأذن الرئيس، الباشدور ذا المقام النفيس، هل يسرح الفركاطة/ 22/ للسفر و لا زال معنا من أهل الوداع نفر، فأذن له بالتسريح بإشارة أبلغ من التصريح، و تلا بعد التعوذ و البسملة قوله جل علاه و قال: ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ‏ وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ‏ إلى يشركون‏ و غير ذلك من الأدعية الواردة في ذلك، المرغّب فيها عند المرور في تلك المسالك. ثم أخذت الفركاطة في السير كأنها باز خرج من قفاز، قاصدة طريق البغاز، و البحر

____________

(1) كلمة إسبانية هي‏Camera اللغة القديمة، و منها الكلمة المغربيةCamara اليوم، و هي الحجرة أو القاعة أو المكان الرفيع في المنزل، و المغاربة يخصصون اللفظة للغرف الفاخرة في الباخرة.

(2) سورة هود، الآية 41.

(3) سورة الأنعام، الآية 91.

(4) أذن وزير البحر قائد الفركاطةCassard بالإبحار نحو مرسيليا، و أوصاه بالاهتمام بأعضاء السفارة المغربية و العناية بالخيل.- مرسيليا بتاريخ 27 ماي سنة 1876 م.

M. A. E. F( A. D ), CorresPondance Politique, Maroc, Volume 04, Folio 051.

(5) أو البوغاز يكتب بالواو و هي كلمة تركية معناها في الأصل الحلق، و استعيرت للمضيق أي مجرى الماء الضيق في البحر بين قطعتين من الأرض، و يقصد به هنا مضيق جبل طارق بين المغرب و إسبانيا.

119

غاية في السكون و الخمود و الركون، و كان الباشدور المذكور أمر الطباخين‏ بتهيي‏ء مؤنة السفر بما للجميع فيه تمام الكفاية، كما اقتضت ذلك منه حسن الدراية، فاشتروا جميع الضروريات و أتوا على جميع المقتضيات مراقبين ما عليهم من الإشراف، متنكبين طريقي الأقتار و الإسراف، فأحسنوا القيام بتلك الكلفة، مع مراعاة آداب المعاشرة و الألفة، جزاهم الله أحسن الجزاء، و ضاعف أجرهم يوم العرض و الجزاء، و تقبل عملهم و بلغ ءامالهم.

/ 23/ هذا الفصل سيقدم و يلحق بموضعه المناسب بحول الله.

رجع، قد يقال إن من القوانين المشهورة و الشروط المقررة المأثورة أن تخرج المدافع‏ برا و بحرا عند ركوب الباشدور.

علة عدم خروج المدافع‏

فما بال هذا المقيد لم يعرج عليه، و لا أومأ بشي‏ء إليه، قلت: لما طلعنا إلى الفركاطة وجدنا مدافعها عامرة، و هي منصوبة في فرج البوردو بارزة، و المكلفون بها يترقبون خروج المدافع 21 من البر ليجيبوهم على العادة. لكن كان أخبر الرئيس أنه حين طلعت خيل الهدية للفركاطة و استقر كل واحد منها بموضعه، سمع بعضها حركة قوية حركت نفسه الأبية، فتحرك بذلك حركة مرهبة حتى كاد يكسر الصندوق المحيط به، و أنه إن أخرجت المدافع بالفركاطة لا شك في نفورها نفور ينشأ

____________

(1) توجه رفقة السفارة مجموعة من الطباخين المغاربة المكلفين بمهمة شراء لوازم الأكل و الشرب الطازجة، و العمل على طهيها و تحضيرها لهم طيلة مدة الرحلة السفارية، و هذا راجع بالدرجة الأولى إلى أسباب دينية و شرعية إذ يتولون بأنفسهم عملية ذبح الأكباش و غير ذلك. سورة الأنعام، الآية 21 وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ ... مما جعلهم في استقلالية تامة من ناحية الأكل و الشرب عن ضيوفهم كما سأوضح ذلك فيما بعد.

(2) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

(3) نفس الملحق: 4.

120

عنه فسا كبير، إما في ذاتها أو في شي‏ء من آلة الفركاطة، و أعلم بذلك النائب المفوض إليه، و كان الباشدور حاضرا فأذن الباشدور بعدم خروج المدافع من الأبراج، دفعا و سدا لبابي الضيق و الحرج. فهذا سبب عدم خروج المدافع/ 24/. بسطته هنا بوجه لكل ريب و شك مدافع. ثم لم يزل البحر راكضا لا رافعا و لا خافضا إلا شيئا من ذلك قليلا حصل به ميد لمن كان قلبه عليلا، و لكنا أصابه منه ما أصابه، و غير انتصابه، حتى بلغ حده و نصابه، عدا الباشدور فكان قلبه بفضل الله من الميد في حصون. و هذا من شجاعته و ثبات قلبه زاده الله من الثبات و الرسوخ، ما يصير به ناسخا غير منسوخ‏* و مع ذلك الميد كان القوم مواظبين على الصلوات في وقتها المعتاد، و ما فاتهم بحمد الله شي‏ء من الأوراد، و الحمد لله على هذه النعم الجليلة المقدار، الواجب شكرها بعدم عصيان الرحيم الغفار*. و كانت منا الأفئدة و العيون تراقب و تخشى هول (غلف اليون) إذ شأنه غالبا الهيجان، و شدة الاضطراب و الفيضان. و ربما تؤدي إلى العطب، أو كثير التعب و النصب، فألقيناه و الحمد لله ساكنا، و هيجانه بمنة الله تعالى كامنا، و بقي البحر على هذا الحال إلى الترسية بمرسى مرسيلية في الحادي عشر من جمادى الأولى‏ على الساعة الثامنة من‏

____________

(1) هو دوار البحر أي ما يصيب راكب السفينة من غثيان و انزعاج في المزاج و ضعف جسمي.

(2) تكملة بطرة الصفحة. أدرجتها في مكانها بين نجمتين* ...*.

(3)Golf du Lion أو حلق الأسد يوجد غرب البحر الأبيض المتوسط، بين رأس جيو غربا و دلتا الرون شرقا، سواحله منحدرة و على جوانبها برك ذات عمق ضعيف لا يتعدى 200 متر.

! Grand Larousse( enclycloPedique ), n 6, P. 577.

(4) تقع شرق خليج الأسد، قرب مصب نهر الرون‏Rhone و كان عدد سكانها يناهز 000، 300 نسمة سنة 1866، و احتل ميناؤها المرتبة الثالثة في العالم سنة 1832 م، ثم المرتبة السادسة في العالم سنة 1889 م، و كان يمثل 3/ 1 التجارة البحرية الفرنسية. نفس الموسوعة السابقة.

انظر الخريطة في ملحق الرسوم و الصور صفحة 1.

(5) 4 يونيو سنة 1876 م.

121

النهار، و الناس في فرح و سرور من السلامة من سطوة الواحد القهار.

...

/ 27/ تنبيه، تقدم أن الفركاطة شرعت في السفر من طنجة في الساعة الحادية عشرة و نصف من يوم الأربعاء السابع من جمادى‏ المذكور، و أرست بمرسى مرسليية في الساعة الثامنة من يوم الأحد الحادي عشر منه، فيكون مدة السفر أربعة أيام عدا ثلاث ساعات و نصف ساعة. و في هذه المدة اثنتان و تسعون ساعة و نصف ساعة.

مدة السفر في البحر إلى مرسيلية

و نقل عن رئيس هذه الفركاطة أن قانونها في السير من طنجة إلى مرسيلية ثنتان و سبعون بموحدة ساعة، و هي مدة ثلاثة أيام، لكنه خفف من سيرها محافظة على تلك الخيل و مراعاة لمن أوصاه بمحافظتها و سلوك سبيل التلطف في كل ما يرجع إليها.

فانظر أيها العاقل اللبيب، الفطن الأريب، بعين بصيرتك و نور سريرتك، إلى هذه الخيل حين فارقت برها المألوف، و ركبت هذا البحر المهول المخوف، كيف قيض لها الحي الخلاق و المنان/ 28/ الرزاق من يقوم بما تحتاج إليه من الماء و العلف، و التبن و الربيع، و سائر الكلف مع مراعاة أحوالها في جل الأوقات، و تقديم ما يناسبها فيه من الأقوات، فكيف بك يا مسي‏ء الظن مثلي بربك الحميد الذي تكفل برزقك كما أفصح به القرءان المجيد. إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ.

____________

(1) الصفحتان/ 25/ و/ 26/ من المخطوط فارغتان.

(2) 31 ماي سنة 1876 م.

(3) 4 يونيو عام 1876 م.

(4) سورة ق، الآية 37.

122

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

123

الجزء الثاني:

أخبار مرسيلية و باريس‏

ثم لما أرست الفركاطة بمرسى مرسيلية، و هي مرسى المخزن، لا بمرسى التجار، سمعنا بخروج المدافع‏ و عددها سبعة عشر مدفعا إذ هي قانون ورود الباشدور كما قيل. و بهذه المرسى مباني هائلة و مخازين عديدة يمنا و يسارا، فوقها مباني أخرى مشيدة، اختلفت أوضاعها لاختلاف مقاصدها. و كلها في غاية الإتقان و الإحكام و الاختصار، مع كثرة المرافق بحسب الإمكان، و من هناك امتد البناء و انتشر، و إحصاؤه و تتبعه ليس في طوق البشر.

/ 29/ طلوع الكبراء من مرسيلية لملاقاة الباشدور

بادر كبير مرسيلية و متولي حكومتها إلى القدوم لتلك الفركاطة، و معه خليفته‏

____________

(1) سبعة عشر طلقة كإعلان رسمي عن وصول السفير المغربي إلى التراب الفرنسي، و هو تقليد متبع بين الدول، ذلك لعدم علمهم بوجود الخيل داخل الفركاطة على عكس ما حدث بمرسى طنجة كما ورد سابقا بالرحلة.

124

و الجنرال كبير العسكر بها، و ترجمان الدولة بباريز، لكونه كان وجهوه لمرسيلية بقصد الملاقاة مع الباشدور المذكور، و وصل إليها و بقي ينتظر قدومه مدة من أربعة أيام‏ و هم لابسون ثيابهم الفاخرة، و على كل منهم سلاحه و نشان‏ مرتبته، و بعد ما طلعوا للفركاطة أخبر الباشدور المذكور، فطلع من القامرة لملاقاتهم فتلاقوا به بأدب كبير، مظهرين لخضوع كثير. فهشوا و مرحبوا و سروا بقدومه و أطربوا و جلسوا بإزائه على الشوالي‏ مراعين مراتب التوالي. و جرى بينهم كلام ليس لمقيده به إلمام، لكن مضمنه مع اختصار العبارة المقابلة، فالتعظيم و السرور قضاء الأوطار كما يفهم من الإشارة.

