إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار

- إدريس الجعيدي المزيد...
479 /
155

ذلك الكتاب الشريف‏، إلتفت إلى صاحب السر المذكور، فناولته له باصطلاح ما تقدم، فأخذه من يدي و ناوله لكبير الدولة فأظهر به فرحا و تعظيما و ناوله لوزير الأمور البرانية كان متأخرا عنه عن يمينه، و عند تمام قراءة تلك الورقة عربها الترجمان لكبير الدولة، بل قرأها، و كانت عنده معربة. ثم أخرج كبير الدولة ورقة و قرأها كالسر بأدب و انخفاض رأس، و ضمنه ما تقدم/ 79/ من الترحيب و الفرح و السرور.

ثم خرجنا و وصف تلك القبة لم أحط به لعدم الالتفات لذلك. و إذا كانت الأماكن العامة على الصفة السابقة، فكيف بقبة الأمير. فخرجنا، فأخذ أصحاب الموسيقى في عملهم ثانيا حتى خرجنا من المشور، و رجعنا إلى الدار.

و بنفس وصولنا إليها رجع قائد المشور، و أخبرنا أن وزير الأمور البرانية يطلب منا الطلوع إلى داره في تلك الساعة، فرجعنا ثانيا، و دخلنا إلى القبة الثالثة، فوجدناه واقفا فيها و معه رجل آخر كاشفين رأسيهما و جرى بينهما كلام‏ ببعض ما تقدم‏

____________

(1) انظر نص هذه الرسالة السلطانية المؤرخة عام 1292 ه بالإتحاف، و مما جاء فيها: «... فالمحقق عندنا أن تقابلوه و من معه بما عودتهم المرة بعد المرة ... و تصدقوه فيما يذكره لكم من المصالح التي تعود بالخير على الإيالتين ... و تنظروا فيها بعين الإنصاف ... حتى يرجع مقضي الأوطار ...».

(2) الدور ديكازLouis Charles Elie -Decazes ولد بباريس (1819- 1886 م) شغل منصب وزارة الخارجية الفرنسية ما بين (1873 و 1877 م)،Dictionnaire d`histoire Universelle -Bordas .

(3) و مما جاء في جواب ماك ماهون «.. فالمرجو من سعادة السفير أن يعتبر اقتبال بلدنا و فرحها به دليلا مبينا لمحبتنا في الحضرة الشريفة ... و تجعلونه أقوى دليل لتسهيل ماموريتكم بما يعود بالمنفعة على الدولتين ...». (المرجع السابق).

(4) قدم الزبيدي خلال لقائه الأول مع وزير خارجية فرنسا يوم الجمعة 8 يونيو سنة 1876 م، ما تراه الدولة المغربية من حلول مناسبة للحد من تفاحش مشكلة الحماية القنصلية- نسبيا- المطلب الأول:

محفظة سفارة الزبيدي (الوثائق الملكية، عدد 5: 628).

1- قصر الحماية على المستخدمين مع القناصل، و على السماسرة الذين يعملون مع التجار الأجانب، على أن لا يتجاوز عدد المحميين منهم سمسارين لكل دار تجارية كبيرة.

2- قصر الحماية التي يمنحها القناصل على سكان الموانئ وحدهم دون أن تمد إلى سكان المدن الداخلية.* * *

156

عند كبير الدولة، و ناولنا القهوة بتلك القبة، ثم خرجنا من عنده فتبعه صاحب السر إلى باب القبو الأولى و أعلمه أنه يأتي إليه غدا. يعني يوم السبت‏ السابع عشر منه، لكن لم يعين وقت المجي‏ء. ثم عرض لهم مجلس في ذلك اليوم، و تعذر عليه القدوم، فوجه رجلا معتذرا عنه بسبب عدم مجيئه، و أخبر أنه سيأتي في الساعة الأولى من يوم الأحد/ 80/ الثامن عشر منه‏. فقدم في تلك الساعة و جرى بينهما كلام بمضمن ما تقدم‏، و أخبره أن كبير الدولة أمر بإنشاء فرجة مسابقة الخيل عندهم، و ذلك لأجل فرحه بقدومنا. و أن نطلع بقصد الفرجة فيها في تلك الساعة لمحلها.

فرجة المسابقة

فركبنا في الأكداش، و صرنا إلى محل بطرف البلد متسع غاية. و إذا به خلق كثير

____________

* * * 3- إلغاء صكوك الحماية التي منحها القناصل لبعض سكان الأرياف، بحيث لا يجوز منح الحماية لمن يسكن في البادية.

كما سيأتي ملخصا في رسالة الزبيدي إلى الوزيرDecazes بتاريخ 23 يونيو سنة 1876 م أثناء استعداد السفارة لمغادرة باريس في اتخاه ابروكسيل.

المطلب الثاني: عرض فيه قضية الشرفاء العلويين- أولاد السلطان عبد الملك ابن إسماعيل المستقرين بقرية تيوت المغربية، كان الاحتلال الفرنسي قد ألحقها بالجزائر بعد معركة إيسلي سنة 1844 م.

(1) 10 يونيو سنة 1876 م.

(2) 11 يونيو سنة 1876 م.

(3) خلال اللقاء الثاني أبدى الوزير دي كازي استعداد حكومته لإجابة المغرب إلى بعض مطالبه، كما رفض الاستجابة لمطالب أخرى، كعدم منح الحماية لسكان الأرياف، رغم أن اتفاقية ابن ادريس- بيكلار تنص عليه، فكتب السفير الزبيدي إلى بركاش يخبره بما جرى بينهما من حديث (هذه الرسالة مفقودة) لكن يوجد جوابه عنها، و هو يتضمن خلاصة ما ورد فيها حسب الطرق المتبعة في مراسلات ذلك العهد. انظر نص هذا الكتاب إتحاف، م. س، ج 2.

157

وجم غفير، كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداع. فدخلنا إلى محل خاص لا يدخله إلا المأذونون لدخوله من أهل القرب و الاختصاص‏. و فيه قبب مبنية مرتفعة. فطلعنا إلى إحدى القبب، فوجدنا فيها بعض الناس من خواص الدولة، و إذا بكبير الدولة معهم. فحين رأى الباشدور صاحب السر المذكور، قام إليه، و نزع ما كان على رأسه بشماله، و صافحه باليمين و مرحب و ما قصر في البشاشة و التعظيم، ثم زاد معه إلى دربوز مشرف على تلك الخلائق، و رجع إلينا حيث رآنا بقينا واقفين لم نتبعهما إلى المحل الذي زادا إليه، و تكلم معنا/ 81/ فقال لنا ترجمان كان هناك/:

يقول لكم إن شئتم فادخلوا معه إلى ذلك المحل الذي دخل إليه الباشدور، و إن شئتم فاصعدوا إلى القبة الفوقية، فصعدنا إليها أدبا مع الباشدور، لأن ذلك المحل كان معه فيه كبير الدولة و زوجته و بعض خواص الدولة، و حين ارتقينا إلى الأعلى أشرفنا على جميع تلك الخلائق، و هم على فرقتين، فرقة في الجهة التي فيها قبة كبير الدولة و لا يدخلها إلا من يعطي قدرا موظفا للمخزن، و هم نحو النصف من تلك الخلائق، و امتدوا يمينا و يسارا، و الفرقة الأخرى في الجهة المقابلة لهم، و هم لا وظيف عليهم، و بين الفرقتين فضاء متسع ممتد بامتداد الفرقتين‏. فيه تتسابق الخيل، و العرف عندهم في هذه المسابقة أنه يخرج عدة من الفرسان، و يشرعون في العدو في آن واحد حتى يصلوا علامة قبالة القبة التي كان فيها كبير الدولة، ثم يستمرون على عدوهم و جريهم إلى منتهى الفرقة التي عن يمينهم فيرجعون و يلوون عن اليمين، و يستمرون‏

____________

(1) ابتداء من سنة 1814 م انتشرت مسابقات الفروسية بمجموع القارة الأوربية، و كانت أنجلترا سباقة في هذا الميدان. و قد نظم نابليون الأول منذ سنة 1807 م أولى مسابقات الخيول بفرنسا، فأصبحت تقاليد هذا اللعب مع مرور الوقت تدخل المجتمع الفرنسي و تتطور تدريجيا بدعم من الدولة.

Grand Larousse EncycloPedique, L. Larousse, Tome 2, P. 358.

(2) حلبةChantilly لسباق الخيل افتتحت لأول مرة في ماي 1834 م بحضور أزيد من 000، 30 متفرج. و أصبحت أهم حلبة بباريس، تمتد على مدار بيضوي الشكل طوله 3200 متر. (نفس المرجع).

158

كذلك و هم يدورون/ 82/ بتلك الفرقة إلى أن يرجعوا إلى المحل الذي كان منه ابتداء مسابقتهم، و يستمرون كذلك حتى يصلوا إلى قبالة تلك العلامة، قبالة كبير الدولة المذكورة. فمن سبق و وصل إليها أولا يقبض ستة آلاف ريال من المخزن، و لعلها من الوظيف الذي يوخذ من الفرقة التي فيها قبة كبير الدولة. و قد وقعت المسابقة عندهم في ذلك اليوم بمحضرنا ثلاث مرات، فحين كان يعزم أحد المتسابقين إلى تلك العلامة، يسمع ضجيج عظيم من الفرقتين كأنهم يمدحون السابق و يسخرون ممن تأخر. و قد قيل إن مقدار ما قطعته الفرسان في جريها في المرة الثالثة هو واحد و عشرون مائة متر. و كنت إذ ذاك أحاول ضبط ذلك القدر، فرصدتهم حين الابتداء في المسابقة في المرة الثانية إلى أن وصلوا إلى العلامة، فكان ما بين صدورهم عنها و رجوعهم إليها مقدار عشر دقائق. و ذلك في المرة/ 83/ الثانية التي قيل فيها إنهم قطعوا في مسابقتهم اثنتين و ثلاثين مائة متر. فانظر في ذلك لأنك إذا قسمت هذا العدد على ستمائة التي هي مقدار أجزاء العشر دقائق مدة مسابقتهم في هذه المرة الثانية، كان مقدار ما ينوب الجزء الواحد من أجزاء الدقيقة الواحدة المجزءة إلى ستين جزءا هو خمسة مياتير و ثلث، و هي مقدار أحد عشر ذراعا عندنا تقريبا.

____________

(1) في الأصل يرجعون- خطأ-.

(2) في الهامش طرة من إنشاء نجله عبد القادر بن إدريس الجعيدي (1880- 1858 م) حسب سجلات الحالة المدنية بسلا، و الذي حاول إصلاح ما ذكره والده من أن الخيل تقطع في الساعة الواحدة- 33. 16 ميل. فسجل ما يلي:

الذراع المعني- 48 سنتيم، على أن الميل فيه 2000 ذراع و هو المشهور.

صوابه 800، 18 ميل 6600 لكن هو الآخر وقع له 6600

فقطعها في 10 دقائق 6* خطأ في عملية الضرب 6* مسافة 6600 ذراع 000، 37 6000، 39

2+ 2-

00، 18 ميل 800، 19 ميل‏

و الله أعلم. و كتبه نجله عبد القادر لطف و متع برضاه آمين.

159

فتكون تلك الخيل قطعت في العشر دقائق على هذا ستة آلاف ذراع و ستمائة ذراع، هي مقدار ثلاثة أميال و ثلث ميل تقريبا، فعلى هذا تقطع الخيل في جريها في الساعة الواحدة بذلك الاعتبار ستة عشر ميلا و ثلث ميل أيضا. فإذا جعلت تلك المياتير محيط دائرة كان تكسيرها مياتير ثمانمائة ألف ميتر، و أربعة عشر ألف متر، و تسعون مترا و عشرة أجزاء من أحد عشر جزءا من المتر الواحد هكذا 814090 م/ 84/ قطرها ألف متر و ثمانية عشر مترا و زيادة، و ذلك قريب من ميل واحد، و المحل الذي كانت فيه المسابقة كان بمرأى منا و أرضه مبسوطة، و بينه و بين منتهى البصر بعد كثير، لهذا استبعدت ما ذكر من عدد المياتير 3200 التي قيل إن الخيل قطعتها في المرة الثالثة. و عند انفصال هذه الفرجة و نزولنا من تلك القبة وجدنا كبير الدولة في سقف القبة الوسطى، فتكلم مع الأمين المشار إليه كلاما عربه مترجمه بقوله: إن كبير الدولة عزم أن يجعل لكم عزومة، يعني ضيافة و يحبكم أن تطلعوا لداره يوم الأربعاء قليلا. فقال له حبا و كرامة. ثم رجعنا إلى محلنا في الأكداش.

فابريكة أواني المعدن‏

في يوم الإثنين التاسع عشر منه، ركبنا في أكداش المخزن أيضا في المساء حتى وصلنا إلى دار فابريكة صنع الأواني و الأثاث المعدنية، فوجدنا فيها خلقا كثيرا

____________

(1) يقصد جائزةDiane التي تجري في مسافة 2100 متر. و جائزةJockey -Club مسافتها 2400 متر المشهورتين.G .Dictionnaire Larousse (EncycloP) .

(2) إذا راجعنا حساب مساحة هذه الدائرة (14، 3-)

القطر- المحيط مقسوم على 14، 3- 1019 م. و عند الجعيدي القطر- 1018 م‏

مساحة الدائرة- (الشعاع) 2* 14، 3- 6، 112. 815

أكبر بقليل من المساحة التي ذكرها الجعيدي- 090، 814 م. لاختلاف في تقدير نسبة

(3) 14 يونيو سنة 1876 م.

(4) 12 يونيو سنة 1876 م.

160

و أواني و أثاثا مختلفة الأشكال، لا تكاد تحى،/ 85/ فرأينا الأواني المستديرة كالصينيات و غيرها تدور في المخرطة، و كذلك صينيات أتاي على شكل البيضة كذلك تدور في المخرطة، غير أنها ليست مقبوضة في ناعورة المخرطة من الوسط، بل من الطرف. و حين الخرط تراها ترتفع و تنزل فتخرج الدوائر التي بها على شكل البيضة موازية لها، من غير انحراف و لا تفاوت، مع أن شكل البيضة يحتاج في رسمه إلى عمل هندسي صعب المباشرة، كما في الشكل العاشر من المقالة الثالثة من كتاب أوقليدس‏. و هذا من العجب و الأمر المستغرب. و هذه الأواني أصلها نحاس أحمر كما شاهدنا. و كلها لها قوالب عديدة، منها ما فيه نقش، و منها ما ليس فيه نقش. و عند فرغها تدفع لمن يمسحها و يصقلها، و من الأواني ما يكون مركبا من أجزاء، كبعض براريد المعدن و غيرها. بعد فرغها ثم تضم أجزاؤها/ 86/ بعضها إلى بعض، و تشد بالسلك، و توضع فوق مجمر كبير مملوء فحما و رجل يقابله، و عن يمينه كير يمسك جعبته بشي‏ء بيده، و يقابله بتلك الآنية، و يحرك خيطا عن يمينه فتخرج من فم تلك الجعبة نار زرقاء تلتهب، و يرسلها على تلك الآنية التي فوق ذلك المجمر، و على الفاخر الذي فيه، فيدير لهبها على الآنية يمينا و يسارا، فلم يكن غير هنيئة إلا و ترى تلك الآنية تلتهب و بذلك تلتئم أجزاؤها.

____________

(1) أقليدس الرياضي اليوناني المشهور بالهندسة، ألف في علم الرياضيات عدة تآليف قد فقد أكثرها، و من أشهرها كتابه المعروف بأصول أقليدس أو كتاب أوقليدس، و هو مقسوم إلى 15 كتابا على شكل موسوعة للفنون الرياضية، و مع أنه ألف منذ 23 قرنا لم يزل إلى الآن يعتبر دستورا لتلك الفنون، و قد شرحه العرب في شروح كثيرة وصلت إلى أوربا بواسطة الترجمة إلى العربية.

دائرة المعارف، المجلد 4: 93.

161

صفة تذهيب بعضها

فإذا أرادوا صبغها بالمعدن‏ يأتون بها إلى صناديق من نحاس مملوء ماء، طوله نحو ذراعين و عرضه نحو ذراع و نصف، و علوه كذلك. و هذه الصناديق هناك كثيرة غاية، و على كل وجه صندوق فتقيات نحاس بها ثقب كثيرة، معقود فيها خيوط من سلك نحاس، فيعقد في أطرافها الآخر الأواني، و ترسل في ذلك الماء الذي في الصندوق.

