التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج1

- محمد طاهر الكردي المزيد...
582 /
101

فغير هذه المباحث الثلاثة لا نتوسع فيها، و لو أردنا استيفاء الكلام عن تاريخه (صلى الله عليه و سلم) من جميع النواحي لاحتجنا إلى وضع مجلدات ضخمة، و رضي اللّه عن علمائنا الأعلام فقد أتوا بالكلام الشافي الوافي عن سيرة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من جميع النواحي.

و هنا نتشرف بالبدء بجزء يسير عن ترجمته (صلى الله عليه و سلم)، فنقول و باللّه التوفيق و منه تعالى نستمد العون في كل صغيرة و كبيرة وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ‏:

نسب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)

اعلم أن نبينا" محمدا" (صلى الله عليه و سلم) ينتهي نسبه الشريف إلى خليل اللّه إبراهيم عليه الصلاة و السلام، فهو من ذريته بدون شك، و لقد أجمع العلماء إلى أن نسبه الشريف يقف إلى عدنان كما سيأتي بيانه، و ما فوق عدنان لا يصح فيه طريق.

و أنه (صلى الله عليه و سلم) لم يزل ينتقل من أصلاب آباء طاهرين إلى أرحام أمهات طاهرات، و كلهم من سادات العرب و كرام القوم، و لم يكن في نسبه (صلى الله عليه و سلم) شي‏ء من سفاح الجاهلية، فقد طهره اللّه عز شأنه من كل شائبة، كما هو اللائق بنسب سيد ولد آدم خاتم النبيين و إمام المتقين و شفيع الأمة يوم الدين، صلى اللّه عليه و على آله و أصحابه الطيبين الطاهرين.

روى مسلم في صحيحه عن واثلة بن الأسقع رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «إن اللّه عز و جل اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، و اصطفى قريشا من كنانة، و اصطفى من قريش بنى هاشم، و اصطفاني من بني هاشم».

و روى الترمذي عن العباس بن عبد المطلب أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: «إن اللّه تعالى خلق الخلق فجعلني في خير فرقهم، ثم تخير القبائل فجعلني في خير قبيلة، ثم تخير البيوت فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا و خيرهم بيتا». ا ه.

و إلى معنى الأحاديث المتقدمة أشار بعضهم بقوله:

محمد خير بني هاشم‏* * * فمن تميم و بنو دارم‏

و هاشم خير قريش و ما* * * مثل قريش في بني آدم‏

و لبعضهم:

قريش خيار بني آدم‏* * * و خير قريش بنو هاشم‏

102

و خير بني هاشم أحمد* * * رسول الإله إلى العالم‏

و لبعضهم:

للّه مما قد برا صفوة* * * و صفوة الخلق بنو هاشم‏

و صفوة الصفوة من بينهم‏* * * محمد و النور و أبو القاسم‏

و من لطيف ما يحكى: أن معاوية رضي اللّه عنه كان جالسا و عنده جماعة من الأشراف- فقال معاوية:" من أكرم الناس أبا و أما، و جدا و جدة، و عما و عمة، و خالا و خالة"؟ فقال النعمان بن العجلان الزرقي بعدما أخذ بيد الحسن فقال: هذا، أبوه علي بن أبي طالب، و أمه فاطمة، و جده رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و جدته خديجة، و عمه جعفر، و عمته أم هانئ ابنة أبي طالب، و خاله القاسم، و خالته زينب- فهذا هو الشرف الذي لا يدانى و الفضل الذي لا بيارى- انتهى من صبح الأعشى.

فنسبه (صلى الله عليه و سلم) من جهة أمه هو كما يأتي:

محمد بن آمنة الزهرية بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، فيجتمع نسب أبيه و أمه في كلاب.

و أما نسبه (صلى الله عليه و سلم) من جهة أبيه فهو كما يأتي في هذا الجدول:

عدد/ النسب الشريف/ نبذة عن أحوال آبائه الكرام 1/ محمد (صلى الله عليه و سلم)/ ولد عام الفيل، و توفي في ربيع من السنة الحادية عشرة من الهجرة، و عمره ثلاث و ستون سنة.

2/ ابن عبد اللّه/ تزوج عبد اللّه بآمنة بنت وهب أم النبي (صلى الله عليه و سلم) و هو ابن ثلاثين سنة، و قيل أقل- و توفي عبد الله بعد أن حملت آمنة بالنبي (صلى الله عليه و سلم) بشهرين، و دفن بالمدينة عند أخواله بني عدي بن النجار، و من دقائق لطف الله عز و جل أن يكون اسم والد نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم) اسما كريما محبوبا، مع ندرة التسمية به في ذلك الزمن الجاهلي و هو" عبد الله" حتى إذا انتسب (صلى الله عليه و سلم) إلى أبيه كان انتسابا صحيحا حسا و معنى، فلم يكن اسم أبيه عبد العزى، و لا عبد هبل، و لا ابن كلاب، و لا ابن مرة، و أمثالها من أسماء الجاهلية، حقا إنه (صلى الله عليه و سلم)

103

// عبد الله و رسوله.

3/ ابن عبد المطلب/ و اسمه شيبة الحمد، كان حسن الخلقة، و كان سيد قريش و شريفها و حليمها و هو الذي حفر بئر زمزم، و أخرج منها الغزالين الذهب و الأسياف و الدروع التي دفنتها فيها جرهم.

4/ ابن هاشم/ و اسمه عبد العلاء، كان يهشم الثريد لقومه في الجدب و يصنع الطعام للحاج و يملأ الأحواض بالمسجد بالماء لسقاية الحاج.

5/ ابن عبد مناف/ و اسمه المغيرة، تولى ولاية مكة بعد أبيه قصيّ، و ورث منه شرف القيادة و دار الندوة و السقاية.

6/ ابن قصيّ/ و اسمه زيد، و يقال له: مجمع لأنه جمع قبائل قريش بعد تفرقها، و كان بيده أمر مكة و ولاية البيت.

7/ ابن كلاب/ و اسمه حكيم، و هو أول من أهدى إلى الكعبة سيفين محلايين بالذهب جعلهما في خزانتها.

8/ ابن مرّة/ و اسمه محشية و كنيته أبو يقظة، و مرة منقول من وصف الحنظلة و العلقمة.

9/ ابن كعب/ سمي كعبا لعلو قدره و ارتفاع منزلته عند قريش، و هو أول من قال:" أما بعد" كان بينه و بين مبعث النبي (صلى الله عليه و سلم) خمسمائة و ستون سنة، كان يعظ قومه و يبشرهم بمبعث النبي (صلى الله عليه و سلم) و أنه من ولده، و كان العرب بعد موته يؤرخون بوفاته إلى عام الفيل.

10/ ابن لؤي/ و يكنى أبا كعب، كان حليما حكيما، نطق بالحكمة و هو صغير، و كان التقدم في بنيه على قبائل قريش.

11/ ابن غالب/ و كنيته أبو تيم.

12/ ابن فهر/ و كنيته أبو غالب، و كان يسد حاجة المحتاج من ماله، و كان بنوه يتفقدون الحاج في الموسم و يسألونهم عن حوائجهم فيرفدونهم و يسدون‏

104

// عوزهم.

13/ ابن مالك/ و يكنى أبا الحارث، سمي مالكا لأنه ملك العرب في زمانه.

14/ ابن النضر/ و اسمه قيس و يكنى أبا مخلد، و لقب بالنضر لنضارته و حسنه و جماله.

15/ ابن كنانة/ سمي بكنانة؛ لمحافظته على أسرار قومه، و كان عظيم القدر، تحج إليه العرب لعلمه و فضله، و كان يبشر قومه بخروج نبي من مكة يدعى" أحمد" (صلى الله عليه و سلم).

16/ ابن خزيمة/ و يكنى أبا أسد، خلّف من الولد خمسة، و من هؤلاء تفرعت بطون بأسمائهم.

17/ ابن مدركة/ و اسمه عمرو، سمي بمدركة لأنه أدرك كل عز و فخر كان في آبائه.

18/ ابن إلياس/ و يكنى أبا عمر، كان أمره عظيما عند العرب بعد أبيه، فكانوا يدعونه بسيد عشيرته، و كان فيهم مثل لقمان الحكيم في قومه، و كانوا لا يقطعون أمرا دونه، و هو أول من أهدى البدن إلى البيت الحرام.

19/ ابن مضر/ و اسمه عمرو، و كانت له الغلبة بالحجاز على سائر بني عدنان و الرياسة بمكة المكرمة و الحرم.

20/ ابن نزار/ و اسمه خلدان، و يكنى أبو إياد، و هو أول من اتكأ على العصا في الخطبة، قيل هو أول من قال:" أما بعد" و هو صاحب الخطبة العظيمة التي رواها صاحب السيرة الشامية.

21/ ابن معد/ و يكنى أبا قضاعة و منه بطون عدنان بأجمعها، و لم يحارب أحدا إلا انتصر عليه.

22/ ابن عدنان/ و إلى عدنان هذا ينتهي نسب النبي (صلى الله عليه و سلم) كما رواه البخاري في صحيحه، قيل كان عدنان في زمن موسى عليه الصلاة و السلام، و الله تعالى أعلم، فأنت ترى أن آبائه (صلى الله عليه و سلم) من أشراف العرب‏

105

// و ساداتها، و أمه من أفضل نساء قريش نسبا و موضعا- اللهم صل و سلم على عبدك و نبيك سيدنا" محمد" و على آله الطاهرين و أصحابه الطيبين، و ارض عنا معهم بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين.

[توحيد آبائه (صلى الله عليه و سلم)‏]

و اعلم، أن آباءه (صلى الله عليه و سلم) موحدون و ناجون؛ لأنهم كانوا يتعبدون على ملة إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و كانوا من أهل الفترة- جاء في شرح زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم ما نصه: قال في شرح نظم عمود النسب: قال ابن حجر الهيثمي: إن الأحاديث مصرحة لفظا و معنى أن آبائه (صلى الله عليه و سلم) غير الأنبياء و أمهاته إلى آدم و حواء ليس فيهم كافر، لأن الكافر لا يقال في حقه مختار و لا كريم و لا طاهر بل نجس. و قد جاء في الحديث أن آباءه مختارون و أنهم كرام، و أن أمهاته طاهرات، و أيضا فهم إلى إسماعيل من أهل الفترة، و هم في حكم المسلمين بنص قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا انتهى كلامه.

روى أبو نعيم: «لم يلتق أبواي قط على سفاح، لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا، لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما».

جاء في كتاب الأرج أن القاضي أبا بكر بن العربي سئل عن رجل قال: إن أبوي النبي (صلى الله عليه و سلم) في النار- فأجاب بأنه ملعون؛ لأن الله تعالى قال: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً. قال: و لا أذى أعظم من أن يقال عن أبويه (صلى الله عليه و سلم) في النار. انتهى كلامه.

و لقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال:

من يقل في النار والد النبي‏* * * فهو لعين قاله ابن العربي‏

و من يقل بالنار ربي يحرق‏* * * أم النبي كافر يحرق‏

انتهى من شرح زاد المسلم.

106

و انظر ما جبل عليه (صلى الله عليه و سلم) من مكارم الأخلاق، فقد جاء في الجزء الأول من تاريخ الخميس ما نصه:" و لما وصل عكرمة بن أبي جهل قريبا من مكة ليسلم، قال النبي (صلى الله عليه و سلم) لأصحابه: يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا فلا تسبوا أباه، فإن سبّ الميت يؤذي الحي و لا يلحق الميت". انتهى.

إذا علمت ما تقدم فهل يطيب قلب المؤمن الصادق المحب لرسول الله (صلى الله عليه و سلم)، أن يقول إن أبوي النبي عليه الصلاة و السلام ماتا كافرين- كلا و الله.

و إذا كان رجل سأل رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، أين أبي فقال: إن أبي و أباك في النار، كما في صحيح مسلم تواضعا منه (صلى الله عليه و سلم)، و جبرا لخاطر هذا الرجل السائل، فهل يليق بنا من باب الأدب على الأقل أن نقول نحن ذلك- كلا و الله.

و إذا كان (صلى الله عليه و سلم)، قال عن نفسه للرجل الذي دخل عليه فأخذته رعدة من هيبته: هوّن عليك فإني لست بملك و لا جبار، و إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة. فنطق الرجل بحاجته- فهل يليق بنا أن نقول نحن إن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) هو ابن آكلة القديد- كلا و الله.

و إذا كان رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، قال في عمه أبي طالب الذي هو شقيق أبيه عبد الله:" لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه" كما ورد في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه.

و جاء فيهما أيضا عن العباس رضي الله عنه، قيل لرسول الله (صلى الله عليه و سلم): «ما أغنيت عن عمك أبي طالب، فإنه كان يحوطك و يغضب لك؟ فقال عليه الصلاة و السلام: هو في ضحضاح من نار، و لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار».

و الضحضاح بفتح الضاضين المعجمتين، قال ابن الأثير: هو ما رق من الماء على وجه الأرض قدر ما يبلغ الكعبين فاستعير للنار- ا ه.

فهل نقول بموجب هذين الحديثين: إن أبا طالب أحسن حالا من أبوي النبي (صلى الله عليه و سلم)، من حيث إن النار تبلغ إلى كعبيه بشفاعة النبي (صلى الله عليه و سلم) له يوم القيامة مع أنه مات كافرا، فقد دعاه (صلى الله عليه و سلم) في مرض موته إلى الإسلام فأبي. أما والد النبي (صلى الله عليه و سلم) فقد مات أبوه و هو في بطن أمه، و ماتت أمه و هو في السادسة من عمره، فكيف نحكم بكفرهما إذا، و الله تعالى أكرم من أن يجعل والدي رسوله المصطفى (صلى الله عليه و سلم) في‏

107

النار، و هو الذي قد خرج من بينهما فأرسله الله تعالى رحمة للعالمين، و إذا قال الله تعالى له زيادة في إكرامه و رفعة في مقامه: وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ فمما لا شك فيه أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لا يرضى في الآخرة أن يتنعم بنفسه في الجنة و أبواه في النار.

هذا و إن اختلف العلماء في نجاة آبائه (صلى الله عليه و سلم)، فالقول الأصح السديد أنهم ناجون.

و نحن نرى أن الجدل و الخوض في عدم نجاة أبويه (صلى الله عليه و سلم) فيه من المجازفة و المخاطرة ما فيه، و الصمت و السكوت عن ذلك أحسن و أفضل، و أسلم و أكمل، تأدبا و احتراما لمقام النبوة، بل إن من يقرأ سير آبائه (صلى الله عليه و سلم) في كتب التاريخ بإمعان و تدقيق، ينكشف له أنهم من أشراف الناس و قاداتهم، و أنهم أعرف باللّه من غيرهم، و كانوا يتعبدون على ملة إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و كانوا يأمرون بمكارم الأخلاق، و يتصفون بأفضل الصفات، كما كانوا يعرفون أنه سيبعث منهم نبي يأمر بالمعروف و يدعو إلى عبادة الله تعالى.

و هذا عبد المطلب جد النبي (صلى الله عليه و سلم) لما جاء أبرهة بفيله ليهدم الكعبة شرفها الله تعالى و أخذ لعبد المطلب مائتي بعير، ذهب إليه عبد المطلب ليأمر برد إبله إليه، فقال له أبرهة: لقد زهدت فيك، جئت لأهدم بيتا هو دينك و دين آبائك، فلم تكلمني فيه و تكلمني في مائتي بعير؟

فقال عبد المطلب: أنا رب الإبل، و البيت له رب يمنعه منك.

فلما رجع عبد المطلب أمر قريشا أن يتفرقوا في الشعاب و يتحرزوا في رؤوس الجبال ففعلوا، ثم أتى عبد المطلب إلى البيت الحرام و أخذ بحلقة الباب و جعل يقول:

يا رب لا أرجو لهم سواكا* * * يا رب فامنع منهمو حماكا

إن عدو البيت من عاداكا* * * فامنعهمو أن يخربوا قراكا

فانظر أيها القارئ الكريم بعين التحقيق و الإنصاف إلى قول عبد المطلب الجد الأول للنبي (صلى الله عليه و سلم). أليس معرفته باللّه واضحة في قوله كالشمس؟ و النبي (صلى الله عليه و سلم) لم يولد إلا بعد هذه الحادثة بنحو شهرين أو ثلاثة.

108

ترجمة عبد المطلب جد النبي (صلى الله عليه و سلم)

عبد المطلب هو الجد الأول لرسول الله (صلى الله عليه و سلم) فهو" محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم"، فلعبد المطلب مناقب عظيمة و مآثر عديدة لا تنحصر في كتاب، و نحن هنا نأتي بترجمة مختصرة له فنقول:

عبد المطلب اسمه شيبة الحمد، سمي بذلك؛ لأنه ولد في رأسه الشيب، و إنما سمي عبد المطلب لأن والده هاشم تزوج سلمى بنت عمر بالمدينة في بني عدي بن النجار، فولد له شيبة، فتركه عند أمه حتى صار غلاما، فلما مات هاشم خرج أخوه" المطلب بن عبد مناف" إليه فأخذه من أمه فاحتمله و أردفه على بعير و دخل مكة فقالت قريش: هذا عبد ابتاعه المطلب فسمي بعد ذلك بعبد المطلب.

