إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار

- إدريس الجعيدي المزيد...
479 /
205

الجزء الثالث‏

الإكرام الذي وجهته الدولة للباشدور و أصحابه‏

و في يوم الجمعة متمه‏، و جهت الدولة الفرنصوية للباشدور المذكور الإكرام لسيادته و كذلك للأمين و كاتبه، و للمخازنية الخمسة الذين معنا، كل واحد بما يناسب مرتبته فتلقى ذلك منهم بالقبول و السرور، و جازيناهم بالشكر و القول المبرور، فعند ذلك كتب‏ الباشدور المذكور لوزير الأمور البرانية بهذه الدولة، يعلمه بأنه عزم على النهوض و السفر إلى دولتي بلجيق، و أنجلترا في يوم/ 154/ الاثنين، ثالث جمادى الأخيرة و يطلب منه التسريح للسفر و المساعدة على ذلك،

____________

(1) 26 يونيو سنة 1876 م.

(2) قبل أن يغادر الزبيدي باريس قدم للوزير دي كازي مطالب المغرب مكتوبة نصها الكامل (الوثائق الملكية، عدد 5: 628).

(3) 26 يونيو سنة 1876 م.

(4) «... أعلمت جنابكم لتكونوا على بال على العادة في ذلك، و عند رجوعنا في قريب إن شاء الله نرجو المقابلة لتتميم المذاكرة، كما نرجو منكم المقابلة مع رئيس الجمهورية الأفخم للوداع ...». 30 جمادى الأولى عام 1293 ه.

206

فأجيب‏ إلى هذا المطلب فأخذ يتهيأ للسفر إلى مدينة ابروكصيلا، و هي دار الملك عند جنس بلجيق لأن سلطان هذا الجنس‏ حين سمع بخروج الباشدور المذكور، لبعض الأجناس دونه مع أنه مكتنف بينهم، اقتضت محبته القديمة أن طلب من الحضرة العالية بالله بواسطة بعض نوابه المرور عليه، و الدخول لبلدته المذكورة، بقصد النزول و الاستراحة و الضيافة و كمال الراحة، فأجابته أدام الله عزها- إلى قصده، و أذنت بالدخول إليه، و المقام في بلده.

الخروج من باريس إلى جنس البلجيق و ما رأيناه في بعض مدنهم‏

و في يوم الاثنين المذكور و جهت لنا الدولة الفرنصوية الأكداش المخزنية بقصد الركوب فيها إلى السكة الموصلة لمدينة بلجيق المذكورة، فركب كل منا في تلك الأكداش و ركب مع الباشدور المذكور في كدشه ترجمان هذه الدولة، بقصد وداعه و تشييعه، حتى يوصله إلى حكومة جنس البلجيق، و هو الذي كان طلع للبابور لملاقاته حين وصلنا لمرسيلية. و من الأكداش ركبنا في عربية منتخبة من عربات سكة البابور، و كان ابتداء السفر في الساعة السابعة و زيادة ثلث/ 155/ ساعة أخرى من الثامنة، و هذه الطريق من باريس إلى مدينة جنس بلجيق هي كالطريق التي تقدم وصفها من مرسيلية إلى باريس في المزارع التي فيها و البساتين و الأنهار و القرى و المدن و الأشجار، و كان البابور كلما وصل إلى مدينة له فيها غرض يقف يسيرا نحو

____________

(1) «... يكون رجوعكم منها لبلادنا لتتميم الأشغال المنوطة بماموريتكم ... تعلمنا قبل نهوضكم من مملكة اكريت بريطن بثلاثة أيام بطريق السلك ليهيأ لكم البابور الخاص بكم بمدينة كالي ...»، إتحاف، بن زيدان، 2: 285.

(2) ليوبولد الثاني‏LeoPold II ولد ببروكسيل سنة 1835 م و تولى ملك بلجيكا سنة 1865 م خلفا الوالده ليوبولد الأول، و توفي في لاكن سنة 1909 م.

Dictionnaire d`histoire Universelle, Michel Mourre: 7021.

تجول بالمغرب سنة 1863 م متنكرا. م. بو شعراء، الاستيطان و الحماية، م. س، 4: 1542.

207

خمس دقائق فأقل، فوقف أولا في بلدة تسمى اكراي‏، و فيها فابريكات بعض المصانع، و بقي واقفا خمس دقيقات، و وقف في أخرى دقيقة واحدة، تسمى الوريورا، ثم في شولي‏ دقيقتين، ثم في بلدة طرني‏ ثلاث عشرة دقيقة، و وقف في خمس مدن أخرى لم أدر ما اسمها ثلاث عشرة دقيقة، فجملة وقوف البابور في مدن الدول الفرنصوية أربع و ثلاثون دقيقة، و في الساعة الثانية عشرة و خمس دقائق بعدها وصل البابور إلى الحدادة، التي بين الدولتين المذكورتين، في بلدة لجنس البلجيق، تسمى كيفي‏، فعند ذلك ودع ترجمان الدولة الفرنصوية الباشدور المذكور، و رجع لباريس، بعدما كان طلع إلينا للعربة من تلك المدينة ولد وزير الأمور البرانية ببلجيق‏، و استدعانا للدخول لبلدهم و هو في أحسن زي، لابس أجمل ثيابه. و رأينا من أدبه و تواضعه و تلطفه ما ليس فوقه مزيد، و أنشدنا لسان حاله‏.

____________

(1)Criel .

(2) محطة صغيرة لم أجد ذكرا لها في الخرائط.

(3)Chauly .

(4)Tergnier .

(5) كيفي‏Quevy (انظر خريطة بلجيكا في ملحق الرسوم و الصور صفحة 6).

(6) يقصد السفير أرنيست دالون‏Ernest Daluin ، كان نائبا قنصليا لبلجيكا بمدينة قادس الإسابنية، و عين سنة 1856 م قنصلا بطنجة، بعد أن قام برحلة استطلاعية إلى المغرب نشرت نتائجها سنة 1855 م. ثم صار سنة 1877 م وزيرا مقيما بالمغرب بعد أنكان قبل ذلك قنصلا لبلاده بشاطئ إفريقيا الغربية، (مييج، 1: 96، 2: 275) و كانت له علاقة طيبة مع المخزن، فاستطاع أن يقنع السلطان الحسن الأول بإيفاد بعثة طلابية إلى بلجيكا حوالي 1875 م. انظر كلمة الزبيدي أمام ملك بلجيكا (إتحاف، ابن زيدان. 2: 293) و أن يوقع مع المغرب معاهدة في يونيو 1862 م حصلت بموجبها بلاده على نفس الامتيازات التي ظفرت بها أنجلترا و إسبانيا سنة 1856 م و سنة 1861 م. ثم أحيل على المعاش، حتى مات بأوربا سنة 1884 م و خلف ثروة طائلة من تجارة السلاح و 9 منازل بطنجة وحدها.

و قد خلفه البارون فينطال‏Whetnall في دجنبر 1884 م.

(7) من بحر الكامل مع بعض التكسير في الإيقاع.

208

/ 156/ عرج على روضنا الأنيق و عج به‏* * *فأولوا العقول تحيرت من عجبه‏

و انظر حدائق بهجة ما أجّلها* * *يسلو بها قلب الكئيب من كربه‏

و اقطف ثمارا دانيات قطوفها* * *فلك الهنا يا واردا لمحبه‏

فأنتم وفود على مدينة بلجيق‏* * *أكرم بهم من وافدين لبابه‏

فلكم هنا كل المقاصد و المنا* * *أهلا بذى الوفد الزكي من غربه‏

ثم دعانا ولد الوزير المذكور إلى النزول إلى بلدة الحدادة المذكورة بقصد الملاقاة مع كبير عسكرها، فأجيب إلى ذلك، و كان من اعتنائه و كمال محبته أن وجدنا فئة عظيمة بهذه البلدة من العسكر متهيئة لقدومنا، مصفوفة صفا بعد صف، لابسة آلة حربها. فنزلنا، و قدمنا إلى دار كبيرهم، فتأدب أدبا كبيرا مع الباشدور، و جرى بينها كلام بما يناسب الحال. ثم رجعنا إلى العربة و معنا ولد الوزير المذكور، وجد في سيره إلى أن وصلنا إلى مدينة ابركصلاص‏ المذكورة، فدخلنا إليها في الساعة الثانية من يوم الاثنين المذكور، فإذا أسقطت مدة المقام في المدن المتقدمة مع خمس عشرة دقيقة

____________

(1) استقبلت السفارة المغربية بكيفي من طرف السيدYenden Bossche مدير ديوان وزير العلاقات الخارجية البلجيكية، و القنصل دالوان الذي سبق وصول السفارة ببضعة ايام، و بمحطة مدينةMond ، استقبل من طرف العامل المدني و الحاكم العسكري لمنطقةHaunaut و كتيبة من الفيلق التاسع.

أرشيف وزارة الخارجية البلجيكية ببروكسيل.M .A .E .R .B .(Arch .Hist .DiP) .

(2) ببروكسيل استعرض الزبيدي بساحةMidi كوكبتان من جنود الطليعة بقيادة ماجوره ثم توجهوا على متن عربات خاصة إلى فندق منجيل‏Mengelle يوم الاثنين 26 يونيو سنة 1876 م. (نفس المرجع السابق).

209

مدة ملاقاتنا مع كبير العسكر في الحدادة، تبقى مدة السفر خمس سوايع و إحدى و عشرين دقيقة. و عند دخولنا لهذه البلدة وجدنا ذببابها قبة عظيمة و العسكر أيضا في زي مخالف لزي عسكر الفرنصيص، لأن الشمارير التي على رؤوسهم على هيئة الدلاء محدبة القعر، و هي من جلد المعز لا زال بشعره و بأيديهم السيوف لا غير، كل واحد موقف سيفه بين جبهة عينيه، فتلاقى كبيرهم بالباشدور و تأدب كما يجب، و دخلنا للمدينة فوجدنا في طرقها متسعة، و أناسا مكلفين بالكنس و الرش و البناء الذي يجدد بها حينئذ/ 157/ يبنى على كيفية الأبنية بباريس.

صفة الدار التي نزلنا بها في ابركصلاص‏

فأتى معنا ولد الوزير المذكور إلى الأوطيل الكبير في تلك البلدة، و أنزلنا به في الطبقة الأولى قائلا: ليلا يصيبكم التعب في صعود الدرج و النزول منها. فنفد لنا منه مواضع منتخبة. و أماكن مزخرفة في كل مكان منها موائد للأكل، و شيليات عديدة، و كنابيس كذلك، و فرش لينة مع أغطية، و وطاءات من قطن باردة، قد تبدى‏

____________

(1) طرة بالهامش أدرجتها في مكانها بين نجمتين* ...*.

(2) هذه بعض التفاصيل التي أوردتها الصحافة البلجيكية عن كيفية تهيي‏ء الغرف التي يسكنها أعضاء السفارة المغربية بفندق منجيل، البهو الخلفي يستعمل كغرفة للطعام- الرئيس الكبير- و ضباطه، و على اليسار قاعة حولت إلى مطبخ به آلات الطبخ‏coudin و تنكات مغربية، إن هذا في منتهى الغرابة. بالجانب هناك مرقد مشترك حيث يكون فيه منفذ الأعمال السامية أي الجزار، قائما بالصلاة على الساعة الثالثة و النصف، إن تكبيراته لمحمد لا تنقطع. الخدم الآخرون و هم- خادم الغرفة، و الحلاق، و خادم السفير و أجيروا القرآن، تلقوا التعليمات بعدم الخروج أثناء غياب السفير. إن وجباتهم تتكون من لحم الخروف، و الأرز، و الشاي و حلويات، و الجزار بعد توجيه دعواته للنبي، على السنة المحمدية بدأ يسلخ الخرفان الذكور و الدجاج في البهو الخلفي، و لا يأكل اللحم إلا مرة واحدة في اليوم، لا خمرة على الطاولة، شاي، شاي دائما.G .D .B .R .A .ler Belgique (j .de ,Bruxelles) ابروكسيل.

210

للبدن برودتها من فوق الثياب، و كذلك فيها من الثريات و الماريو و غير ذلك من الزرابي و الأواني المحتاج إليها. و في وسط هذا الأوطيل خصة كبيرة، و بقطبها الذي في وسطها ثلاث خصص متصاعدة متفاوتة في الصغر و الكبر. و بين السفلى و العليا نحو خمسة أذرع، و الماء ينبع من الأنبوب الذي في وسط العليا عن ثقب ضيقة متعددة، فتراه يخرج منها متصاعدا، ثم ينحدر إلى الخصة العليا، و منها ينزل إلى التي تحتها، و منها ينصب إلى التي أسفلها، و بينها و بين الخصة الكبرى ثلاث تصاوير على صور الآدمي، كأنهم هم الحاملون للخصص التي فوقهم. و بمحيط جدران براح هذا الأوطيل أشجار صغيرة و محابق عديدة. و فيها قفص كبير، فيه طيور كثيرة، على أشكال منها: طيور في جرم البرطال. لونها أخضر ذو وجهها مع نصف رأسها أحمرذ، و منها ما هو في جرم الطير المعروف عندنا بشرقراق‏، و هي تترنم في بعض الأوقات،/ 158/ و تتكلم بصوت مستحسن، و بالجملة فهي دار منتخبة ظريفة ذات مرافق و منابع، قيل إن فيها نحو ثلاثمائة منزل، و ليس عندهم في بلدهم أحسن منها، و ليست كالدار التي كنا نازلين فيها في باريس ذبل تلك أعظم و أكبرذ فشتان ما بين السماء و القمر.

الملاقات مع الوزير

و بمجرد وصولنا و نزولنا بهذه الدار أتي قائد مشورهم‏ إلى الباشدور يحمده في السلامة، و طلب منه بأدب كبير، أن يعين له الوقت الذي يتلاقى فيه مع وزير الأمور البرانية في الغد، يريد يوم الثلاثاء الرابع منه، فاعتذر له بتلطف عن اللقاء في ذلك‏

____________

(1) طرتين بهامش الصفحة أدرجتهما في مكانهما بين نجمتين* ...*.

(2) أو الشرقرق هو الأخيل مرقط، في أجنحته سواد كريه الرائحة كثير الصوت (المنجد).

(3) و بعد نصف ساعة، حضر المرافق العسكري للملك الجنرال‏nder CPaien Ponthoz لتقديم الترحاب باسم جلالته.M .A .E .R .B .(ARCH .HIST .DIP) :815 .

211

اليوم، و واعده به في يوم الأربعاء في الساعة الحادية عشر منه‏، و فيها تلاقى معه بداره بعد أن ركبنا في الأكداش، و توجهنا معه، فوجدنا فئة عظيمة من العسكر رجلية بباب داره، فحين رأونا تكلمت الموسيقا على العادة، و حين تلاقى به كنا نحن وراءه بقرب منه، فظهر منه فرح كبير و سرور عظيم بقدومنا عليهم لبلدهم، و جرى بينهما كلام بما يناسب الحال. و أخبر أنه يحب المغرب و أهله، و لأنه كان فيما سلف في تفيلالت، و أقام بها خمسة أشهر، و أحسن معه أهلها غاية الإحسان، فلذلك يحب الغرب و أهله، و أنه يرجو الله أن لا يموت حتى يرده إلى الغرب، لأنه يحن إليه، فقال له الباشدور إنه لرجل عاقل، و من تمام عقله حسن معاشرته مع أهل/ 159/ تفيلالت، حتى أقام فيها تلك المدة و رجع بسلام. ثم ودعه فأخذ نائبه الذي تقدم ذكره يمشي قدامه، و هو مواجه له أدبا معه حتى وصل إلى الباب فودعه بأدب كبير و رجع.

بعض أوصاف هذه المدينة

و في مساء ذلك اليوم، ركبنا في الأكداش و خرجنا نطوف بناحية من نواحي البلد، فوجدناهم مشتغلين بكنس الطرق و الرش أيضا، و سرنا حتى انتهينا إلى طرف‏

____________

(1) نظرا لعياء السفير لم يغادر شقته طيلة يوم الثلاثاء، حتى يوم الأربعاء 28 يونيو سنة 1876 م، توجه لاستقبال وزير الخارجية صحبة القنصل دالوان، و بعد نصف ساعة قام الكونت‏D`AsPremone Lyn -den رفقة مدير ديوانه برد الزيارة لمحمد الزبيدي. (نفس المرجع السابق).

(2) لقد سبق للسفير البلجيكي دالوان أن قام برحلة استطلاعية إلى الجنوب المغربي نشرت نتائجها سنة 1855 م. و كانت بلجيكا ترغب في الحصول على «موضع قدم» بالساحل الجنوبي من أجل أن يكون مكان استراحة يربط بلجيكا بالكونغو، و قد كلف دالوان بزيارة العاهل المغربي في يونيو سنة 1879 م بمعسكره قرب الرباط لمعرفة موقفه من ذلك. كما كلف السفيرWhetnall بتقديم طلب الحصول على موضع قدم في وادي الشبيكة على الأطلسي في بداية 1888 م.

