إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار

- إدريس الجعيدي المزيد...
479 /
255

كقنوطي مرسى العدوتين، و الماء يجري أسفلهما، و أحدهما فيه ماء قليل و الآخر فيه ماء كثير يقرب من مبدأ القوس في غاية الصفا/ 209/ و انتهينا في مسيرنا في البابور في تلك الساقية إلى قوس آخر، بقربه فوق القوس حجر فيه كتابة بقلمهم منقوشة فيه، ذكر لنا أن كبير دولتهم وضع تلك الحجرة بيده هناك. فطلعنا في درج من ذلك القوس حتى انتهيت بنا إلى وجه الأرض، فحين خرجنا أطبق الباب على المحل الذي خرجنا منه، و هو دائرة مقسومة بستة أقسام، في كل قسمة لوحدة حديد فيها توريق، و ثقب فتنبسط على الفرجة التي خرجنا منها. و يقفلونها. و ذكر لنا أن هذه الساقية طولها ثمانية عشر ميلا، و أن كبير دولتهم الموجود الآن هو الذي أمر ببنائها على تلك الكيفية، و اشترى مواضع، و ديار من أربابها بثمن له بال، و إن جملة ما صيره في بنائها و ثمن البقاع ثلاثة و ستون مليونا من الافرنك. و حين تم بناؤها باع البقاع الفاضلة التي حولها بثلاثة و خمسين مليونا من الافرنك. قبقيت الساقية في عشرة ملايين من الافرنك. و أن أولاد الملوك و الأعيان من الدول يأتون إليهم بقصد الفرجة فيها و التعجب منها، فلذلك طلب قائد البلد منا الإتيان إليه ليطلعنا عليها، و هي لعمري من المباني العجيبة الأشكال الغريبة.

الطلوع للضيافة لدار كبير دولة البلجيق‏

ثم ركبنا الأكداش و رجعنا إلى محل المقام و في الساعة السابعة من مساء يوم الجمعة طلعنا لدار كبير الدولة بعدما كان استدعانا لذلك في يوم الخميس. كل واحد بورقة تخصه. فطلع الباشدور و الأمين و كاتبه معه، و معنا قائد المخازنية، فوجدنا خواص عسكره بباب الدار/ 210/ و باسطوانها، و كذلك في قببها، حتى انتهينا إلى قبة فيها وزراء الدولة و أعيانها، فتلقى وزير الأمور البرانية و عامل البلد الباشدور بالرح و الترحيب، و كذلك من هناك من ذكر، ثم خرج كبير دولتهم من قبة أخرى و معه‏

____________

(1) 7 يوليوز سنة 1876 م.

256

ولد سلطان ابروصيا، لأنه استدعاه لهذه الضيافة تعظيما و فرحا للجانب الشريف، فتقدم إلى الباشدور و ظهر منه بسط و سرور، و عرف‏ به لولد السلطان المذكور، فظهر منه أدب كبير، و أخذ كبير الدولة يطوف على من هناك من الوزراء و الكبراء، و يتقدم إليهم واحدا بعد واحد، و كل منهم واقف في مكانه قد اصطفوا صفا واحدا و نحن معهم بالصف من داخل القبة. فلما انتهى إلينا أشار إلينا إشارة و ترحيب و تعظيم، فأجبناه بمثل إشارته‏. ثم أخذوا في الدخول إلى قبة الضيافة. فإذا فيها

____________

(1) الأمير الملكي لبروسيا نجل إمبراطور ألمانيا غليوم الأول (ولي العهد بالوراثة).Guillaumo (8881 . (1918 و هو الذي زار طنجة سنة 1905 م، معلنا دعمه لاستقلال المغرب بعد الاتفاق الودي بين فرنسا و أنجلترا. (المنجد).

(2) أثناء مقامه ببروكسيل تبرع الزبيدي على فقرائها بخمس آلاف فرنك، فتوصل برسالة شكر من وزارة الخارجية «... لقد تأثر جلالة مولاي الملك و حكومته من صنيعكم المبرور، و اشك أن ذلك مما يخلد تذكار المهمة التي أديتموها في هذه الديار بغاية المقدرة و الكفاءة ... «، وزارة الخارجية، بروكسيل 11 يوليوز 1876 م. أما قائمة ما تبرع به في بلاد بلجيكا فهي طويلة و وصلت إلى 18000 فرنك.

الإتحاف، ج 2: 292.

(3) مما لا شك فيه أن السفير الزبيدي استغل هذا اللقاء و طلب التأييد الألماني، و هذا يفسر لنا وجود سفارة ببرلين على رأسها القائد الطيبي ابن هيمة الذي استقبل من طرف الإمبراطور الألماني يوم 23 ماي سنة 1878 م، و قد ساوموه في الحصول على ميناء شمال المغرب أو على شاطئ الأطلس كثمن لمساعدة ألمانيا للمغرب.

حسب ما أشاعته بعض الصحف الفرنسية (عبد الهادي التازي، التاريخ الدبلوماسي، ج 10).

(4) السفير الزبيدي أخذ مكانه مباشرة بعد سيادة «لوننص» البابوي، و لم يناقش موضوع تقدمه على السفراء العاديين، لأن السفير المغربي ليست له علاقات رسمية مع الهيئات الدبلوماسية المعتمدة أما الملك و لا مع كبار موظفي الدولة، لأنه سفير متنقل و ليس قار.

M. A. E. R. B( ARCH. HIST. DIP ): 815.

و تحدد أسبقية السفير بالنسبة لزملائه السفراء طبقا لتاريخ تقديم أوراق اعتماده إلى رئيس الدولة، غير أن الدول الكاثوليكية احتراما منها لمركز القاصد الرسولي الذي يمثل قداسة بابا روما و يسمى‏Nonce APostalique تعطي له الحق في أن يكون عميد السلك الدبلوماسي مهما كانت أقدميته.

(الدبلوماسية، أحمد حلمي إبراهيم: 43).

257

مائدة عظيمة ممتدة بامتداد طولها، قد أحاطت بها شوالي منتخبة، و قد وضع أمام كل شيلية في المائدة ورقتا كاغد في أحدهما تعيين المحل الذي يجلس على تلك الشيلية.

و الأخرى فيها بيان الأطعمة و الأشربة التي هيئت لهذه الضيافة، فجلس كل واحد بالمحل المعين له و كان مع الأمين و كاتبه و قائد المخازنية باشدورهم بباريس. و هو يفهم من العربية ما تيسر، فقربنا لموضع جلوسنا، فجلسنا و جلس عن يميني و جلس الباشدور قبالتنا،/ 211/ و عن يساره كبير الدولة، و قد حالت بينهما زوجته و وضع أمام كل واحد ممن على المائدة طبسيل من الطاووس العجيب، و كأس زاج، و أباريق فيها ماء، و أخرى فيها أشربة من شرابهم، و معاليق و جنوي من المعدن و بعضها مذهب. ثم أخذوا يخرجون بالطعام و أنواع الحلواء في أواني كبيرة، و يطوفون بها على من بالمائدة، فكل واحد يأخذ منها بمغرفة ما يريد و يضعه في الطبسيل الذي قدامه.

فإذا فرغوا من ذلك رفعت تلك الطباسيل و آلة الأكل التي معها، و توضع بدلها أرفع منها، و يؤتى بطعام آخر فيؤخذ منه على تلك الكيفية، ثم ترفع و يؤتى بأخرى و هكذا حتى فرغ من الطعام، و نحن تناولنا من ذلك يسيرا من حلواء معقودة على الثلج مع غيرها من الحلواء الطازجة. و عدد من كان محيطا بالمائدة يزيد على الستين. و فوق المائدة حسك. كل واحدة كأنها ثرية، و في قبتها ثريات كبار كلها توقد شمعا، و بها مشاميم من النوار موضوعة على أواني مذهبة عمل التينة. و منذ أخذوا في الأكل و أصحاب الموسيقا و الطرب مشتغلون بعملهم حتى فرغوا. فعند ذلك خرجوا إلى القبة التي دخلوا منها، و فيها ثنتا عشرة ثرية عظيمة، ست منها تقابل ست أخرى، و عشر ثريات محيطة بجدراتها. كلها موقودة شمعا، و فيها مرايا عظيمة محيطة بالجدارات. و في قبوها كذلك مرءاة دوائر بينها توريق عجيب‏.

____________

(1) «... السفير المغربي مع حاشيته زاروا مكان الرقص‏Skating Ring حيث اهتموا كثيرا بعروض الرقص الذي قدم أمامهم، و تلقوا في الأخير من السيد المديرBruynen ، باقة من الورود، هذا و عبر السفير الزبيدي عن ارتياحه لما شاهده، و قد دامت مدة العرض من الثانية و الربع إلى السادسة ربعا».

G. D. B. R. A. ler Belgique( j. de Bruxelles )

258

دار العدة و آلة الحرب‏

/ 216/ ... و ضربته في الستة و الستين المذكورة خرج ما في هذا المربع المستطيل من الكور، و هو ثلاثون و ثمانمائة و خمسة آلاف. و كان من هذه العينة ثمانية صفوف عن يمين الخزين، و مثلها عن يساره، فضربت ذلك العدد في ستة عشر فكان مبلغه ثمانين و مائتين و ثلاثة و تسعين ألفا عدد عينة واحدة من الطرر التي بباب الخزين و الله أعلم. و أخبرت بذلك الباشدور فصار منه على بال. و الحامل على تتبع ذلك بعد امتثال أمره، أن بعض النصارى هناك ذكر أن في كل تربيع عشرة آلاف كورة، و حيث أحصيته على تلك الكيفية المقطوع بحصة أعمالها وجدت الأمر بخلاف ما أخبر به ذلك المخبر. و هناك عينات كثيرة مفترقة في مواضع شتى. و في براحه أيضا مدافع عديدة ليست على الكراريط على تلك الكيفية المقطوع بحصة أعمالها وجدت الأمر بخلاف ما أخبر به ذلك المخبر، و هناك عينات كثيرة مفترقة في مواضع شتى، و في براحه أيضا مدافع عديدة ليست على الكراريط، و إنما بينها و بين الأرض حديد و هي مطلية بطلاء رمادي، و أفواهها مقفولة.

شكل السلم الذي توضع عليه المكاحيل‏

ثم دخل بنا إلى خزين كبير فيه سلاليم طوال، ممتدة مع طول الخزين على هيئة المربع المستطيل من جهة الطول، يقابله مربع مستطيل يقابله مثله، و من جهة العرض‏

____________

(1) الصفحات/ 212/ و/ 213/ و/ 214/ و/ 215/ مفقودة من مخطوط الرحلة.

(2) «يوم السبت توجه الزبيدي إلى مدينة انفيرس‏Anvers و حضر المناورات الحربية في ضواحي المدينة، حيث جلس سعادته في مكان مرتفع و رفع فوقه العلم المغربي، و قد قام وزير الدفاع البلجيكي.M Thiebaunld المرافق له، بتقديم الأسلحة و المراكز العسكرية، فتعجب سيادته من أهمية الذخائر المجموعة للدفاع على المملكة ثم زار حديقة الحيوان بها» ...

M. A. E. R. B( ARCH. HIST. DIP. 815 ).

259

يقابله مثلث متساوي الساقين، و يقابله مثله من عرض الجهة الأخرى. ثم ركب فوق هذا السلم الذي على هذه الكيفية سلمان آخران فوقه مماثلان له طولا و عرضا، بحيث لم ينطبق عليه، بل ترك بين أضلاعهما المتوازية مقدار ذراع من كل جهة. ثم نصبت أضلاع من الحديد مع طول السلمين يوازي بعضهما بعضا و فتحت فيها/ 217/ أي في تلك الأضلاع المتوازية فرج متوازية أيضا، متقاربة، و نصبت المكاحيل مع ثقالاتها المركبات فيها في تلك الفرج التي في الأضلاع، فصارت المكاحيل مصطفة مع طول السلاليم صفا بعد صف، مع تساويها أي المكاحيل في الطول و استوائها في الوضع تصير على كيفية عجيبة، و كلها من العينة التي تعمر من الخزنة، و كأنها قد فرغت الآن من قواليبها بتعاهد مسحها و نظافتها، و عدد ما هناك من المكاحيل- كما قيل- ثمانون ألفا- غير محتاج إليها إذ ذاك زيادة على ما بيد عسكره.

و هناك كوابيس من العمل القديم، معلقة في أعلا سقف الخزين ممتدة معه، و به مهاريس صفر صغيرة جدا، غير أن فورمتها فورمة أربعة و عشرين.

ثم دخل بنا إلى خزين آخر فيه سيوف عديدة على أشكال، و سروج و لجم لم أقف على حصر عددها، و في داخل الخزين أربعة مدافع عظام طولا و عرضا. ذكر أن عمارة كل واحد منها ستون رطلا من البارود، و كورته من ثلاثة قناطير، و يرمي ثنتي عشرة مائة متر. و ذكر أن فورمته من أربعة و عشرين، هي من العينة التي تعمر من الخزنة، و يظهر منها أنها معدة لهدم الحصون العظيمة أو لرمي المراكب التي على نسبتها جرما و قوة.

ثم دخل بنا إلى خزين آخر وجدنا فيه مكينة عظيمة، قد نصب عليها رحى لطحن الزرع للعسكر، تركنا الطلوع لهذه الرحى لشهرتها، و رأينا في مواقع عديدة أواني متسعة كأنها طناجير في الكيفية مع أنها أعظم بكثير، يوضع فيها/ 218/

____________

(1) «... لا نتصور دهشة المغاربة أمام تراكم 000، 80 بندقية الموجودة ضمن الذخائر بL`arsenal de la guerre إلا أن المناورات التي شاهدوها لم ترقهم لأنهم مستأنسون بالفانطزيا و لا يفهمون شيئا، أو إلا القليل من الاستراتيجيات الحديثة ...». جريدة ابروكسيل.

G. D. B. R. A. ler Belgique( j. de Bruxelles ).

260

الدقيق فتصير تدور به أجرام من تحديد مبسوطة، و الماء ينزل عليه بمقدار معروف، فتعجنه في الحين، و يوضع في موائد حديد طويلة جدا، فتدخل لبيت النار، ثم يخرجونها جافة عاجلا. هكذا ذكروا لنا، و لم يقع منه شي‏ء بمحضرنا، و ذكر أن هذه المكينة يصنع فيها كل يوم ما يكفي من الخبز ثمانين ألفا من العسكر، و ذلك إذا احتيج إلى هذا المقدار كل يوم فإنها تقوم به لأنها توجده كل يوم يوم. و رأينا من فوق أسطحة هذه المخازين نباتا كثيرا، فسئل عن ذلك فقيل أن المخازين قد أقيمت بالآجور بين قناطر الحديد، و وضع فوق السطح تراب كثير، فإذا نزلت عليه كورة أو بونبة كيف ما كانت فلا تضره، و مع ذلك جعلوا في السطح مجاي للماء، أي ماء المطر، فيخرج من قادوس متصل برأسه قضيب حديد نازل منه إلى الأرض، بحيث إذا ضعف نزول الماء يبقى نازلا إلى الأرض مع القضيب محافظة على جدار الخزين كيلا يصيبه ذلك الماء. ثم ركبنا في الأكداش و رجعنا إلى البابور، فرجعنا فيه إلى محل النزول.

فابريكات المرايا الكبار من الزاج في مدينة شارلروا

و في يوم الاثنين السابع عشر منه أذن عامل البلد بتوجيهنا إلى مدينة شارلروا بقصد رؤية ما فيها من فابريكات الزاج الذي يصنع منه المرايا العظيمة و للسراجم، فركبنا في بابور البر في الساعة التاسعة، و سار بنا ساعتين غير ربع ساعة، فوصلنا إليها، فتلقى عاملها للباشدور عند النزول من/ 219/ البابور بفرح و سرور، و صار معه و نحن في أثره في الأكداش إلى فابريكة صنع الزاج‏ المذكور، فوجدنا بيوت النار توقد و المعلمون بيد كل واحد منهم جعبة حديد كالمكحلة، و يدها من عود،

____________

(1) 10 يوليوز سنة 1876 م وصل إلى‏Charle Roi .

(2) «فابريكة للسيدBaudux و مصنع المرايا العظيمة لSte Marie D`Oignies ».

M. A. E. R. B( ARCH. HIST. DIP ).

(3) أنبوبة طويلة من المعدن حوالي 5. 2 متر و تنتهي بدرف على هيئة عقدة يلقط بها الزجاج المنصهر.