ذكر الدخول لمرسيلية و المقام فيها و الخروج منها

ثم نهضوا إلى النزول إلى مرسيلية، فنزل و هم معه/ 30/ من الفركاطة إلى بابور صغير، و نزل الأمين و مقيده بعده في غيره، و باقي المخازنية و الخدمة بعدنا، فحين وصلوا إلى البر بالسلامة، كانت هناك فئتان عظيمتان من العسكر خيل و رماة كل‏

____________

(1) شيفرScheffer كان سنة 1866 م السكرتير الأول بسفارة أمبراطور فرنسا «نابليون الثالث» بالمغرب (محفظة المغرب فرنسا)، عين سابقا ترجمان مرافق لسفارة محمد بن عبد الكريم الشركي و الباشا الحاج محمد بنسعيد أواخر 1865 م و بداية 1866 م كما جاء ذلك في رحلة محمد بنسعيد المخطوطة (قسم منها نشره بو شعراء كملحق بالإتحاف الوجيز، الطبعة الثانية) و رافق سفارة ابن ادريس العمراوي سنة 1860 م و رافق سفارة الزبيدي طيلة مدة مقامها بفرنسا.

(2) وزارة الداخلية الفرنسية تخبر الجنرال رئيس الفرقة العسكرية الأولى بمرسيليا بالتوجه لاستقبال السفير المغربي، رفقة الترجمان‏Scheffer الذي عينته وزارة الخارجية كمرافق خاص. باريس 28 ماي 1876 م.

M. A. E. F.( A. D ), CorresPondance Politique, Maroc, Volume 04, Folio- 361.

(3) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

(4) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

125

واحد بسلاحه، و جرابه وراء ظهره على أكمل الصفات. ثم الطنابرية و أصحاب الموسيقا منهم بعملهم، و انقسم جميع العسكر فئتين: فئة تقدمت أمام الباشدور و من ذكر معه في كدش خاص، و اتبعه الرفقاء في أكداش أخرى، و تأخرت الفئة الأخرى وراء الجميع، و سار الكل على هذه الحالة الموصوفة إلى أن وصلوا إلى المحل المعين للنزول. و كلما مررنا بوسط محج يبقى المحجان اللذان‏ عن اليمين و اليسار في غاية الازدحام من أهل البلد رجالهم و نسائهم و كهالهم و صبيانهم و هم منا يتعجبون، و من زينا يستغربون، فقلت إذ ذاك في ضميري لعدم الكلام إذ ذاك مع سميري، إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم/ 31/ كما تسخرون.

صفة الدار التي نزل بها الباشدور و أصحابه‏

و أما المحل الذي كان معينا لنزولنا فيه، و هو الذي به نزلنا فيسمى بلغتهم أوطيل مرسيلية، و هي دار مربعة الشكل نحو خمسين خطوة طولا و مثلها عرضا، و فيها سبع طبقات، في كل طبقة عدة بيوت مربعة، تسمى صالات و كل صالة بها سراجم عديدة، طول كل سرجم أزيد من خمسة أذرع، و دفتان بالزاج و أخريان بفتقيات الساج. و على كل سرجم ستران من خفيف الثوب، مثل طول ذلك الباب من الثوب المعروف بالعدوتين‏ المنقر عليه في الأبيض، و توريقه في غاية الرونق و الكمال، و الحسن و الجمال، و الستر الآخر من الكمخة خضراء أو حمراء مثل ذلك الطول المذكور بأعلاه، و بأسفله ترييشان‏ من الحرير على لونه و بخدي كل سرجم‏

____________

(1) نفس الملحق: 4.

(2) في الأصل المحجين الذين و هو خطأ.

(3) فندق أو نزل المدينةL`hotel de ville . وثائق أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية بباريس.

(4) يقصد الرباط و سلا.

(5) انظر شرحها في الملحق رقم: 4.

(6) نفس الملحق: 4.

126

مسماران على رأس كل واحد منهما توءمة صفر تملأ كف اليد، بها توريق عجيب ذو شكل غريب. و في كل مسمار مجدول‏ حرير في غلظ السبابة/ 32/ بطرفيه‏، و هما شرابتان من الحرير أيضا على لون تلك الكمخة، بأعلى كل واحدة توأمات ثلاث متفاوتة. أكبرها خمائل الشرابة و هي أكبر من دائرة الريال، و هما لربط إزار الكمخة في خدي السرجم، على كيفية خاصة اقتضتها صنعة تظفير المجدول.

و في كل صالة ماريو عود فوقه مجانة محققة، و تصاوير و حسك بشمعها، و الوقيد، و بإحدى زوايا كل صالة بويت صغير بدفته، فيه ماريو أيضا فوقه غراريف‏ بديع كبيرة طولها أزيد من نصف قالة مملوءة ماءا و طبسيل‏ بديع كبير فارغ، و صابونة في حك‏ مربع بديع أيضا، و زيوف بيضاء نقية كما يقال من طي الصابون مطوية، و هي من الثوب المكمخ الأبيض الرفيع، و ذلك عندهم معد لغسل أطرافهم حين يستيقظون من النوم، إذ ذاك عادة أولائك القوم. ثم ماريو آخر صغير عرضه نحو قالة، و الطول كذلك في علو الكنابي الآتي ذكره، فوقه رخامة و به مخزنان/ 33/ أحدهما و هو الأسفل به قدح الحاجة ليلا و الآخر فارغ، ثم كنابي للنوم فيه مضربتان‏ صوف من ثوب قطن مشجر، و صوفتهما في غاية الليونة، و فيه مسند ينمط عليه و على المضربتين بالثوب المكمخ، أبيض أغلظ من الملفة، و ينمط فوقه بتنميطة كمخة حمراء، و يجعل فوقها سبنية أصغر من المضربتين بشي‏ء يسير من الكمخة أيضا-

____________

(1) نفس الملحق: 4.

(2) بياض في الأصل بقدر كلمتين.

(3) نفس الملحق: 4.

(4) نفس الملحق: 4.

(5) نفس الملحق: 4.

(6) نفس الملحق: 4.

(7) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

(8) نفس الملحق: 4.

(9) نفس الملحق: 4.

127

فوقها سبنية من البرنتق الأبيض، بترييش محيط بها. و فوق هذا الكنابي كسوة من الكمخة أيضا ممسوكة من فوقه قرب السقف بمربع لعله من ساج مموه بتمويه كالذهب.

و في كل صالة شوالي معددة، تقل و تكثر على حسب تفاوت بقاعها، و السراجم التي تقدم ذكرها هي مشرفة على المحج و الحوانيت المقابلة في الجهة الأخرى، و في كل صالة أيضا مرءاة كبيرة طولها ثلاثة أذرع و في عرض نحو الذراعين، و فيها مائدة عود مصبوغ و هي مربعة/ 34/ مرفوعة على أربعة أرجل مخروطة للأكل، و هذه الأوصاف من صفة الأماكن المعدة لعامة الناس.

صفة الصالة المعينة للباشدور

و أما الصالة التي نزل بها الباشدور المذكور فهي نمر واحد من الطبقة الثانية من الأسفل، و هي الركنية من جهة الغرب، طولها ستة و ثلاثون قدما و العرض ثلاثون بقدم مقيدة. و فيها ستة سراجم: اثنان من جهة الجوف، و ثلاثة من جهة الغرب، و واحد مفخم بينهما، كما اقتضاه الوضع، و في كل واحدة من الجهتين الباقيتين مرءاة عظيمة، أكبر من المرءاة المتقدمة، و بأسفل كل واحدة منهما طبلة من العود المذكور، بإحداهما التي عن يمين الداخل محبقتان فيهما ربيع أخضر يانع، أوراقه أعظم من أوراق الذرة، و تراب المحبقة مغطى بأسلاك‏ من صوف مصبوغة بالألوان. و العلة في ذلك- و الله أعلم- هو ستر التراب لئلا يقع البصر على شي‏ء تمجه النفس، و يقابل هاتين المحبقتين في الجهة الأخرى غرافان‏/ 35/ من البديع، عليهما مشمومان من نوار النبات، بينهما مجانة عن جهتيها تصويرتان‏

____________

(1) نفس الملحق: 4.

انظر صورة قاعة الاستقبالات المخصصة للسفير المغربي في ملحق الرسوم و الصور صفحة 2.

(2) في الأصل بسلوك- خطأ-.

(3) نفس الملحق: 4.

128

سوداوتان‏، و يقابله أيضا ماريو كبير فيه موسيقا رومية تخدم بدس الأصابع، فيها واحد و خمسون نقطا، و في الوسط طبلة كبيرة دائرة مغطاة بملف أخضر، فوقها محبقة فيها نبات طول أصوله نحو نصف ذراع، و أوراقه كأوراق الليمون الصغيرة، تنفتح بأعلا أصوله مشاميم كبار من النوار الأبيض، كالياسمين، إلا أنه لا رائحة له، و الشوالي محيطة بهذه المائدة بالموبر الأخضر، و كذلك بين كل سرجم و ماريو شيلية كبيرة في شكل آخر، و في مقابلة السراجم الثلاث كنابي كبير يسع جلوس ثلاثة أناس عليه. و على كل شيلية من الكبار سباني من ثوب كالمسوس المغربي. إلا أنه في ثوب يحيط به ترييش كبير على لونه. و سقف هذه الصالة سقف سما بطلاء أبيض به توريق عجيب. و في وسطه/ 36/ ثرية كبيرة قضبانها من الصفر يجري فيها الغاز، و رؤوس القضبان معكوفة إلى نحو السقف، مغروز فيها فتائل داخل جعب‏ بيض، لا يشك رائيها أنها شمع توقد ليلا، و يخلل هذه القضبان قطع من البلار مثلثة الشكل، مثقوبة منظم بعضها ببعض في خيوط في كل خيط استرخاء، كأنه نصف دائرة، و بوسطها كرة من بلار بيضاء، بسطحها دوائر، سطحها مستو، و حولها خمس‏ كرات صغيرة مثلها، و بحذاء المشمومين المذكورين ثريتان صغيرتان من الصفر، كما ذكر. في كل واحدة منهما نحو ستة قضبان من الصفر، و براح هذه الصالة مفرش بمربعات‏ من العود. لكن كل مربعة مقسومة إلى أقسام مختلفة الأشكال، فعند النظر إلى المربعة بخصوصها أن قسمتها على تلك الأشكال المختلفة ليس بشي‏ء، و عند النظر إليها مجموعة مع ما يحيط بها من المربعات يتبين/ 37/

____________

(1) في الأصلب سوداءتان- خطأ-.

(2) يقصد المعزف أو البيان (البيانو).

(3) في الأصل جعبات- خطأ-.

(4) في الأصل كورت- خطأ-.

(5) في الأصل خمسة كورات صغار- خطأ-

(6) في الأصل الصلاة- خطأ-.

(7) في الأصل بمربع- خطأ-.

129

للناظر وجه قسمة كل مربعة إلى تلك الأشكال لمعاينته لمناسبتها و ترتيبها ترتيبا عجيبا، و العلة في التفريش بالعود هو- و الله أعلم- حفظ الزرابي من البرودة التي تفرش بها الصالة. هذا ما استحضرته الآن من أوصاف هذه الصالة. و إذا استحضرت ذلك و تأملته و وسعته دائرة خيالك على تفاصيله المبينة، فكأنك تشاهد ذلك عيانا.