كان عبد المطلب جسيما و سيما أبيض فصيحا، ما رآه أحد إلا أحبه، و كان قاضي العرب و سيد قريش و شريفها و حليمها، و كان يعبد الله تعالى على ملة إبراهيم (عليه السلام)، و كان إذا دخل شهر رمضان يصعد على جبل حراء و يتعبد فيه جميع الشهر، و أطعم المساكين، و لقد كان يحث الناس على مكارم الأخلاق، و قد حرّم الخمر و نكاح المحارم و الزنا و وأد البنات و هو دفنهن أحياء، و كان يأمر أولاده بترك البغي و الظلم.

و كان يقال له: الفياض؛ لجوده و كرمه، و كان يطعم الناس بالسهل و الجبل، و يطعم الوحوش في رؤوس الجبال، و هو الذي حفر بئر زمزم و أخرجه بعد أن درس موضعه و عفى أثره، فهداه الله تعالى إلى مكانه كما تقدم بيان ذلك بالتفصيل في محله، و هو أول من جعل الحلية على الكعبة المشرفة حيث ضرب الأسياف و الغزالين من الذهب التي استخرجها من بئر زمزم في الكعبة.

و لعبد المطلب مع أبرهة صاحب الفيل الذي جاء لهدم الكعبة قصة شهيرة، و كان أبرهة قد أصاب أموال قريش و غيرهم، و أخذ مائتي بعير لعبد المطلب، فلما ردها إليه إكراما له انصرف عبد المطلب من عنده إلى قريش، و أمرهم بالخروج من مكة و التحرز في شعف الجبال، خوفا عليهم من جيش أبرهة، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة و قام معه نفر من قريش يدعون الله تعالى عز و جل و يستنصرونه على أبرهة و جنده، فقال عبد المطلب و هو آخذ بحلقة باب الكعبة:

يا رب إن المرء يمن* * * ع رحله فامنع رحالك‏

109

لا يغلبنّ صليبهمم‏* * * و محالهم عدوا محالك‏

إن كنت تاركهم و قب* * * لتنا فأمر ما بدالك‏

و لئن فعلت فإنه‏* * * أمر يتم به فعالك‏

ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة و انطلق هو و من معه من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها ينتظرون ما يفعل أبرهة بمكة إذا دخلها. و قال عبد المطلب ستة أبيات، منها:

نحن أهل اللّه في بلدته‏* * * لم يزل ذاك على عهد إبرهم‏

نعبد اللّه و فينا شيمة* * * صلة القربى و إيفاء الذمم‏

إن للبيت لربا مانعا* * * من يرده بآثام يصطلم‏

فلما أصبح أبرهة تهيّأ لدخول مكة و هدم الكعبة، فمنعه اللّه عز شأنه و عظمت قدرته من ذلك‏ وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ* تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ‏.

روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه و عن أبيه قال: سمعت أبي يقول:

كان عبد المطلب أطول الناس قامة، و أحسنهم وجها، ما رآه قط شي‏ء إلا أحبه.

و كانت له مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره، و لا يجلس معه عليه أحد، و كان الندي من قريش حرب بن أمية فمن دونه يجلسون حوله دون المفرش، فجاء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو غلام يدرج ليجلس على المفرش، فجبذوه فبكى، فقال عبد المطلب- و ذلك بعد ما حجب بصره- ما لابني يبكي؟

قالوا له: إنه أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه.

فقال عبد المطلب: دعوا ابني فإنه يحس بشرف أرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغ عربي قط.

قال: و توفي عبد المطلب و النبي (صلى الله عليه و سلم) ابن ثمان سنين، و كان خلف جنازته يبكي حتى دفن بالحجون. انتهى، ملخصا من الأزرقي.

و قد عاش عبد المطلب مائة و أربعين سنة. هذه ترجمة مختصرة لجد النبي (صلى الله عليه و سلم)، فلو توسعنا في ترجمته لطال بنا الكلام، فإن كل أجداد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لهم مناقب و ميزات خصّهم اللّه تعالى بها لا توجد في غيرهم، فكل من ينتمي إليه سعيد شريف.

110

و انظر أيضا إلى قول أحد شعراء العرب و هو أبو الصلت الثقفي من أهل الجاهلية، حيث يقول عن حادثة الفيل:

إن آيات ربنا بينات‏* * * ما يماري فيهن إلا كفور

حبس الفيل بالمغمس حتى‏* * * ظل يحبو كأنه معقور

واضعا حلقة الجران كما* * * قطر صخر من كبكب محدور

و ليكن هذا مسك الختام، فمن لم يقتنع بما ذكرناه فليقل ما شاء، فكل شاة معلقة برجلها.

جاء في شرح زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم ما يأتي:

قال صاحب نظم عمود النسب، مشيرا لمضمن الأحاديث في إسلام آبائه (صلى الله عليه و سلم) ما يأتي:

خير الشعوب شعبه لآدم‏* * * و قرنه خير قرون العالم‏

من مؤمنين متناكحينا* * * خرج لا من متسافحينا

ينقل من أصلاب طاهرين‏* * * لطاهرات من لدن أبينا

و كيف لا و المشركون نجس‏* * * و من أذى نبينا مقدس‏

من ساجد لساجد تقلبا* * * صلى عليه اللّه ما هب الصبا

و جعل الدين عمود نسبه‏* * * كلمة باقية قي عقبه‏

و فيه ربه له تقبلا* * * دعاءه من كل بر سألا

كترك الأصنام و ترك الموبقات‏* * * و كل ما يزري بمنصب الثقات‏

و قال عبد اللّه حين استعصما* * * ممن دعته إذ تبيع الأدما

أما الحرام فالممات دونه‏* * * و الحل لا حل فاستبينه‏

فكيف بالأمر الذي تبغينه‏* * * يحمي الكريم عرضه و دينه‏

و العذر بالفترة و الإحياء* * * فيؤمنوا ورد في الأنباء

و لعن الإله من آذاه‏* * * في هذه الدار و في أخراه‏

من عهد نوح ما خلت ذي الأرض‏* * * إسلام سبعة لكيما تطمئن‏

111

نبذة يسيرة عن أحوال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من ولادته إلى وفاته‏

قدّمنا نسب نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم) الذي هو أشرف أنساب العالم و أقومها و أكملها بالإجماع، و هنا نتشرف بذكر نبذة يسيرة عن أحوال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) منذ أن أشرقت الدنيا بولادته إلى أن ذهب إلى جوار ربه الكريم العلي الأعلى، و كما قلنا سابقا لا نريد الإطالة في ذلك، فالسيرة النبوية العطرة مشهورة معروفة، و لكنا نأتي بجملة مختصرة مفيدة تبصرة للمبتدئ، و تذكرة للقارئ فنقول و باللّه التوفيق و هو حسبنا و نعم الوكيل و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم:

وفاة والده (صلى الله عليه و سلم)

لما دخل عبد اللّه بن عبد المطلب على زوجته آمنة بنت وهب، حملت برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم توفي عبد اللّه بعد الحمل بشهرين، و دفن بالمدينة المنورة عند أخواله بني عدي بن النجار، حيث كان قد ذهب بتجارة إلى الشام، فلما رجع أدركته منيته بالمدينة.

تاريخ ولادته (صلى الله عليه و سلم)

و لما تم حمله (صلى الله عليه و سلم) في بطن أمه تسعة أشهر قمرية، جاءها المخاض، فوضعته (صلى الله عليه و سلم) في ثاني عشر ربيع الأول على المشهور، و ذلك عام الفيل.

جاء في كتاب نور اليقين أن محمود باشا الفلكي حقق ذلك فكان صبيحة يوم الاثنين تاسع ربيع الأول الموافق لليوم العشرين من إبريل سنة (571) إحدى و سبعين و خمسمائة من الميلاد- و اللّه تعالى أعلم.

و في تاريخ الخميس تفصيل تام عن تاريخ ولادته (صلى الله عليه و سلم).

كانت ولادته (صلى الله عليه و سلم) بمكة في دار أبي طالب بشعب بني هاشم، و كانت قابلته الشفاء أم عبد الرحمن ابن عوف رضي اللّه عنه، و لما ولدته أمه أرسلت لجده عبد المطلب تبشره بولادته، فأقبل عبد المطلب مسرورا، و أخذه و دخل به إلى الكعبة، و قام يدعو اللّه تعالى و يشكره على ما أعطاه، و سماه" محمد".

112

و كانت حاضنته أم أيمن بركة الحبشية أم أبيه عبد اللّه، و أول من أرضعته ثويبة أمة عمّه أبي لهب.

و قد رأت أمه الكريمة الشريفة السعيدة به (صلى الله عليه و سلم) كثيرا من البشائر و خوارق العادات خلال حمله، و عند ولادته عليه الصلاة و السلام، مذكورة في تاريخ الخميس، و كل ذلك جائز غير مستغرب على من تشرّف الكون بوجوده، و أشرقت الدنيا بنور وجهه، الذي أرسله اللّه تعالى رحمة للعالمين، و جعله خاتم النبيين، و الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، و هداهم إلى الطريق المستقيم بإذن ربه- صلى اللّه عليه و على آله و أزواجه و أصحابه و سلم تسليما كثيرا.

و إن شاء اللّه تعالى سيأتي في نهاية هذه الترجمة الشريفة مبحثان (الأول) في تحقيق ميلاده (صلى الله عليه و سلم)، (و الثاني) مقالة أدبية ممتازة عن ولادته عليه الصلاة و السلام.

نجاة عبد اللّه أب النبي (صلى الله عليه و سلم) من الذبح‏

لقد ذكرنا قصة عبد المطلب و إخراجه ماء زمزم بالتفصيل، و هنا نذكرها موجزة مختصرة لنعرّج على ذكر عبد اللّه بن عبد المطلب والد النبي (صلى الله عليه و سلم) فنقول:

كان عبد المطلب نذر للّه تعالى حين أمر بحفر بئر زمزم في المنام، لئن حفرها و تم له أمرها و صار له من الأولاد الذكور عشرة لينحرن أحدهم للّه عز و جل، فبلّغه اللّه تعالى مراده، فأعطاه عشرة من الأولاد الذكور، و وفقه لحفر زمزم و إخراج الماء لسقاية الناس.

فعندئذ أراد عبد المطلب أن يوفي بنذره، فأقرع بين أولاده أيهم يذبح، فخرجت القرعة على أحب أولاده إليه و هو عبد اللّه والد النبي (صلى الله عليه و سلم)، و كان عمره حينئذ نحو خمس و عشرين سنة، فقام إليه ليذبحه، فقام له أخواله بنو مخزوم و عظماء قريش و أهل الرأي منهم، و قالوا له: و اللّه لا تذبحه، فإنك إن تفعل تكن سنة علينا في أولادنا و سنة علينا في العرب، و قامت بنوه مع قريش في ذلك.

ثم قالت له قريش: إن بالحجاز عرافة لها تابع فسلها، ثم أنت على رأس أمرك، إن أمرتك بذبحه ذبحته، و إن أمرتك بأمر لك فيه فرج قبلته.

فانطلقوا حتى قدموا المدينة، فوجدوا المرأة فيها يقال لها تخيبر، فسألوها، و قص عليها عبد المطلب خبره، فقالت: ارجع اليوم عني حتى يأتيني تابعي‏

113

فأسأله. فرجعوا عنها حتى كان الغد، ثم غدوا عليها، فقالت: نعم قد جاءني الخبر كم الدية فيكم، قالوا: عشر من الإبل، قالت: فارجعوا إلى بلادكم، و قربوا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليها و على صاحبكم بالقداح، فإن خرجت على الإبل فانحروها، و إن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل عشرا، ثم اضربوا بالقداح عليها و على صاحبكم حتى يرضى ربكم، فإذا خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم و نجا صاحبكم.

فرجعوا إلى مكة، فأقرع عبد المطلب على ابنه عبد اللّه و على عشر من الإبل، فخرجت القرعة على عبد اللّه، فقالت قريش لعبد المطلب: يا عبد المطلب زد ربك حتى يرضى، فلم يزل يزيد عشرا عشرا و تخرج القرعة على عبد اللّه، و تقول قريش: زد ربك حتى يرضى، ففعل حتى بلغ مائة من الإبل. فخرجت القداح على الإبل، فقالت قريش لعبد المطلب: انحرها فقد رضي ربك و قرعت، فقال:

لم أنصف إذا ربي حتى تخرج القرعة على الإبل ثلاثا. فأقرع عبد المطلب على ابنه عبد اللّه و على المائة من الإبل ثلاثا، كل ذلك تخرج القرعة على الإبل.

فلما خرجت ثلاث مرات نحر الإبل في بطون الأودية و الشعاب و على رؤوس الجبال، لم يصد عنها إنسان و لا طائر و لا سبع، و لم يأكل منها هو و لا أحد من ولده شيئا، و تجلبت لها الأعراب من حول مكة و أغارت السباع على بقايا بقيت منها، فكان ذلك أول ما كانت الدية مائة من الإبل، ثم جاء اللّه بالإسلام فثبتت الدية عليه.

و لما انصرف عبد المطلب ذلك اليوم إلى منزله، مر بوهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب و هو جالس في المسجد، و هو يومئذ من أشراف أهل مكة، فزوج ابنته آمنة لعبد اللّه بن عبد المطلب- ا ه. باختصار من تاريخ الأزرقي.

فعلم مما تقدم أن عبد اللّه بن عبد المطلب أبا النبي (صلى الله عليه و سلم) يسمى ذبيحا، و أن أحد ابني إبراهيم الخليل إسماعيل أو إسحاق يسمى ذبيحا أيضا على جميعهم الصلاة و السلام، و إن لم يحصل لهما ذبح حقيقي لوقوع الفداء لهذا و لذاك، و من هنا قال نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم): «أنا ابن الذبيحين».

و علم مما تقدم أيضا: أن عدد أعمام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عشرة، و قيل اثنا عشر على افتراض أنه ولد لعبد المطلب اثنان بعد قصة النذر و هم: الحارث و هو أكبرهم، و الزبير، و أبو طالب، و أبو لهب، و حمزة، و العباس، و الغيداق،

114

و المقوم، و ضرار، و قثم، و حجل و اسمه المغيرة، و عبد اللّه و هذا لا يحسب من أعمام النبي (صلى الله عليه و سلم) و لكنه أبوه و أخو أعمامه.

و عدد عماته ست و هن: عاتكة، و أروى، و صفية، و أميمة، و برّة، و البيضاء، و هي أم حكيم.

و لم يدرك الإسلام من الذكور إلا أربعة: حمزة و العباس و قد أسلما. و أبو طالب، و أبو لهب، و لم يسلما، و لم تسلم من الإناث إلا صفية و عاتكة و أروى.

و لم يكن لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) خال و لا خالة، لأن أمه آمنة بنت وهب لم يكن لها أخ و لا أخت، و إنما بنو زهرة يقولون نحن أخواله، لأن أمه آمنة منهم- و كذلك لم يكن لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أخ و لا أخت شقيق من أبيه و أمه، حيث لم يولد لهما ولد غيره، فأبوه عبد اللّه مات و هو جنين في بطن أمه، و ماتت أمه و هو في السادسة من عمره- لكن له (صلى الله عليه و سلم) ذلك من الرضاعة، فإخوته من مرضعته حليمة السعدية رضى اللّه تعالى عنها هم: عبد اللّه، و أنيسة، و حذافة، و تعرف بالشيماء، و كلهم من زوج حليمة السعدية الحارث بن العزى- و كذلك له (صلى الله عليه و سلم) إخوة من مرضعته ثوبية جارية عمه أبي لهب، و هم ابنها مسروح، و حمزة بن عبد المطلب، و أبا سلمة بن عبد الأسد، فيكون حمزة رضى اللّه تعالى عنه عمه (صلى الله عليه و سلم) و أخاه من الرضاعة، و يكون أبو سلمة أخاه من الرضاعة و ابن عمته برّة بنت عبد المطلب، و هو مشهور بكنيته أكثر من اسمه، و اسمه عبد اللّه بن عبد الأسد، و كان رضى اللّه تعالى عنه من السابقين الأولين إلى الإسلام- أما مسروح بن ثوبية فقد قال ابن حجر (رحمه اللّه تعالى) عنه في كتابه" الإصابة في تمييز الصحابة": لم أقف على شي‏ء من الطرق على إسلام ابنها مسروح و هو محتمل- ا ه.

تزوج عبد اللّه بن عبد المطلب‏

تقدم أن عبد المطلب كاد أن يذبح ولده الحبيب" عبد اللّه" وفاء بنذره، لولا أن اللّه تعالى أنقذه من هذه المحنة بخروج القرعة على المائة الإبل، فنحرها و تصدق بلحومها، و شكر اللّه تعالى على هذه المنة، فكان طبيعيا أن يعوض على ابنه" عبد اللّه" عقب هذا البلاء العظيم بفرح عظيم و سرور شامل عميم، ألا و هو تزويجه لتقرّ عينه و عين أسرته و قومه.

