التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج1

- محمد طاهر الكردي المزيد...
582 /
51

مطبوع باللغة العربية./

11/ مرآة الحرمين، و هو كتاب مطبوع باللغة التركية./ لأيوب صبري باشا التركي‏

12/ إتحاف الورى بأخبار أم القرى./ للعلامة نجم الدين عمر بن فهد

13/ إتحاف فضلاء الزمن بتاريخ ولاية ابن الحسن./ للشيخ محمد بن فضل الطبري‏

14/ الإنعام على أعلام الأنام./ للشيخ حسن بن عبد القادر الشيي‏

15/ إثارة الشجون لزيارة الحجون./ للعلامة الفيروز آبادي‏

16/ إخبار الكرام بأخبار المسجد الحرام./

17/ إعلام الأنام بتاريخ بيت اللّه الحرام./ للشيخ محمد صالح الشيي‏

18/ بلوغ القرى في ذيل إتحاف الورى بأخبار أم القرى./ للعلامة الشيخ عبد العزيز بن عمر بن فهد المكي.

19/ تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام و المشاعر العظام./ للشيخ محمد بن أحمد الصباغ المكي‏

20/ خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام./ للعلامة السيد أحمد دحلان‏

21/ درر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج و طريق مكة المعظمة./ للشيخ عبد القادر بن محمد الأنصاري الجزائري‏

22/ دليل الحج للوارد إلى مكة و المدينة من كل فج./ لمحمد باشا صادق‏

23/ الخلاصة المفيدة لأحوال عين زبيدة./ للشيخ عبد القادر ملا قلندر

24/ الرحلة الحجازية./ لمحمد سليم‏

25/ سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل و التوالي، و هو كتاب مطبوع./ للعلامة عبد الملك بن حسين العصامي‏

52

26/ منائح الكرم بأخبار مكة و ولاية الحرم./ للعلامة الشيخ علي السنجاري‏

27/ القرى لقاصد أم القرى، و هو كتاب مطبوع./ للعلامة الطبري‏

28/ نشر النور و الزهور في تراجم أهل مكة المشرفة من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر./ للشيخ عبد اللّه بن أحمد أبي الخير

29/ نشر الآس في فضائل زمزم و سقاية العباس./ للشيخ خليفة ابن فرج البيضاوي‏

30/ كتاب الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف./ للأمير شكيب أرسلان‏

31/ العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين/ لابن عبد ربه‏

32/ تحفة اللطائف في فضائل الجد ابن عباس و الطائف./ للعلامة محمد جار الدين بن فهد

33/ كتاب إهداء اللطائف من أخبار الطائف./ للشيخ حسن بن علي العجمي المكي‏

34/ كتاب نشر اللطائف في قطر الطائف./ للشيخ نور الدين علي بن محمد الشامي‏

35/ رسالة في فضائل ابن عباس و الطائف./ للشيخ محمد بن عبد الكريم القنوي‏

36/ الجواهر المعدة في فضائل جدة./ للشيخ أحمد الحضراوي‏

37/ السلاح و العدة في تاريخ جدة./ للشيخ عبد القادر أحمد الخطيب‏

38/ تاريخ جدة، و هو مطبوع سنة 1383./ للأستاذ عبد القدوس الأنصاري‏

هذه بعض المؤلفات التي وقفنا عليها في تاريخ مكة المشرفة، و هناك مؤلفات أخرى لها منتشرة في مكتبات العالم الإسلامي لم نقف عليها، بل إن بعض البلاد الإفرنجية يعتني مستشرقوهم بالتآليف عن مكة المشرفة، فإنه قد طبع تاريخ مكة في‏

53

أربع مجلدات في مدينة (ليبسك). فالناس من أقدم العصور يعتنون ببلد اللّه الحرام أشد الاعتناء و هذا هو الواجب الديني نحو مكة المكرمة كما قلنا فيما تقدم:

أجدر ما يخدم من بلاد* * * لأنها شريفة التلاد

قد اعتنى بها كثير الناس‏* * * من خلفا و من ملوك الناس‏

و قد ذكرنا هنا بعض المؤلفات في تاريخ جدة و تاريخ الطائف زيادة في الفائدة.

54

تراجم مؤرخي مكة المشرفة في عصرنا الحاضر و كلهم من أهل مكة المكرمة

هنا يجب أن نذكر تراجم مؤرخي مكة المكرمة في عصرنا الحاضر، وفاء بحقهم و احتراما لذكرهم و تسجيلا لعملهم المجيد الباقي، راجين من اللّه الكبير المتعال أن يجزل لهم الثواب، و أن يجعلهم من سعداء الدارين، و أن يدخلهم الجنة بسلام آمنين، بفضله و رحمته آمين، و لنا مع جميعهم صحبة و صداقة ما عدا الشيخ حسين عبد اللّه باسلامة الذي اجتمعنا به مرة أو مرتين اجتماعا خفيفا قبل وفاته.

و لابد أن نتشرف بذكر شيخ المؤرخين و أقدمهم استطرادا، فإنه من أهل القرون الثلاثة الأولى الذين هم خير القرون، و هو الإمام الأزرقي صاحب تاريخ مكة، عامله اللّه تعالى و إيانا بلطفه و رحمته، فنقول و باللّه التوفيق و هو نعم المولى و نعم المصير. و ربما نذكر أيضا بعض المؤرخين في أواخر الكتاب.

ترجمة الإمام الأزرقي المكي من أهل القرن الثاني للهجرة و هو عربي صميم‏

كتب صاحب المعالي البحاثة المحقق الأستاذ رشدي الصالح ملحس (رحمه اللّه تعالى) في مقدمة تاريخ الأزرقي المسمى" أخبار مكة و ما جاء فيها من الآثار" المطبوع بالمطبعة الماجدية بمكة المشرفة في عام 1353 من الهجرة- ترجمة وافية قيمة للإمام في بضعة أوراق- نلخصها فيما يأتي:

هو أبو الوليد محمد بن عبد اللّه بن أحمد الأزرقي الغساني المكي- ولد (رحمه اللّه تعالى) في مكة المكرمة في القرن الثاني و لم يعرف بالضبط تاريخ ولادته، و قد اختلف في تاريخ وفاته و لا نريد إكثار الكلام بذكر روايات الاختلاف، و إنما نجمل القول في أنه توفي في منتصف القرن الثالث للهجرة، أي في سنة (245) خمس و أربعين و مائتين تقريبا.

و يعد كتابه المذكور" أخبار مكة" من أهم ما ألّف في هذا الشأن و من أقدم كتب التاريخ عن مكة المكرمة، و كثير من المؤرخين يستند إلى كتابه المذكور، و كان من عناية الأقدمين به أن بعضهم اختصره و بعضهم نظمه. فالإسفرائني‏

55

المكي أحد علماء القرن الثامن للهجرة اختصر تاريخ الأزرقي و سمى هذا المختصر" زبدة الأعمال و خلاصة الأفعال" و يوجد من هذا المختصر ثلاث نسخ، (إحداها) بمكتبة الحرم المكي (تاريخ رقم 64- 234) و تقع في 196 ورقة (و ثانيها) توجد في المتحف البريطاني بلندن (و ثالثها) توجد في باريس.

و اختصر تاريخ الأزرقي الكرماني المصري من علماء القرن التاسع، و سمى هذا المختصر" تاريخ مكة المشرفة" و توجد من هذا المختصر نسخة واحدة في برلين.

أما الذي نظم تاريخ الأزرقي" أخبار مكة" عبد الملك بن أحمد الأنصاري الأرمانتي المولود بأرمنت و المتوفى بقوص بمصر سنة (722).

و كان من فقهاء الشافعية، شاعرا أديبا خفيف الروح، و قد سمى منظومته هذه" نظم تاريخ مكة للأزرقي في أرجوزة" و هذه المنظومة مفقودة، و حبذا لو عثرنا عليها.

أما تاريخ طبع الأزرقي" أخبار مكة" فقد طبع مرتين (الأولى) الطبعة الأوروبية طبعه المستشرق الألماني" فردينان و ستنفيلد" في ليبسك بألمانيا. في عام 1858 للميلاد (الموافق) لعام 1275 للهجرة.

و (الثانية) الطبعة المكية. و ذلك بالمطبعة الماجدية بمكة المكرمة في سنة" 1352" هجرية، و قد صحح هذه الطبعة و علق حواشيها و وضع فهارسها معالي الأستاذ رشدي ملحس المذكور، و الحقيقة أنه لقي عناء شديدا في تصحيحه و تهميشه لهذا الكتاب الفريد، حتى أخرجه للأمة الإسلامية بهذا الثوب القشيب، جزاه اللّه خير الجزاء و أكثر من أمثاله العاملين المخلصين.

و هنا نقطة دقيقة في فضل الإمام الأزرقي قلّ من يتنبّه لها، يجب أن نذكرها بالإعجاب و الدعاء له (رحمه اللّه تعالى) و ألحقنا به على الإيمان الكامل غير فاتنين و لا مفتونين بفضله و رحمته. و هي:

إن الأزرقي يذكر الأماكن المهمة و المواضع المقدسة و المشاعر العظام، يذكرها بدقة تامة مع تفاصيل قياساتها محررة مضبوطة- فهو يذكر ذرع الكعبة المشرفة من داخلها و خارجها، و ذرع ما فيها من الأسطوانات و ذرع ما بين كل منها، و صفة درجاتها الموصلة إلى سطحها، و صفة المسامير التي بداخل الكعبة و عددها، و عدد الرخامات المفروشة بأرض الكعبة، و كم رخامة في كل جهة و كم رخامة

56

بين كل أسطوانة و أسطوانة، و صفة باب الكعبة و عدد مساميرها الملبسة بالذهب و صفة كل ذلك، و صفة شاذروان الكعبة و عدده، و صفة حجر إسماعيل و ذرعه، و ذرع طوق الحجر الأسود.

و كذلك ذرع مقام إبراهيم و صفته، و ذرع بئر زمزم و حجرتها، و ذرع المسجد الحرام و عدد أساطينه و صفة الأساطين، و عدد طاقاته و صفتها و ذرعها، و عدد أبواب المسجد الحرام و صفتها و ذرعها، و عدد شرافاته و ذرع جدرانه، و عدد مناراته و صفتها، و عدد قناديل المسجد الحرام و الثريات التي فيه، و ذرع ما بين الركن الأسود إلى الصفا، و ذرع ما بين الصفا و المروة، و صفة مسجد منى و ذرعه و أبوابه، و ذرع منى و الجمار و مأزمي منى إلى حد محسّر، و ذرع ما بين مزدلفة إلى منى، و ذرع مسجد مزدلفة و صفة أبوابه، و ذرع ما بين مزدلفة إلى عرفات، و مأزمي عرفة، و مسجد عرفة و أبوابه و الحرم و الموقف، و عدد الأميال من المسجد الحرام إلى موقف الإمام بعرفة و ذكر مواضعها. إلى غير ذلك مما يتعذر علينا استقصاؤه- هذا غير ما في تاريخه من الأمور و المسائل المهمة التي لا تعد و لا تحصى.

هذا و إن المتأمل في تاريخ الإمام الأزرقي (رحمه اللّه تعالى) ليقف حيران كيف قام بتحقيق هذه المسائل صغيرها و جليلها، و من أين أتى بكل هذه المعلومات القيمة التي نرجع إليها الآن و قد مضى على وفاته أكثر من ألف عام و لا تزال المرجع الأول و الدليل الذي عليه المعول إلى قيام الساعة.

فهل كان مع الإمام الأزرقي لجنة من بضعة من العلماء يشاركونه التأليف- كلا- فلو كان كذلك لذكره الأزرقي بدون شك، و كيف كان (رحمه اللّه) يأخذ قياسات الأماكن في أطراف مكة بل في أطراف الحرم، و لئن خفّ عليه أخذ قياس الكعبة و المسجد الحرام، فهل خفّ عليه أيضا ذرع ما بين المسجد الحرام إلى منى فمزدلفة فعرفات و ما بين كل ذلك من المساجد و الأماكن، و كيف كان يذرع هذه المسافات الطويلة و لم تكن في زمنه سيارات و لا أمتار مطبوعة منظمة، و لا آلات مقربة للمسافات و آخذة للقياسات.

إن المتأمل في كل ذلك يقف حائرا معجبا داعيا له (رحمه اللّه تعالى) بالعفو و الغفران، و الثواب على عمله و الإحسان، و أن يدخله اللّه تعالى فسيح جناته إنه بعباده لطيف خبير.

57

و ختام الكلام نقول: إن تاريخ الإمام الأزرقي" أخبار مكة" كتاب كالقاموس المحيط فيه من الفوائد و المسائل المهمة ما لا يعد و لا يحصى، و عليه يعتمد العلماء المحققون و المؤرخون الباحثون- فحبذا لو أن بعض الجهات العلمية وضعت جوائز سخية لمن يتقدم بتلخيصه و تهذيبه و حذف أسانيده و رواياته المتكررة في معنى واحد، ثم تبوبيه و ترتيب فصوله و أبحاثه، على أحدث طرق التأليف في عصرنا الحاضر، و بذلك تكون الفائدة أعم و النفع شامل، و تجتمع المسائل المتفرقة في مبحث واحد، و تنضم الأمور المشتتة في باب واحد.

فنرجو اللّه تعالى أن يجعل في اقتراحنا هذا قبولا في المستقبل القريب بفضله و توفيقه آمين.

ترجمة حسين بن عبد اللّه باسلامة المكي الحضرمي‏

الشيخ حسين بن عبد اللّه باسلامة الحضرمي المكي كان عضوا في مجلس الشورى بمكة المشرفة في العهد السعودي و توفي بالطائف سنة (1356) هجرية.

كان عالما فاضلا نزيها، له عدة مؤلفات، منها كتاب تاريخ الكعبة المعظمة، و منها كتاب عمارة المسجد الحرام، و منها كتاب حياة سيد العرب، و منها كتاب الإسلام في نظر أعلام الغرب، و منها كتاب الجوهر اللماع جمع فيه حكم الإمام الشافعي. (رحمه اللّه تعالى) و أحسن مثواه و جعل الجنة مأوانا و مأواه آمين.

