التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج1

- محمد طاهر الكردي المزيد...
582 /
151

بحبلكم و شرفكم، فاشهدوا عليّ معاشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد محمد بن عبد اللّه، على كذا.

فقال أبو طالب: قد أحببت أن يشركك عمها عمرو بن أسد، فقال عمرو بن أسد: اشهدوا عليّ يا معشر قريش أني قد أنكحت محمد بن عبد اللّه خديجة بنت خويلد- فقبل النبي (صلى الله عليه و سلم) النكاح و أشهد على ذلك صناديد قريش، و أصدقها اثني عشرة أوقية و نشا، و النش نصف أوقية، و الأوقية أربعون درهما.

فتزوج" محمد" (صلى الله عليه و سلم) لأول مرة في حياته بخديجة رضي اللّه تعالى عنها، و كان ذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين، و عمره إذ ذاك خمسة و عشرون سنة، و عمر خديجة أربعون سنة، فلم يتزوج (صلى الله عليه و سلم) قبل خديجة و لا عليها حتى ماتت.

و كانت خديجة قد تزوجت قبله النباش و يكنى بأبي هالة، فولدت له هندا و هو من الصحابة و هالة- و هما ذكران- و مات النباش في الجاهلية، ثم بعد موته تزوجت خديجة عتيق بن عائذ المخزومي فولدت له بنتا اسمها" هند" فأسلمت و تزوجت، ثم مات عتيق، و قيل تزوجت خديجة أولا بعتيق ثم بالنباش و اللّه تعالى أعلم.

محبة خديجة لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و محبته لها

كانت خديجة أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها تحب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أصدق الحب، فعاشرته أحسن عشرة، و كانت تقوم بخدمته و رعايته خير قيام و أفضل رعاية، فلا ترى منه ميلا إلى شي‏ء إلا بادرت به إليه، و كانت إذا رأته تأخر عن الغذاء تلتمسه بأعلا مكة و معها غذاؤه.

و كان النبي (صلى الله عليه و سلم) يحبها كثيرا، و يسكن إليها، و يثني عليها، و يقول:" و اللّه ما أبدلني اللّه خيرا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، و صدقتني إذ كذبني الناس، و واستني بمالها إذ حرمني الناس، و رزقني اللّه منها الولد دون غيرها من النساء"، و كان (صلى الله عليه و سلم) إذا ذبح الشاة يقول: أرسلوا إلى أصدقاء خديجة.

لقد كانت خديجة رضي اللّه تعالى عنها تعرف الكثير من شأن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و تحقق نبوته، لذلك كانت أول من آمنت به، و انظر إلى ثباتها و حكمة كلامها للنبي (صلى الله عليه و سلم) عند بدء الوحي، عند أول ما رأى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) جبريل في‏

152

حراء و قال له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏ فرجع النبي (صلى الله عليه و سلم) يرجف فؤاده، و دخل على خديجة و قال: زملوني- زملوني، فلما غطوه و سكن روعه أخبر خديجة بما كان، فقالت له: كلا و اللّه ما يخزيك اللّه أبدا، إنك لتصل الرحم، و تحمل الكل، و تكسي المعدم، و تقري الضيف، و تعين على نوائب الحق، فلا يسلط اللّه عليك الشيطان و الأوهام، و لا مراء إن اللّه اختارك لهداية قومك.

ثم انطلقت خديجة به (صلى الله عليه و سلم) إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، و كان عالما يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللّه أن يكتب، و كان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال: يا ابن أخي ماذا ترى، فأخبره (صلى الله عليه و سلم) خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل اللّه على موسى فجبريل رسول اللّه إلى أنبيائه، ثم قال ورقة للنبي (صلى الله عليه و سلم): يا ليتني فيها جذعا" أي شابا جلدا" إذ يخرجك قومك من بلادك ... الخ ما قال.

فانظر إلى قوة إيمان خديجة رضي اللّه تعالى عنها بنبوة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قبل أن يعلم الناس عنه ذلك، لهذا كله كان عليه الصلاة و السلام يحب خديجة حبا جما، و قد ورد في فضلها شي‏ء كثير، نذكر من ذلك حديثا واحدا، فقد جاء في الصحيحين «بشروا خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه و لا نصب».

فهنيئا لأم المؤمنين" خديجة" رضي اللّه تعالى عنها بما فازت بالقرب و الاتصال بسيد ولد آدم (صلى الله عليه و سلم).

و توفيت خديجة رضي اللّه تعالى عنها قبل الهجرة بثلاث سنين فحزن عليها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حزنا شديدا، لما رأى من قوة إيمانها و صدق محبتها و قيامها بخدمته و مؤازرتها له عند الشدائد- اللهم صل و سلم على سيدنا" محمد" و على آله و أزواجه و أصحابه الطيبين الطاهرين أجمعين.

عدد أزواجه و سراريه (صلى الله عليه و سلم)

و عدد أزواجه (صلى الله عليه و سلم) إحدى عشرة: (1) خديجة بنت خويلد، (2) و عائشة بنت أبي بكر، (3) و حفصة بنت عمر، (4) و أم سلمة بنت أبي أمية، (5) و سودة بنت زمعة، (6) و زينب بنت جحش، (7) و ميمونة بنت الحارث، (8) و زينب بنت خزيمة، (9) و جويرية بنت الحارث و تسمي بريرة، (10) و صفية

153

بنت حيي، (11) و أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان. ماتت عنده اثنتان: خديجة بنت خويلد، و زينب بنت خزيمة، و توفي عن التسع الباقيات.

و أما سراريه فأربع: (1) مارية القبطية أم ولده إبراهيم، (2) و ريحانة القرظية، (3) و واحدة وهبتها له زينب بنت جحش، (4) و الرابعة أصابها من بعض السبي.

عدد أولاده (صلى الله عليه و سلم)

و عدد أولاده (صلى الله عليه و سلم) سبع: أربع من الإناث و ثلاثة من الذكور، كلهم من أم المؤمنين" خديجة" رضي اللّه عنها، إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية، و ترتيبهم في الولادة هكذا: (1) القاسم. و به يكنى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و هو أول مولود له، و أول من مات من أولاده، فإنه مات و عمره نحو سنتين، (2) فزينب. و هي أكبر بناته و أول من تزوج منهن، و ماتت سنة ثمان من الهجرة، (3) فرقية. تزوجت بعثمان بن عفان رضي اللّه عنه، و ماتت في أواخر رمضان سنة اثنتين من الهجرة، (4) ففاطمة. و هي سيدة نساء العالمين، ولدت قبل الهجرة باثنتي عشرة سنة تزوجها علي بن أبي طالب في أوائل المحرم سنة اثنتين من الهجرة، و هي أم الحسن و الحسين رضي اللّه عنهم جميعا، و توفيت ثالث رمضان سنة إحدى عشر من الهجرة، أي توفيت فاطمة بعد وفاة أبيها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بستة أشهر على الأصح، (5) فأم كلثوم. تزوجها عثمان بن عفان رضي اللّه عنه بعد موت أختها رقية سنة ثلاث من الهجرة، و لذلك يلقب عثمان بذي النورين، و توفيت في شعبان سنة تسع من الهجرة، (6) فعبد اللّه. ولد بمكة و مات صغيرا، و يلقب بالطيب و الطاهر، (7) فإبراهيم. و هو من مارية القبطية، ولد في ذي الحجة من السنة الثامنة للهجرة، و حين ولادته قال (صلى الله عليه و سلم): «ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم، و توفي إبراهيم لعشر ليال خلون من ربيع الأول في السنة العاشرة من الهجرة و دفن بالبقيع، فكان عمره نحو ثمانية عشر شهرا»، و لما توفي قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «إن إبراهيم ابني و إنه مات في الثدي، و إن له لظئرين يكملان رضاعه في الجنة»، رواه مسلم في صحيحه.

و قال عليه الصلاة و السلام: «و إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»، رواه الشيخان. و سبب ذلك كما في الصحيحين و اللفظ للبخاري عن رواية أنس بن‏

154

مالك رضي اللّه عنه قال: «دخلنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على أبي سيف القين و كان ظئرا لإبراهيم، فأخذ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إبراهيم فقبله و شمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك و إبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تذرفان، فقال عبد الرحمن بن عوف: و أنت يا رسول اللّه، فقال: يا ابن عوف إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى، فقال: (صلى الله عليه و سلم): إن العين تدمع و القلب يحزن و لا نقول إلا ما يرضي ربنا، و إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».

كيفية بدء الوحي‏

ننقل هنا ما ذكرناه عن بدء الوحي في كتابنا" تاريخ القرآن و غرائب رسمه و حكمه" المطبوع للمرة الثانية بمطبعة و مكتبة مصطفى البابي الحلبي و أولاده بمصر القاهرة- فقد ذكرنا فيه ما نصه:

جاء في صحيح البخاري في أول الجزء الأول منه ما نصه:- عن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها أنها قالت: «أول ما بدئ به رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، و كان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه و هو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله و يتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق و هو في غار حراء، فجاء الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ‏ فرجع بها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي اللّه عنها، فقال: زملوني، زملوني- فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة و أخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا و اللّه ما يخزيك اللّه أبدا، إنك لتصل الرحم، و تحمل الكل، و تكسب المعدوم، و تقري الضيف، و تعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، و كان امرأ تنصر في الجاهلية، و كان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللّه أن يكتب و كان شيخا كبيرا قد عمى، فقالت له‏

155

خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى، فأخبره رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل اللّه على موسى، يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، و إن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، و فتر الوحي» ا ه. من البخاري.

(أما تاريخ بدء الوحي) فإنه (صلى الله عليه و سلم) بينما كان يتعبد بغار حراء بمكة، إذ جاءه الوحي في يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان للسنة الحادية و الأربعين من ميلاد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و هو يوافق 6 اغسطس سنة 610 ميلادية، فيكون عمره إذ ذاك بالضبط أربعين سنة قمرية و ستة أشهر و ثمانية أيام. و ذلك نحو 39 سنة شمسية و ثلاثة أشهر و ثمانية أيام- انتهى من كتابنا" تاريخ القرآن و غرائب رسمه و حكمه".

كيفية نزول الوحي و نزول القرآن‏

ذكرنا في كتابنا:" تاريخ القرآن و غرائب رسمه و حكمه" المطبوع بمطبعة مصطفى البابي الحلبي و أولاده بمصر- ما يأتي:

كان الوحي ينزل على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في مكة و المدينة و في غيرهما و في أوقات مختلفة من ليل أو نهار، و في الحالات كلها راكبا و جالسا، و في بيته و في غير بيته، و على فراش زوجته أم المؤمنين عائشة رضي اللّه تعالى عنها.

و لقد كان (صلى الله عليه و سلم) إذا نزل عليه الوحى يجد له مشقة و كربا لثقل ما يلقى عليه، قال تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا- قال العلامة العيني في أول شرحه على البخاري: و لذلك كان يعتريه مثل حال المحموم، كما روي أنه كان يأخذه عند الوحي الرحضاء، أي البهر و العرق من الشدة، و لذلك كان جبينه يتفصد عرقا كما يفصد، و قد ذكر البخاري في حديث يعلى بن أمية" فأدخل رأسه- فإذا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) محمر الوجه و هو يغطي ثم سري عنه". و منه في حديث عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه قال: «كان نبي اللّه عليه الصلاة و السلام إذا أنزل عليه كرب لذلك و تربد وجهه»، و في حديث الإفك قالت عائشة رضي اللّه عنها:

«فأخذه ما كان يأخذه في البرحاء عند الوحي، حتى إنه لينحدر منه مثل الجمان‏

156

من العرق في اليوم الشاتي، من ثقل القول الذي أنزل عليه»، و في الخبر: «إن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان إذا أوحي إليه و هو على ناقته وضعت جرانها- يعني صدرها- على الأرض، فما تستطيع أن تتحرك حتى يسري عنه». و أوحي إليه (صلى الله عليه و سلم) و فخذه على فخذ زيد بن ثابت فكادت أن ترض فخذ زيد.

و جاء في أول صحيح البخاري في باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و قول اللّه جل ذكره: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى‏ نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ‏ و بعد حديث: «إنما الأعمال بالنيات ... الخ» ما نصه:

حدثنا عبد اللّه بن يوسف قال: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها، أن الحارث بن هشام رضي اللّه عنه سأل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه كيف يأتيك الوحي، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس و هو أشده علي فيفصم عني و قد وعيت عنه ما قال: و أحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول، قالت عائشة رضي اللّه عنها: و لقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، و إن جبينه ليتفصد عرقا» ا ه.

قال العلامة العيني في شرحه على صحيح البخاري عند هذا الحديث، عند بيان إتيان الوحي على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ما نصه:

قوله الوحي قد فسرناه فيما مضى، و لنذكر ههنا أقسامه و صوره.

(أما أقسامه) في حق الأنبياء عليهم الصلاة السلام فعلى ثلاثة أضرب:

(أحدها) سماع الكلام القديم؛ كسماع موسى (عليه السلام) بنص القرآن، و نبينا (صلى الله عليه و سلم) بصحيح الآثار.

(الثاني) وحي رسالة بواسطة الملك.

(الثالث) وحي تلق بالقلب لقوله عليه الصلاة و السلام: إن روح القدس نفث في روعي: أي في نفسي. و قيل كان هذا حال داود (عليه السلام). و الوحي إلى غير الأنبياء عليهم الصلاة و السلام بمعنى الإلهام؛ كالوحي إلى النحل.

(و أما صوره) على ما ذكره السهيلي فسبعة:

(الأولى) المنام كما جاء في الحديث.

(الثانية) أن يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس كما جاء فيه أيضا.

157

(الثالثة) أن ينفث في روعه بالوحي.

(الرابعة) أن يتمثل له الملك رجلا كما في هذا الحديث، و قد كان يأتيه في صورة دحية، قلت: اختصاص تمثله بصورة دحية دون غيره من الصحابة؛ لكونه أحسن أهل زمانه صورة، و لهذا كان يمشي متلثما خوفا أن يفتتن به النساء.

(الخامسة) أن يترائى له جبريل (عليه السلام) في صورته التي خلقها اللّه تعالى له بستمائة جناح ينتشر منها اللؤلؤ و الياقوت.

(السادسة) أن يكلمه اللّه تعالى من وراء حجاب، إما في اليقظة كليلة الإسراء، أو في النوم كما جاء في الترمذي مرفوعا: «أتاني ربي في أحسن صورة، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى» الحديث. و حديث عائشة الآتي ذكره:

«فجاء الملك فقال: اقرأ» ظاهره أن ذلك كان يقظة، و في السيرة: «فأتاني و أنا نائم»، و يمكن الجمع بأنه جاء أولا مناما توطئة و تيسيرا عليه و ترفقا به. و في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما: «مكث عليه الصلاة و السلام بمكة خمس عشرة سنة يسمع الصوت و يرى الضوء سبع سنين و لا يرى شيئا، و ثمان سنين يوحى إليه».

(السابعة) وحي إسرافيل (عليه السلام) كما جاء عن الشعبي «أن النبي (صلى الله عليه و سلم) و كل به إسرافيل (عليه السلام) فكان يترائى له ثلاث سنين، و يأتيه بالكلمة من الوحي و الشي‏ء، ثم و كل به جبريل (عليه السلام)».

و في مسند أحمد بإسناد صحيح عن الشعبي «أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) نزلت عليه النبوة و هو ابن أربعين سنة فقرن بنبوته إسرافيل (عليه السلام) ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة و الشي‏ء و لم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل (عليه السلام)، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة، عشرا بمكة و عشرا بالمدينة، فمات و هو ابن ثلاث و ستين سنة». و أنكر الواقدي و غيره كونه و كل به غير جبريل (عليه السلام).

