إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار

- إدريس الجعيدي المزيد...
479 /
305

مدفع على كريطته قيل من مدافع الهند، ثم قبة ثانية طولها نحو أربعين خطوة، و العرض نحو خمس عشرة، و كذلك بقية القبب لونها متقاربة، قد علقت بجدرانها مكاحيل و سيوف، و الثالثة فيها مدفعان أصفران و قطعة من صاري قطر دوره أزيد من ذراع، في وسطه ثقبة نافدة في وسطه من الجهتين بكرة، قيل أصابته كرة حين قتالهم مع الفرنصيص، ثم الرابعة و الخامسة فيهما شوالي مغشاة، السادسة في جدرانها مرءاة التصاوير، و جدرانها مجلدة بالكمخة، و فيها ستة سراجم بالزاج طوال، يشرف منها لى المشور. و السابعة مثلها في سقفها ترابيع مثمنة بقضبان مذهبة، و في وسطها ثرية بلار مغشاة. الثامنة فيها خزانات الكتب المذهبة، امتدت الخزانات مع جدرانها طولا و عرضا منتهية إلى السقف، و فيها شوالي مبطنة بالجلد الأحمر، و في وسطها كورتان كبيرتان أرضية و فلكية، التاسعة مثلها بالكتب، في وسطها خزانتان بالزاج منتهيتان إلى السقف مملوءتان كتبا، العاشرة في وسطها خزانات ثلاث إلى السقف بالكتب. و هي مربعة صغيرة نحو سبعة أذرع طولا و عرضا كذلك. و في سقفها خواتيم و دوائر بالتذهيب و في تربيع، منها نصف دائرة فيه سراجم أربعة كبار مشرفة على المدينة، و فيها كناش فيه صور ما يرونه في جرم القمر، كل من/ 261/ رأى فيه شيئا من الصور بالمرءاة المعدة لذلك أثبت في ذلك الكناش، حتى أنهم ذكورا أنه رأى في جرم القمر عالما مثل عالم الأرض، ثم خمس قبب كبيرة متوالية جدرانها بالكمخة، في بعضها ثريات، و في بعضها سراجم مشرفة، في كل واحد شوالي و موائد مغطاة، و القبة الخامسة عشرة طولها نحو أربعين خطوة، و العرض نحو خمس و عشرين سقفها سقف سما، به تكفيف كبير، و سباني تحته بتوريق الذهب، و في وسط السقف خمس تربيعات، في وسط كل تربيعة جبانة عظيمة من البلار معلقة في الوسط، ذات شراريف قطرها نحو ذراعين و نصف، و قد

____________

(1) نفس القصر وصفه الكاتب الغسال في رحلته العزيزية سنة 1902 م.

«.. و فيه عدة قبات كبار منها مربع الشكل و منها مستطيل، و كل واحدة من هذه القباب توصف بلون فروشها فإن كانت مفروشة باللون الأخضر يقال لها القبة الخضراء ... أو الحمراء و هكذا، و كل قبة منها مخصوصة بغرض فمنها ما هو معد لجلوس الملك و منها ما هو معد للمشاورة مع كبراء الدول إلى غير ذلك ... و بالجملة فإن هذا القصر من أعظم القصور الموجودة في أقطار المعمور ...».

306

خرج من الشراريف من داخلها قضبان بلار طوال إلى نحو السقف، و هي أي الجبانات مورقة توريقا أنيقا لا تذهيب فيه، و في أعلا الجدران سراجم طوال انتهت إلى السقف، في كل جدار خمسة و عشرون سرجما، بلارها بالألوان، و قناطير السقف و سواريه المحيطية مورقة و مذهبة، و تربيعات السقف التي في وسطها الجبانات صبغت علجاء، و رقعت نجوما تذهيبا ذ قيل بنيت هذه القبة عندما غلبهم الفرنصيص سابقاذ، السادسة عشرة طولها نحو خمسين خطوة. سقفها كظهر حمار على قناطير، ثلاث طولا و أربع عشر عرضا، و التربيعات المتقاطعة بالسقف في وسطها، كمثال سناجيق الأجناس بالألوان و التذهيب، و في وسطها طبلة طويلة و أخر صغيرة، ثم الجامع قبته كهيئة الطست مورقة بالتذهيب، و في وسط جداره سراجم بالبلار الملون، و الثامنة عشرة سقفها مربع الطول، و زيادة أنصاف دوائر من جهة اليمين فقط، فيه أي الجدار اليمين عشرة سراجم مشرفة، و جدرانها عليها ستور، و التسعة عشرة مربعة، في كل ربع من ثلاثة أرباعها أبواب ثلاث من الزاج، و الربع الرابع مشرف فيه ستة أبواب بالزاج مشرفة على براح متسع غاية، فيه حياض بألوان النوار، منها ما هو على هيئة الزرابي مربع للطول، و منها ما هو مربع طوله كعرضه، و منها ما هو دوائر، و منها ما هو مربع مع أنصاف دوائر محيطة به. و قد غرست بالألوان، و روعي تناسبها و توريقها، كما تراعي نقامة الزرابي ذلك التناسب/ 262/ و تلك النوار إنما تعلو من الأرض بنحو شبر، مع تساويها في الارتفاع، و ازدحام غرسها. فبذلك تكاد الزرابي تشببها، لأنها تشبه الزرابي، و بين كل حوض من هذه الحياض طرق عريضة طويلة، فيها نبات أخضر يانع، قصير القامة، و في وسط ذلك البراح خصة كبيرة يحيط بها حوض مستدير، دائرته رخام، يبقى الماء جاريا فيه. ثم القبة العشرين مستديرة الشكل محيطة بالسراجم. ثم خرجنا منها إلى اسطوان‏

____________

(1) طرة أدرجتها في مكانها بين نجمتين ذ ... ذ.

(2) لون مركب مثل عنق حمام و قلب حجر و غير ذلك.

(3) للتوسع في هذا الجانب و خلق نوع من المقارنة بين ما جاء به الجعيدي، و الكاتب الانجليزي جون هوب حول التطور التاريخي و المعماري لقصر ويندسور الرجوع إلى المصدر التالي:

SIR. W. H. St John HoPe, Windsor Castle on Architectural History, 3 vol( 3191 ).

307

عرضه نحو خمسة أذرع، و طوله يزيد على مائة خطوة، في جداريه دكاكين عليها أبواب الزاج، و بداخلها العدة معلقة داخل تلك الدكاكين، و في بعض الدكاكين شيلية ذهب مكللة بالدرر، كانت للسلطان فاندى بالهند سنة 1815 م، و سيف غمده مكلل بأحجار الديامنظ ثم الواحدة و العشرون مربعة، فيها شوالي و كنابيس مذهبة مبطنة بالحرير الأخضر، و هي مغطاة، لكن كشف عن إحداها، و بها سراجم مشرفة على تلك الحياض المذكورة، ثم الثانية و العشرون في وسطها ثريا مشرفة عليه أيضا، ثم الثالثة و العشرون صغيرة مربعة نحو خمسة بل عشرة أذرع طولا و مثلها عرضا، فيها صورتا آدميين من رخام أبيض واقفين على كرسي رخام، أحدهما قابض على يد الآخر، قد التفت كل منهما بوجهه إلى الآخر، ثم اسطوان آخر كالاسطوان المذكور لكنه انعطف يمينا مرتين فصار فيه اسطوانات ثلاث، في طول كل واحد نحو مائة خطوة، و فيه سراجم مشرفة، و في جدراته مرءاة التصاوير، و في الثالث سراجم اثنا عشر، بين كل سرجمين موائد من المرمر مرفوعة على أعمدة، منه متصلة بالجدار، و فيه قبتان صغيرتان، في كل واحدة منهما فراش بوسادته، قيل ذلك لخدمة السلطانة و متعلماتها، ثم كنيسة فيها ثلاثة بلاطات، و سقفها ظهر حمار فيها سبعة أقواس مقابلة لمثلها، و سبع سوار مقابلة لمثلها، و السواري مربعة، و زيد في كل ربع من أرباعها سارية مربعة أصغر من الأصلية، فصارت في الحقيقة خمس سوار، واحدة كبرة وسطها، و الأربعة في أرباعها، و هي من المرمر الرفيع، قد نقش فيها تكافيف داخلة و بارزة، و الجدار المشرف على الفضاء فيه سراجم بالبلار الملون، ثم كنيسة أخرى مثلها، غير أنها ليس فيها سراجم، و فيها أسرة عود، على/ 263/ كل سرير كتاب صغير. ثم قبة أخرى مستطيلة، أرضها مزلجة بألوان المرمر ذي النقش العجيب و الشكل الغريب، محيطة بشوالي من المرمر، في الجدارين الطويلين أقواس من البلار الملون. و سقفها مقبي مستدير بقطعتين دائرتين كالدائرة المشوكة، و يخرج من رأس سوار هذه القبة قضبان حديد مذهبة كهيئة قطع من دوائر تتقاطع في سقف‏

____________

(1) يقصد ضريح الأمير ألبيرت‏Mausoleum of Prince Albert و الملكة فكتوريا في ما بعد و غيرهم في‏Frogmore بحديقة قصر ويندسور.

EncycloPedia Britanica, vol: 32: 166.

308

تلك القبة، و بين التقاطع توريق مذهب، و يقرب الجدارين المذكورين قبب من عود، طول كل واحدة نحو خمسة أذرع، و العرض نحو ذراع و نصف، منصوبة واقفة بعضها قرب بعض. و قد بذل النجار فيها غاية مجهوده في التوريق و اللطافة و التجويف، حتى صير كل واحدة كأنها شمعة من الشمعات التي تعلق في أضرحة الصالحين، و تحت السراجم المذكورة تربيعات فيها تصاوير. و في هذه القبة قبر زوجها أي سلطانة الدولة، و قد توفي قبل بنحو ثمانية أعوان كما قيل، و حزنت‏ عليه حزنا عظيما حتى أنها لم تتلاق بأحد بعد وفاته مدة من عامين. ثم خرجنا و رجعنا إلى محل نزولنا باللوندريز.

التوجه إلى مدينة و نزه‏

و في يوم الثلاثاء عاشر رجب‏، توجهنا عن إذن سلطانة الدولة لمدينة و ينزه، فيها فابريكات‏ تصنع المدافع و الكراريط و الكور و غير ذلك من آلة الحرب. و عند

____________

(1) الأمير ألبيرت‏Prince Albert of Sare Coburg Gotha (9181 ,1681) تزوجت به الملكة فكتوريا في فبراير 1840، و قد سبق لها أن تعرفت على هذا الأمير منذ الصبى، و عند الاحتفال بالزفاف في المعبد الملكي في «وندسور» كانت قد أحبته من قبل. الشاب الرزين «ألبيرت» كان يحب العمل و الصناعة و الأخلاق، و يعطي أهمية كبيرة للحياة الزوجية، كما أنه يعشق التقدم التقني، و هو صاحب فكرة تنظيم المعرض الكبير منذ سنة 1850 م للتعريف بالمهارة الصناعية البريطانية في العالم أجمع، توفي سنة 1861 م عندما كان سنها 42 سنة، و ترك لها 9 أولاد، فتأثرت كثيرا و لم تنساه حتى أنها في لحظاتها الأخيرة كانت تنام على السرير و صورته على رأسها و دفنت في الضريح أمام زوجها في‏Wiud -SOR .

The Story of Britain; Richard Garrett, Edition Jilly Glossborono.

(2) اغشت سنة 1876 م.

(3) ترسانة و لويش‏Wool wich أهم حي في كريت لندن- مقاطعة كرينوينش على ضفاف نهر التيمز، كانت عبارة عن ورش مهم و قاعدة بحرية أيام حكم هنري‏VIII ، تحتوي على دار الصناعة الملكيةRoyal Arsenal المؤسسة سنة 1805 م.

309

وصولنا إليها دخلنا إلى حزين فيه كراريط عظام، قطر دور خزنة مدافعها سبعة أشبار و زيادة، و فيه فلك مرفوعة فوق كراريس معدة لعبر الأودية في أيام الحرب، و كروصة خاصة بالحداد الذي يكون معهم في الحركة، و كراريس فيها نواعير و السلك ملتو عليها يرسلونه في طريقهم في الحركة و يتركونه وراءهم ليتكلموا به و يخبروا بما لهم، و كروصة فيها فراش المجاريح، فوقها غطاء من الكرية يقي المرضى من الحر و الريح و شبههما، مرفوع بجنبها سلم صغير متقارب الدرج لأجل العرض. ثم دخلنا للمكينة فوجدنا قطعة من حديد مربعة الشكل، طولها نحو ذراعين و نصف، و عرضها كذلك. و سمكها نحو أربعة أذرع، و في رأسها منقار محدد، و هي ترتفع و تنخفض، و يوضع تحتها بارة حديد غلظها نحو أصبعين، و الطول أكثر من شبر. و عند نزول ذلك المنقار عليها يشقها بسرعة كما يشق الخبز بالحديد. و يقرب هذا المنقار طرف حديد/ 264/ مستدير غير محدد بل مستوى الرأس و الأصل، غلظ دور رأسه نحو أصبعين، يوضع تحته تلك البارة فيخرقها خرقا مستويا بسهولة كما تخرق الثياب بالابر. ثم وجدنا أناسا مقابلين لمكينة يصنع بها رويضات العود، و هناك مناشير تشق لعود على الوجه المقصود، و بعد شقه يركب أجزاء دور الرويضة في مكينة أخرى تملسه و تصير أجزاء الدور مستوية في الرقة و الغلظ، كأنها أفرغت في القوالب، و كل جزء من أجزاء ذلك الدور يجعلون بأحد طرفيه ثقبة ببريمة تدخل فيه بسهولة، و يأخذون من طرفه الآخر بالمكينة على كيفية المخرطة، و يتركون في وسطه قطعة مخروطة يمكن دخولها في مثل ثقب البريمة في الطرف الآخر، و عند تألفها أي أجزاء دور الرويضة يدخل المسمار من العود المخروط من كل جزء في ثقب جزء آخر. ثم‏

____________

(1) عكس عظمة هذه القاعدة العسكرية محمد الطاهر الفاسي في رحلته الإبريزية: 23 «... ذهبنا لفبركة المدفع و الكور و البنب و الخفيف و الحبة ... و كراريط المدفع من الحديد و العود ... ثم إن عدد الرجال العملة القائمين بهذه الصناعات ستة آلاف ... و عدد ما يصنع في كل شهر من المدفع أربعمائة و من الكور الكبير و المتوسط و الصغير في كل جمعة عشرون ألفا ... و الحاصل أنهم أتعبوا أنفسهم أولا في إدراك المسائل النظريات، و كابدوا على تحصيلها حتى صارت عندهم ضروريات، و لا زالوا يستنبطون بعقولهم أشياء كثيرة ...».

310

تصنع المكينة أجزاء أنصاف أقطار الرويضات، بعد نشرها تركب فيها و تلمسها، و تسقط زواياها المربعة، و يصير كل نصف قطر منها أحد رأسيه رقيق، و هي الرءوس التي تلتقي على قطب الرويضة، و رؤوسها الأخر غليظة. برؤوسها أيضا مساميرة عود من ذاتها مخروطة، تدخل في ثقب دور الرويضة و هي على نسبة واحدة في الغلظ و المرمة و الثقب، لأن فعل المكينة بها ما ذكر كالقالب لها، فلا يمكن أن تخرج جزءا ناقصا أو زائدا على الآخر، و عندما يريدون تأليف الرويضات يأتون بأجزائها إلى دائرة في الأرض أعظم بقليل من دائرة الرويضة، و يجعلون أجزاء الرويضة داخل تلك الدائرة الأرضية مماسة لها، و ينصبون أنصاف أقطارها داخلها، و يرسلون المكينة على تلك الدائرة الأرضية، لأنها من الحديد فتصير تتضايق و تصغر، و بهذا العمل تلتئم أجزاء الدور، و يدخل مسامير أحد أطرافه في ثقب الأطراف الأخر، و كذلك تدخل مسامير أنصاف الأقطار في ثقب الدور، و تلتقي أطرافها الأخر على قطب دور الرويضة، و يبقى في الوسط ثقب مستدير قطب الرويضة، ثم يرفعون هذه الرويضة من ذلك/ 265/ و ينقلونها لمحل آخر، و يضعونها فوق طبلة من حديد مستديرة، و يخرجون من بيت النار بارة حديد مستديرة تامة الدائرة، و يضعونها على الرويضة بحيث تكون البارة محيطة بها ما بين مقعرها محدب الرويضة، فتلتهب نار بين الرويضة الباردة و الرويضة حتى كأنها كانت سقيت بالغاز أو شبهه، و يتركونها تلتهب كذلك نحو نصف دقيقة، ثم يحركون نقشة فتنحدر الطبلة التي فوقها الرويضة، و يعلوها الماء، فيطفئ لهب تلك النار، ثم يخرجونها و قد التأمت أجزاؤها بعضها على بعض‏. هكذا شهدنا هذه الأعمال هناك.