انظر: صورة رقم 3، الشيخ حسين بن عبد اللّه باسلامه‏

ترجمة الشيخ عبد اللّه الغازي المكي‏

الشيخ عبد اللّه بن محمد الغازي الهندي المكي. هو عالم فاضل و صالح كامل، و كان جارنا بمكة المشرفة، و كان يسكن برباط محمد باشا الذي هدمته الحكومة السعودية، و كان قد اتخذ بأسفل هذا الرباط أي عند بابه و درجته دكانا صغيرا يبيع فيه أدوات الكتابة من الورق و الأقلام و الحبر و الكحل و الصباغ و نحوها، و كان هذا دأبه و حرفته قانعا باليسير من الرزق، و كان يعمل أمينا لمكتبة مدرسة الصولتية التي بحارة الباب، إلى أن توفي (رحمه اللّه تعالى) بمكة في الخامس من شهر شعبان سنة (1365) خمس و ستين و ثلاثمائة و ألف هجرية و دفن بمقبرة المعلا (رحمه اللّه تعالى)، و قد خلّف ثلاثة من الذكور هم الشيخ عبد الرحمن و هذا أكبرهم‏

58

و أصلحهم و أحسنهم ثم صالح ثم عبد اللطيف، و لقد توفي الأول و الثاني و لهما ذرية، و الثالث الأخير على قيد الحياة حفظه اللّه تعالى و رحم اللّه من مات منهم، و لقد كان والدهم أحسن اللّه مثواه دائم الاشتغال بالتأليف ليلا و نهارا كما شاهدناه بأنفسنا، و للشيخ عبد اللّه غازي المذكور (رحمه اللّه تعالى) مؤلفات قيمة منها: إفادة الأنام بذكر أخبار بلد اللّه الحرام، و هو أربع مجلدات، و منها مجموع الأفكار من أحاديث النبي المختار، و منها رسالة في ذم اللعب و الملاهي المسماة" بكشف ما يجب من اللهو و اللعب" و منها رسالة في الفرائض، و منها كتاب في تراجم العلماء من المكيين و غيرهم من الذين ماتوا بمكة من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر. و منها رسالة ذيل الدرر، و هي تتمة تراجم العلماء في قرنه ليكون ذيلا للكتاب المتقدم، إلى غير ذلك من المؤلفات النافعة.

(رحمه اللّه تعالى) و أحسن جزاءه آمين، و وفق بعض الفضلاء لطبع تاريخه القيم النادر، فتاريخه مهم جدا لا يوجد مثله، فنسأل اللّه أن يقيض من يطبعه و ينشره بين المسلمين؛ لأن كثرة التواريخ و كثرة تنوعها لمكة المكرمة دليل على شرفها العظيم و مكانتها السامية، و رحم اللّه القائل:

و اعلم بأن كثرة التاريخ‏* * * لمكة شديدة الشموخ‏

دلالة أن لها من الشرف‏* * * ما قد يجل وصفه لمن عرف‏

هذا و لقد سمعنا من الثقات أن الأمريكان المقيمين" بالظهران" بالظاء المعجمة بالمملكة العربية السعودية، قد أخذوا لتاريخ الغازي صورا فوتو غرافية لجميع التاريخ، أخذوا لكل صحيفة صورة مصغرة بحجم علبة الكبريت، و ذلك بعد وفاة مؤلفه الشيخ عبد اللّه غازي (رحمه اللّه تعالى)، و بعد استئذان أولاده الذين كانوا يشتغلون عندهم في الظهران و بعد إعطائهم مكافأة سخية.

كما سمعنا من الثقات أيضا أن بعض من لا ضمير عندهم هنا، استنسخوا تاريخ الغازي ثم حرّفوا بعض مباحثه و علقوا عليها ما يشتهون، و لا يخفى أن هذا يسمى خيانة علمية لا تغتفر، و هذه الخيانات العلمية تقع في كل عصر، و قد رأينا من نبّه على هذه المسألة من كبار العلماء الأجلاء المتقدمين، و حذروا العقلاء و ألفتوا نظرهم إلى تمييز الخبيث من الطيب في مؤلفاتهم، فلا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، فالسرقات الشعرية و السرقات الأدبية أخف بكثير من السرقات العلمية و التاريخية، نسأل اللّه تعالى الهداية و الحفظ من الغواية آمين.

59

انظر: صورة رقم 4، الشيخ عبد اللّه الغازي المكي‏

ترجمة الأستاذ أحمد السباعي المكي‏

صديقنا الأستاذ أحمد السباعي أديب كبير و مؤرخ شهير و إنه من أدباء عصره و نبغاء دهره، ولد حفظه اللّه تعالى عام (1323) ألف و ثلاثمائة و ثلاثة و عشرين من الهجرة، و درس و حفظ القرآن الكريم في عدة كتاتيب و مدارس بمكة شرفها اللّه تعالى ككتّاب الشيخ محمد الخياط التي كانت بالقبّان و المدرسة الخيرية الهاشمية التي كانت أمام باب السلام، و أخيرا المدرسة الراقية التي كانت بجبل هندي و قد تخرج منها.

ثم تعين أستاذا لتحفيظ القرآن الكريم بالمدرسة الخيرية، ثم تعين مديرا لمدرسة دار الفائزين بالمسيال، ثم اشتغل بوظيفة التدريس بعدة مدارس، و في أثناء ذلك تعلق بالأدب فنشر عدة مقالات بالجرائد المحلية، و قد اشتغل محررا بجريدة" صوت الحجاز" ثم أسندت إليه إدارتها، و شغل في صدر شبابه بعض الوظائف الشرفية، و أخيرا انتقل منها إلى وزارة المالية مفتشا بها، و قد ترقى الآن إلى وظيفة ممثل مالي.

و قد أسس المذكور من بضع سنوات مطبعة تسمى" مطبعة الحرم" بمحلة أجياد، و قد أعطي امتيازا بإخراج جريدة يومية في أول عام (1376) باسم" جريدة الندوة" و قد صدر أول عدد منها في اليوم الثامن من شهر شعبان سنة (1377) و لا زالت تصدر و تؤدي رسالتها و واجباتها على أكمل وجه.

و لا يزال قلم الأستاذ السباعي يجول في ميادين العلم و الأدب حتى أخرج لنا من المؤلفات المطبوعة ما يأتي:

1- تاريخ مكة- و هو كتاب قيّم ألّفه بأسلوبه الأدبي على نمط لم يسبقه إليه أحد، و ذكر فيه أشهر بيوتات مكة، و قبائل العرب و بعض النواحي السياسية.

2- المرشد إلى الحج و الزيارة.

3- سلسلة سلم القراءة- ستة أجزاء.

4- مطوفون و حجاج" قصة".

5- فلسفة الجن" قصة".

60

6- أبو زامل" قصة".

7- فكرة" قصة".

8- صحيفة السوابق" قصة".

9- يوميات مجنون.

10- دعونا نمشي.

هذه نبذة صغيرة عن ترجمة الأستاذ السباعي، نسأل اللّه تعالى لنا و له التوفيق لكل ما فيه الخير آمين.

و بعد أن ذكرنا ما تقدم عن صديقنا الفاضل الأستاذ أحمد السباعي، طلبنا منه أن يكتب لنا نبذة عن حياته العامرة بالأعمال، فكتب لنا ما يأتي:

ولدت عام 1323 ه. بمكة و نشأت فيها، و درجت إلى أول (كتاب) في زقاق (الشيش)، ثم التحقت بكتاب آخر في القبان، ثم ثالث في باب الدريية، و رابع في جبل هندي، و ظلت معارفي في كل هذه الكتاتيب لا تتخطى (الألف باء).

و لما أسس الشريف الحسين بن علي أول مدرسة بعد نهضته المعروفة سنة 1334 ه و هي المدرسة الخيرية التحضيرية الهاشمية التحقت بها و ظللت فيها إلى أن انتهيت من القسم التحضيري. ثم اختار لي والدي أن ألتحق بقسم حفاظ القرآن الكريم بنفس المدرسة، فمكثت فيه نحو 3 سنوات حفظت أثناءها القرآن كأجود ما يكون الحفظ على يد فضيلة الشيخ أحمد زهر الليالي، و التحقت بعد ذلك بالمدرسة الراقية الهاشمية التي كان الحسين بن علي قد أسسها قبل ذلك بسنوات قليلة. و ظللت فيها إلى أن توفي والدي سنة 1337 ه، فاضطررت إلى ترك الدراسة فيها قبل السنة النهائية، و اختلطت بأعمال السوق بحثا عما يسدعوز عائلتي بعد وفاة والدي. و في عام 1338 ه اختارتني مديرية المعارف الهاشمية للتدريس في المدرسة الخيرية الهاشمية، و سني لا يتجاوز آنذاك السابعة عشر عاما، ثم عينت فيها معلما لصف الحفاظ و بقيت في مهنة التدريس أنتقل من مدرسة إلى أخرى نحو 13 سنة حيث أدركتني خلال هذه المدة هواية الأدب و أنا شاب كامل الاستواء، فتعشقت القراءة في سائر ألوانها و نهلت من معارف الكتب ما لا يوفيه حصر. و استطعت أن أختلط بأكثر الأفكار جدة في الحياة و أدأب على مناقشتها في فصول طوال كانت تنشرها صحف بلادي المحلية، و قبل أن أترك الدراسة بنحو

61

عامين اشتغلت محررا في جريدة (صوت الحجاز) تحت إدارة الشيخ محمد نصيف، و بانتقال الجريدة إلى الشركة العربية للطبع و النشر سنة 1352 ه برئاسة الشيخ محمد سرور الصبان اختارني رئيس الشركة مديرا للجريدة. فتركت فن التدريس و اشتغلت بالصحافة مديرا للجريدة ثم رئيسا لتحريرها و قد ظللت كذلك إلى نهاية عام 1359.

و تقلبت في تضاعيف ذلك بين عدة وظائف خيرية فاشتغلت عضوا و سكرتيرا في عدة جمعيات من أهمها جمعية (تشجيع الطيران) و جمعية الإسعاف ثم عضوا في لجنة وضع المناهج بوزارة المعارف و عضوا في لجنة تنسيق مكتبة الحرم.

ثم زاولت أعمالا تجارية نحو سنتين تركت بعدها التجارة إلى العمل الحكومي مرة أخرى كمفتش بوزارة المالية أول عام 1361 ه.

و عندما أسست الحكومة دار الإذاعة في جدة عام 1368 ه ندبتني وزارة المالية بالاشتراك مع بعض الشباب لتأسيس الإذاعة بوظيفة سكرتير عام بالإذاعة، فزاولت العمل فيها أشهرا، ثم عدت إلى وزارة المالية لأفكر في تأسيس مطبعة لحسابي أسميتها مطبعة الحرم فأنشأتها عام 1370 ه و لم تمض سنتان على نشأتها حتى رقيت إلى وظيفة ممثل مالي أحلت بعدها بشهور إلى التقاعد. و تقدمت بطلب إلى الجهات المختصة بمنحي امتياز إصدار جريدة يومية باسم (الندوة) و بذلك تبدل اسم مطبعة الحرم إلى مطبعة (الندوة).

و صدرت الندوة عام 1377 ه مرتين في الأسبوع، ثم ثلاث مرات، و فيما أنا أفكر في إصدارها يومية: إذا بالحكومة تصدر قرارا بإدماج الصحف في بعضها البعض بحيث لا تصدر أكثر من جريدة واحدة في كل مدينة من مدن المملكة.

و دمجت جريدة الندوة بموجب هذا القرار في جريدة حراء لصاحبها محمد جمال، و أصبحتا تصدران في صحيفة واحدة أسميناها الندوة، و بعد مرور بضعة شهور بعت حصتي في الشركة الجديدة و أصبحت جريدة الندوة ملكا للأستاذ صالح جمال.

و مضى على ذلك نحو سنة و نصف السنة استأذنت بعدها في إصدار مجلة باسم (قريش)، فصدرت الأوامر بالموافقة و ظهر أول عدد منها في غرة جمادى الأول سنة 1379 ه و ظلت على ذلك حتى دخلت في سنتها الخامسة، ثم صدرت الأوامر بنقل امتيازات الصحف إلى مؤسسات أهلية و بذلك وقعت عن الصدور.

62

و قد زاولت التأليف المدرسي أول ما علقت التأليف. فكانت سلسلتي (سلم القراءة العربية) أول مؤلف وطني عرفته مدارس بلادنا. ثم أنشأت في التاريخ و الأدب و القصة مؤلفات عديدة.

ثم بعد هذا كتب لنا حفظه اللّه تعالى أسماء مؤلفاته و هي التي ذكرناها، نرجو اللّه تعالى لنا و له العفو و العافية و التوفيق لصالح الأعمال آمين.

انظر: صورة رقم 5، الشيخ أحمد السباعي.

ترجمة محمد طاهر الكردي المكي الخطاط

هو محمد طاهر بن عبد القادر بن محمود الكردي المكي الخطاط، من مكة المشرفة، ولد سنة (1321 ه)، و طبع هذا التاريخ سنة (1385 ه). تعلم في مدرسة الفلاح بمكة المشرفة منذ صغره بعد تأسيسها ببضع سنوات، و لم يدخل في كتاتيب و لا مدارس أخرى غيرها، و تخرج منها في عام (1339) من الهجرة، ثم في أول عام (1340 ه) أخذه والده (رحمه اللّه تعالى) إلى القاهرة ليتعلم العلم في الأزهر الشريف، فاشتغل هناك بالعوم الدينية و العربية، و لم يتعلم شيئا من اللغات الأجنبية قط، كما اشتغل بتعلم الخطوط العربية بأنواعها و ما يتعلق بها من الرسم و الزخرفة و التذهيب، و ذلك بمدرسة تحسين الخطوط العربية الملكية، فلما رجع من مصر إلى مكة المشرفة اشتغل بتعليم الخط العربي بالمدارس و لذلك يعرف" بالخطاط".

و بتوفيق العزيز الحكيم انقطع المذكور إلى الاشتغال بتأليف الكتب النافعة من مختلف العلوم و الفنون، فقد ألّف نحو أربعين كتابا طبع منها نصفها تقريبا.

أعظمها: التفسير المكي و هو في أربع مجلدات، ثم التاريخ القويم لمكة و بيت اللّه الكريم و هو في مجلدين، ثم تاريخ القرآن و غرائب رسمه و حكمه، ثم تاريخ الخط العربي و آدابه، إلى غير ذلك. التي ذكرناها بآخر هذا الكتاب، و إن أعظم شي‏ء عمله المذكور هو كتابته لمصحف مكة المكرمة و طبعه بها، إنه ليرجو اللّه تبارك و تعالى أن يجعله عملا مبرورا خالصا لوجهه الكريم، و أن يتقبّل منا صالح الأعمال، و أن يعاملنا بما هو أهله لا بما نحن أهله بفضله و رحمته، إنه كريم حليم و غفور رحيم، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏، وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا، أَنْتَ‏

63

مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ، آمين يا رب العالمين، يا حي يا قيوم (يا اللّه).