و هذه الفتقيات الموضوعة/ 87/ على وجه الصندوق أعني موضوعة على عرضه، و يقاطعها جعبات موضوعة على طوله، و لعلها فيها كهرباء الصبغة، لأن الأواني التي تكون في الماء الذي في الصندوق لها اتصال بتلك الجعبات بواسطتي السلك و الفتقية الموضوعة على الجعبة، و لو لم تكن هذه الجعبات ما أفاد ذلك الماء شيئا في الأواني، لكن مع وجود صندوق به ورقات فضة خالصة كما قيل، رأيناها موضوعة في الصناديق، فرأينا في بعض الصناديق معاليق معلقة في تلك الفتقيات بالسلك، فتبقى هناك قدرا معلوما عندهم، ثم يستخرجونها بيضاء كالفضة، فتدفع لمن يمسحها و يصقلها، و قيل لنا هناك إنهم إذا أرادوا صنع أواني يزنوها حتى يعرفوها أي قدر وزنها، و عند خروجها من الصناديق يزنونها أيضا ليعرفوا قدر ما أخذت من المعدن.

و رأينا في صهريج عندهم ماء كثيرا، و في أحد جوانبه حجر أزرق موضوع في الماء، لعله يذوب/ 88/ فيه. و كبير هذه المكينة يدور معنا ببشاشة، و يساعدنا غاية المساعدة فيما نطلب منه. ثم انتقل بنا إلى محل آخر وجدنا فيه صناديق أخر مملوءة

____________

(1) يقصد أساليب التعدين الكهربائي. يمكن إحداث تفاعلات كيميائية بتحريرنا التيار الكهربائي، و نلجأ إلى هذا الأسلوب حين نريد أن نكسو معدنا ما بطبقة رقيقة من معدن آخر (تلبيس المعاد).

الرسم أ- مخطط لأسلوب تلبيس المعادن، حيث نرسل التيار، يذوب المعدن (1) الفضة مثلا، المثبت في الآنود+ (قطب موجب)، و يستقر على المعدن الذي نريد تلبيسه. و الذي وضع في الكاتود- (قطب سالب). بهذه الطريقة نحصل على الزرنخة أو التلبيس الكرومي، و على التنحيس أو التصفيح بالنحاس، و التفضيض و التزنيك. (الموسوعة العربية). (انظر الرسم في ملحق الصور و الرسوم صفحة 4).

162

ماء، و الجعبات موضوعة عليها، و تكلم مع بعض الخدمة، فأخذ سكينا صغيرا بيده و عقده في قطعة سلك و أرسله في ذلك الماء، و قبض رأس السلك الآخر و حكه في تلك الجعبة، ثم استخرجها عاجلا فإذا بالقدر الذي كان في الماء خرج مفضضا حينه، ثم أرسلها كذلك في صندوق آخر مراعيا لذلك العمل، و ترك منها قدرا مفضضا و أخرجها، فإذا بالقدر الذي كان منها في ذلك الماء خرج مذهبا تذهيبا جيدا، ثم أرسلها في صندوق آخر، و أخرجها منه بعدما حك رأس السلك في الجعبة، و ترك منها قدرا مذهبا، و أخرجها فإذا بالقدر الذي كان منها في ذلك الماء خرج مذهبا تذهيبا دون الآخر، يضرب إلى الخضرة. ثم رجعنا في الأكداش إلى محل نزولنا.

الدار التي تباع فيها أواني البلار

و في مساء/ 89/ يوم الثلاثاء العشرين منه‏ ركبنا في أكداش المخزن أيضا، و سارت بنا إلى أن وصلنا إلى محل قيل لنا تباع فيه أواني الزاج و الثريات و غيرها.

فدخلنا إليها فوجدنا في أسفلها صناديق عود تملأ بالأواني لتسافر لمحل آخر. فصعدنا إلى طبقة فوجدنا فيها كتابا عديدين بيد كل واحد كناش و مكتبة. ثم صعدنا إلى الطبقة التي فوق هذه فوجدنا براحها متسعا غاية. طوله مائة و سبعون رخامة، كل رخامة طولها أقل من ذراع بقليل، و عرضها نحو ست و ثلاثين‏ رخامة، و هي مقبية

____________

(1) 13 يونيو سنة 1876 م.

(2) حتى بداية ق 19 م كان المخزن أو الدكان الصغير أو المتوسط، و تجارة الباعة الجوالين، هما الشكلان التقليديان للتجارة، و مع بداية التصنيع (و ارتفاع مستوى الاستهلاك) ظهرت أنواع جديدة من المشاريع و هي المؤسسات الكبرى التي يمكننا أن نتفحص و نلمس البضائع، و أن نشتريها من أجنحة مختلفة ..

إلخ. و أول مخزن كبير وجد في فرنسا مثلا هو «لوبون مارشيه» سنة 1832 م، ثم تطورت إلى صيغة المخازن المتعددة الفروع. (موسوعة عربية عالمية). و لعله يقصدGaleries Lafayette .

(3) في الأصل خطأ، ست و ثلاثون.

163

بالزاج، و بجدرانها خزائن عود محيطة بها، و بوسطها صفان ممتدان على طولها فيه خزائن أخرى عود. و في هذه الخزائن من أواني الزاج ما لا يقدر على وصفه، و هناك أواني عمل التينة. و أما الخزائن التي في الوسط فطولها أقل من قامة الإنسان‏، و على وجهها أواني و أثاث و محابق النوار/ 90/ مصنوع فيها صور طيور صغيرة أصغر من البرطال. في ريشها ألوان، في أسفل كل محبقة مكينة، داخلها تملأ بساروتها و يحرك بعد ذلك شي‏ء بارز قرب فرجة المفتاح، فيأخذ ذلك الطائر يتكلم بصوت الطائر المعروف عندنا بأم الحسن‏، و عند تكلمه يدور يمينا و يسارا، و في المحبقة طائر آخر بارك كأن تحته بيضا، لا يتكلم و إنما يلتفت كذلك عند تكلم الآخر. و هذه المحابق هناك كثيرة بقصد البيع. و هناك ثريات معلقة في السقف، و هي ثلاثة صفوف منها على طول ذلك البراح كبيرة و صغيرة مختلفة الأشكال و المقدار. و بالجملة فهناك من أواني الزاج و الأثاث عمل التينة مصطفة بتلك الخزائن مع طول هذه البقعة و عرضها، في محيطها و وسطها ما لا سبيل إلى حصره أو وصفه. و هناك كتّاب عديدون نساءا و رجالا. و حين سمع نساؤهن بأننا هناك خرج بعضهن بقصد رؤيتنا لأنهن يستغربن زيّنا و يتعبن منا/ 91/ فالتفتت إلينا إحداهن، فتذكرت ما قيل في مثل ذلك:

بدار الزاج قمر* * *فضحت زين العجم‏

____________

(1) تقدر ب 56، 1 متر.

(2) في الأصل تملؤ. سبق قلم.

(3) أو الحسون طائر صغير حسن الصوت ذو ألوان جميلة، و قد هام بصوته الشعراء بالمغرب و الأندلس.

(المنجد).

(4) يقصد التحف الفخارية الآتية من بلاد الصين المزخرفة بماء الذهب و ألوان زاهية، و التي تتميز بها الصناعة الصينية، التي تنطق من طرف بعض المغاربة التينة، و قد انتقل فن هذه الصناعة الفخارية اليدوية إلى البلاد الأوربية، و بقيت تسمى باسمها. (الشينة أو الصينية).

(5) هذا الشعر به خلل ببعض أشطاره. تتأرجح بين إيقاعات مختلفة: مضارع و مجتث و مجزوء الرمل.

164

سلبت عقل رامق‏* * *سلب عقل بصدام‏

هام من حسنها وجدا* * *ذو عفاف و كرم‏

و هي من نور حسنها* * *نقتبس محو الظلام‏

قلت جد لي بوصال‏* * *قالت فاقرأ سلامي‏

إن بالحل وطني‏* * *أنتم أهل الحرم‏

صدقت فيما نطقت‏* * *و حقا قالت حدم‏

ثم رجعنا في الأكداش إلى محلنا.

فابريكات صنع الماريوس‏

في يوم الثلاثاء العشرين من جمادى المذكور، ركبت مع الأمين المذكور في كدش في الضحى، و انتهينا إلى فابريكة صنع الماريو، فوجدنا بأسفلها معلمين نجارة مشتغلين‏ بنشر العود بالمكينة. و كيفية النشر هنا مثل كيفية نشر النشار التي/ 92/ سبق بيانها. فرأينا بيد أحد المعلمين قطعا من العود مثل جوازي‏ السقف مخططة طولا بجعل الخيط و هو الخيط المعروف عندنا مسامتا للناعورة، و يدفعه إليها دفعة

____________

(1) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

(2) 13 يونيو سنة 1876 م.

(3) في الأصل خطأ، معلمون نجارة مشتغلون.

(4) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

165

واحدة فتشقه في لظة على طولها في حال دورانها. و بعض هذه الجوائز ينشرها عرضا قطعا صغيرة فتراه كأنه يأخذ الزبدة بالحديد، و بعض المعلمين وجدناه ينشر فتقيات صغيرة مرسومة فيها دوائر و تعريج منشار الدور. و له كيفية خاصة، و ذلك أنهم يأخذون خيطا من الهند مبسوطا رقيقا، عرضه كحرف الريال، و يفتحون في أحد حرفيه منشارا، و يصلون بين طرفيه وصلا متقنا حتى لا يكاد يتميز الوصل من غيره، و يدخلون فيه ناعورتين. إحداهما عليا و الأخرى سفلى. ثم يحرك بعضهم‏ آلة المكينة فتدور الناعورتان دورانا خفيفا، و بدورانهما يدور المنشار المذكور، فيأخذ المعلم الفتقية التي يريد نشر ما رسم فيها من الدوائر و التعريج، و يحادي بها المنشار فيشقها/ 93/ متابعا لتلك الدوائر، ثم صعدنا للطبقة الأولى وجدنا فيها صناديق كبيرة تسمى ماريو. منها ما هو بالزاج، و منها ما هو بدونه، و وجدنا براح هذه الطبقة مملوءا بهذه الصناديق. و هناك طبقة أخرى فيها صناديق أيضا على أشكال كثيرة. و بهذه الدار تصنع أحكاك‏ الباعة الرفيعة، منها ما هو منبت بالحجر النفيس، و منها ما عليه الكتابة بالتذهيب. فمن أحب حكا منها و أراد كتابة شي‏ء على ظهره يكتب له فيه الإسم الذي أحب، أو حكمة بخط مشرقي رفيع. و أما ثمن كل حاجة من ذلك فيكاد يستبعد.

قشلة مرضى العسكر و قبر نابليون‏

و في مساء هذا اليوم ركبنا في الأكداش المخزنية، و توجهنا إلى قشلة فيها المرضى‏

____________

(1) في الأصل خطأ، بعض.

(2) يقصد أحقاق أي صناديق صغيرة الحجم منقوشة و مزخرفة.

(3) يقصد متحف ليزانفاليدLes invalides أو قصر العساكر العاجزين، عبارة عن قصر كبير به غرف كثيرة بها قدماء المحاربين أنشأنها الملك لويس الرابع عشرLouis XIV) 1715- 1638 م) لإيوائهم، و لما جاء نابليون جدد بنيتها و زاد فيها.Grand EncycloPedie ,N :8 ,P ,719 .

166

من العسكر، من وقت حربهم مع ابروسيا، فوجدنا هناك أناسا كبارا مصفرة وجوهها، و عليها سلاحها و نواشين مراتبها. فتلقوا صاحب السر بالتعظيم و الترحيب، و تكلم معهم بما يناسب الحال، و دخلنا إلى مطبخة/ 94/ عامة العسكر، فوجدناها متسعة غاية، و فيها ثمانية طناجير كبيرة، كل أربعة في تربيعة خاصة، و طنجير كبير تطبخ فيه القهوة لهم. ثم في مطبخة الخواص من العسكر طناجير أيضا منفصلة عن مطبخة العامة بقريب.

قبر نابليون‏

و بقرب هذه القشلة قبر ملكهم نابليون الأول‏، قيل لي إنه أوصى‏ بأن يدفن بتلك القشلة، لأن فيها عسكره، و هم أولاده، و هو أحب أن يدفن بين أولاده، و القبر على كيفية خاصة، و هي أنك إذا وصلت إليه تجد حفرة عظيمة مستديرة مبنية بالرخام، ...... و يحيط بها سوار من الرخام، بني عليها قبة عظيمة، فنزلوا بنا في درج عديدة متسعة، حتى أشرفنا على القبر من دربوز من الرخام محيط بالدارة التي في وسطها القبر، و في وسط براحها رخامة سوداء طولها نحو ستة أذرع، في عرض أربعة أذرع، و علوها نحو ذراع. و فوق هذه/ 95/ الرخامة رخامة أخرى طولها

____________

(1) مقاطعة من ألمانيا الشمالية عاصمتها برلين، كان لملوكها الدور الأول في توحيد ألمانيا بعد أن هزمت فرنسا عسكريا في حرب (70- 1871 م) بقيادة بسمارك.

(2)NaPoleon I ولد في أجاكسيو (1769 م)، من أشهر قواد الحروب و الحملات، توج إمبراطورا لفرنسا (1804 م). انكسر في معركة و اترلو، و نفوه الأنجليز إلى جزيرة سانت هيلين بإفريقيا الغربية، و مات بها سنة (1821 م). فاستخلصت جثته منهم و دفن بهذا المتحف (1840 م).

Grand EncycloPedie, N: 8, P. 719.

(3) وصيته منقوشة على أحد جدران ضريحه نصها: «إني أحب أن تدفن رفاتي على ضفاف نهر السين بين أبناء شعبي الذين أتفانى في حبهم». (نفس المرجع).

(4) بياض بقدر ثلاثة كلمات.

167

نحو أربعة أذرع، و عرضها نحو ثلاثة أذرع، و علوها نحو ثلاثة أذرع أيضا. وفق هذه الرخامة صندوق رخام أسود أيضا، يقال إن نابليون المذكور في ذلك الصندوق، و قدام هذه القبة قريبا منها قبة أخرى أعلا منها، مقبية بالزاج، به طلاء كالتذهيب، و الشمس مشرقة عليه، فتحسبها نارا تتوقد في تلك القبة، و تحتها صورة آدمي مرفوع على شي‏ء لم أدر ما هو. و من يرى ذلك بعين المباهاة و الافتخار، فإنا رأيناه و الحمد لله ببصيرة الاعتبار، و نفوذ حكم الواحد الجبار، لمن الملك اليوم لله الواحد القهار.

صور المحاربين و آلات الحرب في سالف الزمان‏

ثم خرجنا من تلك البقعة و أوتي بنا إلى بيوت فيها صور محاربين فيما سلف بنحو ثلاثمائة سنة كما قيل، و هم لابسون الزرد و البيض‏ على رؤوسهم، لا يرى من وجوههم شي‏ء و تلك البيضة مسبلة على وجوههم، فيها ثقب مسامتة/ 96/ لأعينهم و أنوفهم و أفواههم. منهم من هو راكب على فرس و لجامه بيد الراكب عليه، و الطرادة بيده، و عن يمينه و يساره صور أخرى. و هم متتابعون‏ على هذه الكيفية، و الدبابيز التي كانوا يقاتلون بها موضوعة هناك، لأن ذلك كان قبل ظهور البارود كما قيل. و وجدنا هناك المكاحيل التي صنعت حين ظهور البارود، و طولها نحو ستة أذرع، و هي غليظة جدا لها نجش يقال إنهم كانوا يخرجونها بلا زناد، بل كما يخرج المدفع، و هي مختلفة في الطول و القصر. و هناك صور بعض أهل الهند فرسانا و رماة،

____________

(1) بوسط الضريح مقصورة يتوسطها المسيح و هو مصلوب. (نفس المرجع).

(2) يوجد بقصر ليزانفاليد متحف للعدة الحربية القديمة. (نفس المرجع السابق).

(3) الدرع المزرودة يتداخل بعضها في بعض. ج. زرود. (المنجد).

(4) مفردها البيضة و تعني الخودة التي تجعل على الرأس للتوقي من ضربات السيوف و القنابيل. (الموسوعة العسكرية، 2: 189.).

(5) بحيث يخيل للمرء أنه وسط جيش من القرون الوسطى.

168

يتخيل للناظر أنهم موتى، و عليهم الكافور، و عليهم السيوف و آلة الحرب، و هناك سيوف عديدة، و أسلحة كبيرة قديمة هناك و هي مصقولة ممسوحة تحسبها جديدة.