ثم مررنا بمنشار ينشر أوراق الحديد، غلظها نحو بلكضة أو أزيد، و ملاسة تملس ورقات الحديد. و وجدنا جنب كريطة مرفوعا بالبوجي، ميزان مدفعها كما قيل خمسة و ثلاثون طنا، و الطن عشرون قنطارا، ثم وجدنا كريطة تامة، جنباها مثل‏

____________

(1) اهتم الجعيدي كثيرا بكيفية صناعة عجلات الأكداش و الكراريس باعتبارها أهم وسائل النقل و الجر و السفر داخل المدن التي زارها، على عكس ما كان سائدا آنذاك بالمغرب، إن المسافرين يركبون ظهور الدواب بسرج أو بردعة أو يسافرون على أرجلهم. أما العجلة فكان لا تعرف إلا لجر المدافع السلطانية أثناء الحركات العسكرية. (الاستيطان و الحماية بالمغرب، مصطفى بو شعراء، ج 1: 194).

311

الجنب المذكور، و طرفاها موضوعان على بارتين من حديد كقطعتي دائرة، و رجلان لا غير يديرانها بمدفعها إلى الجهتين، و هذا المدفع عمارته قنطار و ثلاثون رطلا، و ميزانه ثمانية و ثلاثون طنا، و فورمته ثنتا عشرة بلكاضة و نصف، و ميزان كورته ثمانية قناطير، و إذا رفع عشرة أدراج يرمي من خمسة آلاف يارضة إلى ستة آلاف، ثم خرجنا من هذا المحل.

و دخلنا إلى دار من الديار المعتبرة عندهم. فوجدنا بها صالات أرضية طولها نحو أربعين ذراعا، و العرض نحو خمسة عشر، في وسطها مائدتان طويلتان محيطتان بالشوالي، سقفها سقف سما، محيط به تكفيف كبير، تحته سبنية، و كل ذلك مورق بالتذهيب، و في الجدارين الطويلين أربع مرايا عظيمة، بين كل اثنتين في أحد الجدارين صورة سلطانتهم. و في الغارب أبواب طوال من الزاج، يشرف منها على المدينة. و في السقف ثلاث ثريات بلار، و بقرب هذا المحل دويرة صغيرة قد امتدت مصطفة مع أحد جدرانها، فوقها رخامة بيضاء، بني فيها صلاليب رخام أو بديع، فوق كل صلاب بزبوزان ينصب منهما الماء الحار و البارد عند الحاجة إليه، و بقرب/ 266/ كل صلاب قالب صابون و زيوف بيضاء، و فوق هذه الدويرة بيوت الخلاء، في كل بيت كرسي من العود، و أرضه مفرشة بالكاغد المورق، و في سقفه زجاجة مربعة نحو ذراع و نصف طولا و عرضا، يدخل منها الضوء للبيت دون شعاع، و هذه الدار هي لبعض كبراء العسكر، و قد أكرمونا هناك، و أتوا بأنواع الحلواء و فواكه الوقت و القهوة.

الحيلة المستنبطة لتغريق المراكب في البحر

ثم خرجنا منها إلى خزين، فوجدنا فيه قراطيس‏، طول كل واحد ثلاثة أشبار،

____________

(1) يقصدTorPedo صاروخ بحري يخضع لتوجيه مسافي بدفع ذاتي، يحمل كمية كبيرة من المتفجرات، يمكن القذف به من البر أو من الباخرة إلى باخرة أخرى. اخترعه سنة 1866 م مهندس بريطاني‏Rob -ert Whitehead (3281 -5091) و سمي اختراعه‏Whitehead TorPedo .

(انظر صورة طوربيد روبير و يطهيد بملحق الرسوم و الصور صفحة 21).

The Macmillan EncycloPedia: 0221 the diagram grouP( WeaPons )INTE. ENCYL: 242.

312

و قطره شبر و نصف، مملوء بالضوبل المستدير، قيل في كل واحد ألفان من الضوبلي، ثم وجدنا في خزين آخر مثل سارية مجوفة محددة الرأسين، طولها نحو ستة أذرع، و فيها حوتة كحوتة الفلك التي تستقر عليها، و قد ملئ نحو ربعها بارودا، و ضوبلي من جهة رأسها المحدد المخروط، و باقيها فارغ، و بذنبها أرياش تسير بها، قيل إنها ترسل في البحر عند محاربتهم مع بعض الأجناس إلى البابور الذي يريدون رميه بها بعمل هندسي، فتسير في داخل الماء قاصدة ذلك البابور لا تخطئه. و عند مصادمتها له يدخل رأسها فيه، فيشتعل ذلك البارود في جوف البابور كأنه مينة، فيكون ذلك سبب هلاكه و هلاك من فيه، و لا يمكنهم من ذلك فرار، بل هناك قبرهم إلى دار القرار، هذا مع إرسال حوتة واحدة فكيف إذا أرسل منها عدد كثير، و قيل هذا من مخترعات حكماء الأنجليز التي لم يسبق إليها، و أنها ليست موجودة عند غيره من الأجناس.

كيفية خدمة الخفيف‏

ثم دخلنا إلى محل آخر يخدمون فيه الخفيف‏ الذي يركب مع البارود في عمارة المكاحيل، فوجدنا طناجير عظيمة توقد النار تحتها و هي مملوءة خفيفا مذابا، و يرمي فيها بارات منه عظيمة في تلط الطناجير، و بأسفل كل طنجير قادوس، يخرج/ 267/ منه الخفيف المذاب، و يجري في ساقية على وجه الأرض، و يمر في قواديس من حديد، و ترتفع في باطن طناجير أخر قبالة تلك الطناجير، غير أنها مغطاة، و في وسط الغطاء ثقب يخرج منه قضيب من الخفيف، فيمسكه رجل بيده، بعدما يجعل بيده خرقا من ثياب، و يجذبه و يركبه فوق حرف ناعورة، و تأخذ تلك الناعورة في الدوران، و ذلك القضيب يلتوي على حرفها حتى يملأ حرفها المجوف، فترفع و يوتي بأخرى‏

____________

(1) هو الرصاص قيمنا و ابتعادا من اسمه الأصلي، لأنه يوحي بمعنى الثقل و الضرر و نجد هذا التبديل عند المغاربة في كلمات كثيرة، فمنهم من يسمي صلاة العصر «الساهل» (أي السهل) لأن لفظة العصر تشبه في النطق العسر، و كذلك الفحم «الفاخر».

313

و هكذا. ثم تنقل هذه الناعورة التي ملئ حرفها بقضيب الخفيف، و تركب قرب مكينة أخرى تقبض رأس ذلك القضيب، و تصير تجذبه و ناعورته تدور دورانا خفيفا. و كلما مر منه مقدار خفيفة طولا ينزل عليه طرف حديد محدد يفصله من القضيب، و ينزل إلى الأرض. ثم يجمع ما ينزل منه إلى الأرض، و يوضع أمام صبيان صغار مقابلين لميكنات أخر، فيها نواعير مبسوطة محفور فيها قوالب القطع من الخفيف الذي وضع أمامهم، و هم يركبون كل قطعة منه في قالبها، و تلك الناعورة تدور دوران الرحى، و ينزل على كل قالب قطعة حديد، تلقاه قطعة الخفيف، فتصير أحد رأسيه مخروطا به ثقب، و الآخر مبسوطا، لكن فيه تقصير ثم يرسل إلى نواعير أخر ثلاث غير هذه لتمام تصفية تلك الحقيقة. و هذا الموضع الذي يخدم فيه هذا الخفيف طويل جدا عريض كذلك. و المكينات منصوبة فيه مثل مناسج الطرازة، مكينة قرب أخرى. و من شدة طول هذا الموضع حتى أنه لا يتميز الرجل من المرأة من الناس الذين بمنتهاه، و فيه من الخدمة ستة آلاف كما قيل، كلها مكلفة بخدمة الخفيف.

كيفية صنع الكور

ثم دخلنا إلى محل آخر يفرغون فيه الكور المستطيل المخروط الرأس على هيئة القوالب من السكر، فوجدنا هناك قوالب مربعة،/ 268/ يجعلون في وسطها قالب الكورة التي يريدون فرغ مثلها، و يملأون ما بين القالب و الكورة بالتراب و يدركونه دكا كثيرا، ثم ينزعون الكورة منه و قد بقي مثالها في وسط القالب، فيفرغون من التخليطة التي تذوب، و يتركونه هنيئة حتى تجمد، ثم يضربون القالب بميجم من عود طويل اليد، فينحل القالب، و يتساقط التراب، و تبقى الكورة صامتة و فيها حفر مربعة كانت محفورة في القالب، يجعلون فيها بعد هذا مسامير مربعة نحاسا، تبقى نائتة عن جرم الكورة بمقدار نصف أصبع، لأن مثالها محفور أيضا في جوف مدفعها،

____________

(1) يطلقها المغاربة على كل شي‏ء مكور، و منه قذيفة المدفع التي كانت فيما سلف مكورة، و يستعملون في هذا المعنى أيضا كلمة بومبةBomba الإسبانية.

314

و ذلك مما يقوى سيرها عند خروجها من المدفع، و هذا الكور الذي يخدم كما ذكر هو على عينات في الصغر و الكبر، ثم يرفع إلى مكينات تصفيته و ثقبه بالمخرطة، ثم وجدنا أناسا يعمرون الكور الصغير في الصناديق، ثم آخرين يملأون زنابيل بالخفيف، في كل واحد منه مائتان و أربع و ثلاثون خفيفة، و يصبون عليها الرجينة مذابة.

كيفية صنع المدافع العظام‏

ثم وجدنا أناسا في مكينة يصنعون المدافع العظام‏، و أصلها ألواح من التخليطة، يتخذون ستة ألواح أو سبعة، طول كل لوحة نحو ثلاثة أذرع و نصف، و عرضها أقل من نصف شبر، و غلظها نحو أصبع، و يدخلون هذه الألواح لبيت النار بعد ما تصفى، و يجعل لوحة فوق أخرى، ثم يخرجونها و يجعلون رأسها بين ساريتين منصوبتين من حديد، قد حفر فيهما حفر مربعة متفاضلة في الكبر و الصغر، يجعلونها أولا في الكبرى، ثم تدور الساريتان على تلك الألواح و تخرج من تحتها، و قد التأم بعضها ببعض، و صارت قطعة واحدة أطول و أرق مما كانت، ثم يخرجونها من باقي الحفر المذكورة واحدة بعد واحدة، و هي بين ذلك ترق و تطول حتى يصير غلظها مثل غلظ جرم المدفع الذي يريدون صنعه منها، و تصير بارة طولها نحو عشرة أذرع، و تربيعها نحو ثمن ذراع، و يصنعون بارات كثيرة مثلها، ثم ينصبون هذه البارات في بيت نار طويل و يصلون بين أطراف البارات، و لم أقف على كيفية الوصل، و إنما وقفنا برأس بيت النار فوجدنا سارية أيضا،/ 269/ منصوبة بمنتهى رأس بيت النار، و رأس البارة خارج بيت النار، بحيث وصل إلى السارية، رفعوا رأس البارة و سمروه في السارية، و الماء يصب عليه حالة تسميره صبا قويا. و مع توالي صبه يبقى رأس البارة أحمر كأنه‏

____________

(1) اهتم الجعيدي بصناعة سلاح المدفعية، ذلك لما اكتسبته من فعالية عسكرية كبيرة، في معظم الحروب التي عرفتها أوربا خلال القرن 19 م، فبفضلها استطاع السلطان الحسن الأول أن يخرج منتصرا في كل المعارك أو حركات الجنوب، و بفضلها كذلك استطاع أن يركز السلطة المركزية في الأطلس و الريف، و بفضل هيبتها اكتسب حركاته طابع النصر حتى التي لم تقع فيها أي معركة.

315

لم يمسه ماء. و العلة فيه- و الله أعلم- لصلابة رأس البارة و تقويته و بقائه مسمرا في السارية، لأنه لو لم يصب عليه الماء لتخرم الثقب الذي برأس البارة لليونته عند خروجه من بيت النار، مع ثقل البارة الخارجية، و يخرج البارة و دوران تلك السارية تصير البارة تلتوي عليها حتى تخرج البارة كلها. و قد التوت على تلك السارية، ثم ينزعون السارية من البارة الملتوية فيبقى بين اللّي فرج، ثم يدخلونها لبيت النار أيضا و تبقى به، فإذا مضت المدة التي يستحق بقاؤه ببيت النار فيها يخرجون تلك البارة الملتوية، و يقفونها تحت مزبرة بين جدارين من حديد، و يرسلون عليها جرما مربعا من حديد، و يصير يرتفع و ينزل على البارة الملتوية ذو الماء ينزل عليه كالمطر ذفتلتئم لياتها و تصير كأنها ذات واحدة، ثم يجعلون في وسطها قطعة من حديد مستديرة، و يرسلون عليه ذلك الجرم المذكور، فيقوص في باطن تلك الليات، ثم يقلبونها و يرسلونه عليها أيضا فيخرج و تصير تلك البارة قطعة من مدفع‏، أما خزنته أو وسطه أو عنقه، لأنهم يصنعون المدفع يومئذ على ثلاث قطع، فالخزنة أعظمها، و وسطه دونها و عنقه أرقها، و البريمة واحدة، و ذلك الجرم الذي يرسلونه كما ميزانه كما قيل ثمانون طنا، أي مائة و ستون قنطارا.

وصف هذا المدفع‏

ثم وجدنا مدفعا عظيما طوله سبع يارضات، و دور خزنته ست يارضات، و فورمته‏

____________

(1) طرة أدرجتها في مكانها بين نجمتين* ...*.

(2) طلب السفير الزبيدي شراء بعض المدافع الأنجليزية غير أن المغرب واجه عدة مشاكل من جراء ذلك بسبب الزيادة التي طرأت على الأثمان من جهة، و بسبب الريع أي الفائدة التي زيدت على الثمن الأصلي للبطئ في الأداء و أغلاط أخرى يدعى الزبيدي أنها غلط من طرف انجليز، و ذلك بأنهم لم يحدد لهم مكان لإنزالها و يتكلم عن زيادة السكة.

انظر نص الرسالة السلطانية إلى الزبيدي «الجيش المغربي و تطوره في القرن التاسع عشر»، د. د. ع، برادة ثريا، الصفحة 281، كلية الآداب بالرباط.

316

ست عشرة بلقظة، كورته سبع عشرة مائة ابرة، عمارته ثلاثة قناطير و أربعون، ميزانه ثمانون طنا هكذا ذكر مهندسهم، و هو لهدّ الأبراج و الحصون، و البابورات التي تصنع من الحديد، في قطر يديه شبران حيث جعل في بورد، و القراصير تسع بلقاضات حديد، أحدثوا هذا المدفع يخرق ست عشرة بلقضة و البابور إنما يحمل منه واحدا فقط ....

إكرام بعض التجار للباشدور باللوندريز

____________

(1) الصفحات من/ 270/ إلى/ 273/ فارغة.

