التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج1

- محمد طاهر الكردي المزيد...
582 /
451

و جاء فيه أيضا: عن ابن عمر رضي اللّه عنهما، قال: كنا نخيّر بين الناس في زمن النبي (صلى الله عليه و سلم) فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي اللّه عنهم.

و جاء فيه أيضا: عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: أتت امرأة النبي (صلى الله عليه و سلم) فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت و لم أجدك، كأنها تقول الموت، قال (عليه السلام)، إن لم تجديني فأتي أبا بكر.

عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه، قال: كنت جالسا عند النبي (صلى الله عليه و سلم) إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي (صلى الله عليه و سلم): أما صاحبكم فقد غامر فسلم.

و جاء فيه أيضا: عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، أنه قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: من أنفق زوجين من شي‏ء من الأشياء في سبيل اللّه دعي من أبواب- يعني الجنة-: يا عبد اللّه هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، و من كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، و من كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، و من كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام و باب الريان، فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، و قال: هل يدعى منها كلها أحد يا رسول اللّه؟ قال: نعم، و أجو أن تكون منهم يا أبا بكر.

و جاء فيه أيضا: عن سعيد بن المسيب قال: أخبرني أبا موسى الأشعري أنه توضأ في بيته ثم خرج، فقلت: لألزمن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و لأكونن معه يومي هذا، قال: فجاء المسجد فسأل عن النبي (صلى الله عليه و سلم) فقالوا: خرج و وجّه هاهنا. فخرجت على أثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس، فجلست عند الباب، و بابها من جريد، حتى قضى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حاجته فتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو جالس على بئر أريس و توسط قفّها، و كشف عن ساقيه و دلاهما في البئر، فسلمت عليه، ثم انصرفت فجلست عند الباب فقلت: لأكونن بواب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) اليوم. فجاء أبو بكر فدفع الباب، فقلت من هذا؟ فقال: أبو بكر. فقلت: على رسلك، ثم ذهبت، فقلت: يا رسول اللّه هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن له و بشره بالجنة، فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) معه في القف و دلى رجليه في البئر

452

كما صنع النبي (صلى الله عليه و سلم) و كشف عن ساقيه، ثم رجعت فجلست و قد تركت أخي يتوضأ و يلحقني فقلت: إن يرد اللّه بفلان خيرا- يريد أخاه- يأت به، فإذا إنسان يحرك الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك، ثم جئت إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فسلمت عليه، فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، فقال: ائذن له و بشره بالجنة، فجئت فقلت: ادخل و بشرك رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالجنة. فدخل فجلس مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في القف عن يساره و دلى رجليه في البئر ثم رجعت فجلست، فقلت: إن يرد اللّه بفلان خيرا يأت به، فجاء إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، فجئت إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فأخبرته فقال: ائذن له و بشره بالجنة على بلوى تصيبه، فجئته فقلت له: أدخل و بشرك رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالجنة على بلوى تصيبك، فدخل فوجد القف قد ملئ فجلس و جاهه من الشق الآخر. قال شريك، قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم.

و جاء فيه أيضا: عن عائشة، رضي اللّه عنها، زوج النبي (صلى الله عليه و سلم): أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مات و أبو بكر بالسنح- قال إسماعيل: يعني بالعالية- فقام عمر يقول:

و اللّه ما مات رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). قالت: و قال عمر: و اللّه ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، و ليبعثنه اللّه فليقطعن أيدي رجال و أرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقبّله، قال: بأبي أنت و أمي طبت حيا و ميتا و الذي نفسي بيده لا يذيقك اللّه الموتتين أبدا، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد اللّه أبو بكر و أثنى عليه و قال: ألا من كان يعبد محمدا (صلى الله عليه و سلم)، فإن محمدا قد مات و من كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت، و قال:

إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏، و قال: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ، وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏. قال: فنشج الناس يبكون، قال: و اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير و منكم أمير.

فذهب إليهم أبو بكر و عمر بن الخطاب و أبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، و كان عمر يقول: و اللّه ما أردت بذلك، إلا أني قد هيأت كلاما قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء و أنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر: لا و اللّه لا نفعل، منا أمير، و منكم أمير، فقال أبو بكر: لا، و لكنا الأمراء، و أنتم‏

453

الوزراء، هم أوسط العرب دارا، و أعربهم أحسابا، فبايعوا عمر أو أبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا و خيرنا و أحبنا إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فأخذ عمر بيده فبايعه و بايعه الناس. فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة. فقال عمر: قتله اللّه. و قال عبد اللّه بن سالم، عن الزبيدي، قال عبد الرحمن بن القاسم: أخبرني القاسم أن عائشة، رضي اللّه عنها، قالت: شخص بصر النبي (صلى الله عليه و سلم) ثم قال: في الرفيق الأعلى ثلاثا و قص الحديث، قالت: فما كانت من خطبتهما من خطبة إلا نفع اللّه بها، لقد خوف عمر الناس و إن فيهم لنفاقا فردهم اللّه بذلك، ثم لقد بصّر أبو بكر الناس الهدى و عرفهم الحق الذي عليهم و خرجوا به يتلون: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ‏- إلى- الشَّاكِرِينَ‏. انتهى من البخاري.

و نكتفي بهذا القدر، ففضل أصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم) معروف، و ما من مسلم إلا و هو يحبهم محبة عظيمة أكثر من نفسه و أولاده، كيف و هم قد فازوا بمشاهدة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و سعدوا بخدمته و خدمة هذا الدين السمح الحنيف.

اللهم صل على عبدك و نبيك" محمد" و على آله الأطهار و صحابته الأخيار و أزواجه المصونات الطاهرات أمهات المؤمنين و سلم تسليما كثيرا.

يروى أن أربعة من الصحابة رأوا النبي (صلى الله عليه و سلم): ابن و أبوه و جده و أبو جده و هم أبو عتيق و اسمه محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بن أبي قحافة، رضي اللّه تعالى عنهم جميعا.

و في الصحيحين عن ابن عباس و ابن مسعود، رضي اللّه تعالى عنهما، عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا و لكنه أخي و صاحبي. و قد اتخذ اللّه عز و جل صاحبكم خليلا».

قال شارح زاد المسلم، أستاذنا الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي، (رحمه اللّه تعالى)، عند هذا الحديث ما نصه:

قلت: و قد بحثت غاية البحث عن سبب تكنيته بأبي بكر و لم أجد في أبناءه من سمي بكرا، لا في الجاهلية و لا في الإسلام، و ما رأيت لسبب تكنيته بذلك إلا قول صاحب المصباح المنير.

و البكر بالفتح: الفتى من الإبل و به كني و منه أبو بكر الصديق ا ه.

454

و نظم معنى كلامه بعض الفضلاء بقوله:

و البكر بالفتح فتى الإبل‏* * * و منه كنية أبي بكر العلي‏

و ليس في عبارة صاحب المصباح تصريح بوجه تكنيته بأبي بكر و أنها بسبب بكر من الإبل كان ملابسا له مثلا حتى يصدق عليه أنه كني به. و رأيت للزمخشري كما نسبه له شارح المواهب اللدنية ما نصه:

و لعله كني أبا بكر لابتكاره المكرمات، و هذا أيضا ليس بشي‏ء، إذ لو كانت تكنيته من هذا المعنى لقيل له أبو الابتكار. ثم بعد هذا كله فتح اللّه علي باستنباط سبب تكنيته من حديث البخاري في آخر باب هجرة النبي (صلى الله عليه و سلم) عن عائشة أن أبا بكر رضي اللّه عنه، تزوج امرأة من كلب يقال لها أم بكر، فلما هاجر أبو بكر طلقها، فتزوجها ابن عمها الشاعر الذي قال هذه القصيدة رثى بها كفار قريش:

و ما ذا بالقليب قليب بدر* * * من الشيزى تزين بالسنام الخ‏

فعلمت أن وجه تكنيته بأبي بكر من أجل كونه تزوج امرأة يقال لها أم بكر، فقيل له هو أبو بكر لكونه أبا لابن زوجته عرفا، إذ هو ابن زوجته. و من الضروري عند العرب تسمية زوج المرأة أبا لجميع أبنائها و لو من غيره، فهذا، و اللّه تعالى أعلم، هو سبب تكنيته بأبي بكر و ما تحصلت عليه إلا بعد الاستقراء التام الذي يعلم منه أن لا وجه لتكنيته بأبي بكر إلا هذا الذي استنبطته من هذا الحديث.

فتح مكة المكرمة و هو الفتح الأعظم‏

كان خروج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من المدينة قاصدا مكة يوم الأربعاء بعد العصر لعشر مضين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة، فصام عليه الصلاة و السلام و صام الناس معه، حتى إذا وصل الكديد أفطر، و ما زال مفطرا حتى انسلخ الشهر. و كديد ما بين عسفان و أمج، و عن ابن عباس الكديد الماء الذي بين قديد و عسفان ا ه. و بين مكة و عسفان مرحلة واحدة عن طريق وادي فاطمة- و كان دخول النبي (صلى الله عليه و سلم) مكة صبح يوم الجمعة لعشرين خلت من شهر رمضان من السنة المذكورة، و دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مكة و عليه عمامة سوداء من غير إحرام، و هو

455

راكب راحلته، منحن على الرحل حتى تكاد جبهته تمسه تواضعا و شكرا للّه على هذه النعمة الكبرى، و أسامة بن زيد رديفه، فلما وصل إلى موضع رايته بالحجون استراح قليلا في القبة التي نصبت له هناك، و كان فيها أم سلمة و ميمونة رضي اللّه تعالى عنهما، ثم سار عليه الصلاة و السلام و بجانبه أبو بكر رضي اللّه عنه يحادثه و هو يقرأ سورة الفتح، حتى بلغ البيت و طاف سبعا على راحلته، و استلم الحجر الأسود بمحجنه، ثم أقام (صلى الله عليه و سلم) بمكة خمسة عشر يوما و قيل: ثمانية عشر و قيل:

تسعة عشر و هو يقصر الصلاة. و بعد ذلك خرج إلى غزوة حنين" بالتصغير" و تسمى غزوة هوازن، و حنين واد وراء عرفات بين مكة و الطائف.

روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن طاووس: لم يدخل النبي (صلى الله عليه و سلم) مكة إلا محرما إلا يوم فتح مكة. و روى مسلم من حديث جابر: دخل النبي (صلى الله عليه و سلم) يوم فتح مكة و عليه عمامة سوداء من غير إحرام.

نقول: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لو دخل مكة للنسك لدخلها محرما، و لكنه يوم الفتح أتى إليها غازيا بجيشه مستعدا للقتال إذا اضطر إليه، و دخول المقاتل الفاتح له حالة غير حالة الناسك المتعبد، لذلك لم يكن يوم الفتح محرما و لم يكن صائما بمكة مدة إقامته بها حتى انسلخ شهر رمضان.

و قصة فتح مكة شرفها اللّه تعالى شهيرة، و هذا الفتح من أعظم فتوح الإسلام، أعز اللّه به دينه و رسوله و جنده و حرمه، فدخل الناس في دين اللّه أفواجا، و إلى هذا الفتح تشير سورة النصر و هي: بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ* وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً. و قد فهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من نزول هذه السورة أنه قد اقترب أجله، فكان يكثر من قول: سبحان اللّه و بحمده أستغفر اللّه و أتوب إليه.

و غزوة فتح مكة مذكورة في جميع كتب التفسير و الحديث و التاريخ و السير، و لقد أردنا أن نذكر خلاصتها، لكن رأينا الإتيان بتفصيل غزوة الفتح أولى و أفضل لما فيها من العبر و الفوائد الجمة. كما رأينا أن ننقل ما جاء عنها من كتاب" تاريخ الخميس" لأنه كتاب شهير معتمد و نادر الوجود، و لأنه ينقل جميع الأقوال و المرويات بتفصيل تام. و إليك نص ما جاء فيه عن فتح مكة:

456

و في عشرين من رمضان هذه السنة" أي السنة الثامنة من الهجرة" يوم الجمعة و قيل في سادس عشر منه وقعت غزوة فتح مكة، و في البخاري على رأس ثمان و نصف من مقدمه المدينة. و في خلاصة السير: لسبع سنين و ثمانية أشهر و أحد عشر يوما.

و في الاكتفاء: أقام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعد بعثه إلى مؤتة جمادى الآخرة و رجبا، ثم عدت بنو بكر بن عبد مناف بن كنانة على خزاعة. قال أصحاب الأخبار إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما صالح قريشا عام الحديبية و اصطلحوا على وضع الحرب بين الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس و يكف بعضهم عن بعض، و أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و عهده دخل فيه، و من أحب أن يدخل في عقد قريش و عهدهم دخل فيه، كما مر، فدخلت بنو بكر في عقد قريش و دخلت خزاعة في عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). و كان بينهما شر قديم، و لما دخل شعبان على رأس اثنين و عشرين شهرا من صلح الحديبية عدت بنو بكر على خزاعة و هم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له الوتير، فخرج نوفل بن معاوية الديلي في بني ديل من بني بكر و ليس كل بني بكر تابعه. كذا في معالم التنزيل.

و في المنتقى: كلمت بنو نفاثة و هم من بني بكر أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالرجال و السلاح، فوعدوهم و وافوهم و كان ممن أعان بني بكر من قريش على خزاعة ليلتئذ متنكرين صفوان بن أمية و عكرمة بن أبي جهل و سهيل بن عمرو و حويطب و مكرز مع عبيدهم، فبيتوا خزاعة ليلا و هم غارّون، فقتلوا منهم عشرين رجلا، ثم ندمت قريش على ما صنعت و علموا أن هذا نقض للعهد الذي بينهم و بين رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و خرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا حتى قدموا على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المدينة و كان ذلك مما هاج فتح مكة.

و روي عن ميمونة بنت الحارث زوج النبي (صلى الله عليه و سلم) أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بات عندها في ليلتها، ثم قام و توضأ للصلاة، فسمعته يقول: لبيك لبيك ثلاثا. فلما خرج من متوضئه قلت له: يا رسول اللّه، بأبي أنت و أمي، إني سمعتك تكلم إنسانا، فهل كان معك أحد؟ قال: هذا راجز بني كعب يستصرخني و يزعم أن قريشا أعانت عليهم بني بكر. قال: فأقمنا ثلاثة أيام، ثم صلى الصبح بالناس فسمعت راجزا ينشد على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و هو في المسجد جالس بين ظهراني الناس و هو يقول:

457

لا هم إني ناشد محمدا* * * حلف أبينا و أبيه الأتلدا

إنا ولدناك و كنت الولدا* * * ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا

إن قريشا أخلفوك الموعدا* * * و نقضوا ميثاقك المؤكدا

هم بيّتونا بالوتير هجدا* * * و قتلونا ركعا و سجدا

و جعلوا لي في كداء رصدا* * * و زعموا أن لست أدعو أحدا

و هم أذل و أقل عددا* * * فانصر هداك اللّه نصرا أبدا

و ادع عباد اللّه يأتوك مددا* * * فيهم رسول اللّه قد تجردا

في فيلق كالبحر يجري مزبدا* * * أبيض كالبدر ينمى صعدا

إن سيم خسفا وجهه تربدا

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): قد نصرت يا عمرو بن سالم. و في المنتقى: نصرت نصرت ثلاثا، أو لبيك لبيك ثلاثا. ثم عرض لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عنان من السماء فقال: إن هذه السحابة لتستهل لنصر بني كعب و هم رهط عمرو بن سالم.