ثم تذكرت الآن ما سأذكره، و ذلك أن بين كل سرجمين لوحا معلقا فيه صورة شخص مكتوب بالعربي على صورة منها بركش بن سعد قيل هو سلطان اللينجيار، و الصورة الأخرى صور من دخل تلك الصالة من كبراء دول النصارى.

هكذا قيل انتهى.

و قد تقدم أن هذه الدار فيها سبع طبقات، و تقدم مقدار طولها و عرضها فلا بأس أن نبين كيفية شكلها على سبيل الإجمال، على حسب ما فهمته، لأن تفصيل ذلك/ 38/ على حقيقته لم أحط به علما و لا وجدت لسبيله فهما، لأنه يتوقف على الإطلاع على أصل تخطيط أساس الجدران السفلية، و اختلاف ما بني فوقها على حسب تفصيل الأماكن و المنافع، و ذلك مما لم أطلع عليه، لكن حيث تبين الطول و العرض حين يكون الإنسان ببراحها السفلي، لم أجد في الطول و العرض إلا نحو ثنتي عشرة خطوة. و بهذه الطبقة السفلى مخازن و مواضع للطبخ، محيطة بذلك البراح، و المعارج التي يظهرون عليها بهذه الطبقات ترى أسافلها كلها من وسط البراح، و هي ناتئة و بارزة من جدران تربيع البراح، و سقفها يرى من أسفل سقف، لها

____________

(1) أو برغش بن سعيد (1835- 1888) سلطان زنجبار، ألغى النساخة في بلاده و أحسن العلاقات مع الأجانب (المنجد الكبير).

(2) زنجيبار أو زنزيباراZanzibar) 000، 138 كلم 2) تطل على ساحل المحيط الهندي بشرق إفريقيا، أصبحت تكون مع تانجنيقا جمهورية تنزانيا كانت تحت الانتداب البريطاني و أعلن عن استقلالها عام 1864 م قرب دار السلام (المنجد).

(3) يقصد هندسة تصميم قاعدة الفندق التي يستند عليها البناء العمودي.

130

و ليست مرفوعة على أكياش من عود كما في عرف البناءين عندنا. لكنها- و الله أعلم- موضوعة على قناطر، و القناطر موضوعة على السواري، و سقف الدرج ممتد/ 39/ من جدران تربيع البراح إلى تلك القناطير مجلد عليه من أسفل الدرج، و على التجليد طلاء أبيض، بسببه يظهر لناظره أن سقف الدرج كذات واحدة غير متصل بعضه ببعض، و في كل طبقة ثلاثون درجة، في كل تربيع عشرة مبسوط مستو ليس فيه درج، و الدرابيز من الحديد دائرة مع الدرج من ابتدائها إلى انتهائها و هي مفرشة بالزرابي، بين كل درجتين قضيب، لعله حديد مموه ممتد على عرض الدرجة، و هو الماسك للزربية بأسفل كل درجة. فإذا صعد الصاعد الثلاثين درجة المحيطة بالثلاثة أرباع المذكورة، وصل إلى الربع الرابع المبسوط الذي ليس فيه درج. فإذا سار إلى منتهاه يجد في الربع الذي عن يمينه ساباط طويل، هو الذي طوله خمسون خطوة، و عن يمينه و يساره بيوت الصالات، و بالركن اليساري/ 40/ أي الذي عن يسار منتهى ذلك الربع الذي ليس فيه درج، باب صالة ركنية، و الداخل إليها إذا وصف ببابها يجد بالزاوية التي عن يمينه بابا آخر، و هو مقفول، و لعله إذا فتح يقابل الواقف به ساباط آخر مواز للساباط الذي تقدم ذكره، بينهما بيوت صالات المتقدم ذكرها، و يجد- الله أعلم- عن يساره صالات أخر مقابلة للأخرى. و دليله أننا إذا أسقطنا تربيع (اثنتي عشر) براح الدار من جملة خمسين تربيعا شكلها يبقى نحو ثمان و ثلاثين خطوة بين منتهى البراح و الجدار المحيط بالدار من كل جهة من الجهات الأربع، و إذا أسقطت من الثمان و الثلاثين خطوة عرض الساباط المذكور ثانيا، و هو الحاجز بين الصالات الممتدة يمينا و يسارا قدر عرضه نحو أربع خطوات مع أساس‏

____________

(1) يطرح نوع من المقارنة بين البناء المغربي التقليدي الذي يعتمد على الجوائز الخشبية و الحجر و الجير و الطين و غير ذلك، ثم البناء الأوربي الحديث الذي يعتمد على الأعمدة و القناطر المدعمة بالحديد و الإسمنت و الآجور ...

(2) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

131

الجدار و انظر كم هو، فالباقي هو مساحة/ 41/ الصفين اللذين بهما الصالات عن اليمين و اليسار، لأن طول كل صالة نحو ثنتي عشرة خطوة، و مثلها هو قدر البراح، و مجموعهما أربع و عشرون خطوة، ثم أربع خطوات عرض الساباط الثاني. و الباقي و قدره ثنتان و عشرون خطوة، هو عرض صف الصالة المظنون أنها كائنة مقابلة للصف المشاهد إنشاؤه، الحاجز بين الساباطين. لكن الثنتين و العشرين خطوة المذكورة يسقط منها عرض الأساسات الأربع أولا، و عرض أساس الجدار الخارج للزقاق، ثانيا:

أساس الجدار المحيط بالبراح، ثالثا و رابعا: أساسا جداري الساباطين، و الباقي هو عرض الصالة المبرهن على وجودها بما سبق، و سيرسم‏ هنا شكل ذلك بحول الله تقريبا للفهم إن شاء الله./ 42/ و في طبقة بيت الخلاء يجعلونه بزاوية الطبقة. و إذا صعدت طبقة أخرى وجدت بيت الخلاء فوق بيت الخلاء الذي في الطبقة تحتها، و هكذا تتابعها، و ليس فيه من الماء إلا الماء الذي ينزل في آنية قضاء الحاجة لتنظيفها بعد الفراغ. فكنا نحتاج أن نصحب الماء معنا للوضوء. و فيه هناك كلفة من حيثية التحفظ على نظافة المحل. و لو كان الماء هناك في موضع آخر يوخد منه القدر المحتاج إليه، و فاضله ينصرف في مصرف آخر، لكان ذلك غاية المراد. و العذر لهم لأن ذلك ليس من عوائدهم. و غاية نظافتهم في ذلك المحل أنهم يمسحون النجاسة من مخرجهم بالكاغد، و هو معد عندهم هناك مع زيف أبيض معلق أظنه للإستجمار.

فالحمد لله على هذه الملة السمحاء. و رزقنا الله الثبات على سبيلها القويم، و عدم الميل‏

____________

(1) طول الفندق 50 خطوة

-

تربيع البراح 12 خطوة

38- خطوة

-

عرض الساباط 4 خطوة

34- خطوة

(2) لم يتمكن الجعيدي من ذلك، لأن أصحاب الفندق لم يسلمو له التصميم.

132

عن صراطها المستقيم.

/ 43/ كراء هذه الدار في السنة

و هذا الأوطيل الموصوف، قيل إنه مكترى بخسة عشر ألف ريال في السنة، و فيه من الرجال و النساء خلق كثير مكلفون بتلك الصالات التي به و بمن ينزل بها، و بما يحتاج إليه. و في كل صالة أيضا شي‏ء كالمسمار ناتئ بأحد الجدران فمن احتاج لشي‏ء يدفع ذلك المسمار إلى نحو الجدار، فيسمع للناقوس نقرات‏ متتابعة، فيسمعه المكلف بتلك الصالة، فيأتي إليها سريعا، ليتكلم معه فيما يحتاج إليه، و العجب من ذلك فإنه إذا تكلم ناقوس يعرفونه و يقولون: هذا ناقوس صالة كذا في طبقة كذا لا يخطئه أصلا.

و في مساء يوم الأحد الذي دخلنا فيه لمرسيلية بعد صلاة العصر أوتي إلينا بكدشين اثنين يجر كل واحد منهما فرسان بقصد الركوب فيهما للطواف ببعض زقاق البلد على عاداتهم، بقصد الفرجة و الانبساط، و ذلك من مزيد الاعتناء و البرور بما حصل لمتولي البلد بقدوم الباشدور./ 44/ من الفرح و السرور، فنهضنا إلى العربتين أي الكدشين المذكورين، فتقدم الباشدور إلى الكدش الأول و ركب فيه و ركب معه الترجمان الوارد معه من طنجة، و اسمه مونج الفرنصيص‏ و ركب الأمين‏

____________

(1) يقصد المنبه أو الجرس.

(2) 11 جمادى الأولى عام 1293 ه/ 4 يونيو سنة 1876 م.

(3) الترجمان‏Scheffer أخبر وزارة الخارجية الفرنسية بباريس بوصول السفير الزبيدي إلى مرسيليا مرهق بالسفر، و يرغب في الاستراحة بعض الوقت و زيارة أهم المرافق الصناعية بها، و أنه لن يسافر حتى يوم الأربعاء 7 يونيو 1876.

M. A. E. F.( A. D ), CorresPondance Politique, Maroc, Volume 04, Folio 171.

مرسيليا في 5 يونيو سنة 1876 م.

(4) ترجمته ستأتي فيما بعد.

133

و كاتبه في كدش آخر. و ركب معه الفقيه السيد محمد المصوري‏ الطنجي، و هو كاتب الباشدور نائب جنس الفرنصيص بطنجة ورد في صحبتنا منها مع الترجمان المذكور، لقضاء أغراضهم.

بعض أوصاف مرسيلية

و صار صاحبا الكدشين يطوفان بنا بزقاق البلد و بأسواقها، فنرى بأبواب‏ حوانيتها من التحف البديعة و الأثاث المستظرفة العجيبة ما لا يكاد يصفه قلم و لا لسان، و لا تبقى به و بأوصافه عبارة إنسان، و زقاقها في غاية التوسعة. فالمحج الوسط فيه أربعة طرق، الغالب لمشي الكروصات و الأكداش، و عن يمينه و يساره طريقان آخران لمشي الراجلين من الذكور و الإناث، و عرض كل طريق/ 45/ من هذه الطرق الأربع أزيد من ثلاثة أذرع‏، و قد يوجد ما هو أعرض من ذلك في بعض المواضع، حتى أنه يكون في عرض طرق الراجلين نحو ستة أذرع و أزيد، فيظهر من هذا أنه يمكن أن تكون مساحة طرقها تعدل المساحة التي فيها الديار و سائر الأبنية، أو تقرب منها و الله أعلم.