(2) قبل أن يغادر السفير الزبيدي لندن أدرك أن لا فائدة ترجى من وراء مذكراته مع اللورد دربي فوجه له الرسالة التالية: «... نطلب من كمال اعتناء الوزير المعظم أن يكتب كتابا للمنسطر بطنجة صارجان هاي يأذن له يعيننا في أمور، و هي في الحقيقة قوانين تحصل منها المصلحة و عدم ما يكدر الخواطر بين الدول ... و هذا المطلب الذي طلبناه من دولتكم الفخيمة بمثله سنطلب من الدولة الفرنصوية يكتبون للمنسطر الذي عندهم بطنجة لتكون الموافقة بين الدولتين إن شاء الله- 13 رجب 1293 ه»، مجلة (الوثائق 5: 633). و قد أخبر الزبيدي الحاجب السلطاني بطلبه نقل المذاكرات حول مشكلة الحماية القنصلية إلى طنجة فأجابه بالقبول «... و بعد فقد وصلنا كتابك الذي كتبته لنا من اللوندريز في تاريخ 13 رجب، و علمنا منه كيفية ملاقاتك مع سلطانة النجليز و ما قابلتك به من الفرح و السرور اعتناء بجانب مولانا المؤيد المنصور، كما علمنا ما دار بينك و بين وزيرهم في أمر الحمايات و ما وعدك به من المساعدة و الوقوف فيما فيه المصلحة، و رفع الضرر على شرط موافقة الدول في ذلك، و ذكرت أنك لما رأيت أن الأمر فيها لا يتم إلا بطنجة طلبت منه أن يكتب لك لنائبهم بها فاستحسن ذلك و أنعم به، و إنك عند تمام الكلام فيها و ظهور وجه الفصل فيها تعلمنا بما يؤول إليه الأمر في ذلك. و قد انهينا ذلك كله لمولانا المنصور بالله و صار بباله الشريف و دعا أيده الله لك بخير ... «في 13 شعبان 1293 ه. مفاوضات كانت كمقدمة لعقد مؤتمر مدريد سنة 1880 م. مجلة الوثائق 5: 634.

(3) بعثت عصبة الطائفة اليهودية بالبلاد الأنجليزية إلى الزبيدي رسالة تلفت فيها نظره إلى إرهاق والي أزمور ليهودها، و ضيق الأحياء المخصصة لسكنى يهود الصويرة، و تستوصى خيرا باليهود على العموم، و قد كتب بخط شرقي و جمل ركيكة بتاريخ 25 يوليوز 1876 م بالإتحاف ج 2: 298 بعد ما تحاور معهم الزبيدي، غير أن الجعيدي لم يذكر تفاصيل هذا الحفل الذي أقاموه على شرف السفارة المغربية ...

317

الجزء الخامس‏

الرجوع إلى بر الفرنصيص و التوجه منه للطليان‏

/ 274/ ... و كان مدة سفرنا في هذا البحر ساعة واحدة و نصفها. فكان وصولنا لمرسى مدينة كالي‏ المذكورة في الساعة الحادية عشرة و أربعين دقيقة، و هناك دعوت على هذا البحر بأن يسلط الله عليه العفاريت النجليزية يحفروا في أسفله طريقا دهليزية، يمر الناس فيها من تحته‏ و يزهدون في ركوب فراشه و تخته. و هناك ودع الباشدور الترجمان المذكور* بعدما أسلمنا في يد ترجمان الدولة الفرنصوية ذلأنه قدم من باريس* لاستقبال الباشدور و أصحابهذ، و عند نزولنا أخرجوا المدافع و رفعوا سنجق الإسلام أيضا في مدينة كالي.

____________

(1) وصلوا إلى مدينةCalais الفرنسية، بعد الإرهاق الشديد الذي أصابهم من ركوب بحر المانش.

(2) من باب الفكاهة أورد الجعيدي نظريته هذه في شكل دعائه، الذي تحقق اليوم بفضل التطور العلمي، حيث تم العمل لبناء نفق أرضي تحت المانش لربط فرنسا و أنجلترا.

(3) طرة أدرجتها في مكانها بين نجمتين* ..*.

318

الدخول إلى مدينة باريس‏

و بعد مرور نصف ساعة من زوال شمس هذا اليوم، ركبنا في بابور البر قاصدين قاعدة باريس، فمر بنا أيضا على مزارع و أنهار و بساتين و أشجار، و لم يزل يقطع بنا تلك الأنهار و الأشجار و يمر بنا على القرى و الأمصار، حتى حطت المحبوبة النقاب، و رفعت عن محياها الجلباب، فأشرفنا على طلعتها مستبشرين، و نودي ادخلوها بسلام آمنين، و خرجنا من ضيق القبور إلى فضاء القصور و طابت الأنفس و انشرحت الصدور. و كان دخولنا إليها في الساعة السادسة و نصف من مساء اليوم المذكور. فاسترحنا من التعب مع أنه لم يمسنا- و الحمد لله- في ذلك نصب، و أنزلتنا الدولة الفرنصوية أيضا في أوطيل الذي كنا فيه عند مرورنا، و قامت بالضيافة أتم قيام على العادة من الاحترام و جزيل الإكرام.

و في يوم الأحد منتصف رجب‏ ركبنا الأكداش في مسائه، و خرجت بنا إلى أطراف البلد فمررنا على أجنة ذات أشجار و أنهار و فلك جاريات، أسرت غزلانا و أقمار متكلم مع الحادي و أشير إليه بالنزول بشاطئ الوادي، بقصد الاستراحة هناك.

فجدير أن تجد يا لبيب مقصودك و مناك، فنزلنا هناك هنيئة من الزمان و سرحنا الأبصار في المرائي الحسان، و قلت عند نزولنا في هذا المكان.

بالله عرج على تلك الجنان و لا* * *تحيد عنها فما عليك من حرج‏

فلج معاهدها و اقصد حدائقها* * *ذات ابتهاج بقرب نهرها الهائج‏

____________

(1) نفس الإعجاب عبر عنه الصفار في رحلته بالصفحة 56 «... و اعلم أن هذه المدينة هي قاعدة بلاد الفرنسيين و أم حواضرهم، و كرسي مملكتهم و مسكن عظمائهم و منشأ قوانينهم، و شرائعهم، و دار علومهم بها يتفاخرون و بسكانها يتنافسون و بها و بأهلها في عوائدهم و آدابهم و حضارتهم، يأتنسونوهي مدينة عظيمة كبيرة، من كبار المدن المذكورة في الأقاليم ...».

(2) 6 غشت سنة 1876 م.

319

بالله قف بالرفاق و اغتنم لذة* * *فالنفس حقا غدت بذاك تبتهج‏

و انظر إلى الفلك في الانهار سابحة* * *تصيد ريم البيدا نضئ كالسرج‏

و انظر لأشجارها بالشاطئين غدت‏* * *تهدي السلام بميل غصنها البهيج‏

يا لائمي حسدا جرب و إلا قمت‏* * *حزنا فما أنت إلا من ذوي العرج‏

و لما اطلع على هذه الأبيات بعض رفقائنا. قال: قد أحسنت إلا أنك لم تذكر الأناس الذين كانوا في الماطشات‏، كل رجل مع زوجه في ماطشة يطيشان بها منفردين، فقلت إن أحببت ذلك فزد فيه.

القبة التي تطير بمن يعلو بها

و عند رجوعنا في تلك العشية، رأينا جرما مستديرا عظيما مرتفعا غاية في الهواء، و له رأس مستطيل إلا أنه معكوس إلى جهة الأرض، يقال إن أناسا يركبون في مجالس محيطة بذلك الرأس نحو العشرة. و ذلك الجرم المستدير منفوخ بالغاز من شأنه الصعود، فيطير بالجالسين بتلك المجالس بعدما يتفهمون على كيفية حركتي الصعود و النزول و مدتيهما. و كنا نسمع بأن أناسا يركبون في قبة تطير بهم و تنزل بهم‏

____________

(1) الأبيات من بحر البسيط مع خلل في الإيقاع.

(2) أرجوحة أو خسدعةBalanC ?oire (المنجد).

(3) القبة الطيارة مكونة من غلاف رقيق ذو شكل كروي، متى ملئت بالهواء الحار أو بغاز الإيدروجين صارت أقل ثقلا من الهواء فتسبح فيه، و تتدلى منها سلة لحمل الأشخاص أو بعض الأجهزة العلمية لمعرفة طبيعة الهواء و الأحوال الجوية، أو لأغراض عسكرية. (دائرة المعارف الحديثة، ج 2: 32).

320

في محل آخر، لكن الذي نقل إلينا أن الأناس يكونون خارجين عن جرم القبة، لأنها مملوءة بالغاز و هم بالمجالس المحيطة بها من أسفلها، و أنهم يكتبون مكاتب و يرمونها من أيديهم، بعدما يجعلون بها خيطا رقيقا و ورقات كبار من الكاغد مصبوغة بالسواد لترى عند نزولها، و يخبرون في تلك الكتب بما يرونه من أحوال الجو و المدن و غير ذلك، و يختارون لذلك يوما لا ريح فيه، و أنهم ينتهون في صعودهم إلى محل يفقدون فيه الهواء و تضيق أنفسهم و يشتد بهم البرد،/ 276/ حتى أنهم لا يرون إذ ذاك إلا الفلك من فوقهم و من تحتهم، و لا يرون أرضا و لا بحرا و لا مدنا و لا غيرها. و ربما مات بعضهم من شدة البرد و ضيق النفس، و كان يقال إن هؤلاء الصاعدين يقبضون على الصعود مالا معتبرا. فقيل لنا هم الذين يدفعونه لأجل الصعود و الفرجة و نيل تلك الرتبة و الافتخار بها.

الدار التي تصنع الخبز للعسكر

في يوم الثلاثاء السابع عشر منه، خرجنا إلى دار يصنعون فيها الخبز للعسكر، وجدنا فيها بيوت النار عديدة و خناشي كثيرة مملوءة بالدقيق الخالص الصافي، و خزانات فيها خبز كبير موضوع. قسمت واحدة بسكين فإذا هي من ذلك الخالص، و أما الرحى التي تطحن الزرع بالمكينة، فقيل إنها عندهم بمحل آخر، و وجدنا بعضا من العسكر يفتحون صناديق من العود مثل صناديق الكبريت في الجرم، و يخرجون منها الفجماط يزيلون الغبرة التي به و يمسحونه و يردونه إلى تلك الصناديق، ليكون موجودا وقت الفيرة، و قيل إن ذلك الفجماط يصير في تلك الصناديق ثمانية عشرة شهرا، و أن تلك الدار يصبخ فيها من الخبز ما يكفي خمسين ألفا من العسكر إذا احتيج إلى ذلك.

____________

(1) 8 غشت سنة 1876 م.

(2) أو البجماط: نوع من الفقاص أو الخبز اليابس.

(3) انظر شرحه بالملحق رقم: 4.

321

فابريكات الكور و غيره و العدة التي في الخزين‏

ثم خرجنا إلى دار فيها فابريكة صنع رويضة الكراريط من العود، فابريكات صنع الخفيف للمكاحيل و الكور المستطيل‏، مثل ما تقدم بيانه في بعض مدن اللوندريز، إلا أن تلك الخدمة أقوى و أكثر بكثير منها في باريس، ثم إلى خزائن العدة فيها مكاحيل مصطفة في أسرّة عود طولا و عرضا من الأرض إلى السقف، و كذلك الكوابيس و السيوف، و لم نسأل عن عدد ما في هذا الخزين من العدة، غير أني وجدت في طوله مائة خطوة و عشر خطوات بين كل ست خطوات سريران، أحدهما عن اليمين و الآخر يسارا، كل سرير ممتد مع الأرض بنحو ثمانية أذرع، مرتفع إلى السقف و فيه ست طبقات، بين كل مكحلتين نحو سدس ذراع، فيكون في اللوحة السفلى من/ 277/ المكاحيل، من أحد الأسرة التي عن اليمين ست و تسعون مكحلة، تضرب في ستة عدة طبقات السرير الواحد، يكون فيه خمسمائة و ست و سبعون مكحلة، تضرب في ستة عشر، عدة صفوف الأسرة طولا التي عن اليمين، يكون فيها من المكاحيل واحد و ستون ألف و ست و خمسون، و مثلها يكون في صفوف الأسرة التي عن اليسار، يكون جميع ما يسعه هذا الخزين من المكاحيل مائة ألف و اثنين و عشرين ألف و مائة واحدة و ثنتي عشرة مكحلة، لكن بعض الأسرة فارغة قيل إن مكاحيلها بيد العسكر تمسح، و كلها في غاية النظافة كأنها خرجت الآن من قوالب صنعها، و كلها من العينة التي تعمر من الخزنة، و وجدنا هناك كبابيط من ورقات الحديد، كل كبوط ينفصل إلى ورقة إحداها تجعل على الظهر و الأخرى على البطن و يجمع بينهما، وزن كل كبوط كما قيل ثمانية كيل، نحو خمسة عشر رطلا بالعطارى، و في بيت آخر كورة صغيرة مستطيلة على هيئة الجوزة الكبرى، و قد

____________

(1) لم تطلع السفارة المغربية أثناء إقامتها الأولى بفرنسا إلا على المنشآت العمرانية و الاقتصادية فقط، بينما في بلجيكا و أنجلترا تعرفت على الصناعات الحربية، فتنبهت الحكومة الفرنسية لهذا التقصير و ركزت على اطلاع السفارة المغربية أثناء إقامتها الثانية بباريس، على معاملها الحربية و قواعدها العسكرية لإظهار عظمة فرنسا في هذا الميدان.

322

رصفت بمسامير، قيل هي مما كان يرمى عليهم البروصيا، و أن واحدة منها نزلت في طريق طويل عريض و تفرقعت‏ هناك فقتلت خمسين منهم، و طفئت الفنارات التي كانت في ذلك المحج، و سقطت سراجيمه، و أصاب طرف منها الجلنار كان مع السلطان‏ في كروصة فقتلته، هكذا ذكر ترجمانهم، ثم إلى بيت آخر وجدنا فيه عينات من المكاحيل مهما ظهرت عينة جديدة عند جنس من الأجناس، يوتى لهم بعدد منها فيسلمونه للمعلمين المهندسين يختبرونها و يقلبونها و يخبرونهم بما يظهر لهم منها، و بينوا لنا عينة أحدثها الفرنصيص يفتح خزنة الجعبة و يجعل فيها عمارات من البارود، فتكون العمارات مدفوعة في طول السرير من قرب رأس الجعبة إلى الخزنة، فإذا تمت عمارتها يجدب القرص فتخرج العمارة الأولى، و بنفس خروجها تدفع جعبة السلك العمارة الثانية إلى الخزنة، ثم بفتحها فتلفظ الخزنة الجعبة التي كان فيها البارود و تطير منها بجهد، و عند ذلك/ 278/ تستقر العمارة الثانية في الخزنة، في الموضع الذي خرجت بدفع السلك الملتوي بها إلى الخزنة، و هكذا العمل بها حتى تخرج العمارات الثمان، قيل إنهم يدركون بهذه العينة خروج أربعين عمارة في الدقيقة الواحدة.

سكويلة العسكر و الخروج من باريس إلى اليون‏

ثم أدخلونا إلى سكويلة من سكويلات العسكر، و معناها الدار التي يتعلمون فيها العلوم الحربية، فوجدناها مملوءة بفئة من العسكر كانوا جالسين على الأسرة من عود،

____________

(1) ظهرت القنابل اليدوية كسلاح جديد و فعال تتفجر بقوة عند اصطدامها بالأرض (الموسوعة العسكرية).

(2) لويس نابليون بونابارت‏Louis NaPoleon BonaParte سنة 1852 لقب بنابليون الثالث، و عمل جهده لترسيخ دعائم حكم سطوي و قوي. غير أن انهزامه أمام ابروسيا سنة 1870 م التي برزت داخل أوربا كقوة سياسية جديدة، أرغمت فرنسا على توقيع معاهدة فرانكفور في ماي 1871 م إذلالا لها. (تاريخ العلاقات الدولية من 1815 م إلى 1945 م، ببيررنوفان).