و هناك طرادات بالية متلاشية، قيل إنها طراريد ما ملكوه‏ من الأجناس عند محاربتهم. و عند خروجنا من/ 97/ هذه البيوت إلى تربيعة كالمشور، فيه مدافع صغيرة و كبيرة قائمة على قعرها مع الجدرات، قيل إنها أخذت للأجناس عند محاربتهم معهم.

الحضور لتسراد العسكر و كيفيته‏

و في يوم الخميس الثاني و العشرين من جمادى الأولى‏ طلعنا بإذن كبير الدولة لحضور تسراد عسكره، و ذلك في الساعة الثانية، فركبنا في الأكداش المخزنية، فلما قربنا إلى ذلك المحل و هو المحل الذي كانت تتسابق فيه خليهم‏ ضاقت بنا الطرق، و ضاق ذلك الفضاء من كثرة ازدحام الخيل و الأكداش المارة لهذه الفرجة، و بقينا واقفين‏ هنيئة حتى ظننا أننا لا سبيل لنا إلى الوصول للمحل المعين لنا، فلم يكن غير قليل إلا و قد أتى عدد من العسكر يفسحون لنا الطريق، فبقيت الخيل و الأكداش التي فيها غيرنا واقفة في محلها حتى مررنا و وصلنا إلى القبة المعينة لنا، فصعدناها و ارتقينا سطحها فأشرفنا على جميع ما هناك من الخلائق، عسكر و غيرهم، لا سبيل لحصر عددهم إلا للمتكفل/ 98/ بمددهم، و لم يكن كبير الدولة في هذه القبة، لأنه كان راكبا بقصد تسراد العسكر بيده، و إنما وجدنا فيها بعض أعيانه و خاصيته، و كان‏

____________

(1) الأسلحة التي غنمها العساكر الفرنسيون، مع رايات الأقسام العسكرية. و بعض من أسلحة رجال الثورة الفرنسية، و مدافع ضخمة من عهد نابليون الأول، و الكثير من الآثار و الآلات الحربية.

Grand EncycloPedie, N: 8, P. 719.

(2) 15 يونيو سنة 1876 م. يقصد الاحتفال السنوي بعيدي النصر و الجمهورية.

(3) حلبة الخيل‏(Cantilly) المذكورة سابقا تتحول إلى ساحة لإجراء الاستعراض العسكري.

(4) في الأصل خطأ، واقفون.

169

العسكر إذ ذاك مفرقا فرقا فرقا، كل فرقة بمحل فرق الفرسان وحدها، و فرق الرماة وحدها، و هم متتابعون، كل فرقة تلي الأخرى. و كان كبير الدولة و اسمه المارشال‏ قد خرج راكبا فرسه، و معه نحو مائتين من كبراء عسكره، و أتى إلى محل متسع، و الفرق من العسكر وراءه، و عن يمينه و يساره عن بعد منه، بحيث استقر كبير الدولة بذلك الموضع و هو قبالة القبة التي نحن في سطحها. أخذت فرق عسكر الرماة تمر أمام كبير الدولة يتقدمها الطنابرية، و أصحاب الموسيقا و عددهم نحو مائة، يقفون قبالة كبير الدولة، ثم يتبعهم واحد لا يحلق لحيته، و وراءه عشرة، و وراء هؤلاء العشرة فرسان متتابعون، نحو العشرة، بحيث/ 99/ يقرب الفارس الأول منهم لمقابلة كبير الدولة فيخفض سيفه إلى الأرض مسلما بذلك على كبير الدولة، فيجيبه بالسلم بنزع شمريره من رأسه، بحيث يمر هؤلاء الفرسان يتبعها ثمانية صفوف، كل صفين متقاربان، و بينهما، و بين الصفين اللذين بعدهما بعد، نحو عشر خطوات يكون في هذا البعد نحو عشرة رماة، كل واحد في موضع على غير نسق و لا تتابع، و في كل صف من هذه الصفوف الثمانية نحو مائة، لأنه لم يتأت حسابها. و بمرور هذه الصفوف أمام كبير الدولة، يكون الطنابرية و أصحاب الموسيقا ملازمين لمحلهم الذي تقدم ذكره، مشتغلين بعملهم، متابعين‏ لإشارة واحد منهم قدامهم، و يشير لهم بيده لا غير، كلما غير الإشارة يغيرون الضرب متابعة له، حتى تمر الفرق التي هي مضافة إليهم، و هي إما ثلاث فرق أو أربع أو أكثر. و لكل فرقة طنابرية، و أصحاب الموسيقا يمرون أمام كبير الدولة على الكيفية السابقة/ 100/ بحيث يسلم كبير الفرقة

____________

(1) حصل ماك ماهون على عصا المارشالية في واقعة ماجنتاMagonta) 1859 م الحملة الإيطالية).

Dictionnaire d`histoire Universelle- Bordas, V. 1. P. 5391.

(2) في الأصل ملازمون لمحلهم الذي تقدم ذكره، مشتغلون بعملهم متابعون- خطأ-.

170

الفارس على المارشال‏ و يجيبه على الكيفية المذكورة، و مع كل فرقة طرادة واحدة بيد الأخير من الصف الثاني من جهة الطنابرية لا من جهة كبير الدولة، و ظهر لي أن كل فرقة فيها ألف واحد من العسكر بحسب الطنابير و من بعدهم من أول الفرقة إلى آخرها، لأن ثمانية صفوف بثمانمائة، و نحو مائة من الطنابرية، و أصحاب الموسيقا و الأحد عشر التي خلف الطنابرية مع الرماة الذين بين الصفوف، و عددهم نحو السبعين لأن بين كل صفين نحو عشرة، فتكون جملة كل فرقة تقرب من الألف، لأن ذلك ليس معدودا عندي عدا حقيقيا، و إنما هو تقديري مع احتياط عدم الزيادة في ذلك. و الطرادة الواحدة التي في كل فرقة تؤذن بأن عددها ألف واحد، و الله أعلم. و حيث تمر الفرق الثلاث أو الأربع التي في حكومة الكبير الأول، يشير صاحب الغزولة الذي مع الطنابرية/ 101/ بها فيشير لهم الآخر بيده للذين هم متابعون له إشارة فيسكتون و يسيرون تابعين الصف الأخير من فرقهم التي مرت، و عند سكوتهم يشرع‏ طنابرية آخرون في الضرب مع أصحاب الموسيقا الآتين بعدهم، و يأتون للمحل الذي كان الطنابرية الذين مروا به مع الفرق التي مرت‏

____________

(1) عمل المارشال ماك ماهون بعد فوزه في انتخابات فرنسا ماي 1873 م، على الشيخ أدولف تييراAdolPhe Thiers المعتدل، و الذي كان ينفذ معاهدة فرانكفورت بولاء، بالاهتمام بإعادة تنظيم الجيش الفرنسي بعد هزيمته أمام ابروسيا (70- 1871 م)، فرأى بسمارك فيه وسيلة تهدف تسهيل التعبئة، و بالتالي دلالة على إعداد فرنسا للحرب، و تحدثت الصحافة الألمانية بسرعة عن قرب وقوع (حروب وقائية) سنة 1875 م. فأعطى الوزير ديكاز لهذا الحدث اتساعا أوربيا حينما طلب التأييد الدبلوماسي لبريطانيا العظمى و روسيا و قال: «إن ألمانيا عرضت أن من حقنا أن نبدأ، و في ظل استقلالنا الكامل في إعادة إنشاء قواتنا العسكرية». و كان هذا نجاحا للحكومة الفرنسية خاصة بعد تعاطف الجانب البريطاني و الروسي معها، فعمل بسمارك في انتخابات 1877 م على إسقاط ماك ماهون لفائدة الاتجاه الجمهوري بدعوى ضمان السلام في أوربا.

تاريخ العلاقات الدولية- القرن التاسع عشر (1815- 1914 م)، بيير رنوفان، ص. 447.

(2) المايسترو ينسق العزف بحركات يديه، و يعطي تعليمات إيمائية حسب تفاريق الانطباعات المطلوبة.

(3) في الأصل خطأ، يشرعون.

171

و يشتغلون بعملهم كما تقدم، ثم يمر الواحد ذو اللحية و العشرة بعده و الفرسان، فيسلم كبيرهم على كبير الدولة، فيجيبه كما تقدم. ثم تتبعهم الصفوف الثمانية على الصفة المتقدمة. هكذا كان دأب هذه العساكر الرجلية في التسراد. و عدد الفرق التي مرت على هذه الصفة أربعون فرقة. فهي مشتملة- و الله أعلم- على أربعين ألفا. ثم تبعتهم فرسان يجرون الكراريط حاملة صناديق مقفلة، قيل فيها الشواقير و غيرها من الآلة المحتاج إليها في السفر، و عددهم نحو ألفين، ثم أتت فرسان العسكر و معها الطنابرية و أصحاب الموسيقا و مروا صفا بعد صف/ 102/ و هم خمس فرق، و في كل فرقة نحو ألف كما تقدم، و مرت بعدهم أربعون فرقة من الخيل تجر المدافع، في كل فرقة ستة مدافع، كل مدفع يجره خمسة من الخيل، و العسكر راكب عليها، و على كل كريطة مدفع أربعة من العسكر. و عدد الفرق التي مرت على هذه الصفة أربعون فرقة، ففيها أزيد من ألفين، لأن بعض الفرق كان يمر فيها صفان من المدفع صفا إثر صف، فعلى هذا يكون جملة العسكر الذي حضر التسراد في ذلك نحو خمسين ألفا بين فرسان و راجلين، و من الناس من كان يقول إن ذلك العسكر قدره خمسة و ستون ألفا، و منهم من كان يقول ثمانون ألفا، و انظر ما مستندهم في ذلك.

و قيل إن ذلك العسكر الذي حضر التسراد هو عسكر باريس لا غير.

ضيافة عظيم الدولة للباشدور مرحبا به‏

و في يوم الأربعاء الواحد و العشرين من جمادى الأولى‏ ركبنا في الأكداش/ 103/ المخزنية في الساعة الرابعة غير ربعها للطلوع لدار كبير الدولة بقصد الضيافة، لأنه كان تقدم أنه أعلمنا بذلك يوم المسابقة و لم يكتف بذلك. بل في يوم‏

____________

(1) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

(2) 14 يونيو سنة 1876 م.

172

الثلاثاء بعده وجه لنا ثلاث ورقات، عين في كل ورقة منها اسم‏ من يطلع منا لهذه الضيافة. منها ورقة للباشدور صاحب السر المذكور، و الورقتان الباقيتان للأمين و الكاتب. فتوجهنا لداره، و هي خارجة عن البلد بنحو ساعتين بسير خيلهم‏ بالأكداش، و كان عين لنا أن يكون وقت قدومنا عليه في الساعة السابعة و نصف قبل الغروب بأزيد من نصف ساعة. بحيث قربنا من الدار، نزلنا و طلعنا لصالة و سرنا حتى وصلنا إلى دار كبير الدولة، فتقدم صاحب السر المذكور و نحن في أثره و دخلنا إليها في وسط ملإ من العسكر و الأعيان،/ 104/ فتلاقى به صاحب السر المذكور، فرأينا به سرورا كبيرا، و فرحا عظيما ظاهرا عليه و على خاصته. ثم سرنا نحو القبة التي فيها الغذاء فدخلناها فالتفت إلينا كبير الدولة، و تكلم بلغته، فقال لي رجل من عسكره كان بقربي‏: إنه يقول لكم مرحبا بكم، و أنه وكلني بالجلوس معكم لأبين لكم الطعام الحلال عليكم من غيره، و وجدته يحسن اللغة العربية، فجلسنا على الشوالي المحيطة بمائدة الطعام، فجلس صاحب السر المذكور عن‏

____________

(1) 13 يونيو سنة 1876 م.

(2) توجه الدعوات إلى مآدب الغذاء أو العشاء الرسمية قبل موعدها بوقت كاف، و يذكر في بطاقة الدعوة نوعها (عشاء- غذاء- شاي- ...) و ساعتها و عنوان المكان و نوع الملابس المطلوب من المدعو ارتدائها (الدبلوماسية- البروتوكول الإتيكيت المجاملة- أحمد حلمي إبراهيم).

(3) يخصص الكدش الأول لرئيس الوفد أو السفير، ثم يليه الأمين ثم كاتب السفارة، و أخيرا المخازنية، و كذلك في حالة السير على الأقدام أو الدخول من الباب و الصعود على السلم يتقدم الشخص الأول في السفارة للسلام على رب البيت الداعي (نفس المرجع: 14).

(4) بعد ساعة تقريبا من المحادثات و الترحيب و التعارف من الموعد الذي حدد في بطاقة الدعوة، يقوم السيد بدعوة ضيوفه إلى الانتقال إلى غرفة الطعام بإشارة بسيطة إلى باب الغرفة مصطحبا ضيف الشرف، يتوجه كل مدعو إلى مكانه الذي سيتأكد منه بوجود بطاقة صغيرة باسمه موضوعة في مكان ظاهر أمام أطباق الطعام. (نفس المرجع: 15).

(5) يراعي عند توجيه الدعوات إلى المآدب أن يختار من يتوقع منهم الانسجام من حيث الثقافة و اللغة و الميول السياسية. (نفس المرجع: 15).

173

يمين كبير الدولة و جلسنا نحن قبالتهما منحرفين عنهما يسيرا إلى جهة يمينهما، و جلس مع الأمين المذكور عن يمينه عسكري آخر يحسن العربية، فكان يبين لنا ما يحل أكله لنا، و مع ذلك فما تناولنا من تلك الأطعمة العديدة إلا يسيرا من الخبز بالزبدة، و شيئا من الأرز مطبوخا في الزبدة، و شيئا من الحلوى معقودة على الثلج لا غير، مع أنه حضرت أطعمة عديدة، و أنواع/ 105/ كثيرة، و حضر على هذه المائدة ما يزيد على الأربعين من كبراء الدولة كل واحد على شليته و قدامه‏ زيف أبيض من المكمخ يضعه على حجره وقت الأكل. و قدامه أيضا طبسيل فارغ و كأس للماء، و جنوي و فيجكة، و عند دفع الطعام يخرج رجال بيدهم طباسيل من المعدن كبيرة مملوءة بالطعام‏، فيمرون بها على الجالسين على المائدة، فكل واحد منهم يأخذ مما في ذلك الطبسيل بمغرفة القدر الذي يريده، و يضعه في الطبسيل الذي قدامه، و حين يوتى بطعام آخر ترفع تلك الطباسيل الصغيرة من بين أيديهم، و توضع غيرها. و يدور صاحب الطعام الثاني عليهم جميعا فيأخذون منه كما ذكر، ثم يأتي طعام ثالث و رابع و هكذا حتى مرت ستة عشر شكلا من أنواع الطعام كما هي مبينة عندهم في‏

____________

(1) إذا كانت المائدة مقتصرة على الرجال و تكريما لشخصية (ضيف شرف) يكون الجلوس حولها على الشكل التالي:

مكان الشرف على المائدة يكون في منتصف جانب المائدة على يمين الداعي، ثم توزع الأمكنة عن يمين و عن يسار مكان الشرف بأن يرتب المدعوون في كشف حسب أسبقياتهم و يعطون أرقاما توزع على المائدة طبقا للرسم التالي: (انظر الرسم في ملحق الرسوم و الصور صفحة 5).

(2) يكون طاقم الطعام و الشراب أمام كل جالس مكونا من عدد من الأكواب مساويا لعدد المشروبات المزمع تقديمها بالإضافة إلى كوب الماء، السكين عن يمين الطبق، و الشوكة على اليسار، و توضع المناديل بشكل خاص للاستعمال، و معلقة الشربة و طبق صغير خاص بالخبز و أطباق صغيرة أخرى بها قطع من الزبدة المثلج. (نفس المرجع السابق).

(3) عندما يكتم الجلوس يبدأ رئيس الخدم و مساعدوه في الدخول إلى صالة الأكل بأطباق الطعام، و من ورائهم طاقم الخدم الذين يوزعون المشروبات التي تقدم على المائدة، و يمر الخدم بالأطباق مرة ثانية على جميع المدعوين بالترتيب فقد يرغب أحدهم في تناول المزيد من صنف معين (نفس المرجع السابق).