و قال أحمد بن محمد البغدادي: أكثر ما كان في الشريعة مما أوحي إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على لسان جبريل (عليه السلام)، انتهى من شرح العيني.

و لقد نظم هذه الصور السبعة العلامة الإمام ابن المختار الجكني الشنقيطي أحد علماء القرن الثاني عشر للهجرة فقال:

158

قد أنزل الوحي على سبع صور* * * على النبي من منزل السور

منهن أولاهن و هي الرؤيا* * * أو أن أنشا يتلقى الوحيا

منها ترائي ملك الصور الرضى‏* * * منها ترائي جبرئيل المرتضى‏

في الصورة التي عليها برأه‏* * * باريه ذا أجنحة ستمائة

ينتشر اللؤلؤ و الياقوت‏* * * منها و تعي دونها النعوت‏

منهن تكليم الإله من ورا* * * حجاب النبي أشرف الورى‏

و النفث في الروع و مثل الصلصلة* * * ثنتان من صور هذه السلسلة

تمثل الروح الأمين رجلا* * * للمصطفى العد بها قد كملا

جاء السهيلي بكل صوره‏* * * منهن عن خير الورى مأثوره‏

جمعها في روضة الروض الأنف‏* * * فيلقطفها من هناك المقتطف‏

و أما نزول القرآن، فقد جاء في تفسير ابن كثير عند قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ‏ الآية ملخصة. روى الإمام أحمد بن حنبل أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: «أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، و أنزلت التوراة لست مضين من رمضان، و الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، و أنزل القرآن لأربع و عشرين خلت من رمضان»، و في حديث جابر بن عبد اللّه:

«إن الزبور أنزل لثنتي عشرة خلت من رمضان، و الإنجيل لثمان عشرة»، و الباقي كما تقدم.

و قال إسرائيل عن السدي عن محمد بن أبي المجالد عن مقسم، عن ابن عباس، أنه سأل عطية الأسود فقال: وقع في قلبي الشك في قول اللّه تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ‏، و قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، و قوله:

إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، و قد أنزل في شوال و في ذي القعدة و في ذي الحجة و في المحرم و صفر و شهر ربيع، فقال ابن عباس: إنه أنزل في ليلة القدر و ليلة و في ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلا في الشهور و الأيام، و في رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «أنزل القرآن في النصف الثاني من شهر رمضان إلى سماء الدنيا، فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في عشرين سنة لجواب كلام الناس».

159

و في رواية عكرمة عن ابن عباس، قال: «نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة، و كان اللّه يحدث لنبيه ما يشاء، و لا يجي‏ء المشركون بمثل يخاصمون به إلا جاءهم اللّه بجوابه و ذلك قوله: وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا* وَ لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَ أَحْسَنَ تَفْسِيراً» ا ه. من تفسير ابن كثير.

انتهى نقل ما تقدم من كتابنا" تاريخ القرآن و غرائب رسمه و حكمه"، و نكتفي بما ذكرناه هنا عن كل ما يتعلق بالقرآن العظيم من جميع النواحي، حتى لا يطول بنا المقام، و من أراد زيادة البحث فعليه بكتابنا المذكور ففيه ما يشفي الفؤاد.

دعوة النبي (صلى الله عليه و سلم) لعبادة اللّه تعالى سرا

لما نزل على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ* وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ* وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ* وَ لِرَبِّكَ فَاصْبِرْ، قام (صلى الله عليه و سلم) بالدعوة إلى عبادة اللّه أولا سرا.

فكان أول من أسلم زوجته خديجة، و ابن عمه علي بن أبي طالب، فقد كان مقيما عنده يطعمه و يسقيه و يقيم بأمره، و مولاه زيد بن حارثة و يقال له زيد بن محمد، لأن النبي (صلى الله عليه و سلم) لما اشتراه أعتقه و تبناه، و حاضنته (صلى الله عليه و سلم) أم أيمن التي زوجها لمولاه زيد، و أول من أجابه من غير أهل بيته أبو بكر الصديق، و كان صديقا لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قبل النبوة. و قد دعا أبو بكر إلى الإسلام من يثق به من رجال قريش، فأجابه جمع (منهم): عثمان بن عفان، و الزبير بن العوام، و عبد الرحمن بن عوف، و سعد بن أبي وقاص، و طلحة بن عبيد اللّه، و صهيب الرومي، و عمار بن ياسر، و أبوه و أمه، و عبد اللّه بن مسعود، و أبو ذر الغفاري، و سعيد بن العدوي القرشي و زوجته فاطمة بنت الخطاب أخت عمر، و أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية زوج العباس بن عبد المطلب، و عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم النبي (صلى الله عليه و سلم)، و أبو سلمة بن عبد اللّه بن عبد الأسد ابن عمة النبي (صلى الله عليه و سلم) و زوجة أم سلمة، و عثمان بن مظعون الجمحي القرشي، و أخواه قدامة و عبد اللّه، و الأرقم ابن أبي الأرقم المخزومي القرشي، و خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، و أخوه عمر بن سعيد، و غيرهم رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين، و أسلم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في دار الأرقم.

160

و لما كان هؤلاء السعداء لابد لهم من تعليمهم و إرشادهم، فقد اختار رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) دار الأرقم بن أبي الأرقم المذكور هنا للاجتماع بهم، و كانت هذه الدار بأول الصفا، و سنتكلم عنها إن شاء اللّه تعالى.

الجهر بالدعوة

مكث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يدعو سرا إلى عبادة اللّه تعالى في أول الأمر، و لا يظهر الدعوة في مجامع قريش، حتى نزل عليه قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ‏ فعندئذ جهر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالدعوة، فصعد على الصفا و جعل ينادي: يا بنى فهر يا بني عدى لبطون قريش، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج بنفسه أرسل رسولا لينظر له الخبر، فجاء أبو لهب بن عبد المطلب و غيره من قريش، فقال عليه الصلاة و السلام: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي. قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك، ألهذا جمعتنا، فأنزل اللّه تعالى في شأنه: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَّ* ما أَغْنى‏ عَنْهُ مالُهُ وَ ما كَسَبَ‏ إلى آخر السورة.

ثم نزل على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قوله تعالى: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ و هم (بنو هاشم، و بنو المطلب، و بنو نوفل، و بنو عبد شمس أولاد عبد مناف) فجمعهم النبي (صلى الله عليه و سلم)، و قال لهم: إن الرائد لا يكذب أهله، و اللّه لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، و لو غررت الناس جميعا ما غررتكم، و اللّه الذي لا إله إلا هو إني لرسول اللّه إليكم خاصة و إلى الناس كافة، و لتجزون بالإحسان إحسانا و بالسوء سوءا، و إنها لجنة أبدا أو لنار أبدا. فتكلم القوم كلاما لينا غير عمه أبي لهب فإنه قال: خذوا على يديه قبل أن تجتمع عليه العرب، فإن سلمتموه إذا ذللتم، و إن منعتموه قتلتم، فقال أبو طالب: و اللّه لنمنعه ما بقينا. ثم انصرف الجمع.

و بسبب الجهر بالدعوة لقي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من قريش أذى كثيرا، و كان بعض هذا الأذى سببا في إسلام عمه حمزة بن عبد المطلب، فكان يناصر المسلمين و يشتد على أعداء الدين.

فلما ازداد الأذى من المشركين بسبب الدعوة، أذن اللّه تعالى لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالهجرة إلى المدينة المنورة، بعد أن مكث بمكة ثلاثة عشر سنة يدعو إلى اللّه‏

161

تعالى، و لا نريد إطالة البحث و الكلام فيما لقيه النبي (صلى الله عليه و سلم) و المسلمون من أذى قريش بالتفصيل، فإن كل ذلك يعلم من السيرة النبوية، و إنما نأتي بتفصيل الهجرة إلى المدينة المنورة إن شاء اللّه تعالى؛ لما في ذلك من الفوائد الجمة.

حصار النبي (صلى الله عليه و سلم) بشعب علي بسوق الليل بمكة

قال الخضري (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" نور اليقين في سيرة سيد المرسلين" (صلى الله عليه و سلم) ما يأتى: لما ضاقت الحيل بكفار قريش عرضوا على بني عبد مناف الذين منهم الرسول (عليه السلام) دية مضاعفة و يسلمونه فأبوا عليهم ذلك، ثم عرضوا على أبي طالب أن يعطوه سيدا من شبانهم يتبناه و يسلم إليهم ابن أخيه، فقال:

عجبا لكم تعطوني ابنكم أغذوه لكم و أعطيكم ابني تقتلونه؟.

فلما رأوا ذلك أجمعوا أمرهم على منابذة بني هاشم و بني المطلب ولدي عبد مناف و إخراجهم من مكة و التضييق عليهم فلا يبيعونهم شيئا و لا يبتاعون منهم حتى يسلموا محمدا للقتل. و كتبوا بذلك صحيفة وضعوها في جوف الكعبة، فانحاز بنو هاشم بسبب ذلك في شعب أبي طالب و دخل معهم بنو المطلب سواء في ذلك مسلمهم و كافرهم ما عدا أبا لهب، فإنه كان مع قريش، و انخزل عنهم بنو عميهم عبد شمس و نوفل ابني عبد مناف، فجهد القوم حتى كانوا يأكلون ورق الشجر، و كان أعداؤهم يمنعون التجار من مبايعتهم و في مقدمة المانعين أبو لهب. انتهى من نور اليقين.

و لما قال أشراف مكة لأبي طالب: إما أن تخلي بيننا و بينه فنكفيكه، فإنك على مثل ما نحن عليه، أو اجمع لحربنا، فإنا لسنا بتاركي ابن اخيك على هذا، حتى نهلكه أو يكف عنا، فقد طلبنا التخلص من حربك بكل ما نظن أنه يخلص.

بعث أبو طالب إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال له: يا ابن أخي، إن قومك جاؤني و قالوا كذا و كذا، فأبق علي و على نفسك و لا تحملني ما لا أطيق أنا و لا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك، فقال (صلى الله عليه و سلم): «و اللّه لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري، ما تركت هذا الأمر حتى يظهره اللّه أو أهلك في طلبه» فقال: امض على أمرك، فو اللّه لا أسلمك أبدا.

و دعا أبو طالب أقاربه إلى نصرته فأجابه بنو هاشم، و بنو المطلب، غير أبي لهب، و قال أبو طالب:

162

و اللّه لن يصلوا إليك بجمعهم‏* * * حتى أوسد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة* * * و أبشر وقر بذاك منك عيونا

و دعوتني و عرفت أنك ناصحي‏* * * و لقد صدقت و كنت ثم أمينا

و عرضت دينا قد عرفت بأنه‏* * * من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذار مسبة* * * لوجدتني سمحا بذاك مبينا

و قال أبو طالب أيضا في حصارهم قصيدته اللامية المشهورة التي أولها:

و لما رأيت القوم لا ود فيهمو* * * و قد قطعوا كل العرى و الوسائل‏

و قد صارحونا بالعداوة و الأذى‏* * * و قد طاعوا أمر العدو المزاول‏

صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة* * * و أبيض عضب من تراث المقاول‏

و أحضرت عند البيت رهطي و أسرتي‏* * * و أمسكت من أثوابه بالوصائل‏

أعوذ برب الناس من كل طاعن‏* * * علينا بسوء أو ملح بباطل‏

إلى آخر هذه القصيدة الطويلة الشهيرة.

نقض الصحيفة التي كتبها كفار قريش‏

ثم قال الخضري في كتابه" نور اليقين" ما يأتي: و قد قام خمسة من أشراف قريش يطالبون بنقض هذه الصحيفة الظالمة و هم (هشام بن عمرو بن الحارث العامري و هو أعظمهم في ذلك بلاء، و زهير بن أبي أمية المخزومي ابن عمة الرسول عاتكة، و المطعم بن عدي النوفلي، و أبو البختري ابن هشام الأسدي، و زمعة بن الأسود الأسدي)، و اتفقوا على ذلك ليلا، فلما أصبحوا غدا زهير و عليه حلة فطاف بالبيت ثم أقبل على الناس، فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام و نلبس الثياب و بنو هاشم و المطلب هلكى لا يبيعون و لا يبتاعون! و اللّه لا أقعد حتى تشق الصحيفة الظالمة القاطعة. فقال أبو جهل: كذبت، فقال زمعة لأبي جهل: أنت و اللّه أكذب! ما رضينا كتابتها حين كتبت، فقال أبو البختري:

صدق زمعة، و قال المطعم بن عدي: صدقتما و كذب من قال غير ذلك. و صدق على ما قال هشام بن عمرو، فقام إليه المطعم بن عدي فشقها. و كانت الأرضة قد أكلتها فلم يبق فيها إلا ما فيه اسم اللّه، و قد أخبر النبي (عليه السلام) عمه أبا

163

طالب بذلك قبل أن يفعل ما ذكر، فخرج القوم إلى مساكنهم بعد هذه الشدة.

انتهى من نور اليقين.

جاء في شرح زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم عند حديث: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه- يعني أبا طالب» رواه البخاري و مسلم- ما نصه:

قوله: «لعله تنفعه شفاعتي ... الخ»- الضمير فيه لأبي طالب عم النبي (صلى الله عليه و سلم) كما بيناه بقولنا: يعني أبا طالب و اسم أبي طالب عبد مناف و هو شقيق عبد اللّه والد النبي (صلى الله عليه و سلم)، و هو كافل النبي (صلى الله عليه و سلم) بعد موت جده عبد المطلب، و أما والده عبد اللّه فتوفي عنه في بطن أمه آمنة بنت وهب على الصحيح، فلما ولد النبي عليه و على آله و أصحابه الصلاة و السلام كفله جده عبد المطلب إلى أن توفي، فكفله أبو طالب و كان يحبه و يحوطه إلى أن بعثه اللّه تعالى فنصره و أجاره ممن يريد إساءته، و عادى فيه قريشا و العرب، و ناصبوه كي يسلمه إليهم فأبى، فتحالفت قريش و كنانة على بني هاشم و بني المطلب، أن لا يناكحوهم و لا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي (صلى الله عليه و سلم)، و في السيرة و كتبوا بذلك كتابا بخط بغيض بن عامر بن هاشم، و علقوه في جوف الكعبة و تمادوا على العمل بما فيه من ذلك ثلاث سنيين، و اشتد البلاء على بني هاشم في شعبهم و على كل من معهم، فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم قوم من قصي ممن ولدتهم بنو هاشم و من سواهم، فأجمعوا أمرهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر و البراءة، و بعث اللّه على صحيفتهم الأرضة، فأكلت و لحست ما فيها من ميثاق و عهد، و بقي ما كان فيها من ذكر اللّه عز و جل، و أطلع اللّه تعالى نبيه على ذلك فأخبر عمه أبا طالب بذلك، فقال: أربك أخبرك بذلك، قال: نعم، فقال أبو طالب: لا و الثواقب ما كذبتني، ثم خرج أبو طالب، فقال: يا معشر قريش، إن ابن أخي أخبرني أن اللّه عز و جل قد سلط على صحيفتكم الأرضة فإن كان كما يقول، فو اللّه لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا، و إن كان الذي يقول باطلا دفعنا إليكم صاحبنا قتلتم أو استحييتم، فقالوا: قد رضينا بالذي تقول. ففتحوا الصحيفه فوجدوها كما أخبر، فقالوا: هذا سحر ابن أخيك، و زادهم ذلك بغيا و عدوانا، فنقض اللّه سبحانه أمر الصحيفة و أظهر أمر نبيه عليه الصلاة و السلام على ما هو مذكور في كتب الحديث و السير.

