إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار

- إدريس الجعيدي المزيد...
479 /
355

صاروا يطلقون الحراقيات‏ على ألوان و أشكال، و بنفس خروج الحراقيات جعلت تلك القناديل في مواضعها المذكورة، فكان بعضها له لهب أحمر كالدم يخرج معه دخان كثير فحيث انشر و بلغ إلى جدارات ذلك البرج صارت تلك القطعة من ذلك الجدار حمراء على لون ذلك الضوء و لهيبه، و كذلك طرف من الأرض التي قدامه، حتى أن من يمر بها يعلوه ذلك اللون، فيتخيل كأن نارا توقد في ذلك الموضع، و الذي يمر به كأنه يحترق هناك، و بعض تلك القناديل لهبها أخضر إلى البياض يخرج منها دخان أخضر، ينتشر كذلك في الجدارات و المواضع القريبة منها فيرى كأن نارا خضراء توقد في تلك الجدارات، من يمر بتلك المواضع يتلونون بذلك اللون، و يظهرون من البعد كأنهم بقرب من البعيد عنهم، و كأن نارا خضراء تشتعل في ذلك الموضع جميعه فوقفنا هناك نحو ربع ساعة و أصحاب الموسيقا يخدمون، و لا يكاد يحصى من كان هناك من الخلائق في هذه الفرجة، و حيث أخذنا في الرجوع و استدبرنا ذلك البرج، و استقبلنا بناء آخر هناك قديما مرتفعا، أطلقت حراقيات أخر فأوقدوا في تلك الجدارات نارا ذات لهب أحمر و أخضر مثل النارين الموصوفتين فوقفنا هنا حتى قرب إنطفاؤها ثم أخذنا في المسير و كلما مررنا بمحل قامت الموسيقا/ 304/ على ساق، و اشتغلت بالخدمة على ذلك النسق، فبينما نحن مارون بتأن و مهلة إذ رأينا شعاعا عظيما خارجا من كوة عالية في جدار مرتفع، جرم تلك الكوة مستدير فيما يظهر كجرم الشمس و الشعاع كشعاعها، إلا أنه أبيض يميل إلى الخضرة، و يمكن للإنسان إمعان النظر فيه، و بانتشار ذلك الشعاع انتشر الضوء على جميع تلك‏

____________

(1) عبارة عن صواريخ نارية تستعمل في الألعاب النارية و الإضاءة، تحتوي على مواد متفجرة لها مهمة الوقود، و عندما ينتهي هذا الوقود من الاحتراق، يشتعل مزيج متفجر و يتلون بفضل أملاح معدنية ملونة. (موسوعة عربية: ج 6).

(2) قوس قسطنطين‏Arco Di Costantino .

(3) الطاقة الكيميائية الناتجة عن الاحتراف كالشهب النارية تشع طاقة حرارية ضوئية، و تدعى التفاعلات المؤكسدة، لأنها تتفاعل بقوة مع أوكسجين الهواء أي تحترق عند رفع حرارة الشهب الناري تلقائيا دون توقف حتى تتم عملية التأكسد المشع. (موسوعة عربية عالمية: ج 6).

356

الخلائق الذين كانوا هناك حتى كأنه النهار، و يرى البعيد منهم كما يرى القريب، و يرى ظلال المارين على الأرض و بالجدران كما ترى الظلال بالنهار، و تعجبنا من عقول هؤلاء الشطار كيف تخيلوا و صيروا الليل كالنهار، و ليس ذلك من قبيل قلب الأبصار و الأعيان، بل هو محقق الوجود ظاهرة للعيان، و بقي ذلك الشعاع منتشرا نحو خمس دقائق فقط، ثم أخذ في النقص و الرجوع فتقدمنا إلى أمام فوجدنا جماعة أخرى من أصحاب الموسيقا اشتغلوا بخدمتها عند وصولنا إليهم ثم أرسلوا شعاعا آخر من جدار آخر كالشعاع الذي تقدم وصفه، و أشرف على الأرض و أضاءت به و استنارت كما وصف، و أخبر الترجمان أن هذه الفرجة لا يصنعها أهل هذا البلد إلا عند حلول الأمير بها فرحا به، و قد أمرهم المخزن بصنع هذه الفرجة لتعلموا من ذلك ما انطوت عليه قلوب الدولة من محبة سلطان الغرب سيدي حسن نصره الله، و تعظيم جانبه الشريف و فرحا بقدومكم، و لم نزل راجعين و نحن نجد في الطرق جماعة بعد جماعة من أصحاب الموسيقا.

حتى وصلنا إلى دار فيها فرحة الطياطرو، فطلب الترجمان من الباشدور الدخول إليها هنيئة ما، فساعده فدخلنا فوجدنا جماعة من أصحاب الموسيقا ببراح اسطوان الدار، فصعدنا في درج عديدة و كلما انعطفنا مع الدرج إلى جهة سمعنا جماعة أخرى تخدم الموسيقا حتى وصلنا إلى بيوت‏ الفرجة، فدخل الباشدور لبيت مع الترجمان، و دخل باقينا لبيوت غيرها، فحين استقر بالباشدور/ 305/ في محله و نحن قدامه، أعرض الناس الذين هناك عن فرجة الطياطروا و أقبلوا بالتصفيق على الباشدور و علينا، يشيرون بذلك إلى فرحهم و انبساطهم و سرورهم بدخول الباشدور عليهم، و تلك عادتهم‏ مهما استحسنوا شيئا و طابت به نفوسهم أخذوا في التصفيق إعلانا منهم بما يجدونه من الفرح و السرور و بموجبه الذي حملهم على ذلك، و أتوا إلينا هناك أيضا بموائد الحلواء المعقودة على الثلج و الأشربة الطيبة، فتناولنا منها

____________

(1) المستملحة التي أدرجها صاحب الرحلة سابقا جرت أحداثها بمسرح روما عند مشاهدتهم فرجة رقصة البالي‏Ballo .

(2) إحدى العادات الأوربية التي لم تكن متداولة بكثرة عند المغاربة.

357

يسيرا ثم نهضنا للرجوع، فأخذ الناس قاطبة في التصفيق كأنهم يطلبون زيادة الجلوس معهم، ثم رجعنا إلى محل النزول و شكر الباشدور للترجمان صنيع أهل البلد في هذه الليلة ما دل على كمال محبتهم و تمام اعتنائهم.

قدوم أصحاب الطرب على الباشدور و كيفية خدمتهم‏

و في ليلة الأربعاء الثاني من شعبان‏، قدمت جماعة كبيرة من أصحاب الطرب أيضا للدار التي نحن نازلون بها، و عددهم خمسة و ثلاثون رجلا، و قيل ستة و ثلاثون، و هم ممن يخدمون بالطرنبطات‏ على أشكال في الهيئة و في الكبر و الصغر و بالمزامير و غيرها، و لم يكن الإذن لطلوعهم لتلك القبة لكثرتهم، و لأنهم يخدمون واقفين يصنعون دائرة منهم، بوقوف واحد قرب واحد مع انعطاف ما بقدر ما يقتضيه عددهم، حتى يتصل آخرهم بأولهم كحلقة المداح، و كل واحد منهم ينصب قدامه ثلاث أعمدة تجتمع رؤوسها قدامه، فينصب على رأسها أعوادا رقاقا مربعة الشكل ليضع عليها الأوراق التي تبين له فيها خدمة طبائع الموسيقا التي يخدمون بها، فإذا نصبت تلك الأعمدة قدامهم و وضعت الأرواق فوقها على أعوادها، و وقدت لكل واحد شمعة قدامه، فيتقدم واحد منهم و يقف في وسط الحلقة، و ينصب ثلاث أعمدة كذلك قدامه، و يوقد له الضوء و يأخذ بيده قضيبا و يشتغل بالنقر به على رأس تلك الأعمدة نقرا خفيفا لا يسمع له أثر، و إنما فيه إشارة ....

وصف مدينة رومة

/ 310/ ... متعددة، منها ما هو مستقيم كالذي في وسطها، و منها المنحرف و هو ما

____________

(1) 23 غشت سنة 1876 م.

(2) مفردها ترومبيت آلة من آلات النفخ النحاسية من نوع البوق (دائرة المعارف الحديثة، ج 1: 493).

(3) الصفحات من/ 306/ إلى/ 309/ ببيضاء فارغة.

358

قرب من الوسط لأن المحل الذي في وسط الخصة كهيئة كسكاس من النحاس، ثقب وسطه مستقيمة و غيرها اختلف انحرافها، فإذا خرج الماء من تلك الثقب كل واحد متوجه إلى سمت من السموت و انحدر إلى الخصة يكون رائي هيئة ذلك الماء كهيئة ثرية من بلار عظيمة، و تارة يجعلون حوضا متسعا و صور سباع باركة بحافاته و الماء ينبع من أفواهها إلى ذلك الحوض، و تارة يجعلون للماء مخارج يفجرونها من بين‏ معادن الحجر كالماء الذي يشاهد تفجيره من بعض أسفل الجبال، و يجعلون أسفله حوضا متسعا، ينزل إليه و يديرون به صورا من رخام أو حجر على هيئة الحيوان الآدمي و غيره، و يشق هذه المدينة وادي عظيم‏ جل بعض طرقها، و ينصبون عليه قناطير محكمة البناء و الإتقان، و لون هذا الماء متغير كلون ماء بوفكران‏ بل أشد تغييرا في رأس العين حين مروره في الوادي، و أما الماء الذي يوتى به إلينا فنجده صافيا لا أثر تغيير به، و بعض الناس ينصبون شبكة الاصطياد في هذا الوادي على شكل الميزان، بحيث يتخدون عمودا طويلا جدا، و يعلقونه من وسطه كعمود الميزان، و يجعلون كفتيه من خيط الشبكة، و يكون فيها استرحاء، و شاهدنا هذا الميزان من بعد، و رأينا إحدى الكفتين تنزل و تنحذر إلى الماء قيل حتى تصل إلى قعر الوادي و ترتفع فإذا صادفت شيئا من الحوت مارا يعلق بها، ثم تصعد و بصعودها تنزل الكفة الأخرى و هكذا، و في هذه البلدة نعم كثيرة. فالإجاص فيها قريب من البادنجنة الصغيرة و العنب المسكي كعنب الغرب، و كذلك الدلاح كله أحمر يباع عندهم مقسوما، كل واحدة تقسم نصفين ليشتري كل واحد ما تميل إليه نفسه، و كذلك من التين و البطيخ و الخضر ماطيشة و غيرها، و جل الحوانيت تباع فيها هذه/ 311/ الخضر و الفواكه، و بعضها فيها حوائج لباسهم و أثاثهم، و أما التجارة فأمرها ضعيف هناك و الله أعلم.

____________

(1) يصف بعض الخصص أو الفسقيات المائية برومة و أشهرهاFontana Di Trevi .

(2) التيبرTibre أو(Tevere) يصب في البحر التيراني.

(3) نهر ينبع من عيون موجودة بأيت بورزوين دائرة الحاجب قبيلة بني امطير تسمى عين معروف، و هو يروي مدينة مكناس، تكلم عنه الوزان «وصف إفريقيا»، ج 1: 169؛ و ابن غازي المكناسي العثماني في «الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون».

(4) الطماطم.

359

الرجوع من رومة إلى فرينسي‏

و في الساعة الحادية عشرة عدا عشر دقائق من يوم الأربعاء المذكور، و هو ثاني شعبان‏ شرع بابور البر بالسفر بنا من رومة إلى بلد فرينسي بحول الله، و كان خرج لوداع الباشدور عامل البلد و خليفة وزير الأمور البرانية و الجلنار، و كان ركوبنا في تلك العربة الملوكية الموصوفة، و أتى الترجمان بكوب كبير فيه حجر الثلد و دفن فيه إبريقا من بلار مملوءا ماء، ثم سلة فيها أنواع من الحلواء لكنا لم نحتج إلى شي‏ء منها، و مررنا على بلاد كثيرة لها سياج من الخشب كهيئة الماموني يجعلونه- و الله أعلم- حدودا بينها و بين البقر الذي يرعى هناك، و البقر الذي هناك جله أبيض اللون أو رمادي و قليله أسود. و في الساعة الحادية عشرة و إحدى و أربعين دقيقة، وقف البابور في مدينة تسمى باص و كريزي‏ سبع دقائق، و في منتصف الليل و زيادة ست عشرة دقيقة وقف في شمليانوا (2) دقيقة أو أقل، و في تسع و أربعين دقيقة وقف في أطي (2) سبع دقائق، و في الساعة الأولى و أربعين دقيقة، وقف في كاسطي اليوني (2) سبعا و عشرين دقيقة انتظارا لمرور البابور الآتي على طريقه، و في الساعة الثانية و سبع و عشرين دقيقة وقف في أربيدي (2) ثلاث دقائق، و في الساعة الثالثة و خمس و عشرين دقيقة وقف في اديوسي (2) تسع دقائق، و في الخمس و أربعين دقيقة مررنا بمرجة عظيمة (2) هناك، كأنها بحر و الجبال محيطة بها شرقا و بقيت مصاحبة لنا نحو ثلث ساعة، و في الساعة الرابعة و عشر دقائق وقف في طرنطلا (2) أربع دقائق، و في الخمس و ثلاثين دقيقة وقف في اسطبون فلرنطن (2) خمس دقائق، و في الخامسة و دقيقتين وقف في الريشدا (2) خمس دقائق، و في السادسة وقف في صان اجواني (2) خمس دقائق، و في ثمان و عشرين دقيقة وقف في بنط الرنيالوا (2) أربع دقائق، و في الساعة السابعة وصلنا إلى فرينسية (2)/ 312/ و الحمد لله. فمدة السير

____________

(1) 23 غشت سنة 1876 م.

(2)

Passo Corese* * *

360

بين رومة و فرينسية ثمان سوائع و عشر دقائق، فإذا أسقط منها مدد وقوف البابور و مجموعها ساعة واحدة و ست عشرة دقيقة، تبقى مدة السير سبع سوائع عدا ست دقائق، و عند وقوف البابور و وصوله إلى فرينسية طلع إلى الباشدور عامل البلد و أعيانها، و تلقوه بالتعظيم و الترحيب، و نزلنا إلى المدينة في الأكداش التي كانت مهيئة هناك، و أنزلونا بأوطيل الذي كنا فيه إذ ليس عندهم أفضل منه و لا أنظف كما قيل، و عند دخولنا إليه وجدنا الموائد منصوبة و عليها أنواع فواكه الوقت و أنواع شتى من الحلواء و ثريات عظام توقد بالشمع، لكل فريق مائدة تخصه على هذه الصفة، فبتنا بها ليلة الخميس ثاني شعبان‏ المذكور، و أقمنا بها ذلك اليوم في غاية الإكرام و البرور و الاحترام.

الرجوع إلى طورين‏

و في الساعة السابعة و خمس و أربعين دقيقة من ليلة الجمعة، شرع بابور البر في السير بنا من فرينسية (2) قاصدين طورين للقاء عظيم دولة الطاليان بها، في تلك العربة التي تقدم وصفها، بعد أن خرج لوداع الباشدور عامل البلد و أعيانها، و في الساعة الثامنة و خمس عشرة دقيقة وقف البابور في مدينة ابرلطوا (2) دقيقتين، و في الأربعين دقيقة وقف في بسطويا (2) تسع دقائق، و في التاسعة و العشرين دقيقة وقف في لطيتوا (2) خمس دقائق، و في العاشرة و ست دقائق وقف في راكنا (2) خمس دقائق، و في العاشرة و ست عشرة دقيقة وقف في ارشا (2) ثمان دقائق، و في الحادية عشرة و عشرين دقيقة وقف في بركاتوا (2) دقيقتين، ثم خرج الترجمان من هذه العربة

____________

(1) الخميس 3 شعبان و ليس 2 شعبان، و قد استمر هذا الخطأ إلى أن تداركه صاحب الرحلة في ما بعد، و هو يوافق 24 غشت سنة 1876 م.

(2)

Firenze* * *

في هذه المرحلة تعرضت أمتعة السفارة المغربية لعملية سطو، ففضل صاحب الرحلة إدراجها عند نهاية الرحلة.