323

و كل واحد قدامه كتاب و كبيرهم مقابل لهم، فعند إشرافنا على الدخول عليهم تكلم معهم الكبير فوقفوا و أشاروا بالسلام، و ذكر أنهم يأتون إلى هذه الدار في الساعة الخامسة من صباح كل يوم‏، و لا يخرجون منها حتى تصل الساعة الحادية عشرة ليلا، فيكون مدة مقامهم بهذه الدار ثمان عشرة ساعة، و تبقى لهم من اليوم بليلته ست سوائع للنوم و الاستراحة، و لهم في هذه الدار مطابخ عديدة و مواضع للأكل و طوابل و شوالي على عادتهم، و في بعض المواضع موسيقا حيث دخلنا إلى تلك المواضع تقدم بعض المتعلمين إلى تلك الموسيقا و صار يخدم بها هنيئة بنغمات عجيبة لطيفة.

و في الساعة التاسعة عدا ثنتي عشرة دقيقة، ركبنا في بابور البر من باريس قاصدين مدينة اليون، للمرور عليها إلى بر إيطاليا، ذلك من ليلة الجمعة العشرين من رجب‏، و خرج معنا ترجمان الدولة الفرنصوية مع ترجمانهم الذي كان طلع من طنجة.

زيارة رأس بعض جبال ليون‏

و كان دخولنا إلى ليون في الساعة الثامنة من صباح يوم الجمعة، فتكون مدة السفر بينهما إحدى عشرة ساعة و ثنتي عشرة دقيقة، باعتبار مقام البابور و وقوفه في بعض المدن التي بينهما لنزول بعض الناس فيها و حمل آخرين منها على العادة، و هذه المدينة يحيط بها الجبال من بعض الجهات و هي معمورة أي الجبال، و مع ذلك تصعد الكراريس إلى أعلا جبالها في طرق بها/ 279/ ارتفاع يسير ينطوي في طول هذه الطرق ارتفاع تلك الجبال، و تكون الخيل التي تجر الكراريس في هذه الطرق المرتفعة تسيرا سيرا مهلا.

____________

(1) إشارة ضمنية من الجعيدي إلى أن التطور الأوربي و خاصة في الميدان العسكري وليد التربية و التعليم المكثف و المستمر، و ثمرة مدارسهم المتعددة لتكوين أبنائهم تكوينا ثقافيا و علميا منذ الصبا.

(2) 11 عشت سنة 1876 م.

324

و في مساء يوم الجمعة المذكور أوتي إلينا بالأكداش و ركب الباشدور مع الترجمان الذي طلع من طنجة، و نحن في أثره و توجهت بنا إلى بعض تلك الجبال المسكونة، فوصلنا إلى رأس جبل، فخرج إلينا رجل‏ و استدعانا للدخول لقبة هو فيها هناك مع بعض عياله، و هي مربعة صغيرة نحو عشرة أذرع طولا و مثلها عرضا، و فيها سراجم بالزاج بجدرانها يشرف منها على المدينة، و على ما وراءها من الجبال حتى على جبال إيطاليا كما بينها لنا صاحب القبة المذكورة. و له في هذه القبة أثاث و حوائج بقصد بيعها كالمراءات التي يرى بها ما بالبعد مختلفة في الكبر و الصغر. منها ما هو أصغر من الأنملة لكن لا يرى بها بعين واحدة. و يرى فيها بعض الصور و الأشكال، و له هناك صنيدقات من العود صغار في كل واحدة زاجة و في وسطه ورقات كاغد، في بعضها صور طرق‏ ليون و كيفية بناء ديارها و قببها و القناطير التي يمر البابور فوقها و الماء يجري تحتها، و غير ذلك من الهيئات، و ثمن هذا الصندوق خمسة و أربعون من الافرنك، أعني‏ تسع ريالات، فمن كان عنده هذا الصندوق فكأنه يرى مدينة اليون عيانا، ثم خرجنا منها و رجعنا مع أطراف المدينة بين أشجارها كأشجار الغابة، و طرقها منسقة و الوادي جار فيها، و بقرب شاطئه أماكن مزروعة بالنوار فيها حياض‏

____________

(1) ربما يقصد الباحث‏Antoine Lumie ?re الذي أسس ورش عمل لتطوير فن التصوير الشمسي (الفوتوغرافيا) بضواحي مدينة ليون بMontPlaisir منذ 1870 م، صحبة ولديه‏Auguste (1862 م، 1954 م) الكميائي وLouis (1864 م، 1943 م) الفيزيائي، اللذين أصبحا من كبار المنتجين في العالم للألواح الزجاجية الخاصة بالتصوير الشمسي ثم الأفلام الحساسة، و دخلوا عالم السينا سنة 1895 م، و كانت المنافسة بين‏Les Fre ?res Lumie ?re و الأمريكي‏George Eastman (1854 م، 1952 م) الذي صمم آلة التصوير كوداك‏Kodak .

L`Universelle Bordas, vol: VII: 477.

(2) يلتقي بها نهر الرون‏Rho ?ne بنهر الساؤون‏Sa ?ne .

(3) في سنة 1876 م كان 45 فرنك فرنسي- 9 ريال. أي (ف. ف- 1 ريال) و حسب جاك كيلي أن: 1 فرنك فرنسي لسنة 1876- 200 ف. ف. سنة 1959.» السفارات و البعثات المغربية» مجلةHes -Peris -Tamuda سنة 1860 م: 150 الرباط.

325

عجيبة على عادتهم، و عبرنا على قناطر عديدة على ذلك الوادي، و رجعنا إلى نزولنا بعد ما غربت الشمس.

فابريكات خدمة الحرير و الديباج به‏

و في يوم السبت الواحد و العشرين منه‏ توجه بنا الترجمان‏ المذكور في ضحاه إلى دار فيها فابريكة صبغ الحرير الأسود فقط، فوجدنا فيها صناديق من عود مجلدة بالنحاس معمرة بماء الصباغة، و مدجات الحرير تجعل على أعواد و ترسل في ذلك الماء و تنصب/ 280/ على حرفي الصندوق طولا، و رأينا صندوقا ينصب فيه ماء الصباغة من جعبة طويلة قطر دورها يقرب من ربع ذراع. و ذكر أن هذه الدار تصبغ خمسمائة ألف كيلو في السنة، و أن فيها ثمانمائة من الخدمة.

و بعد صلاة الظهر توجهنا إلى بعض فابريكات صنع الديباج و الحرير، و توجه معنا عامل البلد، و عند دخولنا إليها وجدنا أولا رجلا قدامه منسج و هو ينسج فيه بوضربة من الحرير الأحمر و الأخضر من العينة التي تأتي للغرب، و ما يرى في بوضربة و غيره من التوريق و التشجير، ينسجونه في خيوط و يلفونه فيها، و يركبونها فوق المنسج في لوحة تمسك فيها و ترسل إلى أسفل، و تمر بين خيوط السدا التي ينسج فيها و تخرج منها حتى تقرب إلى الأرض، فيربطون بطرف كل خيط كالخيط من الرصاص ليبقى نزول كل خيط مستقيما من السدا إلى الأرض، و أما بقية كل خيط من فوق السدا

____________

(1) 12 غشت سنة 1876 م.

(2)Soheffer الذي قال عنه الأديب العمراوي في تحفته» ... و لهذا الترجمان معرفة بكثير من علوم المسلمين، و يكتب بالخط المشرقي في كتابة جيدة و يحفظ أشعار عربية و نوادر أدبية، و يستحضر الآيات و الأحاديث و القصص و تواريخ الأمم الماضية ... فإنه يعرف اللسان العربي و الفارسي و التركي و جميع ألسنة النصارى ... مع ذلك كله فليس على أدبه طلاوة و لا في ألفاظه حلاوة فعلى كل أقواله ينزل المقت ... و كنا نتلمح في عينيه بغض المسلمين أكثر من غيره ... و لعل ذلك من اطلاعه على كتبنا ...».

326

إلى اللوحة التي تمسكه، فيكون منحرفا فيه تعريج، و المعلم الذي ينسج أسفل رجله اليمنى خشبتان كالجائزتين، تارة ينزل رجله عليهما معا و تارة على إحداهما فقط، و عند الخدمة تارة ينزل بعض تلك الخيوط المثقلة بالخفيف و تارة ترتفع، و هو يخدم بنزق واحد، فيرسله بيده اليسرى فيمر بين خيوط السدا ثم يجذب خيطا بيمناه في ناعورة، فوق المنسج و في وسطه، فيرجع ذلك النزق وحده بين خيوط السدا من اليمين إلى اليسار، و بعض المعلمين يخدمون النزق من الجهتين بتلك الناعورة، و يكون قابضا بإحدى يديه القنبة المعلقة في تلك الجرارة، و بالأخرى الدقاق الذي يدق به عند النسج، و كلما جذب تلك القنبة إلى جهة يأتي النزق إليها، و وجدنا رجلا آخر يخدم الموبر البرانية، و له سداوات ثلاث في منسج واحد إحداها حرير صافي، و الأخريان من قطن، و هو يجعل بين السدا ثلاثة قضبان من السلك الرقيق مجعوبة و مشقوقة، و يصلها بمحل النسيج و يرسل النزق ثلاث مرات/ 281/ ثم يأخذ حديدة لطيفة أرق من الميزق، و يشق برأسها الحرير الذي التوى على ذلك السلك المشنوق، فيقطع الحرير و يلقى الميزق ذلك الشق الذي في السلك، ثم يخرجه، و هكذا فيشق ذلك الحرير تطلع الوبرة على وجه الموبر، و هناك أناس آخرون يخدمون ثيابا فاخرة مشجرة بالذهب و بالحرير على أشكال و ألوان لا تكاد تحصى كثرة. و طولعنا بعينات منها عندهم مهيئة يرسلونها لمن يريد شراء شي‏ء منها، فمنها ما ثمنه يزيد على أربعين ريالا للقالة. و منها ما دون ذلك إلى أقل من ريال واحد للقالة.

و وجدنا هناك مكينة فيها مناسج عديدة، عرض كل منسج خمسة أمتار تخدم ثوب المسوس، و آلات النسج تخدم بحركات المكينة لا يمسها أحد إلا من يقابلها لمباشرة ما، كوصل خيط عند انفصاله أو شبه ذلك. و وجدنا طرفا منها منسوجا في غاية اللطافة و الرقة و الليونة، و ظننا أنه منسوج من الحرير، فأخبر كبير الفابريكة أنه من الحرير و شعر المعز أنصافا، و خيطه مبروم أرق من الشعرة بأضعاف، ة حتى قيل إن وزن أوقية من هذا الخيط يكون طوله ثلاثين ألف متر، و أيضا فالثوب الذي وجدته منسوجا عرضه خمسة أمتار، و طوله سبعة عشر مترا، قيل وزنه كيلو واحد، و ثمنه أربعون ريالا، فإذا قسم هذا المنكب الذي طوله خمسة أمتار، و هي تعدل تسعة أذرع تقريبا، على قالة و نصف يكون فيه ستة مناكب، و إذا قسمت هذه القطعة نصفين‏

327

عرضا صارت ثنتي عشرة شقة، طول كل واحدة أزيد من خمسة عشر ذراعا، و المنكب من نحو ذراع و نصف، فيكون ثمن الشقة حينئذ ثلاث ريالات و ثلث، و هو إذن أرخص بكثير من المسوس المصنوع من الخيط الذي يجلب للغرب، غير أن شعر المعز الملفق مع الحرير فيه ما فيه من/ 282/ توهم عدم تزكية المعز التي يأخذون شعرها لذلك.

مستملحة استظرفتها هنا

مستملحة جرت بيني و بعض رفقائي مداعبة، اقتضتها المرافقة و المصاحبة، و ذلك حيث طال بنا السفر و صرنا كالمقيمين بلظى أو سقر، و الأيام تمتد و تطول، و الليالي، تبخل بالنوم و تصول، فذكرني ما سلف من الغرائب، و ما شاهدناه في ديار الطياطيرو من العجائب، و بلسان الحقيقة نصحني و وعظني، و كان بلسان الغرور بستر تلك الزلة وعدني، و قال‏ كيف بك يا رفيق حتى سلكت ذلك الطريق، و ولجت تلك الديار، و هتكت الأستار، و خلعت بها العذار، و غرست في أرض قلبك بذر هذا النبات، و سرك دوران رقص تلك البنات، مع أنك لدى القاضي من العدول المبرزين، و الاخلاء المغربين، و لا بدّ لي أن أكشف‏ له عن حالك، و أبين له ما صرت إليه في مثالك، و أودّي لديه بذلك شهادتي، و لا تأخذني لومة لائم فيما فيه سعادتي،

____________

(1) ما هي إلا تصوير جري‏ء و صريح لمعايشة رفاقه، من خلال ما يروج في دائرتهم، مما يبعث على إشاعة روح المرح فيما بينهم للتسلية و التزجية، خاصة أنه كان لهؤلاء الرفاق وضعية محترمة في وسطهم الاجتماعي، و لذلك توزعت عليهم الأدوار في هذه المستملحة الهزلية حسب ما لهم من حرمة و مكانة و اعتبار.

(2) يقصد الشخص المدعي (الأمين التاجر بناصر غنام) الذي ألحق به تهمة يحاول بها أن ينال من عدالته لدى القاضي.

(3) التهديد برفع الدعوى إلى القاضي ليسقط شهاداته.

328

فأجبته‏ و وفيت له بالمكيال الكبير، و لم يكن قلقي في هذا الميدان قصير، و ما ظلمته و الله أعلم، و لكن الخير بالخير و البادي أكرم. أما علمت أنك كنت لذلك طالبا مشتاقا، و متشوقا إليه و فيه راغبا، و توجهت إليه بقلبك، بعدما أخذ حبه بمجامع قلبك، و كنت تتأمل في ذلك تأمل المشتاق، و تتمايل طربا تمايل العشاق، و تتصدر في المواضع التي لها اشراف، و جاوزت في تلك حد الاشراف، و أكدت ذلك بالاستحسان و زكيته بالثناء و طول اللسان، حتى كأنك تثني على مريم و آسية، و يسليك ما انطوت عليه تلك القلوب القاسية، و تتلذذ به مساء و صباحا، و كأنك ارتكبت أمرا مباحا، و ما غضضت عن ذلك النظرة و سلكت مسلك أولائك النفر، و لأنشرن خبرك في الأوطان، و أشرح حالك في حضرة مولانا السلطان/ 283/ فيعرف منزلتك بين التجار، و يعطل تجارتك بخدمته الشريفة في الأقفار و البحار، أو يدنيك من قربه و هذا جزاؤك و المرء مقتول بما قتل به، و أما ما رميتني به من الفجر، و الأفك و ببّنات الزور، فإن القاضي له عقل حاد، من الأذكياء النقاد، لا يسمع منك تلك الدعوى، و ربما تجر عليك البلوى، فإن من الهوى و الفضول، اتباع العورات لا سيما تجريح العدول، و قد علمت أني توجهت معكم جبرا، و لم يكن لي بذلك خبر، و مع ذلك كنت ممن تركوا بدارهم القلوب و الأرواح، و توجهوا بالأجسام و الأشباح، و تأخرت باختياري في ذلك المجلس إلى وراء، و نبذت ما هناك بالعراء، و لم يكن لي لذلك التفات، و لم تصحبني نظارة و لا مرءاة، و أخذتني هناك سنة من النوم، حتى استغرب ذلك الترجمان من القوم، و لا مني على نومي، مع أني ظللت نائما جل يومي و ها أنا أشرح للقاضي قصتي لينصفني و أستريح من غصتي، و أبينها في بحر خفيف ذي قافية، فإنه ممن يراقب من لا يخفى عليه خافية، و هذا أوان رقم تلك‏

____________

(1) الجعيدي بصفته المدعى عليه و المقصود من الشكوى، يدافع عن نفسه و يكشف عيوب الدعي.