212

البلد، فوجدنا هناك غابة عظيمة و الطرق واسعة فيها، تتخللها من جهات كثيرة، و بعض الأماكن منها يتخذ بقصد الاستراحة، فيوضع فيه شوالي طويلة و أخرى مستديرة، فمن أحب الجلوس هناك فله ذلك. و رأينا بعض الشوالي هناك مستديرة مرفوعة على قضبان بعضها خارج من بعض كأغصان الشجر، فظننا أنها من عود، فقيل لنا بل هي من حديد، و عليها طلاء يشبه لون العود، فنزلنا في بعض بقاع هذه الغاية وصلينا العصر بها، فاجتمع علينا خلق كثير من نسائهم و رجالهم، لأن ذلك المحل أي الغابة امتدت معها بعض المساكين و الأبنية، و هم يتعجبون منا لأنهم قلما يصل المسلمون إلى بلدهم. و بعد صلاة العصر أخذنا نتمشى في هذه الغابة على أرجلنا فرأينا/ 160/ فيها أشجارا عظيمة الخلقة، و هي في غاية ارتفاع، و جلها لا ترى في طوله من ساقه إلى رأسه اعوجاجا. و وجدنا أصول شجرة موضوعة هناك، قد فصل بعضها عن بعض. فعبرت نصف دور بعضها فوجدته فيه اثني عشر شبرا، فيكون في دور ساق‏ هذه الشجرة أربعة و عشرون شبرا. ثم بقينا نتمشى حتى عرضت لنا طريق أخرى، فأتت الأكداش إلينا، فركبنا و رجعنا. فكنا نجدهم في بعض الطرق يغرسون بها من تلك الأشجار مع طولها، و في بعضها أشجار كبيرة، غرسها قديم لكن في بعض الطرق دون بعض، و فنارات الضوء ممتدة معها تشعل الليل‏

____________

(1) بعد الاستقبالات الرسمية، قامت السفارة المغربية بنزهة بغابةLa Camba على متن العربات.

. M. A. E. R. B.( ARCH. HIST. DIP ): 815

. (2) «بعد أن تقدموا بعض الخطوات داخل الغابة شوهدوا و هم يركعون رافعين أيديهم و عيونهم شاخصة باتجاه الشرق، كانت ساعة الصلاة و كانت غابةLa Camba ، هي المسجد. و قد تابعت الشخصيات المتواجدة على بعد و باهتمام بالغ الشكل المعقد لهذه العبادات الشرقية في الهواء الطلق، و قد تميز هذا المنظر الإسلامي تحت ظلال الغابة بطابع أصيل».

جريدة ابروكسيل.G .D .B .R .A .ler Belgique (J .de Bruxelles) .

(3) الجدع الذي ينمو عموديا، تتنامى سماكته بشكل غير منتظم حسب الفصول، و تكون حلقات متميزة، تساعدنا على تحديد عمر الشجرة (شبر- 26، 0 متر إذن محيط الشجرة هو 24 شبر* 26، 0 م- 24، 6 م.

(الموسوعة العربية).

213

كله. و بعض المواضع التي بوسط المدينة وجدناه مغروسا كأنه غاية. و قد أحيط بها قضبان حديد قائمة على رؤوسها كالحربات مذهبة، و هي متقاربة بين كل قضيبين أقل من نصف شبر، و قضبان أخر ممتدة مقاطعة لها، قد أحكم وصل بعضها ببعض، حتى صارت هذه القضبان زربا لتلك الغابة لا يدخل لها إلا من أبوابها المصنوعة فيها. و قد امتد مع هذا الزرب و داخله أشجار صغيرة، و هي في غاية الاستواء، لا اعوجاج فيها، و قد نقيت من أصولها إلى حيث أخذت/ 161/ الفروع في الانتشار، فتركوها تنتشر، لكن من محل واحد، بعدها من الأرض بقدر متحد، و بين كل شجرتين نحو ثمان خطى. فحين طالت الفروع السفلية الأولى قرن ما بين بعضها ببعض، و كذلك ما فوقها حتى التأمت الفروع من أعلا الأشجار و بقيت الأصول متجردة. و امتدت على هذه الحالة كامتداد قضبان الحديد على المثال بالطرة. و يا لها من نظرة هناك ما أجملها، و مسرة ما أجلها. و هذه البقاع بداخلها شوالي موضوعة، و قد تتخذ للفرجات و غيرها. و هذا المحل قريب من دار كبير دولتهم، و هو مباح يدخله من شاء. و حين رجعنا إلى محل نزولنا تذاكرنا في كبر هذه المدينة فألقيناها كبيرة في رؤية العين. و طلبت من الترجمان أن يبين لي كم متر في طولها و عرضها، فوعدني بأنه يأتيني بورقة هيئتها، لأن من عادتهم طبع هيئة البلد في ورقات‏ لا تكاد تحصى، يدفعون كل ورقة لمن ينزل في منزل منها من البرانيين، و يرقم فيها جميع ما يحتاجه، بحيث يكون فيها كل ما يريد أن يسأل عنه، لا من الأماكن و لا من أكريتها، و بيان المواضع و الطرق الموصلة إليها، و عدد البابورات التي تخرج منها، و في أي وقت ليلا و نهارا، و مقدار الكراء بحسب السكة و غير ذلك من ضروريات التجارة. و عند إتيانه بهذه الورقة و بسطه لحالها لنا. نرجع إلى/ 162/ تمام الكلام على البلد بحول الله.

____________

(1) رسمين توضيحيين من إنشاء الجعيدي: (أ) مثال الأشجار المتناسقة. (ب) مثال الزرب الحديدي.

(انظر ملحق الرسوم و الصور صفحة 7).

(2) يقصد رسم أو دليل ابروكسيل، الذي يرشد السائح لما قد يحتاجه من معلومات أو عناوين أو غير ذلك، أثناء إقامته بها، و يكون مدعما بالصور و الرسوم و البيانات.

214

الملاقات مع عظيم دولتهم‏

و بعد ذلك بل عند رجوعنا وجد الباشدور كتابا مطبوعا وجهه له وزير الأمور البرانية، تضمن الإذن له و لأصحابه بالطلوع إلى دار ملكهم، و أنه هو و زوجته يأذنان في الطلوع بقصد الملاقاة معهم، في الساعة الثانية من يوم الخميس السادس من شهر تاريخه، فحين قربت هذه الساعة وجه ثلاثة أكداش من الأكداش التي يركبها هو و وزراؤه. كل كدش يجره ستة من الخيل، يتولاه نفر من خاصة عسكره، كساويهم جلها ذهب، و كذلك سرج هذه الخيل، و آلات الجر جلها مرصع بالذهب، فركب الباشدور في كدشه أمامنا، و تبعناه في كدشين في أثره، و أخذت الخيل في السير هونا، تتحرك قليلا قليلا حتى كأن في ذلك إشارة إلى أن هذه الخيل تجر أمرا عظيما لملكهم‏، و حين قربنا من داره وجدنا صفوفا كثيرة من العسكر صفا وراء صف، و أصحاب الموسيقا و الطنابرية مشتغلون بعملهم، و كبراؤهم يشيرون بالسلام بتأدب على عادتهم. و عند وصولنا إلى دار ملكهم و دخلنا إليها و صعدنا معارج للدخول عليه‏

____________

(1) «... أتشرف بإعلامكم أن جلالة الملك و جلالة الملكة يقتبلانكم في قصر بروكسيل في الساعة الثالثة من هذا اليوم ...». ابن زيدان، الإتحاف، ج 12: 288. كما طلب منه نسخة من الخطبة التي سيلقيها أمام الملك ليهي‏ء جوابها فدفعها له.

(2) «.. الخميس 29 يونيو على الساعة الثانية، استقبل سيادته استقبالا رسميا من طرف ملك بلجيكا و بحضور الملكة مرفوقين بحاشية الشرف، و قد غاب عن الاحتفال الضباط السامين للتاج، و قد حضر السفير المغربي في العربتين المخصصتين للحفلات الكبيرة، يجر كل واحدة ستة خيول و طاقمها، التي نقلته خصيصا من الفندق، و قد رافقه أمام القصر كتيبة من المشاة بقيادة مقدم، و علم موسيقى الفيلق، و كانت مراسيم الحفل هي المراسيم الخاصة باستقبال السفراء، و قد حضرها القنصل العام بالمغرب. السفير الزبيدي لم تكن لديه أوراق اعتماد خاصة، ألقى خطابا أمام الملك الذي قبل الرد عليه بكلمة جوابية، و بعد ذلك استقبل السفير من طرف الأمراء و الأميرات».

نلاحظ التشابه الكبير بين ما ذكره الجعيدي، و بين ما جاء في تقرير وزارة الخارجية البلجيكية.

M. A. E. R. B( ARCH. HIST. DIP ): 815.

215

للقبة التي هو فيها. دخلنا لقبب بعضها يوصل إلى بعض، و كل واحدة تنسيك محاسن الأخرى، حتى وصلنا إلى القبة الثامنة، فوجدنا فيها وزراءه و خاصة دولته، نحو العشرة. ثم خرج كبير دولتهم من القبة التاسعة، و معه زوجته‏، و تلاقى بالباشدور متأدبا غاية/ 163/ و كاتبه و الأمين وراء الباشدور قريبان منه، و المخازنية الخمسة وراءنا، فشرع الباشدور في الكلام‏ معه بما هو مأمور به، و ترجمه المترجم، و أجاب عنه كبير الدولة بأنه حصل له فرح و سرور عظيم بقدومنا عليهم و دخولنا لبلدهم، حتى أنه قال: إنه يرجو الله أن يشرح صدورنا لبلده حتى نقيم فيها في عافية و راحة، و يأذن لنا في المسير للفابركات التي بداخل المدينة و خارجها، و زور الأماكن التي تصنع فيها العدة و السلاح، و نستوعب ذلك كله بحول الله، فجازاه الباشدور بكلام طيب عن كلامه هذا، ثم طال الكلام بينهما في غير هذا. ثم انصرفنا من عنده، و رجعنا لمحل نزولنا.

فابريكات المدافع و الرماية بها

و بعده بقريب أتى الترجمان بأكداش أخر، و أذننا بالركوب فيها بقصد الذهاب إلى دار فابريكات المدافع، و دار تعليم الرماية بها و بالمكاحيل، فسرنا إلى دار فابريكات المدافع‏، فوجدناهم يصنعون بها المدافع التي ظهرت في الوقت، فوجدنا فيها مدفعا

____________

(1) ملكة بلجيكا السيدةMarie -Henriette D`Autriche .

(2) «.. فإنني أمرت من جلالة سلطان المغرب ... تجديد أسباب المحبة ... و شكركم بتوسط نائبكم دالوان في شأن المتعلمين و غيرهم ... و إنني لمسرور جدا بتبليغ كلام جلالة سلطاننا ... مشافهة ...

و لجلالة الملكة المعظمة ... و أرجو من سموكم الإذن لمن تختارون للمخابرة معنا فيما يعود بالمصلحة على الدولتين». الإتحاف، ج 2: 289. يقصد المتعلمين، البعثة الطلابية المغربية التي توجهت إلى الدراسة بالمعاهد البلجيكية.

(3) يقصد معمل السيد كريسطوف‏CristoPhe في مولابريك سان جان‏Molenbreek St Jean لصناعة الأسلحة.M .A .E .R .B (ARCH .HIST .DIP) :815 .

216

صغيرا تم عمله، و هو من مدافع الجر منصوبا على كريطته، و طوله بخزنته نحو ذراع و نصفه، و قطر فورمته أقل من ربع ذراع، و فيه تسع عشرة عمارة، و كنا نسمع بهذه العينة، فكنا نظن أن العمارات لها جعبة واحدة هي فورمة المدفع، و الخزنة فيها التسعة عشرة، كما نعتاده في بعض الكوابيس الرومية، فوجدناه بخلاف ذلك.

و بيانه أن هذا المدفع ملفق من أجزاء، أما جعبته أعني جرمه ما عدا خزنته فهي جزء مستدير/ 164/ أسطواني كالمعهود، لكن منه نحو أصبعين أو أزيد صنع من صفر. ثم أفرغ في جوفه الحديد المذاب حتى ملئ منه جوفه كله. ثم ثقب في هذا المذاب بالبريمة تسع عشرة ثقبة، نافدة من خزنته إلى فمه على المثال الذي سطرته. ثم صنع قعره من صفر مفصولا عنه. ثم عمدوا إلى قطعة حديد مبسوطة و فتحوا فيها تسع عشرة دائرة على الكيفية التي بالطرة. و جعلوا لهذه الحديدة علامة ترفع منها خارجة عن الدوائر التي فيها. و فتحوا في قعر المدفع المفصول قدرا يسع هذه الحديدة دون علاقتها. و هذه الحديدة يركب فيها القرطوس‏ من البارود، كل قرطوس في دائرة حتى تملأ دوائر الحديدة بقراطيس البارود برصاصها، لأنه كقرطوس المكاحيل في الجرم، فإذا أريد عمارة المدفع، تحرك يد من حديد كيد الزيار قرب الخزنة من جهة اليمين، فينفصل قعر المدفع من بقية جرمه، فيوضع تلك الحديدة في محلها الذي حفر لها على قدر جرمها، ثم تحرك تلك اليد فينطبق قعر المدفع على فم الخزنة، فتدخل كل عمارة قرطوس في كل ثقبة من الثقب الذي في جرم المدفع‏، لمراعاة المسامتة عند الوضع، و يسد عليها بتلك اليد، فيصير كأنه ذات واحدة. و عن يسار

____________

(1) يقصد الرشاش سلاح ناري جماعي للرمي المستقيم، يتم تموينه بالذخيرة بواسطة أشرطة أو مخازن مستطيلة أو أسطوانية، و يمتاز بقدرته على إنتاج رمايات غزيرة بسرعة كبيرة. الموسوعة العسكرية، ج 1: 83- 85.

(2) رسم من إنشاء الجعيدي يوضح فوهات الرشاش المتعدد الطلقات. (انظر ملحق الرسوم و الصور صفحة 8 و 9.

(3) انظر شرحه بالملحق رقم: 4.

(4) الرشاش يستخدم مجموعة دائرية من السبطانات التي تدور حول محور مركزي داخل حجرة أسطوانية تؤمن التلقيم بالتتابع، و يتم إطلاق النار عن طريق ذراع تدوير يدوية، تتصل بإبر التفجير المخصصة لكل طلقة من الطلقات الموجودة في المخزن. (الموسوعة العسكرية، ج 1: 84).

217

الخزنة الآلة التي يعرف بها مسامتة الشي‏ء الذي يرمي بالمدفع، و هي بنية معروفة.

ثم تكلم كبير الدار مع بعض الخدمة التي فيها، و هو ولد صغير يبلغ سنه ثلاثين سنة و الله أعلم./ 165/ فعمد إلى ذلك المدفع و فصله عن كريطته، و رفعه و وضعه على كتفه، و بقي واقفا به هنيئة، و وضعه على كريطته، ثم أتى معه ولد آخر في قده و جعلا كالعصا على رجل الكريطة لأنها لها رجل واحدة، و أخذ كل واحد منهما بطرفها بيد واحدة، و خرجا به إلى وسط الدار، و صارا يجريان به و هما يحركانه، فوهته وراءهما، و لم يكن عليهما في ذلك كبير مشقة، ثم رداه إلى محله، و وجدنا مدفعا آخر مصنوعا مثل هذا أكبر منه بنحو نصف ذراع، فيه ثنتان و ثلاثون عمارة كما في الآخر، و وجدنا آخر فيه سبع و ثلاثون عمارة، قيل إنه يرمي في الدقيقة الواحدة ستمائة رصاصة، و غاية البعد الذي يرمي به ثنتان و عشرون مائة متر، و هي تنيف عندنا على ثلاث و أربعين مائة ذراع و الله أعلم. وجدنا آخر أكبر من تلك المدافع، طوله نحو ثلاثة أذرع، و ليس فيه إلا سبع عمارات، فورمة كل واحدة قدر دور نصف الريال، قيل إنه يرمى بمقدار خمس و ثلاثين مائة متر. و سئل‏ عن‏

____________

(1) كانت الحرب الأهلية الأمريكية (61- 1865 م) المناسبة المثلى لاختبار و تطوير رشاش غاتلينغ.R Gailing و غيره، مما ألحق خسائر بشرية ضخمة.

و بفرنسا سمي‏Mitrailleuse (عنقود أو حزمة الطلقات) استخدم في الحرب البروسية (70- 1871 م)، و كما استخدمته بريطانيا ضد الثورة المهدية بأم درمان سنة 1898 م، حيث أثبت فاعلية كبيرة في القضاء على جماعات المشاة و الخيالة السودانيين، و كانت الحرب العالمية الأولى هي حرب الرشاشات التي حتمت اختراع الدبابة و العربة المدرعة ... (الموسوعة العسكرية، ج 1: 85).