361

إلى غيرها، فلم أجد بعد من يخبرني بالمدن التي كان يقف فيها البابور بعد.

و في الساعة الثامنة و خمسين دقيقة من يوم الجمعة المذكورة، وصلنا إلى مدينة طورين و وجدنا أهلها فرحين مسرورين، و وجدنا بالمحل الذي وقف فيه البابور جما غفيرا من العسكر متهيئين للقاء الباشدور خيلا و رماة، و طلع إليه للعربة عامل البلد و الجلنار و أعيانها مهنيئن له في السلامة و العافية،/ 313/ و عند نزولنا من العربة أخذ أصحاب الموسيقا يخدمون بها، و وجدنا الطرق قد سدت و امتلأت بازدحام الناس و مسابقتهم كأنهم يتسارعون إلى رؤية ملكهم أو أعظم، و امتدت الطرق التي مررنا عليها على هذا الازدحام، حتى وصلنا إلى المحل الذي أنزلونا به، فوجدنا هناك فئة أخرى من العسكر و معهم أصحاب الموسيقا، فاشتغلوا بخدمتها حتى صعدنا إلى المواضع التي هيأت للنزول، و كان هذا المحل الذي أنزلونا به مقابلا لدار عظيم دولتهم، بينهما براح متسع كالمشور مربع منعطف كهيئة أكدال، و امتد مع جدراته أعمدة قائمة من نحاس كأنه مخروط مورق جعل على رؤوسها فنارات خمس توقد ليلا، و هذا المشور دائما يمر الناس به راجلين و في الأكداش و عربات الوسق و غيرها.

اللقاء بعظيم دولة الطليان و ببعض الأمراء

و بعد نزولنا تقريبا ورد الإعلام للباشدور بالطلوع للملاقاة مع عظيم الدولة غدا،

____________

(1) وصل ممثل إمبراطور المغرب ... و استقبل بجميع المراسيم الملكية، و كان في استقباله في المحطة الجنرال‏Cadorna و عامل المدينة بزيه الرسمي و ... عزفت الموسيقى على الطريقة الملكية كما وصلت العربة الملكية التي حملتهم عبر شوارع طورين تحت رعاية جيش الشرف إلى فندق أوربة ... منحت لهم القاعات الفخمة. (بتاريخ 25، غشت سنة 1876 م). الإيطاليةGazzetta Del PoPolo .

(2) وجه وزير خارجية إيطاليا ميليكاري رسالة إلى السفير الزبيدي يخبره بيوم استقبال ملك إيطاليا لهم و ذلك يوم السبت 26 غشت سنة 1876. «أنه جوابا عن كتابكم الذي مكنني إياه سعادة عامل فالازيو حاجب جلالة السلطان أتشرف بأخبار سعادتكم أن مولانا الملك سيستقبلكم في حفلة رسمية بطورين». (الإتحاف، ج 2: 305).

362

أعني يوم السبت في الساعة العاشرة منه، فعند ذلك أحضرت صناديق الهدية و فتحت و تفاوض مع الترجمان في تقديمها لدار عظيم الدولة قبل اللقاء به، فاستأذن في ذلك و استحسن هذا الرأي، فوجهها في عشية ذلك اليوم. و في يوم السبت الرابع من شعبان‏، في الساعة السابعة و نصف من صباحه، أخذ العسكر في التهيي‏ء للملاقاة و صاروا يأتون أفواجا أفواجا من كل طريق من الطرق التي توصل لذلك المشور خيلا و رماتا، و كل طنبور معه أصحاب الموسيقا و يصطفون بذلك المشور صفا وراء صف حتى أخذ كل واحد و كل طنبور موضعه، و امتدت الصفوف من باب الدار التي كنا بها إلى باب دار عظيم الدولة، و عند وصول الساعة العاشرة أتت عربات‏ ثلاث، كل عربة يجرها أربعة من الخيل و معها أربعة من العسكر لابسين ثيابهم الفاخرة، فخرج الباشدور و ركب العربة الأولى و معه الترجمان، و ركبت مع الأمين الثانية و معنا/ 314/ كبير المخازنية، و ركب المخازنية الأربعة العربة الثالثة، لكن أذن للعساكرية الأربعة الذين يسوقون العربة التي نحن فيها بالتقدم، فتقدمت‏

____________

(1) أثناء هذا اللقاء قدم الزبيدي رسالة سلطانية لملك إيطاليا لم يشر إليها الجعيدي نصها «... أما بعد اقتضى نظرنا السديد أوفدنا إليكم حامله خديمنا الحاج محمد الزبيدي ... و قد حملناه ما يذكره لكم مشافهة نيابة عن جانبنا من المجازات بلسان الخير و الثناء ... حيث عينتم سفيركم ... و أوفدتموه على حضرتنا الشريفة مبينا لما نعتقده من صفاء المحبة ... و المعتقد عندنا أن تقابلوا سفيرنا المذكور، و من معه بغاية الاعتناء و البرور ... و تصدقوه في جميع ما يذكره لكم ... حتى يرجع مقضى المطالب ناطقا بلسان الثناء، فإن محبتنا مع دولتكم الفخيمة القديمة، و المحبة تقضي التسهيل و التيسير ... 28 جمادى الأولى عام 1293 ه». (الإتحاف، ج 2: 306).

(2) السبت 5 شعبان يوافق 26 غشت سنة 1876 م.

(3) «.. و بإيقاعات موسيقية ملكية دخلت عربات السفارة المغربية إلى القصر الملكي مصحوبة برجال الدرك على خيولهم بعد قطعهم الساحة الرابطة بين فندق إقامتهم‏Al Bergo D`EuroPa ، و القصر الملكي‏Palazzo Reale و كان معهم القائدBosio و الكونت‏Sambuy ، حتى وصلوا إلى قاعةSlaone» Degli Suizzeri ... .

Gazzeta Del PoPolo( Torino )

بتاريخ 27 غشت 1876 م.

363

و تبعتها عربة الباشدور و تأخرت عربة المخازنية، و تقدمت فئة من فرسان العسكر قدامنا في أحسن ما يكون من الزي و التهيي‏ء، و من خروجنا و الموسيقا تتكلم عند كل طنبور نصل إليه، و العسكر يشير بالسلام متأدبا على عادته، حتى وصلنا إلى باب دار عظيم الدولة، فنزلنا و وقفنا حتى تقدم الباشدور و تبعناه و المخازنية وراءنا، و صعدنا قبب هذه الدار و وجدنا قليلا من العسكر بالدرج التي مررنا بها حتى قابلتنا القبة التي فيها عظيم الدولة، و كان واقفا بالباب أحد كبراء العسكر ففتح باب القبة و تقدم الباشدور للدخول و تبعه الترجمان فقط، و كان عندنا الإذن بالوقوف بباب القبة عند دخول الباشدور، حتى يؤذن لنا بالدخول و عند دخولهما سد ذلك الباب، و وقفنا نحو ست دقائق ثم فتح ذلك الباب و أذن البواب لنا بالدخول، فتقدم مقيده- عفا الله عنه- و تبعه الأمين وفقه الله، و في أثره كبير المخازنية و بعده باقيهم، فلم يكن في تلك القبة إلا عظيم الدولة و الباشدور و الترجمان لا غير، فبادر عظيم الدولة بالإشارة بالتحية فأجبناه، ثم عرفه الباشدور بكل واحد منا و بمرتبته، و مهما عرفه بواحد أعاد التحية أيضا لكل واحد بخصوصه، و أجيب بمثلها و ظهر فيه من الفرح و السرور ما لم نره من غيره، و كذلك من كبراء دولته و أهل بلدانه و خصوصا أهل هذه البلدة أعني طورين.

ثم خرجنا من عنده و رجعنا، فوجدنا العسكر لا زال كل واحد بمحله، و توجهنا

____________

(1) ملك إيطاليا فيكتور إمنويل الثاني (1820- 1878)Victor -Emmanuel II شغل منصب ملك سردينيا من 1849 م إلى 1861 م ثم توج ملكا على إيطاليا من 1861 م إلى 1878 م و هو ابن شارل ألبيرCharles -Albert واجه الكثير من الحروب مع النمسا و فرنسا، لكنه تابع عملية توحيد إيطاليا في سنة 1866 ضم إقليم البندقية و دخل رسميا لروما سنة 1871 م و عمل على تخفيف الصراع مع الفاتيكان الذي كان يرفض الأمر الواقع، و قد عاش هذا الملك الجندي حياة بسيطة.

Dictionnaire d`histoire Universelle, Michel Mourre, Bordas, V 1: 4661.

364

إلى دار ولده للملاقاة معه و هو الذي كان سلطانا عند دولة الصبنيول حين تقاتلت تلك الدولة مع عظيمها، ففرح بقدومنا عليه فرحا كبيرا، و كذلك توجهنا في هذا اليوم لدار خال عظيم الدولة/ 315/ و هو رجل مسن يستخلفه‏ عظيم الدولة في سفره، ففرح كذلك فرحا عظيما و عند رجوعنا إلى محل النزول، أخبر الباشدور أن من جملة ما تكلم به عظيم الدولة مما يدله على تعظيمه للجانب الشريف- أسماه الله- و اعتنائه به، أن قال له أنه كان مسافرا في بعض نواحي بلده و أنه إنما قدم لأجل الملاقاة به، و أنه غدا أي يوم الأحد راجع للمحل الذي كان فيه و أنه أذن لولده يصنع لنا وليمة إكراما و فرحا منه بقدومنا، و يكون ذلك بداره أي عظيم الدولة، فلأجل ذلك طلب منه اللقاء بولده فأذن به و سره ذلك سرورا كبيرا.

و في منتصف هذا النهار أتى الترجمان و معه كاتب سر عظيم الدولة بتحف‏،

____________

(1)Amedio Disvoia (1890- 1845 م) الابن الثالث للملك فكتور إيمانويل الثاني، قبل التاج الإسباني سنة 1870 م الذي كان فارغا بعد طرد الملكة إيزابيلا الثانية دي بوربون‏Di Borbone ، لكن عارضه الجميع ففضل التنازل على العرش بعد عامين فأعطوه لقب الملك الجنتمان ...Re .Gentiluomo . تزوج ب

Liza BonaParte L`enci, Glorier, vol 1: 092.

(2) توجه الضيوف المغاربة لتقديم الهدايا إلى البرلمان نيكوتيرا وزير الشؤون الداخلية المسؤول على الشرطة، فشكروه على ما بذله بتاريخ 28 غشت سنة 1876 م من مجهود لإلقاء القبض على سارقيهم ....

كما سيرد لاحقا.

Corriere Della Sira, Milano

، بتاريخ 28 غشت سنة 1876 م. جريدة.

(3) عند نهاية الاقتبال الملكي تبودلت الهدايا كما جاء ذلك في الصحف الإيطالية «... بعد دقائق معدودة بدأ جميع الحاضرين يشاهدون الهدايا التي جلبها الزبيدي معه إلى جلالة ملك إيطاليا، و كانت تشتمل على سروج للخيول و أسلحة و أحدية و زرابي صغيرة و ملابس من الحرير و الذهب، و ليس جديرا بالذكر التأكيد على الذوق الجميل الذي يتميز به الصناع المغاربة، رغم أنهم كانوا في بداية العهد الصناعي ... و ملك إيطاليا بدوره قدم هدية إلى سفير المغرب تشتمل على علبة للدخان مزينة بالأحجار الثمينة و بندقية عجيبة و ساعات يدوية و خواتم و مسدسات و بنادق إلى مرافقيه، و قدم طاولة مزخرفة لملك المغرب لا ثمن لها ...».

Gazzetta Del PoPolo, Torino

، بتاريخ 27 غشت سنة 1876 م.

365

و قال إنها من عظيم الدولة و دفع كل تحفة منها لكل واحد منا بيده فتلقيناها بالقبول، ثم تركت ما كان دفعه لي منها الترجمان على مائدة بيت الباشدور، و توجه كل واحد بتحفته لمحله، فقال لي مالك تركت حوائجك هنا، فقلت لا ينبغي لي حيازة شي‏ء منها حتى يعرض ذلك على حضرة مولانا العالية بالله أدام الله عزها، و هو أعزه الله يجود عنا برضاه الذي هو الكيفية العظمى، و هو الإكسير الأكبر و الكبريت الأحمر، فسر بما سمعه مني، و قال: إنه لكذلك و أذن لي بحوزها حتى نعزم على الخروج و تجمع في صندوق يخصها.

الفرجة التي أنشأها عامل طورين‏

ثم إن أهل هذا البلد أنشأوا فرجة عظيمة في الليلة القابلة بعد هذا اليوم، و هي ليلة الاثنين و ذلك بأنهم عمدوا إلى جداري الركنة الخارجة في هذا المشور، و جعلوا في أحد جداريها خاتما كبيرا من المصابيح الصغيرة، و جعلوا فيها ماء على ألوان و جعلوا الزيت فيها و جعلوا في وسط الخاتم حروف الاسم المفرد من تلك المصابيح و جعلوا في الجدار الآخر صورة كرونة عظيم دولتهم من المصابيح، في وسط تربيعة من المصابيح أيضا، و جعلوا صفا ممتدا لدخول الغاز مع جدرات المشور، و نصبوا مائدة مثمنة بوسط المشور قريبة من الدار التي نحن بها و هي من/ 316/ العود، و هي متسعة في طولها و عرضها نحو اثني عشر ذراعا، و مثلها في كل جهة من جهات التنميق، و نصبوا أعمدة دائرة مع هذه المائدة، و في رأس كل عمود خمس وردات حمر من الورد المصنوع، كل وردة في الكبر مثل جرم كرة أربعة و عشرين، و كان بقرب تلك الركنة

____________

(1) «مساء البارحة أقامت «مصالح بلدية طورين» على الساعة 8 مساءا، و على شرف السفارة المغربية بإنارةPiazza Castelo ، بحضور فرقة الحرس الوطني، الذين كانوا يعزفون الأناشيد تحت مقر إقامة السفير، و قد حج جمهور غفير لمشاهدتهم و السلام على السفير المغربي، الذي بدوره رد السلام عليهم من نوافد و بالكون إقامته بفندق أوربا ...».

Gazzetta Del PoPolo, Torino

، بتاريخ 27 غشت سنة 1876 م.

366

الخارجة من المشور أشجار ممتدة معها، نصبوا بين أغصانها و أوراقها كواغد على شكل المخروط كالمكب، و هي على ألوان أضا و حيث قرب الغروب أوقدوا تلك المصابيح و الفنارات الممتدة مع جدران المشور، و جعلوا سرجا بداخل ذلك الورد المصنوع الذي على رؤوس الأعمدة المحيطة بتلك المائدة، و في الأشجار المذكورة في وسط الكواغد الملونة، ثم أتى أصحاب الموسيقا و أحدقوا بتلك المائدة و دخل واحد منهم وسطها على عادتهم، و صاروا يخدمون و امتلأ ذلك المشور ليلا بالخلائق رجالا و نساء و صبيانا، و أتت في ذلك الوقت جماعة من أعيان أهل البلد، و تلاقت بالباشدور و أخبروه أن فرحهم بقدومه و اعتناءهم بجانب مولانا الشريف هو الذي حملهم على إنشاء هذه الفرحة، فشكرهم‏ على ذلك ثم قال الترجمان للباشدور، ينبغي لك أن تخرج إلى ذلك السرجم و تقابل الناس الذين اجتمعوا هناك و تشير لهم بالترحيب، فخرج و خرجنا معه، فحين أشرفنا عليهم أخذوا في التصفيق جميعا و تلك عادتهم إذا كانوا مجتمعين في موضع و رأوا ما يسرهم، ثم جلسنا هنيئة على الشوالي بين الدربوز و جدار الصالة التي كان فيها الباشدور، و كلما قام الباشدور و رام الدخول يأخذون في التصفيق، يريدون بذلك الرجوع إلى الجلوس، فيجلس حتى تكرر ذلك منهم مرارا فقام و أشار لهم بالسلام و دخل لمحله فتفرقت الناس و راح كل لمحله.