ذكر أسماء مكة المكرمة

اعلم أن لمكة المشرفة أسماء كثيرة أكثر من ثلاثين اسما، و ذلك بحسب الصفات المقتضية للتسمية كما قاله الإمام النووي، ذكرها بالتفصيل العلامة ابن ظهيرة (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" الجامع اللطيف"، و لكن الشائع على الألسنة و المعروف منها أربعة:" مكة و بكة و أم القرى و البلد الأمين" و يسمي الهنود الأقدمون مكة مكشيشا أو موكشيشانا، كما ذكره البتنوني في رحلته- و بالأسماء الأربعة الشهيرة ورد القرآن الكريم بها صريحا. قال اللّه تعالى: وَ هُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ و قال عز شأنه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ و قال جل و علا: وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى‏ وَ مَنْ حَوْلَها و قال جل جلاله: وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ وَ طُورِ سِينِينَ وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ. و لا يخفى أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى. قال الشاعر:

و اعلم بأن كثرة الأسامي‏* * * دلالة أن المسمّى سامي‏

و نحن لا نريد سرد و شرح جميع ما أطلق على مكة من الأسماء خوف التطويل، و لكن نأتي بها مجموعة في سبعة أبيات نظمها القاضي أبو البقاء ابن الضياء الحنفي (رحمه اللّه تعالى) و هي:

لمكة أسماء ثلاثون عددت‏* * * و من بعد ذاك اثنان منها اسم بكة

صلاح و كوثى و الحرام و قادس‏* * * و حاطمة البلد العريش بقرية

و معطشة أم القرى رحم ناسة* * * و ناسة رأس بفتح لهمزة

مقدسة و القادسة و ناسة* * * و رأس و تاج أم كوثى كبرّة

سبوحة عرش أم رحمان عرشنا* * * كذا حرم البلد الأمين كبلدة

كذاك اسمها البلد الحرام لأمنها* * * و بالمسجد الأسنى الحرام تسمّت‏

و ما كثرة الأسماء إلا لفضلها* * * حباها به الرحمن من أجل كعبة

64

و من أراد زيادة البحث و الوقوف على أسمائها فليراجع كتاب" الجامع اللطيف في فضل مكة و أهلها و بناء البيت الشريف" أو غيره.

جدول بيان قياسات بعض جبال مكة و بعض أماكنها

اسم البلدة/ درجة/ دقيقة/ ثانية خط طول مكة المكرمة/ 39/ 49/ 30

و خط عرض مكة المكرمة/ 21/ 25/ 00

قياسات بعض الأماكن بمكة

المكان/ متر ارتفاع محلة المعابدة بمكة المشرفة عن سطح البحر هو/ 311

ارتفاع موقع باب جدة الذي بأول جرول عن سطح البحر/ 278

ارتفاع جبل أبي قبيس/ 420

ارتفاع جبل قعيقعان" أي جبل هندي"/ 430

ارتفاع جبل حراء بأعلا مكة/ 634

ارتفاع جبل ثور بأسفل مكة/ 759

ارتفاع جبل ثقبة و هو جبل الرخم بأعلا مكة/ 883

ارتفاع جبل الرحمة بعرفات الذي يقف عليه الحجاج/ 340

ارتفاع جبل سعد و هو في شرق شمال عرفات/ 836

المسافة بين الصفا و المروة" المسعى"/ 375

أخذنا جميع هذه القياسات من المهندسين المصريين التابعين للجنة التنفيذية لتوسعة المسجد الحرام بمكة المشرفة سنة (1377 ه) هذه الارتفاعات المذكورة هي بالنسبة لمنسوب البحر الأحمر بجدة" صفر".

المسافات بين بعض المساجد

المسافة بين المسجد الحرام إلى مسجد الخيف بمنى/ 9000

65

المسافة من مسجد الخيف إلى مسجد مزدلفة/ 5000

المسافة من مسجد مزدلفة إلى مسجد نمرة/ 7000

المسافة من مسجد نمرة إلى مسجد الصخرات عند جبل الرحمة/ 3000

المسافة بين مسجد نمرة و جبل الرحمة بعرفات/ 1750

المسافة من مكة إلى المدينة المنورة/ 7500

المسافة من مكة إلى المدينة المنورة/ 50000

و سنذكر إن شاء اللّه تعالى قياسات الكعبة المشرفة و ما حولها، و قياسات مكة المكرمة و حيالها و نواحيها في محله.

66

مقدمة الكتاب‏

بلاد الحجاز

جاء في الكتاب الذي أخرجته وزارة التجارة السعودية عن" المملكة العربية السعودية" عن الحجاز ما نصه:

و لا يقل الحجاز أهمية عن نجد لما فيه من مدن مقدسة تهوي إليها أفئدة المسلمين خمس مرات في اليوم. و جلالة الملك أيده اللّه يقسم أوقاته بين الرياض و الحجاز، يقضي أشهرا من السنة في الرياض و أشهرا في الحجاز، و يقع الحجاز من الجزيرة في ناحيتها الشمالية الغربية تقريبا، و هو يمتد على شاطئ البحر الأحمر.

طبيعة الحجاز

يتكون الحجاز من عدة مناطق طبيعية يحاذي بعضها البعض:

1- المنطقة الساحلية بمحاذاة شاطئ البحر الأحمر (تهامة) و تحفها شعاب مرجانية.

2- منطقة جبلية عالية تأخذ في الانخفاض التدريجي حتى إلى ما بين جدة و مكة، إذ لا يزيد ارتفاعها هنالك عن ألف قدم.

3- منطقة نجدية (واقعة بين جبال) مرتفعة جدا في الشمال و مغطاة بالحمم من العويرض، و لكنها تأخذ في الانخفاض في اتجاهها للجنوب فيصل ارتفاعها في غربي مكة و الطائف إلى نحو ألف قدم.

4- الأخدود الرئيسي، الأجزاء المرتفعة منه مغطاة بالحمم كما هو الحال في الخرمة و العويرض و خيبر (6000- 7000) قدم و لكنه لا يزال محتفظا بارتفاع لا يقل عن خمسة آلاف قدم خلف مكة.

5- المنطقة الأخيرة، و هي على حافة المنحدر الشرقي في اتجاه قلب الجزيرة، و في قلب المنطقة الأولى و الثالثة تقع المدن الآهلة بالسكان: فالمويلح، و الوجه، و أفلج، و ينبع، و رابغ، و جدة، واقعة في المنطقة الأولى.

67

و العلا، و المدينة، و مكة، واقعة في المنطقة الثالثة. و يوجد في الحجاز و احات خصبة متفرقة هنا و هناك و هي على الأغلب واقعة على خط بين المنطقة الرابعة و الخامسة.

و منها: الحائط، و الحويط (فدك)، و خيبر، و الحناكية، و الطائف، و وادي فاطمة، و الصفراء.

جو الحجاز

إن كميات المطر التي تنزل في الحجاز قليلة و غير كافية، و لهذا فإنه قاحل في كثير من المواقع إلا حيث توجد الواحات.

و درجة الحرارة في أجزاء الحجاز المنخفضة أخف منها في تهامة اليمن، و متوسطها من (26- 33) سنتيجراد، و الهواء رطب و نظرا لأن مكة منخفضة الارتفاع (700- 850 قدما) و محاطة بمرتفعات صخرية جرداء فإنها شديدة الحر صيفا، بخلاف المدينة فإن درجة الحرارة لا تزيد عن (32) و هي بلد صحي.

و الطائف من حيث المناخ أحسن بلاد الحجاز قاطبة فهو جاف الهواء، و المرتفعات فيما وراء مكة و الطائف جوها بارد.

الأقاليم الشمالية

ينحصر هذا القسم في شمال الحجاز ما بين خط العرض 30- 27 شمالا و هو قسم جبلي و يمر به خط سكة الحديد الحجازية، و في القسم لا يوجد مدن في المحيطات الواقعة ضمنه، فمن معان إلى دار الحمراء (250 ميلا تقريبا) لا يوجد إلا تبوك، و مدائن صالح.

و الساحل في هذا الجزء عبارة عن أرض منبسطة عرضها من 7 أميال إلى 15 ميلا، و ليس به مزروعات كما في حوافي الوديان، و في بعض الأماكن يوجد مياه جوفية يمكن أن تقوم عليها زراعات منظمة كما هو الحال في تبوك.

و أهم المدن و القرى: المويلح، و مقنا، و حقل، و ضبا، و تبوك، و ذات الحاج.

68

المنطقة الوسطى‏

يقع هذا الجزء بين خطي عرض 7- 24 شمالا و يمتد مائتي ميل. و جميع الوديان و مجاري المياه في هذه المنطقة تنفذ إلى البحر الأحمر بواسطة منفذ واحد و هو وادي الحمض، الذي يقع فمه إلى جنوب الوجه بثلاثين ميلا، و هذا الجزء غني بالثروة المعدنية و الزراعية و الحيوانية. و أهم المدن: الوجه، و أملج، و ينبع البحر، و ينبع النخل، و العلا، و خيبر، و الحناكية، و المدينة.

القسم الجنوبي‏

يمتد هذا القسم بين خطي عرض 24- 20 شمالا، حيث تبتدئ حدود عسير من هذا الخط. و هذا القسم يحتوي على كثير من الوديان و الواحات، و تجود فيه زراعة الفاكهة و النخيل و الحبوب. و هناك دلائل على وجود الثروة المعدنية في هذا القسم و أشهر مدنه: مكة، و جدة، و الليث، و الطائف.

انظر: صورة رقم 6، خريطة مكة المكرمة.

أهم مدن الحجاز

[1] مكة المكرمة

جاء في الكتاب الذي أخرجته وزارة التجارة السعودية عن" المملكة العربية السعودية" عن أهم مدن الحجاز ما يأتي:

مكة المكرمة: عرفت مكة من القدم منذ أخذ إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام يضع قواعد البيت الحرام، و فيها ولد الرسول الكريم محمد، و فيها بدأت الدعوة إلى الحق و الهدى. و كما كانت مكة معروفة منذ القدم بمكانتها الدينية فقد كانت لها إلى جانب ذلك مكانة تجارية عظيمة بما كان يجلب إليها من عروض التجارة من الشام و من جهات بعيدة أخرى، و بما كان يصدر عنها من التجارة إلى مختلف بقاع الأرض، و بخاصة ما يحمله الحجاج من أسواقها من صنوف الحاجيات و البضائع و التحف المجلوبة. و تقع مكة في واد ضيق هو وادي إبراهيم، و هذا الودي تحوطه جبال شاهقة حارة في الصيف معتدلة في الشتاء. و قد كانت مكة، تمتاز عن مدن الجزيرة منذ القدم بأنها ذات اتصال بالخارج، و كانت تتطور في‏

69

التجارة و العمران بتطور الزمن. و في العهد السعودي الزاهر امتدت مكة خارج الجبال المحيطة بها، و عملت حكومة صاحب الجلالة على إيصال الماء لكل محلة من محلات مكة. و ازدهرت بالنهضة العمرانية و التجارية و العلمية، و أصبحت كخلية النحل، و أضيئت لأول مرة في تاريخها بالتيار الكهربائي، و رصفت شوارعها و نسقت على جوانبها الأشجار، و فيها مقر لكثير من الوزارات، و فيها يقيم جلالة الملك المعظم حين تشريفه لمقاطعة الحجاز، و لقد أصبح الوافدون على بيت اللّه الحرام من مختلف بقاع الأرض و أمصارها يلمسون التطور في مكة و يشاهدون النهضة العلمية و الصحية: من مدارس كثيرة و مستشفيات ضخمة. على أن جلالة الملك سعود كان قد أصدر أمره الكريم إلى وزارة المالية برصد مبلغ ضخم لتوسعة الشوارع و إزالة الحوانيت بالمشعر الحرام و إيجاد كل ما من شأنه راحة حجاج بيت اللّه الحرام.

[2] ا لمدينة المنورة

هي المدينة الثانية في القداسة بالحجاز، و بها قبر الرسول الكريم حيث هاجر إليها (صلى الله عليه و سلم) لينشر الدين الإسلامي آمنا مطمئنا بين قوم يؤثرونه على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة، و كانت مقر الخلافة الإسلامية و مصدر السلطات الدينية و السياسية في الماضي، و تكتنفها ستة أودية أشهرها: وادي العقيق و هو واد جميل، هواؤه عذب، و تربته خصبة، و كانت به الدور و القصور العامرة و الحدائق الغناء قديما. و هواء المدينة بارد شديد البرودة في الشتاء، و حار شديد الحرارة في الصيف، و معتدل في الخريف. و بها عيون كثيرة، فأينما احتفرت نبع لك ماء، و المدينة بلد النخيل من قديم، و هي كذلك بلد زراعي و لا تزال حقول القمح و الخضراوات و الفواكه و الشعير منتشرة بضواحيها.

و قد أفادت فائدة ملموسة من الخط الحديدي الذي ربط بينها و بين الشام قديما، فكثر سكانها و تطورت في النهضة، و لكن هذه الجذوة انطفأت بعد انقطاع الخط الحديدي و بعد الحرب العظمى. إلا أن الملك سعود، منذ أن أولى البلاد عنايته، منح المدينة قسطا عظيما من حظ الرعاية، فكان اهتمامه بنهضتها يستغرق وقته. و أول تباشير هذه الرعاية إعادة سكة الحديد، و قد باشرت اللجان دراسة هذا الموضوع و واصلت العمل فيه، و تأكيدا لمظاهر هذه العناية رصد جلالته مبلغ مليوني ريال كدفعة أولى لهذا المشروع الخطير. و الخط الحديدي بلا شك شريان‏

70

الحياة بالنسبة للمدينة، فيه تستطيع أن تقفز بسرعة إلى مصاف المدن الراقية. و من المآثر الخالدة لجلالة الملك إعادة بناء المسجد النبوي و توسعته ليجعله متفقا مع ما له من الهيبة و الجلال.

و المدينة غنية بالآثار الصناعية و العمرانية و الكتابية، و لا عجب فقد كانت ملتقى مدنيات و مجمع أقوام وفدوا إليها من آفاق الأرض تباعا، و لكل منهم مدينته و عمرانه و آثاره، فقد كانت مهاجر بعض المصريين القدماء قبل التاريخ، و كان بها العمالقة، و باسم أحدهم سميت يثرب قديما، و جاء إليها بعدهم من اليمن بنو قيلة و نقلوا إليها حضارتهم، فهي بلد الآثار في المملكة كما أنها كانت مركز الخلفاء الراشدين.

[3] جدة

هي المدينة الثالثة بالحجاز، و تقع على البحر الأحمر. و هي أكبر الموانئ السعودية بالحجاز. و هذا الميناء يستقبل مئات الألوف من الحجاج جوا و بحرا كل عام، و قد تعهدها ساكن الجنان الملك عبد العزيز فأوصل إليها الماء من مئات الأميال بعد أن كان أهلها يعتمدون على مياه الآبار و الصهاريج التي تملئ بماء المطر، و على المياه المقطرة بواسطة الآلات. و لكن إيصال الماء من الوديان البعيدة بالمواسير و الأساليب الحديثة جعلها تزدهر كثيرا، فتكاثر سكانها و زادت حركتها التجارية و تمت و تعالت البنايات الشاهقة تشق الفضاء، و أنشئ بها ميناء بحري يضاهي ميناء الدمام، و هما يعدان من أكبر موانئ الشرق الأوسط، كما أن ميناءها الجوي يعد من الموانئ المشهورة في الجزيرة العربية. و قامت بجدة نهضة صناعية عظيمة مختلفة الألوان و نهضة إنشائية كبيرة، و بها مكاتب لمعظم الوزارات و الإنشاءات. و قد تكلفت الحكومة السنية لإيجاد الميناء البحري كثيرا، و ليس أدل على ذلك من أنها صرفت في أعمال الردم مبالغ باهظة. و يبلغ طول الطريق المردوم 5500 قدم، و المسافة الحديدية على جوانب الرصيف تبلغ 2243 قدما، و قد أصبحت جدة الآن غنية بالفنادق الكاملة الاستعداد لاستقبال الوافدين من مختلف الجهات. و مدينة جدة تضاء بالكهرباء و قد قامت بمشروعه شركة سعودية بأموال سعودية. و في جدة تقوم دور السفارات و المفوضيات و القنصليات العربية و الإسلامية و الأجنبية- لهذا فهي تعتبر المركز الرسمي للتمثيل السياسي العربي.