(2) نقتطف من جواب الحاجب السطاني المغربي عن مكاتب الزبيدي ما يأتي: (تواصل دائم بواسطة البريد) «... و صار بالبال جميع ما سطرته في المكاتب الثلاثة و اطلعنا عليها سيدنا و استوعبها سيادته قراءة و فهما ... و قد استحسن سيدنا مدفع الجر الصغير الخفيف ذا العمائر، و الذي نبهت عليه، و قال أيده الله لا بد من بيان ثمنه، أي المدفع الصغير الذي تحمله بغلة واحدة فتحقق لنا ثمنه و بين لنا كيفية السريجة التي يحمل عليها، و لا بد و حينئذ يظهر لسيادته ما يحتاج لجلبه منه، و قد كتبنا عن أمره الشريف للمحب السيد محمد بركاش ليتكلم مع نائب البلجيك في ذلك ...». 26 رجب عام 1293 ه. موس ابن أحمد لطف الله به. ابن زيدان، الإتحاف، ج 2: 291.

218

ثمن هذا المدفع فقيل أربع عشرة مائة ريال، فقيل: و كم معه من عمارة، فقال:

خمسون بقصد التجريب، و ما عداها فلها ثمن يخصها، فسئل عن ثمن الصغار، فقال: إن ذلك عند الباشدور الذي لهم بطنجة، و وجدنا مكينات هناك تدور، و كل واحدة جالس قبالتها رجل، قد ركب جزءا من أجزاء المدفع في محل و أحكم وثاقه، و هو يدور بدوران المكينة و بيده آلة/ 166/ من هند محددة الرأس، و هو يخرط بها تلك الآلة، كما يخرط الخراط العود بالحديد. ثم خرجنا من هذه الفابريكة، و توجهنا إلى الدار التي يتعلمون فيها الرماية، فدخلنا إليها فوجدنا فيها بيتا طويلا عريضا، و في جداره فرج مربعة مفتوحة يشرف منها على ربوة بعيدة، فيها أشجار، و جعل في أسفل تلك الربوة حفيرا أطول من قامة الإنسان، و فيه ألواح كبيرة مربعة من عود، يظهر من المحل الذي كنا فيه أن تربيعها قدر ذراع في مثله، و هي مصبوغة بالسواد، في وسطها بياض، تركب هذه الألواح في رؤوس عصي طويلة، يباشر تركيبها من يكون في ذلك الحفير، و ينصبها للرمي. و وجدنا أناسا بذلك البيت يرمون تلك الألواح من الفرج التي في جداره، و تكرر رميهم لها، فما أصابها واحد منهم، فناولني واحد منهم مكحلة بعدما عمرها من خزنتها، و أذنني في الرمي بها، فأخذتها فوجدت نيشان الخزنة ضعيفا جدا لا ينحصر به المرمي، فحين شايعت بها المرمى ظهر لي في رأي العين أن فورمة المكحلة أعظم من المرمي‏، و لعله من صغر النيشان و شكل الجعبة، فحين أخرجت المكحلة لم أصب ذلك المرمى، فلم‏

____________

(1) في مكان الرماية الوطني‏Tir National جربت هذه الأسلحة أمام أنظار أعضاء السفارة المغربية.

M. A. E. R. B( ARCH. HIST. DIP ): 815.

(2) تنبه الجعيدي إلى بعض عيوب هذه الأسلحة البلجيكية و هي في طور التجريب، و فضل الأسلحة التقليدية المغربية عليها، و هذا يفسر لنا أن الجنود المغاربة كانوا يفضلون المكاحيل القديمة المحلية على المكاحيل الأوربية الحديثة، كما يظهر من رسائل السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان بتاريخ غشت 1862 م «... و أخبرت أنك كنت دفعت لمخازنية تطوان المكاحيل الرومية و لم تصلح لهم و طلبت أن تفرق عليهم هذه المكاحيل التي تعمل من الطريحية فقد أذناك في ذلك، فاجمع الرومية التي كنت فرقتها عليهم ...».

219

تكن له علينا في ذلك مزية و الحمد لله. و وددت الآن لو كان معنا مكحلة من مكاحيل غربنا، لأن أمور الرماية عندنا مما يكاد يستحيله السامع، كضرب المحمدي الذي يكون في أذن الواقف، و الطائر في حال طيرانه على أحوال متعددة، ثم خرجنا من هذا/ 167/ البيت، و أوتي بنا إلى آخر، فوجدنا فيه مربعين، أحدهما فيه تسع عشرة عمارة، و الآخر فيه سبع و ثلاثون، و أوتي بالحديدات المتحدة عنها، في كل واحدة تسعة عشر قرطوشا مركبا فيها، فوضعت تلك الحديدة في قالبها المحفور لها في سطح قعر المدفع، و شدت على الخزنة، و كان في رجل الكريطة مسماران معكوفان إلى جهة الأرض، فضربهما برجليه حتى غاصا في الأرض، و كان أمامه في بعد جدار مربع مصبوغ بصبغة سوداء، في وسطه دائرة ببيضاء ثم أخذ يباشر مسامتة المدفع للدائرة البيضاء، و بعدها رفع تلك اليد من الحديد التي عن اليمين إلى فوق، فخرجت العمارة كلها، فكان رجل منهم في الحفير الذي فيه ذلك الجدار، و بيده قضيب طويل، و هو يعين لهم المواضع التي أصابها رصاص العمارة، فكانت كلها حول الدائرة البيضاء، و تكرر الرمي منه بهذا المدفع و بالآخر، فما أصابت الدائرة البيضاء و لو رصاصة واحدة، و من المشهور عندنا في الغرب أن الطبجية يجعلون‏

____________

(1) بعض رجال المخزن المغربي كان يعرف أن الأسلحة التي كان يشتريها كانت عاجزة أو فاسدة أكل الدهر عليها و شرب، و كلام المؤرخ الناصري في هذا الموضوع واضح «... صاروا من القوة و الاستعداد و التفنن في أنواع الآلات الحربية التي حيث صارت آلاتنا عندهم هي و الحطب سواء، و الدليل على ذلك أنهم يبيعوننا أنواعا من الآلات الحربية نقضي العجب من جودتها و إتقانها، و مع ذلك فينقل لنا عنهم أنهم لا يبيعونا منها إلا ما انعدمت فائدته عندهم، لكونهم ترقوا عنها إلى ما هو أجود منها، و استنبطوا ما هو أتقن و أنفع ...»، الاستقصا، ج 9: 184.

رغم أن المخزن المغربي كان يشترط على الشركات الأوربية التي يتعامل معها ضمان حكوماتها لجودة السلعة، فإن الأسلحة كثير ما كانت تظهر فيها أعطاب غير صالحة للاستعمال كما جاء ذلك في إحدى رسائل القنصل البلجيكي بطنجة للزبيدي.

«... إنا نكتب لك اليوم على شأن أمر أوقعني في غبينة كبيرة .. و إنني تغيرت كثيرا لما سمعت أن السلطان أيده الله ليس على خاطره من أجل هذا الحرب (الأسلحة) الذي من بلادي ...»، سنة 1885 م. الجيس المغربي و تطوره في ق 19، برادة ثريا، ص. 277. د. د. ع، كلية الآداب بالرباط.

220

دائرة في جدار أبيض، و في مركزها طلاء أسود أو أحمر، و يضربونه بالمدفع بكورة واحدة، فيصيبون ذلك الطلاء بخصوصه في بعض الأوقات مع صغر جرمه. و هذه العمارة التي تجعل في تلك المدافع، لصاحبه الاختيار، إن شاء أخرجها دفعة واحدة، فتخرج كالحاضرون المعروف، و إن شاء أخرج منها رصاصة أو ثنيتين أو أكثر، و إن شاء أخرجها متتابعة فعل، فالسبت في يده أي اليد التي يحركها/ 168/ إن شاء طوله و إن شاء قصره، و كذلك إذا أراد أن يضرب بعمارة واحدة الصف المقابل له، من اليمين إلى اليسار، يجذب المدفع إليه حالة رفع تلك اليد، فتجد فمه يدور إلى جهة اليسار حين خروج العمارات، ثم شكر لهم الباشدور تلك الأعمال، فلين الأقوال فتأدبوا منكسرين بخضوع غير مستكبرين، و ركبنا الأكداش و رجعنا إلى مستقرنا.

الملاقات مع أخ عظيم الدولة و عامل البلد و صفة داره‏

و في يوم الجمعة السابع‏ منه ركبنا و توجهنا لدار أخ كبير الدولة، و تلاقينا به بداره فرأينا منه من الفرح و السرور مثلما وجدناه في كبير الدولة، و بعدما خرجنا من عنده توجهنا لدار عامل البلد، فالقينا فئة كبيرة من العسكر بباب داره متحربة، و أصحاب الموسيقى يتكلمون بها، فتلاقينا به في قبة بداره، و ما قصر في البشاشة و التعظيم، و أحضر موائد القهوة، و موائد الحلواء المعقودة على الثلج، فتناولنا من ذلك شيئا خفيفا. و وجدنا عنده بتلك القبة كنانيش فيها الشروط و العهود المعقودة بينهم و بين الدولة الفرنسوية، ربما يزيد على تسعمائة سنة كما قيل. و هي محفوظة

____________

(1) 30 يونيو سنة 1876 م.

(2) الأمير فليب دوق فلاندرPhiliPPe Conte de Flander و زوجته، انظر نص برقية الاستدعاء بالإتحاف، ج 2: 300.

M. A. E. R. B( ARCH. HIST. DIP ): 815.

(3) بقصر البلدية استقبل الزبيدي من طرف عمدة المدينة و طاف على أهم مرافقها (نفس المرجع).

221

عندهم، و وجدنا عنده في تلك القبة سلك التلغراف‏ مجموعا عنده في محل واحد، و منه يتفرق على جميع الطرق التي حول المدينة لأجل إخباره بما يحدث في أطراف البلد و في غيرها عاجلا. ثم إنه أخذ لولبا واحدا من لواليب مركوزة في لوحة، فحركه قليلا، فقال الترجمان: إنه سأل صاحب السلك الذي في خارج المدينة عن الجالس معه حينئذ، فأجابه عاجلا في ربيعة بيضاء ملوية على ناعورة/ 169/ صغيرة رأيناها تدور، فيخرج الجواب مكتوبا في تلك السفيفة بقلم الخفيف، قائلا له معي فلان و فلان، كذا أخبرنا الترجمان. ثم دخلنا إلى قبة أخرى فيها كراسي و شوالي من الموبر، ذكر لنا أن هذا المحل يجتمع فيه كبراء الدولة في خمسة عشر يوما لتفقد أحوال البلد، و ما يحدث فيها، و المفاوضة في أمره و هذه الدار، قيل إنها تزيد على تسعمائة سنة منذ بنيت، و هذا المحل معروف فيها لهذا الغرض، ما بدلوه قط، و دخلنا إلى قبة أخرى، رأينا فيها تصاوير في الجدران و السقف لا جسم بها، قيل إن لها في ذلك المحل أزيد من ثلاثمائة عام. ثم دخلنا إلى قبة أخرى وجدنا فهيا كراسي قيل إن في ذلك يعقد نكاحهم على يد العامل‏، و أن في كل يوم يعقد النكاح لعشرة أو أزيد، ثم خرجنا من هذه القبة إلى سرجم خارج عن جدار الدار، و أشرفنا

____________

(1) معناه «الكتابة من بعيد» و هذا الجهاز يعتمد على تيار كهربائي ضعيف متقطع في سلك معدني ممتد بين نقطتين تعرفان بمحطتي الإرسال و الاستقبال (الموسوعة العربية).

(2) تتم المخابرة عندما ينقر المرسل بواسطة مفتاح الآلة، فينقل ذلك كهربائيا إلى جهاز الاستقبال، و يظهر في شكل نقط أو خطوط هي أساس الشفرة التلغرافية على سفيفة أو شريط رقيق، و للإشارة فقد وفد على السلطان الحسن الأول باشادورات فرنسا و أنجلترا و إسبانيا و البرتغال عام 1875 م في شأن إدخال التلغراف للمغرب (الإعلام، المراكشي، ج 7: 73). و الذي استفاد منه التجار و الهيئات الدبلوماسية الأجنبية فقط.

(3) شاهد الزبيدي بقصر بلدية ابروكسيل قاعة اجتماع ممثلي السكان، وقاعة عقد الزواج العرفي المدني، و تعرف على أحدث وسائل مكافحة الحرائق، و بالمركز الثقافي و الأدبي شاهدوا عرضا لفرقةVau -Hall بقيادةMonnate ، و بالتالي تعرفوا على أهمية المجالس البلدية، و دورها في خدمة سكان الحواضر.

M. A. E. R. B( ARCH. HIST. DIP ): 815.

222

فيه على سوق متسع البراح، و فيه خلق كثير، فتكلم القائد مع رجل به، فنصب طرونبة قائمة، و فتح فاها، فصار الماء يخرج منها و يتصاعد حتى جاوز الأسطحة العالية بجهد عظيم. و سئل عما يتصاعد هذا الماء فقيل يصعد عشرة مياتير، و أخبرنا أنه وقع حريق في أربع عشرة دورا فركبت الطرونبات مثل هذه و أطفئت تلك النار في ثلث ساعة، ثم هممنا بالرجوع فتكلم الترجمان‏ و ذكر أن القائد يطلب من الباشدور فابورا بتأنيه هنا نحو ربع ساعة، ليلبس ثيابه/ 170/ و يخرج معنا لمحل مكينة الغاز الذي تشعل منه المدينة، فدخلنا للقبة التي وجدناه فيها أولا، و جلسنا فأوتي إلينا بموائد القهوة و الحلواء ثانيا، من جملتها حلواء معقودة على حبوب العنب الذي يصنع عندهم بالمكينة، فتناولنا شيئا يسيرا، ثم قدم علينا القائد و قد نزع ثياب لباسه الفاخرة المرصعة بالذهب، و لبس الثياب التي تلبسها العامة منهم.

توجهه مع الباشدور لمحل صنع الغاز و شرح كيفيته‏

و خرجنا فركب مع الباشدور في كدشه المعين له، و ركبنا نحن في أكداشنا تابعين له، إلى أن وصلنا إلى محل صنع الغاز، فوجدنا بقربه كدي عظيمة من الفاخر تأتي به البابورات البرية من نواحي كثيرة، فمنه ما هو من معدن بلادهم، و منه ما هو

____________

(1) انظر شرحه في الملحق رقم: 4.

(2) ابراهام سكس‏Abraham Succic ، كان منذ سنة 1866 م يضطلع بمنصب الترجمان الأول بالقنصلية البلجيكية بطنجة، و رافق سفارة الزبيدي طيلة مقامها ببلجيكا كترجمان رسمي للدولة. و حسب رسالة الطريس إلى السلطان بتاريخ 26 أبريل 1890 م أنه تورط صحبة منصور ملحمة ترجمان ألمانيا بطنجة، في شراء أرض لفائدة شركة فرنسية بوهران ب 600 ريال بناحية المنار، و ادعيا أنهما فعلا ذلك ب 000، 26 ريال، و كان معه أحد أقاربه يدعى يعقوب سكس كترجمان ثاني منذ 1885 م.

(الاستيطان و الحماية، بو شعراء، ج 2: 542).

(3) يستخرج من الفحم الحجري الغاز (آلية تغويز الفحم) الذي يستعمل في الإنارة و الطهي في المدن، و يسمى عادة غاز الاستصباح كطاقة رخيصة. (البخار و الآلات البخارية، د. عبد الله صبري، د.

محمد مصطفى أنور، د. محمد أبو بكر إبراهيم، القاهرة، 1957).

223

من معادن أجناس آخرين. و وجدنا ثلاثة بيوت معدة عندهم لحرق ذلك الفاخر، لكننا وجدنا الخدمة في بيت واحد. و كيفية خدمته أنهم يتخذون في نصف جدار كل بيت ثمان فرج، و ينصبون في نصف عرض جدار كل فرجة سبعة بيوت النار، أفواهها قيل إنها من حديد مستدير كشكل البيضة، و امتد كل بيت في نصف عرض الجدار و تمام بيت النار يبنى كما ذكر من الطين الذي يثبت‏ مع النار، أما ثلاثة بيوت منها فهي مصطفة مع طول الجدار من اليمين إلى اليسار، و فوقها بيتان، و آخران أسفلها، و مجموعها في السبعة بيوت المذكورة المبنية في نصف عرض الجدار، و نصف عرضه الآخر يجعلون فيه مثلها في البيت المتصل بهذا البيت/ 171/ ثم يجمعون في كل بيت منها جعبة حديد أسفلها متصل ببيت النار قرب فمه، تمتد مع علو الجدار، حتى تنتهي إلى جعبة عظيمة مقاطعة لها، ممتدة مع امتداد طول الجدار، و جميع جعبات بيوت النار هكذا، خارجة منها كما ذكر و تنتهي إلى تلك الجعة العظيمة، فإذا أرادوا الخدمة يجعلون من الفاخر المذكور في بيوت النار و توقد، و يقفلون على أفواهها بألواح من حديد مماثلة لهيئة أفواهها المذكورة، و يجعلون عليها طينا أبيض مبلولا، يدخل عند السد بها بين الألواح و أفواه البيوت، ليلا يخرج الدخان، فعند ذلك يصير ذلك الفاخر يشتعل في تلك البيوت، و له لهيب عظيم، و دخانه يخرج من تلك الجعبات المتصلات بأفواهها، و يصعد فيها حتى ينتهي إلى تلك الجعبة العظيمة، و تحت كل فرجة من الفرج المذكورة سواني يجري الماء فيها بحرارة. و هو ظاهر من أسفلها قيل ليلا يذوب الحديد الذي تحته من شدة النار، و يبقى ذلك الفاخر يشتعل في ذلك المجمار خمس سوائع، فإذا مضت له هذه المدة يأتي رجل من الخدمة و يعد تلك اللوحة الملصقة في فم المجمار، و يضع آخر أسفله صندوقا حديديا، و يوخذ قضيب طويل من حديد معكوف الرأس، و يشتغل بإخراج الفاخر المشعول من ذلك المجمار، فيسقط في ذلك الصندوق، فيصب عليه الماء فينطفى‏ء فيخرجونه إلى الفضاء، و يجمع هناك في مواضع فيباع بعد ذلك لأهل البلد،/ 172/ و به يطبخون‏

____________

(1) تحاط الأفران بمواد عازلة من الطوب الحراري، حتى لا تضيع الحرارة و تتسرب من الأفران عن طريق الإشعاع إلى الخارج. (نفس المرجع السابق).