____________

(1) محمي فرنسي كان يشغل منصب كاتب أهلي بالسفارة الفرنسية بطنجة، حتى توفي قبل سنة 1879 م، و مما جاء في رسالة سلطانية «... هذا المصوري شأنه من قديم لا يسعى إلا في الإفساد بين الدولتين و فتح أبواب الشنآن و كم لفعله هذا من نظير ...». 4 محرم 1295 ه/ 8 يناير 1878 م نصها في: الوثائق الملكية، 4: 433. و قد كلف السلطان نائبه بطنجة بمخاطبة الفرنسيين «في إخراج المصوري المذكور من خدمتهم، و إبعاده من طنجة، إما بالانتقال إلى داخل الإيالة أو بنقله إلى مكان آخر لأن إبقاءه بطنجة لا يؤدي إلى خير» و ذلك لأن «هذا المصوري شأنه هو هذا من قديم». الوثائق الملكية. 4: 56، و لا سيما في الواقعة التي نشبت بين قنصل فرنسا بطنجة و باشا المدينة الجيلالي بن حمو سنة 1878 م.

(2) في الأصل حوانيتها بأبوابها و السياق يقتضي أن يكون العكس.

(3) سبق قلم- ثلاث خطوات-.

134

و مع امتداد هذه الطرق أشجار مغروسة في غاية الارتفاع و الخضرة مصطفة، عندما يقرب من منتهى المحجين اللذين يمشي فيهما الراجلون، فنراها مصطفة عن اليمين و اليسار، و ذلك بقصد الزينة و استحسان المنظر. و بين كل شجرتين ست عشرة خطوة، و بين كل شجرتين قطعة نحاسية قائمة مخروطة بخرط عجيب، طولها نحو ثلاثة أذرع أو أزيد، برأسها فنار كبير. شكله مستدير، دائرته العليا أعظم من السفلى بكثير، و هذه الفنارات توقد كلها ليلا و لا تنطفئ حتى يمضي من الليل نحو ثلاثة أرباعه،/ 46/ لاشتغال أهل البلد بأمور دنياهم بالليل كاشتغالهم بها بالنهار، و بعد الفجر بيسير يأتي أناس من رجالهم، فيفتحون تفاجير الماء عن اليمين و اليسار بين ملتقى طرق الأكداش و طريقي الراجلين، فترى الماء يجري في الحدين المذكورين، يحده من جهة طريق الراجلين الرافد المرصف هناك، و من جهة طرق الأكداش الانحداب الذي في الطرق، ليلا ينبسط الماء من الجهتين إذا كانت طريق الأكداش منبسطة، فيتلاقى ببعضه البعض فيكثر الوحل في ذلك الطريق. و عند تفجير الماء و اتصال بعضه ببعض يأخذ البعض من الناس المذكورين في تشطيب سائر الطرق.

و آخرون وراءهم يجمعون ما يشطبونه، و يجعلونه في الكروصات، و يرمونه في مواضعه المعروفة عندهم. و هذا الذي يجمع من التشطيب إنما هو روث الخيل التي تجر الأكداش و الكروصات مع شي‏ء من غبرة الأرض. فإياك أن تتوهم/ 47/ أنها أزبال ترمى في وسط الطريق، كلا ما رأينا شيئا من ذلك، فإذا رفعت تلك الأزبال أخذ أناس آخرون يرشون تلك الطرق كلها رشا معتدلا، لا كثيرا و لا قليلا، تمهيدا و ركضا لغبرة الأرض، و ما ذكرناه من الأشجار و الفنارات و النظافة هو ليس خاصا بطريق واحد أو عدة طرق، بل الطرق كلها كذلك، إلا النادر منها في أطراف البلد، و ديارها جلها من أربع طبقات و تنتهي إلى سبع طبقات‏، و سراجيمها مفتوحة إلى الطرق و طولها على طول ارتفاع تلك الصالات، و بين السرجم و السرجم من البناء مثل‏

____________

(1) يقصد المضخات المائية.

(2) نظرا لشدة المنافسة بين القطاع الثاني و الثالث داخل المدن، ترتفع أثمنة الأرض فيتم اللجوء إلى البناء العمودي، من أجل أن تكون المردودية أحسن.

135

عرض السرجم أو أزيد بقليل، و إذا فتح السرجم تكون أرض الصالات مستوية مع أرض سقف‏ خارج عن السرجم بنحو ذراعين، يحدها- أي الأرض- دربوز حديد في غاية الإتقان، ممتد مع امتداد سراجيم الصالات كلها، أو مع امتداد عرض الدار، فيعلم عدد طبقات الدار بعدد السراجيم المرتفع/ 48/ بعضها فوق بعض، و حدود السراجيم الخارجة للطرق بارزة عن الجدار بالراقد المنجور، و نجره في غاية اللطافة و الإتقان، و فوق كل باب سرجم قوس بديع الشكل مرونق، و فوق قسي أبواب السراجم مادة تعرف في عرف البنائين بالسبنية، بها توريق رفيع، تكفيف لطيف، و البناء جله بالراقد، و يتركونه على أصله، و لونه رمادي مفتوح، و بواطن الصالات أفضل من ظاهرها لأن ما بين السرجمين أو بعض الجدران من داخل الصالة إما أن يجعلوا له طلاءا أبيض أو يجلدونه بالكاغط المورق المزخرف.

و حيث ركبنا في الوقت المذكور، بقي يطوف بنا صاحبا الكدشين المذكورين نحو ساعتين إلى أن غربت الشمس، فرأينا في بعض تلك الطرق زيادة على ما ذكر من التصاوير الثابتة في بعض الجدران شيئا كثيرا، منها ما هو على صورة الآدمي، و منه ما هو رافع يديه إلى شي‏ء فوق رأسه كلحية سارية بني عليها/ 49/ ما فوقه، و كأنه حامل لما فوقه. فما أعظم كربته، و أخسر صفقته! و منها ما هو على غير ذلك من الصفات و الأحوال. و من الصور ما هو على صورة الأسود كاشرة أنيابها، شائلة أذنابها، و منها ما هو على صفة البقر و غير ذلك من الصور المستغربة، و التماثيل المستعذبة في زيهم و عاداتهم.

و في يوم الاثنين‏ الثاني عشر من جمادى الأولى المذكورة بعد صلاة العصر، أوتي إلينا بكدشين آخرين، فركبنا كما ذكرنا قبل، و صار بنا إلى ناحية أخرى من البلد، فوجدناها مثل الناحية التي طفنا بها بالأمس في البناء و الطرق و الأشجار

____________

(1) يقصد الشرفة (البالكون) التي تميز النمط المعماري الأوربي الحديث المفتوح على الخارج بدل الداخل كما كان سائدا في المغرب‏

(2) 5 يونيو سنة 1876 م.

136

و الفنارات و الحوانيت و التحف، و كنت أرى شيئا مبنيا بالطرق على هيئة المعدة مخروط الشكل، قطر دوره أزيد من ذراع، فوقه قبيبة، و ارتفاعه نحو خمسة أذرع، له بويب مفتوح، و هو متعدد في الطرق، فسألت عنه، فقيل: إن تلك مواضع العساسة من العسكر، فوجدته كذلك لأن بقربه عسكريا/ 50/ واحدا أو أكثر في بعض المواضيع.

هيئة رأس الماء الجاري عليها

ثم انتهى بنا صاحبا الكدشين إلى رأس الماء اداخل للبلد، و ليس هو خارجا عنها بل في طرفيها، فرأيناه من بعد يخرج من بين حجرين، و مواضع خروجه متعددة متصل بعضها ببعض، و فيها تحديب حتى صار جميع الماء الخارج بانضمامه كأنه نصف دائرة، قطرها أظنه يزيد على نحو خمس عشرة قالة. ذ فتأمل في خيالك هذه النظرة العجيبة عند انصباب الماء على تلك الحالة منحدرا إلى الأسفل‏، لأنه مرتفع في ربوة، و ينزل هذا الماء في صهريج أسفله يحده. منه- و الله أعلم- يتفرق على البلد و هو أحد الأنهار الداخلة إلى البلد، و حين وصولنا إليه رأينا عليه قبة

____________

(1) انظر شرحها في الملحق رقم: 4.

(2) نفس الملحق: 4.

(3) في الأصل عسكر واحد- خطأ-.

(4) في الأصل خمسة عشرة قالة- خطأ-.

(5) تكملة بطرة الصفحة أدرجتها في مكانها بين نجمتين* ...*.

(6) قناة مرسيلياCanal de Marseille التي تم تشييدها ما بين 1837 و 1848 م، طولها حوالي 83 كلم منها 16 كلم تحت الأرض، تنبع من نهر لاديرانس‏La durance أحد روافد نهر الرون. و تنتهي عند قصر الماءLe cha ?teau d`eau الذي يصل علوه 39 مترا و ينزل منه الماء إلى صهاريج اصطناعية تزود المدينة بالماء الصالح للشرب بمعدل 000. 9 لتر في الثانية، و تسقى به الأراضي الفلاحية و المنتزهات القريبة منه.La Grande Encycloedie ,N 32 ,P .803 .

137

مبنية مرتفعة على سوار، فوقها تصاوير منها رجل عظيم الخلق، في أحد طرفي القبة خارجا عنها بيده شي‏ء كالبوق و كأنه ينفخ فيه ملتفتا إلى يساره لناحية الجنوب، و آخر مثله ملتفت ببوقه في فيه، ماسكه بيده إلى ناحية الشمال، و بينهما صور ثيران باركة، نحو أربع صور في مواضع بقرب القبة أسفل هذه الصور،/ 51/ صور أسود عديدة كاشرة أنيابها كما تقدم تحت كل أسد صورة ثور. و الأسد إحدى يديه موضوعة على الثور و الأخرى على المحل الذي هو به، ثم رأينا صاحب السر المذكور حيث رأى تلك القبة و خروج الماء من أسفلها على تلك الصفة- خرج من الكدش قاصدا الصعود إلى تلك القبة، فتبعنا أثره فوجدنا لها معارج عن اليمين و اليسار، ابتداؤها معكوف كأنه نصف دائرة، سببه- و الله أعلم- هو ارتفاع القبة و ضيق المساحة التي بينها و بين الطريق الممرور عليه. فلولا انعكافها لكانت الدرج مرتفعة غير منبسطة و بانعكافها صارت منبسطة، فارتقينا فيها إلى القبة فأشرفنا على الماء الجاري الذي يخرج من تحتها و هو واد عظيم‏ عريض غاية. و وجدنا هذه القبة من ناحية ذلك الوادي محملة على خمس سوار، و في رأس كل سارية صورة رأس آدمي فوق رأسه لحية حجر منجورة، كاللحية التي تكون/ 52/ فوق السارية التي يبنى عليها، و القبة مرفوعة فوق هذه الرؤوس التي تقدم لها هذا العذاب الأليم في دار الدنيا، فكيف بها بدار المقيم. و رأينا بحافتي النهر المذكور عراصي‏ قابلنا منها من جهتنا أشجار متصل بعضها ببعض، مخضرة أوراقها كأنها هي الزرب، و منها إلى نواحي الطرق بمقدار ثلاثة أذرع كالسياج لكنه منحدر غاية، و قد غرس في ترابه من النوار المختلفة الألوان و الأشكال، كل لون في محل يناسبه. فتخاله كزربية بديعة التزويق في غاية التنميق، و الصبيان يمرون بها مع أمهاتهم، و لا ترى واحدا ينزع شيئا من تلك النوار، و إنما يتركون ذلك تحسينا للنظر و مصلحة للبصر. و بعض العراصي‏

____________

(1) في الأصل ملتفة:- خطأ-.