و في المنتقى: فلما كان بالروحاء نظر إلى سحاب منصب، فقال: إن هذا السحاب لينصب لنصر بني كعب. ثم خرج بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة قدموا على رسول اللّه فأخبروه بما أصيب منهم، و مظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة. و قد كان رسول اللّه قال للناس: كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشدد العقد و يزيد في المدة و مضى بديل بن ورقاء فلقي أبا سفيان بعسفان قد بعثه قريش إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ليشدد العقد و يزيد في المدة، و قد رهبوا الذي صنعوا. فلما لقي أبو سفيان بديلا قال: من أين أقبلت يا بديل؟

فظن أنه أتى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). قال: سرت إلى خزاعة في هذا الساحل و في بطن هذا الوادي. قال: أو ما أتيت محمدا؟ قال: لا. فلما راح بديل مكة قال أبو سفيان: لئن كان بالمدينة لقد علف بها. فعمد إلى منزل ناقته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى. فقال: أحلف باللّه لقد جاء بديل محمدا. ثم خرج أبو سفيان.

حتى قدم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فدخل البيت- و هو بيت ابنته أم حبيبة ابنة أبي سفيان- فأتى ليجلس على فراش رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فطوته عنه. قال: يا بنية أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ قالت: بلى، هو فراش رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و أنت رجل مشرك نجس، و ما أحب أن تجلس على فراش رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). فقال: و اللّه لقد أصابك يا بنية بعدي شر. ثم خرج حتى أتى رسول اللّه‏

458

(صلى الله عليه و سلم) فكلمه، فلم يرد عليه شيئا. ثم ذهب إلى أبي بكر و كلمه أن يكلم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر بن الخطاب فأبى، ثم أتى علي بن أبي طالب فأبى. ثم قال لفاطمة أن تأمر ابنها الحسين و هو غلام يدب بين يدي أبويه حتى يجير له فأبت. فقال: يا أبا حسن، إني أرى الأمور قد اشتدت عليّ فانصحني. قال: و اللّه ما أعلم شيئا يغني عنك، و لكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك. قال: و ترى ذلك مغنيا شيئا؟ قال: لا و اللّه، ما أظن و لكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره فانطلق فلما أن قدم على قريش قالوا:

ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلمته فو اللّه ما رد عليّ بشي‏ء، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد عنده خيرا، و جئت ابن الخطاب فوجدته أعدى القوم، ثم أتيت علي بن أبي طالب فوجدته ألين الناس، فقد أشار عليّ بشي‏ء صنعته، فو اللّه ما أدري هل يغنيني شيئا أم لا. قالوا: و ماذا أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس ففعلت. قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: و اللّه إن زاد عليّ إلا أن لعب بك الناس، فما يغني عنا ما قلت. قال: لا و اللّه ما وجدت غير ذلك.

و أمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالجهاز، و أمر أهله أن يجهزوه و لم يعلموا به أحدا.

فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضي اللّه عنها و هي تصلح بعض جهاز رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال: يا بنية ما هذا الجهاز؟ قالت: لا أدري. قال: أمركم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بأن تجهزوه؟ قالت: نعم. فنجهزه. قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: ما أدري. قال: ما هذا زمان غزوة بني الأصفر فأين يريد؟ قالت: لا علم لي. ثم إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أعلم الناس أنه سائر إلى مكة و قال: اللهم خذ العيون و الأخبار عن قريش حتى نسبقها في بلادها.

و في رواية قال: اللهم عمّ عليهم خبرنا حتى نأخذهم بغتة. فتجهز الناس فكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى أهل مكة و بعثه مع سارة مولاة بني المطلب.

و في معالم التنزيل و المدارك: أن مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف يقال لها سارة أتت المدينة من مكة و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يتجهز لفتح مكة.

فقال لها: أمسلمة جئت؟ قالت: لا. قال: أفمهاجرة؟ قالت: لا. قال: فما جاء بك؟ قالت: قد ذهبت الموالي، و قد احتجت حاجة شديدة، فقدمت عليكم لتعطوني و تكسوني و تحملوني. فقال لها: و أين أنت من شباب مكة. و كانت‏

459

مغنية نائحة. قالت: ما طلب مني شي‏ء بعد وقعة بدر. فحث عليها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بني عبد المطلب و بني المطلب فأعطوها نفقة و كسوة و حملوها.

و في شفاء الغرام: حامل كتاب حاطب بن أبي بلتعة أم سارة مولاة لقريش، و فيه أيضا أم سارة هي التي أمر النبي (صلى الله عليه و سلم) بقتلها يوم فتح مكة، و أنها كانت مولاة لقريش. و بيّن الحافظ مغلطاي اسم المرأة قال: كتب حاطب كتابا و أرسله مع أم سارة كنود المزنية. انتهى.

و لما علم حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يغزو أهل مكة كتب إليهم كتابا و دفعه إلى سارة و أعطاها عشرة دنانير، و كساها بردا على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة. و كتب في الكتاب، و في المدارك: و استحملها كتابا نسخته: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة. اعلموا أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يريدكم فخذوا حذركم. و في رواية كتب فيه: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل و أقسم باللّه لو سار إليكم وحده لنصره اللّه عليكم فإنه منجز له وعده.

و في رواية كتب فيه: إن محمدا قد نفر فإما إليكم و إما إلى غيركم، فعليكم الحذر. ذكرهما السهيلي. فخرجت سارة و نزل جبريل بالخبر، فبعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عليا و عمارا و عمر و الزبير و طلحة و المقداد بن الأسود و أبا مرثد فرسانا. فقال لهم: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين أو إلى أهل مكة فخذوه منها و خلوا سبيلها، فإن لم تدفعه إليكم أو قال: فإن أبت فاضربوا عنقها.

قال الواقدي: روضة خاخ بقرب ذي الحليفة على بريد من المدينة. فانطلقوا تعادي بهم خيلهم حتى أتوا الروضة فأدركوها في ذلك المكان الذي قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت باللّه ما معها كتاب، فبحثوها و فتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتابا، فهموا بالرجوع فقال علي: و اللّه ما كذبنا و لا كذبنا. و سل سيفه و قال: أخرجي الكتاب و إلا لأجردنك أو لأضربن عنقك.

و في المدارك: أخرجي الكتاب أو تضعي رأسك.

و في رواية: لتخرجن الكتاب أو لتلقن الثياب. فلما رأت الجد أخرجته من عقيصتها قد خبأته في شعرها. فخلوا سبيلها و لم يتعرضوا لها و لا لما معها، فرجعوا

460

بالكتاب إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأرسل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، إلى حاطب فأتاه. فقال:

هل تعرف الكتاب؟ قال: نعم. قال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول اللّه لا تعجل عليّ، و اللّه يا رسول اللّه ما كفرت منذ أسلمت و لا غششتك منذ صحبتك، أو قال: نصحتك و لا أجبتهم منذ فارقتهم و لكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا و له بمكة من يمنع عشيرته.

و في رواية: و كان لمن معك من المهاجرين بمكة قرابات يحمون أهلهم و أموالهم و كنت غريبا فيهم. و في رواية: كنت امرءا ملصقا في قريش، يقول حليفا، و لم أكن من أنفسها، و ليس فيهم من يحمي أهلي، و كان أهلي بين ظهرانيهم، فخشيت على أهلي فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي. و قد علمت بأن اللّه ينزل بهم بأسه، و أن كتابي لا يغني عنهم شيئا، و لم أفعل ذلك ارتدادا عن ديني و لا رضى بالكفر بعد الإسلام. فصدقه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و عذره، فقال: أما إنه قد صدقكم. فقام عمر بن الخطاب فقال:

دعني يا رسول اللّه أضرب عنق هذا المنافق. فقال: إنه شهد بدرا، و ما يدريك لعل اللّه اطلع على أهل بدر، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.

ففاضت عينا عمر، فأنزل اللّه عز و جل في حاطب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ... الآية و بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى من حوله من الأعراب فجلبهم، و هم أسلم و غفار و مزينة و جهينة و أشجع و سليم، فمنهم من وافاه بالمدينة و منهم من لحقه بالطريق و استخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن خلف الغفاري. و في المنتقى: عبد اللّه بن أم كلثوم.

و خرج عامدا إلى مكة يوم الأربعاء بعد العصر لعشر مضين من رمضان السنة الثامنة من الهجرة، فصام (صلى الله عليه و سلم) و صام الناس، حتى إذا كان بالكديد ما بين عسفان و أمج. و عن ابن عباس. الكديد الماء الذي بين قديد و عسفان.

و في القاموس: الكديد ماء بين الحرمين. أفطر فلم يزل مفطرا حتى انسلخ الشهر، و قدم أمامه الزبير و قد كان ابن عمته، و أخوه من رضاع حليمة السعدية أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب و معه ولده جعفر بن أبي سفيان. و كان أبو سفيان يألف رسول اللّه، فلما بعث عاداه و هجاه. و ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب عبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة لقياه بنيق العقاب فيما بين مكة و المدينة.

461

و في المواهب اللدنية: كان لقاؤهما له (عليه السلام) بالأبواء، و قيل: بين السقيا و العرج، فالتمسا الدخول عليه فأعرض (صلى الله عليه و سلم) عنهما لما كان يلقى منهما من شدة الأذى و الهجو. و كلمته أم سلمة وهب أخت عبد اللّه فيهما فقالت: يا رسول اللّه، لا يكن ابن عمك و ابن عمتك و صهرك أشقى الناس بك. قال: لا حاجة لي فيهما، فأما ابن عمي فهتك عرضي، و اما ابن عمتى و صهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال.

فلما خرج الخبر إليهما بذلك قال أبو سفيان و معه بني له اسمه جعفر بن أبي سفيان: و اللّه ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا ثم لنذهب في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا. فلما بلغ ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) رق لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما.

و في المواهب اللدنية: قال علي لأبي سفيان فيما حكاه أبو عمرو و صاحب ذخائر العقبى: ائت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من قبل وجهه، فقل ما قال إخوة يوسف ليوسف: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ‏، فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولا. ففعل ذلك أبو سفيان. فقال له (صلى الله عليه و سلم): لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏.

و قد مر في أولاد عبد المطلب في النسب، و يقال: إن أبا سفيان ما رفع رأسه إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حياء منه. قالوا: ثم سار رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فلما كان بقديد عقد الألوية و الرايات و دفعها إلى القبائل، ثم سار حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين لم يتخلف عنه من المهاجرين و الأنصار أحد.

و في القاموس: ظهران واد بقرب مكة يضاف إليه مر، و مرّ الظهران موضع على مرحلة من مكة. و قال بعضهم: و منه إلى مكة أربعة فراسخ. قال ابن سعد:

نزل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مر الظهران عشاء فأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار، و جعل على الحرس عمر بن الخطاب. و قد عميت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم خبر عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و لا يدرون ما هو فاعل و هم مغتمون لما يخافون من غزوه إياهم. و قد كان عباس بن عبد المطلب لقي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ببعض الطريق، فخرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب و حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار هل يجدون خبرا، و قد قال العباس ليلتئذ: وا صباح قريش، و اللّه لئن دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مكة عنوة قبل أن يستأمنوا إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر.

462

فخرج على بغلة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) البيضاء و قال: أخرج إلى الأراك لعلي ألقى بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فيأتونه فيستأمنونه قبل أن يدخلها عليهم عنوة.

قال: فخرجت و إني لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان و بديل بن ورقاء و هما يتراجعان، فأبو سفيان يقول: و اللّه ما رأيت كالليلة قط نيرانا. فقال بديل: و اللّه هذه نيران خزاعة حشتها الحرب. فقال أبو سفيان: خزاعة و اللّه ألأم و أذل من أن تكون هذه نيرانها و عسكرها. فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم.

قال: ما لك فداك أبي و أمي. فقلت: و يحك يا أبا سفيان، هذا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد جاءكم بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين، و اصباح قريش. قال:

فما الحيلة، فداك أبي و أمي؟ قلت: و اللّه لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فأستأمنه لك. فردفني و رجع صاحباه. فحركت به بغلة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فكلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا، فإذا رأوا بغلة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قالوا: هذا عم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على بغلة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، حتى مررت بنار عمر، فقال: من هذا؟ و قام إلي. فلما رأى أبا سفيان على عجز البغلة قال: أبو سفيان عدو اللّه، الحمد للّه الذي أمكنني منك بغير عقد و لا عهد. ثم اشتد نحو رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و ركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطي‏ء، فاقتحمت عن الغلة فدخلت على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و دخل عمر فقال: يا رسول اللّه، هذا أبو سفيان عدو اللّه قد أمكن اللّه تعالى منه بغير عقد و لا عهد، فدعني أضرب عنقه. فقلت: يا رسول اللّه، إني قد أجرته. ثم جلست إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فأخذت برأسه.

قال: قال النبي (صلى الله عليه و سلم) للعباس بعد تنازع و تراجع في الكلام ببينه و بين عمر:

اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به. قال فذهبت به إلى رحلي، فبات عندي، فلما أصبحت غدوت به إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا اللّه؟ قال: بأبي أنت و أمي، ما أحلمك و ما أكرمك و أوصلك، و اللّه لقد ظننت أن لو كان مع اللّه غيره لقد أغنى عني شيئا. قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول اللّه؟

قال: بأبي أنت و أمي، ما أحلمك و ما أكرمك و أوصلك، أمّا هذه و اللّه كأن في‏

463

النفس حتى الآن منها شي‏ء. قال العباس: قلت ويحك يا أبا سفيان أسلم و اشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه قبل أن يضرب عنقك. فشهد شهادة الحق و أسلم. و في رواية عروة لما دخل أبو سفيان مع العباس على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) صبيحة أسلم.

قال أبو سفيان: يا محمد إني قد استنصرت إلهي و استنصرت إلهك. فو اللّه ما لقيتك من مرة إلا ظهرت علي، فلو كان إلهي محفا و إلهك مبطلا لظهرت عليك.

فشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه. فقال العباس: يا رسول اللّه إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا. قال: نعم. من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، و من أغلق بابه فهو آمن، و من دخل المسجد فهو آمن. فلما ذهب لينصرف قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود اللّه فيراها. قال: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و مرّت به القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال: من هؤلاء يا عباس؟ فأقول: سليم. فيقول: ما لي و لسليم، ثم تمر القبيلة قال: من هؤلاء؟

فأقول: مزينة، فيقول: ما لي و لمزينة. حتى نفدت القبائل، لا تمر قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته فيقول: ما لي و لبني فلان، حتى مر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في الخضراء كتيبة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فيها المهاجرون و الأنصار لا يرى منهم إلا الحدق. قال:

سبحان اللّه من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في المهاجرين و الأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء من قبل، و اللّه يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. قلت: ويحك يا أبا سفيان إنها النبوة. قال: فنعم إذا. قلت: الحق بقومك فحذرهم.

و في الاكتفاء: التجى‏ء إلى قومك. فخرج سريعا حتى إذا جاءهم فصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به. قالوا:

فمسه؟ قال: فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمس، قبح من طليعة قوم.