115

فخطب عبد المطلب لابنه عبد اللّه" آمنة بنت وهب" فرضي أبوها وهب بن عبد مناف و زوّجه إياها برغبة و قبول، و قال: لن يستقيم لابنتي آمنة زوج غير عبد اللّه بن عبد المطلب، و قد كان خطبها أشراف قريش فكانت آمنة تأبى ذلك و تقول: يا أبت لم يأن لي التزويج، حتى صارت من نصيب عبد اللّه بن عبد المطلب‏ كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً.

قالوا: و كان عمر عبد اللّه حينئذ خمسا و عشرين سنة و قيل ثلاثين سنة، و نحن نميل إلى القول الأول، لأن عادة العرب في الغالب التزوج في سن الخامسة و العشرين أو قبله، و لأن النبي (صلى الله عليه و سلم) تزوج لأول مرة خديجة بنت خويلد رضي اللّه تعالى عنها و هو في الخامسة و العشرين، فلا يبعد أن يكون توافقهما في السن حين زواجهما قدرا مقدورا- و اللّه تعالى أعلم- هذا و لم يذكروا عمر آمنة حين زواجها، و لا شك أنها أصغر من زوجها عبد اللّه، و الذي نراه أنها كانت في سن الاستواء و النضوج، أي كانت في الخامسة عشر من عمرها أو في الثامنة عشر.

و اللّه تعالى أعلم.

و كان والد عبد اللّه عبد المطلب سيد قريش و شريفها و حليمها و جوادها، كما كان والد آمنة وهب بن عبد مناف سيد بني زهرة نسبا و شرفا. و بنو زهرة قبيلة من قريش تنسب لزهرة بن كلاب و هو أخ قصي بن كلاب- فرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يجتمع نسب أبيه و أمه في كلاب.

فنسبه (صلى الله عليه و سلم) من جهة أمه كما يأتي: محمد بن آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب.

و أما نسبه (صلى الله عليه و سلم) من جهة أبيه فهو كما يأتي: محمد بن عبد اللّه، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي، بن كلاب، بن مرّة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، بن نزار" بالزاي" بن معد بن عدنان- و هذا هو النسب الصحيح المتفق عليه عند علماء الحديث و أهل التاريخ و ما فوق ذلك مختلف فيه، مع إجماعهم على أن نسب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ينتهى إلى إسماعيل بن خليل اللّه إبراهيم عليهما الصلاة و السلام، فإن إسماعيل (عليه السلام) أبو العرب المستعربة.

116

موت عبد اللّه بن عبد المطلب أب النبي (صلى الله عليه و سلم)

فلما تزوج عبد اللّه بن عبد المطلب آمنة بنت وهب و بنى بها حملت برسول اللّه، ثم لم يلبث عبد اللّه بعد الحمل بنحو شهرين على أرجح الأقوال أن سافر مع رفقة من مكة إلى المدينة للتجارة يمتار تمرا و ليزور أخواله بني عدي بن النجار، سافر وحده و ترك زوجته آمنة؛ لئلا يشق عليها السفر بالجمال و هي حامل.

وصل عبد اللّه إلى المدينة فنزل عند أخواله، ثم مرض لديهم شهرا، فرجع رفقاؤه إلى مكة و أخبروا أباه عبد المطلب بمرضه، فبعث إليه ولده الحارث أو الزبير، فوجده قد مات بالمدينة و دفنه أخواله في دار من دورهم، و هي دار النابغة و ما زال قبره بالمدينة معروفا إلى اليوم.

فرجع الحارث و هو أكبر أولاد عبد المطلب فأخبر أباه بموت عبد اللّه، فحزن عليه عبد المطلب حزنا شديدا؛ لأنه أحب أولاده إليه و عريس جديد، كما حزنت عليه زوجته آمنة بنت وهب أشد الحزن؛ لأنها عروس حامل لم تتمتع بزوجها إلا قليلا.

مات عبد اللّه سريعا غريبا في دار الهجرة و هو في عنفوان شبابه، مات و ابنه" محمد" (صلى الله عليه و سلم) جنين في بطن أمه، ليخرج ابنه الذي سيكون خاتم النبيين و الذي سيرسله اللّه تعالى رحمة للعالمين، إلى الدنيا يتيما كما اقتضته الحكمة الإلهية- فما أبلغها من حكمة و ما أدق أسرارها- أنه ما رأى والده و ما رآه والده، فقد مات و هو في بطن أمه بعد زواجه بها بشهرين، كما أن هذا اليتيم الكريم، عليه الصلاة و التسليم، لم يتمتع كثيرا بمعاشرة أمه الحبيبة، فقد نشأ منذ رضاعته في البادية عند مرضعته حليمة السعدية رضي اللّه تعالى عنها حتى بلغ الخامسة، ثم سلمته لأمه آمنة بنت وهب، فمكث معها عاما واحدا، و إذا المنية تدركها فتلحق بزوجها و تموت في الأبواء، و هي في ريعان شبابها و زهرة جمالها كما سيأتي بيان ذلك، فيبقى هذا اليتيم الكريم الذي أصبح فيما بعد، رائد الأيتام و رسول الأنام عليه أفضل الصلاة و أتم السلام، وحيدا فريدا من غير أب و لا أم، و لا أخ و لا أخت، و لا خال و لا خالة، و عمره ست سنوات تماما، فكان وحيد أبويه اللذين لم يتزوجا إلا مرة واحدة فقط.

117

لقد صار هذا اليتيم الكريم الحبيب وحيدا فريدا، حتى يكون في كنف اللّه عز و جل و في حفظه و رعايته، و لينزل عليه بعد بعثته: أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏ فالمنة و الفضل و الإحسان كلها للّه عز و جل، فلقد قيّض اللّه تبارك و تعالى بعظيم لطفه و رحمته جده عبد المطلب، و هو عظيم قومه و سيد قريش، ليتولى كفالته و تربيته، فكفله جده عبد المطلب منذ وفاة أمه آمنة، و هو في أول السابعة من عمره الشريف، كفالة تامة، و رعاه رعاية بالغة حتى مات، ثم خلفه في الكفالة عمه أبو طالب بوصية من أبيه عبد المطلب، لأن أبا طالب و عبد اللّه أب النبي (صلى الله عليه و سلم) كانا من أم واحدة و هي فاطمة بنت عمرو، فبذل أبو طالب في رعايته و تربيته كل جهده فكان يحبه أكثر من أولاده كما سيأتي بيان كل ذلك.

ولادة النبي (صلى الله عليه و سلم)

قلنا فيما تقدم أن عبد اللّه بن عبد المطلب أبا النبي (صلى الله عليه و سلم)، بعد أن تزوج بآمنة بنت وهب أم النبي عليه الصلاة و السلام بنحو شهرين، مات بالمدينة المنورة و ابنه" محمد" (صلى الله عليه و سلم) جنين في بطن أمه، و كلاهما كانا وقتئذ بمكة المكرمة، حزنت آمنة عاملها اللّه تعالى بفضله و رحمته و إحسانه و منته، على زوجها الحبيب حزنا شديدا، لكنها تذرعت بصبر جميل يليق بمكانتها السامية، صبرت على القضاء و القدر فعوّضها اللّه تعالى بولد كالقمر.

مكثت آمنة في دارها بمكة صابرة مستسلمة حتى أتمت مدة الحمل و هي تسعة أشهر، فوضعت ابنها" محمدا" (صلى الله عليه و سلم) في أبرك الساعات و الأيام، و هو يوم الاثنين عند طلوع الفجر، و قيل في أول النهار أي بعد طلوع الشمس، من عام الفيل باتفاق العلماء، و لم تجد آمنة في حمله و وضعه (صلى الله عليه و سلم) ألما و لا تعبا و لا مشقة كما تجده النساء؛ لأن" محمدا" رسول اللّه، فهو خفيف لطيف ليس فيه غلظة و لا كثافة مثلنا، و إن كان من لحم و دم، إنه بشر لا كالبشر فهو كالياقوت بين الحجر، إنه نبي حبيب نوراني مبارك، إنه كريم على اللّه تعالى منذ الأزل، فلابد أن تصاحبه الأسرار و البركات منذ حمله و ولادته، بل منذ تنقله في الأصلاب، و ترافقه البشائر و الخيرات و الخوارق و المعجزات من طفولته إلى بعثته إلى مماته، فلو أراد أحد حصر فضائله و شمائله و معجزاته" قضى و لم يقض من إحصائها وطرا" إنه (صلى الله عليه و سلم)، نبي‏

118

الرحمة و نبي الهدى، و وجه الخيرات و فيض البركات، و رضي اللّه تعالى عن عبد اللّه بن رواحة حيث يقول في رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

لو لم تكن فيه آيات مبينة* * * لكان منظره ينبيك عن خطر

اللهم صل على سيدنا" محمد" و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و في الصفوة روي عن يزيد بن عبد اللّه ابن وهب بن زمعة عن عمته قالت: كنا نسمع أن آمنة لما حملت برسول (صلى الله عليه و سلم) كانت تقول: ما شعرت أني حملت و لا وجدت له ثقلا و لا وحما كما تجد النساء، إلا أني أنكرت رفع حيضتي، و أتاني آت و أنا بين النوم و اليقظة- أو قالت بين النائمة و اليقظانة، فقال: هل شعرت بأنك حملت، فكأني أقول: ما أدري، قال: إنك حملت بسيد هذه الأمة و نبيها.

كذا ذكر ابن إسحاق في كتاب المغازي- و في روايته بسيد الأنام- قالت:

و ذلك يوم الاثنين فكان ذلك مما يقّن أو حقق عندي الحمل، ثم أمهلني حتى إذا دنا وقت ولادتي أتاني ذلك الآتي فقال: قولي أعيذه بالصمد الواحد، من شر كل حاسد- و في المواهب اللدنية بغير لفظ الصمد- ثم سميه" محمدا" قالت: فكنت أقول ذلك.

و جاء فيه أيضا: و من حوادث ليلة مولده (صلى الله عليه و سلم): ما وقع من زيادة حراسة السماء بالشهب، و منع الشياطين من استراق السمع، و انشقاق إيوان كسرى و بقائه إلى القرن الثامن الهجري، و خمود نار فارس مع أنها لم تخمد قبل ذلك بألف سنة، و غاضت بحيرة ساوة و هي بين الري و همذان و كانت أكثر من ستة فراسخ في الطول و العرض تعبر فيها السفن، فلما يبست هذه البحيرة بنيت موضعها مدينة ساوة المعروفة اليوم- و رحم اللّه القائل:

ضاءت لمولده الآفاق و اتصلت‏* * * بشرى الهواتف في الإشراق و الطفل‏

و صرح كسرى تداعى من قواعده‏* * * و انقض منكسر الأرجاء ذا ميل‏

و نار فارس لم توقد و ما حمدت‏* * * مذ ألف عام و نهر القوم لم يسل‏

خرت لمبعثه الأوثان و انبعثت‏* * * ثواقب الشهب ترمي الجن بالشعل‏

انتهى من تاريخ الخميس ملخصا.

119

قال الشيخ الخضري (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" نور اليقين": إن المرحوم محمود باشا الفلكي قد حقق تاريخ ولادة النبي (صلى الله عليه و سلم) فقال: إن ذلك كان صبيحة يوم الاثنين تاسع ربيع الأول لليوم العشرين من شهر إبريل سنة (571) من الميلاد خمسمائة و إحدى و سبعين، و هو يوافق السنة الأولى من حادثة الفيل- ا ه كلامه.

محل ولادته (صلى الله عليه و سلم) و تسميته يوم السابع‏

كانت ولادة النبي (صلى الله عليه و سلم) بمكة في دار أبي طالب، بشعب بني هاشم، بقرب المسجد الحرام و يسمى الآن بشعب علي أي علي بن أبي طالب، و لا زال محل ولادته (صلى الله عليه و سلم) معروفا إلى اليوم.

و كانت قابلته الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف، جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و أخرج أبو نعيم، عن عبد الرحمن بن عوف، عن أمه الشفاء قالت: لما ولدت آمنة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) وقع على يدي، فاستهل، فسمعت قائلا يقول:

رحمك اللّه، و أضاءت لي ما بين المشرق و المغرب حتى نظرت إلى بعض قصور الروم. قالت: ثم ألبنته و أضجعته، فلم أنشب أن غشيتني ظلمة و رعب و قشعريرة، ثم غيب عني، فسمعت قائلا يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المشرق. قالت: فلم يزل الحديث مني على بال حتى بعثه اللّه فكنت أول الناس إسلاما، ذكره في المواهب اللدنية- ا ه.

ثم بعد الولادة أرسلت آمنة أم النبي (صلى الله عليه و سلم) لجده عبد المطلب، و هو جالس في الحجر عند البيت الحرام و معه رجال من قومه تبشره، فأقبل إليها مسرورا، ثم أخذه منها فأدخله الكعبة المعظمة و صار يدعو اللّه تعالى و يشكره على ما أعطاه و وهبه، و هو يقول:

الحمد للّه الذي أعطاني‏* * * هذا الغلام الطيب الأردان‏

قد ساد في المهد على الغلمان‏* * * أعيذه بالبيت ذي الأركان‏

حتى أراه بالغ البيان‏* * * أعيذه من شر ذي شنآن‏

من حاسد مضطرب العينان‏

120

ثم إن عبد المطلب في يوم سابعه نحر جزوا و دعى رجالا من قريش فحضروا و طعموا، ثم سماه" محمدا" و لم يكن هذا الاسم شائعا عند العرب يومئذ، و لكن شاء اللّه تعالى أن يلهم عبد المطلب هذا الاسم ليقع الأمر كما قضاه في الأزل، و لقد سألته قريش لم سميته" محمدا" و رغبت عن أسماء آبائك؟ فقال عبد المطلب:

أردت أن يكون محمودا في السماء للّه و في الأرض لخلقه.

ثم إن ثوبية جارية أبي لهب لما بشرته بأن آمنة بنت وهب قد ولدت" محمدا" (صلى الله عليه و سلم)، أعتقها من شدة سروره كما في المواهب اللدنية، و هذا يدل على كثرة حب أبي لهب لأخيه عبد اللّه أب النبي (صلى الله عليه و سلم)، ثم بعد أيام من ولادته (صلى الله عليه و سلم)، أرضعت ثوبية رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و في بعض الروايات أن أبا لهب أعتق ثوبية بعد الهجرة، و نحن نرجح الرواية الأولى حتى يكون رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قد رضع من حرة لا من جارية- و اللّه تعالى أعلم.

أحبّ عبد المطلب" محمدا" (صلى الله عليه و سلم) لأمرين:

(الأمر الأول): أنه ولد ابنه الحبيب عبد اللّه الذي مات عقب زواجه بنحو شهرين و هو في عنفوان شبابه، و للحفيد رتبة و منزلة بالغة في قلب جده خصوصا إذا كان يتيما.

(و الأمر الثاني): لقد رأى في هذا الطفل المبارك آثار النور المعنوي، و علامات الفلاح و الصلاح، و الهداية و النجابة، و النبوغ و الكمال، علاوة على ما سمعه من أمه ما رأته من عجائب الأمور حين الولادة، فهو وليد فريد لا يشبه المواليد في أحواله و أطواره، و في الحقيقة أن اللّه تبارك و تعالى قد ألقى محبة نبيه الكريم في قلب جده و أقاربه و جميع من رآه من من طفولته إلى حين وفاته، (صلى الله عليه و سلم) و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.

و لقد بلغ من محبة عبد المطلب لحفيده الكريم" محمد" (صلى الله عليه و سلم) عندما كبر قليلا، أنه كان يجلسه على فراشه مع أنه ما كان يجلس معه أحد عليه؛ لعظم مكانته عند قريش كما ذكرنا من قبل.

و عندما بلغ عمره (صلى الله عليه و سلم) ثماني سنوات توفي جده عبد المطلب، فكفله عمه أبو طالب شقيق أبيه، فكان يحبه حبا جما و يبالغ في إكرامه، و يقدمه على أولاده، و عندما بعثه اللّه تعالى و جهر بالدعوة كان عمه أبو طالب يحميه من قومه المشركين إلى أن مات.