164

بعض ما لقيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من التعب و المشقة في سبيل الدعوة إلى اللّه تعالى‏

لما بعث اللّه تبارك و تعالى نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم) ليدعو الناس إلى عبادة اللّه تعالى و هجر الأصنام و نبذها، قام بامتثال أمر ربه خير قيام، فجهر بالدعوة و دعا الناس إلى الإيمان و الإسلام، و دعاهم بقلب ثابت و جنان قوي، لأن اللّه تعالى قد شرح صدره لذلك فلا يبالي بالعقبات التي تعترضه و كيف يبالي بشي‏ء و هو المؤيد من اللّه العزيز الحكيم.

لما قام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يدعو قريشا إلى عبادة اللّه تعالى و ترك عبادة الأصنام، تظاهروا له بالعداوة الشديدة، و صاروا يؤذونه بمختلف أنواع الإيذاء و العداء من قول أو فعل، و لسنا الآن في صدد بيان كل ذلك بالتفصيل، و لكن نذكر حادثة واحدة من ذلك فنقول و باللّه التوفيق:

لما جهر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالدعوة قامت قريش في وجهه يردون عليه و يأذونه أشد الإيذاء، و أحيانا يعرضون عليه الرئاسة و الأموال ليتردع و لا يبطل اعتقاداتهم و لا يسب آلهتهم، لكنه (صلى الله عليه و سلم) كان صلبا قويا في الدعوة، لا تغره الرئاسة و الأموال، و لا يخشى عداوة قومه، بل يمضي في الدعوة بهمة و عزم، لا يطرقه الكلل و لا الملل.

لما رأى المشركون أنه (صلى الله عليه و سلم) لا تلين قناته و لا يخشى بأسه و لا يرغب في الأموال و الرئاسة، أرادوا أن يضيقوا عليه و على آله أشد الضيق، فذهبوا إلى عمه أبي طالب الذي أخذ على نفسه حمايته من أعدائه و هو يومئذ سيد بني هاشم، فطلبوا منه إما أن يكف ابن أخيه عنهم، و إما أن يخلي بينهم و بينه، فردهم أبو طالب ردا جميلا، فانصرفوا عنه، ثم إن أبا طالب قال لابن أخيه" محمد" (صلى الله عليه و سلم): يا ابن أخي إن القوم جاءوني فقالوا لي كذا، فابق على نفسك و لا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن الرسول أن عمه خاذله فقال: و اللّه يا عم لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما فعلت حتى يظهره اللّه أو أهلك دونه، ثم بكى و ولى، فقال أبو طالب: أقبل يا ابن أخي، فأقبل عليه فقال:

اذهب فقل ما أحببت و اللّه لا أسلمك. ا ه.

165

هذا و لما رأت قريش أنهم عجزوا عن رد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عن الدعوة، أجمعوا أمرهم على منابذة بني هاشم و بني المطلب ولدي عبد مناف، و إخراجهم من بطن مكة و التضييق عليهم فلا يتعاملون معهم بشي‏ء، فلا يبيعونهم شيئا و لا يبتاعون منهم حتى يسملوا" محمدا" (صلى الله عليه و سلم) للقتل، و كتبوا بذلك صحيفة وضعوها في جوف الكعبة المعظمة، فانحاز بنو هاشم بسبب ذلك في شعب أبي طالب، و هو المعروف اليوم" بشعب علي"، و دخل معهم بنو المطلب سواء في ذلك مسلمهم و كافرهم ما عدا أبا لهب، فإنه كان مع قريش، فلما انفصلوا عن قريش بالشعب المذكور، جهد القوم جهدا عظيما و تعبوا تعبا شديدا حتى أكلوا أوراق الأشجار، لأن قريشا شددوا الحصار عليهم، و كان ذلك في السنة السابعة من البعثة، و مكثوا على هذا الحال من الضيق و التعب الشديد ثلاث سنوات.

ثم قام خمسة من أشراف قريش و عقلائهم يطالبون بنقض هذه الصحيفة منهم زهير ابن أبي أمية المخزومي ابن عاتكة عمة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فغدا من الصباح إلى المسجد الحرام و قد لبس حلته الجميلة، فطاف بالبيت ثم أقبل على قريش، فقال:

يا أهل مكة، أنأكل الطعام و نلبس الثياب و بنو هاشم و بنو المطلب هلكى لا يبيعون و لا يبتاعون، و اللّه لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة الظالمة القاطعة" أي قاطعة للرحمة و المحبة". فقال أبو جهل: كذبت، فقال زمعة لأبي جهل: أنت و اللّه أكذب، إننا ما رضينا حين كتابتها، فقال أبو البختري: صدق زمعة، و قال المطعم بن عدي: صدقتما و كذب من قال غير ذلك. و صدق على ما قال هشام ابن عمرو، فقام إليها المطعم بن عدي فشقها، و كانت الأرضة قد أكلتها فلم يبق فيها إلا ما فيه اسم اللّه، و قد أخبر النبي (صلى الله عليه و سلم) عمه أبا طالب بذلك قبل أن يفعل ما ذكر. فخرج القوم إلى مساكنهم بعد هذه الشدة، و جاء الفرج و النصر من اللّه عز و جل.

فانظر رحمنا اللّه تعالى و إياك إلى ما لقيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من الإيذاء و البلاء و التعب و الشدة، في سبيل الدعوة إلى عبادة اللّه تعالى وحده لا شريك له، و هو أكرم على اللّه عز و جل الذي له ملك السموات و الأرض، فهل نحن لقينا من الشدة و البلاء، ما أكلنا في يوم من الأيام أوراق الشجر، أو نمنا في العراء على الحجر؟ كلا و اللّه. فالأنبياء عليهم الصلاة و السلام لهم من المنزلة السامية و المكانة

166

الرفيعة عند اللّه عز و جل ما لا تدركة عقولنا المحدودة، اللهم صل على عبدك و نبيك" محمد" و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا، و الحمد للّه ربّ العالمين.

و لقد قال أبو طالب حينما كان هو و صحبه بالشعب مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قصيدة عصماء ذكرها صاحب مرآة الحرمين إبراهيم رفعت باشا (رحمه اللّه تعالى) بعنوان" القصيدة الشّعبية" بكسر الشين المعجمة نسبة إلى شعب علي و نحب أن ننقل نص ما ذكره في كتابه المذكور و هو هذا:

القصيدة الشعبية

قال هذه القصيدة أبو طالب عم النبي (صلى الله عليه و سلم) في الشّعب و هو شعب أبي طالب الذي آوى إليه بنو المطلب و بنو هاشم مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما تحالفت عليهم قريش و كتبوا الصحيفة، تعاقدت فيها على مقاطعتهم حتى يسلموا لهم محمدا (صلى الله عليه و سلم)، و ذلك سنة سبع من النبوة، و علقوا هذه الصحيفة في الكعبة، و كتب هذه الصحيفة منصور بن عكرمة بن هشام فشلّت يده.

فمكثوا بالشعب سنتين أو أكثر لا يصل إليهم شي‏ء إلا سرا، و لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم، ثم أخبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أبا طالب بأن اللّه تعالى قد أوحى إليه أنه سلط الأرضة على الصحيفة، فأكلت جميع ما فيها من الظلم و القطيعة و لم تدع غير اسم اللّه، فوجدوها كذلك و خرجوا من الشعب.

و اسم أبي طالب عبد مناف و اشتهر بكنيته، و قد كفل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و ضمه إليه و عمره الشريف ثمان سنين، بوصاية جده عبد المطلب، و سافر به إلى الشام و هو في الثالثة عشرة من عمره، و لما بعث عليه الصلاة و السلام قام بنصرته و ذب عنه و مدحه عدة مدائح. فمن قوله:

و دعوتني و زعمت أنك صادق‏* * * و لقد صدقت و كنت قبل أمينا

و لقد علمت بأن دين محمد* * * من خير أديان البرية دينا

و مما قاله في الشّعب:

ألا أبلغا عني على ذات بيننا* * * لؤيا و خصا من لؤي بني كعب‏

ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا* * * نبيا كموسى خط في أول الكتب‏

و إليك قصيدة أبي طالب التي قالها حينما كانوا في الشّعب:

167

خليلي ما إذني لأول عاذل‏* * * بصغواء في حق و لا عند باطل‏

خليلي إن الرأي ليس بشركة* * * و لا نهنه عند الأمور البلابل‏

رأيت القوم لا ودّ عندهم‏* * * و قد قطعوا كل العرى و الوسائل‏

و قد صارحونا بالعداوة و الأذى‏* * * و قد طاوعوا أمر العدو المزايل‏

و قد حالفوا قوما علينا أظنة* * * يعضون غيظا خلفنا بالأنامل‏

صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة* * * و أبيض عضب من تراث المقاول‏

و أحضرت عند البيت رهطي و إخوتي‏* * * و أمسكت من أثوابه بالوصائل‏

قياما معا مستقبلين رتاجه‏* * * لدي حيث يقضي خلفه كل نافل‏

أعوذ برب الناس من كل طاعن‏* * * علينا بسوء أو ملح بباطل‏

و من كاشح يسعى لنا بمعيبة* * * و من ملحق في الدين ما لم نحاول‏

و ثور و من أرسى ثبيرا مكانه‏* * * وراق لبر في حراء و نازل‏

و بالبيت حق البيت من بطن مكة* * * و باللّه: إن اللّه ليس بغافل‏

و بالحجر المسود إذ يمسحونه‏* * * إذا اكتنفوه بالضحى و الأصائل‏

و موطئ إبراهيم في الصخر رطبة* * * على قدميه حافيا غير ناعل‏

و أشواط بين المروتين إلى الصفا* * * و ما فيهما من صورة و تماثل‏

و من حج بيت اللّه من كل راكب‏* * * و من كل ذي نذر و من كل راجل‏

فهل بعد هذا من معاذ لعائذ* * * و هل من معيذ يتقي اللّه عادل‏

يطاع بنا الأعداء و ودوا لو أننا* * * تسد أبواب ترك و كابل‏

كذبتم و بيت اللّه نبزي محمدا* * * و لما نطاعن دونه و نناضل‏

و نسلمه حتى نصرع حوله‏* * * و نذهل عن أبنائنا و الحلائل‏

و ينهض قوم في الحديد إليكم‏* * * نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل‏

و حتى نرى ذا الضغن يركب ردعه‏* * * من الطعن فعل الأنكب المتحامل‏

و إنا لعمر اللّه إن جد ما أرى‏* * * لتلتبسن أسيافنا بالأماثل‏

بكفي فتى مثل الشهاب سميذع‏* * * أخي ثقة حامي الحقيقة باسل‏

و ما ترك قوم لا أبا لك سيدا* * * يحوط الذمار غير ذرب مواكل‏

و أبيض يستسقي الغمام بوجهه‏* * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل‏

168

يلوذ به الهلاك من آل هاشم‏* * * فهم عنده في رحمة و فواضل‏

جزى اللّه عنا عبد شمس و نوفلا* * * عقوبة شر عاجل غير آجل‏

بميزان قسط لا يخس شعيرة* * * له شاهد من نفسه غير عائل‏

و نحن الصميم من ذؤابة هاشم‏* * * و آل قصي في الخطوب الأوائل‏

و كل صديق و ابن أخت نعده‏* * * لعمري وجدنا غبه غير طائل‏

سوى أن رهطا من كلاب بن مرة* * * براء إلينا من معقة خاذل‏

و نعم ابن اخت القوم غير مكذب‏* * * زهير حساما مفردا من حمائل‏

أشم من الشم البهاليل ينتمي‏* * * إلى حسب في حومة المجد فاضل‏

لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد* * * و إخواته دأب المحب المواصل‏

فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها* * * و زينا لمن ولاه ذب المشاكل‏

فمن مثله في الناس أي مؤمل‏* * * إذا قاسه الحكام عند التفاضل‏

حليم رشيد عادل غير طائش‏* * * يوالي إلها ليس عنه بغافل‏

فأيده رب العالمين بنصرة* * * و أظهر دينا حقه غير ناصل‏

فو اللّه لولا أن أجي‏ء بسبة* * * تجر على أشياخنا في القبائل‏

لكنا اتبعناه على كل حالة* * * من الدهر جدا غير قول التهازل‏

لقد علموا أن ابننا لا مكذب‏* * * لدينا و لا يعنى بقول الأباطل‏

فأصبح فينا أحمد في أرومة* * * يقصر عنها سورة المتطاول‏

حديث بنفسي دونه و حميته‏* * * و دافعت عنه بالذرى و الكلاكل‏

انتهى من كتاب مرآة الحرمين، و من أراد شرح بعض ألفاظ هذه القصيدة البليغة فلينظر في الكتاب المذكور صحيفة (64) من الجزء الثاني.

قال ابن كثير عن هذه القصيدة الشعبية: إنها قصيدة بليغة جدا لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه، و هي أفحل من المعلقات السبع و أبلغ في تأدية المعنى. ا ه.

169

جدول الحوادث الواقعة في سنوات الهجرة

في بيان أشهر الحوادث التي وقعت من السنة الأولى لهجرة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى حين وفاته. أما الإسراء و المعراج فكان قبل الهجرة و فيه فرضت الصلوات الخمس.

سنة الهجرة/ ذكر أشهر الحوادث الواقعة باختصار السنة الأولى/ بناء مسجده (صلى الله عليه و سلم) بالمدينة، و بدأ الأذان، و مشروعية القتال و بدؤه، و وفاة عثمان بن مظعون أخو رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و غيره، و في شوال من هذه السنة بنى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعائشة بنت أبي بكر رضي اللّه عنهما، و كان سنها تسع سنين، و كان قد تزوجها و عمرها ست سنين أو سبع، و في هذه السنة أسلم سلمان الفارسي رضي اللّه عنه.

السنة الثانية/ غزوة بدر الكبرى، و تحويل القبلة، وجوب صوم رمضان و زكاة الفطر، وجوب زكاة الأموال، و مشروعية صلاة العيد، و زواج علي بفاطمة رضي اللّه تعالى عنهما، و ماتت رقية بنت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) زوجة عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنهما.

السنة الثالثة/ غزوة أحد، و فيها استشهد حمزة رضي اللّه عنه، و حرمت الخمر، و زوّج النبي (صلى الله عليه و سلم) بنته أم كلثوم لعثمان بن عفان رضي اللّه عنهما، و تزوّج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما، و تزوّج عليه الصلاة و السلام أيضا زينب بنت خزيمة الهلالية رضي اللّه عنها، و ولد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما.

السنة الرابعة/ ولد الحسين بن علي رضي اللّه عنهما، و توفيت أم المؤمنين زينب بن خزيمة، و تزوّج (صلى الله عليه و سلم) أم سلمة هندا بعد وفاة زوجها أبي سلمة، و في ذي القعدة من هذه السنة رجم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) اليهود و اليهودية بالزنا.

السنة الخامسة/ مشروعية فريضة الحج، و حصل حديث الإفك، و غزوة دومة الجندل، و غزوة بني المصطلق، و غزوة الخندق، و غزوة بني قريظة، و تزوج عليه الصلاة و السلام زينب بنت جحش،

170

و نزلت آية الحجاب، و تزوج (صلى الله عليه و سلم) أيضا بريرة بنت الحارث سيد بني المصطلق و سماها" جويرة" و نزلت آية التيمم.

السنة السادسة/ غزوة الحديبية، و بيعة الرضوان، و صلح الحديبية، و مكاتبة النبي (صلى الله عليه و سلم) ملوك الأرض، و زيارة النبي (صلى الله عليه و سلم) قبر أمه، و استسقى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما أجدب الناس فمطروا سبعة أيام بلياليهن.

