التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج1

- محمد طاهر الكردي المزيد...
582 /
201

من مثله و إله الخلق فضّله‏* * * و الإنس و الجن ترجو شفاعته‏

فأعظم اللّه أجرها في أبيها المصطفى المختار (صلى الله عليه و سلم) و على آله و أصحابه الأخيار.

2- و عائشة زوج النبي (صلى الله عليه و سلم) الذي مات في بيتها بين سحرها و نحرها و كان عمرها وقتئذ ثمان عشرة- فقد جاء في تاريخ الخميس نقلا عن الاكتفاء، قالت رضي اللّه تعالى عنها: توفي رسول اللّه بين سحري و نحري و في دولتي لم أظلم فيه أحدا، فمن سفاهة رأيي و حداثة سني، أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قبض و هو في حجري ثم وضعت رأسه على و سادة و قمت ألتدم مع النساء، و أضرب وجهي. و لم توفي جاء التعزية يسمعون الصوت و الحس و لا يرون الشخص: السلام عليكم يا أهل البيت، و رحمة اللّه و بركاته، كل نفس ذائقة الموت و إنما توفون أجوركم يوم القيامة- إن في اللّه عزاء من كل مصيبة، و خلفا من كل هالك، و دركا من كل فائت، فباللّه فثقوا و إياه فارجو، فإنما المصاب من حرم الثواب و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته. فقال علي: أتدرون من هذا، هو الخضر (عليه السلام) (كذا في المشكاة نقلا عن دلائل النبوة) ا ه. من التاريخ المذكور.

و معنى ألتدم: أضرب صدري- و ليس ضرب عائشة، رضي اللّه تعالى عنها، صدرها و وجهه كضرب عامة الناس و إنما هو ضرب بالتخفيف مرتين أو ثلاثا عن غفلة و دهشة ثم رجعت لصوابها- كما اعتذرت عن ذلك بقولها: فمن سفاهة رأيي و حداثة سني- و هذا إن صح و ثبت عنها و اللّه تعالى أعلم بما أصاب أزواجه (صلى الله عليه و سلم) فجميعهن بيوتهن متلاصقات في بقعة صغيرة من مسجده (صلى الله عليه و سلم) يعرفن كل ما يقع و كيف صارت حالتهن و هن ألصق الناس برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

3- و أبو بكر الصديق، رضي اللّه تعالى عنه، فإنه لما جاءه الخبر، دخل على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو مسجى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه عليه الصلاة و السلام و جثا يقبله و يبكي. و قد ثبته اللّه تعالى، فكان من الراسخين، ثم خرج إلى المسجد يسكن الناس حيث كانوا يبكون، ثم خطب فيهم كما سيأتي في مسألة عمر- فلم يكن أثبت و أحزم من أبي بكر و العباس كما سيأتي عنه.

4- و عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، فإنه لما توفي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) خبل فجعل يصيح و يتوعد المنافقين- قال سالم بن عبيد اللّه الأشجعي: لما مات رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، كان أجزع الناس عمر بن الخطاب، رضي اللّه تعالى عنه- فأخذ بقائم سيفه و قال: لا أسمع أحدا يقول: مات رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلا ضربته‏

202

بسيفي هذا. و قال أنس: لما توفي النبي (صلى الله عليه و سلم)، بكى الناس، فقام عمر بن الخطاب في المسجد خطيبا فقال: لا أسمعن أحدا يقول إن محمدا قد مات، و لكنه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى بن عمران فلبث عن قومه أربعين ليلة- و اللّه لأرجو أن يقطع أيدي رجال و أرجلهم يزعمون أنه قد مات- قال عكرمة: ما زال عمر يتكلم و يوعد المنافقين حتى أزبد شدقاه- فقال العباس: إن رسول اللّه يأسن كما يأسن الناس، و إنه قد مات فادفنوا صاحبكم. و معنى يأسن كما يأسن الناس أن يحصل لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تغير من العلل و الأمراض و الموت كما يحصل لجميع الناس؛ لأنه بشر.

قال الزهري: و حدثني أبو سلمة عن عبد اللّه بن عباس أن أبا بكر خرج و عمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس. فأقبل الناس إليه و تركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، من كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، و من كان منكم يعبد اللّه فإن اللّه حى لا يموت.

قال اللّه تعالى: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ‏ إلى قوله:

الشَّاكِرِينَ‏. و قال: و اللّه لكأن الناس لم يعلموا أن اللّه أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها فأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: و اللّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت، حتى ما تقلني رجلاي و حتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها أن النبي (صلى الله عليه و سلم)، قد مات. ا ه. انتهى من صحيح البخاري.

5- و عثمان بن عفان، رضي اللّه تعالى عنه، فقد أخرس حتى يذهب به و يجاء، و ما تكلم إلا بعد الغد.

6- و علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه أقعد فلم يستطع حراكا.

7- و أضني عبد اللّه بن أنيس، رضي اللّه تعالى عنه، فمات كمدا.

8- و أما العباس، رضي اللّه تعالى عنه عم النبي (صلى الله عليه و سلم) فقد كان هو و أبو بكر أثبت الناس و أحزمهم- و قد تقدم أن العباس قال حين سمع كلام عمر و هو يتوعد المنافقين: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يأسن كما يأسن الناس و إنه قد مات فادفنوا صاحبكم- فمثل هذا الكلام لا يصدر إلا من الراسخين و قليل ما هم.

203

و انظر إلى قول العباس لعلي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنهما، كما في صحيح البخاري: إني و اللّه لأرى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) سوف يتوفى من وجعه هذا- إني لأعرف وجه بني عبد المطلب عند الموت ... الخ- و قد تقدم كلامه بالتفصيل قريبا- فانظر إلى فراسته العظيمة و صدق حدسه، رضي اللّه تعالى عنه.

9- جاء في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة- عند ترجمة أم أيمن، رضي اللّه تعالى عنها أمة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و حاضنته- عن أنس قال: لما كان بعد وفاة النبي (صلى الله عليه و سلم) قال أبو بكر لعمر: انطلق بنا نزر أم أيمن كما كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يزورها. فلما دخلا عليها بكت، فقالا: ما يبكيك فما عند اللّه خير لرسوله قالت: أبكي أن وحي السماء انقطع، فهيجتهما على البكاء فجعلت تبكي و يبكيان معها. و أخرجه مسلم و أحمد و أبو يعلي من هذا الوجه و فيه: و لكني أبكي على الوحي الذي رفع عنا. و أخرج ابن سعد بسند صحيح عن طارق بن شهاب، قال: لما قبض النبي (صلى الله عليه و سلم)، بكت أم أيمن، فقيل لها، فقالت: اليوم و هن الإسلام. و عن أنس أيضا أن أم أيمن بكت حين مات النبي (صلى الله عليه و سلم) فقيل لها، فقالت:

إني و اللّه لقد علمت أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يموت، و لكن إنما أبكي على الوحي إذ انقطع عنا من السماء. ا ه. باختصار.

10- جاء في تاريخ الخميس في ترجمة بلال بن رباح، رضي اللّه تعالى عنه مؤذن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و كان من السابقين الأولين و ممن شهد (صلى الله عليه و سلم) له بالجنة، أنه لما توفي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أذن بلال و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقبر. فكان إذا قال: أشهد أن محمدا رسول اللّه انتحب الناس في المسجد. فلما دفن (صلى الله عليه و سلم) قال أبو بكر لبلال:

أذن، قال: إن كنت إنما أعتقتني لأن أكون معك فسبيلي ذلك، و إن كنت إنما أعتقتني للّه فخلني و من أعتقني له. قال أبو بكر: ما أعتقتك إلا للّه. قال بلال:

فإني لا أؤذن لأحد بعد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: فذاك إليك. فخرج بلال إلى الشام و مات بها، رضي اللّه تعالى عنه.

مكث بلال، رضي اللّه تعالى عنه بالشام زمانا، فرأى النبي (صلى الله عليه و سلم) في المنام يقول له: يا بلال جفوتنا، و خرجت من جوارنا فاقصد إلى زيارتنا. فانتبه بلال، و قصد المدينة و ذلك بقريب من موت فاطمة، رضي اللّه تعالى عنها، فلما انتهى إلى المدينة تلقاه الناس، فأخبر بموت فاطمة، فصاح و قال: بضعة النبي ما أسرع ما لحقت بالنبي، (صلى الله عليه و سلم). ثم قال له الناس: اصعد فأذن. فقال: لا أفعل بعد ما أذنت‏

204

لمحمد (صلى الله عليه و سلم) فألحوا عليه فصعد، فاجتمع أهل المدينة رجالهم و نساؤهم و صغارهم و كبارهم، و قالوا: هذا بلال مؤذن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يريد أن يؤذن لنسمع إلى أذانه، فلما قال: اللّه أكبر اللّه أكبر صاحوا و بكوا جميعا، فلما قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه، ضجوا جميعا، فلما قال: أشهد أن محمدا رسول اللّه، لم يبق في المدينة ذو روح إلا بكى و صاح. و خرجت العذارى و الأبكار من خدورهن يبكين و صار كيوم موت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حتى فرغ الناس من أذانه، فقال: أبشركم أنه لا تمس النار عينا بكت على النبي محمد (صلى الله عليه و سلم). ثم انصرف إلى الشام و كان يرجع في كل سنة مرة، فينادي بالأذان إلى أن مات رضي اللّه تعالى عنه. ا ه. منه.

11- و جاء في صحيح البخاري في أواخر كتاب الجهاد في باب جوائز الوفد، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، أنه قال: يوم الخميس و ما يوم الخميس، ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء. فقال: اشتد برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، وجعه يوم الخميس، فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ... الحديث و جاء مثله في صحيح مسلم عنه أيضا و لفظه: قال ابن عباس: يوم الخميس و ما يوم الخميس، ثم بكى حتى بل دمعه الحصى فقلت: يا ابن عباس و ما يوم الخميس، قال: اشتد برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) وجعه فقال: ائتوني ... الحديث. جاء في رواية الدارمي عن أنس رضي اللّه تعالى عنه قال: ما رأيت يوما كان أحسن و لا أضوأ من يوم دخل فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المدينة، و ما رأيت يوما كان أقبح و لا أظلم من يوم مات فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). ا ه.

هذا و لقد بكى كبار الصحابة بل و جميعهم، رضي اللّه تعالى عنهم، في كل وقت يتذكرون فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و ما كان له معهم من شأن- إنهم لا ينسونه و لا تذهب صورته الشريفة و هيئته اللطيفة من ذاكرتهم و مخيلتهم مدة حياتهم.

روي أن عمر بن الخطاب، رضي اللّه تعالى عنه، لما تحقق موته (صلى الله عليه و سلم) قال: و هو يبكي: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، لقد كان لك جذع تخطب الناس عليه، فلما كثروا، اتخذت منبرا لتسمعهم، فحن الجذع لفراقك حتى جعلت يدك عليه فسكن، فأمتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم. ا ه.

إن الإنسان إذا تذكر من مات من أقاربه كأمه و أبيه و ابنه و أخيه، يبكي بكاء مرا و لا ينساهم أبدا، فكيف هؤلاء الصحابة الكرام الذين كانوا يفدون رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بأموالهم و أنفسهم و أولادهم، ينسون هذا النبي الكريم الذي كان بينهم‏

205

كقطعة من نور يعاشرهم و يؤانسهم و ينظر في شؤونهم الدينية و الدنيوية، و الذي أخرجهم من ظلمات الجهل و الشرك إلى نور العلم و الإيمان، و كان لهم بمنزلة الوالد يعلمهم الدين و الأخلاق و الآداب الاجتماعية.

إن هؤلاء الصحابة الكرام ليحق لهم أن يسكبوا دموعهم مدرارا عليه، فلقد كانوا يشاهدون فيه نور النبوة، و حكمة الرسالة، و عين الاستقامة، و نموذج العبادة، و العدالة، و مثال الطهر و الحياء، و الكرم، و العفاف، و الشجاعة و الرحمة، مع ما كان ينزل من بركات السماء، و نزول الوحي و الملائكة.

إن هؤلاء الصحابة الكرام (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين) لو لم يعلموا أن النياح على الميت و ضرب الخدود و شق الجيوب حرام لفعلوا كل ذلك و أشد من ذلك يوم موت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، حتى يصل ضجيجهم إلى السماء أياما عديدة، بل لقتل بعضهم أنفسهم من عظيم الأسى و شدة الحزن. إن حب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) متأصل في قلوب جميع المؤمنين، من الصحابة و التابعين و من بعدهم إلى يوم الدين، فلا يذكره أحد من المسلمين إلا بالتعظيم و بالصلاة و التسليم، و ما قرأ أحد خبر موته (صلى الله عليه و سلم) إلا حزن و بكى و رجف قلبه، و ما ذاك إلا لتغلغل حبه في شغاف قلوبهم و هذا من الإيمان الصحيح و الحمد للّه.

و هذا الناس في زمان أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك (رحمه اللّه تعالى)، لما جاء أمره بهدم حجرات أمهات المؤمنين أزواج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لتوسعة المسجد النبوي، بكوا بكاء عظيما في ذلك اليوم. قال عطاء الخراساني: حضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ يأمرنا بهدم حجرات أزواج النبي (صلى الله عليه و سلم) فما رأيت يوما كان باكيا من ذلك اليوم. ا ه.

فانظر رحمنا اللّه و إياك كيف كان حب الناس لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و لجميع آله و أزواجه و أصحابه الكرام، رضي اللّه تعالى عليهم أجمعين. إن حبه (صلى الله عليه و سلم) متغلغل في قلوب المؤمنين كتغلغل الإيمان و اليقين. إنه في الدارين هو السراج الوهاج صاحب الإسراء و المعراج، فلئن ذهب إلى الرفيق الأعلى و سعد بلقاء ربه، عز و جل، فقد تركنا على دين قويم عظيم، و على شريعة بيضاء غراء يضي‏ء نورها وجه الأرض، و يسري ضوءها إلى عنان السماء، لا يخبو هذا النور المبين إلى قيام الساعة. اللهم صل على سيدنا محمد و على آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم و على‏

206

آل سيدنا إبراهيم، و بارك على سيدنا محمد و على آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم و على آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.

ما يؤخذ من مرضه و وفاته (صلى الله عليه و سلم) من الأمور

اعلم، رحمنا اللّه تعالى و إياك، و ختم حياتنا بالإيمان الكامل و الأعمال الصالحة، و أماتنا على شهادة و طهارة و نظافة براحة تامة بدون مرض و لا تعب، و تلقانا بلطفه و رحمته الواسعة و بعفوه و غفرانه عند الحساب، و أدخلنا الجنة بسلام آمنين مع الذين أنعم اللّه عليهم مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا، آمين.

إنه يؤخذ من مرض رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و وفاته عدة أمور مهمة نذكر منها ما ظهر لنا منها:

1- أنه (صلى الله عليه و سلم) حينما بدأ به المرض كان يوعك كما يوعك رجلان منا، فالبلاء يتضاعف على الأنبياء عليهم الصلاة و السلام كما يتضاعف لهم الأجر و الثواب.

2- أنه (صلى الله عليه و سلم) عند اقتراب أجله اشتد به المرض و الوجع حتى لا تكاد تقريد أحد عليه من شدة الحمى.

3- أنه (صلى الله عليه و سلم) كان يعلم أنه يموت في مرضه هذا كما أخبر به ابنته فاطمة رضي اللّه تعالى عنها.

4- أنه (صلى الله عليه و سلم) استاك عند موته و كان بين يديه إناء فيه ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه و يقوم: لا إله إلا اللّه، إن للموت سكرات. ثم قال عند القبض: في الرفيق الأعلى.

5- لم يترك (صلى الله عليه و سلم) صلاته بالناس أبدا حتى في مرض موته، فلما اشتد به المرض و لا يقدر على المشي و الوقوف أمر عليه الصلاة و السلام أبا بكر أن يصلي بالناس ثم توفي بعد ذلك بيوم أو يومين.

6- لقد أوصى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في مرض موته بالنساء و الأرقاء و المحافظة على الصلوات، و بإخراج المشركين من جزيرة العرب، و قال: «لعنة اللّه على اليهود و النصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

207

7- قبض (صلى الله عليه و سلم) و هو خاتم النبيين مستندا على صدر عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنهما، و هي أحب زوجاته إليه. و كان عمرها ثمان عشرة سنة وقتئذ.