121

رضاعته (صلى الله عليه و سلم) و مرضعاته‏

لما ولدت آمنة الكريمة ابنها العزيز" محمدا" (صلى الله عليه و سلم)، أرضعته ثلاثة أيام و قيل سبعة أيام، ثم أرضعته ثوبية الأسلمية جارية عمه أبي لهب أياما، ثم قدمت حليمة السعدية بنت أبي ذؤيب عبد اللّه بن الحارث من البادية إلى مكة في نسوة من بني سعد بن بكر يلتمسن الرضعاء، فكان" محمدا" ذلك الطفل المبارك المنور الأغر الذي صار فيما بعد نبي آخر الزمان و خاتم النبيين (صلوات اللّه و سلامه عليه و عليهم أجمعين)، من نصيب حليمة السعدية السعيدة رضي اللّه تعالى عنها، فأخذته، و رحلت به إلى قومها في البادية بجهة الطائف ليكمل رضاعته عندهم، فمكث الحبيب" محمد" (صلى الله عليه و سلم) في البادية عند حليمة رضي اللّه تعالى عنها خمس سنين، ثم ردته إلى أمه آمنة بنت وهب و قد أكمل رضاعته و اشتد عوده (صلى الله عليه و سلم) كما سيأتي بيان ذلك بالتفصيل، و لابد أن حليمة كانت تأتي به (صلى الله عليه و سلم) إلى مكة في بعض الأحيان لزيارة أمه آمنة بنت وهب، حتى يطمئن قلبها و تتمتع برؤيته، ثم ترجع به بعد أيام إلى منزلها- فلقد كانت عادة عظماء قريش و أشرافهم في ذلك العصر، أن يدفعوا أولادهم بعد الولادة إلى المراضع القاطنين في البادية، ليتموا رضاعتهم هنالك و لينشأوا نشأة عربية خالصة، فإن للبادية تأثيرا عظيما في التربية الجسمانية لطيب الهواء و عذوبة الماء وجودة الغذاء، كما أن لها تأثيرا أعظم في الفصاحة و البلاغة، و الجود و الكرم، و الشهامة و الشجاعة، إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق و جوامع الشرف- و ما زال العرب الذين لم يختلطوا بمعاشرة أهل المدن، يحبون عيشة البادية إلى عصرنا الحاضر، فإنهم يحبون الزراعة و تربية المواشي، و غالب قوتهم على الدوام التمر و اللحم و اللبن، بل إنهم يعتمدون في معيشتهم على التمر و اللبن صباحا و مساء، و الميسورون منهم يصنعون الخبز من دقيق الدخن و الذرة و الحنطة، و يطبخون الأرز باللحم و السمن و يحبون العسل جدا، و لا يأكلون الخضار إلا نادرا- و الحق يقال أن عيشة البادية بين الرمال و الجبال جميلة منعشة نافعة صحية مدهشة، لكن كما يقال:" لكل امرئ من دهره ما تعودا".

هذا و كانت أم أيمن بركة الحبشية حاضنته (صلى الله عليه و سلم) حتى كبر، و أم أيمن كانت أمة أبيه عبد اللّه بن عبد المطلب، فلما مات ورثتها أم النبي (صلى الله عليه و سلم)، فلما ماتت أمه صارت‏

122

لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فكان يقول عنها:" أم أيمن أمي بعد أمي". ثم أعتقها و قد أسلمت و زوّجها لزيد بن حارثة.

و أول من أرضع النبي (صلى الله عليه و سلم)، ثوبية أمة عمه أبي لهب فقد أرضعته مع ابنها مسروح أياما قبل قدوم حليمة السعدية، و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يكرمها، و كانت تدخل على النبي (صلى الله عليه و سلم) بعدما تزوج خديجة فكانت خديجة تكرمها، ثم بعد هجرة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى المدينة أعتقها أبو لهب، فكان النبي (صلى الله عليه و سلم) يبعث إليها من المدينة بكسوة وصلة حتى ماتت بعد فتح خيبر، و لم يصرح أحد من العلماء بإسلامها و لا يبعد أن تكون أسلمت و اللّه تعالى أعلم.

قال أبو نعيم: اختلف في إسلامها، و في تاريخ الخميس و في سيرة مغلطاي قال أبو نعيم: لا أعلم أحدا أثبت إسلامها غير ابن مندة- ا ه.

و كان من عادة العرب أن يطلبوا المراضع لمواليدهم في البوادي حتى يكون الولد فصيحا نجيبا و شهما كريما و شجاعا بطلا، لذلك كانت نساء البوادي يأتين مكة في فترات و أوقات مختلفة، فجاءت إلى مكة بعد مولد النبي (صلى الله عليه و سلم) من جهة الطائف نسوة من بني سعد بن بكر بن هوازن يطلبن المواليد ليرضعنهم، و كان من بينهن حليمة بنت أبي ذؤيب زوجة أبي كبشة الحارث بن عبد العزى السعدي، فكان" محمد" هذا المولود المبارك الميمون (صلى الله عليه و سلم) من نصيبها، فسعدت به هي و زوجها و أولادها و أهل بلدتها. قال الشاعر:

لقد بلغت بالهاشمي حليمة* * * مقاما علا في ذروة العز و المجد

و زادت مواشيها و أخصب ربعها* * * و قد عم هذا السعد كل بني سعد

قصة رضاعة حليمة السعدية له (صلى الله عليه و سلم)

و لنذكر قصة حليمة السعدية في أخذها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لرضاعته، فقد جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و في المواهب اللدنية قالت حليمة فيما رواه ابن إسحاق و ابن راهويه و أبو يعلى و الطبراني و البيهقي و أبو نعيم: قدمت مكة في نسوة من بني سعد بن بكر نلتمس الرضعاء في سنة شهباء، فقدمت على أتان لي و معي صبي لي و شارف لنا، و اللّه ما تبض بقطرة لبن و ما ننام ليلنا ذلك أجمع مع صبينا ذاك، لا يجد في ثديي ما يغنيه و لا في شارفنا ما يغذيه، فقدما مكة فو اللّه ما علمت منا امرأة إلا و قد عرض عليها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فتأباه إذا قيل يتيم، فو اللّه ما بقي من‏

123

صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعا غيري فلم أجد غيره، قلت لزوجي: و اللّه إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، فذهبت فإذا به مدرج في ثوب صوف أبيض من اللبن يفوح منه رائحة المسك، و تحته حريرة خضراء و هو راقد على قفاه يغط، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه و جماله، فدنوت منه رويدا فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكا، و فتح عينيه ينظر إليّ فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء و أنا أنظر إليه، فقبلته بين عينيه و أعطيته ثديي الأيمن فأقبل عليه بما شاء من اللبن، فحولته إلى الأيسر فأبى و كانت بعد عادته، ثم أخذته فما هو إلا أن جئت به رحلي فقام صاحبي، تعني زوجها، إلى شارفنا تلك فإذا أنها لحافل، فحلب منها ما شرب و شربت حتى روينا و بتنا بخير ليلة، فقال صاحبي، يا حليمة و اللّه إني لأراك أخذت نسمة مباركة، ألم تري ما بتنا به الليلة من الخير و البركة حين أخذناه فلم يزل اللّه يزيدنا خيرا.

و فيه أيضا قالت حليمة: فودعت النساء بعضهن بعضا و ودعت أنا أم النبي (صلى الله عليه و سلم)، ثم ركبت أتاني و أخذت محمدا (صلى الله عليه و سلم) بين يدي، قالت: فنظرت إلى الأتان و قد سجدت نحو الكعبة ثلاث سجدات و رفعت رأسها إلى السماء ثم مشت حتى سبقت دواب الناس الذين كانوا معي، و صار الناس يتعجبون مني و تقول النساء لي و هن ورائي: يا بنت أبي ذؤيب أهذه أتانك التي كنت عليها و أنت جائية معنا تخفضك طورا و ترفعك أخرى، فأقول: تاللّه إنها هي، فيتعجبن منها و يقلن: إن لها لشأنا عظيما.

و فيه أيضا قالت حليمة: ثم قدمنا منازل بني سعد و لا أعلم أرضا من أرض اللّه أجدب منها، فكانت غنيمتي تروح على حين قدمنا به شباعا لبنا، فنحلب و نشرب ما يحلب إنسان قطرة لبن و لا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعاتهم: ويلكم ما بال أغنام حليمة تحمل و تحلب و أغنامنا لا تحمل و لا تضع و لا تأتي بخير، اسرحوا حيث يسرح راعي غنم بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن و تروح أغنامي شباعا لبنا، حتى إننا نتفضل على قومنا و كانوا يعيشون على أكنافنا.

و فيه أيضا: و في المواهب اللدنية أخرج البيهقي و ابن عساكر عن ابن عباس قال: كانت حليمة تحدث أنها أول ما فطمت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تكلم فقال: اللّه‏

124

أكبر كبيرا و الحمد للّه كثيرا و سبحان اللّه بكرة و أصيلا. و في المواهب اللدنية:

فلما ترعرع كان يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيجتنبهم. و في المنتقى: و كان أخواه من الرضاعة يخرجان فيمران بالغلمان فيلعبان معهم، فإذا رأهم محمد (صلى الله عليه و سلم) اجتنبهم و أخذ بيد أخويه و قال لهما: إنا لم نخلق لهذا. و في كتاب" الإصابة في تمييز الصحابة" أن الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت النبي (صلى الله عليه و سلم) من الرضاعة و تسمى أيضا حذافة، كانت تحضن النبي (صلى الله عليه و سلم) مع أمها و توركه، و كانت ترقصه و هو صغير و تقول:

يا ربنا أبق لنا" محمدا"* * * حتى نراه يافعا و أمردا

ثم نراه سيدا مسودا* * * و اكبت أعاديه معا و الحسّدا

و أعطه عزا يدوم أبدا

و تقول الشيماء أيضا حينما ترقصه (صلى الله عليه و سلم):

هذا أخي لم تلده أمي‏* * * ولي من نسل أبي و عمي‏

فديته من مخول معم‏* * * فانمه اللهم فيما تنمي‏

انتهى منه باختصار، و لقد جعله اللّه تعالى بفضله و كرمه سيد الناس بل سيد الكونين، صلى اللّه عليه و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.

و في تاريخ الخميس أيضا: و في المواهب اللدنية و قد روى ابن سعد و أبو نعيم و ابن عساكر عن ابن عباس قال: كانت حليمة لا تدع" محمدا" (صلى الله عليه و سلم) يذهب مكانا بعيدا، فغفلت عنه مع أخته الشيماء في الظهيرة إلى البهم، فخرجت حليمة تطلبه حتى وجدته مع أخته، فقالت: تخرجين به في هذا الحر، فقالت أخته: يا أمّه ما وجد أخي حرا، رأيت غمامة تظل عليه إذا وقف وقفت، و إذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع، و كان (صلى الله عليه و سلم) يشب شبابا لا يشبه الغلمان حتى كان غلاما جفرا في سنتين.

قصة شق صدره (صلى الله عليه و سلم)

و في السنة الثالثة من مولده (صلى الله عليه و سلم) وقع شق الصدر، قالت حليمة: فلما مضت سنتاه و فصلته قدمنا به على أمه و نحن أحرص شي‏ء على مكثه فينا لما نرى من بركته، و كلمنا أمه و قلنا لو تركتيه عندنا حتى يغلظ فإنا نخشى عليه وباء مكة، و لم نزل بها حتى ردته معنا فرجعنا به، فو اللّه إنه لبعد مقدمنا بشهرين أو ثلاثة

125

خرج مع أخيه من الرضاعة لفي بهم لنا و قد بعدا قدر غلوة سهم خلف بيوتنا، إذ أتانا أخوه يشتد في عدوه فقال: ذاك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه و شقا بطنه، فخرجت أنا و أبوه نشتد نحوه فوجدناه قائما منتقعا لونه، فاعتنقه أبوه و قال: أي بني، ما شأنك، قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني، فشقا بطني، ثم استخرجا منه شيئا فطرحاه، ثم رداه كما كان فرجعنا به معنا. فقال أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابني قد أصيب، فانطلقي نرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف.

قالت حليمة: فاحتملناه، حتى قدمنا به إلى أمه، فقالت: ما رد كما به، فقد كنتما حريصين عليه، قلنا: نخشى عليه الإتلاف و الأحداث.

فقالت: ماذا بكما فاصدقاني ما شأنكما، فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره.

فقالت: أخشيتما عليه الشيطان، كلا و اللّه ما للشيطان عليه سبيل، و إنه لكائن لابني هذا شأن فدعاه عنكما.

و في رواية قالت حليمة: فخرجت أنا و أبوه و نسوة من الحي فإذا أنا به (صلى الله عليه و سلم) قائما ينظر إلى السماء كأن الشمس تطلع من وجهه، فالتزمه أبوه و اللّه لكأنما غمس في المسك غمسة، و قال له أبوه: يا بني ما لك؟ قال: خير يا أبت، أتاني رجلان انقضا علي من السماء كما ينقض الطائر، فأضجعاني و شقا بطني و حثوا بشي‏ء كان معهما، ما رأيت ألين منه و لا أطيب ريحا، و مسحا على بطني فعدت كما كنت (و قد جاءت هذه القصة بروايات عديدة و المعنى واحد) فنكتفي بما تقدم- انتهى جميع ذلك من الجزء الأول من تاريخ الخميس.

و اعلم بأن أمه (صلى الله عليه و سلم) من الرضاعة حليمة السعدية قد أسلمت، و أسلم كذلك أبوه من الرضاعة الحارث بن عبد العزي و يكنى أبا ذؤيب و يعرف بأبي كبشة.

(و اعلم) بأن شق صدره (صلى الله عليه و سلم) بواسطة الملائكة الكرام، (عليهم السلام)، قد وقع أربع مرات (1) عندما كان عمره عليه الصلاة و السلام نحو ثلاث سنين، (2) عندما كان عمره عشر سنين، (3) عند أول البعثة، (4) في ليلة الإسراء.

و قد أشار بعض العلماء إلى الثلاث المرات بقوله:

و شق صدر أشرف الأنام‏* * * و هو ابن عامين و سدس عام‏

و شق للبعث و للإسراء* * * أيضا كما قد جاء في الأنباء

126

و نحن زدنا عليهما هذه الأبيات:

و شق أيضا صدره للرابعة* * * و هو ابن عشر فاحتفظ يا سامعه‏

و لم يقع عليه سوء و ألم‏* * * بل قام في الحال سليما ما انثلم‏

و من تكن عناية اللّه به‏* * * فأمره متصل بربه‏

و قد تولى الشق جبرائيل‏* * * ذاك الأمين الطاهر الخليل‏

إن شق صدر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يشبه ما نسميه اليوم بالعملية الجراحية لكن مع الفارق العظيم، فالعمليات التي تجري بيننا اليوم في المستشفيات هي بواسطة أطباء البشر و التبنيج و الآلات و السكاكين الجراحية و أدواتها، و قد تنجح العملية و قد لا تنجح، و هذا أمر موكول إلى اللّه عز و جل ثم إلى مهارة الأطباء، أما شق صدره (صلى الله عليه و سلم) فقد حصل بإرادة اللّه تبارك و تعالى، و بواسطة جبريل الأمين (عليه السلام) الذي صار فيما بعد خليله و صاحب وحيه- إنها عملية جراحية حسية و معنوية معا، بدون ألم و لا وجع و لا خوف و لا وجل، إنها عملية ملائكية نورانية غسلوا قلبه (صلى الله عليه و سلم) بماء زمزم في طست من ذهب، و ملؤه إيمانا و حكمة و رأفة و رحمة ثم أعادوه كما كان، فكانت هذه العملية الملائكية في خلاء و فضاء بغتة بلا تبنيج، لم يشعر صاحبها عليه الصلاة و السلام بألم و لا خوف، فكان الشق و الغسل و الشفاء و السلامة و القيام منها في لحظة واحدة، و من يقدر أن يمس بمبضعه رسول رب العالمين إلا ملك رسول أمين، صلى اللّه عليه و على آله و صحبه و سلم، هذه حادثة شق الصدر الشريف.

موت أمه (صلى الله عليه و سلم) بالأبواء

لما بلغ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ست سنين على أرجح الأقوال، خرجت به أمه آمنة بنت وهب من مكة إلى المدينة لزيارة أخوال أبيه بني عدي بن النجار، و لتقف على قبر زوجها الحبيب عبد اللّه بن عبد المطلب الذي مات بالمدينة و ابنه" محمد" (صلى الله عليه و سلم) لم يولد بعد، مات بعد زواجه بآمنة بشهرين و بعد حملها كما تقدم بيانه، لذلك لم يكن" لمحمد" (صلى الله عليه و سلم) أخ و لا أخت شقيق من أبيه و أمه حيث لم يولد لهما ولد غيره، و أيضا لم يكن له (صلى الله عليه و سلم)، خال و لا خالة، و لكن كان له أعمام و إخوة من الرضاعة و قد بينا أسماءهم في أول المبحث بالتفصيل.