السنة السابعة/ غزوة خيبر، و تزوّج (صلى الله عليه و سلم) صفية بنت حيي سيد بني النضير، و النهي عن نكاح المتعة، و النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية، و رجع من هاجر إلى الحبشة و كان مع من رجع أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان و هي زوجة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، زوّجه إياها خالد بن سعيد بن العاص بالحبشة، و أصدقها النجاشي عنه أربعمائة دينار، و هو الذي خطبها للنبي (صلى الله عليه و سلم)، و أسلم خالد بن الوليد و عمرو بن العاص السهمي، و عثمان بن أبي طلحة العبدري، و حصل عمرة القضاء. و تزوج عليه الصلاة و السلام و هو بمكة ميمونة بنت الحارث الهلالية و لم يدخل بها إلا بعد خروجه من مكة في موضع يقال له سرف بين عسفان و قديد. و في هذه السنة اتخذ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لنفسه خاتما من فضة و نقش فيه محمد رسول اللّه و ذلك ليختم به رسائل الملوك، و أسلم أبو هريرة رضي اللّه عنه.

و في هذه السنة أهدى المقوقس ملك الاسكندرية و مصر إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) جملة أشياء- منها مارية و سيرين أختها و جاريتان أخريان و خصي يقال له مأبور و ثياب و ألف مثقال من الذهب و فرس و بغلة يقال لها الدلال و حمار يقال له يعفور و غير ذلك.

السنة الثامنة/ فتح مكة شرفها اللّه تعالى- و ذلك صبح يوم الجمعة لعشرين خلت من رمضان و غزوة حنين، و غزوة الطائف، و ماتت زينب بنت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و أسلم حكيم بن حزام الذي ولد في الكعبة، و ولد لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إبراهيم من‏

171

مارية القبطية و ذلك في ذي الحجة من هذه السنة.

السنة التاسعة/ غزوة تبوك، أرسل النبي (صلى الله عليه و سلم) أبا بكر رضي اللّه عنه في أواخر ذي القعدة ليحج بالناس- و نادى: أن لا يحج بعد هذا العام مشرك و لا يطوف بالبيت عريان، وفاة أم كلثوم بنت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و زوجة عثمان رضي اللّه عنه، و في هذه السنة ابتدأت قدوم وفود العرب إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) ليبايعوه على الإسلام، و في هذه السنة هجر النبي (صلى الله عليه و سلم) نساءه شهرا.

السنة العاشرة/ حجة الوداع، وفاة إبراهيم بن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و في هذه السنة كثرت وفود العرب على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و دخل الناس في دين اللّه أفواجا، و في هذه السنة طلع جبريل مجلس النبي (صلى الله عليه و سلم) في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، طيب الرائحة، حسن الوجه، رآه كل من في المجلس، و سأل النبي (صلى الله عليه و سلم) عن الإيمان و الإسلام و الإحسان و القيامة و علامات الساعة.

السنة الحادية عشرة/ مرض رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في أواخر شهر صفر، وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في اليوم الثالث عشر من ربيع الأول، و ماتت بعده بستة أشهر على الأصح ابنته فاطمة الزهراء رضي اللّه تعالى عنها، و بويع بالخليفة أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه و ذلك يوم قبض رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

ابتداء مرضه (صلى الله عليه و سلم)

لما بلغ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) رسالة ربه إلى العالمين كافة، و لما أتم اللّه أحكام شريعته و أكمل دينه كما قال عز شأنه و جل جلاله هذه الآية التي أنزلت يوم عرفة في حجة الوداع: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً- كان من الفهوم أن يرتاح هذا النبي العربي الكريم من تعب هذه الدنيا الفانية و عنائها، و أن يتنعم بجوار ربه العلي الأعلى و يحظى برضائه و جناته.

172

فحينما نزلت هذه الآية، و نزلت بعدها سورة: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ‏، عرف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن حياته قد انتهت لم يبق منها إلا أيام قلائل، و قد عرض بذلك في إحدى خطبه، فقال: «إن عبدا خيره اللّه بين أن يؤتيه زهرة الدنيا و بين ما عنده فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر و قال: يا رسول اللّه فديناك بآبائنا و أمهاتنا».

فإذا كتب الموت على خير خلق اللّه سيد ولد آدم، فمن نكون نحن؟ اللهم اختم حياتنا بخير على ما تحبه و ترضى، على الإيمان الكامل و راحة تامة و نظافة كاملة بغير تعب و لا نصب بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين.

كان ابتداء مرضه (صلى الله عليه و سلم) في أواخر شهر صفر من السنة الحادية عشرة من الهجرة في بيت زوجته ميمونة، و استمر مريضا ثلاثة عشر يوما كان في خلالها ينتقل إلى بيوت أزواجه، و لما اشتد عليه المرض استأذن منهن أن يمرض في بيت زوجته عائشة بنت أبي بكر فأذنّ له، و لما دخل بيتها و اشتد عليه الوجع، قال: «هريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس فأجلس (صلى الله عليه و سلم) وصب عليه الماء لتخفيف حرارة الحمى».

و لما تعذر على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الخروج إلى الصلاة، قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، و لما رأى الأنصار اشتداد وجع (صلى الله عليه و سلم) أطافوا بالمسجد، فدخل العباس و أعلمه بمكانهم و إشفاقهم، فخرج (صلى الله عليه و سلم) متوكئا على علي و الفضل، و تقدم العباس أمامهم و النبي معصوب الرأس يخط برجليه حتى جلس في أسفل مرقاة المنبر، و ثار الناس إليه فحمد اللّه تعالى و أثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم، هل خلد نبي قبلي فيمن بعث اللّه فأخلد فيكم، ألا إني لا حق بربي و إنكم لاحقون بي، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا، و أوصي المهاجرين فيما بينهم ...» إلى آخر خطبتة العظيمة (صلى الله عليه و سلم).

و بينما المسلمون في صلاة الفجر يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة يصلي بهم أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه، إذا برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قد كشف سجف حجرة عائشة رضي اللّه عنها فنظر إليهم و هم في صفوف الصلاة، ثم تبسم فنكص أبو بكر رضي اللّه عنه على عقبه ليصل الصف، و ظن أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يريد أن يخرج إلى الصلاة، و همّ المسلمون أن‏

173

يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة و أرخى الستر.

وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)

و في ضحى يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة توفي رسول اللّه، صلى اللّه عليه و على آله و صحبه و سلم، أي في مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة المنورة، و قبض (صلى الله عليه و سلم) في كساء ملبد، قال أبو بردة: أخرجت إلينا عائشة كساء ملبدا و إزارا غليظا، فقالت: قبض رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في هذين.

و لما توفي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) دهش الناس و طاشت عقولهم، فمنهم من خبل و منهم من أصمت، و منهم من أقعد إلى الأرض، فكان عمر بن الخطاب ممن خبل، فجعل يصيح و يقول: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول اللّه توفي، و إنه و اللّه ما مات و لكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، و اللّه ليرجعن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال و أرجلهم زعموا أن رسول اللّه مات.

و أما عثمان بن عفان فأخرس حتى يذهب به و يجاء و لا يتكلم إلا بعد الغد، و أقعد علي بن أبي طالب فلم يستطع حراكا، و أضني عبد اللّه بن أنيس، و لم يكن فهيم أثبت و أحزم من أبي بكر و العباس.

و كان أبو بكر غائبا بالسنح و هي منازل بني الحارث من الخزرج بعوالي المدينة بينه و بين منزل النبي (صلى الله عليه و سلم) ميل، فأقبل على فرس، فلما أخبر الخبر دخل بيت عائشة و كشف عن وجه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فجثا يقبله و يبكي و يقول: توفي و الذي نفسي بيده، صلوات اللّه عليك يا رسول اللّه ما أطيبك حيا و ميتا، بأبي أنت و أمي لا يجمع اللّه عليك موتتين، ثم خرج فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:" ألا من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت"، ثم تلا قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏، و قوله عز شأنه: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ، وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏.

174

قال عمر: فكأني لم أتل هذه الآية قط، و دفن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حيث قبض في حجرة عائشة رضي اللّه تعالى عنها، و أنزله في القبر علي و العباس و ولداه الفضل و قثم، ورش بلال قبره بالماء. فيكون عمره عليه الصلاة و السلام ثلاثا و ستين سنة.

اللهم صل على محمد و على آل محمد، كما صليت على إبراهيم و على آل إبراهيم، و بارك على محمد و على آل محمد كما باركت على إبراهيم و على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر و من عذاب النار و من فتنة المحيا و الممات، و من فتنة المسيح الدجال، اللهم اختم حياتنا بالأعمال الصالحات، و استرنا في الحياة و بعد الممات، و ارزقنا علما غزيرا نافعا، و رزقا حلالا واسعا بلا طغيان بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين.

هذا خلاصة الكلام عن مرضه (صلى الله عليه و سلم) و وفاته و انظر تفصيل ذلك فيما يأتي.

سورة النصر و نزولها بمنى في حجة الوداع‏

نزلت بمنى في حجة الوداع فتعد مدنية و هي آخر ما نزل من السور و آياتها (3) نزلت بعد سورة (التوبة).

بسم اللّه الرحمن الرحيم، إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ* وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً.

قيل: إن هذه السورة آخر سورة نزلت يوم النحر، و النبي (صلى الله عليه و سلم) بمنى في حجة الوداع- و للطبراني من حديث جابر: «لما نزلت هذه السورة قال النبي (صلى الله عليه و سلم):

نعيت إلي نفسي: فقال له جبريل: و للآخرة خير لك من الأولى. قالت أم سلمة رضي اللّه عنها: كان النبي (صلى الله عليه و سلم) في آخر أمره لا يقوم و لا يقعد و لا يذهب و لا يجي‏ء، إلا قال: سبحان اللّه و بحمده أستغفر اللّه و أتوب إليه. فقلت له: إنك تدعو بدعاء لم تكن تدعو به قبل اليوم. فقال: إن ربي أخبرني سأرى علما في أمتي، و أني إذا رأيته أسبح بحمده و أستغفره، ثم تلا هذه السورة»- رواه ابن جرير و غيره.

لقد اتفق الصحابة رضي اللّه عنهم على أن هذه السورة دلت على نعي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقد روي أنها حين نزلت قال عليه الصلاة و السلام: «نعيت إلي‏

175

نفسي». و قال في خطبته: «إن عبدا خيره اللّه تعالى بين الدنيا و بين لقائه فاختار لقاء اللّه تعالى- فقال أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه: فديناك بأنفسنا و أموالنا و آبآئنا و أولادنا».

و معنى الآيات: إذا جاء نصر اللّه و الفتح لك" يا محمد" و دانت لك العرب- و تتابعت الفتوحات عليك التي منها الفتح الأعظم، فتح مكة و بلدتك التي أخرجوك منها- و إذا رأيت الناس يدخلون في دين اللّه أفواجا و جماعات رغبة و حبا في الإسلام، فاعلم أنه قد علا شأنك و انتشر دينك و جاء الحق و زهق الباطل- و بهذا تكون مهمتك النبوية قد انتهت- و تكون أنت قد أديت الأمانة و بلغت الرسالة، فلا خوف بعد موتك على دين اللّه تعالى أبدا- فلا يزال ينتشر في جميع البلدان و يزحف على جميع البقاع و الأطراف، و يتتابع الناس في الدخول في دين اللّه أفواجا أفواجا إلى قيام الساعة- فحينئذ تفرغ لعبادة اللّه تعالى أكثر من حالتك الأولى استعدادا للقاء ربك- فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً حيث قد قرب أجلك و دنا ذهابك إلى الرفيق الأعلى.

و في الصحيحين عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، قالت: «ما صلى رسول اللّه، (صلى الله عليه و سلم) صلاة بعد أن نزلت عليه سورة: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ‏- إلا يقول: أستغفر اللّه و أتوب إليه- قال: فإني أمرت بها- ثم قرأ: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ‏ إلى آخرها»- و قال عكرمة: لم يكن النبي (صلى الله عليه و سلم) قط أشد اجتهادا في أمور الآخرة ما كان عند نزولها. و قال مقاتل: لما نزلت قرأها النبي (صلى الله عليه و سلم) على أصحابه و فيهم أبو بكر و عمر و سعد بن أبي وقاص و العباس، ففرحوا و استبشروا، و بكى العباس، فقال له النبي، (صلى الله عليه و سلم): ما يبكيك يا عم؟ قال: نعيت إليك نفسك، قال: إنه كما قلت، فعاش بعدها ستون يوما ما رؤي فيها ضاحكا. ا ه.

و قيل: عاش (صلى الله عليه و سلم) بعدها ثمانين يوما. انتهى.

و المعقول أنه (صلى الله عليه و سلم) عاش بعد نزول هذه السورة اثنين و تسعين يوما، و ذلك من عاشر ذي الحجة، و هو تاريخ نزول هذه السورة إلى يوم وفاته (صلى الله عليه و سلم) في الثاني عشر من شهر ربيع الأول.

و يؤخذ من هذه السورة المباركة الكريمة التي نزلت في حجة الوداع أن الناس قد دخلوا بالفعل في دين اللّه أفواجا أفواجا، فإن النصر العظيم لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في الفتح الأعظم و هو فتح مكة شرفها اللّه تعالى و أدام أمنها و خيرها و رخاءها-

176

الذي كان في رمضان في السنة الثامنه للهجرة، فلقد أقبل الناس من قريش و غيرهم يبايعون رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و يدخلون في دين اللّه أفواجا أفواجا- و عندما نزلت هذه السورة في يوم النحر بمنى، و هو اليوم العاشر من ذي الحجة، و هو يوم عيد الأضحى المبارك، في حجة الوداع، كان عدد من حج من المسلمين مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، في هذه الحجة مائة و عشرين ألفا و قيل أكثر من ذلك- و لم يكن معهم أحد من المشركين أبدا- ثم عقب هذه الحجة بنحو ثلاثة أشهر توفي رسول اللّه، (صلى الله عليه و سلم). أليس هذا هو النصر المبين و الفتح الأعظم لنبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم)، بعد أن كانت مكة و جميع البقاع ممتلئة بالمشركين و الكفار؟ بلا و اللّه- فسبحانه القادر على كل شي‏ء الذي بيده ملكوت كل شي‏ء.

كما يؤخذ من هذه السورة الكريمة و من حالة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، بعد نزولها عليه أنه ينبغي على كل مؤمن إذا كبرت سنه و بلغ حد الشيخوخة، أن لا يغفل عن ذكر اللّه سبحانه و تعالى، و أن يكثر من التسبيح و الاستغفار في جميع حالاته، إذا تحرك أو سكن أو قام أو مشى أو أكثر من الكلام الفارغ- لأنه لا يدري متى تأتي منيته، فإذا ألف لسانه على ذكر اللّه تعالى، و على التسبيح و التهليل و الاستغفار و الإنابة، فربما تأتي منيته و هو على هذه الحالة، فيكون سعيدا، فائزا برضاء اللّه عز و جل، و ما أبرك أن تأتي منية الإنسان و هو على أفضل حالة من الاشتغال بالتسبيح و الاستغفار و العبادة- القلبية أو البدنية- نسأل اللّه تعالى أن يميتنا على أحسن الحالات على طهارة و نظافة و راحة تامة، و على الإيمان الكامل و اليقين التام- إنه سبحانه و تعالى أكرم مسئول و أعظم مأمول جل جلاله و لا إله غيره و اللّه أكبر.

و إليك مبحثا خاصا بالتفصيل في وفاته (صلى الله عليه و سلم).

فصل في وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)

إن في وفاة الأنبياء عليهم الصلاة و السلام لعبرة و أيّ عبرة خصوصا في وفاة نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم) و في دفنه و الصلاة عليه- فإذا كان خيار الخلق و صفوة الناس ذاقوا الموت و دفنوا تحت الثرى فهل مثلنا يبقى على وجه الأرض؟ كلا و اللّه‏ كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ* وَ يَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ‏ فكل واحد منا يعيش إلى أجل معلوم‏ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ‏

177

فسبحان من تفرد بالبقاء و سبحان من تعزز بالقدرة و سبحان من قهر العباد بالموت.