71

كما أن جدة اليوم هي المدينة التالية لمكة في الحجاز، من ناحية النشاط التجاري. لذلك تقوم فيها المراكز الرئيسية للبنوك و المؤسسات المالية و الأجنبية و الأهلية و تتفرع فروعها في المدن الأخرى. هذه هي جدة المدينة التي ينتظر لها مستقبل باهر في الصناعة و التجارة.

[4] الطائف‏

الطائف مدينة تاريخية قديمة، و كان يسكنها في الجاهلية ثقيف و هي مجموعة قبائل عربية، و الطائف مصيف الحجازيين لبرودة المناخ و جمال الهواء و كثرة الحدائق الغناء و توفر المياه، و هي ترتفع عن سطح البحر مقدار ألف و ثمانمائة قدم، و قد مر على الطائف كما مر على غيرها من المدن الحجازية، الاهتمال و الكتب فأنزل كيانها و أوشكت على العدم، و لكنها اليوم أصبحت مدينة عامرة شامخة، و يعود الفضل الأكبر في إصلاحها و رقيها إلى حضرة صاحب السمو الملكي الأمير فيصل ولي العهد. فقد اتخذها مصيفا رسميا له منذ تولى نيابة الحكم على الحجاز، و قد أزهرت الطائف خلال هذين العامين في عهد الملك سعود، فنطاق العمران قد اتسع فيها بشكل يلفت الأنظار كما أن وزارة الدفاع و الطيران قد جعلت مقرها الرسمي بها، و أحدثت فيها المستشفيات و غيرها، و نتيجة لهذا نشطت الحركة التجارية و كثر عدد السكان فيها، و قد أخذ في أسباب تعبيد الطريق بين الطائف و مكة، و لا شك أنه متى تم ذلك، فإن الطائف تصبح أزهر مما هي عليه الآن، كما أن بلدية الطائف قد أتمت تنفيذ عدة مشروعات نافعة منها بناء مقر للبلدية و تخطيط الأراضي المحيطة بالمدينة و توزيعها على الأهلين، و أنشأت مذبحا لذبح الماشية على أحدث النظم، و وسعت الشارع العام إلى قروة و نزعت ملكيات بعض المباني لتوسعة الشوارع الرئيسية.

[5] عسير

يطلق اسم عسير على الجهة الغربية من بلاد العرب الواقعة إلى جنوب الحجاز و شمال اليمن، و تشمل سهلا ساحليا (تهامة) يحاذي البحر الأحمر على طول 200 ميل و عرض 45 ميلا، و هذه المنطقة مأهولة بالسكان في السهول الزراعية التي تغمرها السيول، و تصل الصخور البركانية (الحرة) في بعض المواقع للبحر كالرقبة و الجهمة و خور البرك. و جبال الجهة الشرقية من تهامة، كما هو الحال بالحجاز،

72

و عرة جدا و ترتفع إلى علو أكثر من 9000 قدم، و ليس في عسير طرق مطروقة و الجبال إذ تميل برفق إلى الشرق فقد شكلت حاجزا لمنع تفتت التربة مما يجعل الأرض صالحة للزراعة.

و عسير من أجمل بقاع المملكة ففيه من المناظر الطبيعية الجذابة ما يشبه بعض المواقع الطبيعية الخلابة الفاتنة في كل من قبرص و إيطاليا و القسم الجنوبي من اليمن، و إننا إذا أردنا أن نحكم بما نرى من خضرة وافرة و فائضة نستنتج أن معدل سقوط الأمطار فيها لا يقل عن 10 إلى 13 بوصة في السنة، و هذه النسبة العالية نسبيا قد تأيدت بالفعل، و يدل عليها نموذج بناء العاصمة (أبها). و على بعد 80 ميلا من الشاطئ توجد سلسلة مرتفعات يبلغ ارتفاعها بين 6000 و 7000 قدم، و نجد بساتين ذات مساحات جيدة تقع محاذية للجبال و تمتد مخضرة إلى الأودية حتى تصل إلى نجران و الربع الخالي. و تستمر هذه السلسلة في هبوطها حتى بيشة بالقرب من زاوية عسير الشمالية الشرقية.

و نظرا لما يصيب بلاد اليمن من المطر الموسمي في الخريف، و نظرا لقرب عسير منها فإن نصيبها من هذا المطر غير قليل، و لذا فإن و ديانها الكثيرة الشاسعة تعتبر من الدرجة الأولى في الخصوبة، و أهم هذه الوديان وادي رانية و وادي بيشة، و وادي شهران و وادي عقيق، و أغلب الوديان الكبيرة تجري فيها المياه إما فوق سطحها أو قريبا منه.

تجري الوديان الرئيسية في اتجاه وادي الدواسر الواقع في جنوب نجد، و البلاد الداخلية في غاية الخصوبة و خصوصا من تنومة إلى تنينة، و هي تضارع أحسن و أخصب البلاد العالية في اليمن، و المزروعات على اختلاف أنواعها من حبوب و بقول و فاكهة تجود في الوديان. و الجزء المجاور لشاطئ البحر و إن كان رمليا فإنه أحسن بكثير من نظيره في الحجاز، ففي أجزاء كثيرة منه تنبت المزروعات و يعيش كثير من السكان عليها، و ينزل المطر غير غزير في جنوبي تهامة، و تهامة الوسطى، في شهر فبراير، و مارس، و في شهر يونية تنزل عليها أمطار غزيرة، أما في الشمال- سواء في الداخل أو في البلاد الساحلية- فإن المطر غير غزير فيها.

و أشهر مدن عسير: بيشة، و تربة، و أبها، و محايل، و خميس مشيط، و أبو عريش، و صبيا، و حلي، و جيزان.

73

فضل الحجاز

قال القلقشندي في كتابه صبح الأعشى في الجزء الرابع صحيفة 243 عند الكلام على فضل الحجاز و خواصه و عجائبه ما نصه: أما فضله ففي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد اللّه الأنصاري رضي اللّه عنه عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: «غلظ القلوب و الجفاء في المشرق، و الإيمان في أهل الحجاز».

قلت: و في ذلك دليل صريح لفضل الحجاز نفسه، و ذلك أن هواء كل بلد يؤثر في أهله بحسب ما يقتضيه الهواء، و لذلك تجد لأهل كل بلد صفات و أحوالا تخصهم، و قد أخبر (صلى الله عليه و سلم) عن أهل الحجاز بالرقة كما أخبر عن أهل المشرق بالغلظ و الجفاء، و ناهيك بفضل الحجاز و شرفه أن به مهبط الوحي و منبع الرسالة و به مكة و المدينة اللتين هما أشرف بلاد اللّه تعالى و أجل بقاع الأرض، و لكل منهما فضل يخصه يأتي الكلام عليه عند ذكره فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

ثم بعد أن ذكر القلقشندي خواص الحجاز ذكر حدوده و ابتداء عمارته و تسميته حجازا فقال ما نصه: أما حدوده فاعلم أن الحجاز عبارة عن مكة و المدينة و اليمامة و مخاليفها على خلاف في بعض ذلك يأتي ذكره في موضعه إن شاء اللّه تعالى، و هو بجملته من جزيرة العرب، و هي ما بين بحر القلزم أي البحر الأحمر و بحر الهند و بحر فارس و الفرات و بعض بادية الشام.

قال المدائني: جزيرة العرب خمسة أقسام: تهامة و نجد و الحجاز و العروض و اليمن، و زاد ابن حوقل في أقسامها بادية العراق و بادية الجزيرة فيما بين دجلة و الفرات و بادية الشام، و فيها خلاف يطول ذكره.

ثم ذكر القلقشندي كلام الإمام النووي عن حدود جبل السراة الذي هو عبارة عن الحجاز لم نذكره لأن ما تقدم يغنى عنه و حتى لا يطول الكلام، و قد قال: سميت جزيرة العرب،" جزيرة" لا نجزار الماء عنها حيث لم يمد عليها و إن كان مطيفا بها.

قال القلقشندي: أما ابتداء عمارة الحجاز فإنه لما انبث أولاد سام بن نوح (عليه السلام) و هم العرب في أقطار هذه الجزيرة حين قسم نوح الأرض بين بنيه- نزل الحجاز منهم من العرب البادية طسم و جديس (و منزلهم) اليمامة، و نزلت جرهم على القرب من مكة، فكان ذلك أول عمارة الحجاز بعد الطوفان، ثم بادت هذه‏

74

العرب و هلكوا عن آخرهم، و درست أخبارهم و انقطعت آثارهم. و عمّر الحجاز بعدهم جرهم الثانية، و هم بنو جرهم بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح (عليه السلام). و لما أسكن إبراهيم الخليل (عليه السلام) ولده إسماعيل بمكة كما أخبر تعالى عنه بقوله: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ‏ كانت جرهم الثانية نازلين بالقرب من مكة فاتصلوا بإسماعيل (عليه السلام)، و تزوج منهم و كثر ولده و تناسلوا، فعمروا الحجاز إلى الآن. انتهى من صبح الأعشى.

75

جغرافية بلاد العرب‏

نحب أن ننقل هنا بعض ما يتعلق بتاريخ العرب من كتاب" تاريخ العرب و آدابهم" المطبوع بالمطبعة الأميرية ببولاق بمصر القاهرة سنة (1310) من الهجرة الموافق لسنة (1893) من الميلاد و هو تأليف إدوارد فانديك و قسطنطين فيليبيدس.

و ربما يعجب البعض لاختيارنا النقل من هذا الكتاب بالذات و هو تأليف بعض أساتذة الإفرنج- فنقول: إن هذا الكتاب وقع في يدنا بالمصادفة، فتصفحناه جيدا فلم نجد فيه ما يمس الدين الإسلامي قط، كما لم نجد فيه أي شي‏ء محرفا، بل وجدناه كتابا متين الأسلوب قوي الأدلة، كل ما فيه صواب و كل مسائله محققة، لذلك قررت نظارة المعارف العمومية المصرية تدريسه بالمدارس بعد أن التزمت طبعه على نفقتها.

نعم- وجدنا فيه غلطة غير مقصودة من المؤلفين المذكورين و هي قولهما بأول صحيفة (49)" و الحجر الأسود كان يعبد في الجاهلية" هذه الجملة غلط واضح، و الصحيح الذي لا شك فيه أن الحجر الأسود لم يعبد قط لا في الجاهلية و لا في الإسلام، كما أن الكعبة كذلك لم تعبد قط.

و القارئ في هذا الكتاب يخرج منه بفوائد كثيرة صحيحة، و ليس من المعقول و العدل أن نرمي بكتاب لمجرد أن مؤلفه غير مسلم، ففي الأثر «الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها» لهذا نحن ننقل من الكتاب لتحققنا من صحة ما جاء فيه- و على اللّه الاعتماد و التكلان، فقد جاء في جغرافية بلاد العرب ما يأتي:

هذه البلاد شبه جزيرة، و تتصل بقارة آسيا من الشمال، يحدها شمالا بلاد مصر و فلسطين و بادية الشام و وادي الفرات، و جنوبا البحر الهندي، و غربا البحر الأحمر، و من الشمال الشرقي خليج فارس، و هي محصورة بين الدرجة 12 و الدقيقة 45 و الدرجة 30 و الدقيقة 25 من العرض الشمالي، و بين الدرجة 32 و الدقيقة 30 و الدرجة 60 من الطول الشرقي من كرين و تش، و طول الشط الشرقي من مصب نهر الفرات إلى رأس مسندم إلى رأس الحد ستمائة كيلو متر مربع، و من رأس الحد إلى باب المندب ألفان و مائتا كيلو متر، و من باب المندب‏

76

إلى السويس ألف و تسعمائة كيلو متر، و طول الحد الشمالي الوهمي من السويس إلى مدينة البصرة ألف و خمسمائة كيلو متر، فتكون إذا مساحة جزيرة العرب مضمومة إليها شبه جزيرة طور سيناء 558، 156، 3 كيلو مترا مربعا و ذلك خمسة أضعاف مساحة مملكة فرنسا.

انظر: صورة رقم 7، خريطة بلاد العرب‏

منظومة فريدة في علم الجغرافيا

هذا و بمناسبة ذكرنا جغرافية بلاد العرب، أحببنا هنا إثبات منظومة فريدة لطيفة في علم الجغرافيا، و هي من نظم بعض العلماء الفضلاء بمصر، لكن زدنا عليها بعض الأبيات من نظمنا على وفق بحرها زيادة في الإيضاح و تكملة للفائدة العامة، و ذلك منذ سنوات مضت، لكن نسينا أن نميز الأبيات الأصلية من الأبيات التي زدناها عليها، و الآن لا يمكننا تمييزها لمضي سنوات عديدة عليها، و المقصود من إثبات هذه المنظومة في تاريخنا، هو المحافظة على آثار المسلمين في شتى العلوم و الفنون، و هذه المنظومة فريدة طريفة قل أن يوجد مثلها. فرحم اللّه تعالى ناظمها و قارئها و سامعها آمين، و اللّه تعالى هو الموفق للصواب و إليه المرجع و المآب- و إليك المنظومة المذكورة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه على الإيمان‏* * * و الحمد للّه على العرفان‏