(صناعة الزجاج، فؤاد مسعود).

261

يدخل رأس المكحلة في بيت النار فيخرجها عاجلا و قد علق بها من الزاج المذاب‏ قدر ما يملأ الكف، و هو كالعجين في الليونة، يحاول السقوط فيشتغل المعلم‏ يدير تلك الجعبة بعد ما يمدها و يبسطها على حرف ورقة حديد و يرفع الماء بيده الأخرى و يصبه على الجعبة قرب الزاج اللاصق بها بقصد تبريدها، فإذا بردت شيئا يسيرا يدخلها بيت النار أيضا، و يخرجها و قد علق بذلك الزاج الذي كان بها زاج آخر، فيبرده على تلك الكيفية بالماء، و دوران الجعبة ليلا يسقط منه شي‏ء، ثم يدخلها لبيت النار و لا زال على ذلك العمل حتى يعلق برأس الجعبة من الزاج المقدار الذي يريد صنع زاجة المرءات أو السرجم منه، فعند ذلك ينفخ في الجعبة بفيه نفخا كثيرا حتى يرى أثرها في داخل الزاج، فعند ذلك يضع الزاج على طرف من خشب مبسوط الوجه، و قد حفر فيه بأسفله مقدار نصف كورة و حفر بأعلاه مثل نصف جرم أسطوانة متصلا بالحفرة الأخرى، بعد ما تدهن هاتان الحفرتان بماء الشعير المخلوط بدقيق الفاخر الذي يوقدونه، و بعد ذلك يشتغل بدوران الزاج في ذلك/ 220/ القالب، يدخله بيت النار نحو دقيقة مجانية، و ينفخ في تلك الجعبة حتى يشاهد أثر النفخ بداخل الزاج اللاصق برأس الجعبة و يصير حينئذ كهيئة القمقم كما بطرته‏، كما اقتضى ذلك حفر القالب‏ في تلك القطعة من العود. فعند ذلك يصير المعلم يشير بتلك الجعبة مع الزاج اللاصق برأسها يمينا و يسارا، و الزاج يستل‏

____________

(1) يتكون من خلط الرمل و الحجر الجيري و كربونات الصودا مع إضافة بعد الأكاسيد، ثم صهرها جميعا في أفران خاصة ذات حرارة عالية، فتتحول إلى عجينة قابلة للتشكيل. (نفس المرجع).

(2) يتناول الصناع المدرب فقاعة صغيرة من المخلوط المنصهر، و يظل ينفخ فيها و يحركها فتتحول تلك الفقاعة إلى أسطوانة عظيمة الحجم. (نفس المرجع).

(3) عند حرق بعض النباتات يتبقى البوتاس في الرماد، و كذلك كربونات الصوديوم و هي مواد أساسية في صناعة الزجاج. (صناعة الزجاج، فؤاد مسعود).

(4) رسم توضيحي من إنشاء صاحب الرحلة. (انظر ملحق الرسوم و الصور صفحة 18).

(5) تضغط العجينة في قالب خاص و بواسطة مكبس خاص فتصير هي و القالب شكلا واحدا، تأخذ حجمه و شكله و نقوشه كل ذلك في لحطات معدودة. (نفس المرجع).

262

و ينحدر إلى الأرض شيئا فشيئا، و هو واقف على متن جدار مرتفع على الأرض بأزيد من القامة. ثم يدخلها بيت النار نحو دقيقة أخرى‏، و يخرجها و يشتغل، فيشير بها كما ذكروا الزاج ينحدر منفوخا، و يكرر عليه هذا العمل حتى يصير ذلك الزاج جعبة مستديرة، قطر دائرتها أزيد من ثلث ذراع و طولها نحو ذراعين و نصف، فعند ذلك يضعها على حرف لوحة من حديد، و يأتي رجل آخر بيده مقراض و يثقب به الجعبة من أسفلها، لأن الزاج يكون لينا إذ ذاك في أسفلها فقط، و ما عداه مما أعلاه من الجعبة صامتا غاية. فإذا ثقبها يأخذ منها بالمقراض من أسفلها يسيرا مثل دائرة الريال، ثم يردها الآخر إلى بيت النار نحو دقيقة أيضا، و يخرجها و قد اتسع ذلك الثقب إلى أن يتحد مع دائرة جعبة الزاج، فيضعها على حرف تلك الحديدة و يديرها حتى تبرد و تصير جعبة طويلة كما ذكر/ 221/ فإذا أراد فصلها من جعبة الحديد يضع عليها رأس اللقاط من حديد بارد من جهة جعبة الحديد بالمحل الذي هي لاصقة فيه بالزاج، فتنفصل عنها جعبة الحديد مع يسير من الزاج لاصق بها من عنق جعبة الزاج، فيزيله و يجمعه مع قطع الزاج، فتكون جعبة الزاج حينئذ لها عنق رقيق كالذي كان متصلا بجعبة الحديد. و منه تأخذ في الاتساع، فيضع رأس اللقاط من الحديد البارد في محل غاية الاتساع فينفصل العنق و تبقى الجعبة من الزاج متساوية الراسين في الاتساع، فعند ذلك يضعها فوق الفاخر الذي يوقدون به، و هي باردة، و يأخذ قضيبا من الحديد يكون رأسه ببيت النار و يدر على طول الجعبة و في داخلها بالمحل النازل على الأرض منها غبرة سوداء، و يدلكها برأس ذلك القضيب الذي يخرجه من بيت النار من ابتداء الجعبة إلى نهايتها، و يشتغل بذلك نحو دقيقة أو أقل، ثم يرفع ذلك القضيب و يضع أصبعه برأس الجعبة بمحل الدلك، فتنشق على طولها شقا

____________

(1) يتم التبريد تدريجيا داخل أفران خاصة تختلف درجة الحرارة فيها، حتى تكون حرارة الفرن النهائية هي درجة الحرارة العادية، لتفادي حدوث كسر ما بسبب اختلاف سرعة الانكماش بين الجزء السميك و الجزء الرفيع. (نفس المرحع).

(2) في الأخير تصل للمعلم الذي يشكل الأنبوبة بواسطة مقراط حديد حسب ما هو مطلوب منه. (نفس المرجع السابق).

263

مستويا لا اعوجاج فيه، فيدخلها بيت النار و يضعها فوق لوحة حديد هناك قد دهنت بدهن، فتنبسط على تلك اللوحة، و يخرجها و قد صارت ورقة مربعة طولها نحو ذراعين و نصف، و عرضها أزيد من ذراع، و يضعونها بعد ذلك في بيت نار لينة، و يتركونها حتى تبرد. و صنع بمحضرنا من هذه العينة نحو ست ورقات في أقرب مدة، و في هذه الدار من أنواع زاج الورقة عدد كثير صغير و كبير، و منه ما هو/ 222/ مسمر في صناديقه. و أوقفنا كبير هذه الدار على عينات بها من الزاج المصبوغ بالألوان‏، و بعضه فيه توريق عجيب و على المتعلمات اللواتي يشتغلن بتوريقه بالقوالب، بحيث يدهنه بدهن أبيض و حين يجف يضعن الورقة أمامهن و القالب المفتوح فيه التوريق فوقها، و تضع إحداهن‏ يديها عليه و تمسح بالأخرى فوق القالب بشطابة من شعر صغيرة، فتزيل من ذلك الدهن من الزاجة ما فتح في القالب من التوريق. و ذكر لنا أن في مارس الفارط تحرك عندهم ريح عظيم ست ساعات، فسقطت منه ديار كثيرة، و سقطت دار هذه الفابريكة و أعيد بناؤها، و كان سقفها قبل بقناطر الحديد، و جعلت الآن من العود. و ذكر أن التخليطة التي يصنع منها الزاج توقد النار عليها عشرين ساعة، و تخدم في ثمان سوائع. و أجر المعلمين الذين يخدمون هناك ثمانون ريالا في الشهر. و هذا الزاج إذا أرادوا مسحه يجعلونه في صناديق معلقة كالمهد، و يجعلون فيه الماء و رملة بيضاء، و الصم الصغير المبسوط، و يشتغل بتحريك الصناديق حتى تمسح الورقة بذلك و تصير بها ضياء لامع.

____________

(1) الأخضر و الأزرق و البنفسجي و الأحمر الغامق و غير ذلك من الألوان، حسب المواد المؤكسدة أو المواد المختزلة الموجودة بالخلطة الزجاجية، و يعتبر الزجاج الملون غال الثمن لأنه يحتاج إلى الدقة في عملية إنتاجه. (صناعة الزجاج، فؤاد مسعود).

(2) تنقش الزهور و الأشكال الهندسية على الزجاج لتزيد من قيمته الجمالية حيث يعكس الضوء و يحلله إلى أطياف مختلفة. (نفس المرجع). من خلال هذه المقارنة يظهر أن الجعيدي استطاع عن طريق الملاحظة الميدانية السريعة النفاد إلى صلب الصنعة.

(3) خلطات الزجاج كثيرة و تعد بالآلاف حسب نوع الزجاج المطلوب و مستوى شفافيته.

264

ورقات الزاج العظام التي تصنع في طامير

و في الساعة الثالثة ركبنا في بابور البر توجهنا لمدينة طامير التي يصنع فيها ورقات الزاج الذي يصنع منه المرءات العظام التي هي أعظم بكثير من الورقات التي تصنع بالفابريكات الأخرى، و يصنعونه على كيفية أخرى. و بيانها أنهم/ 223/ اتخذوا ورقة حديد مبسوطة، ذات طول و عرض نحو ثمانية ذراع في مثلها، و جعلوا بطرفيها فتقيتين من حديد طولهما مثل طول هذه الورقة، و غلظهما على نسبة غلظ الزاجة التي يريدون صنعا. و وضع فوق هاتين الفتقيتي سارية من حديد، فيبقى بينها و بين الورقة المبسوطة مثل عرض غلظ الزاجة التي تصنع، ثم يخرجون الآنية التي طبخت فيها التخليطة من بيت النار بالبوجي و يؤتى بها و هي معلقة فيه حتى يوصلوها إلى تلك الورقة المبسوطة، و يفرغوها فوقها، و يمرون فوقها تلك السارية فتبسط تلك التخليطة على الورقة كلها طولا و عرضا. أما من جهة العرض فهي محصورة بالفتقيتين، لأجل ذلك يكون غلظها على نسبة واحدة. و أما طولها فما يخرج زائدا على الورقة يسقط و يزال‏، ثم بعد هذا يدخلونها لبيت نار لينة، و يتركونها هناك أربعة أيام صيانة لها و إصلاحها، و إذا تركت فيه نحو يومين أو أقل، يخشى عليها من الآفات العارضة، التي لا تؤثر فيها إذا تركت فيه أربعة أيام. و ذكر أنهم صنعوا ورقة من الزاج لسلطان الموسكو طولها ثمانية عشر مترا و عرضها كذلك. و نحن أيضا رأينا زاجة طولها أربعة أمتار و عرضها ثلاثة و نصف، و فوقها ستة رجال جاثية على ركبها، و هم يمسحونها كأنهم جالسون على دفة من العود. و وجدنا أناسا آخرين بين أيديهم‏

____________

(1) ربما يقصد مدينةNamur .

(2) كانت في القديم تعرف (بالقصدرة) تستعمل الزئبق الذي يصيب المشتغلين بأمراض خطيرة بسبب رائحته السامة، حتى استطاع الأنجليزي (درايتون) سنة 1843، تغطية الزجاج بطبقة من الفضة، و هي أقوى في عكس الصورة و الضوء من القصدير و الزئبق. (صناعة الزجاج، فؤاد مسعود).

(3) بعد عملية التفضيض تغسل المرآة جيدا، ثم توضع رأسيا حتى جفافها في غرف دافئة، و بعد ذلك تدهن بالورنيش. (نفس المرجع).

265

ورقات من هذه العينة و أعظم منها يفصلونه ورقات بحجر الديمانط،/ 224/ و يخرجون من الورقة الواحدة ورقات عديدة على القدر الذي يريدونه. و وقفنا على أناس آخرين يريدون رفع زاجة عظيمة من قالبها بعدما مسحت، و ذلك أنها كانت مشدودة على قالبها المبسوط، فأخذوا يحركون بوجيين صغيرين كان وضع القالب عليهما، و عند تحريكه يرتفع القالب بزاجته الممسوكة فيه، و يكون أحد طرفيه ثابتا في الأرض، و المقابل له يرتفع حتى يشرف على الوقوف، فيحاديه رجلان من الجهتين، و يضع رجل آخر سلما على رأس هذا القالب و يصعد فيه و يمد الآلة الماسكة للزاجة، و ينزل و يحرك البوجيان فتشرف الزاجة على تمام الوقوف، فيتلقاها رجال آخرون، أربعة من كل جهة، و يحرك البوجيان أيضا فينزل القالب لمحله و تبقى الزاجة واقفة بين أيدي الرجال الثمانية، و يكونون قد وضعوا تحت حرفها الذي صارت واقفة عليه اشراكا من جلد، بأطرافها خرص من حديد كهيئة حزام البغال، فيأتي ثمانية رجال من كل جهة و يحملونها بتلك الأشراك، و يتقدم رجل قدامهم ماسكا لها و آخر وراءهم كذلك، و يمشون بها مشيا خفيفا هونا، و يحركون أرجلهم على كيفية واحدة كمشية العسكر حتى يوصلوها إلى محلها. و هذه الزاجة قيل في تكسيرها أربعة عشر مترا و نيف، و أن وزنها ثمانية قناطر، و ثمنها أربعمائة ريال و ستون ريالا. و وقفنا في هذه الدار على مكينات كثيرة مختلفة الأشكال./ 225/ في مواضع عديدة اتخذت لمسح ورقات الزاج، بحيث يجعلون الورقة فوق قالبها ممسوكة فيه، و أخرج من المكينة قضيب حديد جعل فيه كالأيدي من الحديد مبسوطة مربعة، و بطنت بالجلد، و يجعلون غبرة حمراء فوق الزاجة، و الماء يتقاطر عليها و الميكنة تحرك تلك الأيدي فوق الزاجة، و القالب مع هذا يتحرك حركة مغايرة لحركة الأيدي، لأن حركتها كأنها دورية، و حركة القالب من اليمين إلى اليسار، و قد تنوعوا في آلة المسخ و توسعوا فيها، و جعلوها على كيفيات مختلفات، و وجدنا في مواضع آخر نسوة يمسحن ورقات الزاج‏

____________

(1) «... كما زارت السفارة المغربيةCharbonnage du Manbourgs ، و بعدها إلى‏Verreries Jonet ثم ركبوا القطار إلى‏Cadelinsant ثم أخذوا القطار إلى‏» Couillet ... .

جريدة ابروكسيل.G .D .B .R .A .ler Belgique (j .de Bruxelles) .

266

بغبرة بيضاء مع الماء، يباشرن ذلك بأيديهن، ثم رجعنا إلى مدينة بروكصلا. و في يوم الثلاثاء الثامن عشر منه، أخذنا في التهيئ للسفر منها.

مدينة فانطي و الفابريكة التي فيها

و في يوم الأربعاء التاسع عشر منه، خرجنا منها و ركبنا في بابور البر في الساعة الثامنة صباحا، و ركب معنا نائب البلجيق قاصدين مدينة فانطي بإذن كبير الدولة، فوصلنا إليها بعد مضي ساعتين غير ربع، و التقى بنا قائدها و كبراء العسكر بالتعظيم على العادة، حتى أنهم فرشوا الأرض التي نزلنا فيها من البابور بالزرابي، و ذكر القائد أنه مأمور بأن يطلعنا على المكينات التي في البلد، فركبنا في الأكداش حتى وصلنا إلى دار فيها مكينة عظيمة هائلة لم نر مثلها فيما تقدم‏. قطر ناعورتها الكبرى أحد عشر مترا، و يلزمها من الفاخر سبعة آلاف قنطار في الجمعة، و ترمي في سيرها في الدقيقة الواحدة/ 226/ كما ذكر ستمائة قدم، و ميزانها مائة ألف قنطار و خمسة و ثلاثون ألف قنطار، و هم يخدمون بها الكتان الذي يجعل منه شراعات المراكب لهم و للصبنيول و الأنجليز و البروصيا و غيرهم. و إنهم حين استنبطوا هذه المكينة نقص من الصائر لهم الثلثان، و صار ربحا لأرباب هذه الدار. و فيها من الخدمة المقابلين لتصفية الكتان و غزله و صفحه و نسجه خمس و عشرون مائة، و المكينات هي المتكفلات بالخدمة، و الخدمة يباشرون منها ما خف، كوصل الخيوط

____________

(1) 12 يوليوز سنة 1876 م.