و إليك الكلام بالتفصيل عن وفاة نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم)، فنقول و باللّه التوفيق و نسأل اللّه الراحة عند الموت و العفو عند الحساب إنه بعباده لطيف خبير.

(اعلم) رحمنا اللّه و إياك أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حج حجة الوداع- بفتح الواو، في السنة العاشرة من الهجرة و خرج لها من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة، و مكث في الطريق ثمان ليال- و هي المسافة الوسطى بالجمال بين مكة و المدينة- و خرج معه (صلى الله عليه و سلم) تسعون ألفا و قيل مائة ألف و أربعة عشر ألفا و قيل أكثر- كما حكاه البيهقي- و كان وقوفه بعرفة يوم الجمعة كما ثبت و تواتر.

ثم بعد أن أدى (صلى الله عليه و سلم) مناسك الحج، و أقام بمكة عشرة أيام رجع إلى المدينة- و سميت حجة الوداع؛ لأنه (صلى الله عليه و سلم) توفي فلم يحج بعدها- و لقد كان عليه الصلاة و السلام عارفا بذلك- فإنه قال في خطبته يوم عرفة: «أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم فإني لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا ...»، إلى آخر خطبته العظيمة الشهيرة- و في صحيح البخاري عن زيد بن أرقم أن النبي (صلى الله عليه و سلم) حج بعد ما هاجر حجة واحدة لم يحج بعدها و هي حجة الوداع. ا ه.

و قد فرض الحج في أواخر السنة الخامسة و قيل فرض في السنة السادسة.

ثم استقبل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) العام الحادي عشر من الهجرة في المدينة، و في اليوم السادس و العشرين من شهر صفر جهز رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) جيشا لغزو الشام و فيهم كبار المهاجرين و الأنصار، منهم أبو بكر و عمر و أبو عبيدة و سعد رضي اللّه تعالى عنهم- و ولى على هذا الجيش أسامة بن زيد و هو يومئذ في السابعة عشرة من عمره رضي اللّه تعالى عنه- و لكن هذا الجيش لم يخرج في عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من المدينة بسبب بدء مرضه بل خرج بعد وفاته (صلى الله عليه و سلم) و بعد تولية أبي بكر رضي اللّه عنه، فإن أول عمل عمله أبو بكر بعد توليته أن سير جيش أسامة بن زيد رضي اللّه تعالى عنهما، و خرج بنفسه يشيعه ماشيا و أسامة راكب- فقال له أسامة: يا خليفة رسول اللّه لتركبن أو لأنزلن، فقال أبو بكر: و اللّه ما نزلت و لا ركبت، و ما عليّ أن أغبر قدمي ساعة في سبيل اللّه، فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له و سبعمائة درجة ترفع له و سبعمائة سيئة تمحى عنه- ثم أوصاه و أصحابه- ثم قال أبو بكر لأسامة: أرأيت أن تأذن لعمر بالمقام‏

178

عندي استأنس به و أستعين برأيه، فقال أسامة: قد فعلت. ثم سار أسامة رضي اللّه عنه لوجهه، فقاتل الروم و انتصر و هو وجيشه عليهم و رجعوا سالمين.

ابتداء مرضه (صلى الله عليه و سلم) الذي قبض فيه‏

لا يخفي أن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام هم من البشر يعرض عليهم ما يعرض على جميع الناس من الأمور العادية؛ كالأكل و الشرب و النوم و النكاح و الهم و الحزن و الفقر و المرض و الفرح و الغنى و الغضب و الرضا، و إنهم (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين) يموتون كما يموت سائر الناس بعد أن يؤدوا رسالات ربهم على الوجه الأكمل.

غير أن اللّه عز و جل ميزهم عن الخلق بحفظهم من الحالات المزرية و من العاهات المنفرة و الأمراض الخبيثة، لأنهم من عباده الأخيار الذين اصطفاهم من العالمين. و كيف لا يكونون كذلك و هم سفراء اللّه الكبير المتعال بين خلقه أرسلهم مبشرين و منذرين ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور. و انظر إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حينما اشتد به وجعه و هو في بيت عائشة فخافوا عليه أن يكون به ذات الجنب فلدوه و قد نهاهم عنه فلما أفاق قال لهم: «من صنع هذا؟ فقلن عمك العباس أمر بذلك و تخوفنا أن يكون بك ذات الجنب، فقال: إنها من الشيطان و لم يكن اللّه عز و جل ليسلطها علي و لا ليرميني بها». فمن هنا تعلم أن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام محفوظون من الأمراض الخبيثة و العلل المستعصية، فإذا كان سفراء الدول و الحكومات يمتازون بجمال الخلق و الأخلاق، و العلم و الثقافة و المكارم و النبل- فرسل اللّه تعالى يمتازون عن سائر المخلوقات بكل الأوصاف الحميدة و الأخلاق النبيلة و الخلقة التي لا تشوبها شائبة من باب أولى- و إنهم ليتقلبون في نعم اللّه و يتحصنون بحفظ اللّه، و يعتصمون بقوة اللّه و رعايته و عنايته.

فمن ألطاف اللّه عز و جل بهم أنه إذا اختارهم للقائه جعل لموتهم، عليهم الصلاة و السلام، أسبابا خفيفة و نزع عن قلوبهم رهبة الموت، فلا يبالون في أي وقت جائهم بل إنهم يحبون الموت و يختارون لقاء اللّه تعالى على هذه الحياة الدنيا الفانية الخسيسة- ففي صحيح البخاري أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: «إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يحيا أو يخير». فانظر إلى قوله (صلى الله عليه و سلم): «إن‏

179

عبدا خيره اللّه بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء و بين ما عنده، فاختار ما عنده»- إلى آخر ما جاء في صحيح البخاري في أوائل باب الهجرة. و انظر أيضا إلى قوله (عليه السلام) حينما نزلت سورة النصر: «نعيت إلي نفسي» كما تقدم.

و انظر إلى قوله عليه الصلاة و السلام لمولاه أبا مويهبة كان يزور معه أهل مقابر البقيع في ليلة قبيل موته بأيام فإنه (صلى الله عليه و سلم) قال له: «يا أبا مويهبة: إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا و الخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك و بين لقاء ربي و الجنة- قال أبو مويهبة: بأبي أنت و أمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا و الخلد فيها ثم الجنة- قال: لا و اللّه يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي و الجنة. ثم استغفر لأهل البقيع و انصرف عليه الصلاة و السلام عائدا إلى بيته، فبدأ يشعر بالوجع».

كما رواه ابن إسحاق- و أبو مويهبة من مولدي مزينة اشتراه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فأعتقه و قد شهد غزوة (المريسيع).

فمما تقدم و من بعض إشارات القرآن يعرف أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، كان عالما بقرب أجله مترقبا بشوق و رغبة، لأنه سينتقل إلى الرفيق الأعلى، خصوصا و قد رأى الجنة و منزلته فيها بعيني رأسه ليلة الإسراء و المعراج، و يرى على الدوام الملائكة الكرام و في مقدمتهم أمين الوحي روح القدس (عليه السلام).

و إذا تأملت في قوله، (صلى الله عليه و سلم) و سلم لابنته فاطمة، رضي اللّه عنها، في مرضه إذ أسر إليها: «إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل عام و إنه عارضني العام مرتين و لا أراه إلا قد حضر أجلي ... الحديث» و أنه أسر إليها أيضا أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه كما جاء في الصحيح. إذا تأملت هذا و غيره علمت أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ما كان ليخفى عليه أمر موته بل لقد أشار، عليه الصلاة و السلام، إلى اقتراب أجله و موته في حجة الوداع حين خطب الناس خطبته المشهورة فكان مما قال: «أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا ...»، و لقد كان كما قال، (صلى الله عليه و سلم).

و من هنا، اقتداء بنبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم)، نرى الصالحين من أمته لا يخافون من الموت بل يتلقونه بغاية الرضا و الاستسلام لحسن ظنهم باللّه عز و جل، و لاعتقادهم أنه تعالى سيتلقاهم بعظيم رحمته و فضله و إحسانه- و أن من يخشى الموت لا يخشاه لذاته و قد علم أنه حق مكتوب و لكنه يخشى ما بعد الموت من‏

180

الحساب و العقاب إن لم يتداركه اللّه برحمته الواسعة- و هو عز شأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم.

هذا و لم نر من بين ما بين مرضه و موته عليه الصلاة و السلام، من الأيام كما بينه و فصله العلامة الشيخ حسين الديار بكري (رحمه اللّه تعالى) في كتابه القيم (تاريخ الخميس). و نحن نذكر هنا ذلك بالتفصيل بما يفتح اللّه تعالى علينا من فضله الواسع. فنقول و باللّه التوفيق: و كما بيّنه السمهودي (رحمه اللّه تعالى) في كتابه النفيس (وفاء الوفا)، قال الحافظ ابن رجب: كان ابتداء مرضه (صلى الله عليه و سلم) في أواخر شهر صفر- و كانت مدة مرضه ثلاثة عشر يوما على المشهور.

مما لا يخفى أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قد توفي ضحى يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة- و لم يطل مرضه بل كان أياما معدودة- و جاء في صحيح البخاري في باب مرض النبي (صلى الله عليه و سلم)، و وفاته- و في صحيح مسلم في كتاب الوصية، عن ابن عباس، رضي اللّه عنهما أنه في يوم الخميس اشتد مرضه عليه الصلاة و السلام، و قد ذكرنا قريبا زيارته ليلا لأهل البقيع مع مولاه أبي مويهبة ليستغفر لهم- و أنه عليه الصلاة و السلام، عاد من زيارته هذه إلى بيته فبدأ يشعر بالوجع- و ذكرنا قريبا أيضا أنه في السادس و العشرين من صفر جهّز عليه الصلاة و السلام جيشا بقيادة أسامة بن زيد، رضي اللّه تعالى عنهما- فعليه يكون بدء مرضه (صلى الله عليه و سلم) من ليلة زيارته المذكورة للبقيع مع مولاه أبي مويهبة رضي اللّه تعالى عنه، كما هو صريح رواية ابن إسحاق- و الظاهر، و اللّه تعالى أعلم، أن هذه الليلة التي بدأ يشعر بالوجع فيها، هي ليلة الخميس، غرة شهر ربيع الأول على القول بأن مدة علته (صلى الله عليه و سلم) اثنا عشر يوما، و هذا القول هو الذي نميل إلى اختياره- و أما يوم الخميس الذي ذكره عبد اللّه بن عباس، رضي اللّه عنهما، فهو اليوم الذي اشتد فيه مرضه (صلى الله عليه و سلم) و هو يوافق الثامن من ربيع الأول- ثم في يوم الاثنين الثاني عشر منه توفي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و لحق بالرفيق الأعلى- هذا ما نراه بعد التأمل و التحقق و اللّه تعالى أعلم بالحقيقة. و كان ابتداء مرضه (صلى الله عليه و سلم) في بيت ميمونة و قيل في بيت زينب بنت جحش و قيل في بيت ريحانة- و أما وفاته (صلى الله عليه و سلم)، فكانت في بيت عائشة و في يومها و بين سحرها و نحرها كما هو ثابت في الصحيح- و لقد كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يحمل و هو مريض و يطاف به على نسائه يقسم بينهن حتى استقر في بيت ميمونة، فاجتمع‏

181

نساؤه (صلى الله عليه و سلم) به عندها، فلما رأوا ما به اجتمع رأي من في البيت على أن يلدّوه و تخوفوا أن يكون به ذات الجنب ففعلوا (و اللد: صب الدواء في أحد شقي الفم)، ثم إنه (صلى الله عليه و سلم) استأذن نساءه في أن يمرّض في بيت عائشة رضي اللّه تعالى عن الجميع فأذن له- فخرج (صلى الله عليه و سلم) عاصبا رأسه يمشي بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن العباس و الثاني علي بن أبي طالب، تخط قدماه، حتى دخل بيت عائشة رضي اللّه عنها- و عنها أيضا كما هو في الصحيح، قالت: لددناه في مرضه (صلى الله عليه و سلم)، فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني، فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق، قال: ألم أنهكم أن تلدوني؟ قلنا: كراهية المريض للدواء، فقال: لا تبقي أحد في البيت إلا لد، و أنا انظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم- رواه البخاري في باب مرض النبي (صلى الله عليه و سلم) و وفاته.

و عن عائشة، قالت: كانت تأخذ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، الخاصرة، فأخذته يوما فأغمي عليه حتى ظننا أنه قد هلك، فلددناه ثم فرج عن النبي (صلى الله عليه و سلم) و قد لدوه، فقال: من صنع هذا؟ فهبته، فاعتللن بالعباس، و اتخذ جميع من في البيت العباس سببا و لم يكن له في ذلك رأي، و تخوفنا أن يكون بك ذات الجنب، فقال: إنها من الشيطان و لم يكن اللّه عز و جل ليسلطها علي و لا ليرميني بها، و لكن هذا عمل النساء. لا يبقى أحد في البيت إلا لدّ، إلا عمي العباس فإن يميني لا تناله، فلدوا كلهم ولدّت ميمونة و كانت صائمة لقول رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى بيت عائشة، و كان يومها- بين العباس و علي و الفضل ممسك بظهره و رجلاه تخطان في الأرض- حتى دخل على عائشة رضي اللّه تعالى عنها، فلم يزل عندها لا يقدر على الخروج من بيتها إلى غيره حتى توفي (صلى الله عليه و سلم).

قالت عائشة: ما رأيت أحدا كان أشد عليه الوجع من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)- روي أنه كان لا يكاد تقر يد أحد عليه من شدة الحمى، فقال: ليس أحد أشد بلاء من الأنبياء، كما يشتد علينا البلاء كذلك يضاعف لنا الأجر.

و عن عبد اللّه بن مسعود، رضي اللّه تعالى عنه قال: دخلت على النبي (صلى الله عليه و سلم) و هو يوعك فقلت: يا رسول اللّه إنك لتوعك وعكا شديدا، قال: أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قلت: ذلك بأن لك أجرين. قال: أجل ذلك كذلك ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر اللّه به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها. كما جاء ذلك في الصحيح. و الوعك: الحمى.

182

و عن ابن عمر جاء أبو بكر إلى النبي (صلى الله عليه و سلم)، فقال: يا رسول اللّه ائذن لي فأمرضك و أكون الذي يقوم عليك، فقال (صلى الله عليه و سلم): يا أبا بكر إن لم أحمل أزواجي و بناتي و أهل بيتي علاجي ازدادت- مصيبتي عليهم عظما، و قد وقع أجرك على اللّه- و في صحيح البخاري عن عروة أن عائشة أخبرته أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات و مسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث و أمسح بيد النبي (صلى الله عليه و سلم) عنه- و في صحيح البخاري أيضا عن عائشة رضي اللّه عنها، تحدث: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، لما دخل بيتي و اشتد به وجعه قال: هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس، فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي (صلى الله عليه و سلم) ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن، قالت:

ثم خرج إلى الناس فصلى لهم و خطبهم. ا ه.

قال العلامة صاحب تاريخ الخميس: و كان النبي (صلى الله عليه و سلم) يصلي بالناس في مدة مرضه، إنما انقطع ثلاثة أيام و قيل سبع عشرة صلاة، فلما أذن بالصلاة في أول ما امتنع و هي صلاة العشاء، قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. ا ه.

ثم قال فيه أيضا و عن عائشة قالت: لما ثقل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، جاء بلال يؤذن بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، قلت: يا رسول اللّه إن أبا بكر رجل أسيف و إنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر. فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت: فقلت لحفصة قولي له. فقالت له حفصة: يا رسول اللّه أبو بكر رجل أسيف و إنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر، فقال: إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت: فأمروا أبا بكر. فلما دخل الصلاة وجد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من نفسه خفة فقام يتهادى بين رجلين و رجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب ليتأخر فأومأ إليه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن قم كما أنت فجاء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، حتى جلس عن يسار أبي بكر، و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يصلي بالناس قاعدا و أبو بكر قائما يقتدي أبو بكر بصلاة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و الناس يقتدون بصلاة أبي بكر.