8- قبض رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو بتمام وعيه و كمال عقله- لم يرتبط لسانه- فإنه قال في آخر لحظته بعد أن استن بالسواك و أشخص ببصره إلى سقف البيت:

اللهم الرفيق الأعلى، ثم قبض فكان هذا آخر كلامه عند موته عليه أفضل الصلاة و السلام- فولادته و حياته و موته (صلى الله عليه و سلم) كانت على أكمل الحالات و أحسن الصفات مغايرة لعادات الناس- إنه أفضل الخلائق أجمعين.

9- قبض (صلى الله عليه و سلم) على فراشه في بيت عائشة، رضي اللّه تعالى عنها في وقت الضحى من يوم الاثنين من السنة الحادية عشرة للهجرة.

10- دفن (صلى الله عليه و سلم) في موضع فراشه في بيت عائشة رضي اللّه تعالى عنها- و بيته ملاصق لمسجده الشريف، و ألحد له في قبره، و اللحد أفضل كما تقدم بيانه.

11- مكث (صلى الله عليه و سلم) بعد موته مسجى على فراشه في بيته يوم الاثنين و يوم الثلاثاء ثم دفن في منتصف ليلة الأربعاء و ذلك لاشتغال الناس بإقامة خليفة و بيعتهم لأبي بكر الصديق، رضي اللّه تعالى عنه، و قيل دفن يوم الثلاثاء، و الأول أشهر.

12- غسلوا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو الطاهر المطهر في ثيابه من غير أن يجردوه منها، و كان علي بن أبي طالب، رضي اللّه تعالى عنه، هو الذي تولى غسله بتوصية منه (صلى الله عليه و سلم) ثم أدرجوه في أكفانه و طيبوه و جمروه بالعود و الند ثم وضعوه على سريره في بيته و سجوه.

13- صلى الناس فرادى على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لم يؤمهم أحد، صلى عليه أولا أقاربه و كبار الصحابة، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم الرجال ثم النساء، ثم الغلمان أفذاذا. و الذي نراه أن هذا الأمر لم يجمع عليه الصحابة إلا بإيعاز من النبي (صلى الله عليه و سلم). فربما أنه أمر بذلك سرا بعض كبار الصحابة؛ كأبي بكر و عمه العباس، رضي اللّه تعالى عن الجميع، فهو (صلى الله عليه و سلم) إمامهم حيا و ميتا- و في هذا تمييز له (صلى الله عليه و سلم)، عن كافة الأموات. و اللّه تعالى أعلم بحكمة ذلك.

14- كان تجهيز رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من غسله و الصلاة عليه و دفنه بعد الثلث الأول من ليلة الأربعاء الثاني عشر ربيع الأول.

208

15- كان دفنه (صلى الله عليه و سلم) بالليل ذلك تقدير العزيز العليم- و لم يحمل أحد جنازته (صلى الله عليه و سلم)؛ لأنه مات في بيته و غسل عند جدار بيته، و صلى الناس عليه فرادى في بيته، و دفن في بيته في موضع فراشه الذي مات عليه (صلى الله عليه و سلم) فلم تكن له جنازة يحملها الناس و يسيرون بها إلى المقبرة كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً إنه (صلى الله عليه و سلم) بشر لا كالبشر، فأحوال الأنبياء لا تحيط بها عقول البشر.

16- لقد وقعت بعض الأمور و الإشارات في مرض موته (صلى الله عليه و سلم) كإسراره لابنته فاطمة رضي اللّه تعالى عنها، أنه يقبض في مرضه هذا، و أنها أول أهل بيته يتبعه، فتوفيت بعده بستة أشهر. و كأمره أن يقدموا أبا بكر، رضي اللّه تعالى عنه ليصلي بالناس إشارة إلى استخلافه بعده، و قد كان ذلك، فقد بايعه الناس كافة بالخلافة- إلى غير ذلك من الأمور التي لو أردنا ذكرها لطال بنا الكلام- تدل أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) هو من جنس البشر و لكن عاداته خلاف عادات البشر. إنه ملحوظ بعناية اللّه، مشمول برعاية اللّه، معصوم بعصمة اللّه، فحركاته و سكناته، و أقواله، و أفعاله بتقدير العزيز العليم و تدبيره، فإذا تدبرت قوله عز و جل في آخر سورة الطور: وَ اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا ظهر لك المعنى بوضوح تام، فمن كان ملحوظا بعين العناية الربانية، لا تكون أحواله كأحوال عامة الناس.

روى الإمام أحمد عن عائشة، رضي اللّه تعالى عنها، قالت: كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و إني واضعة ثوبي و أقول: إنما هو زوجي و أبي- فلما دفن عمر معهما فو اللّه ما دخلته إلا و أنا مشدودة عليّ ثيابي حياء من عمر. ا ه.

فتأمل رحمك اللّه في قولها ليظهر لك معان دقيقة تخفى على كثير من المؤمنين.

و كذلك تأمل فيما جاء في صحيح مسلم في فضل فاطمة رضي اللّه تعالى عنها، الذي خلاصته: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) دعاها في مرض موته فسارّها فبكت، ثم سارّها فضحكت، فلما سألتها عائشة، رضي اللّه تعالى عنها، قالت: سارني فأخبرني بموته فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول من يتبعه من أهله فضحكت.

إذا تأملت رحمنا اللّه و إياك كل ذلك علمت أن الموت ما هو إلا انتقال من دار الفناء إلى دار البقاء. و علمت أمورا أخرى كلما تعمقت في التأمل، و لولا خوف الإطالة لبينا ذلك بالتفصيل و العاقل تكفيه الإشارة.

209

اللهم صل على سيدنا محمد و على آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم و على آل إبراهيم، و بارك على سيدنا محمد و على آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم، و على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

اللهم اختم حياتنا بالأعمال الصالحة و توفنا على الإيمان الكامل على طهارة و نظافة و راحة تامة بدون تعب و لا مشقة و ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة و عاملنا بما أنت أهله برحمتك و فضلك و إحسانك يا أرحم الراحمين (يا اللّه) آمين آمين آمين.

حكمة تأخير دفنه (صلى الله عليه و سلم)

اعلم أن الحكمة في تأخير دفنه (صلى الله عليه و سلم)، كما يظر لنا و اللّه أعلم هي، أولا:

النظر في تنصيب خليفة للمسلمين، لأنهم إذا اطمأنوا على جمع كلمتهم هان كل شي‏ء و تيسر، فلما أقاموا أبا بكر، رضي اللّه تعالى عنه خليفة أقبلوا على تجهيز رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و ثانيا: لما مات رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم الاثنين وقت الضحى العالي، أي قبيل الظهر دهش الناس لهذا الخبر و طاشت عقولهم و اجتمعوا في مسجده (صلى الله عليه و سلم) يبكون و بيته بلصق مسجده، لقد ذهل الناس و أصاب كبار الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم ما أصاب. و لم يثبت على حاله إلا أبو بكر و العباس فقط، رضي اللّه تعالى عنهما، أما عمر بن الخطاب، رضي اللّه تعالى عنه، فقد خبل فجعل يصيح و يتوعد المنافقين الذين يزعمون أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد مات حتى أزبد شدقاه- فلما قام أبو بكر يخطب في الناس و تلا قوله تعالى في سورة المائدة: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏، أفاق عمر، رضي اللّه تعالى عنه، حين سمع هذه الآية لكنه أهوى إلى الأرض ما تقله رجلاه من شدة حزنه على رسول اللّه، (صلى الله عليه و سلم).

و أما عثمان بن عفان، رضي اللّه تعالى عنه، فقد أخرس حتى أنه يذهب به و يجاء و لم يتكلم إلا بعد الغد.

و أما علي بن أبي طالب، رضي اللّه تعالى عنه، فقد أقعد فلم يستطع حراكا.

هؤلاء هم كبار الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم، أصابهم ما شل حركاتهم فكيف يتمكنون من تجهيز رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من غسله و تكفينه و الصلاة عليه و دفنه‏

210

و هم في هذه الحالة المحزنة خصوصا و لا بد من حضور بعضهم في تجهيزه (صلى الله عليه و سلم)، فعلي، رضي اللّه تعالى عنه، كان ممن قام على غسله و نزول قبره (صلى الله عليه و سلم) كما تقدم تفصيله، فلا بد إذا من التريث و الصبر حتى تنكشف هذه الغمة من الناس و تنقشع عنهم سحابة الحزن نوعا ما و تنزل عليهم السكينة و الطمأنينة و يرجع إليهم صوابهم. إن مصيبة الموت ما بعدها من مصيبة تخرس الألسنة و تشل الحركات خصوصا موت أشرف الخلق على الإطلاق السراج الوهاج صاحب الإسراء و المعراج رسول رب العالمين و خاتم النبيين محمد صلى اللّه عليه و على آله و صحبه أجمعين.

إذا علمت ما تقدم فهمت حكمة تأخير دفنه (صلى الله عليه و سلم) من ضحى يوم الاثنين إلى ليلة الأربعاء، و لا ضير في ذلك، فهو الطيب المطيب الطاهر حيا و ميتا لا يطرأ عليه تغيير و لا تبديل- اللهم صل و سلم و بارك عليه- و إذا تأملت فيما سبق علمت عذر الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم في دفنه (صلى الله عليه و سلم) بعد صلاة العشاء من ليلة الأربعاء.

مات (صلى الله عليه و سلم) بالمدينة المنورة و عمره ثلاث و ستون سنة- و ولد بمكة المكرمة و بعث بها حينما بلغ أربعين سنة- فمكث بعد البعثة بمكة ثلاث عشر سنة- ثم هاجر إلى المدينة المنورة و مكث بها عشرة سنين ثم توفي في السنة الحادية عشر من الهجرة بعد أن دخل الناس في دين اللّه أفواجا- توفي و ليس في رأسه و لحيته عشرون شعرة بيضاء كما في صحيح مسلم. (صلى الله عليه و سلم) و على آله و أزواجه و أصحابه و أتباعه و سلم تسليما كثيرا. و الحمد للّه رب العالمين.

نبذة عن أخلاق رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) العظيمة و سيرته العطرة

توفي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قد ترك لأمته المرحومة كنزين لا ينفدان و لا يخلقان و لا يهجران هما كتاب اللّه العزيز و سنته المطهرة. من استمسك بهما فقد هدي إلى صراط مستقيم.

لقد تشرفنا بذكر شي‏ء عن صفاته الكريمة و شمائله الحميدة (صلى الله عليه و سلم) عند قوله تعالى: وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏، و لا نرى بأسا في تكرار ذلك عند كل مناسبة بل يندب ذلك و يسن لما فيه من الذكرى و الاعتبار. عسى أن يوفقنا اللّه تبارك‏

211

و تعالى للاقتداء و الاتساء به (صلى الله عليه و سلم)، في أقواله و أفعاله و أحواله. فقد قال تعالى في سورة الأحزاب: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.

و لا ندري ماذا نكتب عن أنبياء اللّه تعالى و رسله عليهم الصلاة و السلام، عن سيرتهم العطرة و أخلاقهم الزكية و هم صفوة الخلق و أفضل البشر. إن الحكومات و الدول إذا أرادت تعيين سفراء و إرسالهم إلى الممالك لأجل أن يمثلوا حكوماتهم تختارهم من فضلاء الناس و أرقاهم علما و أدبا و ذكاء و نباهة و أجملهم خلقا و أحسنهم خلقا، فإذا كانت هذه العادة هي الجارية بين الملوك و السلاطين فكيف لا يكون الرسل و الأنبياء عليهم الصلاة و السلام الذين أرسلهم رب العالمين ذو العزة و الجبروت و الملك و الملكوت إلى الناس كافة من أفضل البشر و صفوة الخلق و على أخلاق عظيمة و صفات عالية و شمائل سامية حميدة.

إن جميع الأنبياء و الرسل عليهم الصلاة و السلام، هم على أكمل الأحوال و أسمى المراتب و أرفع الصفات في الخلق و الخلق و الأقوال و الأفعال، بل و في الحسب و النسب و الشرف الرفيع، ذلك لأنهم أتوا يدعون الناس إلى عبادة اللّه تعالى و ترك الأصنام و الآثام و يرشدونهم إلى الخير و البر و مكارم الأخلاق، فالناس يقتدون بهم في جميع الأحوال فلا بد أن يكونوا، عليهم الصلاة و السلام مبرئين من كل عيب سليمين من كل شائبة. هذا هو المعقول و الواقع في أنبياء اللّه تعالى و رسله الكرام، عليهم الصلاة و السلام، تؤيده الشرائع السماوية و تؤازره جميع التواريخ البشرية لا يختلف في ذلك اثنان، إنه لو كان هناك أحد أفضل منهم و أحسن و أكمل منهم و أعقل لكانوا تحت الانتقاد و الاعتراض، و حاشا أن يكون رسل اللّه تعالى، و أنبياؤه الكرام، عليهم الصلاة و السلام، محلا للانتقاد و الاعتراض، إنهم في أشرف المراتب و أعلا المقامات حسا و معنى. إن اللّه تبارك و تعالى، قد اصطفاهم من خلقه و اختارهم من عباده، فهم خيار من خيار من خيار.

هذا و ما دام هذا المبحث خاص بنبينا (محمد) خاتم الأنبياء و المرسلين (صلوات اللّه و سلامه عليه و عليهم أجمعين) فلنتبرك بذكر شي‏ء من سيرته العطرة و بنبذة من أخلاقه الكريمة الممتازة العالية حبا في سنته و رغبة في اتباعه فنقول و باللّه التوفيق:

جاء في صحيح مسلم أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: «إن اللّه اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، و اصطفى قريشا من كنانة و اصطفى من قريش بني هاشم و اصطفاني من بني هاشم».

212

و جاء فيه أيضا أنه قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة و أول من ينشق عنه القبر و أول شافع و أول مشفع» و جاء فيه أيضا: «كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أبيض مليحا مقصدا» (أي مقتصدا ليس بجسيم و لا نحيف و لا طويل و لا قصير). و جاء في الترمذي: «كان أبيض كأنما صيغ من فضة رجل الشعر». و جاء في الصحيحين: «كان أحسن الناس وجها و أحسنهم خلقا ليس بالطويل البائن و لا بالقصير». و فيهما أيضا: «كان أحسن الناس و أجود الناس و أشجع الناس».

و فيهما أيضا: «كان أشد حياء من العذراء في خدرها». و في صحيح مسلم:

«كان أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ إذا مشى تكفأ». و فيه أيضا عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، قالت: «ما خير رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، و ما انتقم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لنفسه إلا أن تنتهك حرمة اللّه عز و جل». و فيه أيضا عن أنس بن مالك، قال: «ما شممت عنبرا قط و لا مسكا و لا شيئا أطيب من ريح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و لا مسست شيئا قط، ديباجا و لا حريرا ألين مسا من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)» و فيه أيضا عن أنس بن مالك قال: «كان النبي (صلى الله عليه و سلم) يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها و ليست فيه، قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأتيت فقيل لها: هذا النبي (صلى الله عليه و سلم) نام في بيتك على فراشك، قال: فجاءت و قد عرق و استنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها ففزع النبي (صلى الله عليه و سلم) فقال لها: ما تصنعين يا أم سليم؟ فقالت: يا رسول اللّه نرجو بركته لصبياننا. قال: أصبت».

و في سنن أبي داود «كان كلامه (صلى الله عليه و سلم) فصلا يفهمه كل من سمعه».

و في صحيح مسلم عن أنس، قال: «أن رجلا سأل النبي (صلى الله عليه و سلم) غنما بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قوم أسلموا فو اللّه إن محمدا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر. فقال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا و ما عليها».

و عن أنس أيضا، رضي اللّه تعالى عنه، قال: «ما مسست ديباجا و لا حريرا ألين من كف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و لا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و لقد خدمت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عشر سنين، فما قال لي قط أف و لا قال لشي‏ء فعلته لم فعلته، و لا لشي‏ء لم أفعله إلا فعلت كذا»- رواه الشيخان.

213

و الحاصل: كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على أنبل الصفات و أكمل الحالات في جميع الحركات و السكنات. و لو أردنا تعداد شمائله الشريفة لملأنا مئات الصفحات و ما وفّينا حقه. و كتب الحديث و السير مشحونة بفضائله (صلى الله عليه و سلم)، و إذا كان اللّه تبارك و تعالى، قد أثنى عليه و على إخوانه النبيين في كتابه العزيز فما قيمة ما يمدحهم الورى به- اللهم إلا أن يعود على هؤلاء الورى الأجر و الثواب. كل على مقدار حبه و بحسب نيته- فاللّه تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد للّه رب العالمين.