224

طعامهم و يجعلونه في مجامير بيوت مساكنهم في البرد، لأنه لا تبقى له رائحة كريهة و لا كثير دخان، هكذا أخبرنا. ذومهما فرغ بيت من الفاخر المشعول يملأه اثنان بغير المشعول، كل واحد بيده مدرة من الحديد يغترف بها الفاخر و يرميه إلى داخل المجمار حتى يجعلا فيه كفايته ثم يسد بلومته مع ذلك الطينذ، و قد بينا أن نصف جدار كل بيت فيه ثمان فرج، و في كل فرجة سبعة مجامير عينية، في نصف عرض الجدار، و في نصف عرضه الآخر المقابل لها مثلها، فيكون في نصف البيتين المتصلين من بيوت النار مائة بيت و اثنا عشر بيتا كلها في نصف جداره، و في النصف الآخر مثلها تصير مائتي بيت و أربعة و عشرين بيتا، جميع دخانها الخارج من جعباتها ينتهي إلى تلك الجعبة العظيمة، و تقدم أن هذا المحل فيه ثلاثة بيوت لخدمة الفاخر فيكون في جملتها من بيوت النار ستمائة بيت و اثنان و سبعون بيتا، قيل كلها يخدم بها في أوان البرد، و أما في وقتنا و هو شهر يوليوز و الشمس في برج السرطان، فوجدناهم مقتصرين على الخدمة في نصف بيت، لحرارة الوقت، و حيث ينتهي الدخان إلى تلك الجعبة العظيمة الممتدة في أعلا الجدار، ينزل منها إلى الأرض في مجاري لا ترى حتى ينتهي إلى بيوت أخر عظيمة. قد جعل في براحها صهاريج‏ عظيمة من الحديد و فرشت بغبراء الجير، و كل صهريج منها يحيط به آخر أعظم منه، و بينهما بعد بقدر الشبر يكون الماء جاريا فيه. و هذه الصهاريج ينزل إليها

____________

(1) الكبريت الموجود في الفحم الحجري، عند الاحتراق يعطي غاز ثاني أكسيد الكبريت، و هو غاز سام ذو رائحة كريهة غير مرغوب في وجوده مع غاز الاستصباح الناتج، لهذا معظم الأفحام المستعملة من نوع الدسمةAntracite أو النصف دسمة، و التي تتميز بوجود نسبة قليلة من الكبريت 1%. (نفس الرجع السابق).

(2) استدراك بطرة الصفحة أدرجته في مكانه بين نجمتين ذ ... ذ.

(3) صهاريج تكثيف و تجميع الغاز المتولد عن تسخين الفحم الحجري، و تحوله إلى مادة سائلة تحت ضغط كبير. فعندما يراد الحصول على غاز للإنارة تخفض درجة حرارة التسخين، أما إذا ارتفعت درجة حرارة التسخين فتتحول الغازات الإيدروكاربونية إلى إيدروجين تستخدم في آلات الاحتراق الداخلي. (نفس المرجع السابق).

225

الدخان الوارد من تلك الجعبة العظيمة، و لها أي هذه الصهاريج أغطية على هيئتها، و في مقدار/ 173/ جرمها، وجدنا أحدها قد رفع غطاؤه بمكينة فوقه، كما ترفع عندنا المدافع، و رجلان يخدمان البوجي‏ المنصوب على قنطرة عظيمة فوق هذه الصناديق.

و هي مع عظمتها غير ثابتة في موضع، بل بطرفيها ناعورتان، في حرفها درج تمشي بها على الجدارين البنيين لها إلى حيث يراد بها، لأن بها ترفع أغطية تلك الصهاريج التي في هذا البيت. و بهذا توضع الأغطية بحركة البوجي الذي في وسط القنطرة، فإذا نزل الدخان إلى الصهريج الأول بعد سده بالصهريج الآخر الذي فوقه، يسلب عنه الجير، و مع ذلك الماء ماء فيه من العفونات و الأضرار المؤذية، و من الصندوق الأول يخرج إلى الثاني فيسلب عنه البقايا التي فيه. ثم إلى الثالث و إلى الرابع و هكذا، حتى لا تبقى فيه رائحة و لا ضرر و لا أذى، فعند ذلك تخرجه مكينة مبنية في بيت آخر عظيمة الجرم، مثل مكينة البابور، فتسفه و تجذبه من تلك الصناديق، و يخرج منها مختفيا تحت الأرض، حتى يصل إلى‏ ذمخازينه الآتي ذكرها و منها يخرج إليذ قادوسين عظيمين ممتدين مع الأرض، قطر دائرة كل منهما يزيد على ذراع واحد، و منهما يتفرق على المدينة في قواديس صغيرة و كبيرة بحسب الديار و الحوانيت التي في البقاع كثرة و قلة، و دخلنا إلى بيت آخر، وجدنا فيه ناعورتين كبيرتين قيل لنا بهما يعرف ما دخل من الدخان للبلد، في كل يوم و بين لنا بعض ذلك في دائرة صغيرة مثل رخامة المجانة المستديرة، قد قسم نحو ثلاثة/ 174/ أرباعها بمقدار واحد و جعل في كل قسم دائرة صغيرة قد قسمت على عشرة أجزاء، و في وسطها موري‏ مثل المجانة، فإذا تحرك الدخان و خرج منه مقدار متر واحد، تحرك ذلك الموري الذي في الدائرة الأولى‏ درجة واجدة من الدرج العشر التي في محيط الدائرة، و إذا دخل متران تحرك درجة أخرى و هكذا، فإذا تحرك عشر درج، و قطع‏

____________

(1) انظر شرحه بالملحق رقم: 4.

(2) استدراك بطرة الصفحة أدرجته في مكانه بين نجمتين ذ ... ذ.

(3) يتحرك عقرب الساعة بشكل تصاعدي داخل هذه الدوائر مسجلا مقدار استهلاك الغاز.

(4) الدائرة الأولى (من الدرجة 0 إلى 10)

226

محيط الدائرة، و ذلك عند دخول عشرة مياتير من الدخان للبلد، يتحرك موري الدائرة الثانية درجة واحدة من عشر درجها، فإذا دخلت عشرة مياتير من الدخان تحرك درجة ثانية، فإذا دخلت منه مائة متر تحرك عشر درج، و قطع الموري جميع الدائرة، و يتحرك موري الدائرة الثالثة درجة واحدة، فإذا دخلت مائتا متر تحرك موري الثالثة درجتين، فإذا دخل ألف متر تحرك عشر درج، و قطع دائرته. و يتحرك موري الدائرة الرابعة درجة واحدة، و إذا دخل منه ألفا متر تحرك درجتين، و إذا دخل منه عشرة آلاف ميتر تحرك عشر درج و قطع دائرته و تحرك موري الدائرة الخامسة درجة واحدة.

و هكذا حتى يكون موري الدائرة الثامنة ينبئ تحركه عن عدد عشرات الملايين، لأن مراتب هذه الدوائر بنيت على مراتب أسس مطلق العدد. و ذكر لنا أن كل دار أو حانوت أو غيرهما مما يشعل فيه الغاز، فيه دائرة فيها موري ينبئ عن القدر الذي يشعل منه في ذلك المحل كل ليلة،/ 175/ و هذا الدخان الذي يخرج في كل يوم، ليس كل ما يخرج منه يدخل للبلد، بل ينصرف إلى مخزنين عظيمين من حديد مستديرين، و منهما يخرج منه القدر المحتاج، و وجدناهم يصنعون خزينا ثالثا مثل الآخرين، و هو ملفق من ورقات. و رأيناهم يلفقون الطبقة العليا منه بمسامير كبيرة، يخرجونها من بيت النار قريبا منهم، و يدخلونه في ثقبتي الورقتين اللتين في حرفيها، و يكعبون أرباع رأس المسمارة، ثم يوضع على رأسه قطعة حديد فيها قالب رأس المسمار كهيئة نصف كرة، و يضربونه بمقامع من حديد. ثم ينزعون ذلك القالب فيبقى رأس المسمار كهيئة نصف كرة. و سألت عن قطر دائرة هذا الخزين، فأخبر مهندسهم أن قطرها ثمانية و أربعون مترا، و سألت عن علو هذا الخزين، فقال عشرون مترا، فقلت و كم يملأ هذا الخزين من الأمتار؟ فقال عشرون مليونا من الأمتار، لكن إذا

____________

(1) الدائرة الثانية (من الدرجة 10 إلى 100)

(2) الدائرة الثالثة (من الدرجة 100 إلى 1000).

(3) الدائرة الرابعة (من الدرجة 1000 إلى 000، 10).

(انظر الرسم بملحق الرسوم و الصور صفحة 10).

227

ضربنا نص قطره في نصف محيطه و الخارج في علوه كان الخارج‏ ستة و ثلاثين ألف متر، و مائتي متر و عشرين، و لعل المراد عنده بالميتر شي‏ء آخر باعتبار مصطلحه.

و هذا كله و عامل البلد يطوف معنا في تلك الأماكن.

دار الوحوش الميتة

و في يوم السبت الثامن‏ منه توجهوا بنا في الأكداش إلى دار فيها وحوش كثيرة، لكنها ميتة وحشيت جلودها حتى ملئت، فيتخيل للناظر أنها أحياء، فدخلنا إليها فرأينا فيها أسدا من أسد الغرب في خزانة زاج، ذكر أن مولانا السلطان المقدس بالله سيدنا و مولانا عبد الرحمان/ 176/ أسكنه الله فسيح الجنان كان وجهه لكبير دولة البلجيك، و أنه عاش عنده اثني عشر عاما و مات، فأخذ جلده وحشي، و جعل الكافور في رأسه فبقي على حالته حين كان حيا. و وجدنا في أسطوانها أقفاصا من حديد، و سلك ممتدة طولا و ارتفاعا مع جدران الأسطوان، معلقة بشي‏ء ظنناه حجرا، فقيل لنا إن ذلك عظام حيوان محفوظة هناك، و في هذه الدار من هيئات الحيوان مثل ما في جنان باريز من الحيوان الحي، إلا ما قل. و فيها زيادة على ذلك هيئة حيوان أعظم من الجمل، لكن لم يبق منه إلا العظام، قد ربط بعضها مع بعض بالسك‏

____________

(1) بالفعل العملية الحسابية التي قام بها الجعيدي صحيحة و هي كالتالي: القطر 48 سنتم،

الارتفاع- 20 متر، الشعاع- 24 سنتم. 14، 3- 11

المحيط- 2 (الشعاع)* 11S -R 2 *11

الحجم- المحيط* الارتفاع‏V -S *h

الحجم العادي- 14، 3* 2 (24)* 20- 200، 36 متر مكعب.

(2) الحجم يقاس بالمتر المكعب.

(3) 1 يوليوز سنة 1876 م.

228

و قضبان الحديد، و له نابان في الفك الأسفل منعكفان إلى ناحية أعلا رأسه‏، في كل ناب نحو ثلاثة أرباع، دائرة قطرها نحو ذراعين و نصف، و طوله أي هذا الحيوان نحو ستة أذرع، و في ذنبه نحو أربعة أذرع، و فك فمه الأسفل في دوره نحو ستة أشبار، و رأسه كبطن بقرة. قيل إن هذا الحيوان كان قبل الطوفان‏. و رأينا فكرونا عظيم الخلقة، طوله مثل عرضه نحو ذراعين في مثلهما عرضا، و التمساح طوله نحو سبعة أشبار، و بلينه لم يبق منها إلا بعض عظام بطنها مع عظام فقار ظهرها، في طولها ثلاثون خطوة و أفاعي عظيمة الخلقة، ملتوية على ذاتها، غلظ كل واحدة قدر ما يحيط به الإبهامان و السبابتان عند اقتران رؤوسها. و كل ذلك في خزانات من الزاج عدا/ 177/ الحيوان الذي قبل الطوفان و البلينة. و في صناديق كثيرة، أغطيتها من الزاج جميع ما في الأقاليم من المعادن، كل معدن أخذ منه حجرا و تراب، و وضع‏

____________

(1) الماموث‏Mammouth معاصر للإنسان كما تثبت لنا الرسوم الكثيرة على جدران الكهوف، قد انقرض في العصر الحجري (موسوعة عربية عالمية).

(2) تعليق بالطرة من إنشاء نجله عبد القادر الجعيدي «لم يدر هل كان مع نوح في السفينة أو انفرد عنه في ناحية لم يصلها فناء على أنه خاص، فتأمل بفكرك السوابق و اللواحق». و أسفله تعقيب لابن علي الدكالي «لا غرض لنا في أن يكون مع نوح في السفينة أو لم يكن معه لأن المؤلف قال إنه كان قبل الطوفان و عبارته تقتضي وجوده في الأرض قبل الطوفان و لا ندري هل انقرض قبل وقوع الطوفان أو بعده، فإن كان انقرض قبل وقوع الطوفان، فلا شك أنه لم يكن مع نوح في السفينة، و إن كان انقرض بعده فلا شك أنه كان معه في السفينة بدليل آياته «قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين».

و على كل حال فإن عظامه بقيت محفوظة في طبقات الأرض حتى عثر عليها الباحثون في هذا العصر، و ركبوها على الكيفية التي رآها عليها المؤلف كما هو الشأن في عدة آثار، حفظت تحت طبقات الأرض منذ آلاف من السنين إلى الآن، و الحاصل أنه لا اعتراض على المؤلف، و لو كان كاتب الطرة أعلاه له إلمام بعلم التاريخ الطبيعي لما كتب ما كتب و الله أعلم».

(3) تعرض متاحف التاريخ الطبيعي الأحافير (علم الجيولوجيا) و كميات من المعادن (علم المناجم) و النباتات المجففة (علم النبات)، و البقايا البشرية (علم الأجناس البشرية) و غير ذلك، و تكون تحت تصرف الباحثين لدراستها و تحليلها و صيانتها.

229

الحجر في حك من كاغد، و التراب في قطيع زاج، و كتب على كل معدن من أي محل هو، و ما يخرج منه، منها صندوقان فيهما حجر معادن الغرب‏، و عدد ما في هذين الصندوقين من المعادن المغربية سبعون معدنا. منها ما هو من الجديدة، و من طيط و غيرهما، و صناديق أخرى بالزاج، فيها النبات الذي يكون في قعر البحر على أشكال، و في صناديق عظام حيوان البحر الصغير و الكبير، حتى عظام غلالتة التي تكون بالشاطئ، و هناك قرود ممتدة الأفواه كالكلاب، و القاموس و حيوان عظيم الخلقة، أما ذاته ما عدا الرأس و الأرجل فأعظم من ذات الفيل الذي رأيناه في جنان الوحوش، و يداه و رجلاه مثل ما للفيل، إلا أنها قصيرة، طولها نحو ذراع، و عنقه قصير جدا، و رأسه‏ قرنة جسم كأنه مربع الشكل إلا أن زاويتي الفكين مثل قطع دائرة، قيل إنه وجد في بعض الأودية. ثم أكباشا من الغنم صوفها أسود. و الكركران و القنية و الفيران كبار و صغار، منها فأر عظيم كالحوت الشابل، له ذنب مبسوط، قيل إنه يعبر الواد و يرفع ذنبه للريح، و الضربان، و هناك من الطير ما لا حاجة إلى تفصيلها، سئل عن عددها فقيل ثمانية عشر ألفا، فقيل كم أجناسها، فقيل ثلاثمائة، و رأينا هناك القنفود و الهر/ 178/ و النمس. و من تلك الطيور الباز و الرخمة و الحدية و النسر و النعام إلى غيرها. مما لا نعرفه، ثم دخلنا لثماني قبب، أربع مصفوفة بعد أربع إنما فيها أي في جدرانها مرايا كبيرة، فيها صور آدميين، و في وسطها شوالي و كنابيس، و وجدنا في بعضها صورة رجل و زوجته لا شي‏ء عليهما من الثياب، و الرجل بيده اليمنى بل اليسرى أغصان شجرة بأوراقها، قد وضعها على عورته، و في يده شي‏ء مثل التفاحة و بيد زوجته مثلها، و قد جمعت فخذيها على فرجها، و هما تحت شجرة

____________

(1) المهندس البلجيكي ديكان‏Desguins ورد على المغرب سنة 1868 م للتنقيب عن المعادن و الثروات الطبيعية، و دراسة إمكانيات صناعية و غيره. ربما تكون العينات التي أخذها معه إلى بلجيكا هي المعروضة في المتحف المذكور. ابن زيدان، الإتحاف، ج 2: 461.