ثم قال: و في سيرة ابن هشام: فلما خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تفرج الناس فعرف أبو بكر أن الناس لم يصنعوا ذلك إلا لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فنكص عن مصلاه فدفع‏

183

رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في ظهره، و قال: صل بالناس و جلس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى جنبه فصلى قاعدا عن يمين أبي بكر، فلما فرغوا من الصلاة، قال له أبو بكر: يا نبي اللّه إني أراك قد أصبحت بنعمة من اللّه و فضل كما تحب، و اليوم يوم بنت خارجة فأتيها، قال: نعم، ثم دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و خرج أبو بكر إلى أهله بالسنح. ا ه. و السنح بضم السين و سكون النون: منازل بني الحارث من الخزرج بعوالي المدينة بينه و بين منزل النبي (صلى الله عليه و سلم) ميل- و كان أبو بكر رضي اللّه عنه بالسنح- و بنت خارجة هي زوجته و اسمها حبيبة بنت خارجة بن زيد.

و في صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه حدث أن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين و أبو بكر يصلي لهم لم يفاجأهم إلا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم و هم في صفوف الصلاة ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف و ظن أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يريد أن يخرج إلى الصلاة، فقال أنس: و همّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فأشار إليهم بيده رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة و أرخى الستر. ا ه. قال النبهاني في كتابه" الأنوار المحمدية" نقل الدمياطي، أن الصديق رضي اللّه عنه صلى بالناس سبع عشرة صلاة.

جاء في صحيح البخاري عن عبد اللّه بن كعب بن مالك الأنصاري أن عبد اللّه بن عباس أخبره أن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، خرج من عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في وجعه الذي توفي فيه- فقال الناس: يا أبا حسن كيف أصبح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)؟ فقال: أصبح بحمد اللّه بارئا. فأخذ بيده العباس بن عبد المطلب فقال له: أنت و اللّه بعد ثلاثة عبد العصا، و إني و اللّه لأرى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) سوف يتوفى في وجعه هذا- إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت.

اذهب بنا إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فلنسأله فيمن هذا الأمر إن كان فينا علمنا ذلك، و إن كان في غيرنا علمناه، فأوصي بنا، فقال علي: إنا و اللّه لئن سألناها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فمنعناها لا يعطينها الناس بعده- و إني و اللّه لا أسألها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). ا ه.

و جاء فيه أيضا، أن عائشة و عبد اللّه بن عباس قالا: لما نزل برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه و هو كذلك‏

184

يقول: لعنة اللّه على اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا. ا ه.

و جاء فيه أيضا، أن عائشة قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي (صلى الله عليه و سلم) و أنا مسندته إلى صدري و مع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأبّده رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بصره فأخذت السواك فقصمته و نغضته و طيبته ثم دفعته إلى النبي (صلى الله عليه و سلم)، فاستن به فما رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، استن استنانا قط أحسن منه فما عدا أن فرغ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، رفع يده أو إصبعه، ثم قال في الرفيق الأعلى ثلاثا ثم قضى.

و كانت تقول: مات بين حاقنتي و ذاقنتي. ا ه.

و جاء فيه أيضا، أن عائشة كانت تقول: إن من نعم اللّه عليّ أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) توفي في بيتي و في يومي و بين سحري و نحري، و أن اللّه جمع بين ريقي و ريقه عند موته- دخل علي عبد الرحمن و بيده السواك و أنا مسندة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فرأيته ينظر إليه و عرفت أنه يحب السواك- فقلت: آخذه لك، فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه فقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته و بين يديه ركوة أو علبة يشك عمر فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه و يقول: لا إله إلا اللّه إن للموت سكرات، ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قبض و مالت يده. ا ه.

و جاء فيه أيضا أن عائشة قالت: كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يخير بين الدنيا و الآخرة، فسمعت النبي (صلى الله عليه و سلم) يقول في مرضه الذي مات فيه و أخذته بحة يقول: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ... الآية فظننت أنه خير. ا ه.

و قالت أيضا رضي اللّه تعالى عنها: كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و هو صحيح يقول: إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يحيا أو يخير. فلما اشتكى و حضره القبض و رأسه على فخذ عائشة غشي عليه، فلما أفاق شخص ببصره نحو سقف البيت، ثم قال: اللهم في الرفيق الأعلى. فقلت: إذا لا يجاورنا.

فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا و هو صحيح. ا ه.

و قالت أيضا رضي اللّه تعالى عنها أنها سمعت النبي (صلى الله عليه و سلم) و أصغت إليه قبل أن يموت و هو مسند إلى ظهره يقول: «اللهم اغفر لي و ارحمني و ألحقني بالرفيق الأعلى». ا ه.

185

فكانت آخر كلمة تكلم بها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) (اللهم الرفيق الأعلى)، قالت عائشة، رضي اللّه تعالى عنها: مات النبي (صلى الله عليه و سلم)، و إنه لبين حاقنتي و ذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدا بعد النبي (صلى الله عليه و سلم)، ا ه. (الحاقنة) هي النقرة بين الترقوة و حبل العاتق. (و الذاقنة) طرف الحلقوم، أي مات رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في حجر عائشة و رأسه الشريف في أعلى صدرها عند ذقنها في جانب خدها الأيمن، و في هذا الدليل الأعظم لشدة حبه (صلى الله عليه و سلم) لعائشة رضي اللّه عنها، و ليس في ذلك من غرابة فهي بنت صاحبه في الغار أبي بكر الصديق، رضي اللّه تعالى عنه، و إن جبريل أقرأها السلام مع النبي (صلى الله عليه و سلم)، كما ثبت في الصحيح. و عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، أنه قال: «يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه و اللّه ما نزل علي الوحي و أنا في لحاف امرأة منكن غيرها». رواه البخاري في صحيحه. فرضي اللّه تعالى عن عائشة و عن جميع أمهات المؤمنين و غفر لنا بفضله و رحمته.

و عن عمرو بن الحارث، رضي اللّه عنه، قال: «ما ترك رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) دينارا و لا درهما و لا عبدا و لا أمة إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها و سلاحه و أرضا جعلها لابن السبيل صدقة». انتهى كل ذلك من صحيح البخاري. و في صحيح مسلم مثل ذلك أيضا. روي «أنه استأذن على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ملك الموت و عنده جبريل، فقال جبريل: يا محمد، هذا ملك الموت يستأذن عليك، و لم يستأذن على آدمي كان قبلك، و لا يستأذن على آدمي بعدك، قال: ائذن له، فدخل ملك الموت فوقف بين يدي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه يا أحمد، إن اللّه أرسلني إليك و أمرني أن أطيعك في كل ما تأمرني به، إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها و إن أمرتني أن أتركها تركتها، قال: و تفعل يا ملك الموت؟ قال:

بذلك أمرت أن أطيعك في كل ما تأمرني، فقال جبريل: إن اللّه قد اشتاق إليك، قال: فامض يا ملك الموت لما أمرت به، قال جبريل: يا رسول اللّه هذا آخر موطئي الأرض إذ كنت حاجتي من الدنيا. فتوفي رسول اللّه، (صلى الله عليه و سلم)». ا ه. من تاريخ الخميس.

توفي عليه الصلاة و السلام في ضحي يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشر من الهجرة و هو ابن ثلاث و ستين سنة.

قال العلامة الخضري في كتابه (نور اليقين): كانت وفاته (صلى الله عليه و سلم) يوم الاثنين الثالث عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشر و هو يوافق اليوم الثامن من شهر

186

يونية سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة ميلادية- و لم نر من قال يوم الوفاة هو الثالث عشر من ربيع الأول غيره- و قد ذكر هذا التاريخ أيضا الأستاذ محمد سيد كيلاني في كتابه (عين اليقين) ناقلا عن الخضري (رحمه اللّه تعالى).

[حالة الصحابة حينما سمعوا بموت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)‏]

فلما توفي خاتم النبيين سيدنا" محمد" (صلى الله عليه و سلم) و تسامع الناس هذا الخبر دهشوا و بكوا، و طاشت عقول الصحابة، رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين. فقد جاء في صحيح البخاري عن أنس، قال: «لما ثقل النبي (صلى الله عليه و سلم)، جعل يتغشاه، فقالت فاطمة، (عليها السلام)، و اكرب أباه، فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلما مات، قالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه- يا أبتاه من جنته الفردوس مأواه- يا أبتاه إلى جبريل ننعاه. فلما دفن، قالت فاطمة، (عليها السلام): يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) التراب» ا ه. منه. و لما سمع عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه ذلك أصابه الخبل و سل سيفه، فجعل يصيح و يتوعد المنافقين حتى أزبد شدقاه، فلما خطب أبو بكر و تلا قوله تعالى: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ‏ الآية. قال عمر، كما في صحيح البخاري:

«و اللّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلي و حتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قد مات». ا ه.

و أما عثمان، رضي اللّه تعالى عنه، فقد أخرس حتى يذهب به و يجاء، و ما تكلم إلا بعد غد. و أما علي، رضي اللّه تعالى عنه، فلم يستطع حراكا. و أضني عبد اللّه بن أنيس. و اللّه تعالى أعلم بما أصاب الناس من الحزن و الذهول، و كيف لا يستولي عليهم الحزن و الذهول و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أحب إليهم من أنفسهم و أولادهم- إنه (صلى الله عليه و سلم) هو النور العظيم و السراج المنير و الخير و البركة المجسمة بين أظهرهم- فلم يكن من الصحابة، (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين) أثبت و أحزم من أبي بكر و العباس، رضي اللّه تعالى عنهما- و ذلك من فضل اللّه تعالى على الناس ليعودوا إلى صوابهم.

فأبو بكر، رضي اللّه عنه و أرضاه، لما أقبل من مسكنه بالسنح و أخبر الخبر- دخل إلى بيت عائشة و كشف عن وجه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فجثا يقبله و يبكي- فقد جاء في صحيح البخاري عن عائشة، رضي اللّه تعالى عنها، ما نصه، قالت: «

187

إن أبا بكر، رضي اللّه تعالى عنه، أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه و بكى- ثم قال:

بأبي أنت و أمي، و اللّه لا يجمع عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متّها- قال الزهري: و حدثني أبو سلمى عن عبد اللّه بن عباس أن أبا بكر خرج و عمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه و تركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، من كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، و من كان منكم يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت- قال اللّه: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ‏- إلى قوله: الشَّاكِرِينَ‏ و قال: و اللّه لكأن الناس لم يعلموا أن اللّه أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها- فأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: و اللّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، و حتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قد مات»- ا ه. من البخاري.

روي عن أبي ذؤيب الهذلي، قال: إنه بلغنا أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عليل.

فأوجس أهل الحي خيفة عليه. فبت بليلة ثابتة النجوم طويلة الأناة لا ينجاب ديجورها و لا يطلع نورها حتى إذا قرب السحر غفوت فهتف لي هاتف يقول:

خطب أجل أناخ بالإسلام، و بين النخيل و مقعد الآطام قبض النبي محمد، فعيوننا تذري الدموع عليه بالتجام. قال أبو ذؤيب: فوثبت من نومي فزعا فنظرت إلى السماء فلم أر إلا سعد الذابح، فتفاءلت به ذبحا يقع في العرب، و علمت أن النبي (صلى الله عليه و سلم)، قد مات أو هو ميت من علته، فركبت ناقتي و سرت حتى أصبحت، فطلبت شيئا أزجره فعن لي شيهم قد أرم على صل و هو يتلوى عليه و الشيهم يقضمه حتى أكله، فزجرت ذلك شيئا مهما، فقلت: تلوى الصل انفتال الناس عن الحق على القائم بعد رسول اللّه، (صلى الله عليه و سلم)- ثم أولت أكل الشيهم إياه غلبت القائم على الأمر. فحثثت ناقتي حتى إذا كنت بالعلية زجرت الطير فأخبرني بوفاته و نعب غراب سانحا بمثل ذلك، فتعوذت من شر ما عن لي في طريقي، ثم قدمت المدينة و لأهلها ضجيج كضجيج الحجيج أهلوا جميعا بالإحرام، فقلت:

ماذا جرى، قالوا: قبض رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فجئت المسجد فأصبته خاليا فأتيت رسول (صلى الله عليه و سلم) فأصبت بابه مرتجا و قد خلا به أهله، فقلت: أين الناس، فقيل: في‏

188

سقيفة بني ساعدة صاروا إلى الأنصار، فجئت السقيفة فوجدت أبا بكر و عمر، رضي اللّه عنهما، و أبا عبيدة و سالما و جماعته من قريش، و رأيت الأنصار فيهم سعد بن عبادة و معهم شعراؤهم، و أمامهم حسان بن ثابت و كعب في ملأ منهم، فأويت إلى الأنصار فتكلموا فأكثروا، و تكلم أبو بكر فلله من رجل لا يطيل الكلام و يعلم مواضع الفصل- و اللّه لتكلم بكلام لم يسمعه سامع إلا انقاد له و مال إليه، و تكلم بعده عمر، رضي اللّه عنه، بكلام دون كلامه و مد يده فبايعه و رجع أبو بكر، رضي اللّه عنه، و رجعت معه فشهدت الصلاة على النبي (صلى الله عليه و سلم) و شهدت دفنه. ثم أنشد أبو ذؤيب يبكي رسول اللّه، (صلى الله عليه و سلم):

لما رأيت الناس في علاتهم‏* * * ما بين ملحود له و مضرح‏

فهناك صرت إلى الهموم و من بيت‏* * * جار الهموم يبيت غير مروح‏

كسفت لمصرعه النجوم و بدرها* * * و تزعزعت آطام بطن الأبطح‏

و تزعزعت أجبال يثرب كلها* * * و نخيلها لحلو خطب مفدح ... الخ‏

فمعنى قوله: فعن لي شيهم قد أرم على صل: الشيهم ذكر القنفذ، و الصل:

الحية، و أرم بمعنى: عض.

[اشتغال الناس بإقامة خليفة ثم بغسل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و دفنه‏]

فلما مات رسول (صلى الله عليه و سلم) و عرف الناس ذلك و رجع إليهم صوابهم و نزلت السكينة عليهم أغلق أهله دونه الباب ليتفرغ الناس أولا من إقامة خليفة عليهم، فمكث (صلى الله عليه و سلم) في بيته بقية يوم الاثنين الذي توفي فيه، و ليلة الثلاثاء و يومه و ليلة الأربعاء-، فلما انتهى المسلمون من أمر الخليفة و جمعهم اللّه تعالى على أبي بكر الصديق و فرغوا من بيعته- و كانت البيعة أول الأمر يوم الاثنين، يوم وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في سقيفة بني ساعدة، ثم كانت البيعة العامة من الغد في المسجد يوم الثلاثاء. فلما انتصب أبو بكر، رضي اللّه تعالى عنه، خليفة على المسلمين- أقبلوا على تجهيز رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و الاشتغال بأمره ليلة الأربعاء.

فإذا نظرنا بإمعان وجدنا أن أمر إقامة الخليفة أهم من الاشتغال بتجهيز رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فإن الشيطان ينتهز فرصة الغفلة فيوقع الشقاق و الاختلاف بين المسلمين- و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في حفظ اللّه و أمانه و رعاية الملائكة الكرام لن يمسه سوء، و لقد كاد الخلاف و النزاع أن يستولي على المسلمين، و لكن اللّه تعالى تداركهم برحمته‏

189

فصرف عنهم كيد الشيطان فجمع كلمتهم على أبي بكر، رضي اللّه تعالى عنه و عنهم أجمعين.