و في يوم الأحد الخامس‏ منه، أتى الترجمان بالأكداش و خرجنا معه إلى عرصة لعظيم الدولة قريبة من داره، و لعلها متصلة بها من بعض الجهات فوجدنا/ 317/ أنواعا من السباع في أقفاص من الحديد، لا حاجة إلى إعادة ذكرها و بيانها لتقدم ذلك و بيانه غير ما مرة.

____________

(1) «تعجب الضيوف المغاربة من مشاهدة العلم الأحمر الذي قام بتعليقه صاحب الفندق وسط ساحته.

كل البلدان التي تعتقد ديانة محمد يعتمدون العلم الأحمر و بداخله نجمة أو أكثر من نجمة أو نصف هلال أو ثلاثة أنصاف الهلال و ذلك حسب الدولة التي ينتمي إليها العلم كتركيا و مصر و تونس و المغرب ...».

( La Lombardia, Torino )

، بتاريخ 1/ 9/ 1876 م. جريدة.

(2) الأحد 6 شعبان يوافق 27، غشت سنة 1876 م.

367

زيارة سجن مدينة طورين‏

ثم خرجنا من تلك العرصة و ذهب بنا إلى سجن‏ هذه البلدة، فدخلنا إليه فوجدناه مستديرا كالبرج، و قد أحدقت به بيوت صغيرة بعضها فوق بعض، و لعلها خمس طبقات و لكل طبقة سراجم و درابيز من قضبان الحديد، و الضوء منتشر في جميعه حتى قيل لهم من ضاقت عليه المعيشة منهم يرتكب جريمة فيدخل لهذا السجن فلعله يجده أفضل من محله، فانبسطوا لذلك ثم سرحت بصري في قطر دائرة هذا السجن، إذ فيه طرق متقابلة هي أقطار دائرته، و ظننت أن قطرها يكون نحو ثلاثمائة متر، و لم أكتف بهذا فسألت الترجمان فاستفهم عنه كبير السجن، فقال إما يزيد على ثلاثمائة متر أو ينقص. و هناك أناس يخدمون منهم النجارة يستخدمونهم بعض الناس، و السجان‏ يقبض لهم أجرتهم و لا يدفع لهم إلا ما يتوقفون عليه من النزر القليل. و عند خروجهم يتحاسبون معه، و يدفع لهم ما يجتمع عنده، و منهم أناس يغزلون الخيط كأن القيطان في نواعير على هيئة الشراطة فسئل أحدهم عن سبب سجنه، فقال إن رجلا سرق سرقة و أخفاها عنده، فسجن لأجل ذلك و حكم عليه بالسجن ثلاثة أعوام، و قد مر منها عام و نصف، و منهم أناس يصنعون صنيدقات من الكاغد للوقيد، قيل يخرج كل يوم من هذا السجن سبعون ألفا من تلك‏

____________

(1) تعرضت السفارة المغربية لسرقة داخل القطار، لكن السلطات الإيطالية استطاعت إلقاء القبض على اللصوص كما سيأتي ذلك بتفصيل. في هذا الإطار تدخل زيارتهم لسجن طورين الجديدLe corceri nuove بدعوة من عامل المدينة ليؤكد لهم حقيقة إلقائهم القبض على المجرمين بعد أن تشكك الزبيدي في أن القبض على المجرمين ما هو إلا تغطية حكومية للموضوع.

( La Lombardia, Torino )

، بتاريخ 31/ 8/ 1876 م. جريدة.

(2) طبق نظام السجون الحديث أسلوب العمل الإجباري نظرا لحاجة النهضة الصناعية لأيدي عاملة، و ذلك بإجبار المحكوم عليهم على القيام بأعمال يدوية متنوعة مقابل أجور خاصة، قسم يحصل عليه مباشرة، و قسم يذخر له طول المدة المحكوم بها عليه ليستطيع مواجهة متطلبات المعيشة داخل المجتمع الجديد. (مؤسسة السجون، أحمد مفتاح البقالي، الرباط، 1979: 62).

368

الصنيدقات، و في هذا السجن مطبخة يقوم بها المخزن عندهم للمسجونين، و به عراصي محدقة به فيها أشجار و أنوار و خضر، و في كل عرصة يبنون في وسطها دائرة كالبرج الصغير يكون قطرها نحو ستة أذرع، و قد فتح في جدار دائرتها شراريف، يقال أن المساجين يخرجون كل يوم لتلك العراصي و عند خروجهم يدخل بعض العساكرية لتلك الدائرة التي في وسط العرصة بالمكاحيل، فإذا رأوا أحدا من المساجين يتنازع مع آخر يصربه بالبارود/ 313/ هكذا الحكم عندهم.

الإكرام بدار عظيم الدولة

و في الساعة السابعة و نصف من ليلة الاثنين سادس شعبان‏، توجهنا لدار السلطان للوليمة التي كان وعد بها، و أنه كلف‏ بها ولده فحين طلعنا لقبب الدار و وصلنا إلى القبة التي فيها ولد عظيم دولتهم، وجدنا معه جماعة كبيرة من الوزراء و الأعيان، ثم أدخلونا إلى قبة الإكرام و هي مستطيلة سقفها نصف دائرة مموه‏

____________

(1) السجن المفتوح يتوفر على مساحات شاسعة، حتى يتمكن من تشغيل المحكوم عليهم في الأعمال الزراعية و الصناعية المتصلة بها، كأسلوب عقابي جديد تساعد السجين على استعادة مكانته في المجتمع، و لتفادي هروبهم تشدد الحراسة في أبراج اصطناعية عالية تشرف على الأراضي الفلاحية.

(نفس المرجع السابق).

(2) الاثنين 7 شعبان يوافق 28 غشت سنة 1876 م.

(3) «كلف الملك فكتور إمنويل الثاني ولده‏Duca D`Aosta بإقامة حفلة عشاء على شرف أعضاء السفارة المغربية بقاعةFestini ... و المدعوون حدد عددهم ب 90 في الأول و تقلص العدد إلى 60 شخصا منهم وزير الداخلية و وزير الحربية و وزير الخارجية ..».

Gazzetta Del PoPolo,( Torino )

، بتاريخ 28 غشت سنة 1876 م.

لكن‏Melegari لم يحضر هذا الحفل، و ذلك لضرورة حضوره بروما خلال هذه الفترة لانعقاد مؤتمر السلام بروما الذي تلعب فيه إيطاليا دورا مهما. نقلا عن جريدةLa Liberta .

Corriere Della Sira,( Milano )

، بتاريخ 27 غشت سنة 1876 م.

369

بالتذهيب و التوريق، و في السقف خمس ثريات عظيمة من البلار توقد بالشمع، و جدران هذه القبة فيها مرايا عظيمة، و بين كل مرءاتين ثريات صغيرة من صفر، بعضها فوق بعض توقد بالشمع، و في وسط هذه القبة مائدة قائمة على أعمدة ممتدة من مدخل القبة إلى قرب منتهاها، و جعلوا على هذه المائدة ثلاثا و عشرين حسكة من المعدن، كل حسكة فيها ثنتا عشرة شمعة و منها ما فيه أقل، و في وسط كل حسكة مشموم من ألوان النوار قد رصف على نسب عجيبة و أشكال غريبة، و لكل حسكة طاس تستقر عليه كالطبقة الكبرى، رصف أيضا بالنوار كأنها زربيات، و بين كل حسكتين مشموم عظيم من النوار أيضا، منصوب على حسك أخرى، و وجدنا هذه المائدة قد حفت بالشوالي، و على المائدة قبالة كل شيلية ورقة فيها اسم الرجل الذي يجلس في تلك الشيلية و قدامه طبسيل من الطاووس العجيب و كؤوس بلار عديدة، و جنوي و فيجكة و معلقة كلها مموهة بالذهب، فجلس كل واحد منهم في شيلية، و أجلسوا كل واحد منا بمحله و كان جلوس الباشدور عن يمين ولد عظيم دولتهم، و عن يمينه الترجمان و نحن في الجهة الأخرى مقابلون له، ثم أخذوا يأتون بأطعمتهم على عادتهم، فما تناولنا منها إلا الخبز و الزبدة و أنواع الحلواء، و كانوا يعرضون علينا أنواع الطعام التي يطوفون بها عليهم، فكنا نشير إليهم بالامتناع‏

____________

(1) تعليق بطرة الصفحة كتبه لابنه عبد القادر الجعيدي. «لا شك أن هؤلاء أهل كتاب و طعامهم الذي لم يحرم في كتابنا حل لنا كما أن طعامنا حل لهم و لا يلزم تحريمه، و إعراضهم من كتابهم و حرمة طعامهم علينا كما لا يلزم من إعراض بعضنا عن كتابنا حرمة طعامه على البعض الآخر». هذا الموقف أثار عند الأوربيين الكثير من الفضول، و قد استطاع أحد الصحفيين الدخول إلى مقر إقامة السفارة المغربية صحبة الترجمان‏Bosio و كتب التقرير التالي:La Lombardia (Torino) .

«... ضيوفنا الأعزاء لا يأكلون لحم الخنزير و لا مشتقاته، و كل ما يطبخ في المطابخ الأجنبية و غير المسلمة و هم يكتفون بأكل اللحوم المدبوحة، حيث يوجه الشاة إلى القبلة أي مكان قبر الرسول و يدبح و ينتظر حتى تسيل دماؤها و تسلخ و تقدم مطبوخة و هذه الطريقة صعبة و لكنها صحية ...»، ثم تكلم عن شخصية السفير و شكل لباس المغاربة و غير ذلك.

370

منها فيعرضونها على غيرنا، و كل واحد منهم يأخذ منها حاجته، و في آخر الإكرام أخذ الخدمة يطوفون بأواني الحلواء في احكاك صغار/ 319/ مثل بيضة بلارج، و منها ما هو مستدير فكان منهم من يأخذ حكا واحدا، و منهم من يأخذ حكين، فحين وصل إلي الذي يطوف بها أشرت له بعدم الأخذ منها، فمر و أخذ الذي كان عن يميني بل يساري حكما وضعه قدامه، و حيث رآني لم آخذ منها، أحذ حكا آخر و وضعه قدامي، ثم قام الناس فأخذ كل واحد حكه و وضعه في جيبه، فقمت و تركت الحك الذي كان قدامي فلحقني به الذي كان وضعه قدامي، و أشار إلي بأن جميع الناس أخذوا حككهم، و أشار إلي بوضعه في جيبي فقلبته إذ ذاك، فمن هذا الاحكاك ما هو من زاج و منها ما هو من الكاغد، و بها تزويق و تذهيب و الحلواء التي بداخلها كالحبوب ملونة، و هي إنما تليق للعب الصبيان، و هم يأكلون ذلك في مواضعهم افتخارا و رفعة لهم، ثم خرجنا من تلك القبة إلى غيرها، و صار الناس واقفين بها و ولد عظيم الدولة يقف مع كل واحد منهم هنيئة و يكلمه بانبساط و تبسم، حتى وصل إلى الباشدور فتكلم معه بما يناسب و تشكر عن اعتنائهم بالجانب الشريف أسماه الله، ثم أخذ الوزراء يأتون إلى الباشدور واحدا بعد واحد و يرحبون به حتى مروا عن آخرهم، و خرجنا و انصرفنا إلى محل النزول.

الخروج لى الصيد مع ولد عظيم الدولة و الوزراء

و في صباح الاثنين المذكور أتى الترجمان إلى الباشدور، و أخبره أن ولد عظيم الدولة يحاول الخروج للصيد في الغابة حول المدينة، و أنه يأذن لنا في الخروج معه للصيد، و يخرج معنا الطباخ الذي يطبخ لنا ليهي‏ء لنا الغذاء هناك، لأنه ذكر أنه رءانا لم نأكل شيئا من طعامهم في تلك الوليمة، و ألمه ذلك غاية لكنه سره عدم أكلنا منه من جهة محافظتنا على شرعنا، فخرجنا في الساعة العاشرة من يوم الاثنين المذكور، و لم يكن من المخازنية إلا قائدهم، فسرنا في الأكداش نحو ساعة في طريق محفوفة بالأشجار عن اليمين و اليسار، حتى انتهينا إلى دار

371

عظيمة كأنها قصبة، فدخلنا إلى قبة بأسفلها مرفوعة على أربع سوار عظيمة، و فيها حياض و أنوار و محابيق، ثم خرجت مع الأمين إلى باب هذه القبة، فوجدنا ولد عظيم الدولة قد أتى راكبا كرسي الكدش‏ و بيده سوط، و هو الذي/ 320/ يزجر الخيل التي تجر الكدش الذي فيه أتى معه من أعيانهم، فتعجبنا من سياسته و لطافته ثم دخلنا و أتى بنا إلى قبة أخرى فيها مائدة أكلهم، فجلس كل واحد منهم على شيليته و جلسنا نحن كذلك، و كان الطباخ‏ قد هيأ لنا الغداء هناك، و بعد الغداء ركبنا الأكداش و ذهبنا إلى الغابة، فوصلنا إليها فإذا هي كالأجنة و الطرق ممتدة فيها طولا و عرضا، و هي خاصة بعظيم الدولة، و لا يصطاد أحد فيها شيئا، و قيل هي مربعة تكسيرها خمسة و عشرون ميلا، و عند خروجنا إليها كانوا دفعوا لكل واحد كاغدا مستديرا قدر جرم الريال، في كل واحد حرف أو حرفان من حروف الغبار، ليقف كل واحد في الموضع الذي فيه النمر الذي في الكاغد الذي دفع إليه، ثم نصبوا أعمدة ممتدة مع تربيعة من تربيعات هذه الغابة، و في رأس كل عمود لوحة جعل فيها حرف أو حرفان من حروف الغبار، و بين كل عمودين نحو أربعين خطوة و أقل و أكثر، و كل واحد منهم يقف مع النمر الذي في كاغده، فإذا وقفوا يتكلم واحد ببوق فيدخل العسكر إلى تلك التربيعة بأيديهم العصي، و يتشغلون بضرب الأشجار

____________

(1) طبقا لرغبة الزبيدي التي أبداها لسفير إيطاليا بلندن أقيمت حفلة للصيد البري بمنطقةStuPinigi S .P .E .I (D .M .Smith) .

StuPinigi

«بناية الصيد البري التي شرع في بنائهاFiliPPe Juvarra عام 1729 م، و أنهاها فنانون محليون سنة 1735 م و خصصت كمقر خاص للصيد البري للملك فيكتور اميديو الثاني، و هي الآن متحف التحف و الأثاث المنزلي. «Ammobiliamento

L`EncicloPedia Glorier,( Milano ), vol 81: 643.

(2) انظر شرحه بالملحق: 4.

(3) «... بما أن السفير المغربي و مرافقيه لم يأكلوا أي شي‏ء مما قدمه لهم‏Duca D`Aosta من طعام، فقد قام هذا الأخير بتجهيز طاولة بأكملها من الطعام على الطريقة المغربية التقليدية ...».

Gazzetta Del PoPPlo( Torino )

، بتاريخ 29 غشت سنة 1876 م.

372

فتطير الطيور فيحشرونها إلى جهة الرماة، فمن مر في طريقه طير أخرج فيه مكحلته، حتى يصل العسكر إلى الرماة، ثم انتقلنا إلى تربيعات أخرى، واحدة بعد واحدة، و كل واحدة يعملون فيها مثل العمل الأول، فضربوا طيورا كثيرة، و كان الباشدور أكثرهم إصابة، و في كل تربيعة يضرب فيها طيرين أو طيرا، فتعجبت النصارى من رمايته‏ و إصابته، و كان جملة ما أصاب من الطيور إما سبعة أو ثمانية، و شاع هذا عندهم و جملة الطيور التي أصيبت في هذا الصيد قيل نيف و خمسون طائرا، و أرنب واحدة.