ما يمتاز به نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم) عن باقي الأنبياء عليهم الصلاة و السلام‏

إن نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم)، يمتاز عن جميع الأنبياء عليهم أفضل الصلاة و السلام بكثير من الأمور، و لا غرابة في ذلك، و قد قال اللّه تبارك و تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ‏، و لو استقصينا هذه الأمور لطال بنا الكلام و لم نقدر على حصرها، غير أنا نذكر هنا نبذة صغيرة مما يناسب هذا المبحث و هي كما يأتي:

(الأول) أن الأنبياء السابقين، عليهم الصلاة و السلام، كانت أعمارهم المباركة طويلة مديدة تعد بمئات السنين حتى أن بعضهم تجاوز الألف؛ كنوح عليه الصلاة و السلام، فمن حكمة اللّه تعالى أن جعل أعمار الأمم السابقة طويلة، ثم ما زالت أعمار الخلق تنقص شيئا فشيئا حتى الآن. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين و أقلهم من يجوز ذلك». رواه الترمذي. و هذا هو الواقع فينا، و كذلك كانت أجساد الأمم الماضية طويلة عريضة ضخمة. قال رسول اللّه، (صلى الله عليه و سلم): «خلق اللّه عز و جل آدم على صورته طوله ستون ذراع، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر و هم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك و تحية ذريتك. قال: فذهب، فقال: السلام عليكم. فقالوا:

السلام عليك و رحمة اللّه. قال: فزادوه و رحمة اللّه. قال: فكل من يدخل الجنة

214

على صورة آدم و طوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن». رواه البخاري و مسلم و اللفظ له.

فمن الحديثين الشريفين يعلم أن الأمم السابقة و أهل القرون الأولى كانوا ضخام الأجسام طوال الأعمار، فأنبياؤهم، عليهم الصلاة و السلام، مع طول أعمارهم و دعوتهم المستمرة لم يؤمن بهم من قومهم إلا القليل حتى أن بعضهم لم يؤمن به من قومه إلا رجل واحد. ففي الحديث: «ما صدق نبي ما صدقت، إن من الأنبياء من لم يصدقه من أمته إلا رجل واحد».

أما نبينا (محمد) (صلى الله عليه و سلم) فإنه مع قصر عمره الشريف الذي كان ثلاثا و ستين سنة قد آمن به قومه كلهم إلا من كتب عليه الشقاء و هم قليلون- و لقد دخل الناس أخيرا في دين اللّه أفواجا عن حب و رغبة و اعتقاد صادق، و ما زال المسلمون يتزايدون في كل زمان و مكان حتى قيام الساعة، و لم نقف على عدد من آمن به (صلى الله عليه و سلم) منذ بعثته إلى حين وفاته، و لكنه حينما حج عليه الصلاة و السلام حجة الوداع خرج معه مائة ألف و أربعة عشر ألفا و قيل أكثر من ذلك.

و اللّه تعالى أعلم بعدد من تخلف عنه (صلى الله عليه و سلم) من المسلمين رجالا و نساء في حجة الوداع التي أعقبها وفاته، عليه الصلاة و السلام، و لا يتخلف أحد عن هذه الحجة إلا من عذر قوي قهري.

(الثانية) أن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، إذا ماتوا و مات أصحابهم الذين آمنوا بهم انقطعت شريعتهم و هجرت ملتهم و رجع الناس إلى عبادة الأوثان، أما نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم)، و هو خاتم الأنبياء، فإنه لما مات لم تنقطع ملته و شريعته بل قام الناس باتباع معالم دينه على أكمل وجه- فإن أبا بكر، رضي اللّه تعالى عنه، قام يومئذ على المنبر و خطب في الناس فكان من جملة ما قال: أيها أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد اللّه فان اللّه حي لا يموت. ثم قام الصحابة، رضي اللّه تعالى عنهم، بالدعوة إلى اللّه تعالى و جهاد الكفار في جميع الممالك و الأمصار، حتى انتشر الدين الإسلامي الحنيف في ربوع الأرض و رسخت راياته في الخافقين، و لا يزال هذا الدين القويم ثابتا قائما إلى قيام الساعة، و لا تزال طائفة من الأمة المحمدية ظاهرين على الحق قوامين على أمر اللّه و لا يضرها من خالفها حتى تقوم الساعة.

215

(الثالثة) لم تبق للأنبياء عليهم الصلاة و السلام كتبهم و صحفهم التي أنزلها اللّه تعالى عليهم بعد موتهم و إن بقي منها شي‏ء و هو التوراة و الإنجيل، فإن اليهود و النصارى حرفوهما و بدلوا فيهما بحسب أهوائهم كما صرح بذلك القرآن الكريم. أما كتاب نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم) الذي أنزله اللّه تعالى عليه و هو القرآن العظيم فإنه باق على صحته و سلامته كما أنزل إلى اليوم بل و إلى قيام الساعة. و إنه لم يحصل عليه شي‏ء من التغيير و التحريف لا في حرف و لا في كلمة و لا في تقديم و لا في تأخير، فلقد تكفل اللّه عز و جل بحفظه كما أخبرنا به في أوائل سورة (الحجر) بقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏ فما أعظمها من آية بينة و ما أعظمها من تشريف و حكمة.

(الرابعة) أن جميع الأنبياء، عليهم الصلاة و السلام، لم تحفظ أقوالهم و سننهم و لم تدون أحوالهم و تواريخهم- اللهم إلا النزر القليل الذي لا يغني الباحث المحب و لا ينفع غلة الغليل- و غالب ما جاء فيهم إنما هو من أخبار خاتم النبيين عليه و عليهم الصلاة و السلام أجمعين- أما أقوال نبينا الكريم" محمد" (صلى الله عليه و سلم)، و أحواله و أفعاله و سننه و عبادته و صفاته و شمائله و أخلاقه و مكارمه و حروبه و غزواته و فتوحاته و تاريخ حياته الشريفة، بل و حياة أصحابه الكرام، فإن كل ذلك ثابت و مدون بالتفصيل التام و التحقيق الدقيق في كتب الحديث و التفسير و المناقب و السير بالأسانيد الصحيحة، عن الثقات العدول الذين لا يتطرق إليهم الشك و لا تحوم حولهم الريب. و ما أعظم كتب الأحاديث الصحاح الحاوية لأقوال و أحوال خاتم رسل اللّه، (صلوات اللّه و سلامه عليه و عليهم أجمعين).

و ما أكثر كتب السير المعتمدة الخاصة بتاريخ حياة نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم)، نثرا و نظما و بتاريخ الصحابة و التابعين و غيرهم.

لم يوضع شي‏ء من مثل ذلك عن الأنبياء الكرام، عليهم الصلاة و السلام، فإنه بموتهم و موت أصحابهم و حواريهم اندرست سيرهم العطرة و تاريخ حياتهم الشريفة- ما عدا بعض الأمور الحقيقية الصادقة التي أخبر اللّه عز و جل بها في كتابه العزيز أو أخبر بها نبينا الكريم (صلى الله عليه و سلم)، نعم قد توجد نبذ قصيرة و شذرات صغيرة و نتف قليلة عند اليهود و النصارى عن النبيين العظيمين موسى و عيسى عليهما الصلاة و السلام، لكن لا يعول عليها لاحتمالها الصدق و الكذب، فإذا كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه في الكتب السماوية، فهم لغيرها أكثر جرأة

216

بالتحريف، و أيضا إنهم لا يعنون بصحة الأخبار عن بعضهم كما يعتني المسلمون بنقل الأحاديث و الأخبار النبوية بصحة الإسناد و قوة النقل عن الثقات العدول.

(الخامسة) أن نبينا محمدا (صلى الله عليه و سلم) كان يخبر بتعليم اللّه تعالى له بكثير من المغيبات عن بعض الأمور التي تقع في زمانه و في غير زمانه و تقع لبعض أصحابه بل و التي ستقع في أزمان مختلفة حتى قيام الساعة من علاماتها و غيرها. فكانت تلك الأمور تقع كما أخبر به (صلى الله عليه و سلم) تماما. كما هو مذكور في كتب الحديث و معلوم في كتب التواريخ. و كما نحن نشاهد من ظهور بعض علامات الساعة في زماننا الشي‏ء الكثير، و قد مضى على مبعثه (صلى الله عليه و سلم) أكثر من ألف و أربعمائة عام، فلو أردنا حصر ذلك لطال بنا الكلام، و لا شك أن ذلك من جملة معجزاته (صلى الله عليه و سلم) الكثيرة التي لا تعد و لا تحصى. قال بعض العلماء:

فكم من المغيبات ذكرا* * * فبعضها مضى و بعض سيرى‏

و معجزات المصطفى ليست تعد* * * و في الشفا منها كثير قد ورد

أما الأنبياء السابقون عليهم الصلاة و السلام، فلم ينقل عنهم أنهم أخبروا بجملة من الأمور تقع في مستقبل الأزمان. نعم لا يسلم أنهم أخبروا ببعض أشياء تقع في زمانهم و على بعض أقوامهم فيقع كما أخبروا؛ لأنهم أنبياء أصحاب معجزات و لكن ذلك نادر و قليل.

و لقد أخبر اللّه تعالى عن بعضهم في كتابه العزيز بما وقع لهم من المعجزات و الإخبار بالمغيبات؛ كخليله إبراهيم عليه الصلاة و السلام، فله أمور عجيبة مع قومه مذكورة في بعض السور. و كليمه موسى عليه الصلاة و السلام، و هذا له شأن عظيم مع بني إسرائيل كما جاء ذكره في كثير من السور، و نبيه يعقوب و ولده يوسف كما هو مذكور في سورته، و نبيه عيسى بن مريم الذي كان يخبر قومه بما يأكلون و يدخرون في بيوتهم، كما جاء ذلك في آية (49) من سورة آل عمران.

و لكن كل ما جاء عن الأنبياء، أنبياء اللّه سبحانه و تعالى من المعجزات و الإخبار بالمغيبات و هو قليل جدا بالنسبة لنبينا محمد (صلى الله عليه و سلم) و على جميع الأنبياء و المرسلين و آل كل واحد منهم و أصحابه أجمعين- فمعجزات نبينا الكريم ما زالت مستمرة إلى اليوم و إلى قيام الساعة، و كلها ظاهرة محسومة مشاهدة كالشمس لا تحتاج إلى برهان.

217

هذه نبذة صغيرة عن مميزات نبينا الحبيب محمد (صلى الله عليه و سلم)، المناسبة للمبحث المذكور. و لو أردنا حصر مميزاته و فضائله لقضينا الحياة و ما قضينا معشار حقه (صلى الله عليه و سلم) إنه (صلى الله عليه و سلم) رسول مكمل و نبي مفضل- مكمل بالذات في خلق و في خلق و في صفات فلا تحصى فضائله- هذا و قد ذكرنا شيئا من ذلك في مواضع شتى من تفسيرنا هذا، و في بطون الكتب و الأسفار الشي‏ء الكثير. و رحم اللّه من يقول:

أرى كل مدح في النبي مقصرا* * * و إن بالغ المثني عليه و أكثرا

إذا اللّه أثنى بالذي هو أهله‏* * * عليه فما مقدار ما يمدح الورى‏

نعم، ماذا نقول فيمن اختاره اللّه عز و جل و اصطفاه و قال له في آخر سورة الطور: وَ اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا، ماذا نقول فيمن نطقه و أحواله و حركاته و سكناته عن اللّه و باللّه و من اللّه. ماذا نقول فيمن شقت الملائكة صدره و غسلته و ملأته إيمانا و حكمة و علما و نورا. ماذا نقول فيمن أراه اللّه ملكوت السموات و الأرض و عرج به إلى السموات العلى. ماذا نقول فيمن تنام عيناه و لا ينام قلبه فلا سبيل للشيطان عليه، ماذا نقول فيمن رب العز و الجلال يعصمه و يحفظه و الملائكة تحرسه و جبريل يؤنسه- اللهم صل و سلم على هذا النبي الكريم و على آله و صحبه أجمعين صلاة و سلاما دائمين إلى يوم الدين.

هذا، و لئن ذكرنا نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم)، بالمناسبة فإننا لا ننسى فضائل جميع الأنبياء، أنبياء اللّه تعالى و مناقب كافة الرسل الكرام عليهم الصلاة و السلام- فإن لكل واحد منهم فضائل لا تعد و مزايا لا تحد.

فإنهم خيار الخلق و صفوتهم فمن منا يحيط بفضلهم، و شأنهم بعيد مرتفع.

و كفاهم سعادة و فوزا و شرفا و فخرا كونهم رسل اللّه ينزل الوحي عليهم من السماء- فنحن إذا ذكرنا فضل أحد منهم فإننا نوفي حقه بقدر معرفتنا من غير أن يؤدي ذلك إلى غمط حق أحدهم و لا بكلمة. إننا مأمورون بالإيمان بهم و بما أنزل عليهم و باحترامهم و تعظيمهم و الصلاة و السلام عليهم، (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)، سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد للّه رب العالمين- اللهم اغفر لنا و ارحمنا و عافنا و ارزقنا و أدخلنا الجنة بسلام آمنين مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا. آمين آمين آمين و الحمد للّه رب العالمين.

218

هذا و لقد قلنا في زيارتنا لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ليلة الثاني و العشرين من شهر رجب سنة (1382 ه) ألف و ثلاثمائة و اثنتين و ثمانين هجرية هذه الأبيات للعظة و الاعتبار:

هنا منبع الهدى هنا منزل التقى‏* * * هنا خير خلق اللّه يثوي و يرقد

رسول إله العالمين (محمد)* * * شفيع الملا يوم القيامة أحمد

قفوا أمة الإسلام في خير بقعة* * * أمام رسول اللّه و النور فاشهدوا

قفوا وقفة الإجلال يا خير أمة* * * أمام شفيع المذنبين لتسعدوا

و صلوا عليه كل حين و سلموا* * * كما أمر اللّه العزيز الممجد

و ولوا إلى شطر الشريعة وجهكم‏* * * و قووا صفوف المسلمين و وحدوا

و توبوا بصدق و ارجعوا بعزيمة* * * و قوموا بنصر اللّه حقا و سددوا

عسى ربنا أن ينزل النصر فيكم‏* * * و أن يخذل الكفار ما دام ألحدوا

عسى ربنا أن يبدل الحال حالة* * * بأحسن منها إنه هو منجد

حبذا لو كتبت هذه الأبيات في لوحة كبيرة و تعلق بالمسجد النبوي للعظة و الاعتبار، و حبذا لو كتبت الأبيات الثلاثة الأول مع البيت الخامس في لوحة أيضا بحروف معدنية بارزة كبيرة بخط جميل و تعلق في مواجهة قبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

نسأل اللّه تعالى أن يوفقنا لاتباع سنته الغراء و شريعته البيضاء و يسعدنا في الدارين، و يدخلنا الجنة بسلام آمنين مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين.

آمين يا رب العالمين.

معجزاته (صلى الله عليه و سلم)

أما معجزاته عليه الصلاة و السلام، فحصرها ليس في الإمكان، و الذي عددها فإنما هذا التعداد كان بحسب المعجزات الظاهرات كالشمس للخواص و العوام، و لكن هنالك معجزات لا تظهر إلا لأولي الألباب الذين يدققون في الأمور و يحققون المسائل، من أقواله و أفعاله و إشاراته (صلى الله عليه و سلم) و من هنا نقول إنها كثيرة و كثيرة جدا، فمنها ما وقع و منها ما سيقع، و إلى هذا أشار الناظم بقوله:

فكم من المغيبات ذكرا* * * فبعضها مضى و بعض سيرد

و معجزات المصطفى ليست تعد* * * و في الشفا منها كثير قد ورد

219

و إن من أعظم معجزاته (صلى الله عليه و سلم)، القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. هذا القرآن العظيم الذي عجز الإنس و الجن عن الإتيان بأصغر سورة من مثله، كما قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً.

و هل يمكن للمخلوق الضعيف أن يأتي بما يأتي به الخالق جل و علا- كلا و اللّه- و الحمد للّه إن المستشرقين اليوم يقرون بأن القرآن الكريم كلام اللّه تعالى ليس في ذلك شك، كما بينا أقوالهم في كتابنا" تاريخ القرآن و غرائب رسمه و حكمه" المطبوع بمطبعة مصطفى البابي الحلبي و أولاده بمصر القاهرة.

و لقد تكلم كثير من فطاحل العلماء عن معنى إعجاز القرآن، ذكرنا بعض ذلك في كتابنا المذكور، فمن أراد الاطلاع في كل ما يتعلق بالقرآن العظيم فليرجع إلى كتابنا المذكور، كما أن من أراد زيادة البحث عن معجزاته (صلى الله عليه و سلم)، فليرجع إلى كتب التاريخ و السير.