(2) «... استقبلوا بمحطة مدينةGano من عامل فلاندر الشرقية(La Flander) و عمدة المدينة، و قد ألح السفير على زيارة مؤسساتها الصناعية قبل أن يذهب إلى أنجلترا ...».

جريدة ابروكسيل.G .D .B .R .A .ler Belgique (j .de Bruxelles)

(3) «... بعد استراحتهم توجه الوفد المغربي عن متن خمس عربات لزيارة مصنع نسج الكتان»La Manufacture de lye " ثم لاكنطواز... La Cantoise ».

M. A. E. R. B( ARCH. HIST. DIP ): 815.

267

عند تقطيعها، و مناولة الكتان للمكينات للتصفية، و رفع الظروف التي ينزل فيها المصفى و وضع غيرها، و تحريك آلة الخدمة و تتقيفها و هكذا، و وجدنا في براح متسع صفوف مغازل تغزل الكتان، قيل إنها ستون ألف مغزل مصطفة في صفوف، كل صف منها تقابله امرأة واحدة كما تقدم ذلك في بعض بيان فابريكات الملف في مدينة الياج.

ثم خرجنا من هذه الفابريكة إلى فابريكة الماركان، و هي شبيهة بفابريكات الكتان‏ المذكورة فأوقفونا على نواعير تدور، و قد جعل عليها أغشية مستديرة، و هي ممتدة طولا، فيجعلون القطن المنقى من العظام في حصير من فتقيات العود، تدور بدوران المكينات، و بدوران هذه الفتقيات يتقدم القطن إلى الناعورة الأولى فتجذبه بمسامير حديد محددة الرؤوس، و تمر به تحتها، و لم ندر كيفية وصوله إلى الناعورة الثانية، لأن غشاء النواعير المغطاة بها المستدير حاجز بين البصر و بين القطن عند دخوله./ 227/ تحت الناعورة الأولى و الثانية إلى الرابعة، لكن عند خروجه من الرابعة نراه يخرج من تحتها و ترميه بجهد كبير إلى ناعورة أخرى و هي الخامسة، بينها و بين الرابعة مقدار ذراع، وصل بينهما من أسفلهما بقضبان حديد رقيقة، بين كل قضيبين بعد يسير، فيتبين إذ ذاك أن الريح الذي يتولد من دوران النواعير الأربع يبقى محجوبا في تلك الأغطية المحيطة بالنواعير، و يطلب مخرجا فلا يجده إلا من أسفل الناعورة الرابعة، و هو الذي يرفع‏ ما يكون هناك من القطن إلى الخامسة، و عند مروره على تلك القضبان يتساقط ما يكون فيه من التراب و الأزبال، و يخرج القطن لا شي‏ء فيه من الأزبال و غيرها، و هو منفوش غاية بسبب تكرر مروره على محددات‏

____________

(1) المنتوجات الكتانية كانت متوسطة الجودة و تباع بأثمنة أكثر انخفاضا من الأجواخ الصوفية الرفيعة، مما جعل الطلب عليها يزداد داخل و خارج أوربا بفضل نمو الملاحة البحرية و تعدد الأسواق الخارجية.

ثم «... زار أعضاء السفارة مصنع الثياب القطنية و غيرها للسيدPasstier وRonge ، و كذلك معمل التكرير للسيدين‏» Encen ,Neys .

M. A. E. R. B( ARCH. HIST. DIP ): 815.

(2) عندما يخف وزن القطن الخام بعد عملية التفتيح يرفع من أسفل إلى الأعلا.

268

مسامير النواعير، و ينقلونه من هذه المكينة إلى أخرى تلبده، ثم إلى أخرى تفصله كسبولة السداد، ثم إلى الغزل‏، ثم إلى مكينات الصفح، ثم إليالمنسج، و هو قريب في الرؤية من مناسيج الطرارة بالغرب، إلا أن النزقين يخدمان وحدهما، و بسرعتهما في الخدمة لا يمكن رؤيتهما. و عدد المناسج التي هناك في موضعين، أحدهما فيها مناسج طولا ستة و ثلاثون منسجا، و عرضا ثلاثون، مجموعها ألف و ثمانون منسجا. و موضع آخر صغير فيه ثلاثون منسجا طولا و ستة عشر عرضا، مجموع ذلك خمس عشرة مائة منسج و ستون منسجا، قيل كل منسج ينسج في الجمعة ثلاثمائة متر، فيكون جملة ما نسجه في يوم واحد ستة و ستين ألف متر و ثمانمائة و سبعة و خمسين/ 228/ مترا، هي مقدار ثلاثة آلاف شقة و نحو أربعين شقة، و هذا الماركان لا يأتي منه شي‏ء لغربنا، فمنه الحلو غاية، و منه الخشين جدا، و عرضه يزيد على ذراعين و نصفه و بعضه أقل، و منه ما يصبغ أزرق و يشد لأربابه.

و في هذه الدار من الخدمة إحدى و عشرين مائة كما ذكر. و هذه البلدة من المدن العظيمة تشقها أنهار كثيرة، حتى قيل إن فيها ثلاثمائة قنطرة و ثنتين و ستين قنطرة.

و في الساعة السادسة منه مساء ركبنا في بابور البر قاصدين مدينة أسطانذ بقصد المبيت فيها، فوصلنا إليها في الساعة السابعة و نصف ساعة، و هي على ساحل البحر، و بعد نزولنا بها على يد قائدها و تلقيه هو و الكبراء على العادة،

____________

(1) يغزل الشريط القطني النظيف ذي الوزن المنتظم و الشعيرات المتوازية إلى خيوط مختلفة الأرقام و القوى لاستعمالها في النسيج. (الموسوعة العربية).

(2) نهرEscaut و نهرLys ، بالإضافة إلى القنوات المائية الاصطناعية التي تربطها ببحر الشمال‏Grand At -las Bordas

(3)Ostande «التي غادرها يوم 13 يوليوز 1876 م على متن الباخرة الحربية الملكية «أيكوا البرلمان»Echo du Parlement إلى مدينة دوفر، صحبة مدير ديوان وزير الخارجية فاندن بوش حيث قدم الزبيدي إلى مندوب وزارة الخارجية البريطانية».

M. A. E. R. B( ARCH. HIST. DIP ): 815.

269

خرجنا في العشية إلى قبة من الزاج على ساحل البحر، طولها نحو خمسين ذراعا، و عرضها نحو خمسة و عشرين، و من جهة الساحل نبح بداخلها على طولها سواريه حديد لطيفة، و كذلك قناطيرها و سقفها كهيئة مثلث، و جدرانها و قبوها كله من الزاج الممسوك بقضبان رقيقة من الحديد، و في النبح المذكور رجال يخدمون الموسيقا بأنواع كثيرة من آلات الطرب، و فيها خلق كثير من النصارى رجال و نساء.

و منهم من هو داخل القبة، و منهم من هو خارج عنها بشاطئ البحر، فجلسنا هناك على شوالي بالقبة في تربيع خارج عنها مواجهين البحر نحو ساعة، و رجعنا إلى محل النزول.

____________

(1) مدينة أوستند تطل على بحر الشمال و هي مصيف مشهور و تضم كازينو و استراحة ملكية و كورنيش طوله 3 أميال تبعد ب 114 كلم على ابروكسيل. (دائرة المعارف الحديثة، ج 1: 212).

270

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

271

الجزء الرابع‏

أخبار بلاد النجليز

و في الساعة العاشرة و ربع من يوم الخميس العشرين منه‏، ركبنا في بابور البحر من بابورات/ 229/ البلجيق، و طلع معنا خليفة وزير الأمور البرانية، و سافر البابور بنا في البحر و هو في غاية ما يكون من السكون و الركوض.

ملاقات كبار مدينة دوفر للباشدور

و في الساعة الثانية و ربع وصلنا إلى مدينة دوفر من مدن أنجليز، و حيث أرسى البابور بمرساها طلع للبابور ولد الباشدور بطنجة، و هو القونصو بالسويرة، لأنه هو

____________

(1) (انظر خريطة تنقلات السفارة المغربية عبر أنجلترا بملحق الرسوم و الصور صفحة 19).

(2) 13 يوليوز سنة 1876 م.

(3) بربريتها تاسورت، و معناها المدينة المحاطة بسور، تكتب و ينطق بها و هو الأصح، و تارة بصاد (الصويرة) و هو الشائع (و هي موكادور) اختطها و أسسها و بناها السلطان سيدي محمد بن عبد الله سنة 1778 م.

272

الذي توجه ترجمانا مع الباشدور بدولتهم، و طلع معه الجلنار كبير العسكر و رئيس المرسى، و تلاقوا هناك مع الباشدور، و أظهروا فرحا و سرورا كبيرا، و عند ذلك ودعه خليفة الوزير المذكور، ثم نزل الباشدور إلى البر معهم و نحن في أثره، و قد فرشوا الطرق بالزرابي، فوجدنا فئة عظيمة من العسكر متحربا، و أصحاب الموسيقا مشتغلون بها، و رفعوا سنجق الإسلام، و أخرجوا المدافع‏، و نبهنا لسماعها ولد الباشدور المذكور، و على رفع سنجق الإسلام، كل ذلك تعظيم للجناب الشريف، فنزلنا فأدخلنا لمحل مزخرف بها، و تناولنا هناك شيئا من الحلواء و القهوة، و استرحنا هناك إلى الساعة الثالثة و نصف.

فركبنا في بابور البر في عربة من عربات المخزن بلغت الغاية في الكبر و الزخرف و الشوالي المتعددة و الكنابيس في زوايا بها، و عند طلوعنا إليها وجدنا فئة أخرى من العسكر، ذكر ولد الباشدور المذكور أنه من عسكر خيالهم، سراويلهم فوق الركب، و قصبة أرجلهم بادية، و تقاشيرهم‏ فوق البلاغي إلى مجاوزة كعب أرجلهم.

و أصحاب الموسيقا منهم يضربونها بنغم رقيقة كنغم الغياطة عندنا يستلذها السامع.

/ 230/ محل النزول باللوندريز

و في الساعة الخامسة و خمس و ثلاثين دقيقة من مساء يوم الخميس المذكور، وصلنا إلى مدينة اللوندريز، فكان مدة مسير هذا البابور بنا من مدينة ذوفر إليها

____________

(1) عند وصول الباخرةEcho DuPerlement لمدينة دوفرDouvers أطلقت بطاريات الميناء القديم 19 طلقة نارية و تقدمت الفرقة 78 الإسكتلنديةHighlanders لتحية السفارة المغربية، و رئيس المنطقة الجنوبية- الشرقية الجنرال ماجورParke ، و الكابتان‏Brulle - و الدبلوماسي روبرت ابن السفير هاي دريموند هاي المقيم بطنجة كترجمان مرافق (انظر ترجمته بالصفحة 216) من تقرير السفير الإيطالي بلندن.

S. P. E. I( D. M. Smith ).

(2) انظر شرحه بالملحق رقم: 4.

273

ساعتين و دقائق، سيرا قويا لم يقف في هذا السير أصلا في محل، فلما انتهى بنا إلى اللوندريز سار بنا على قنطرة طويلة جدا، علوها كعلو أسطحتها في ذلك المحل، فنزلنا هناك على يد المخزن في حومة سكنى سلطانتهم و كبرائهم في محل معتبر لم يكن في اللوندريز عندهم مثله كما سمعنا، و هذا المحل شبيه في الكبر و الفصالة بأوطيل باريس الذي كان نزولنا فيه، إلا أن بيوته و صالاته أوسع بكثير من بيوت محل اللوندريز، و أما من جهة البناء و الزخاريف و الفراش و الأثاث و الأواني متشابهان.

قدوم كبراء البلد على الباشدور للتهنئة

و في يوم الجمعة الواحد و العشرين‏ منه. توجه بنا الترجمان مع الباشدور إلى فرجة عندهم في محل متسع لا بناء فيه و لا شجر، فلما انتهينا إليه وجدنا خلقا عظيما دائرا به، و الناس في الأكداش و الراجلين نساء و رجالا يتفرجون في أناس‏

____________

(1) قنطرةAlbert Bridge وصفها الكاتب الغسال في رحلته العزيزية «... و منها قنطرة الحديد التي لا أعمدة لها بل أحد طرفيها على إحدى ضفتي النهر و وسطها معلق بقضبان من حديد و سلاسل ممتدة إلى الطبقتين، يرفع وسطها بتلك السلاسل عند إرادة فتحها ثم تسد بأسرع حركة ...». مجلة البحث العلمي، عدد 29- 30 سنة 1979، كما ذكرها الطاهر الفاسي في رحلته الإبريزية

«... و هذه القنطرة يعجز الواصفون عن وصفها لطولها وجودة بنائها ...»، ص: 37، حققها و طبعها محمد الفاسي.

(2) فندق‏All`Alexandra بحومةPioadilly Hyde Parck Corner بمدينة لندن.

S. P. E. I.( D. W. Smith ).

(3) 14 يوليوز سنة 1876 م.

274

يلعبون‏ بالكرة في وسط تلك البقعة، فلما دخلنا مع أولائك الناس المتفرجين بقينا في الأكداش ندور حولهم حتى انتهينا إلى المحل الذي دخلنا منه، فخرجنا و رجعنا.

و في يوم السبت الثاني و العشرين‏ منه، قدم خليفة صاحب المشور على الباشدور مهنئا له في سلامته و قدومه، و أخبر بما حصل لهم من الفرح و السرور بقدومه.

و في يوم الأحد الثالث و العشرين منه‏، قدم على الباشدور صاحب المشور بنفسه حامدا له في السلامة، و ما أكثر أدبهم و تواضعهم، و رحب به غاية الترحيب.

بساتين النوار التي في الطرق و في العراصي‏

و في مسائه ركب معنا الترجمان و صار معنا إلى عرصة عظيمة. و عند مرورنا في الطريق كنا نجد في أكثرها رياضا أنيقة، و حياضا عجيبة، متصلات بجدران دورهم ممتدة مع الطريق، و فيها نوار عجيب من غالب الألوان، و كذلك النبات فيه الأخضر اليانع و المفتوح و غيره، و منه ما هو على لون الشيبة، و منه ما أوراقه حمر ديدية، و كل‏

____________

(1)Rugby Football الرياضة الجماعية الأولى التي عرفتها بريطانيا منذ منتصف ق. 19، و انطلقت المقابلات الرسمية بعد تأسيس الاتحاد الملكي سنة 1871 م.

The London EncycloPedie Edited by Ben Weinreb and ChristoPher Hibbert Macmillan, London: 986

(2) 15 يوليوز سنة 1876 م.

(3) 16 يوليوز سنة 1876 م.

حسب الأعراف الدبلوماسية، بمجرد وصول السفير يستقبله مندوب وزارة الخارجية ليسهل له كل المشاكل التي يمكن أن تعترضه و يحدد موعد مقابلة وزير الخارجية، ثم يحدد بعد ذلك موعدا لتقديم أوراق اعتماد السفير الجديد إلى رئيس الدولة مع مدير المراسيم أو التشريفات الدبلوماسية.

(البروتوكول، أحمد حلمي إبراهيم).