ثم رجعنا إلى تلك الدار التي خرجنا منها، فوجدنا قد نصبت موائد في البراح الذي قدام بابها، و عليها أواني شرابهم فدخلنا إلى الدار./ 321/ ثم خرج ولد عظيم الدولة إلى ذلك البراح الذي فيه تلك الموائد، و كانت قد هيأت للعسكر الذي كان يحشر الطير للرماة، فجلس معهم على تلك الموائد حتى شرب معهم ثم رجع إلى الدار و جلس مع الباشدور و أوتي بأنواع من حلواء الثلج و غيرها، فتناولنا منها ما تيسر ثم ركبنا الأكداش راجعين إلى المدينة، فنشأت غبرة كثيرة في الطريق من جري الخيل التي تجر الأكداش، فقلت في سري زد هذه على حرارة الشمس التي ظللنا نتقلب فيها من مكان إلى آخر، و قيدت إذ ذاك حين الرجوع هذه الأبيات‏:

فما الصيد في وقت الربيع و لا الصيف‏* * *من دأبي و لا أبغي التقلد بالسيف‏

و لكن أحب الصيد في غسق الدجا* * *ببيت غزال ناعم الكف و الردف‏

تعاطيني كأس الشوق صاف شرابه‏* * *و تمزجه عتبا و تسمح بالعطف‏

____________

(1) «... حفلة الصيد البري الذي أقيم بمنطقةCastello -Di StuPinigi على شرف سفير المغرب الذي عبر عن فرحته و مشاركته في الحفل و قام برمي عددا من الطلقات بالبندقية أصابت الهدف ...».

Gazzetta Del PoPolo,( Torino )

، بتاريخ 29 غشت سنة 1876 م.

(2) قصيدة شعرية من البحر الطويل.

373

و قبل انصداع الفجر يحلو تهجّدي‏* * *و ما أنا ممن يعبد الله عن حرف‏

ولي قلم يبرى إذا هاج غيظه‏* * *يراعي ذمام السيف من شدة الخوف‏

ففيه اكتسابي و افتخاري و رفعتي‏* * *و نعم الرفيق في الشتاء و في الصيف‏

و كان ولد عظيم الدولة أمر الطبجية يخرجون لرمي الإشارة بالمدافع، و يجربون الرمي بمدفع عظيم أحدثوه وزنه ثمانية و ثلاثون طنا، و طلب من الباشدور الخروج للحضور معهم في ذلك الرمي.

الخروج لرمي الإشارة مع الطبجية

فخرجنا في الساعة الثامنة من يوم الثلاثاء ثامن‏ شعبان، راكبين الأكداش و في الساعة الثامنة و نصف ركبنا في بابور البر متوجهين إلى الموضع الذي يرمون فيه الإشارة، فمر البابور بنا على أرضين مربعة ليس فيها إلا الربيع الأخضر لسريان الماء في حدود هذه الأرضين، و قد غرست الأشجار في الحدود و سويت صفوفها و تقاطعت طولا و عرضا، ثم مر/ 322/ بنا على أجنة العنب، و هم ينصبون مع كل ساق دالية خشبة برأسها أعمدة تنزل عليها أغصان الدالية، لما يرون في ذلك من المصلحة لها فتخلخل الريح و الهواء فيما بين الأغصان و ما بتحتها، و إشراق أشعة الكواكب عليها، بخلاف الدالية التي في بعض مدن الغرب، فإنهم يتركون أغصان الدالية يترامى بعضها فوق بعض حتى يلتئم غالبها، و لا يمكن السلوك بينها إلا بمشقة

____________

(1) 29 غشت سنة 1876 م.

(2) أو الكرمة لها أغصان طويلة تحتاج إلى دعائم تعترش عليها بفضل أعضاء لولبية بدل تركها زاحفة على الأرض عرضة للحشرات و الطفيليات كما كان سائدا بالمغرب. (موسوعة عربية).

374

لا سيما في الصباح بعد نزول الندى، و يبقى غالب عناقيد العنب إذ ذاك منحجبا بين الأغصان و الأوراق عن تمام نفود الهواء و الأشعة، و ربما يكون تتولد آفة للعنب من ذلك و الله أعلم.

و في الساعة التاسعة و ثلث نزلنا في المحل‏ الذي يرمون فيه الإشارة بالمدافع، فوجدنا هناك بعض كبراء طبجية العسكر فتلقوا الباشدور بالتعظيم و الترحيب و غاية الأدب، و وجدنا هناك مدافع الجر صغيرة من العينة التي تعمر من وراء، و مدفعا آخر عظيما جديدا هو الذي أحدثوه و أرادوا تجريب الرمي‏ به في هذا اليوم، و هو كذلك من العينة التي تعمر من رواء لكن على كيفية أخرى، لأن قعره مبسوط مستو ليس فيه انعطاف داخلا و خارجا، و المحل الذي يعمر منه فيه و شك كوشك خزنة المكاحيل، لكن قسموا دائرة هذا الوشك، و هي الباب التي يعمر منه إلى ستة أقسام و أسقطوا و شك سدسها حتى صار مستويا مع الخزنة، و تركوا و شك سدسها الثاني بارزا على حاله و أسقطوا و شك السدس الثالث كذلك، و تركوا الرابع كما ذكر، و أسقطوا الخامس كالأول و تركوا السادس على هيئته، فصار فم الخزنة بهذا فيه أي في دائرته ثلاثة أسداسها، وشكها بارز و الثلاثة الأسداس الأخرى أزيل وشكها و سويت مع الخزنة، و اتخذوا جرما من الحديد اسطواني الشكل، و جعلوا فيه و شكا/ 323/ مثل و شك الخزنة مقسوم على ستة أجزاء أسقطوا و شك ثلاثة أجزاء، و تركوا بينها و شك الأجزاء الثلاثة الباقية، و بهذا الجرم الاسطواني يسدون الخزنة على عمارة هذا المدفع، لأنه أي هذا الجرم المذكور، مقبوض بحلقة من حديد من طرفه الذي يبقى بارزا عن الخزنة عند السد به، و لهذه الحلقة طرف حديد ناتئ منها ممتد إلى جرم خزنة المدفع من جهة اليمين، و وصل هذا الطرف المذكور بجرم الخزنة بهيئة

____________

(1)

CamPo Militare di San- Maurizio,( M. D. A. E. I. ARCH. STIR. DIPL. )

يقع وسطPiemonte و يبعد بحوالي 19 كلم شمال طورين، مخصص كحقل لتجارب الأسلحة الإيطالية الحديثة، و خاصة المدفعية و مكان المناورات العسكرية طيلة القرن 19 م و قد تحولت في ما بعد إلى منطقة صناعية.

(2) رسم توضيحي يبين شكل التقنية المستحدثة في المدافع الكبيرة التي تعمر من الخلف و التي أثارت اهتماما كبيرا عند المغاربة. (انظر ملحق الرسوم و الصور صفحة 24).

375

البزكرات، و في جرم الخزنة أيضا فوق تلك البزاكرة ناعورة من حديد في جرفها درج بها يفتحون الخزنة و يخرجون منها ذلك الجرم الذي تسد به، و بها تسد، فإذا عمروا هذا المدفع و أرادوا سده يدفعون بأيديهم ذلك الجرم حتى يقابل رأسه فم الخزنة لأنه ممسوك بتلك البزاكرة، و عند مقابلة رأس ذلك الجرم لفم الخزنة و عزمه على الدخول إليها يكون وشكه و وشك الخزنة متغايرين، أعني تكون الأجزاء الساقطة من وشك الخزنة مقابلة للأجزاء الساقطة من وشك الجرم، و البارزة منها مقابلة للبارزة الأخرى، فلا يمكن السد به على هذه الحالة فعند ذلك يديرون تلك الناعورة و بدورانها يأخذ الجرم في الدوران حتى تسامت الأجزاء الثلاثة الساقطة من وشكه الأجزاء الثلاثة البارزة من وشك الخزنة، فعند ذلك يدخلون طرفا من رأس الجرم في فم الخزنة، ثم يديرون تلك الناعورة فيصير الجرم يدور داخلا في الخزنة لتطابق الوشك إذ ذاك بعضه مع بعض حتى يصل إلى منتهاه، هذه كيفية فتح خزنة هذا المدفع و سدها على حسب ما ارتسم في خيال مقيده و سامحه مولاه.

كيفية عمارة هذا المدفع‏

و أما كيفية عمارته، فإنه أتى رجلان من العسكر كل واحد منهما حامل على‏

____________

(1) رسم توضيحي يبين كيفية إقفال أو فتح باب خزنة المدفع، و ذلك بتدوير تلك الناعورة الدائرية الشكل يمينا أو يسارا. و المخزن المغربي كان يسعى لاقتناء أسلحة عصرية، بعد ما انهزم أمام الجيوش الأوربية، و فقد تفوقه العسكري على القبائل بسبب انتشار تجارة تهريب الأسلحة «البنادق»، و بيع العسكر «الهراب» لأسلحتهم أثناء موسم الحرث، فلم يبق أمامه إلا ميدان واحد للتفوق على القبائل و هو المدفعية لكن هذه المدفعية بقيت فعاليتها متوقفة على الأجانب، رغم ارتفاع عدد المغاربة الذين تدربوا عليها «معلمين» طبجية، و لعل هذا راجع إلى تعدد أنواع المدفعية المستعملة بالمغرب، و احتراس المخزن من وضع هذا السلاح «الحيوي» بين أيدي من يمكن أن يصبح خطرا عليه، لهذا كان المخزن يلتجئ إلى أعضاء البعثات العسكرية الأجنبية في هذه المهمة. (الجيش المغربي و تطوره في ق 19، برادة ثريا، مرقونة بخزانة كلية الآداب بالرباط). (انظر ملحق الرسوم و الصور صفحة 25).

376

ظهره برميلا فيه خنشة من البارود، و وزنهما معا كما ذكروا ثمانية و ستون كيلوا، و هي تعدل قنطارا و ستة و ثلاثين رطلا تقريبا،/ 324/ و وضعوهما بين أيدي الطبجية قرب المدفع، ثم أتوا بكورته في كدش و هي مستطيلة محددة الرأس، و رفعوها بالبوجي المتصل بكريطة هذا المدفع، و أداروا البوجي عند رفعه لها حتى سامت فم الخزنة و دفعوها إليها حتى حلت محلها من الخزنة، ثم ألحقوا بهاتينك الخنشتين من البارود، و سدوا الخزنة على الجميع بالكيفية السابقة، و سغنسوا أي تقبوا خنشة البارود من ثوب الخيش على الكيفية المعهودة، و ركبوا النيشان الذي يحققون به الإشارة التي يرمونها في الجهة اليسرى من خزنة المدفع لا فوقه أو وسطه، و حققوا به مسامتة الإشارة، و ركبوا في الخبش حلقة النار التي بها يخرجون عمارته، بعد ما ركبت فيها قنبة طويلة، ثم تكلم واحد منهم بالبوق للإعلام بخروج هذا المدفع ليكون منه على بال من جهة الإشارة من الناس، و بعد ذلك أخرجوه، فكان له صوت‏ مرهب لم أسمع مثله قط، و حسست بشي‏ء يروم الخروج من أذني و بقي بهما طنين كثير مدة من الزمان، و حريق مؤلم كما تتألم العين بالفلفل، و سبب هذا أني كنت عن يمين المدفع مسامت لفمه، و بانتشار صوت المدفع لتلك الجهة أصابني ما أصابني و الحمد لله على السلامة، و أما من كان وراء هذا المدفع بعيدا عنه أو قريبا فإنما تعجب من ذلك الصوت الهائل و تشكى بأذنيه أيضا، و قالوا إن هذه الكورة أصابت رأس اللوحة التي كانت منصوبة إشارة، لكني لم أر أثرا لذلك لأن بينهما و بين المدفع اثنتا عشرة مائة متر، و كانوا أخرجوا عمارات بمدافع الجر الصغيرة قبل هذا و رموا بها ألواحا أخرى منصوبة، و قالوا إنها كانت تصيبها تلك الكنبرة، و الذي كنت أشاهده أن تلك الكنبرة عند وصولها للوحة الإشارة تتفرقع هناك، لأنها مملوءة بالخفيف المصنوع من روح التوتية كما قيل، أو منهما معا، فحين رأونا وقع لنا الشك فيما يقولونه من إصابة

____________

(1) كان البارود المستعمل في المدفعية حتى سنة 1830 م، يتكون من حبات صغيرة و التي تعطي دويا لمدة قصيرة، تستعمل لتحطيم أهداف قريبة، و حوالي 1855 م بدأت المدفعية تستعمل القذائف الطويلة و الثقيلة بفضل تطور صناعة الصلب بأوربا.

Histoire ge? ne? rale des techniques, Tome. IV; Techniques Militaires.

377

الإشارة، طلبوا منا الانتقال إلى قرب/ 325/ الألواح المنصوبة إشارة لنرى إصابتها معاينة، و أتوا بالأكداش فركبنا حتى وصلنا إلى قربها و نزلنا و وصلنا إلى تلك الألواح المنصوبة، و هي متفرقة في مواضع متعددة، و طول كل لوحة نحو ثمانية ذروع و عرضها نحو ستة ذروع و غلظها أزيد من بلكاطة، و هي كهيئة الدفة و كل لوحة بكل طرف من أعلاها خشبتان نازلتان منه إلى الأرض لتنفد منها الكونبرة، و تبقى واقفة أي اللوحة، و رأينا في اللوحة الأولى فورمة ثمان كونبرات كأنها نزعت منها بالبريمة، فالفورمات المتباعدة على هذه الكيفية و المتقاربة تكسر العود الذي بينها، لأجل المقاربة و منها فورمة واحدة على رأس السواد الذي في وسط اللوحة، و فيها تقب عديدة بالخفيف الذي رمته الكونبرات التي كانت تتفرقع هناك، و منه الذي لا زال مغروسا في جرم اللوحة، و هذا الأثر الذي في هذه اللوحة هو ضرب مدافع الجر، ثم سرنا إلى اللوحة التي رموها بالمدفع الكبير، فرأينا كونبرة الضربة الأولى خرقت وسطها، و الضربة الثانية أخذت طرفا من أعلاها، فحين وقفنا على ذلك و شاهدناه معاينة، تأخر بنا ما كان معنا من النصارى و ترجمانهم عن تلك الألواح، و كانوا قد نصبوا السلك من المحل الذي فيه المدافع إلى محل الإشارة، فتكلم أصحاب السلك بمحضرنا الذين بمحل الإشارة مع الآخرين و أعلموهم بأن الباشدور و أصحابه قد رأوا ذلك و تأخروا، فعند ذلك تكلم الآخرون بالبوق و أجابوهم الذين معنا يعلمون بذلك بعزم خروج المدفع، ثم رأينا دخان الخبش قد صعد و شاهدنا أثره تلك الكونبرة العظيمة قاصدة تلك اللوحة كأنها قربة ماء، و أصابت تلك اللوحة و رحلت بها و طارت، و لها صوت بين الجبال كالصاعقة، و نزلت بحجر جبل و ارتفعت منه غبراء كثيرة/ 326/ فتقدمنا إلى تلك اللوحة التي سقطت، فرأينا الضربة في السواد الذي في وسطها.

هيئة السواد الذي في وسط لوحة الإشارة

و أما هذا السواد الذي في وسطها، فهو شكل مربع غير مستطيل بل متساوي الأضلاع و لعله- و الله أعلم- يمكن أن يكون هذا المربع محيطا بدائرة خزنة المدفع‏

378

الكبير، هكذا ترجم عندي، و دليله‏ الخط المفتوح على رق الشعرة الذي في وسط النيشان الذي يركبونه عن يسار خزنة المدفع، إذا توهم نزول هذا الخط المفتوح إلى الأرض، يكون مماسا لدائرة خزنة المدفع عمودا على الخط الخارج من نقطة التماس المار بمركز دائرة الخزنة، و حيث يكون النيشان مركبا على هذه الكيفية، فالناظر في الخط المفتوح في النيشان حالة تحقيق مسامتته للإشارة، بحيث يكون تحريك الكريطة و دورانها يمينا أو يسارا، إنما ذلك لعدم انطباق الشعاع الخارج من بصره النافد من الخط المفتوح في النيشان على الضلع الأيسر من المربع الذي في وسط لوحة الإشارة المصبوغ بالسواد، و لا يكون يطلب إلا مسامتتهما لأنه لو كان يطلب غير مسامتتهما لكان إما أن يطب وقوع خط النيشان على السواد أو خارجه، و في ذلك من الخلل ما لا يخفى، و أيضا فعند مسامتة الخطين مسامتة حقيقية و انتصاب المدفع انتصابا لا ميل له إلى جهتي الارتفاع و الانخفاظ، يكون قطب دائرة فورمة المدفع مسامتا لقطب الدائرة المتوهمة في سواد لوحة الإشارة، المماسة لأضلاع مربعة، لأنه لا يمكن مسامتة قطبي الدائرتين المذكورتين إلا بمسامتة خط النيشان لخط الضلع المقابل له من أضلاع مربع السواد المذكور و الله أعلم. هذا ما ظهر لي في ذلك و العلم لله، و لم يتقدم لي عمل مع الطبجية في علم رمايتهم، لكن كان منهم من ينتمي إلي، و يأخذ عني‏ قواعد

____________

(1) رسم يوضح ما جاء عند صاحب الرحلة عن كيفية رمي الإشارة (أ).