نبذة من أخلاقه (صلى الله عليه و سلم)

هنا ننقل ما ذكرناه سابقا في كتابنا" تحفة العباد في حقوق الزوجين و الوالدين و الأولاد" و هذا نص ما ذكرناه:

(كان) (صلى الله عليه و سلم)، ما ضرب بيده أحدا قط، إلا أن يضرب بها في سبيل اللّه تعالى، و ما انتقم من شي‏ء صنع إليه قط إلا أن تنتهك حرمة اللّه، و ما خير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون فيه إثم أو قطيعة رحم فيكون أبعد الناس من ذلك، و ما كان يأتيه أحد حر أو عبد أو أمة إلا قام معه في حاجته.

و قال أنس رضي اللّه عنه: (و الذي بعثه بالحق ما قال لي في شي‏ء قط كرهه لم فعلته، و لا لامني نساؤه إلا قال: دعوه إنما كان هذا بكتاب و قدر).

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، يبدأ من لقي بالسلام، و من قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، إذا لقي أحدا من أصحابه بدأه بالمصافحة.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، لا يقوم و لا يجلس إلا على ذكر اللّه.

220

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، إذا قام من مجلسه قال: سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك و أتوب إليك.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، لا يجلس إليه أحد و هو يصلي إلا خفف صلاته و أقبل عليه فقال: ألك حاجة، و لم يكن يعرف مجلس من مجلس أصحابه، لأنه كان حيث انتهى به المجلس جلس.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، يكرم من دخل عليه، حتى ربما بسط له ثوبه يجلس عليه.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، يؤثر الداخل عليه بالوسادة التي تحته.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، يعطي كل من جلس إليه نصيبه من وجهه حتى كان مجلسه و سمعه و حديثه و لطيف مجلسه و توجهه للجالس إليه، و لم تكن ترفع في مجلسه الأصوات.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، أرحم الناس بالصبيان و العيال.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، أرأف الناس بالناس، و خير الناس للناس، و انفع الناس للناس.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، أصبر الناس على أقذر الناس.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، إذا بلغه عن الرجل الشي‏ء لم يقل: ما بال فلان يقول كذا، و لكن يقول ما بال أقوام يقولون كذا و كذا.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، لا يضحك إلا تبسما.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، و لكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، و يقول: السلام عليكم- السلام عليكم.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه، فإن كان غائبا دعا له، و إن كان شاهدا زاره و إن كان مريضا عاده.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، إذا أتى مريضا أو أتي به قال: أذهب الباس رب الناس، اشف و أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، إذا لقيه أحد من أصحابه فقام معه قام معه، فلم ينصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف عنه، و إذا لقيه أحد من أصحابه، فتناول يده ناوله إياها فلم ينزع يده منه حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده منه، و إذا لقي أحدا

221

من أصحابه فتناول إذنه ناوله إياها ثم لم ينزعها عنه، حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها عنه. قوله: فتناول إذنه أي: قرب منه ليكلمه سرا لم ينزعها (صلى الله عليه و سلم) حتى يفرغ الرجل من حديثه.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، لا يدفع عنه الناس و لا يضربون عنه.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، لا يطرق أهله ليلا.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، لا ينزل منزلا إلا ودعه بركعتين.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، لا يواجه أحدا في وجهه بشي‏ء يكرهه.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، يأتي ضعفاء المسلمين و يزورهم، و يعود مرضاهم، و يشهد جنائزهم.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، يخيط ثوبه، و يخصف نعله، و يعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه، و خفض بها صوته.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، يركب الحمار، و يخصف النعل، و يرقع القميص، و يلبس الصوف و يقول: من رغب عن سنتي فليس مني.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، يقبل الهدية و يثيب عليها.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، أكثر لباسه البياض، و كانت ثيابه كلها مشمرة فوق الكعبين.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، أحلم الناس و أرغبهم في العفو مع القدرة.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، يقول: لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم و أنا سليم الصدر.

(و كان) (صلى الله عليه و سلم)، أجود الناس و أسخاهم، فقد حمل إليه تسعون ألف درهم فوضعها على حصير، ثم مال إليها فقسمها، فما رد سائلا حتى فرغ منها.

و جاءه رجل فسأله فقال: ما عندي شي‏ء و لكن ابتع علي فإذا جاءنا شي‏ء قضيناه، فقال عمر: يا رسول اللّه ما كلفك اللّه ما لا تقدر عليه، فكره النبي (صلى الله عليه و سلم) ذلك، فقال الرجل: أنفق و لا تخش من ذي العرش إقلالا، فتبسم النبي (صلى الله عليه و سلم) و عرض السرور في وجهه. و لما قفل من حنين جاءت الأعراب يسألونه حتى‏

222

اضطروه إلى شجرة فخطف رداءه. فوقف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و قال: أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العضاة نعما لقسمتها بينكم ثم لا تجدوني بخيلا و لا كذابا و لا جبانا.

و في صحيح مسلم، عن سفيان ابن عيينة، عن ابن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد اللّه قال: «ما سئل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) شيئا قط فقال لا».

و في صحيحه أيضا عن موسى بن أنس، عن أبيه قال: «ما سئل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على الإسلام شيئا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة».

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: «كان رسول (صلى الله عليه و سلم) أجود الناس بالخير و كان أجود ما يكون في شهر رمضان، إن جبريل (عليه السلام) كان يلقاه في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ فيعرض عليه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) القرآن، فإذا لقيه جبريل (عليه السلام) كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أجود بالخير من الريح المرسلة».

و كان علي (كرم اللّه وجهه) إذا وصف النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: كان أجود الناس كفا، و أوسع الناس صدرا، و أصدق الناس لهجة، و أوفاهم ذمة، و ألينهم عريكة، و أكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، و من خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله و لا بعده مثله.

انتهى من كتاب" تحفة العباد في حقوق الزوجين و الوالدين و الأولاد".

ذكر شي‏ء مما اختص به رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)

الحقيقية أن ما اختص اللّه به عبده و نبيه شفيعنا" محمدا" (صلى الله عليه و سلم) شي‏ء كثير قد لا يمكن عده و حصره، و لنذكر هنا نبذة من ذلك نقلا عن الجزء الأول من تاريخ الخميس، هذا التاريخ العظيم الذي جمع فأوعى- فقد جاء فيه ما يأتي:

قد جمع بعض خصائصه عليه الصلاة و السلام الشيخ جلال الدين السيوطي (رحمه اللّه تعالى) في رسالة سماها" أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب" و قال: و هي منحصرة في قسمين:

(القسم الأول) في الخصائص التي اختص بها عن جميع الأنبياء و لم يؤتها نبي قبله- و هي أربعة أنواع:

223

1- النوع الأول: ما اختص به في ذاته في الدنيا.

2- النوع الثاني: ما اختص به في شرعه و أمته في الدنيا.

3- النوع الثالث: ما اختص به في ذاته في الآخرة.

4- النوع الرابع: ما اختص به في أمته في الآخرة.

(و القسم الثاني) في الخصائص التي اختص بها عن أمته، منها ما علم مشاركة الأنبياء له فيها، و منها ما لم يعلم- و هو أربعة أنواع:

1- النوع الأول: ما اختص به من الواجبات و الحكمة في زيادة الزلفى و الدرجات.

2- النوع الثاني: ما اختص به من المحرمات.

3- النوع الثالث: ما اختص به من المباحات.

4- النوع الرابع: ما اختص به من الكرامات و الفضائل.

ثم بين صاحب تاريخ الخميس (رحمه اللّه تعالى) كل نوع من الأنواع المتقدمة مما يدخل في القسمين المذكورين- كما ذكر معجزاته (صلى الله عليه و سلم) بعد كل هذه الأنواع.

و لقد أحببنا نقل جميع أنواع القسمين المذكورين في تاريخ الخميس، و لكن رأينا أنه يطول بنا المقام، لذلك رأينا أن نقتصر على النوع الأول من القسم الأول فقط، تبركا بذكر أحواله (صلى الله عليه و سلم)، فقد جاء فيه ما نصه النوع الأول ما اختص به في ذاته في الدنيا:

اختص (صلى الله عليه و سلم) بأنه أول النبيين خلقا، و بتقدم نبوته، فكان نبيا و آدم منجدل في طينته، و تقدم أخذ الميثاق عليه، و أنه أول من قال بلى يوم ألست بربكم، و خلق آدم و جميع المخلوقات لأجله، و كتابة اسمه الشريف على العرش و كل سماء و الجنان و ما فيها و سائر ما في الملكوت، و ذكر الملائكة له في كل ساعة و ذكر اسمه في الأذان في عهد آدم و في الملكوت الأعلى، و أخذ الميثاق على النبيين آدم فمن بعده أن يؤمنوا به و ينصروه، و التبشير به في الكتب السابقة و نعته فيها و نعت أصحابه و خلفائه و أمته، و حجب إبليس من السموات لمولده، و شق صدره في أحد القولين و هو الأصح، و جعل خاتم النبوة بظهره بإزاء قلبه حيث يدخل الشيطان، و سائر الأنبياء كان الخاتم في يمينهم، و بأن له ألف اسم، و باشتقاق اسمه من اسم اللّه، و بأنه سمي من أسماء اللّه بنحو سبعين اسما، و بأنه سمي أحمد و لم يسم به أحد قبله،

224

و قد عدت هذه من الخصائص في حديث مسلم، و بإظلال الملائكة في سفره، و بأنه أرجح الناس عقلا، و بأنه أوتي كل الحسن و لم يؤت يوسف إلا الشطر، و بغطه ثلاثا عند ابتداء الوحي، و برؤيته جبريل في صورته التي خلق عليها، عد هذه البيهقي، و بانقطاع الكهانة لمبعثه، و حراسة السماء من استراق السمع و الرمي بالشهب، عد هذه ابن سبع، و بإحياء أبويه له حتى آمنا به، و قد مر في ذكر نسبه، و بوعده بالعصمة من الناس، و بالإسراء و ما تضمنه من اختراق السموات السبع و العلو إلى قاب قوسين، و بوطئه مكانا ما وطئه نبي مرسل و لا ملك مقرب، و إحياء الأنبياء له و صلاته إماما بهم و بالملائكة، و باطلاعه على الجنة و النار، عد هذه البيهقي، و رؤيته من آيات ربه الكبرى، و حفظه حتى ما زاغ البصر و ما طغى، و رؤيته للباري تعالى مرتين، و قتال الملائكة معه، و سيرهم معه حيث سار يمشون خلف ظهره، و بإيتائه الكتاب و هو أمي لا يقرأ و لا يكتب، و بأن كتابه معجز و محفوظ من التبديل و التحريف على ممر الدهور، و مشتمل على ما اشتمل عليه جميع الكتب و زيادة، و جامع لكل شي‏ء و مستغن عن غيره، و ميسر للحفظ، و نزل منجما، و على سبعة أحرف من سبعة أحرف من سبعة أبواب و بكل لغة، عد هذه ابن النقيب، و أعطي من كنز العرش و لم يعط منه أحد، و خص بالبسملة و الفاتحة و آية الكرسي و خواتيم سورة البقرة و السبع الطوال و المفصل، و بأن معجزته مستمرة إلى يوم القيامة و هو القرآن، و معجزات سائر الأنبياء انقرضت لوقتها، و بأنه أكثر الأنبياء معجزات، فقد قيل إنها تبلغ ألفا و قيل ثلاثة آلاف سوى القرآن فإن فيه ستين ألف معجزة تقريبا.

قال الحليمي: و فيها مع كثرتها معنى آخر، و هو أنه ليس في شي‏ء من معجزات غيره ما ينحو نحو اختراع الأجسام، و إنما ذلك في معجزات نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم) خاصة، و بأنه جمع له كل ما أوتيه الأنبياء من معجزات و فضائل، و لم يجمع ذلك لغيره بل اختص كل بنوع، و أوتي انشقاق القمر، و تسليم الحجر، و حنين الجذع، و نبع الماء من بين الأصابع، و لم يثبت لواحد من الأنبياء مثل ذلك، ذكره ابن عبد السلام، و بأنه خاتم النبيين و آخرهم بعثا فلا نبي بعده، و شرعه مؤيد إلى يوم القيامة لا ينسخ و ناسخ لجميع الشرائع قبله، و لو أدركه الأنبياء لوجب عليهم اتباعه، و في كتابه الناسخ و المنسوخ، و بعموم الدعوة للناس كافة، و أنه أكثر الأنبياء تابعا، و أرسل إلى الجن بالإجماع و إلى الملائكة في أحد القولين، و رجحه السبكي، و بعثه رحمة للعالمين حتى للكافر بتأخير العذاب و لم يعاجلوا بالعقوبة

225

كسائر الأمم المكذبة، و لأن اللّه أقسم بحياته و أقسم على رسالته، و تولى الرد على أعدائه عنه، و خاطبه بألطف ما خاطب به الأنبياء، و قرن اسمه باسمه في كتابه، و فرض على العالم طاعته و التأسي به فرضا مطلقا لا شرط فيه و لا استثناء، و وصفه في كتابه عضوا عضوا: قلبه بقوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏، و قوله: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى‏ قَلْبِكَ‏، و لسانه بقوله: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏، و قوله:

فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ‏، و بصره بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى‏، و وجهه بقوله: قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ، و يده و عنقه بقوله: وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ عُنُقِكَ‏، و ظهره و صدره بقوله: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ* وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ* الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ‏، كذا في المواهب اللدنية، و لم يخاطبه في القرآن باسمه بل بأيها النبي، يا أيها الرسول، و حرم على الأمة ندائه باسمه، و فرض على من ناجاه أن يقدم بين يدي نجواه صدقة ثم نسخ ذلك، و لم يره في أمته شيئا يسوءه حتى قبضه بخلاف سائر الأنبياء، و أنه حبيب الرحمن و جمع له بين المحبة و الخلة و بين الكلام و الرؤية و كلمه عند سدرة المنتهى و كلم موسى بالجبل، عد هذه ابن عبد السلام، و جمع بين القبلتين و الهجرتين، و جمعت له الشريعة و الحقيقة و لم يكن للأنبياء إلا إحداهما، بدليل قصة موسى مع الخضر، و قوله: إني على علم لا ينبغي لك أن تعلمه و أنت على علم لا ينبغي أن أعلمه، و نصر بالرعب مسيرة شهر أمامه و شهر خلفه، و أوتي جوامع الكلم، و أوتي مفاتيح خزائن الأرض، و لقيه الخازن على فرس أبلق عليه قطيفة من سندس، و كلم بأصناف جميع الوحي، عد هذه ابن عبد السلام، و هبط إسرافيل عليه و لم يهبط على نبي قبله، عد هذه ابن سبع، و جمع له بين النبوة و السلطنة و لم يجمع لنبي قبله، عد هذه الغزالي في الإحياء، و أوتي علم كل شي‏ء إلا الخمس التي في آية:

إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، و قيل إنه أوتيها أيضا، و أمر بكتمها، و الخلاف جار في الروح أيضا، و بين له في أمر الدجال ما لم يبين لأحد، و وعد بالمغفرة و هو يمشي حيا صحيحا، و رفع ذكره فلا يذكر اللّه جل جلاله في أذان و لا خطبة و لا تشهد إلا ذكر معه، و عرض عليه أمته بأسرهم حتى رآهم، و عرض عليه ما هو كائن في أمته حتى تقوم الساعة، و هو سيد ولد آدم و أكرم الخلق على اللّه، فهو أفضل من المرسلين و جميع الملائكة المقربين، و أيد بأربعة وزراء جبريل و ميكائيل و أبي بكر و عمر، و أعطي من أصحابه أربعة عشر نجيبا و كل نبي أعطي سبعة، و أسلم قرينه و كانت أزواجه عونا له، و بناته و زوجاته أفضل نساء العالمين،

226

و ثواب أزواجه و عقابهن مضاعف، و أصحابه أفضل العالمين إلا النبيين، و مسجده أفضل المساجد، و بلده أفضل البلاد بالإجماع ما عدا مكة و على أحد القولين فيها و هو المختار، و يسأل عنه الميت في قبره، و استأذن ملك الموت عليه و لم يستأذن على نبي قبله، و حرم نكاح أزواجه من بعده و أمة وطئها، و البقعة التى دفن فيها أفضل من الكعبة و من العرش، و يحرم التكني بكنيته، و لم تر عورته قط و لو رآها أحد طمست عيناه، و لا يجوز عليه الخطأ، عد هذه ابن أبي هريرة و الماوردي، قال قوم و لا النسيان حكاه النووي في شرح مسلم.