174

ورقة بكتابتهم‏ دفعوها لنا عند الشروع في الأكل، و هم مع ذلك يخللون الأكل بالشرب، و نحن/ 106/ يجعلون لنا الماء الصرف في الكؤوس التي قدامنا و يجعلون فيها حجرا من الثلج كأنه حجر الشب، فقلت للذي كان بقربي هذا الثلج شأنه أن يذوب عند بقائه في الهواء، فما باله لم يذب إلى الآن في بلدكم، و نحن حين ينزل بقرب بلادنا شي‏ء منه يذوب عاجلا، فقال لي إننا نخزنه في الأرض كما تخزنون الزرع أنتم في المطامير فلذلك نحن نجعل‏ المطامير و نفرش له التبن، و يوضع فيها و يوضع فوقه التبن أيضا و يغطى بالتراب، و عند الاحتياج يدخل إليه من محل آخر، و يوخذ منه القدر المحتاج، و إن نزل عليه تراب يغسل، و كان فوق هذه المائدة ست ثريات موضوعة عليها في كل ثرية عشرون شمعة. و في كل ثريتين محبقة فيها من ألوان النوار المصنوعة، و ليس عليها زاج، يحسبها الرائي أنها مشموم التقطت له تلك النوار/ 107/ و رتبت فيه ببديع الاختيار. و بسقف هذه القبة ثلاث ثريات كبيرات من الزاج موقودة كلها بالشمع، ثم أخبرني هذا الذي كان بقربي أنه تقدمت له حروب كثيرة مع أولاد سيدي الشيخ‏ و أنه يعرف تلك‏

____________

(1) قائمة الطعام‏Menu على يسار الطبق، و منها يعلم كل مدعو ما سيقدم له خلال المأدبة، فإن لم يستسغ صنفا مقدما فيمكنه الامتناع عن تناوله مع الاعتذار. (نفس المرجع السابق).

(2) في الأصل نجعلوا، بصيغة الجمع.

(3) يلعب الذوق الجميل دوره في ترتيب المائدة من حيث كيفية تزيينها بالزهور و الشمعدانات الفضية أو الكرستال، و الأغطية الجميلة و الرائحة الطيبة و غير ذلك.

(4) تنقسم قبيلة أولاد سيدي الشيخ إلى فصيلتين، الشرقية دخلت تحت النفوذ الفرنسي بموجب اتفاقية الحدود لعام 1845 م، و الغربية بقيت تحت النفوذ المغربي. و ما بين 1849 و 1862 م كان يسود فيها التفاهم و الوئام، إلى أن اشتعلت الثورة ضد الفرنسيين في يبراير 1864 م بعد تحالف فصيلتي أولاد سيدي الشيخ مع بعض واحات توات، بزعامة سي سليمان بن حمزة الذي هزم الجيش الفرنسي شرق فيكيك و جنوبها، فأرغم الحاكم العام في الجزائر على توجيه فيالق من الجيش الفرنسي لإخماد الثورة، و التي استمرت إلى سنة 1882 م. للمزيد من التوسع في الموضوع انظر: «التوات»، د. أحمد العماري.

175

المواطن‏ و سكانها، و شرع يعدها. فقلت له ما اسمك؟ فقال اسمه شلطون و أنه كبير على ثلاثة آلاف من العسكر، لأنه كان استفهمني عن اسمي فبينته له. و أخبرني أن زوجة كبير الدولة تكلمت معه في السلك في الساعة العاشرة ليلا من أمسه، لأن السلك مركب من دار كبير الدولة إلى دور الكبراء و الأعيان، كما أخبرني به. و قالت له ما مضمنه: إننا نستدعيك للحضور عندنا غدا ليلا، لأن باشدور سلطان مريكوا يأتي لدارنا، ثم قال كيف جاءتك بلدنا، فقلت: ما رأيت أحسن منها نظافة و تزويقا، و صنائع و عجائب لم أرها في غيرها. فقال لي أنتم معشر العرب لكم ألسن كالعسل/ 108/ ما أحسنها لو كانت مثل قلوبكم، فقلت له الناس ليسوا على صفة واحدة، و طبيعة متحدة، بل هم كما قيل:

الناس كالأرض و منها هم‏* * *من خشن الطبع و من لين‏

نجندل تدمى به أرجل‏* * *و إثمد يجعل في الأعين‏

و فهمته في مضمن البيتين حتى فهمهما، فقال حقا ما تقول، و لكن الكثير من الناس على ما ذكرت لك، و حين فرغوا من الأكل خرجوا لقبة أخرى فيها شوالي عديدة، و كنابي كثيرة كلها بالموبرة الحمراء و صاروا واقفين كل اثنين أو ثلاثة

____________

(1) حصلت فرنسا عن طريق الرحلات الدراسية و الاستطلاعات التي قام بها عدد من الضباط و الجواسيس، مثل رحلة الضابطان كولونيوColonnien و بورين‏Burin عام 1857 م، و رحلة كولونيو سنة 1860 م، و رحلة الألماني رولف‏Rholfs سنة 1864 م، و رحلة الضابطGalliffet سنة 1873 م و غيرهم.

على معلومات جغرافية و اقتصادية و بشرية و ثقافية حول أوضاع التوات. (نفس المرجع/ 74).

(2) حسب النطق العجمي أي المغرب.

(3) معدن الكحل الذي تزين به الأعين. و البيتان من بحر السريع.

(4) عندما ينتهي تناول الطعام، و يتأكد سيد البيت من أن الجميع قد أنهوا طعامهم، يبدي بإيماءة بسيطة إلى الحاضرين إيذانا بقيامه من مقعده، فيقوم كل رجل بعده إلى الصالون الكبير حيث تدار القهوة، و المشروبات. (نفس المرجع السابق).

176

منفردين في محل، و جلس صاحب السر على شيلية، و بقي معه من يحسن العربية، و جلسنا نحن قريبين منه، و جلس معنا من يحسن لغتنا أيضا، فأخبرنا أنه يحب العرب لأنه نشأ في بلادهم، و مهما رأى رجلا من العرب ينشرح له صدره غاية، و أنه تقدمت له الخدمة في العسكر في قسنطينة أربعة عشر عاما/ 109/ مع أنه صغير السن يمكن أن يكون سنه نيفا و ثلاثين سنة و الله أعلم. و بقي المارشال أي كبير الدولة، واقفا يتكلم مع كل واحد من الكبراء الذين كانوا على المائدة واحدا بعد واحد. ثم دخلت زوجته‏ و صارت تكلمهم أيضا كذلك مع طلاقة وجه و بشاشة، و دخل بعدها نساء أخر إما أربع أو خمس، و صرن يتكلمن مع البعض دون البعض و هن يتعجبن من زينا و لباسنا، و كان من جملة ما تكلم به كبير الدولة بواسطة ترجمانه مع صاحب السر المذكور: أن هذه الضيافة جعلتها فرحا بقدومكم تعظيما لجانب سلطان المغرب، سيدي الحسن نصره الله، فأجابه بما يقتضيه المقام من حسن الكلام، ثم انصرفنا إلى محلنا في الأكداش، و وصلنا في الساعة الحادية عشرة و نصف من الليل، و تذكرت ما كان تكلم معي به بعض من له صلة بهذه الدولة حين طالع الأبيات‏.

الطلوع بالهدية لعظيم الدولة

و في يوم الجمعة الثالث و العشرين من جمادى الأولى المذكور، طلعنا لحضرة كبير الدولة مع الخيل و الهدية، بعدما ركبنا في أكداس المخزن على العادة، و جعل على تلك الخيل جلالاتها المرصعة بالذهب، المصنوعة بحضرة فاس الطيبة الأنفاس‏

____________

(1) و قد يستدعي سيد البيت السيدة قرينته للترحيب بالضيوف صحبة رفيقاتها، و لتشكر كذلك على المائدة الأنيقة التي أشرفت على إعدادها، و لتوديعهم و السماح للمدعوين بالانصراف. (نفس المرجع السابق).

(2) بياض في صفحتين كاملتين/ 110/ و/ 111/ المخطوط.

(3) 16 يونيو سنة 1876 م.

177

حرسها الله و وقاها من كل باس، و تقدمت قبلنا بقريب لأروى‏ دار المخزن هناك يقوم بها العساكرية، فحين وصلنا لتلك الأروى وجدناها لا فرق بينها و بين ديارهم في البناء و النظافة، و وجدنا العساكرية هناك واقفين مع الخيل، ماسكين رصنها و هم معها في غاية التعب، لكونها كانت تأبى الانقياد إليهم، و تتأخر و تصهل و ترفع أيديها على عادة عتقاء الفرسان و الأحرار منها. فما أوصلوها لباب قبة دار المخزن إلا بجهد جهيد، و كان كبير المخازنية يروم أن المخازنية و الأعوان الذين معنا هم يقودون الخيل‏، فنهاه صاحب السر المذكور عن/ 113/ الخوض و التكلم عن ذلك و زجره، فسكت طالبا من سيادته الصفح عن ذلك. ثم ذكر الترجمان إذ ذاك أن المقصود من كون العسكر هو الذي يتولى قيادة الخيل هو استراحتهم من ذلك التعب، و ملاحظتهم بعين الوقار و عدم استعمالهم فيما يشق عليهم، هذا مضمن ما ذكره الترجمان.

و حين وصلنا إلى دار المخزن أذن لنا بالدخول للقبة الثالثة، فدخلنا إليها، فرأينا فيها من الزخاريف ما لا أحصره، لأن المقام لم يقتض إمعان النظر في جهاتها و كثرة الالتفات. لكن هناك شوالي كبيرة و كنابيس عديدة، كلها مبطنة بالموبر الأحمر، و فيها أبواب كبيرة كأبواب البيوت عندنا عند نزع دففها، و دففها بالبلار، و العود المحيط بها مذهب، و سواريها مورقة بالتذهيب، و فيها ثريات عظيمة من البلار إلى غير ذلك مما لا يكيف. فلما دخلنا إلى تلك القبة قام الأمين المذكور و فتح صندوق الهدية

____________

(1) الإصطبل أو مربط الخيل و البغال. أصحابها يكونون حنطة في القصور الملكية المغربية، تقوم بسياسة و صيانة الخيل و البغال و مباشرة السروج (العزة و الصولة، ابن زيدان، 1: 145).

(2) أصحاب الأروى ينفسمون إلى قسمين.

1- العوامة يختصون بتعويم الخيل أي غسلها و سرجها و قيادتها و رعايتها و قيادة خيول السلطان و الأشراف و القواد و أعيان الجند.

2- الشطابين يقومون بكنس المزابل و توزيع التبن و العلف ... (نفس المرجع السابق).

178

و أخذ من هناك من كبراء الدولة/ 114/ ينقلون تلك التحف‏ و يضعونها على الشوالي كل عينة من تلك التحف في جهة منفردة، فازدادت تلك القبة بها ضوء و إشراقا و سناء، فعند ذلك دخل علينا كبير الدولة من باب مقابل للمحل الذي كان مقابلا للباشدور صاحب السر المذكور، فتلاقينا و ما قصر في إظهار الفرح و السرور و الترحيب و البرور، و جرى بينهما كلام فيما يناسب الحال و المقام، ثم تقدم كبير الدولة إلى تلك التحف، و صار يمعن النظر في كل حاجة منها بخصوصها، فاستحسنها غاية الاستحسان، و رآها من أجل ما تقربه عين الإنسان، ثم خرج لباب القبة، و كانت الخيل مجللة مصطفة عن يمين باب القبة بيد العساكرية فأخذوا يمرون بها واحدا بعد واحد، و بعضها يصهل، و البعض يجيب، و كلها على ذلك الرونق الجميل و الشكل الغريب. و حين تم مرورها، و أمعن فيها النظر أميرها، تكلم مع الترجمان بلغته/ 115/ فأخبر أنه شرّبها و أنها من غاية منائه و بغيته، بكلام هذا مضمن تصريحه، الكامن في تلويحه، و على ذلك انفصل ذلك المجلس الذي عم نواله الصغير و الكبير السالم عهوده بمن الله و فضله من التبديل و التغيير، فحمدنا الله تعالى للاستراحة من عهدة هذا الكلفة، و رجعنا إلى محل النزول و الألفة.

جنان الوحوش‏

و في يوم السبت الرابع و العشرين‏ منه خرجنا لجنان الوحوش‏، و هو بعيد عن‏

____________

(1) قائمة ما يتوجه من التحف لكبير الدولة: 10 جلالة، و 4 رسون، و 2 سروج بإقامتها، و 4 سفاري موبر، و 6 سطارم موبر مطروزة، و 6 كساوي حريرا، و 6 رواحي، و 6 موبر مطروزة و بابوجات، و 3 زرد خان، و 3 حزم جزيرية، و 6 زرابي كبار عمل الرباط. ثم مجموعة ثانية من الهدايا للوزير الكبير، و مجموعة ثالثة من الهدايا لوزير الأمور البرانية. (إتحاف أعلام، ابن زيدان، 2: 296 و 297).

(2) 17 يونيو سنة 1876 م.

(3) يقصدBois de Vincennes ,Parc zoologique و هي حديقة عامة لتوطين الحيوانات من مختلف البيئات الجغرافية لغرض الفرجة أو الدراسة العلمية، و تتميز بمساحات فسيحة من الخضرة و أحواض الزهور و البرك الصناعية، و تقسم الحيوانات على أساس علمي بحسب رتبها و أنواعها و خصائصها و نوع البيئة الطبيعية لكل حيوان ما أمكن.

Grand EncycloPedie, N. 5, P. 723.

179

المحل الذي كنا فيه بنحو ثلثي ساعة، و ليس هو جنانا حقيقيا، بل هو موضع من غابة عظيمة، و الطرق الموصلة إليه في وسط هذه الغابة واسعة عريضة جدا، و فيها من يقوم بكنسها ورشها من المساء إلى الصباح، كغيرها من الطرق، و في هذه الغابة مواضع محوطة بقضبان من حديد، امتدادا أو ارتفاعا، و السلك الرقيق ممتد معها في التربيعات الناشئة من تقاطع قضبان الحديد، و هذه المواضع مختلفة في الكبر و الصغر على مقدار/ 116/ يناسب الحيوان الذي فيه، و في هذه المواضع طرق عريضة طولا و عرضا، فحين دخلنا لهذا الجنان وجدنا في مدخله بيتا فيه أقفاص صغيرة و كبيرة.

فيها أنواع من الطير شتى، و به من هو مكلف بها يأتيها بالحب و الماء في الوقت المعين. و هي تتوالد هناك، و وجدنا في بعض الأقفاص طيرين صغيرين أصغر من البرطال‏ بكثير، و هما متلازمان و كلما طار أحدهما يتبعه الآخر، قيل إن هذا دأبهما لا يفترقان أبدا. و عند دخولنا لهذا البيت رأينا عربة يجرها حيوان دون البغل و أكبر من الحمار، و هو على صورة الحمار، و ذاته مخططة بخطوط سود مستديرة، بينها كذلك خطوط بيض، قيل هو من حمر الوحش، و هو في غاية، و أنه قبض من الغابة، و وكل به من يحرسه و يباشره حتى ألف و استأنس، و صار يجر الأكداش، ثم دخلنا لبيت آخر فوجدنا فيه أقفاصا من عود كبير مستديرة، طولها نحو خمسة أذرع، و قطر دورها نحو أربعة/ 117/ أذرع، و في كل قفص طبقات بعضها فوق بعض، في كل طبقة أبواب صغيرة، مربعة في محيط القفص، قدر ما

____________

(1) لعله الأبلق الأبيض و صاحبته و ما يدور بينهما من مناوشة، تبدأها الأنثى بوثوبها إلى مكان عال، ليلتحق بها الذكر في التوّ متمتما بصوت خفيض، ثم يبدأ اللف و الدوران حولها مرات عديدة، فتضربه بمنقارها، و تهرب له إلى مكان آخر فيتبعها، ثم يرفع عقيرته بالتصديح و الترنيم، تستمتع إليها الأنثى و هي ساكنة و هكذا ...

عالم الطير، أحمد محمد عبد الخالق، القاهرة، 1962: 9.

(2) الزردZebre الحمار الوحشي، أنواعها أربعة أما ضروبها، و سلالاتها عديدة، الموسوعة في علوم الطبيعة، إدوار غالب، بيروت، 1966، مجلد 1: 322.

(3) بياض بقدر كلمتين.