275

لون يجعلونه في محل و يفرقون بينها/ 231/ بألوان ذلك النبات، و هو متساوي في الارتفاع مزدحم في الغرس، كذلك النوار قريبة التساوي و الازدحام، حتى أنهم يجعلون في الحياض توريقا من الألوان يملأون ما بينها بألوان النبات، و في بعض الحياض يجعلون حروفا من ألوان النوار و يكتبون بها ما شاءوا، فلما انتهينا إلى تلك العرصة لم نجد فيها غير الأشجار التي لا تثمر بها، و الطرق مفصلة فيها متقاطعة، و فيها رياض‏ كثيرة، منها ما هو على شكل الزرابي طولا و عرضا رصفت بألوان النوار، لا يمل الناظر من النظر إليها من حسن ذلك الوضع و تناسب ألوانه، و منها ما هو على شكل الدائرة، و منه ما هو دوائر متقاطعة، و بالجملة فما يصنع عندهم في التوريق و الدوائر في العود و الأبنية يجعلون غالبه بالألوان في حياض رياضهم، و في هذه العرصة قبة من الزاج‏ مربعة، و داخلها محابق فيها ألوان النوار موضوعة فوق موائد من العود، و تحت الموائد جعبات حديد غلاظ ممتدة بامتدادها، يقال أن في أوان البرد يجعلون فيها الماء الحار صيانة لذلك النبات، و ذكر أن الحياض التي عندهم بالطرق إذا قرب أوان البرد ينزعونها من ذلك المحل و يغرسونها في المحابق، و تجعل في قبب الزاج، و تحتها حرارة الماء الذي في تلك الجعبات، و في هذه القبب أنواع من الدوم يجعلونه في المحابق، فمنه ما هو شبيه بالدوم في الغرب عندنا، و منه نوع من بر

____________

(1) أبرز محمد الطاهر الفاسي في رحلته الإبريزية أهمية هذه الحقول الاصطناعية التجريبية لتحسين و انتقاء أجود أنواع النباتات و المغروسات «... ذهبنا بإذن الملكة لبستان عظيم لها يجتمعون فيه أعني النصارى من السنة إلى السنة، و يأتي كل واحد بما له من غلل الأشجار، من ثمار و أزهار ... فإذا رأت أن إحدى ثماره جيدة سالمة من العاهات، أو أزهارها كذلك أعطته عطاء جزيلا ...»، يقصد حديقة النباتات الملكية كيوRoyal Botanio Cardens Kew .

(2) «... و رأينا قبابا مركبة من خشب و زجاج ... و بإزاء القبة محل فيه ماء، و محل آخر معد للنار و- مكينة- تطبخ ذلك الماء ... و جعاب من حديد متصلة بعروق تلك الأشجار ... فإذا طبخ خرج منه ... البخار يدخل في تلك الجعاب فيسري إلى عروق تلك الأشجار فتنضج و تلد في أقرب وقت ...»، (رحلة الفاسي الإبريزية: 33)، يعتقد أن حرارة الماء تصل مباشرة لعروق النباتات، بل هي لحمايتها من شدة البرودة كما جاء عند الجعيدي.

276

الهند يعلو كثيرا و ينبسط، و منه نخيلات صغار ساقها كقامة الإنسان، منها ما هو ساقها أغلظ من القصبة بيسير، و منها ما هو أغلظ، و أوراقها مختلفة في الرقة و الغلظ، و في هذه العرصة أسرة و شوالي متفرقات في أماكن، يخرج الناس إليها بقصد الانبساط و الاستراحة، و هي لجانب المخزن.

و في يوم الاثنين/ 232/ الرابع و العشرين‏ منه، كنت مع الترجمان المذكور في محل نزوله في غرض مخزني، فقدم عليه رجل منهم بكتب من قائد المشور المذكور، فقرأها و أملى علي واحدا منها، فكان يوصيه فيها على الباشدور و البرور به، و الوقوف معه، و تنفيد كل ما يحتاج إليه، و يخبرنا أن سلطانتهم ليست في اللوندريز، و أنها خرجت لبلدة أخرى‏ بقصد الاستراحة فيها، و مع تلط الكتب ورقات من ولد السلطانة، عين في كل واحدة اسم الباشدور و اسم أصحابه يدعوهم للحضور لعرصته، إلى فرجة تعرف عندهم بالكونبطى في الساعة الرابعة من يوم الثلاثاء الموالي.

صفة سجن بحومة اللوندريز

و في مساء يوم الاثنين المذكور توجه بنا الترجمان إلى رؤية سجن من سجونهم‏، فوصلنا إليه فوجدنا فيه بيوتا صغارا جدا بعضها مقابل لبعض، ممتدة

____________

(1) 17 يوليوز سنة 1876 م.

(2) «... لا أظن أن الملكة قد اتخذت قرارا لاستقبال السفير المغربي استقبالا رسميا، و حتى البارحة ليس هناك خبر ينفي أو يؤكد هذا، و من المحتمل أن الملكة ستستقبله في مقر إقامتهاOsborne ، في حالة خاصة ... «من تقرير سفير إيطاليا بلندن‏Menabrea إلى وزيره‏Melegari الذي كان يتتبع تحركات السفارة المغربية عن كتب.S .P .E .I (D .M .SMITH) .

(3) الخلفية السياسية لهذه الزيارة، تمكن في شروع الإصلاح الذي تقدم به دريموند هاي عند اجتماعه بالسلطان الحسن الأول بفاس يوم 22 أبريل سنة 1875 م و مطالبته بتحسين أحوال السجون المغربية بعد احتجاج الجماعات اليهودية على الحكومة البريطانية لتضغط على المخزن المغربي من أجل تحسين تغذية السجناء، و نظافة زنازينهم و بعدم تكبيل المسجونين بالسلاسل و غير ذلك. (تاريخ العلاقات الأنجليزية- المغربية حتى عام 1900، روجر، تعريب يونان لبيب رزق: 240).

277

طولا و عرضا. و فيه طبقات كذلك، و الضوء في جميعها من كثرة دفف الزاج، و في كل بيت فراش مرتفع من الفرش، و مائدة الناقوس ببابه. و فيه مطبخة كبيرة يطبخ فيها للمساجين من أزكى الطعام. وجدنا فيها أكوابا ممتلئة حريرة جامدة، رفع منها صاحب المطبخة مغرفتين كبيرتين في زلافة، و قطع من خبزة طرفا نحو نصف رطل ميزانا، و قطعة لحم نحو أوقيتين أو أقل مع إدام يسير، و قال الترجمان هذا ما يطعم للمساجين كل يوم، و فيه صالة كبيرة أرضية، فيها كراسي عديدة و موسيقا، يجتمعون هناك للصلاة، و فيه محل متسع خارج عن البيوت يخرجونهم إليه بقصد انبساطهم فيه ساعة في كل يوم، و هذه الطبقة السفلية إنما فيها أناس يدعى عليهم بالحقوق العرفية، فيتركونهم حتى يقع الفصل فيها. و أما غيرهم من أهل الجرائم، فهم في الطبقات. و عثرنا على بيت هناك مظلم غاية، قيل إنه إن صار من بعض المساجين نزاع و خصام يتركونه فيه ثلاثة أيام فلا يعود إلى ذلك أبدا، و استنبطوا عقوبة للسارق، و ذلك/ 233/ أنهم اتخذوا صندوقا مقسوما نصفين، مقبوضا من غاربه بقريقيات، و فتح لوحته العليا دائرتين نصفهما في كل نصفي اللوحة الفوقية، يفتح هذا الصندوق‏ و يدخل إليه السارق و يسد على ما فوق ركبتيه، و تغل يداه بين خشبتين منصوبتين فوق الصندوق، ثم يضرب بسياط خمسين سوطا بين كتفيه، و قد نزعت ثيابه، و صاحب السوط يضرب به بغاية جهده، و صفة السوط قضيب رقيق، طوله يزيد على ذراع يسيرا في رأسه جلدة ركب فيها تسعة خيوط من القنب الرقيق فيها، عقد طول هذه الخيوط كطول القضيب، قيل كل ضربة به يتفجر منها الدم، و أن من ضرب به خمسين سوطا يموت لا محالة. و أكرمنا هناك قائد السجن‏

____________

(1) إن التنشئة الحديثة للسجون بأوربا لم يقض معها بالمرة على النظام الذي كان سائدا من قبل، و ذلك خشية إضعاف هيبة القانون فاحتفظ ببعض مظاهر القسوة في النظام العقابي كما كان الأمر قديما.

(مؤسسة السجون، أحمد مفتاح البقالي، الرباط، 1979 م).

278

بالقهوة و الحلوى و فرح بنا غاية الفرح. و عند خروجنا وجدنا صبية صغيرة مسجونة ببيت، قيل إنها رمت غيرها بحجر في الطريق، و أخرى في بيت آخر تخاصمت مع أخرى، و في بيت آخر صبيا صغيرا سرق نحو ريال من السمن، و آخر دون بلوغ سرق شطابة، و هو يبكي. و كل واحد من المساجين في بيته و ورقة فيها بيان جريمته، و ما حكم به عليه من مدة السجن. و هناك عريفات يتولين أمر المسجونات من النساء و الصبيات.

الكونبطى أي كرامة في عرصة ولد السلطانة

و في يوم الثلاثاء الخامس و العشرين‏ منه. توجهنا مع الباشدور إلى عرصة المخزن التي دعانا إليها ولد سلطانتهم‏ للحضور للكونبطي، و ذلك أنه كان مسافرا جائلا في الأرض شرقها و غربها، و لما قدم خرج لهذه العرصة و استدعى إليها أعيان أهل البلد و الوزراء و الباشدورات الذين في البلد، و عند قربنا إليها وجدنا غاية الازدحام، و حين دخلنا نزلنا من العربات، و كان المخازنية معنا لكونهم معينين للحضور، فرأينا أناسا في مواضع، فمنهم الواقفون و كل اثنين أو ثلاثة يتكلمون بينهم، و منهم‏

____________

(1) معظم الدول الأوربية تبنت نظام السجن الانفرادي و إيواء المنحرفين أقل من 20 سنة منذ عام 1817 م، و الفصل بين الجنسين، بتأثير الكنيسة و الفلاسفة و المفكرين و انتشار الأفكار الديمقراطية كالمساواة و عدم اعتبار المجرم من الدرجة الثانية، و اتجه اهتمام الباحثين إلى دراسة أغراض العقوبة باعتبار التهذيب و التأهيل هو الهدف المنشود. (نفس المرجع السابق).

(2) 18 يوليوز سنة 1876 م.

(3) أمير ويلزWALES إدواردEdward VII في طريق عودته إلى بريطانيا من زيارة رسمية كان يقوم بها إلى الهند عرج على جبل طارق، فأرسل السلطان الحسن الأول سيدي علي المسفيوي كنائب عليه لتقديم التهنئة للأمير بسلامة الوصول صحبته السفير درمند هاي في أواسط أبريل عام 1876 م، بعد ذلك واصل الأمير طريقه إلى أنجلترا حيث صادف وصول سفارة الزبيدي لأنجلترا. (تاريخ العلاقات الانجليزية- المغربية حتى عام 1900، روجز، تعريب يونان لبيب رزق: 245).

279

الجالسون على الشيليات، و فيها قبب/ 234/ أي خزانات منصوبة، اتخذها أربابها لبيع المأكولات و المشروبات، فمن دعته الحاجة إلى شي‏ء من ذلك يدخل لإحداها فيؤتي له بمراده، و يؤدي الواجب، و فيها في مواضع أناس يضربون الموسيقا طرنبطات العسكر، و منهم من يضربها بالنواقيس موضوعة عندهم فوق مائدة، و خمسة أناس يضربونها، منهم اثنان في يديهما ثمانية نواقيس صغار مختلفة النغم، في كل يد ناقوسان يبتدءان الخدمة بها و يتبعهما الآخرون، فإذا شرعوا في خدمة طبع يرفع كل واحد منهم ناقوسا يكلفه بنغمة النقط المتوقف عليها ذلك الطبع، و يتبعه آخر بالنقط الذي يليه، و هكذا خدمتهم، و كل واحد من الثلاثة يرفع ناقوسا يكلمه و يضعه، و بين وضعه و رفع آخر يكلم الآخران ناقوسين برفعهما و وضعهما و المعلمان كذلك لا يخطئ أحدهما النقط المتوقف عليه. فتقدم إليهم ولد السلطانة و دفع لهما ورقة و تكلم معهم في خدمة الطبع الذي طلبه منهم فامتثلوا. و عند دخولنا إلى هذه العرصة تلاقى الباشدور بولد السلطانة و نحن معه فأظهر من الأدب و التواضع ما يتعجب منه، و هو واقف كأحد الناس لابس لباسهم، تارة يقف مع أناس و تارة يتمشى هو و آخر معه، و كان معه أربعة من إخوته ذكور دون البلوغ. و كل واحد منهم عليه كسوة من الكرية البيضاء مثل كساوي البحرية عندهم، و كبوط أزرق، قيل إنهم الآن يتعاطون علوم البحر و يخدمون فيه مدة معلومة عندهم، ثم يدخلون للعسكر فيخدمون فيه كذلك، ثم في علوم أخرى ليكونوا على بال من جميع العلوم، و يشاهدون ما يقاسيه بعض الناس من الأهوال و المحن برا و بحرا. ثم بعد ذلك يطوفون بالبلاد شرقا و غربا برا و بحرا، فيكتسبون بذلك زيادة في عقولهم كما قيل، و بعد الملاقاة مع ولد السلطانة

____________

(1) وهم:Alfred ولد سنة 1844 م و هو دوق‏Edinburgh .

Arthure

ولد سنة 1850 م و هو دوق‏Connaught .

LeoPold

ولد سنة 1853 م و هو دوق‏Albany .

و الرابع ربما كان أول حفيد للملكة فكتوريا ولد سنة 1859 م، حسب الشجرة العائلية الملكية البريطانية.

The British Roayal Family Since Queen Victoria Roayal Feud.

The Queen Mather and the Duchess of Windsor, Michael Thorton( London ).

280

صرنا نتمشى في تلك العرصة من محل إلى محل، فنجد/ 235/ في كل محل جماعة واقفة أو جالسة، فجلسنا هنيئة على الشوالي حتى رأينا بعض الناس شرعوا في الخروج فقصدنا طريق الخروج، فبصر الباشدور ولد السلطانة قريبا إليه فزاد بل فتقدم إليه و نحن معه و ودعه، فأجابه بما ذكر من الأدب و الخضوع و الترحيب به، و هو لم يكن له قرار في محل كما ذكرنا، فلما قربنا من الباب وجدنا العربات التي أتى فيها من في العرصة تأتي متتابعة واحدة إثر واحدة، فإذا وصلت عربة و كان الذين أتوا فيها واقفين ركبوا فيها و انصرفوا. و إذا لم يكونوا موجودين هناك ينادي رجل ثلاث مرات، بأن يقول بلغتهم هذه عربة فلان، فإذا سمع به يأتون إليه، و إذا لم يسمعه انصرفت العربة حتى تعود مرة أخرى و تتقدم و غيرها، و هكذا لأنهم إذا لم يكن أمر العربات على هذه الكيفية يقع الازدحام حتى لا يوجد مسلك إلا بعد المشقة و طول الوقوف كما وقع لنا بعض الفرجات. و لما وصلت الأكداش التي أتينا فيها و ركبنا و خرجنا وجدنا الطريق التي أتينا فيها قسمت طولا نصفين، و العسكر واقف في الوسط بين كل عسكريين نحو عشرين خطوة، فالخارجون من العرصة ينصرفون على الطريق التي عن يسارهم، و الأكداش الداخلة إليها فارغة، يمرون عن يمينهم و ذلك فرارا من الازدحام، و كان في هذه العرصة من الناس الذكور و الإناث ما يقرب من الستة آلاف، كما عثر على ذلك في كزيطة طبعت عندهم في ذلك اليوم أو غد، و أتى بها الترجمان و بين ذلك.

الملاقات بالوزير

و في يوم الأربعاء السادس و العشرين‏ منه، و تبين أنه السابع و العشرون توجه الباشدور و نحن معه إلى دار وزير الأمور البرانية، فدخلنا إلى داره و صعدنا إلى‏

____________

(1) ارتباك وقع لصاحب الرحلة لإضافته يوم. فالأربعاء 26 جمادى الثانية يوافق 19 غشت 1876 م.

(2) إدوارد ستانلي دربي (1826- 1893 م)Edward Stanley -Derby كان وكيلا لوزارة الخارجية البريطانية حتى سنة 1882 م، حيث تولى وزارة الخارجية و المستعمرات إلى سنة 1885 م.

Cham- bers BiograPhiecal Dictionary: 373.

281

قببها فوجدناه في بعضها و معه كاتبان من الكتاب، فرحب بالباشدور غاية الترحيب و بنا كذلك، و جر شيلية بيده و أتى بالباشدور أخذا بيده و أجلسه عليها، و أشير إلينا بالجلوس قربه/ 236/ فجلسنا، و جرت‏ بينهما مذاكرة بواسطة الترجمان، فيما اقتضاه الحال، و ظهر منه اعتناء كبير بالجانب الشريف أسماه الله.