انتهى من تاريخ الخميس- و من أراد الاطلاع على بقية الأنواع فعليه بمطالعة التاريخ المذكور.

نبذة من صفاته و شمائله (صلى الله عليه و سلم)

هنا ننقل ما ذكرناه سابقا في كتابنا" تحفة العباد في حقوق الزوجين و الوالدين و الأولاد" و هذا نص ما ذكرناه:

كان (صلى الله عليه و سلم) أبيض كأنما صيغ من فضة، رجل الشعر. و كان (صلى الله عليه و سلم) أبيض مشربا بياضه بحمرة، و كان أسود الحدقة، أهدب الأشفار. و كان (صلى الله عليه و سلم) أحسن الناس وجها، و أحسنهم خلقا، ليس بالطويل البائن و لا بالقصير. و كان (صلى الله عليه و سلم) أحسن الناس، و أجود الناس، و أشجع الناس. و كان (صلى الله عليه و سلم) أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ إذا مشى تكفأ. و كان (صلى الله عليه و سلم) أفلج الثنيتين إذا تكلم رئي كالنور. و كان (صلى الله عليه و سلم) وجهه مثل الشمس و القمر، و كان مستديرا. و كان (صلى الله عليه و سلم) ضخم الهامة عظيم اللحية. و كان (صلى الله عليه و سلم) شبيه نحو عشرين شعرة. و كان (صلى الله عليه و سلم) أشد حياء من العذراء في خدرها. و كان (صلى الله عليه و سلم) كلامه كلاما فصلا. و كان (صلى الله عليه و سلم) خاتم النبوة في ظهره بضعة ناشزة. و كانت عيناه تنام و قلبه لا ينام. و كان (صلى الله عليه و سلم) أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه. و كان (صلى الله عليه و سلم) إذا أتي بطعام سأل عنه، فإن قيل هدية أكل منها، و إن قيل صدقة لم يأكل منها. و كان (صلى الله عليه و سلم) لا يرد الطيب، و كان (صلى الله عليه و سلم) يحب التيامن ما استطاع في طهوره و تنعله و ترجله و في شأنه كله. و كان (صلى الله عليه و سلم) يمر بالصبيان فيسلم عليهم. و كان (صلى الله عليه و سلم) يقوم بالليل حتى تتفطر قدماه. و كان (صلى الله عليه و سلم) يغتسل بالصاع و يتوضأ بالمد. و كان (صلى الله عليه و سلم) يتوضأ عند كل صلاة. و كان (صلى الله عليه و سلم) إذا صلى الغداة جاءه خدم أهل المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيه. و كان (صلى الله عليه و سلم) يؤتى بالصبيان‏

227

فيبرك عليهم و يحنكهم و يدعو لهم. و كان (صلى الله عليه و سلم) يدعو عند الكرب لا إله إلا اللّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللّه رب العرش العظيم، لا إله إلا اللّه رب السموات و رب الأرض و رب العرش الكريم. و كان (صلى الله عليه و سلم) يتعوذ من جهد البلاء، و درك الشقاء، و سوء القضاء و شماتة الأعداء. و كان (صلى الله عليه و سلم) إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده ثم يقول: باسمك اللهم أحيا، و باسمك أموت، و إذا استيقظ قال: الحمد للّه الذي أحيانا بعدما أماتنا و إليه النشور. و كان (صلى الله عليه و سلم) إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن ثم قال: اللهم أسلمت نفسي إليك، و وجهت وجهي إليك، و فوضت أمري إليك، و ألجأت ظهري إليك رغبة و رهبة إليك، لا ملجأ و لا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، و نبيك الذي أرسلت.

و كان (صلى الله عليه و سلم) يكره النوم قبل العشاء و الحديث بعدها.

و عن الأسود قال: «سألت عائشة رضي اللّه عنها كيف صلاة النبي (صلى الله عليه و سلم) بالليل؟ قالت: كان ينام أوله و يقوم آخره فيصلي ثم يرجع إلى فراشه، فإذا أذن المؤذن وثب، فإن كان به حاجة اغتسل و إلا توضأ و خرج».

و في صحيح البخاري عن الحكم بن عتيبة قال: سمعت أبا جحيفة قال:

«خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين و العصر ركعتين و بين يديه عنزة» و زاد فيه عون عن أبيه أبي جحيفة قال: «كان يمر من ورائها المارة و قام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي. فإذا هي أبرد من الثلج و أطيب رائحة من المسك» و روى أبو نعيم و البزار بإسناد صحيح: «إذا مر في طريق من طرق المدينة و جدوا منه رائحة الطيب و قالوا: مر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من هذا الطريق» و روى أبو نعيم عن عائشة قالت: «كان عرقه في وجهه مثل الجمان أطيب من المسك الإذفر»، و في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: «صليت مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) صلاة الأولى ثم خرج إلى أهله و خرجت معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحدا واحدا، قال: و أما أنا فمسح خدي قال: فوجدت ليده بردا و ريحا كأنما أخرجها من جوانة عطار». و عن الحسن بن علي رضي اللّه تعالى عنهما، قال: سألت هند بن أبي هالة عن حلية رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و كان وصافا و أنا أرجو أن يصف لي منها شيئا أتعلق به فقال: (كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع و أقصر من‏

228

المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر إن انفرقت عقيقته فرق و إلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحاجبين، سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب، مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادنا، متماسكا، سواء البطن و الصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة و السرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين و البطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين و المنكبين و أعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، سبط العصب، شثن الكفين و القدمين، سائل الأطراف، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال تقلعا، و يخطو تكفيا، و يمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، و إذا التفت التفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، و يبدأ من لقيه بالسلام.

قلت: صف لي منطقه، قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، و لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام و يختمه بأشداقه و يتكلم بجوامع الكلام فصلا لا فضول فيه و لا تقصير، دمثا ليس بالجافي و لا المهين، يعظم النعمة و إن دقت لا يذم شيئا، لم يكن ذواقا و لا يمدحه، و لا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشي‏ء حتى ينتصر له، و لا يغضب لنفسه و لا ينتصر لها، و إذا أشار أشار بكفه كلها، و إذا تعجب قلبها، و إذا تحدث اتصل بها فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى، و إذا غضب أعرض و أشاح، و إذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، و يفتر عن مثل حب الغمام). ا ه.

معنى بعض الألفاظ الواردة هنا:

قوله: المشذب هو: البائن الطويل مع نحافة. و قوله: عقيقته أي: شعر الرأس.

و قوله: فرق أي: جعل شعره نصفين نصفا عن يمينه و نصفا عن يساره. و قوله:

أزهر اللون أي: نير اللون و مشرقه في كل أجزاء بدنه عليه الصلاة و السلام.

و قوله: أزج الزجيج دقة الحاجبين و سبوغهما إلى محاذاة آخر العين. و قوله: سوابغ أي: غزيرة الشعر حتى أن من لم يتأملها رآه أقرن، و لذا قال في غير قرن، و قوله:

يدره أي: يحركه و يظهره، و قوله: أقنى العرنين أي: أن أعلى أنفه مرتفع و وسطه‏

229

كذلك، و قوله: أشم أي: مرتفع قصبة الأنف، و قوله: كث اللحية أي: كثير شعرها مع استدارة، و قوله: سهل الخدين أي: ليس فيهما تنؤ و لا ارتفاع، و قوله: ضليع الفم أي: واسعه؛ لأن سعته تدل على الفصاحة، و قوله: أشنب أي: أبيض الأسنان مع بريق و تحديد فيها، و قوله: مفلج أي: مفرج، و قوله:

المسربة هي: ما دق من شعر الصدر كالخيط سائلا إلى السرة، و قوله: دمية هي:

الصورة المنقوشة من نحو عاج أو رخام، و قوله: ضخم الكراديس أي: عظيم كل فرد من سائر عظام بدنه، و قوله: أنور المتجرد، ما كشف عنه الثوب من البدن، و قوله: اللبة بتشديد اللام و فتحها المنحر، و هي المتطامن الذي فوق الصدر و أسفل الحلق. و قوله: الزندين قال العلقمي: هو عظم الذراعين، و قوله: رحب الراحة قال العلقمي: أي واسع الكف، و قوله: سبط القصب هو جمع قصبة، و هي كل عظم أجوف فيه مخ أي: ليس في قصبه تنؤ و لا تقعد، و قوله: شثن هو: الذي في أنامله غلظ بلا قصر، و قوله: خمصان الأخمصين قال في النهاية: الأخمص من القدم الموضع الذي لا يلصق بالأرض منها عند الوطء، و قوله: مسيح القدمين أي: أملسهما من ظهرهما لوجود الخموصة في بطنهما، و قوله: إذا زال تقلعا أي:

إذا اتنقل زال تقلعا بهمة، و قوله: يخطو تكفيا أي: يميل إلى قدام، و قوله: يسوق أصحابه أي: يقدمهم أمامه و يمشي خلفهم ليخلي ظهره للملائكة صلى اللّه عليه و على آله و صحبه و سلم.

و قوله: بأشداقه أي: يستعمل جميع فمه للتكلم، لا يقتصر على تحريك الشفتين، و ذلك من قوة المنطق و الصوت و المعنى، و حضور الذهن و اجتماعه.

و الدماثة: سهولة الأخلاق، و الجفاء: غلظه. و قوله: ذواقا هو: ما يتذوق من الطعام.

ما قاله الأستاذ الرافعي في صفته (صلى الله عليه و سلم)

قال الأستاذ الكبير، وحيد دهره و فريد عصره، الأستاذ مصطفى صادق الرافعي المصري، المتوفى في زماننا هذا في كتابه الشهير" إعجاز القرآن" في صفته (صلى الله عليه و سلم) ما نصه:

و لقد أفاضوا في تحقيق أوصافه (صلى الله عليه و سلم) بأكثر من ذلك ألفاظا و معاني، و نقلوا الكثير الطيب من هذه الأوصاف الكريمة في كل باب من محاسن الأخلاق مما يتسع‏

230

هذا الموضع لبسطه، فتأمل أنت هذه الصفات و اعتبر بعضها ببعض في جملتها و تفصيلها فإنك متوسم منها أروع ما عسى أن تدل عليه دلائل الحكمة، و سمة الفضيلة، و شدة النفس، و بعد الهمة، و نفاذ العزيمة، و إحكام خطة الرأي، و إحراز جانب الخلق الإنساني الكريم، و انظر كيف يكون الإنسان الذي تسع نفسه ما بين الأرض و سمائها، و تجمع الإنسانية بمعانيها و أسمائها، فهو في صلته بالسماء كأنه ملك من الأملاك، و في صلته بالأرض كأنه فلك من الأفلاك، و ما خص بتلك الصفات إلا ليملأ بها الكون و يعمه، و لا كان فردا في أخلاقه إلا لتكون من أخلاقه روح الأمة. انتهى من كتاب إعجاز القرآن للرافعي.

هذا و قد نظم بعضهم جملة من خصائصه صلى اللّه عليه و آله و سلم فقال:

لقد خص النبي طه بعشر* * * و من يحفظ لها جمع الخصالا

فما وقع الذباب له بجسم‏* * * و ما خالوا لقامته الظلالا

كذا الفضلات قد خفيت بأرض‏* * * فلم يك في الكمال له مثالا

و لم يتثاءب المختار يوما* * * و ما احتلم احتلاما و انفعالا

تنام المقلتان و لم يخالط* * * منام قلبه أبدا محالا

يرى من خلفه أو من أمام‏* * * و من حاذاه في كيف تعالا

و يظهر نوره في كل واد* * * و ما هربت دواب منه حالا

و قد ولدته آمنة نظيفا* * * و مختونا بقدرته تعالى‏

على طه صلاة مع سلام‏* * * تعم الصحب و الخلفا و آلا

ما قاله الأستاذ الرافعي في بلاغته (صلى الله عليه و سلم)

قال الأستاذ الكبير، وحيد دهره و فريد عصره، الأستاذ مصطفى صادق الرافعي المصري المتوفى في زماننا هذا في كتابه الشهير" إعجاز القرآن" في بلاغة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ما نصه:

هذه هي البلاغة الإنسانية التي سجدت الأفكار لآيتها، و حسرت العقول دون غايتها، لم تصنع و هي من الإحكام كأنها مصنوعة، و لم يتكلف لها و هي على السهولة بعيدة ممنوعة، ألفاظ النبوة يعمرها قلب متصل بجلال خالقه، و يصقلها لسان نزل عليه القرآن بحقائقه، فهي إن لم تكن من الوحي، و لكنها

231

جاءت من سبيله، و إن لم يكن لها منه دليل فقد كانت هي من دليله، محكمة الفصول حتى ليس فيها عروة مفصولة، محذوفة الفضول حتى ليس فيها كلمة مفضولة، و كأنما هي في اختصارها و إفادتها نبض قلب يتكلم، و إنما هي في سموها و إجادتها مظهر من خواطره (صلى الله عليه و سلم)، إن خرجت في الموعظة قلت أنين من فؤاد مقروح، و إن راعت بالحكمة قلت صورة بشرية من الروح، في منزع يلين فينفر بالدموع، و يشتد فينزو بالدماء، و إذا أراك القرآن إنه خطاب السماء للأرض، أراك هذا إنه كلام الأرض بعد السماء، و هي البلاغة النبوية، تعرف الحقيقة فيها كأنها فكر صريح من أفكار الخليقة، و تجي‏ء بالمجاز الغريب فترى من غرابته أنه مجاز في حقيقة، و هي من البيان في إيجاز تتردد فيه (عين) البليغ فتعرفه مع إيجاز القرآن فرعين، فمن رآه غير قريب من ذلك الإعجاز فليعلم أنه لم يلحق به هذه" العين" أي فليعلم هذا الناظر أنه غير بليغ، و إذا جعلت من الياء في لفظ (الإيجاز) عينا صار (الإعجاز) فالتورية ظاهرة في" العين"- على أنه سواء في سهولة أطماعه، و في صعوبة امتناعه، إن أخذ أبلغ الناس في ناحيته، لم يأخذ بناصيته، و إن أقدم على غير نظر فيه رجع مبصرا، و إن جرى في معارضته انتهى مقصرا، إلى أن قال في فصاحته (صلى الله عليه و سلم) ما نصه: و أن كلامه (صلى الله عليه و سلم) لكما قال الجاحظ: هو الكلام الذي قل عدد حروفه، و كثر عدد معانيه، و جل عن الصنعة، و نزه عن التكلف، استعمل المبسوط في موضع البسط، و المقصور في موضع القصر، و هجر الغريب الوحشي و رغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، و لم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، و شد بالتأييد و يسر بالتوفيق، و هذا الكلام الذي ألقى اللّه المحبة عليه و غشاه بالقبول، و جمع له بين المهابة و الحلاوة، و بين حسن الإفهام، و قلة عدد الكلام، و هو مع استغنائه عن إعادته، و قلة حاجة السامع إلى معاودته، لم تسقط له كلمة، و لا زلت له قدم، و لا بارت له حجة، و لم يقم له خصم، و لا أفحمه خطيب، بل يبذ الخطب الطوال بالكلام القصير، و لا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، و لا يحتج إلا بالصدق، و لا يطلب الفلج إلا بالحق، و لا يستعين بالخلابة، و لا يستعمل المؤاربة، و لا يهمز و لا يلمز، و لا يبطئ و لا يعجل، و لا يسهب و لا يحصر، ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا و لا أصدق لفظا، و لا أعدل وزنا و لا أجمل مذهبا، و لا أكرم مطلبا و لا أحسن موقعا، و لا أسهل مخرجا، و لا أفصح عن معناه، و لا أبين عن فحواه من كلامه (صلى الله عليه و سلم). ا ه.