180

تدخل الدجاجة، و في كل طبقة دجاج قدر ما تسعه الطبقة. و وجدنا رجلا جالسا بين قنبتين ممسوكتين في جرارتين في السقف، و أمامه شي‏ء كالزق مملوء بدقيق مختلط بالماء، و هو يدير هذا القفص، لأنه غير ثابت، فتقابله دجاجة من الطبقة المسامتة ليديه، فتخرج عنقها إليه، فيدخل في فمها قطيعا من البلار، طوله نحو شبر، و هو متصل بذلك الزق المذكور، بواسطة بينهما كالمصران‏ فتشرب الدجاجة من ذلك السويق بواسطة القطيع ما فيه الكفاية لها. ثم ينزع القطيع من فمها بسرعة، و يدير القفص، فيجد دجاجة أخرى في الباب الموالي لذلك الباب مخرجة عنقها، فيطعمها كذلك حتى يأتي على جميع الأبواب التي في ذلك الصف، فإذا أراد أن يطعم الدجاج الذي في الطبقة التي فوق، أطعم دجاجها،/ 118/ يمسك القنبة التي هو جالس عليها بعد ما يفك ما كانت متقفة به، فيرتفع مقعده إلى الطبقة الأخرى، فيطعم ما فيها من الدجاج كذلك، و هكذا حتى يأتي على جميع ما في ذلك القفص من الدجاج، و ذكر لنا أن الدجاج الذي يدخل لهذا القفص حين تمر عليه ثمانية عشر يوما يصير وزن ذاته ضعف ما كانت عليه حين الدخول‏ لذلك القفص. ثم خرجنا منه أي ذلك البيت، فوجدنا تربيعا كبيرا محوطا بالحديد و السلك كما ذكر، و فيه قرود عديدة صغيرة و كبيرة و هي تطلع و تنزل في ذلك القفص، على عادتا، و لها فيه بيوت، بعضها فوق بعض من عود، تأوي إليها يلا، ثم في آخر طيور بلارج‏ المعروف في بلادنا. و طير البقر و طيور على هيئة بلارج،

____________

(1) اوامصرة مفردها المصير و هو (الأمعاء) ما ينتقل الطعام إليه بعد المعدة استعملها الجعيدي قصد التشبيه بالأنبوب الذي ينقل الطعام من الزق إلى فم الدجاج. (المنجد).

(2) حقل تجريبي يعتمد التغذية الاصطناعية كعلف قصد تسمينها في أقصر وقت.

(3) لقلاق‏Cigogne و أصل الكلمة من اليونانيةPelargos . الموسوعة في علوم الطبيعة، إدوار غالب.

(4) النورس‏Mouette أو زمج البحر. (وحيش المغرب) الطيور، مطبوعات معهد الدراسات و الأبحاث للتعريب، الرباط.

181

و هي أعظم منه بكثير، و لونها رمادي و فيها ألوان أخرى‏، ثم طيور النعامة المعروفة عندنا. ثم طيور ريشها كله أحمر. ثم طير النحاف المعروف، و هي طويلة بيضاء، طول عنقها نحو ذراع./ 119/ ثم دجاج‏ الماء في برك من الماء هناك. و طيور فيها ألوان، طويلة الأذناب، تشبه الطاووس، و طيور رمادية اللون، تشبه الدجاج، فوق رؤوسها ريش طويل، و طيور أخر طويلة الأذناب يزيد طول أذنابها على جرم ذات بأزيد من ضعفين‏، و في ريش أذنابها دوائر ملونة خضراء و زرقاء و سوداء كالدوائر التي في جلد النمر، و من شدة طول أذنابها حتى أنها تجر في الأرض، ثم الحمام المغربي البري و غيره، ثم طير الباز. رأينا واحدا منه لا غير، بيد رجل يده مجلدة. و وجدنا في هذا الطريق ثلاثة أفيال، أصغرها قدر البقر مربوط، و أكبرها أعظم من الجمل بكثير، عليه سرج، و فوقه أربعة راكبون عليه، و هو يمشي بهم، فقربنا منه، فنزل الراكبون عليه، و صعد عليه رجل كان معنا، و ناداني تعال، فاركب معي. فقلت أنتم ألفتموه و ألفكم و نحن لا ألفة بيننا و بينه، ثم حيوان على صورة الغزال، رجلاه أطول من يديه بكثير، و هو يمشي على رجليه فقط، يقفز كالغراب، و إذا وقف/ 120/ يستند على يديه، و مما يستغرب أننا رأينا في بطنه جرابا من خلقته، و من لها من هذا الحيوان مولود صغير، فحين يرى الآدمي يصعد إلى ذلك الجراب و يتوارى فيه، بحيث لا يبقى يظهر منه إلا رأسه بأسفل بطن أمه، حتى يتخيل لمن يراه بديهة أن ذلك الحيوان له رأسان. ثم الغزال المعروف رأينا منه هناك عددا كبيرا، و يعدو و يجري في مكان متسع، محوط بما ذكرناه، ثم البقر الوحشي، لونه رمادي، ثم جمالا لكل‏

____________

(1) يقص نحام‏Flamaul من الطيور ذات الأساوق الكبيرة، لونه بيض و وردي، طويل الساقين و له أشكال كثيرة تختلف في اللون و طول العنق. (نفس المرجع).

(2) يسمى حذف‏Sarcelle ، و هو نوعان رخامي أو شتوي، أما قار أو مهاجر (نفس المرجع).

(3) ببغاةPerroquet .

(4) قنقرKangourou حيوان ثديي يعيش بأستراليا، و الأنثى لها كيس تحت بطنه لحمل صغارها مدة ستة أشهر تقريبا، و تتميز بقصر اليدين و استطالة الرجلين و الذنب. الموسوعة في علوم الطبيعة، إدوار غالب، مجلد 2: 328.

182

واحد حدبتان فوق ظهره، بينهما من أعلاهما نحو ذراع. ثم نعامة تجر كروصة، ثم فرسين قصيري القامة قيل إنه ولدتهما بغلة زرقاء ... ثم اللين فوق رأسه قرون مشتبكة أكبر من العجل، و في قده أيضا. ثم حيوان بحري في صهريج مستدير، ينزل إليه الماء، رأسه كرأس الكلب‏، و عنقه أغلظ من عنق الكلب، و ذاته كذات المعز، له ذنب كذنب الحوت،/ 121/ الشابل إلا أنه أي الذنب أعظم، بين ريشتي ذنبه ذنب قصير كالأصبع، و بين منتهى عنقه و صدره ريشتان قصيرتان، و لا قشور في ذاته، بل جلده رطب إلى السواد كلون الفرخ الذي يصطاد من بعض الأودية، رأينا منه في هذا الصهريج خمسة و هو يسبح فيه و يغوص، فبينما نحن نراه إذ وقف رجل يقابلنا على ظهر الصهريج، و بيده حوت بل كوب فيه حوت رقيق كالحوت البوري، فعندما رآه هذا الحيوان، بعضه صعد فوق تلك اللوحة، و صار يصيح كصياح العجل، و البعض منه طلع على ظهر الصهريج يمشي على ذنبه مع تلك الريشتين حتى وصل إلى ذلك الرجل، فصار تارة يرمي من ذلك الحوت إلى الذي فوق تلك اللوحة فيلتهمه بفيه لا يخطئه غالبا. و إذا أخطأ غاص عليه. و تارة يناول منه بيده للذي طلع/ 122/ منه إليه. و العجب من هذا الحيوان أنه يفهم الإشارة من ذلك الرجل الذي يطعمهم، فإذا أشار إلى الذي فوق اللوحة بالإتيان إليه، فينزل منها إلى الماء، و يطلع إليه، و إذا أشار إليه بالنزول ينزل، و يعلو تلك اللوحة.

ثم دخلنا بيتا طويلا مظلما، في جداره من جهة اليسار صناديق من زاج مملوءة بالماء، و بسببها يرى الضوء في هذا البيت، و فيها من أنواع الحوت عدد كثير، و في‏

____________

(1) حمار الزرد البرشيلي‏de Burchell موطنه الأصقاع الإفريقية القائمة جنوب خط الاستواء، يتميز بشكله القريب من شكل الخيل، رأسه يشبه رأس الحصان، أذناه صغيرتان. نفس المرجع: 322.

و تعتبر الجدعةPoney أصغر الأنواع.

(2) بياض بقدر كلمتين.

(3) كلب البحرPhoque من جنس الحيوانات اللبونة أتارية(Otarie) ، من الفقميات زعنفيات الأقدام، موطنها بعض المناطق الباردة، مستطيلة العنق و الرأس لها أذنان صغيرتان، يغلب عليها اللون البني الغامق، تدرب على بعض الألعاب البهلوانية (نفس المرجع السابق، 2: 328).

183

الصناديق مع الماء بأسفله صم رقيق، و في بعضها حجر كأنه طين، و في بعض الصناديق عكرايشة التي توجد عندنا بساحل البحر، و في بعضها حيوان ملتصق بالحجر، يوجد بالساحل عندنا أيضا، و ذاته منتشرة، و فيها شي‏ء ناتئ كشوك القنفود، إلا أنه أحمر. فأتى رجل من وراء البيت و نزع لوحة الصندوق و ناول هذا الحيوان ما يأكله بواسطة قضيب طويل، بحيث جعل له ما يقتاته في رأس ذلك القضيب و أدلاه إليه حتى وصله،/ 123/ إلى وسط بطنه، فانكمش عليه، و نزع القضيب لا شي‏ء فيه ثم طعم آخر كذلك، فسبحان الملك الخلاق المنعم الرزاق.

كيف أوصل إلى هذا الحوت ما قدر له من القوت، على يد بعض البشر، حيث ضاق عنه محله المنتشر، فلا إلاه سواه، و لا معبود بالحق إلا الله، و في بعض الصناديق الحوت البوري، و حوت موسى‏ في أسفل صندوقه الرملة يغوص فيها، و في بعض الصناديق الفرخ الذي ذكرناه يلتوي خلال الحجر هناك، ثم حوت قصير أسود اللون له أيد و أرجل يشبه فارة الخيل، و حوت الهند فيه ألوان، في ذنبه ريش، به استرخاء، و وجدنا بركة ماء فيه حوت واحد طويل، قيل أصله من بلاد الموسكو! و وجد بواد باريس، فقبض و أتى به إلى ذلك المحل، و طوله نحو ذراعين و نصف، في جرم الشابل، و لونه إلى السواد. و وجدنا قبة مبنية، و مستديرة كالصومعة أو أطول، فيها حمام، قيل إنه الذي يسافر بالرسائل‏. ثم حيوان كالغزال إلا أنه بلا قرون/ 124/ لكن الذكر منه له قرون‏ مشتبكة، ثم قفص كبير محوط بقضبان الحديد و السلك كما ذكر، و فيه كلاب الصيد عديدة، و كل اثنين منها بيتان من عود

____________

(1) سرطان البحرCraPe .

(2) كستناء البحر من جنس الشوكيات جسمها مغطى بأشواك متحركة، و جسمها مستدير الشكل و مسطح بعض الشي‏ء في قسم منه، و فمه يفتح و يغلق باستمرار فيه عدد من الأسنان المتحركة.

(نفس المرجع السابق).

(3) طوربيدTorPille سمك يغوص في الرمل رعاش أو رعاد.

(4) الحمام الزاجل‏Voyagear .

(5) أيل‏Cerf له أنواع كثيرة عاشبة لبونة مجترة.

184

يخصهما، يأويان إليهما ليلا، و بينهما و بين غيرهما حائل من الحديد و السلك، بحيث لا يدخل عليهما غيرهما، و لا يخرجان إلى غيرهما ليلا يعدو بعضهما على بعض. و لها أناس موكلون بها، يدخلون إليها من أبواب تخصهما، و أما الطيور التي تقدم ذكرها، فلكل نوع منها قفص يخصه، في وسطه خصة صغيرة، قدر طبلة الأتاي الصغيرة، ينبع الماء فيها بقدر يسير، و أما الحيوان الذي يرعى النبات فمرعاه خصب أخضر يانع، لا ينقطع الماء عنه، لأنهم يركبون في مواضع منه جعبة الطرنبة، قائمة مقدار نصف القامة، و يركبون في رأسها جعبة حديد، فيها ثقب كثيرة، و الماء يخرج منها، و هي تدور بسرعة، فينفصل الماء عنها و ينزل ممتدا نزوله منها إلى مكان بعيد، فنرى/ 125/ ذلك الماء ينزل كنزول المطر، فبسببه يكثر النبات هناك، و لا ينقطع، و ذكر لنا أن هذا الجنان أحدث في ذلك المكان هذه مدة من سبعة عشر عاما. و فيه رجل مسن ذو سمت حسن، هو كبير القوم هناك، و أخبر أنه كان من كبراء الدولة في أيام نابليون قبل، و أنه الآن أخر من مرتبته و وكل بما و كل به في هذا الجنان، و طلب من الباشدور أن يتكلم عنه في ذلك فأجابه بما يسلي خاطره، انظر حال من كان في رتبة و ساء فيها الأدب كيف أدب بالرد إلى سياسة الدواب. اللهم من علينا بحسن الأدب معك و مع عبادك، و لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين و لا أقل من ذلك، و دبر لنا بأحسن التدبير، و كن لنا وليا و نصيرا، فأنت نعم المولى و نعم النصير. و أما غير هذا من الوحوش كالسباع و غيرها، فقيل أنها في جنان آخر يخصها أبعد من هذا، فاقتصرنا على ما رأيناه منها في هذا الجنان حيث لم يبق/ 126/ عندنا شك و صار الخبر كالعيان، فلم يسعنا إذ ذاك إلا الرجوع لوطننا الرحيب، و كيف لا و قد كادت الشمس أن تغيب.

____________

(1) الري بالرش‏SPrinkling هو تقليد للري المطري الطبيعي، و نظامه يتكون أساسا من أنابيب لنقل المياه و رشاشات، يقذف الماء في شكل رذاذ، و مضخة لدفع الماء في الأنابيب تحت ضغط مناسب. عالم المعرفة التكنولوجيا الحديثة، رقم 50؛ 177 د، محمد السيد عبد السلام.

(2) طرة في هامش الصفحة من إنشاء صاحب الرحلة «هذا الفصل يقوم عند الخروج من هذه المبيضة بحول الله».

185

بعض أوصاف دور السكة

و في يوم الاثنين السادس و العشرين‏ من جمادى الأولى‏ المذكور توجهنا إلى دار ضرب السكة، و حيث وصلنا إليها تلقانا كبراؤها بالفرح و التعظيم فأدخلنا إلى صالة كبيرة وجدنا فيها تنتي عشرة مائدة مصطفة في براحها، كل مائدة مرفوعة من الأرض نحو نصف القامة على ست أعمدة من عود، و جعل على كل طبقة غطاء مثلث، قاعدته في وجه الطبلة، و ضلعاه من ورقات الزاج، ممسوكة بين فتقيات من عود، في كل ضلع ست ورقات زاج تقابلها ست أخر في الضلع الآخر، و هذه الورقات من الزاج تحتها ورقات من الكاغد الغليظ، فيه دوائر متفاوتة، نزع من هذه الدوائر مقدار من الكاغد من جميع مساحة الدوائر، و وضعت فيها أنواع من/ 127/ من السكة القديمة لجميع الأجناس‏ من الذهب و الفضة و النحاس، فصار المأخوذ من الكاغد من مساحة تلك الدوائر بمقدار جرم السكة الموضوعة فيه، فيصير جرم السكة تحيط به مساحة الدائرة التي وضع فيها بعدما نزع منها بقدره الكاغد، و هذه الموائد كلها على هذه الكيفية، و هي محفوظة عندهم ملحوظة غاية. و وجدنا في بعضها ريالات ثلاثة من الريال ذي شعب أربع المسمى عندنا بالريال المقنت‏، من سكة مولانا السلطان سيدي محمد بن عبد الله تغمده الله برحمته و أسكنه بمنه‏

____________

(1) في الأصل السادس و العشرون. سبق قلم.

(2) الاثنين 19 يونيو سنة 1876 م.

(3) بنك فرنساBanque de France تصنع به المسكوكات على اختلاف أنواعها و أحجامها من ذهب و فضة و نحاس و غيرها. بني سنة 1770 م.

Grand EncycloPedie, N. 4, P, 173.

(4) معرض المسكوكات الفرنسية القديمة و الحديثة، و بعض من مسكوكات الدول الأخرى. و يهتم علم المسكوكات أو علم النميات من الكلمة الفرنسيةLa Numismatique بدراسة أنواع النقود و الأوسمة.

(الكرملي، النقود العربية و علم النميات، القاهرة، 1939: 121).

(5) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

186

فسيح الجنان. في أحدها تاريخ 1189 و في آخر تاريخ 1190 و في الثالث تاريخ 1191.