(2) وحيد القرن‏Rhinoceroc ، أو خرتيت كركدن (المنجد).

(3) الحدأة طائر من الجوارح (معجم الفصحى في العامية، محمد الحلوي).

230

قيل أنهما صورتا نبينا آدم و أمنا حواء، و وصفه صورة الآدمي وجهه للطول أقنى الأنف، أبيض مشوب بحمرة، ضيق العينين أسودهما، أسود شعر الرأس، مرسله إلى ناحية ظهره، رقيق الأطراف، و أما الأنثى فهي بيضاء اللون، مدورة الوجه للطول يسيرا، نجلاء العينين واسعتهما بوجهها حمرة ضعيفة، ناتئة البطن كأنها حامل، ناتئة الثديين، مسبولة، شعر الرأس يميل إلى الحمرة و البياض، ثم خرجنا من هذه الدار.

دار فابريكة النحاس و الصفر

و توجهنا إلى دار فابريكة النحاس و الصفر، و ليس يصنع فيها شي‏ء من أواني الطبخ و الأكل و الشراب، و إنما يصنع فيها الحوائج المحتاج إليها للأبنية، كالسراجيم و آلة الدفف و التصاوير و الثريات، و لكل حاجة من تلك الحوائج قالب تفرغ فيه، فدخلنا للبيت الأول فوجدنا فيه خدمة بين أيديهم ألواح من حديد، يجعلون في وسطها قوالب الحوائج التي يريدون فرغها، و هم/ 179/ يسجنون عليها بالتراب، و يشدون القوالب أجزاء بعضها ببعض، ثم ترفع لأناس آخرين في بيت آخر، فيه بيوت النار، يذيبون النحاس و الصفر، و يفرغونه في تلك القوالب. و قد أفرغوا بمحضرنا من ذلك المذاب في قوالب، فكان يصب منها في القوالب كما ينصب الماء من القواديس. و بعد حين فتحت فألقيت فيها حوائج مورقة مما يستعمل في الدرابيز و الله أعلم‏. و وجدنا آخرين في بيت ثالث مشتغلين بفك القوالب التي تكون فيها الصور

____________

(1) تعليق من أنشاء نجله عبد القادر بطرة الصفحة: «لا أدري لم أقتصر على هذا الجنس من البشر دون غيره من أولاده، و لعله كان بارا بهما أكثر، إلا أنه كان من حسن البرور أن يكسوهما».

(2) «زار الزبيدي ببروكسيل مصنع البرونز و مصنع الطناجير و الفخار، ثم ورش السيد فاشيرWasher بزنقة طيرنوف‏Terre Neuve لصناعة القماش، ثم مستودع التخريم لسيد بوشلتزBuchoctz بزنقة ليوبولد، ثم مصنع المدخات للسيد بييرPierre بزنقةMuysbroeck مويسابروك. و في أغلب هذه المحلات الصناعية و التجارية عمل السيد السفير على شراء بعض هذه المنتجات التي ستظهر للمغرب جودة منتوجاتنا التي نتمنى أن تتبعها طلبات جديدة».

M. A. E. R. B( ARCH. HIST. DIP ): 815.

231

العظيمة، و وجدنا بين أيديهم صورة بطن آدمي هائل الخلقة، و هم ينزعون منه ما هو زائد على ذاته حين الفرغ، و يحاولون وقوفه بالبوجي بعدما ربطوه من تحت إبطيه بالقنانيب، ثم وجدنا خدمة في بيت آخر يبردون بعض الأثاث الرقيقة التي خرجت من القوالب، و احتاجت إلى التصفية. و وجدنا مكينة عظيمة في بيت آخر، يخرج الريح من بعض جهاتها كصوت الثور، و يمر بعضه على كير مجمر حداد هناك يصنع حوائج أخرى، و هذه المكينة تدير نواعير كثيرة كل ناعورة قبالتها رجل أمامه آلة الخرط، يركب الحاجة التي يريد خرطها في محلها، منها ما يكون كالقضيب فيمسك من الرأسين، و منها ما يدخل في فرجة كبعض خواء المسك. و تصير الناعورة تدور، و هو يأخذ بآلة الخرط من ذلك المخروط على الكيفية المرادة، و تفعل آلة الهند في ذلك الصفر و النحاس مثل ما تفعله عندنا في العود.

الحوائج المصنوعة عندهم في بعض الأماكن‏

و في يوم الأحد/ 180/ التاسع من جمادى الثانية ركبنا مع الباشدور إلى دار تسمى عندهم دار موزي‏، و هي عندهم لحفظ السلاح القديم و آلة الحرب القديمة، مثل الدار التي رأينا في باريس، فعند دخولنا لها وجدنا في سفيلها المدافع التي استنبطوها أولا، و هي رقيقة طويلة، كل مدفع موجود في سريره كالمكحلة، و له رويضتان، و في خزنته فرجة يخرج منها قطعة من دائرة من حديد، ثابتة في أجزاء الكريطة، مأخوذة هناك لارتفاع المدفع أو خفضه. و في أحد البيوت تصاوير خيل، و أناس بالزرد راكبون عليها و بأيديهم المزارد. و خزانة فيها سلاح كثير قديم، و في صندوق من زاج مكاحيل تركية على أشكال، و خزانتان فيها شواقير مفضضة، و أخريان فيهما كوابيس‏ منبتة بالفضة من عمل الترك. و وجدنا معها مكحلة

____________

(1) 2 يوليوز سنة 1876 م.

(2) المتحف الحربي الملكي ببروكسيل يقارنه مع متحف ليزانفاليد بباريس (نفس المرجع السابق).

(3) انظر شرحه بالملحق رقم: 4.

232

ريفيت، و في آخر حناجير و سبائل، و فيه مهمازان مفضضان، و خلخال فضة من عمل الغرب، و كميات عمل سوس، و خزانتان فيهما مكاحيل عظيمة من عمل الأقدمين، و آخر فيه مدافع صفر صغيرة، على كراريطها نحو نصف ذراع في المدفع، و ابورز تناسبها في الصفر، و في صندوقين عدة مختلطة بأحدهما تاج من ذهب، و مكحلة بقربه من صفر طويلة غليظة، كأنها مدفع البحر، و فورمتها تسع الضوبلي و لها سرير المكحلة، ثم فرس كان يركبه بعض الملوك، و بعد موته حشي باطنه، و استعمل الكافور لجلده. و في خزانة عدة قيل كانت لسلطان السويد/ 181/ و للسلطان فلب اسكونر بإصبانيا، و مكحلة في خزنتها أربع عمارات تخرج في صفتها الأصلية، كانت لسلطان إصبانيا أيضا، و أخرى تعمر من خزنتها، فيها ست عمارات، تخرج بالزناد قيل إن لها هناك عندهم هذه مدة من نحو ثلاثمائة عام، و أنها من استنباطاتهم، و منها عدد في صندوق خاص بها، و في خزانة سيوف كانت بيد الأكابر من الدول، و معها سكين كانت عندهم معدة لقطع الرؤوس، و قد ربط مع مقبضها شعر كثير، عدده كعدد ما قطع بها من الرؤوس، و بقربها كابوس تجريب البارود، ضلعته قائمة، و ليست قطعة دائرة، و في صندوق مكاحيل من العينة التي أحدثوها في الوقت، تعمر من الخزنة، و بقربه فرس كان لسلطان إصبانيا، قيل له هناك ثلاثمائة عام و خمسون عاما، و في خزين آخر فوق هذا أواني فخار عمل أجناس شتى محفوظة فيه. منها مجبنة بديع كانت لنابليون، و خواتيم عمل إيطاليا قديما، و سرج منبت بألوان الأحجار بين ثورين بالذهب، ذكر أنهم لا يدرون لمن كان، و خزانات فيها أواني بلار، ة منها غراف كبير خفيف جدا قيل في وزنه ثمن أوقية، و في أخرى بعض سكك الريال القديم، و في أخرى صروف الوزن قيل لها سبعمائة عام هناك، و مهارس نحاس بأيديها منه كالتي تتخذ في الغرب للتوابل، و في أخرى أثاث عاج، منها ناب فيل طوله كذراع و نصف، قد شد طرفاه/ 182/ بالصفر أو غيره، و معه جناوي مقابضها من عاج.

____________

(1) فليب الثاني ملك إسبانيا (1527- 1598) أرسل أسطول «الأرمادة» لفتح أنجلترا، فحطمته الزوابع البحرية (المنجد).

233

صورة آدم و حواء على ما زعموا

و في الخزين الثالث الذي فوق هذا آدميون موتى في صناديق، قيل وجدوا كل واحد بداخل ثلاثة صناديق، و منهم واحد كشف عنه فإذا كفنه متلاشى عليه، و قدماه قائمة قيل له بعد موته ستة آلاف سنة. و رأيت بلغة عظيمة في خزانة زاج، فقلت لمن كانت تلك البلغة، فقيل لي، لم يدر لمن كانت، فقلت إن من اعتنائكم بهذه الأمور أن تكون عندكم بلغة نبينا آدم فأين هي، قالوا تركها في الجنة عند خروجه فلذلك لم توجد هناذ، و أن ذلك أوتي به من مصر، و فيه فخار عمل الهند، و أثاث منها سلسلة ذهب لها ستة آلاف سنة كما قيل. و من هذا الفخار ما هو موضوع على ألواح من البلار، غلظها كنصف أصبع، و هذه الألواح داخل الخزانات، و في طوابيل أنواع معادن المرمر، كل نوع موضوع وحده، و غطي بالزاج، و في خزانة أخرى قناديل فخار كهيئة آنية زيت المنارة، كانت للأقدمين. ثم صعدنا للقبة العليا التي وضع عليها الجامور، فوجدنا في قطر دورها عشرين خطوة، و فيها أمثلة صور المراكب، و آدميين موتى لم تبق إلا عظامهم ملتئم بعضهم على بعض، و منهم صبي كان أسود اللون و جلده يابس على عظامه لم يظهر شي‏ء منها، أي عظامه. و منهم آخر جالس على إليتيه و رأسه واقف و يداه قد رمى بهما على كتفيه خلف ظهره و أسنانه و أضراسه ظامرة، و لم تبق منه إلا العظام ملتئمة، و جماجم موضوعة بينهما، و ذلك في صندوق من الزاج‏، و أشرفنا من هذه القبة على هذه المدينة، فرأينا بنيانها قد امتد من كل جهة مع امتداد البصر، فوجدناها عظيمة،/ 183/ و قيل لي‏

____________

(1) مستملحة استدراك بطرة الصفحة أدرجته في مكانه بين نجمتين ذ .. ذ.

(2) استعملت الكلمة في الأندلس و المغرب للحذاء المغربي المعروف، كما عرفتها مصر التي كانت تستورد البلغة المغربية (معجم الفصحى، الحلوي).

(3) قطع حديد أو نحاس توضع على قمة صومعة المسجد تعلق فيها الخرقة أو علم الصومعة.

(4) طرة من إنشاء نجله عبد القادر الجعيدي «قد رأينا بالإسكندرية أذنا معلقة على باب حانوت من حارة النصارى لعلها كانت لذلك الآدمي»؟

234

عند ذلك على وجه المداعبة، أخبرنا يا مهندس عن كل هذه المدينة و عن طولها و عرضها. فقلت: ناولني المرءاة التي كان أمر مولنا المنصور بالله بشرائها، التي تقدر بها الأبعاد، و نخبرك- بحول الله- عن مطلبك. ثم نزلنا إلى الأسفل فكان عدد الدرج التي ارتقيناها مائة و ثمانين درجة. و هي تدور حول شكل مثمن بني بالرافد المنجور قد فتحت فيه كوات تشرف منها على أسفله فيرى باطنه كالبئر.

التوجه إلى مدينة الياج‏ لرؤية فابريكاتها

و عند رجوعنا أخبرنا بأن كبير هذه الدولة أذن لنا بالتوجه في بابور البر لمدينة تسمى الياج، بقصد رؤية الفابريكات التي فيها، اعتناء منه بالجانب العالي بالله، فخرجنا إليها و ركبنا في بابور البر في الساعة العاشرة من نهار الاثنين العاشر منه (، بعدما كان هيّأ لنا عربة مزخرفة، فيها أربع كنابيس و شليتان كبيرتان، ذلك بالموبر الأخضر، فجلس كل منا في محل يناسبه، و حين سافرنا رأينا الأرض التي عن يميننا و شمالنا كلها مزارع، و الأشجار و الأنهار ممتدة معها. و مررنا بجبال خرقت للبابور فكان يمر تحتها، و لو لا الضوء المتخذ في سقف العربية ما كان أحدنا يرى غيره، فمر ثابتا في هذه الطريق تحت أحد عشر جبلا، منها ما قطعه في دقيقة، و في دقيقتين، و في ست دقائق، و ما بين ذلك، و منها ما قطعه في عشر دقائق مجانية، و قد اتخذ فيه مواضع توقد دائما، و الطرق في وسطه متعددة، و كثيرا ما يلتقي فيه بابوران، كل منهما يجري على طريقه/ 184/ يتقدم لهم من الإعلام بذلك، و يتقرر عندهم على حسب مصطلحهم ليلا تقع المصادمة و العياذ بالله، و أما القناطير التي مررنا تحتها فهي كثيرة جدا، و مررنا على مدن و قرى عديدة، فكان البابور يقف في‏

____________

(1) نظارة مزدوجة للأبعاد أو آلة المقراب البصري‏Jumelles .

(2)Liege .

(3) 3 يوليوز سنة 1876 م.

235

بعضها لما له في ذلك من الأغراض، وسقا و وضعا، فوقف أولا في مدينة لوفاير في الساعة العاشرة و نصف، و في طرلام‏ في الحادية عشرة و ربع، و في أنس‏ في ثنتي عشرة و ست دقائق، و في أوبرى‏ في ثنتي عشرة و ربع، و وصلنا لمدينة الياج بعد منتصف النهار بثلث ساعة، فتلقى للباشدور عاملها و كبراؤها، و أخبروا أن كبير دولتهم أمره بالوقوف معنا حتييطوف بما في هذه البلدة و في أخرى قربها، لنرى ما لهم هناك من الفبريكات العظام التي لا توجد عند غيرهم من الأجناس، ثم أتانا بأكداش ركبناها و سرنا إلى محل النزول، فأنزلونا في أشرف المواضع عندهم و أنظفها، فنزلنا في الطبقة الثانية منه، فاتخذنا فيه صالة مزخرفة غاية لللأكل، و أخريين للنوم. و وجدنا في هذه الطبقة بيتين من بيوت الخلاء و آخر فيه بانيو للوضوء، و هو صندوق يتخذونه من بعض المعادن و الماء ينزل إليه عند الحاجة في بزبوزين. و في هذه المدينة من التحف و اللطائف شي‏ء كثير لا نرى في غربنا إلا أقل قليل، و خرجت في بعض الأوقات مع الأمين و معنا ترجمان دولتهم/ 185/ و رجل من كبراء عسكرهم.

و توجهنا لبعض أسواقهم، فاجتمع علينا جم غفير من الرجال و النساء و الصبيان، حتى كادت تسد الطريق، و هم يتعجبون منا أكثر من تعجب غيرهم منا، فحين رأينا ذلك رجعنا لمحلنا، لأنهم لا يطرقهم أحد من المسلمين إلا نادرا. و مع ذلك قيل لنا نلبس بلغة من بلاغهم، و كسوة من مساويهم إلا الطربوش فنتركه، فنزع العمامة ليلا نصير عندهم مثلة و أعجوبة، و هم مع ذلك لا تصدر منهم إذاية و لا مضرة، لا من الكبير و لا من الصغير إلا ما كان من كثرة الضحك و اللغط جهرا فيما بينهم. و مررنا ذات يوم في الأكداش على رجل كبير السن، فحين رأى الباشدور قفز من موضعه‏

____________

(1) محطةLouvain .

(2) محطةTerieuant .

(3) محطةAns .

(4) محطةWavre

(5) كلمة إسبانية تعني مستحم أو مغتسل (المنجد).

236

و صاح صيحة عظيمة كأنه فاجأه أسد، أو حل به ما هو أشد.