قال: ويحكم لا تغرن هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك اللّه، و ما تغني دارك عنا شيئا.

قال: فمن أغلق عليه بابه فهو آمن، و من دخل المسجد فهو آمن، و من ألقى‏

464

السلاح فهو آمن. و في رواية نادى أبو سفيان: أسلموا تسلموا فتفرق الناس إلى دورهم و إلى المسجد.

و روي أن حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء قدما على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بمرّ الظهران فأسلما فبايعاه، فبعثهما رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الإسلام. و لما خرج أبو سفيان و حكيم من عند النبي (صلى الله عليه و سلم) راجعين إلى مكة بعث في إثرهما الزبير بن العوام و أعطاه الراية و أمّره على خيل المهاجرين و الأنصار، و أمره أن يسير من طريق كداء، و أن يركز رايته على الحجون، و قال له: لا تبرح من حيث أمرتك أن تركز رايتي حتى آتيك. و في الاكتفاء: و أمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين فرق جيشه من ذي طوى الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كداء، و كان على المجنبة اليسرى، و أمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كدي. فذكروا أن سعدا حين وجه داخلا قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة. فسمعها رجل من المهاجرين قيل هو عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال: يا رسول اللّه أتسمع ما قال سعد؟ ما نأمن أن يكون له في قريش صولة و صدمة. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لعلي بن أبي طالب: أدركه فخذ الراية، فكن أنت الذي تدخل بها. و يقال أخذت الراية من سعد و دفعت إلى ابنه قيس بن سعد، و يقال أمر الزبير بأخذ الراية و جعله مكان سعد على الأنصار مع المهاجرين. و في المواهب اللدنية هذه الثلاثة الأقوال فيمن دفعت إليه الراية التي نزعت من سعد، و الذي يظهر من الجميع أن عليا أرسل لينزعها من سعد و يدخل بها، ثم خشي من تغير خاطر سعد فأمر بدفعها إلى ابنه قيس، ثم إن سعدا خشي أن يقع من ابنه شي‏ء ينكره النبي (صلى الله عليه و سلم) فسأل النبي (صلى الله عليه و سلم) أن يأخذها من قيس فحينئذ أخذها الزبير و جعل أبا عبيدة ابن الجراح على الحسر و البيادق كذا في المواهب اللدنية و المنتقى.

فسار الزبير بالناس حتى وقف بالحجون و غرز هناك راية رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

و أمر خالد بن الوليد و كان على المجنبة اليمنى أن يدخل فيمن أسلم من قضاعة و بني سليم و غفار و جهينة و مزينة و سائر القبائل. فدخل من الليط أسفل مكة، و بها بنو بكر و بنو الحارث بن عبد مناف و الأحابيش الذين استنفرتهم و استنصرتهم قريش و أمرتهم أن يكونوا بأسفل مكة. و أمر النبي (صلى الله عليه و سلم) خالدا أن يركز رايته عند منتهى البيوت و أدناها، و كان ذلك أول إمارة خالد، و قال النبي‏

465

(صلى الله عليه و سلم) لخالد و الزبير حين بعثهما: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم. و لما انتهى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حمراء و إنه ليضع رأسه تواضعا للّه و شكرا له حين رأى ما أكرمه اللّه به من الفتح حتى أن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل.

العثنون- بالعين المهملة و الثاء المثلثة و النونين بينهما واو- اللحية أو ما فضل منها بعد العارضين، أو نبت على الذقن و تحته سفلا، أو هو طولها و شعيرات طوال تحت حنك الإبل كذا في القاموس.

و لما وقف (صلى الله عليه و سلم) هناك قال أبو قحافة و قد كف بصره لابنة له من أصغر ولده، و هو على أبي قبيس مشرفا عليه: أي بنية، ماذا ترين؟ قالت: أرى سودا مجتمعا.

قال: تلك الخيل. قالت: و أرى رجلا يسعى بين يدي ذلك السواد مقبلا و مدبرا. قال: أي بنية، ذاك الوازع- يعني الذي يأمر الخيل و يتقدم إليها. ثم قالت: قد و اللّه انتشر السواد. فقال: قد و اللّه إذا دفعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي. فانحطت به، و تلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته، و في عنق الجارية طوق من ورق فتلقاها رجل فقطعه من عنقها. قال: فلما دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أتاه أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رأى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه. فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه. قال: فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له: أسلم. فأسلم.

و رآه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و كأن رأسه ثغامة، فقال: غيّروا هذا من شعره و سيجي‏ء.

ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال: أنشد اللّه و الإسلام طوق أختي، فلم يجبه أحد. فقال: أي أخية احتسبي طوقك فو اللّه إن الأمانة اليوم في الناس قليل.

و لم يكن بأعلى مكة من قبل الزبير قتال، و أما خالد بن الوليد فدخل من الليط أسفل مكة، فلقيه قريش و بنو بكر، و الأحابيش فقاتلوه، فقتل منهم قريبا من عشرين رجلا، و من هذيل ثلاثة أو أربعة و انهزموا، و قتلوا بالحزورة حتى بلغ قتلهم باب المسجد، و قرب قضيضهم حتى دخلوا الدور، و ارتفعت طائفة منهم على الجبال، و اتبعهم المسلمون بالسيوف، و هربت طائفة منهم إلى البحر و إلى صوب اليمن، و أقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من أواخر المهاجرين حتى نزل بأعلى مكة و ضربت له هناك قبة.

466

و روى مسلم من حديث جابر: دخل النبي (صلى الله عليه و سلم) يوم فتح مكة و عليه عمامة سوداء من غير إحرام. و روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن طاووس: لم يدخل النبي (صلى الله عليه و سلم) مكة إلا محرما، إلا يوم فتح مكة. و قد اختلف العلماء هل يجب على من دخل مكة الإحرام أم لا، فالمشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقا.

و في قول يجب مطلقا، و فيمن يتكرر دخوله خلاف مرتب، فأولى بعدم الوجوب و المشهور عن الأئمة الثلاثة الوجوب كذا في المواهب اللدنية.

و لما علا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ثنية كداء نظر إلى البارقة على الجبل مع فضض المشركين فقال: ما هذا؟ و قد نهيت عن القتال. فقال المهاجرون: نظن أن خالدا قوتل و بدئ بالقتال، فلم يكن بد أن يقاتل من قاتله، و ما كان يا رسول اللّه ليعصيك و لا ليخالف أمرك. فهبط رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من الثنية فأجاز على الحجون و اندفع الزبير بن العوام حتى وقف بباب الكعبة.

و في الاكتفاء: و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد في نفر قد سماهم أمر بقتلهم، و إن وجدوا تحت أستار الكعبة، و سيجي‏ء ذكرهم. و كان صفوان بن أمية و عكرمة بن أبي جهل و سهيل بن عمرو قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا، فيهم حماس أبي قيس بن خالد أخو بني بكر، و قد كان أعد سلاحا و أصلح منها، فقالت له امرأته: لم تعدّ سلاحك هذا؟ قال: لمحمد و أصحابه.

قالت: و اللّه ما أراه يقوم لمحمد شي‏ء. قال: و اللّه إني لأرجو أن أخدمك بعضهم. ثم قال:

إن يقتلوا اليوم فمالي علة* * * هذا سلاح كامل و آلة

و ذو غرارين سريع السلة

ثم شهد الخندمة فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر الفهري و خنيس بن خالد بن الأشقر- كانا في خيل خالد- فشذا عنه و سلكا طريقا غير طريقه، فقتلا جميعا، و أصيب سلمة بن الميلاء الجهني من خيل خالد، و أصيب من المشركين ناس ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته و قال لامرأته: أغلقي علي بابي. قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال:

إنك لو شهدت يوم الخندمة* * * إذ فر صفوان و فر عكرمة

467

و استقبلتهم بالسيوف المسلمة* * * يقطعن كل ساعد و جمجمة

ضربا فلا تسمع إلا غمغمة* * * لهم نهيت خلفنا و همهمة

لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه‏

و قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لخالد بن الوليد بعد أن اطمأن: لم قاتلت و قد نهيتك عن القتال؟ قال: هم بدأونا و وضعوا فينا السلاح و أشعرونا النبل، و قد كففت يدي ما استطعت. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): قضاء اللّه خير. و فرّ يومئذ صفوان بن أمية عامدا للبحر و عكرمة بن أبي جهل عامدا لليمن. و ستجي‏ء قصتهما.

و في المنتقى: و كل الجنود لم يلقوا جنودا غير خالد، فإنه لقي صفوان بن أمية و سهيل بن عمرو و عكرمة بن أبي جهل في جمع من قريش، فمنعوه من الدخول و شهروا السلاح و رموا بالنبل، فصاح خالد في أصحابه فقاتلهم، فقتل أربعة و عشرون من قريش و أربعة من هذيل. فلما ظهر النبي (صلى الله عليه و سلم) قال لخالد: ألم أنه عن القتال؟ فقيل: قوتل فقاتل كما مر.

و في شفاء الغرام عن عطاء ابن السائب قال: حدثني طاووس و عامر قالا:

دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قدم خالد بن الوليد فأنالهم شيئا من قتل، فجاء رجل من قريش فقال: يا رسول اللّه، هذا خالد بن الوليد قد أسرع في القتل. فقال النبي (صلى الله عليه و سلم) لرجل من الأنصار عنده: يا فلان، قال: لبيك يا رسول اللّه، قال: ائت خالد بن الوليد قل له: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يأمرك أن لا تقتل بمكة أحدا. فجاء الأنصاري فقال: يا خالد إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يأمرك أن تقتل من لقيت، فاندفع خالد فقتل سبعين رجلا من مكة. فجاء إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) رجل من قريش فقال: يا رسول اللّه، هلكت قريش، لا قريش بعد اليوم. قال: و لم؟ قال: هذا خالد لا يلقى أحدا من الناس إلا قتله. فقال النبي (صلى الله عليه و سلم): ادع لي خالدا، فلما أتى إليه خالد قال: يا خالد، ألم أرسل إليك أن لا تقتل أحدا. قال: بل أرسلت إلي أن اقتل من قدرت عليه. قال: ادع لي الأنصاري، فدعاه له. فقال: ألم آمرك أن تأمر خالدا أن لا يقتل أحدا. قال: بلى، و لكنك أردت أمرا و أراد اللّه غيره، فكان ما أراد اللّه. فسكت (صلى الله عليه و سلم) و لم يقل للأنصاري شيئا و قال: يا خالد، قال: لبيك يا رسول اللّه، قال: لا تقتل أحدا، قال: لا.

و في المواهب اللدنية و المنتقى: روى أحمد و مسلم و النسائي عن أبي هريرة قال: أقبل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قد بعث على إحدى المجنبتين خالد بن الوليد، و بعث‏

468

الزبير على الأخرى، و بعث أبا عبيدة على الحسر- بضم المهملة و تشديد السين المهملة- أي الذين بغير سلاح. فقال لي: يا أبا هريرة اهتف لي بالأنصار، فهتف بهم فجاءوا فأطافوا، فقال لهم: أترون إلى أوباش قريش و أتباعهم، ثم قال بإحدى يديه على الأخرى: احصدوهم حصدا حتى توافوني بالصفا. قال أبو هريرة: فانطلقنا، فما نشاء أن نقتل أحدا منهم إلا قتلناه، فجاء أبو سفيان فقال:

يا رسول اللّه أبحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. فقال (صلى الله عليه و سلم): من أغلق بابه فهو آمن.

و في الاكتفاء: قالت أم هانئ بنت أبي طالب، و كانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي: لما نزل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بأعلى مكة فرّ إلي رجلان من أحمائي من بني مخزوم، فدخل علي أخي علي بن أبي طالب فقال: و اللّه لأقتلنهما.

فأغلقت عليهما بيتي، ثم جئت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو بأعلى مكة فوجدته يغتسل من جفنة كان فيها أثر العجين، و فاطمة ابنته تستره بثوبه. فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثمان ركعات من الضحى، ثم انصرف إلي فقال: مرحبا و أهلا بأم هانئ. ما جاء بك؟ فأخبرته خبر الرجلين و خبر علي فقال: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، و أمّنا من أمّنت فلا يقتلنهما.

قال ابن هشام: هما الحارث بن هشام و زهير بن أمية بن المغيرة. و في رواية للبخاري: أنه (صلى الله عليه و سلم) يوم فتح مكة اغتسل في بيت أم هانئ، ثم صلى الضحى ثمان ركعات، فقالت: لم أره صلى صلاة أخف منها، غير أنه يتم الركوع و السجود، و ذكره في المواهب اللدنية.

و في رواية دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مكة حين ارتفعت الشمس على ناقته القصوى بين أبي بكر و أسيد بن حضير، و قد أردف أسامة بن زيد، و قد طأطأ رأسه تواضعا للّه و هو يقرأ سورة الفتح.

و في الاكتفاء: و لما نزل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و اطمأن خرج حتى أتى البيت، فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده. فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة و أخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له، فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة فقال: لا إله إلا اللّه، صدق اللّه وعده، و نصر عبده و هزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت و سقاية الحج. يا معشر

469

قريش، إن اللّه قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية و تعظّمها بالآباء، الناس لآدم و آدم خلق من تراب. ثم تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏، الآية ثم قال: يا معشر قريش أو يا أهل مكة ماذا ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا:

خيرا، أخ كريم و ابن أخ كريم. فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. فأعتقهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). و قد كان اللّه أمكنه من رقابهم عنوة فلذلك يسمى أهل مكة الطلقاء، أي الذين أطلقوا فلم يسترقوا و لم يؤسروا، و الطليق هو الأسير إذا أطلق.

قال: ثم جلس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب و مفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول اللّه، اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى اللّه عليك. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أين عثمان ابن طلحة؟ فدعي له، فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم برّ و وفاء، و قال لعلي فيما حكى ابن هشام: إنما أعطيكم ما تزرأون لا ما ترزأون.

و في البحر العميق: دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مكة يوم الفتح فقبض السقاية من العباس بن عبد المطلب، و الحجابة من عثمان بن طلحة، فقام العباس بن عبد المطلب فبسط يده و قال: يا رسول اللّه: بأبي أنت و أمي، اجمع لي الحجابة مع السقاية. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أعطيكم ما تزرأون فيه لا ما ترزأون منه. قال أبو علي: معناه أنا أعطيكم ما تمونون على السقاية التي تحتاج إلى مؤن، أي فأنتم ترزأون- بضم التاء و سكون الراء المهملة قبل الزاي المعجمة المفتوحة من الرزء بالضم و هو النقص- أي: يرزؤكم الناس أي: ينقصونكم بالأخذ لتموينكم إياهم بتموين السقاية المعدة لهم، و أما السدانة فيرزأونها الناس بالبعث إليها أي بعث كسوة البيت أي لا يليق أن ترزؤا، بفتح التاء و سكون الراء المهملة قبل المعجمة، أي: تنقصوا الناس بأخذ أموالهم و التعرض لذلك لشرفكم. و قيل: معنى ترزأون فيه بضم المثناة أي: تصيبون فيه الخير بصرف أموالكم في مؤنات زمزم. و معنى:

ما تزرأون منه بفتح المثناة أي: تستجلبون به الأموال أي تأخذون منه أموال الناس كالحجابة. فقام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بين عضادتي باب الكعبة فقال: ألا إن كل دم أو مأثرة كانت في الجاهلية فهي تحت قدمي هاتين، إلا السقاية و سدانة الكعبة، فإني قد أمضيتهما لأهلهما على ما كانت في الجاهلية. فقبضها العباس و كانت في يده حتى توفي، فوليها بعده عبد اللّه بن عباس فكان يفعل كفعله دون بني عبد المطلب.