(2) في الأصل خبرا و هي خطأ، نصبها لأجل ضرورة السجع.

329

الدعوى في الأسطار، و ترتيب فصولها في هذه الأشطار:

قد رفعت إليك يا علم الوق* * *ت، و مفتي الأنام قاضي القضاة

قصتي، فاستمع و بالحق فاحكم‏* * *و ارحم ضعفي، و فيض ذي العبرات‏

قاسني من رفيقي ظلم و جور* * *لكن كان مقصوده مسرّاتي‏

كلفوني دخول دار (الطياطرو)* * *أوقفوني مواقف الشبهات‏

فامتنعت، و قلت ذاك حرام‏* * *فاتقوا الله عالم الخفيات‏

ثم جاءوا و قد تمالاوا طرا* * *على ظلمي بباطل الدعوات‏

/ 284/ زعموا أنه يسرني- جورا* * *-مثل ما سرهم من رقص البنات‏

أوعدوني برفع ذلك للقاضي‏* * *ليرى ذاك ساقطا شهاداتي‏

ليس للقوم حجة و لا رسم‏* * *لا برهان لهم، و لا بينات‏

____________

(1) هذه القصيدة اختار لها الإيقاع الخفيف و ذلك لخفته و سهولة النظم فيه، و في الحقيقة ما هي إلا تسجيل ثاني لما سبق تسجيله عند المؤلف نثرا مسجوعا على منهجه المعتاد في التوثيق.

و هي قصيدة متواضعة شكلا و موضوعا، لما ساده من خلل و تكسير على صعيد الإيقاع و التعبير، غير أنها توثق لنا كل ما يحدث له و لغيره على سبيل الفكاهة الأدبية.

(2) استدراك بأن القصة غير مقصودة لذاتها، و إنما تمت صياغتها من أجل التسلية.

(3) الشبهة المنسوبة إليه مشاهدة رقص البنات في المسرح.

330

لست أبغي وكيلا عن هذه‏* * *الدعوى إذ شأنه الميل للفليسات‏

و حلفت يمينا عن صدق قولي‏* * *و استوفاها مني أخو الترهات‏

فاستمع نصها و علمه للعدل‏* * *المزكي، لردع كل البغاة

فبحق‏ سهام تلك الجفون‏* * *و قسيّ كرمي الرماة

و بهز القرود عند التثني‏* * *و بحق احمرار تلك الوجنات‏

و بلثم الوقوح تلك الشفاه‏* * *فازمن زعمه بتلك اللذات‏

بالصدور، و ما بها من رمان‏* * *بانكشاف الذوات لا العورات‏

ما نظرت إلا بناظر عيني‏* * *لا بقلبي لا بضوء المرآة

لا تقل أن الحكم يجري على‏* * *الظاهر، دون التفات للخفيات‏

____________

(1) الجعيدي يرغب في الدفاع عن نفسه، دون حاجة إلى وكيل ينوب عنه لقناعة لديه أن الوكيل رجل مادي متهافت على (الفليسات) الدراهم .... و هذا انتقاد صريح لما كان عليه الوكلاء في عهده من تكالب و تهافت على جمع المال.

(2) هنا تتجلى قمة الدعابة المقصودة من صياغة هذه القصة، لذلك لم يتحرج الجعيدي أن يقسم بكل المناظر المكشوفة التي أكره على مشاهدتها، إذ يتضمن لفظ هذا اليمين وصف الراقصات، وصفا ماديا كاشفا لذواتهن.

(3) أما جواب القسم فهو اعتذار و إقرار، لهذا لا يطبق عليه الحديث» أمرت أن أحكم بالظاهر و الله يتولى السرائر» بل يطبق عليه حديث» إنما الأعمال بالنيات».

331

فقد بان صدقي، و عندي فتاوي‏* * *إن ذاك من معفو العترات‏

و افتح بابا إلى التأويل ... و إلا* * *فلنا رب يغفر السيآت‏

ثم أن سيدنا الرئيس اطلع على ما هنا من الدار النفيس، و تأمل هذه القضية نظما و نشرا، و فاح لديه طيب شداها صنعا و نشرا، و تأمل في فصول ذلك القسم، و سره حتى ضحك و ابتسم، فقال لا تثريب عليك و لا ضير، فاستصلح بينكما و الصلح خير، و لا ترفع/ 285/ ذلك لأحد من الولاة، و لا تطالع به الوشاة، و صنه صينة النفس الشحيحة بما لها، و استره ستر الحسناء العفيفة بجمالها، فرجعت القهقرا، و تأخرت إلى وراء ثقة بعدله كما وعده و صرت لا أبالي بعد بمن قام أو قعد، و لا أرفع رأسا لمن أبرق أو أرعد، و لكن شرطت عليه أن يحضر خصمي، و يشترط عليه عدم تمزيق رسمي، لأن في تمزيق الرسوم تضييع الحقوق، إذ ربما ينشئ عنها الإنكار و العقوق، فكان بذاك كفيلا، و كفى بالله وكيلا، ثم المطلوب من الواقف على هذا الجمل الواهية الأساس المركبة على غير قياس، أن لا يبادر إلى الإنكار، بما تبديه بديهة الأفكار، فإنك إن جلت في غربتي، و تبين لك حالي و كربتي، و لخرجت من فرقة الإنكار، إلى فرقة من يلتمس الأعذار، و صرت لي من خير الفرقتين، و قلت عذرا لك يا من جسمه برومة و القلب بالعدوتين.

____________

(1) قصيدته هذه يعترها بعض الخلل و التكسير، لأن المؤلف يمارس نظم الشعر على سبيل المحاولة، كتعبير ثاني لما سبق أن عبر عنه نثرا مسجوعا لتوثيق الحدث المسجل و تأكيده شعرا لجريان الشعر على الألسن و شيوعه بين الناس بكثرة، و لو كان غير مستوف لأدواته الضرورية التي منها الوزن و الإيقاع و كذلك الشاعرية.

(2) هذه المستلمحة كتبت أثناء تواجد السفارة المغربية بروما لكن صاحب الرحلة أدرجها مع أنشطة السفارة بفرنسا.

332

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

333

الجزء السادس‏

أخبار بعض بلاد الطاليان‏

و كان خروجنا من ليون في الساعة الثامنة ليلا من ليلة الأحد الثاني و العشرين من رجب‏، و خرج مع الباشدور ترجمان الدولة الفرنصوية مع ترجمانهم بطنجة، و ركبا معه في بابور البر في عربة منتخبة و قطعنا الليل كله سفرا، و في الساعة الرابعة صباح الأحد المذكور، وصلنا إلى مدينة تسمى رمضان‏، و هي الحدادة بين الجنسين الطاليان و الفرنصيص، و يقال إنها مشتركة بينهما في الحكم كل جنس منهما يحكم في نصفها الذي من جهته، و هناك تلقى للباشدور نائب الطاليان، و هو

____________

(1) انظر خريطة تنقلات السفارة المغربية عبر إيطاليا بملحق الرسوم و الصور صفحة 22).

(2) 3 أغشت سنة 1876 م.

(3)Modane .

334

القونصو و هو رجل ذو عقل و أدب يحسن النطق باللغة و القلم العربي، و كذا غيرها من اللغات و له خلق حسن و له مكانة معتبرة عند الدولة، و وجدناه قد هيأ عربة أنيقة كبيرة، فيها عشر شوالي/ 286/ كبيرة مبطنة بثوب حرير أحمر فيه تشجير، و بين كل شيليتين مائدة مستديرة قائمة على كرسي من عود، عليها أشكال من الحلواء و العنب و البطيخ و غيرهما من فواكه الوقت، و كذلك من الحليب و القهوة و أواني الماء من البلار الرفيع المدفون في وسطه الثلج، و في العربة سراجم ثمانية بالزاج من الجهتين كبيرة، على كل سرجم ستر من ذلك الحرير المذكور طويل مع مجاديل غلاظ منه، في كل واحد كبالة كبيرة من الحرير لربط ذلك الستر به، و ستر آخر من حرير أزرق يرسل تارة على الزاج وقاية من شعاع الشمس، و سقفها و بقية ما بين السراجم منها كله مبطن بذلك الحرير، و بداخل هذه العربة بيت الخلاء، و الماء يجري بحلابة عند إدارة تنظيفه و بها حلاب آخر في الجهة اليسرى عند الدخول لبيت الخلاء ينزل الماء إليه من بزبور فوقه عند الاحتياج إليه. و لم يقصر هذا القونصو في البرور و التعظيم و الترحيب.

ثم سافر البابور بنا بعدما رجع ترجمان الفرنصيص الذي كان‏ طلع من طنجة، و بقي معنا ترجمان الدولة الوارد من باريس، و توجهنا إلى مدينة طورين‏، و هي‏

____________

(1) قنصل إيطاليا بمدينة حلب بالشام، القائد بوزيوBosio ، استدعى رسميا ليكون المرافق و الترجمان الخاص للسفارة المغربية، خاصة و أن سفير إيطاليا بلندن نبه حكومته لذلك.» ... إن أنجلترا وضعت تحت أمر السفير المغربي دبلوماسي رسمي يقضي وقته كله في الترجمة و حكومتنا لا بد أن تكلف شخصا ليقوم بنفس المهمة ...».(S .D .P .E .I )D .M .Smith) P :562 .( .

(2) المكب الكبير، ما يلف عليه الغزل أو الخيوط المختلفة، ج. مكبات و مكاب. (المنجد).

(3)Jules Mong سنجده في ما بعد مرافقا لأعضاء السفارة المغربية بإيطاليا و متتبعا لخطواتها (جاسوس فرنسي).

(4)Torino أو(Turin) رابعة مدن إيطاليا، عند نهر البو، و على منحدرات جبال الألب، كانت عاصمة لمملكة سردينيا (1814- 1860)، و عاصمة إيطاليا حتى عام 1865 م. (دائرة المعارف الحديثة، ج 2:

548).

335

مدينة عظيم الدولة، و ما بين هاتين المدينتين جله من جهة مضان، جبال شاهقة مرتفعة في الهواء تطاول السحاب طولا و تجاوزه وصولا و على رؤوسها من الثلج عمائم لا يزال حتى في أيام السمائم‏، فكان البابور يمر بنا في مواضع ضيقة بين تلك الجبال و قد شمخت بالفضاء و التوسعة في ذلك المجال، و تارة تعارضنا الجبال الشاهقة، فيمر البابور تحتها حتى لا يدري من الجهات الغاربة من الشارقة، فمنها ما يطول سيره تحتها نحو ثلاثين دقيقة، و منها ما هو أقل من ذلك، و تارة يتلاقى بابوران تحت تلك الجبال فيمر كل على طريقه/ 287/ فتحدث أصواتا مرهبة، و العربات تمر كالبرق باختلاف حركتيها بين مقبلة و مدبرة، و حين قربنا من مدينة طورين المذكورة، تركنا تلك الجبال وراءا و خرجنا إلى التوسعة و الفضاء، فوجدنا هناك بساتين و أنهارا و مزارع و أشجارا، و اتصل ذلك في الجهتين إلى أن وصلنا إلى تلك الديار.

الدخول إلى طورين‏

و كان وصولنا إليها أي مدينة طورين في الساعة الثامنة و خمسين دقيقة من يوم الأحد المذكور، و تلقى هناك للباشدور عامل تلك البلد و شيخها و الجلنار، بالفرح و البرور و التعظيم و السرور، و ذكروا أنهم مامورون من قبل أمير الدولة بالوقوف معه و البرور به و التوسعة عليه و على من معه و تنفيد جميع ما يحتاج إليه من الضروريات و المقضيات، اعتناء بجانب مولانا الشريف و اهتماما بشأنه المعظم، فجازاهم الباشدور عن ذلك بلين الكلام، ثم ركبنا في الأكداش و دخلنا البلدة المذكورة، أنزلونا بأوطيل‏ معتبر، فيه فرش عديدة و كنابيس و شوالي من الموبر و الحرير، و كانت على أيدينا فيه قبب عديدة، كل قبة مخالفة للأخرى في الهيئة و الزخاريف و الفرش،

____________

(1) مفردها السموم و هي الريح الحارة تهب أواسط فصل الصيف (المنجد).

(2) 13 غشت سنة 1876 م.

(3) فندق‏Albergo D`EuroPa .

M. D. R. A. E. I( ARCH. STOR. DIPL )Roma.

336

و كان بقربنا بيوت الماء عديدة في كل بيت صندوق من حديد أو غيره، ينزل إليه من بزبوزين الماء الحار و البارد، و لم نر مثله في موضع إلا في أوطيل باريس، لكن الذي في باريس تسد تلك البيوت في الليل كله، و عليها حراس موكلون بها بخلاف البيوت التي في أوطيل طورين، فإنها مباحة لا تسد لا ليلا و لا نهارا. و لم يكن أحد موكلا بها، و هذا الأوطيل يشرق منه على فضاء متسع كالمشور، قدامه دار أمير الدولة، و كان قبل وصولنا خارجا عن هذه المدينة في نواحيها، يقصد الأماكن الباردة لشدة حرارة الوقت، و حيث كنا باللوندريز أتى إلى الباشدور يوم دخولنا إليها قونصو الطاليان بها، و أخبره أن كبير دولتهم بصدد الخروج/ 288/ إلى نواحي بلده، و أنه لا يرجع إليها حتى تمر نحو خمسة و عشرين يوما من شهر غشت العجمي، و كان مقصوده‏ بذلك أن يبين له في أي يوم يكون خروجه من اللوندريز، و كان أجابه إذ إذاك بأن الزائر في قبضة المزور، و أنه لم يدر في أي يوم يكون خروجه منها، و لم يكتف بهذا فقال له: إن خرج أمير دولتكم للصيد في تلك الجبال فإني أتوجه إليه بها بحول الله، لأني مولع بالصيد، و لي به شغف كبير فسر بذلك سرورا عظيما، و قال في هذه الساعة يتكلم مع دولتهم في طريق السلك بما أجابه به الباشدور، و قد بالغت هذه الدولة في الإكرام و بسط موائد الأنعام بسطا كبيرا، لم نعهد مثله فيما تقدم، و يتوالى ذلك منهم بتوالي الأوقات، و مع هذا كله يتفقد

____________

(1) بعد هذا الاتصال أخبر السفير المغربي سفير إيطاليا بلندن وزيره‏Melegari بما يلي:» ... و أنا مستعد للذهاب و البحث عليه لأحدد معه تاريخ وصوله إلى إيطاليا و تاريخ زيارته للملك، و السفير المغربي يرغب في أن تصل الهدايا إلى إيطاليا قبل وصوله ...»، لندن 18/ 7/ 1876 م: 265.

ثم أخبرت وزارة الخارجية الإيطالية سفيرها بباريس ...» في الأيام الأخيرة لهذا الأسبوع سيصل إلى باريس السفير المغربي قادما من أنجلترا، و قد أخبرناه أن الملك سيستقبله بطورين ما بين 29 و 30 غشت، و أخبره أن الهدايا وصلت إلى ميناء جنوا ...». روما 2 غشت 1876 م: 294.

S. P. E. I( D. M. Smith ).

(2) أخبر سفير إيطاليا بلندن حكومة بلاده بذلك، فنظمت حفلة خاصة للصيد البري على شرف السفير الزبيدي بضواحي طورين كما سيرد لاحقا.

337

القونصو المذكور أحوالنا و يتردد إلينا و يسألنا هل نحن محتاجون لشي‏ء، و أخبر أنه مأمور من قبل الدولة بالتوجه بنا إلى بعض مدنهم كرومة و فرينسي‏ و غيرهما، بقصد رؤية ذلك و بسط الباشدور و كمال الفرح و السرور، و أقمنا هناك في مدينة طورين المذكورة.