الدار القديمة بها و بعض صفاتها و ما فيها

و في مساء هذا اليوم وجهت إلينا الأكداش، فركبنا مع الباشدور و سرنا إلى دار قديمة عندهم في هذه البلدة لم يقفوا لها على تاريخ، إلا أنها في ملكهم بنحو إحدى عشرة مائة عام، و هي عندهم من ديار المخزن، فوجدنا عامل البلد بباب هذه الدار و معه المكلفون بها. و أخبروا أن هذه الأرض كانت بيد غيرهم من الأجناس، و أنهم أخذوها من أيديهم فدخلنا القبة الأولى و الثانية و الثالثة، و ليس فيها إلا التصاوير و المرءات و الشوالي. و في الثالثة خزان معدن فيها حجر من بعض المعادن و سلاح قد صنع منه، و في القبة الرابعة فخار عمل التينة، و أواني الزاج و فخار عمل النامسا، و طبسيل كبير من عمل الهند،/ 186/ و في الخامسة لوحة فيها آلة النجارة التي تخرج عندهم الآن. و في السادسة فخار أيضا و أثاث و مبخرة نحاس أكبر من قامة الإنسان، كروي حرفها، قطره أزيد من ذراع، و ناقوس معلق قيل له خمس عشرة مائة سنة، و مقرج بديع كروي الشكل مذهب، يده من صفر قد حبست فيه بصنعة عجيبة، قيل كان لبعض ملوك الهند و اشتري من بعض وصفائه، و فيها حيوان ككلب النصارى الصغير قد شال ذنبه إلى ظهره و فتح يده، و شفته العليا عظيمة كشفة الجمل‏، و هو أخضر اللون، و في ذاته كالدماميل ناتئة كغلالة البحر، قيل‏

____________

(1) الصحف البلجيكية وصفت السفير المغربي على النحو التالي: «... الحاج محمد الزبيدي رجل مسن و جميل المحيا، ذو لحية بيضاء، يلبس الجلباب التقليدي و العمامة البيضاء، و له ما يقارب الستين عاما وجهه مجعد يتحرك كثيرا و ضعيف، عينه متقدة، و يحمل معه على الدوام ابتسامة».

جريدة ابروكسيل.G .D .B .R .A .ler Belgique (j .de Bruxelles) .

(2) يقصد التنين، وحش جبار ليس له وجود إلا في خيال الشعب الصيني، يصورونه بمخالب الأسد و بأجنحة الوطواط، و ذنب كذنب الحية، شخصية خرافية تتحلى بقوة خارقة، يحظى في بلادهم برمز قوة الإمبراطور و تفوقه على أعداء الصين. (المنجد).

237

يعبده بعض أهل الهند. السادسة فارغة، و ليس في وسطها سوى زربية، و بجدرانها سراجم، و في السابعة شوالي و موائد بالملف الأخضر، و سراجم تشرف على مشور هذه الدار، و هو براح مربع محيط بالأنباح، في وسطه خصة، و في الثامنة شوالي و موائد أيضا بالملف الأخضر، و فيها كناش يضع فيه خط يده من يدخل ذلك المحل من ملوك و أكابر الملل و أعيانهم. ثم توجهنا إلى دار فيها عينات من المكاحيل التي تعمر من الخزنة، منها عينة بخزنتها يد حديد تجذب فتفتح خزنتها من غير كسر السرير إلى أسفل، و يجعل القرطوس في محله، و ترك تلك اليد إلى محلها فتطبق على القرطوس، و هي المعتبرة في هذا الوقت لم يكن حينئذ أخصر منها عملا، و فتح خزنتها بمحضرنا فإذا هي مشتملة على طرفين من حديد، بهما ثقب و تعريج و آخر كالخيط لا غير. ثم ركبها/ 187/ وردها إلى محلها. و منها نوع آخر بأسفل الخزنة حديدة مدورة كالحاضي في مكاحيل غربنا، و هي في محله تجذب من أسفل، فتنفتح الخزنة إلى آخر العمل. و منها عينات كثيرة، كل عينة لجنس من الأجناس يصنعون له مثلها، حتى أنهم يصنعون للسودان مكاحيل طوال ذات الزناد، و يصبغون سرائرها بالزنحفور.

فابريكة الصفر و النحاس‏

ثم سرنا إلى فابريكة صنع الصفر و النحاس فدخلنا إليها فوجدنا في بيت فيه سلل مصنوعة من قضبان في كل واحدة قدر من النحاس و روح التوتية و الصفر، و في بيت آخر تقصيص ما يتساقط من ورقات الصفر و النحاس عند قطعها أو تدويرها. و صبيان هناك يجمعونه في المهاريس، و يدقونه حتى يلتئم بعضه ببعض ليرد للتذويب.

و دخلنا البيت آخر وجدنا فيه مجامير محفورة في الأرض، مبسوطة معها مع أساس الجدار، و النار تلتهب فيها بريح المكينة. و هي مغطاة بألواح لعلها من حديد، قد رفعت عن فم المجمار بسلسلة من وسطها و ركبت في الجدار. و وجدنا في هذا البيت قوالب مربوطة، شكلها مستطيل، و فم القالب مفتوح بمقدار عرض القالب، و قد وقف و نصب مائلا إلى الأرض إلى جهة المجامير ليسهل تعميره، ثم رفعوا غطاء مجمر

238

و أخرجوا منه بوطا عظيما طوله نحو ثلاثة أرباع ذراع، و هو مستدير، قطر دائرته كثلث ذراع. و وضعوه على خرصة قد التحمت من طرفي وسطها/ 188/ بقضيبين من حديد، و بهما يرفع البوط رجلان، و يصبان منه في القالب، فأفرغا هذا البوط الذي أخرجاه من بيت النار بمحضرنا في قالبين فملأهما، و لم يفضل في البوط شي‏ء ثم ملأه بالفاخر و رداه إلى بيت النار ليلا يبرد، ثم فتحا بعض القوالب و أخرجا من كل واحد قطعة نحاس طولها ذراعان، و عرضها نحو نصف ذراع، و غلظها أزيد من أصبعين.

فابريكة صنع الفلايل‏

ثم صعدنا إلى طبقة بهذه الدار فوجدنا فيها مكينات تصنع الإبر من سلك الصفر المسماة بالفليلة. فرأس السلك تمسكه آلة من المكينة كهيئة الزيار، و تدفع منه مقدار طول الفليلة، فيسقط عليه طرف منها محدد يقطعه من السلك، فيسقط إلى آنية موضوعة له، ثم يجمع منها و يجعل بين قطعتين من حديد غلظهما مثل طول الفليلة، و رأس القطعتين محدب، و بينهما رحى تدور غلظها كغلظ إحدى القطعتين، و حرفها مفتوح فيه مقدار جرم الفليلة، فإذا وضعت الفلائل على تلك الرحى و بين القطعتين المحدبتين، فبالضرورة تنحدر الفلايل بالطبع إلى الجهة الأخرى إلى أسفل، فتتزاحم حال النزول و لا يزال يتضايق الموضع الذي تريد الخروج فيه على حسب التقاء الخطين المحدبين من جهة تحديبهما، حتى لا يبقى بين التقائهما إلا مقدار خروج فليلة واحدة بعد واحدة، فإذا خرجت و دارت بها تلك الرحى و أرادت الفليلة

____________

(1) رسم توضيحي من إنشاء إدريس الجعيدي (انظر ملحق الرسوم و الصور صفحة 11)

(2) قضت السفارة المغربية ثلاثة أيام بمدينة الييج زاروا خلالها مصنع الآلات الحربية للسيد مشيرب‏Ma -cherbe و ورش ليجوازLiegoise ، ثم مقلدة السيد كليمان كروكوت‏Clement Graucotte ، و ورش أنبوب البنادق، و مصانع المسامير.

M. A. E. R. B.( ARCH. HIST. DIP ): 815.

239

السقوط/ 189/ فإنها تتساقط داخل دور من حديد قد فتحت فيه قوالب لها بمقدار رقتها، و حرفه أقصر من طولها بنحو نصف أصبع. فعند تساقطها في هذه القوالب تبقى رؤوسها خارجة من القوالب، و حيث ينتهي بها إلى غاية الانخفاض لما بين رؤوسها رحى من حجر تدور أسفلها، فتحدد رؤوسها عند مرورها على تلك الرحى، ثم تأخذ في الصعود و هي لا زالت في تلك القوالب، حتى تلقاها مكينة أخرى فيها طرف حديد لطيف، ينزل بلطافة على رأس الفليلة فيخرجها من ذلك الدور، فتمر عند خروجها مماسة لحديدة أخرى. و عند التماس تنزل عليها حديدة أخرى، فتصير الفليلة مقبوضة بينهما و ذنبها خارج تلك الحديدة التي كانت تماسها أولا عند خروجها، فإذا صارت ممسوكة بينهما و ذنبها خارج، تنزل عليه مطرقة صغيرة بثلاث ضربات، ثم ترجع المطرقة مع الحديدة الماسكة، فتسقط الفليلة في آنية تحتها، و قد تم عملها، فتجمع و تدفع لصبيات في طبقة أخرى فوق هذه، فيضعنها في الكاغد مقروة فيه على كيفيته المعهودة، و لا حاجة إلى بسط عملهن و إن كان مما يتعجب منه، لكن بسطه يطول.

و في طبقة أخرى ورقات من الصفر و النحاس و السلك على أنواع، منه ما هو رقيق كالإبر و أرق. و منه ما هو مثل الأصبع في الغلظ، و فيه طاسات و أكواب من صفر، و صفر مستدير، أظنه منه يصنع الصواني في غربنا.

دار فابريكات صنع المكاحيل و غيرها

/ 190/ و في يوم الثلاثاء الحادي عشر من جمادى الثانية، توجهنا لدار فابريكة صنع المكاحيل، فحين وصلنا إليها تلقانا كبيرها بالترحيب و التعظيم كما هي عادة كل كبير محل معنا. فصعد بنا لخزين بأعلاها، فوجدنا فيه جميع العينات التي تصنع للأجناس كما تقدم، و جميع عينات الكوابيس. و من المكاحيل ما له جعبتان، و ثمن هذه العينة أربعون ريالا، و منها ما لها جعبة واحدة، و تعمر من الخزنة، و هي‏

____________

(1) 4 يوليوز سنة 1876 م.

240

من العينة المختصرة، في الوقت التي لم يظهر بعد حينئذ أرخص منها، ثمانية عشر ريالا، و هناك بأقل من ذلك. حتى أن هناك عينة بالزناد ذات جعبة واحدة، ذكر أن ثمنها ريال واحد و خمس ريال. ثم نزلنا و دخلنا للمكينة، فوجدنا بعض الجعبات موضوعات أمام رجال، و قدر كل واحدة ذراع واحد في الطول، و غلظ حرفها كالأصبع، فيدخلون الجعبة لبيت النار، ثم يدخلونها بين ناعورتين تدور إحداهما على الأخرى، و هما كقطعتي سارية مدورة الشكل، و فتح في كل واحدة منها أنصاف دوائر بحرفها متفاوتة في الصغر و الكبر، و عند دوران إحداهما على الأخرى تنطبق أنصاف دوائر إحداهما على أنصاف دوائر الأخرى، فتكمل دوائر منهما معا، متصاعدة كما بالطرة، فيدخلون الجعبة في الدائرة الأولى فتدور عليها الناعورتان، فتخرجها منها بسرعة أطول مما كانت. ثم في الثانية و في الثالثة و في الرابعة كذلك حتى يصير في طولها نحو ذراعين و نصف، فيلقيها رجل آخر يقطع من طرفيها القدر الزائد بمنشار/ 191/ رحوي يدور و يدخل في فمها قضيبا من حديد، و يصير يرفعها و يسقطها على لوحدة حديد مبسوطة لزوال ما فيها من الاعوجاج، ثم يبالغ في استقامتها بمطرقة بيده، و يرميها آخر فينصبها أمامه على قرب رحى‏ من حجر تدور، فيمرها عليها و عن يمينه قضيب حديد كالمخطاف، يلقي الجعبة عند امتداد خروجها عن الرحى فتبردها هذه الرحى في أقرب مدة، فمنها ما تكون خزنتها مثمنة، و باقيها مدور كعمل عينة أفرقان، و منها ما هو بخلاف ذلك، فإذا تم بردها

____________

(1) جواب الحاجب السلطاني موسى بن أحمد على مراسلات السفير الزبيدي.

«... فهلا وجهت مكحلة من كل عينة من العينات المحدثات التي لم تصل للمغرب و لا جلبها أحد للآن، لا من التي وصلت للمغرب منها كالمعمرة من وراء فلا، و عليه فإن أمكنك أن تصحب معك عينات من العدة المعتبرة الجديدة المحدثة، التي لم تصل للمغرب فافعل إن تيسر لك تدارك الإتيان بها و ببيان ثمنها ....»، بتاريخ 26 رجب عام 1293 ه. الإتحاف، ابن زيدان، ج 2: 291.

(2) رسم توضيحي من إنشاء إدريس الجعيدي (أ) (انظر ملحق الرسوم و الصور صفحة 12).

(3) رسمين توضيحيين من إنشاء صاحب الرحلة إدريس الجعيدي (أ) و (ب): (انظر ملحق الرسوم و الصور صفحة 13).

241

دفعت لآخر ينصبها أمامه و يشتغل بتبريمها فتدخل البريمة فيها كما يدخل رأس المشعاب في العود، و الماء يتقاطر عليها من فوق ليلا تذوب. و رأيت في بعض جهاتها ناعورتين كاللتين حوله، لكن أنصاف الدوائر المحفورة في إحداهما يسامتها من الأخرى نصف دائرة بارز عن جسمها أصغر من نصف دائرة الرحى الأخرى، و هي هناك متعددة متفاوتة، فظننت أن في هاتين الناعورتين بنيديان طي الجعبة حين تكون بارة مبسوطة و الله أعلم. و وجدناهم يصنعون هذه الجعبات من أول وهلة أجساما صلبة كهيئة الزكروم، ثم يبرمونها على حسب غرض الطالب.

الفابريكة العظمى في مدينة سراين‏ و ما يخدم فيها

و في منتصف هذا اليوم ركبنا في بابور يسافر في الوادي الذي يشق هذه المدينة، لأن فيها بابورات عديدة ليس فيها صوار، و هي كبيرة تسافر فيه إلى المدن التي بشاطئيه، و توجهنا إلى مدينة تسمى سراين، فسار البابور بنا في هذا الوادي ثلثي ساعة، و عرضه من المحل الذي ركبنا/ 192/ فيه نحو عشرين خطوة، و المون يحده من الشاطئين. ثم خرجنا من قنطرة منصوبة عليه فوجدناه انبسط غاية، يمينا و يسارا حتى صار في العرض مثل مجاز العدوتين. ثم لقيتنا قنطرة أخرى فيها خمسة قسي،

____________

(1) «من مدينة الياج أخذ أعضاء السفارة المغربية الباخرة البخاريةLe Michel -Orban ، التي قطعت بهم نهرMeuse ، و في ظرف 40 دقيقة أوصلتهم إلى رصيف ميناء سوران‏Seraing الداخلي، حيث توجد المركبات الصناعية الضخمة ...».

G. D. B. R. A. ler Belgique( j. de Bruxelles ).

و لهذه المركبات الصناعية توجهت بعثة مغربية طلابية تتكون من سبعة أفراد لدراسة هندسة المدفع و مكينات فبريكة القرطوش، انظر مكاتب محمد بن الكعاب الشرقي أحد أفراد البعثة الحسنية إلى فرنسا ثم إلى بلجيكا سنة 1879 م و التي كان يبعث بها من مدينة صيرن يقصد سوران‏Seraing البلجيكية نيابة عن جماعة طلاب ككريل يقصدCockerill . (المنوني، مظاهر يقظة المغرب، ج 1:

191 و 192).

242

و عند مرورنا تحت إحداهما مرّ فوقنا بابور البر. ثم انتهينا إلى قنطرة أخرى امتدت من الشاطئ إلى الشاطئ، و ليس فيها قسي، و طولها نحو خمسين خطوة، و انظر كيف تأتى لهم ذلك، و في هذا الوادي سد ببارات حديد يترك للماء فرجا يخرج‏ منها، قيل إن العلة في ذلك ليلا يتموج الماء فتصير البابورات تضطرب فيه.

و عند نزولنا من هذا البابور ركبنا إلى دار اشتملت على اثنتي عشرة فابريكة، يخدم فيها كل ما يحتاج إليه عندهم من آلات الحديد، و مثل مكينات بابورات النار و بابورات البر و طرقها و آلات القراصن، و الفرقاطات التي تصنع من الحديد و المدافع و تصفية المعادن الحديد و النحاس و الهند و غير ذلك من كل ما يحتاج إليه. و هذه الدار تخدم لجميع الأجناس‏ من جميع ما يطلبون من المكينات، و ليس يوجد في بر النصارى أعظم منها و لا ما يماثلها. و طولها كما ذكر عشرون ميلا.

و معدن الفاخر تحتها ينزل إليه الخدمة بالضوء، كل واحد في حزامه فنار، يقفون على مائدة ستة أناس و تلك المائدة مربعة، في كل زاوية قنبة ككفة الميزان، تنتهي إلى أعمدة من حديد مساوية في القدر لأرباع المائدة، ثم يجمع بين أطراف القنانيب فوق الأعمدة و تربط في شريطة مبسوطة/ 193/ ملتوية على ناعورة عظيمة،

____________

(1) سدود صغيرة لرفع أو خفض مستوى المياه لتسهل مرور البواخر النهرية في العمق المناسب.

(2) الأوراش الكيرى لشركة كوكريل‏Cockerill في سوران.