ثم نزلنا إلى محل خدمة السكة، فوجدنا في موضع منها مكينة عظيمة مثل مكينة البابور بل أعظم بكثير باعتبار ما يدور بسببها من مكينة الخدمة. إذ لكل عاملها مكينة تخصه بالخدمة في غاية الاجتهاد، الخدمة في كمال الراحة و الصدق و الانقياد/ 128/ و حين دخلنا إلى ذلك المحل الذي فيه المكينة الكبرى دخلنا منه إلى بيت آخر، فيه بيوت النار كبيرة عليها أواني كبيرة الجرم منصوبة عليها، و النار توقد تحتها، و بيد رجل مغرفة يغرف بها الفضة من تلك الآنية، و يفرغ في القوالب، فأفرغ بمحضرنا ثلاث غرفات من كل مغرفة، في ثلاثة قوالب، ثم فتح ألواح القالب، فتساقطت سبائك الفضة، أخذ بعضها بلقاط و أدخله في آنية ماء، و أخرجها و مسحها فإذا هي سبكة فضة، طولها مقدار ذراع واحد، و عرضها يزيد على عرض الريال بيسير، و غلظها قريب من الأصبع‏، و عند فرغ هذه السبابك يأخذها أناس آخرون، فيأتون بها لمكينة أخرى، يدخلون رأس كل سبيكة في فرجة مربعة على قدرها بل أصغر منها. فتجر هذه السبيكة بالمكينة كما يجر الصواغ السلك في المزرة فتخرج أرق مما كانت و أطول. و لا يزالون معها بهذا العمل حتى يصير حرفها في الرقة كحرف الريال، و تطول حينئذ،/ 129/ و لا تقع زيادة في عرضها- و الله أعلم- بل تبقى على عرض الريال، فعند ذلك يأخذها آخرون، و يضعونها أمام رجال بين أيديهم مكينات صغيرة خارجة فوق مائدة مبسوطة، مرفوعة بمقدار نصف القامة، و هي أي المكينة الخارجة فوق هذه المائدة، تشبه الزيار، فيقبض الرجل الجالس قبالتها تلك السبيكة التي صارت في رق الريال، و يدخل رأسها أسفل المكينة، و يحرك إحدى رجليه، و يصير يدفع هذه السبيكة و يخرجها من أسفل المكينة، فتصير ترتفع و تنزل بسرعة على السبيكة، و كلما نزلت عليها ارتفعت عنها ينفصل منها ريال مستدير، و تبقى تلك السبيكة فيها دوائر الريال الذي سقط منها، فترد إلى النار و عند خدمة هذه المكينة فتحت مجانة كانت عندي، و رصدت مقدار ما تقطعه هذه المكينة من الريال، فوجدتها قطعت خمسة عشر ريالا في ربع دقيقة. و هناك رجال‏

____________

(1) 2 سنتمتر.

187

متعددون، هذا عملهم. و عند خدمة تلك المكينة نرى الريال/ 130/ يتساقط من أسفلها متواليا بسرعة كما بيناه. و هذا الريال الذي يتساقط ليس فيه حينئذ نقش و لا طابع، و لا بحرفه شي‏ء. ثم يجمع هذا الذي يتساقط و يوضع في أيدي رجال آخرين يجعلونه في جعبة على قدره، بل هو أكبر و يخدم المكينة فيتساقط من أسفلها و قد أخذت من دائرة حرفه شيئا يسيرا، كأن لا عبرة فيه في رأس العين، قبل مروره في هذا المكينة. و هذه المكينة تصفي حرفه، و تتركه متساويا في الوزن، ثم يجمع و لا شي‏ء فيه من النقش، و يوضع في وسط زنبيل كبير، طوله نحو ذراعين، و قطره نحو نصف ذراع. و فيه ثقب كثيرة، فإذا ملئ هذا الزنبيل أو قرب ملؤه يسد و يرفع بين حافتي صندوق. و يخدم المكينة فتراه يدور كما يدور الراقد الذي على بئر السانية. إلا أنه أي الزنبيل أسرع دورانا منه، و بدورانه يدخل إليه ماء من ذلك الماء المملوء به للصندوق، فترى الماء يضطرب في الزنبيل بين الريال، و ذلك/ 131/ الماء مشوب- و الله أعلم- بما تشبب به الفضة و يبيضها، فيتركه يدور في ذلك الصهريج نحو دقيقة مجانية أو أزيد بقليل، ثم ينزعه و يفتحه و يفرغه، فيخرج الريال أبيض فيجف و يمسح و يدفع لصاحب الطابع، و هو بين يديه مكينة، و هي دور من حديد كدور السانية، مرفوع من وسطه على قطعة حديد طويلة مستديرة، يدير بها و شك محفور فيها، فيأخذ الريال واحدا بعد واحد و يضعه على طرف من حديد بارز قدامه، و يحرك المكينة بين دفتي ذلك الدور نازلا يدور كدوران الرحى حتى ينزل ذلك الدور بقوته بطرف القطعة التي في وسطه على الريال، و يضربه ضربة واحدة، ثم يحرك المكينة فيصعد الدور مرتفعا، فيرفع الريال و قد نقش من وجهين، ثم يأخذ من بين يديه، و يوضع في جعبة مكينة أخرى على قدر دوره، و يملأ تلك الجعبة ريالا، و يحرك المكينة فيأخذ يتساقط من أسفلها واحدا بعد/ 1312/ بعد واحد و كلما سقط واحد

____________

(1) بدل طرق ضرب السكة العتيقة التي تشكل عائقا، في صنع الكميات الكافية، مما يعطل حاجة السوق من كمية النقود المطلوبة. (مشكلة النقود و محاولات الإصلاح في مغرب القرن التاسع عشر، أفا عمر الرباط، كلية الآداب، سنة 1985 م).

(2) بياض بقدر كلمتين.

188

من تلك الجعبة تخطفه حديدة أخرى رأسها مستدير، بقدر نصف دور الريال، و تجذبه إلى محل آخر، فيسقط في داخل ثقبة هناك، و ينزل إلى الطرف الموضوع لجمعه، فيخرج عنده و قد رقم في حرفه ما يرقم في حرف الريال من حروفهم. و بهذا يتم عمله.

و لم نر في ذلك الوقت خدمة اللويز، لكن رأينا أناسا يخدمون من النحاس على قدر اللويز، و خدمته كخدمة الريال، لا فرق. و الله أعلم. و وجدنا رجلين قدامها أواني مملوءة لويزا ذهبا، و آنية أخرى كالصقعة فيوسطها صم، و هو يأخذ اللويز من ذلك الطرف، و يرمي به واحدا بعد واحد على ذلك الصم، فإذا وجد واحدا طنينه ناقص على طنين الذهب المعهود يجعله في مكان وحده و ذلك إما لتشعير به أو شبهه، قيل إنه يرجع إلى محل تدويب الذهب، و هذا اللويز الذي يقلبه هؤلاء، و يعزلون/ 133/ الجيد منه لا يكتفي بهذا التقليب، بل يجمع هذا الجيد و يوزن في مكينة أخرى حيرت منا الأدهان، و صار كل واحد منا كالحيوان الولهان، و هي في غاية اللطافة و الظرافة و النظافة أجزائها من صغر لطيفة، و صورة ما شاهدته منها أنهم اتخذوا طبلة مربعة من عود- و الله أعلم- قائمة على أربعة أرجل أزيد من نصف قامة الإنسان، و في وسطها ناعورة من صفر، في حرفها مسمار بل مسامير ناتئة منه، بعضها صغير طوله قدر حرف اللويز، و هي في صف واحد بل صفوف محيطة بحرف الناعورة، و المسامير الأخرى أطول من الصغيرة بيسير. و تحت الناعورة صندوق مربع من صفر، لكن شكله كقطعة دائرة رأسه الذي أسفل الناعورة لا يرى و هو- و الله أعلم- رقيق قدره ما يخرج منه خمسة من اللويز، مصطفة مبسوطة من اليمين إلى اليسار، و طرف الصندوق الآخر مرتفع منفرج، فيوتى باللويز، فيوضع/ 134/ في المحل المنفرج من الصندوق المرتفع، فتلقاه الناعورة و مساميرها، لأن حرف الناعورة فيه ستة صفوف من المسامير الطويلة، بين كل صفين منه قدر قطر اللويز، و بين كل صفين من هذه الصفوف صفوف المسامير الصغيرة، و قد ظهرت لي علة ذلك- و الله أعلم- كما

____________

(1) قطعة ذهبية قديمة و تنسب لملك فرنسا لويس الرابع عشر، و تسمى اللويز الفرنسوي. و هي تقتنى حتى الآن، و إن كان التعامل غير جار بها.

189

سأصفه لك بحول الله. و ذلك أنهم حيث يفرغون اللويز في المحل المذكور، ليرجع للمكينة، فترى الناعورة تدور بالمسامير الطوال، بدورانها تحرك اللويز و تدفعه قدامها لينحدر اللويز شيئا فشيئا و كلما وصل إلى محل أضيق من الذي كان فيه، تحركه المسامير الطوال حتى يصل إلى المحل الذي تماس فيه رؤوس المسامير الكبيرة لوحة الصندوق السفلى. فعند ذلك تكون رؤوس المسامير الطويلة مماسة كلها للوحة الصندوق، و حيث تكون على هذه الكيفية تكون تلك المسامير الصغيرة التي بين الكبيرة و بين رؤوسها و بين/ 135/ اللوحة التي ينزل عليها اللويز مصطفا كما ذكر، مقدار حرفه في العلو. فإذا نزلت هذه الخمسة من اللويز مصطفة كما ذكر للعلة التي بينا، تأتي لوحة أخرى من رصاص أو شبهه رقيقة كرقة اللويز، عرضها مثل عرض خمسة من اللويز. و حرفها فيه أنصاف دوائر مثل أنصاف دوائر جرم اللويز، فيدخل كل لويز منها في نصف دائرة من أنصاف دوائر حروفها و ترفعها بلطافة إلى صنجيات صغيرات قدر اللويز، كل واحدة ممسوكة وحدها، و هي مصطفة فينزل كل لويز في كل صنجة، فتقف هنيئة، ثم تنحدر إلى أسفل، فيتساقط منها اللويز و ينزل منحجبا عنا، و تخرج الخمسة من اللويز من مخارج ثلاثة، كل مخرج تحته آنية، فالآنية الوسطى لا ينزل فيها إلا المعتدل الذي صفا وزنه، و لا زيادة فيه و لا نقصان، و لو كان هذا المعتدل في أحد الصفين الطرفين و الآنيتان الأخريان، لا ينزل في أحدهما إلا الناقص الوزن، و لو/ 136/ كان في الجهة المقابلة للآنية التي ينزل فيها الخفيف و الأخرى لا ينزل فيها إلا الخفيف و لو كان مقابلا للآنية التي ينزل فيها الناقص أو المعتدل، و هنا تعجبت عقول الحاضرين من ذلك، و هناك مكينتان أخريان لكن يوضع في كل واحدة منهما اللويز في جعبة على قدر دائرة جرمه، فيخرج من أسفلها إلى صنجة واحدة، ثم يسقط منها فينزل في إحدى الأواني الثلاث، المعتدل في آنية و غير المعتدل في محلين‏، ذو ذكر أنه يطبع فيها في كل يوم ثمانمائة ألف ريال منها

____________

(1) استدراك في طرة الصفحة أدرجته في مكانه بين نجمتين* ...*.

190

مائتان ألف ريال لجنس الفرنصيص و باقيها لأجناس أخرى‏ هناك، و يدفعون عنه وظيفا للمخزنذ. و كان هذا آخر ما رأينا بهذه الدار.

دار المطبعة

و في يوم الثلاثاء السابع و العشرين من جمادى الأولى المذكور خرجنا لدار المطبعة فدخلنا لبيت منها وجدنا في وسطه تأليف الإمام سيدي خليل‏ بخط المطبعة بالعربي، و القاموس‏. لكنه مميز بخطهم، و هذا البيت مربع يحيط به‏

____________

(1) بهذه الدار تم ضرب الريال الحسني، كما جاء في رسالة السلطان الحسن الأول إلى نائبه بطنجة (...

و بعد، اقتضى نظرنا الشريف ضرب سكة شرعية تتصارف بها رعيتنا، في إيالتنا السعيدة ... أن يضرب مقدار خمسة ملايين من العشرين مليونا من الفرنك المذكور. ريالا وزنه عشرة دراهم شرعية يكون مماثلا لريال الفرنسيس في المعيار و الصفاء، و مقدار مليونين منها يضرب نصف ريال وزنه خمسة دراهم شرعية يكون مماثلا للفرنك الفرنسيسي في المعيار و الصفاء، ...) الإتحاف، ابن زيدان، 2:

431- 433. و بعد أن ضرب بفرنسا رفض المغرب قبول هذه السكة المخالفة للمتفق عليه في شأنها، لكنه أرغم في النهاية على قبولها على علاتها، من هنا جاءت الكارثة، فصارت قيمتها تنحط شيئا فشيئا عن الريال الفرنسي مما أدى إلى أزمات الاقتصاد المغربي، و آلت محاولة الإصلاح إلى فساد.

محمد المنوني، مظاهر يقظة المغرب الحديث، الرباط، سنة 1973 م، 1: 85- 86) و ذلك سنة 1298 ه/ 1881 م.

(2) 20 يونيو سنة 1876 م.

(3) يقصد المطبعة الوطنيةImPrimerie Nationale و هي معمل ضخم أسسه الملك لويز الثالث عشر سنة 1640 م، و في سنة 1809 م اختصت بطبع قوانين الدولة و كتب العلوم و الصنائع التي تعينها الدولة، مع طبع ما يتعلق بالوزارات و الإدارة العامة، و تطبع بها الكتب المؤلفة باللغات الشرقية و منها العربيةGrand .EncycloPedie ,N ,31 P .571 .

(4) ابن إسحاق، فقيه مالكي من مؤلفاته «المختصر» توفي بالقاهرة حوالي 1374 م. المنجد.

(5) المحيط ألفه الفيروز ابادي المتوفى 1414 م، رتبه البستاني في كتاب «محيط المحيط» المنجد.

191

خزانات عديدة، قيل إن جميع الخطوط التي تقدمت في سالف الدهر، مع الموجود منها اليوم، كلها مقيدة محفوظة هناك حتى الخط السرياني، و سموا لنا خطوطا كثيرة ما سمعتها قط، و عددت هناك ما يزيد على العشرين خطا، فما استوعبت نصفها.

و خرجت تابعا لأصحابنا، فدخلنا لدار المطبعة، و هي دار عظيمة في أسفلها طرق كثيرة يوصل بعضها إلى/ 137/ بعض، و الداخل إليها وحده ممن لا خبرة له بها إذا توسطها لا أظنه يهتدي إلى طريق الخروج منها، لشدة كبرها. و مع ذلك فهي مقبية بالزاج في غاية النظافة، لا ترى فيها غبراء و لا بها شيئا يستقدر، و في هذه الطبقة السفلى أناس كثيرون، بيدهم الألواح، و أمامهم الحروف‏ في صناديقها، و هم يركبون الحروف في الألواح و يصففونها في سطور و يجعلون بين كل سطرين فتقية حديد تمسك الحروف، هذا شغل هؤلاء الناس، و هناك آخرون، و هم قليلون، بين أيديهم رزم من الكاغد الأبيض يضعونه في صهريج ماء و يخرجونه ليصير قابلا لطبع الحروف فيه، و هناك مكينة حديد عظيمة، بها تتحرك جميع المكينات التي في الطبقات، ثم صعدنا الطبقة الثانية، فوجدنا فيها الأناس المشتغلين بالطبع فمنها مطبعة الحجر، لكن لم نجد واحدا منهم يطبع بها، و إنما هناك أناس مشتغلون بنقش الحروف في الحجر و هو حجر صلب أظنه رخاما- و الله أعلم-، و منها ألواح كبيرة على قدر صفحة الكاغد الكبيرة، يأخذ رجلان الصفحة و يضعانها عليها و ينزلان فوقها، لوحة حديد على قدرها، و يدفعها المقابل للمكينة فتنزل عليها بلطافة و ترتفع‏

____________

(1) هي الأداة التي توضع فيها الحروف، و تصنع عادة من الخشب التك‏(Teak Wood) أو الزان، و تقسم إلى خانات، الضيقة تملأ بالحروف القليلة الاستعمال، و المتوسطة بالحروف الأكثر استعمالا حتى تلتقط بأسرع و أيسر وسيلة.

(2) المصف الخاص بجمع الحروف الصغيرة يسحب، و يوضع فوق السطر المجموع بالمصف، لتسهيل جمع سطر آخر فوقه، و هكذا إلى أن يملأ المصف بالأسطر فيفرغ دفعة واحدة. الطباعة الحديثة، علي حسين عاصم، 1: 26.