470

و كان محمد بن الحنفية قد كلم فيها ابن عباس فقال له ابن عباس: ما لك و لها، نحن أولى بها في الجاهلية و الإسلام. و قد كان أبوك تكلم فيها فأقمت البينة طلحة بن عبيد اللّه، و عامر بن ربيعة، و أزهر بن عبد عوف، و مخرمة بن نوفل أن العباس بن عبد المطلب كان يليها في الجاهلية بعد عبد المطلب، وجدك أبو طالب في إبله في باديته بعرفة، و أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أعطاها العباس يوم الفتح دون بني عبد المطلب، فعرف ذلك من حضر، و كانت بيد عبد اللّه بن عباس بتولية رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) دون غيره لا ينازعه فيها منازع و لا يتكلم فيها متكلم، حتى توفي فكانت في يد علي بن عبد اللّه بن عباس يفعل فيها كفعل أبيه و جده، و يأتيه الزبيب من ماله بالطائف و ينبذه، حتى توفي فكانت في يد ولده حتى الآن. قال الأزرقي: كان لزمزم حوضان حوض بينها و بين الركن يشرب منه، و حوض من ورائها للوضوء له سرب يذهب فيه الماء.

و ذكر ابن عقبة أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما قضى طوافه نزل، فأخرجت الراحلة فركع ركعتين ثم انصرف إلى زمزم، فاطلع فيها و قال: لولا أن تغلب بنو عبد المطلب على سقايتهم لنزعت منها بيدي. ثم انصرف إلى ناحية المسجد قربيا من مقام إبراهيم، و كان المقام لاصقا بالكعبة فأخره رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و دعا (صلى الله عليه و سلم) بسجل من ماء فشرب و توضأ، و المسلمون يبتدرون وضوءه و يصبونه على وجوههم و المشركون ينظرون إليهم و يتعجبون و يقولون: ما رأينا ملكا قط بلغ هذا و لا سمعنا به.

و ذكر ابن هشام أيضا أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة و غيرهم، فرأى إبراهيم مصورا في يده الأزلام يسقسم بها فقال:

قاتلهم اللّه جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام؟ ما شأن إبراهيم و الأزلام؟ ما كان إبراهيم يهوديا و لا نصرانيا و لكن كان حنيفا مسلما و ما كان من المشركين. ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست.

و عن ابن عباس أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت و فيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت و أخرجوا صورة إبراهيم و إسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال: قاتلهم اللّه، لقد علموا أنهما ما استقسما بها قط. ثم دخل البيت فكبر في نواحي البيت و لم يصل، و في رواية صلى فيه.

471

و في الاكتفاء عن ابن عباس قال: دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مكة يوم الفتح على راحلته فطاف عليها و حول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي (صلى الله عليه و سلم) يشير بقضيب في يده إلى الأصنام و هو يقول: جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع ذلك الصنم لقفاه، و لا أشار لقفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع.

و في رواية: يشير إلى الصنم بقوس في يده و هو آخذ بسيتها و هو يقول: جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. و قل: جاء الحق و ما يبدئ الباطل و ما يعيد. فيقع الصنم لوجهه، و كان أعظمها هبل، و هو و جاه الكعبة حذاء مقام إبراهيم لاصقا بها. و قال تميم بن أسد الخزاعي:

و في الأصنام معتبر و علم‏* * * لمن يرجو الثواب أو العقابا

و في المواهب اللدنية: و كان حول البيت ثلثمائة و ستون صنما. فكلما مر (صلى الله عليه و سلم) بصنم أشار إليه الخ، رواه البيهقي. و في رواية أبي نعيم قد أوثقها الشياطين بالرصاص و النحاس.

و في تفسير العلامة ابن النقيب المقدسي: أن اللّه تعالى أعلمه أنه قد أنجزه وعده بالنصر على أعدائه و فتح له مكة، و أعلى كلمته و دينه، و أمره إذا دخل مكة أن يقول: جاء الحق و زهق الباطل. فصار (صلى الله عليه و سلم) يطعن الأصنام التي حول الكعبة بمحجنه و يقول: جاء الحق و زهق الباطل، فيخر الصنم ساقطا، مع أنها كلها كانت مثبتة بالحديد و الرصاص. و كانت ثلثمائة و ستين صنما بعدد أيام السنة.

قال ابن عباس: و لما نزلت الآية يوم الفتح قال جبريل (عليه السلام) لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): خذ مخصرتك ثم ألقها، فجعل يأتي صنما صنما و يطعن في عينه أو بطنه بمخصرته و يقول: جاء الحق و زهق الباطل. فينكب الصنم لوجهه، حتى ألقاها جميعا، و بقي صنم خزاعة فوق الكعبة، و كان من قوارير أو صفر و قال: يا علي ارم به. فحمله (عليه السلام) حتى صعد، و رمى به و كسره، فجعل أهل مكة يتعجبون. انتهى كلام المواهب اللدنية.

و في الرياض النضرة: روي عن علي أنه قال: حين أتينا الكعبة قال لي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): اجلس. فجلست إلى جنب الكعبة فصعد على منكبي، فذهبت لأنهض به فرأى ضعفا مني تحته. قال لي: اجلس. فجلست، فنزل عني و جلس لي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قال لي: اصعد على منكبي، فصعدت على منكبيه، فنهض بي و إنه‏

472

يخيل إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء حتى صعدت البيت. و في شواهد النبوة:

سأل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عليا حين صعد منكبه: كيف تراك؟ قال علي: أراني كأن الحجب قد ارتفعت، و يخيل إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء. فقال رسول اللّه: طوبى لك تعمل للحق و طوبى له أحمل للحق، أو كما قال انتهى. قال:

فصعدت البيت و كان عليه تمثال صفر أو نحاس، و هو أكبر أصنامهم، و تنحى رسول اللّه فقال لي: ألق صنمهم الأكبر، و كان موتدا على البيت بأوتاد حديد إلى الأرض. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): ايه ايه عالجه، جاء الحق و زهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. فجعلت أزاوله أو قال أعالجه عن يمينه و عن شماله و من بين يديه و من خلفه، حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول اللّه: اقذف به. فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير، ثم نزلت. و زاد الحاكم: فما صعدت حتى الساعة. و يروى أنه كان من قوارير رواه الطبراني و قال: خرجه أحمد و رواه الزرندي و الصالحاني.

و في رواية: فجاء النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى مقام إبراهيم فصلى ركعتين، ثم جلس ناحية، فبعث عليا إلى عثمان بن طلحة الحجبي في طلب مفتاح الكعبة، فأبى دفعه إليه، و قال: لو علمت أنه رسول اللّه لم أمنعه منه. فلوى علي يده و أخذ المفتاح منهم قهرا و فتح الباب.

و في شفاء الغرام: كلام الواحدي أن عثمان لم يكن حين أخذ ذلك منه مسلما، يخالف ما ذكره العلماء من أنه كان مسلما. قال ابن ظفر في ينبوع الحياة: قوله لو أعلم أنه رسول اللّه لم أمنعه هذا وهم لأنه كان ممن أسلم فلو قال هذا لكان مرتدا.

و عن الكلبي: لما طلب عليه الصلاة و السلام المفتاح من عثمان بن طلحة مد يده إليه، فقال العباس: يا رسول اللّه اجعلها مع السقاية، فقبض عثمان يده بالمفتاح. فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إن كنت يا عثمان تؤمن باللّه و اليوم الآخر فهاته، فقال عثمان: فهاكه بالأمانة. فأعطاه إياه و نزلت الآية. قال ابن ظفر:

و هذا أولى بالقبول. و عن عبد اللّه بن عمر: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أقبل يوم الفتح من أعلا مكة على راحلته مردفا أسامة بن زيد، و معه بلال و عثمان بن طلحة من الحجبة، حتى أناخ بالمسجد. فأمره أن يأتي بمفتاح البيت، ففتح و دخل معه أسامة بن زيد و عثمان بن طلحة.

473

و في شفاء الغرام: أن النبي (صلى الله عليه و سلم) دخل الكعبة بعد هجرته أربع مرات يوم الفتح، و يوم ثاني الفتح، و في حجة الوداع، و في عمرة القضاء. و في كل هذه الدخلات خلاف، إلا الدخول الذي يوم فتح مكة.

و في شفاء الغرام: طاف النبي (صلى الله عليه و سلم) بالبيت يوم الفتح يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان. و في الاكتفاء: و أراد فضالة بن عمير بن الملوح الليثي قتل النبي (صلى الله عليه و سلم) و هو بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أفضالة؟ قال: نعم يا رسول اللّه. قال: ماذا كنت تحدث نفسك؟ قال: لا شي‏ء، كنت أذكر اللّه. فضحك النبي (صلى الله عليه و سلم)، ثم قال: استغفر اللّه. ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه. فكان يقول: و اللّه ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق اللّه شيئا أحب إلي منه. قال فضالة: فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها:

قالت هلم إلى الحديث فقلت لا* * * يأبى عليك اللّه و الإسلام‏

لو ما رأيت محمدا و قبيله‏* * * بالفتح يوم تكسر الأصنام‏

لرأيت دين اللّه أضحى بيننا* * * و الشرك يغشى وجهه الإظلام‏

و أمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما دخل الكعبة عام الفتح بلالا أن يؤذن، و كان دخل معه، و أبو سفيان بن حرب و عتّاب بن أسيد و الحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة. فقال عتاب: لقد أكرم اللّه أسيدا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه. فقال الحارث: أما و اللّه لو أعلم أنه محق لاتبعته. و قال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو تكلمت لأخبرته عني هذه الحصاة. فخرج عليهم النبي (صلى الله عليه و سلم) فقال:

لقد علمت الذي قلتم، ثم ذكر ذلك لهم. فقال الحارث و عتاب: نشهد أنك رسول اللّه، و اللّه ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك.

و في المواهب اللدنية عن ابن عمر قال: أقبل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عام الفتح على ناقته القصوى، و هو مردف أسامة بن زيد حتى أناخ بفناء الكعبة، ثم دعا عثمان بن طلجة فقال له: ائتني بالمفتاح. فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه. فقال: و اللّه لتعطينه أو ليخرجن هذا السيف من صلبي. فأعطته إياه، فجاء به إلى النبي (صلى الله عليه و سلم)، ففتح به الباب، رواه مسلم.

و روى الفاكهاني من طريق ضعيف عن ابن عمر أيضا قال: كان بنو طلحة يزعمون أنه لا يستطيع فتح الكعبة أحد غيرهم، فأخذ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المفتاح‏

474

ففتحها. و عثمان المذكور هو عثمان بن طلحة، و عثمان هذا لا ولد له، و له صحبة و رواية، و اسم أم عثمان سلافة بضم السين المهملة و تخفيف الفاء.

و في الطبقات لابن سعد عن عثمان بن طلحة قال: كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين و الخميس، فأقبل النبي (صلى الله عليه و سلم) يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس، فأغلظت له و نلت منه. فحلم عني ثم قال: يا عثمان، لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت. فقلت: لقد هلكت قريش يومئذ و ذلت.

فقال: بل عمرت و عزت يومئذ. و دخل الكعبة فوقعت كلمته مني موقعا ظننت يومئذ الأمر سيصير إلى ما قال. فلما كان يوم الفتح قال: ائتني بالمفتاح يا عثمان، فأتيته به فأخذه مني ثم دفعه إلي. و قال: خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم. يا عثمان، إن اللّه استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف. كذا في شفاء الغرام.

قال: فلما وليت ناداني، فرجعت إليه فقال: ألم يكن الذي قلت لك؟ قال:

فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة: لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت. قلت: بلى أشهد أنك رسول اللّه.

و في التفسير أن هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي. أمره (عليه السلام) أن يأتي بمفتاح الكعبة فأبى عليه و أغلق عليه الباب و صعد البيت و قال: لو علمت أنه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لم أمنعه منه. فلوى على يده و أخذ منه المفتاح و فتح الباب. فدخل (صلى الله عليه و سلم)، و لما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح و قال: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، اجمع لي السدانة مع السقاية. و كان النبي (صلى الله عليه و سلم) يريد أن يدفعها إلى العباس، فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها أي سادنها، و هو عثمان بن طلحة. كذا في معالم التنزيل. فأمر النبي (صلى الله عليه و سلم) عليا أن يرده إلى عثمان و يعتذر إليه، و قال قل له:

خذوها يا بني طلحة بأمانة اللّه، فاعملوا فيها بالمعروف خالدة تالدة، لا ينزعها منكم أو من أيديكم أو لا يأخذها منكم إلا ظالم. فردها علي. فلما ردها قال:

أكرهت و آذيت ثم جئت ترفق، قال علي: لأن اللّه أمرنا برده عليك. كذا في معالم التنزيل.

و في المواهب اللدنية: قال علي: لقد أنزل اللّه في شأنك و قرأ عليه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها فأتى النبي (صلى الله عليه و سلم) فأسلم. كذا في العمدة.

475

و في المنتقى: أن إسلام عثمان بن طلحة كان قبل ذلك بالمدينة مع إسلام خالد بن الوليد و عمرو بن العاص كما مر، و في روضة الأحباب: في هذا الكلام مخالفة بين أهل التفسير و أهل السير لأنه إن كان المراد بعثمان سبط عبد الدار بلا واسطة فأبوه أبو طلحة لا طلحة، و هو باتفاق أهل السير كان صاحب لواء المشركين يوم أحد، فقتل في ذلك اليوم، كما ذكر في غزوة أحد. و إن كان المراد به عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد الدار الذي هو ابن أخي عثمان بن طلحة بن عبد الدار فهو أسلم قبل فتح مكة. و في المواهب اللدنية: فجاء جبريل (عليه السلام) فقال: ما دام هذا البيت أو لبنة من لبناته قائمة فإن المفتاح و السدانة في أولاد عثمان. و كان المفتاح معه، فلما مات دفعه إلى أخيه، فالمفتاح و السدانة في أولادهم إلى يوم القيامة.

و في رواية مسلم: دخل (صلى الله عليه و سلم) يعني يوم الفتح هو و أسامة بن زيد و بلال و عثمان بن طلحة الحجبي، فأغلقوا عليهم الباب. قال ابن عمر: فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلال فسألته هل صلى فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)؟ قال: نعم بين العمودين اليمانيين، و ذهب عني أن أسأله كم صلى. و في رواية: جعل العمودين عن يساره و عمودا عن يمينه و ثلاثة أعمدة وراءه، و كان البيت يومئذ على ستة أعمدة. و قد بين موسى بن عقبة في روايته عن نافع أن بين موقفه (صلى الله عليه و سلم) و بين الجدار الذي استقبله قريبا من ثلاثة أذرع، و جزم برفع الزيادة مالك عن نافع فقال أخرجه الدار قطني في الغرائب، و لفظه: و صلى و بينه القبة ثلاثة أذرع. و في رواية ابن عباس قال: اخبرني أسامة أنه (عليه السلام) لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها، و لم يصل فيه حتى خرج، فلما خرج ركع في قبل البيت ركعتين فقال: هذه القبلة. رواه مسلم.