إكرام زوجة وزير الأمور البرانية بالهند للباشدور

ثم رجعا، و في ليلة الخميس استدعتنا امرأة وزير الأمور البرانية ببر الهند، فتوجهنا إلى قبة مربعة فيها شوالي و كنابيس رفيعة و ثريات توقد، ففرحت بقدومنا فرحا عظيما هي و زوجها، و لم تكن هنيئة حتى ملئت تلك القبة نساء و رجالا، أما الرجال فلباسهم الكبابيط الخشينة، و رؤوسهم مكشوفة، و النساء يجررن ثياب الحرير بنحو ثلاثة أذرع في الأرض، و غالبها مرصع بالديمانط، و كذلك في نحورهن و على رؤوسهن و في الدماليج، فرأيت أن معدن هذا الديمانط حيث أخرج من معدنه منه الشقي و السعيد، فالسعيد منه قد أسكن في رءوس الملاح و النحور و الصدور،

____________

(1) اللورد دربي رفض المطالب المغربية كما جاء في رسالته إلى الزبيدي «إن حكومة جلالة ملكة أنجلترا قد أحلت محل الاعتبار رسالتكم المؤرخة ب 18 الجاري ... وردا على رسالتكم .. ليست لها رغبة في بسط الحماية على المغاربة .. و ليس في رغبتها تغييرا لاتفاقيات المبرمة ... لتسهل على التجار الانجليز القائم بأعمالهم داخل الإيالة المغربية ... و أن سفير أنكلترا في المغرب لم يقدم قط على إيثار السماسرة و النواب في الداخلية، فالحكومة لا تستطيع أن تبخس التجار الانكليز شيئا من الامتيازات التجارية الممنوحة لسواهم من التجار، و بالرغم عن هذا كله فإذا وفقت الحكومة المغربية إلى أن تعقد مع أية دولة اتفاقا يكون أفضل لها من الأول فإن حكومة أنجلترا تنيله اعتبارا صحيحا حتى تتوصل حسب الإمكان إلى تلبية رغبات جلالة ملك المغرب ..»، 8 غشت 1876 م.

الإتحاف، ج 2: 301.

(2) مقارنة لطيفة بين الجواهر الشقية و السعيدة نتحسس منها بعض الرموز التي لم يفصح صاحب الرحلة عنها، كما أنه يصف المرأة الأوربية عموما بحب العمل إلى جانب الرجل و الحياء و الحشمة، بخلاف من يصفها بالسلطوية و الميوعة و غير ذلك.

282

و بعضه في حواشي ثياب الحرير ارتفاعا و انخفاضا، فهي بمثابة الجنة، و هو منها بمواضع بمثابة القصور، و أما الشقي منه فهو كالأسير في طبقات اللظي و السعير، يطل لسان حاله الإنقاذ من محنه و أهواله، و لم تزل تلك القبة تملأ و تفرغ، و كل من دخل إليها يمر علينا واحدا بعد واحد. و رأينا في نسائهم حياء كبيرا لأنهم يرفعن إلينا من بعد، فإذا قربن و وقع بصرنا على إحداهن نكست بصرها إلى الأرض، و غالبهن على هذه الحالة، و بقينا هناك نحو ساعيتن، و شربنا هناك أشربة ماء و رجعنا ليلا.

الدار التي فيها صور الآدميين و الخروج لدار العلماء

و في يوم الجمعة الثامن و العشرين‏ منه، توجهنا لدار بها تصاوير آدميين‏، ذوات أجسام واقفة على الأرجل غير مستندة إلى شي‏ء، قد لبست كساوي من كساويهم التي كانوا يلبسونها و رؤوسهم مكشوفة، و شعرها مفروق على عادتهم، و منهم المقلد بسيفه و نيشانه و حمالته. و على ذلك من الديمانط و الأحجار النفيسة شي‏ء كثير، و عند دخولنا إلى هذه القبة و رؤيتنا لهؤلاء الصور واقفة و كثرة الضوء و الناس الذين هناك صرنا لا نميز بين الصور و الأحياء/ 237/ إلا بالحركة و عدمها، بل رأينا رجلا جالسا على شليته و هو يلتفت برأسه يمينا و يسارا. و صورة امرأة مريضة في حالة النزع قد غمضت عيناها، و في عنقها سلسلة رقيقة، و هي ترتفع و تنخفض شيئا ما، كأن النفس الباقي بها يفعل بها ذلك، و وجدنا في بساط صورة رجل ملقى على‏

____________

(1) 21 يوليوز سنة 1876 م.

(2) يقصد معرض السيدة توسودMadame Toussand`s الذي وصفه كذلك الكاتب الغسال في رحلته العزيزية سنة 1902 م.

«... و توجهنا لدار تسمى عندهم مدار طوس متخذة عندهم لوضع صور الملوك و الوزراء و الحكام الأقدمين من دولة الأنجليز ... و كل صورة من تلك التماثيل في غاية الإتقان و التشخيص مصنوعة من الشمع و غيره حتى يتوهم الرائي أنها أحياء ... و في الطبقة السفلى من هذه الدار تماثيل من الرجال و النساء الذي اقتص منهم بجرائم ارتكبوها ...».

283

قفاه، و يداه إلى صدره، و عن يمينه تاج مكلل بالدر و الأحجار و هو متقلد سيفه، قيل إنها الحالة التي مات عليها عندهم نابليون‏ سلطان الفرنصيص الذي كان عقد الفيرة مع الألمان، و هم البروصيا. و هناك صور ملوكهم و أعيانهم، كل واحد عليه من الأحجار و الدر ما كان يستعمله في حياته، و هناك صور البروصيا و وزيره الذي كان مقابلا للحرب مع الفرنصيص، و لا زالا بالحياة كما قيل. و في موضع آخر خارج‏ عن هذه القبب صور أناس آخرين كانوا من أصحاب الجرائم، كقتل النفس، و السعي في الفساد، فقتلوا و صوروا هناك. و قيد قبالة كل واحد جريمته و كيفية قتله، و الداخلون إلى ذلك المحل يقرأون ذلك و يعتبرون، و يزجرونه عن ارتكاب مثل ذلك، و يقفون هناك على الآلة التي قتلوا بها حتى أنهم أوقفونا على سكين هناك قيل قتل بها ما يزيد على اثنين و عشرين ألفا من أهل الجرائم.

و في يوم السبت ثلاثين‏ منه دخلنا لدار يجتمع فيها علماؤهم و كبراؤهم، و فيها قبب كثيرة مرتفعة في الجو، منها ما شكله مربع، و منها المستطيل، و منها المستدير، و منها المثمنة و غير ذلك من الأشكال، و سقوفها منها ما هو سقف سما

____________

(1) الأول (1769/ 1821 م) نفي إلى جزيرة سانت هلين التي توفي بها بعد انكساره في معركة واترلو، و ليس نابليون الثالث الذي عقد الحرب مع ابروسيا سنة 1870 م.

(2) تعرف بقاعة الرعب‏Chamber of Horrors عبارة عن أقبية و سراديب واطئة وضوء ضعيف به صور كثيرة، منها صورة أحد السلاطين الترك يدخن النرجيلة و ينظر إلى رأس وزيره في طبق تقدمه إليه فتاة، و أمير يقتل أبناءه خوفا على عرشه و صورة رجل معلق من بطنه كتب عنها وسيلة من التعذيب في بعض بلاد مراكش و غير ذلك، لم ينتبه الجعيدي إليها أو تعمد عدم ذكرها.

EncycloPedia Britannica, Vol: 41: 872.

(3) السبت 29 جمادى الثانية عام 1293 ه يوافق 22 يوليوز سنة 1876 م، لأن الشهر العربي ناقصا ب 29 يوم فقط.

(4) يقصد و يستمينستر التي يقع في دائرتها البلدية و قصرBurckingham Palace و البرلمان الذي يجتمع فيه علماؤهم و كبراؤهم حسب تعبير صاحب الرحلة و المباني الحكومية الأخرى.(Westminister) .

(نفس المرجع السابق).

284

مرصف بالمقربص، و منها صورة الجفنة، و منها صورة قوس كالقنوط، و منها على شكل نصف البيضة كالستينية، و كلها بالمقربص البديع و النقش العجيب الرفيع، و تمويه الذهب منتشر في السقف و الجدران و سراجم الزاج المورق بالألوان، و الصور محيطة بالجدران. و وجدنا/ 238/ في قبة منها شوالي كثيرة، منها في أحد أرباعها سرير في الوسط، و آخران صغيران عن يمينه و يساره، و هي مبطنة بالموبر الأحمر، يصعد إليها بدرج مبطنة كذلك، و في تلك الأسرة ترصيع‏ بالديمانط. و قد أدير بها مجدول حرير ليلا يقربها أحد، قيل إن ذلك موضع السلطانة و موضع لصغيرين من أبنائها، و قابلتها في الأرباع الباقية شوالي دون ذلك، يجتمعون هناك مع العلماء و بعض مهماتهم، و في قبة أخرى كنابيس و شوالي مبطنة بالجلد القشني لا غير، يجلس عليها علماؤهم تواضعا، و فيها قبب أخر دفن فيها ملوكهم الأقدمون، و فيها صورهم مجسمة و كذلك صور غيرهم من الأعيان.

دار الفرجة و أخرى فيها السلاح القديم و الهدايا

و في يوم الاثنين ثاني رجب‏ الفرد الحرام، توجهنا لقصر عظيم يسمى عندهم بالطياطرو، و هو معد عندهم للفرجات ليلا، و هو شكل مستدير، في نصف دوره مائة و ستة و ثمانون خطوة حالة المشي في وسط النبح الأعلى منه، و في عرض جداره‏

____________

(1) كرسي التتويج المصنوع عام 1300 م. (نفس المرجع السابق).

(2) يقصد ديروستمنسترWestminister Abbey أو مقبرة العظماء تقع في ساحة البرلمان. فيه يتوج ملوك أنجلترا منذ القرن الحادي عشر، كما دفن به عدد من ملوكهم كالملك هنري السابع، و الملكة إليزابيت الأولى معاصرة السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي، و عدد آخر من عظماء بريطانيا سياسيين و أدباء و علماء مثل شكسبير و داروين و غيرهم. (نفس المرجع السابق).

(3) 24 يوليوز سنة 1876 م.

285

سبعة عشر شبرا، و هو مستدير بالبيوت بعضها فوق بعض، مملوءة شوالي، و كذلك براحه يقال أنه ليس في اللوندريز عندهم مثله. و تأتي إليه السلطانة في بعض الأوقات. و أنهم أحصوا من كان فيه ذات ليلة، فزاد بل فكان ما بين الاثني عشر ألفا إلى ثلاثة عشر ألفا. و قد أحاطت بأعلاه قبة من سقفه. انظر كيف تأتى لهم ذلك مع كون دور قطرها نحو مائة خطوة. و رأينا هناك رجلا معلقا في سقف النبح و بيده شطابة في عصا يسمح بها الجدران، و آخرين بالنبح تارة ينزوله و تارة يرفعونه، و قيل إن بعض تجارهم يشترون منفعة بعض تلك البيوت بألف ابرة لمدة من تسع و تسعين سنة، و بعضها بخمسمائة ابرة و هذا، و فيه موسيقا ذات جعاب كثيرة، منها ما طولها أي الجعبة نحو ستة أذرع، و قذر دورها كثلث ذراع، و ما تزال تتصاغر إلى أن تصير في الرقة مثل القلم الخفيف، و قد جعل في رأسها كالأنبوب شكل المخروط، و في جنبيها دوائر كبار/ 239/ بها تخدم هذه الموسيقا، و قد سمعنا بأن هذا الطياطيروا سيعمر يوم الأحد الثامن رجب‏ و أن الأخبار صارت بذلك في طرق السلك.

و في يوم الثلاثاء الثالث منه‏ توجهنا لدار أخرى‏ فيها تصاوير أناس لابسين الزرد، راكبين على فرسانهم، عليها الذروع و بأيديهم عصي طوال، و هناك آلة الحرب المعروفة في القديم بالدبابيز و غيرها و كثير من المكاحيل القديمة و آلة الحرب من السيوف و الكوابيس و السروج. كما شاهدناه في باريس، و دخلنا إلى قبة أخرى فوجدنا فيها ما كان أهداه بعض ملوك الهند لولد السلطانة حين كان عندهم، و ذلك تحف نفيسة رائعة غاية. فمنها زربية مربعة نحو خمسة أذرع طولا، و مثلها

____________

(1) المسرح الملكي دوري لاين‏Theatre Royal .Drury Lane دشن بلندن سنة 1663 م، غير أنه أحرق عدة مرات كان آخرها سنة 1809 م، و دشن المسرح من جديد سنة 1812 بعد توسيعه و قد عرضت فيه أشهر المسرحيات و الروايات الخالدة.

(2) 30 غشت سنة 1876 م.

(3) 25 غشت سنة 1876 م.

(4)The Britich Museum .

(5) الهدايا التي تتلقاها الأسرة المالكة تعرض بهذا المتحف لتصبح ملكا لجميع الزوار.

286

عرضا، قد رقمت بالصقلي رقما كبيرا، و في وسطها تربيع أخضر مرقوم كذلك برقم بديع، و هي مبسوطة معلقة في جدار هذه القبة، و زربية أخرى طولها نحو سبعة أذرع، و عرضها نحو ثلاثة و نصف على تلك الصفة، و أخرى مثلها نحو ستة أذرع طولا، و ثلاثة عرضا، و أخرى تغطيه نحو ثلاثة أذرع و نصف طولا، و نحو ذراعين عرضا، و عربة مجلدة من ظاهرها بفتقيات مع العاج، فيها توريق رائق نافد، و سرير عليه قبة، كل ذلك مذهب فيه صورة خروج ملك الهند للحرب و هو جالس فيه محمولا على أعناق رجال، أمامهم فيلان مركوبا عليهما، و الكل مموه بالذهب و غير ذلك من أواني الذهب، ثم دخلنا إلى قبب أخر وجدنا فيها العدة من المكاحيل، من العينة الجديدة. بتواقيلها رقاق كالسكاكين، و هي مصطفة صفا فوق صف بين موائد من عود قيل في هذه المخازين منها مائة و عشرون ألفا و عشرة آلاف من السيوف، و غير ذلك من الكوابيس و السكاكين، معلقة في الجدران و في السقف على كيفية عجيبة، بحيث يجعلونها دوائر، و تكون السكاكين كأنها أنصاف أقطارها و الكوابيس كذلك.

و في يوم الأربعاء ورد على الباشدور كتاب‏ من وزير الأمور البرانية بواسطة ولد الباشدور النجليز يقول فيه نحبك/ 240/ تخبر سيدنا الباشدور سيدي الحاج محمد الزبيدي بهذا الأنور، يعني المزية العظيمة و الاعتناء الكبير. و هو أن السلطانة أذنت بطلوعه هو و أصحابه إليها في الجزيرة التي هي فيها يوم الخميس الآتي، يعني خامس رجب و أخبره بانور آخر و التي في غده نعين له الوقت الذي يطلعون فيه، فسرنا ذلك غاية، لأننا لما دخلنا إلى اللوندريز وجدنا سلطانتهم انتقلت إلى جزيرة من جزر بلادهم بقصد تمريض ولد لها هناك كما قيل. و العادة عندهم أنها إذا خرجت من البلد لا تتلاقى مع أحد ممن يفد إليها حتى ترجع. و وجدنا هناك باشدورات آخرين من الأتراك و الهند سبقونا بنحو شهرين، و لم يتلاقوا بها إلى الآن، و كان ساءنا ذلك غاية، و كان ولد باشدور انجليز يطلب من الباشدور الإكثار من الخروج‏

____________

(1) 26 يوليوز سنة 1876 م.

(2) انظر نص كتاب الاعلام بالاقتبال الملكي ينزل‏Osburne يوم الخميس 27 يوليوز سنة 1876 م بالإتحاف، ج 2: 301.

287

للفرجات و الملاقاة بالناس، فكان يمتنع و يجيبه بقوله إننا لم نأت للفرجات و لا للملاقات مع الناس الأجانب، و لا غرض لي في ذلك حتى يتم الغرض‏ الشريف الذي أتيت لأجله، و بقي مصمما على ذلك حتى أدنت سلطانتهم‏ بالطلوع إليها، و هو أمر سعادة مولانا المنصور بالله. و كراماته الواضحة و الحمد لله على ذلك.

دار البانكة و ضرب السكة

و في يوم الأربعاء الرابع‏ منه، توجهنا لدار البانكة. أي دار ضرب السكة و طبع كواغدها، و هي دار عظيمة كأنها مدينة مشتملة على ديار و طرق دففها من الحديد. و قناطيرها كذلك، خوف وقود النار. فدخلنا أولا لتربيع منها فيه أناس‏

____________

(1) نفس الموقف يعبر عنه الطاهر الفاسي في رحلته الإبريزية: 37.