127

خرجت آمنة بنت وهب مع ابنها" محمد" (صلى الله عليه و سلم) من مكة إلى المدينة و عمره ست سنوات لزيارة أخوال أبيه بني عدي بن النجار ليعرفوه و يعرفهم، و لتقف على قبر زوجها الحبيب عبد اللّه بن عبد المطلب الذي مات بالمدينة قبل أن يولد ابنه" محمد" (صلى الله عليه و سلم)، و أخذت آمنة معها أيضا أمتها أم أيمن بركة الحبشية حاضنة النبي (صلى الله عليه و سلم) لتخدمهما في السفر، قالوا: و كان معها عبد المطلب أو أبو طالب، و نحن نرجح أن الذي خرج معها أبو طالب؛ لأن عبد المطلب كان قد حجب بصره و كبرت سنه حتى تجاوزت المائة، و مات و محمد (صلى الله عليه و سلم) عمره ثمان سنين- و اللّه تعالى أعلم- فوصلت آمنة إلى المدينة فنزلت في دار النابغة و هو رجل من بني عدي ابن النجار، و كان قبر زوجها عبد اللّه أبي النبي (صلى الله عليه و سلم) في هذه الدار كما تقدم بيانه في أول هذا المبحث، فأقامت آمنة بالمدينة عند أخوال زوجها بني عدي بن النجار شهرا واحدا، مع ابنها" محمد" (صلى الله عليه و سلم) الذي بلغ ست سنين يعقل و يفهم جميع الأمور لا يضيع عنه ما يراه و يسمع، فهو طفل لا كالأطفال، إن جسمه ظاهره و باطنه نوراني طاهر نظيف، أليست الملائكة شقت صدره و هو في الثالثة من عمره، فغسلت قلبه في طست من ذهب ثم ملأته إيمانا و يقينا و علما و حكمة استعدادا لنبوته و بعثته عند بلوغه أشده، إنه رسول اللّه و كفى- فلذلك كان (صلى الله عليه و سلم) بعد هجرته إلى المدينة يذكر أمورا عندما كان مع أمه بالمدينة، فإنه (صلى الله عليه و سلم) نظر إلى تلك الدار بعد الهجرة، أي بعد خمسين سنة تقريبا من سفره مع أمه، فقال: ههنا نزلت بي أمي، و أحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار، و كان قوم من اليهود يختلفون علي ينظرون، قالت أم أيمن: فسمعت أحدهم يقول: هو نبي هذه الأمة، و هذه دار هجرته، فوعيت ذلك كله من كلامهم- فانظر، رحمنا اللّه تعالى و إياك إلى قوة ذاكرته (صلى الله عليه و سلم) و لا عجب في ذلك أنها ذاكرة نبوة، و انظر أيضا إلى حكمة نزول آمنة بنت وهب مع ابنها" محمد" (صلى الله عليه و سلم) عند أخوال أبيه بني عدي بن النجار بالمدينة، و ذلك ليعرفوه و يعرفهم من صغره، فإنه (صلى الله عليه و سلم) لما بعثه اللّه تعالى ثم هاجر إلى المدينة و أقام بقباء أياما قليلة و بني مسجد قباء، أراد التحول من قباء إلى باطن المدينة، فركب ناقته و سار حتى وصل إلى دور الأنصار، فكان (صلى الله عليه و سلم) كلما مر على دار من دورهم تضرع إليه أهلها أن ينزل عندهم، و كانوا يأخذون بزمام ناقته (صلى الله عليه و سلم)، فكان يقول لهم: دعوها فإنها مأمورة، فلم تزل الناقة سائرة به (صلى الله عليه و سلم) حتى أتت بفناء بني عدي بن النجار، فبركت بمحلة من محلاتهم أمام دار أبي أيوب الأنصاري و اسمه خالد بن زيد، فنزل عنها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و قال: ههنا

128

المنزل إن شاء اللّه، فاحتمل أبو أيوب الأنصاري رضي اللّه تعالى عنه رحله و وضعه في بيته- فتأمل دقائق حكمة اللّه عز و جل.

بعد أن أقامت آمنة مع ابنها" محمد" (صلى الله عليه و سلم) و مع أمتها أم أيمن، شهرا بالمدينة عند أخوال أبيه رجعت به إلى مكة، فلما وصلوا إلى قرية الأبواء، و هي في منتصف الطريق بين مكة و المدينة، أدركتها المنية، فتوفيت بالأبواء و دفنت بها على رأس جبل قصير رخو يمكن الحفر فيه بسهولة كما سنتكلم عليه قريبا، فقد ذهبنا إلى قرية الأبواء في سنة (1383) ألف و ثلاثمائة و ثلاث و ثمانين هجرية، و وقفنا على قبر آمنة أم النبي (صلى الله عليه و سلم) على مكان عال فوق قمة الجبل، و هو قبر ظاهر مرتفع عن سطح الجبل ليس هناك قبر غيره، و لقد صدق عليها قول الشاعر:

علو في الحياة و في الممات‏* * * لحق تلك إحدى المكرمات‏

فهل هناك شرف أعلى من أن تكون آمنة بنت وهب العربية القرشية أما لمن أرسله اللّه تعالى رحمة للعالمين (صلى الله عليه و سلم)، و هل في الدنيا قبر مرتفع فوق رأس الجبل ظاهر كالعلم، لم يعف أثره و لم تندرس معالمه مع مرور الأجيال العديدة عليه، و سيبقى إلى ما شاء اللّه تعالى مرفوع الرأس عالي القدر، حتى يبعث صاحبه يوم القيامة سعيدا ناجيا فائزا مسرورا بفضل اللّه و رحمته، فيدخل الجنة بسلام آمنين مع ابنها سيد الخلائق أجمعين صلى اللّه عليه و على آله و صحبه و سلم- أليس هذا علو في الحياة و علو في الممات، و علو في الآخرة إن شاء اللّه تعالى.

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: روى أبو نعيم من طريق الزهري عن أسماء بنت رهم عن أمها قالت: شهدت آمنة أم النبي (صلى الله عليه و سلم) في علتها التي ماتت بها، و محمد (صلى الله عليه و سلم) غلام يفع له خمس سنين، فنظرت إلى وجهه ثم قالت:

بارك فيه اللّه من غلام‏* * * يا ابن الذي من حومة الحمام‏

نجا بعون الملك العلام‏* * * فودي غداة الضرب بالسهام‏

بمائة من إبل سوام‏* * * إن صح ما أبصرت في المنام‏

فأنت مبعوث إلى الأنام‏* * * من عند ذي الجلال و الإكرام‏

تبعث في الحل و في الحرام‏* * * تبعث في التحقيق و الإسلام‏

دين أبيك البر إبراهام‏* * * فاللّه أنهاك عن الأصنام‏

أن لا تواليها مع الأقوام‏

129

ثم قالت: كل حي ميت و كل جديد بال و كل كبير يفنى، و أنا ميتة و ذكري باق تركت خيرا و ولدت طهرا، ثم ماتت- قالت أم أسماء: فكنا نسمع نوح الجن عليها فحفظنا من ذلك هذه الأبيات:

نبكي الفتاة البرة الأمينة* * * ذات الجمال العفة الرزينة

زوجة عبد اللّه و القرينة* * * أم نبي اللّه ذي السكينة

و صاحب المنبر بالمدينة* * * صارت لدى حفرتها رهينة

قال في تاريخ الخميس: ثم قدمت به (صلى الله عليه و سلم) أم أيمن رضي اللّه تعالى عنها إلى مكة بعد موت أمه بخمسة أيام- ا ه- فالذي يظهر لنا و اللّه تعالى أعلم: أن أم النبي (صلى الله عليه و سلم) لم تمرض كثيرا في طريقها إلى مكة، بل إنها وصلت إلى الأبواء في هودجها سالمة ثم مرضت بها يوما أو يومين ثم ماتت، فلو مرضت كثيرا في قرية الأبواء، لحصل لها و لابنها" محمد" (صلى الله عليه و سلم) و هو طفل صغير و لحاضنته أم أيمن رضي اللّه تعالى عنها، تعب عظيم و حزن عميق و إرهاق شديد، و لأرسل جده عبد المطلب من مكة من يتعقب أخبارهم، فاللّه سبحانه و تعالى كريم رحيم، لطيف حكيم، خبير عليم.

و حيث ماتت أم هذا الطفل النبي الكريم عليه الصلاة و السلام بالأبواء و دفنت بها، سارعت حاضنته أم أيمن بمواصلة السفر من الأبواء، فقدمت بمحمد (صلى الله عليه و سلم) إلى مكة بعد خمسة أيام من موت أمه، فكفله جده عبد المطلب و ضمه إليه ورق عليه رقة شديدة لم يرقها على أولاده، و كان يقربّه منه و يدخل عليه إذا خلا و إذا نام، و كان عبد المطلب لا يأكل طعاما إلا قال: علي بابني. فيؤتى به إليه، و لقد قال يوما لحاضنته أم أيمن: لا تغفلي عن ابني فإن أهل الكتاب يزعمون أنه نبي هذه الأمة، ثم لما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

فمما تقدم يعلم أن الأبواء هي منتصف ما بين مكة و المدينة، فإن المسافة بين البلدتين بالجمال عشرة أيام، و الأبواء كانت هي طريق القوافل بين مكة و المدينة من قديم الزمان، ثم في عصرنا الحاضر أي منذ (1354) ألف و ثلاثمائة و أربع و خمسين هجرية تقريبا هجرت طريق الأبواء، و اتخذ الناس وادي" مستورة" المسمى بوادي" ودّان" طريقا لهم بين البلدتين الحرامين، و ذلك منذ امتداد خط الإسفلت فيه للسيارات أي الأوتومبيلات، و هذا الوادي هو في محاذاة الأبواء بينهما أقل من أربعين كيلو مترا كما سيأتي بيان ذلك.

130

محل مدفن أم النبي (صلى الله عليه و سلم)

و قد اختلف الناس في موضع دفن آمنة بنت وهب أم النبي (صلى الله عليه و سلم) على قولين:

فبعضهم يقول إنها ماتت بمكة و دفنت بها بمقبرة الحجون، فقد جاء في تاريخ الخميس: و في ذخائر العقبى قال ابن سعد: دفنت أمه (صلى الله عليه و سلم) بمكة، و أن أهل مكة يزعمون أن قبرها في مقابر أهل مكة من الشعب المعروف بشعب أبي ذئب رجل من سراة بني عمرو، و قيل: قبرها في دار رابعة في المعلاة بثنية أذاخر عند حائط حلما- ا ه.

و يقول بعضهم إن أم النبي (صلى الله عليه و سلم) ماتت بالأبواء و دفنت بها، و هذا أرجح الأقوال و عليه غالب المؤرخين، و لكل من أصحاب القولين حجة- قال مؤلف تاريخ الخميس: قيل التوفيق بين دفن أمه (صلى الله عليه و سلم) بالأبواء و كون قبرها بها و بين قبرها بمكة على تقدير صحة الحديثين: أن يقال يحتمل أن تكون دفنت بالأبواء أولا و كان قبرها هناك، ثم نبشت و نقلت إلى مكة و اللّه تعالى أعلم- ا ه.

و نحن نقول: إن دفنها بالأبواء أصح و أرجح، و لكن نستبعد نبش قبرها و نقلها إلى مكة، في ذلك العصر الذي لم تكن فيه إلا وسيلة واحدة للانتقال و الأسفار، و هي الجمال و البغال و الحمير، فنقل الميت بوسيلة ركوب الجمال و المشي بها من الأبواء إلى مكة في خمسة أيام أمر شاق جدا بل متعذر، و يؤدي ذلك إلى تكسر الجثة و تعفنها لعدم معرفة العرب لطرق تحنيط الأموات، و لم يكن نقل الأموات في ذلك الزمن من بلدة إلى بلدة أمرا معروفا- أما نقل الأموات في زماننا هذا فقد جرى عليه عظماء الناس و إن لم يرد ذلك في الشرع، و هذا لتيسر أسباب النقل من الطائرات و السيارات التي اخترعت في عصرنا، و لمعرفتنا لطرق تحنيط الأموات صيانة لهم من التعفن و التفسخ.

و نحن لا يمكننا أن نوفق بين القولين إلا بأمر معنوي، و ذلك بأن نقول: إن أم النبي (صلى الله عليه و سلم) ماتت بالأبواء و دفنت بها، فلما خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من المدينة في غزوة الحديبية و مر في طريقه بالأبواء، تذكر أمه العزيزة الكريمة فاستأذن ربه عز و جل في زيارتها، فأذن له فجاء إلى قبرها- و نقول بناء على ما جاء في بعض الأحاديث الدالة على وقوع زيارتها بمكة: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما وصل إلى مكة في حجة الوداع و هي آخر حجاته و مر على عقبة الحجون، تذكر أمه الحبيبة

131

فاشتاق إليها، و استأذن ربه العزيز الغفار في زيارتها، فأذن اللّه تعالى له في ذلك و أمر الملائكة بنقلها إلى مقبرة الحجون من الأبواء، تطييبا لقلب نبيه الكريم و معجزة له عليه الصلاة و التسليم، و لتكون زيارته لها في أسرع وقت و أقرب لحظة، كما وقع ذلك في اجتماعه (صلى الله عليه و سلم) بالأنبياء عليهم الصلاة و السلام في بيت المقدس و في السموات السبع ليلة الإسراء و المعراج، و اللّه تعالى أعلم بما كان بينه (صلى الله عليه و سلم) و بين أمه من الأمور و المشاهدات في هذه الزيارة، فزيارة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) للأموات ليست كزيارة عامة الناس، فإنه (صلى الله عليه و سلم) يكشف له من الأمور و المشاهدات ما لا يكشف لغيره.

هذا و لقد رأينا قبر آمنة بنت وهب أم النبي (صلى الله عليه و سلم) بمقبرة المعلا بالحجون بمكة، و كانت عليه قبة جميلة، و كذلك رأينا قبرها بالأبواء، و كانت عليه قبة لطيفة أيضا، و هاتان القبتان بنتهما الحكومة التركية حينما كانت تحكم الحجاز و البلدان العربية، فلما دخلت الحكومة السعودية إلى الحجاز في سنة (1343) ألف و ثلاثمائة و ثلاث و أربعين هجرية، هدمت القبتين المذكورتين و هدمت جميع القباب التي كانت على القبور، و سنتكلم بعد المبحث الآتي عن قرية الأبواء و موقعها.

نجاة أبوي النبي (صلى الله عليه و سلم)

اعلم أن العرب قبل ظهور الإسلام كانوا أهل شرك يعبدون الأصنام، و لكن عقلاءهم و فضلاءهم و منهم آباء النبي صلى اللّه تعالى عليه و سلم موحدين يعبدون اللّه تعالى على دين الخليل إبراهيم و ابنه إسماعيل عليهما الصلاة و السلام، و إن كانوا على بعد العهد لا يعرفون تفاصيل دينه الحنيف، و يكفي أنهم يعتقدون بوجود اللّه تعالى و ببعثة الرسل و الأنبياء إلى الأمم السابقة، و أنهم يعترضون على قومهم في عبادة الأوثان و في سفاسف الأمور الشركية، لأن العقل السليم لا يقر العادات المستهجنة القبيحة، فليس ببعيد أن يمن اللّه تبارك و تعالى على بعض عباده من أهل الفترة بالفكر الثاقب و العقل السليم، ليهتدي إلى الخلاق العظيم و ينبذ عبادة الأصنام و يجتنب قبيح الآثام؛ كقس بن ساعدة الإيادي حكيم العرب و غيره كما سنذكرهم بعد قليل.

فممن أسعدهم اللّه تعالى بالهداية بفضله و رحمته آباؤه (صلى الله عليه و سلم) ذكورا و إناثا، فإنهم لم يسجدوا لصنم و لم يرتكبوا جرما و كلهم من سادات قريش، ليخرج‏

132

رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الذي أرسله اللّه تعالى رحمة للعالمين، من آباء طاهرين و أمهات طاهرات، و لسنا نذهب بعيدا و نحصر الأدلة على ذلك حتى لا يطول بنا الكلام، و لكن يكفي أن نذكر ما كان عليه الجد الأول القريب لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو" عبد المطلب" فلقد كان على ملة إبراهيم عليه الصلاة و السلام يعتقد بالبعث و الجزاء، و كان قد حرّم الخمر، و نكاح المحارم و الزنا، و منع و أد البنات، و كان يأمر أولاده بترك الظلم و البغي، و يحثهم على مكارم الأخلاق، و كان كريما يطعم المساكين، بل يطعم حتى الطير و الوحش في رؤوس الجبال، و لقد هداه اللّه تعالى إلى موضع بئر زمزم بعلامات رآها في المنام، فحفرها و أخرج منها الغزالين الذهب و السيوف و الدروع التي دفنتها جرهم في البئر- و من تأمل قصة عبد المطلب مع أصحاب الفيل علم قوة إيمانه باللّه تعالى و يقينه، فإنه لما أخذ رجال أبرهة مائتي إبل لعبد المطلب استاقوها من الحرم، و راجع عبد المطلب أبرهة ليأمر برد إبله إليه، فقال له أبرهة ملك الحبشة: أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك و تترك بيتا هو دينك و دين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه، فأجابه عتبد المطلب: أنا رب الإبل و إن للبيت ربا سيمنعه، قال أبرهة: ما كان ليمتنع مني، قال: أنت و ذاك، ثم أمر أبرهة برد إبل عبد المطلب إليه، ثم رجع عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، و أمرهم بالخروج من مكة و التحرز في الجبال و الشعوب- ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة الكعبة و صار يدعو ربه الكبير المتعال و يقول:

يا رب لا أرجو لهم سواكا* * * يا رب فامنع منهم حماكا

إن عدو البيت من عاداكا* * * فامنعهم أن يخربوا قراكا

فتأمل رحمنا اللّه تعالى و إياك كيف أن عبد المطلب التجأ إلى اللّه تعالى رب هذا البيت العظيم، و لم يلتجأ إلى صنم و لا وثن، فحفظ اللّه بيته و حرمه و أهله و دمّر أصحاب الفيل شر تدمير.