و أفاد الأزرقي في تاريخ مكة أن خالد بن الوليد كان على باب الكعبة يذب عنه (صلى الله عليه و سلم) الناس.

و في شفاء الغرام: فخرج عثمان بن طلحة إلى هجرته مع النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى المدينة، و أقام ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة مقامه، و دفع المفتاح إليه، فلم يزل يحجب هو و ولده و ولد أخيه وهب بن عثمان حتى قدم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة و ولد مسافع بن طلحة بن أبي طلحة من المدينة، و كانوا بها دهرا طويلا. فلما قدموا حجبوا مع بني عمهم. و في الصفوة قال الواقدي: كان عثمان‏

476

بن طلحة بن أبي طلحة يلي فتح البيت إلى أن توفي، فدفع ذلك إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة و هو ابن عمه، فبقيت الحجابة في ولد شيبة، و بقي شيبة حتى أدرك يزيد بن معاوية و دفع السقاية إلى العباس، و أذن بلال الظهر فوق ظهر الكعبة و كسرت الأصنام.

و في الاكتفاء: و قام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين افتتح مكة على الصفا يدعو، و قد أحدقت به الأنصار فقالوا فيما بينهم: أترون رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إذ فتح اللّه عليه أرضه و بلده يقيم بها؟ فلما فرغ من دعائه قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شي‏ء يا رسول اللّه. فلم يزل بهم حتى أخبروه. فقال: معاذ اللّه، المحيا محياكم، و الممات مماتكم. ثم اجتمع الناس للبيعة فجلس لهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على الصفا يبايع الناس و عمر بن الخطاب أسفل منه يأخذ على الناس. فبايعوه على السمع و الطاعة فيما استطاعوا.

و في المدارك: روي أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء و هو على الصفا، و عمر جالس أسفل منه يبايعهن بأمره و يبلغهن عنه. فجاءت هند ابنة عتبة امرأة أبي سفيان و هي متنكرة خوفا من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن يعرفها لما صنعت بحمزة، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أبايعكن على أن لا تشركن باللّه شيئا. فبايع عمر النساء على أن لا يشركن باللّه شيئا. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): و لا يسرقن. فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، فإن أصبت من ماله هناة؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت فهو لك حلال. فضحك النبي (صلى الله عليه و سلم) و عرفها، و قال لها: و إنك لهند. فقالت: نعم، فاعف عما سلف يا نبي اللّه، عفا اللّه عنك. فقال: و لا يزنين. فقالت: أتزني الحرة؟ فقال: و لا يقتلن أولادهن. فقالت: ربيناهم صغارا و قتلتهم كبارا، فأنتم و هم أعلم. و كان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر. فضحك عمر حتى استلقى، فتبسم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال: و لا يأتين ببهتان. فقالت: و اللّه إن البهتان أمر قبيح، و ما تأمرنا إلا بالرشد و مكارم الأخلاق. فقال: و لا يعصينك في معروف. فقالت: و اللّه ما جلسنا مجلسنا هذا و في أنفسنا أن نعصيك.

فلما رجعت جعلت تكسر صنمها و تقول: كنا منك في غرور. و سنجي‏ء وفاة هند في الخاتمة في أوائل خلافة عمر، و في معالم التنزيل: قال ابن إسحاق و كان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف. و في شفاء الغرام عن‏

477

ابن عباس: من بني سليم سبعمائة و قيل ألف، و من غفار أربعمائة، و من أسلم أربعمائة، و من مزينة ألف و ثلاثة نفر، و سائرهم من قريش و الأنصار و حلفائهم و طوائف العرب من بني تميم و قيس و أسد.

و في الاكتفاء: و عدت خزاعة الغد من يوم الفتح على رجل من هذيل يقال له ابن الأبوع فقتلوه، و هو مشرك، برجل من أسلم يقال له أحمر باسا. و كان رجلا شجاعا قتله خراش بن أمية الخزاعي. و لما بلغ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ما صنع خراش بن أمية قال: إن خراشا لقتال. يعنفه بذلك. و قام (صلى الله عليه و سلم) في الناس خطيبا و قال: يا أيها الناس، إن اللّه قد حرم مكة يوم خلق السموات و الأرض، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن باللّه و اليوم الآخر أن يسفك فيها دما، و أن يعضد فيها شجرة. لم تحل لأحد كان قبلي و لا تحل لأحد يكون بعدي، و لم تحل لي إلا هذه الساعة غضبا على أهلها. ألا قد رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد قاتل فيها فقولوا له:

إن اللّه قد أحلها لرسوله، و لم يحلها لكم. يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد كثر القتل، لقد قتلتم قتيلا لأدينه فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين إن شاؤا فدم قاتله و إن شاؤا فعقله. ثم ودى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ذلك الرجل الذي قتلته خزاعة. و في المواهب اللدنية: فإن ترخص أحد فيها بقتال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقولوا إن اللّه أذن لرسوله و لم يأذن لكم، و إنما أحلت لي ساعة من نهار، و قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب.

و في معالم التنزيل: و كان فتح مكة لعشر ليال بقين من رمضان السنة الثامنة من الهجرة، و أقام بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة. كذا في البخاري، و في رواية تسع عشرة. و في رواية أبي داود سبع عشرة، و عند الترمذي ثمان عشرة ليلة يصلي ركعتين. و في الإكليل بضع عشرة يقصر الصلاة. قال ابن عباس: و نحن نقصر ما بيننا و بين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا. و في رواية أقام بمكة بقية الشهر و ستة أيام من شوال، ثم خرج إلى هوازن و ثقيف، و قد نزلوا حنينا.

و روي أن النبي (صلى الله عليه و سلم) عهد إلى أمرائه حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أحد عشر رجلا و ست نسوة، فإنه أمر بقتلهم أينما ثقفوا من الحلّ و الحرم، و إن وجدوا تحت أستار الكعبة. انتهى من تاريخ الخميس.

478

هذا و في غزوة الفتح الأعظم" غزوة فتح مكة" حصل للنبي (صلى الله عليه و سلم) كثير من المعجزات و الأمور الخارقة. و كنا نتمنى درس هذه الغزوة و التأمل فيها لعدها و حصرها و الكتابة عنها بالتفصيل التام، و لكن ليس لنا من الوقت و الفراغ ما نحقق هذه المسألة، فعسى اللّه أن يقيض من الفضلاء العلماء من يؤلف كتابا خاصا عن هذه الغزوة الفتحية المباركة.

ثم إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما أراد أن يسافر من مكة جعل عتّاب بن أسيد رضي اللّه تعالى عنه أميرا على مكة، و أوصاه بأهلها خيرا، و إليك ترجمة عتاب ابن أسيد أول أمير لمكة في الإسلام.

ترجمة عتّاب بن أسيد رضي اللّه عنه‏

عتاب بن أسيد بكسر السين رضي اللّه عنه، هو أول أمير لمكة بعد فتحها، ولاه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و جعل رزقه كل يوم درهما، فكان عتاب رضي اللّه عنه يقول: لا أشبع اللّه بطنا جاع على درهم كل يوم.

جاء في الإصابة عنه ما ملخصه: عتاب بالتشديد ابن أسيد بفتح أوله، أسلم يوم الفتح، و استعلمه النبي صلى اللّه عليه و على آله و صحبه و سلم على مكة يوم سار إلى حنين و استمر، و قيل إنما استعمله بعد أن رجع من الطائف، و حج بالناس سنة الفتح، و أقره أبو بكر على مكة، و روى الطيالسي و البخاري في تاريخه من طريق أيوب عن عبد اللّه بن يسار عن عمرة بن أبي عقرب: سمعت عتاب بن أسيد و هو مسند ظهره إلى بيت اللّه يقول: و اللّه ما أصبت في عملي هذا الذي ولاني رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلا ثوبين معقدين كسوتهما مولاي كيسان- و إسناده حسن- انتهى ملخصا.

ذكر من أهدر النبي (صلى الله عليه و سلم) دمهم يوم الفتح‏

جاء في تاريخ الخميس: روي أن النبي (صلى الله عليه و سلم) عهد إلى أمرائه حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم إلا أحد عشر رجلا و ست نسوة، فإنه أمر بقتلهم أينما ثقفوا من الحل و الحرم و إن وجدوا تحت أستار الكعبة. و إليك أسماءهم في هذا الجدول نقلا من التاريخ المذكور باختصار:

479

جدول أسماء الرجال الذين أهدر النبي (صلى الله عليه و سلم) دمهم يوم الفتح‏

عدد/ الأسماء/ نبذة عن أحوالهم 1/ عبد اللّه بن خطل/ كان قدم المدينة قبل فتح مكة و أسلم، و اسمه عبد العزى، فلما أسلم سماه النبي (صلى الله عليه و سلم) عبد اللّه، ثم ارتد، و كان له قينتان تغنيان بهجاء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فلما كان يوم فتح مكة استعاذ بالكعبة و تعلق بأستارها، فأمر عليه الصلاة و السلام بقتله فقتلوه و هو آخذ بثياب الكعبة يتعوذ بها.

2/ عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح/ كان أخا لعثمان بن عفان من الرضاعة، و أسلم قبل الفتح، و كان يكتب لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في سورة المؤمنين: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ‏- إلى قوله-: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ، فتعجب عبد اللّه من تفصيل خلق الإنسان فنطق بقوله: فتبارك اللّه أحسن الخالقين، قبل إملائه. فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): اكتب، هكذا نزلت، فقال عبد اللّه: إن كان محمد نبيا يوحى إليه فأنا نبي يوحى إلي، فارتد و هرب إلى مكة ثم إنه أسلم يوم فتح مكة.

3/ عكرمة بن أبي جهل/ لما كان يوم فتح مكة ركب عكرمة بن أبي جهل إلى البحر هاربا، فجعل الصراري و الملاحون و من في السفينة يدعون اللّه تعالى و يوحدونه، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا مكان لا ينفع فيه إلا اللّه، و في رواية: جاء ملاح إلى عكرمة و قال له: أخلص العمل، قال: ماذا أقول؟ قال: قل لا إله إلا اللّه، فإن هذا مكان لا ينفع فيه إلا اللّه، قال عكرمة: فهذا إله محمد الذي يدعونا إليه‏

480

عدد/ الأسماء/ نبذة عن أحوالهم// فارجعوا بنا، فرجع فأسلم.

و قيل كان سبب إسلامه امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، و كانت امرأة عاقلة أسلمت قبله ذهبت عنده فدعته إلى الإسلام فأسلم و ثبتا على نكاحهما الأول، روي أنه لما بلغا قريبا من مكة قال النبي (صلى الله عليه و سلم) لأصحابه: يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي و لا يلحق الميت، و لقد استعمله رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على هوازن عام حج، قتل عكرمة شهيدا يوم اليرموك بأجنادين في خلافة أبي بكر رضي اللّه عنهما.

4/ حويرث بن نقيد بن وهب بن عبد قصي/ كان كثير الأذى و الهجو لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و لما سمع يوم الفتح أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أهدر دمه أغلق بابه و استتر في بيته، فجاء علي بن أبي طالب إلى بابه يطلبه و يسأل عنه، فقيل له:

قد خرج إلى البادية، فعلم حويرث أن المسلمين يطلبونه، فمكث حتى ذهب علي عن بابه فخرج من بيته و أراد أن ينتقل إلى مكان آخر متنكرا، فصادفه علي رضي اللّه عنه فضرب عنقه.

5/ المقيس بن صبابة الكندي/ بكسر الميم و سكون القاف و فتح الياء، كان مقيس أسلم هو و أخوه هشام. فوجد أخاه هشاما قتيلا في بني النجار، فأتى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فذكر ذلك له، فأرسل النبي عليه الصلاة و السلام معه رجلا من بني فهر إلى بني النجار أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن صبابة ادفعوه إلى مقيس فيقتص‏

481

// منه، و إن لم تعلموا ادفعوا إليه ديته. فأبلغهم الفهري ذلك، فقالوا: سمعا و طاعة للّه و لرسوله، و اللّه ما نعلم له قاتلا، لكنا نعطى ديته. فأعطوه مائة من الإبل و انصرفا راجعين نحو المدينة. فأتى الشيطان مقيسا فوسوس إليه فقال: تقبل دية أخيك فتكون عليك مسبة؟

اقتل الذي معك فتكون نفس بنفس، و فضل الدية. فتغفل الفهري فرماه بصخرة فشدخه، ثم ركب بعيرا و ساق بقيتها راجعا إلى مكة كافرا. فنزلت هذه الآية: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها و هو الذي استثناه رسول اللّه يوم فتح مكة ممن أمنه فقتل و هو متعلق بأستار الكعبة. و في شفاء الغرام:

أما مقيس فقتل عند الردم، و هو ردم بني جمح الذي قيل إن النبي (صلى الله عليه و سلم) ولد فيه، و ليس الردم الذي هو بأعلا مكة، لأنه لم يكن إلا في خلافة عمر عمله صونا للمسجد من السيل حين ذهب بالمقام.

6/ هبار بن الأسود/ كان كثير الأذى لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فمن جملة أذيته أن أبا العاص بن الربيع حين خلص من الأسر يوم بدر رجع إلى مكة و أرسل زينب بنت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، كما شرط مع النبي (صلى الله عليه و سلم) يوم بدر. فعرض هبار مع جماعة لطريق زينب و منعها و ضرب زينب بالرمح، فسقطت من الإبل و كانت حاملا فألقت حملها و مرضت و ماتت بهذا المرض. فغضب عليه النبي (صلى الله عليه و سلم) غضبا شديدا و أهدر دمه، حتى بعث مرة سرية إلى نواحي مكة فقال‏

482

// لأهل السرية: إن ظفرتم بهبار فأحرقوه. ثم قال: إنما يعذب بالنار رب النار، إن ظفرتم بهبار فاقطعوا يده و رجله ثم اقتلوه. و في يوم الفتح، أي فتح مكة، اختفى و لم يدر مكانه.

و لما رجع رسول اللّه إلى المدينة جاء هبار رافعا صوته و قال: يا محمد، أنا جئت مقرا بالإسلام، و قد كنت قبل هذا مخذولا ضالا، و الآن قد هداني اللّه للإسلام، و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا عبده و رسوله و اعتذر إليه معترفا بذنبه مظهرا لخجالته. فقبل النبي (صلى الله عليه و سلم) إسلامه و قال: يا هبار، عفوت عنك، و الإسلام يجب ما كان قبله أو كما قال.