(2) يقصد قناة مرسيلياCanal Marseille (نفس المرجع السابق).

(3) انظر شرحها في الملحق رقم: 4.

138

رأينا بها جدرانا محيطة بها أطول من القامة. و ليس فيها شي‏ء يؤذي. و بعض العراصي بأعلا جدرانها قطع الزاج متقارب بعضها من بعض، بحيث لا يمكن لأحد الصعود إلى أعلا الجدار، و انظر ما سبب ذلك، لأننا كما ذكرنا رأينا/ 53/ بعض العراصي زربها هو تلك النوار التي تقدم وصفها، و بعضها لها جدار لا زاج فيه، و بعضها مرصف بالزاج مع أن هذه العراصي في طريق واحد، و حيث انتهينا إلى هذا المحل رجع بنا صاحبا الكدشين إلى أوطيل نزولنا على طريق أخرى، فرأينا فيه أسواقا و حوانيت و طرقا كالطرق الموصوفة، حتى انتهى بنا إلى محل النزول.

فابريكة صنع السكر القالب‏

و في يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى‏ المذكور أوتي إلينا بكدشين أيضا بقصد المسير إلى رؤية مكينة صنع السكر القالب، فركبنا فيهما كل بمرتبته كما تقدم بعد صلاة العصر، و سرنا في طريق آخر فوجدنا، مثل الطريق المرصوف، حتى انتهينا إلى دار تلك المكينة، فرأينا بأسفلها العجب العجاب، ما يتحير فيه الدهاة من أولى الألباب، فما أكثر ما هناك من النواعير التي تدور و اختلافها صغرا و كبرا على نسبها المقرر عندهم المشهور، و النواعير السفلى بدورانها تدور نواعيرا أخرى،/ 54/ في الطبقة فوقها و الرباط بينهما شي‏ء كالحزام و لعله من القنب، محيط بحرف بعض الرحي السفلى، و ارتفع إلى الرحي العليا فالتوى بحرفها الأعلى كالحيط الذي على ناعورة الشراط الممتد منها إلى فلك مغزلها. و هناك آلات حديد متفاوتة في القدر و الشكل. منها ما تراه يتحرك يمينا و يسارا، و منها ما يكون تحركه من الأعلى إلى‏

____________

(1) في الأصل جدران محيط- خطأ- و يقصد تسييج الأراض الفلاحية عوض الأراض المفتوحة.

(2) 6 يونيو سنة 1876 م.

139

الأدنى ارتفاعا و انخفاضا. و لم أقف على أصل الحركة الأولى‏ التي ينشأ عنها سائر الحركات.

ثم صعدنا إلى طبقة فوق هذه، فوجدنا في التي فوقها طناجير عديدة عظيمة قطر دائرتها يقرب من خمسة أذرع، و النار توقد تحتها، و فيها شي‏ء ذائب‏ يغلي و يضطرب من شدة النار التي تحته، و حول كل طنجير براميل عظيمة، تسع أزيد من عشرة قناطير من السكر الغبراء، و خناشي منها، تدور عدة من الخدمة بذلك البرميل/ 55/ و يزحلقونه عن محله شيئا فشيئا إلى أن يبقى بينه و بين الطنجير نحو طول البرميل، فيفرغونه فيه حتى يقلب فمه على فم الطنجير على أعواد ثابتة عليه، و ما يتساقط من السكر حول الطنجير يجمع و يلقى فيه، و أوتي بشي‏ء من ذلك الماء

____________

(1) في الهامش طرة من إنشاء المؤرخ محمد بن علي الدكالي السلاوي (1868- 1945 م) صاحب «الإتحاف الوجيز تاريخ العدوتين» نشرته الخزانة العلمية الصبيحية بسلا سنة 1985 م و 1996 م.

«هي قوة البخار الذي ينشأ من سجن الماء الحار الشديد الغليان، كما شاهدنا ذلك مباشرة قاله مقيده محمد بن علي سامحه الله».

(2) لم يقف صاحب الرحلة على المراحل الأولى لعملية تصفية السكر من الشمندر. و هي باختصار:

1- يغسل الشمنذر بتيار مائي قوي لإزالة الأحجار و الأعشاب.

2- يقطع على شكل شرائح صغيرة و يخلط مع ماء ساخن، فنحصل على عصير سكري خام.

3- يخضع هذا العصير لعملية فيزيائية،- كيميائية بواسطة لبن الجيرCao و ثاني أوكسيد الكربون‏Co 2 لإزالة أكبر كمية ممكنة من الشوائب.

4- يسخن العصير حيث تتبخر كمية معينة من الماء نسبتها المئوية حوالي 75% و بذلك نحصل على عصير سكري مركز، و هذه المرحلة الرابعة هي التي وقف عليها الجعيدي.

La Bettrave Sucriere. EncycloPedie Agricole Pratique( AGRI- NATHAVN ), Nouvelle Li- brairie France, 7891 ISEN, P. 5. 7. 9.

(3) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

140

الذي يطبخ في الطنجير في كأس زجاج، فإذا هو أحمر يضرب إلى السواد، ثم ارتقينا طبقة أخرى وجدنا فيها طناجير كذلك و خدمة أيضا، و أوتي بشي‏ء من ماء هذه الطناجير، فإذا هو أحمر إلى لون الأتاي، و الغبراء التي تصفى من هذه الطناجير أبيض من التي تحتها، و التي بالطبقة الرابعة أصفى من الثالثة و هكذا. و لم أثبت على عدد الطبقات لأن في كل طبقة نارا عظيمة و مكينات تدور كما وصفنا، بل و أعظم بكثير، و من شدة النار ضاق صدري أن أرجع و أخرج. فلم أثبت على الطريق التي دخلنا منها لتشابه/ 56/ الطرق و تماثلها إلى أن وصلنا إلى الماء الذي يجعل في القوالب، فوجدنا ناعورة معلقة كبيرة تدور دوران الجرارة و عليها سلاسيل حديد تنزل في حفرة كالبئر، و هذه السلاسيل النازلة في هذه الحفرة بدوران ناعورتها تمسك القوالب الفارغة التي يفرغ فيها السكر، و هي متتابعة بعضها فوق بعض على هيئة طونس السانية. لكن القوالب ليست مربوطة في السلاسل، و إنما فيها فرج يترك الواقف منها فرجة فارغة، و يجعل في التي تليها قالبا فارغا، فينزل في السلسلة إلى تلك الحفرة، فتطلع عامرة من الجهة الأخرى، و هناك رجل آخر يرصد طلوع القالب العامر، فينزعه و يناوله لآخر، فيضعه في حفرة تمسكه في مكان متسع غاية، مملوء بالقوالب التي تملأ من تلك الحفرة فتبقى هناك زمنا حتى تجمد فعند ذلك يصب في كل قالب ماء أبيض، يقرب من لون الحليب، مقدار نصف أصبع، يقال إ هذا الماء هو الذي يصفي لون القالب حتى يصير أبيض كما/ 57/ يرى، و انظر من أي شي‏ء هو ذلك الماء المتخذ للتصفية. و عندما تجمد هذه القوالب و تبيض يبقى‏

____________

(1) عملية البلورة و هي الخامسة و الأخيرة، و تتلخص في تركيز العصير المركز إلى درجة تسمح بتحويل جزئيات السكروز المذابة في العصير إلى بلورات سكرية.

La Bettr ave Sucriere, EncycloPedie Agricole Pratique( AGRI- NATHAN ), P. 7.

(2) نفس الملحق: 4.

(3) في الأصل زمانا- خطأ-.

(4) لعله يقصد البذرة و هي خليط من السكر المطحون مع الكحول، يضاف بقدر معين إلى البلورات السكرية و بذلك نحصل على بلورات السكر الخالص.

La Bettr ave Sucriere, EncycloPedie Agricole Pratique( AGRI- NATHAN ), P. 9.

141

برأس القالب أقل من شبر زروقة، كأن هناك ماء، فعند ذلك تنقل تلك القوالب إلى محل آخر كمحلها المذكور، و يوضع كل قالب في حفرته لتصفية تلك المائية الباقية فيه، لأن في أسفل كل حفرة إما تقبة أو تقب تنشف القالب و لا تبقي به شيئا من المائية و الزرقة، و نزع منها قالب بمحضرنا فخرج من حفرته صوت يصفر و لم يخرج منه ريح. و هذا كله و كبير المكينة أمامنا يطوف بنا فيها، و يطلعنا على أطوار السكر طورا بعد طور، حتى أتى بنا إلى محل تخرج منه القوالب التي تم تيبيسها و تصفيتها، فوجدنا هناك خدمة عديدة، و قوالب من السكر مرصفة بعضها فوق بعض كالجبال، و أكثرها القوالب التي من نحو ربع قنطار في القالب، و أقلها و أضعفها قوالب صغيرة هي التي تأتي إلى الغرب‏. و هؤلاء الخدمة كل اثنين متقابل على مائدة بينهما يمسك كل/ 58/ واحد منهما قالبا من يد الآخر، و يضعه بين يديه فوق رزمة الكاغد المعد للفّه فيه، فيلفّه في كاغدين كأسرع ما يكون، و أمام كل واحد منهما متعلمان‏ يشدان القوالب في الخيط بحيث يلف قالبين في الكاغد، يشدها بالخيط المتعلمان اللذان أمامه، فيمسكه آخران يناولانه لغيرهما حتى يصل لمحل وضعه.

____________

(1) ذكر محمد المامون بن عمر بن الطائع الكتاني الحسني في مخطوطه «هداية الضال المشتغل بالقيل و القال» «... و لما ظهر وقت الأمير سيدي محمد بن عبد الله ... وقع وقتئذ اضطراب كثير و خلاف شهير فمن يحل و من يحرم- السكر- و لقد أرسل ولد الأمير المذكور و هو السلطان أبو داود سليمان من يوثق بدينه و علمه ... و حكمه حتى وقف على عين ءالاته و ماهية صنعه، و رجع فأخبر بطهارة أصله و إباحة فرعه ... إنما حرم ما عدا الجامد منه، و هو ما يعرف بسكار القالب، و أما غبرته المعروفة بلباته فلا ...». خ. العامة بالرباط، رقم 320 ك، ص 133- 145.

و قد تزايد استيراد المغرب لهذه المادة أواخر القرن التاسع عشر، كما يدل على ذلك الجدول التالي:

1871 م/ 144. 895. 1 كيلو- 720. 980. 1 بالفرنك‏

1876 م/ 088. 458. 2 كيلو- 540. 764. 2 بالفرنك‏

1877 م/ 702. 273. 3 كيلو- 779. 490. 3 بالفرنك‏

Miege, Le Marc et l`EuroPe, Tome, 3: 472, 942.

(2) في الأصل متعلمين- خطأ-.