G. D. B. R. A. ler Belgique( j. de Bruxelles ).

(3) «السيد أرمان سادوان‏Sadoine ، مدير الشركة استقبل الزوار المرافقين لعمدة لييج ورافقهم ابنه و عدد من المهندسين حيث زاروا الأوراش الشاسعة و آلات صقل الورق، و صناعة خطوط السكة الحديدية و العجلات، كما تتبعوا صناعة الصلب و تعجبوا لهذا المجمع الصناعي المتنوع الذي يعتبر أهم الوحدات لصناعة الصلب الحديثة، و في كل مكان كانت تعطى شروح دقيقة من طرف السادة رؤساء المصالح و تترجم بواسطةSuccie et Monge و كان كاتب السفير يأخذ نقطا لهذه الشروح ...». (نفس المرجع السابق).

(4) رسم من إنشاء الجعيدي يوضح فكرة المصاعد و المهابط الخاصة بالمناجم‏Ascenseur) المصعد (أ):

(انظر ملحق الرسوم و الصور صفحة 14).

243

و عند استقرار الخدمة الستة محل تلك المائدة يرسلون تلك الناعورة، فتسير تدور دورانا مثل دوران ناعورة الشراط في غاية جهدها، و بدورانها تنزل المائدة بالخدمة إلى معدن الفاخر بمقدار خمسمائة متر كما ذكر، و عند نزول هؤلاء الخدمة يطلع آخرون من تربيعة أخرى حداء التربيعة التي ينزل فيها الآخرون، و هؤلاء الخدمة يخدمون الفاخر هناك ست ساعات، و يطلعون على أسوأ حال كأنهم من عبيد الزنج. و ينزل لهذا المعدن ريح عظيم‏ من مكينة عظيمة خاصة له لتوليد الريح، و لولاه ما تأتي الخدمة فيه، فقلت إذ ذلك أنتم قلتم إن بين الأرض و المعدن خمسمائة متر و الأودية في أرضكم كالبحار، فبالضرورة يكون آبارها قريبا. و هؤلاء الذين حفروا تلك المياتر لم يصلوا إلى الماء، قيل بلى حين وصلوا إليه نزحوه بالطرونبات و نبوا عليه بناء محكما من جميع الجهات فرجع إلى مواضع آخر، و قيل إنه يخرج من هذا المعدن عشرون ألف قنطار كل يوم لخدمة مكينات هذه الدار. و فيها من الخدمة تسعة آلاف‏ و اثنا عشر مهندسا، قدم علينا أحدهم فرأيته ولدا صغيرا نحيف الجسم، قلت لا أظن هذا الرجل يدرك الثلاثين سنة، فسئل عن سنه فقال: في هذا الشهر يكمل ستا و شرين سنة و لا غرابة في ذلك لمن نشأ في علوم الهندسة و الرياضيات. و هذه الدار في طرقها سكك لبابور البر يأتي إليها بالمعادن و غيرها، و يخرج منها المكينات و المصنوعات التي/ 194/ تخدم فيها، و رأينا في بعض أماكنها حجرا أحمر قيل إنه يضيفونه إلى معدن آخر و يخرجون منه الحديد و النحاس، و ذكروا أن في غربنا من ذلك معادن‏

____________

(1) حقيقة المناجم ذات عمق 500 متر عن سطح الأرض تتطلب التهوية التي يتخصص بها أحد الآبار، و بئر آخر يخصص لإخراج الهواء الملوث، و امتصاص غازGrisou السام، و الغبار الذي يؤدي بالعمال إلى مرض تنفسي السيليكوز و كذلك للتقليل من السخونة. (البخار و الآلات البخارية).

(2) استغلال الفحم الجوفي مع ضعف المكننة، يتطلب أعداد هائلة من اليد العاملة التي كانت و ما زالت طليعة نقابية للطبقة الشغيلة (نفس المرجع السابق).

244

كثيرة. و أخبرنا أن هذه الدار صير عليها في بنائها و إقامتها ثلاثون مليونا من الريال، و أن صاحبها ربح في هذا العام فيها أربعة ملايين من الريال.

و من جملة ما رأيناه فيها من الصنائع، أننا وجدنا ساقية تجري بالحديد المذاب كما يجري الماء في سواني العراصي، و ينصب في برمة عظيمة أعظم من برمة الحمام بكثير، و النار توقد في باطنها، و يخرج منها لهب عظيم، فإذا قرب ملؤها تدور فينحدر فمها إلى أسفل، فتبعد الخدمة عنها و تصير ترمي بشرر من النار، ثم يوضع تحتها برمة أصغر منها كبرمة الحمام، و تملأ هي الأخرى من المعدن المذاب فيها. فإذا ملئت يفتحون مخرجا فيها من أسفلها و يضعون تحته قوالب مختلفة الأشكال على القدر المراد عندهم، و كلما ملئ قالب ينزع و ينصب آخر، و هكذا حتى تفرغ البرمة.

و هذه القوالب منها ما هو معد لفرغ رويضات بابور البر و طوله أقل من ذراع و العرض و الغلظ مثل ثلث ذراع. و منها ما هو يصنع منه بارات طريق الحديد، و يكون طول قالبه أزيد من ذراعين، و العرض و الغلظ كثلث ذراع، و منها ما هو لغير ذلك من آلات المكينات، إذ كل آلة يصنعون لها قالبا بقدرها أو أزيد بيسير في بعضها فقط. ثم رأينا خدمة يخدمون البارات التي تنصب في طريق الحديد، فيأتون أولا إلى القطعة من الحديد المفروغة لأجلها، بعدما يخرجونها/ 195/ من النار يجعلون رأسها بين ناعورتين كساريتين كما ذكر، قد حفر فيهما قوالب البارات متفاوتة في الكبر

____________

(1) فعلا عثر على الفحم الحجري بأنجرة و طنجة، و الإثمد بالريف و قرب سبتة، و الرصاص و النحاس بالجنوب و سوس و الحديد بجبل الحديد قرب الصويرة، و غير ذلك إلا أن السلطان الحسن الأول كان يحترز كثيرا، و لا يأذن للأجانب و لا لغيرهم في التنقيب فضلا عن الاستغلال خصوصا أن المناجم كائنة بداخل المغرب و واقعة بنواحي نائية منعزلة.

Miege( Le Maroc et l`EuroPe ), Tom 4: 533.

(2) المواد الأولية الأكثر أهمية هي الكوك التعديني الناتج من تكرير الفحم الحجري، في بواتق مغلقة بمعزل عن الهواء لصهر حديد الزهر في المسابك و داخل الأفران العاية. (الموسوعة).

رسم توضيحي لشكل الفرن العالي من إنشاء إدريس الجعيدي (أ): (انظر ملحق الرسوم و الصور صفحة 15).

245

و الصغر، فتدوران عليها فتخرج من تحتها بل من بينهما أطول مما كانت و أرق. ثم يمرونها تحت التي هي أضيق منها، و هكذا حتى تصير هذه البارة في طولها ثلاثين خطوة، و عند خروجها من القالب الأخير و الذي قبله تصير و ترتفع و تنحدر كما يشاهد في قضبان الحلواء عند خدمتها، ثم يخرجونها من المزرة الأخيرة و ينصبونها فوق جريرات من حديد مدفون جلها في الأرض، و هي على سمت واحد لتبقى مستقيمة ليس فيها اعوجاج، فيأتي رجل آخر بمنشار رحوي و يأخذ من طرفيها القدر الزائد، ثم يقسمها نصفين به.

و رأينا أناسا آخرين يصنعون الرويضات التي تنصب فوقها كروصات البابور، و ذلك أنهم يأتون بتلك القطعة من الحديد المفروغة لأجلها، بعدما يخرجونها و يضعونها فوق مزبرة كمزبرة الحداد، مربعة نحو ذراع و نصف طولا و عرضا، و فوقها قطعة من حديد مربعة، وزنها كما قيل مائة قنطار، و رجل واقف يحرك يدا من حديد قربها، فتصير هذه القطعة ترتفع و تنزل بجهد عظيم على التي نصبت تحتها، حتى تصير مستديرة منبسطة، فيضعون في وسطها مثقبا مستديرا قطره نحو ثلث ذراع، فتنزل عليه تلك القطعة ثلاث مرات، فيقوص جله في القطعة أسفله، فينزعون و يقلبون تلك القطعة، و ينصبون المثقب في وسطها/ 196/ و تنزل عليه مرتين، و ينزعونه فتنفذ الثقبة في تلك الرويضة، فيذهبون بها لمكينة أخرى فيها يد من حديد خارجة، يدخلونها في فرجة الرويضة و تدور عليها فتنبسط تلك الفرجة، و لا تزال كذلك حتى يصير في قطر دائرة الرويضة نحو ذراع و نصف، و في غلظ حرف الرويضة نحو أربعة أصابع، و تخرج بحرفها ناتئا فيها الذي يحدها عند دوراتها على حرف بارات طريق الحديد، فعند ذلك يخرجونها و يضعونها على أرض منبسطة، و يرقمون فيها الحروف التي يطلب الأجناس وضعها عليها. و من جملة ذلك وجدنا رويضات كثيرة موضوعة قد فرغت في ذلك اليوم، و رقم عليها طابع حروف أنجلترا، فذكر أنهم يخدمونها له و يعملونها له بعلامته كما يطلب. و قال لنا كبير الدار الذي يطوف معنا انظروا فإننا نخدم‏

____________

(1) كانت الصحافة البلجيكية تتتبع تحركات السفارة المغربية و تنقل أخبارها إلى الجمهور. «السيدSa -doine ، شكر الزبيدي على الزيارة و طلب منه أن يخبر جلالة إمبراطور المغرب، أنه يرحب* * *

246

للنجليز ما يحتاجه و نطبعه له بطابعه، و الناس يقولون أنه أجهد منا. و وجدنا الخدمة في بعض المواضع يلفقون ناعورة عظيمة لمكينة البابور أو غيره، و هي من أجزاء، كل جزء يرفعونه بالبوجي، و يركبونه في موضعه حتى تلتئم الناعورة، كما يلفق دور العراصي. و في موضع آخر خدمة يصنعون قنطرة عظيمة، طولها سبعون خطوة، و عرضها اثنتا عشر خطوة، فالطول مركب من أجزاء و كل جزء مثلث الطرفين، و يأخذون كل مثلث نحو نصف عرضه، و من آخر كذلك، و يقرن بينهما بطراريش حتى يظن أنه قطعة واحدة، و يتركون في وسط الأجزاء أجراما ناتئة من الحديد توضع عليها قناطر حديد أي عرض القنطرة/ 197/ و يوصل بين ذلك باللوالب و الطراريش، ثم أناس آخرون يصنعون المدافع، فرأينا قطعة من الحديد مثل الصندوق فوق مزبرة مناسبة بجرمها، و المطرقة ترفعها المكينة و تنزل عليها فيها ثلاثمائة قنطار كما قيل. ثم خرجنا من هذه الفابريكة.

____________

* * * بالصناع المغاربة لزيارة معامله بسوران ليزودهم بجميع الشروح الممكنة. و أجابه الزبيدي أنه سيبلغ ذلك لملكهم بعد ما بدأ العياء يخيم على الوفد بعد ثلاثة ساعات من الدوران، بين أروقة الورش و خصوصا أنهم متعودون في بلادهم الخروج على ظهر الحصان، زيادة على الأحذية التي يلبسونها، ليست مريحة للمشي على الرصيف، رغم كل هذا فإن الأهمية التي يعيرونها لهذه المعجمات الصناعية تجعلهم يقظين ... «. جريدة ابروكسيل.

G. D. B. R. A. ler Belgique( j. de Bruxelles ).

و قد ذكر محمد المنوني في (مظاهر يقظة المغرب الحديث، ج 1: 128 و 131) تقييد المتعلمين الواردين من البلجيك و بيان أسمائهم، و عددهم يقارب 55 متعلما؛ كما أرسلت بعثة أخرى للتدريب في معمل السلاح بلييج، و ورد على المغرب البلجيكي المهندس‏Grignard الذي تكلف بمعمل القرطوش بمراكش بعد تعاقده مع المخزن المغربي.

(1) رسم توضيحي من إنشاء صاحب الرحلة (أ): (انظر ملحق الرسوم و الصور صفحة 16).

247

مكينة البلار و الزاج‏

و دخلنا إلى فابريكة صنع الأثاث من الزاج و البلار، فوجدنا فيها بيوت النار متعددة و الخدمة بل المعلمون بيدهم جعبة حديد أرق من المكحلة، فإذا أراد صنع حاجة يدخل رأس الجعبة في بيت النار، و يأخذ التخليطة التي في داخله القدر الذي يكفيه للآنية التي يريد صنعها، و ينفخ في الجعبة فتنتفخ تلك التخليطة لأنها تكون مثل العجين فيفتح له متعلم قالب تلك الآنية قد حفر فيها كهيئتها فيضعها في القالب و هي لاصقة في رأس الجعبة، فيسد المتعلم القالب فينفخ المعلم في الجعبة حتى يعلم أن الريح الخارج من فيه قد ملأ القالب، و يبقى بينهما جرم الآنية، فيفتح القالب و ينزعها و يقطعها من الجعبة بعدما يدخلها بيت النار، و يدخل في فمها قضيبا من حديد و يديرها به على حديد مبسوط، و يجعل عليها شيئا من الماء أو الدهن، و يصير يعدل فاها بذلك القضيب، بعدما يمسكها بآخر من قعرها و بآخر في رأسه شي‏ء يسير من تلك التخليطة، فإذا تم تعديلها يضرب القضيب الماسك لها ضربة خفيفة فينفصل عن قعرها، فيأخذها متعلم و يضعها بمحل آخر. هكذا رأيناهم يصنعون جعبات‏ لآنيات وقود الغاز، و آخرون يصنعون الأباريق بالأيدي هكذا، بعد ما يعدل فم الإبريق الذي يكون/ 198/ فمه معكوفا إلى أسفل يأخذ رجل آخر

____________

(1) «... بعد ذلك توجهوا إلى‏Val St Lambert لصناعة الزجاج و الكريسطال، التي أثارت غرابة و إعجاب السفير و مرافقيه لأنهم حضروا تلفيق أجزاء الزجاج، كزجاج المصابيح، و الكؤوس و القارورات ... و جابوا المخازين و تفحصوا باهتمام المواد التي أصبحت جميلة». جريدة ابروكسيل.

G. D. B. R. A. ler Belgique( j. de Bruxelles ).

(2) انظر شرح طريقة صناعة الزجاج بالصفحات: 155، 156، 157، 158.

(3) انظر شرحها بالملحق رقم: 4.

248

من التخليطة التي ببيت النار بقضيب، و يخرجه فتنحدر منه التخليطة نازلة إلى أسفل كقضيب الحلواء، فإذا صارت رقيقة في القدر الذي يريد صنع اليد منه، يلقي المعلم رأس القضيب من التخليطة بعن الإبريق في محل وضع اليد منه من أعلاه، فيلتئم رأسه هناك، فيقطع من ذلك القضيب النازل مقدار اليد بمقراض، و يمسك رأسه الآخر بلقاط، و يضعه ببطن الإبريق خارجا، و يعدل اليد بقضيب آخر، و على الكيفية التي يريد. و وجدنا آخرين يصنعون كؤوسا كبيرة مثل التي نتخذها لإقامة الأتاي، و لها قوالب قد حفر في جرمها مقدارها مع التوريق الذي يرى بها، فيأخذ المعلم القالب، و يجعل فيه مقدار ما يصنع منه الكأس الواحد، ثم يحرك المكينة فينزل طرف من الحديد مثل باطن الكأس في القدر، فيقوص التخليطة التي في وسط القالب، حتى لا يبقى بين رأس هذا الطرف و قعر القالب إلا مقدار قعر الكأس، فيرتفع القالب عنه، فيخرجون القالب، و يفتح و يخرج منه كأس مورق تام الهيئة، فيوضع في محل آخر حتى يبرد، و هكذا عملهم. ثم خرجنا من هذا الدار بعد ما رأينا في محل منها صناديق مملوءة بتراب أحمر و رماد.

فسئل عنها فقيل هي تخليطة الزاج‏، فقيل ما هي فقيل ثلاثة أجزاء من الرملة، و جزءان من الزرقطون، و جزء واحد من رماد العود، و في هذه الدار عشرون مائة من الخدمة كما ذكر، في طباقاتها أواني من الزاج و البلار أشكال مختلفة،/ 199/ و لا أظن شيئا من ذلك يجلب لغربنا بقصد التجارة لغلائه و ارتفاع ثمنه.

____________

(1) علميا يصنع من أجود أنواع الرمال التي ينعدم فيها أوكسيد الحديد، و تتكون خلطة البلار من مواد و أكاسيد تدخل في أنواع متعددة من الزجاج بلمعانه و نقاء مادته و شفافيته، و كان عنوان الرفاهية و الغنى يستعمل خاصة عند الطبقات البورجوازية و عظماء الدول و الملوك حتى كان يعرف في القرن 19 م بأنه- زجاج الملوك- و ذلك لدقة صناعته التي تبهر الأنظار. (صناعة الزجاج، فؤاد سعود).