7/ صفوان بن أمية/ لما علم صفوان أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أهدر دمه يوم فتح مكة هرب مع عبد له اسمه يسار إلى جدة يريد أن يركب منها إلى اليمن. فقال عمير بن وهب الجمحي: يا نبي اللّه، إن صفوان بن أمية سيد قومي، و قد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر، فأمنه عليك. قال:

هو آمن. قال: يا رسول اللّه أعطني شيئا يعرف به أمانك. فأعطاه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عمامته التي دخل بها مكة. و في المشكاة:

فبعث إليه ابن عمه وهب بن عمير برداء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أمانا لصفوان انتهى. فخرج بها عمير حتى أدركه بجدة و هو يريد أن يركب البحر، فقال: يا صفوان، فداك أبي و أمي، اذكر اللّه في نفسك أن تهلكها، فهذا أمان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد جئتك عدة. فقال:

483

// ويلك اغرب عني، فلا يكلمه. فقال: أي صفوان، فداك أبي و أمي، أفضل الناس و أبر الناس و خير الناس ابن عمك، و عزه عزك، و شرفه شرفك، و ملكه ملكك. قال: فإني أخاف على نفسي. قال: هو أحلم من ذلك و أكرم. فرجع معه حتى وقف به على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال صفوان: هذا يزعم أنك أمنتني. قال: صدق. قال: فاجعلني في أمري بالخيار شهرين. قال: أنت فيه بالخيار أربعة أشهر. كذا في معالم التنزيل، فلما خرج النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى حنين و هوازن كان صفوان مع كفره رفيقه، و استعار منه النبي (صلى الله عليه و سلم) مائة درع، قال صفوان: أغصبا يا محمد؟ فقال النبي (صلى الله عليه و سلم):

بل عارية مضمونة. و سيجي‏ء. و حين قفل النبي (صلى الله عليه و سلم) من الطائف إلى الجعرانة مر مع صفوان على شعب مملوء من الإبل و الغنم و سائر أنعام الغنيمة، و كان صفوان يحد النظر إلى تلك الأموال و لم يرفع بصره منها، و كان النبي (صلى الله عليه و سلم) يلاحظه فقال: يا أبا وهب أتعجبك هذه؟ قال: نعم. قال: وهبتها لك كلها.

فقال صفوان: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي. فأسلم هناك.

8/ حارث بن طلاطلة/ هو من جملة الذين آذوا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فلما كان يوم الفتح قتله علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

9/ كعب بن زهير/ هو كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني الشاعر الشهير صاحب القصيدة المشهورة" بانت سعاد"، و كان يهجو النبي (صلى الله عليه و سلم)، فجاء

484

// و هو جالس في المسجد فدخل و أسلم و أنشأ قصيدته التي أولها:" بانت سعاد فقلبي اليوم متبول" فلما بلغ قوله:

إن الرسول لسيف يستضاء به‏* * * مهند من سيوف اللّه مسلول‏

أنبئت أن رسول اللّه أوعدني‏* * * و العفو عند رسول اللّه مأمول‏

قال النبي (صلى الله عليه و سلم): اسمعوا ما يقول، و قيل: فرح النبي (صلى الله عليه و سلم) و كساه بردا جائزة له.

10/ وحشي بن حرب/ هو قاتل حمزة عم النبي (صلى الله عليه و سلم)، كان المسلمون يحرصون على قتله لكن لم يقدر عليه ذلك، فلما كان يوم الفتح هرب إلى الطائف و أقام هناك إلى زمان قدوم وفد الطائف إلى النبي (صلى الله عليه و سلم)، فجاء معهم و دخل عليه و قال:" أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه" فقال النبي (صلى الله عليه و سلم): أنت وحشي؟ قال: نعم. قال:

أأنت قتلت حمزة؟ قال: قد كان من الأمر ما بلغك يا رسول اللّه، قال: اجلس و احك لي كيف قتلته. و لما قص عليه قصة قتله قال: أما تستطيع أن تغيّب وجهك عني، فكان وحشي بعد ذلك إذا رأى النبي (صلى الله عليه و سلم) يفر منه و يختفي.

11/ عبد اللّه بن الزبعرى/ كان من الشعراء و كان يهجو الصحابة رضي اللّه عنهم و يحرض المشركين على قتالهم، فلما سمع يوم الفتح أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أهدر دمه هرب إلى نجران و سكنها، و بعد مدة وقع الإسلام في قلبه فأتى النبي (صلى الله عليه و سلم)، فلما رآه من بعيد قال: هذا ابن الزبعرى، و لما دنا منه‏

485

// قال: السلام عليك يا رسول اللّه أشهد أن لا إله إلا اللّه و أشهد أنك رسول اللّه.

ذكر النساء الست اللاتي أهدر دمهن‏

12/ هند بنت عتبة/ هي امرأة أبي سفيان، و قد اشتهرت بإيذائها للنبي (صلى الله عليه و سلم)، و هي التي بقرت عن كبد حمزة رضي اللّه تعالى عنه في غزوة أحد. فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها، فلما كان يوم فتح مكة جاءت إلي النبي (صلى الله عليه و سلم) و هي مستنكرة متنقبة في النساء حين يبايع النساء على الصفا فأسلمت.

13 و 14/ مغنيتان لابن خطل/ تقدم في أول هذا الجدول أن عبد اللّه بن خطل أهدر النبي (صلى الله عليه و سلم) دمه مع من أهدر دمهم يوم فتح مكة، فقتل ابن خطل و هو متعلق بأستار الكعبة.

و كان لابن خطل قينتان" أي مغنيتان" تغنيان بهجاء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأمر عليه الصلاة و السلام بقتلهما مع ابن خطل.

(فالأولى) اسمها قريبة بالتصغير، و قيل اسمها سارة، و هذه قتلت مصلوبة. (و الثانية) اسمها فرتنا بفتح الفاء و سكون الراء، و هذه فرت حتى استؤمن لها من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فأمنها فآمنت.

15/ مولاة بني خطل/ قتلت يوم فتح مكة.

16/ مولاة بني عبد المطلب/ و قيل مولاة عمر بن صيفي بن هاشم. و هي التي حملت كتاب حاطب بن أبي بلتعة من المدينة ذاهبة إلى مكة إلى قريش. و كانت تؤذي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بمكة. تغيبت يوم الفتح حتى استؤمن لها، فعاشت حتى أوطأها

486

// رجل فرسا له في زمن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بالأبطح فقتلها، و نقل الحميدي أنها قتلت، و في فتح الباري في شرح صحيح البخاري أنها أسلمت. و اللّه تعالى أعلم.

17/ أم سعد أرنب/ قتلت.

نقول: إننا نقلنا كل ما تقدم في هذا الجدول من تاريخ الخميس باختصار.

منزل النبي (صلى الله عليه و سلم) بمكة عام الفتح بعد الهجرة

لقد كان لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بمكة دار ورثها من أبيه عبد اللّه بن عبد المطلب و فيها ولد، و ذلك كما في الأزرقي أن جده عبد المطلب كان قد قسم حقه بين أولاده و دفع إليهم ذلك في حياته حين ذهب بصره، فمن ثم صار للنبي (صلى الله عليه و سلم) حق أبيه عبد اللّه بن عبد المطلب، و هذه الدار واقعة بسوق الليل، و هي مولده (صلى الله عليه و سلم) و ما حوله، فلما هاجر إلى المدينة باعها عقيل بن أبي طالب تبعا لقريش حين باعوا دور المهاجرين، و قيل إن النبي (صلى الله عليه و سلم) وهبها له.

جاء في تاريخ الأزرقي: حدثنا أبو الوليد، قال حدثني جدي، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي قال: قيل للنبي (صلى الله عليه و سلم): أين تنزل بمكة؟

قال: و هل ترك لنا عقيل بمكة من ظل. و سيأتي معنى هذا الحديث هنا قريبا.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء أن النبي (صلى الله عليه و سلم) بعد ما سكن المدينة كان لا يدخل بيوت مكة.

قال: كان إذا طاف بالبيت انطلق إلى أعلا مكة فاضطرب به الأبنية، قال عطاء:

في حجته فعل ذلك أيضا، و نزل أعلا مكة قبل التعريف و ليلة النفر نزل أعلا الوادي.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، عن محمد بن إدريس، عن محمد بن عمر، عن معاوية بن عبد اللّه بن عبيد اللّه، عن أبيه عن أبي رافع قال: قيل للنبي (صلى الله عليه و سلم) يوم الفتح: ألا تنزل منزلك بالشعب؟ قال: و هل ترك لنا عقيل منزلا؟ قال:

و كان عقيل بن أبي طالب قد باع منزل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و منازل إخوته من الرجال و النساء بمكة حين هاجروا، و منزل كل من هاجر من بني هاشم. فقيل لرسول‏

487

اللّه (صلى الله عليه و سلم): فانزل في بعض بيوت مكة في غير منزلك، فأبى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قال:

لا أدخل البيوت. فلم يزل مضطربا بالحجون، لم يدخل بيتا، و كان يأتي المسجد من الحجون.

و به عن محمد بن إدريس، عن محمد بن عمر، عن أبي سبرة، عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مضطربا بالحجون في الفتح يأتي لكل صلاة.

ثم قال الأزرقي بعد بضعة أسطر:

حدثنا أبو الوليد قال حدثني جدي، عن الزنجي، عن أبي جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن عبد اللّه أبي بكر قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إذا قدمنا مكة إن شاء اللّه تعالى نزلنا بالخيف الذي تحالفوا علينا فيه. قال ابن جريج: قلت لعثمان: أي حلف؟ قال: الأحزاب.

و به عن الزنجي، عن ابن جريج، عن عطاء: أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لم ينزل بيوت مكة بعد أن سكن المدينة. قال: كان إذا طاف بالبيت انطلق إلى أعلا مكة فضرب به الأبنية. قال عطاء: و فعل ذلك في حجته أيضا، نزل بأعلا مكة قبل التعريف، و ليلة الصدر نزل بأعلا الوادي. انتهى من الأزرقي.

نقول: معنى قوله هنا: قبل التعريف ... الخ، أي: قبل طلوعه إلى عرفات للحج، و معنى قوله: و ليلة الصدر هو بفتح الصاد و الدال يطلق على طواف الإفاضة، و يكون بعد الوقوف بعرفة و نصف ليلة النحر، فالمراد بليلة الصدر ليلة النحر. و ذلك أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما قدم من المدينة في حجة الوداع وصل مكة صبح يوم الأحد رابع ذي الحجة بعد أن بات ليلته بذي طوى قرب مكة، فدخلها من الثنية العليا التي تشرف على الحجون، و نزل بظاهر مكة و أعلاها أي نزل جهة الحجون، فأقام بمكة محرما بقصر الصلاة أربعة أيام يوم الأحد و الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء. فلما كان يوم التروية و هو اليوم الثامن من ذي الحجة و كان يوم الخميس توجه ضحى (صلى الله عليه و سلم) بمن معه من المسلمين إلى منى محرما بذلك الإحرام، فنزل بها و صلى الظهر و العصر، و بات بها فلما أصبح يوم الجمعة و طلعت الشمس سار منها إلى عرفة، و قد ذكرنا مفصلا خبر حجة وداعه (صلى الله عليه و سلم).

488

موضع نزول النبي (صلى الله عليه و سلم) بمكة و منى و مزدلفة و عرفات‏

نعقد هذا المبحث لمعرفة أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعد هجرته و إقامته بالمدينة المنورة إذا قدم إلى مكة لا يسكن في بيوتها و دورها، و إنما تضرب قبته بالأبطح أو بالحجون بأعلا مكة فينزل بها.

روى الإمام الأزرقي (رحمه اللّه تعالى) و غفر لنا و له في تاريخه: عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء أن النبي (صلى الله عليه و سلم) بعد ما سكن المدينة كان لا يدخل بيوت مكة، قال: كان إذا طاف بالبيت انطلق إلى أعلام مكة فاضطرب به الأبنية. قال عطاء:

في حجته فعل ذلك أيضا و نزل بأعلا مكة قبل التعريف، و ليلة النفر نزل أعلا الوادي.

و روي أيضا عن أبي رافع قال: قيل للنبي (صلى الله عليه و سلم) يوم الفتح ألا تنزل منزلك بالشعب؟ قال: و هل ترك لنا عقيل منزلا؟ قال: و كان عقيل بن أبي طالب قد باع منزل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و منازل إخوته من الرجال و النساء بمكة حين هاجروا، و نزل كل من هاجر من بني هاشم، فقيل لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): فانزل في بعض بيوت مكة في غير منزلك، فأبى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قال: لا أدخل البيوت. فلم يزل مضطربا بالحجون لم يدخل بيتا، و كان يأتي المسجد من الحجون.

و عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مضطربا بالحجون في الفتح يأتي لكل صلاة.

و عن أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول اللّه أين منزلك غدا، قال: و ذلك في حجته، قال: و هل ترك لنا عقيل منزلا؟ قال: و نحن نازلون غدا إن شاء اللّه بخيف بني كنانة، يعنى المحصب. انتهى من الأزرقي.

قال شيخنا الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي (رحمه اللّه تعالى) في شرحه لكتابه" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" عند حديث «منزلنا غدا إن شاء اللّه ...» ما يأتي: أصل الخيف في اللغة كل ما انحدر عن الجبل و ارتفع عن المسيل، و هو هنا المحصّب- بفتح الحاء و الصاد المهملتين-، و يقال له الحصبة بفتح الحاء و إسكان الصاد المهملتين، و الأبطح و البطحاء، و خيف بني كنانة. فهذه أسماء مترادفة لشي‏ء واحد، و في المدونة قلت: أين هو الأبطح عند مالك؟ قال:

لم أسمع أين هو، و لكنه معروف هو حيث المقبرة. انتهى من الجزء الرابع من زاد

489

المسلم. هذا ما كان منزله (صلى الله عليه و سلم) بمكة، و إن شاء اللّه سنتكلم عن معنى حديث:

(و هل ترك لنا عقيل منزلا) بعد الانتهاء من هذا المبحث.

و أما منزله عليه الصلاة و السلام بمنى في الحج، فقد روى الإمام الأزرقي في تاريخه عن طاووس قال: كان منزل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بمنى على يسار مصلى الامام، و كان ينزل أزواجه موضع دار الإمارة، و كان ينزل الأنصار خلف دار الإمارة، و أومأ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى الناس أن انزلوا هاهنا و هاهنا.

و عن خالد بن مضرس أنه رأى أشياخا من الأنصار يتحرون مصلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أمام المنارة قريبا منها، قال الأزرقي، قال جدي: الأحجار التي بين يدي المنارة هي موضع مصلى النبي (صلى الله عليه و سلم)، لم نزل نرى الناس و أهل العلم يصلون هنالك، و يقال له مسجد العيشومة و فيه عيشومة أبدا خضراء في الجدب و الخصب بين حجرين من القبلة، و تلك العيشومة قديمة لم تزل ثم. انتهى من الأزرقي.

نقول: إن مصلى النبي (صلى الله عليه و سلم) في مسجد الخيف بمنى هو مكان المحراب الذي تحت القبة بوسط المسجد، كما بينا ذلك في الكلام عن مسجد الخيف. فراجعه إن شئت.

و أما منزله (صلى الله عليه و سلم) بمزدلفة بعد نزوله من عرفات، ففي موضع من مسجد مزدلفة على ما يظهر، أي عند المحراب الذي بوسط جدار المسجد القبلي كما هو صريح عبارة الأزرقي الآتية، فقد روى الأزرقي في تاريخه عن ابن جريج قال: قال لي عطاء: بلغني أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان ينزل ليلة جمع في منزل الأئمة الآن ليلة جمع، يعنى دار الإمارة التي في قبلة مسجد مزدلفة، انتهى من الأزرقي.