يا أيها الإخوان و الأصحاب‏* * * و الأصدقاء و كذا الطلاب‏

أهديكمو قلائد العقيان‏* * * في علم تقويم لذي البلدان‏

فحده علم بسطح الأرض‏* * * و ما حوت من طولها و العرض‏

و ما عليها من بلاد عامرة* * * و من جبال و بحار زاخرة

موضوعة السطح و ما عليه‏* * * من كل شي‏ء ثابت عليه‏

و اسمه التقويم للبلدان‏* * * تعريب جغرافية يوناني‏

***

فالأرض قالوا إنها لدائرة* * * عظيمة الجرم على شكل الكرة

دليلهم سياحة عديدة* * * قد استمرت مدة مديدة

77

فرجعوا فيها لمبدأ السفر* * * فذا دليل عندهم قد استقر

و رؤية للأرض في وجه القمر* * * عند الخسوف مستديرة الأثر

و نظر الشخص إلى أعلى الشبح‏* * * من قبل أدناه دليل اتضح‏

***

و الأرض قالوا إنها موصوفة* * * بحركات عندهم معروفة

يومية و الليل و النهار* * * من هذه كل له انتشار

سنوية تدور حول الشمس‏* * * في كل عام مرة بالحدس‏

فصل الشتا منها مع الخريف‏* * * فصل الربيع ثم فصل الصيف‏

و الشمس حقا مثل أضعاف القمر* * * و مثل أضعاف الأراضي في الكبر

***

إن الجهات أربع أصلية* * * و أربع جزئية فرعية

فقابل الجنوب بالشمال‏* * * و الغرب بالشرق على التوالي‏

و أربع فرعية معلومة* * * في غاية الضبط أتت منظومة

ما كان بين الشرق و الشمال‏* * * يدعى شمال الشرق في ذا الحال‏

ثم شمال الغرب ما كان على‏* * * يسار غرب و الشمال قد تلا

كذا الجنوب عندهم قسمان‏* * * مثل الشمال عند ذي الإتقان‏

***

جزء من القماش و الأوراق‏* * * خريطة سموه باتفاق‏

مرسومة فيها البلاد و البحار* * * كذا الجبال و البوادي و القفار

شمالها ما كان من أعلاها* * * ثم الجنوب ما بها تناها

و الشرق فيها عن يمين الناظر* * * و الغرب فيها عن يسار الباصر

***

و قسموا ذي الكرة الأرضية* * * قسمين عندهم بذي الكيفية

ثلاثة الأرباع منها الماء* * * و الربع يابس له انتهاء

و كل بحر في وجود مالح‏* * * و كل نهر مستساغ صالح‏

كبحر الأحمر و نهر النيل‏* * * يعرف بالأسفار و الرحيل‏

78

***

جزيرة هي قطعة أرضية* * * محاطة باللجة البحرية

و عكسها بحيرة محاطة* * * بالأرض فاعرف هذه الإحاطة

ثم الخليج و هو جزء مائي‏* * * و داخل في الأرض بانحناء

و الأرخبيل و هو مجموع جزر* * * في جهة من الجهات قد كثر

و الجبل الكثير الارتفاع‏* * * عن سطح أرض في قفار القاع‏

و التل ما كان قليل الرفعة* * * من التراب و هو يدعى التلعة

و عدة الجبال تدعى سلسلة* * * موصولة ببعضها في المنزلة

و ما استوى في الأرض فهو السهل‏* * * من ارتفاع و انخفاض يخلو

و النجد و الهضبة سهل مرتفع‏* * * بغير ذا التعريف فيها ممتنع‏

و المرج أرض ذات زرع و نبات‏* * * و القفر أرض ليس فيها من نبات‏

ثم البراكين جبال النار* * * تقذف بالدخان و الأحجار

***

أما المحيطات فخمس ذكروا* * * محيط الهادي و هذا أكبر

و الأطلسي و هو الأطلانطيقي‏* * * و الثالث الهندي بالتحقيق‏

و الرابع المتجمد الشمالي‏* * * و الخامس المتجمد الجنوبي‏

***

و قسموا القارات أيضا خمسا* * * فاحفظها حفظا جيدا لا تنسى‏

أفريقيا و آسيا و أوروبا* * * و أستراليا وقيت الكربا

و أمريكا خامس الأقسام‏* * * فاحفظ هداك بارئ الأنام‏

مصر بلاد النوب ثم الحبش‏* * * طرابلس و تونس مراكش‏

و غيرها فهذه إفريقيا* * * و الشام و الحجاز هذي آسيا

و يمن و نجد و التهامة* * * و غيرها فافهم تكن علامة

أما أوروبا فبلاد إنكلترا* * * كذا فرنسا و كذا سويسرا

و دانمرك و كذا بلجيكا* * * و غيرها مفصلا يأتيكا

و أمريكا فبلاد كندا* * * و هي ولايات ترى متحدا

79

منها البرازيل و مكسيك و كم‏* * * قد ذكروا من البلاد بالقلم‏

أما أستراليا فتحتوى على‏* * * عدة بلدان فلا تستجهلا

***

فهذه منظومة فريدة* * * و هي على اختصارها مفيدة

فرحمة اللّه على ناظمها* * * و أحسن اللّه إلى سامعها

نظمها من علماء الأزهر* * * من معهد العلم القديم الأنور

اعرفه و قد نسيت اسمه‏* * * لكنه مات و ذاب جسمه‏

و الطاهر الكردي قد زاد على‏* * * أبياته شيئا قليلا للملا

حتى تكون هذه المنظومة* * * كاملة مفيدة مختومة

فالحمد للّه على التمام‏* * * فإنه ذو الفضل و الإنعام‏

ثم صلاة اللّه مع سلامه‏* * * على النبي" محمد" و آله‏

ثم على أصحابه العظام‏* * * و التابعين الأصفياء الكرام‏

تاريخ الاكتشاف الجغرافي لبلاد العرب‏

و جاء في الكتاب المذكور أيضا ما يأتي: إنه مع كون جزيرة العرب كانت فيما مر من الدهر معروفة عند الأمم الشرقية القديمة و عند الرومان و اليونان إلا أن معرفتهم لها كانت بالاسم فقط ليس إلا. و قد أجمع أرباب البحث على أن كل خبر رواه الغربيون عن جزيرة العرب قبل القرن الثامن عشر ميلادية غير حري بالوثوق و لا بارز عن ظل الشبهة، و هذا ما ألجأ أهل الجغرافية الحديثين منهم إلى البحث و التنقيب و الرحلات المتتابعة حتى وقفوا على معرفة الكثير من أحوالها و شؤونها، و جزموا بكثير منها على رويّة لأنهم رأوا حقيقتها بالعيان، غير أن هذا الفوز العظيم لم يكن وافيا بما كان يتوقع منه من النتائج الكبيرة فإنهم استوضحوا باكتشافاتهم أشياء و بقي من دون ما استوضحوه مشاكل جمة و معميات شتى لم يهتدوا إلى جلائها و كشفها، و قد قسم أهل التحقيق كلام الكتّاب شبه جزيرة العرب إلى ثلاث أقسام سموها عصورا فقالوا العصر القديم أي عصر ما قبل الإسلام، و عصر الإسلام، و العصر الأوروبي.

80

العصر القديم أي ما قبل الإسلام‏

و جاء في الكتاب المذكور ما يأتي: إن أقدم ما سطر في صحائف التاريخ عن بلاد العرب هو ما ورد الإيماء إليه في برنامج الأمم المدرج في الفصل العاشر من سفر الخلائق، ثم أتى على ذكرها اسثرابون الجغرافي في تأليفه و بلينيوس في جغرافيته، و أول من ذكرها على حقيقتها بطليموس الفلكي المشهور، و هو من أعلام القرن الثاني للميلاد في كتابه المعروف بالمجسطي، قال: و تقسم بلاد العرب إلى ثلاث أقسام عربية: بطرا (بترا) نسبة إلى مدينة بطرا الكائنة في وادي موسى، و هي التي كانت عاصمة مملكة أدوم، و عربية البادية في الشمال، و العربية السعيدة أي المخصبة بالجنوب. ا ه. و هذا القسم الأخير فيما قال بعض المحققين هو بلاد اليمن.

العصر الإسلامي‏

و جاء في الكتاب المذكور ما يأتي: و فيه نبغ كثير من كتاب العرب، فدوّنوا في أسفارهم الجغرافية معلومات نفيسة جدا عن بلاد العرب منبع الإسلام، و أشهر كتاب الجغرافية منهم الهمداني المتوفى سنة 334 هجرية (سنة 945) ميلادية، و قدامة المتوفى سنة 337 هجرية (سنة 948) ميلادية، و ياقوت الحموي المتوفى سنة 627 هجرية (سنة 1229) ميلادية، و أخصهم في الذكر المقدسي الذي نبغ في أواخر القرن العاشر سنة 375 هجرية (سنة 985) ميلادية. و طبعت جغرافية الهمداني بالعربية في مدينة ليدن سنة 1884 ميلادية، و مما دونوه في كتبهم تقسيمهم بلاد العرب إلى خمسة أقسام و هي:

(اليمن) و فيه حضرموت و مهرت و عمان و شحر و نجران. و سمي باليمن؛ لوقوعه عن يمين الكعبة.

(الحجاز) و فيه مكة و يثرب و سمي حجازا؛ لأنه حاجز بين تهامة و نجد.

(و تهامة) و هي بين اليمن جنوبا و الحجاز شمالا.

(و نجد) و هي ما يتصل بالشام شمالا و العراق شرقا و الحجاز غربا و اليمامة جنوبا. و هي أطيب أرض في بلاد العرب.

81

(و اليمامة) و هي بين نجد و اليمن. و تسمى العروض أيضا؛ لاعتراضها بين نجد و اليمن، و من جبالها سيناء و حوريب، حيث أنزل اللّه الشريعة على موسى الكليم و قاران و هارون، و إلى جهة الشرق من هارون وادي موسى، و هو موقع مدينة بطرا القديمة قصبة العربية الصخرية عند الرومان و اليونان.

و من أشهر مدن اليمن صنعاء عاصمة تلك البلاد قديما، و مقر والي الحكومة العثمانية حاليا- قيل إنها تشبه دمشق؛ لكثرة مياهها و أشجارها، و هي معتدلة الهواء حسنة الأسواق واسعة التجارة، و كانت فيما مر من الدهر عاصمة ملوك اليمن و لهم بها قصر عظيم يقال له غمدان، و إلى الجنوب الشرقي من صنعاء موقع مدينة مأرب و بقربها وجد أهل البحث من الفرنسيس و الإنكليز سنة 1875 ميلادية الآثار المسطرة على الصخور بالخط المسند المعروف بالخط الحميري. من بلاد اليمن مدينة نجران، و فيها كانت كعبة نجران و هي قبة عظيمة يقال إنها كانت تظلل ألف رجل، و كان إذا نزل بها مستجير أجير، أو خائف أمن، أو جائع أشبع، أو طالب حاجة قضيت، أو مسترفد أعطي ما يريد، و كانت هذه القبة لعبد المسيح بن دارس بن عدي مصنوعه من ثلاثمائة جلد، و كان عبد المسيح ينفق فيها كل سنة عشرة آلاف دينار، و كانت العرب تسميها كعبة نجران لأنهم كانوا يقصدون زيارتها كما يقصدون زيارة الكعبة، و كانت هذه القبة بجانب نهر، و إلى نجران ينسب قس بن ساعدة خطيب العرب المشهور.

و من أشهر مدن الحجاز مكة، و تسمى أم القرى. و لا يدخلها أحد من غير الإسلام لأن فيها المسجد الحرام الذي في وسطه الكعبة.

و في نجد أرض العالية و جبل عكاد التي لم تثبت العربية الفصيحة بعد تمادي زمان الإسلام إلا في أهليه.

انظر: صورة رقم 8، خريطة العالم الإسلامي‏

العصر الأوروبي‏

و جاء في الكتاب المذكور ما يأتي: إن أول من باشر البحث عن جزيرة العرب من الأوربيين هو نيبور المشهور رئيس الإرسالية الدانمركية، و ذلك في سنة 1762 إلى 1763 ميلادية، واقتفى أثر هذه الإرسالية ثلاثة و عشرون شخصا من سياح الإفرنج على اختلاف أجناسهم و دولهم قصد الاكتشاف و ذلك من سنة 1807

82

إلى سنة 1884 ميلادية، و دوّنوا في رحلاتهم ما أمكنهم الوصول إليه و الوقوف عليه، و أول من ذهب من هؤلاء السياح إليها علي بك، و هو رجل من الإسبانيول أتى بلاد مصر أولا و دخل في دين الإسلام، و من ثم قدم إليها سنة 1807 ميلادية، و هذه أسماء باقي الجماعة الذين سافروا إلى جزيرة العرب مع تعيين تواريخ رحلاتهم:

ستسن الذي قتل سنة 1811، و بورك هارت من سنة 1814- 1816، و الفرنساوي سادليه سنة 1819، و ولستد سنة 1830، و تامييزيه و فرنسل و أرنود سنة 1843، و فون فريد سنة 1843، و والين سنة 1845 و 1848، و ريتشرد برتن من سنة 1853 إلى 1854، و في بلاد مدين سنة 877، و مالتان سنة 1860 و سنة 1871، و وبلتكرف سنة 1862، و كوارامي سنة 1864، و بلي سنة 1865، و وتس ستاين سنة 1860، و هالفي سنة 1870، و ماتنسوني من سنة 1877 إلى 1880، و شارل داوتي من سنة 1876 إلى 1878، و كين سنة 1877، و بلونت سنة 1879، و لنفر الذي قتل سنة 1882، و أويتنج سنة 1883، و هوبر الذي قتل سنة 1844.

انتهى من كتاب" تاريخ العرب و آدابهم" المذكور.

تقسيم بلاد العرب من حيث الأخلاق و العادات‏

جاء في كتاب" تاريخ العرب و آدابهم" المتقدم ذكره ما يأتي:

و قد تقسم بلاد العرب إلى ثلاثة أقسام- من حيث الأخلاق و العوائد و الأقدام و التهذيب و اللغة و المعارف. و هم البدو، و البدو المتحضرون، و الحضر.

أما البدو فهم أقوام رحالة يسكنون في بيوت من الشعر، إذ لا يبنون لهم بيتا ثابتا بل يهيمون في كل واد حيث طاب لهم العيش، ذاهبين ببيوتهم على ظهور مطاياهم ينصبونها حيث اعتمدوا الإقامة. و هم يعولون في معيشتهم على ماشيتهم التي يغذونها بما تنبته الأرض من كلأ الطبيعة و يغتذون بلحومها و ألبانها و يتخذون ما زاد منها و من صوفها و شعرها و وبرها لسد ما بقي من احتياجاتهم من مطعم و ملبس و مسكن و اكتساب درهم يستعينون به لدى الحاجة، و أكثر ما يسكنون السهول يراقبون فيها سير الفصول، فإذا اشتد بهم الحر طلبوا الأنهر و مجاري المياه و الأراضي النضرة، و إذا نزل الغيث و ارتوت و أنبتت ربيعها توغلوا في القفار

83

مستصحبين ماشيتهم و بيوتهم، و هم على كلتا الحالتين لا ينقطعون عن مخالطة الحضر لبيع ما لديهم و شراء ما احتاجوا إليه من مأكول و ملبوس، و البدو من أحرص الناس على ما ورثوه من العرف و العادات إذ ما فتئوا على فطرتهم بما اتصفوا به قبل الإسلام من الحسنات و السيئات، و قد أصاب بورك هارك في وصفه البدو إذ قال: يمتاز البدو بحب الضيافة و الكرم و حفظ الذمام و رعاية الغريب، و الشهامة و الحماسة و الذكاء و خفة الروح و القناعة، و حب البدو للحرية يحمله على احتقار أهل الحضر فإنه بمعاملتهم قد تعلم منهم الخداع و المكر. ا ه.

و مع أن البدوي موصوف بخشونة الطباع و العناد، فهو جامع لرقة الإحساس و دقة الإدراك، و لا يزال بين البدو حتى الآن بقية يدينون بدين أسلافهم، و يعبدون الحجارة و الأشجار و الأفلاك، و ملابس البدو خرقة شبيهة بالمنديل تعرف بالكوفية و العقال للرأس، و القميص الطويل يشده بحبل على وسطه، و لبس العباءة فوق الثوب، أما البدويات فهن في البادية أكثر عددا من الرجال، و بالطبع ألين جانبا و أرأف طبعا، و لسن مع ذلك دون الرجال نخوة و شهامة، و أخلاقهن بالجملة حسنة، و خير ما يزينهن عزة النفس و أنفة الحمية و قيامهن مقام الرجال في أكثر الأعمال. و أخذ الثأر عند البدو مشهور من قبل الإسلام، و هو لا يزال حتى الآن و كثيرا ما يكون السبب في العداوة بين قبيلة و أخرى بحيث يفضي بينهما الأمر إلى الحرب إلا إنه يعوض عن الدم بالدية في بعض الأحيان.