مدينة فرينسي و ما رأيناه فيها

إلى الساعة السابعة عدا خمس دقائق من مساء يوم الاثنين الثالث‏ و العشرين من رجب، و فيها ركبنا في بابور البر في تلك العربة الموصوفة، و ركب معنا القونصو المذكور و صحب معه أنواعا من الحلواء و الفواكه و الماء أيضا، و من هناك رجع ترجمان الدولة الفرنصوية بعد ما سافر البابور شيئا يسيرا، و هذا البابور كان يقف في بعض المدن التي في طريقه فينزل منه أناس، و يحمل آخرين على العادة، و في كل مدينة يقف نحو خمس دقائق فأقل، و مهما وصل وجد الناس مهيئين للركوب ليلا، و كذلك المكلفين بالبابور في تلك المواطين و الأماكن لا يغفلون عن أشغالهم ليلا و نهارا، و لكن يخلفهم في تلك الخدمة غيرهم في بعض الأوقات، ففي الساعة

____________

(1) وصول السفارة المغربية قبل الموعد المحدد للاستقبالات الرسمية، جعل الحكومة الإيطالية تخصص لهم زيارة خاصة إلى روماRoma العاصمة الجديدة لإيطاليا الموحدة، و لمدينة فرنسي‏Firenze كما جاء في جواب الحاجب السلطاني عن مكاتب الزبيدي التي يشرح فيها ما راج في تنقلاته» ... ورد عليهم عامل طورين و شيخها و الجنرال و كبير العسكر و أخبروكم بأن عظيم الدولة خارج البلد حسبما قدمتم الإعلام بذلك، و أن رجوعه يكون في أواخر غشت و قاموا بالاعتناء بكم و طلبوا توجهكم إلى رومة عملا بما أمروا به من قبيل كبيرهم ...». موسى بن أحمد 4 رمضان عام 1293. (الإتحاف، ج 2: 303).

(2) 14 غشت سنة 1876 م.

338

السابعة و خمسين دقيقة، وقف البابور في مدينة اقس‏ و في الثامنة و ثلاث و ثلاثين دقيقة وقف في بلدة تسمى سكندرية،/ 289/ و طلع إلى الباشدور عامل البلد و بعض أعيانها، و رحبوا به غاية الترحيب، و في التاسعة و نصف وقف في مدينة طرطونه‏، و في التاسعة و الإحدى و الخمسين دقيقة وقف في بفير، و في العاشرة و العشرين دقيقة وقف في اسطرديلا، و في الحادية عشرة عدا خمس دقائق وقف في ابياجنصا، و في منتصف الليل و زيادة عشرين دقيقة وقف في طالما، و في الساعة الأولى و ثلاثين دقيقة وقف في موظنا، و في الساعة الثانية و ثلاثين دقيقة وقف في بلونيا، و كان سلط الله علي في هذه الليلة ذميا يخبرني بهذه المدن بعد ما يبحث عنها، و مهما كادت تأخذني سنة من النوم لسعني كالبرغوت حتى ضاق خاصري من ذلك، و لم يجمل بي نهره عن ذلك و تدرعت بالصبر الجميل، فصرفه الله عني بعد ذلك، و خرج من تلك العربة و ما رجع إليها حتى وصلنا إلى مدينة فرينسي‏ في الساعة السابعة صباح يوم الثلاثاء الرابع و العشرين‏ من رجب، و هذه المدن التي كنا نمر بها هي مدن عظيمة، و كنا نشاهد حالة السفر ضوءا كثيرا في مدن أخرى بعيدة عن طريق البابور عن اليمين و اليسار، و عند وصولنا لمدينة فرينسي‏ المذكورة، تلقى للباشدور عامل البلد و شيخها عند النزول من البابور، ثم ورد كبير الجلنار و آخران معه من كبراء العسكر، ثم‏

____________

(1) المحطات:

Asti* * *

(2) 15 غشت سنة 1876 م.

(3) عاصمة منطقة التوسكاناToscana ، و تعتبر المركز الأكثر أهمية في العالم، لما تتوفر عليه من آثار لتعاقب الفنانين عليها. و أصبحت عاصمة إيطاليا من سنة 1865 م إلى هزيمة فرنسا أمام ابروسيا سنة 1871 م، حيث دخلت جيوشها روما التي أصبحت عاصمة الدولة الإيطالية الجديدة.

L`encioclomedia Grolier Int( Milano ): Vol. 8: 411.

339

خليفة وزير الأمور البرانية، و شاهدنا من أدبهم و برورهم و شدة فرحهم ما تعجبنا منه، ثم أنزلونا في أوطيل متسع مزخرف غاية أيضا، و بالغوا في الإكرام و البرور و الاحترام.

و في مساء هذا اليوم أتوا بالأكداش فركب الباشدور و نحن في أثره، و توجهوا بنا إلى دار قديمة البناء بهذه المدينة، يقال أنها بنيت قبل نحو ثنتي عشرة مائة سنة كانت تعرف عندهم بدار الحكومة، فصعدنا إلى قبة مربعة في طولها نحو ستين خطوة، و في عرضها نيف و أربعون، فيها خزانات من الزاج فيها أواني كبيرة من الطاوس، قيل إنه من عمل إيطاليا في القديم، ثم إلى أخرى فيها خزانات زاج أيضا فيها صور آدميين و غيرهم من العاج، و في أسفل إحدى الخزانات عظم سرج من العاج شبيه بعظم سرج الغرب، و قبة أخرى فيها/ 290/ صور عبيد سود من نحاس مختلفي الأحوال، ثم إلى طبقة فوق هذه وجدنا في قبة كساوي مرصة بالذهب و الأحجار، و في بعضها تصاوير مرقومة بما ذكر و بالحرير قيل ذلك مرقوم بالإبر، و في قبة أخرى صور من الودع لاصقة الجدران، و في أخرى في جدرانها ستر من الحرير مرسوم فيها صور آدميين أيضا، و في أخرى خزانات بالزاج فيها قوالب و طوابع سكك قديمة من ذهب و غيره، ثم خزين بأسفل الدار فيه سلاح قديم و فيه مدفع نحاس عظيم، قيل هو في الأصل من عمل إيطاليا، و كان أهداه لهم بعض ملوك تونس، و بقرب خزنته الغبر رقم سبعمائة و أربعة قيل ذاك تاريخ صنعه.

____________

(1)Tornielli الكاتب العام لوزارة الخارجية الإيطالية.S .P .E .I .(D .M .Smith) .

(2) مجلس السينيوري‏Palazzo Vecchio O Della Sicnoria أو قصر الشخصيات، تم إنشاؤه عام 200 م من طرف‏Arnolfo di CamPio و وقع ترميمه سنة 500 م، و استقر به حاكم فلورنسا كوزيمو ذي ميدتشي الذي أنشأ مكتبة عامة في كنيسةSanta Maria Del Fiore أو أواخر ق 15 م، و أسس الأكاديمية الافلاطونية التي جمعت نخبة من المفكرين.

L`EncicloPedia Grolier Int( Milano ), Vol 02: 431.

(3) الطابق الأول به غرف فرانسيسكو الأول‏Francessco I بديكورها القديم. (نفس المرجع السابق).

340

الدخول إلى دار المهندسين و الفلكيين‏

و في يوم الأربعاء الخامس و العشرين‏ منه أي رجب، توجهنا لدار العلماء المهندسين و الفلكيين. فصعدنا إلى قبة بها فتلقانا كبيرها بالتعظيم و الترحيب و وجدنا في جدرانها خزانات من الزاج فيها إسطرلابات‏ عديدة ذات أشكال مختلفة و متفاوتة في الكبر و الصغر، و رأيت فيها إسطرلابين من عمل المسلمين‏، أحدهما لعرض ست و ثلاثين و نيف، و الآخر لعرض ثمانية و ثلاثين و نيف، فذكر أنهما صنعا قبل تاريخه بأزيد من خمسمائة عام، فتناولت أحدهما من يد و وضعت حرف المضادة على أول درجة من الحمل، فوافقت اليوم الخامس عشر من مارس، فقلت له هذا الإسطرلاب صنع قبل بأزيد من ستمائة سنة عجمية، و أشرت له بأن أول الحمل كان إذ ذاك في خامس عشر من مارس، و أما اليوم ففي السادس منه تقريبا، فسلم ذلك، و هناك آلات أخر من نحاس، و مرءاة لعلها للرصد، و دخلنا إلى قبة وجدنا فيها دوائر لعلها من حديد بعضها داخل بعض، و عددها إحدى عشرة دائرة و هي مختلفة الوضع، منها ما هو من المشرق إلى المغرب، و منها ما بالعكس و منها ما هو بين ذلك، و في وسطها كرة مركزها خارج عن مركز/ 291/ الدائرة الثامنة، و هم يحكون بذلك‏

____________

(1) 16 غشت سنة 1876 م.

(2) أنواعه كثيرة منها الهلالي و الكروي و الصدفي و المبطح و المسطح ... و غير ذلك. (موسوعة عربية عالمية).

(3) الجدير بالذكر أن علم الإسطرلاب لم يتقدم إلا على يد العلماء المسلمين، حيث وصلت هذه الآلة درجة عالية من الفائدة و التعقيد في الاستعمال بعد ما كانت بسيطة و بدائية عند اليونانيين، و هناك المئات من الإسطرلابات مبعثرة بالمتاحف العالمية في أنجلترا و باريس و إيطاليا و أمريكا و غيرهم. (حالة العلوم عند المسلمين، دمشق، 1972: 135).

(4) الجعيدي كان من كبار أساتذة علم الفلك (انظر ترجمته)، خاصة أن بعض المغاربة ابتكروا أكثر من آلة فلكية جديدة، مثلا عبد السلام العلمي. (انظر المنوني، مظاهر يقظة المغرب، ج 1: 157).

341

صورة الأرض و الأفلاك‏ المحيطة بها و محور الدائرة الثامنة مار بالدوائر السبع التي في جوفه، عدا الأرض فهي خارجة عن ذلك المحور، و بدوران الدائرة الثامنة تدور الدوائر السبع التي بداخلها. و في هذه القبة جعبة صفر صغيرة طولها نحو ذراع و نصف، و قطر دورها نحو ثمن ذراع، و بأحد طرفيها زاجة مستديرة قطرها نحو ذراع غير ربع، و هما مرفوعان من الأرض نحو نصف قامة الإنسان، و وراء الزاجة يد حديد عمد إليها بعضهم و اشتغل بتدويرها، و أتى آخر و قرب يده منها فخرج منها شرار نار زرقاء، و لصقت بالجعبة فتعجبنا من ذلك فقيل لي ادن منها و قرب يدك إلى تلك الجعبة فقربت منها، فخرجت من يدي شرر من تلك النار الموصوفة، و جذبتها الجعبة و عند خروجها من يدي أحسست بمثل لسع البرغوث، ثم وضع يده رجل منهم على تلك الجعبة، فصارت ذاته تجذب النار عند ما يقرب يده إلى يده، أو إلى أنفه بمشاهدتنا لذلك، كما كانت تجذبه الجعبة بواسطة وضع يده عليها تسري فيه تلك الكهرباء، و تكسبه قوة الجذب التي تجذبه هي.

ثم أدخلونا إلى قبب الأطباء و علماء التشريح‏، فوجدنا صورة امرأة متجردة ملقاة على سرير كأنها ميتة، يحكون أنها مثال امرأة ماتت نفاسا، و في جدران هذه القبة صور الجنين الذي يكون في الرحم من بعد ثمانية عشر يوما، إلى الأربعين إلى شهرين، و ثلاثة و أكثر، إلى تسعة أشهر، و كل صورة منفردة بمحل وحدها. ثم صورة امرأة بقر عن بطنها و المولود الذي فيه قد نكس رأسه كأنه يريد الخروج، و في محل‏

____________

(1) يقصد المجموعة الشمسية.

(2) آلة تعمل على تحويل الطاقة الميكانيكية الناتجة عن تدوير اليد الحديدية لموصل معدني (جعبة صفر) داخل حقل مغناطيسي دائم، (زاجة مستديرة) إلى طاقة كهربائية، عبارة عن تيار كهربائي أو تيار إلكترونات يجرى على مدى جسم موصل ناقل، و هذا ما يحصل في المولد الكهربائي (كالدينامو في الدراجة مثلا). (موسوعة عربية عالمية). (انظر الرسم بملحق الرسوم و الصور صفحة 23).

(3) يدرسون تركيب و صفات الأعضاء و الأنسجة التي تتكون منها الكائنات الحية (الإنسان، الحيوان، النبات)، غير أن المعتقدات الدينية كانت تقف في طريق علم التشريح ردحا طويلا، فكان الأطباء في القرون الوسطى يقومون بالتشريح سرا على جئت الموتى. (دائرة المعارف الحديثة، ج 2: 503).

342

آخر صورة التوءمين كيف يكونان في البطن رأس أحدهما عند رجل الآخر، ثم صورة آدميين كبار فتح على بطونهم، و صوروا صورة الأمعاء و القلب و الكبد و الرئة و غير ذلك، و تبينوا جميع العروق التي في البدن القوية و الضعيفة و كيفية تشابكها/ 292/ في بدن الإنسان، و فتحوا حتى على الرقبة و الصدر و رسموا فيها، مثال ما هو في باطن الإنسان من العروق و العصب و اللحم، ثم صورة آدميين آخرين رسموا فيها العظام لا غير و كيفية التئام بعضها ببعض من الرأس إلى القدم، و كشفوا عن صورة العينين و الأذنين و الرأس و غير ذلك، ثم وجدنا صورة آدمي واقفة لم يبق منها إلا العظام ملتئمة بعضها ببعض، و هي عظام حقيقية ليست مصورة، تركوها مثالا ليتحقق الناظر أن ما صوروه هو موافق عندهم للواقع في ذات الآدمي، و لم يكتفوا بهذه بل صوروا كبشا مسلوخا برأسه و قرنيه موضوعا على سرير مذبوحا، فلو أوتي به بديهة لمن لا خبرة له به فربما يتمنى غذاءه منه، ثم صوروا أنواعا من الحوت على أشكال مختلفة لا تكاد تحصى، و في قبة أخرى صور طيور غريبة الخلقة و السباع العادية و الحيات العظيمة و التمساح و الطيور الصغيرة التي في جرم البلوطة إلى النعامة المعروفة، و كذلك الجراد فما دونه من الحيوان الذي على شكله، كبوقفاز منه أشكال في مرءات خاصة بهذا النوع، و جل هذه الصور من الطيور و السباع كانت بوصف الحياة و بعد موتها حشيت و سقيت بالكافور، و تركت في هذه الأماكن و جعل لها من يتعهدها و يتفقدها في تلك القبة العظيمة، و انظر ما ألجأهم إلى ذلك و ما جعلهم عليه و- «لو شاء ربك ما فعلوه».

ثم خرجنا من هذه الدار و توجهوا بنا إلى دار من ديار المخزن، ينزل فيها كبير دولتهم حيث يكون في هذه المدينة، و هي دار عظيمة كأنها حومة في مدينة لأنهم لم يكتفوا في وضعها في تربيعة واحدة و محل واحد، بل عمدوا إلى مواضع مربعات و بنوا فيها قصور و قببا، و تركوا الطريق لناس من بينها، و أشركوا بعضها ببعض من‏

____________

(1) يقصد الهيكل العظمي لجسم الإنسان.

(2) يقصد المدينة العتيقة التي توجد وسط مدينة فرنسي.

L`EncycloPe? dia Grolier( Milano ), vol 8: 41.