232

و هنا نمسك عنان القلم عن وصف أفضل الخلق على الإطلاق، نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم)، فإنا لا نقدر قدره العظيم، و لا ندرك ما يليق به من الاحترام و التعظيم، و إنما ذكرنا زبدة من صفاته و شمائله صلى اللّه عليه و آله و سلم على حد قول الشاعر:

إن فاتكم أن تروه بالعيون فما* * * يفوتكم وصفه هذي شمائله‏

مكمل الذات في خلق و في خلق‏* * * و في صفات فلا تحصى فضائله‏

صلى اللّه عليه و على آله و أصحابه و سلم، و لا يمكن حصر أوصافه السنية، و أخلاقه المرضية كما قال بعضهم (رحمه اللّه تعالى):

و على تفنن واصفيه بوصفه‏* * * يفنى الزمان و فيه ما لم يوصف‏

و قال آخر:

أرى كل مدح في النبي مقصرا* * * و إن بالغ المثني عليه و أكثرا

إذا اللّه أثنى بالذي هو أهله‏* * * عليه فما مقدار ما يمدح الورى‏

لكن مدحه (صلى الله عليه و سلم) يقصد به رجاء التقرب و الثواب و إظهار الحب له و الشوق إليه. قال في الدر المنظم:

و من بعظيم جاء في الذكر وصفه‏* * * أيدرك معناه ذوو العجز و البلوى‏

و لكنما مداحه يمدحونه‏* * * على قدرهم يرجون من فضله عفوا

تواضع النبي (صلى الله عليه و سلم) في مزاحه مع أصحابه‏

بمناسبة ما ذكرناه عن أخلاقه (صلى الله عليه و سلم) السامية العالية، و عن شمائله و خصاله الكريمة الحميدة، نتشرف هنا بذكر نبذة من تواضعه عليه الصلاة و السلام في مزاحه مع أصحابه رضي اللّه عنهم أجمعين، للاقتداء و العبرة، و ترويحا للنفس، و جلبا للسرور و النشاط، فقد قال علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه): أجّموا هذه القلوب و التمسوا لها طرائف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان و قال الشاعر:

و روح القلب بذكر الطرف‏* * * فإن ذلك صنيع السلف‏

و لقد كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من أضحك الناس و أطيبهم نفسا، و كان لا يضحك إلا تبسما، و كان يمزح و لا يقول إلا حقا.

233

جاء في كتاب الأذكياء لابن الجوزي ما نصه: أخبرنا ابن المسيب أن عائشة رضي اللّه عنها سئلت هل كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يمزح؟ قالت: نعم- كان عندي عجوز، فدخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقالت: ادع اللّه أن يجعلني من أهل الجنة، قال:

إن الجنة لا يدخلها العجائز. و سمع النداء فخرج، و دخل و هي تبكي، فقال: ما لها؟ قالوا: إنك حدثتها أن الجنة لا يدخلها العجائز، قال: إن اللّه يحولهن أبكارا عربا أترابا.

و جاء فيه أيضا: حدثني القرشي قال: دخلت امرأة على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال: من زوجك؟ فسمته له، فقال: الذي في عينيه بياض؟ فرجعت تنظر إلى زوجها، فقال: ما لك؟ قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) زوجك فلان، قلت: نعم، قال: الذي في عينيه بياض؟ قال: أو ليس البياض في عيني أكثر من السواد.

و جاء فيه أيضا: حدثنا أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) ليستحمله، فقال: أنا حاملك على ولد ناقة، قال: يا رسول اللّه، و ما أصنع بولد ناقة؟ قال: و هل تلد الإبل إلا النوق؟ انتهى من الكتاب المذكور.

و جاء في أوائل الجزء الأول من كتاب" التراتيب الإدارية" للحافظ المحدث الشيخ عبد الحي الكتاني الفاسي، عند مبحث" مضحك رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)" ما نصه:

ترجم في الإصابة حمار، فذكر عن الصحيح أن اسمه عبد اللّه و يلقب بحمار.

و كان يضحك رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

و عن أبي يعلي، عن زيد بن أسلم أنه كان يهدي لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) العكة من السمن أو العسل، ثم يجي‏ء بصاحبها فيقول: أعطه الثمن.

و ترجم في الإصابة أيضا لسويبط حرملة العبدري، و ذكر قضايا من أفعاله، فذكر أن النبي (صلى الله عليه و سلم) ضحك هو و أصحابه منها حولا.

و في فوائد الدرر و فرائد الفكر في شرح مختصر السير، للفقيه المحدث القاضي أبي علي حسن بن بلقاسم، بن باديس القسمطيني، لما ترجم لسودة زوجه (عليه السلام)، قال: و كانت تضحك النبي (صلى الله عليه و سلم)، قالت له: صليت البارحة خلفك يا رسول اللّه، فركعت فأمسكت بأنفي مخافة الدم أن يقطر. فضحك هو منه.

انتهى من الكتاب المذكور.

234

و جاء أيضا في الكتاب المذكور في الجزء الثاني منه، عند مبحث" المضحكون و المضحكات في الزمن النبوي"- ما يأتي:

و منهم نعيمان بن عمرو بن رفاعة الأنصاري ممن شهد العقبة و بدرا و المشاهد بعدها، قال ابن الأثير، في ترجمته من أسد الغابة: كان كثير المزاح يضحك النبي (صلى الله عليه و سلم) من مزاحه، و هو صاحب سويبط بن حرملة.

و كان من حديثهما أن أبا بكر خرج إلى الشام و معه نعيمان و سويبط بن حرملة و كلاهما بدري، و كان سويبط على الزاد، فجاءه نعيمان فقال: أطعمني، فقال: لا، حتى يجي‏ء أبو بكر، و كان نعيمان رجلا مضاحكا. فقال:

لأغيظنك، فجاء إلى أناس جلبوا ظهرا، فقال: ابتاعوا مني غلاما عربيا فارها و هو ذو لسان، و لعله يقول: أنا حر فإن كنتم تاركونه لذلك فدعوه لا تفسدوا علي غلامي، فقالوا: بلى بل نبتاعه منك بعشر قلائص، فأقبل بها يسوقها و أقبل بالقوم حتى عقلها، ثم قال: دونكم هو هذا، فجاء القوم فقالوا: قم قد اشتريناك، فقال سويبط: هو كذاب أنا رجل حر، فقالوا: قد أخبرنا خبرك. فطرحوا الحبل في رقبته و ذهبوا به، فجاء أبو بكر فأخبر فذهب هو و أصحاب له فردوا القلائص و أخذوه، فلما عادوا إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) و أخبروه الخبر ضحك النبي (صلى الله عليه و سلم) حولا و أصحابه.

و روى عياد بن مصعب من طريق ربيعة بن عثمان قال: أتى أعرابي إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فدخل المسجد و أناخ ناقته بفنائه، فقال بعض أصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم) لنعيمان: لو نحرتها فأكلناها فإنا قد قرمنا إلى اللحم، و يقرم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ثمنها، قال: فنحرها نعيمان، ثم خرج الأعرابي فرأى راحلته فصاح: و اعقراه يا محمد، فخرج النبي (صلى الله عليه و سلم)، فقال: من فعل هذا؟ فقالوا: نعيمان، فأتبعه يسأل عنه فوجدوه في دار ضباعة بنت زبير بن عبد المطلب مستخفيا، فأشار إليه رجل و رفع صوته و يقول: ما رأيته يا رسول اللّه، و أشار بإصبعه حيث هو، فأخرجه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و قال له: ما حملك على هذا؟ قال: الذين دلوك عليّ يا رسول اللّه هم الذين أمروني، فجعل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يمسح وجهه و يضحك و غرم ثمنها.

و أخباره في المزاح مشهورة، و كان يشرب الخمر فيؤتى به النبي (صلى الله عليه و سلم) فيضربه بنعله و يأمر أصحابه فيضربونه بنعالهم و يحثون عليه التراب، فلما كثر ذلك منه قال‏

235

له رجل من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): لعنك اللّه، فقال النبي (صلى الله عليه و سلم): لا تفعل فإنه يحب اللّه و رسوله.

قال الحافظ السيوطي في قوت المغتذي على جامع الترمذي: الصحابة خصوا في باب الحدود بما لا يخص به غيرهم و لهذا لا يفسقون بما يفسق به غيرهم خصوصية لهم، ثم أورد هذه القصة قائلا: علم النبي (صلى الله عليه و سلم) من باطنه صدق محبته للّه و رسوله فأكرمه بترك القتل و له (صلى الله عليه و سلم) أن يخص من شاء بما شاء من الأحكام. ا ه.

و في الإصابة، قال الزبير بن بكار: و كان لا يدخل المدينة إلا اشترى منها ثم جاء إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) فيقول: هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبه يطلب نعيمان بثمنه أحضره إلى النبي (صلى الله عليه و سلم)، و قال: أعط هذا ثمن متاعه، فيقول: أو لم تهده لي، فيقول: و اللّه إنه لم يكن عندي ثمنه و لقد أحببت أن تأكله، فيضحك و يأمر لصاحبه بثمنه.

و أخرج الزبير قصة البعير بسياق آخر من طريق ربيعة بن عثمان، قال: دخل أعرابي على النبي (صلى الله عليه و سلم) و أناخ ناقته، فقال بعض الصحابة لنعيمان الأنصاري: لو عقرتها فأكلناها فإنا قد قرمنا إلى اللحم، ففعل، و خرج الأعرابي و صاح: و اعقراه يا محمد، فخرج النبي (صلى الله عليه و سلم) و قال: من فعل هذا؟ فقالوا: نعيمان، فأتبعه يسأل عنه حتى وجده قد دخل دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب و استخفى تحت سرب لها فوقه جريد، فأشار رجل إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) حيث هو، فأخرجه فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: الذين دلوك عليّ يا رسول اللّه هم الذين أمروني بذلك، فجعل يمسح التراب عن وجهه و يضحك ثم غرمها للأعرابي.

و قال الزبير أيضا: حدثني عمي عن جدي قال: كان مخرمة بن نوفل قد بلغ مائة و خمس عشرة سنة، فقام في المسجد يريد أن يبول فصاح به الناس: المسجد، المسجد، فأخذه نعيمان بيده و تنحى به ثم أجلسه ناحية أخرى من المسجد و قال له: بل هاهنا، قال: فصاح به الناس فقال: و يحكم و من أتى بي إلى هذا الموضع؟

فقالوا: نعيمان، فقال: أما إن للّه عليّ إن ظفرت به أن أضربه بعصاي هذه ضربة تبلغ به ما بلغت، فبلغ ذلك نعيمان فمكث ما شاء اللّه، ثم رآه يوما و عثمان قائم يصلي في ناحية المسجد، فقال لمخرمة: هل لك في نعيمان، قال: نعم، فأخذه بيده حتى أوقفه على عثمان، و كان إذا صلى لا يلتفت، فقال: دونك هذا

236

نعيمان، فجمع يده بعصاه و ضرب عثمان فشجه، فصاحوا به: ضربت أمير المؤمنين فذكر بقية القصة.

و قال الزبير: حدثني علي بن صالح عن جدي عبد اللّه بن مصعب قال: لقي نعيمان أبا سفيان بن حرب فقال له: يا عدو اللّه أنت الذي تهجو سيد الأنصار نعيمان ابن عمرو فاعتذر إليه، فلما ولى قيل لأبي سفيان إن نعيمان هو الذي قال ذلك، فعجب منه، و قصته مع سويبط بن حرملة تقدمت.

و قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن أيوب، عن عمر بن سرين، أن ناسا من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) نزلوا بماء، و كان نعيمان بن عمرو يقول لأهل الماء:

يكون كذا أو كذا فيأتونه باللبن و الطعام فيرسله إلى أصحابه، فبلغ أبا بكر خبره، قال: أراني آكل من كهانة نعيمان منذ اليوم و استقاء ما في بطنه.

و أخرج ابن عساكر عن عكرمة مولى ابن عباس، أن عبد اللّه ابن رواحة كان مضطجعا إلى جنب امرأته، فخرج إلى الحجرة فواقع جارية له، فانتبهت المرأة فلم تره فخرجت فإذا هو على بطن الجارية، فرجعت و أخذت الشفرة، فلقيها و معها الشفرة، فقال لها: مهيم، فقالت: مهيم، أما إني لو وجدتك حيث كنت لوجأتك بها، قال: و أين كنت، قالت: على بطن الجارية، قال: ما كنت:

قالت: بلى، قال: فإن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) نهى أن يقرأ أحدنا القرآن و هو جنب، فقالت: اقرأه، فقال:

أتانا رسول اللّه يتلو كتابه‏* * * كما لاح مسطوره من الصبح طالع‏

أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا* * * به موقنات أن ما قال واقع‏

يبيت يجافي جنبه عن فراشه‏* * * إذا استثقلت بالمشركين المضاجع‏

قالت: آمنت باللّه و كذبت بصري، قال: فغدوت على النبي (صلى الله عليه و سلم) فأخبرته فضحك حتى بدت نواجذه.

و أخرج ابن عساكر عن الزهري قال: شكى عبد بن حذافة إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أنه صاحب مزاح و باطل، فقال: اتركوه فإن له بطانة تحب اللّه و رسوله.

و مما جاء عن المضحكات في الزمن النبوي بالمدينة المنورة و مكة المعظمة، ما رويناه في سنن أبي داود بسنده إلى الليث بن عمرة قالت: كانت امرأة مكية بطالة تضحك النساء، و كانت بالمدينة امرأة مثلها، فقدمت المكية المدينة فتعارفتا فدخلتا

237

على عائشة فتعجبت من اتفاقهما، فقالت عائشة للمكية: عرفت هذه، قالت: لا و لكنا التقينا فتعارفنا فضحكت عائشة و قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف.

و عن الزبير بن بكار في كتاب المزاح و الفكاهة من حديث بن شهاب عن عروة، عن عائشة: أن امرأة كانت بمكة تدخل على نساء قريش تضحكهن، فلما هاجرن و وسع اللّه دخلتا المدينة، قالت عائشة: فدخلت عليّ، فقلت فلانة ما أقدمك، قالت: إليكن، قلت: فأين نزلت، قالت: على فلانة امرأة كانت تضحك بالمدينة، قالت: و دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال: فلانة المضحكة عندكم؟

قالت عائشة: نعم، قال: فعلى من نزلت، قالت: على فلانة المضحكة، قال:

الحمد للّه إن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف.

انظر المقاصد الحسنة للحافظ السخاوي، و عروس الأفراح في معنى حديث الأرواح للمحدث الشمس محمد بن عقيلة المكي.

و قصة خوّات بن جبير مع ذات النّحيين في الجاهلية شهيرة، و هو القائل:

فشّدت على النّحيين كفا صحيحة* * * فأعجلتها و الفتك من فعلاتي‏

قال في الاستبصار: و هي امرأة من بني فتح اللّه بن ثعلبة كانت تبيع السمن في الجاهلية و بها يضرب المثل فيقال: أشغل من ذات النّحيين، روي أن النبي (صلى الله عليه و سلم) سأله عنها و تبسم، فقال: يا رسول اللّه قد رزق اللّه خيرا و أعوذ باللّه من الجور بعد الكور، و كان خواتا شاعرا. ا ه.

و أخرج جمع عن خوات المذكور، قال: نزلت مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بحر الظهران، فخرجت من خبائي فإذا نسوة يتحدثن فأعجبني، فرجعت فأخرجت حلة من عيبتي فلبستها ثم جلست إليها، و خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من قبته فقال: يا عبد اللّه ما يجلسك إليهن، فقلت: يا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) جمل لي شرد أبتغي له قيدا، فمضى و تبعته فألقى ردائه و دخل فقضى حاجته و توضأ ثم جاء، فقال: ما فعل جملك الشارد ثم ارتحل، فجعل لا يلقاني في منزل إلا قال: يا عبد اللّه ما فعل جملك الشارد، إلى أن قلت: فو اللّه لأعتذرن إليه و لأبردن صدره، فقال لي يوما فقلت: و الذي بعثك بالحق ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت.

انتهى كل ذلك من كتاب التراتيب الإدارية المطبوع بالمغرب الأقصى.

238

حسن معاشرة النبي (صلى الله عليه و سلم) لأهله (و فيه حديث أم زرع)

حسن المعاشرة دليل على حسن الخلق، و هو دليل السعادة و يؤدي إلى الجنة، فقد ورد في الصحيحين: «خياركم أحاسنكم أخلاقا».

و روى الطبراني: «الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، و الخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل».

فالخلق الحسن مع عامة الناس ممدوح محمود، و هو مع الأهل و الأولاد أعظم محمدة و أكبر مبرة، قال (صلى الله عليه و سلم): «خيركم خيركم لأهله و أنا خيركم لأهلي»، رواه الترمذي و غيره، و قد ذكر مبحثا خاصا في حسن المعاشرة في كتابنا المطبوع بمطبعة مصطفى البابي الحلبي و شركاه بمصر المسمى" تحفة العباد في حقوق الزوجين و الوالدين و الأولاد" فيراجعه من شاء.