و من البدو عدد ليس بقليل يتعاطون السلب و النهب، و كثيرا ما يسلبون قوافل الحجاج أو يلزمونهم بدفع العوض، و يستعملون في غزواتهم و حروبهم السيف و الطير و الرمح، و أكثر اعتمادهم على الرماح، و قد كثر الآن استعمال البنادق عندهم. أما الأحكام في البادية فموكولة إلى الشيوخ و الأمراء و هي تمثل مبادئ الحكم الفطري، فالقوة لمن غلب، و تتبعها الثروة و النفوذ. يرضون بما يشاؤون معتمدين على الشرع المعروف و العرف المشروع، و ليس لهم قوانين مكتوبة و مجالس معقودة، و مع ذلك يقوم العرف أحيانا مقام القانون النافذ، فيرجعون بالتقاضي إليه، و إن اختلفوا في أمر أشكل عليهم رفعوا أمرهم إلى العرفاء، و العريف عندهم بمنزلة القاضي يحكم بما عرفه بالاختبار مما جرى عليه العرب في كل زمان، و هو مقام الفيصل أو الفاروق في العهد القديم و له عنده منزلة كبرى.

84

أما اللغة فهي في انحطاط عظيم عن ذي قبل، و إن كان الكلام في عامة البدو أصح منه في سائر البلاد التي غلبت فيها اللغة العربية، فاللفظ أضبط و الكلام نقي من خليط الألفاظ الأعجمية.

القسم الثاني: البدو المتحضرون، و يقال فيهم ما قيل عن البدو، غير أن حظهم من سعة العيش أوفر، فلا تحوجهم قلة المياه إلى الرحيل بل ينزلون على مجاري الأنهر الكبيرة و يقيمون في بيوتهم الشعرية أو أكواخهم المصنوعة من القصب و جريد النخل و البردى، يزرعون ما جاورهم من الأرض، و الذين قدم عهدهم بالزراعة كادوا يتحضرون و تحضر منهم كثيرون فيما مر من الأيام فتدرجوا من سكنى الخيام إلى الطرف المبنية من سعف النخل و غيره، و منها إلى بيوت الآجر.

القسم الثالث: الحضر، و هم أهل الأمصار و المدن منهم، و يصح فيهم الآن ما قاله عنهم ابن خلدون منذ سنين من أنهم قد تلوثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق و الشر، و بعدت عليهم طرق الخير و مسالكه بقدر ما حصل لهم من فنون الملاذ و عوائد الترف و الإقبال على الدنيا و العكوف على حب المال و الكذب و الشهوات حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم، فتجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم و بين كبرائهم و أهل محارمهم لا يصدهم عنه وازع الحشمة، لما أخذتهم به عوائد السوء من التظاهر بالفواحش قولا و عملا، و بالجملة فهم أهل غدر و مكر و خدبعة و نقض عهد. ا ه.

على أن هذا الوصف لا ينطبق على كل أهل المدن و الأمصار، فإن المسلم الورع منهم على غير ما ذكر، فهو ذو صفات حميدة: منها أنه كثير الصدقات و الزكاة، مواظب على العمل، عفيف النفس، طاهر الذيل، قائم بشعائر الدين.

تاريخ العرب قبل الإسلام‏

جاء في كتاب" تاريخ العرب و آدابهم" المتقدم ذكره ما يأتي:

العصر الأول- تاريخ العرب قبل الإسلام: لا تزال الأخبار عما تقادم من ذلك التاريخ مستترة وراء حجاب القدم، إذ لا يكاد يوقف منها على حقيقة يوثق بها و لا سيما ما كان منها أبعد عهدا، و المؤرخون من اليونان و الرومان لم يوردوا من أخبارها إلا لمعة خفيفة عن المعاملات التجارية و الحروب التي كانت بينهم و بين‏

85

العرب المجاورين لممالكهم، و البعض الآخر من المؤرخين ذكروا محاولة بعض الملوك الأجانب افتتاح البلاد العربية كغزوات ملوك آشور و حملة الإسكندر و البطالسة و اتنيوخوس ملك سورية على النبطيين، و حملة العامل الروماني في مصر سنة 24 قبل الميلاد على نجران و مأرب، و حملة القيصر تراجان.

أما ما جمعه مؤرخوا الإسلام من الأخبار المنقولة عن ما تقادم من تلك العصور فقد تطرق إليه الخلل، حتى أصبح من الصعب تمييز الوقائع الحقيقية من غيرها، و قد قسم أهل التاريخ العرب إلى فرقتين: بائدة و باقية. انتهى.

ثم فصل المؤلفان في كتابهما المذكور الفرقتين المذكورتين، ما أحببنا نقل ذلك حتى لا يطول بنا الكلام.

تقسيم العرب إلى عاربة و مستعربة

جاء في كتاب" تاريخ العرب و آدابهم" المتقدم ذكره ما يأتي:

و قد قسم النسابون أمة العرب إلى قسمين: العرب العاربة، و العرب المستعربة.

العرب العاربة

فالعرب العاربة: هم أولئك الأقوام الذين ينتهون بنسبهم إلى قحطان، أول جد العرب و رئيس ملوك اليمن الذي يقال عنه أنه أول من تكلم بالعربية من أهل هذه الطبقة، تعلمها من العرب البائدة الذين كان معاصرا لهم، و بحسب الأنساب المسطورة شجراتها في كتب العرب، تنقسم ذرية قحطان إلى شطرين: أحدهما ابنه يعرب الذي أسس مملكة اليمن الأولى، و كان من أعظم ملوكها، و ثانيهما ابنه جرهم الذي أسس مملكة الحجاز. و لعلّهما هدورام و يارح الذين ذكرهما موسى في جملة الثلاثة عشر رئيسا، الذين توالدت منهم العرب (انظر سفر الخلائق- الفصل العاشر و العدد 26).

و انقسام أمة العرب إلى قبائل يشبه انقسام اليهود إلى أسباط، و قد حافظ العرب و اليهود منذ القدم على هذا التقسيم و التمييز بين قبيلة و أخرى، و بين بطن و بطن، و هذا التقسيم كان السبب المانع لعدم إجماع الكلمة بين القبائل و العيال من‏

86

كل أمة منهم، و قد ساعد هذا التمييز أهل البحث و التحقيق على معرفة أحوال تلك القبائل و شؤونهم.

أما ذرية يعرب فتكاثرت و انقسمت إلى بطون عديدة، حتى أن سيل الإنكليزي و السيد أحمد خان قد جمعا أسماء ستين قبيلة من قبائل العرب العاربة الذين اشتهر منهم عدد غير قليل أيام الجاهلية، و لا يزال العدد الكبير منهم محافظا على أسمائه إلى يومنا هذا. ا ه.

العرب المستعربة

أما العرب المستعربة فهم من ولد عدنان الذي ينتهي نسبه إلى إسماعيل، ولدوا لإسماعيل من زوجة ابنة المضاض ملك الحجاز، و بين المضاض و جرهم تسعة جدود، و قال مؤرخوا العرب: إن إسماعيل بن إبراهيم اتخذ الحجاز له وطنا، و كانت مكة يوم ذاك قفرا، و أن إبراهيم عندما أمره اللّه تعالى أن يذبح ابنه قربانا قدم إسماعيل، و كان المحل الذي أراد ذبحه فيه بالقرب من مكة. و من أقوالهم أيضا أنه عندما ألحت سارة على إبراهيم بطرد هاجر من منزلها أن هاجر ذهبت مع طفلها إسماعيل إلى الوادي الذي هو الآن مدينة مكة، و أنه عندما عطشت هي و ابنها أنبع اللّه لهما عين ماء سميت زمزم، إلا أنهم لا يذكرون تزوجه بالمرأة المصرية التي ولدت له الاثني عشر ولدا الذين صاروا أمراء اثنتي عشرة قبيلة، و تملكوا مدنا مختلفة في ما جاء في الفصل 25 عدد 12 و 18 من سفر الخلائق، مع أن عوائد العرب و اليهود لا تمنع من أن يكون للرجل الواحد أكثر من زوجة واحدة، و عدنان الجد الحادي و العشرون للنبي (صلى الله عليه و سلم) هو من نسل إسماعيل، فيكون إذا نسب النبي (صلى الله عليه و سلم) من إسماعيل إلى العرب المستعربة، و من زوجة إسماعيل التي بنت المضاض إلى العرب العاربة، و أن انتساب النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى جده عدنان الذي هو من نسل إسماعيل بن إبراهيم الخليل، كان السبب لاعتناء مؤرخي العرب في حفظ أنساب المستعربة أكثر منه في حفظ أنساب العرب العاربة، و لهذا عددوا في كتابتهم 160 قبيلة من قبائل العرب المستعربة. و مما ذكره مؤرخوا الإسلام أن بين بناء الكعبة و ولادة النبي 2740 سنة.

87

و تعرف قبائل قحطان في الجنوب بالسبائيين و الحميريين و اليمنيين و الكلبيين، و تعرف قبائل الإسماعيليين في الشمال بالعدنانيين و المعديين و المضريين و القيسيين، و من هذه الطبقة المناذرة ملوك الحيرة و العراق و أمراء الحجاز. انتهى.

ثم قال المؤلفان في موضع آخر من الكتاب: تقسيم العرب إلى عاربة و مستعربة، لا يدل على تمييز في الجنس و النسب، بل هو دال على اختلاف المعيشة من حيث الحضارة و البداوة و ما بينهما، و من أراد زيادة بيان عن مواطن قبائل العرب و مهاجراتهم، فعليه مراجعة المعجم للبكري من صحيفة 1 إلى صحيفة 58، و هذا الكتاب طبع سنة 1869 في مدينة غوتنجن من أعمال ألمانيا.

انتهى من الكتاب المذكور.

أول تسمية للبلاد العربية السعودية

كان من قديم الزمان بلاد الحجاز وحدها و بلاد نجد وحدها، لم ترتبط ببعضها إلا منذ أن استولى سلطان نجد الأمير عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود على الحجاز، و ذلك سنة (1343) ألف و ثلاثمائة و ثلاث و أربعين هجرية، فلما استتب الأمر لعبد العزيز المذكور نودي به ملكا عاما على البلاد الحجازية و البلاد النجدية، فسمي من يومئذ (ملك الحجاز و نجد و ملحقاتها) و كان يطبع هذا على الأوراق الرسمية، و على العملة المتداولة بين الناس من العملة الفضية و أجزائها و من القروش النيكل و أجزائها أيضا.

ثم لما كان سنة (1352 ه) أو قبلها بسنة أو بعدها بسنة صدر أمر جلالة الملك عبد العزيز المذكور (رحمه اللّه تعالى) بتسمية البلاد الحجازية و البلاد النجدية باسم واحد، فيطلق عليهما" المملكة العربية السعودية" و منذ هذا الوقت صارت العملة تطبع بهذا الاسم و كذلك الأوراق الحكومية، و إذا طبعت الخرائط الجغرافية بعد هذا التاريخ يضعون فيها اسم المملكة العربية السعودية، فسبحان مدبر الأمور و مقلبها، و مجري الرياح و مسيّرها، بيده الأمر كله و إليه ترجعون، لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

و إليك صورة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الذي هو أول ملك لقب بالاسم المذكور.

88

فضل العرب على سائر الأجناس‏

الكلام على فضل العرب كثير نذكر هنا نبذة صغيرة للذكرى فإن الذكرى تنفع المؤمنين، فنقول و باللّه تعالى التوفيق:

يطلق العرب على كل من يتكلم اللغة العربية بالطبيعة و السليقة و كان من نفس بلاد العرب، و العرب أجناس مختلفة فمنهم الحجازي و المصري و الشامي و اليمني و العراقي و غير ذلك. و من نظر بعين الحقيقة و التأمل و الإنصاف إلى عادات جميع أجناس البشر و أحوالهم وجد أحوال العرب و عاداتهم أحسن و أفضل من جميع الأجناس على الإطلاق في كل زمان و مكان- و لنذكر شيئا مما ورد في حق العرب في القرآن الكريم و ما ورد فيهم في الأحاديث النبوية الكريمة.

قال اللّه تعالى في كتابه العزيز في أول سورة يوسف: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏.

و قال في سورة الأحقاف: وَ هذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ بُشْرى‏ لِلْمُحْسِنِينَ‏. و قال في أواخر سورة الشعراء: وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى‏ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ‏. و قال (صلى الله عليه و سلم): «أحبّ العرب لثلاث: لأني عربي و القرآن عربي و كلام أهل الجنة عربي» رواه الطبراني و البيهقي و غيرهما. و قال أيضا: «أحبوا قريشا فإن من أحبهم أحبه اللّه تعالى» رواه الإمام مالك في الموطأ و الإمام أحمد و غيرهما.

و قال أيضا: «إن اللّه عز و جل اصطفى كنانة من ولد إسماعيل و اصطفى قريشا من كنانة و اصطفى من قريش بني هاشم و اصطفاني من بني هاشم» رواه مسلم في صحيحه.

فمما تقدم من قول اللّه تبارك و تعالى، و من قول رسوله (صلى الله عليه و سلم)، يعلم فضل العرب على سائر أجناس البشر، و لا عبرة بمن يقول أننا وجدنا في بعض الأجناس؛ كالفرس و العجم و الهند و جاوة و هولندا و إنغلترا و أمريكا و فرنسا مثلا- أفرادا أحسن من العرب- نقول: لا عبرة بمثل هذا القول؛ لأن وجود أفراد في بعض الأجناس نادر و النادر لا حكم له، فمجموع الأمة العربية أفضل و أحسن من مجموع أية أمة من الأمم الأخرى، فاللّه عز و جل قد خص الأمة العربية بفضائل كثير منها: الكرم و الشجاعة و المروءة و الإنسانية و الشهامة و حسن الخلق و لطيف‏

89

الشمائل. فإن وجد شي‏ء من ذلك في بقية الأمم الأخرى فإنما هو بنسبة معينة.

فالأمة العربية يأخذون من حسن الشمائل و حميد الخصال بقسط وافر، و لو وجدوا عناية و رعاية في مسائل التعليم بمختلف أنواعه لدانت لهم جميع الأمم، فلديهم من العقل و الذكاء و سرعة الخاطر و الفهم ما يجعلهم في مقدمة جميع الأمم و للّه الحمد، و حيث إن اللّه تبارك و تعالى قد اختارهم و فضلهم على سائر الأمم فهنيئا لهم هذه المنزلة الكبرى عند اللّه عز و جل.