و العوامل المتحكمة في ذلك هي:

- قوة رمي المدفع.- وزن القديفة.

- زاوية الرمي.- المسافة الفاصلة بين المدفع و الهدف.

(انظر ملحق الرسوم و الصور صفحة 26).

(2) كان تعطى بسلا دروس تعليمية تهتم بالمدفعية بصفة خاصة كما جاء في رسالة السلطان المولى عبد الرحمن إلى عامل سلا محبوبة «... و بعد، فبوصول كتابنا هذا إليك عين عشرين من الولدان النجباء لتعلم علم تاطبجيت، و انظ لهم معلما ماهرا أو معلمين من طبجية البلد، يعلمهم و يشرعون في التعلم الآن فيبدأون بمقدماته، ثم يتدربون منها إلى الأخذ في تعلم رماية المدافع و المهراس، هكذا حتى ينجبوا و يمهروا في الصنعة، و يصيروا قادرين على الخدمة ...»، 20 ذي القعدة عام 1273 ه/ 1857 م.

(الاستقصا، ج 9: 70). و قد أصبحت هذه الدروس أكثر تنظيما أوائل عهد السلطان الحسن الأول.

379

حسابية يستعين بها على خطته، فكان ينتفع بها/ 327/ لكنهم سامحنا الله و إياهم، يبخلون عن متعلميهم بكشف دسائس الرماية، و إظهار علل أعمالهم، «و لو صدقوا الله لكان خيرا لهم». و قد خرجنا عن الموضوع و لكن للحديث شجون، و ليس ذلك بممنوع، رجع اللوحة التي سقطت عند نفود الكنبرة في سواد وسطها، كانت منصوبة وسطا و عن يمينها لوحة و عن يسارها أخرى، كل منهما مثل الوسطى طولا و عرضا، و هما غير متصلتين بالوسطى بل بينها و بين كل واحدة من اللوحتين نحو نصف أصبع، و الوسطى ليس لها خشبتان من ورائها بخلاف الأخريين، فلذلك حين أصابتها الكونبرة رحلت بها بتمامها، و بقيت اللوحتان الأخريان في مكانهما، ثم انتقلنا إلى ألواح آخر منصوبة إشارة أيضا قريبة من الألواح الأخر لكن جعلوها على كيفية صفوف العسكر، بحيث نصبوا ألواحا متصلة بعضها ببعض في صف واحد وراء ألواح أخر مثلها في صف آخر، ثم ألواح أخر جعلوها كالصف الثالث و طول الصف نحو ثلاثين خطوة، و صاروا يضربون هذه الصفوف بالكونبرات بمدافع الجر.

فضربوها أولا بأربع كونبرات واحدة إثر أخرى بينهما مقدار قراءة سورة الإخلاص‏ مرة واحدة، ثم ضربوها أيضا بأربع أخرى ثم كذلك مرة ثالثة و رابعة و خامسة، و في كل مرة يكون تتاربع الكونبرات أقل مدة من تتابعها في المرة قبلها، و غالب هذه الكونبرات كان يتفرقع بين صفوف تلك الألواح و الناذر منها كان يتفرقع بقربها أو بعد مجاوزتها بقريب، و في المرة الأخيرة أخرجوا المدافع كلها في لحظة واحدة فتفرقعت كونبراتها بين الصفوف كخروج الحاضرون، ثم تقدما إلى تلك الألواح التي كانوا يضربونها، فوجدناها كالغرابيل من/ 328/ شدة نفود خفيف الكونبرات فيها، و بعضه لم ينفد و بقي مدفونا في وسطها، و هذه الألواح مدعمة بالخشب من وراء فبذلك لم تسقط، فتعجبنا من ذلك غاية العجب، و ذكر الترجمان إذ ذاك أن بعض العسكر الذين كانوا معنا يقولون عند رؤيتهم نفود الخفيف في تلك الألواح، هكذا تكون ذوات بعضهم عند الحرب، و العجب الكبير إنما هو من إصابة الكونبرة الكبرى بالمدفع‏

____________

(1) «فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ». سورة محمد: 21.

(2) وحدة زمان بسيكولوجية و دينية. و هي مدة استغراق تلاوة سورة الإخلاص، فترتيلها ترتيلا وسطا بالبسملة و الاشباع يستغرق نحوا من 12 ثانية أو أقل من ذلك بحسب حالة القارئ النفسية.

380

الكبير السواد الذي في وسط لوحة إشارته، مع البعد الذي بينهما، و هو ثنتا عشرة مائة متر، أزيد من ميل واحد بكثير.

ثم رجعنا إلى الطبجية و شكر الباشدور حسن رمايتهم و شدة إتقان قواعدها فتأدبوا معه أدبا كبيرا، و قالوا قد أسعدهم الله به و بقدومه لهذا المحل و حضوره لتجربة الرمي بذلك المدفع الكبير، و قد سخر الله لهم فيه بسببه، هكذا ذكر ترجمانهم عنهم فأجابهم بما يقتضيه الحال و ودعوه متأدبين مع سيادته، ثم رجعنا في الأكداش و في بابور البر إلى طورين، بعدما دخلنا لأوطيل في الطريق كان خرج إليه الطباخ و خدام آخر يهيئان لنا فيه الغداء، و تغدينا هناك، و ذلك المدفع الكبير ذكروا أن كورته وزنها ثلاثمائة كيلو و خمسون كيلو، و هي تعدل‏ سبعة قناطير إلا نزرا يسيرا، و أنها تخرق بوردول المركب من الحديد، إذا كان في عرضه أن البوردول تسع بلقاضات، و لو كان في مراسي مولانا السعيدة منها شي‏ء في أبراجها، لكان ذلك من الاستعداد بالقوة الظاهرة في الوقت بحسب الاستطاعة، لا بحسب العناد بحيث تكون العدة التي عندنا مماثلة للعدة التي عند النصارى كيفية و عددا، لأن في ذلك حرجا و مشقة، و المولى جل علاه سلك بهذه الأمة المحمدية/ 329/ مسلك اللطف و الفرج‏. فقال عز و جل‏ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ و إنما أمرنا سبحانه بالاستعداد بحسب الاستطاعة، فقال تعالى‏ وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ و لم يقل مثل استعدادهم لطفا بهذه الأمة و رحمة بها، فله الحمد على هذه المنن الواقية و الألطاف الخافية أدى الله عنا شكرها بفضله آمين، آمين، آمين.

____________

(1) القنطار يساوي 100 رطل أي حوالي 54 كلغ.

(2) طرة بهامش الصفحة لابنه عبد القادر الجعيدي.

«بل الآية تدل على المماثلة أولا قدرهم إذ بذلك يحصل المقصود و إعلاء كلمة الله، و كل ممكن مستطاع و نرجو من ربنا شفاعة نبينا إذ نحن أهل الكبائر من أمته، و قد قال شفاعة لأهل الكبائر من أمتي، كما قال لكل نبي دعوة» «الحديث الصحيح».

(3) «هو اجتباكم و ما جعل عليكم في الدين من حرج»، سورة الحج: 78.

(4) «و من رباط الخيل» سورة الأنفال: 60.

381

الخروج لفابريكات الحرير بطورين‏

و في يوم الأربعاء التاسع منه، توجهنا في الأكداش لفابريكات الحرير، فدخلنا أولا لدار يبيعون فيها الحرير شعرة خام، لكن رقة شعرته أظن مقدار ست شعرات منها إذا فتلت تكون كرقة شعرة الإنسان، و هو يميل للبياض قد رأيت مثله في مدينة من مدن غربنا، و كل مدجة منه عليها ميزانها و طول شعرتها و هم يزنونه بميزان الرمانة، و غاية ما يزن بهذا الميزان مائتي كيلو، فحين رأونا نتأمل ذلك الميزان أخذوا خمسة اكرام و هو من الصروف الرقيقة عندهم، يقال أن الأوقية فيها مائة و خمسون من الأكرام، وضعوا تلك الأكرام الخمسة في طرف العمود الذي يضعون فيه السلع عند وزنها، و في طرفه الآخر موري يمر رأسه بدائرة رسم فيها عدة الاكرام لتحقيق الوزن عند وقوف صرف الوزن الكبير بين شرطتين من خطوط العمود، و لم يدر نسبته القدر الزائد الذي وقف فيه الصرف خارجا عن الخط، فهذا الأكرام يبينه تحقيقا، و عند وضع تلك الأكرام الخمسة في طرف العمود صار ذلك الموري يدور حتى وقف في رقم خمسة، علامة وزن ذلك الصرف الصغير الذي وضع في طرف العمود، و هذا الحرير لا يبيعون شيئا منه ييبسونه بالنار اللطيفة، و كيفية يبسه أنهم صنعوا صناديق من ورقة النحاس و جعلوا تحتها نارا لطيفة ينصبون/ 330/ فوق كل صندوق ميزانا له عمود يجعلون بأحد طرفيه خيطا يربطون فيه مدجة من الحرير، و يرسلونها إلى الصندوق من فرجة في وجهه، و في الطرف الآخر من العمود صرف فيه وزن‏

____________

(1) 30 غشت 1876 م.

(2) «قبل ذهابهم لفابريكات الحرير، توجهوا إلى‏Fabbrica DiPosto المشهورة عالميا، التي قدمت هدايا إلى سفير المغرب، و التي هي عبارة عن أصناف من المنتجات (سباكيتي، مقاروني، ...) كما أن السفير اشترى 20 صندوقا من هذه المنتجات الغذائية بعث بها إلى المغرب، كما تم الاتفاق بواسطة الترجمان‏Bosio على إرسال العديد من هذه المنتوجات إلى المغرب مستقبلا ..»، 4 شتنبر 1876 م.

Gazzetta Del PoPolo

. (3) انظر رسم ميزان الرمانة (أ): في ملحق الرسوم و الصور صفحة 27).

382

تلك المدجة من الحرير، فإذا مرت عليه مثلا ساعة واحدة و هو مرسل بداخل الصندوق يعرفون كم نقص بسبب يبسه، و إذا مرت عليه ساعتان زاد النقص، و يجعلون لكل عينة من الحرير ثمنا على حسب طول مكثه في ذلك الصندوق، ثم وجدنا نساء مشتغلات بتحويل الحرير و يجعلونه مدجات متساوية، و شعرات الحرير حين تمر من الناعورة الكبرى إلى النواعير الأخر، تمر على قضبان رقاق من البلار معكوفة الرؤوس كهيئة رأس البريمة الصغيرة، و بقرب الناعورة مجانة تخبر بقدر طول الخيط من الحرير الذي مر عند التدوير، فإذا مر منه طول أربعمائة متر و خمسين مترا، تقطع الخيط وحده فتزال تلك المدجة و تستأنف أخرى، و هكذا و الغرض منه ليكون النساج على بال من طول شعرات المدجات كما قيل، ثم أوقفونا على ميزان يعرفون به قوة الحرير و صحته، و ذلك أنهم يأخذون شعرة منه طولها نحو ربع ذراع، و تمسك في لوحة من حديد و يجعلون في طرفيها تقالة و يديرون ناعورة صغيرة، فتأخذ تلك الشعرة تمتد إلى أسفر و تطول حتى تتقطع، فعند ذلك ينظرون الدرجة التي تقطعت فيها، و منها يعرفون قوة ذلك النوع من الحرير/ 331/.

ثم توجهوا بنا إلى دار فابريكة نسج الحرير، فوجدناها على الهيئة التي ذكرناها في مدينة ليون، و فيها من ألوان الكمخة عينات شتى، منها ما في عرضها أزيد من قالتين، و كذلك من أنواع المشجر منه ما هو من لون واحد و منه ما هو من ألوان.

ثم دخلوا بنا إلى دار يبيعون فيها الثياب المنسوجة من الحرير، و صاروا يفتحون الشقق و الأطراف الميشطرات و ينشرونها أمامنا، فقيل لهم إننا لم نأت بقصد التجارة لكن دخلنا إلى هذه الدار بقصد رؤيتها فلا تتعبوا أنفسكم، فقالوا أنهم فرحوا بدخولنا لدارهم و من حقهم و اعتنائهم أن يبينوا لنا جميع العينات التي عندهم. ثم يطوى ذلك و يرد لمحله فكانت تلك العينات لا تكاد تحصى، لكنها من الحرير فقط، أو حرير أو قطن لا شي‏ء فيها من الصقلي.

383

الدخول لميلان‏

و عند الغروب من هذا اليوم، خرجنا من طورين و ركبنا في البابور، ذو خرج عامل البلد لوداعنا مع جماعة من أعيانهمذ، قاصدين مدينة ميلان، فقطعنا الليل كله سفرا و وصلنا إليها في الساعة الثامنة نهارا، من يوم الخميس عاشر شعبان و أنزلونا بأوطيل من الأماكن المعتبرة في هذه البلدة، فوجدنا الفرش منصوبة، لكل فراش يخصه في محله، و فيه ما يحتاج إليه من الضروريات مثل الماريو لوضع حوائجه، و طبلة الكتابة و شواليها و المرايا العظيمة، و أواني الماء و الزيوف النقية، و وجدنا موائد الفطور منصوبة/ 332/ مهيئة على العادة، و بعد ما تناولنا من تلك الأطعمة ما دعت الحاجة إليه، أتوا بالأكداش و طلبوا منا الخروج و الركوب فيها،

____________

(1) قبل أن يغادر الزبيدي طورين دفع 6000 ليرة من الذهب لعامل البلد مع مقايدته على دفع نصف هذا المبلغ إلى مدرسة الصناعة التقليديةCollegio Degli Artigianelli و خيرية النساءL`orfamotrofio Femminile و النصف الآخر على مدارس الأطفال و معهد الصم و البكم و مستشفى الأطفال و معهد العائلة المحترمة، الذي شكره عن هذه الهبة.

" Gaz. Del PoPolo 13/ 8/ 6781"

كما زاروا المختبر العجيب‏Magnifici la boratori dei fratelli levara .

«... أرجو منكم أن تترجموا لدى الرجل الفذ الذي أراد أن يبقى أثرا قيما عند مروره ببلدتنا عن عواطف ممنونية بؤساء مدينتنا الذين تنعموا بما أفاض عليهم من إحسانه الجزيل ...». الإتحاف، ج 2: 308، 309، 310.

(2) 31 غشت سنة 1867 م وصلت السفارة إلى مدينةMilano . و نزلوا بنفدق‏Della Ville الذي خصص لهم الطابق الأول كله، و وضعت لهم بالمطبخ (خروف حي و العديد من الدجاج حتى يتمكن طباخ السفارة بدبحهما و طبخهما على الطريقة المغربية) و كانت هناك فرقة من جيش الشرف ملازمة لهم طول مدة إقامتهم.Gazzetta la Lombardi (Milano) .

رغم الساعة المتأخرة من الليل التي وصل فيها الوفد بتاريخ 1 شتمبر سنة 1876 م كان العديد من المواطنين بالمحطة و بالشوارع في انتظار الوفد المغربي.

384

فساعدناهم فمررنا على كنيسية عظيمة، ما رأينا مثلها في الكبر و لطافة البنيان و النقش البديع و الشكل الرفيع و القبب اللطيفة المحيطة بها، و التي في وسطها، و يقال إنه ليس في بلاد الروم مثل هذه الكنيسة، في الرقة و اللطافة، و كذلك الديار التي تبنى بها الآن فهي أفضل و ألطف حتى من بناء ديار باريس، و قيل إنه يحيط بها وادي عظيم‏ و هو يشقها طولا و عرضا بمواضع متعددة، و فيه فلك كبيرة ينقلون فيها بعض الأمتعة من مكان إلى مكان، فإذا كان الفلك مارا مساعدا لجريان الماء، فيكتفي بدفع الماء للفلك، و عند الرجوع يربطون الحبال فيها، و يعلقونها في أشراك الخيل فتجرها في الشاطئ.