142

نشر قوالب السكر و تقريضها

ثم أوتي بنا إلى محل آخر فيه خلق كثير من النساء و الرجال ينشرون القالب الكبير من السكر كما ينشر العود حتى يصير القالب الواحد مثلثة على هيئة المثلث، و كيفية نشره أن الرجال المكلفين بالنشر جالسون‏ على الشوالي و أمام كل واحد منهم بقربه ناعورة تدور دورانا سريعا حرفها كالمنشار و الله أعلم. و هي على قدر ناعورة الشراط، من حديد مهند رقيقة كرقة المنشار. هكذا ظهر لي بحسب الأمارات الدالة على ذلك، فيعمد هذا الرجل المقابل للناعورة فيمسك رأسه بيديه، فيجعل طرف القالب من جهة قعره متصلا بتلك الناعورة، أي بحرفها، و يدفعه إليها دفعة واحدة، فتقطعه الناعورة/ 59/ و عند ذلك يكون متعلم قبالته، و الناعورة بينهما، فاللوحة التي تنفصل من القالب أولا هي أصغر ألواحه، يتلقاها حين النشر ذلك المتعلم، و الباقي من القالب بيد صاحب الناعورة، فيعيد عمله بأن يقدم قعر القالب إلى الناعورة، و يدفعه إليها فتشقه أيضا فتنفصل منه لوحة أخرى أكبر من الأولى فيتلقاها المتعلم أيضا و هكذا ثالثا و رابعا و خامسا و هلم جرا حتى يتم القالب. و غلظ اللوحات بقدر واحد غير مختلف لما ستعلمه بعد بحول الله.

ثم إن هذا المتعلم حين يتلقى اللوحة المنفصلة من القالب يدفعها عاجلا من غير تراخ لرجل آخر، عن يمينه صاحب ناعورة النشر أو يساره جالس كجلسة صاحب الناعورة. فيقبض تلك اللوحة من السكر من المتعلم، و ينشرها على طولها نشرا مستويا خطوطه، بحيث يدفعها إلى نواعير صغيرة تدور كأسرع ما يكون، فتخرج تلك اللوحة مقسومة طولا قسمة مستوية، كل قسمة منها كالفتقية مربعة، ثم تأتي متعلمة أخرى و تأخذ/ 60/ تلك الفتاقي، و تدفعها شيئا فشيئا لمتعلمة أخرى جالسة على كرسي، و أمامها مكينة صغيرة تقرض بها تلك الفتاقي من السكر تقريضا مستويا بسرعة، و المكينة تخدمها بيد واحدة، و يدها الأخرى تناول بها الفتقية إلى المكينة، بحيث تدخلها في فرجة و هي تحرك يد المكينة، فتخرج الفتقية مقسومة

____________

(1) في الأصل جالسين- خطأ-.

143

بمربعات صغيرة و مع هذا تخرج الفتقية مقسومة كما قلنا، و مربعاتها يوالي بعضها بعضا على سمت‏ واحد، مصطفة، فتأتي متعلمة أخرى فتدفع الفتقية بتمامها في دفعة واحدة جامعة يديها على طرفيها، و تضعها في صندوق مبطن بكاغد الصرف لكي تزيل من كل فتقية المربعة الأخيرة التي تكون من ناحية رأس القالب لأنها لا تكون مربعة فتتركها. و هناك نحو مائة من المتعلمات، و معهن الرجال المشتغلون بالنشر المذكور، و نواعير النشر كثيرة و إنما وصفت لكل منها كيفية نشر/ 61/ قالب واحد، و القوالب التي تنشر تجعل في الصناديق على الكيفية التي ذكرت، و لا يسبق لفهمك أن تلك المربعات المستوية من السكر ترمى في الصناديق كيف ما تأتي، بل توضع فيه مصطفة شيئا فوق شي‏ء حتى تملأ الصناديق و تسمر، و هذا السكر هو الذي يباع في مرسيلية و باريس للقهوة و الأتاي و غيرهما. و أما تلك المربعات التي تترك من السكر لكسرها فإنها تجمع مع الغبرة التي تسقط حين النشر فيجمع بعضها إلى بعض لبانه، هذا ما استحصرته من أوصاف تلك المكينة.

و أما الطناجير المعدة للطبخ ففي طولها اثنا عشر مترا. مقدار أربع و عشرين قالة غير شي‏ء. و هناك كرات نحاس عظيمة قطر دائرتها العظمى أزيد من أربعة أذرع، و آلات أخرى لا يسع بسطها قرطاس، و لم تبق في قابلية إذ ذاك لا يمكن تتبعه و البحث فيه لسخونة المحل، حتى أن بعض الخدمة يخدمون عراة عدا المآزر يأتزرون/ 62/ بها. و سئل عن الخدمة القائمين بخدمة هذه المكينة فقيل إنها تمانمائة من الرجال و مائة من الإناث، و الخدمة لا تفتر و لا تعطل أصلا، و كل واحد يخدم‏

____________

(1) في الأصل صغار- خطأ-.

(2) في الأصل صمت- خطأ-.

(3) 12 متر- 24 قالة (بحكم أن القالة تساوي 51 سنتم).

1200 سنتم- 24* 51 سنتم- 1224 سنتم.

(4) في الأصل كورات نحاس عظيمات- خطأ-.

(5) في الأصل الميازير يقصد ما آزر جمع مئزرة أي الإزار و هو ما ستر الإنسان (منجد اللغة).

144

ثنتي عشرة ساعة. و يبدل بغيره. و سئل عن إقامة المكينة ما ثمنها، فقيل النحاس الذي بالطبقة السفلى ثمنه مائة ألف ريال، فما بالك بما فوقها، و سمعنا بأن حكيما هناك التزم على نفسه أن يخدم السكر القالب و يوجده في أربع و عشرين ساعة، و أنه لا يضيف إليه شيئا مما يصفى به الآن، فقيل له إن القائمين بخدمة المكينة الآن حيث يستوفون مدة كنطردتهم‏ يكون الكلام في ذلك.

و سمعنا بأن بمرسيليا ثمان مكينات‏ تخدم السكر مثل هذه.

و حين هممنا بالرجوع وجدنا أنفسنا بنا من العرق كمن في بحر غرق. فطلب منا محل نجلس فيه بقصد الاستراحة مما جل بنا من التعب و كثير النصب. فأوتي بنا إلى صالة مستملحة، وجدنا فيها شوالي و مائدة حلاوي و القهوة/ 63/ و بعض تلك الحلاوي معقودة على الثلج، تناولنا شيئا منها فعن قريب استرحنا مما كنا نجده من العرق و التعب، ثم خرجنا و ركبنا الكدشين و رجعنا إلى محلنا بسلامة و عافية و الحمد لله، و قد قام كبير مرسيلية بضيافتنا مدة

____________

(1) انظر شرحها في الملحق رقم: 4.

(2) نفس الملحق: 4.

(3) منذ 1811 م شجع الإمبراطور الفرنسي المزارعين على تطوير و نشر زراعة الشمندر، و بالتالي تزايد عدد مصانع إنتاج السكر في حدود سنة 1830 م أصبحت لفرنسا 600 معمل تصفي 000، 10 طن من السكر، و قد تضاعف هذا العدد عدة مرات، و كانت مرسيليا تستأثر بحصة كبيرة بحكم مينائها المتوسطي.

La Bettrave Sucriere, EncycloPedie Agricole Pratique( AGRI- NATHAN ), P. 9.

(4) أخبر حاكم مرسيليا وزارة الداخلية بباريس، أن السكرتير الأول بالسفارة المغربية سلم لهم 5000 فرنك ليفرقها على مساكين المدينة، و أنه يستعد لإرسال الخيل القادمة من المغرب بسرعة إلى باريس.

مرسيليا في 6 يونيو سنة 1876 م.

M. A. E. F.( A. D ), CorresPondance Politique, Maroc, Volume 04, Folio 1371.

145

الإقامة بها أتم قيام و أحسن غاية الإحسان، كثر الله ماله و ولده ذو أطال عمر مولانا أمير المؤمنين في عافية و سلامة، و جعله ممن شيد أركان السنة و الدين على أساس الحفظ و كمال الرعاية بمنه جل جلاله‏ و أطال عمره في حياة الدنيا في سلام و عافية.

الخروج إلى باريس‏

و في يوم الأربعاء رابع عشر جمادى المذكور. قبل العصر توجهنا لطريق الحديد بقصد الرحيل لقاعدة باريس، ذات الحسن الفريد، الجامعة لما تشتهيه النفس في الأرض على وجه ما تحب و تريد، إذ هي كما قيل جنة الدنيا بلا منازع، و مأوى الحكماء و العقلاء و النبلاء بلا معارض فإليها تصبو نفوس العشاق، و يحن لوطنها قلب المشتاق، و قلت فيها مخاطبا لها و منبها لمن عنها قد لها:

____________

(1) أقام السفير المغربي بمرسيليا أربعة أيام تبرع خلالها بمبالغ مالية مهمة كالتالي:

+ لرئيس المركب الحربي المقل للسفارة من طنجة إلى مرسيليا و على البحارة بها 000، 5 فرنك‏

+ و لأصحاب الموسيقى عند النزول بمرسيليا 100، 1 فرنك‏

+ و لأصحاب حاكم مرسيليا عند زيارة السفير له 600 فرنك‏

+ لضعفاء مرسيليا. 000، 5 فرنك‏

+ و للخدمة بمحل النزول (الفندق) 000، 1 فرنك‏

+ و للعسكر الملازم للسفارة بمرسيليا 500 فرنك‏

المجموع- 100، 13 فرنك‏

إتحاف أعلام الناس، ابن زيدان، 2: 286.

لم يذكر الجعيدي كل هذه التبرعات، و سيتبع هذه العادة خلال رحلته.

(2) إستدراك بطرة الصفحة درجته في مكانه بين نجمتين* ...*.

(3) 7 يونيو سنة 1876 م.

146

أباريس إن كانت على الأرض جنة* * *فأنت هي المأوى على رغم حاسد

فما تشتهيه النفس من كل رائق‏* * *كثير بها لكنه غير خالد

بعض أوصاف الطريق بينهما

/ 64/ فوصلنا إلى سكة تلك الطريق، مع أحفل مرافق و أجل رفيق، فجلسنا هنيئة بمقعد المكلف بالبابور ذي السعي المبرور، و الفضل المأثور، و أظهر من المحبة و الفرح ما انبسط به الصدر و انشرح، ثم نودي للركوب، و هيأ عربية أنيقة أجمل مركوب، فصعدناها بعضنا بأقصاها و آخرون‏ بأدناها، و وجدنا بها سباطين مرتفعين و شيليتين كبيرتين و بها سراجم زاج بستور زرق، ترسل عليها حين الاحتياج، فجلس‏

____________

(1) قبل أن يغادر السفير الزبيدي مرسيليا كتب إلى الحاجب السلطاني موسى بن أحمد يشرح ما قوبل به في هذا الثغر (لم يعثر عليها) فأجابه بما لفظه بعد الحمدلة و الصلاة: «.. خديم سيدنا ... الحاج محمد الزبيدي أمنك الله ... و بعده، فقد وصلنا كتابك و علمنا و صولك لمرسيلية و ما قوبلت به من الترحيب ... حسبما شرحت، و أنك بصدد التوجه لباريس و طالعنا سيدنا أعزه الله مسطورك و صار على بال من جميع ما قررته ... و لا تغيب عنا خبرا بكل ما تجدد لديك و مهما انتقلت من محل إلى محل آخر، فأخبرنا بذلك و لا بد ... و الكتاب الشريف الذي تتوجه به لسلطانه النجليز ها هو يصلك على يد نائب سيدنا محمد بركاش و كذلك كتاب الطليان و على المحبة و السلام 27 جمادى الأولى عام 1293 ه».