مكانة العرب بين الأمم الإسلامية

و لقد ذكرت إحدى المجلات العربية عن فضل العرب نبذة لطيفة أحببنا ذكرها هنا و هذا نصها:

للعرب عند اللّه و عند الناس مكانة كبرى، ذكر اللّه مكانتهم في القرآن في مواضع متعددة و من أصدق من اللّه قيلا: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ‏ و يكفي العرب فخرا و مكانة أن جميع الرسالات السماوية نزلت في وطنهم و نبعت من أرضهم، و جميع الأنبياء و الرسل عاشوا و ماتوا و دفنوا في أرضهم، و الكعبة و بيت المقدس و طور سيناء و بيت لحم في وطنهم، و القرآن نزل بلغتهم و محمد العظيم منهم و لغة أهل الجنة يوم القيامة بلغتهم و لسان اللّه يوم القيامة عربي. فيالها من مفخرة و يالها من مكانة. و ليست هذه وحدها مفاخر العرب فقد كان لهم قبل الإسلام تاريخ فيه حضارة واسعة، و فيه مجد و عظمة في جزيرة العرب و ما يتصل بها من بابل و آشور و غيرهما.

و للعرب قبل الإسلام أخلاق و مكارم و مآثر و لكن تاريخ العرب الحق، و مجدهم الأعظم و مكانتهم في الإنسانية و آثارهم الخالدة .. كل أولئك يبدأ مع الإسلام و يعظم بالإسلام و يدوم و ينمو و يزداد عظمة و بهجة ما بقي في صحبة الإسلام و كفالته.

و الإسلام دين إنساني عظيم، جاء به خاتم النبيين الذي بعث رحمة للعالمين و هو دين يكره الحدود، حدود الأقوام و حدود الأوطان، و يدعو إلى أخوة البشر كلهم و تعاون الأمم جميعا، لا يخص قبيلا دون قبيل، و لا يميز أمة على أمة. و لكن اللّه اختار لرسالته نبيا من العرب فأدوا أمانته و بلغوا رسالته و جاهدوا لحمل الأمانة و تبليغ الرسالة في الشرق و الغرب، و احتملوا من النّصب و العناء، و الاغتراب و لقوا

90

من السيوف و الحتوف، ما كانوا أكفاءه بل أكبر منه‏ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَ ما ضَعُفُوا وَ مَا اسْتَكانُوا.

حملوا هذه الرسالة العظيمة ما بين الصين في الشرق و فرنسا في الغرب و بلغوا في الشمال و الجنوب بلادا قاصية و فيافي نائية. و لم يعرف التاريخ لغير الإسلام و لم يشهد لغير العرب المسلمين هذه الهمة التي لا تحد و هذه العزيمة التي لا تقهر و هذا الجهاد الذي لا يفتر و هذا الإخلاص في الحق، و الاستشهاد في سبيله، و ما عرف العالم دعوة كالإسلام خلطت الأمم أمة واحدة، و جعلت الأوطان وطنا واحدا، و لا عرف كالعرب دعاة جمعوا الأمم في عدل اللّه و أخوة الحق، لا يفرقون بين قبيل و قبيل و لا يميزون لونا من لون، بل شعارهم قول القرآن الكريم: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏، وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ‏.

خالطوا الأمم، فخلطوا بعضها ببعض فجعلوها أمة واحدة تنتشر من أقصى الشرق إلى أقصى المغرب شعارها وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ‏ و إن في الإسلام و العروبة لمثلا عاليا للمذاهب و الأمم، يرى فيهما البشر كيف يسير الحق القوي، و المذهب القويم، في حضانة أمة قوية قويمة مخلصة، فتغير سير الزمان، و تبدل مجرى التاريخ، و تعلو على الحدود و القيود إلى المثل العليا التي لا تخص جيلا و لا قبيلا بل تعم الناس جميعا.

حفظ المسلمون للعرب أنهم سبقوا إلى حمل الأمانة و أداء الرسالة، فقرنوا ذكرهم بذكر الإسلام و عظموهم و أحبوهم و اتخذوهم مثلا عاليا و أسوة حسنة، و مع كل هذه المكانة و كل هذا الفضل نرى فئة من الناس من المسلمين قد تنكروا لفضل العرب و مكانتهم. و هنا أنقل للقارئ الكريم رأي أحد أئمة الإسلام في فضل العرب و عظمتهم ليكون الدليل أقوى و الحجة أعظم على هؤلاء الذين تنكروا للحقائق و تنكروا للعروبة و مكانتها بين الأمم الإسلامية. و هذا الإمام هو شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد جاء في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) ما يلي بالحرف الواحد:

فإن اللّه تعالى خص العرب و لسانهم بأحكام تميزوا. ثم خص قريشا على سائر العرب بما جعل فيهم من خلافة النبوة، و غير ذلك من الخصائص ثم خص بني هاشم بتحريم الصدقة و استحقاق قسط من الفي‏ء، إلى غير ذلك من‏

91

الخصائص. فأعطى اللّه سبحانه كل درجة من الفضل بحسبها. و اللّه عليم حكيم‏ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَ مِنَ النَّاسِ‏ و اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ‏ و قد قال الناس في قوله تعالى: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ‏ و في قوله: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ‏.

و من الأحاديث التي تذكر في هذا المعنى: ما رويناه من طرق معروفة إلى محمد بن إسحاق الصنعاني، حدثنا عبد اللّه بن بكر السهمي حدثنا يزيد بن عوانة عن محمد بن ذكوان- خال حماد بن زيد- عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: «إنا لقعود بفناء النبي (صلى الله عليه و سلم) إذ مرت بنا امرأة. فقال بعض القوم:

هذه ابنة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال أبو سفيان: مثل محمد في بني هاشم مثل الريحانة في وسط النتن. فانطلقت المرأة فأخبرت النبي (صلى الله عليه و سلم)، فجاء النبي (صلى الله عليه و سلم) في وجهه الغضب فقال: ما بال أقوال تبلغني عن أقوام؟ إن اللّه خلق السموات سبعا. فاختار العليا منها، و أسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق الخلق. فاختار من الخلق بني آدم و اختار من بني آدم العرب، و اختار من العرب مضر و اختار من مضر قريشا، و اختار من قريش بني هاشم و اختارني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار. فمن أحب العرب فبحبي أحبهم و من أبغض العرب فببغضي أبغضهم».

و أيضا في المسألة ما رواه الترمذي و غيره من حديث أبي بدر شجاع بن الوليد، عن قابوس ابن أبي ظبيان، عن أبيه، عن سلمان رضي اللّه عنه، قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «يا سلمان! لا تبغضني فتفارق دينك. قلت: يا رسول اللّه! كيف أبغضك و بك هداني اللّه؟ قال: تبغض العرب فتبغضني» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا يعرف إلا من حديث أبي بدر شجاع بن الوليد.

فقد جعل النبي (صلى الله عليه و سلم) بغض العرب سببا لفراق الدين. و جعل بغضهم مقتضيا لبغضه.

و يشبه أن يكون النبي (صلى الله عليه و سلم) خاطب بهذا سلمان- و هو سابق الفرس ذو الفضائل المأثورة- تنبيها لغيره من سائر الفرس لما أعلمه اللّه من أن الشيطان قد يدعو النفوس إلى شي‏ء من هذا كما أنه (صلى الله عليه و سلم) لما قال: «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من اللّه شيئا. يا عباس عم رسول اللّه، لا أغني عنك من اللّه شيئا، يا صفية عمة رسول اللّه، لا أغني عنك من اللّه شيئا سلوني من مالي ما شئتم»

92

كأن في هذا تنبيه لمن انتسب لهؤلاء الثلاثة: أن لا يغتروا بالنسب و يتركوا الكلم الطيب و العمل الصالح.

و هذا دليل أن بغض جنس العرب و معاداتهم كفر. أو سبب للكفر.

و مقتضاه: أنهم أفضل من غيرهم و أن محبتهم سبب قوة الإيمان؛ لأنه لو كان تحريم بغضهم كتحريم بغض سائر الطوائف: لم يكن ذلك سببا لفراق الدين و لا لبغض الرسول بل كان يكون نوع عدوان. فلما جعله سببا لفراق الدين و بغض الرسول: دل على أن بغضهم أعظم من بغض غيرهم. و ذلك دليل على أنهم أفضل؛ لأن الحب و البغض يتبع الفضل فمن كان بغضه أعظم: دل على أنه أفضل و دل حينئذ على أن محبته دين لأجل ما فيه من زيادة الفضل، و لأن ذلك ضد البغض و من كان بغضه سببا للعذاب لخصوصه كان حبه سببا للثواب و ذلك دليل على الفضل.

و قد جاء ذلك مصرحا به في حديث آخر رواه أبو طاهر السلفي في فضل العرب من حديث أبي بكر بن أبي داود، حدثنا عيسى بن حماد زغبة، حدثنا علي بن الحسن الشامي، حدثنا خليد بن دعلج، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «حب أبي بكر و عمر من الإيمان و بغضهما من الكفر، و حب العرب من الإيمان و بغضهم من الكفر».

و قد احتج حرب الكرماني و غيره بهذا الحديث و ذكروا لفظة: «حب العرب إيمان و بغضهم نفاق و كفر». انتهى ما ذكره ابن تيمية في كتابه و فيه كفاية وعظة لكل متعظ.

و ذكر العلامة الكبير السيد محمود شكري الآلوسي في كتابه (بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب) ما نصه:

روى أبو العيناء الهاشمي عن القحذمي عن شبيب بن شبة قال: كنا وقوفا بالمربد موضع بالبصرة، و كان المربد مألف الأشراف إذ أقبل ابن المقفع فبشبشنا به و بدأناه بالسلام. فرد علينا السلام ثم قال: لو ملتم إلى نيروز و ظلها الظليل، و سورها المديد و نسيمها العجيب، فعودتم أبدانكم تمهيد الأرض و أرحتم دوابكم من جهد الثقل، فإن الذي تطلبونه لم تفلتوه، و مهما قضى اللّه لكم من شي‏ء تنالوه، فقبلناه و ملنا، فلما استقر بنا المكان قال لنا: أي الأمم أعقل؟ فنظر بعضنا إلى بعض فقلنا: لعله أراد أصله من فارس فقلنا: فارس. فقال: ليسوا بذلك،

93

إنهم ملكوا كثيرا من الأرض ... و وجدوا عظيما من الملك، و غلبوا على كثير من الخلق، و لبث فيهم عقد الأمر فما استنبطوا شيئا بقولهم و لا ابتدعوا باقي حكم في نفوسهم. قلنا: فالروم. قال أصحاب صنعة. قلنا: فالصين. قال: أصحاب طرفة. قلنا فالهند. قال: أصحاب فلسفة. فقلنا: السودان. قال: شر خلق اللّه.

قلنا: الترك. قال: كلاب مختلسة. قلنا: الخزر قال: بقر سائمة قلنا: فقل. قال:

العرب. قال فضحكنا قال: أما إني ما أردت موافقتكم، و لكن إذ فاتني حظي من النسبة، فلا يفوتني حظي من المعرفة. إن العرب حكمت على غير مثال مثل لها و لا آثار أثرت، أصحاب إبل و غنم و سكان شعر و أدم يجود أحدهم بقوته، و يتفضل بمجهوده و يشارك في ميسوره و معسوره، و يصف الشي‏ء بعقله فيكون قدوة، و يفعله فيصير حجة، و يحسّن ما شاء فيحسن، و يقبّح ما شاء فيقبح.

أدبتهم أنفسهم، و رفعتهم هممهم، و أعلتهم قلوبهم و ألسنتهم، فلم يزل حباء اللّه فيهم و حباؤهم في أنفسهم حتى رفع لهم الفخر و خلافته بهم إلى الحشر على الخير فيهم و لهم. فقال سبحانه: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏ فمن وضع حقهم خسر، و من أنكر فضلهم خصم، و دفع الحق باللسان، أكبت للجنان.

هذا قليل من كثير من الأدلة على فضل العرب و مكانتهم بين الأمم الإسلامية. انتهى من المجلة المذكورة.

مناظرة بين النعمان بن المنذر و كسرى أنوشروان في شأن العرب‏

جاء في جواهر الأدب المناظرة التي وقعت فيما بين النعمان بن المنذر و كسرى أنوشروان- في شأن العرب و هي مناظرة تظهر فضل العرب تستحق تسجيلها في تاريخنا هذا- و إليك نصها:

روى ابن القطامي عن الكلبي قال: قدم النعمان بن المنذر على كسرى، و عنده وفود الروم، و الهند، و الصين، فذكروا من ملوكهم و بلادهم- فافتخر النعمان بالعرب و فضلهم على جميع الأمم، لا يستثني فارس و لا غيرها.

فقال كسرى و أخذته عزة الملك: يا نعمان، لقد فكرت في أمر العرب و غيرهم من الأمم، و نظرت في حالة من يقدم عليّ من وفود الأمم- فوجدت للروم حظا في اجتماع ألفتها، و عظم سلطانها، و كثرة مدائنها، و وثيق بنيانها،

94

و أن لها دينا بيين حلالها و حرامها، و يرد سفيهها و يقيم جاهلها- و رأيت الهند نحوا من ذلك في حكمتها و طبها، مع كثرة أنهار بلادها و ثمارها، و عجيب صناعتها، و طيب أشجارها، و دقيق حسابها، و كثرة عددها، و كذلك الصين في اجتماعها، و كثرة صناعات أيديها، و فروسيتها في آلة الحرب و صناعة الحديد و أن لها ملكا يجمعها- و الترك و الخزر على ما بهم من سوء الحال في المعاش، و قلة الريف و الثمار و الحصون، و ما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن و الملابس لهم ملوك تضم قواصيهم و تدبر أمرهم- و لم أر للعرب شيئا من خصال الخير في أمر دين و لا دنيا، و لا حزم و لا قوة، و مع أن مما يدل على مهانتها و ذلها، و صغر همتها، محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة، و الطير الحائرة، يقتلون أولادهم من الفاقة، و يأكل بعضهم بعضا من الحاجة، قد خرجوا من مطامع الدنيا و ملابسها و مشاربها و لهوها و لذاتها. فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع لثقلها، و سوء طعمها، و خوف دائها، و إن قرى أحدهم ضيفا عدها مكرمة، و إن أطعم أكلة عدها غنيمة، تنطق بذلك أشعارهم، و تفتخر بذلك رجالهم (ما خلا هذه التنوخية التي أسس جدي اجتماعها و شد مملكتها، و منعها من عدوها، فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا، و إن لها مع ذلك آثارا و لبوسا و قرى و حصونا و أمورا تشبه بعض أمور الناس). يعني: اليمن.

ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من المذلة، و القلة، و الفاقة، و البؤس حتى تفتخروا، و تريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس.

قال النعمان: أصلح للّه الملك. حق لأمة، الملك منها أن يسمو فضلها، و يعظم خطبها، و تعلو درجتها، إلا أن عندي جوابا في كل ما نطق به الملك في غير رد عليه، و لا تكذيب له، فإن أمنني من غضبه نطقت به.

قال كسرى: قل فأنت آمن.