(3) الحروف تنقش على الحجر المتوسط الصلابة، و ليس الرخام. (نفس المرجع السابق).

(4) في الأصل يضعونها عليها و ينزلون.

192

فيقربها/ 138/ إليه ذلك المقابل لها، و يفك تلك اللوحة التي فوق الصفحة و ينزعها فتخرج مكتوبة كلها لا نقص فيها، ثم يرفع الآخر طرفا من عود- و الله أعلم- مستدير، طوله كعرض صفحة الكاغد، و له يدان بطرفين خارجتين، و هو مبطن بشي‏ء لين، و يمر به على المداد الذي فوق رخامة أخرى أمامه، و يمر به فوق الحروف، ثم توضع صفحة أخرى فوق لوحة الحروف و هكذا كما تقدم‏، و كلما طبعت صفحة يقبلها آخر من الخدمة و يضعها فوق أخرى و الخدمة هناك على هذه الكيفية كثيرون.

و منهم خدمة آخرون يطبعون بالكيفية الأخرى، و الفرق بينهما و بين الأخرى أن هذه لوحة حروفها قائمة قبالته فحين يوضع عليها الصفحة، و تشد تنحدر قدامه، كأنها تريد النزول، فتلقاها المكينة، من أسفلها و من فوقها بلطافة، ثم ترسلها فترجع إلى الذي هو مقابل لها، فينزع هذه الصفحة مطبوعة كلها، و أما الأولى فإن لوحة الحروف مبسوطة أمام المقابلين كما تقدم، و هناك مطبعة على كيفية أخرى‏، و ذلك أنهم اتخذوا حرفا من حديد مستديرا، طوله كعرض الصفحة التي تطبع فيه، و محيط دائرته/ 139/، بقدر طول السطور التي تكتب في تلك الصفحة، و بأسفله جرم آخر مثله طولا و عرضا، و هما متسامتان، أعني أحدهما فوق الآخر، بينهما من الفضاء مقدار حرف الكاغد الذي يطبع بهما. و هذان الجرمان سطحهما مغروز بالحروف كسطح لولب الموسيقا المعروف بمسامير خدمتها، و هما يدوران فيوضع رأس الصفحة بين ذلك الجرمين، فيجذبانه إليهما، فتراها خارجة من الجهة الأخرى بسرعة مطبوعة من كلتا الجهتين، فيمسكها آخر واقف هناك، فلا ينزل ورقة على أخرى إلا و يرفع ذانك الجرمان صفحة أخرى مطبوعة، و هذا شغله لا راحة له لسير

____________

(1) ذكر السفير الحاج إدريس العمراوي في رحلته «تحفة الملك العزيز بمملكة باريس» (حققه زكي مبارك، طنجة 1989 م) في أواخر سنة 1859 م «و نطلب الله بوجود مولانا أمير المؤمنين أن يكمل محاسن مغربنا بمثل هذه المطبعة و يجعل في ميزان حسناته هذه المنفعة». نفهم من هذه الجملة كنص تاريخي في هذا المجال، أن المغرب كان يتطلع لهذا الاختراع العلمي. على أن المطبعة الحجرية دخلت إلى المغرب على يد قاضي تارودانت سنة 1866 م، بعد أن اشتراها من مصر.

(2) بعد المطبعة الحجرية يتحدث عن المطبعة الميكانيكية الحديثة، التي أخذت محلها شيئا فشيئا.

193

تلك الخدمة، و الخدمة هناك كثيرون هذا عملهم بسبب تعدد المكينات، ثم صعدنا طبقة أخرى فوجدنا فيها نواعير تدور، كل ناعورتين تدوران على رابط بينهما كالحائط، يدور عليهما منشور و تدور بدورانه صفحات الكاغد المكتوبة، بل المطبوعة.

قيل إن بدورانها يصفيها الهواء فيتم يبسها، و لعلها أن بمرور الصفحة بين الناعورة و الحديد ترتدع الحروف التي تكون بارزة في الكاغد، و تنبسط، ثم يصيبها الهواء، و بمرورها يقبضها خدمة آخرون، فيدفعونها/ 140/ لنسوة فيشتغلن بطيها و يضعنها بعضها فوق بعض على حسب تواليها و تتابعها. و هناك نسوة أخر يفصلن الورقات، و يضعن كل ورقة فوق أخرى على حسب تتابعها أيضا، ثم صعدنا طبقة أخرى فوجدنا فيها نسوة يخدمن الكتب بالمكينات، بحيث يجعلن حروف الكتاب أسفل حديدة و يرسلها عليه فتمر عليه بسرعة، فتأخذ منه قدرا، و تترك ذلك الحرف في غاية الاستواء.

و في الطبقة التي فوق هذه المسفرون‏، و الكتب موضوعة أمامهم مصطفة من الأرض إلى السقف، ممتدة مع طول هذه الطبقة. فمنهم من هو مشتغل بوضع التذهيب في ألواح الأسفار، و منهم من هو مشتغل بخياطة الكتب، و سئل عن عدد الخدمة الذين بهذه الدار، فقيل ثنتا مائة خدام، بين رجال و نساء، و هذه الكتب تفرق في سائر الأقاليم، و يطبع في هذه الدار بجميع الأقلام الموجودة في الوقت عدا القلم العربي‏، فلم نر مطبعته هناك، و إن كانت موجودة هناك فلم نصادف وقت الطبع بها، و لعله لقلة طالبها.

____________

(1) في الأصل السفارة.

(2) انتقلت الطباعة إلى مصر مع الحملة الفرنسية سنة 1798 م، و لما انتهت الحملة أعيدت أدوات الطبع و آلاتها إلى فرنسا، حتى أسس محمد علي باشا مطبعة بولاق عام 1820 م و غدت المطبعة الرسمية للحكومة المصرية و تضم 469 حرفا. (الطباعة الحديثة، علي حسين عاصم، 1956، 1: 12).

194

دار الكتب المطبوعة

و في يوم الأربعاء توجهنا للدار التي/ 141/ فيها الكتب المطبوعة فوجدناها في الكبر مثل دار المطبعة أو تقرب منها، و هي مع عظمتها و كبرها مقبية بالزاج، لا تدخلها غبراء، و هي في غاية النظافة و المحافظة. و فيها طبقات بعضها فوق بعض، و سقف هذه الطبقات أشراك من حديد لنفاذ الهواء فيها من الأسفل إلى الأعلى.

و يرتقون للطبقة العليا في معارج عديدة هناك من حديد، و هناك أناس قائمون بأمر كتبهم، لأننا وجدنا في بعض الطبقات أناسا مشتغلين بالمطالعة، فمتى احتاج أحدهم كتابا يأخذه من القيمين هناك، فيقتضي منه غرضه هناك، و لا يخرجه بل عند خروجه يرده له. و القائمون بالكتب الذين في الطبقة العليا عندهم هناك ظرف كالكوب، يمسك بقنبة طويلة من يده و يرسله إلى أسفل، بين مخازين الكتب، فتراه كأنه نازل في بئر، فيضع الذين كانوا يطالعون فيه الكتب التي كانت عندهم في وقت واحد و يخرجون، ثم يصعد ذلك الكوب إلى الطبقة التي يريد القيم وقوفه بها، فيقف فيرد الكتب التي فيه لمواضعها، و ذكر لنا أن هذه الدار عندها من الكتب العربية القديمة ألفا كتاب، و إنما أوتي لنا منها بمصحف/ 142/ من القرءان العظيم،

____________

(1) 21 يونيو سنة 1876 م.

(2) يقصد المكتبة الوطنيةBibliotheque Nationale كانت تسمى مكتبة الملك أو الملوكية ثم الإمبراطورية، و هي من أغنى المكتبات بالعالم إذ تحتوي على كثير من الأسفار في شتى الفنون و المواضيع، في وقت الثورة لما أزيلت من فرنسا المآثر الدينية ضم إلى هذه المكتبة الكثير من الكتب الدينية، بالإضافة إلى الإهداء و الشراء و كل ما يطبع بالمطابع المحلية، و تنقسم الكتب الموجودة بها إلى أقسام.

Grand EncycloPedie, N, 6, P, 74.

(3) قاعة المطالعة بها حوالي 1000 مقعد مفتوحة للعموم (نفس المرجع).

(4) أدخل إلى هاته الخزانة سنة 1739 م قسم اللغات الشرقية، بها عشرات الآلاف من الكتب المخطوطة، منها المخطوطات العربية. (نفس المرجع السابق).

195

بقلم كوفي‏، و طوله نحو ذراع و ربع، و عرضه يقرب من ذراع، و آخر يقرب منه كذلك، ثم أوتي لنا بمصحف بخط من خطوط الجزيرة، و بآخر صغير جدا، عرضه نحو أصبعين، و طوله كطول السبابة، بحروف دقيقة متداخلة، و وجدنا هناك سفرا كبيرا، مثل المصحف الأول، في ترجمته هذه المقالة الأولى من كتاب أرسططاليس‏، و هو سفر ضخم، ثم سفر الإحاطة في أخبار غرناطة بقلم مشرقي، و طلبنا منهم أن يدفعوا لنا تقييدا بما عندهم من كتب العربية فوعدوا به، و لم يكن وفاء بهذا الوعد، و ذكر أن بتلك الدار من كتبهم مليونين اثنين من عدد الكتب الخاصة بهم.

بعض صفات دار الفرجات‏

و في بعض الليالي السالفة لنا في باريز كان كبراء الدولة يتخذون لنا المواضع‏

____________

(1) قد يكون مصحف قرآن بخط الخليفة هارون الرشيد، الذي ما زال بها ضمن المخطوطات العربية.

(نفس المرجع السابق).

(2) كتاب أرسطوطاليس‏Aristote) 322- 384 ق. م) فيلسوف يوناني تأثرت بوادر التفكير العربي بتآليفه التي نقلها إلى العربية النقلة السريان، مؤلفاته كثيرة و متنوعة، و له مخطوطة في الخطابة السوفسطائية.

(3) لذي الوزارتين لسان الدين بن الخطيب، و هو عبارة عن موسوعة شاملة بكل ما يتعلق بالمدنية الأندلسية. ألّف سنة 772 ه، و توجد نسخ الإحاطة بجامع الزيتونة بتونس، و مكبتة مدريد و الإسكوريال، و بدار الكتب المصرية، و بالخزانة الملكية بالرباط، و خزانة القرويين بفاس، و المتحف البريطاني، و مكتبة لين بهولندا، و الخزانة الوطنية بباريس. (حقق نصه محمد عبد الله عنان، القاهرة، 1973).

(4) من المخطوطات العربية كذلك (تاريخ الطبري، و مقامات الحريري بالصور، و وصية أبي حنيفة ...).

(نفس المرجع السابق).

196

الخاصة، المنتخبة بديار الفرجات عندهم، المسماة عندهم بديار الطياطرو. و يرون ذلك من وجوه المبرات بنا و الإكرام لنا، فكنا نتوجه إليها مساعدة، و هي ذات أشكال بديعة مشتملة على قبب رفيعة، مرفوعة على سوار من رخام، في وسطها ثريات تشغل بالغاز مع لانبات منه‏/ 143/ في أماكن محيطة بداخل الدار، و من العجب أنهم إذا أرادوا إطفاء الثريات و غيرها من جميع الضوء الذي في الدار، فيدار لولب واحد فتنطفئ كلها دفعة واحدة، و أحسن ما يبين هنا من هذه الفرجات أن عند أرباب بعض هذه‏ الديار حيلا معلمة، تعلم اصطلاح نقر طنبور العسكر و موسيقاه، و عددها ثمانية، تخرج إلى وسط الدار فمهما تكلم الطنابري الذي هناك مع صاحب الموسيقا بشي‏ء تجيبه العسكر من الآدمي، فتراهما في بعض الأوقات تقبل واحدا بعد واحد مع تتابع أيديها و أرجلها في الخطى، و حيث يتغير نقر الطنبور و الموسيقا تراها تصطف و تقبل في صف واحد، و تارة يدور بعضها على بعض كما يفعله العسكر في بعض الأوقات، و تارة ترفع أيديها و تقف على أرجلها، و تقبل في صف واحد، ثم ترجع إلى مرابطها عندما يؤذن لها بذلك. و في بعض الأوقات خرج منها فرس واحد مسرج و تبعه صبي صغير السن نحيف الجسم لا أظن سنه يبلغ ثمانية أعوام، و هو عاري الجسد عدا عورته مستورة فعمد إلى ذلك الفرس و قفز قفزة واحدة، فإذا به فوق ظهره، فصار الفرس يعدو به دائرا مع محيط الدار/ 144/ حتى دار به نحو ثلاث مرات، ثم قفز فوق ظهره فإذا به واقف، فصار ينقلب فوقه، تارة أمامه، و تارة وراءه، و تارة تراه يرقص فوق الفرس، و تارة تراه في حال قيامه مائلا إلى جهة

____________

(1) يقصد السرك أو الملعب البهلواني داخل مسرح مدرج‏AmPhitheatre يعرف بالروماني.

(2) انظر شرحها في الملحق رقم: 4.

(3) ظهر السرك الحديث لأول مرة بانجلترا، في شكل متنقل، داخل إطار مؤسسة خاصة بالألعاب البهلوانية و ترويض بعض الحيوانات المتوحشة و الأليفة. شيد السيدPhiliP Astler في لندن أول مسرح مدرج‏AmPhithe tre سنة 1780 م. و انتقل هذا الفن بسرعة إلى فرنسا، و شيد بها سرك‏ChamPs Elysees و سرك نابليون. و بعد حرب 1870 م تزايد عددهم داخل مدينة باريس بعد النجاح الكبير الذي عرفته هذه الدور.

G. Dictionnaire Ency. Larousse, Paris

197

البراح، فيكون بين قدميه و ظهر الفرس زاوية منفرجة، و تارة ينصبون في وسط هذه الدار عصا قائمة و يربطون في رأسها أطراف ثياب طويلة كالعمائم عندنا، و يمدونها من العصا إلى محيط الدار، و عددها أربعة، كل عمامة في ربع، فيصير الفرس يجري تحتها، و هذا الولد يقفز عليها عند وصوله إليها، و هو مع ذلك بين كل عمامتين إما ينقلب أماما أو وراء على ظهر الفرس، أو يرقص مع شدة قرب ما بين العمامتين، و كأنه يفعل ذلك على شي‏ء لا يتحرك، و تارة يقف أناس آخرون بين هذه العمائم، و يمسك كل واحد منهم قضيبا مستديرا، قطر دائرته نحو ذراعين و نصف، و اتخذت ورقة كبيرة من كاغد رقيق أرق من العنكبوت./ 145/ و وضع هذا المستدير عليها و مسكت عليه، و جعل في هذه الدوائر، في كل واحدة منها يد خارجة عنها من عود أو حديد، فيقف أربعة رجال بين تلك العمائم، كل واحد ماسك لتلك الدائرة المجلدة بذلك الكاغد، فيأخذ الفرس في جريه مع محيط الدار و الصبي واقف على ظهره، فإذا عارضته العمامة قفز فوقها، و إذا لقيته تلك الدائرة المجلدة قفز و خرقها برأسه، و يتمزق ذلك الكاغد، و يخرج منه منقلبا، و يأتي واقفا على ظهر الفرس، فتلقاه العمامة الثانية فيقفز فوقها، ثم الدائرة المجلدة ثانيا فيخرقها كما ذكر، و يصير واقفا على ظهر الفرس، و هكذا حتى يخرق الدوائر الأربع، و يقفز على العمائم الأربع في دورة واحدة، و تراه في هذه الحالة كالبرطال، لا يكاد يثبت على ظهر الفرس، لأنه كلما استوى عليه تعرض له العمامة أو الدائرة. و هذا يكاد أن يستغربه السامع لكني تأملت في أحوال الماسكين للعمائم مع تلك الدوائر، فرأيتهم يرتكبون ما يسهل/ 146/ العمل على ذلك الصبي، لأنه إذا وصل إلى صاحب العمامة يرخيها يسيرا من يده حتى تقرب من سرج الفرس، فيسهل عليه القفز عليها، و كذلك صاحب الدائرة المجلدة بالكاغد، إذا وصل إليها ترى الماسك لها كأنه يضرب رأس ذلك الصبي بالكاغد المجلد بها تلك الدائرة، و في وسطه تمزيق يسير، و ذلك كله تسهيل لخرق الصبي ذلك الكاغد و الخروج منه بسرعة، عند الوصول إليه، و ليس في ذلك كبير مزية، بل ذلك كله من قبيل الرياضات و الممارسة، و النشأة في ذلك من حال‏

____________

(1) في الأصل خطأ، النشئة.