343

أعلاها بقناطر و قيسى في بعض المواضع لا غير، بحيث يمكن للإنسان الطواف بجميعها، و ينتقل من تربيعة إلى تربيعة بواسطة القسى الجامعة بينها/ 293/ و مما يدلك على عظمة هذه الدار، أني سألت عن عدد القبب التي فيها حيث رأيت كثرتها و عدم إمكان إحصائها في الوقت، فقيل مائتا قبة و ثلاث و ثمانون قبة، و لا تكاد ترى قبة على شكل أخرى بل لا بد من مغاير و اختلاف في الوضع و الهيئة و اختلاف السقف، و كذلك اختلف فراشها أي شواليها و كنابيسها في الألوان، فمنها ما هي من الحرير الأحمر المشجر أعني تبطينها و تبطين جدرانها، و منها ما هو من الأخضر و من الأصفر و من جل الألوان مع تمويه الشوالي و جوانب المرايات العظيمة، و في قبة من تلك القبب إحدى عشرة ثرية من البلار، و أخرى بها كرسي الملك يصعد إليه بأربعة درج مبطنة بالموبر الأحمر، و فوق الكرسي كالمظل مبطن به أيضا، و أخرى فيها فراش على ناموسية عليها ستر من الحرير، و في قبتها كالمظل مبطن به أيضا، مع ترييش بالحرير و الذهب و فيها ثريتان عجيبتان أسفلهما كأسفل القصعة، في قبة أخرى خزانة من العود البرازيل مرصعة بالحجر اليمانض على ألوان مورقة به، و خزانة أخرى من ذلك العود مرصعة بألوان المرمر، و أخرى مرصعة بالعاج، و فيها مائدة مبسوطة من رخام مرمر، و حواشيها مرصعة بتوريق حجر المرمر من ألوان، بحيث حفر في الرخامة أولا ذلك التوريق و اتخذ مثله من ألوان المرمر، و دفن في حفر التوريق و صار مبسوطا مع الرخامة، فمن حيثية النظر يرى ذلك التوريق كأنه طلاء لطيف، و إذا مرت عليه اليد فلا تحس بشي‏ء من أثر حفر ذلك التوريق، و كنت تكلمت مع الترجمان، فقلت هذا التوريق أصله طين يحل و يورق به و يطل على الجميع حتى يصير كأنه ذات واحدة، فقال لا بل هو حجر المرمر مورق مدفون في ذلك المرمر الآخر، و عند خروجنا من هذه الدار، و شروعنا في المرور في اسطوان طويل‏

____________

(1) انظر شرحها بالملحق: 4.

(2) في النحت على المرمر من الفنون الأصيلة عند الإيطاليين الذي كانوا يستخرجونه من مقالع جبال الألب، أهمها مقلع‏Goia على جبل آلتيسيمو ينتج الرخام الشهير الكثير العروق و الأبيض.

L`EncicloPe? dia Grolier, vol 41 )

).

344

في بعض الطبقات، وجدت في هذا الاسطوان أربعمائة خطوة و خمسين خطوة على ست/ 294/ واحد، و عند خروجنا منها طلب من الباشدور بواسطة الترجمان، التاجر القائم بصنع تلك الموائد من المرمر ليرى كيفية النقش و التوريق، لعله أراد بذلك دفع ما كنت أتوهمه من أن ذلك التوريق إنما هو طلاء، فساعده و توجهنا معه إلى دار و صعدنا طبقة بها، فوجدنا أناسا ينشرون‏ المرمر بخيط من السلك معقود بين طرفي عود مقوس كقوس الرباب، و عند النشر يأخذ يسيرا من الماء بقصبة كالقلم و ذلك الماء مختلط بشي‏ء على لون الرماد، فسألت عنه ما هو، فقيل هو حجر الديمانط الذي يتساقط منه يدق و يحل في هذا الماء و يدهن به محل النشر، و لولاه ما أثر في هذا المرمر شي‏ء، ثم أناسا آخرين يورقون هذا الحجر بالمخرطة، بحيث يركبون في المخرطة مغزلا، و رأسه كروي يجعل به شي‏ء من ذلك الدهن، و يحرك المخرطة و يأخذ من المرمر برأس ذلك المغزل عند دورانه الكيفية المرادة من التوريق، و أمامه مغازيل كثيرة رقيقة و غليظة، كل واحد منها يخدم به في محله من التوريق، و وجدنا رخامة من المرمر قد حفر في وسطها محل التوريق، و صار بعضهم يضع في تلك الحفر الحجر من المرمر المورق، و يركب واحدة فوق واحدة، حتى رأينا كيفية ترصيف ذلك التوريق في المرمر، ثم صعدنا إلى طبقة أخرى فوجدنا فيها موائد من المرمر على ألوان تامة الصنعة مورقة، منها ما هو على شكل البيضة طولها ستة أشبار، و لون مرمرها أسود و التوريق بوسطها و بالحواش بألوانه، و منها ما هي مستديرة، و منها ما هي مربعة مستطيلة، إحداها فيها سبعة أشبار ناقصة طولا و ثلاثة أشبار و زيادة عرضا، و بقربها ورقة معلقة بخيط مبين فيه ثمنها قدره مائة ألف من الافرنك و سبعة عشر ألفا منه و ستمائة، و منها ما هو دون هذا الثمن إلى خمسة آلاف من الافرنك، فاستحسن الباشدور عملهم و شكر صنعتهم، و خرجنا راجعين إلى/ 295/ محل النزول.

____________

(1) مناشير أسنانها من الماس (الديمانض) شديدة الصلابة تستعمل في أشغال الصقل و الكشط. (نفس المرجع السابق).

(2) ضمن الهدايا التي قدمها ملك إيطاليا للسفارة المغربية، مائدة مرمرية من هذه العينات.

345

التوجه إلى رومة

و في ليلة الخميس السادس و العشرين من رجب‏، سافر بنا بابور البر من فريسني قاصدين رومة بحول الله و قوته، و خرج لوداع الباشدور عامل البلد و الجلنار كبير العسكر بها، و توجه معنا ترجمان الدولة السابق ذكره، و صحب معه أنواعا من الحلواء و فواكه الوقت و الماء المدفون في الثلج، و كان سفرنا في العربة التي تقدم وصفها و لم يكن بها إلا الباشدور و الأمين و كاتبه، و لم يكن معنا اليهودي الذي طلع ترجمانا مع الهدية من طنجة إلى هذا الجنس المحب، فحيث كان يقف البابور في بعض المواضع كنت لم أجد من يخبرني عنها، و قوي عزمي على تقييدها عند رجوعنا بحول الله، و إن رجعنا على هذا الطريق، ثم نادتني النفس الأمارة، و قالت قد ظهر عليك من التكاسل كم من أمارة، فخذ حظك من النوم فقد ظللت متعوبا في هذا اليوم، فقلت كيف يمكنني النعاس مع هذا الارتعاش الذي ليس للنفس معه راحة و انتعاش، فقالت اقرن بين شيليتين فاتكئ على إحداهما و ارسل على الأخرى الرجلين فملت إلى ذلك، لكن كان فيه شبه محظور بسبب القرب من الباشدور، فقلت له يا سيدي لو قربت هذه الشيلية لسيادتك من أختها و مددت رجليك عليها لأصابك من الاستراحة شي‏ء يسير، فإن المدة طويلة و البابور جاد في المسير، ثم قرنت له ما بينهما و اضطجع عليهما، و كأنه استحسن هذه الحالة على الأخرى، و هي كذلك بل من باب أولى و أحرى، و قال: قد فطنت إلى الدسيسة التي قصدتها و علمت النتيجة التي ركبتها و رصدتها، فقلت: و كيف يا بحر الدرر و النفائس الذي لا تخفى عليه المقاصد و الدسائس، فقال: إنك أتحفتني بهذه التحفة و لكن لأمر ما جزع قصير أنفه، لأنك أردت النوم على هذه الهيئة فمنعك الأدب، فاصنع لنفسك مثلها يا شريف النسب، فمنت كذلك طول ليلتي، و حمدت نتيجة حيلتي، فاستيقظت في وقت الغلس، فوجدت الباشدور قد/ 296/ قام و جلس، فحييت سيادته على العادة، و قال: كيف ليلتك، قلت: دون غطاء و وسادة، ثم سرحنا

____________

(1) 17 غشت سنة 1876 م.

346

الأبصار عن اليمين و اليسار، فوجدنا بساتين و أنهارا و أجنة و أشجارا، و بعدنا عن الجبال و حافاتها، و سلمنا المولى سبحانه من آفاتها، ثم أشرفنا على مدينة رومة الكبرى التي شاعت ذكرا و خبرا، فبان طرف من سورها القديم و به قسي عالية مما بني في تلك الأيام الخالية، و قد أبلاه مرور الأعوام و الشهور و أبقت عليه توالي الدهور، و لم يبق له إلا السقوط و السجود، للملك الحق المعبود، و كان دخولنا إليها في الساعة السادسة و نصف من صباح يوم الخميس المذكور، و تلقى كبراء البلد للباشدور بالترحيب و التعظيم و التبجيل و التكريم، و أنزلتنا الدولة في أوطيل ذي منافع و مرافق و قبب و قصور ذات فراش و ستور، و ما قصروا في بسط موائد الطعام و توالي الفواكه و الأنعام.

الملاقات مع وزير الأمور البرانية و كبير الوزراء

و في يوم السبت الثامن و العشرين من رجب‏، خرج الباشدور و نحن معه إلى ملاقاة وزير الأمور البرانية بداره، فتلقانا بالتعظيم و الترحيب، و هيأ إكراما كبيرا من الطعام على مائدة عظيمة من أنواع الحلواء و الفواكه و الحليب حتى الأتاي، فشكر الباشدور صنعه مع ما صدر من الدولة من مثل ذلك، فقال إنهم مامورون من قبل‏

____________

(1) في الأصل أنهار و أشجار و ذلك خطأ اركبه سجعا.

(2) 19 غشت سنة 1876 م.

(3)Melegari Luigi Amedo وزير خارجية إيطاليا، وطني اختار مرسيليا منفى له بعد أحداث 1831 م، ثم اشتغل بالتدريس في جامعة لوزان بسويسرا، و عند عودته إلى إيطاليا عمل كأستاذ القانون بجامعة طورينو ما بين 1848 م إلى 1860 م، ثم انتخب برلمانيا في مجلس الشيوخ، و كلف بمهمات وزارية و دبلوماسية.

Dic, D`histoire Universelle, Michel Mourre, Bordas, T 1: 4661.

بعد هذا اللقاء قدم الجعيدي هبة قدرها 3000 ليرة إيطالية ذهبية لفقراء روما، فوجه له الوزير ميليكاري و عمدة روما رسائل شكر (انظر نصهما بالإتحاف، ج 2).

347

أميرهم بالإكرام و التوسعة و بسط موائد الأنعام، و أن في ذلك إشارة إلى تعظيم الجانب الشريف و كمال الاعتناء بشأنه الفخيم، و أنه سيبذل غاية الجهود في كل مراد و مقصود، و بعد رجوعنا ورد على الباشدور عامل البلد و معه أعيانها يهنئون سيادته و يحمدون سلامته و عافيته.

و في ليلة الأحد التاسع و العشرين منه‏ توجه الباشدور و نحن معه إلى دار الفرجة و كان معه عامل البلد، ثم أتى و جلس معنا هنيئة و كان معنا الترجمان الذي طلع من طنجة، فسألته عن باني‏ رومة، فقال: هو/ 297/ رجل كان يسمى روم، فقلت هل هو ملك أو حكيم. قال: لم يكن ملكا و لكن كان كبير آية الأربعين، و سألته عن تاريخ بنائها، فقال: وجدوا تاريخها عند روم المذكور، يقول أن بعد بنائها بأربع عشرة مائة سنة، ببعث نبي العرب سيدنا محمد، هكذا نطق به بلفظ السيادة بواسطة الترجمان، على نبينا أفضل الصلاة و السلام، فقلت: و هل دخلها نبي الله سيدنا عيسى على نبينا و عليه الصلاة و السلام، أو أحد من أصحابه الحواريين، فقال: أما هو فلم يدخلها، و يقال إن رجلا من الحواريين دخلها و ان مسجونا بها،

____________

(1) 20 غشت سنة 1876 م.

(2) التحاق اليهودي جيل مونج بأعضاء السفارة المغربية مرة أخرى بحيث كان يتتبع خطواتها لفائدة فرنسا.

(3) يرجع المؤرخ الروماني» تيتوليفيوTito Livio »، أصل روما و أسرة منشئيها إلى أساطير خرافية، لكن النقاد المؤرخون المحدثون قد استنبطوا من هذه المستندات الخرافية أن تأسيسها كان عام 753 ق. م، و ربما اشتق اسمها من» روميلوس» أول الملوك على ما تزعم الروايات التقليدية.

(4) يقصد القديس بطرس (10 ق. م، 67 م) الذي دعاه السيد المسيح إلى التبشير و جعله رئيس الرسل و الكنيسة في مهدها، أقام مدة في أنطاكيا ثم نزح إلى روما (المنجد)، و يبدو أن بطرس استشهد بالصلب في رومة حوالي نفس الوقت الذي استشهد فيه القديس بولس بالسيف، وفق القانون الذي أصدره نيرون، و كنيسته بروما شيدها قسطنطين عام 326 م على جبل الفاتيكان، و أعيد بناؤها في القرن 15 م. الدكتور فليب حتى، ظهور المسيحية في العصر اليوناني الروماني، دار الثقافة، بيروت، 1958: 367.

348

و أراد أهل البلد قتله فقال إنه ولد رومة، و كانت عادتهم أنهم لا يقتلون من ينتسب إلى رومة، و سألته هل في هذا البلد قبر أنبياء، قال: لا يعرفون بها قبر نبي. لكن بعض الناس يقولون إن في هذه المدينة قبر راهب كان من أصحاب سيدنا عيسى على نبينا، و عليه الصلاة و السلام، و بعض الناس ينكرون ذلك.

و في يوم الأحد المذكور توجه الباشدور إلى كبير الوزراء قاطبة، و نحن معه بحيث وصلنا إلى داره و دخلنا لبراحها، وجدنا فيه أزبالا و نباتا في بعض المواضع، و لم نعهد ذلك في مطلق أماكنهم، و صعدنا إليه في درج لم نجد فيها زرابي على العادة، و فيها أزبال أيضا بحيث انتهينا إلى القبة وجدناه واقفا فيها و معه أناس و هو رجل مسن، و في تلك القبة شوالي بالية و فيها زربية صغيرة بالية، و حاله حال أهل التقشف، فسلم على الباشدور و رحب به غاية، و جرى بينهما كلام بالسؤال عن الأحوال و خبر البلد، و خرجنا إلى قبة أخرى وجدنا فيها كنابيس كثيرة و موائد الكتابة و آلاتها.

ثم خرجنا من عنده فأخبر الترجمان أن هذا الوزير عندهم من الزهاد، و أنه لم يتزوج قط و أن له راتبا وافرا لكن يأخذ منه قدر الكفاية، و الباقي يتصدق به على فرقة من الضعفاء، و أنهم يتشاورون/ 298/ معه في الشادة و الفادة، و أنه ملحوظ معتبر عندهم في المهمات و جميع الملمات، و عند رجوعنا رجع هذا الوزير فورا إلى الباشدور، و تلاقى به في القبة المخصوصة بالملاقاة مع أعيانهم.

____________

(1) اجو سطينو دي بريتيس (1813- 1887 م)De Pre ?tis Agostion تقلب في عدة مناصب وزارية، حتى كلف بتكوين أول حكومة يسارية بتاريخ 28 مارس 1876 م، عمل على تنمية الخدمات العامة اقتصاديا، نظرا لحساسته الشديدة بالمسائل الاجتماعية، ذي نزعة ديمقراطية، عمل على إدخال إيطاليا الفتية في التحالفات التي أخذت تعقد في أوربا، بهدف سلامة حدود بلاده، تنازل عن منصبه في مارس 1878 م لكنه استرجع قيادة الحكومة في ماي 1881 م.

L`EncicloPedia Grolier, Int, vol: 6: 322.