و نحن نتشرف بذكر حديث واحد فقط و هو حديث" أم زرع" الخاص بكمال حسن معاشرة النبي (صلى الله عليه و سلم) لأهله، و حديث أم زرع لا نذكره للاستدلال بحسن معاشرته (صلى الله عليه و سلم) لأهله بل و لأمته، و هو الذي بعثه اللّه ليتمم مكارم الأخلاق، و الذي يقول اللّه عز و جل في حقه: وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏- و إنما نذكر هذا الحديث المشهور في البخاري و مسلم و غيرهما؛ لما فيه من الفوائد المتعددة التي لا تخفى على أولي الألباب، و لقد ألّف القاضي عياض (رحمه اللّه تعالى) رسالة خاصة في شرح هذا الحديث سماها" بغية الرائد فيما في حديث أم زرع من الفوائد".

جاء في كتاب زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال لعائشة رضي اللّه عنها: «كنت لك كأبي زرع لأم زرع». و حديث أم زرع طويل، فقد جاء في الصحيحين عن عائشة رضي اللّه عنها و اللفظ للبخاري، قالت: «جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن و تعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا.

قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل، لا سهل فيرتقى، و لا سمين فينتقل.

قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره، إني أخاف أن لا أذره، إن أذكره أذكر عجره و بجره.

239

قالت الثالثة: زوجي العشنق، إن أنطق أطلق، و إن أسكت أعلق.

قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة، لا حر و لا قر، و لا مخافة و لا سآمة.

قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد، و إن خرج أسد، و لا يسأل عما عهد.

قالت السادسة: زوجي إن أكل لف و إن شرب اشتف و إن اضطجع التف و لا يولج الكف ليعلم البث.

قالت السابعة: زوجي غياياء أو عياياء طباقاء، كل داء له داء، شجك أو فلك أو جمع كلالك.

قالت الثامنة: زوجي المس مس أرنب، و الريح ريح زرنب.

قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من الناد.

قالت العاشرة: زوجي مالك، و ما مالك، مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، و إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك.

قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع فما أبو زرع، أناس من حلي أذني، و ملأ من شحم عضدي، و بجحني فبجحت إلى نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشق، فجعلني في أهل صهيل و أطيط، و دائس و منق، فعنده أقول فلا أقبح، و أرقد فأتصبح، و أشرب فأتقنح، أم أبي زرع فما أم أبي زرع علومها رداح و بيتها فساح، ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع، مضجعه كمسل شطبة، و يشبعه ذراع الجفرة، بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع، طوع أبيها و طوع أمها، و مل‏ء كسائها، و غيظ جاريتها، جارية أبي زرع فما جارية أبي زرع، لا تبث حديثنا تبثيثا، و لا تنقت ميراثنا تنقيتا و لا تملأ بيتنا تعشيشا، قالت خرج أبو زرع و الأوطاب تمخض، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني و نكحها، فنكحت بعده رجلا ثريا ركب شريا، و أخذ خطيا، و أراح علي نعما ثريا، و أعطاني من كل رائحة زوجا، و قال كلي أم زرع، و ميري أهلك، قالت: فلو جمعت كل شي‏ء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع- قالت عائشة: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): كنت لك كأبي زرع لأم زرع».

240

(رواه الشيخان) عن عائشة رضي اللّه عنها، و ظاهرهما أنه موقوف عليها، و إنما المرفوع منه قوله: «كنت لك كأبي زرع لأم زرع» كما قدمنا بيان رفعه. ا ه.

أخرج هذا الحديث البخاري مرفوعا إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) من كتاب النكاح من باب حسن المعاشرة مع الأهل- و أخرجه مسلم كذلك في كتاب فضائل الصحابة في باب ذكر حديث أم زرع، و كذا أخرجا قصته المذكورة بطولها عن عائشة رضي اللّه عنها في الموضعين المذكورين.

و لما قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لعائشة رضي اللّه عنها: «كنت لك كأبي زرع لأم زرع» أجابت إجابة تليق بمثلها في فضلها و علمها فقالت كما عند النسائي و الطبراني: «يا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، بل أنت خير من أبي زرع». و في رواية الزبير:

«بأبي و أمي لأنت خير لي من أبي زرع لأم زرع».

و أبي زرع المذكور هو زوج المرأة الحادية عشرة من المذكورات، و هي التي أطنبت في مدحه و بالغت في ذكر أوصافه الحسنة، و من اطلع على هذا الحديث علم أن الذامات منهن لأزواجهن خمس: الأولى و الثانية و الثالثة و السادسة و السابعة، و المادحات لأزواجهن ست: الرابعة و الخامسة و الثامنة و التاسعة و العاشرة و الحادية عشرة، و هي أم زرع التى اشتهر الحديث بها.

و لقد نظم شيخنا العلامة المحدث الشهير محمد بن حبيب اللّه الشنقيطي (رحمه اللّه تعالى) في شرحه لكتابه" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" ما وصفت به كل واحدة من النسوة المذكورات في الحديث زوجها من الذم و المدح، فنأتي به هنا لما فيه من الطرافة و الفائدة- فقال (رحمه اللّه) ما لفظه:

و من عجب نادرة النساء* * * في وصف أزواج بالاستقصاء

في خبر الفتاة أم زرع‏* * * من ذكرت في قول حلف الشرع‏

عليه أكمل الصلاة و على‏* * * أزواجه و آله أولي العلى‏

أولى النسا قالت و قولها جلل‏* * * في ذم زوجها بشر ما فعل‏

زوجي في الشر كلحم من جمل‏* * * غث بلا نفع على رأس جبل‏

ثانية من لا تبث خبره‏* * * لأنها تخاف أن لا تذره‏

إن ذكرته قد أبانت عجره‏* * * كما تبين مع ذاك بجره‏

ثالثة من زوجها العشنق‏* * * بكلمة خفيفة تطلق‏

241

رابعة من لم تخف سآمه‏* * * إذ زوجها كالليل في تهامه‏

خامسة من مدحت من قد فهد* * * و ليس يسأل عن الذي عهد

سادسة من رزئت بمن كلف‏* * * بخبث أكل لا بها بذا عرف‏

سابعة زوج العياياء الذي‏* * * جمع كل الداء و القول البذي‏

ثامنة من زوجها كالأرنب‏* * * في المسر و الريح كريح الزرنب‏

ثم رفيعة لعماد بسبب‏* * * رفع عماد زوجها الذي انتخب‏

تاسعة النسوة ثم العاشرة* * * من لمفاخر الحليل ناشره‏

حادية العشرة أم زرع‏* * * مادحة الزوجين ثم الفرع‏

لكنها مشرفة بالأول‏* * * أي بأبي زرع كريم العمل‏

قد استفا العلم مما ارتسم‏* * * عنها فوائد بها الشرع حكم‏

و لقد شرح معاني ألفاظ الحديث شيخنا المذكور في كتابه زاد المسلم لم ننقله هنا خوف التطويل، لكن لابد لنا أن نذكر نبذة صغيرة مفيدة من الكتاب المذكور، فقد جاء فيه" تتمة مفيدة" قال القاضي عياض: في كلام أم زرع من الفصاحة و البلاغة ما لا مزيد عليه فإنه مع كثرة فصوله و قلة فضوله، مختار الكلمات، واضح السمات، نير القسمات، قد قدرن ألفاظه قدر معانيه، و قررت قواعده و شيدت مبانيه، و جعلت لبعضه في البلاغة موضعا، و أودعته من البديع بدعا، و إذا لمحت كلام التاسعة، صاحبة العماد و النجاد ألفيتها لأفانين البلاغة جامعة، فلا شي‏ء أسلس من كلامها، و لا أربط من نظامها، و لا أطبع من سجعها، و لا أغرب من طبعها، و كأنما فقرها مفرغة في قالب واحد، و محذوة على مثال واحد، و إذا اعتبرت كلام الأولى وجدته مع صدق تشبيهه، و صقالة وجوهه، قد جمع من حسن الكلام أنواعا، و كشف عن محيا البلاغة قناعا، بل كلهن حسان الأسجاع، متفقات الطباع، غريبات الأبداع.

قال شيخنا (رحمه اللّه تعالى) في كتابه المذكور: و قد استنبط العلماء من حديث أم زرع فوائد ذكرها الحافظ ابن حجر و غيره و لنقتصر على ما ذكره الإمام النووي من ذلك في شرحه لصحيح مسلم عند هذا الحديث و الشيخ محمد جسوس في شرح الشمائل عنده أيضا و لفظ الإمام النووي، قال العلماء في حديث أم زرع هذا فوائد:

242

(منها) استحباب حسن المعاشرة للأهل و جواز الإخبار عن الأمم الخالية و أن المشبه بالشي‏ء لا يلزم كونه مثله في كل شي‏ء.

(و منها) أن كنايات الطلاق لا يقع بها طلاق إلا بالنية لأن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال لعائشة: كنت لك كأبي زرع لأم زرع، و من جملة أفعال أبي زرع أنه طلق امرأته أم زرع كما سبق و لم يقع من النبي (صلى الله عليه و سلم) طلاق بتشبيه لكونه لم ينو الطلاق.

قال المازري: قال بعضهم و فيه أن هؤلاء النسوة ذكر بعضهن أزواجهن بما يكره و لم يكن ذلك غيبة لكونهم لا يعرفون بأعيانهم أو أسمائهم و إنما الغيبة المحرمة أن يذكر إنسان بعينه أو جماعة بأعيانهم.

قال المازري: و إنما يحتاج إلى هذا الاعتذار لو كان النبي (صلى الله عليه و سلم) سمع امرأة تغتاب زوجها و هو مجهول فأقرها على ذلك و أما هذه القضية فإنما حكتها عائشة عن نسوة مجهولات غائبات لكن لو وصفت اليوم امرأة زوجها بما يكرهه و هو معروف عند السامعين كان غيبة محرمة فإن كان مجهولا لا يعرف بعد البحث فهذا لا حرج فيه عند بعضهم كما قدمناه و يجعله كمن قال في العالم من يشرب أو يسرق.

قال المازري: و فيما قاله هذا القائل احتمال، قال القاضي عياض: صدق القائل المذكور، فإنه إذا كان مجهولا عند السامع و من يبلغه الحديث عنه لم يكن غيبة لأنه لا يتأذى إلا بتعيينه، قال: و قد قال إبراهيم: لا يكون غيبة ما لم يسم صاحبها باسمه أو ينبه عليه بما يفهم به عينه و هؤلاء النسوة مجهولات الأعيان و الأزواج لم يثبت لهن إسلام فيحكم فيهن بالغيبة لو تعين فكيف مع الجهالة و اللّه أعلم. ا ه. بلفظه.

انتهى من زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم.

اللهم صل و سلم و بارك على من قلت في حقه: وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏ نبينا و شفيعنا و حبيبنا المصطفى المختار، سيدنا" محمد" و على آله و أزواجه الأطهار، و صحابته النجباء الأبرار.

انظر: صورة رقم 10، مقصورة قبر الرسول (صلى الله عليه و سلم)

243

مقصورة قبر النبي (صلى الله عليه و سلم)

قال البتنوني (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" الرحلة الحجازية" عنها ما يأتي:

و المقصورة الشريفة من نحاس أصفر غاية في حسن الصناعة، عملت في مدة العمارة التي قام بها قايتباي في سنة 888، و لها باب على الروضة الشريفة يسمى باب الرحمة أو باب الوفود، و إلى جانبه من جهة الجنوب شباك يفتح عليها يسميه الحجاج شباك التوبة، و لها أيضا منفذ إلى جهة القبلة في المواجهة الشريفة و يفتح عند الأمور الهامة للدعاء و الاستغاثة.

و يتصل بهذه المقصورة من جهة الشمال مقصورة السيدة فاطمة، و هي على استقامتها من الغرب و تدخل عنها بمسافة متر و نصف من الشرق.

و طول المقصورة النبوية الشريفة من ضلعها الجنوبي و الشمالي 16 مترا، و من الشرقي و الغربي 15 مترا. و في زواياها الأربع أعمدة مزوية عظيمة، بنيت من الحجر الصلد على ارتفاع السقف، و عليها ترتكز قواعد القبة الشريفة. أما مقصورة السيدة فاطمة الزهراء فطولها من الجنوب 14 مترا و نصف، و من الشمال 14 مترا فقط، و من الشرق و الغرب نحو سبعة أمتار و نصف، و هي تتصل بالمقصورة الكبرى من الداخل ببابين: أحدهما إلى الشرق و الآخر إلى الغرب، قد أقيم فيما بينهما ضريح على المكان الذي دفنت فيه السيدة فاطمة على قول الكثيرين، و في داخل المقصورة الكبرى الحجرة الشريفة و هي المكان الذي توفي به رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة 11 للهجرة و دفن فيه عليه الصلاة و السلام في اليوم التالي، لقوله (صلى الله عليه و سلم): «ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض»، و رأسه عليه الصلاة و السلام إلى الغرب.

و لما توفي أبو بكر في 22 جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة دفن إلى جانبه من جهة الشمال و رأسه إلى قدمي الرسول عليه الصلاة و السلام.

و لما طعن عمر، رضي اللّه عنه استأذن من عائشة أن يدفن مع صاحبيه، فأذنت له، فلما مات يوم الأربعاء 27 ذي الحجة سنة 23 للهجرة دفن إلى جوارهما، و رأسه محاذية لمنكبي أبي بكر رضي اللّه عنهما، و قد أقيمت على هذه القبور الثلاثة مقصورة من البناء على شكل ذي خمسة أضلاع ارتفاعه أكثر من ستة أمتار.

244

و أول من بني هذه المقصورة عمر بن عبد العزيز في عمارته للمسجد، و نزل بأساسها إلى غور بعيد، و جعلها على الشكل المزور المتقدم حتى لا تكون مثل الكعبة في تربيعها، خوفا من أن يتخذها الناس قبلة لهم، و كانت الحجرة الشريفة تسع قبرا رابعا. و يزعمون أنه مكان قبر عيسى (عليه السلام) بعد نزوله من السماء في آخر الزمان.

و قد قيل فيه لعمر بن عبد العزيز و هو خليفة: لو أتيت المدينة و أقمت بها، فإن مت دفنت مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و صاحبيه رضي اللّه عنهما، فقال و اللّه لأن يعذبني اللّه عز و جل بكل عذاب إلا النار أحب إليّ من أن يعلم أني أرى نفسي لذلك أهلا. فانظر إلى درجة أدب الرجل و تنكسه مع ما كان فيه من سعة الملك الذي حلق على أطراف المعمورة بأجمعها رضي اللّه عنه.

و في سنة 557 بلغ نور الدين زنكي أن الصليبيين الذين كان مشتغلا بمحاربتهم كانوا يعملون لسرقة الجثة الشريفة، فأمر بإحاطة الحجرة الشريفة ببناء آخر، نزل بأساسه إلى منابع الماء، ثم صب الرصاص على دائره حتى صار بحيث لا يمكن أن تتناوله يد الزمان، و قد وضع على هذا البناء ستر من الحرير الأخضر مكتوب فيه" لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه"، يحيط بها أحجبة مكتوب فيها قوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ، وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ‏.

و فيما بين ذلك دوائر مكتوب فيها أسماء النبي (صلى الله عليه و سلم)، و يحيط بهذا الستر (على ارتفاع مترين و نصف تقريبا) حزام من الحرير الأحمر عرضه نحو ثلاثين سنتيمترا مكتوب فيه بقصب الذهب اسم السلطان الذي أمر بعمل الستر الشريف، و هذه الكسوة ترسل من الدولة العلية عند تولية كل ملك من ملوكها، و الكسوة الحالية وصلت إلى الحجرة الشريفة بعد إعلان الدستور.

و أول من كسا الحجرة الشريفة الخيزران أم هارون الرشيد، عندما قدمت في حجها لزيارة النبي (صلى الله عليه و سلم). و صارت من بعدها سنة الملوك و السلاطين.

و بين بناء المقصورة و الشبكة النحاسية الخارجة طرقة متوسطة سعتها نحو ثلاثة أمتار من جهاتها الشرقية و الغربية و القبلية، و في زاوية هذه الطرقة، من الجنوب، كرسي موضوع عليه مصحف شريف كبير، أهداه إلى الحجرة الشريفة الحجاج بن يوسف الثقفي، و يقولون إنه من المصاحف الستة التي كتبها عثمان بن عفان.

245

و سماء هذه الطرقة مملوءة بثريات من الذهب و الفضة، و خصوصا في الجهة الجنوبية فيما يقابل الوجه الشريف: فإن فيها كثيرا من المشاكي الذهبية، منها إحدى و ثلاثون مشكاة مرصعة بالماس و الزمرد و الياقوت، و معلقة بسلاسل النضار، و مجموع مصابيح الحجرة الشريفة مائة مصباح و ستة.