إتحاف أعلام الناس، ابن زيدان، 2: 281.

لم يذكر الجعيدي في رحلته موضوع المراسلات التي كانت قائمة بين الزبيدي من جهة و الحاجب السلطاني من جهة أخرى.

(2) يقصد العربة.

(3) في الأصل آخرين- خطأ-.

147

كل منا في محل يناسب مرتبته، و يلائم مقداره و منزلته. ثم أخذ البابور في السير بلا مشقة و لا ضير، قاصدا سمته، ما ماد، و لا مال، و نحن بين جنتين عن يمين و شمال، و الأنهار جارية، و أشجار البساتين متقاربة لا متجافية، و الأنهار قارة تسير بمسيرنا، و تارة تعارضنا فنشقها على قناطير بطريقنا و تارة تلقانا الجبال الشاهقة، فترى الطريق تشقها كأنها دكتها صاعقة. و كم في الطريق من المدن و المداشر./ 65/ فيها فابريكات الصنائع، و عجائب المفاخر، و امتدت السكة على هذا المنهاج الذي فيه غاية السرور و الابتهاج من البداية إلى النهاية، بما فيه من المصالح فوق الكفاية، إذ ليس ترى بعد الجبال اليسيرة و القرى، إلا جنات تجري خلالها الأنهار، أو مزارع و صفوف البلنز من الأشجار، عن اليمين و اليسار، تروق المبصرين، و تسر الناظرين، هذه بعض أوصاف‏ هذه الطريق على سبيل الاختصار، و ليس ذلك مني محضر اختصار، لأننا أدركنا الليل، و جر علينا من النوم كجر السيل، فحصل لي من الملل و موحيات الكسل ما هو مغروز في طباعي، و لا قدرة به لساعدي و باعي، و كأن الشأن في مسيرنا و دأبا في طريقنا كلما وصل البابور إلى مدينة، يفق يسيرا لقانون مشهور، فيوتي لنا بما هناك من الأطعمة و الأشربة، مستلذة غير مطربة، فنتناول منها شيئا يسيرا، و منا من يتزود منها قدرا كثيرا، فكانت النعم تصحبنا في السفر كما كنا نجدها في الحضر.

____________

(1) و قد وصف هذه الطريق الفقيه محمد الصفار التطواني في رحلته السفارية «رحلة إلى باريس 1845- 1846 م» صحبة السفير أشعاش إلى فرنسا سنة 1845 م، مخطوط خ. م. رقم 113 بالرباط.

«... و قد رأينا في طرقنا هذه ... إنهم جادون في عمارة الأرض بالبناء و الغرس و غيره، لا يسلكون في ذلك طريق التساهل، و لا يصحبهم فيه تغافل و لا تكاسل، فلا ترى عندهم شيئا من الأرض ضائعا أصلا، و لا ترى عندهم خرابا و لا أرضا مواتا، حتى إن الأرض التي ترابها ردي‏ء، ينقلون لها التراب الجيد من أرض أخرى، و يعطون لكل نوع من الأرض ما يستحقه ...». رحلة الصفار، درستها و حققتها سوزان ميلار جامعة هرفارد، و عرب الدراسة خالد بن الصغير، سنة 1995 م، منشورات كلية الآداب بالرباط، رقم 2.

(2) بياض صفحتين كاملتين/ 66/ و/ 76/. المخطوط.

148

/ 68/ فليس من سمع كمن رأى، فهي غرة العاجلة بلا نكير، و بهذا نبأتك و لكن لست بخبير، فإن كنت من الأعيان، فانهض إليها فليس الخبر كالعيان، و إن كنت من العاجزين فاقنع بما أتيتك و كن من الشاكرين. و قد سبق أننا ركبنا في تلك الأكداش، و كان ذلك على يد المخزن، فصرنا فيها في طريق على سمت واحد خمسا و ثلاثين دقيقة مجانية.

وصف الدار المعينة للنزول‏

فوصلنا إلى الدار التي عينت لنزولنا و هي دار عظيمة أعظم بكثير من دار مرسيلية، إذ طولها مائتان و خمس و عشرون خطوة، و عرضها مائة و خمسة و سبعون، و قد اختلفت أوضاع طبقاتها الخمس بحسب المقاصد، و لم أجد سبيلا لحصر شكلها و ضبطه، إذ فيها سبعمائة صالة كما قيل، و طرق الطبقات متشابهة، و أشكال الأبواب متماثلة، حتى إني ذهبت مع الأمين ذات يوم للصالة التي بها أصحابنا لتفقد حال أحدهم كان شاكيا، فوجدنا أحدهم من خدامهم في الطريق التي بها صالتهم متحيرا، يريد من يرشده إليها بعد ما كان خرج منها قريبا لوطر. و له هناك نحو ثلاثة أيام، و العذر له، لأنه/ 69/ لا يعرف الحساب ليهتدي بها إلى رقم محلهم. و نحن نزلنا في الطبقة الثانية في صالات متعددة، و هي أفضل بكثير من صالات أو طيل مرسيلية، إذ الموائد التي توضع عليها الأطعمة و الأشربة مساحة سطحها مورق بالتذهيب مع الألوان، و أرجلها مرصعة بالصفر المورق، و كم فيها من ماريو على هذه الصفات، و مرآتها أكبر كثيرا من تلك المرآت، و بشواليها تذهيب و صدف، و فيها أواني عمل التينة، يجعل لها مقعد متصل بها تقف عليه من الصفر و بحرفها من الأعلى كذلك، و غير ذلك من الأثاث و التحف و الثريات مما يطول وصفه.

____________

(1) انظر الملحق رقم: 4.

149

الحمّامات‏

و وجدنا في الطبقة الثالثة حمامات متعددة في محل واحد، منها ما فيه الماء البارد فقط و منها ما فيه البارد و الحار، لكل واحد مجاري تخصه، فأما الذي فيه البارد فقط ففيه صهريج صغير، في طوله نحو ثلاثة أذرع، و عرضه نحو ذراع و نصف و بسقف هذا الصهريج جعبة نازلة منه مسامتة لوسطه بحيث تكون فوق رأس الواقف فيه/ 70/ في وسطه، و برأس هذه الجعبة آنية على هيئة المكب الصغير، و هي من بعض المعادن، أضيقها متصل بالجعبة و أعرضها نازل إلى ناحية الصهريج. فإذا أخذت قنبة هناك بيدك و جذبتها إلى أسفل ينزل الماء في تلك الآنية فتلقاه ورقة ملصقة بمحيط الآنية، و بها ثقب صغيرة، فترى الماء ينزل منها كالمطر الغزير، يقال إن ذلك يستعملونه لبعض المرضى، و الماء الذي ينزل في الصهريج ينصرف منه في مصرف الآخر، و في هذا المحل أيضا بويت صغير مستدير الشكل كهيئة البرميل الكبير، أطول من قامة الإنسان بيسير، و بداخله دوائر مجعوبة متصاعدة بعضها فوق بعض جلها ثقب، فإذا جذب أيضا القنبة التي هناك ترى الماء يخرج من الثقب كلها، كل جهة ترمي الماء إلى الجهة المقابلة لها، و ذلك من الأدوية عندهم كما قيل.

و أما الذي فيه الماء الحار ففيه صهريج كالذي وصفته، و في أعلاه بزبوزان يجري لأحدهما الماء الحار و للآخر البارد فيوخذ منهما القدر المحتاج./ 71/ و هناك زيوف بيضاء و ملابس كذلك إذا أحب الإنسان أن يلبسها أولا بعد الفراغ من الغسل فله ذلك بحيث ينزعها عند الخروج. فدع عنك الطمع، و كن عاقلا و ارفع همتك، و لا تكن غافلا و خذ بحذرك ليلا يزدرى بقدرك، و بهذا المحل حمامات عديدة كما سبق، و السر فيه أنهم جعلوا لها في بيت واحد طنجيرا عظيما يجري منه الماء الحار إلى المواضع التي يحتاج إليه فيها. و في هذه الحمامات سراجم كبيرة من زاج به طلاء، بحيث يدخل الضوء مع وجوده إلى الحمام و يبقى الرجل به مستورا لا يرى و لا يرى، و في كل طبقة بيوت الخلاء، كبيوت الخلاء التي بمرسيلية، لكن بقربه متصلا به بيت آخر، مستقل فيه الماء في بزبوز يوخذ منه القدر المحتاج. و كنا في مرسيلية في غاية الضيق من فقد الماء على هذه الحالة، و وجدنا بقرب صالتنا قنوطا طويلا عريضا

150

مقبيا قريبا من قنوط مرسى العدوتين، له أبواب عديدة، و مرآة طويلة و سقفه مزخرف بالتمويه. بتوريق أنيق./ 72/ و حين وصلت في الكتابة إلى هذا المحل، و ذلك في الساعة السادسة من بكرة يوم الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى المذكور، دخلت إلى هذا القنوط، لكونه كان فارغا ليس فيه أحد إلا رجلان يكنسانه.

أوصاف هذه الصالات‏

فأخذت قلما من مكاتبهم الموضوعة هناك، و قيدت بطرة الورقة يمنته بعض صفاته. أما طوله فخمس و خمسون خطوة متوسطة. و عرضه ثنتا عشرة خطوة، و امتد مع طوله تربيعات سبع كأنها أبواب طول التربيعة إلى ناحية القبوة نحو سبعة أذرع، و امتدادها أعني عرضها نحو خمسة أذرع، و هذه التربيعة عمرت بورقات ثمان من زاج، منها أربع كبيرة طولها نحو أربعة أذرع و نصف، و العرض نحو ذراع، و الأربع الأخرى فوقها، طولها نحو ذراع و نصف و العرض واحد. و في الورقات المذكورة فتقيات‏

____________

(1) بعد ما وصف‏Baignoire تكلم عن المراحيض التي تتوفر على محل الاستنجاءLavabo . 17 يونيو سنة 1876 م.

(2) ما قيده الجعيدي بطرة الورقة، و يقصد بذلك شكل مطعم الفندق.

شيليات (كراسي) 100

موائد صغار 4 و كبيرة 1

ثريات 3

أبواب 7 و مقابلتها 7 طول التربيعات 7 أذرع و عرضها 5 أذرع‏

طولها 55 خطوة

و عرضه 12 خطوة

ورقات الزاج 8- 4 منها طولها 5، 4 أذرع و عرضها 1 ذراع.