«... ثم اعلم أن نظرنا في هذه الأشياء دائما كان تبعا و إسعافا في خاطر ملكتهم، إذ طلبت منا ذلك مرارا، و كان نظرنا و فكرتنا محموعة على قضاء غرض مولانا أمير المؤمنين ...».

(2) فيكتوريا (1819 م، 1901 م) ملكة انجلترا (1837 م، 1901 م) خلفت عمها وليم الرابع، كان اللور ملبورن أول رؤساء وزاراتها صديقا، و مستشارا لها، تزوجت سنة 1840 م من ابن خالها الأمير ألبرت الذي أحبته كثيرا، ثم تناوب جلاد ستون زعيم حزب الأحرار، و بنيامين دزرائيلي زعيم حزب المحافظين رئاسة الوزارة الأولى في الجزء الأكبر من حكمها الطويل، الذي بلغت بريطانيا خلاله أوج رخائها و توسعها الاستعماري، مع دزرائيلي الذي منح لفكتوريا لقب «أمبراطورة الهند (1876 م، 1901 م)، و يطلق اصطلاح العصر الفكتوري على أثر شخصيتها القوية.

EncycloPedia Britannica, VOl: 32: 521.

(3) 26 يوليوز سنة 1876 م.

(4) يقصد البنك الأنجليزي‏Bank of England .

288

كثيرون، أمام كل واحد منهم نحو قفة صغيرة من الابرة ملقاة على طبلة.

و إحدى كفتي الميزان الذي أمامه خمسمائة من الابرة، و هو يزن بها من الابرة الموضوعة أمامه، و يجعل في كل خنشة صغيرة ألفا من الابرة. هذا شغل هؤلاء الناس، فزاد معنا كبيرهم و أوصلنا إلى تربيع آخر فيه بعض كتاب هذه الدار، و كلهم مشتغلون بالتقييد في الكنانيش، فسألنا عن عددهم فقيل في هذه الدار/ 241/ من الكتاب ثلاثة آلاف، و ألف واحد من سائر الخدمة. ثم أوصلنا كبيرهم إلى كبير مطبعة سكة الكاغد، و هكذا شأنه لا يجاوز أحد منهم محل خدمته و شغله إلى محل غيره، فوجدنا مكينات تدور و صبيانا دون بلوغ يقابلون ناعورة الطبع، و كيفيتها إن هذه الناعورة كقطعة من سارية تدور منصوبة موازية لسطح الأرض، و تحتها شي‏ء كالثوب مربع مقبوض من الطرفين إلى جهة السقف، و بدوران هذه الناعورة يتحرك هذا الثوب عن يمين الناعورة و عن يسارها، و قد جعل في كل من طرفي هذا الثوب كالمحفظة التي يجعل الطلبة فيها كراريس الكاغد. و قد جلس صبيان عن يمين الناعورة و آخران عن يسارها. فأما اللذان عن يمينها فيأخذان ورقات الكاغد الذي لم يطبع، و يضعانه بيديهما معا على محل من الناعورة. و عند وضعه تخرج أربعة أصابع حديد تمسكه من يديهما، و تدور به فإذا كانت الناعورة به في غاية الانخفاض ترتفع من أسفلها لوحة حديد قد ركبت فيها حروف طبع تلك الورقة، فتماس تلك الورقة الممسوكة فتطبع و ترجع بها الناعورة إلى الصبيين اللذين كانا ركبا هذه الورقة، و عند وصولها إليهما ترتفع عنها تلك الأصابع من الحديد، فيتركانها و يجعلانها في تلك المحفظة التي في طرف الثوب الذي من جهتهما، و يطويانها على الورقة و يضعانها مع‏

____________

(1) جمعها ابرات، صوابها ليبرة اسم وحدة نقدية، و هي اسم العملة الإنكليزية أخذا عن الإسبانيين الذين يسمونهاLibra esterlina و معناها ليبرة شرعية، أما الأنجليز فإنهم يسمون عملتهم «باوند»Pound .

(2) تعرف كذلك باسم النقود الورقية، تنوب عن العملة الذهبية و الفضية و لها نفس القيمة المدونة عليها لأنها في الأصل سندات تصدرها الدولة ممثلة في البنك المركزي، يتعهد بموجبها بصرف هذه الأوراق بما يعادلها من الذهب و الفضة.

289

غيرها. هذا شغل هؤلاء الصبيان الأربعة لا يفترون عن هذا العمل، و الناعورة و ذلك الثوب يتحركان على نسبة عملهم، فلاهم يتمون عملهم و يتربصونه على تحركهما، و لا هما يسبقان الخدمة في شي‏ء ما. فكلما فرغا من عمل وجدا عملا آخر مهيئا.

و لا يمكنهما الالتفات إلى شي‏ء أو التأني في الخدمة، لأنهما إذا تركا الخدمة نحو دقيقة واحدة و الناعورة تدور فتخبر المجانة التي هناك مع المكينة بعد دوران الناعورة اللازم عند مثله من الكاغد المطبوع، فيكون في ذمة الكبير، و قد رصدت عدة أدوار إحدى النواعير في الدقيقة الواحدة، فكانت ثلاثين دورا بثلاثين/ 242/ كاغدا.

و انظر كم في الكاغد، فإنه من خمس ابرات إلى مليون منها، فكيف يمكن خدمتها مع التأني أو العبث، و حيث رءاني كبيرهم أرصد دوران بعض النواعير و المجانة في يدي، فأخبر أن هذه الدار يطبع فيها كل يوم مليون من الابرة. و إن مثل ذلك يوجد من الليبرة في كل يوم. ثم خرجنا من هذا المحل إلى محل آخر فيه خزانات، بعضها فوق بعض أربع‏ طبقات مملوءة كواغد مطبوعة. كل رزمة كأنها سفر ثماني، غلظه نحو أصبعين و زيادة، فيه ميلون من الابرة. و انظر كم عدد الملايين، هناك أوقفونا على بعض الكواغد زورها عليهم بعض من الفرنصيص، و تداولها أناس بالدفع، و عند رجوعها لدار المطبعة تفطن لها الكتاب من جهة النمروس لا غير، و ما عداه من النقش و الأرقام قالوا إنه أصف من عملهم، و حيث رجعت هذه الورقة المزورة لأيدي الكتاب، و وجدوا ذلك النمروس و التاريخ لا زال لم يخرج من الدار، أخبروا به، وجدوا في طلب من زوره حتى وجدوه، و حكم عليه بالسجن ثلاثين عاما، و هذه الكواغد التي ترجع إلى هذه الدار، و يقبضون أصحابها بدلها ابرة عند احتياجهم إليها. تجمع و تجعل في صناديق و يختم عليها، و تبقى هناك خمس سنين مدفونة في‏

____________

(1) ذكر الطاهر الفاسي في رحلته الإبريزية: 35.

«... ثم صعدنا لمحل آخر يطبعون بالآلات كاغيد السكة يبيعون به و يشترون به ... و قد أحدثوا هذه السكة في القرب، و سبب إحداثه كما يقال، أن الدولة الأنجليزية بلغها عن بعض أجناس النصارى، يقولون إن دولة أنجليز حصل لها ضعف و فلس مثلا، فاتفقوا على استعمال ذلك إظهارا للقوة دمرهم الله ....».

290

تلك الصناديق ليلا يتوقف أحد على شي‏ء منها، ثم بعد ذلك تحرف بمحضر الكتاب و الأمناء و يجمع رمادها و حرفها- و الله أعلم- و رقتين بل بعد ورقة ليمكن عد حرقها، و لأنهم أرونا بعض ورقات محروقة و هي مبسوطة بين ورقتين بل بين لوحتين، و الرقم لا زال ظاهرا في الورقة بعد حرقها، و بعد حرق ما يحرق منها يجدد طبعه مرة أخرى و هكذا.

ثم دخلنا إلى محل، آخر فيه اثنتان و ثلاثون طبلة عودا، على كل طبلة مائة بارة ذهب كهيئة ابرة شكلا، إلا أن البارة أغلظ، كل ابرة عليها رقم ميزانها، قيل تقطع ثمانمائة ابرة بإضافة بعضها إلى بعض، فيكون فيها مليونان من الابرة و خمسمائة ألف و ستون ألفا من الابرة، و منها خناشي طول كل خنشة نحو ذراع غير ربع، و عرضها ذراع، مملوءة نحو نصفها ابرة. و هي موضوعة/ 243/ بعضها فوق بعض، ذكر أنها وجدت ناقصة في الوزن، و أنها بصدد الرجوع إلى الدار، ثم سرنا إلى محل آخر وجدنا فيه موازين الابرة، يجعلون الابرة في جعبة منحدرة، و هي تنزل واحدة بعد واحدة على صنجية لطيفة مثل جرم دائرتها، فإذا كانت تامة الوزن خرج مسمار و ضربها في حرفها فتنزل إلى ناحية اليمين، و إذا كانت ناقصة خرج مسمار آخر من‏

____________

(1) تدخل زيارة السفارة المغربية لدور ضرب السكة في كل من باريس و لندن، في إطار التنافس الذي كان قائما بينهما لاستقطاب المغرب لضرب عملته بإحدى الدارين. خاصة و أن السلطان الحسن الأول فوض أمر ضربها لأمينه الحاج محمد الزبيدي بعد عودته إلى المغرب ...

(2) في إحدى رسائل السفير هاي دريمند هاي إلى السفير الزبيدي سنة 1881 م «... فقد عزبي حيث سمعت أن السلطان لم يساعد كما أشرنا به من جعل سكة النحاس في بلادنا عوضا عن سكة النحاس الزائفة الحاضرة اليوم هنا ... ما يصنع لذى المخزن فدائما يزورون ذلك و يتورث منه صعود الصرف و الضرر لبيت المال و التجارة و لجميع خلق الله .. و هذه السكة الفاسدة يجمعها و يبيعها و أرباب فبريكة سكة النحاس يجعلون الفلوس لبلادنا و للطاليان و لعدد دول أخرى هذه مدة سنين معددة بدون شكاية من أحد لا من حيثية المعدن و لا من السكة كما يقع عند الغير ... و إذا لم يكن عنده مال موجود يعطيه على هذه السكة فيأخذ سلفا بوجه مناسب عند أرباب السلف ...»، بتاريخ 14 يوليوز عام 1880 م/ 16 شعبان عام 1298 م. الإتحاف، ابن زيدان: ج 2: 450 و 451.

291

جهة اليمين و ضربها في حرفها و يدفعها إلى جهة اليسار، ثم تجمع هذه الابرة الناقصة و تجعل في جعبة أخرى و تصير تنزل واحدة بعد واحدة، و كلما نزلت واحدة ضربها شاقور ضربة واحدة فيشقها إلى النصف، و بعد ذلك تجمع في الخناشي و تزاد على بارات الحديد، ثم اقتصرنا على رؤية تلك الأماكن من هذه الدار، و رجعنا و عند رجوعنا وجدونا كتاب وزير الأمور البرانية قد أتى به إلى الباشدور، يخبره بالنهوض إلى سلطانتهم.

النهوض للملاقات مع عظيمة دولتهم‏

في الساعة التاسعة من يوم الخميس‏ المذكور، ركبنا في بابور البر قاصدين الجزيرة التي هي فيها، و سافرنا فيه ثلاث ساعات، ثم ركبنا في بابور في البحر و سافر بنا ساعة و نصفها، و وصلنا إلى هذه الجزيرة التي تسمى بما معناه الجزيرة الخضراء فركبنا في أكداش، و توجهت بنا إلى العرصة التي فيها دار سلطانتهم، فدخلنا إليها و تقدم وزير الأمور البرانية إلى الدار و نحن في أثره، فدخلنا من قبة إلى أخرى حتى انتهينا إلى القبة التي فيها السلطانة، فتأخر وزير الأمور البرانية، و تقدم الباشدور مع الترجمان و كاتبه الأمين عن يمينه أي الباشدور، فأومأت أولا بالتحية فردت عليها، ثم شرع الباشدور في إملاء مخاطبتها بما يناسب المقام، و كان كتاب‏

____________

(1) 27 يوليوز سنة 1876.

(2) يقصد جزيرةIsle of Wight ، التي نزلوا بميناءهاCowes ، حيث أخذوا الأكداش إلى النزل الفكتوري و هي لا تعني الحضراء.

(3) نزل أوسبون‏Osborne House المكان المفضل للملكة فكتوريا و التي لها به العديد من الذكريات التي تربطها بزوجها الراحل ألبيرت، و يحتوي فهرس هذا النزل على أكثر من أربعة مائة تحفة و صورة و غير ذلك، وسط مجموعة من الحدائق و الأشجار المختلفة، و بجواره توجد كنيسة بمعابدها الملكية، و في ساحة هذه الكنيسة توجد «قبور عائلات الشخصيات الذين حكموا الجزيرة».

The Macmillan EncycloPedia: 242.

292

مولانا الشريف بيد كاتبه ملفوفا في سبنية بيضاء من حرير عمل الروم، فحين انتهى إلى ذكر الكتاب الشريف‏ التفت إلي فناولته له، فرفعه لها، فتلقته منه بسرور و فرح، و حين تم مخاطبتها ترجم ذلك المترجم و هي مع ذلك مبتسمة و السرور يظهر فيها، و ما قصرت في الترحيب و الفرح، ثم سألت الباشدور عن حال سيدنا أعزه الله، فأجابها بما يناسب، و بين لها أسماءنا و مراتبنا فأشارت بالترحيب ....

صفة دار البلار و بعض ما رأيناه‏

/ 250/ ... الحديد، و حين دخلنا إليها وجدنا فيها حوانيت و قببا مختلفة الأشكال، من العود لا من البلار، و حين توسطناها سألت عن طولها و عرضها بواسطة الترجمان، فأجاب بأنه قريب من خمسمائة يارضة، و هي مربعة كما تقدم، و علوها من جهة زواياها نحو اثنتي عشرة يارضة، و زيد في علو وسطها نحوت يارضات، و زيد في وسط هذا العلو الثاني نحو أربع يارضات، و جعل عليه قبو فصار كالقنوط، و امتد من الجهتين كذلك حتى تلاقى القبوان في وسطها، فكان هذان‏

____________

(1) الذي عبر فيه عن شكره على الصداقة الوطيدة التي تربط المغرب و بريطانيا، و قد سبق للزبيدي أن أرسل مجموع من الهدايا يوم 28 يوليوز سنة 1876 م، إلى الملكة فكتوريا (انظر قائمة الهداية بالإتحاف، ج 2) بواسطة اللورد دربي الذي أجابه أنه لم يتمكن من عرضها على جلالتها حتى يوم 3 غشت سنة 1876 م. انظر نص الجواب (نفس المرجع).

(2) الصفحات من/ 244/ إلى/ 249/ فارغة بيضاء.

(3) الانجليز أخذوا نظرية إقامة المعارض الدولية من بوهيميا سنة 1791 م و باريس سنة 1798 م، و لكن سبقوهم بمراحل في العمل و التطبيق، فأقاموا في سنة 1851 م لندن أول معرض عمومي كبيرGreat Exhibitions تحت إشراف الأمير ألبير زوج الملكة فكتوريا داخل قصر البلارCrystal Palace ، حيث بلغ عدد زائريه 000، 000، 6، و الشركة التي أقامته ربحت ربحا عظيما و استمرت على هذا النهج طيلة القرن 19 م.

(4) وحدة قياس الطول تعادل 91 سنتم.

293

القبوان هما سقفها، و كل ذلك من البلار الغليظ، بحيث جعل ألواحا ممسوكة بين قضبان الحديد كما تمسك ورقات الزاجة في سراجم البيوت بين العود، لكن قضبان الحديد أرق و ألطف من‏ دور تلك السراجم، و امتدت جدرانها و قببها على هذا الوصف. و في داخلها الأبنية و الدرج و الطبقات من العود، فالطبقات مرفوعة على قناطير لطيفة أيضا من الحديد، و في وسطها رياض بجوانبه أشجار صغيرة و كبيرة و نخل صغير ممتد مع طولها، و في وسطه حوض مملوء ماء يدخل إليه ما فاته من الرخام ممتدة من الرياض، يجعل وسطه أنصاف دوائر من الرخام خارجة عن تربيعة، و بطرفيه كذلك، و الماء الذي في هذا الحوض أظن عمقه نحو شبر واحد، و قد رصفت في وسطه و جوانبه محابيق فيها نبات، و وضعت في الماء غير أنه أي الماء لا يصل إلى النبات، منها ما فيه ألوان النوار، و منها مالا نوار له.