و هذا عبد اللّه بن عبد المطلب والد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، إنه على دين أبيه و أخلاقه كأخلاق أبيه، لا يقرب الحرام و لا يقترف الآثام، و أعظم دليل على ذلك قصة الخثعمية معه، فإنه مر يوما على فاطمة بنت مرة الخثعمية و كانت من أجمل النساء، فدعته إلى نفسها فامتنع عنها و قال:

أما الحرام فالممات دونه‏* * * و الحل لا حل فأستبينه‏

فكيف بالأمر الذي تبغينه‏* * * يحمي الكريم عرضه و دينه‏

133

و من تأمل ما قالته آمنة بنت وهب عند موتها في ابنها" محمد" (صلى الله عليه و سلم)، و ما كان يتراءى لها من البشائر و الكرامات عند ولادته، و قولها لمرضعته حليمة و زوجها عندما رجعا به إليها بعد حادثة شق صدره (صلى الله عليه و سلم): أخشيتما عليه الشيطان، كلا و اللّه، ما للشيطان عليه سبيل، و إنه لكائن لابني هذا شأن فدعاه عنكما- إن من تأمل أقوال آمنة و ما رأته من البشائر و الكرامات، ظهر له إيمانها و يقينها برب العزة و الجلال الذي له ملك السموات و الأرض.

الاستدلال على نجاتهما

و إذا تأملت قول إبراهيم عليه الصلاة و السلام كما حكى اللّه تعالى عنه في سورة الزخرف: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ* إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ* وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏. فالكلمة الباقية في عقبه هي كلمة الشهادة و الإخلاص، فلا يزال ذلك في ذريته من بعده- و قوله في سورة إبراهيم: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَ تَقَبَّلْ دُعاءِ قال ابن جرير: فلن يزال من ذرية إبراهيم عليه الصلاة و السلام ناس على الفطرة يعبدون اللّه تعالى- و قوله في سورة إبراهيم أيضا: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ* رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ‏.

أخرج ابن جرير عن مجاهد، قال: استجاب اللّه تعالى لإبراهيم دعوته في ولده فلم يعبد أحد من ولده صنما، و استجاب اللّه تعالى دعوته فجعل هذا البلد آمنا و رزق أهله من الثمرات و جعله إماما و جعل من ذريته من يقيم الصلاة- ا ه.

و قد اتفق العلماء على أن العرب من بعد إبراهيم عليه الصلاة و السلام كلهم على دينه لم يكفر منهم أحد قط و لم يعبد صنما إلى عهد عمرو بن لحيّ الخزاعي فإنه أول من غير دين إبراهيم عليه الصلاة و السلام و عبد الأصنام و سيب السوائب- ففي الصحيحين قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار كان أول من سيب السوائب» أي أمر بعدم منع النياق التي تسيب في الجاهلية لنذر أو نحوه من الرعي، فتترك ترعى من أي مرعى تمر عليها،

134

و عمرو بن عامر هو المعروف بعمرو بن لحي بن قمعة بن إلياس بن مضر، جاء في شرح العزيز على الجامع الصغير: و عمرو بن عامر الخزاعي قد بلغته الدعوة، و أهل الفترة الذين لا يعذبون هم من لم يرسل إليهم عيسى ابن مريم و لا أدركوا محمدا عليهما الصلاة و السلام. ا ه.

قال الحافظ ابن كثير: كانت العرب على دين إبراهيم (صلى الله عليه و سلم) إلى أن ولي عمرو بن عامر الخزاعي مكة و انتزع ولاية البيت من أجداد النبي (صلى الله عليه و سلم)، فأحدث عمرو المذكور عبادة الأوثان و شرع للعرب الضللات. ا ه.

و لقد ذكر الأزرقي أيضا قصة عمرو بن لحيّ المذكور في أوائل كتابه تاريخ مكة (نقول): و لو أن عمرو بن عامر المذكور قد أحدث للعرب عبادة الأصنام، فإنه ما زال بعضهم من العقلاء على التوحيد على دين إبراهيم عليه الصلاة و السلام؛ كزيد بن عمرو بن نفيل، و قس بن ساعدة، و ورقة بن نوفل، و عمير بن حبيب الجهني، و عمرة بن عنبسة، و غيرهم. و من نظر إلى قول خديجة رضي اللّه تعالى عنها لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في أول نزول الوحي عندما دخل عليها و قال:

زملوني زملوني، فبعد أن زملوه و ذهب عنه الروع و أخبرها ما وقع له في غار حراء قالت له: و اللّه لا يخزيك اللّه أبدا، إنك لتصل الرحم و تحمل الكل و تكسب المعدوم و تقري الضيف و تعين على نوائب الحق، فلا يسلط اللّه عليك الشياطين و الأوهام، و لا مراء أن اللّه اختارك لهداية قومك، ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، و كان شيخا كبيرا يعرف مسائل الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، فبشره بأنه نبي هذه الأمة، إن من تأمل قول خديجة بنت خويلد الزوجة الأولى لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) علم يقينا أنها ممن يعرف اللّه تعالى و لم تسجد لصنم قط- و لا شك إذا أن آباء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مثل هؤلاء على التوحيد لا يعرفون الشرك و لم يسجدوا لصنم، يؤيده قوله (صلى الله عليه و سلم): «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» و في رواية: «لم يزل اللّه ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصطفى مهذبا ما تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما»، و لا يخفى أن المشركين نجس بنص القرآن الكريم.

جاء في شرح نظم عمود النسب، قال ابن حجر الهيثمي: إن الأحاديث مصرحة لفظا و معنى أن آباءه (صلى الله عليه و سلم) غير الأنبياء و أمهاته إلى آدم و حواء ليس فيهم‏

135

كافر، لأن الكافر لا يقال في حقه مختار و لا كريم و لا طاهر بل نجس، و قد جاء في الأحاديث أن آباءه مختارون و أنهم كرام و أن أمهاته طاهرات- ا ه.

و ما أحلى قول صاحب نظم عمود النسب (رحمه اللّه تعالى) حيث يقول:

خير الشعوب شعبه لآدم‏* * * و قرنه خير قرون العالم‏

من مؤمنين متناكحينا* * * خرج لا من متسافحينا

ينقل من أصلاب طاهرينا* * * لطاهرات من لدن أبينا

و كيف لا و المشركون نجس‏* * * و من أذى نبينا مقدس‏

من ساجد لساجد تقلبا* * * صلى عليه اللّه ما هب الصبا

و جعل الدين عمود نسبه‏* * * كلمة باقية في عقبه‏

و فيه ربه له تقبلا* * * دعاه من كل بر سألا

كترك الأصنام و ترك الموبقات‏* * * و كل ما يزري بمنصب الثقات‏

و قال عبد اللّه حين استعصما* * * ممن دعته إذ تبيع الأدما

أما الحرام فالممات دونه‏* * * و الحل لا حل فأستبينه‏

فكيف بالأمر الذي تبغينه‏* * * يحمي الكريم عرضه و دينه‏

و العذر بالفترة و الإحياء* * * فيؤمنوا ورد في الأنباء

و لعن الإله من آذاه‏* * * في هذه الدار و في أخراه‏

و يشير الناظم بالبيتين الأخيرين إلى أن أهل الفترة ناجون لعذرهم بعدم بعث رسول إليهم، و قوله:" و الإحياء" إلى أن اللّه تعالى أحيا أبوي النبي (صلى الله عليه و سلم) بعد بعثه فآمنا به ثم ماتا كما ورد في بعض الأحاديث، و لا يشترط في إحيائهما خروجهما من القبر، بل يجوز أن اللّه تبارك و تعالى أحياهما في قبريهما كما يحصل في سؤال القبر فآمنا به ثم أماتهما و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يراهما و يخاطبهما وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ، و قوله:" و لعن الإله من آذاه" إشارة إلى قول اللّه تبارك و تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً، و لا أذى أعظم من الحكم على أبوي النبي (صلى الله عليه و سلم) بالكفر و أنهما في النار، و إذا كان شرعا يطلب درء الحدود بالشبهات، أفلا يجب في هذه المسألة الخطيرة الحكم بحسن الظن أو عدم الخوض فيهما إكراما لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و تأدبا معه و مع أبويه الكريمين، خصوصا و قد ذهب كثير من الأئمة الأعلام إلى أنهما ناجيان سعيدان،

136

فيجب تقليد هؤلاء الأئمة الكرام؛ لأنه أسلم و أولى- فلقد جاء في تاريخ الخميس ما نصه: قال الشيخ جلال الدين السيوطي (رحمه اللّه تعالى) في رسالته المسماة" بالدرجة المنيفة في الآباء الشريفة" و ذهب جمع كثير من الأئمة الأعلام إلى أن أبوي النبي (صلى الله عليه و سلم) ناجيان محكوم لهما بالنجاة في الآخرة، و هو أعلم الناس بأقوال من خالفهم و قال بغير ذلك و لا يقصرون عنهم في الدرجة، و من أحفظ الناس للأحاديث و الآثار، و أنقذ الناس بالأدلة التي استدل بها أولئك، فإنهم جامعون لأنواع العلوم و متضلعون من الفنون ... الخ كلامه- ا ه.

و نحن لا ندري إذا حكم الإنسان على أبوي النبي (صلى الله عليه و سلم) بالكفر، ثم يظهر له يوم القيامة خلاف ذلك بأي وجه يلقى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) هنالك، أما لو سكت فلا خطر في السكوت، و من تأمل و دقق في قول اللّه تبارك و تعالى: وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ اعتقد اعتقادا جازما بأن أبوي النبي (صلى الله عليه و سلم) ناجيان يتنعمان في الجنة في أعلا الدرجات بفضل اللّه و رحمته، لأن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لا يرضى يومئذ أن يكونا في النار يعذبان، و هما الجوهرتان المتعلقتان به و الصدفتان اللتان خرج من بينهما، نسأل اللّه تعالى الرضا و التوفيق و الهداية لأقوم طريق آمين.

و من أراد زيادة البحث في نجاة أبوي النبي (صلى الله عليه و سلم) فليراجع الكتب الموضوعة في ذلك، و في تاريخ الخميس للعلامة الشيخ حسين بن محمد بن الحسن الديار بكري الكردي (رحمه اللّه تعالى) مبحث طويل قيم جدا في هذا الموضوع.

الحديث الصحيح الوارد في زيارته (صلى الله عليه و سلم) لأمه‏

فعلم مما تقدم أن آباءه (صلى الله عليه و سلم) من جهة الرجال و النساء أطهار كرماء لم يمسسهم دناءة الشرك و قبيح العادات، لأن المشركين نجس كما أخبر اللّه تعالى بذلك في سورة التوبة، و يكفي في نجاة أهل الفترة إن شاء اللّه تعالى أن يؤمنوا بوجود اللّه تعالى و وحدانيته مع ابتعادهم عن عبادة الأصنام، أما معرفة أحكام دينه الحنيف فلا يشترط فيهم، لأن أحكام الشريعة لا تعرف إلا برسول يأتي من عند اللّه تعالى و لذلك قال تبارك و تعالى في سورة الإسراء: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. و قال في سورة القصص: وَ ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى‏ حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَ ما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى‏ إِلَّا وَ أَهْلُها ظالِمُونَ‏، فالفترة التي كانت بين عيسى بن مريم و نبينا محمد عليه الصلاة و السلام هي ستمائة سنة

137

كما في صحيح البخاري، و هذه المدة كافية لمحو معالم الديانة و انتشار الجهل و الفوضى في العقائد.

(فإن قيل): فما معنى ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضى اللّه تعالى عنه، قال: «زار النبي (صلى الله عليه و سلم) قبر أمه فبكى و أبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، و استأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت».

(نقول): لقد فهمنا هذا الحديث كما يأتى: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مسئول من بعد بعثته عن أمته فقط، و أمه ماتت قبل بعثته بأربعين عاما و هو طفل في السادسة من عمره، و هي من أهل الفترة على دين إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام في أساس التوحيد و إن لم تعرف معالم دينه للفترة الطويلة، فهي إذا ليست من أمته لأنها لم تدرك الإسلام، و من لم يدرك الإسلام فأمره مفوض إلى اللّه عز و جل، و اللّه تعالى لا يشقي أمه حيث كانت مع بعض عقلاء قومها على التوحيد و لم تعبد صنما، و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مخاطب بعد بعثته بقومه و مسئول عن أمته، لا تعلق له دينيا بمن مات قبل البعثة حتى يستغفر له‏ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ‏. فعليه ليس هو مكلفا بالاستغفار لأمه حتى يزورها ليستغفر لها، فسوف يقر اللّه تعالى عينه يوم القيامة بنجاتها من النار و إدخالها الجنة مع السابقين بفضله و رحمته- و ما قررناه في أمه العزيزة صلى اللّه تعالى عليه و سلم نقرره في أبيه الكريم.

أما زيارته لها (صلى الله عليه و سلم) في قبرها شوقا و حنينا فلا بأس من ذلك، فقد أذن اللّه تعالى له في زيارتها، فزارها و بكى و أبكى من حوله، فبكاؤه صلى اللّه تعالى عليه و سلم كان رحمة و شفقة و حنينا و شوقا، و لتذكره أحوال طفولته معها و كونها ماتت و عمره ست سنين، أليس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بشر يعتريه ما يعتري البشر، فزيارته (صلى الله عليه و سلم) لأمه ليست كزيارتنا، إنه يكشف له و يرى ما لا نراه.

(فإن قيل): لم استأذن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ربه عز و جل في زيارة أمه و لم يستأذن لزيارة أبيه؟

(نقول): لأنه (صلى الله عليه و سلم) لا يعرف أباه و لم يره فقد مات و هو في بطن أمه، أما أمه فقد رآها و يعرفها و يتذكرها فقد ماتت و عمره ست سنين، و الإنسان يحن إلى أمه و يشتاق إليها أكثر، و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بشر في أحواله العادية- و اللّه تعالى أعلم.

138

و هذه الزيارة قيل كانت في الأبواء في عمرة الحديبية سنة ست من الهجرة، و قيل كانت بمكة في حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة- و اللّه تعالى أعلم- أي أن هذه الزيارة كانت بعد وفاة أمه (صلى الله عليه و سلم) بستين سنة تقريبا، سواء كان جسدها سليما صحيحا في قبرها أم ذاب و فني في التراب، فإن اللّه عز و جل قادر على أن يحييها بكامل جسمها و عقلها و حواسها كما يحيي الأموات بعد دفنهم في قبورهم للسؤال و حين البعث، فيخاطبها (صلى الله عليه و سلم) و تخاطبه معجزة و كرامة له عليه الصلاة و السلام و اللّه على كل شي‏ء قدير- فعن أبي جرير عن علقمه بن مرثد عن سليمان عن أبيه: «أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لما قدم مكة أتى رسم قبر فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبرا فقلنا: يا رسول اللّه إنا رأينا ما صنعت ... إلخ».

و روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن عبد اللّه بن مسعود «أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أتى إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا ثم بكى فبكينا لبكائه ثم قام، فقام إليه عمر بن الخطاب فدعاه ثم دعانا، فقال: ما أبكاكم، قلنا:

بكينا لبكائك، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة و إني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي ... الخ»- ا ه.

فالذي نذهب إليه عن حسن ظن و تعقل: أنه لو كانت أمه (صلى الله عليه و سلم) في النار لكانت معذبة في قبرها، و لو كانت معذبة في قبرها لما أذن اللّه تعالى لنبيه الكريم عليه أفضل الصلاة و التسليم في زيارتها، حتى لا يراها معذبة في قبرها محاطة بالنار، فإن ذلك مما يزيد في حزنه و بلائه مدة حياته، فإنه (صلى الله عليه و سلم) في زيارته لقبر أمه كشف له عن حالتها فرآها و رأته و خاطبها و خاطبته في أمور لا يعلمها إلا اللّه سبحانه و تعالى- أما بكاؤه (صلى الله عليه و سلم) عندما قام من قبرها، فللذكرى و التفكر في يتمه و كونها ماتت و تركته طفلا صغيرا في السادسة من عمره فبقي يتيما من غير أب و لا أم، و بكى عندها رحمة و حنانا إليها، و كان يتمنى لو شاركته في حياته السعيدة، حياة النبوة و الرسالة، و لترى ما أكرمه اللّه تعالى من العز و السؤدد و النصر و الكرامة- هذا ما نراه و نعتقده- و اللّه سبحانه و تعالى أعلم و هو بعباده أرحم، و جميع من في السموات و الأرض عبيده و ملكه يفعل فيهم ما يشاء و يحكم ما يريد- اللهم صل و سلم على عبدك و نبيك" محمد" و أقر عينيه بنجاة أبويه حتى يرضى رضاء تاما، و أدخلهما الجنة معه بسلام آمنين، مع خادمهم محمد طاهر الكردي مؤلف هذا الكتاب آمين، بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين.