4 الباقية طولها 5، 1 ذراع و عرضها 1.

انظر صورة أعضاء السفارة المغربية يتناولون طعام الغذاء بملحق الصور صفحة 3.

151

عود المموه، و في كل باب نصف دائرة سطحها زاج ممسوك بالفتقيات كما ذكر، و هذه التربيعات السبع التي كأنها أبواب تقابلها مثلها في الجهة الأخرى، و الغاربان/ 73/ فيهما الزاج كما ذكر، و بسقفه ثريات ثلاث. بالغاربين‏ مجانتان كبيرتان، و فيه مائة شليه محيطه به مبطنة بالموبر الأحمر الرفيع منها نحو ثلاثين شلية كبيرة و الباقي دونها، و بوسطه مائدة كبيرة ممتدة مغطاة بالموبر محيط به ترييش حرير كبير من لونه، و أربع موائد أصغر منها بالموبر أيضا، كل اثنتين في طرف، و بأرضه زربية على قدر طوله و عرضه، و هو معد عندهم للأكل يأتي إليه التجار النازلون في صالات هذه الدار، في وقت الفطور و الغذاء. و في الليل يكون معمورا و لا تسمع فيه كلاما و لا عتابا و لا ملاما، و إنما ترى كل واحد جالسا على شليته يشرب الدخان و هو مشغول بكزيطته‏. فما أعظم تولعهم بهذه الكزيطات! و لعلها عندهم من المفرحات المنشطات، و إن كانت هذه من ذلك القبيل، فصن نفسك عنها يا نبيل.

صائر هذه الدار و تحفها

و سئل عن قدر صائر هذه الدار التي بنيت به، فقيل قدره ثمانية عشر مليونا من الإفرنك، و فيها مليونان منه من التحف و الأواني، و تكرى بخمسة/ 74/ عشر ألف‏

____________

(1) مفردها الغارب و هو أعلى كل شي‏ء، جمعها غوراب (المنجد).

(2) جمع كزيطةLa Gazetta أي الصحيفة أو الجريدة في العامية المغربية القديمة، يقال أن بعض فقهاء المغرب الجامدين ألف في بداية القرن الرابع عشر الهجري، كتابا سماه «الضرب بالزراويط على رأس من يقرأ الكوازيط». الأعلام، 3: 183. غير أننا نجد في رحلة الصفار ما يوضح لنا وعي المغاربة بأهمية الصحيفة، فبعد زيارته لدار إحدى الصحف الكبرى سجل لنا كيفية تكوينها و جمع أخبارها و طبعها و توزيعها و طريقة الاشتراك فيها، و موضوعات أبحاثها و فوائدها و علاقاتها بالحكومة و الشعب، خاصة و أنها ظهرت بالشرق العربي منذ وقت مبكر. رحلة الصفار حققتها و ترجمتها الباحثة الأمريكيةSusan Gilson Miller جامعة كاليفورنيا سنة 1992 م تحت عنوان «صدفة اللقا مع الجديد».

152

ريال في كل شهر.

بعض أوصاف باريس‏

و أما طرقها فهي أعرض بكثير من طرق مرسيلية، و الأشجار ممتدة معها من الجهتين، و الفنارات بينها مرفوعة على أعمدة من النحاس المخروط المورق. من أسفله عريض، ثم يتناقص تدريجيا إلى أعلاه. و كنت أتعجب من استقامة تلك الأشجار بحيث لا ترى في أصولها شيئا من الاعوجاج، حتى وقفت على العلة في ذلك في الأشجار الصغيرة، و ذلك أنهم يتخذون خشبة طويلة مستقيمة و لعلها تغرس في آن واحد حين غرس الشجرة و يربطونه معها، و يجعلون حائلا رطبا بما يلي الشجرة، و بأصولها دوائر حديد يوصل بعضها ببعض بقضبان منه، و يبقى تحتها فضاء بينها و بين أصل الشجرة، و انظر ما السر في ذلك، و في بعض الطرق أماكن في غاية التوسعة، مغروسة كلها بالأشجار، محدقة بألوان النوار، و بين الأشجار شيليات، فبعض هذه المواضع يتخذ للقهوة، و يوجد مثله يتخذ أسواقا للخضر و النوار و غيرهما، و تلقى في بعض الطرق خصات/ 75/ لعلها من رخام أسود على كيفية عجيبة، و ذلك أن أصل الخصة يحيط به صور آدميين سود، بين أرجلهم صورة حوت، ينبع الماء من فيه، يرمى أمامه، و فوق هذه الصور بنحو ثلاثة أذرع بحسب ما يرى الرائي من بعد خصة مستديرة، و في وسطها بناء مرتفع على هيئة المظل، ينبع الماء من رأسه، و ينزل في تلك الخصة. و أمام تلك الصور السفلية صور آدميين دائرين بتلك الصور، بينهم بعد أمامهم و هم ماسكون شيئا بأيديهم قد ضموه إلى صدورهم، و الماء يخرج منه مرتفعا يرمى وراءهم إلى تلك الخصة التي فوقها المظل. ثم صهريج كبير مستدير محيط بالجميع، و تتبع وصف ذلك كله يطول.

و في اليوم الذي دخلنا فيه لباريس و هو يوم الخميس منتصف جمادى الأولى المذكور بعدما نزلنا بتلك الديار، قدم رجل من كبراء الدولة و هو قائد المشور عندهم‏

____________

(1) يقصد الحدائق العمومية و من أشهرها بباريس لوكسمبورغ. 8 يونيو سنة 1876 م.

153

إلى الباشدور صاحب السر المذكور، و أخبره أن كبير دولتهم/ 76/ أرسله إليه يحمد الله تعالى لسلامته و عافيته، و أنه يقول له: مرحبا بكم و بقدومكم، و قد حصل له فرح و سرور بورودكم، فأجابه بما يقتضيه المقام من حسن الخطاب و لين الكلام ثم أخبره أن كبير الدولة يأذن له في الطلوع إلى دار المخزن عندهم في مساء غد، يعني يوم الجعة، فأخبره أن الخيل لا زالت بمرسيلية، تأخرت هناك بإذن الطبيب بقصد الاستراحة، و كيف تتأتى الملاقاة بذلك. فقال إن كبير الدولة يعلم بذلك، و مقصوده بهذا الطلوع الاهتمام بكم، و مزيد الاعتناء بجانبكم، و حين ترد الخيل تطلعون بها مع الهدية ثانيا، فوعده بالطلوع.

الخروج لملاقات عظيم دولتهم‏

و في الساعة الرابعة من مساء يوم الجمعة المذكور، وجه كبير الدولة كدشه الذي يركب فيه لصاحب السر المذكور، و كدشين آخرين بقصد الطلوع و الملاقاة معه و مع بعض خواص عسكره، فتأنينا حتى دخل وقت صلاة العصر و صلينا، ثم خرجنا

____________

(1) رئيس الجمهورية الفرنسية ماك ماهون‏Edine Patrice Maurice -MAC ,MAHON من عائلة إرلندية الأصل، استقال خلال ثورة يوليوز 1830 م، و حصل على عصا الماريشالية في واقعة ماجنتا (Mageanta 1859 م الحملة الإيطالية). ثم عين عاملا على الجزائر من سنة 1964 إلى 1870 م، أسر خلال مشاركته في الحرب الفرنسية الألمانية (70- 1871 م). و بعد فشل محاولة إعادة الملكية تمكن ماك ماهون سنة 1873 م من رئاسة الجمهورية لمدة سبع سنوات بمساعدة الإئتلاف الملكي داخل الجمعية الوطنية، فاختار أغلبية وزراءه من صفوف الملكيين، و بعد أن أسفرت انتاخابات سنة 1876 م على فوز الجمهوريين، عمد ماك ماهون إلى حل البرلمان، إلا أن انتخابات أكتوبر 1877 م أعطت من جديد الأغلبية للجمهوريين، و بذلك لم يبق للرئيس إلا أن يستسلم و يستقيل قبل نهاية يناير 1879 م.

Dicitionnaire d`histoire Universelle, Bordas, P. 5311.

(2) 8 يونيو سنة 1876 م.Michel Mourre ,V ,1 ,Jean Pierre Delarge .

154

فركب صاحب السر كدشه الخاص، و معه ترجمان الدولة و قائد المشور، و ركب/ 77/ الأمين و كاتبه في كدش آخر، و المخازنية الخمسة في كديشين بعد، و ذلك بعدما لبسنا الكساوي التي أنعم بها مولانا علينا أنعم الله عليه بخر الدارين، و تقبل عمله و بلغه قصده و أمله، و هي لكل واحد قفطان عجمي، و سروال و سلهام سكري من ملف البحر الكبير، و فرجية و قميص بالحرير و قلنسوة، و شقة حياتي، و حايك فاسي رفيع. و للمخازنية مضمات جلد بالحرير، ثم سرنا و صاحب السر أمامنا، و نحن بعده إلى أن وصلنا لدار المخزن، فدخلنا إلى المشور فوجدنا صفين من العسكر محيطين بجدرانه، مع كل واحد آلة حربه، فزدنا إلى القبة التي فيها كبير الدولة فارتقينا إليها في درج بين صفين من العسكر يمينا و يسارا، لم أتحقق بوصف كساويهم لعدم الإلتفات إليهم إذ ذاك، فدخل صاحب السر أولا و تبعه كاتبه و كان بيده الكتاب الشريف في غشائه من موبر مرقوم بالصقلي الذي صاحبه معه صاحب السر المذكور لكبير الدولة، و الأمين قريب منا و المخازنية/ 78/ الخمسة وراءنا، فوجدنا كبير الدولة واقفا في وسط القبة و وزراؤه واقفون خلفه، و رؤوسهم مكشوفة على عادة أدبهم.

و نحن دخلنا على زينا و أجنحة سلاهمنا مرسلة. ثم إن صاحب السر كان أراد أن يتكلم دون ورقة بيده، فكن طلب منه ترجمان الدولة قبل أن يكتبه في ورقة و يأخذ منه نسخة يعربها، و عند الملاقاة يقرأ تلك الورقة على كبير الدولة، فيجيبه في ورقة يقرأها كذلك، فقرأ تلك الورقة جهرا كبير الدولة، فلما وصل إلى الكلام على‏

____________

(1) يقصد ترجمتها إلى اللغة الفرنسية.

(2) «... نعلمك أنه أيده الله مسرور بهذه المحبة الجديدة ... و يراعى حق الجوار و نجازيكم على لسانه ...

بتوجيه سفيركم المسيو «طيسو» لتهنئته بالجلوس على سرير ملك أسلافه ... و نرجو أن نرجع من حضرتكم بما يزيد هاتين الدولتين رسوخا ... و نؤمل أن يوصي من يعينه للمفاوضة معنا في الأمور ... و يسهل طريق البلوغ إلى رفع الضرر الحاصل فيها ...». النص الكامل لخطبة الزبيدي.

ابن زيدان، إتحاف، 2: 282، 283.