ثم صعدنا إلى طبقة منها فدخلنا إلى قبة سقفها من البلار مبني كما ذكر، و أما جدرانها فكلها جلدت بمرءات كبيرة يجعلون فيها التصاوير. طول هذه القبة نحو نصف طول الدار، و عرضها نحو اثني عشر ذراعا، و كلها امتدت بالتصاوير التي ترى من البعد كأنها أجسام، و حيث تقرب منها تجدها رفعا من كاغد- و الله أعلم- بالألوان/ 251/ و من هذه الصور صورة امرأة جالسة على شيلية، و شمعة في حسكة توقد بقربها، و لهب الإيقاد على لون لهب الشمعة حين توقد، و هي قريبة من وجهها لكنها التفتت إلى امرأة أخرى كأنها تشد رأسها، فبقي ضوء تلك الشمعة مقابلا لخدها الأيسر، فصار منيرا كأنه تلك الشمعة، و امتد ظل أنفها إلى جهة حاجبها الأيمن، و هناك تصاوير تمثال حربهم مع بعض الأجناس و كيفية قتالهم إلى غير ذلك من التصاوير العجيبة.

____________

(1) بياض بقدر كلمة.

(2) «... دار البلوري، و هي كقرية عظيمة حيطانها من بلور و قبابها من بلور ما عدا أرضها فإنها من الخشب، و هي مشتملة على عجائب و غرائب ... ثم إن بأبواب هذا المحل أناسا قائمين به، من أراد أن يدخل إليه أعطى نصف ريال و دخل ... و هذه الدار مشتملة على قصور على أشكال ... فمن بناء الفرنصيص ...

و بناء العجم قصر، و من بناء مصر قصر، و هكذا ...». الطاهر الفاسي في رحلته الإبريزية.

294

ثم نزلنا منها فخرجنا في ذلك الرياض المتقدم ذكره، و وجدنا في بعض حياضه صور عبيد، أجسام واقفة عراة عدا طرف من عمامة أدير على سوءاتهم و بأيديهم مزاريق يقاتلون بها. و في حوض آخر صور أناس من الهند سمر الألوان، و في حوض آخر صور أناس من المار كان عراة، كما ذكر يحكون بذلك كيفية قتالهم، و في وسطه خصة من البلار كرسيها أسفل مستدير، قطر دوره نحو ذراعين، و يرى في دوره تفريج في ذات البلار داخلا و خارجا، ارتفاع هذا الكرسي نحو ذراعين، و فوقه خصة بلار، دورها أزيد من ثلاثة أذرع، بينها و بين الكرسي في العلو مقدار ذراع و نصف من جعبة بلار، و فوقها خصة أخرى دونها، بنهما جعبة فيه، لكنها أي هذه الخصة ركبت في الجعبة مقلوبة، فصار مقعرها من جهة الخصة التي أسفلها، و محدبها إلى فوق، ثم جعل فوق محدبها خصة أصغر منها لاصقة بمحدب الأخرى، و جعل فوق هذه خصة أصغر، بينهما جعبة بلار نحو ذراع في رأي العين، و جعل في وسطها الجعبة التي يخرج منها الماء، إلا أن في رأسها ثقبا ذات انحراف إلى الجوانب و الله أعلم، بدليل خروج الماء على سموت مختلفة، و عند بلوغه غاية الارتفاع ينحدر إلى تلك الخصص مستديرا كأنه صورة ثرية معكوسة. ثم صاروا بنا إلى كوات في الجدران، و هي ألواح من البلار، في أحدها صورة بابور البر الصغير، طوله نحو أربعة أصابيع، و وراءه عربات متصلة/ 252/ به، لكنه يسير حتى يرمى إليه شي‏ء من الدراهم من فرجة بخد الكوة، فإذا رمي إليه شي‏ء منها ينزل بجهد على النقشة التي توقفه، فيسرح للتحرك فيرى كأنه مسافر يجر العربات وراءه، و لا ترى تلك النقشة و لا شي‏ء من آلة الحركة، لأن ذلك كله عجيب، و إنما يرى البابور و العربات، في كوة أخرى صور أناس راكبين على الخيل، و هم صفوف بعضها فوق بعض، و لا يمشون حتى يرمي إليهم شي‏ء من الدراهم.

ثم صعدوا بنا إلى قبة مستديرة من عود، دورها أقل من دور الطراحية، و علوها

____________

(1) انظر صورة حفلة افتتاح المغرض البريطاني بدار البلار سنة 1851 م و بوسطها خصة البلار في ملحق الرسوم و الصور صفحة 20).

The Story of Britain( Garret Richard )P: 103.

295

نحو ستة أذرع، و في وسطها دائرة من عود، ارتفاعها نحو ذراع و نصف، بين محيطها و محيط هذه القبيبة نحو ذراعين، و هذه الدائرة الوسطى مغطاة بكاغد، و عند دخولنا إليها سد بابها فصارت مظلمة شيئا ما، ثم أخذ بعضهم يحرك ذلك الكاغد، فظهر فيه خيال صور أناس يمشون، و هذه الصور ظلال لا غير، و هي صغار طولها نحو أربعة أصابع، و هي تمشي إلى جهات، و بعضهم حامل شيئا فوق رأسه، و آخر يجري و ظلال سناجق تخفق بها الرياح، و كنا نظن أن تلك الظلال ظلال من يمشي أسفلنا في هذه الدار، لكن رأينا في بعض الظلال صورة دخان فابريكة يتصاعد، و لم يكن في هذه الدار فابريكة، و كانت تلك السناجق خارجة عن الدار. و عند خروجنا التفت إلى سقف هذه القبيبة فرأيت في وسطه قبيبة صغيرة من البلار كهيئة المكب الصغير، فتخيل‏ لي أن شعاع الشمس حين يمر بها و يتصل بمن يمشي على الأرض يحكى صورته في ذلك الكاغد بسبب الطلاء الذي فيه و الزاجة التي أسفله و الله أعلم.

مثال جامع قرطبة

ثم دخلنا إلى صحن كأنه صحن مسجد مربع نحو ثلاثين خطوة طولا و أربع و عشرين عرضا في وسطه صهريج مربع حافاته بالرخام، و غرقه نحو شبرين، و أرضه فرشت بالمربع الملون، و مثلثاته. و في وسط حافاته المستطيلة/ 253/ من جهة مدخل‏

____________

(1) إن ما رءاه صاحب الرحلة هو عبارة عن صور فوتوغرافية تتحرك بواسطة آلات كهربائية كبيرة تسمى بأسماء علمية أو شبه علمية مثل آلةPhenakistiscoPe الذي اخترعه البلجيكي‏JosePh -Antoinee Plateau سنة 1832 م، و آلةZootroPe للأنجليزي‏Horner سنة 1834 م و آلةSte ?re ?oscoPe و غيرها من الآلات التي سبقت ظهور السينما الحقيقية على يد الأخوان‏Lumiere سنة 1895 م بفرنسا، و الانجليزي‏Birt Acres سنة 1896 م.

و قد اهتم الكثير من الباحثين بعملية التحليل الحركي للصورة الفوتوغرافية منهم العالمان الأجليزيان‏Muybridge وMax well -Edwards و غيرهم.

L`EcycloPei du Cinema, Roger Boussinot( Bordas ), Paris, 0891 ISBN.

L`Universelle Bordas vol. VII: 477.

296

القبة الآتي ذكرها ساريتان من رخام مربعتان رقيقتان نحو نصف ذراع أو أقل، و طولهما نحو ذراعين. و بينهما نحو ذراعين كذلك. و مد عليهما سارية أخرى مثلهما من رخام، في وسطها أنبوب رقيق يخرج منه الماء إلى ذلك الصهريج، و على هذا الصحن قبة بلار أيضا، و هذا الصحن يحيط به بيوت صغيرة كالبناديق كأنها مدرسة، ثم يقابل هذا الصحن قبة مربعة بينهما مدخل مربع، سقفهما من العود سقف سما، و القبة مربعة نحو خمسة و عشرين ذراعا طولا و عرضا، و مع ذلك فيها ثلاث صفوف سواري رخام، في كل صف سبع سوار.

ثم خرجنا من هذا الصحن إلى صحن آخر مربع، فيه نبحان متقابلان، في كل نبح أربع سوار مذهبة. اثنتان حيطيتان و ثنتان في الوسط عليها ثلاث قسى مورقة توريقا بديعا مموها ذهبا، و بجدرانه حيطي من الزلايج كزليج فاس، إلا أن ألوان زليج فاس أفضل من تلك الألوان، طول هذا الحيطي نحو أربعة أذرع، و الجداران الباقيان اللذان لا نبح قدامهما بني فيها أبواب، عليها قسى ذات الشوكة كالحناية في بيوت الغرب، و قد بني ما فوق قوسها بالمقربس الرقيق البديع، و عمر بالتذهيب و الزنجفور، و جعل داخل كل باب في وسطه ساريتان، عليهما ثلاث قسى فوقها المقربس كذلك إلى تلك الحناية. و في هذا الجدار الخارجي ثلاث حنايات على هذه الصفة، بين كل ثنتين مقدار ستة أذرع، فقد نقش فيها كنقش الجباصة، مثل مدارس فاس و قبب دور المخزن، و كتب فيها بقلم عربي «لا غالب إلا الله» بين النقش و التوريق، و امتدت الجدران كذلك طولا و علوا، و عمر هذا النقش بالتذهيب و الزنجفور، و جعل متصلا بهذا الصحن قبة مربعة نحو اثني عشر ذراعا طولا و عرضا، و قبتها مستديرة شكل نصف بيضة بالمقربس الرفيع المموه كما ذكر، و جداراتها نقشت نقش الجبص كما تقدم. و كتب فيها اسم الجلالة دائرة مع الجدران طولا و علوا، هذه/ 254/ القبة

____________

(1) نفس المسجد تعرف عليه بدار البلار الكاتب الطاهر الفاسي، فتدمر من بعض المشاهد التي عكسها في رحلته الإبريزية. «... و وجدنا بعض القباب مكتوبا في أرضها (لا غالب إلا الله) فساءنا ذلك غاية، و كلمنا بعض عظماء الدولة كان حاضرا هناك، فأجابنا بأنه يكلم الدولة و يزال من هنالك، و قال أن الدولة لا تحب ذلك، أعني بقاء الكتابة هناك بالأرض تطاها الأقدام، و زعموا أيضا أنه نقلوا صورته كذلك من الأندلس ...».

297

محترمة عندهم لا يدخلها أحد، على بابها مجدول حرير ممتد بين خدي مدخلها علامة على عدم الدخول إليها.

ثم خرجنا منه فوجدت الباشدور تقدم مع بعض الرفقاء، و عند خروجي التفت فوجدت جدار هذا المسجد امتداده نحو مائة خطوة، و قد نقش الجبص و التمويه كما ذكر، فبينما أنا أتأمل ذلك و أقيد ما أراه إذ قدم علي ثلاثة أناس على رؤوسهم طرابيش حمر، و بقية لباسهم كلباس الروم. فحيوا بالسلام بلسان فصيح، فرددت عليهم و سألتهم من أي بلدهم، فقال أحدهم إنه مراكشي و قال الآخران إنهما من سوس الأقصى، فقلت و ما تفعلون هاهنا فقالوا قد ألقت بهم الأقدار إلى هذه الديار، و أنهم حين سمعوا بباشدور الغرب بباريس كانوا عزموا على القدوم عليه بقصد صلة الرحم معه، فقيل لهم إنه بصدد القدوم إلى اللوندريز، و أن هذا اليوم عندهم كعيد من أعيادهم حين منّ الله عليهم برؤية الباشدور و أصحابه، و فهمت من حالهم أنهم يقصدون و يأملون منه المواساة، حيث سمعوا به يواسي الفقراء في كل بلد، فقلت لهم سوف نخبره بحالكم بحول الله فسروا بذلك، ثم ودعتهم.

الرجل الذي يغوص بصهريج الماء و كشف الحيلة في ذلك‏

و لحقت بالباشدور، فوجدتهم داخلين لبيت صغير فيه صهريج من عود كالصندوق، طوله أزيد من قامتين، و علوه كذلك، و عرضه أزيد من قامة، و هو مملوء ماء، و في وسط غاربه أي عرضه كوة عليها ورقة بلار قد سدت بها، و رأينا رجلا واقفا في وسط الماء و الماء فوقه بأزيد من قامة أخرى، و هو لابس‏ كبوطا و سروالا لعلهما

____________

(1) لأول مرة نجد إشارة عابرة عند الجعيدي لما كان يقدمه السفير الزبيدي من تبرعات وهبات لبعض الملاجئ و دور الإحسان، و في هذا الإطار توصل الزبيدي برسالة شكر من اللورد دربي لتقديمه 600 ليبرات كهدية على العميان الفقراء الذين يعالجون بمستشفيات لندن. و وصلت قيمة ما تبرع به السفير في بلاد أنجلترا إلى 1000 ابرات. (الإتحاف ج 2: 203).

(2) انظر شرحها في الملحق: 3.

298

من جلد، و رأسه مغطى كقب الجلابة الرباطية لأنهم يجعلونه قصيرا لنية هناك، بخلاف السلويين لأن بعضهم يجعل قب الجلابة مستطيلا للمناسبة أيضا، و إنما استطرد هذا هنا لأنهم ينكثون على أصحاب القب الطويل، و على وجه ذلك الرجل زاجة محيطة بحواشي قب ذلك الكبوط، و لا يرى من ذات هذا الرجل إلا وجهه و يداه من مبدأ الكف، و كان قابضا لوحا من حجر بيده اليسرى، و في اليمن قلم و هو يكتب فيه، فلما فرغ من الكتابة أدار تلك اللوح و أرانا ما كان يكتبه فيه، فقرأه الترجمان/ 255/ فقال إنه يقول مرحبا بكم هذا يوم مبارك. ثم صعدنا إلى فوق هذا البيت حتى وصلنا إلى سطحه فوجدنا ذلك الصهريج في وسط السطح، و طلع ذلك الرجل الذي كان راسيا في الماء، و بقي على وجه الماء فأتى صبي و فك الزاجة التي كانت على وجهه محيطة بحاشية قب الكبوط، فوجدنا في وسط القب مصرانة لعلها من ثوب القلاع طويلة، و أخرى في قفاه، بحيث يرسب في الماء يكون ولد فوق السطح قابضا يدا من حديد يرفعها و يخفضها فينشأ من ذلك ريح يسري في المصرانتين و يصل إلى وجه الرجل الراسب في الماء. و انظر من أين يخرج ذلك الريح، إلا أننا نرى أثر التنفس في الماء حين رسوبه كما يفعله العوامة عند رسوبهم في الصهاريج، فيتنفسون و يظهر أثر ذلك فيعلم منه الموضع الذي هم فيه، ثم إن هذا الرجل دفع له كاغد الدخان المعروف عندهم بكارو، فقبضه بفيه، و سد على وجهه بتلك الزاجة، و رسب في الماء و هو يشرب ذلك الدخان، و لعله يظهر بذلك أن الماء لا يدخل إليه، و لا يبعد أن يكون في محل من كسوته التي هو لابسها ثقبة ضيقة يخرج منها الريح الذي يدخل في تلك المصرانتين، لأنه إذا استمر الريح خارجا خروجا قويا فإنه يدفع الماء و لا يدعه يدخل للكسوة، بدليل ظهور أثر التنفس، و طول المكث في الرسوب و بهذا العمل- و الله أعلم- يصطادون المرجان و اللؤلؤ من قعر بحارها.

____________

(1) يتحدث الجعيدي عن المحاولات الأولى للغطس تحت الماء بالاستعانة بأجهزة الهواء المضغوط المتصل بخرطوم على سطح الماء، غير أنه يبقى مقيد الحركة تحت الماء لارتباطه بالسطح (موسوعة عربية عالمية).