139

و يعجبنا ما قاله بعضهم عن زيارة أمه (صلى الله عليه و سلم)

السلام عليك يا آمنة بنت وهب، السلام عليك يا أم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، جئناك زائرين لك حبا في رضاء اللّه عز و جل و رضاء ابنك خاتم النبيين محمد (صلى الله عليه و سلم)، فإننا نعتقد بفوزك و سعادتك، و حاشا أن اللّه تبارك و تعالى يشقيك و قد أخرجت من بطنك من أرسله اللّه رحمة للعالمين، و حويت في أضلاعك خليل الرحمن، فلم تجدي في حمله و وضعه عناء و لا مشقة فحاشا أن تمسك نار جهنم، إذا أنت لم تدخلي الجنة فهل نحن ندخلها، إنك لو بقيت و عشت إلى بعثته (صلى الله عليه و سلم) لكنت أول من آمن به على الإطلاق أنت و والده عبد اللّه، لما كنتما تريان منه من بشائر النبوة و أمارات الرسالة، و لكنكما تركتماه يتيما لحكمة يعلمها اللّه عز و جل، يا آمنة بنت وهب: أنت صدفة قيمة ضممت في جوفك الطاهر أعظم درة ثمينة لا يوجد مثلها في الدارين، فرضي اللّه عنك و أرضاك و جمعنا معك في جنات النعيم، مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا آمين، فهنيئا لك ثم هنيئا لك ثم هنيئا لك يا زينة النساء.

اللهم صل على سيدنا" محمد" و على آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم و على آل إبراهيم، و بارك على سيدنا محمد و على آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم و على آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

سبحانك ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد للّه رب العالمين. هذا ما قاله بعض الفضلاء عند زيارة آمنة بنت وهب أم نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم) و هو كلام صادر عن قلب مؤمن مملوء بحسن الظن باللّه عز و جل و برحمته و فضله و مملوء أيضا بحب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أصوله و فروعه. و اللّه الموفق للصواب و إليه المرجع و المآب.

الكلام على قرية الأبواء و قرية مستورة

قرية الأبواء: هي من القرى الحجازية القديمة، لولا جاء ذكرها في التاريخ لم يكن لها شأن يذكر، فإن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مر بها و هو طفل صغير نحو ست سنين من عمره حين ذهابه من مكة إلى المدينة ثم رجوعه مع أمه و حاضنته أم أيمن رضى اللّه تعالى عنها، و قد كان برفقتها عبد المطلب و قيل أبو طالب و نحن نرى الأرجح‏

140

هو أبو طالب لأن عبد المطلب كان في ذلك الوقت قد حجب بصره و كبر سنه فتجاوز المائة و اللّه تعالى أعلم، فلما و صلوا إليها ماتت أمه آمنة بالأبواء و دفنت بأعلى جبل من جبالها الغربية كما سيأتي بيانه، و كذلك وقعت في الأبواء غزوة في أول السنة الثانية من الهجرة، و هي أول مغازيه (صلى الله عليه و سلم)، فقد خرج إليها في ستين رجلا من أصحابه بعد أن استخلف على المدينة سعد بن عبادة يريد عيرا لقريش، و لم يحصل حرب لأن العير كانت قد سبقته، ثم هناك صالح سيد بني ضمرة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على أن ينصر المسلمين و لا يعين عدوهم، فرجع النبي عليه الصلاة و السلام المدينة بعد مضي خمسة عشرة ليلة.

انظر: صورة رقم 9، قبر السيدة آمنة بنت وهب أم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فوق جبل بالأبواء

و تقع الأبواء في منتصف طريق مكة و المدينة تقريبا، و هي قريبة من وادي ودّان بينهما ستة أميال أو ثمانية، و لتقاربهما يطلق على غزوة الأبواء غزوة ودان، و لا يبعد أن تكون قرية مستورة هي من وادي ودان؛ لأن وادي ودان واقع بين مستورة و الأبواء، فبين مستورة و بين قرية الأبواء نحو ثلاثين كيلو مترا في طريق ذات حجارة ممهدة بالإسفلت و هذه الحجورة يسمونها الصّمد" بفتح فسكون" أي ليست حرة و ليست صخورا.

لقد كانت لنا رغبة شديدة منذ سنوات في زيارة قرية الأبواء و مشاهدتها و الكتابة عنها في كتابنا" التاريخ القويم لمكة و بيت اللّه الكريم"، و لما تيسرت الأمور بفضل اللّه تعالى و حصلت معرفة و صداقة بيننا و بين أحد فضلائها و وجهائها و هو الشيخ عبيد اللّه بن عابد الأنصاري، توجهنا من مكة المشرفة قاصدين المدينة المنورة عن طريق الأبواء لزيارتها بدعوة من الشيخ عبيد اللّه المذكور، و ذلك في اليوم الثامن من ربيع الثاني سنة (1383) ألف و ثلاثمائة و ثلاثة و ثمانين هجرية، خرجنا من مكة شرفها اللّه تعالى بالسيارة في ضحى يوم الاثنين يرافقنا أحد أبناء الشيخ عبيد اللّه المذكور ليدلنا على الأبواء، فوصلنا إلى جدة في الساعة الرابعة فاسترحنا فيها إلى بعد العصر، ثم سرنا حتى وصلنا إلى مستورة ليلا وقت العشاء و بين جدّة و مستورة" 196" كيلو مترا، فوجدنا هناك في انتظارنا الابن الثاني للشيخ عبيد اللّه المذكور جاءنا بسيارته الجيب ليأخذنا إلى الأبواء موفدا من قبل أبيه، فبتنا تلك الليلة في مستورة بقهوة نظيفة.

141

فلما أصبحنا ذهب الإخوان لزيارة خالهما المقيم بمستورة، فدعانا خالهما الشيخ محمد نور بن مثنى المحمدي للغداء عنده و دعا معنا سعادة أمير مستورة الشيخ مبارك بن سليمان. و هو مع احتفاظه بهيئته العربية رجل كريم و قور ذكي عاقل، يعرف القراءة و الكتابة و يدرك الأمور بالإشارة، قضينا ذلك اليوم في مستورة و أردنا السفر إلى الأبواء و لكن دعانا سعادة أمير مستورة للغداء عنده في اليوم الثاني و اعتذرنا فلم يقبل، فمكثنا يوما آخر بمستورة إجابة لدعوته و قد طفنا حولها قليلا، فإذا هي واسعة فسيحة يسكن أهلها في بطونها و وديانها في بيوت من العشاش، و فيها مركز لخفر السواحل قرب البحر به ضابط و جنود.

و قد أخذنا الشيخ محمد نور المحمدي المذكور إلى البحر في زورق شراعي فمكثنا في لجة البحر نحو ثلاث ساعات نصيد الحوت. فمستورة مشهورة بكثرة الحوت و جودة الهواء، و من الطريف أن ولدنا عبد الرحمن الكردي كان خائفا كثيرا من ركوب البحر و ما اطمأن إلا بعد أن أكل حوتا مشويا في وسط البحر، و ما ألذ الأكل بعد الخوف و الجوع و الاطمئنان.

يبلغ عدد سكان مستورة أكثر من ثلاثة آلاف نسمة يشتغلون بصيد الأسماك و بالزراعة في الشتاء عند نزول الأمطار، و أهل مستورة أهل صدق و أمانة و دين و استقامة، و هم أبعد الناس عن الفسق و الفجور و شرب المسكرات و ارتكاب المحظور، و إذا حصلت بينهم مشاحنات و مخاصمات فإن عقلاء القرية يصلحون بينهم.

و أرض مستورة ما كان منها منخفضا فتربتها صالحة للزراعة عند نزول الأمطار يزرعون فيها الحبحب و الخربز و القثاء و غيرها، و ما كان منها مرتفعا فأرضها مفروشة بالحجارة الملساء السوداء بحجم البطاطس يسمونها (الصّمد) أي أنها ليست حرة و لا صخورا، و نظن أن أصلها (الصّلد) باللام أي الصلب كما في اللغة فحرفت و نطقوها بالميم- و في مستورة عدة آبار ماؤها فيه ملوحة قليلة و الماء الحلو العذب يأتي إليها من رابغ بالسيارات الوايتات، يعطى لهم مجانا من قبل الحكومة.

و لقد أخبرنا سعادة أمير مستورة الشيخ مبارك بن سليمان أنه سمع بوجود بئر قديمة بمستورة لكنها أطبت بالحجارة العظيمة و لا يعرفون مكانها، فأتى بأهل المعرفة من البدو فما زالوا يبحثون عنها حتى عثروا على مكانها، فقام الأمير

142

بحفرها و إزالة الأطباق عنها حتى ظهر الماء، و لقد وقفنا على هذه البئر فوجدنا بين سطح الأرض و بين الأطباق نحو قامتين بل أكثر، فجزى اللّه تعالى من كان السبب في ذلك خير الجزاء، و جزى من أطبق البئر بالحجارة و لم يطمرها أحسن الجزاء حيث قد انتفع بها الناس اليوم.

فحبذا أن المسؤولين بمكة أطبقوا الآبار القديمة بها و جعلوا عليها علامات لمعرفتها بدلا من ردمها و طمرها و إعفاء آثارها، فقد يأتي يوم يحتاج أهل مكة إلى ماء الآبار و لو كانت مالحة، كما احتاجوها في عام 1360 عند نزول الأمطار القوية و تخريب السيل العظيم دبول عين زبيدة، و يعرف هذا السيل عندنا بسيل" يوم الأربعاء" الذي دخل المسجد الحرام و وصل إلى باب الكعبة المعظمة و كلنا شاهدنا ذلك.

هذا و سيل مستورة و الأبواء يجري من مسيل واحد و هو المسمى بوادي" ودّان" هذا ما يقولونه اليوم و ليس ذلك ببعيد لاتصالها و قربها من بعض، كما نقول أن سيل مكة يأتي إليها من منى و عرفات.

قال صاحب وفاء الوفاق: ودّان قرية من نواحي الفرع لضمرة و غفار و كنانة على ثلاثة أميال من الأبواء- ا ه. و الفرع، و قال بعضهم: ودان من الجحفة على مرحلة، بينها و بين الأبواء ستة أميال- ا ه. و الميل ستة آلاف ذراع بذراع اليد، و الفرسخ ثلاثة أميال، فعليه تكون المسافة بين وادي ودان و الأبواء فرسخين أي نحو عشرة كيلو متر.

و في ودان يقول بعض القدماء:

قفوا أخبروني عن سليمان أنني‏* * * لمعروفه من أهل" ودان" راغب‏

فمما تقدم يعلم أن الأبواء و ودان و مستورة كلها منطقة واحدة تدخل في نواحي الفرع لضمرة و غفار و كنانة- و لكن الأبواء أهمها و أعظمها- و اللّه تعالى أعلم.

فافهم هذا المبحث الفريد فإنك لا تجده في كتاب، و لقد جرّنا الكلام على قرية مستورة؛ لأنها هي الطريق المسلوكة إلى الأبواء و إلى المدينة المنورة، فمستورة واقعة في منتصف طريق جدة و المدينة تقريبا، فهي محطة شهيرة في خط الاسفلت تمر بها اليوم جميع قوافل السيارات.

143

أما قرية الأبواء فنصفها بعد مشاهدتنا كما يأتي:

في صباح يوم الخميس بعد شروق الشمس قمنا من مستورة متوجهين إلى الأبواء في سيارة الشيخ عبيد اللّه بن عابد الأنصاري التي أرسلها لنا لنكون في ضيافته بالأبواء يصحبنا ولداه" الشيخ يحيى و الشيخ أحمد" و هما أكبر أولاده، سرنا من مستورة نحو مشرق الشمس بالسيارة الجيب في خبت واسع، في أرض غير مسفلتة و إنما هي ذات حجارة سوداء ملساء بقدر حجم البطاطس يطلقون عليها" الصمد" كما ذكرناها في مستورة، و المسافة بينها و بين الأبواء نحو (28) كيلو مترا أي أقرب مما بين (مكة و بحرة) فالأبواء واقعة في شرق مستورة.

و يطلقون اليوم على الأبواء اسما آخر و هو" خريبة" لأن سيلا عظيما أتى عليها قديما فخربها ثم عمرت من جديد.

سرنا في أرض واسعة لا يكتنفها الجبال، فيها العشب و أشجار السلم التي تصلح لرعي المواشي، فمررنا في طريقنا بالبئر التي طويت بالصخور الكبار و التي اكتشفها و أظهرها أمير مستورة، كما مررنا ببئر أخرى واسعة جدا غزيرة الماء في جانب منها درج من الصخر كالسلالم للنزول إلى قاع البئر، إنها درج عجيبة الابتكار، فرحم اللّه بانيها، و هذه البئر كانت قديما محطة سابقة للقوافل المارة بمستورة، و من وسط هذا الوادي كانت القوافل تمر منه قديما إلى بدر فالمدينة المنورة، فمن أتى من رابغ يريد المدينة أمامه طريقان، طريق يؤدي إلى مستورة و طريق يؤدي إلى هرشى" على وزن سكرى" ثم يتفرع بعد هرشى إلى طريقين، طريق يمر على بير مبيريك و القاحا و طريق يمر على الأبواء و على المصفرة من آخر الأبواء من جهة الغرب مما يلي الجبل المدفونة عليه أم النبي (صلى الله عليه و سلم)، و كل هذه الطرق تجتمع في محطة المسيجيد. و هرشى هضبة في أرض مستوية لا تنبت شيئا ينسب إليها بنبته هرشى، و فيها يقول الشاعر:

خذا أنف هرشى أو قفاها فإنما* * * كلا جانبي هرشى لهن طريق‏

و من غرب هرشى تمتد حرة و تنتهي قبيل مستورة جنوبا تسمى حرة" كلهف".

سرنا في طريقنا في أرض واسعة مستوية حتى قاربنا الأبواء، و إذا هي محاطة من جميع الجهات بسلسلة من الجبال الصغيرة، و في أول مدخل الأبواء، على يسار الذاهب إليها، جبل غير مرتفع عليه قبر آمنة بنت وهب أم النبي (صلى الله عليه و سلم) و يظهر القبر

144

فوق الجبل من الطريق لأنه مرتفع نحو نصف قامة محاط بالأحجار، و الجبل مسطح من أصل الخلقة و ليس فوق الجبل و لا في أسفل الوادي قبر غير قبرها، يصدق عليه قول القائل:

و قبر حرب بمكان قفر* * * و ليس قرب قبر حرب قبر

و قد بنت الأتراك أيام حكمهم للحجاز على هذا القبر قبة قوية بالأحجار و النورة البلدية، هدمتها الحكومة السعودية عند دخولها الحجاز، و حول هذه الجبال يوجد كثير من نبات الإذخر و هو نبت كروي الشكل كالحبحب" البطيخ" عطري الرائحة ييبس في الصيف عند اشتداد الحر ثم يخضر في الربيع عند نزول الأمطار و لا يموت شي‏ء منه إذا يبس، و هذا الوادي لما كان مطروقا من قديم الزمان كانت الآبار فيها متعددة، فقد كانت القوافل تمر مع جبال الأبواء من عند قبر أم النبي (صلى الله عليه و سلم).

و لقد سألنا العرب هناك عن سبب دفن أم النبي (صلى الله عليه و سلم) فوق الجبل، فقالوا: إن هذا الموضع لم يكن محطة لنزول القوافل لعدم وجود سكان به قديما و حديثا، لذلك لم تكن به قبور حتى تدفن في أحدها، و لقد دفنوها فوق الجبل خوفا عليها من السيول و السباع و اختاروا لدفنها هذا الجبل بالذات؛ لأنه هش سهل التكسر و الحفر، و لأنه غير مرتفع و غير مسنم بل أعلاه عريض مسطح.

فوجدنا كلامهم مقبولا معقولا واضحا كالشمس- فاستنتجنا من ذلك أن أم النبي (صلى الله عليه و سلم) لم تمرض بالمدينة حين إقامتها بها و إلا لم تخرج منها، و أنها أيضا لم تمرض في الطريق و إلا للبثت في إحدى القرى و المحطات حتى تتماثل للشفاء، خصوصا و أنه يستحيل على المريض السفر أياما على الجمال في ذلك العهد، إذا فيكون موتها بغتة في مدخل الأبواء بقرب ذلك الجبل، كانت في الاحتضار نحو ساعة أو ساعتين ثم ماتت فغسلها المسافرون معها من بئر الرعاة القريبة منهم و دفنوها فوق ذلك الجبل.