و معنى ليلة جمع: ليلة مزدلفة، و جمع يطلق على مزدلفة، و أما منزل الأئمة- أي دار الإمارة التي ذكرها الأزرقي- فلا وجود لها الآن مطلقا، و ما تراه اليوم من البنايات القليلة إنما حدثت في زماننا، أي من بعد سنة (1353) ثلاث و خمسين و ثلاثمائة و ألف، و قبل هذه السنة لم يكن بمزدلفة شي‏ء من البنايات غير المسجد.

و أما منزله عليه الصلاة و السلام بعرفة إذا وصل إليها من منى ففي جبل نمرة، فقد روى الأزرقي عن ابن جريج قال: سألت عطاء أين كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ينزل يوم عرفة؟ قال: بنمرة، منزل الخلفاء، إلى الصخرة الساقطة بأصل الجبل عن يمينك و أنت ذاهب إلى عرفة، يلقى عليها ثوب، يستظل به (صلى الله عليه و سلم).

490

قال الأزرقي: و تحت جبل نمرة غار أربعة أذرع في خمسة أذرع، ذكروا أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان ينزل يوم عرفة حتى يروح إلى الموقف، و هو منزل الأئمة إلى اليوم، و الغار داخل في جدار دار الإمارة في بيت في الدار، و من الغار إلى مسجد عرفة ألفا ذراع و أحد عشر ذراعا، و من مسجد عرفة إلى موقف الإمام عشية عرفة ميل، يكون الميل خلف الإمام إذا وقف و هو حيال جبل المشاة. انتهى من الأزرقي.

نقول: أما موقفه (صلى الله عليه و سلم) عشية عرفة ففي مسجد الصخرات الذي هو بقرب جبل الرحمة و هو موضع معروف إلى اليوم.

و أما كلام الإمام الأزرقي" أن الغار داخل في جدار دار الإمارة في بيت في الدار" فهذا الوصف بحسب زمانه و قد مضى على وفاته (رحمه اللّه تعالى) إلى يومنا هذا أكثر من" ألف و مائة عام" فلم يبق للدار و الجدار و البيت أي أثر أو علامة مطلقا، اللهم إلا الغار فإن الغيران لا تزول حتى تزول الجبال عن موضعها.

و لقد يسر اللّه تعالى لنا التجول في بعض وادي عرنة" بالنون" و الجبال القريبة من مسجد نمرة، و العلمين القديمين لبيان حدود الحرم من الحل، للبحث عن الغار الذي نزل فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم عرفة قبل الزوال عند مجيئه من منى، و الذي ذكره الإمام الأزرقي هنا، فقد تجولنا ثلاث مرات في المكان المذكور مع دليلين خبيرين من العرب يعرفان هذه الأماكن و الغيران الموجودة فيها، و ذلك بعد النصف الثاني من شهر شوال سنة (1376) ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة، فوجدنا ما يأتي:

إذا وصل الإنسان من منى إلى قبيل مسجد نمرة بعرفات و سار مع الجبل الذي عن يمينه و هو جبل كثير الصخور و الحجارة بعضها فوق بعض من أصل الخلقة فمن ذلك تتكون المغارات" أي الغيران".

فقبل أن يصل الإنسان إلى منتهى الجبل الممتد كاللسان في الرمل بنحو (160) مترا- مائة و ستين مترا-، يجد على يمينه على ارتفاع نحو قامتين مغارة كبيرة في أصل الجبل، من الصخور الكبار تسع نحو عشرة أشخاص بل أكثر، و في وسط أرض الغار صخرة كبيرة و أخرى أصغر منها متصلتان ببعضهما، و للغار بابان إحداهما صغير و هو الذي يقابل القبلة و عرضه مائة و ثلاثون سنتيمترا، و الباب الثاني كبير و هو الذي يقابل عرفات و عرضه متران، و أمام هذا الباب‏

491

صخرة كبيرة نازلة إلى الأرض بها ثلاث حفر طبيعية أو أربعة كل حفرة كدائرة رأس الإنسان، واحدة فوق الأخرى تشبه الدرجة، و من هذه الحفر يسهل الطلوع إلى الغار. على أن الصعود إليه ميسور من البابين و إن لم تكن هذه الحفر، و سقف هذا الغار يتكون من صخرتين كبيرتين جدا متصلتان ببعضهما من وسط السقف كهيئة الجملون على شكل مثلث، و طول هذا الغار ستة أمتار، وسيع من مدخله الكبير و ضيق من مدخله الصغير، و من وراء هذا الغار من الجهة المقابل للجبل غار آخر كبير طويل يسع نحو خمسة عشر شخصا، و الفاصل بين هذا الغار و بين الغار المذكور إحدى صخرتي سقفه التي تلي الجبل و مدخل هذا الغار من المدخل الصغير للغار الذي تكلمنا عنه، فهذان الغاران بجوار بعضهما تماما، و لا يوجد في الجبل أكبر من هذين الغارين المتجاورين، و كلاهما يسع لنحو ثلاثين شخصا.

و تحت هذا الغار مباشرة جهة الباب الكبير غار آخر صغير تتجه فتحته إلى عرفات، و هو غار على وجه الأرض غير مرتفع في الجبل، و سقفه صخرة واحدة كبيرة، طوله أقل من ثلاثة أمتار و عرض فتحته متران.

و في هذا الجبل غيران كثيرة متعددة، و لا يعلم بالتحقيق التام نفس الغار الذي نزل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم عرفة في هذا الجبل، لكنا نظن غالب الظن الذي نطمئن إليه، أن الغار الكبير الذي ذكرناه هو الغار الذي نزله رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم عرفة لجملة أمور و هي:

(1) أن وصف هذا الغار الكبير يقرب من وصف الإمام الأزرقي له.

(2) أن هذا الغار يقع تقريبا أمام العلمين القديمين الدالين على انتهاء حدود الحرم، و لا نستبعد أن ينزل النبي (صلى الله عليه و سلم) عند مفرق الحل من الحرم- أي عند حدودها- و اللّه تعالى أعلم. و البعد بين هذا الغار و بين العلمين المذكورين (430) مترا، أربعمائة و ثلاثون مترا.

و قد يزيد البعد و قد ينقص عن هذه الأمتار بحسب استقامة أخذ القياس أو انحرافه.

(3) و البعد بين هذا الغار و بين مسجد نمرة القبلي (1130) مترا هو ألف و مائة و ثلاثون مترا، و هو قريب مما ذكره الأزرقي فإن المتر الواحد يساوي ذراعين تقريبا، فقد ذكروا أن ذراع اليد يساوي ثمانية و خمسون سنتيمترا. و قد يزيد البعد و قد ينقص عن الأمتار بحسب استقامة أخذ القياس أو انحرافه.

492

(4) أن الجالس في هذا الغار يرى من مدخله الكبير أي بابه مسجد نمرة و جبل عرفات أي جبل الرحمة الذي يقف عليه الحجاج المسمى" بالقرين" و يرى مسجد الصخرات الذي تحته جبل الرحمة الذي وقف فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عشية عرفة، بل يرى ميدان عرفات كلها. فكأن النبي (صلى الله عليه و سلم) جلس في هذا الغار ليشاهد جبل عرفات و مسجد نمرة و مسجد الصخرات و حدود الحل من الحرم.

(5) أن هذا الغار الكبير هو أقرب الغيران إلى مسجد نمرة و هذا ما يوافق الرغبة النبوية. فإنه (صلى الله عليه و سلم) حينما زالت الشمس نزل من هذا الغار إلى موضع مسجد نمرة فصلى فيها الظهر و العصر، ثم ذهب إلى عرفات فوقف في مسجد الصخرات حتى غربت الشمس ثم دفع إلى مزدلفة، و لذلك سمي هذا الجزء الأخير من الجبل بجبل نمرة لقربه من نمرة.

(6) أن هذا الغار هو الغار الذي يلائم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، (أولا) أنه مرتفع مشرف على ساحة عرفات كلها (ثانيا) أن مدخله الكبير يقابل عرفات و هو بيت القصيد و منتهى الرحلة، و أن مدخله الصغير يقابل مكة و القبلة (ثالثا) أن الغار هو أوسع غار في الجبل فإنه يأخذ في جوفه نحو عشرة أنفس، و النبي (صلى الله عليه و سلم) لابد و أن يكون معه نحو هذا العدد من كبار الصحابة لا يفارقونه في السفر و يتشرفون بالقرب منه كالخلفاء الراشدين الأربعة و غيرهم من كبار الصحابة (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين). (رابعا) أن بجوار هذا الغار غار آخر متصل به يفصل بينهما الصخرة التي بوسطهما و طولهما واحد و كل منهما يسع بقدر الآخر من الأشخاص، فلو كان مع النبي (صلى الله عليه و سلم) ثلاثون من الصحابة لاستظلوا فيهما بغاية الراحة و بدون أن يبتعدوا عن بعضهم.

و من عجيب أمر الغيران في الجبال أنها تكون في وقت الظهيرة باردة منعشة، لا يشتد على الجالس بداخلها و طأة الحر و القيظ.

هذا رأينا في الغار الذي نزله رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم عرفة قبل الظهر و هذه أدلتنا في تحقيقه، و لا يعلم الغيب إلا اللّه الواحد الأحد سبحانه و تعالى، و نزوله (صلى الله عليه و سلم) في الغار المذكور لا يمنع من أنه نزل أيضا في قبة من شعر التي أمر أن تضرب له بنمرة.

493

و ما نظن أن أحدا قبلنا طرق هذا الباب أو بحث عن هذه المسألة مع أنها لا دخل لها في المناسك مطلقا، فالحمد اللّه رب العالمين أولا و آخرا. هو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شي‏ء عليم.

فعلم من جميع ما تقدم أن النبي (صلى الله عليه و سلم) بعد أن سكن المدينة إذا قدم مكة لا ينزل في بيوتها و منازلها. و إنما ينزل بقبته التي تضرب له حيثما كان إلى أن يرجع إلى المدينة، أي أنه (صلى الله عليه و سلم) ينزل في خبائه الذي يضرب له أينما نزل، سواء في بطحاء مكة بالحجون، أو في منى و مزدلفة و عرفات، فلا يستظل في بيت مبني منذ خروجه من المدينة إلى أن رجع إليها من مكة. فقد تقدم في أول هذا المبحث أن الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم قالوا لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم الفتح: فانزل في بعض بيوت مكة في غير منزلك. فأبى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قال: لا أدخل البيوت. فلم يزل مضطربا بالحجون لم يدخل بيتا، و كان يأتي المسجد من الحجون لكل صلاة.

فهذا أعظم دليل على زهده و تواضعه (صلى الله عليه و سلم) في بلد اللّه الأمين و مشاعر الحج، فإنه أتى إليها للنسك لا للإقامة، و النسك عبارة عن التجرد و مخالفة العادات المألوفة. و لو أمعنا النظر قليلا لوجدنا أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في حجته قد تعرض كثيرا للشمس بمكة و منى و عرفات، فأين عهدنا من ذلك العهد النبوي المشرق، و أين عصرنا من ذلك العصر المبارك الأنور.

ثم رأينا ما يؤيد كلامنا هذا في المجموع شرح المهذب للإمام النووي (رحمه اللّه تعالى) فإنه قال فيه بصحيفة 117 من الجزء الثامن ما يأتي:

إن الأفضل للواقف أن لا يستظل بل يبرز للشمس، إلا للعذر بأن يتضرر أو ينقص دعاؤه أو اجتهاده في الأذكار، و لم ينقل أن النبي (صلى الله عليه و سلم) استظل بعرفات، مع ثبوت الحديث في صحيح مسلم و غيره عن أم الحصين أن النبي (صلى الله عليه و سلم) «ظلل عليه بثوب و هو يرمي الجمرة» و قد قدمنا بيان مذهبنا عند ما في استظلال المحرم بغير عرفات في باب الإحرام و اللّه تعالى أعلم. انتهى.

اللهم صل و سلم و بارك على هذا النبي الكريم، الذي هو بالمؤمنين رؤوف رحيم، و على آله و ذريته و صحابته الطيبين الطاهرين، و اجزه عنا أفضل ما جازيت نبيا عن قومه و رسولا عن أمته، و أعطه الوسيلة و الفضيلة و الدرجة الرفيعة و المقام المحمود. و لا تحرمنا شفاعته الثابتة التي أتحفته و خصصته بها يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏، و تداركنا في تلك الساعة و في ذلك اليوم‏

494

يوم يفرء المرء من أخيه و أمه و أبيه بلطفك الخفي، و استرنا بسترك الذي لا ينكشف، و أظلنا تحت ظل عرشك، و آمنا من غضبك و عذابك، و أدخلنا الجنة بسلام آمنين، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين و الصديقيين و الشهداء و الصالحين، و حسن أولئك رفيقا، آمين يا أرحم الراحمين، بفضلك و إحسانك و رحمتك و كرمك، يا عظيم يا حليم يا كريم يا رحيم، فإنك أنت اللّه لا إله إلا أنت وحدك، لا شريك لك، و أن محمدا عبدك و رسولك.

معنى حديث: «و هل ترك لنا عقيل منزلا»

جاء في الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي اللّه عنهما عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: «و هل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟» و في رواية البخاري في كتاب المغازي: «من منزل».

روى الإمام الأزرقي في تاريخه عن أبي رافع قال: قيل للنبي (صلى الله عليه و سلم) يوم الفتح: ألا تنزل منزلك بالشعب، قال: و هل ترك لنا عقيل منزلا؟ قال: و كان عقيل بن أبي طالب قد باع منزل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و منازل إخوته من الرجال و النساء بمكة حين هاجروا و منزل كل من هاجر من بني هاشم، فقيل لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): فانزل في بعض بيوت في غير منزلك. فأبى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و قال: لا أدخل البيوت، فلم يزل مضطربا بالحجون لم يدخل بيتا، و كان يأتي المسجد من الحجون. انتهى من كلام أبي رافع.

و عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده قال: رأيت رسول اللّه مضطربا بالحجون في الفتح، يأتي لكل صلاة. و عن أسامة بن زيد قال: قلت رسول اللّه أين منزلك غدا؟ قال: و ذلك في حجته. قال: و هل ترك لنا عقيل منزلا، قال: و نحن نازلون غدا إن شاء اللّه بخيف بني كنانة- يعني المحصب- انتهى كل ذلك من الأزرقي.

نقول: ليس معنى قوله عليه الصلاة و السلام: «و هل ترك لنا عقيل من رباع أو دور» أنه (صلى الله عليه و سلم) يتحسر و يأسف على منزله الذي باعه عقيل بن أبي طالب- كلا ثم كلا. فإن ذلك لا يليق بمقام النبوة، و هو (صلى الله عليه و سلم) لو شاء لجعل اللّه له الجبال ذهبا، و لكنه لابد أن يرمي بقوله هذا إلى حكمة دقيقة، و لا يبعد أن يكون ذلك تأنيبا لعقيل بن أبي طالب عسى أن يكفر عن خطئه هذا بالإسلام، فإن عقيلا أخ‏

495

لعلي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه)، و بالفعل فقد أسلم عقيل عام الفتح و قيل أسلم بعد الحديبية. و اللّه تعالى أعلم.