فابريكات الفخار

ثم توجهوا بنا إلى دار فابريكة صنع الفخار، فحين دخلنا إليها وجدنا الحجر

____________

(1)Milano Duomo الكنيسة المركزية بالمدينة، بدأ بناؤها منذ سنة 1386 م و استمر عدة قرون‏

L`encicloPedia Gloria, Vo. 31: 53.

(2)Saronno .

(3) قبل ذلك قامت السفارة المغربية بعدة أنشطة لم يشر إليها الجعيدي، بل نشرتها الصحافة الإيطالية و هي: قيام السفير بزيارة جميع محتويات مسرح ميلانوTeatro Alla Scala الشهير الذي افتتح لأول مرة سنة 1787 م، و هو يشتمل بالإضافة إلى الطبقة الأرضية على ستة طوابق مشرفة على وسط القاعة و لقد لعب على خشبته العديد من كبار الفنانين العالميين آنذاك أمثال‏Verdl ,Bellini ,Busotte و غيرهم.

- شاهدوا مناورة تجريبية عن كيفية إطفاء حريق و همي.

- حضر الزبيدي حفلة تدشين المدرسة الأكاديمية للرقص البالي.Scuole Dell Accademia Di Ballo .

- و شاهدوا عدة عروض لفتيان و فتيات المدرسة، و قد أعجب السفير بذلك.Gazzetta Dell PoPolo .

- حضرت السفارة المغربية حفلة إنارة الشارع التجاري المغطى‏Galleria بساحةPiazza Del Duomo * * *

385

موضوعا صلبا كأنه رخام، يفرشونه و تدور عليه الأرحاء على حرفها فتسحق ذلك الحجر سحقا حتى يصير غبراء، ثم يجعلونه في براميل مصفوفة عندهم في خزين آخر، و يجعلون فيها الماء، و في وسط كل برميل خشبة من حديد رأسها الذي في البرميل فيه ريشات حديد، و الرأس الآخر صاعد إلى قناطير منصوبة أسفل السقف طولا و عرضا،/ 333/ و رؤوس الخشب من الحديد المذكور، كلها مسمرة في تلك القناطير و هي أي القناطير بسبب اتصال بعضها ببعض، صارت كذات واحدة و المكينة تديرها دورانا رحويا، و بسببه تدور رؤوس الحديد ذات الأرياش التي في داخل البراميل، و بذلك يتحرك الماء و التراب الذي فيها حتى ينحل ذلك التراب و يلين، ثم تقدموا بنا إلى محل آخر وجدنا فيه مثال ساري مجعوبة منصوبة على الأرض، و في أحد طرفيها فرجة مواجهة إلى نحو السقف، و أتوا بالطين المعجون و رموه في باطن تلك السارية من تلك الفرجة فصعد من باطن السارية قطع من الحديد، و صارت تجدب ذلك الطين المعجون و تدكه في باطن السارية إلى الطرف الآخر، و فيه فرجة أخرى يخرج منها ذلك الطين عند دكه و يتصاعد، فيفصلونه بخيط قطعا قطعا و يرمونها في الفرجة الأخرى، فتدكه المكينة ثانيا و ثالثا، و هلم جرا، هذه هيئة عجن الطين عندهم، فإذا تم عجنه و طاب يرفعونه إلى المتعلمين فيعجنون شيئا يسيرا على الهيأة المعهودة في غربنا، ثم يناولونه للمعلمين فوجدناهم يصنعون منه طباسي كبيرة

____________

* * * بعد أن استمع إلى شروحات السيدMengoni و من أعلى بناية المكتب الفلاحي لإيطالياItalia Agricol أشرف الزبيدي على الجمهور الغفير الذي جاء خصيصا لهذا العرض، و لروعة و جمال المنظر قدم كاتب السفارة قصيدة شعرية في الموضوع بالعربية لم تترجمها الصحافة الإيطالية.

- بعد هذا الحفل ذهب السفير إلى مسرح‏Dal Verme الذي كانت تعرض فيه مسرحية

L`OPera I I Rigoletto II Balle I Due Soy

. بعد أن مرت منها الفقرة الأولى و دخل السفير المغربي فاستقبله الجمهور داخل المسرح بالتصفيقات الحارة. و أثناء عرض المسرحية كان الزبيدي و مرافقيه يتتبعون من مكانهم بواسطة مكبرات الصورةGustar و خصوصا فرجة رقص البالي‏Ballo الذي قدم من طرف‏Mendez .

( Gazzetta La Lombardia, Milano ).

386

و صغيرة، و طباسي كؤوس الأتاي على نواعير يديرونها بأيديهم، و منهم من يديرها بأرجلهم على الكيفية المعروفة إلى غير ذلك من الكيفيات، و وجدنا أناسا آخرين يصنعون الغراريف الكبيرة التي يكون فمها منعطفا إلى أسفل، و لها قوالب لكل واحد قالبان قد حفر فيهما نصف/ 334/ الغراف بنصف فيه، و كيفيته ذلك أنهم يأخذون قطعة من الطين و يبسطونها حتى تصير كالرغيف الكبير، و يأتون بنصف القالب و يرمون فيه يسيرا من غبرة كالرماد، و يجعلون فيه ذلك الطين المذكور، و يلصقونه بداخله و بسائر جوانبه و بفمه ثم يدلكونه حتى يصير مستويا، و يفعلون بنصف القالب الآخر مثل ذلك، يم يؤلفون القالب و يجمعونه نصفا لنصف و يشدونه شدا محكما، هذا ما رأينا من صنعة هذه الغراريف.

كيفية تزويق الفخار

ثم أتوا بنا إلى محل آخر، وجدنا فيه نساء كثيرات مشتغلات بتزويق الطباسي التي خرجت من النار، و كيفية ذلك أن النقش و التزويق الذي يكون في الطباسي، من لون واحد يكون منقوشا عندهم في لوحة من حديد، و يجعلون عليها طلاء من اللون المراد، ثم ينشرون فوقها ورقة كاغد لطيفة ألطف من العنكبوت، و لهم ناعورة فيها لولبان كبيران، قد لف عليهما بل على كل واحد منهما بحدته لبدة الصوف، و يجعلون تلك اللوحة بورقتها بين اللولبين، و يديرونهما باليد المعدة لذلك، فتمر الورقة من الحديد من بينهما فيضعونها فوق صندوق من حديد، في داخله نار لينة و بوضعها عليه يأخذ أحدهم طرفي ورقة الكاغد، و يرفعها بلطافة من ورقة الحديد فتنفصل عنها و قد رقم فيها ذلك التوريق الذي في لوحة الحديد، و لا يتمزق شي‏ء منها مع شدة لطافتها و لعله بواسطة النار التي في داخل ذلك الصندوق/ 335/ ثم يدفعه لبنت صغيرة، فتأخذ القدر الزائد من الورقة بمقراض، و تدفعها لأخرى فتبسطها على الطبسيل و تدلكها بقطعة من عود حتى تنبسط كلها، ثم تضع هذا الطبسيل على يمينها حتى تزيد عليه نحو أربعة أو خمسة، فعند ذلك تأتي متعلمة أخرى، و ترفع تلك الطباسي و توصلها إلى امرأة أخرى، و تضعها في كوب عن يمينها

387

فيه ماء، و تأخذ واحدا بعد واحد و تزيل منه الكاغد بشطابة، فيزول الكاغد و يبقى التوريق بحاله لاصقا في الطبسيل، ثم تجمع هذه الطباسي و يوتي بها إلى آخرين فيرسبونها في كوب فيه ماء أحمر، و لعلهم يردونها بعد ذلك إلى بيت النار، و ذلك لتزليجها و به يزيد ضياؤها و لمعانها، و أما الأواني التي تكون فيها ألوان كثيرة فبعدما يفرغون من اللون المفرد الغالب، و يبقى فيها مواضع الألوان يتولى أناس أخر وضع تلك الألوان في الأواني بشطيطبات صغيرة على عادة الزواقة، هكذا شاهدنا بعضهم يزوق بعض الأواني، و الألوان بين يديه، ثم مروا بنا على فرينتي بيتي النار التي يطبخون فيها الأواني، فوجدناهم يخرجونها من إحداهما في أحكاك من فخار، كل حك يرصفون فيه أواني قدر ما يسع، و يجعلون عليه غطاء على قدره من الفخار كشقفة مبسوطة، و هم يخرجونها حكا بعد حك، ثم صعدوا بنا إلى طبقة هذه الدار، فوجدونا فيها عينات من الأواني التي لا تكاد تحصى، منها الأبيض الذي لا تزويق فيه، و منه ما فيه لون واحد أسود منه ما فيه ألوان و هو قليل، و وجدنا على مائدة آنية كبيرة كهيئة الجلاسية، و تزويقه كتزويق أواني الطاووس، فقالوا أنها من عمل تلك الدار ثم خرجنا منها بعدما شكر الباشذور عملهم و استعظمه لهم، فسروا بذلك غاية السرور و رجعنا إلى محل النزول، فبتنا في هذه المدينة ذلك اليوم‏.

____________

(1) في هذا اليوم نشرت جريدةLa Lombardia الخبر التالي:

«في الوقت الذي يرحب فيه الملك و الشعب و الحكومة الإيطالية بالسفارة المغربية نشرت جريدةLa Persevernza مقالا ضد ضيوف إيطاليا و ضد المغرب، نظرا للمعاملة الوحشية التي يلاقيها اليهود العبرانيين بالمغرب». و عقبت‏La lombardia عن هذا الخبر «أن علاقات إيطاليا ودية و عاطفية مع المغاربة و حتى مع المسلمين جميعا، بالإضافة إلى أن إيطاليا تهتم بالقضايا الإسنانية حتى في خارج الوطن، و أن السفير الزبيدي رغم قدرته الشخصية ليس الإنسان الذي يجب تهمته بهذه الأشياء، خصوصا في الوقت الذي يوجد بإيطاليا من أجل تحضير المعاهدات التجارية و الاقتصادية، و إذا كانت عندهم مطالب ضد سلطان المغرب أو حكومته فليتوجهوا إلى قنصل القوات الأوربية و التي هذه هي مهمتهم.La Perserveranza عملت شيئا قبيحا لكتابة مقال كهذا خصوصا ضد شخصيات لا تمس، لكونهم ضيوفنا و المثل يقول لا تهمنا الضربات التي لا تلحقنا، هذا الاحتجاج عبارة عن ضباب ذهب به الريح».

388

التوجه إلى جنوة

و في يوم الجمعة بعد صلاة ظهرها في الساعة الثانية عدا ثلاث عشرة دقيقة و هو الحادي عشر من شعبان سافر بنا بابور البر من ميلان إلى جنوة بعد ما خرج عامل البلد و الأعيان للوداع على العادة، و كثر وقوفه في الطريق في مدن لأجل الوضع و الحمل على عادته، و أحصيت عدة وقوفه فكان تسع عشرة مرة و جمعت مدد الوقوف بعضها ببعض فكانت ساعتين غير دقيقتين، و كان وصولنا إلى جنوة في الساعة التاسعة من ليلة الأحد بل السبت الثاني عشر منه فمدة سيرة البابور على هذا خمس سوائع و ربع.

____________

(1) 1 شتمبر سنة 1876 م.

(2) كان في وداع الزبيدي بمحطة القطار بميلان عامل المدينةComte di Bardesono و باشا المدينةComte Belinzaghi و الماجور جنرال‏Di GroPallo و غيرهم و تكريما من باشا ميلان ألقى مرافقه‏La bus كلمة الوداع باللغة العربية، و قد تأثر الزبيدي لكرم الضيافة و حفاوة الترحيب و تأسف لعدم وجود أحد من أفراده يتقن اللغة الإيطالية لشكر هؤلاء المودعين (1/ 9/ 1876 م‏(Gazzetta Del PoPolo .

(3) السبت 2 شتمبر سنة 1876 م، و بمجرد وصوله اهتمت به الأوساط الاقتصادية، فأقام السفير الزبيدي حفلة استقبال لرجال الأعمال و التجارة و معهم بعض صانعي البواخر، و أكد لهم أنه يتمنى و بعين الاعتبار و الترحيب منهم القدوم إلى المغرب، و مزاولة نشاطاتهم هناك، و بالخصوص في الشواطئ المغربية و قدم لهم الامتيازات التي تقدم لهؤلاء الرجال (4 شتنبر سنة 1876 م‏La Lombardia و علقت نفس الجريدة عن هذا اللقاء (أن رجال منطقة جنوفا معروفون بتقشفهم لكن شرح السفير و كلماته لا تترك لهم أمل في ضياع مثل هذه الفرصة المفيدة و دفعهم للمغامرة الرابحة). و اقترح فتح خط بحري ما بين نابولي‏NaPoli و تونس و الجزائر يصل إلى موكادور و فاس و باقي الموانئ المغربية الأخرى. خاصة أن الجنرال الزبيدي رجل نبيه و ذكي و قد تقلد عدة مناصب اقتصادية و تجارية و سياسية ثم دبلوماسية لذا فهو ناضج في عمله.

389

ناذرة من نواذر الزمان ترشد إلى اتخاذ الحذر في بلاد الأمان‏

و ذلك أننا لما رجعنا إلى مدينة طورين في يوم الجمعة الرابع شعبان‏، و بنفس وصولنا و وصول‏ صناديق حوائجنا إلى محل النزول، أذن الأمين الحازم الضابط الطالب السيد بناصر غنام أحد الخدمة بفتح الصندوق الذي فيه مال المخزن، و ذلك من حزنه كما هو دأبه مهما غاب عنه هنيئة ما يرجع و يفتحه ليطمئن خاطره،/ 337/ فحين أزال الخدام الذي كان شده، القنبة التي كانت مشدودة عليه، و رام الأمين فتح قفله بمفتاحه وجد القفل‏ مفتوحا، فرفع غطاءه و بحث عن الخنشة التي كانت فيه فلم يجد إلا محلها في وسطه فارغا، فطار لبه و اضطرب قلبه و اعترته ألوان و تقصلت منه الشفتان، فقلت هذا العارض الذي غيرك و أي شي‏ء حدث فحيرك، فقال:

فقدت خنشة من المال على التمام و الكمال، فيها ألف لويز و ضرب اليمين بالشمال، فتكدرنا لذلك غاية الكدر مع أنه لم يكن منه تقصير في الحزم و الحذر، و من العجب أنه كان بهذا الصندوق خنشة أخرى على وجهه مفتوحة فيها تسعون لويزا، فوجدها بمحلها، و التي كان مدفونة في وسطه لا زالت على شدها هي التي فقدها، و كانت العادة مهما عزمنا على الخروج من بلد لأخرى، يأتي نائب المخزن و تسلم إليه‏

____________

(1) 25 غشت سنة 1876.

(2) على الساعة 11 يومه الجمعة اكتشف الأمين بناصر غنام سرقة كيس به 1000 لويزة ذهب، حوالي 20 ألف ليرة إيطاليةNouva Torine بتاريخ 26 غشت سنة 1876 م.

(3) أثناء سير القطار العائد من فلورنس إلى طورين، فتح اللصوص الصندوق بمفاتيح مزورة، و لم ينجحوا في إقفاله بنفس المفاتيح‏Corrire -del Serra .

(4) تدفع أمتعة السفارة عادة إلى ضابط الشرطة الذي يحملها من الفندق إلى رئيس محطة قطار فلورنس ليسلمها للمكلفين بالقطار الذاهب إلى طورين، و من بين هذه الأمتعة الصندوق الذي كان بداخله الكيس المسروق، و بمحطة طورين استلمت الأمتعة الشرطة و حملتها إلى فندق إقامة السفارة المغربية.

(نفس المصدر السابق).