قال النعمان: أما أمتك أيها الملك: فليست تنازع في الفضل لموضعها الذي هي به، من عقولها و أحلامها و بسطة محلها، و بحبوحة عزها، و ما أكرمها اللّه به من ولاية آبائك و ولايتك، و أما الأمم التي ذكرت فأية أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها.

قال كسرى: بماذا؟

95

قال النعمان: بعزها و منعتها، و حسن وجوهها و بأسها و سخائها و حكمة ألسنتها، و شدة عقولها و أنفتها و وفائها.

فأما عزها و منعتها، فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوخوا البلاد، و وطدوا الملك، و قادوا الجند، لم يطمع فيهم طامع، و لم ينلهم نائل، حصونهم ظهور خيلهم و مهادهم الأرض، و سقوفهم السماء، و جنتهم السيوف، و عدتهم الصبر- إذ غيرها من الأمم، إنما عزها الحجارة و الطين و جزائر البحور.

و أما حسن وجوهها و ألوانها، فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المنحرفة، و الصين المنحفة، و الترك المشوهة، و الروم المقشرة.

و أما أنسابها و أحسابها، فليست أمة من الأمم إلا و قد جهلت آباءها و أصولها و كثيرا من أولها، حتى أن أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه دنيا فلا ينسبه و لا يعرفه، و ليس أحد من العرب إلا يسمي آباءه أبا فأبا. حاطوا بذلك أحسابهم، و حفظوا به أنسابهم، فلا يدخل في غير قومه، و لا ينتسب إلى غير نسبه، و لا يدعى إلى غير أبيه.

و أما سخاؤها: فإن أدناهم رجلا الذي تكون عنده البكرة و الثّاب، عليها بلاغه في حموله، و شبعه و ريه، فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة و يجتزئ بالشربة، فيعقرها له، و يرضى أن يخرج عن دنياه كلها، فيما يكسبه حسن الأحدوثة و طيب الذكر.

و أما حكمة ألسنتهم: فإن اللّه تعالى أعطاهم في أشعارهم و رونق كلامهم و حسنه و وزنه، و قوافيه، مع معرفتهم بالأشياء و ضربهم للأمثال و إبلاغهم من الصفات ما ليس لشي‏ء من ألسنة الأجناس- ثم خيلهم أفضل الخيل، و نساؤهم أعف النساء، و لباسهم أفضل اللباس، و معادنهم الذهب و الفضة، و حجارة جبالهم الجزع، و مطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر، و لا يقطع بمثلها بلد قفر.

و أما دينها و شريعتها: فإنهم متمسكون به، حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهرا حرما محرما، و بيتا محجوجا، ينسكون فيه مناسكهم و يذبحون فيه ذبائحهم، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه، و هو قادر على أخذ ثأره و إدراك رغمه منه، فيحجزه كرمه، و يمنعه دينه عن تناوله بأذى.

96

و أما وفاؤها: فإن أحدهم يلحظ اللحظة، و يومئ الإيماءة، فهي ولت (أي عهد) و عقدة لا يحلها إلا خروج نفسه، و إن أحدهم يرفع عودا من الأرض فيكون رهنا بدينه، فلا يغلق رهنه، و لا تخفر ذمته، و إن أحدهم ليبلغه أن رجلا استجار به، و عسى أن يكون نائيا عن داره فيصاب، فلا يرضى حتى يفني تلك القبيلة التي أصابته، أو تفنى قبيلته لما أخفر من جواره، و إنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة و لا قرابة، فتكون أنفسهم دون نفسه، و أموالهم دون ماله.

و أما قولك أيها الملك: يئدون أولادهم فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار و غيرة من الأزواج.

و أما قولك: إن أفضل طعامهم من لحوم الإبل على ما وصفت منها، فما تركوا ما دونها إلا احتقارا له، فعمدوا إلى أجلها و أفضلها، فكانت مراكبهم و طعامهم، مع أنها أكثر البهائم شحوما، و أطيبها لحوما، و أرقها ألبانا، و أقلّها غائلة، و أحلاها مضغة، و إنه لا شي‏ء من اللحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه.

و أما تحاربهم و أكل بعضهم و تركهم الانقياد لرجل يسوسهم و يجمعهم فإنما يفعل ذلك من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفا، و تخوفت نهوض عدوها إليها بالزحف، و إنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم، فيلقون إليهم أمورهم، و ينقادون لهم بأزمتهم.

و أما العرب فإن ذلك كثير فيهم، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكا أجمعين مع أنفتهم من أداء الخراج و الوطث (أي الضرب الشديد بالرجل على الأرض) بالعسف.

و أما اليمن التي وصفها الملك، فإنما أتى جد الملك إليها الذي أتاه عند غلبة الجيش له على ملك متسّق، و أمر مجتمع، فأتاه مسلوبا طريدا مستصرخا، و لو ما وتر به من يليه من العرب لمال إلى مجال، و لوجد من يجيد الطعان، و يغضب للأحرار، من غلبة العبيد الأشرار.

قال: فعجب كسرى لما أجابه النعمان به، و قال: إنك لأهل لموضعك من الرئاسة في أهل إقليمك. ثم كساه من كسوته و سرحه إلى موضعه من الحيرة.

97

فلما قدم النعمان الحيرة و في نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقص العرب و تهجين أمرهم، بعث إلى أكثم بن صيفي، و حاجب بن زرارة التميميين، و إلى الحارث بن ظالم، و قيس بن مسعود البكريين، و إلى خالد بن جعفر، و علقمة بن علاثة، و عامر بن الطفيل العامريين، و إلى عمرو بن الشريد السلمي، و عمرو بن معد يكرب الزبيدي، و الحارث بن ظالم المري. فلما قدموا عليه في الخورنق قال لهم: قد عرفتم هذه الأعاجم، و قرب جوار العرب منها، و قد سمعت من كسرى مقالات، تخوفت أن يكون لها غور، أو يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خولا كبعض طماطمته في تأديتهم الخراج إليه، كما يفعل بملوك الأمم الذين حوله- فاقتص عليهم مقالات كسرى، و ما رد عليه فقالوا: أيها الملك وفقك اللّه ما أحسن ما رددت، و أبلغ ما حججته، فمرنا بأمرك، و ادعنا إلى ما شئت.

قال: إنما أنا رجل منكم، و إنما ملكت و عززت بمكانكم و ما يتخوف من ناحيتكم، و ليس شي‏ء أحب مما سدد اللّه به أمركم، و أصلح به شأنكم و أدام به عزكم- و الرأي أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط، و تنطلقوا إلى كسرى، فإذا دخلتم: نطق كل رجل منكم بما حضره، ليعلم أن العرب على غير ما ظن، أو حدثته نفسه، و لا ينطق رجل منكم بما يغضبه، فإنه ملك عظيم السلطان، كثير الأعوان، مترف معجب بنفسه، و لا تنخذلوا له انخذال الخاضع الذليل، و ليكن أمر بين ذلك، تظهر به دماثة حلومكم، و فضل منزلتكم، و عظيم أخطاركم، و ليكن أول من يبدأ منكم بالكلام (أكثم بن صيفي) ثم تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها، فإنما دعاني إلى التقدمة إليكم علمي بميل كل رجل منكم إلى التقدم قبل صاحبه، فلا يكونن ذلك منكم فيجد في آدابكم مطعنا، فإنه ملك مترف، و قادر متسلط. ثم دعا لهم بما في خزائنه من طرائف حلل الملوك، و أعطى كل رجل منهم حلة، و عممه عمامة، و ختمه بياقوتة، و أمر لكل رجل منهم بنجيبة مهرية، و فرس نجيبة.

و كتب معهم كتابا هذا نصه:

أما بعد، فإن الملك ألقى إلي من أمر العرب ما قد علم، و أجبته بما قد فهم مما أحببت أن يكون منه على علم، و لا يتلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها، و حمت ما يليها بفضل قوتها، تبلغها من الأمور التي‏

98

يتعزز بها ذوو الحزم و القوة و التدبير و المكيدة- و قد أفدت أيها الملك رهطا من العرب، لهم فضل في أحسابهم و أنسابهم، و عقولهم و آدابهم، فليسمع الملك و ليغمض لا عن جفاء إن ظهر من منطقهم، و ليكرمني بإكرامهم، و تعجيل سراحهم و قد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم.

فخرج القوم في أهبتهم: حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن، فدفعوا إليه كتاب النعمان، فقرأه و أمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلسا يسمع منهم- فلما أن كان بعد ذلك بأيام، أمر مرازبته، و وجوه أهل مملكته فحضروا و جلسوا على كراسي عن يمينه و شماله، ثم دعا بهم على الولاء، و المراتب التي وصفهم النعمان بها في كتابه و أقام الترجمان ليؤدي إليه كلامهم، ثم أذن لهم في الكلام.

فقام أكثم بن صيفي فقال: إن أفضل الأشياء أعاليها، و أعلا الرجال ملوكها، و أفضل الملوك أعمها نفعا، و خير الأزمنة أخصبها، و أفضل الخطباء أصدقها ... (إلى آخر كلامه الذي لا نحب نقله و سرده خوف التطويل).

ثم قام كل واحد من رفقائه التسعة فخطب أمام كسرى خطبة بليغة قيمة، أظهرت ما للعرب من الفضل و الكرم و البلاغة و الفصاحة، حتى أن كسرى تأثر من خطبة كل واحد منهم خطبها أمامه من شعر أو نثر.

فلما فرغوا من خطبهم و كلامهم- قال كسرى حينئذ: ليس منهم إلا سيد يصلح لموضعه، ثم أعظم صلاتهم أجمعين وردهم إلى أقوامهم معظمين.

انتهى كل ذلك نقلا عن كتاب جواهر الأدب للهاشمي. و كان بودّنا ذكر نص خطبة كل واحد منهم لكن ذلك يؤدي بنا إلى التطويل.

99

نبذة من سيرة النبي (صلى الله عليه و سلم)

لما كان بلد اللّه الأمين (مكة المكرمة) محل ولادة خاتم النبيين، سيدنا و نبينا (محمد) صلاة اللّه و سلامه عليه، و على آله و صحبه أجمعين، كان من الأفضل أن نتشرف بذكر نبذة من سيرته العطرة، و نبذة من هجرته المباركة إلى المدينة المنورة، و نبذة من كل ما يتعلق بسيرته (صلى الله عليه و سلم)، للذكرى و العظة، و التفكر و الاعتبار، نتشرف بذكر كل ذلك كالمقدمة تكون أمام المقصود، فرحم اللّه تعالى من يقول:

و إن أولى ما تحلى المسلم‏* * * بعد كتاب اللّه بل يحتّم‏

علم بأيام رسول اللّه‏* * * من لدن النشأ إلى التناهي‏

و حفظ ما يحق أن لا يجهلا* * * من أمره و حاله مفصّلا

و بعد الانتهاء من كل هذا إن شاء اللّه تعالى، نبدأ الكلام عن تاريخ بلد اللّه الحرام، ذلك البلد الأمين الذي أقسم اللّه تعالى في كتابه العزيز فقال عز شأنه:

لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ* وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ و قال أيضا تبارك و تعالى: وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ* وَ طُورِ سِينِينَ* وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ و اللّه سبحانه و تعالى لا يقسم في كتابه الكريم إلا بأفضل الأشياء و أشرفها، و مكة المكرمة أشرف بقعة على وجه الأرض، و أفضل مكان تحت قبة السماء على الإطلاق، و كيف لا تكون كذلك، و فيها بيت اللّه الحرام، و المشاعر العظام، و لا يكون أداء فريضة الحج الذي هو خامس أركان الإسلام إلا فيها.

فمكة بلد اللّه الحرام، و مهبط الوحي و الملائكة الكرام، و مأوى الأولياء و الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، إنها لخليقة بكل رعاية، و جديرة بكل عناية، حسا و معنا، فهنيئا لمن عظم أمرها و أكرم أهلها، و أخلص للّه و رسوله فيها.

اللهم وفقنا لمرضاتك، و عاملنا بما أنت أهله، لا بما نحن أهله آمين يا رب العالمين يا اللّه.

لا ندري و اللّه كيف نكتب عن ترجمة حياة سيدنا و مولانا" محمد" رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، الذي أرسله اللّه رحمة للعالمين، فأخرجهم من الظلمات إلى النور، ماذا نكتب عن سيد ولد آدم و خاتم الأنبياء و المرسلين، ماذا يمكن لعاجز اللسان و القلم‏

100

أن يكتب عمن اختاره اللّه و اصطفاه، فأرسله إلى الناس كافة بشيرا و نذيرا، ماذا يمكن أن يكتب هذا العاجز عمن أراه اللّه تعالى ملكوت السموات و الأرض و يجتمع به ملائكة اللّه المقربون، ماذا يكتب هذا الضعيف العاجز عمن أسري به إلى السموات السبع، بل إلى ما فوق ذلك و كلمه ربه.

الحقيقة أن المؤمن الصادق الممتلئ حبا و معرفة برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ليقف حيران في ناحية الكتابة عن هذا النبي العربي الأمي الذي تربى يتيما، و قام بالدعوة إلى اللّه تعالى وحده، حتى تغلب على جاهلية العرب، و قلب معتقداتهم الشركية إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له، و أضاء ما جاء به من الدين القويم ما بين المشرق و المغرب، و لا يزال هذا الدين الحنيف قائما إلى أن تقوم الساعة.

كيف لا يحتار الإنسان في الكتابة عمن ينزل عليه الوحي من السماء فلا ينطق عن الهوى، فيستقي معلوماته عن الروح الأمين (عليه السلام)، و ماذا يكتب مثلنا أعمى القلب و البصر عمن تنام عيناه و لا ينام قلبه، و عمن يرى من خلفه كما يرى من أمامه، و عمن أطلعه اللّه تعالى على ملكوت السموات و الأرض، و عمن عرج به إلى ما فوق السموات السبع حتى سمع صريف الأقلام و رأى من آيات ربه الكبرى ما رأى، و إذا كنا نحن لا نعرف عن أنفسنا و لا نحيط بها علما فكيف يمكننا أن نعرف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فنكتب عنه- و رحم اللّه من قال:

روى السيوطي في كبرى الخصائص عن‏* * * طه عن الروح عن ذي العرش سبحانه‏

لا يعرف اللّه إلا اللّه جل كما* * * لا يعرف المصطفى إلاه عرفانه‏

و ما أحلى هذا البيت:

إذا اللّه أثنى بالذي هو أهله‏* * * عليه فما مقدار ما يمدح الورى‏

على أنه لابد لنا أن نتشرف بذكر نبذة قصيرة عن حياته الشخصية المباركة (صلى الله عليه و سلم)، حيث إننا في صدد وضع تاريخ منقح عن البلدة التي أشرقت بولادته عليه الصلاة و السلام، و هي بلد اللّه الأمين" مكة"، و إن توسعنا في الحديث عما يتعلق به (صلى الله عليه و سلم) فإنما يكون ذلك في ثلاثة مباحث:

(الأول): قصة الإسراء و المعراج، (الثاني): قصة الهجرة إلى المدينة المنورة، (الثالث): قصة فتح مكة.