و لابد لنا أن نستوفي الكلام على معنى هذا الحديث الشريف فنقول و باللّه التوفيق و هو الهادي إلى سواء السبيل:

ذكر أستاذنا العلامة المحدث الشهير الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي (رحمه اللّه تعالى) في شرحه في كتابه" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" عند حديث: «و هل ترك لنا عقيل من رباع أو دور» في صحيفة (115) من الجزء الخامس ما يأتي:

قوله: «من رباع» بكسر الراء جمع ربع، بفتح الراء و سكون الموحدة، و هو المنزل المشتمل على أبيات، و قيل: هو الدار، فعلى هذا فقوله: «أو دور» إما للتوكيد أو من شك الراوي. و في رواية في الصحيح «من منزل» بدل من رباع كما أشرنا إليه سابقا.

و أخرج هذا الحديث الفاكهي من طريق محمد بن أبي حفصة و قال في آخره:

و يقال إن الدار التي أشار إليها عليه الصلاة و السلام كانت دار هاشم بن عبد مناف، ثم صارت لعبد المطلب ابنه فقسمها بين ولده حين عمر، فمن ثم صار للنبي (صلى الله عليه و سلم) حق أبيه عبد اللّه و فيها ولد النبي (صلى الله عليه و سلم). و ظاهر قوله: و هل ترك لنا عقيل من رباع، أنها كانت ملكه عليه الصلاة و السلام فأضافها إلى نفسه، فيحتمل أن عقيلا تصرف فيها كما فعل أبو سفيان بدور المهاجرين و يحتمل غير ذلك.

و في الصحيحين بعد حديث المتن ما نصه: و كان عقيل ورث أبا طالب، هو و طالب و لم يرثه جعفر و لا علي رضي اللّه عنهما شيئا لأنهما كانا مسلمين.

و كان عقيل و طالب كافرين. زاد البخاري فكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول: لا يرث المؤمن الكافر. قال ابن شهاب و كانوا يتأولون قول اللّه تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ‏، الآية. و هذه الزيادة من تفسير الراوي.

قال الحافظ ابن حجر في الفتح بعدها ما نصه: محصل هذا أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لما هاجر استولى عقيل و طالب على الدار كلها باعتبار ما ورثاه من أبيهما لكونهما كانا لم يسلما و باعتبار ترك النبي (صلى الله عليه و سلم) لحقه منها بالهجرة و فقد طالب ببدر فباع عقيل الدار كلها. و حكى الفاكهي أن الدار لم تزل بيد أولاد عقيل إلى أن باعوها

496

لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار. و في نسخة بثمانية آلاف دينار، و زاد في روايته من طريق محمد بن أبي حفصة فكان علي بن الحسين يقول: من أجل ذلك تركنا نصيبنا من الشعب، أي حصة جدهم علي من أبيه أبي طالب.

و قال الداودي و غيره: كان من هاجر من المؤمنين باع قريبه الكافر داره و أمضى النبي (صلى الله عليه و سلم) تصرفات الجاهلية تأليفا لقلوب من أسلم منهم. ا ه.

(قلت) أي قال الشارح: و كما أمضى (عليه السلام) تصرفاتهم كذلك كان يصحح أنكحتهم. هذا و قد كان المهاجرون و الأنصار يتوارثون بالهجرة و النصرة دون الأقارب في صدر الإسلام، حتى نسخ ذلك بقوله تعالى: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ‏ و الذي يفهم من الآية المسوقة هنا أن المؤمنين يرث بعضهم بعضا و لا يلزم منه أن المؤمن يرث الكافر، لكنه مستفاد من بقية الآية المشار إليها بقول البخاري الآية و هي قوله تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ، حَتَّى يُهاجِرُوا أي من توليتهم في الميراث إذ الهجرة كانت في أول عهد البعثة من تمام الإيمان، فمن لم يكن مهاجرا كأنه ليس مؤمنا. فلهذا لم يرث المؤمن المهاجر منه. و هذا الحديث كما أخرجه الشيخان أخرجه أبو داود في الحج من سننه، و كذا أخرجه النسائي فيه في سننه، و أخرجه ابن ماجة في سننه فيه و في الفرائض.

و يستفاد من هذا الحديث أن المسلم لا يرث الكافر، و على ذلك فقهاء الأمصار. و حكي عن بعض الصحابة و الحسن البصري و إبراهيم النخعي و إسحاق أن المسلم يرث الكافر. و أجمعوا على أن الكافر لا يرث المسلم. و يستفاد منه أيضا بقاء دور مكة لأربابها. قال الخطابي: احتج بهذا الحديث الشافعي على جواز بيع دور مكة، لأنه (صلى الله عليه و سلم) أجاز بيع عقيل الدور التي ورثها، و كان عقيل و طالب ورثا إياهما لأنهما إذ ذاك كانا كافرين، فورثاه، ثم أسلم عقيل فباعها. قال الخطابي:

و عندي أن تلك الدور و إن كانت قائمة على ملك عقيل لم ينزلها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، لأنها دور هجروها للّه تعالى فلم يرجعوا فيما تركوه. قال الحافظ و تعقب بأن سياق الحديث يقتضي أن عقيلا باعها، و مفهومه أنه لو تركها له لنزلها.

(قال مقيده وفقه اللّه تعالى) أي قال الشارح أيضا: هذا التعقب غير مستقيم فيما يظهر و اللّه تعالى أعلم، بل ما قاله الخطابي هو الظاهر، لأن الخطابي قال:

إن كانت قائمة على ملك عقيل الخ فهو قيد دال على أن كلامه إنما يتنزل على‏

497

كونه إنما ترك نزولها إن كانت قائمة على ملك عقيل، و هو قد أسلم، لأنها دور هجرها للّه تعالى، فلم يرجع فيما هجره له تعالى. فكلام الخطابي مع هذا القيد لا يتنزل إلا على ما ذكرناه. و قولنا و يستفاد منه أيضا بقاء دور مكة لأربابها قاله غير واحد، و ممن قاله القاضي عياض. و قد اختلف فيه، و الخلاف في ذلك على الخلاف هل فتحت عنوة و هو قول مالك و أبي حنيفة لكن منّ على أهلها بدورهم و أموالهم، و لم يقسمها بين الغانمين. قال أبو عبيد: و لا نعلم بلدا تشبه مكة أو فتحت صلحا، و هو قول الشافعي، كذلك اختلف في بيع دورها و كرائها قال أبو حنيفة و جماعة من السلف: لا يحل بيعها و لا كراؤها و لا ملك عليها لأحد، و أجازه الشافعي و أبو يوسف، و كرهه مالك. و هو أيضا على الخلاف في فتحها، و في الضمير في قوله تعالى: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ هل هو عائد على البلد أو على المسجد، و على أنها فتحت عنوة و أقرت بأيديهم فيحتج به على أن للإمام إبقاء ما فتح عنوة بأيدي أربابه، أسلموا أو لم يسلموا، لما يراه من استئلافهم إن كانوا مسلمين، أو ليضرب الجزية عليهم إن بقوا على دينهم، و يكون تركها بطيب نفوس الجيش كما فعل عليه الصلاة و السلام في سبي هوازن، أو يقومها من الخمس، على أنه لم يرد أنه قسم من مال أهل مكة شيئا، بل كان أبقاه لهم لقرابتهم كما جاء في الآخر أن اللّه عوضهم من مال هوازن أضعاف ذلك. و فيه حجة لمن يقول أن الغنيمة لا يملكها الغانمين بالحوز بل بتمليك الإمام و قسمها بينهم، و لذلك لم يختلف في قطع سارقها منهم وحد زانيهم. ا ه. بلفظه. انتهى من شرح" زاد المسلم"، ثم ذكر الشارح (رحمه اللّه تعالى) بيان أحكام بيع دور مكة و غيرها من أرض الحرم و إجارتها و رهنها لم نر ضرورة في نقلها.

ترجمة عقيل بن أبي طالب‏

ذكر أستاذنا العلامة المحدث الشهير الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي (رحمه اللّه تعالى) في شرحه لكتابه" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" عند حديث: «و هل ترك لنا عقيل من رباع أو دور» في صحيفة (114) من الجزء الخامس ما يأتي:

و عقيل بفتح العين و كسر القاف مكبرا، هو عقيل بن أبي طالب عم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، يكنى أبا يزيد، و هو أخ علي و جعفر، فهو أسن أبناء أبي طالب الثلاثة

498

الذين أسلموا. أما طالب أخوهم الذي فقد ببدر و لم يكرمه اللّه بالإسلام فهو أسن أبناء أبي طالب جميعا، و لذلك كني به. و من النوادر في أبنائه الأربعة أن كل واحد منهم أسن من الذي يليه بعشر سنين فطالب أسن من عقيل و هو من جعفر و هو من علي، و التفاوت بين كل واحد و الآخر عشر سنين، و هو من النوادر.

فبهذا الاعتبار يكون عقيل أكبر من علي بعشرين سنة، و قد تأخر إسلام عقيل رضي اللّه عنه إلى عام الفتح، و قيل أسلم بعد الحديبية، و هاجر في أول سنة ثمان، و كان أسيرا يوم بدر ففداه عمه العباس. و وقع ذكره في الصحيح في مواضع، و شهد غزوة مؤتة، و لم يسمع له بذكر في الفتح و حنين كأنه كان مريضا أشار إلى ذلك ابن سعد، لكن روى الزبير من بكار بسنده إلى الحسن بن علي رضي اللّه عنهما أن عقيلا كان ممن ثبت يوم حنين، و كان عالما بأنساب قريش و مآثرها و مثالبها و أيامها. و كان الناس يأخذون ذلك عنه بمسجد المدينة. كان سريع الجواب المسكت، و كان قد فارق عليا و وفد إلى معاوية في دين لحقه. و قد روي أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أعطاه من خيبر كل سنة مائة و أربعين و سقا. و له أحاديث. و قال ابن حجر في الإصابة: و لعقيل حديث كامل أخرجه له النسائي و ابن ماجة. قال ابن سعد: قالوا: مات في خلافة معاوية. قال الحافظ: و في تاريخ البخاري الأصغر بسند صحيح أنه مات في أول خلافة يزيد قبل الحرة، و روى عنه ابنه محمد، و الحسن البصري، و عطاء. انتهى من شرح زاد المسلم.

فضل مكة المشرفة

اعلم أن اللّه تعالى لم يخلق جنسا من أجناس المخلوقات إلا و جعل بينها تفاوتا و تفاضلا، سواء كان ذلك في الجمادات أو في بني آدم حتى في النبيين، قال تعالى في سورة الإسراء: وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً و لقد قال العلماء:" ما من عامّ إلا و قد خصص" و مما لا شك فيه أن أرضية جميع المساجد في الدنيا أفضل من غيرها من البقاع لأنها بيوت اللّه يذكر فيها اسمه و محل لعبادته، بل إن بعض المساجد أفضل من بعض كالمساجد الثلاث. قال الشاعر:

إن البقاع إذا نظرت رأيتها* * * تشقى كما تشقى الرجال و تسعد

فلا تتساوى بقعة خصصت للعبادة و العلم، و بقعة خصصت للهو و الفجور، فإذا علمنا أن البقاع تتفاضل فنقول: إن مكة المشرفة و المدينة المنورة أفضل بقاع‏

499

الأرض بالإجماع و يليها بيت المقدس. ثم اختلف العلماء في أن مكة أفضل أم المدينة: فعند جمهور العلماء أن مكة أفضل منها. و نحن نجنح إلى هذا القول أيضا لأن المدينة لم يعرف فضلها إلا بعد حلول نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم) فيها، و أما مكة ففضلها معروف منذ العصور الأولى الغابرة من لدن آدم (عليه السلام) و بالأخص بعد أبي الأنبياء إبراهيم (عليه السلام) حيث بنى الكعبة بيت اللّه فيها، و أذّن في الناس بالحج فأتوا مكة من كل فج عميق، و اللّه أعلم بعدد من أتى مكة من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام و غيرهم من عامة الناس، و أن من ينظر في أشهر الحج إلى مكة يأتى إليها الناس أفواجا أفواجا يوميا ليلا و نهارا، و قد علا ضجيجهم بالدعاء و التضرع في كل محلة و زقاق حين دخولهم مكة و هم محرمون يذهبون مع مطوفيهم إلى الطواف و السعي. آمن بعظمة اللّه سبحانه و تعالى و عرف فضل مكة على سائر البلدان، فإن هذه الحال لا توجد في جميع أنحاء المعمورة سوى بمكة و في كل عام إلى قيام الساعة. فالحمد للّه الذي جعلنا من أهلها السعداء الآمنين من كل خوف و فزع في الدنيا و الآخرة بفضله و برحمته إنه واسع الفضل و الإحسان. و اعلم: أن مكة المشرفة ترتفع عن سطح البحر نحو (330) متر و هي على عرض (21) درجة و (38) دقيقة، و في طول (40) درجة و (9) دقائق.

امتياز مكة عن سائر البلدان‏

تمتاز مكة عن سائر البلدان على وجه الأرض بجملة أمور:

(منها): أنها مهبط الوحي و مركز نزول القرآن و ابتداء ظهور الإسلام.

(و منها): أن القادم إليها يجب عليه التجرد من ثيابه و دخولها بإحرام بنية العمرة أو الحج.

(و منها): أنه ليس فيها إلا دين واحد و هو الإسلام فليس فيها دينان.

(و منها): أنه يمنع شرعا دخول الكافر و دفنه فيها.

(و منها): أنه يحرم حمل السلاح فيها إلا لضرورة.

(و منها): أنه يحرم صيدها على جميع الناس سواء في ذلك أهل مكة و أهل الحرم و غيرهم و سواء المحرم منهم و الحلال.

500

(و منها): أن دماء الهدايا و الجبرانات مختص بمكة و بالحرم و لا يجوز في غير ذلك من البقاع.

(و منها): أنه يحرم قطع شجره و يضمن ما يقطع منه.

(و منها): أنه يحرم إخراج شي‏ء من ترابه أو حجارته إلى الحل و إلى البلدان الأخرى.

(و منها): مضاعفة الحسنات فيها و بالأخص الصلوات في المسجد الحرام، فقد روى الإمام أحمد و البزار و ابن حبان في صحيحه عن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام، و صلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة ألف صلاة».

(و منها): أنه يبعث من مقبرتها سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البلدر كما في الحديث.

(و منها): أن الدجال سيطأ جميع البلدان حين خروجه إلا مكة و المدينة و بيت المقدس.

(و منها): أنه ما من نبي من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام إذا كذبه قومه إلا و خرج إلى مكة يعبد اللّه تعالى حتى يأتيه اليقين و أن حول الكعبة قبر ثلاثمائمة نبي، و ما بين الركن اليماني و الركن الأسود قبر سبعين نبيا، و قبر إسماعيل و أمه هاجر في الحجر تحت الميزاب، و أن ما بين زمزم و المقام قبر نوح و هود و شعيب و صالح.

و روى الأزرقي عن مجاهد أنه قال: حج خمسة و سبعون نبيا كلهم قد طاف بالبيت و صلى في مسجد منى، فإن استطعت أن لا تفوتك صلاة في مسجد منى فافعل.

(و منها): أن أهل مكة يتجهون في صلاتهم إلى الكعبة من جميع الجهات الأربعة بخلاف بلدان العالم فكل بلدة تتجه إلى الكعبة من جهة واحدة. و ما أبهج منظر المسجد الحرام حين الصلاة، فإن الجميع يصلون حول الكعبة من جميع الجهات على اتساعه، و لا يوجد منظر يأخذ بمجامع القلوب و يشرح الصدور