349

دار المرضى بها

و رجع على العادة في ذلك، ثم طلب من الباشدور الخروج إلى دار السبيطار، أي المرضى فساعد و خرجنا معه، فلما انتهينا إليها تلقت للباشدور امرأة راهبة من راهبات تلك المدينة، عليها جبة صوف و لها قب من صوف ينزل إلى ظهرها منفصل على الجبة و تحته مثله من ثوب أبيض، و هي مغطية رأسها فرحبت غاية، و هي امرأة جميلة تميل للصغر ذكرت أنها من جنس الفرنصيص، و أنها سلمت في زوجها و أهلها و حبست نفسها على خدمة المرضى الذين بهذه الدار، و معها ثلاث نسوة هي مقدمتهن، فدخلت بنا إلى قبة أرضية وجدنا فيها نساء كبارا و صغارا مرضى، من أعينهن فمنهن من تبصرت لا تبصر شيئا، و منهن من يبصرن قليلا، ثم أدخلتنا إلى خزين بقربها وجدنا فيه خزانات بجدرانه فيها كساوي هؤلاء المرضى من الصوف و من القطن للحر و البرد، و أخرجت تقاشير خشينة من صوف و طاكيات منها، ذكرت أنها من عمل بعض المرضى يشتغلن‏ بصنع ذلك، و يكتسين منه. و ذكرت أن زوجة ولد أخ السلطان، هي القائمة بالصائر على من بهذه الدار من المرضى، ثم‏

____________

(1) مأوى مارغريت دو سافوي للعميان، قدم له الزبيدي بعد زيارته هبة مالية قدرها 000، 3 فرنك (إن هبتكم اللائقة حقا بكرم سعادتكم و الملك العظيم الذي تنوبون عنه أحسن نيابة قد أثرت في قلب المجلس الإداري لمأوى العميان الفقراء الذي تترأسه أميرتنا الفخيمة بسافوي ...). رومة في 21 غشت 1876 م.

أما قائمة الهبات التي تبرعت بها السفارة فهي ضخمة و طويلة حوالي 350، 34 من الليرات الإيطالية (انظر القائمة بالإتحاف، ج 2: 307.

(2) انظر شرحها في الملحق.

(3) في الأصل يشتغلون- خطأ-.

(4)Margarita Di Savoia (1926- 1850 م) بنت الأميرFerdinando :Mario Alberto دوق جنوفا، أخ الملك فكتور إيمنويل الثاني، أصبحت ملكة إيطاليا بعد زواجها من ابن عمهاUmbertro I Disavoia سنة 1868 م، و تربعت على العرش الإيطالي سنة 1878 م، كانت عاشقة للآداب و الفن، و كانت تشرف على كثير من الأعمال الخيرية و الإنسانية.

L`EncicloPedia Grolier Int. vol 21, Milano: 471

350

أدخلتنا إلى قبة أخرى فيها كنانيش الصائر على هذه الدار بخط يدها كما ذكرت، و فيه الصائر اليومي ملخصا كل يوم على انفراده، لصائر أضلاع من اللحم بأنواعه و الإدام و الدقيق و غير ذلك، و كناش آخر فيه تقييد تلك الكساوي و عدد كل نوع من أنواعها، و حصر داخلها و خارجها، ثم مرت بنا بوسط هذه الدار فوجدناه مربعا انباح كبيرة في كل ربع ثمانية/ 299/ قسي على أسوار عظام، و بوسطه رياض ذو أشجار كبار و صغار و نبات ذو أنوار، ثم دخلت بنا إلى محل أكلهم في قبة أخرى، فوجدنا موائد ممتدة مع الجدران بينها و بين الجدران مواضع الشيليات التي يجلس عليها للأكل، و على الموائد قدام كل شيلية طبسيل و زيف و كأس للماء، و المواضع الموصلة إلى هذا المحل نصب خشب مع جدرانها على مسامير خارجة من الجدران، فإذا وضعت أواني الطعام للبصرى على تلك المواضع و يوذن لهم في الطلوع إلى ذلك المحل، يضعون أيديهم على تلك الخشبة و يمرون معها حتى ينتهوا إلى ذلك المحل الذي فيه غذاؤهم، ثم يأخذون في الدخول واحدا بعد واحد قابضين على تلك الخشبة و يعدون المسامير التي تلقاهم، و بها يعرف كل واحد شيليته، بحيث يكون المسمار نمر كذا هو محل جلوس فلان، و قدامه مائدته ثم يخرجون إلى مواضع غسل أيديهم و قد جعلوا حلاليب مدفوفة في مصطبة. فوق كل واحدة بزبوز ينزل منه الماء و بقربه زيف، ثم يرجعون إلى محلهم ثم إلى مواضع نومهم، كل واحد له بيت صغير خاص به فيه مضربتا صوف فوق أعواد من حديد كالناموسية الصغيرة و غطاء من ثوب قطن نظيف، و وسادتان لينتان، و محل آخر فيه فراشات متعددة واحد حذاء الآخر، فقال الترجمان لهذه الراهبة: أين محلك، فهل هو منتخب، قالت له لا، فراشها كفراشهم بلا فرق، نعم أدخلتنا إلى بيت فيه سراجم و موائد عليها غطاء نظيف، و فيه زربية و شوالي ذكرت أن ذلك المحل معد لقدوم زوجة ولد أخ السلطان المذكورة، و أنها تأتي مرة واحدة في كل جمعة إلى هذه الدار، و تتفقد بنفسها أحوال المرضى، و تأتي إلى ذلك المحل المذكور و تحضر لها الكنانيش و تحاسبها على الداخل و الخارج، ثم أتت بنا إلى محل آخر يطبخ فيه لهم أكلهم فوجدنا ثلاثة طناجير منصوبة، لكن ليس فيها إلا الماء إذ لم يكن ذلك الوقت وقت الطبخ، و بمحل آخر حطب كثير، و هناك ميزان قيل لأي شي‏ء هذا الميزان، قالت: نقسم به الطعام عند تفريقيه/ 300/ في الأواني،

351

وقت الأكل ثم أتت بنا إلى رجال في قبة أخرى مرضى أيضا من أعينهم و هم جالسون قبالة رياض آخر فيه أشجار و نبات و أنوار، و ذكرت أن بعض المرضى توجهوا يغسلون في البحر، و دخلنا أيضا إلى بيت آخر وجدنا فيه خزانة فيها مطارب و فيها ماء على ألوان، قالت ذلك محل الطبيب الذي يأتي لمداواة المرضى، ثم خرجنا من هذه الدار.

المحل القديم البناء برومة

و توجه بنا الترجمان إلى محل فيه بناء قديم مستدير على هيئة البرج‏، و جدرانه مرتفعة جدا و الجدار المحيط به خارجا فيه أبواب عديدة باب قرب باب ليس بينهما إلا الجدار الفاصل بينهما، غلظه نحو خمسة أذرع، و كل باب فوقه قوس يدخل إليه لوسط هذا البرج كالأسطوان، و في الجدران نطاقات من بارات الحديد غلظ كل بارة نحو ثمن ذراع و عرضها نحو ثلثه، و اختلفت في الطول و القصر، و هي كالنطاقات في الجدران طولا و عرضا، و قطر دائرة هذا البرج نحو ثلاثمائة خطوة، و بداخله بيوت متصاعدة بعضها فوق بعض من أعلاه إلى أسفله، و كان معنا ترجمان يهودي، فأتى إليه رومي حين رأى في يدي القلم و القرطاس و أنا أقيد تلك الآثار، فقال لليهودي:

____________

(1) مدرج كوليسيوColosseo ، شرع في بناءه الإمبراطورVesPasiano عام 75 م، ثم دشنه ابنه‏Titus عام 80 م، و أنهى بناءه ابنه الثاني‏Domiziono ، بوسطه ساحة اللعب أو المبارزة. و مدرجات تسع 000، 50 متفرج من الجمهور، و منصة شرفية خاصة بالإمبراطور و حاشيته من النبلاء، و تحت ساحة اللعب بيوت و مخازن، و قد تضرر البرج كثيرا بسبب هزتين أرضيتين، و استعمل كخزان للأسلحة و المواد و غير ذلك، قبل أن يصبح مكانا مقدسا احتراما لذكرى المسيحيين الذين عذبوا و قتلوا فيه، و هذه الأسطورة ليس لها دلائل صحيحة.

L`EncicloPdedia Grolier Int, Casa Editrice, Scode, Milano, vol 5: 412.

352

قل لهذا الكاتب إن هذا المحل بناه الملك ططوس‏ الذي خرب بيت المقدس و أتى بعشرة ءالاف من اليهود أسارى، هم الذين كانوا يخدمون في بناء هذا المحل، فتبسم اليهودي و أخبرني بذلك و زادني أن هذا الرومي ليس عنده تحقيق الخبر لأن ذلك الملك كان أتي بعشرة ءالاف من بيت المقدس كما ذكر، و ثلاثة ءالاف أخرى من غيرهما، و لم يومنوا به لأنه كان يدعي الربوبية، و عاش مائتي سنة و إحدى و أربعين سنة. و إن هذا المحل كان عنده فيه سباع و أسد في مغارات بنيت لأجلها و أن من لم يؤمن به، كان يدخله إلى وسط ذلك البرج و يرسل عليه السباع و تكون تلك البيوت التي به مملوءة بالناس يتفرجون في ذلك/ 301/ الذي ترسل عليه السباع، و أنه من أحد الملوك الذين ملكوا الدنيا بأسرها شرقا و غربا، و أنه أوتي إليه ذات يوم برجل ممن لم يؤمن به فأمر بإلقائه للسباع فألقي إلى سبعين، فحين خرجا إليه و الناس يتفرجون في تلك المواضع فرا منه و رجعا إلى محلهما، ثم أرسل عليه ثلاثة سباع أخرى، فحين رأوه‏ تأخروا و رجعوا، فأخبروا الملك بذلك فأمر بإتيانه فأوتي به إليه، فسأله عن ربه و دينه فأخبره أنه مومن بالله عز و جل لا يشرك به شيئا، و أنكر ربوبيته. فأمر بإحراقه فأخفاه الله عنهم، و لم يجدوا له أثرا هكذا أخبر ذلك اليهودي حيث غاظه ما كان تكلم به ذلك الرومي في شأن أسراهم، ثم قلت لليهودي: و هل تدرون من الرجل الذي فرت منه السباع، قال: نعم هو من أصحاب نبي الله سيدنا إبراهيم الخليل على نبينا و عليه الصلاة و السلام.

____________

(1)Titus (81- 40 م) عهد إليه والده فسباسيان بإتمام قمع الثورة اليهودية القومية بين (66- 70 م).

بعد وفاة نيرون و توليه العرش، شدد القائد تيطس الحصار على أورشليم حتى هدمها سنة 70 م، و أحرق المعبد، ثم عاد إلى روما لتكريمه مصحوبا بالعديد من الأسرى. و لقب بالقيصر بعد توليه العرش عام 79 م، و ينسب إليه إتمام بناء الكوليزيو و لم يدم حكمه إلا سنتين. (تاريخ سوريا و لبنان و فلسطين، الدكتور فليب حتى: 375، ترجم تحت إشراف جبرائي جبور، دار الثقافة، بيروت، 1958 م).

(2) هذه القصة الأسطورية تنسب إلى أندروكليس الذي حكم عليه بصراع أسد مفترس، لكنه أخذ يلعق رجليه، فأطلق سراحه. (دائرة المعارف الحديثة، ج 1: 181).

353

ثم توجه بنا إلى جبل مرتفع غاية، فصعدناه راكبين الأكداش حتى انتهينا إلى رأسه فوجدنا هناك قبة مبنية و محيط بها دربوز من حديد بقربه شوالي عديدة.

فخرجنا من القبة إلى الدربوز و جلسنا على الشوالي و أشرفنا على من تحتنا، فوجدنا فئة من العسكر من أصحاب الموسيقا و هم دائرون كالحلقة و واحد منهم في وسطها يشير لهم بكيفية الخدمة بالموسيقا، و هم يتبعونه و معهم من الخلق عدد كثير نساء و رجالا و صبيانا، و أتوا إلينا هناك بموائد من الحلواء عديدة و من الأشربة الطيبة على أشكال، و قد أشرفنا من تلك الجهة على أشجار كالغابة، من أسفل القبة بل الجبل‏ إلى ما وراءه إلى الجبال التي في ذلك الأفق، و الأبنية من بينها و الديار، ثم أشرفنا من جهة أخرى على مدينة رومة، فقابلنا نحو الثلث منها فذكر بعض القواد الذين كانوا معنا أن شكل مدينة فاس المحروسة بالله أعظم من هذا القدر الذي يرى من رومة، ثم رجعنا إلى محل النزول مع ترجمان الدولة، و هذا من فرحه/ 302/ و اعتنائه لأننا شاهدنا منه برورا عظيما و هو يخبر أنه مأمور بذلك من قبل عظيم دولتهم، و هو القونصوا عندهم بحلب و اسمه بوزيوا، و هو يحسن اللغة العربية نطقا و كتابة، و كذلك التركية، و غيرهما من الألسن.

قدوم أصحاب الطرب على الباشدور و كيفية خدمتهم‏

و في ليلة الاثنين الثلاثين من رجب‏، قدم على الباشدور للدار التي كان نازلا بها برومة، جماعة من أصحاب الطرب بنحو أربعة عشر رجلا بأيديهم كثرات‏ و أعواد مثل الآلة التي تستعمل في الغرب، و صاروا يخدمون في براح الدار بعد ما وضعت لهم الشوالي، فقدم ذلك الترجمان على الباشدور و أخبره بهؤلاء و أشار عليه‏

____________

(1) جبل البلاتين أعلى التلال السبع المشهورة بروما، و المشرفة على قاعدة العاصمة المنبسطة.

L`EncicloPedia Grolier Int, Casa Editrice, Scode, Malano, vol 61: 853.

(2) 21 غشت سنة 1976 م.

(3) مفرده قيثارة آلة من الآلات الوترية الإسبانية التقليدية (جمعها قيثارات‏(Guitare .

354

بالإذن لهم بالطلوع للقبة الكبيرة، لأنه ينبغي الاعتناء بهم كما ذكر، فأذن بذلك فطلعوا و طلع معهم جماعة من النسوة اللواتي كن جالسات في براح الدار، و أخذ كل واحد من المعلمين موضعه و أخذت النساء مواضعهن من تلك القبة، و صاروا يخدمون بتلك الآلات بنغم مستعذبة تشبه النغم التونسية، و صار خدمة هذه الدار يتواردون بموائد الحلواء و الثلج و الأشربة الطيبة الملونة، و يطوفون بذلك على الجالسين واحدا بعد واحد، ممن كانت له شهوة في شي‏ء من تلك الأطعمة و الأشربة فأخذ منها ما أحب و من لم تكن له شهوة في شي‏ء منها يشير لصاحب المائدة إشارة من لا غرض له فيها، فيمر و هكذا ضيافتهم و إكرامهم في هذه البلدة و في غيرها فيما شاهدناه في بعض بلاد الروم، و بقي أصحاب الطرب في تلك القبة نحو ساعتين و انفصل ذلك و خرجوا شاكرين إحسان الباشدور و جزيل إنعامه.

الفرجة التي أنشأت إكراما للباشدور و فرجة الطياطرو

و في ليلة الثلاثاء فاتح شعبان‏ المعظم، أتى القونصوا بالأكداش و طلب من الباشدور التوجه هو و رفقاؤه إلى فرجة أنشأها المخزن إكراما و فرحا بقدومكم، فركبنا الأكداش و توجهت بنا إلى براح متسع قرب ذلك البرج‏ الذي تقدم وصفه، فوجدنا هناك خلقا كثيرا و جماعات/ 303/ من أصحاب الموسيقا متفرقين كل جماعة في موضع، و كلما مررنا بجماعة منهم أو بقربهم اشتغلوا بخدمة الموسيقا إعلانا بالفرح و التعظيم، حتى قربنا من ذلك البرج المذكور، و وقفنا هناك فاشتغل أصحاب الموسيقا بخذمتها في كل موضع، و كانت عندهم قناديل كالحسك موضوعة في فرج بجدار ذاك البرج، في الجهة المقابلة لنا و في الاسطوانات الموصلة إلى داخل ذلك البرج، و في مواضع قدامها و كنا نرى ذلك المحل مظلما غاية، فحين وقفنا في ذلك المحل‏

____________

(1) 22 غشت سنة 1876 م.

(2) ساحة مدرج كوليسيوPlazza Del Colosseo .