و في مقابلة الوجه الشريف على جدار المقصورة حجر من الماس البرلانتي، في حجم بيضة الحمام الصغيرة، يحيط به إطار من الذهب المرصع، و يقدرون ثمنه في ذاته بثمانمائة ألف جنيه. أما في شرف نسبته إلى الحجرة الشريفة فقيمته أكبر من أن تقدر بثمن، و يسمونه بالكوكب الدري لشدة تألقه و عظيم ثنائه و بهائه، و هو مثبت في لوحة من الذهب، و رصع محيطه بمائتين و سبع و عشرين قطعة كبيرة من الجواهر الثمينة، و هذا الكوكب أهداه للحجرة الشريفة السلطان أحمد خان الأول ابن السلطان محمد خان من سلاطين آل عثمان، في مبادئ القرن الحادي عشر هجري.

و قد علق تحته كف من الذهب المرصع بالجوهر، و في وسطه حجر من الماس أصغر من الكوكب الدري، أهداه إليها السلطان مراد الرابع ابن السلطان أحمد الأول في سنة سبع و أربعين و ألف للهجرة.

و هناك لوح كبير من الذهب منقوش فيه بخط جميل جدا بحجارة الماس البرلانتي:" لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه" أهدتها إليها صاحبة السمو و العصمة عادلة سلطان بنت السلطان محمود سنة ألف و مائتين و إحدى و تسعين هجرية.

و في هذه الحجرة الشريفة غير هذا، كثير من الجواهر الفاخرة التي لا تقدر بثمن: منها قطعة كبيرة على مثال الكردان مكتوب فيها بألماس اسم السيدة فاطمة الزهراء، و هي موضوعة على مقصورتها الداخلية في الجانب الشرقي، و إلى جوارها عقد من اللؤلؤ الكبير الحجم، لا يماثله شي‏ء في عظمه و جوهره، و عقود أخرى من المرجان النادر المثال.

و يوجد فيها شمعدانات من الذهب الخالص المرصع بالجواهر الكريمة، منها اثنان كبيران طول الواحد منهما نحو مترين، أهداهما إليها السلطان عبد المجيد خان في سنة أربع و سبعين و مائتين و ألف، و شمعدانان آخران أهداهما السلطان محمود، و إلى جانب هذه الشمعدانات مكانس من اللؤلؤ و مراوح مرصعة بالأحجار الكريمة، و عقاصي و مباخر مرصعة، و هذا عدا ما يوجد في خزائن الحجرة الشريفة

246

من المصاحف المجوهرة و التحف الفاخرة، و كثير من الأحجار الكريمة، و الجواهر الثمينة التي لم تكن مشغولة، و غير ذلك من الأساور و الأقراط و خلافها. و بالجملة فقد قدر ثمن ما للحجرة الشريفة من الذخائر بسبعة ملايين من الجنيهات.

و لقد كانت الملوك و الكبراء و العظماء يهدون لها في كل الأزمان كثيرا من الجواهر الفاخرة و الذخائر الثمينة. و كثيرا ما كانت تتطاول إليها يد الأشرار من ولاة المدينة مثل جماز بن هبة الذي نهب في سنة إحدى عشرة و ثمانمائة من ذخائر الحرم المدني ما قدره السمهودي بعشرين قنطارا من الذهب. و تبعه في ذلك الشريف حسن بن زبير المنصوري سنة 901 هجرية فأخذ منه شيئا كثيرا.

و في مبدأ القرن الثالث عشر الهجري كانت الحجرة الشريفة عامرة بما لا يحصى من الذخائر الثمينة، فنهبها الوهابي سنة إحدى و عشرين و مائتين و ألف، و باع بعضها إلى الشريف غالب بمبلغ خمسين ألف ريال، و بعد تتميم الصلح بين ابن سعود و طوسون باشا اشترى منه هذا الأخير ما نهبه أبوه من آثارها الذهبية بمبلغ ألفي جنيه مصري، وردها للحجرة الشريفة، و كذلك رد إليها محمد علي ما أعطاه إليه الوهابي من ذخائرها و أهدى إليها هو بشمعدان كبير من الذهب الخالص و شمعدانين من الفضة مكتوب عليها:" العبد المذنب محمد علي والي مصر سنة 1228".

و أهداها عباس باشا الأول شمعدانات من الفضة و ثريتين (نجفتين) من الفضة:

واحدة ذات 36 شمعة معلقة في المحراب العثماني، و الأخرى ذات ثلاثين شمعة معلقة تجاه الوجه الشريف، و ثريات و شمعدانات أخرى من البلور.

و لسعيد باشا و بعض كريمات العائلة الخديوية بالحرم الشريف هدايا أخرى.

و آخر ما قدم للحجرة الشريفة لهذا العهد دواليب ثمينة جدا قدمتها إليها دولة والدة الجناب العالي الخديوي لتحفظ فيها هذه الآثار الكرمية جزاها اللّه خيرا.

و خدمة الحجرة الشريفة يغسلونها في السنة ثلاث مرات: واحدة في يوم 9 ربيع الأول، و الثانية في أول رجب، و الثالثة في الثامن عشر من ذي القعدة، و يكون لذلك احتفالا كبيرا.

247

الروضة الشريفة

قال البتنوني (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" الرحلة الحجازية" عن الروضة المباركة بالمسجد النبوي الشريف ما يأتي:

و الروضة الشريفة في غرب المقصورة الشريفة- و هي مسافة ما بين القبر الشريف و منبر الرسول (صلوات اللّه و سلامه عليه) لقوله: «ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة»، و في رواية: «ما بين بيتي و منبري ... الخ» و هي تبلغ (22) مترا طولا في نحو 15 عرضا.

و يفصل الروضة عن زيادتي عمر و عثمان رضي اللّه عنهما اللتين في جنوبها درابزين من النحاس الأصفر ارتفاعه نحو متر.

و الروضة على الدوام غاصة بالناس لشرف مكانتها، و فيها مما يلي هذا الدرابزين ربعات قرآنية كثيرة، و عدد كبير من المصاحف المختلفة الحجم، منها ما هو بحرف الطبع، و منها ما هو بخط اليد الجميل، و كل ذلك موقوف عليها للقارئين من الزوار. و في غرب الروضة الشريفة قبلته (صلى الله عليه و سلم)، و هي آية من آيات اللّه في كمال بهجتها، و جمال صنعتها، و هي على استقامة المقصورة من جهة القبلة، وضعها عليه الصلاة و السلام يوم الثلاثاء الموافق نصف شعبان من السنة الثانية للهجرة عندما أمره اللّه تعالى بالصلاة إلى الكعبة المكرمة. و إلى غرب القبلة المنبر الشريف، و هو من الرخام المنقوش بالليقة الذهبية الفاخرة، و على غاية في الجمال و دقة الصناعة، أرسل هدية من السلطان مراد الثالث العثماني إلى الحرم سنة ثمان و تسعين و تسعمائة للهجرة، فوضع في مكان المنبر الذي كان به لقايتباي، و هو نفس المكان الذي كان به منبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

انتهى كلام البتنوني في كتابه المذكور، و إن شاء اللّه نحن سنتكلم عن الروضة و مساحتها في مبحث مستقل بتفصيل تام عند ذكر نبذة من تاريخ المدينة المنورة في آخر هذا الكتاب، فقف على مبحث الروضة الآتي لأنه مبحث مهم.

صفة بيته (صلى الله عليه و سلم)

قال البتنوني في كتابه" الرحلة الحجازية" عن ذلك ما نصه:

248

إن من ينظر إلى المقصورة الشريفة الحالية، و يعلم أنها أقيمت على مكان بيت النبي (صلى الله عليه و سلم) (المشهور ببيت عائشة)، و يفكر في أبوابها، و تسمية كل باب باسم مخصوص، و يضيف إلى ذلك أن بيت السيدة فاطمة كان بجانب بيته (صلى الله عليه و سلم)، و أنه كان فيه شباك يطل على بيت أبيها، و كان (صلى الله عليه و سلم) يستطلع أمرها منه حتى سده محبة في استقلال كل بيت عن الآخر، يحكم معي بأن وضع بيته مدة وجوده (صلى الله عليه و سلم) كان على الشكل الآتي:

و الذي ساعدني على هذا الوضع ما ورد عن مالك رضي اللّه عنه" قسم بيت عائشة باثنين، قسم كان به القبر، و قسم كانت تكون فيه عائشة، و بينهما حائط، و كانت عائشة ربما دخلت حيث القبر فضلا (يعني سافرا)، فلما دفن عمر رضي اللّه عنه لم تدخله إلا و هي جامعة عليها ثيابها".

و من ذلك تعلم أن بيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان به حجرتان. أما بابه فقد قال بعضهم إنه للشمال، و قال آخرون أنه للغرب و لكن يستنتج من رواية ابن سعد أن له بابين حيث قال:" لما قبض رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قالوا (الصحابة) كيف نصلي عليه؟

قالوا: ادخلوا من ذا الباب أرسالا، فصلوا عليه و اخرجوا من الباب الآخر"، و مما ورد أيضا أن بيت السيدة عائشة كان به صفة إلى منزل فاطمة، و كان به فتحة إلى القبلة، يؤيد ذلك قول ابن ذبالة: كان بين بيت حفصة و منزل عائشة الذي فيه القبر الشريف طريق، و كانتا تتهاديان الكلام و هما في منزليهما من قرب ما بينهما. و حفصة زوج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و بنت عمر بن الخطاب، و كان بيتها كما لا يخفى على يمين خوخة آل عمر، أي في جنوب بيت عائشة إلى الشرق.

و إني لم أجسر على هذا الوضع إلا بعد تدقيق شديد في أقوال الصحابة و التابعين الذين كانوا يتحرون كل مواقفه عليه الصلاة و السلام، و خصوصا في بيته الذي أجمع المسلمون على أن موضع قبره (صلى الله عليه و سلم) فيه أشرف بقعة على سطح الأرض. و على كل حال فهذا استنتاج لي أورده لك و أنت حر في تحسينه أو توهينه، و لو بدون دليل تقيمه عليه.

و عليه فيكون بيت السيد الرسول مدة حياته في المدينة على الرسم (الموضوع في جنوب المقصورة الشريفة) و هو أكثر بساطة من مسكنه في مكة. و كان من دونه كما سبق منازل أزواجه رضي اللّه عنهن، و كان محيطها مع منزل عائشة مبنيا باللبن، و قواطعها الداخلة من الجريد المكسو بالطين و المسوح الصوفية: و من‏

249

ذلك يمكنك أن تحكم على مقدار بساطته (صلى الله عليه و سلم) في مسكنه- بحيث إنه ما كان يتعدى في أي حال من الأحوال الضروري لحياته و حياة أزواجه. و قد ورد عن عطاء الخراساني أنه قال:" أدركت حجر أزواج النبي (صلى الله عليه و سلم)، فحضرت كتاب الوليد يقرأ يأمر بإدخالها في المسجد فما رأيت يوما كان أكثر باكيا من ذلك اليوم، فسمعت سعيد بن المسيب يقول:" و اللّه لوددت أنهم تركوها على حالها، ينشأ ناس من المدينة و يقدم قادم من الآفاق فترى ما اكتفى به رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في حياته، و يكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر و التفاخر بها".

و مع هذا فإنك إذا أنعمت النظر في هيئة المكان على بساطته، و فكرت في وضعه الصحي، و كيف كانت منافذه منقية للهواء، و أبوابه داعية إلى السهولة في الدخول و الخروج و خفة الحركة مع وفرة الزمن و السرعة إلى المقصد، مما شرع فيه الآن في العمارات الكمالية، عرفت ما كان عليه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من القناعة، و الزهد، و حسن الذوق. و من يتأمل في ذلك يرفيه خير درس للناس يتعلمون منه كمال وضع الأمور في مواضعها، من غير زيادة عن الحاجة و لا نقص عن الضروري، و هنالك يرى الغني في ماله فضلة يساعد بها الفقراء من عيال اللّه، فتتبادل عاطفة الحنو و الشفقة فيما بينهم، و تثبت قدم المحبة في أفئدتهم، فيصبح الكل بين محب و محبوب، و شاكر و مشكور، و حامد و محمود، و هنالك تزول عوامل الحسد، و تموت شياطين التنافر و البغضاء، و يتحد الكل على العمل، بل يعمل الكل للكل، و يكون الناس على اختلاف طبائعهم و عوائدهم كأعضاء جسم واحد تعمل كلها لحياته و وجوده، و إذا يكونون قد قاموا بالمأمورية التي وجدوا من أجلها، و هي خدمة الإنسانية.

إشراق الدنيا بولادته (صلى الله عليه و سلم)

لا نريد هنا بسط الكلام على كيفية ولادة نبينا (محمد) (صلى الله عليه و سلم)، فإن ذلك معروف في كتب التاريخ و السير، و لكن نريد هنا ذكر شي‏ء من ذلك بلون من الأدب الرفيع، و ذلك مما كتبه أديب مصر و كاتب العصر الأستاذ العظيم (الدكتور طه حسين) وزير المعارف الأسبق بمصر في زماننا، كما جاء في الجزء الأول من كتابه الشهير (على هامش السيرة) فإنه حفظه اللّه تعالى بعد أن ذكر حزن عبد المطلب بن هاشم على موت ابنه (عبد اللّه) قال ما يأتي:

250

و كان الشيخ يضحك في نفسه ضحكا حزينا يوشك أن يكون يأسا مهلكا و ثورة جامحة، لولا أنه كان ذا قلب تعلم كيف يطمئن للأحداث و يذعن للخطوب، و يصبر على النائبات. كان الشيخ يضحك في نفسه ضحكا حزينا حين كان يفكر في غرور قريش، و تقديرها أن اللّه قد رد طاغية الحبشة، و أرسل عليه و على جيشه ما أرسل من الطير الأبابيل تكريما لها و إيثارا، و حين كان يفكر في غروره هو حين كان يقدر أن اللّه قد أنقذ ابنه من مديته و فداه بمائة من الإبل إيثارا له بالعافية، و اختصاصا له بالكرامة. كلا. كلا. لم يهزم الفيل و أصحاب الفيل إكراما لقريش، و إنما هي آية أجراها اللّه لأمر يعلمه هو، و لا يعلم الناس منه شيئا. و لم ينقذ اللّه عبد اللّه من الموت و يفاده بمائة من الإبل إكراما له أو إكراما لأبيه، و إنما أنقذه من الموت و فاداه بالإبل لأمر يريده هو، و لا يعلم الناس منه شيئا. و إلا ففيم نجا هذا الفتى من الموت ليموت بعد ذلك بقليل، أليس غريبا أن ينجو من الموت ليتخذ له زوجا لا يقيم معها إلا وقتا قصيرا، ثم يفارقها كما يفارق الناس أزواجهم ليعود إليها كما يعود الناس إلى أزواجهم، و لكن رفاقه يعودون و هو لا يعود، إنما يتخلف في يثرب ليموت عند أخواله من بني النجار، و قد عرفت زوجه بعد أن ارتحل عنها أنه قد حملها أمانة ما زالت تحملها في جوانحها، حتى إذا جاء أمر اللّه أدت هذه الأمانة. و من يدري لعل عبد اللّه لم يوجد إلا ليودع هذه الأمانة عند زوجه، و من يدري لعل آمنة لم توجد إلا لتؤدي هذه الأمانة إلى الناس، و كان الشيخ إذا فكر في هذا كله لم يملك نفسه أن يرى ابنه شديد النشاط، عظيم القوة، رائع الشباب، بارع الجمال، يستقبل السفر بأمل لا حد له ثم يراه نحيلا، هزيلا، شاحبا، متهالكا، محزونا، يمرض على فراشه عند بني النجار، ثم يراه و قد دنا منه الموت مكابرا مكاثرا، فاستله من الحياة أو استل الحياة منه، كأنما يثأر لنفسه من تلك الهزيمة التى أصابته يوم الفداء، فكان الشيخ يستسلم لحزن عميق لا يخرجه منه إلا اضطراب الناس من حوله، و إلحاح الناس عليه، و فيهم أبناؤه و بناته، فيما كان يشغلهم من الأمور.

و كانت آمنة ترى نساء قريش و نساء بني هاشم من حولها، يبتسمنا للأيام و يبتهجن للحياة، فيعجبها ذلك منهن، و لا يداخلها حسد لهن أو ميل إلى مشاركتهن. كانت تحس إحساسا قويا، و لكنه غامض، بأن الأيام قد وفتها حظها من الغبطة و قسطها من النعيم في ذلك الوقت القصير الذي قضته مع زوجها منذ لقيته بعد الفداء إلى الرحيل. و كانت تريد أن تسعد بالتفكير في هذا الجنين‏