فلما انتهت البيعة العامة يوم الثلاثاء في مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، الذي بلصق بيته- أقبلوا على تجهيزه و دفنه عليه الصلاة و السلام. فقام على غسله (صلى الله عليه و سلم) عمه العباس و ابناه الفضل و قثم و علي بن أبي طالب و أسامة بن زيد و شقران مولى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و ضرب العباس كلة من ثياب يمانية لغسله عليه الصلاة و السلام، ثم أذن لرجال بني هاشم فقعدوا بين الحيطان و الكلة، ثم دخل هؤلاء الذين ذكرناهم الكلة ليتولوا غسله (صلى الله عليه و سلم) فغسلوه حسب السنة، و هو الطاهر المطهر في ثيابه من غير أن يجردوه منها، يصبون الماء فوق القميص و يدلكونه بالقميص خشية أن تظهر عورته، و كان علي هو الذي يتولى غسله كما أوصاه عليه الصلاة و السلام بذلك، و لم ير من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مما يرى من الميت و كان علي يقول:

بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، ما أطيبك حيا و ميتا- جاء في الموطأ أنه (صلى الله عليه و سلم) لما كان عند غسله أرادوا نزع قميصه، فسمعوا صوتا يقول: لا تنزعوا القميص، فلم ينزع القميص- و غسل و هو عليه، (صلى الله عليه و سلم). ا ه. و بعد أن غسلوه و جففوه أدرجوه في أكفانه في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص و لا عمامة، و طيبوه و جمروه بالعود و الند، ثم احتملوه حتى وضعوه على سريره في بيته و سجوه. ثم صلى عليه علي و العباس و بنو هاشم ثم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم الناس، ثم النساء، ثم الغلمان، يصلون عليه أفذاذا لا يؤمهم أحد- يدخل المسلمون زمرا فيصلون عليه و يخرجون، و كان الناس يدخلون للصلاة عليه (صلى الله عليه و سلم) من باب و يخرجون من باب آخر- فلما صلي عليه نادى عمر: خلوا الجنازة و أهلها، ثم دفنوه في منتصف ليلة الأربعاء.

و قد اختلفوا في موضع دفنه أيدفونه بمكة أو بالمدينة أو بالقدس أو عند منبره أو في البقيع، فقال لهم أبو بكر، رضى اللّه عنه: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض.

نقول: و هذا كما لا يخفى كرامة عظيمة له، حتى يتميزوا عن جميع الناس لما لهم من المكانة و المنزلة السامية عند اللّه عز و جل.

190

فرفعوا فراش رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، الذي توفي عليه و حفروا له القبر تحته ثم دفنوه ليلة الأربعاء. قالت عائشة: ما علمنا بدفن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل، ليلة الأربعاء. ا ه.

و في الموطأ، أن عائشة زوجة النبي (صلى الله عليه و سلم) قالت: رأيت ثلاثة أقمار سقطن في حجرتي، فقصصت رؤياي على أبي بكر الصديق، قالت: فلما توفي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و دفن في بيتها، قال لها أبو بكر: هذا أحد أقمارك و هو خيرها. ا ه.

و كان الذين نزلوا في قبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) علي بن أبي طالب و الفضل بن عباس و قثم بن عباس و شقران مولى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و حين وضع شقران رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في قبره وضع معه قطيفته الحمراء الذي كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يلبسها و يفترشها فدفنها في القبر و قال: و اللّه لا يلبسها أحد بعدك أبدا. ففي صحيح مسلم عن ابن عباس، قال: جعل في قبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قطيفة حمراء. و قد جعلوا قبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، لحدا و نصبوا فيه اللبن- يقال بني في قبره (صلى الله عليه و سلم) تسع لبنات (و اللحد هو الشق في جانب القبر) ففي صحيح مسلم أن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه: «ألحدوا لي لحدا و انصبوا عليّ اللبان نصبا كما صنع برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)» ا ه.

و روي أن أوس بن خولى الأنصاري، و كان بدريا سأل علي بن أبي طالب أن يكون معهم في غسل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و في النزول في قبره، فأذن له بذلك- ثم هالوا التراب على لحده (صلى الله عليه و سلم) و جعلوا قبره مسطحا- ورش بلال بن رباح قبره بقربة من الماء، بدأ من قبل رأسه الشريف حتى انتهى إلى رجليه، اقتداء برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، حينما رش قبر ابنه إبراهيم و وضع عليه الحصى بعد الفراغ من دفنه.

و اعلم أن الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم، قاموا بتجهيز رسول (صلى الله عليه و سلم)، بعد أن انتهوا من أمر بيعة أبي بكر، رضي اللّه عنه، في آخر يوم الثلاثاء و انتظروا حتى يصلي بهم الخليفة صلاة المغرب و صلاة العشاء جماعة من ليلة الأربعاء، ثم يتفرغوا للتجهيز من الغسل و الصلاة و الدفن- و بالطبع إن ذلك يستغرق بضع ساعات لذلك كان دفنه (صلى الله عليه و سلم) في منتصف ليلة الأربعاء- و لم يكن حمل و لا موكب في جنازة رسول اللّه، (صلى الله عليه و سلم)؛ لأن قبره (صلى الله عليه و سلم) هو في نفس بيته و في نفس الموضع الذي مات فيه- غاية الأمر أنهم زحزحوا فراشه (صلى الله عليه و سلم) الذي قبض فوقه، ثم حفروا له قبره تحت الفراش- مع العلم بأن بيته ملاصق بمسجده (صلى الله عليه و سلم) فباب بيته مفتوح إلى‏

191

المسجد. إننا فصلنا هذه المسألة تفصيلا لتكون واضحة كالشمس لجميع المسلمين في جميع الأقطار و لم نجد من أوضحها توضيحا مثلنا و الحمد للّه رب العالمين- اللهم صل و سلم و بارك عليه.

و لما انتهوا من دفن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قالت فاطمة، رضي اللّه تعالى عنها: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول اللّه التراب؟ و قالت لعلي: يا أبا الحسن دفنتم رسول اللّه؟ قال: نعم. قالت: كيف طابت قلوبكم أن تحثوا التراب عليه، أليس كان نبي الرحمة؟ قال: نعم، و لكن لا مرد لأمر اللّه.

جاء في تنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك في كتاب الجنائز عند قول الإمام مالك (و صلى الناس عليه أفذاذا لا يؤمهم أحد) ما نصه:

قال ابن كثير: و هو أمر مجمع عليه لا خلاف فيه- قال: و اختلف في تعليله فقيل هو من باب التعبد الذي يعسر تعقل معناه- و قيل ليباشر كل واحد الصلاة عليه منه إليه. و قال السهيلي: إن اللّه أخبر أنه و ملائكته يصلون عليه و أمر كل واحد من المؤمنين أن يصلي عليه، فوجب على كل واحد أن يباشر الصلاة عليه منه إليه- و الصلاة عليه بعد موته من هذا القبيل. قال: و أيضا فإن الملائكة لنا في ذلك أئمة. ا ه. و قال الشافعي في (الأم) ذلك لعظم أمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و تنافسهم فيمن يتولى الصلاة عليه و صلوا عليه مرة بعد مرة. و روى ابن سعد عن عبد اللّه بن عمر بن علي بن أبي طالب عن علي أنه قال: لما وضع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على السرير لا يقوم عليه أحد هو إمامكم حيا و ميتا، فكان يدخل الناس رسلا رسلا، فيصلون عليه صفا صفا ليس لهم إمام و يكبرون- و علي قائم بحيال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: السلام عليك أيها النبي و رحمة اللّه و بركاته- اللهم إنا نشهد أن قد بلغ ما أنزل إليه، و نصح لأمته و جاهد في سبيل اللّه، حتى أعز اللّه دينه و تمت كلمته، اللهم فاجعلنا ممن يتبع ما أنزل إليه و ثبتنا بعده و اجمع بيننا و بينه، فيقول الناس آمين، حتى صلى عليه الرجال ثم النساء ثم الصبيان- و ظاهر هذا أن المراد بقوله:

(و صلى الناس عليه)، ذهب إليه جماعة أنه (صلى الله عليه و سلم) لم يصل عليه الصلاة المعتادة، و إنما كان الناس يأتون فيدعون و يترحمون- قال الباجي: و وجهه أنه (صلى الله عليه و سلم) أفضل من كل شهيد و الشهيد يغنيه فضله عن الصلاة عليه، فهو (صلى الله عليه و سلم) أولى. قال: و إنما فارق الشهيد في الغسل لأن الشهيد حذر من غسله إزالة الدم عنه و هو مطلوب بقاؤه‏

192

لطيبه، و لأنه عنوان بشهادته في الآخرة، و ليس على النبي (صلى الله عليه و سلم) ما يكره إزالته عنه فافترقا.

و قال ابن سعد أيضا: أنبأنا محمد بن عمر، حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي، قال: وجدت هذا في صحيفة بخط أبي فيها: لما كفن النبي (صلى الله عليه و سلم) و وضع على سريره دخل أبو بكر و عمر فقالا: السلام عليك أيها النبي و رحمة اللّه و بركاته، و معهما نفر من المهاجرين و الأنصار قدر ما يسع البيت، فسلموا كما سلم أبو بكر و عمر و هما في الصف الأول حيال رسول اللّه، (صلى الله عليه و سلم):

اللهم إنا نشهد أن قد بلغ ما أنزل إليه و نصح لأمته و جاهد في سبيل اللّه حتى أعز اللّه دينه و تمت كلماته فاؤمن به وحده لا شريك له- فاجعلنا يا إلهنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه و اجمع بيننا و بينه حتى يعرفنا و تعرفه بنا فإنه كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، لا نبغي بالإيمان بدلا- و لا نشتري به ثمنا أبدا، فيقول الناس:

آمين، آمين. ثم يخرجون و يدخل آخرون، حتى صلى عليه الرجال ثم النساء ثم الصبيان، فلما فرغوا من من الصلاة تكلموا في موضع قبره- و أخرج ابن عبد البر من حديث سالم بن عبيد أنهم قالوا لأبي بكر: هل يصلى على الأنبياء؟ قال:

يجي‏ء قوم فيكبرون و يدعون و يجي‏ء آخرون حتى يفرغ الناس، فقال ناس: يدفن عند المنبر، و قال آخرون: يدفن بالبقيع، فجاء أبو بكر الصديق فقال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه. فحفر له فيه.

ثم قال شارح الموطأ (رحمه اللّه تعالى) بعد بضعة أسطر: و أخرج عن أبي طلحة، قال: اختلفوا في الشق و اللحد للنبي (صلى الله عليه و سلم) فقال المهاجرون: شقوا كما يحفر أهل مكة، و قالت الأنصار: لحدوا كما نحفر بأرضنا، فلما اختلفوا في ذلك قالوا:

اللهم خر لنبيك، ابعثوا إلى أبي عبيدة و إلى أبي طلحة فأيهما جاء قبل الآخر فليعمل عمله، فجاء أبو طلحة، فقال: و اللّه إني لأرجو أن يكون اللّه قد خار لنبيه إنه كان يرى اللحد فيعجبه.

و أخرج ابن سعد و ابن ماجة عن ابن عباس، قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان بالمدينة رجلان- كان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة، و كان أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري هو الذي يحفر لأهل المدينة و كان يلحد- فدعا العباس رجلين فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة، و قال للآخر:

193

اذهب إلى أبي طلحة، اللهم خر لرسولك، فوجد صاحب أبي طلحة فجاء به فألحد له. انتهى ما ذكرنا من شرح الموطأ.

و الذي يظهر لنا، و اللّه تعالى أعلم، أن الذين حضروا في جنازته (صلى الله عليه و سلم) من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم لم يبلغهم قوله الشريف: (الحدوا و لا تشقوا، فإن اللحد لنا و الشق لغيرنا) رواه الإمام أحمد. فإنه لو بلغهم هذا القول لما اختلفوا هل يلحدوا له (صلى الله عليه و سلم) أم لا. فالحمد للّه الذي اختار له أفضل الأمرين و هو اللحد- ثم إن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، بعد ما مات عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه و دفن عند صاحبيه، بنت جدارا بينها و بين القبور الثلاثة- فقد روى ابن زبالة عن عائشة، ما زلت أضع خماري و أتفضل في ثيابي حتى دفن عمر، فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني و بين القبور جدارا. ا ه.

و الخمار بالكسر: غطاء الوجه. و معنى أتفضل في ثيابي أي أقتصر في لباسي. فكان بيت عائشة رضي اللّه تعالى عنها، قسمين، قسم كانت فيه القبور الشريفة، و قسم كانت فيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها، و بينهما الحائط.

حكمة دفنه (صلى الله عليه و سلم) في اللحد

اعلم أن الدفن في اللحد أفضل من الشق. و اللحد هو ما يحفر في أسفل جانب القبر- أي يحفر القبر أولا بقدر قامة و بسطة، ثم يحفر في جانب أسفل القبر طولا من جهة القبلة بقدر ما يسع الميت و يستره فيوضع الميت في هذا الجانب المحفور على جنبه الأيمن، مستقبل القبلة و يسند ظهره بشي‏ء من تراب أو لبنة، ثم يسد الجانب المحفور بلبن أو حجارة حتى لا يظهر من الميت شي‏ء، ثم يهال التراب على القبر حتى تملأ القامة و البسطة. و أما الشق فهو عبارة عن حفر القبر بقدر قامة و بسطة ثم يوضع الميت في هذا الشق على جانبه الأيمن أيضا ثم يسقف القبر.

فدفن الأموات في اللحد أفضل إن صلبت الأرض و اشتدت، أما إذا كانت رخوة غير متماسكة فالدفن في الشق أفضل من اللحد- فلو عمل اللحد في أرض رخوة و دفن الميت فيه تنهار الأرض و تسقط عليه، فأهل المدينة و بعض الجهات يدفنون في اللحد لأن أرضهم قويه متماسكة- و أهل مكة و بعض الجهات يدفنون في الشق لرخاوة أرضهم.

194

و الحكمة في دفن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في اللحد دون الشق و اللّه تعالى أعلم هي:

صون جثته و حفظ حرمته (صلى الله عليه و سلم) من أن يعلو عليه أحد حين الدفن لإهالة التراب عليه؛ لأنه عليه الصلاة و السلام، مدفون مندرج في جانب القبر- فإهالة التراب تكون في نفس حفرة القبر المشقوق، فلا يقف من يهيل التراب فوق جثته الشريفة، (صلى الله عليه و سلم). أما إذا دفن الميت في الشق بوسط القبر فإن الحفار يضطر أن يقف على سقف القبر ليهيل التراب فيكون وقوفه على جثة الميت- فاللّه عز و جل اختار لنبيه (صلى الله عليه و سلم) أشرف كيفية الدفن و خير حالاته.

إن (محمدا) (صلى الله عليه و سلم)، هو رسول اللّه و خاتم النبيين و خير الخلائق، أجمعين، فله حرمة عظيمة و مكانة كريمة و الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم، كانوا معه (صلى الله عليه و سلم) على آداب عالية جدا حتى إنهم ما كانوا يرفعون أصواتهم عنده و لا يجهرون له كجهر بعضهم لبعض، بل ما كانوا يرفعون أصواتهم عند منبره بعد مماته (صلى الله عليه و سلم) فكيف يقدر أحدهم أن يعلو قبره الشريف حين الدفن؟ إنه في حياته (صلى الله عليه و سلم) لم يعل أحد فوق بيته- و هذا أبو أيوب الأنصاري، رضي اللّه تعالى عنه، لما هاجر (صلى الله عليه و سلم) من مكة إلى المدينة و نزل في داره في الدور الأسفل ليكون أريح لزائريه- لم يرض أبو أيوب بذلك إكراما و تأدبا له و قال له: يا نبي اللّه، بأبي أنت و أمي، إني أكره و أعظم أن أكون فوقك و تكون تحتي. فاظهر أنت فكن في العلو و ننزل نحن و نكون في السفل- فقال عليه الصلاة و السلام: يا أبا أيوب، إن الأرفق بنا و بمن يغشانا أن نكون في سفل البيت، فما زال أبو أيوب الأنصاري، رضي اللّه تعالى عنه، يستعطف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و يقول له: لا أعلو سقيفة و أنت تحتها، حتى صعد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى العلو و تحول أبو أيوب في السفل.