299

ثم خرجنا منه و أوتي بنا إلى بيت مظلم بني بجدرانه صناديق زاج ملئت بماء البحر، و في أرضها الرمل و الصم الصغير، و في جوانبه الثلاثة حجر لعل به طينا كحجر البحر، و الحوت في هذه الصناديق على اختلاف أشكاله و ألوانه، و هو يتوالد هناك، و في بعضها عكريشة كبيرة تقرب من جرم الحمامة، لها عشرة أرجل طوال رقاق، و في رأسها أربعة قرون طوال كذلك، و لها ذنب ذو قفى ينثني و ينبسط، و في صندوق آخر رطالات‏ ذات الذوانب لاصقة بالحجر، تمص فيه على عادتها، ثم ألقى إليها من فوق الماء عكريشة صغيرة من التي تكون بالشاطئ فالتقمتها و أكلتها فرأتها رطالات أخر تخرج من الحجر فألقى إليها عكريشات أخر فالتقمتها كذلك.

و هذا الماء الذي يدخل إلى/ 256/ الصناديق يدخل إليه الهواء من سطح الماء الأعلى، و يرى أثر دخوله في وسط الماء، قيل أنه سبب حياة الحوت هناك، و في بعض الصناديق المملوءة بهذا الماء في قعرها حجر من حجر البحر، ينبت فيه المرجان، أتي به من قعر البحر بحجره، و جعله في ذلك الصندوق، و قيل إن المرجان يكبر هناك و يقطع، و نحن رأينا كرؤوس المرجان لاصقة بذلك الحجر لا غير.

طياطرو دار البلار و لعبة الأفيال فيه‏

ثم أوتي بنا إلى طياطروا في إحدى جهات هذه الدار، في وسطه دائرة، أرضها

____________

(1) الكثير من الناس يحلمون بالغوص إلى قاع المحيطات، و ذلك ليشاهدوا أندر الأسماك في بيئتها الطبيعية سواء منها المخيفة و الأكثر خطورة ... أهميته اختراع أحواض السمك‏Aquariums تمكن في تحقيق هذا الحلم بمعزل عن المغامرة. و حوض السمك هو بيئة مصطنعة مصغرة، توفر شروط الحياة التي نجدها في أوسع الأمكنة (المحيط، البحيرة، النهر ...) (نفس المرجع).

(2) سرطان البحرGrabe (المنجد).

(3) الأخطبوطPiemure تعيش في في أحواض خاصة تخصص للأبحاث العلمية. (نفس المرجع).

(4) أنجلترا كانت هي السباقة في إنشاء أول مسرح مدرج‏AmPhithe ?atre خاص بألعاب السرك الحديث (انظر الصفحة:).

300

تراب، قطرها نحو عشرين خطوة، أحاط بها سور من عود، علوه يزيد على ذراع واحد، ثم أحاطت به الشوالي متوالية الدوائر، كل دائرة أعظم مما تحتها و أعلى منها ليمكن الاستشراف، و بقي بعد ذلك السور و الدائرة الأولى من الشوالي، و عدد دوائر الشوالي المتصاعدة اثنتا عشرة دائرة و الله أعلم، متفاضلة في العدد كتفاضلها في الكبر، ثم بنيت بيوت من عود محيطة بدائرة الشوالي العظمى، كل بيت يسع أربع شوالي أو ست، و الشوالي و البيوت كلها مبطنة بتوب الموبر الأحمر، ثم جعلت بيوت فوق تلك البيوت و أخرى فوقها، و هكذا حتى صارت خمس طبقات من البيوت، بعضها فوق بعض، ثم جعلت قبة من البلار على الطبقة الفوقية، قناطيرها رقيقة لطيفة من الحديد، و عند دخولنا هذا الطياطروا أنزلونا ببيت متسع غاية بالطبقة الأولى قريب من محل لعبهم، و وجدنا جل تلك البيوت و الشوالي الأرضية عامرة، على كل شيلية منها رجل و امرأة ثم جعلوا في وسط تلك الدائرة التي وسطها تراب مضربة، حشوها بتبن و الله أعلم. و نصبوا خشبة خارجة عن دائرة العود بنحو ذراع، مرتفعة عن الأرض بنحو ذراعين، و نصبت ألواح من عود امتدت منها إلى الأرض بنحو ثلاثين خطوة، ثم أتى أناس نحو اثني عشر رجلا، كل واحد منهم يجري فوق تلك الألواح، و عند وصوله إلى الخشبة المنصوبة يقفز منها و يرتفع في الهواء و يتقلب و ينزل واقفا في وسط تلك المضربة، و هم متتابعون في الجري و الانقلاب، و تكرر عملهم هكذا، ثم أتوا بفرسين و أوقفوهما في الأرض الترابية بين المضربة و سور العود.

ثم أتوا يعدون و قفزوا فوقها متقلبين و كل واحد ينزل واقفا على المضربة، ثم أتوا بفرس ثالث و قرن مع الآخرين، و وقف/ 257/ رجلان فوقها، كل واحد منهما جعل إحدى رجليه على شق ظهر فرس و الأخرى على شق الفرس الذي في الوسط و قبضا بيديهما على عناق الخيل كهيئة الراكع حيث يهوي إلى السجود، ثم قفز أولائك الناس فوق الرجلين اللذين فوق الخيل، و تقلبوا واقعين على المضربة، ثم جاء رجل ثالث و وقف على ظهري الرجلين اللذين فوق الخيل على هيئتهم و قفزوا فوقه كذلك، ثم نزلوا و أتى بفرسين آخرين و قرنا مع الثلاثة الأخيرة فصارت خمسة و انقلبوا فوقها كذلك، و لم يزالوا يزيدون فرسين بعد فرسين حتى صارت تسعة من الخيل مصطفة بين المضربة و سور العود، و انقلب كل واحد منهم عليها و نزل واقفا على المضربة، و منهم‏

301

الرجال الثلاثة الذين لقيتهم عند خروجي من مثال جامع غرناطة. و ذكروا أن أحدهم مراكشي و الآخران من سوس و هما- و الله أعلم- ممن تقدمت لهما الخدمة مع أولاد سيدي أحمد و موسى نفع الله به، ثم ردوا تلك الخيل إلى محلها و صاروا يتقلبون من الخشبة كأول مرة، فأتى رجل منهم و قفز قفزة عظيمة في الهواء و انقلب مرتين في الهواء و نزل واقفا، فصار أولائك الناس المتفرجون يصفقون بأيديهم جميعا يستحسنون بذلك عمله على عادتهم. ثم أتوا بالخيل و صاروا يلفون بها كما تقدم في بعض وصف طياطروا باريس. و هؤلاء الأناس الذين كانوا يلعبون بالقفز على الخيل، على كل واحد منهم سروال من ثوب خفيف ساتر قدمه كهيئة التقاشر حتى تجاوز سرته أو كان بها لاصقا على جسمه، و على صورة كبوط صغير لاصق على صدره و ظهره، و رأسه مكشوف علته- و الله أعلم- الإعانة على خفة حركته بذلك، لأنهم لو كانت لهم ثياب وافرة لتخللها الهواء عند جريهم و انقلابهم فتثقل بذلك حركاتهم، لأن الهواء المتولد من ذلك يكون عاسكا لهم، ثم إنهم أتوا ببسطيليات و هي في عرف العدوتين أنصاف البراميل الكبار، و وضعوها داخل الدائرة مقلوبة على الأرض، و أتوا بأفيال كبار و صاروا يلعبون بها لعبا عجيبا، حتى أن الأفيال ترقص على الأرض و تحادي برقصها نقط أصحاب الموسيقى و تقف فوق تلك البسطيليات و تجمع يديها و رجليها فوقها مع صغر قعر البسطيلية، و تدور فوقها، و لم يكتفوا بهذا بل جعلوا بسطيليات صغيرة فوق الكبيرة مقبوضة عليها بمسامير و طلع الأفيال/ 258/ فوق البسطيليات الصغيرة و رقصوا فوقها كذلك، و كلما تكلم معها بكلام تفهمه و تمثله، حتى إن فيلا منها وقف على يديه و رأسه و رفع رجليه و هو يصيح كأنه يطلب الإعفاء من تلك المشقة، ثم ربضت إلى محلها و أتوا بفيل عظيم، و صار يلعب كلعب الأفيال‏

____________

(1) انظر ترجمة الشيخ بكتاب إيليغ قديما و حديثا/ محمد المختار السوسي، المطبعة الملكية 1966: 17 و عند غيره، و كذلك في المعسول توجد ترجمة أجمع ج 12: 5.

أما عن تواجد المغاربة بالمعارض الدولية الإنجليزية فقد ذكر ابن زيدان بالإتحاف 4: 373 «لم يكن المغاربة يذهبون لانجلترا للتجارة فقط، بل توجه أيضا حوالي سنة 1876 م من الصناع للمشاركة في معرض للصناعة التقليدية حسبما يبدو من توصية صدرت في شأنهم ...».

302

التي انصرفت، و بقي معه نصراني واحد في تلك الدائرة، فعندما يريد الركوب عليه يكفه فيحني له زلومه فيقف فوقه ثم يرفعه الفيل فيقفز النصراني و ينزل على ظهر الفيل، ثم نزل و كلمه و فتح فاه و أدخل النصراني رأسه فيه و بقي هنيئة و أخرجه ثم كلمه أيضا فلوى زلومه على النصراني و حمله، و خرج به.

لعبة الكلاب و وصف الرياض المجاور لها

ثم أتوا بشوالي صغيرة خمس وضعت داخل الدائرة الوسطيمع بعض محيطها، و جعل و سادتان صغيرتان بطرفي صف تلك الشوالي، و أتوا بكلاب صغيرة و أدخلوا لتلك الدائرة كلبا بعد كلب، و كل واحد منهم طلع لشيلية و وقف عليها، ثم أتت بنت صغيرة و صارت تكلمهم. فنزل الأول من الشيلية الأولى و صار يجري و ينقلب، و تارة يقف على رجليه فقط و يجري عليهما، ثم رجع إلى شيلية و نزل الذي يليه و فعل كمثله و رجع لمحله، و نزل الثالث و هكذا حتى لعب هؤلاء الخمسة، فنزل كلب أصغر منها كان فوق الوسادة الطرفية التي من جهة الكلب الذي تقدم للعب و فعل مثل فعلهم و رجع لمحله، ثم أتت تلك البنت بقنبة و قبضت طرفها بيدها و نزل كلب و قبض الطرف الآخر بفيه و صارت ترفع طرف القنبة و تضعه، و الكلب متابع لعملها، و أتى كلب آخر و وقف بينهما و القنبة تدور عليه، و عند نزولها للأرض يقفز و تخرج من تحته، و تكرر عملهم كذلك، و هذا نزر يسير من بعض أوصاف هذا الطياطرو و لعب أصحابه، ففيه كفاية للمتطلع‏ لأخباره.

ثم خرجنا منه و صعدنا إلى طبقة مشرفة على رياض أنيقة فيها أنوار عجيبة، ذات‏

____________

(1) أورد الجعيدي وصف بعض الألعاب السركية بقصد اطلاع القارئ عليها، خاصة أن أخباره قد انتشرت عبر المعمور خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، و كان يعتبر من عجائب و غرائب الوقت.

303

ألوان و أشكال، مع التناسب و حسن الوضع، و امتد هذا الرياض‏ مع امتداد طول دار البلار، و هو خارج عنها و أدير بدربوز حديد فيه قضبان منه محددة الرؤوس كهيئة الحربة،/ 259/ ثم جلسنا على الشوالي قبالة دربوز هذه الطبقة، و بقينا مستشرفين على ذلك الرياض و على ما قابلنا من مدينة اللونديرز، و بساتينها و أنهارها، ثم أناس يلعبون على الخيل بين الرياض و جدار الدار، و كل واحد منهم واقف على فرسين كل رجل من رجليه على ظهر فرس، و اليدان بلجامها و هي تجري بهم على كيفية المسابقة، لكنهم يتقدمهم رجل راكب على فرسين كما ذكر و يتبعه آخر كذلك و هكذا، و يبتدءون المسابقة من محل معلوم عندهم، و يدورون حول ذلك الرياض حتى يعودوا إليه. و هذه الخيل من الخيل المعلمة عندهم، لأنها تعرف المراد منها حين يشار إليها أو يكلمها بشي‏ء، كما كانت تسير سير العسكر في الطياطرو و غير ذلك من الأعمال، فلذلك لا يتباعد الفرسان عند جريهما حالة ركوب الرجل الواحد عليهما معا، و جريهما إذ ذاك جري متوسط بخلاف المسابقة حيث يكون كل رجل راكبا فرسا واحدا. ثم خرجت خيل أخرى يركبها بنات، كل واحدة على فرس، و صرن يتسابقن و هن واقفات على ظهور الخيل، و تكررت مسابقتهن كذلك وقوفا و جلوسا، و كانت هذه الفرجات خاتمة العجائب التي شاهدناها بدار البلاد، و إنما رأينا منها شيئا لا نسبة له باعتبار ما فيها و ما يكون فيها من العجائب و الغرائب في كل يوم خميس، و نحن لم يتيسر لنا الذهاب إليها في ذلك اليوم لأننا توجهنا فيه للملاقاة مع السلطانة. و كان قصد الترجمان الذي مع الباشدور التأني لخميس آخر لتكمل الفرجة، و لم يكن الغرض في الفرجة و لكن في هيئة الدار و كيفيتها فقط،

____________

(1) يقصدLondon`s Hyde Park الذي اختاره الأمير ألبير ليكون مكان لدار البلارCrystal Palace .

(2) يكمن هدف الجعيدي لوصفه دار البلار، في إبراز أهمية المعارض العامة، حيث يتلاقى فيها أهل الأبحاث و الأشغال و الملاهي فترتبط الأمم و تزيد المناظرة بين أفرادها، خاصة أن فكرة إقامة المعارض تنبهت لها الكثير من الدول، فأقامت معرضا عاما (ميونخ و دوبلن و نيويورك و فيينا و فيلادلفيا و سدني و ملبورن و امستردام و انفيرس و برسلونة و موسكو و ابروكسيل و شيكاكو) طيلة الربع الأخير من القرن 19، أما معارض باريس الدولية فقد استدعي المغرب للمشاركة في ثلاثة معارض‏ExPositions In -ter .De Paris و هي:* * *

304

ثم رجعنا إلى محل النزول و بينه و بين دار البلار مسير ساعة تامة في الأكداش سيرا سريعا.

التوجه إلى مدينة ولت لرؤية دار بها

و في يوم الاثنين التاسع من رجب‏، توجهنا عن إذن السلطانة لدارها في مدينة ولت بالتاء المعجمة في بابور البر، بينها و بين محل نزولنا بل المحل الذي ركبنا منه في البابور نحو ساعة واحدة، هذه الدار هي في قصبة محيطة بالأبراج على رأس ربوة، و عند وصولنا إليها خرج إلينا المكلف بها ففرح غاية/ 260/ الفرح، و أخبر عن لسان الترجمان أن هذه الدار غير مفرشة، لأن سلطانة الدولة مسافرة، فدخلنا لاسطوانها و وجدنا فيه صفين من الشوالي، طوله نحو خمسين خطوة، و عرضه نحو خمس عشرة خطوة و مدخله من وسطه، و سقفه سقف سما. و كذلك القبب الآتي ذكرها، كلها سقفها سقق سما، إلا أنها مختلفة الأشكال، ثم صعدنا في درج عن يسار الباب، ينتهي الاسطوان إلى قبة مربعة فيها صورة امرأة على شيلية، و فيها

____________

* * *- معرض باريس الثاني سنة 1865 م. (الاستقصا، ج 4: 231 و 232).

- معرض باريس الثالث سنة 1878 م. (صفوة الاعتبار، ج 3: 81).

- معرض باريس الرابع سنة 1889 م. (الاستطلاعات الباريسية. اسم رحلة محمد السنوسي التونسي: مظاهر يقظة المغرب الحديث، ج 1: 79 و 201)

(1) الإثنين 31 يوليوز سنة 1876 م.

(2) يقصد مدينةWindsor و ليست مدينةWhitstable كما جاء عند المؤرخ عبد الهادي التازي «التاريخ الدبلوماسي للمغرب، المجلد 10. ج 2: 95.

(3) يقصد من هذا الوصف و يندسور كستل‏Windsor Castle الملكي، يقع بقلعة حصينة في مدينة و يندسور الواقعة على نهر التميزThames و البعيدة عن لندن حوالي ثلاثين ميلا من الجهة الغربية، تسكن فيه عادة الأسرة الملكية الانجليزية منذ القرن 11 م و به الكثير من التحف المتوارثة عند الأسرة المالكة.

EncycloPedie Britannica. Vol: 32: 006.