(2) يصنع عادة عن طريق صهر 100 جزء من أجود أنواع الرمال، مع 66 جزءا من الرصاص الأحمر و 33 جزءا من كربونات البوتاسيوم، و 50 جزءا من خميرة، و يضاف إلى هذا الخليط كميات بسيطة من نترات البوتاسيوم و المانغنيز. و زجاج البلار ذو لمعة جذابة و لا لون له خصوصا بعد صقله. (نفس المرجع السابق). هناك تقارب بين وصفة الجعيدي و الوصفة العلمية.

249

فابريكة صنع الملف‏

و في يوم الأربعاء الثاني عشر منه، توجهنا راجعين‏ من مدينة الياج إلى مدينة بروكصلا، فمررنا في الطريق على دار فابريكات صنع الملف، فدخلنا إليها فوجدناهم يجعلون الصوفة أولا في صناديق مثل الصهاريج، و هي متصل بعضها ببعض طولا، و الماء يجري فيها مثل ما يجري في الساقية المنحدرة، و الصوف تجعل في الصندوق الأول، و نصب على كل صندوق ثلاثة قضبان من الحديد، و ألصق في كل قضيب ثلاثة قضبان مقاطعة له، و الماء يدور بها، و بدورانها يحرك القضبان الأولان الصوفة من داخل الصندوق إلى أمامه، و بجره لها و مرور الماء عليها يبتدئ الوسخ في الخروج منها، و عند وصول الصوف إلى القضبان المعكوفة في الصف الأخير تعلو بها الصوف‏ مع شي‏ء من الماء في مجرى من حديد، فيرتفعان أي الماء و الصوف، كل في محله يدوران الماء الذي في الصندوق إلى أن يصلا إلى غاية الارتفاع، ثم تنزل هذه القضبان الحاملة للصوف على حرف صندوق آخر، فينزل ذلك الماء المرتفع معها عليها، فينزل بها في الصندوق الثاني و قد خرجت منه نقية يسيرا، و تخرج من الثاني أنقى مما كانت في الأول، و من الثالث أصفى مما كانت في الثاني و هكذا حتى لا يبقى بها شي‏ء من الوسخ، و بقرب الصندوق الأخير جعبة من حديد أقل من القامة، و قطر دائرها نحو ذراعين، تدور دورانا سريعا فتخرج الصوف من‏

____________

(1) 5 يوليوز سنة 1876 م.

(2) في الأخير أعادت عربات‏Sadoine الجميع إلى الباخرةLe Michel Orban التي نقلتهم إلى الياج، فوجدوا عربات مؤسسةDrey التي نقلتهم إلى فندق‏Suede ، و مثل وقت الذهاب تجمعت حشود كثيرة من الناس في الطريق. و بعد تناولهم الوجبة التقليدية الكسكس غادرواLie ?ge إلى‏Vervirers بعد ما شكرهم السفير الزبيدي عن حسن الاستقبال، و منها إلى ابروكسيل.

جريدة ابروكسيل.G .D .B .R .A .ler Belgique (j .de Bruxelles)

(3) رسم توضيحي لصهاريج غسل الصوفة من إنشاء الجعيدي، (أ): (انظر ملحق الرسوم و الصور صفحة 17). جريدة ابروكسيل.

250

الصندوق الأخير أجزاء لطيفة،/ 200/ و تثبت بباطن تلك الجعبة فيصيبها الريح بسبب دوران تلك الجعبة فتيبس عاجلا و تخرج مغسولة بيضاء غاية، ثم يجعلونها في صناديق أخر تدور في‏ وسطها نواعير كالطبل بل كهيئة الطبل، و هي أعظم، و بدورانها تجدب الصوف إليها و تخرجها من تحتها قطعا قطا صغيرة جدا، و تنقيها من الشوك الذي يكون بها فيخرج وحده، ثم يضعون هذه الصوفة في صناديق أخرى قد نصبت فيها نواعير مثل السوار، تدور و تجدب الصوفة إليها بمسامير من سلك رقيقة، قد أثبتتها المكينة فيها بصفة عجيبة، فتخرج الصوفة منها مقرشلة لطيفة، فتتلقاها جعبة أخرى مثل السارية تدور عليها، و قد نصب على حرفها مثل المنشار ينزع الصوفة التي علقت بها، فإذا نزعها عنها تبقى ملتئمة على طول تلك الجعبة، و طولها أزيد من ذراعين، و هي ترى مع ذلك كالعباء فتوصل إلى طرف من عود يدور أمامها فتلتوي عليه و قد جمع طرفيها فترجع مسبولة من الصوف ملتوية على مغزل، و بهذه الدار قراشيل على هذه الكيفية عديدة مصطفة صفا أمام صف، و كل صف موكل به متعلم أو متعلمة، فإذا ملئ ذلك المغزل بسبولة الصوف تكلم ناقوس بقربه فيأتي المتعلم فينزعه و يركب آخر فيتكلم ناقوس آخر فينزع مغزله و يضع آخر. هذا شغل هؤلاء المتعلمين هناك لا يفترون، كل واحد منهم مقابل لصف من تلك المغازل، و هناك بمحل آخر صفوف فيها مغازل قائمة تغزل‏ هذه الصوف./ 201/ و عدد صفوف هذه المغازل ثمانية و أربعون صفا، في كل صف ثلاثون مغزلا، و بها

____________

(1) بعد فرز و تفتيح الصوف تأتي مرحلة الغسيل، و تتم داخل أحواض مختلفة أوتوماتيكيا بحركة الشوكة المتحركة أو الجراريف المتوازية، مع إضافة الصابون و القلويات المذيبة أو المحللة تحت درجة حرارة معينة قصد إزالة الرمال و الأتربة و القاذورات. و في النهاية تمر الصوف بأسطوانات عاصرة، ثم تنقل إلى المجففات بالهواء الساخن.

(2) عملية تسريح الصوف تتم بواسطة أسطوانات مغطاة بأسنان معدنية رفيعة تدور في اتجاه عكس بعضها (القراشيل). (موسوعة عربية).

(3) الغزل هو العملية التي يتم بها استطالة و برم ألياف الصوف لينتج عنها الصوف المبروم أو المغزول. و (نفس المرجع).

251

مواضع أخر للغزل على كيفية أخرى، عددها- و الله أعلم- مثل الأخرى. و في محل آخر فيها متعلمات يركبن هذه الصوف المغزولة على نواعير أمامهن، كنواعير الطرازة، إلا أنها أعرض، حتى يصيّرنها على الكيفية التي تراد للنسج‏، فتركب في المناسج كمناسج الطرازة بالغرب، إلا أنها أخصر عملا، فيخدمها رجل واحد برجل واحدة، و النزق يدخل و يخرج وحده، فكلما خرج النزق عن المنسج تلقاه لوحة تضربه ضربة واحدة فيرجع نزقان يخدمان في كل منسج، و بعد ذلك يصبغون الملف على الكيفية المطلوبة. و هذه الدار تخدم كما قيل لأجناس كثيرة، فمنهم من يخدم فيها الملف، و منهم من يغسلها فيها لا غير. و وجدنا فيها براحا عظيما فيه مكينات صغيرة لطيفة، تصنع قراشيل للصوف وحدها، لا يقابلها أحد إلا عند التركيب أو النزع. أما الجلد الذي تركب فيه أسنان القرشال، فيفصل باليد و تلصق أطرافه بعضها ببعض حتى يصير طرفا واحدا طويلا، فيلوى على ناعورة أعلا المكينة، و يمسك طرفه أسفلها، ثم يجعل السلك الذي يصنع منه القرشال في آنية في الأرض عن يسار المكينة، و يرفع رأس السلك حتى تقبضه المكينة بطرفي حديد مثل الأصبعين، و هو بينهما فيصير هذان الأصبعان يرفعان من السلك طرفا بعد طرف على قدر واحد، و مهما دفعت طرفا نزلت عليه قطعة من حديد، فتفصله، و عند الفصل تخرج إبرتان تثقبان ذلك الجلد ثقبتين متقاربتين، ثم تأتي حديدة أخرى/ 202/ تثني تلك القطعة من السلك، و تقرن بين رأسيها حتى يبقى بينهما مقدار ما بين تلك الثقبتين، فيجر بل يدخل فيهما بعد انعكافه من أسفل كما تعكف أسنان القرشال. و هكذا خدمته و المكينة مارة مع صف أسنان القرشال، حتى يتم صف الذي تصف فيه الأسنان، فيعلو الجلد بمقدار صف آخر فتأخذ راجعة في خدمه‏. (...../ 202/) بارات حديد (......)، و الماء يخرج من بين البارات، و عند وصولنا إلى ذلك الباب‏

____________

(1) يتم نسج الصوف بتداخل و تشابك مجموعتين أو أكثر من خيوط الغزل مع بعضها ليكونا النسيج.

(نفس المرجع).

(2) بتر بوسط الصفحة بمقدار خمس أسطر.

(3) بتر بمقدار نصف سطر.

252

وجدناه مسدودا، فوقفنا هنيئة حتى خرج الماء المحصور في ذلك المضيق، و نزل و استوى‏ مع الماء الذي يخرج من بين البارات، فعند ذلك أخذ رجلان بطرفي القنطرة يدوّر كل واحد منهما ناعورة، و دفتا الباب تفتحان بسبب ذلك حتى وصت الدفتان إلى حائط القنطرة، فعند ذلك خرج البابور و ساربنا إلى أن وصلنا إلى البر، فوجدنا هناك خلقا عظيما من الرجال و النساء و الصبيان، واقفين ينتظرون قدومنا، و عند نزولنا إلى البر أخذ بعضهم ...!

القبة العظيمة القريبة من دار عظيم الدولة و الأثاث و عينات الحوائج التي فيها

/ 206/ ... الماء تجر التراب من الذي بأسفل الساقية، و الماء يخرج من ثقب بذلك اللوح الذي يجر التراب، فيبقى الماء صافيا عند دخوله للبلد. و مثال السلك الذي يعلم به عند اشتعال النار، في بعض المواضع، مراكب صغيرة موضوعة، منها مركب قسم طولا ليرى باطنه و ظاهره، و مثال مدرسة للموسكو، و صومعة من عود ينزل أحدهم من أعلاها في قنبة يمسكها بحديدة بيده، فيها ثقب يدخل فيها تلك القنبة بعد ما يجعل في رأس القنبة علاقتين إحداهما يجلس عليها و الأخرى يجعلها تحت إبطيه و بين كتفيه كهيئة المشمار الذي يشمر به الإنسان، و ينزل بعد ذلك، و إذا أراد الوقوف و هو نازل فيقف بعد أن يلوي القنبة على تلك الحديدة فيقف، و وجدنا فلكا كبيرا لعله من ثوب حشوه ريح، لا تغرق بسبب ذلك، و فلكا آخر اتخذ بقعره عنبرا

____________

(1) النقل النهري يظل حتى يومنا هذا الوسيلة الأكثر سهولة لنقل البضائع الثقيلة و الكثيفة، و من أجل تسهيل عملية النقل شيدت قنوات و هويسات‏Ecluses لرفع السفن أو خفضها من مستوى إلى آخر تسمح بقطع المعابر حيث تزيد سرعة التيار (بسبب حدة نقطة الانحناء) الموسوعة.

(2) الصفحات/ 203/ و/ 204/ و/ 205 بيضاء فارغة.

(3) زار أعضاء السفارة المغربية المعرض الدولي للعلاج و الإنقاذ ببروكسيل. جريدة ابروكسيل.

G. D. B. R. A. ler Belgique( j. de Bruxelles ).

253

أي فضاء، و جلد عليه لا شي‏ء فيه كما قيل، و بسبب ذلك الفضاء لا يغرق هذا الفلك، و مركبا فيه قنبة كبيرة، قيل هي مثال للمركب الذي يكون وقت الحرب في البحر، و تصيبه كورة و تخرقه فيوضع على تلك الثقبة صوف ملبدة غليظة، و يمسكها بالزّيار على تلك الثقبة، فلا يدخل الماء منها للمركب. و معدة ينزل تحتها كأس بلار على ورقة من المعدن، و بنزوله عليها ينزل الماء من المعدة في ذلك الكأس، فإذا رفع انقطع الماء. ثم الآلة التي ينزلون بها إلى المعدن إذا تقطع بهم السبيل أثناء النزول تنتشر الأعمدة من الفنار النازلين/ 207/ فيه و تثبت في الجدارات فيبقى الفنار واقفا بهم في أثناء النزول. و فيها من آلة البحر أشياء عجيبة. و جملة ما فيها يحتاج إلى مجلد كبير.

ثم توجهنا منها إلى دار فابريكة خدمة البرنتك، فوجدنا فيها مناسج كثيرة، عرض المنسج أربعة أمتار و خمس متر كما ذكر كبيرها. و نصف هذا المناسج من الأعلى إلى الأسفل، و ليست كما نعلم من امتدادها أماما، و خيوط السداد النازلة من المنسج تذهب أماما و ترجع ثلاث مرات، و عند ذلك يطلع منشار بين خيوط السداد يحصر تلك العقد التي انعقدت بتردد الخيوط، و هكذا العمل في نسج‏ البرنتك، فهو سداء دون طعمة، و المكينة هي التي تخدم المناسج كلها.

____________

(1) لقد قام سعادة سفير جلالة إمبراطور المغرب السيد محمد الزبيدي البارحة على الساعة الثالثة بزيارة معرض العلاج و الإنقاد(L`ExPesition d`hygie ?ne et de Sauvetage) و لقد كان أثناءها مرفوقا بالسادة الجنرالات رناردRenard و مونتيفيورG .Montefiore و إفراردEvrqrd بتقديم محتويات المعرض تشريفا للسيد السفير، فيما أبدى الزوار المحترمون اهتماما كبيرا لكل ما كانوا يشاهدونه، و كانوا يطلبون معلومات بواسطة مترجم السفارة. جريدة ابروكسيل.

G. D. B. R. A. ler Belgique( j. de Bruxelles ).

(2) الخيوط الطويلة المغزولة على الأنوال تسمى السدادةWarP و الخيوط العرضية باللحمة.

(3) الحياكة تأتي بعد النسيج‏Knitting لصناعة الملابس بواسطة آلة الحياكة تعمل على الخام العقد و الخيات مع بعضها، بدلا من تداخل مجموعتين من الخيوط الغزلية كما يحدث في نسج الصوف على الأنوال (الموسوعة العربية).

254

ما رأيناه في ساقية الماء الجاري في البلد

و في يوم الجمعة بعد صلاة الظهر توجهنا لدار عامل البلد بعد ما استدعانا لذلك، فحين دخلنا لاسطوان داره وجدنا فيه ساقية مربعة على قدر طول الاسطوان، و طوله يقرب من ثلاثين خطوة، و عرضها نحو ذراع واحد، و غرقها نحو عشرين خطوة، و الماء يجري من تحت الاسطوان بين قوسين عظيمين، قطر كل قوس إحدى عشرة، خطوة. و ليس هو قطرا حقيقيا و إنما هو خط وصل بي طرفي قوس دائرة أقل من نصفها، كقطعتي قوسي دائرة شكل البيضة الممتدين مع طولها، و قد جعل دفتين عظيمتين بين ساريتي كل قوس نازلة من أصل القوس إلى الماء، حاصرة له بحيث لا يخرج من تحتها إلا القدر المطلوب، فإذا أرادوا كنس الساقية يحرك ناعورة مركبة في آلة حديد بالاسطوان. فترتفع الدفتان إلى أعلا فيمر/ 208/ الماء بسرعة بما تحته من التراب و العفونات، ثم إنه نزل بنا من الاسطوان إلى أسفل بنحو ثلاثين درجة، فانتهينا إلى ساقية عظيمة، عرضها نحو عشر خطوات، و هي مقببة بناء في غاية الإتقان و الإحكام. و وجدنا بابور النار منصوبا على مصطبتين مارتين مع الساقية و القوس محيط بها. فركبنا في هذا البابور، و أوتي بفنار في داخله قضيب قيل من الهند، لكن في وسطه شي‏ء يضي‏ء و يخرج منه شعاع كشعاع الشمس، لا يستطيع أحد النظر إليه، و به استضاءت الساقية. ثم تحرك البابور، و كان في طرفه وراءنا كير عظيم، يخرج منه ريح كثير عند مروره في هذه الساقية على المسطبتين المذكورتين، و الماء جار تحت البابور، بينه و بين الماء بعد كبير. فسار البابور بنا في هذه الساقية بالضوء و الريح المذكورين ميلين. فكنا نرى في بعض المواضع في القوس عن اليمين و اليسار فرجا نافذة- و الله أعلم- إلى وجه الأرض بسبب الضوء النازل منها. و هذه الساقية تارة تنعطف يمينا و تارة يسارا، و عند الانعطاف يجدب رجلان البابور إلى جهة الانعطاف، ليلا يسقط في الماء. و انتهى بنا في سيرنا إلى محل عن يسار الساقية إلى قوس، دخلنا فيه فوجدنا قوسين عظيمين مقبيين، و هما متصلان‏

____________

(1) 7 يوليوز سنة 1876 م.