390

الصناديق و سائر الحوائج و لا يبقى لنا التفاة إليها، و يتولى حراستها و حفظها حتى يدفعها لأمناء سكة البابور، فيتولون حراستها حتى يأتوا بها إلى محل النزول في البلد التي ننزل بها، ثم إن الأمين تكلم مع الخدام الذي كان شد ذلك الصندوق بتلك القنبة. ثم كيف وجده، هل على شده كما شده بيده أو تغير شده، فقال: لا وجدته على شدة كما شددته بيدي، فقال: لا بد من تقليب حوائجكم ظنا منه أن النصارى لا يمدون اليد لمثل ذلك، فقال: سمعا و طاعة، و قلب بمحضر مقيده/ 338/ حوائج الجماعة فلم يجد لذلك أثرا و لا وقف له على خبر، ثم أخبر بذلك الباشدور فقال: أعد البحث في الصندوق الكبير، ففتحه و أخذ يضع منه الحوائج التي فيه على الأرض، فدخل ترجمان دولة الطليان علينا و نحن في تلك الحالة، فهاله ما رأى و سأل عن الأمر المهم و الخطب الملم، فقال له الباشدور: حدث لنا أمر غريب و شي‏ء عجيب لكن لم يكن في ظني أننا نخبرك به، و لكن حيث قدمت علينا بغتة و عثرت على هذه الفلتة، فلا بأس بإخبارك بما وقع فأخبره الخبر من أوله إلى آخره، و قال له إني لا أشك في أحد و لا أتهم أحدا و لا أشكوا لأحد بشي‏ء، و الخلف على الله سبحانه، فقال الترجمان: اتركوا ذلك الصندوق مفتوحا على حاله، و خرج غاضبا، فلم يكن إلا يسير و إذا به أتى و معه رجلان‏، أحدهما قيل من عدولهم و الآخر من خاصة عامل البلد، فرأوا ذلك الصندوق و قلبوه و تكلم معهم الباشدور بم تكلم به مع الترجمان المذكور، فانصرفوا و قال الترجمان ما مضمنه، لا تخافوا و لا تحزنوا بل ابشروا و بشروا فسيقبض السارق و لو كان يطير كالبارق، ثم تبعهم و بقينا متكدرين محزونين متغيرين، فغاب عنا الباشدور هنيئة من الزمان، و رجع متهللا كأنه ما به فزع، و قال: ما بالكم قد أسرفتم في الكدر دعها سماوية تجري على قدر، فسيظهر الفرج و يجعل الله من هذا الضيق المخرج، فإن باطني قد سكن و عادته إذا سكن‏

____________

(1) بعد إخبار الشرطة حضر الضابطMazzi و مساعده لمعاينة مكان السرقة، و قام على الفور بإعطاء تعليماته لبداية التحقيق و البحث بأسرع وقت ممكن، لأنه في الغد 26 غشت سيطلعون لاستقبال ملك إيطاليا و توجه‏Mazzi إلى محطة القطار و طلب الحصول على أسماء المستخدمين الذين رافقوا السفارة. بتاريخ 31/ 8/ 1876 م‏La Lombardia . جريدة.

391

/ 339/ باطني من أمر مهم تكون عاقبته محمودة، و استقرأت ذلك من أحوالي مرارا، و حتى أنه إذا لم يظهر هذا المال فما يفيد الحزن و الكدر، فالمصيبة في المال نعمة عظيمة بالنسبة للمصيبة في الأبدان، ففرج عنا بعض الفرج، ثم إني خرجت قاصدا محل الوضوء بعد أذان الظهر، فصادفت يهوديا كان خرج من طنجة ترجمانا أيضا، فأخبرني أنه ورد الخبر في السلك بقبض‏ واحد من السراق في مدينة مضان، و بيده بعض المال ما يزيد على ثلاثمائة لويز، و أقر بسرقته و أن معه رجلين آخرين، و هم أمناء البابور الذين كانوا يحرسون صناديق الباشدور ليلة السفر، و كانت مرت تلك الليلة كلها مطرا و رعدا و برقا، و أنهم جادون في البحث عن الرجلين الآخرين، فأدخل علي سرورا عظيما، و رجعت إلى الباشدور و الأمين فأخبرتهما بذلك، فقال لو كان هذا الخبر حقا لأخبر به ترجمان الدولة، إذ هو الذي طاف برجله على ثلاثين دارا من ديار السلك، و وقف على ذلك حتى انتشر الخبر في جميع المواضع، و أخبر بانتصاب العيون و الجواسيس على هؤلاء السراق، و لكن نرجو الله أن يحقق ذلك، ثم توضأت و صليت ظهر الجمعة، و سألت الله تعالى بإضطرار كبير أن يكشف عنا ما نحن فيه، ثم إن ترجمان الدولة لم يرجع إلى الباشدور حتى فاتت المغرب، و عند دخوله بشره بظهور المال و قبض أحد السراق كما أخبر ذلك اليهودي، و قال: في الغد بحول الله يظهر الباقي/ 340/ إن شاء الله، و في صباح يوم البت الخامس منه‏، شاع الخبر بقبض الثاني من السراق في محل لم أثبت عليه، فحين طلعوا عليه‏

____________

(1) تبين لضابط الشرطةMazzi أن أحد العمال يدعى‏Odasso الذي دفعت له أمتعة السفارة بالقطار الذي عاد بهم إلى طورين، قد تابع طريقه حتى أخر محطة بمدينةModane ، فبعث ببرقية لإلقاء القبض عليه و استنطاقه من طرف الشرطة هناك، لكنه لم يدل بأي شي‏ء. (الترجمان اليهودي جيل مونج أخبر الجعيدي بهذه التفاصيل). بتاريخ 31 غشت 1876 م. جريدةLa Lombardia (Torine) .

(2) بعد هذا أرسل تلغراف إلى شرطة مدينةAlessandria لإلقاء القبض على سائق القطار السيدGiannone و مساعده‏Corsa اللذين نزلا بهذه المدينة. (نفس الجريدة السابقة).

(3) أثناء استنطاق‏Giannone ألقى بنفسه من إحدى نوافد عمارة الشرطة، فأصيب بكسر في رأسه نقل بعدها إلى مستشفى سجن‏Alessandria الذي توفي به، بعد ما وجدت بجيبه 375Marebghi دون أن يقول كلمة في الموضوع. (نفس الجريدة السابقة).

392

لقبضه تردى و رمى بنفسه على رأسه من كوة إلى الأرض، ثم أقر الثالث‏ الذي كان معهم و عرف به و مات بعد ذلك، و في وقت الضحى ورد الترجمان و أخبر الباشدور بهذا الخبر، و إن جملة ما وجد عند هذا الثاني خمسمائة لويز و زيادة، و مجموع هذا مع ما وجد عند الأول ثمانمائة لويز و ثمانية و ستون لويزا، و بقي لتمام الألف مائة لويز و اثنان و ثلاثون، فأجابه الباشدور بقوله: لا أقبل منكم شيئا من هذا حتى تأتوا بالخنشة التي كان فيها المال، فإن ظهرها مرقوم فيه عدد ما كان فيها من اللويز و وزنه بخط نائب مولانا بطنجة، فقال: سيبحثون عنها و تأتي بحول الله، ثم بعد ذلك قبضوا الثالث الذي كان أقر به الآخران، فأنكر فسجنوه و بحثوا في داره غاية البحث، فوجدوا العدد الباقي من اللويز قد أخفاه مع كواغد أخر في جعبة الدخان، و بعد ظهور هذا الحق و وضوحه و إقرار ما أقر من السراق، أتى وكيل المخزن و وكيل السراق و عدل واحد، و سمعوا من الأمين المذكور دعواه و قيدوا جميع ما سمعوه منه، و سألوه عن اسمه و نسبه و بلده و سنه، و هل هو متزوج أو لا، و هل له أولاد، و طلبوا منه رؤية الصندوق الذي كان فيه المال، فأخذوا قياس طوله/ 341/ و عرضه و ذهبوا و طلبوا من الترجمان أن يحلف يمينا على أن الباشدور سرق له الألف لويز، فقلنا له ما معنى هذا بعد إقرار بعض السراق و وجود العدد المسروق بتمامه دون زيادة و لا نقص، فقال: إنهم يقولون ربما يكون من أقر خرج عقله و أنه لا بد له من الحلف برومة- و الله أعلم، ثم تحير هذا الترجمان من قول الباشدور: لا أقبل الدراهم‏

____________

(1) قائد القطار الثاني‏Corso تقدم إلى رئيس المحطة و معه كيس كان يستعمله لحفظ حاجياته و يوجد بداخله‏Marenghi 925 ، و قال بأنه وجد كيس بداخل أمتعته و بداخله النقود و لا يعرف مصدرها ربما كانت للسيدOdaso الذي نقل على الفور إلى طورين بعد موت‏Giannone و أقنعته الشرطة بضرورة إظهار الحقيقة و قال: «إن السرقة كانت مبرمجة و متفقة عليها بينهم، و أن‏Giannone سرق الكيس و قسم ما يوجد به دون أن يقسم بالعدل و كل هذا حصل ما بين فلورنس و مدينةPistola ». 28 غشت سنة 1876 م. جريدةCorrire Della Serra .

393

إلا إذا حضرت الخنشة، و من طلبه بالحلف و هو نعم الرجل ذو أخلاق حسنة يحسن اللغة العربية نطقا و كتابة و التركية و غيرها من لغات الروم، و هو القونصو عند هذا الجنس بحلب، و أتي منها عند إذن عظيم دولتهم للقاء الباشدور في الحدادة في مدينة مضان كما تقدم، ثم إنه ذهب إلى السجن و سأل المسجونين عن الخنشة التي كان فيها المال، فقالا حين اقتسموه ألقوها في الوادي ليلا يعثر عليها، و بعد ذلك أتوا بالعدد الذي كان عند الأولين، و دفعاه للباشدور و تأخر دفع الباقي بعد ذلك بنحو أربعة أيام، حتى قيدوا الدعوة في الكنانيش على وجهها و كيفية فصلها، بعد ذلك أتوا بتلك البقية و دفعوها، و حازوا خط يد الأمين برد الألف لويز له على التمام و الكمال، و حين كنا دخلنا السجن بطورين تلاقينا مع الحباسة، و وجدنا لهم عدة كنانيش في خزائن في ذلك المحل، ففتحوا كناشا و وجدنا في وسطه تقييد المسجونين في أي يوم دخلا للسجن، و سبب سجنهما، و سن أحدهما ست و ثلاثون سنة و الآخر نيف و أربعون سنة./ 344/.

... في تلك المدة حتى يئس من الدراهم التي كان أعطاها له، و تيقن أنه أفسدها، و بعد ذلك قدم عليه لمصر، و دفع له دراهمه بتمامها و أضعافها من واجبه في ربحها، فامتنع من قبولها منه و تركه عنده في حكاية يطول ذكرها على حسب ما ذكره لنا،

____________

(1) بعد 12 ساعة، استطاعت الشرطة الإيطالية إلقاء القبض على اللصوص الثلاثة و استرجاع المبلغ المالي المسروق، و أخبر بذلك الزبيدي يوم الجمعة 25 غشت 1876 م على الساعة 9 مساء غير أنه لم يتأكد من القبض على المجرمين، و ظن أن هذا تغطية من طرف الحكومة الإيطالية للموضوع. و طالب بإحضار الكيس الذي كانت به الدراهم. جريدةLa -Lombardia .

(2) و قد أجيب على هذا السؤال بأن الكيس المطلوب قد ألقى به في وادي‏Nel Reno من طرف المتلبسين بالجريمة و دعوة لزيارة المسجونين ليتعرف عليهم و عن حقيقة القضية. غير أن الزبيدي رفض مقابلتهم شخصيا (تفاصيل زيارة السجن ذكرناها سابقا) و كلف الجعيدي و الأمين للاستطلاع عليهم داخل بيوت سجن طورين الجديد. ثم أرجعت الدراهم إلى أصحابها بالفندق في كيس ثاني قبل زيارتهم لملك إيطاليا. 30 غشت سنة 1876 م، جريدةLa -Lombardia .

(3) الصفحتا/ 342/ و/ 343/ فارغتين.

394

و حين تأملت في حاله و قضيته قلت في ذلك من البحر الطويل.

تيقن بأن الله يعطي و يمنع‏* * *و يخفض أحيانا و تارة يرفع‏

له الفضل و الإحسان في كل حالة* * *فسلم ففي التسليم فضل موسع‏

و كن واثقا بالله في نيل رزقه‏* * *و خل سبيل الحرص إذ ليس ينفع‏

و لا تترك الأسباب منك توكلا* * *و باشر و لكن بالتي هيّ أرفع‏

و إن ضاف عنك الرزق يوما في بلدة* * *فدعها لعل الرزق عنك مخبع‏

و سارع إلى أخرى فلست ممجدا* * *و خيرها مصر طالبت فيه المزارع‏

تحل بوصف الصدق في كل موطن‏* * *نصحتك فاقبل مني إن كنت تسمع‏

و إن فتحت أبواب الرزق تكرما* * *عليك فكن للشكر دائما تفزع‏

زيارة مدينة بيلي‏

و في يوم الأحد الثالث عشر منه‏، توجهنا في بابور البر إلى مدينة

____________

(1) القصيدة من البحر الطويل.

(2) 3 شتمبر سنة 1876 م.

395

بيلي‏ بجوار جنوة من جهة غربيها بينهما نحو ساعة غير ربع بمسير بابور البر و هناك جبال مشرفة على البحر، فلما وصلنا إليها طلع بنا القونصو، أي الترجمان الذي معنا إلى أوطيل، صعدنا إليه في درج من الرخام طول كل درجة نحو أربعة أذرع، و أتي لنا بشي‏ء من الفواكه و حلواء الثلج، ثم خرجنا منه إلى سطح مربع طوله/ 345/ ستون خطوة و عرضه ثنتا عشرة خطوة، و هو مفرش بالرخام رخامة بيضاء و أخرى زرقاء و هكذا، و له دربوز من الرخام الأبيض محيط بجهاته الثلاث، له شراريف من الرخام مخروطة الشكل من الوسط خرطا فيه تعريج، و أطرافها مبسوطة و القناطير التي توضع على هذه الشراريف من الرخام طول كل قنطرة تسعة عشر شبرا بشبر مقيده، فوقفنا هناك هنيئة تارة مستشرفين على البحر، و تارة على الجبال المقابلة له و العراصي و البساتين التي بها و القبب المبنية فيها، ثم نزل الترجمان و طلب من الباشدور الدخول إلى إحدى تلك العراصي التي في تلك الجبال القريبة إلينا، فساعده فمشينا راجلين في طرق متسعة فتحت في هذا الجبل، و غرس عن اليمين و اليسار أشجار كأشجار البلز متصاعدة مع الجبل بعضها فوق بعض، فانتهينا في الطريق إلى قبة مربعة في كل ربع نحو عشرة أذرع، في كل ربع باب كبير دفتاه من الزاج المورق بالألوان، و أحاط بربعها نبحان في كل واحد قوسان على سارية من الرخام، و قد نقشت هذه القبة و النبحان نقشا رقيقا لطيفا كنقش الجباصة بفاس، فسئل الترجمان عن هذه العرصة لمن هي، فقال: لتاجر من التجار، و أن هذه القبة بناها صاحب هذه العرصة اعتناء بملكة النامسة كانت دخلت لهذه العرصة، و جلست للاستراحة في ذلك الموضع الذي بنيت فيه القبة و ذلك قبل بنائها، و بعد

____________

(1)Pegli توجد وسط منطقة ليكوريا تبعد بحوالي 10 كلم على مركز مدينة جنوة، كانت و ما زالت محطة سياحية ممتازة.

و أشارت جريدةGazzetta Di Genova ليوم فاتح شتمبر 1876، أن السفارة المغربية نزلت بفندق‏Fedes الذي كانت أبوابه مضاءة بشكل رائع، و كانت فرقة من الجنود تقوم بدور حرس الشرف ...

و ستستقبل السفارة المغربية أبرز السلطات المدنية و العسكرية التي ستصاحبها لزيارة ثكنةS .Benigno و كذلك أهم المآثر بالمدينة.