و لا شك أن موتها بغتة و هي في حالة السفر رحمة و كرامة لها و لابنها الصغير الذي لم يتجاوز السادسة" محمد" ذلك النبي الكريم (صلى الله عليه و سلم)، فلو مرضت في الطريق لتعب ابنها الطفل الصغير و حاضنته أم أيمن رضي اللّه تعالى عنها كانت معهم أشد التعب‏ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ.

145

و بعد دفنها قدمت أم أيمن" بمحمد" (صلى الله عليه و سلم) إلى مكة في خمسة أيام، و ما بين الأبواء و المدينة خمسة أيام أيضا، فتكون المسافة بين مكة و المدينة بالجمال عشرة أيام.

و في رواية أن قبر آمنة بنت وهب بمكة.

ثم سرنا من جبل أم النبي (صلى الله عليه و سلم) متوجهين إلى داخل قرية الأبواء فاستقبلنا في منزله مضيفنا الشيخ عبيد اللّه بن عابد الأنصاري. و هو رجل صالح فاضل كريم عاقل من أعيان أهل الأبواء و وجهائها. فجلسنا في ضيافته ثلاثة أيام، و دعانا أخوه الشيخ عبد القادر الأنصاري للغداء في اليوم الثاني أحسن اللّه إليهما و جزاهما عنا خير الجزاء.

لقد تجولنا بالأبواء بسيارة الجيب الخاصة بمضيفنا العزيز الشيخ عبيد اللّه المذكور، فإذا هي قرية واسعة كبيرة زراعية، لها أمير كريم محترم اسمه الشيخ يوسف بن عطية أبو جلى، و لقد سمعنا عنه الثناء الحسن و أنه يتحلى بحميد الخصال و كريم الأخلاق، كنا نود زيارته و التشرف بمقابلته لولا ضيق الوقت و سرعة سفرنا.

يبلغ عدد سكان الأبواء نحو خمسة آلاف نسمة، بل أكثرهم يسكنون بين جبالها و وديانها و مزارعها، و كلهم يشتغلون بتربية المواشي و بالزراعة و الفلاحة صيفا و شتاء.

و أهل الأبواء كأهل مستورة أهل دين و أمانة و صدق و استقامة بعيدون عن الفسق و الفجور و قريبون من الخير، و إذا حصلت بينهم مخاصمات و مشاحنات يحضرهم عقلاء القرية ليصلحوا بينهم، و لمضيفنا الكريم الشيخ عبيد اللّه الأنصاري منزلة خاصة بينهم، فبيته مفتوح لهم و يصلح بينهم إذا اختلفوا و يؤمهم في مسجده الخاص، لذلك يطلقون عليه" الشيخ عبيد اللّه الشيخ".

و في الأبواء مدرسة ابتدائية مديرها ابن مضيفنا المذكور و اسمه" الأستاذ أحمد عبيد اللّه الأنصاري" و هو مثقف متخرج من مدارس مكة المكرمة، و في هذه المدرسة كثير من أبناء الأبواء، و بناء المدرسة من اللبن و هي تحتاج إلى إصلاح كثير، فحبذا لو أن وزارة المعارف جددت بناء هذه المدرسة بالإسمنت المسلح و ساعدتها بكثير من الإعانات لأن أبناء الأبواء فيهم ذكاء مفرط كما يدل على‏

146

ذلك نتيجة الاختبار العمومي في السنة الماضية، و الحق أن مدير المدرسة المذكور رجل نشيط مخلص لعمله.

و طول الأبواء اثنا عشر كيلو مترا و عرضها ثلاث كيلو مترات، و قد يضيق و قد يتسع، تحيط بها الجبال من جهة الشمال، و تحيط بها حرة سوداء من جهة الجنوب، و هذه الحرة ممتدة كالخيط من أولها إلى آخرها، عرضها نحو خمسمائة متر أي نصف كيلو متر. و أعلا هذه مسطح ليس فيه تعاريج و فيه بركة تجتمع فيها مياه الأمطار، لذلك يسكن بعضهم في أعلى هذه الحرة. و في الأبواء يزرع النخل و الدخن و الذرة و الطماطم و الفاصوليا و الباذنجان الأسود و الباميا و الدباء و القرع الأبيض و القثاء و الحبحب و الخربز و غير ذلك، و عندهم البقر و الغنم و الدجاج، و لهم ولع بصيد الأرانب و الغزلان و الطيور.

و في موسم الأمطار تكثر الزراعات، و في غيرها يسقون الأراضي من مياه الآبار يركبون عليها مكائن سحب المياه، ففي الأبواء مائة و خمسون موتورا يسقون بها البساتين و الأراضي الزراعية، و مياه الآبار فيها نوع ملوحة لا تصلح للشرب، لذلك هم في حاجة شديدة للماء العذب، و في بعض الأوقات تأتيهم الوايتات بالماء الحلو من بلدة رابغ فيستعملونه للأكل و الشرب فقط، فحبذا لو أن الحكومة أمّنت لأهل الأبواء الماء العذب كما أمنتها لأهل مستورة، خصوصا و أن سكان الأبواء يبلغ ضعف سكان مستورة، و قد لا حظنا على زراعة الأبواء عامة الضعف و الهزل خصوصا سنابل الدخن و الذرة، و الزارع الذي ينتظر بفارغ الصبر نضوج ثمره و حبوبه، ثم يخيب أمله بفساد الحبوب و هزال الثمر، يحزن بعد طول صبره أشد الحزن و يعتريه هبوط و كسل.

فحبذا لو أن وزارة الزراعة راعت هذه المنطقة و عملت بالوسائل التي لديها على حفظ مصالحهم و رفع مستوى الزراعة في جميع القرى.

و ذكر صاحب" وفاء الوفا" نقلا عن الأسدي: أن في وسط الأبواء مسجدا لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و ذكر بها آبارا و بركا منها بركة بقرب القصر، ثم ذكر ودان و ثنية هرشى، و قال: لقد أمر المتوكل بعمل أعلام و أميال لهذه الطرق. ا ه.

نقول: لم يبق أثر للمسجد المذكور و لا للأعلام و الأميال، فسبحان مغير الأحوال.

147

ثم رحلنا من الأبواء في اليوم الثالث قاصدين المدينة المنورة عن طريق مستورة، و أقمنا بها ثلاثة أيام ثم رجعنا بالسلامة إلى مكة شرفها اللّه تعالى و أدام أمنها و أمانها و خيرها و رخاءها آمين.

و مما يستأنس و تؤخذ منه الإشارة على وفاة و الديه (صلى الله عليه و سلم) على التوحيد، أن أباه اسمه (عبد اللّه) و هو إرادة اللّه تعالى بتسميته بهذا الاسم الشريف، و ما كان اسمه كأسماء أهل الجاهلية؛ كعبد العزى و عبد قيس و عبد ياليل أو كلب أو كليب أو كلاب أو فهر و نحو ذلك، حتى لا ينتسب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لأب له اسم بمثل هذه الأسماء، فكون اسم أبيه (عبد اللّه) هو من أشرف الأسماء، فإذا قيل: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) هو (محمد بن عبد اللّه) كان له وقع عظيم عند جميع الملل و النحل؛ لأنه أشرف الأسماء.

فهكذا أسماه جده عبد المطلب بعبد اللّه، فلو لم يعرف اللّه عز و جل بالفطرة لم يسمه بعبد اللّه، فتوحيد آبائه (صلى الله عليه و سلم) و إيمانهم بوجود اللّه عز و جل هذا كاف بإيمانهم بربهم الخلاق العظيم لأنه صادر بالفطرة الإلهية و بتوفيق اللّه عز و جل، بالعقل و التفكير، فلا يطلب منهم معرفة شروط الإيمان بالتفصيل كما يطلب منا حيث لم يكن في زمانهم نبي مرسل إليهم ليعلمهم أمور دينهم و يشرح لهم وسائل شريعتهم، فإيمان بعضهم بوجود اللّه تعالى كاف بنجاتهم إن شاء اللّه تعالى، و إنه لعز و مفخرة بربهم الخلاق العظيم خالق كل شي‏ء، و هم في وسط بيئة موبوءة بالكفر و الإشراك و عبادة الأصنام.

و أيضا أن كون اسم أمه عليه الصلاة و السلام (آمنة بنت وهب) يؤخذ منه أنها آمنة من عذاب اللّه و غضبه لتوحيدها و معرفتها باللّه عز و جل بالفطرة، و لا شك أن تسمية أمه (آمنة)، أو تسمية أبيه (عبد اللّه)، هي من قضاء اللّه تعالى و قدره، فقد وافقت التسمية لهما على ما كتب في اللوح المحفوظ من الأزل، و هذه عناية إلهية بعبده و نبيه المصطفى المختار (صلى الله عليه و سلم)، و في المثل العربي (لكل مسمى من اسمه نصيب)، و لا يخفى أن الأدب و الحب و الاحترام لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الذي بعثه اللّه تعالى رحمة للعالمين، أن نظن و نعتقد خيرا بآبائه الكرام ذوي الشرف و المقام السامي عند قومهم.

148

كفالة عمه له (صلى الله عليه و سلم)

بعد وفاة عبد المطلب جد النبي (صلى الله عليه و سلم) كفله عمه شقيق أبيه أبو طالب حسب وصاية عبد المطلب له، فكان أبو طالب يحب النبي (صلى الله عليه و سلم) حبا شديدا أكثر من أولاده، فكان ينام بجنبه و يطعمه أطيب الطعام، و كان يبالغ في إكرامه و تبجيله و يقدمه على كل شي‏ء.

و لما حصل الجدب و القحط جاءت قريش أبا طالب و قالت له: أما ترى ما نحن فيه، قم فاستق، فخرج أبو طالب و معه النبي (صلى الله عليه و سلم) حتى أتى الكعبة، فألصق ظهر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، بالكعبة فلاذ بإصبعه، فأقبلت السحب من كل الجهات، و سقوا و أخصبت الأرض من بعد جدبها، و لذلك قال أبو طالب فيه، (صلى الله عليه و سلم):

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه‏* * * ثمال اليتامى عصمة الأرامل‏

رحلته مع عمه (صلى الله عليه و سلم) إلى الشام للمرة الأولى‏

و لما بلغ النبي (صلى الله عليه و سلم) اثنتي عشر سنة، أراد عمه و كفيله أبو طالب السفر بتجارة إلى الشام، فاستعظم محمد (صلى الله عليه و سلم) فراق عمه، فأخذه معه، و هي الرحلة الأولى له (صلى الله عليه و سلم)، فلما بلغوا" بصرى" بأرض الشام رأه بحيرا الراهب و اسمه" جرجيس" و كان من أحبار اليهود، فعرف النبي (صلى الله عليه و سلم) من صفته الموضحة في كتبهم فأضاف قريشا، و جعل يلحظ النبي (صلى الله عليه و سلم) لحظا شديدا، و سأله عن أشياء فأخبره النبي (صلى الله عليه و سلم) عما سأله عنه، فقال بحيرا الراهب لأبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، قال: ما هو ابنك، و ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فإنه ابن أخي، قال:

فما فعل أبوه، قال: مات و أمه حبلى به، قال: صدقت، فما فعلت أمه، قال:

توفيت قريبا، قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده و احذر عليه اليهود، فو اللّه لئن رأوه و عرفوا منه ما عرفت ليبغينه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، لما نجده في كتبنا و رويناه عن آبائنا، و اعلم أني قد أديت إليك النصيحة فأسرع به إلى بلده، فرده أبو طالب إلى مكة و اشتد تحفظه عليه، و ازداد له حبا و تكريما.

149

سفره (صلى الله عليه و سلم) إلى الشام للمرة الثانية

و لما بلغ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، خمسا و عشرين سنة، سافر إلى الشام للمرة الثانية في تجارة لخديجة بنت خويلد الأسدية، و كانت سيدة تاجرة ذات شرف و مال تستأجر الرجال في مالها، فأرسلت إلى" محمد" (صلى الله عليه و سلم) و قالت له: إني دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك و عظيم أمانتك و كرم أخلاقك، و أنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك.

ففعل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و أخبر عمه أبا طالب بذلك، فقال له أبو طالب: إن هذا الرزق ساقه اللّه إليك فخرج النبي (صلى الله عليه و سلم) يريد الشام مع ميسرة غلام خديجة، و قد أوصت خديجة غلامها ميسرة أن لا يعصي لمحمد (صلى الله عليه و سلم) أمرا و لا يخالف له رأيا.

فلما وصل محمد عليه الصلاة و السلام سوق بصرى نزل تحت ظل شجرة قريبة من صومعة" نسطورا الراهب" و كان نسطورا يعرف ميسرة، فقال: يا ميسرة من هذا الذي تحت هذه الشجرة، فقال: رجل من قريش من أهل الحرم، فقال نسطورا: ما نزل تحت هذه الشجرة بعد عيسى (عليه السلام) إلا نبي، فأتى نسطورا إلى النبي (صلى الله عليه و سلم)، و قال له: يا محمد قد عرفت فيك العلامات كلها الدالة على نبوتك المذكورة في الكتب القديمة، خلا خصلة واحدة فأوضح لي عن كتفك، فأوضح له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عن كتفه، فإذا بخاتم النبوة يتلألأ، فأقبل نسطورا عليه يقبله، و يقول: أشهد أنك رسول اللّه النبي الأمي الذي بشر بك عيسى.

ثم إن محمدا (صلى الله عليه و سلم) حضر سوق بصرى، فباع سلعته و ربح ربحا عظيما، ثم رجع إلى مكة و قد أحبه ميسرة حبا شديدا لما ظهر له من بركاته و أحواله الكريمة، و دخل (صلى الله عليه و سلم) على خديجة و أخبرها بما ربحوا فسرت بذلك، و أعطت النبي (صلى الله عليه و سلم)، ضعف ما اتفقا عليه من الأجرة، و قد أخبرها غلامها ميسرة بما سمعه من نسطورا الراهب و ما رآه عليه من علامات النبوة، فأحبته كثيرا.

تزوجه (صلى الله عليه و سلم) بخديجة

و بعد مجي‏ء النبي (صلى الله عليه و سلم) من الشام بشهرين، تزوج بخديجة رضي اللّه تعالى عنها- و ذلك أن خديجة بعد أن رأت من" محمد" (صلى الله عليه و سلم) الربح العظيم في تجارتها،

150

و علمت من أمانته و صدق حديثه و مكارم أخلاقه، و سمعت من غلامها ما ظهر منه من علامات النبوة، أخبرت بذلك ابن عمها" ورقة بن نوفل" و كان قد تنصر و علم بما في الكتب القديمة، فقال ورقة لخديجة: لئن كان هذا حقا يا خديجة فإن" محمدا" لنبي هذه الأمة، و قد علمت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر هذا زمانه.

و كانت خديجة امرأة عاقلة صاحبة دراية و حزم و عزم، و كانت تدعى في الجاهلية الطاهرة و هي يومئذ أفضلهم نسبا، و أعظمهم شرفا و أكثرهم مالا، فرغبت في النبي (صلى الله عليه و سلم) و أرسلت الوسائط إليه، أرسلت نفيسة بنت منبه دسيسا تعرض نكاحها على" محمد" (صلى الله عليه و سلم) بعد أن رجع من الشام، قالت له نفيسة: ما يمنعك أن تتزوج، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): ما في يدي ما أتزوج به، قالت: فإن كفيت و دعيت إلى المال و الجمال و الكفاءة و الشرف ألا تجيب؟ قال: فمن هي، قالت: خديجة، قال: و كيف لي بذلك، قالت: علي، قال: افعلي.

فذهبت نفيسة فأخبرت خديجة بذلك، فأرسلت إليه خديجة و قالت له: يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك و أمانتك و حسن خلقك و صدق حديثك، ثم أرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها، فذكر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ذلك لأعمامه، فقام معه حمزة و أبو طالب حتى دخلوا على عمها عمرو بن أسد، فخطبها إليه أبو طالب، فقال عمرو بن أسد: محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب يخطب خديجة بنت خويلد، هذا الفحل لا يقدع أنفه، فحضر أبو بكر الصديق و رؤساء مضر العقد.

فقام عندئذ أبو طالب و خطب فقال: الحمد للّه الذي جعلنا من ذرية إبراهيم و زرع إسماعيل، و ضئضئ معد، و عنصر مضر، و جعلنا حضنه بيته، وسواس حرمه، و جعله لنا بيتا محجوبا، و حرما آمنا، و جعلنا حكام الناس، ثم إن ابن أخي هذا" محمد بن عبد اللّه" لا يوزن به رجل شرفا و نبلا و فضلا، و إن كان في المال قل، فإن المال ظل زائل، و أمر حائل، و عارية مستردة و هو و اللّه بعد هذا له نبأ عظيم و خطر جليل، و قد خطب إليكم رغبة في كريمتكم" خديجة" و قد بذل لها من الصداق (كذا).

فأجابه ورقة بن نوفل فقال: الحمد للّه الذي جعلنا كما ذكرت، و فضلنا على ما عددت، فنحن سادات العرب و قادتها، و أنتم أهل ذلك كله، لا تنكر العشيرة فضلكم، و لا أحد من الناس فخركم و شرفكم، و قد رغبنا في الاتصال‏