198

الصغر حيث يعتاد ذلك و يصير ذلك لمتعاطيه طبيعة و عادة. نعم، لو كان كل فرد منهم كبيرا و صغيرا يفعلون ذلك لكانت لهم به مزية و خصوصية، و لكنه في أفراد نادرة قليلة جدا. كما يوجد عندنا في بعض الأفراد الذين يركبون الخيل، فإنهم يقفون عليها و يلتفتون إلى الوراء يخرجون البارود، و منهم من يدور على بطن الفرس، و منهم من يرفع/ 147/ شيئا من الأرض توضع له، كالعمامة توضع له على الأرض ممتدة على طولها، فيأخذها من طرفيها معا إلى غير ذلك من الأعمال التي يتعجب منها. و لا يأخذون عن ذلك أجرة، و لا لهم عنه وظيف‏، بخلاف هؤلاء فإن لهم فيه تجارة كبيرة و صائرا عظيما. و لو كان الفرسان المسلمين‏ جعل عن ذلك لشوهد منهم العجب الكبير، و لكن الشجاعة الغريزية هي التي تحمل بعضهم على استعمال ذلك. و هذه الرياضة الموصلة إلى هذه الخفة علق بذهني أن ابن خلدون تكلم عليها في المقدمة، و أنها من قبيل المدارك التي يدركها الإنسان بالتدريج و الرياضة، حتى إن بعض أصحاب الرياضة من ذلك يمشون على الحبل الرقيق المنصوب في الهواء، و لا يخشى سقوطا، كأنه يمشي على الأرض، و تنفى عنه مادة و هم السقوط، فلا يبقى بخياله شي‏ء من توهّم السقوط، ذكر ذلك- و الله أعلم- في الكلام على الوهم و أثره في الإنسان، فراجعه إن شئت‏، و منهم رجال يقف بعضهم فوق بعض، و ينقلبون إلى وراء و أمام، كما يفعله بقربنا أولاد سيدي/ 148/ أحمد و موسى‏

____________

(1) يركز الجعيدي على أهمية الاختصاص و الاحتراف بدل الهواية.

(2) في الهامش طرة من إنشاء نجله عبد القادر الجعيدي «قد حضر بمكة المشرفة أيام الحج عام 1194 ه من فعل ذلك بفناء دار الأمير الشريف عبد الله بمرأى من الوفود و جعل يمشي تارة على الخيل و تارة يرقص فوقه».

(3) حسب نظر المؤرخ ابن خلدون أن المعارف النفسانية مصدرها الوحي الذي يلقى في صنف خاص من البشر و هم الأنبياء و الرسل، و هناك معارف نفسانية كذلك مصدرها الرياضة و الاكتساب لا الوحي، أي معارف مكتسبة. (إبستيمولوجيا المعقول و اللامعقول، محمد عابد الجابري، أعمال ندوة ابن خلدون، 1979: 73).

(4) «... في أصناف المدركين للغيب من البشر بالفطرة أو الرياضة ...». المقدمة، الفصل 6 الباب 1.

199

- نفع الله به- و أما ما يفعله بعمل السيمياء المسماة عندنا بخنقاطرة فأمرها مسلم مغرز مشهور.

رأينا من ذلك في بعض الديار ما سأذكره، و ذلك أنهم يرسلون سترا بأحد أرباع الدار، يصير حاجزا بين جميع من في الدار الذين أتوا للفرجة، و بين محل اللعب، حتى يتناولوا العمل الذي يريدون ظهوره، فإذا فرغوا من تهيئه يرفعون الستر، فترى ذلك المحل المتخذ للعب قد انبسط و امتد غاية، حتى ترى منه دائرة الأفق كأن بها بحرا فيه سفن كبيرة، و الفلك محيط بالبحر، و فيه سحب حمر و غيرها، و تارة حين يرفعون الستر ترى جبالا شاهقة، و تارة ترى أشجارا عظيمة كأشجار الغابة، فيخرج عند ذلك من كهوف الجبال رجال لابسون لباس العسكر، لابسون السلاح و يأتون معه مصطفين صفا بعد صف، و كل فرقة منهم تباين الأخرى في الزي و اللباس.

و هم يحكون بذلك محاربة أهل الهند لهم، و ليس هذا العسكر من قبيل السيميا/ 149/ بل ذلك حقيقة من تمام فرجتهم و تارة حين يرفع الستر تجد بابور النار حقيقة لا سيميا مارا، و صاحب الصفارة يصيح بها، و هو يجر عربات و كل ذلك معد عندهم بهذه الدار بقصد الفرجة، و عند مرور العربات يخرج الناس من كهوف تلك الجبال و يأتون إلى العربة الأخيرة، يفصلونها من العربية التي تجرها، فيسافر البابور و تبقى تلك العربة بأيديهم، فيأخذون منها ما شاءوا، و تارة يكون بها أناس كالمسافرين، فيخرجون إليهم منها فيخرجون فيهم كوابيس البارود خروجا حقيقيا، لكنه لا يصيب‏

____________

(1) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

(2) في الهامش طرة من إنشاء نجله عبد القادر الجعيدي «هذا العمل ليس من أعمال الخنقطرة في شي‏ء، و إنما هو تصاوير في كاغد يتحرك بآلة كهربائية». اعتقد الجعيدي أن ذلك حقيقة، و الصفار تحدث في رحلته السفارية عن المسرح و الأوبرا، من الصفحة 65 إلى 86، و سرد ما يعرض على الخشبة من أنواع القصص و تعجب لملائمة الأزياء للأدوار و الأزمنة، و ملائمة الصور للأماكن التي دارت فيها الأحداث، و ذكر أنه شاهد تمثيلية حول حياة القسيسين الخادعة، و كيف أنهم يتظاهرون بالصلاح و الزهد و هم يتعاطون في الخفاء لشتى أنواع المنكرات، فرأى فيها تأديبا للنفوس و تهذيبا للأخلاق و راحة للقلب و البدن.

200

الذين خرجوا من الكهوف، لكنهم عند خروج البارود تراهم يتساقطون على الأرض، و كأنهم أصابهم البارود و ماتوا به، فلا ترى أحدا منهم يتحرك، فعند ذلك يرسلون ذلك الستر، و يشرعون في أعمال أخر لا حاجة إلى ذكرها، و مع هذا حين لعبهم يكون أصحاب الموسيقا مشتغلين بها، و عددهم أظنه يزيد على المائة، و لم أدر هل كل واحد منهم بيده آلة/ 150/ مغايرة لغيرها، أو تتعدد آلة الطرب عندهم، و هذه الديار متعددة في باريز، في كل حومة منها عدد كثير و مبدأ الفرجة عندهم من الغروب و كان عنهم في الوقت الذي كنا فيه يزيد على الساعة الثامنة بخمس دقائق‏، و هي الغاية عندهم، و تمتد الفرجة إلى ثلاث سوائع أو أربع أو أقل.

صفة طرق باريس و أحوال الخدمة

و أما طرق هذه المدينة فيبيت الضوء مشعولا في فناراتها المنصوبة في الطرق إلى الشروق. و أما الخدمة أصحاب الأكداش الذين يحملون السلع من البابورات إلى المدينة، و ينقلون السلع منها إلى البابورات، فلا تفتر خدمتهم ليلا و لا نهارا، و إنما تقل الخدمة قرب الفجر لا غير. و أما في وسط النهار و منتصف الليل، فتراهم بين غاد و رائح، كأن الحرب مشتعلة بينهم و كل يجري حسب جهده و طاقته، و إذا نظرت إلى الطرق من الأعلى ترى كأن المحلة دخلت البلاد، و بعضهم يجري على بعض، و عند

____________

(1) ابتداء من الصفحة/ 150/ نجد صفحات مخطوط الرحلة مسطرة بخطوط أفقية، و ازداد عدد الأسطر من 12 إلى 16 في الصفحة الواحدة.

(2) في الهامش طرة من إنشاء نجله عبد القادر الجعيدي (و ذلك لأن عرض باريس 49 و الميل المعدل 23 فيكون نصب القوس إذن 85 فيزيدون تعديل الغروب في ذلك. أن تكون الشمس وقتئذ في أول السرطان و الشهر العجمي يونيو في اصطلاحنا و ليس اصطلاحهم 21 منه و الله أعلم).

حسب التوهيمات الفلكية تقسم الأرض إلى 360 درجة، و الشمس في حركتها الظاهرية تقطع هذه المسافة في 24 ساعة (1 ساعة- 15 درجة)، و عدد درجات الطول التي بينهما- 5، 8 أدرج* 4- 34 دقيقة، و باريس شرقية من سلا و الرباط فيتقدم الوقت فيها بمقدار ذلك.

201

تزاحم الأكداش تسمع لمرورها صوتا هائلا كالبحر عند هيجانه، أو صوت الرعد.

و عند مرورنا في الأكداش بينهم إذا لم تتكلم بغاية جهدك مع الجالس معك لا يسمعك نطقا، و مع هذا كله، فالمكلفون بتنظيف الطرق بالكنس و الرش قائمون بذلك ليلا و نهارا لا يفترون، فأصحاب الرش يركبون الطرنبات في تفجيرة مع رديف الطريق، و هي أي الطرنبة جعبة طويلة، بل جعبات طويلة، و كل واحدة نحو خمسة أذرع، و يوصل بين كل جعبتين بجعبة من الجلد. و يجعل عند الملتقى جرارتين كأنهما رجلان، تمشي عليها الطرنبة، و الماء يخرج من فم الطرنبة فينصب على الطريق مقدار عشرة أذرع طولا و قربها عرضا، ففي المدة القريبة تراه يرش سطحها/ 151/ عظيما، و إذا لقيته أكداش ينقص من طول رمي الماء ليلا يصيب منه المارين. و تجد وراء هذا الذي يرش بهذه الطرنبة رجلا آخر بيده طرنبة أخرى تابعا له يرش المواضع التي أخذت في الجفاف و اليبس، و آخرون وراءه على هذه الكيفية، و الطرق كلها هكذا. و إذا نزل المطر- و نزوله كثير عندهم- لا يبقى من مائه شي‏ء بوسط الطرق، لأنها محدبة فينحدر الماء إلى الرديفين يمينا و يسارا، فيأتي أناس كل واحد بيده‏

____________

(1) بهذه المناسبة دفع السفير الزبيدي لفقراء باريس عشرة آلاف فرنك فرنسي حسب ما جاء في كتاب الشكر الذي وجهته له الحكومة الفرنسية على ذلك بتاريخ: 25 يونيو 1876 م، «لقد تفضلتم سعادتكم فأبلغتموني بواسطة الكاتب الثاني بسفارة جلالة سلطان المغرب جملة 000، 10 فرنك برسم توزيعها على مختلف ملاجئ الإحسان في باريس ... أعرب لسعادتكم عن ممونية الحكومة مما منحتموه ...». الإتحاف، 2: 286. كما تبرع بالمبالغ التالية بباريس:

للموسيقى و أصحاب العربات الملازمة لهم 2000

للمكلفين بخيل الهدية 1000

للخدمة و البوابة يوم ضيافة رئيس الجمهورية 3000

لأصحاب وزير الخارجية 2000

و لعسة العسكر و للخدمة المقابلين للسفارة بمحل النزول 3000

و لضعفاء باريس 10000

المجموع: 000، 21 فرنك‏

202

شطابتان من شعر على هيئة الشيطة التي يمسح بها الملف، و هما أكبر بكثير، و يجعل كل واحد برأس عصا و يدفع بهما الماء و هما منصوبتان أحدهما بجنب الأخرى طولا فترى الماء يجري قدامه، و إذا كان كبيرا و خرج منه شي‏ء و بقي وراءه يتبعه آخر يدفعه بشطابتين كذلك، و لم أدر هل يوصله إلى مصرف خاص به أو إلى غير ذلك، و إذا ارتفع المطر و أخذت الأرض في الجفاف يرجعون إلى الرش و التنظيف في يوم واحد مرة أو مرارا، و هذا دأب هؤلاء ليلا و نهارا. و قيل لي ذات يوم إن الذباب لا يوجد في مدينة باريز، فقلت له و هل يتركون له شيئا من القاذورات التي ينزل عليها، مع أن براح ديارهم و غالب أسواقهم مقبية بالزاج، ثم تتبعت ذلك فلم أر شيئا منه في الدار التي كنا فيها، و لا في محل الطبخ، و لا في الزقاق، مع أن الوقت في نهاية الحرارة، عدا يوما واحدا رأيت فيه ذبابة واحدة في حانوت جزار، ما أنظفها و ما أظرفها، و براحها كالكاغد المورق بالألوان، و اللحم الذي يباع فيها يابس لا شي‏ء فيه من البلل، و حين نقله من محل/ 152/ الذبح إلى الحوانيت يجعل في الخناشي‏ كالسراويل، محافظة على النظافة، و الحوانيت التي يباع فيها اللحم، رأينا في حومة واحدة فندقا عظيما مربعا في طول ربعه أزيد من مائتي خطوة، و له أبواب كثيرة في كل ربع. و يقابله فندق آخر مثله لبيع اللحم أيضا، و ما عرفنا فيها شيئا من النعم المأكولات و المشروبات لأن كبير الدار التي كنا نازلين بها، مأمور بأن يأتي إلينا بجميع ما نطلبه منه من ذلك. و أصحابنا الذين في المطبخة يذبحون كل يوم شاة من الضأن و يوتى لهم بالدجاج كل يوم و الحوت، و ما يحتاجونه من الإدام، و يوتى لنا في كل صباح بالقهوة و الحليب و الزبدة و غير ذلك من الأشربة، كشراب اللوز و شراب أحمر قان يضاف مع الماء بنحو الثلثين منه و الثلث من الماء، و حضر هذا الشراب ذات يوم، فحين تناولت منه قيل لي سيقال للقاضي إنك تشرب معنا هذا الشراب، فقلت أو ليس فيه من بأس أو يشمله شي‏ء من الالتباس، و تذكرت قول القائل:

فعندي ميزان يفرق بينها* * *و بين ذوات السكر لست بزاهق‏

____________

(1) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

203

و قلت في ذلك ارتجالا:

كؤوس الصفا دارت من بين الأحبة* * *فهمت لها شوقا لتفريج علتي‏

نهاني عنها لائم متداعبا* * *أخ لي نصيح صادق في الأخوة

/ 153/ و أوعدني أني إذا ما شربتها* * *يوضح للقاضي النزيه ضلالتي‏

فقلت: و كيف الصبر و هي من وصفها* * *يسلّى بها قلب الكئيب بنظرة

فخذها جهارا لا تراقب من الورى‏* * *قضاة. و لا شيئا فأنت في ذمتي‏

فأمل الأواني منها فهي مباحة* * *و لي أذن صماء عن ذي ملامة

و هذا الشراب قيل إنه يتخذ عندهم من ثمار يشبه ساسنوا الذي بالغرب عندنا، و يضيفون له شيئا من السكر، و لم أر فرقا بينه و بين الماء الصرف إلا في الحلاوة و شدة الاحمرار لا غير.

و في يوم الخميس التاسع و العشرين‏، قدم ولد باشدور أنجليز بطنجة علينا

____________

(1) الأبيات من بحر الطويل مع بعض الخلل في الوزن.

(2) يسمى حاليا «بوخنو» و هو من الفواكه البرية الطبيعية.

(3) 22 يونيو سنة 1876 م.

(4) يقصد الترجمان روبترRoberts نجل الوزير المقيم بطنجة جون هاي دريموند هاي (16- 1893 م) ممثل بريطانيا العظمى بالمغرب مدة تقرب من نصف قرن. و قد شغل روبتر منصب نائب قنصل بريطانيا بالصويرة. (رسالة السلطان الأولى إلى بركاش بتاريخ 6 رجب 1296 هئ) الخميس 26 يونيو 1879 م.

(و الرسالة الثانية في 7 رمضان 1296 ه/ الاثنين 25 غشت سنة 1879 م) (نص الرسالتين بالوثائق الملكية، العدد 4: 457 و 605) من سنة 1874 م إلى سنة 1879 م.

204

لباريس، ففرحنا لقدومه لأن والده المذكور، كان وعد بأن يرسله معنا لدولتهم الفخيمة، بقصد أن يترجم هناك، و هو رجل ذو عقل و مروءة، و ذو سمت حسن، فتلاقى بالباشدور صاحب السر المذكور، و سر بقدومه سرورا كبيرا.