396

خروجها شرع ذلك التاجر في بناء تلك/ 346/ القبة احتراما لذلك الموضع و تعظيما له. ثم تقدم بنا إلى قبة أخرى شبيهة البناء بالأخرى، غير أنها مثمنة الشكل في كل ثمن زاجة من الزاج الملون المورق، منها زاجة ذهبية تقابلها أخرى مثلها، و كان أصابها شعاع الشمس، فيكون الناظر فيهما معا يرى وراء الزاجة المقابلة كأنه يلتهب نارا، و على كل زاجة شبكة من السلك الرقيق مظفورة ظفرا عجيبا محافظة على الزاج، ثم ذهب بنا إلى جبل صنعوه باختيارهم و نصبوه على وفق مرادهم، فحين وصلنا إليه دخلنا في مغارات في وسطه واحدا إثر واحد، و الشمع موقود في الطرق و سقف هذه المغارات و طرقها من الطين قريب من ررؤوسنا، و فيه طين بارز صغيرا و كبيرا كأنه كان يتقاطر منه الماء، و كل ذلك من مبانيهم و أعمال المهندسين منهم، يحكون بذلك كهوف بعض الجبال و مغاراتها و طرقها، فساروا بنا حتى وصلوا إلى طرق في وسطه قد غمرها الماء، و في هذا الماء فلكان صغيران فركب الباشدور و الترجمان في فلك، و ركبنا نحن في الآخر و المخازنية معنا، و أخذ أصحاب الفلكين يديرونهما بالمقاديف بين الطرق و المغارات، لأن الطرق ليست على سمت واحد بل تنعطف يمينا و يسارا، و هذا كله و نحن في وسط هذا الجبل المصنوع، و هم يسيرون بنا في وسطه على تلك الحالة حتى خرجوا بنا إلى بركة كبيرة من الماء راكض فيها لا يتحرك، و لم نر له مخرجا فنزلنا من الفلكين/ 347/ إلى العرصة المذكورة، فدخل بنا إلى قبة صنعت من أعواد الشجر مستديرة الشكل، و قد غرس بأسفلها نبات كاللواية، فالتوت أوراقها على القبة بأجمعها، و سقفها على شكل البيضة، فدخلنا إليها فصار الماء يتقاطر علينا من القبة كالظل حتى ظن بعضنا أنه مطر مع أنه لم يكن سحاب‏، و لم ينزل شي‏ء من هذا الظل خارج هذه القبة، فتأملنا فيها فوجدناهم أجروا إليها الماء في جعبات من الحديد قائمة مع القبة و متصاعدة في سقفها، و فيها

____________

(1) كل نبات تطول أغصانه و تتلوى على الأشجار أو الأعمدة و تطلع مع الجدران و نحوها.

(2) تقليد للري المطري الطبيعي و نظامه، يتكون أساسا من أنابيب لنقل المياه و رشاشات لقذف الماء في شكل رذاذ، و مضخة لدفع الماء في الأنانيب تحت ضغط مناسب. (عالم المعرفة «التكنولوجيا الحديثة»، رقم 50: 177).

397

ثقب رقيق جدا، فإذا أرادوا إرسال الماء بداخل القبة بقصد الفرجة أرسلوه إليها من خارجها، ثم يصرفونه عنها باختيارهم، و لم يكن الباشدور بداخل القبة وقت إرسال الماء إليها، و لعله كان خارجا عنها ينظر من بعد، و في هذه العرصة حياض فيها نوار على ألوان و أشكال، و فيها شجرة كشجر الرمان الصغير مثل قامة الإنسان، و لها أوراق خماسية كل ورقة من الورقات الخمس رقيقة مستطيلة محيطة بشق المنشار إذا ضرب الإنسان بأصبعه رأس إحدى ورقة من الورقات الخمس تلتوي كلها، و تنحدر إلى الأرض حتى تكاد تسقط من أصلها، ثم توضأنا وصلينا الظهرين هناك، و رجعنا في الأكداش إلى جنوة، إلى محل النزول.

ملاقات رئيس الفركاطة

و كان أتى رئيس الفركاطة التي هيئت لسفرنا فيها إلى الباشدور، و تلاقى به مع كبرائها و أخبروه أنهم مأمورون بامتثال أمره، يسافرون في البحر بنظره بحيث إذا أحب المرور على‏ الجرنة أو غيرها،/ 348/ من المدن يساعده و يقف هناك حتى يأمره بالسفر، فشكرهم على ذلك، و أخبر القونصوا أي الترجمان أنه لا بد من إقامتنا بجنوة إلى الأربعاء القابل، بقصد الاستراحة فأقمنا بها يوم الاثنين و يوم الثلاثاء منتصف شعبان المذكور.

الخروج من جنوة

و في يوم الأربعاء السادس عشرة منه‏، في الساعة التاسعة منه، خرجنا من‏

____________

(1) الباخرةConte Cavour الإيطالية.

(2) ربما يقصد إحدى المحاجر الصحية (للكرنطينة).

(3) 6 شتمبر سنة 1876 م. و قد أشارت جريدةGazzetta Di Genova «استقبل السفير المغربي عددا من رجال الصناعة و التجارة و معهم بعض صانعي البواخر، و أكد لهم أن عاهله يرى بعين الرضى و سيرعى بحرارة الصناع الإيطاليين الذين يقومون بممارسة صناعتهم على الساحل المغربي ...».

398

جنوة و خرج لوداع الباشدور عامل البلد و كبراؤها، و تهيأ العسكر بشاطئ البحر مع أصحاب الموسيقى، و هيأوا أربعة من الفلك لركوبنا فيها إلى الفركاطة، و تبعتنا فلك عديدة فيها نصارى رجال و نساء بقصد الفرجة على عادتهم، و أخرجوا المدافع من أبراج المدينة على حسب القانون في ذلك، و عند طلوعنا إلى الفركاطة وجدنا الرئيس و كبراءها متهيئين للقاء، فتلقوا بفرح و سرور و أدب و برور، و حملوا ما فيه الكفاية من الفريشك‏ الدجاج و الضأن و الخضر و الفواكه الموجودة في الوقت.

مكينة صنع ماء الثلج‏

حتى من الثلج بقصد تبريد الماء. و المكينة التي يصنع بها الثلج في نحو ربع ساعة، بحيث إذا تم ذلك الثلج تكون هذه المكينة مهيئة لصنعه، و طلبت من الرئيس ذات يوم الحضور لصنع هذه الثلج في تلك المكينة، فساعدني و أحضرني إلى بيته فوجدت هذه المكينة، كهيئة زنبيل الأتاي المستدير الذي يسع نحو رطلين من الأتاي، و هو مبسوط الطرفين و له يدان بوسطه ينزلانه على وقافتين ناتئتين/ 349/ من كرسيها الذي يوضع على الأرض أو على طبلة عند الخدمة بها، ثم نزع هذا الزنبيل و هو من العود و وضعه على الطبلة، و فتح فاه و أفرغ فيه كأسا من حجر الشب و كأسين من النشادير و كب عليهما الماء، و بوسط هذا الزنبيل حاجز بداخله، ثم سده سدا محكما و ركبه من يديه على تلك الوقافتين، و كان في غطاء الزنبيل عروة

____________

(1) انظر شرحها بالملحق.

(2) الحامض الكبريتي أو الكبريتك‏H 2 SO 4 Acide sulfirique الفرائدDictionnaire al -Fara ?id عربي- فرنسي، بيروت، 1986.

نشادر أو نشادري هو محلول الأمونياك‏Ammonniac NH 3 ذو رائحة لاذعة مؤلف من الأزوت.

(المنهل قاموس فرنسي- عربي)، د. جبور عبد النور، د. سهيل إدريس.

(3) رسم من إنشاء صاحب المخطوط لشكل آلة التبريد الخارجي (انظر الملحق الخاص بالرسوم و الصور صفحة 28).

399

بها يخدمه بحيث يقبضه منها، و يأخذ يجدبه إليه و يدفعه أمامه، و الشب مع النشادر ينحل كل منهما في الماء بسبب حركة الخدمة، و بعدما مرت ربع ساعة مجانية فتح الزنبيل من الجهة الأخرى، و أفرغ منها ماء أصفر على لون الأتاي القاطع، و له رائحة كريهة، لأني شممته قصدا فصعدت في جعبتي أنفي رائحة كريهة و معها حرارة قوية، ثم أفرغ هذا الماء في البحر، و فتح الجهة الأخرى ذات العروة، فإذا فيها ماء كأصفى ما يكون فأفرغ منه كأسا و ناولنيه فبقيت كالمتردد في قبضه منه، فتبسم و شربه كله، ثم أفرغ آخر و دفعه إلي فشربته فوجدته كالماء الذي كنا نضع فيه الثلج في البرودة، و ترددي في شرب الأول لكوني استقدرته من ذلك الماء الذي خرج منه و قبح رائحته، و لم أدر هل ذلك صفي منه أو كان هناك على حالته قبل وضع الشب و النشادر و الماء في الجهة الأخرى، و هذا كان بعد تمام الثلج‏ الذي كان صحب معه في البابور. من جهة الفريشك لكن حيث أنجر الكلام على الفريشك‏

____________

(1) رسم يمثل مقطع طولي لآلة التبريد، قصد توضيح كيف تتم عملية تبريد الماء الصافي المنعزل على الإناء الصغير الذي يحوي المواد المتفاعلة و التي تحتاج إلى طاقة حرارية تمتصها من الماء المحيط بها، فترتفع درجة حرارة الأمونياك و يتحول من الحالة السائلة إلى الحالة الغازية.

2 NH 3 G H 2 SO 4 H SO 4 G 2 NH 4

(انظر ملحق الرسوم و الصور صفحة 29).

(2) في البداية كان الاعتماد على الثلج الطبيعي، لكن مع ازدياد الطلب بسبب ضرورة نقل و حفظ المواد الغذائية و المشروبات الصناعية الجديدة، اتجه البحث نحو أجهزة التبريد انطلاقا من فكرة الاسكتلندي سنة 1817 م، الاي طورها الفرنسيان‏Ferdinand Carre ? وCharles Tellier بمعرض لندن سنة 1862 م، و حسنها أخوه‏Edmond Carre ? سنة 1866 م، بصنع آلة البريد المحلية، تعتمد على تحريك الأمونياك بمضخة صغيرة بواسطة اليد، التي انتشرت بالمقاهي و غيرها بسرعة.

Histoire ge? ne? rale des Techniques Tome IV: 895:( Les techniques de la civilisation industrielle ).

«... و قد صاحب السفارة المغربية إلى الباخرة السيد الوالي و المستشار و الجنرال‏Finazzi ، قائد الحامية العسكرية بالنيابة ...».Gazzetta Di Genova .

400

و من جملته الثلج و مكينته ناسب ذكرها هنا و بسط ما شاهدته من خدمتها/ 350/ و كيفيتها. و في الساعة العاشرة من يوم الأربعاء المذكو، شرعت الفركاطة في السير قاصدة سمت ثغر طنجة المحروسة بعناية الله، من غير تعريج لبلدة أخرى، حيث تبين للرئيس أن الباشدور ليس عنده غرض في الجرنة و لا في غيرها، و ذلك بعدما استقر الباشدور في المحل المنتخب من القامرة، و تعيين بقية بيوتها لأصحابه و لمن معه من المخازنية و الخدمة. لكل واحد بيت يخصه، ثم جدت في السير من ذلك الوقت ليلا و نهارا، و نحن في عافية و بسط من فضل الله و سعادة مولانا المنصور بالله.

الوصول إلى مدينة طنجة

إلى يوم الاثنين الواحد و العشرين من شعبان، و تبين أنه الثاني و العشرون‏ منه، فأرست الفركاطة المذكورة بنا بمرسى طنجة في الساعة العاشرة منه، فطلع منها إلى الباشدور التاجر الأخير الطالب السيد الحاج محمد باركاش‏ لكونه أوجده الحال بها لغرض له هناك، و معه كاتب والده نائب مولانا المؤيد بالله الفقيه السيد الجلالي السلوي و غيرهما من الأعيان، فعند ذلك تهيأ كبراء البحرية و الرئيس و لبسوا ثيابهم الفاخرة المرصعة بالذهب، و على كل واحد نيشان مرتبته، و خرج الباشدور و ودعوه و ودعونا كذلك، و نزل الباشدور إلى الفلك الأول و تبعناه في أثره، ثم تعلق أولائك البحرية في درج قنانيب الفركاطة واحدا بعد واحد، و نزعوا شماريرهم و صاحوا صيحة واحدة بصوت واحد ثلاث مرات، و هم يشيرون بشماريرهم من رؤوسهم إلى أسفل،

____________

(1) عادت السفارة المغربية على متن الباخرة الإيطاليةConte Cavour إلى مرسى طنجة يوم الاثنين 21 شعبان عام 1293 ه الموافق ليوم 11 شتمبر سنة 1876، بخلاف ما ورد عند ابن زيدان بالإتحاف، ج 2: أنهم وصلوا يوم 14 شعبان عام 1293 ه الموافق ل 4 شتمبر سنة 1876 م، و كذلك عند جاك كيلي (السفارات و البعثات المغربية إلى فرنسا: 184) يوم 16 شتمبر سنة 1876 م.

(2) محمد بن محمد بن عبد الرحمان بركاش، ساهم إلى جانب والده في شراء السلاح الحديث للجيش المغربي و غير ذلك، توفي قبل والده بأيام سنة 1885 م (الحماية و الاستيطان، ح 1: 398).

401

و ذلك منهم وداع خاص يفعلونه للخاصة و الأعيان من الدول./ 351/ ثم التفت إليهم الباشدور أشار إليهم بيده للوداع على حسب عرفهم، و حيث قرب الباشدور إلى البر أخرجت المدافع القانونية من أبراج طنجة، و عند النزول بساحلها قرب المرسى وجدنا هناك نائب مولانا المذكور و خديمه القائد الجلالي بن حم، و الأمناء و أعيان البلد متهيئين للقاء الباشدور، فتلاقوا به هناك و نحن كذلك و طلعنا إلى محل النزول بدويرة رياض القصبة التي هناك، فنزلنا بها و حمدنا الله سبحانه حق حمده على ما أسدى إلينا من العافية و السلامة اللتين هما للعاقل غاية مطلبه و قصده، و سألناه من جوده و كرمه أن يختم لنا هذه السياحة المباركة بالطلوع إلى حضرة مولانا الشريفة، و التمتع بالنظر إلى طلعته‏ السعيدة المنيفة، بقصد أن نلتمس‏ من سيادته أعزه الله صالح الدعاء، و جلب رضاه و زيارة الأولياء الأموات منهم و الأحياء، عسى ربنا سبحانه يكفر عنا بذلك ما اقترفناه من السيئات، و يستمر عنا بكرمه ما اجترمناه من الزلات و قبيح العترات، فإنه على ذلك قدير و بالإجابة جدير.

تمت الرحلة

____________

(1) بالفعل سافر السفير الزبيدي من طنجة لفاس حيث كان مثوى السلطان إذ ذاك فأكرم وفادته ... و لما قص عليه قصص سفارته و قرر له كل شاذة و فاذة شكر مسعاه و دعا له بالخير و أمره بالرجوع لطنجة لتتميم المسائل المحالة على القناصل و الباشدورات القاطنين هنالك في حل مبرمها، و لم يزل بطنجة إلى أن أكمل المراد وفق ما يراد حسبما ينبني عن ذلك جواب الحاجب.

الإتحاف، ابن زيدان، ج 2: 311.

(2) عند قدوم الجعيدي على السلطان مدحه بقصيدة جيدة فيها إحدى و ستون بيتا كما صرح به ناظنها في كتاب كتبه لأبي العباس الناصري، الذي ذكر له منها الأبيات الثلاثة الأولى و ستة أبيات من الآخر، (انظر الاستقصا، ج 7: 151) و قد نقلها عن الناصري المؤرخ العباس بن إبراهيم المراكشي (الإعلام، ج 3: 39) حرفيا بدون زيادة أو نقصان، لكنني وجدت بعض أبيات هذه القصيدة في كناشة الأديب أحمد الصبيحي (الفالودج رقم 1 ب خ. ع. ص. بسلا تحت رقم 426) تزيد ب 13 بيتا عما ذكره الناصري. (انظر نص القصيدة بالملحق 2).

402

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

403

ملاحق‏

404

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}