إذا علمت ما تقدم، ظهر لك حكمة دفن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في اللحد- و اللّه سبحانه و تعالى، أعلم بسر ذلك و حكمته، فإنه جل جلاله يختار لأنبيائه و رسله في حياتهم و في مماتهم أفضل الحالات و أشرفها- إنهم من عباده المكرمين، (صلوات اللّه و سلامه عليهم و على آلهم و أصحابهم أجمعين) - سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد للّه ربّ العالمين.

جاء في الأنوار المحمدية ما نصه- ذكر الواحدي بسند وصله بعبد اللّه بن مسعود: نعى لنا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) نفسه قبل موته بشهر، فلما دنا الفراق جمعنا في بيت عائشة، فقال: حياكم اللّه بالسلام رحمكم اللّه، جبركم اللّه، رزقكم اللّه،

195

نصركم اللّه، رفعكم اللّه، آواكم اللّه، أوصيكم بتقوى اللّه، و أستخلفه عليكم و أحذركم اللّه، إني لكم منه نذير مبين، أن لا تعلوا على اللّه في بلاده و عباده فإنه قال لي و لكم: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏ و قال: أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ‏. قلنا: يا رسول اللّه، متى أجلك؟ قال: دنا الفراق و المنقلب إلى اللّه و إلى جنة المأوى- قلنا: يا رسول اللّه! من يغسلك؟ قال: رجال من أهل بيتي فالأدنى. قلنا: يا رسول اللّه فيم نكفنك؟ قال: في ثيابي هذه، و إن شئتم في ثياب بياض مصر أو حلة يمنية. قلنا: يا رسول اللّه، من يصلي عليك؟ قال: إذا أنتم غسلتموني و كفنتموني فضعوني على سريري هذا على شفير قبري، ثم اخرجوا عني ساعة، فإن أول من يصلي عليّ جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت و معه جنود من الملائكة، ثم ادخلوا عليّ فوجا فوجا، فصلوا علي و سلموا تسليما، و ليبدأ بالصلاة عليّ رجال أهل بيتي ثم نساؤهم، ثم أنتم، و اقرأوا السلام على من غاب من أصحابي و من تبعني على ديني من يومي هذا إلى يوم القيامة. قلنا: يا رسول اللّه، و من يدخلك قبرك؟ قال: أهلي مع ملائكة ربي و كذا رواه الطبراني. ا ه.

منه.

و جاء فيه أيضا: و روى ابن ماجة بسند جيد عن علي يرفعه إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) إذا أنا مت فاغسلوني بسبع قرب من بئري بئر غرس. و غسل (صلى الله عليه و سلم) ثلاثة غسلات:

الأولى بالماء القراح، و الثانية بالماء و السدر، و الثالثة بالماء و الكافور. و غسله علي و العباس و ابنه الفضل يعينانه و قثم و أسامة و شقران مولاه (صلى الله عليه و سلم) يصبون الماء و أعينهم معصوبة من وراء الستر. لحديث علي: «لا يغسلني إلا أنت، فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه». رواه البزار و البيهقي.

و أخرج البيهقي عن الشعبي، قال: «غسل علي النبي (صلى الله عليه و سلم) فكان يقول و هو يغسله (صلى الله عليه و سلم) بأبي أنت و أمي، طبت حيا و ميتا». و أخرج أبو داود و صححه الحاكم عن علي، رضي اللّه عنه، قال: «غسلته (صلى الله عليه و سلم) فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئا و كان طيبا حيا و ميتا». و في رواية ابن سعد: «و سطعت ريح طيبة لم يجدوا مثلها قط». قيل و جعل علي يده خرقة و أدخلها تحت القميص، ثم اعتصروا قميصه و حنطوا مساجده و مفاصله و وضئوا منه ذراعيه و وجهه و كفيه و قدميه، و جمروه عودا و ندا. ثم قال صاحب الأنوار المحمدية، (رحمه اللّه تعالى):

196

و قد اختلف فيمن أدخله قبره (صلى الله عليه و سلم) و أصح ما روي أنه نزل في قبره (صلى الله عليه و سلم) علي و عمه العباس و ابناه الفضل و قثم، و كان قثم آخر الناس عهدا برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ثم قال صاحب الكتاب المذكور أيضا- قال رزين: ورش قبره الشريف (صلى الله عليه و سلم) رشه بلال بن رباح بقربة بدأ من قبل رأسه. حكاه ابن عساكر- و جعل عليه من حصباء حمراء و بيضاء و رفع قبره عن الأرض قدر شبر. ثم قال صاحب الكتاب أيضا- و روى أبو داود و الحاكم من طريق القاسم بن محمد أبي بكر، قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أمه، اكشفي لي عن قبر النبي (صلى الله عليه و سلم) فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة و لا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. زاد الحاكم: فرأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مقدما و أبو بكر رأسه بين كتفي النبي (صلى الله عليه و سلم) و عمر رأسه عند رجلي النبي (صلى الله عليه و سلم).

و هذا كان في خلافة معاوية، فكأنها كانت في الأول مسطحة ثم لما بني جدار القبور في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة ا ه. من الكتاب المذكور.

و اعلم بأنه يسن بعد دفن الميت رش قبره بالماء الطاهر البارد أخذا من فعله (صلى الله عليه و سلم) فإنه لما مات بالمدينة في السنة الأولى من الهجرة عثمان بن مظعون أخو رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من الرضاع أمر بعد دفنه أن يرش قبره بالماء، و كذلك لما مات ابنه إبراهيم في السنة العاشرة أمر بعد دفنه برش قبره بالماء. و هذا بلال، رضي اللّه تعالى عنه، رش قبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعد دفنه. و اللّه تعالى أعلم بحكمة ذلك.

[بعض ما قاله الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم في رثائه (صلى الله عليه و سلم)‏]

روي أن فاطمة رضي اللّه تعالى عنها بعد أن انتهوا من دفن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أخذت تربة من تراب قبر أبيها (صلى الله عليه و سلم) فشمته ثم أنشأت تقول:

ماذا عليّ من شم تربة أحمد* * * أن لا يشم مدى الزمان غواليا

صبّت عليّ مصائب لو أنها* * * صبّت على الأيام صرن لياليا

و قالت صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و هي عمته:

ألا يا رسول اللّه إن كنت رجاءنا* * * و كنت بنا برا و لم تك جافيا

و كنت رحيما هاديا و معلما* * * ليبك عليك اليوم من كان باكيا

197

إلى أن قالت:

عليك من اللّه السلام تحية* * * و أدخلت جنات من العدن راضيا

و مما قالت في رثائه (صلى الله عليه و سلم) أيضا:

إن يوما أتى عليك ليوم‏* * * كورت شمسه و كان مضيئا

لفقد رسول اللّه إذ حان يومه‏* * * فيا عين جودي بالدموع السواجم‏

ورثته أيضا عاتكة بنت عبد المطلب و أختها أروى بنت عبد المطلب. و رثاه أيضا أبو بكر و عمر و أبو سفيان و غيرهم من الصحابة، رضي اللّه تعالى عن الجميع. و رثاه أيضا حسان بن ثابت، رضي اللّه تعالى عنه، بقصائد كثيرة نقتطف منها ما يأتي:

بطيبة رسم للرسول و معهد* * * منير و قد تعفو الرسوم و تمهد

و لا تنمحي الآيات من دار حرمة* * * بها منبر الهادي الذي كان يصعد

و أوضح آيات و باقي معالم‏* * * و ربع له فيها مصلى و مسجد

بها حجرات كان ينزل وسطها* * * من اللّه نور يستضاء و يوقد

ثم قال:

فبوركت يا قبر الرسول و بوركت‏* * * بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد

و بورك لحد منك ضمن طيبا* * * عليه مدى الدنيا صفيح منضد

تهيل عليه التراب أيد و أعين‏* * * عليه و قد غارت بذلك أسعد

و راحوا بحزن ليس فيهم نبيهم‏* * * و قد وهنت منهم ظهور و أعضد

فيبكون من تبكي السماء لموته‏* * * و من قد بكته الأرض فالناس أكمد

و هل عدلت يوما رزية هالك‏* * * رزية يوم مات فيه محمد

إلى أن قال:

و ما فقد الماضون مثل محمد* * * و لا مثله حتى القيامة يفقد

و ليس هواي نازعا عن ثنائه‏* * * لعلي به في جنة الخلد أخلد

مع المصطفى أرجو بذاك جواره‏* * * و في نيل ذاك اليوم أسعى و أجهد

و قال عامر بن الطفيل:

بكت الأرض و السماء على النو* * * ر الذي كان للعباد سراجا

من هدينا به إلى سبيل الحق‏* * * و كنا لا نعرف المنهاجا

198

رثاء عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)

جاء في مجلة الاعتصام التي تصدر بمصر، بتاريخ ربيع الثاني سنة 1371 هجرية ما يأتي:

روي أن عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، سمع بعد موت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يبكي و يقول: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، لقد كان جذع تخطب الناس عليه فلما كثر الناس اتخذت منبرا لتسمعهم، فلما حن الجذع لفراقك جعلت يدك عليه فسكن، فأمتك كانت بالحنين إليك لما فارقتهم أولى.

بأبي أنت و أمي، يا رسول اللّه! لقد بلغ من فضيلتك عند اللّه أن جعل طاعتك طاعته فقال عز و جل: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ‏.

بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه! لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أخبرك بالعفو عنك قبل أن يخبرك بالذنب، فقال تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ‏.

بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه! لقد بلغ من فضيلتك عنده أن بعثك آخر الأنبياء و ذكرك في أولهم، فقال عز و جل: وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ‏.

بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه! لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا قد أطاعوك و هم بين أطباقها يعذبون و يقولون: يا ليتنا أطعنا اللّه و أطعنا الرسولا.

بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه! لئن كان موسى بن عمران أعطاه اللّه حجرا فتفجر منه الأنهار فماذا بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء صلى اللّه عليك.

بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه! لئن كان سليمان بن داود أعطاه اللّه الريح غدوها شهر و رواحها شهر فماذا بأعجب من البراق حين سريت عليه إلى السماء السابعة ثم صليت الصبح من ليلتك بالأبطح صلى اللّه عليك.

بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه! لئن كان عيسى بن مريم أعطاه اللّه إحياء الموتى، فماذا بأعجب من الشاة المسمومة حين كلمتك و هي مشوية، فقالت لك الذراع: لا تأكلني فإني مسمومة.

199

بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه! لقد دعا نوح على قومه فقال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا. و لو دعوت علينا بمثلها لهلكنا كلنا، فقد وطئ ظهرك و أدمي وجهك و كسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا فقلت: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».

بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه! لقد اتبعك في قلة سنك و قصر عمرك ما لم يتبع نوحا في كثرة سنه و طول عمره، و لقد آمن بك الكثير و ما آمن معه إلا القليل.

بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه! لو لم تجالس إلا كفؤا لك ما جالستنا، و لو لم تنكح إلا كفؤا لك ما نكحت إلينا، و لو لم تؤاكل إلا كفؤا لك ما واكلناك.

فلقد و اللّه جالستنا و نكحت إلينا و واكلتنا و لبست الصوف و ركبت الحمار و أردفت خلفك و وضعت طعامك على الأرض و لعقت أصابعك تواضعا منك، (صلى الله عليه و سلم). انتهى من المجلة المذكورة.

حزن الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم و بكاؤهم من غير صوت و لا نواح على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين موته‏

لا يخفى أن الموت هو من أعظم مصائب الدنيا و على قدر منزلة الميت عند أهله و أصحابه يكون حزنهم على موته و فراقه- فحزن الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم، على موت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و هم الذين شاهدوا نور نبوته و نشأوا تحت تربيته- هو أعظم حزن مرّ على البشرية عامة و على الأمة الإسلامية خاصة، و كيف لا يكون كذلك و هم الذين عاصروه و عاشروه و شاهدوا نزول الوحي عليه و مشوا في ركابه.

و الحزن أنواع مختلفة فقد يكون بالصمت و قد يكون بالذهول و قد يكون بالهذيان و قد يكون بالبكاء الصامت و نزول الدموع و قد يكون بالبكاء و النياحة و لطم الخدود و شق الجيوب، و قد أصاب الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم، عندما سمعوا بموت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) جميع أنواع الحزن ما عدا النوع الأخير من النياحة و لطم الخدود و شق الجيوب، فإنه من عادة أهل الجاهلية و هو حرام بالإجماع على كل ميت فضلا عن الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة و التسليم، الذي جاءنا

200

بالنور المبين. أما البكاء و نزول الدموع فهو أمر قهري على الإنسان لا يؤاخذ به؛ لأنه من رقة القلب فإن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) دخل على ابنه إبراهيم و هو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: و أنت يا رسول اللّه. فقال: يا ابن عوف إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى، فقال: إن العين تدمع، و القلب يحزن، و لا نقول إلا ما يرضي ربنا، و إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون- كما جاء ذلك في البخاري و مسلم.

فالصحابة رضي اللّه تعالى عنهم حين سمعوا بموت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) اعترتهم حالات شديدة من الحزن العميق- لقد دهشوا و طاشت عقولهم و بكت عيونهم و قلوبهم و هم صامتون حيارى، نساء و رجالا، أينما كانوا، في منازلهم أو في أسواقهم أو في أشغالهم، و لولا عصمة الإسلام و سماحته و حسن تعاليمه لظهرت منهم أفعال عجيبة من شدة التأثر و عظيم الحزن. و لنذكر هنا ما أصاب بعضهم مما روته الأخبار على سبيل المثال لا الحصر، فنقول، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العظيم:

1- ففاطمة بنت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قالت عند موته رضي اللّه تعالى عنها: يا أبتاه أجاب ربا دعاه- يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه- يا أبتاه: إلى جبريل ننعاه- فلما دفنوه (صلى الله عليه و سلم)، أخذت تربة من تراب قبر أبيها، رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فشمته ثم أنشأت تقول:

ماذا علي من شم تربة أحمد* * * أن لا يشم مدى الزمان غواليا

صبّت عليّ مصائب لو أنها* * * صبت على الأيام صرن لياليا

ثم قالت لأنس: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) التراب؟ و قالت: رضي اللّه تعالى عنها، لعلي: يا أبا الحسن دفنتم رسول اللّه؟

قال: نعم. قالت: كيف طابت قلوبكم أن تحثوا التراب عليه، أليس كان نبي الرحمة؟ قال: نعم، و لكن لا مردّ لأمر اللّه. هكذا قالت سيدة نساء العالمين، رضي اللّه تعالى عنها في والدها الكريم عليه أفضل الصلاة و التسليم، الذي لم يأت على وجه الدنيا أفضل منه- إنها كانت تبكي صامتة تجتر حزنها، و لا تقول كلمة تغضب اللّه عز و جل- و لقد عاشت رضي اللّه تعالى عنها، بعد أبيها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ستة أشهر ما ضحكت في تلك المدة أبدا و حق لها ذلك، فأبوها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) رسول رب العالمين و خاتم النبيين (صلى الله عليه و سلم) و على آله و صحبه أجمعين: