التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج1

- محمد طاهر الكردي المزيد...
582 /
251

الذي تحسه يضطرب في أحشائها، و لكنها لا تلبث أن تذكر زوجها، و أنه قد حرم السعادة بهذه النعمة، فتكره أن تستأثر من دونه بالخير، و تتحدث إلى نفسها بأن الاستمتاع بالأبناء و البنات لذة لا يستبد بها الفرد و إنما هي مشتركة بين اثنين فإذا ذهب أحدهما ثقلت على الآخر و شق احتمالها عليه، و كانت له مصدر ألم و حزن. لكنها مع ذلك لم تكن تجد هذا الألم الممض الذي كانت تقدره و تنتظره كأنما خلقت نفسها مذعنة، و كأنما فطر قلبها على الرضا، و كأنما استيقنت أن حياة الأحياء عب‏ء يجب أن يحمل رضي الناس أو سخطوا، و أن احتماله مع الرضا و الاطمئنان خير من السخط الذي لا يجدي، و الثورة التي لا تفيد.

على أن الأيام لم تكن تتقدم بآمنة نحو ذلك اليوم المشهود، حتى يغمرها شي‏ء يشبه نسيان النفس و الانصراف عن الشعور الواضح بالحياة و التفكير الجلي فيها.

و كانت تنفق نهارها ذاهلة أو كالذاهلة، و تنفق ليلها في نوم هادئ حلو الأحلام.

و ما أكثر ما كان يزورها من حلم، و ما أكثر ما كان يلم بها من طيف أو ما أكثرها ما كان يلقى إليها من حديث. حتى إذا كانت ذات ليلة تتهيأ للخروج من ذهول النهار و الدخول في هدوء الليل، أحست بعض ما يحس النساء حين يدنو منهن المخاض. هنالك دعت إليها من حضرها من نساء بني هاشم، فأسرعن إليها و قضين معها ليلة لا كالليالي أنكرن فيها كل شي‏ء و أعجبن فيها بكل شي‏ء، أنكرن حتى أنفسهن، فقد رأين ما لم ير أحد، و سمعن ما لم يسمع أحد، و أحسسن ما لم يحس أحد. و لم تكن آمنة أقلهن إنكارا و إكبارا و إعجابا، فقد كانت ترى، و هي يقظة غير نائمة، أن نورا ينبعث منها فيملأ الأرض من حولها و يزيل الحجب عن عينها. و كانت تنظر فترى قصور بصرى في أطراف الشام.

و كانت تنظر فترى أعناق الإبل تردى في أقصى الصحراء. و كانت لا تتحدث إلى من حولها بما ترى مخافة أن ينكرن ما تقول، و أن يظنن بها الظنون و كانت هذه من صاحباتها لا تمد طرفها إلى شي‏ء حتى تراه نورا كله لا ظلمة فيه، و إنما هو مشرق مضي‏ء، أو هو الإشراق الخالص. و كانت هذه الأخرى من صاحباتها تنظر فإذا نجوم السماء تدنو من الأرض و تمد إليها أشعة قوية نقية باهرة ساحرة و إنها لتدنو و تدنو حتى يخيل إلى الرائية أنها توشك أن تمسها و تقع عليها. و كانت هذه الأخرى من صاحباتها ترى ظلمة مظلمة قاتمة و تأخذها رعدة قوية ناهكة، و يلم بها شي‏ء كأنه النوم، تسمع أثناءه صوتا مهيبا رهيبا يسأل: (إلى أين ذهبت به؟) فيجيبه صوت مهيب رهيب إلى المشرق ثم ينجلي عنها ما ألم بها فتفيق. ثم‏

252

يعاودها ما كانت فيه فإذا ظلمة قاتمة، و إذا رعدة قوية ناهكة، و إذا غاش يغشاها كأنه النوم، و إذا هي تسمع الصوت المهيب الرهيب يسأل: (أين ذهبت به؟)، فيجيبه صوت مهيب رهيب: (إلى المغرب). ثم ينجلي عنها ما هي فيه فتفيق و كذلك لم تدن السماء من الأرض كما دنت في هذه الليلة. و كذلك لم ير الناس من الأعاجيب كما رأى هؤلاء النساء في هذه الليلة. و لم تكن آمنة على هذا كله تجد ألما قليلا أو كثيرا و إنما كشف عنها كل حجاب، و رفع عنها كل غشاء، و خلي بينها و بين عالم من الجمال الذي يرى و من الجمال الذي لا يسمع لا عهد للناس بمثله. ثم ترى و ترى صاحباتها كأن شهابا انبعث منها فملأ الأرض و من حولها نورا يبهر الأبصار، ثم ترى فإذا ابنها قد مس الأرض يتقيها بيديه رافعا رأسه إلى السماء، محدقا ببصره إليها كأنما يلتمس عندها شيئا ثم تسرع صاحباتها إليه ليؤدين له و لها ما تحتاج إليه الأم حين تمنح الحياة، و ما يحتاج إليه الابن حين يستقبل الحياة. فإذا هي لا تحتاج إلى شي‏ء و إذا هو لا يحتاج إلى شي‏ء، و إذا هن يتناولن أجمل صبي، و أروع صبي، و أبرع صبي، و إذا قلوبهن قد امتلأت بأن الأرض قد استقبلت وليدا لا كالولدان.

ثم يشرق الفجر و تبسط الشمس رداءها النقي على بطحاء مكة و ما يحيط بها من الجبال، و يرتفع الضحى و يضطرب الناس في أمورهم و قد قضوا ليلا جاهلا غافلا، لم يشعروا فيه بشي‏ء، كأن لم يكن فيه شي‏ء و لو قد كشف عنهم الغطاء، و لو قد أزيلت عن قلوبهم الحجب لرأوا و سمعوا و لكن اللّه قد جعل لكل شي‏ء قدرا، فهو يظهر آياته لمن يشاء، و يخفي آياته على من يشاء. و عبد المطلب جالس في الحجر و حوله أبناؤه و جماعة من قريش، قد أخذوا فيما كانوا يأخذون فيه من حديث. و هو يسمع إليهم بأذنيه و يعرض عنهم بنفسه، يفكر في فقيده الذي لا يستطيع أن ينساه و إنه لفي ذلك و إذا البشير يقبل عليه مسرعا، حتى إذا انتهى إليه حياه و قال: لقد ولد لك غلام، فهلم فانظر إليه، فلا يسمع هذه البشرى حتى يحس أن اللّه قد أخلفه من فقيده و رفق به في مصابه، و ادخر له عزاءه عن محنته فيسأل: أهو ابن عبد اللّه؟ فيجيبه البشير: نعم. فينهض مسرعا و ينهض معه بنوه و يمضون لا يلوون على شي‏ء حتى يبلغوا بيت آمنة فإذا دخل الشيخ و رأى الغلام أحس كأن اللّه قد أنزل على قلبه السكينة و جلا عن قلبه الحزن، ورده إلى غبطة و سرور بعد عهده بهما.

253

ثم يسمع حديث النساء فلا ينكر منه شيئا، كأنما كان ينتظره، و كأنما كان منه على ميعاد. ثم يرفع الصبي إليه فيقبله و يقول: لأسمينه محمدا، قالت آمنة: لقد أتاني في النوم فأمرني أن أسميه أحمد. قال عبد المطلب: فهو محمد و هو أحمد، و ما أرى إلا أنهما بعض أسمائه.

قلت لمحدثي: فقد زعموا أن عبد المطلب خرج بعد ذلك فنحر الإبل لأهل مكة، و نحر الإبل لأهل الشعاب، و نحر الإبل على رؤوس الجبال، ليطعم الناس و ليطعم الوحش. قال: و هل كان عبد المطلب إلا نعمة للناس و نقمة على الإبل.

و لكن عبد المطلب لم يفرغ من شأنه ذاك، و لم يعد إلى المسجد مع العصر حتى رأى أندمة قريش متجمعة فيه، تلهج كلها بحديث غريب و نبأ طريف أذاعه في مكة رجل من أهل الظواهر، فشغل به الناس و تناقلوه. و كان هذا الرجل طلبة أهل المسجد، ينتقل بحديثه من ندى إلى ندى، فلا يكاد يتم حديثه إلى قوم حتى يدعوه إليهم قوم آخرون ليسمعوا منه و يسألوه. و كان يستجيب لمن يدعوه و لا يزهد في أن يعيد قصته مرة مرة، و كأنه قد أحس لنفسه خطرا، و كأنه قد رأى نفسه مطلوبا بعد أن لم يكن من قبل إلا طالبا و كأنه قد كبر في نفسه، فكان يقول و يطيل في القول و كان يفصل و يغرق في التفصيل. و كانت أفناء قريش تسمع له، فمنها من يعجب و منها من يرتاع، و منها من يلقى الحديث بالإغراق في الضحك، و منها من يلقى الحديث بهز الرؤوس.

و كان هذا الرجل يقص قصصه فيقول: ما كنت أعلم أن لليل أسرارا ليست للنهار. و ما كنت أعلم أن للصحراء أنباء ليست للمدن و الأرض العامرة. و ما كنت أحسب أن في هذا الهواء الذي نتنسمه و في هذا الفضاء الذي يحيط بنا أرواحا تتناجى، و أحياء تتجاذب الحديث، حتى رأيت ما رأيت، و سمعت ما سمعت، فتبينت أن حياتنا غرور، و أن علمنا جهل، و أن أحاديثا لهو و هراء.

و الناس يتعجلونه فيقولون له: هات ما عندك من النبأ، حتى إذا فرغت من قصته فقل ما شئت، و هو يقول: لقد جنني الليل و إني لفي طريقي من الطائف إلى مكة فلا أحفل بذلك و لا أبه له، و لا أفكر في أن أوي إلى حي من هذه الأحياء التي تنتشر بيوتها في الطريق لأنتظر مشرق الشمس، و لكني أمضي أمامي لا ألوي على شي‏ء و لا أرهب شيئا، و ماذا أرهب و الطريق آمنة واضحة يسلكها الناس إذا أصبحوا و يسلكونها إذا أمسوا، يسيرون فيها مع ضوء النهار، و يسيرون فيها مع‏

254

ظلمة الليل، قد عرفوها فهم لا يحتاجون إلى مرشد و لا دليل فأمضي أمامي مجدا في السرى، أريد أن أفجأ أهلي مع الصبح. و إني لفي بعض الطريق و قد سكن من حولي كل شي‏ء حتى لا أسمع إلا أخفاف مطيتي تمس الأرض مسا رفيقا، و إلا هذه الأنات التي ترسلها المطايا إذا جهدها السير و حنت إلى الراحة، و إلا ما كنت أناجي نفسي به من حديث أهلي إذ طلعت عليهم مع ضوء الشمس. و كان ضوء القمر قد انبسط على الفلاة هادئا نقيا فملأ نفسي أمنا و دعة و هدوءا و إني لفي ذلك، و إذا غمغمة تصل إليّ من بعيد، فلا أحفل بها و لا ألقي إليها بالا، و إنما أمضي فيما أنا فيه من الاستمتاع بلذة هذا السرى، و مس أخفاف مطيتي للأرض، و حنينها إلى ما بعد عهدها به من الراحة، و أحاديث نفسي عمن فارقت في الطائف و عمن سألقى في مكة و لكن الغمغمة تدنو مني أو أنا أدنو منها، و إذا هي تشتد شيئا فشيئا، و إذا أصواتها تمتاز و تستبين و إذا أنا أسمع أحاديث قوم يتهامسون، و إذا أنا أنظر فلا أرى أحدا و القمر مع ذلك مع ذلك مشرق مضي‏ء، و الفلاة مع ذلك مبسوطة لا عوج فيها و لا ارتفاع، و الحديث مع ذلك من حولي واضح يملأ الهواء و قلب مع ذلك يضطرب و يمشي في صدري رعبا و أنا أذهب بمطيتي إلى أمام و أرجع بها إلى وراء، و أذهب بها عن يمين و أذهب بها عن شمال، و أرفع بصري إلى السماء و أخفض بصري إلى الأرض، فلا أرى شيئا و لا أتبين شيئا إلا جمال هذا الضوء الرائع يغشى الأرض برداء نقي رقيق و هذه النجوم التي لا تحصى و قد تألقت في السماء كأنها المصابيح، و انطلقت في طريقها مسرعة كأنها تستبق، و هذه الأحاديث الواضحة تتحدث بها جماعات لا أراها، و لكنها لا تستقر و إنما يمضي بعضها أثر بعض. و إني لأسمع قائلا يقول:" انظروا إلى السماء، فما أرى أنها كعهدنا بها من قبل. إن نجومنا لتتألق في قوى لم نرها قط إنها لتستبق في سرعة لم نرها قط. إنها لتدنو من الأرض حتى أن نارها لتوشك أن تحرقنا. إن التصعيد في السماء لعسير. و فيما نصعد إلى السماء و إن السماء لتهبط إلينا، إن البقاء على الأرض لعسير. و أنى لنا الثبات بهذا الضوء الذي لا يخفى عليه شي‏ء، حتى أشباحنا الخفية التي لا تراها العيون (النجاء النجاء) إن للغيب لعجبا، و إن في الأرض لحدثا، و إن الزمان ليستدير، و إنا لا ندري أشر أريد بالناس أم خير، و إني لأسمع ما أسمع و أرى ما أرى، فيبهرني ما أسمع و يسحرني ما أرى، و أشغل به حتى عن أن أسأل نفسي أين أكون و ما تكون هذه الأصوات"، و لكن أحس أصواتا أخرى كأنها تهيب بأهل تلك الأصوات التي كنت أسمعها

255

قائلة: (النجاء النجاء)، و لكن إلى أين إنكم لتفرون من مكة كأن شيئا أزعجكم عنها و قد كنتم فيها آمنين، و قد كنا نفر إليكم لأن شيئا أزعجنا عن دورنا، و أخرجنا من مأمننا، و اضطرنا إلى أن نهيم في الأرض، لا ندري ما هو، و لا ندري من أين جاء، و إنا لنتسامع من أطراف الأرض بأن حدثا قد حدث، و بأن كائنا قد كان، إنا لنتسامع بأن إيوان كسرى قد اضطرب و مادت به الأرض فسقطت شرفاته و تهدم بنيانه. و إذا أصوات أخرى تصيح منتشرة في الفضاء، و إنا لنتسامع بأن نار الفرس قد خبت فجأة لأول مرة منذ ألف سنة. و إذا أصوات أخرى تصيح. إنا لنتسامع بأن بحيرة ساوة قد جفت، و ما عهدناها إلا غزيرة جمة الماء. و إذا هذه الأصوات كلها تملأ الأرض، رقيقة خفيفة خائفة قلقة: (النجاء النجاء). إن للسماء لخبرا و إن الأرض لتستقبل يوما لم تستقبله من قبل، و إن لهذا اليوم في حياة الأرض لشأنا لا ندري أخير هو أم شر. (النجاء النجاء)، و لقد فقدت صوابي و أضللت عقلي فلا أحس شيئا، و لا أرى شيئا و لا أسمع شيئا، كأنما انتزعت من الحياة انتزاعا. ثم يمسني برد السحر فأفيق و كأنما ثبت إلى نفسي من سفر بعيد. و أنظر حولي فأرى أصابع الفجر تمتد إلى الأشياء كأنما تريد أن تلمسها، و أرى الليل ينحسر عن الأشياء كأنما يودعها محزونا، و أرى النجوم تنهزم في السماء كأنما تخاف جيشا منتصرا، و أرى ناقتي مذعنة لحكم السرى تمضي أمامها كأن شيئا لم يكن من حولها و أبلغ أهلي مع الصبح فيستقبلونني دهشين كما كنت أقدر و لكني لا أستمتع بهذا الدهش كما كنت أريد.

و يتفرق الناس عن هذا الرجل و قد سمعوا منه، و إن بعضهم ليسأل بعضا: ماذا يقول و ماذا رأى؟ و إن بعضهم ليقول لبعض: لقد أخذه النوم فعبثت به الأحلام. و إن بعضهم ليقول لبعض: لقد مر بجماعة من جن الصحراء كانوا يسمرون.

و يسمع عبد المطلب هذا كله فتثور في نفسه خواطر لا ينكرها و لا يعرفها، و لكنه لا يطيل الوقوف عندها، لأنه مشغول عنها بمقدم حفيده اليتيم.

انتهى من كتاب على هامش السيرة.

256

تحقيق ميلاد النبي (صلى الله عليه و سلم)

حينما كنا بمصر في عام ألف و ثلاثمائة و أربع و خمسين من الهجرة، اطلعنا على جريدة الأهرام التي صدرت هنالك في 12 ربيع الأول عام 1354 ه. الموافق 13 يونية سنة 1935 م، و كان فيها مبحث قيم عن تحقيق تاريخ ميلاد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بقلم الفاضل الأستاذ عبد الحميد شكري، فأثرنا نقله هنا لما فيه من الفوائد و هو هذا نصه:

قال الأستاذ المذكور: قادتني أبحاثي في كشف حقائق التوفيق بين الإسلام و النصرانية و هي التي قضيت فيها 23 عاما إلى تحقيق تاريخ ميلاد سيدنا عيسى (عليه السلام). و تاريخ يوم نزول الإنجيل المقدس و تاريخ ميلاد سيدنا محمد (صلى الله عليه و سلم).

و تاريخ نزول القرآن الشريف. أما ميلاد السيد المسيح فقد كتبنا فيه تحقيقا في جريدة الأهرام في 7 يناير سنة 1930. و الآن و قد حققنا يوم ميلاد سيدنا محمد (صلى الله عليه و سلم) بغاية الضبط ننشر ملخصا لتفاصيله مؤيدا بالبراهين التاريخية و الدينية و العلمية.

لتحقيق الحساب يجب فحص أقوال المؤرخين في السير النبوية و الأحاديث الصحيحة عن المدة من ميلاد سيدنا محمد (صلى الله عليه و سلم) إلى يوم نزول القرآن الشريف ثم إلى يوم هجرته ثم إلى يوم وفاته إلى أن تنظم التاريخ الهجري.

و من الأهمية العظمى معرفة نوع التاريخ الذي كان مستعملا عند العرب لغاية يوم حجة الوداع التي فيها أصلح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) التاريخ، و قد كانت طريقة النسئ بالشهور القمرية و السنين الشمسية فكل من أهمل في حسابه بحث هذه الطريقة كانت تحقيقاته عقيمة و يجب على الباحث أن يكون عالما بحركات الأرض و القمر حول الشمس؛ لأنها مقاييس الزمان، بل يجب معرفة تطورات التواريخ من عربية و إفرنجية و عبرانية لعمل المقارنة بينها لضبط الحساب.

فالتاريخ العبري كان أول سنيه شهر تشرين ثم صار شهر نيسان ثم أعيد في عصور مختلفة.

و التاريخ المسيحي صار إصلاحه في سنة 325 ميلادية بواسطة مجمع نيقية.

ثم تعدل مرة أخرى في سنة 1582 ميلادية بأمر البابا جيورجيوس الثالث عشر و إليه ينسب الحساب الجريجوري.

257

و التاريخ العربي كان من عهد إسماعيل (عليه السلام) بالشهور القمرية و السنين القمرية و كانوا يؤرخون ببناء الكعبة الشريفة إلى زمان عمر بن ربيعة الذي غير دين إبراهيم (عليه السلام) كما قيل ثم أرخوا بكعب بن لؤي الجد السابع للنبي عليه الصلاة و السلام، و ما زالوا يؤرخون به إلى عام الفيل فأرخوا به. و قد رجح المؤرخون أن هذا العام ولد فيه سيدنا محمد (صلى الله عليه و سلم)، و ما زال العرب من عهد إسماعيل و إبراهيم (عليهما السلام) يحسبون التاريخ بالشهور القمرية و السنين القمرية و كانت أسماء الشهور تختلف عن أسماءها الحالية بنحو 200 سنة كانت أسماؤها: المؤتمر، تاجر، خوان، صوان، حنين، زبا، الأصم، عادل، نافق، وغل، رنة، برك.

و قد نظمها إسماعيل بن عباد في قوله:

أردت شهور العرب في الجاهلية* * * فخذها على سرد المحرم تشترك‏

فمؤتمر يأتي و من بعده تاجر* * * و خوان مع صوان يجمع في شرك‏

حنين و زبا و الأصم و عادل‏* * * و نافق مع وغل و رنة مع برك‏

و كانوا يحجون إلى الكعبة في شهر برك الثاني عشر و لما كان حجهم يقع أحيانا في الصيف و أحيانا في الشتاء أرادوا أن يجعلوا الحج في أنسب المواسم التجارية و في فصل الربيع حيث تكون الأرض مخضرة و الهواء معتدلا، ففي نحو سنة 200 قبل الهجرة غيروا أسماء الشهور بأسماءها الحالية من محرم إلى ذي الحجة و استعملوا في الحساب طريقة تماثل طريقة اليهود ليقع شهر الحج في أول فصل الربيع، و هذه الطريقة تجعل السنة الشمسية كما يفعل اليهود.

فاليهود يكبسون أي يزيدون شهرا، ثالث عشر في كل سنتين أو ثلاث سنوات- وفقا للحساب لأن الفرق بين السنة القمرية و السنة الشمسية 875، 10 يوما أي نحو أحد عشر يوما و هو مقرب من ثلث شهر يصير هذا الفرق نحو شهر في ثلاث سنوات و يسمونه شهر الكبس آذار الثاني فيقع شهر نيسان في فصل الربيع كما أمر سيدنا موسى (عليه السلام).

أما العرب فكانوا يستعملون طريقة أخرى تختلف قليلا عن حساب اليهود و تؤدي إلى نفس الغرض، و هى النسئ بدل الكبس أي الطرح بدل الزيادة، و ما زالوا على هذا الحساب الشمسي بالنسئ من سنة 200 قبل الهجرة إلى سنة 10 بعد الهجرة يقع شهر الحج في نحو شهر مارس ففي هذه المدة 210 سنة كان يقع حجهم إلى الكعبة في فصل الربيع من كل عام حتى جاء النبي عليه الصلاة و السلام‏

258

في حجة الوداع سنة 10 هجرية فأبطل هذا الحساب و صحح التاريخ إلى حالته الأولى بالحساب القمرى كما سيجي‏ء مفصلا.

ففي مدة حياته كلها كان العرب يحسبون الشهور قمرية و يسقطون شهرا ينسئونه في كل ثلاث سنوات أو سنتين وفقا للحساب ثم يزيدون شهرا ليجعلوا السنين شمسية- السنة 242، 365 يوما.

و هذا يخالف الحساب القمري- السنة 367، 354 يوما الذى أمر به رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و صار عليه سيدنا عمر رضي اللّه عنه منظما من سنة 17 هجرية و استمر من سنة الهجرة إلى الآن.

فإنا وجدنا المؤرخين يقولون إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ولد يوم الاثنين 12 ربيع الأول عام الفيل، فيجب أن لا ننسى أن حسابهم بالنسئ الشمسي، و لما جاء علماء الفلك في الإسلام وجدوا أن يوم الاثنين من ربيع الأول في ذلك العام يوافق 9 ربيع الأول و استمر الجدال بين الدين و العلم أي بين تمسك المتدينين بيوم 12 ربيع أول و بين علماء الفلك القائلين بأنه يوم 9 ربيع الأول، و سأشرح كيف أن براهين العلم تؤيد صحة ما تمسك به أرباب الدين و هو أن يوم الاثنين كان يوافق 12 ربيع الأول.

اتفق معظم المؤرخين على أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ولد يوم الاثنين الواقع في 12 ربيع الأول عام الفيل، و قليل منهم قال غير ذلك و ليس بينهم خلاف في أنه عاش 63 سنة قمرية منها 53 سنة قبل الهجرة و 10 سنوات بعد الهجرة، فمولده كان في سنة 53 قبل الهجرة حسابا قمريا على التحقيق، و بما أن العالم الاسلامي متفق إلى الآن على أنه كان في 12 ربيع الأول و بما أن الدول و الأمم و الملوك الإسلامية تحتفل به على هذا الأساس و لا داعي لتكرار ما ورد في ذلك من كثير من الأقوال.

أما تعيين يوم الاثنين فيكفي في تحقيقه الحديث المأثور عن النبي (صلى الله عليه و سلم): (ولدت يوم الاثنين).

أما علماء الميقات و الفلك فحققوا أن الميلاد كان في سنة 53 قمرية قبل الهجرة و لكنهم وجدوا في الحساب أن يوم الاثنين من ربيع الأول في هذا العام يقع في 9 منه، و ليس في 12 منه. فأرادوا أن يصحح المسلمون في مشارق الأرض و مغاربها تاريخ الميلاد و يعتبروه يوم 9 منه و لكنهم نسوا عنصر النسئ الشمسي الذي أدخله العرب على الحساب القمري.

259

قال محمود باشا الفلكي في كتابه نتائج الإفهام نسخة عربية في صحيفة 30 بعد بحث طويل- يتلخص من هذا أن سيدنا محمدا (صلى الله عليه و سلم) ولد في يوم الاثنين 9 ربيع الأول الموافق 20 إبريل سنة 571 مسيحية: و هذا العام يوافق سنة 53 قمرية قبل الهجرة.

ورد في كتاب الغازي أحمد مختار باشا أن محمدا (صلى الله عليه و سلم) ولد في يوم الاثنين 9 ربيع الأول سنة 53 قبل الهجرة الموافق 20 إبريل سنة 571 مسيحية.

و جاء في دائرة المعارف الفرنسية الكبرى مجلد 23 صفحة 1174 ما ترجمته:

إن محمدا ولد في 20 إبريل سنة 571 ميلادية، و هو يوافق 9 ربيع أول سنة 53 قبل الهجرة.

سجل الأستاذ فريد وجدي في دائرة معارفه ما يأتي: ولد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في صبيحة يوم الاثنين 9 ربيع الأول الموافق 20 إبريل سنة 571 ميلادية.

سجل الأستاذ محمود ناجي في تقاويم الحكومة: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ولد يوم الاثنين 9 ربيع الأول سنة 53 قمرية قبل الهجرة.

أما أبحاث علماء الفلك و الحساب الذين توصلوا إلى أن محمدا (صلى الله عليه و سلم) ولد يوم الاثنين 9 ربيع الأول ترى أن المسألة من الدقة بمكان.

إن حساب أولئك الأفاضل المحققين قمري و هذا الحساب لم يكن العرب يستعملونه أبدا فكيف يحاسبونهم بما لا يستعملون و لست أدري كيف فاتهم أن العرب في عهد الرسول عليه الصلاة و السلام، كانوا يستعملون تاريخ النسئ يشهد اللّه في قرآنه و كفى باللّه شهيدا، و يشهد الرسول و قوله الحق، و يشهد المؤرخون بأن العرب كانوا يحسبون الزمان بالنسئ الشمسي.

فنستعرض على القارئ أولا أقوال المؤرخين: يستدل من كتاب الخطط للمقريزي جزء أول صفحة 282 على أن العرب في مدة حياة الرسول عليه الصلاة و السلام كانوا يحسبون التاريخ بالنسئ، و ورد في كتاب العبر لابن خلدون صفحة 321 قوله: و بنو عامر بن ثعلبة ابن الحارث بن مالك بن كنانة منهم نسأة الشهور في الجاهلية، و كل من صارت إليه هذه الطريقة يسمى القلمس، و أول من نسأ الشهور سمير بن ثعلبة بن الحارث، و في تفسير الطبري مجلد 10 صفحة 102: و كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام في الموسم على حمار له فيقول:

260

أيها الناس إني لا أعاب و لا أجاب و لا مرد لما أقول إنا قد حرمنا المحرم و أخرنا صفر، ثم يجي‏ء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته، و يقول: إنا قد حرمنا صفر و أخرنا المحرم فهو قوله: لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ‏ قال: يعني الأربعة الحرم فيحلوا ما حرم اللّه لتأخير هذا الشهر الحرام، إلى أن قال: حدثنا عن مجاهد في قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِي‏ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، قال: فرض اللّه الحج في ذي الحجة، قال: و كان المشركون يسمون الأشهر ذو الحجة و المحرم و صفر و ربيع و ربيع و جمادى و جمادى و رجب و شعبان و رمضان و شوال و ذو القعدة و ذو الحجة فيه مرة ثم يسكتون عن المحرم فلا يذكرونه ثم يعودون فيسمون صفر صفر ثم يسمون رجب جمادى الآخرة ثم يسمون شعبان رمضان ثم يسمون رمضان شوال ثم يسمون ذو القعدة شوالا ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة ثم يسمون المحرم ذا الحجة ثم عادوا بمثل هذه القصة فكانوا يحجون في كل عامين حتى وافقت حجة أبي بكر رضي اللّه عنه الآخر من العامين في ذي القعدة ثم حج النبي (صلى الله عليه و سلم) حجته التى حج فوافق ذي الحجة فذلك حين يقول النبي (صلى الله عليه و سلم) في خطبته: (إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق اللّه السموات و الأرض).

و ورد في تفسير روح المعاني للآلوسي (مجلد 4 صفحة 305): و كان في السنة التاسعة من الهجرة التي حج بها أبو بكر رضي اللّه عنه بالناس في ذي القعدة، أن الحج كان دائما في ذي الحجة و لكن بسبب النسئ وقع شهر ذي الحجة مكان ذي القعدة، و ورد مثل ذلك في صحيح البخاري و تاريخ الطبري و تاريخ العبر لابن خلدون.

و في تفسير الطبري في صحيفة 93: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيدون في قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِي‏ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية. قال: هذا كان رجل من بني كنانة يقال له التلمس كان في الجاهلية و كانوا في الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض في الشهر الحرام يلقى الرجل قاتل أبيه فلا يمد يده إليه، فلما كان هو قال: اخرجوا بنا، قالوا له: هذا المحرم، فقال: ننسئه العام هما لعام صفران فإذا كان عام قابل، قال: لا تغزوا في صفر حرموه مع المحرم هما محرمان المحرم أنسأناه عاما أول و نقضيه ذلك الإنساء إلى أن قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا فيجعلون المحرم صفر فيستحلون فيه الحرمات، فأنزل اللّه:

إِنَّمَا النَّسِي‏ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ.

261

و في صبح الأعشى جزء 2 صفحة 66 قوله: إلى أن حدث فيهم النسئ فكانوا ينسؤون المحرم فيؤخرونه إلى صفر فيحرمونه مكانه و ينسئون ربيعا و يؤخرونه إلى شعبان فيحرمونه مكانه ليستبيحوا القتال في الأشهر الحرم.

و في تفسير النيسابوري مثل هذه التفصيلات حيث قال ما معناه: إن النسئ هو تغيير السنة من 354 يوما و كسور إلى 365 يوما و كسور.

و جاء في السير الحلبية جزء 3 في باب حجة الوداع: إن أهل الجاهلية كانوا يؤخرون الحج في كل عام أحد عشر يوما حتى يدور الدور إلى 33 سنة فيعود إلى وقته، و لذلك قال عليه الصلاة و السلام في هذه الحجة: الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق اللّه السموات و الأرض فإن هذه الحجة كانت في السنة التى عاد فيها الحج إلى وقته و كانت سنة عشرة بعد الهجرة.

و نجد في دائرة المعارف الفرنسية مجلد 8 صحيفة 901 ما ترجمته: في سنة 412 بعد المسيح غيّر العرب أسماء الشهور إلى الشهور المعلومة الآن و كانوا ينسئون في شهر برك و هو الشهر الثاني عشر حتى أصلح محمد التاريخ في سنة 10 هجرية فصارت السنة قمرية أي قصر 11 يوما.

و من الغريب بعد كل ما ذكرنا أن يقع الغازي أحمد مختار باشا الفلكي في الخطأ فيعتبر النسئ كبسا، فقد دون في صحيفة 42 من كتابه إصلاح التقاويم ما يأتي:

إن سنة العرب في عهد سيدنا إبراهيم و سيدنا إسماعيل (عليهما السلام) كانت اثني عشر شهرا قمريا تضبط من رؤية الهلال إلى رؤيته ثانيا، و كانت أربعة منها حرم تسمى بالأشهر الحرم و كانوا يمتنعون فيها عن الجدل و القتال و يشتغلون فيها بزيارة الكعبة و بأمور راحتهم و قبل ظهور الإسلام بنحو 200 سنة بالتخمين استعملوا سنة مختلفة ما بين شمسية و قمرية كالطريقة العبرية و هي أنه كل ما صار الفرق بين السنة الشمسية و السنة القمرية و هو 11 يوما بالتقريب مساويا لشهر واحد أضافوه إلى السنة فتصير مركبة من ثلاثة عشر شهرا: فهو يقول بالزيادة لا بالنقصان.

أورد بالصحائف 48- 51 جدولا عن العشر سنوات التي بعد سنة الهجرة مبينا فيه كيفية الكبس عن السنين العربية الشمسية في تلك المدة على طريقة اليهود، ظن أن النسئ معناه الكبس فاعتقد أن العرب في الجاهلية كانوا يزيدون‏

262

شهرا ثالث عشر مثل اليهود و لو كان كذلك لسمي هذا الحساب كبسا لا نسيئا.

و الحقيقة: أنهم كانوا يتركون شهرا و يجعلون التالي له مكانه في كل ثلاث سنوات أو سنتين و يحجون في الشهر الثالث عشر، و كان هذا الفلكي الكبير يستند في ذلك إلى كتاب الآثار الباقية لأبي الريحان البيروني الفلكي الجليل و لكن إذا نظرنا إلى ما قاله البيروني نجد أنه يبين طريقة النسئ على خلاف ما استنتجه مختار باشا.

و البيروني أبو الريحان أحمد هو المهندس الفلكي أكبر مشاهير الفلكيين المحققين في العالم في زمانه المولود يوم الخميس 3 ذي الحجة سنة 362 هجرية و كان علماء أوروبا يسترشدون بمؤلفاته القيمة و كتابه الآثار الباقية عن القرون الخالية مطبوع بالعربي في ليبزج بألمانيا، جاء به في صحيفة 34: و كبني إسماعيل من العرب فإنهم كانوا يؤرخون ببناء إبراهيم و إسماعيل حتى تفرقوا و خرجوا من تهامة فكان الخارجون يؤرخون بخروجهم و الباقون يؤرخون بآخر الخارجين منهم حتى طال الأمد فأرخوا بعام رئاسة عمرو بن ربيعة المعروف بعمر بن يحيى و هو الذي يقال إنه بدل دين إبراهيم و حمل من مدينة البلقاء صنم هبل و عمل إسافا و نائلة ...

ثم أرخوا لعام موت كعب بن لؤي ... ثم أرخو بعام القدر إلى عام الفيل ثم أرخو به إلى تاريخ الهجرة، و في صحائف 60- 62 ذكر أسماء الشهور عند العرب الجاهلية و تغييرها إلى الشهور الحالية إلى أن قال: و كانوا في الجاهلية يستعلمونها على نحو ما يستعمله أهل الإسلام و كان حجهم يدور في الأزمنة الأربعة ثم أرادوا أن يحجوا وقت إدراكهم سلمهم من الأدم و الجلود و الثمار و غير ذلك و أن يثبت ذلك على حالة واحدة و في أطيب الأزمنة و أخصبها فتعلموا الكبس من اليهود المجاورين لهم و ذلك قبل الهجرة بقريب من 200 سنة فأخذوا يعملون بها ما يشاكل فعل اليهود من إلحاق فضل ما بين سنيهم و سنة الشمس شهرا بشهورها و يتولى الغلامي من بني كنانة بعد ذلك أن يقوموا بعد انقضاء الحج و يخطب في الموسم و ينسئون الشهر و يسموا التالي له باسمه فيتفق العرب على ذلك فيقبلون قوله و يسمون هذا من فعلهم النسئ لأنهم كانوا ينسئون أول السنة في كل سنتين أو ثلاثة شهرا على حسب ما يستحقه التقدم، قال قائلهم:

لنا ناسئ تمشون تحت لوائه‏* * * يحل إذا شاء الشهور و يحرم‏

263

و كان النسي‏ء الأول للمحرم و سمي صفر به و شهر ربيع الأول باسم صفر ثم والوا بين أسماء الشهور، و كان النسئ الثاني للصفر و سمي الذي كان يتلوه بصفر أيضا و كذلك حتى دار النسئ دورته في الشهور الاثني عشر و عاد إلى المحرم فأعادوا بها فعلهم الأول و كانوا يعدون النسئ و يحددون به الأزمنة فيقولون قد دارت السنون من زمان كذا إلى زمان كذا دورة فإن ظهر لهم مع ذلك فقدم شهر عن فصله من الفصول الأربعة لما يجتمع كسور سنة الشمس الذي ألحقوه بها كبسوها كبسا ثانيا و كان يتبين لهم ذلك بطلوع منازل القمر و بسقوطها حتى هاجر النبي عليه الصلاة و السلام كانت نوبة النسئ كما ذكرت بلغت شعبان و سمي محرما شهر رمضان صفر فانتظر النبي (صلى الله عليه و سلم) حينئذ حجة الوداع و خطب للناس و قال فيها: «ألا و إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق اللّه السموات و الأرض»، عنى بذلك أن الشهور قد عادت إلى مواضعها و زال عنها فعل العرب بها، و لذا سميت حجة الوداع الحج الأقوم، ثم حرم ذلك و أهمل أصلا. انتهى.

هذا الفلكي الجليل هو أعظم الشارحين بيانا و تفصيلا لذلك قد اتخذناه إماما و المؤرخون أجمعوا على أن العرب مدة حياة النبي (صلى الله عليه و سلم) كانوا يستعلمون النسئ الشمسي في حساب تواريخهم.

كلما ذكر المؤرخون العرب يوم ميلاد سيدنا محمد (صلى الله عليه و سلم)، أو يوم نزول القرآن الشريف أو يوم الهجرة أو يوم خطبة الوداع كانوا يذكرونه على حساب التاريخ الذي كانوا يستعملونه في ذاك الزمان بالنسئ، فجميع المؤرخين الميقاتيين و غيرهم الذين حسبوا تاريخ مولد سيدنا محمد (صلى الله عليه و سلم) و تاريخ نزول القرآن الشريف بالحساب القمري أنهم يحسبون على ما لم يكن العرب يستعملونه.

شهد اللّه أن التاريخ بالنسئ ما زال قائما في الحج و في حساب العرب بدليل قوله تعالى في سورة التوبة: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ، يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً، وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ* إِنَّمَا النَّسِي‏ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ، زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ، وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ‏.

264

أمر اللّه تعالى أن تعتبر السنة اثني عشر شهرا قمريا ليس فيها شهر ناقص يتغير، و لا كبس شهر زائد ثالث عشر، و لا تواطؤ و لا اختلاس و لا ضلال، لأنه تعالى رسم في الطبيعة 12 شهرا كما يعدها القمر في دورانه حول الأرض لنتبع حسابا صحيحا لا يخطئ‏ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ‏ سليم من الخطأ، و قد نزلت سورة التوبة التي فيها آية النسئ في سنة 9 هجرية بدليل ما ورد في تفسير الطبري عن الآية الشريفة في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا أي: بعد العام الذي نادى فيه علي (كرم اللّه وجهه) ببراءة و ذلك عام حج أبو بكر بالناس سنة 9 و كانت حجة الوداع سنة 10.

هذا دليل قاطع على أن العرب كانوا يحسبون تاريخهم بالنسئ الشمسي حتى سنة 9 هجرية و ما زال العمل به قائما حتى لغاه سيدنا محمد (صلى الله عليه و سلم) و أصلح التاريخ في خطبة الوداع يوم الجمعة 9 ذي الحجة سنة 10 هجرية الموافق الجمعة 9 آذار الثاني سنة 4392 عبرية، الموافق الجمعة 9 مارس سنة 632 مسيحية. و هذا الاتفاق في تواريخ دين اللّه كله كان عجيبا جديرا بالنظر و الاعتبار.

فمن قال من الميقاتيين أن سيدنا محمدا (صلى الله عليه و سلم) ولد يوم 9 ربيع الأول سنة 53 قبل الهجرة حسابا قمريا الموافق الاثنين 20 إبريل سنة 571 مسيحية لم يكن على الحق مهما كان حسابه فلكيا صحيحا لأن هذا التاريخ على الحساب القمري و لكنه غير ما كان يستعمله العرب من حساب النسئ الشمسي بدليل قول اللّه تعالى في كتابه الكريم. و قد ثبت بالبرهان العلمي أن سيدنا محمدا (صلى الله عليه و سلم) ولد يوم الاثنين 12 ربيع الأول.

وصف رضاعته (صلى الله عليه و سلم)

لا نريد هنا بسط الكلام على رضاعة نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم)، فإن ذلك معروف في كتب التاريخ و السير، و لكنا نحب هنا ذكر قصة الرضاعة بلغة أهل الأدب، فإن لذلك طعما غير طعم عبارة التواريخ، فإليك القصة بقلم عميد الأدب في زماننا هذا (الدكتور طه حسين) وزير المعارف المصرية سابقا، فقد قال حفظه اللّه تعالى في الجزء الأول من كتابه" على هامش السيرة" ما يأتي:

265

أقبل المراضع إلى مكة عجافا نحافا، تحملهن حمر عجاف نحاف، و يصحبهن أزواجهن قد مسهم الضر، و أعياهم الكسب، و اشتدت عليهم السنة، و أجدبت بهم الأرض، فما يجدون إلى أمن و لا دعة و لا حياة سبيلا. و قد أقبلوا كدأب أهل البادية إلى مكة يلتمسون الرضعاء أبناء السادة و المترفين في قريش، و يبتغون بذلك فضلا من مال و نافلة من نعيم، و حظا من هذا البر الذي تطمع فيه المراضع عند أهل الرضعاء. فلما ألقوا رحالهم، انحدر المراضع إلى مكة يعرضن أنفسهن على دور الأغنياء و أهل الثراء، و منازل السادة و أصحاب الشرف من أهل البطحاء و أسرع أزواجهن إلى المسجد يطوفون و يلقون سراة الناس من قريش، فيسمعون منهم و يتحدثون إليهم و يستعينون بهم على احتمال أثقال الحياة في تلك البادية النائية، بادية بني سعد بن بكر. و ما هي إلا طوفة في الضحى على بعض المنازل و الدور حتى آب المراضع موفورات مجبورات، و قد وجدت كل واحدة منهن رضيعا من أسرة كريمة موسرة، فامتلأت يدها بالمال، و نفسها بالأمل، و قلبها بالغبطة و الأمن على قوت العيال، إلا حليمة بنت أبي ذؤيب، فإنها عادت إلى زوجها كئيبة محزونة، لا تحمل إلا ابنها الهزيل النحيل الذي يصيح في غير انقطاع، و يبكي في غير هدوء، لشدة ما مسه من ألم الظمأ و الجوع.

و لقي الأعرابي امرأته الشابة محزونا مثلها، كئيبا مثلها لا يؤذيه ما يحس من الجوع و الظمأ، كما يؤذيه ما يسمع و يرى من بكاء الطفل و توجع أمه البائسة.

قال: إني لأرى أترابك من المراضع يرجعن موفورات مجبورات يحملن الرضعاء، فما بالك تعودين لا تحملين رضيعا إلا هذا الطفل؟ ألعلك قد دللت الناس على مكاننا من البؤس و حظنا من الفاقة حين احتملت هذا الطفل الذي لا ينقطع له صياح؟ ألعلك قد أيأست الأمهات و أخفت الآباء ألا يلقى أبناؤهم عندك ما يرويهم من ظمأ أو يشبعهم من جوع؟ ليتني لم أنحدر مع الناس إلى المسجد و ليتني بقيت هنا أحفظ عليك هذا الطفل، حتى لا يسمع الأمهات و الآباء له بكاء و لا شكاة، و حتى لا يرى الآباء و الأمهات عليه بؤسا و لا ضرا.

قالت: و اللّه ما صد عني الآباء و الأمهات، و لقد أسكت هذا الطفل فما بكى و لا شكى، و ما أحس أحد عليّ و لا عليه ضرا أو شرا، و إنما صددت أنا عن رضيع صدّ عنه الأتراب من قبلي.

قال الأعرابي: و فيم صد كن عنه و اجتنابكن له.

266

قالت: يتيم ليس له أب يرعاه أو يكلؤه، إنما هو إلى أمه وجده. و ما تصنع أمه و ما يصنع جده، و ماذا تنتظر من بر الأمهات بالمراضع و من بر الجدود بالحفدة، و إنهم لكثير.

قال: صدقت، و ما لإرضاع اليتامى و المساكين أقبلنا من ديار بني سعد.

و إني لأجد في نفسي إشفاقا على هذا اليتيم رحمة له، و لكن ماذا نصنع به في تلك الأرض النائية إذا لم يصل إليه و إلينا من برّ أهله ما يقيمه و يقيمنا، و يصلح من حاله و من حالنا؟

قالت: لقد رأيته فأحببته، و نظرت إليه فرققت له. و لقد أنست من أمه دعة ولينا، و لقد نازعتني نفسي إلى أن أحمله لولا أني أشفقت مما تقول، و لولا أني ذكرت الجدب و شدة السنة و انقطاع المادة و أشفقت عليه مما نحن فيه.

قال الأعرابي: فسنقفل إذا كما أقبلنا، و يقفل القوم راضين. و إني و اللّه يا ابنة أبي ذؤيب ما أدري أتبلغنا أتاننا و شارفنا ديار بني سعد، و إنك لتعلمين أن أتاننا منهوكة مكدورة، و أن شارفنا ما تبض قطرة من لبن.

قالت: فلنقم، فإن الأطفال يولدون، و لعل اللّه أن يرزقنا بين اليوم و غد رضيعا نجد عند أهله ما يرضينا.

و همّ المراضع بالقفول، و أخذت بنت أبي ذؤيب تنظر إليهن محزونة مكلومة يؤذيها ما ترى من إنجاحهن و إخفاقها، و من قفولهن و تخلفها، و أخذ الأعرابي ينظر إلى رفاقة يشدون الرحال على المطايا، و يحملون النساء على الأتن فيؤذيه ذلك و يغيظه، و لكنه يخفي ما يجد من الغيظ، و يظهر التجلد و الصبر. حتى إذا مضى اليوم و أمعنوا في الطريق و بعدوا عن مرمى العين، نظر الرجل إلى امرأته و نظرت المرأة إلى زوجها، و نظر الزوجان إلى ابنهما و استمعا لبكائه، و إذا هي تقول لزوجها: ما أدري. لعلي لم أحسن حين جاريت أترابي و أعرضت عن هذا اليتيم، و إن نفسي لتنازعني إليه، و إن قلب ليعطفني عليه، و إني لأحس كأنه يدعوني، و إني لأشعر كأني لا أستطيع عنه صبرا، و إني لأرجو إن استجبت لهذا الدعاء الخفي أن يكون اللّه قد قدر لنا خيرا و آثرنا ببعض ما نحب. قال: فلا عليك يا ابنة أبي ذؤيب، اذهبي إلى يتيمك فخذيه، فإني أكره أن يرحل القوم و نبقى، و أن يصلوا إلى ديار بني سعد فيتحدث المراضع أنهن قد ظفرن بالرضعاء و أن نفوس الآباء و الأمهات قد انصرفت عنك و زهدت فيك.

267

فتنهض بنت أبي ذؤيب فتعود إلى آمنة فتعرض عليها إرضاع الطفل، و إذا آمنة تأبى و قد آذاها ما رأت من إعراض المراضع و انصرافهن، و على وجهها آيات حزن عميق، و في صوتها بقية من بكاء، و أمتها بركة تعينها على الإباء و تحرضها على الامتناع. و لكن ابنة أبي ذؤيب تنظر إلى الطفل فإذا قلبها يمتلئ حبا له، و إذا هي تحس أنها مدفوعة إليه دفعا، و إذا هي تسرع إلى الطفل فترفعه بين يديها و تدنيه من صدرها، و إذا الطفل يلتمس الثدي كأنما كان منه على ميعاد، و إذ هو يشرب حتى يروى، و إذا بنت أبي ذؤيب تجد من اللبن ما لم تكن تجد من قبل، و إذا آمنة تستجيب لها، كيف تأبى عليه و قد رأت من حبها للطفل و من إقبال الطفل عليها و من إرضاعها له ما رأت. لقد أصبحت هذه الظئر له أما. قالت آمنة: خذيه و لا تراعي، فاني لأرجو ألا تجدي منه إلا خيرا، فلقد حملته فما وجدت له ثقلا، و لقد انتظرته تسعة أشهر فما أحسست مما يحس النساء قليلا و لا كثيرا، و لولا غاشية الحزن التي غشيتنا بفقد أبيه لكانت هذه الأشهر أسعد ما تظفر به امرأة من دهرها. و لكن الحوادث تحدث و الخطوب تلم و الآمال تقطع و قد كان يرجى أن تتصل. و السحب تتراكم فتحجب ضوء الشمس. و لقد وضعت هذا الصبي فما عرف صاحباتي علي و عليه شيئا مما تعودن أن يعرفن على الأمهات و الولدان. و إنك لتنكرين يا ظئر لو تسمعين. قالت حليمة: و ماذا أسمع و ماذا أنكر؟ قالت آمنة: لم أكن تلك الليلة في دار من دور قريش، و إنما كنت في مكان لم يألفه الناس: كنت في بحر من النور كله رحمة و بر و رضوان. و ما لك لا تنكرين هذا يا ظئر و قد أنكرته أنا و أنكرته صواحبي؟ و ما لك لا تعجبين يا ظئر و قد عجبت و عجبت صواحبي و عجب جده الشيخ. سلي حاضنته هذه تنبئك بما رأت و ما سمعت. سلي من شئت من نساء بني هاشم و رجالهم تعلمي أن لابني هذا اليتيم شأنا ليس لغيره من أبناء الأغنياء و أهل اليسار. لا تراعي يا ظئر، فإنك تحملين وليدا كريما لأب كريم وجد كريم. ثم انهلت من عينها دموع غزار و قالت في صوت يقطعه البكاء: لا تيأسي يا ظئر، فإن معروفنا على قلته سيصل إليك، و رب قليل خير من كثير. قالت حليمة، و قد رق قلبها و جادت عيناها ببعض الدمع على غير عادة الأعرابيات: لا بأس عليك يا ابنة وهب، فإني و اللّه ما استطعت صبرا على هذا الصبي منذ رأيته. و إني و اللّه ما أدري ما الذي عطفني عليه حتى رجعت إليك آخذه منك. و قد كنت أستطيع القفول، و قد كنت‏

268

أستطيع المكث في بلدكم هذا يوما أو أياما، فالأطفال يولدون، و سراة قريش في حاجة إلى المراضع كل يوم، و لكنه و اللّه أمر يراد.

و انصرفت حليمة بابنها الجديد راضية مسرورة، قانعة بما زودتها به آمنة من البر و المعروف، حتى إذا انتهت إلى زوجها الأعرابي لقيها باسم الثغر، مشرق الوجه، سعيدا أن لا تعود إليه صفر اليدين. و لم يكد ينظر إلى الطفل حتى انطلق لسانه، و إذا هو يقول لامرأته: إيه با ابنة أبي ذؤيب، ما رأيت كاليوم وجها مشرقا يفيض منه البشر، إني و اللّه لأرجو أن يكون لنا من هذا الغلام خير.

و ينهض الأعرابي إلى شارفه يلتمس في ضرعها الجاف قطرات من لبن يبل بها ظمأ امرأته و ينقع بها بعض غلاته فما أسرع ما يأخذه عجب لا ينقضى حين يرى شارفه حافلة تمنحه من اللبن ما يريد و ما تريد امرأته، و فوق ما يريد و ما تريد امرأته. و ينظر الأعرابي فإذا ابنه الأول يجد عند أمه ما يرويه و يرضيه، و إذا وجهه الكالح المظلم قد أخذ يشرق و يضي‏ء، و إذا ابتسامة حلوة طاهرة قد ارتسمت على ثغره البري‏ء، و إذا هو يقول لامرأته: تعلمي يا بنت أبي ذؤيب إنك قد حملت نسمة مباركة.

و تنهض الظئر إلى أتانها فتركبها، و تضع الرضيع بين يديها، و ينهض الأعرابي إلى شارفه فيمتطيها، و يرميان بنفسيهما في الطريق يلتمسان الركب من بني سعد، و الركب بعيد قد دفع به في الطريق طويلة نائية. و لكن الأعرابية تجد من أتانها نشاطا وحدة، و لكن الأعرابي يجد في شارفه قوة و مرحا، و هما يمضيان و كأنهما تطوى لهما الأرض طيا. ثم يقول الأعرابي لامرأته: مدي عينيك يا ابنة ذؤيب، أترين شيئا؟ قالت: إي و اللّه، إني لأراهم، و إنهم لأدنى من مرمى العين. و ما هي إلا أن يبلغ الأعرابي جماعة بني سعد، فيعجب الناس بأمر حليمة و قد أدركتهم في غير جهد و لا كد، و الأمد بعيد، و الطريق شاقة. و يسأل النساء حليمة عن هذا الرضيع الذي تحمله، فإذا أنبأتهن بنبئه أظهرن لها الرقة و الرثاء، و أضمرن التيه و الكبرياء. و يمضي الركب أخذا بأطراف الحديث، و إن حليمة لتسبق أترابها حتى تعييهن، و إن أترابها ليقلن لها: أهذه أتانك يا ابنة أبي ذؤيب التي أقبلت بك إلى مكة؟ فتقول: هي و اللّه أتاني ما غيرتها. فيقلن: اربعي علينا يا بنت أبي ذؤيب، فما رأينا كاليوم مرحا و لا عدوا.

269

و يبلغ الركب ديار بني سعد، و يثوب المراضع إلى بيوتهن و يستأنفن حياة أهل البادية في أرض مجدبة قلّ فيها الرعي و الماء، و كثر فيها البؤس و الشقاء، و غنم حليمة ترعى كما ترعى الغنم، و لكنها تروح ملآ حفّلا لا يظمأ أصحابها و لا يجوعون، تروح غنم السعديين مهزولة نحيلة ناضية، لا تكاد تبض بما يبل الريق، و هم يقولون لرعاتهم: ويلكم ارعوا حيث ترعى غنم ابنة ذؤيب. فيقول الرعاة:

و اللّه إن لنرعى حيث ترعى، و إنها و اللّه لا تجد أكثر مما نجد، و لكنها تروح ملآ و نروح بغنمنا كما ترون، لا تغني من ظمأ و لا جوع. فيقولون: إن لابنة أبي ذؤيب لشأنا.

و تنعم حليمة و ينعم أبناؤها بحياة راضية هادئة و ينمو رضيعها و يزكو. و تقضي هذه الأسرة عامين راضين لا تعرف فيها مشقة و لا جهدا، و لا تجد فيهما ألما و لا سقما، و إنما هي أيام و ليال تطرد و يمضي بعضها في أثر بعض، لا كدر فيها، حتى إذا آن للرضيع أن يثوب إلى أمه نظرت حليمة و زوجها، فإذا الطفل قد نما و زكا كأحسن ما ينمو الأطفال و يزكون، لم يكد يتم الثانية و كأنه ابن الأربع، و القوم عليه حراص، و لكنهم يؤدونه على ذلك إلى أمه كارهين. ثم تهم حليمة أن ترجع و قد أرضت آمنة و عبد المطلب و أرضتها آمنة و عبد المطلب، و لكنها لا تستطيع فراق الطفل حبا له و حدبا عليه، و رغبة في استبقاء ما وجدت في استصحابه من خير، فتلح على آمنة أن ترده معها إلى البادية حيث الهواء النقي، و السماء الصافية، و الحياة الهادئة البريئة، هناك حيث لا مرض و لا وباء و لا فساد. و تجيبها آمنة إلى ما أرادت و قد آثرت الطفل على نفسها، وضحت بلذة الأمومة في سبيل تنشي‏ء ابنها تنشيئا صالحا. و هل عرفت آمنة إلا التضحية؟ و تمضي حليمة بالصبي راضية، و تبقى آمنة في مكة محزونة، و تنظر بركة إلى حليمة نظرات فيهن الحسد.

و تنظر بركة إلى آمنة نظرات فيهن اللوم.

قلت لمحدثي: فكيف قضى الصبي أيامه بعد ذلك في البادية، و كم أقام عند ظئره في ديار بني سعد؟ قال: إن لهذا لحديثا عجيبا مهما أبلغ من البراعة و قوة البيان فلن أقصه عليك في تلك السذاجة الحلوة الأخاذة التي كان يقصها مكحول على أهل الشام. فاسمع حديث مكحول فإنك واجد فيه مثل ما وجدت من اللذة و العظة و العبرة و المتاع.

270

قال مكحول: حدثني سداد بن أوس قال: «بينا نحن جلوس عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، إذ أقبل شيخ من بني عامر و هو مدرة قومه و سيدهم، شيخ كبير يتوكأ على عصا، فمثل بين يدي النبي (صلى الله عليه و سلم) قائما، و نسبه إلى جده فقال: يا ابن عبد المطلب إني أنبئك أنك تزعم أنك رسول اللّه إلى الناس، أرسلك بما أرسل به إبراهيم و موسى و عيسى و غيرهم من الأنبياء ألا و إنك فوهت بعظيم. و إنما كانت الأنبياء و الخلفاء في بيتين من بني إسرائيل و أنت ممن يعبد هذه الحجارة و الأوثان، فما لك و للنبوة، و لكن لكل قول حقيقة، فأنبئني بحقيقة قولك و بدء شأنك. قال:

فأعجب النبي (صلى الله عليه و سلم) بمسألته، ثم قال: يا أخا بني عامر إن لهذا الحديث الذي تسألني عنه نبأ و مجلسا، فاجلس، فثنى رجليه ثم برك كما يبرك البعير. فاستقبله النبي (صلى الله عليه و سلم) بالحديث فقال: يا أخا بني عامر، إن حقيقة قولي و بدء شأني أني دعوة أبي إبراهيم، و بشرى أخي عيسى بن مريم، و أني كنت بكر أمي، و إنها حملت بي كأثقل ما تحمل، و جعلت تشتكي إلى صواحبها ثقل ما تجد. ثم إن أمي رأت في المنام أن الذي في بطنها نور. قالت: فجعلت أتبع بصري النور و النور يسبق بصري، حتى أضاءت مشارق الأرض و مغاربها. ثم إنها ولدتني فنشأت. فلما أن نشأت بغضت إليّ أوثان قريش، و بغض إليّ الشعر. و كنت مسترضعا في بني ليث ابن بكر. فبينا أنا ذات يوم منتبذ من أهلي في بطن واد مع أتراب لي من الصبيان، نتقاذف بيننا بالجلة، إذ أتانا رهط ثلاثة معهم طست من ذهب ملي‏ء ثلجا، فأخذوني من بين أصحابي، فخرج أصحابي هربا حتى انتهوا إلى شفير الوادي، ثم أقبلوا على الرهط فقالوا: ما أربكم إلى هذا الغلام، فإنه ليس منا، هذا ابن سيد قريش، و هو مسترضع فينا، غلام يتيم ليس له أب، فماذا يردّ عليكم قتله؟ و ماذا تصيبون من ذلك، و لكن إن كنتم لا بد قاتليه فاختاروا منا أينا شئتم فليأتكم مكانه فاقتلوه، و دعوا هذا الغلام فإنه يتيم.

فلما رأى الصبيان القوم لا يحيرون إليهم جوابا انطلقوا هربا مسرعين إلى الحي يؤذنونهم و يستصرخونهم على القوم. فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعا لطيفا، ثم شق ما بين مفرقي صدري إلى منتهى عانتي و أنا أنظر إليه لم أجد لذلك مسا، ثم أخرج أحشاء بطني، ثم غسلها بذلك الثلج، فأنعم غسلها، ثم أعادها مكانها، ثم قام الثاني منهم فقال لصاحبه: تنح فنحاه عني، ثم أدخل يده في جوفي فأخرج قلبي و أنا أنظر إليه. فصدعه، ثم أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها، ثم مال بيده يمينا منه كأنه يتناول شيئا، فإذا أنا بخاتم في يده من نور

271

يحار الناظرون دونه، فختم به قلبي فامتلأ نورا، و ذلك نور النبوة و الحكمة، ثم أعاده مكانه، فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرا. ثم قال الثالث لصاحبه:

تنح، فتنحى عني، فأمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتئم ذلك الشق بإذن اللّه ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا لطيفا، ثم قال للأول الذي شق بطني: زنه بعشرة من أمته، فوزنوني بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته، فوزنوني بهم فرجحتهم. ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنوني بهم فرجحتهم. فقال: دعوه فلو و زنتموه بأمته كلها لرجحهم. قال: ثم ضموني إلى صدورهم و قبلوا رأسي و ما بين عيني. ثم قالوا: يا حبيب لا ترع، إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك. قال: فبينا نحن كذلك إذا أنا بالحي قد جاءوا بحذافيرهم، و إذا أمي و هي ظئر أمام الحي تهتف بأعلى صوتها و تقول: يا ضعيفاه! فانكبوا عليّ فقبلوا رأسي و ما بين عيني. فقالوا: حبذا أنت من ضعيف.

ثم قالت ظئري: يا وحيداه، فانكبو عليّ فضموني إلى صدورهم و قبلوا رأسي و ما بين عيني، ثم قالوا: حبذا أنت من وحيد. و ما أنت بوحيد إن اللّه معك و ملائكته و المؤمنين من أهل الأرض. ثم قالت ظئري: يا يتيماه، استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك، فانكبوا عليّ فضموني إلى صدروهم، و قبّلوا رأسي و ما بين عيني، و قالوا: حبذا أنت من يتيم ما أكرمك على اللّه، لو تعلم ماذا يراد بك من الخير.

فوصلوا بي إلى شفير الوادي. فلما بصرت بي أمي، و هي ظئري، قالت: يا بني ألا أراك حيا بعد فجاءت حتى انكبت علي و ضمتني إلى صدرها. فو الذي نفسي بيده إني لفي حجرها و قد ضمتني إليها، و إن يدي في يد بعضهم، فجعلت ألتفت إليهم، و ظننت أن القوم يبصرونهم، فإذا هم لا يبصرونهم. يقول بعض القوم: إن هذا الغلام قد أصابه لمم أو طائف من الجن، فانطلقوا به إلى كاهننا حتى ينظر إليه و يداويه. فقلت: يا هذا ما بي شي‏ء مما تذكر، إن إرادتي سليمة و فؤادي صحيح ليس بي قلبة. فقال أبي- و هو زوج ظئري-: ألا ترون كلامه كلام صحيح، إني لأرجو ألا يكون بابني بأس. فاتفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن، فاحتملوني حتى ذهبوا بي إليه فلما قصوا عليه قصتي، قال: اسكتوا حتى أسمع من الغلام فإنه أعلم بأمره منكم. فسألني فاقتصصت عليه أمري ما بين أوله و آخره. فلما سمع قولي وثب إلي و ضمني إلى صدره، ثم نادى بأعلى صوته: يا للعرب يا للعرب، اقتلوا هذا الغلام و اقتلوني معه، فو اللات و العزى لئن تركتموه‏

272

و أدرك ليذلن دينكم و ليسفهن عقولكم و عقول آبائكم، و ليخالفن أمركم، و ليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثله قط. فعمدت ظئري فانتزعتني من حجره و قالت:

لأنت أعته و أجن من ابني هذا، فلو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به، و اطلب لنفسك من يقتلك، فإنّا غير قاتلي هذا الغلام. ثم احتملوني فأدوني إلى أهلي. فأصبحت مفزعا مما فعل بي، و أصبح أثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي كأنه الشراك، فذلك حقيقة قولي و بدء شأني يا أخا بني عامر.

فقال العامري: أشهد باللّه الذي لا إله غيره أن أمرك حق. فأنبئني بأشياء أسألك عنها. قال: سل عنك- و كان النبي (صلى الله عليه و سلم) قبل ذلك يقول للسائل: سل عما شئت و عما بدا لك. فقال للعامري يومئذ:" سل عنك" لأنها لغة بني عامر، و كلمه بما علم- فقال له العامري: أخبرني يا ابن عبد المطلب ما يزيد في العلم؟

قال: التعلم. قال: فأخبرني ما يدل على العلم؟ قال النبي (صلى الله عليه و سلم): السؤال. قال:

فأخبرني ماذا يزيد في الشر، قال: التمادي. قال: فأخبرني هل ينفع البر بعد الفجور، قال: نعم التوبة تغسل الحوبة، و الحسنات يذهبن السيئات، و إذا ذكر العبد ربه عند الرخاء أغاثه عند البلاء.

قال العامري: و كيف ذلك يا ابن عبد المطلب؟ قال: ذلك بأن اللّه يقول:

لا و عزتي و جلالي، لا أجمع لعبدي أمنين، و لا أجمع له أبدا خوفين: إن هو خافني في الدنيا أمنني يوم أجمع فيه عبادي عندي في حظيرة القدس فيدوم له أمنه، و لا أمحقه فيمن أمحق، و إن هو أمنني في الدنيا خافني يوم أجمع فيه عبادي لميقات يوم معلوم فيدوم له خوفه.

قال: يا ابن عبد المطلب، أخبرني إلام تدعو، قال: أدعو إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له، و أن تخلع الأنداد و تكفر باللات و العزى، و تقر بما جاء من اللّه من كتاب أو رسول، و تصلي الصلوات الخمس بحقائقهن، و تصوم شهرا من السنة، و تؤدي زكاة مالك يطهرك اللّه بها و يطيب لك مالك، و تحج البيت إذا وجدت إليه سبيلا، و تغتسل من الجنابة، و تؤمن بالموت و بالبعث بعد الموت و بالجنة و النار.

قال: يا ابن عبد المطلب، فإذا فعلت ذلك فما لي، قال النبي (صلى الله عليه و سلم): جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و ذلك جزاء من تزكى.

273

قال: يا ابن عبد المطلب، هل مع هذا من الدنيا شي‏ء فإنه يعجبني الوطأة من العيش، قال النبي (صلى الله عليه و سلم): نعم النصر و التمكن في البلاد. قال: فأجاب و أناب.

قلت لمحدثي: إن هذا النبأ ليعجب، فمن لهذا الشيخ العامري بما كان يعلم من أمر إبراهيم و موسى و عيسى و غيرهم من الأنبياء، قال: كان كثير من هؤلاء العرب يلقون اليهود و يلقون النصارى فيعلمون منهم علم الأنبياء، و ينتهون إلى نفور من دينهم القديم في غير اطمئنان إلى يهودية اليهود و نصرانية النصارى فأخرجهم اللّه بالإسلام من حيرتهم تلك.

قلت لمحدثي: فكيف انتهى حديث مكحول إلى أهل الشام؟ قال: أما علمت أن شداد بن أوس سكن فلسطين، و أنفق شطرا طويلا من حياته في بيت المقدس يعلم الناس و يحدثهم وعده بذلك النبي نفسه، فقد تحدثوا أنه كان عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم و هو يجود بنفسه فقال: مالك يا شداد، قالت:

ضاقت بي الدنيا.

فقال:" ليس عليك، إن الشام سيفتح و بيت المقدس سيفتح و تكون أنت و ولدك من بعد أئمة فيهم إن شاء اللّه تعالى".

انتهى من كتاب على هامش السيرة.

محمد (صلى الله عليه و سلم) المثل الأعلى في الأنبياء

عثرنا بالمصادفة على كتاب مطبوع بمصر اسمه" المثل الأعلى في الأنبياء" تأليف خ. كمال الدين، و عربه عن الإنكليزية الأستاذ أمين محمود الشريف، فرأيناه كتابا قيما بأسلوب بديع شيق، يثبت المؤلف بأدلة عقلية قوية أن نبينا" محمدا" (صلى الله عليه و سلم) هو المثل الأعلى في الأنبياء، و في الكتاب قليل من الأخطاء كان الواجب على المؤلف أن يتنبه لها جيدا، و لكنه يعذر بحسن نيته، و نحن لم نتعرض لهذه الأخطاء و تصحيحها لأننا لسنا في معرض نقد للكتاب، و لقد نقلنا منه ما يوافق غرضنا، و إليك بعض النبذ التي جاءت فيه عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)- فقد جاء في صحيفة (38) ما يأتي:

فهؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة و السلام قد انطمست معالم صورهم الحقيقية بما أسبغ عليها من ألوان التبجيل و الإطراء، أما محمد (صلى الله عليه و سلم)، فهو شخصية تاريخية

274

واضحة المعالم، و كل أفعاله و أقواله قد أحصاها معاصروه في كتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة، بل هو النبي الفذ الذي يمكن أن يسمى شخصية تاريخية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، إذ أن سيرته معروفة منذ نعومة أظفاره إلى أن اختاره اللّه لجواره، و لا سيما الفترة التي أدى فيها الرسالة. و لست أغالي إذا قلت أنني أعرفه أكثر مما أعرف أبوي، ثم أليس من العجيب أننا لا نجد فيما أثر عنه- على كثرته- إلا كل ما يدعو إلى الاحترام و الإعجاب، و لست أدرى ماذا يكون رأينا في غيره إذا أتيح لنا أن نعرف أكثر مما نعرف عنه، فإن سيرة غيره من الأنبياء مضروب عليها حجاب من الغموض و الأساطير، و لا نعرف من حياتهم اليومية إلا القليل. و ما يحكى عنهم يشبه كلام الكهان، حتى لا يتصور العقل أنهم أشخاص حقيقيون و لكن تاريخ النبي (صلى الله عليه و سلم) معروف أكثر من أية شخصية أخرى في التاريخ، و إنه لمن دواعي العجب أن العدو لا يجد وجها للنقد فيما روي عنه و هو كثير.

و هنا يظهر فضل النبي على غيره، و هذا أحد الأسباب الكثيرة التي تحملنا على القول بأنه المثل الأعلى في الأنبياء، فسجل أقواله و أفعاله كامل غير منقوص، و سننه القولية و الفعلية يتمم بعضها بعضا، و كأن كل مطلب من المطالب الروحية قد قدر و عمل حسابه، فكل ما يعرض للإنسان مما دق أو جل يتجلى في مرآة حياته. لا أستطيع أن أقول باعتباري مسلما أن غيره من الأنبياء لم يؤدوا رسالتهم كاملة، بل كل ما أريد أن أقوله أننا لا نجد في كل ما أثر عنهم إلا القليل مما يفي بحاجة البشر، و لابد أنهم قد أدوا ما أرسلوا به، و لكن مؤرخيهم لم يقوموا بحقهم. و لا يسعني إزاء قلة ما أثر عنهم إلا أن أقول، أنه لولا محمد (صلى الله عليه و سلم) ما استطعنا أن نفهم قدر النبوة، إذ لو كانت وظيفة النبي مقصورة على القول دون العمل، و إلقاء بعض العظات دون أن يعمل في حياته شيئا لرفعة الإنسانية، بل يكرر الدروس التي ألقاها غيره بعبارة أخرى، لما كان هناك معنى للرسالة الإلهية لأننا نستطيع أن نتعلم هذه الدروس نفسها ممن لم يدع أنه مرسل من عند اللّه.

ثم جاء فيه أيضا بصحيفة (42) ما نصه:

و إذا نظرنا في حال من تقدم من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، وجدنا أنه لا يخلو من أمرين:

275

(الأول) أنهم لم يمارسوا جميع أحوال الحياة كما مارسها النبي (صلى الله عليه و سلم)؛ لأنهم لم تهيأ لهم الفرصة، و لو تهيأت لفعلوه. و لنضرب مثلا بالمسيح (عليه السلام)، كلنا نعلم أن كثيرا من سعادة المرء يتوقف على معاملة أهله بخلق حسن، فلو أن المسيح تزوج لكان مثال الزوج الكامل، و لكنه لم تتح له فرصة الزواج، و لذا فنحن لا نستطيع أن نقتدي به في هذه الناحية.

(الثاني) أن الذين منهم أتيحت لهم الفرصة و أدوا واجبهم على الوجه الأكمل، لم يصل إلينا من أخبارهم إلا النزر اليسير، و حتى هذا النزر اليسير لا يصور لنا الحقيقة كما هي، بل هو صورة ما انطبع في أذهان أصحابهم الذين دونوا تاريخهم فكتبوا ما راق لهم، هذان الأمران بالذات هما السبب في أن الإنسان يحاول عبثا أن يجد قبسا من النور و الهدى في حياة الأنبياء السابقين، و لكن محمدا (صلى الله عليه و سلم) هو العلم الفرد الذي يجد الباحث في تاريخه ما يروي غليله.

ليس كل ما في جعبة النبي هو الدعوات الصالحات، و إنزال اللعنات، و إلقاء العظات، و الإتيان بالمعجزات، بل إن منصب النبوة أسمى من ذلك و أجل، فالنبي يبعث لإحياء الإنسانية من الموت العقلي و الخلقي و الروحي الذي حل بها، و يبعث بالشرائع السامية ليعمل بها في خاصة نفسه، و يأمر الناس أن يهتدوا بهديه، و بذلك يحيي أرض القلوب بعد موتها.

و خلاصة القول أنه يبعث" لتكميل الإنسانية" و هي مشكلة من أعوص المشاكل، لأن للإنسان جوانب متعددة منها الناحية الجسمية و الناحية العاطفية و الشعورية و الاجتماعية و الخلقية و الروحية، و هذه النواحي كلها مشتبكة يكمل بعضها بعضا في وجودها و تطورها، كما أنها تتعاون في أداء وظائفها.

و قد اختلف الناس في شأنها، فمنهم من يذم الغرائز و الميول النفسية، و منهم من يشير بقمعها و سحقها، و هذا مخالف للطبائع البشرية؛ لأن هذه الغرائز قابلة للتطور و الارتقاء، و هي أساس الأخلاق العالية، و بذرة الرقي الروحي. و واجب النبي أن ينظر إليها جميعا بعين الاعتبار، و أن يرشد إلى وسيلة يمكن بها توجيه هذه الغرائز في الطريق القويم، و ضبط القوى العقلية على الوجه الذي يسمو بالإنسانية، و يمكن الإنسان من التخلق بالأخلاق الربانية، كما أشرت إلى ذلك في مكان آخر في هذه الصفحات.

276

و قد لخصت في مكان آخر بعض المناقب التي يختص بها النبي (صلى الله عليه و سلم) دون سواه، و اليد البيضاء التي أسداها للإنسانية بوصفه نبيا. و هذه المناقب هي من خصائص الأنبياء، و لا توجد في سيرة غيره من الأنبياء، و أكبر الظن أن مرد ذلك إلى السببين اللذين سلف ذكرهما.

و إذا كنا نحن معشر المسلمين نؤمن بأن محمدا (صلى الله عليه و سلم) هو المثل الأعلى في الأنبياء، فما ذلك إلا لأنه اجتمع فيه كل ما تفرق في غيره من الفضائل و الكمالات. و قد كان كل نبي من أنبياء اللّه مثلا أعلى، و كان قدوة للناس الذين بعث فيهم، و كان يمكن أن يكون قدوة لمن جاء بعده لو عرف تاريخ حياته على الوجه الأكمل، و أتيحت له كافة الفرص لإظهار الفضائل التي كان يتحلى بها قطعا، لم يتمكن من إظهارها لأنه لم تتهيأ له الظروف المناسبة.

و الحقيقة أن النبي (صلى الله عليه و سلم) هو أكمل الأنبياء؛ لأنه تتوافر فيه جميع مقتضيات النبوة، كما يجتمع فيه كافة الكمالات التي تفرقت في غيره. و إذا تقرر ذلك، فليس من العسير أن نبين الصفات التي استحق بها أن يكون المثل الأعلى في الأنبياء و سنتحاشى المقارنة البغيضة ما أمكن، على أنه لا وجه للمقارنة بين اثنين نعرف عن أحدهما كل شي‏ء و لا نعرف عن الآخر إلا القليل النادر.

و جاء فيه أيضا بصحيفة 89 ما يأتي:

و من الفضائل التي انفرد بها (صلى الله عليه و سلم) و تدل على وصوله إلى أسمى مرتبة من الكمال، أعني مرتبة التخلق بأخلاق الربانية، ثباته على العهد و المبدأ، بحيث لا يتغير و لا يتبدل تبعا للظروف و الأحوال. فهو هو في حالي العسر و اليسر، و الغنى و الفقر، و الهزيمة و النصر، مثله في ذلك كمثل كلمات اللّه و سننه. و لن تجد لسنة اللّه تبديلا. فمن ذلك فضيلة التواضع التي كان يمتاز بها في جميع أطوار حياته، و لكن" انتصاراته الحربية" كما قال واشنجتن إيرفنج:" لم تبعث في نفسه شيئا من الفخر و الزهو؛ لأنه لم يكن له فيها أي مأرب شخصي".

و عندما بلغ أوج سطوته و سلطانه، ظل محتفظا بالبساطة في مظهره و أخلاقه، كما كان في أيام الفقر و الشدة. و كان يكره أن يظهر بمظهر الملوك، و يستاء إذا بدرت من الناس حركة غير عادية تدل على الاحترام و التعظيم حين يدخل عليهم، و إذا كان هناك سلطان يطمع هو إليه، فسلطان الدين الذي جاء به. أما السلطان الدنيوي الذي كان يتمتع به في حياته، فقد كان مجردا من مظاهر الملك، و لم‏

277

يعمل هو على أن يكون وراثيا في آل بيته، و بعد أن صار سيد الجزيرة العربية، و ظل يعامل أصحابه كأنهم إخوة، لا يقوم دونه الحجاب، و لا يمشي بين يديه الحراس بل كان يمشي بينهم بلا كلفة، يصلح ذات بينهم، و يرشدهم إلى ما فيه خيرهم و يبذل وده لهم.

و يقول جيبون: كان محمد لوفور عقله يحتقر أبهة الملك، و هو في أوج سلطانه الدنيوي، و كان رسول اللّه في مهنة أهله، يستوقد ناره، و يقمّ بيته، و يحلب شاته، و يخصف نعله، و يرقع ثوبه. و مع ذلك لم يفخر بأنه من الزهاد الذين يعذبون أنفسهم، بل كان يقاسي من شظف العيش ما يقاسيه كل عربي و جندي، فيأكل ما وجد دون عناء أو تكلف. و كان يكرم أصحابه و يؤثرهم بلذائذ الأطعمة، و تمر الأسابيع الطوال ما يستوقد نارا في بيته، و أحب أن أضيف بهذه المناسبة خبرا عن السيدة عائشة رضي اللّه عنها تأييدا لما نقلته عمدا من كلام جيبون و غيره عملا بالمثل العربي القائل:" و الفضل ما شهدت به الأعداء"، قالت:

(كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا، إنما هو التمر و الماء، إلا أن نؤتى باللحم- ما شبع آل محمد (صلى الله عليه و سلم) من خبز الشعير يومين متتابعين).

هذه صفة عيش رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و هذا هو تواضعه في وقت دانت له فيه جزيرة العرب، و صارت تحت قدميه، و قد زخرت المدنية بمظاهر الثراء في الأيام الأخيرة من حياته، فسالت بطاحها بالأموال من ذهب و فضة، إلا بيت ابنته فاطمة فقد خلا من أسباب الغنى، و أقفر من آثار النعيم، و كان كل ما يملكه يوم وفاته بضع دراهم ذهب بعضها في قضاء دين عليه و ما بقي أعطي لمسكين جاء يسأل شيئا من الصدقة، أما الملابس التي فاضت فيها روحه الشريفة فقد كانت ذات رقاع، و بذلك صرف كل ما كان يملكه، و قد روي عنه (صلى الله عليه و سلم) أنه قال:

«نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة».

و جاء فيه أيضا بصحيفة (104) ما يأتي:

و قبل أن أواصل الكتابة، أحب أن ألخص حياة النبي (صلى الله عليه و سلم) في مكة مؤثرا كلمات السيد أمير علي في كتابه" روح الإسلام" إذ أنه يصورها صورة رائعة في هذه الكلمات:" رأينا ذلك الرجل العجيب يتيما لم ينعم قط بمحبة الأب، محروما في نعومة أظفاره من حب الأم، و رأينا حياته الأولى تبعث الشجون، إذ نشأ طفلا كثير التأمل و التفكير، ثم صار شابا يافعا كثير التأمل و التفكير كذلك، و كان في‏

278

شبابه زكي النفس صادق اللهجة كما كان في طفولته، و كان في كهولته زاهدا ورعا كما كان في شبابه يصغي إلى أنات الضعفاء و آلام الفقراء، يفيض قلبه بالرحمة و الحنان على جميع الخلق، يمشي على الأرض هونا، تغشاه السكينة حتى ليشير الناس إليه بالبنان قائلين: (هذا هو الأمين الصادق الصدوق)- كان الصديق الحميم و الزوج الوفي، و المفكر الذي يتغلغل بذهنه في أسرار الحياة و الموت، و يغوص بفكره في سر القضاء و القدر، و الحكمة في وجود الخلق، تكفل بإصلاح أمة و إنقاذها، لا بل بإصلاح العالم بأسره، و لا عزاء له فيما يكابده سوى قلب يغمره الحب قد تعترضه الصعاب و لكن لا يعروه اضطراب و قد يغلب على أمره و لكن لا يلم اليأس بصدره، بل تراه يكافح و يناضل بروح قوي لا يغلب، ليؤدي الرسالة التي و كلت إليه، و قد جمعت حوله أخلاقه الكريمة الزكية، و إيمانه القوي بالرحمة الإلهية قلوبا مخلصة، و نفوسا صادقة.

و حين أزفت ساعة العسرة، تراه كالبحار الأمين، لا يبرح مكانه حتى يطمئن إلى وصول أصحابه إلى الساحل آمنين، فإذا و صلوا إليه، توجه هو إلى الساحل الأمين، هكذا رأيناه فيما مضى. و الآن ستراه الملك المسيطر على ذلك كله، فهو الفقير المتواضع، الذي لا يحيط نفسه بمظاهر العظمة و الفخامة، و من الآن فصاعدا، يغني تاريخ الجماعة التي كان هو قطب رحاها، و من الآن فصاعدا نرى الداعي الذي يرقع ملابسه بيده، و يبيت الليالي المتتابعة طاويا، و قد أصبح أقوى من أقوى ملوك الأرض. ا ه.

كانت حياة النبي (صلى الله عليه و سلم) في المدينة حلقة هامة في سلسلة الخلق الإنساني ففي المدينة أتيحت له الفرصة لإبراز ما دعا إليه بالقول إلى حيز الفعل، و قد أكبر من شأن شريعة موسى (عليه السلام) و زاد عليها و حقق على الأرض ملكوت السموات الذي كان عيسى (عليه السلام) يدعو اللّه به، و سما بأخلاق قومه إلى مستوى القديسين و الملائكة، فحقق بذلك أحلام أرسطو و أفلاطون في المساواة بين البشر، و أنشأ لأول مرة في التاريخ مجتمعا اشتراكيا و مدينة فاضلة يسكنها و يديرها قوم تخلوا عن الرذيلة، قوم ليسوا بحاجة إلى رجال شرطة يتولون حفظ النظام بينهم، قد زالت بينهم الفروق فلا امتياز لأحد على أحد بسبب لونه أو جنسه أو قومه، قوم لا يفرق فيهم بين الحاكم و المحكوم، و الرئيس و المرؤوس، تلاشت بينهم جميع الفوارق القائمة على المذاهب و الطبقات و الألوان و الأنساب فالأبيض، و الأسود،

279

و الأحمر، و الأصفر- كل أولئك سواء عند اللّه؛ لأنهم من معدن واحد، أبوهم آدم و أمهم حواء، و لكي ينمحي التمييز بينهم بسبب الجنس، و الدم، و المال، قيل لهم إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم.

و لأول مرة في التاريخ قرر الخليفة عمر رضي اللّه عنه، أن الحكومة التي لا تسمح لأي فرد من أفراد الرعية أن يبدي رأيه، و لا تحترم هذا الرأي، لا تعد جديرة بهذا الاسم، و لأول مرة في التاريخ سمح لأدنى فرد من السوقة أن يبدي رأيه في أية مسألة تمس الدولة أو الدين أو الحاكم نفسه، و لأول مرة في التاريخ حل الانتخاب محل الوراثة في تولي الحكم. و تقرر أن تكون وظيفة الحاكم- كائنا من كان- مقصورة على تنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية، و أن تكون جميع التشريعات التفصيلية متفقة مع الأصول العامة للشرع، الذي سنه المشرع الأعظم.

و كانت الرعية تدعى إلى بيان عيوب الحاكم في سياسة الحكم، و كانت الدولة ملكا للجميع على السواء ذكورا و إناثا، و كانوا جميعا ملكا لإله واحد، يخضعون لقانون واحد، ليس من وضع البشر، بل أنزله اللّه الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شي‏ء، و العدل الذي ملأ الأرض عدله- قانون واحد ينطبق على الغني و الفقير على السواء.

كان عيسى (عليه السلام) يحلم بالمساواة، و لكن محمدا (صلى الله عليه و سلم) حقق هذا الحلم على أحسن وجه، و لا غروى، فقد كان يقدس العمل، و يعمل كل شي‏ء بيده، و كان (صلى الله عليه و سلم) يكره أن يعمل الناس له شيئا، فكان يخدم نفسه، و كان في بيته في مهنة أهله، يفلي ثوبه، و يقمّ بيته، و يحمل بضاعته من السوق، و يخصف نعله، و يحضر الماء، و يعقل البعير، و يعلف ناضحه، و يعجن مع الخادم. و روي عن أنس أنه غدا إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) فوجده يمسح جملا بالزيت، و في حديث آخر أنه رآه يسم إبل الصدقة.

و لما بنيت الكعبة و هو صغير كان ينقل الحجارة، و في أثناء بناء المسجد النبوي في المدينة المنورة، كان يعمل في البناء كغيره من العمال، و كان ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبر بطنه. و دانت له شبه الجزيرة العربية، و انهالت عليه الأموال من ذهب و فضة، و لكنه كان يقول: ليس لابن آدم حق فيما سوى هذه الخصال:

بيت يسكنه، و ثوب يواري عورته، و جلف الخبز و الماء.

280

و قد دلت حياته في المدينة على أنه لم يسع قط إلى الملك و السلطان في الأرض، بل الملك هو الذي سعى إليه، فأتيح له أن يبين لملوك الأرض أن الأموال العامة أمانة مقدسة يجب صرفها في وجوه مصالح الرعية، لا في تحصيل الشهوات و اللذات الشخصية، إذ كان (صلى الله عليه و سلم) زاهدا في الدنيا، متقشفا في معيشته- يلبس ما وجد، و لا يسأل أهله طعاما إن أطعموه أكل، و ما أطعموه قبل، و ما سقوه شرب، و يجلس حيث ينتهي به المجلس، إما على حصير، أو على بساط، أو على الأرض، و كان يأكل الشعير غير منخول، و يلبس القميص مطلق الأزرار. و كان بطبعه يعرض عن زينة الحياة الدنيا، و يكره الشهرة في اللباس. و من المسلم به أنه لا رهبانية في الإسلام، و من أجل ذلك أحل النبي (صلى الله عليه و سلم) زينة اللّه، و الطيبات من الرزق، و كان هو نفسه يتمتع بهما تشريعا لأمته، و لكنه مع ذلك كان لا يميل إلى رغد العيش و لا يرغب في النعيم و الترف، بل نهى الناس عنه؛ لأنه يدخل الوهن في قلوب الرجال.

يروى أن رجلا أضاف علي بن أبي طالب، فصنع له طعاما، فقالت فاطمة:

«لو دعونا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فأكل معنا. فدعوه، فجاء، فوضع يده على عضادتي الباب، فرأى القرام قد ضرب به في ناحية البيت فرجع، فقالت فاطمة: الحقه فانظر ما رجعه، فتبعته، فقلت: يا رسول اللّه ما ردك؟ فقال: «إنه ليس لنبي أن يدخل بيتا مزوقا»، و كان (صلى الله عليه و سلم) يقول: «فراش للرجل، و فراش لامرأته، و الثالث للضيف، و الرابع للشيطان». و كان (صلى الله عليه و سلم) يحب دائما ما خشن من الثياب، و ما غلظ من الكساء، و ما رث من اللباس، لما طبع عليه من التواضع و التذلل، و هضم حظوظ النفس.

و كان من رأي عمر رضي اللّه عنه أن يلبس النبي (صلى الله عليه و سلم) الثياب الفاخرة عند استقبال الوفود و السفراء، و غيرهم من كبار الرجال، فوجد حلة استبرق تباع في السوق، فأتى بها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه ابتع هذه الحلة، فتجمل بها للعيد و للوفود، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة، و كان يلبس عادة كساء ملبدا، صنع من الصوف، و فيه نزع روحه الشريف (صلى الله عليه و سلم). و دخل عمر رضي اللّه عنه على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و هو معتزل في المشربة، فإذا هو متكئ على حصير ما بينه و بينه شي‏ء، قد أثر في جنبه، و تحت رأسه و سادة من أدم، حشوها ليف، فأدنى على إزاره، و ليس عليه غيره، و نظر

281

عمر ببصره في خزانة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فإذا هو بقبضة من شعير نحو الصاع، و مثلها قرظا في ناحية الغرفة، و عند رأسه أهب معلقة، فابتدرت عيناه، قال: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ قال: يا نبي اللّه، و ما لي لا أبكي، و هذا الحصير قد أثر في جنبك، و هذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، و ذلك قيصر و كسرى في الثمار و الأنهار و أنت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و صفوته، و هذه خزانتك، فقال: يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن يكون لنا الآخرة و لهم الدنيا.

و قال (صلى الله عليه و سلم) لعائشة رضي اللّه عنها: إن كنت تريدين الإسراع و اللحوق بي، فيكفيك من الدنيا كزاد الراكب.

و عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه، قال: اضطجع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على حصير، فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه، فقلت: يا رسول اللّه، ألا آذنتنا حتى نبسط لك على هذا الحصير شيئا يقيك منه؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): ما لي و للدنيا، ما أنا و الدنيا، إنما مثلي و مثل الدنيا كمثل راكب استظل تحت شجرة ثم راح و تركها.

و جاء فيه أيضا بصحيفة 122 ما يأتي:

لا ريب أن هذا النجاح الفريد في بابه، الذي لا مثيل له في التاريخ، دليل ناطق بما وصل إليه النبي (صلى الله عليه و سلم) من السمو الروحي. و من المسلّم به أنه لا يمكن أن يتم أي إصلاح في أمة ما لم يشعر أفرادها بحب المصلح و احترامه، و استعدادهم لطاعته، و امتثال أمره و لن يستطيع أي مصلح بماله و سلطانه، بل و لا بمعجزاته، أن يحمل الناس على حبه و احترامه و طاعته، فهذه أمور لا تتأتى للمرء إلا إذا كان على جانب كبير من السمو الروحي.

لم يكن محمد في قومه ملكا مسلطا يملي عليهم أوامره، بل كان يتبرأ من وسائل الإغراء التي من شأنها أن تجلب له كثرة الأتباع و الأنصار، فكان يقول لهم على لسان القرآن: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ‏ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ‏ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَ‏- و مع ذلك كان يحظى بطاعة أصحابه، و انقيادهم له إلى حد لا يتصوره العقل، فكان كلامه فيهم كلام المحبوب الذي يحترمه المحب و يصغي له، و إذا كان هذا هو حال أصحابه معه، فما أخلقه أن يكون" أعظم المصلحين الدينيين نجاحا" في إصلاح الفرد و المجتمع، و لا يمكن أن يتسنى هذا النجاح للمرء إلا أن يبلغ أسمى درجة في سلم الرقي الروحي.

282

ثم جاء فيه أيضا بصحيفة 206 ما يأتي:

إن ضيق المقام يحول دون تفصيل القول في أخلاق النبي (صلى الله عليه و سلم) في شتى مناحيها؛ لأنه الشخصية الفذة في التاريخ التي اجتمع فيها ما تفرق في أهل الفضل من الكمالات. فزهده، و مروءته، و كرمه، و قصده، و سعة صدره، و حلمه، و همته، و وفاؤه، و ثباته في الشدائد، و تواضعه مع علو منصبه، و رفقه بالحيوان، و حبه للصبيان، و شجاعته، و إقدامه، و شهامته، و إقامته للعدل- كل أولئك يحتاج إلى مجلدات للوفاء بحق هذه الشخصية الخارقة للعادة.

انتهى كل ما تقدم عن النبي (صلى الله عليه و سلم) من كتاب" المثل الأعلى في الأنبياء" و هو كتاب عربه عن الإنجليزية الأستاذ أمين محمود شريف.

و الحق يقال أن هذا الكتاب، كتاب قيم فريد في بابه، و لولا خوف التطويل لذكرنا منه شيئا كثيرا، فنوصي القراء الكرام بشرائه و مطالعته.

انظر: صورة رقم 11، كتاب النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى المقوقس عظيم القبط

تعبد النبي (صلى الله عليه و سلم) قبل البعث‏

مما لا ريب فيه أن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام جميعهم معصومون عن الكفر و الزلل و سفاسف الأمور قبل أن يبعثهم اللّه تعالى للناس فلا يعصون اللّه تعالى و لا يهمون بمعصية قط، فإن اللّه تعالى عز شأنه يتولاهم بعنايته و رعايته منذ ولادتهم إلى مماتهم، لتكون نشأتهم ممتازة منذ الصغر فيعرفون بالفضل و الكمال، حتى إذا قاموا بالدعوة إلى اللّه لا يقدر أحد أن يعيّرهم بشي‏ء غير لائق حال الصغر، و فرق بين من ينشأ في رعاية و الديه و أهله، و بين من ينشأ في رعاية اللّه تعالى و حفظه، و لم يقل أحد من أهل الإسلام و لا من أهل الكتاب أن نبيا من الأنبياء كان يعبد غير اللّه تعالى قبل أن يبعث و يوحى إليه. هذه مقدمة نرتب عليها الكلام الآتي:

اختلف العلماء هل كل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) متعبدا بشريعة من كان قبله من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام أم لا؟. و قبل أن نسوق كلامهم، نذكر رأينا الخاص في ذلك نسأل اللّه تعالى التوفيق فيه فنقول:

إن نبينا محمدا (صلى الله عليه و سلم) لم يتعبد بشريعة من كان قبله؛ لأن ذلك يستلزم ذهابه إلى أهل الكتاب ليتعلم منهم شريعة موسى أو عيسى أو غيرهما، فإن لم يتعلم من‏

283

غيره فكيف يعرف شريعة من كان قبله و لم ينزل عليه الوحي بعد؟ لكن لم يعرف عنه أنه ذهب ليتعلم عند أحد مطلقا و هو النبي الأمي الذي لم يأخذ إلا عن جبريل عليه الصلاة و السلام.

فرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان يتعبد قبل بعثه في غار حراء على الحق المبين بإلهام من اللّه سبحانه و تعالى فهو الهادي إلى سواء السبيل، و إذا كان إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام قد آتاه اللّه الهدى و الرشد قبل البلوغ كما جاء في قوله تعالى في سورة الأنبياء: وَ لَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا بِهِ عالِمِينَ* إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ‏ إلى آخر الآيات.

و إذا كان أيضا يحيى عليه الصلاة و السلام آتاه اللّه الحكم و طبعه على التقوى و هو صبي كما جاء في قوله تعالى في سورة مريم: يا يَحْيى‏ خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا* وَ حَناناً مِنْ لَدُنَّا وَ زَكاةً وَ كانَ تَقِيًّا.

فإن نبينا محمدا سيد الرسل و خاتم الأنبياء صلى اللّه تعالى عليه و على إخوانه الأنبياء و المرسلين و سلم تسليما، قد آتاه اللّه الهدى و الرشد، و طبعه على التقوى و مكارم الأخلاق من حين الصبا، فقد ورد: «أدبني ربي فأحسن تأديبي»، و لقد ظهرت عليه دلائل النبوة و بشائر البعث منذ الصغر، فقد روي عن علي رضي اللّه عنه أنه قال: قيل لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): يا رسول اللّه هل عبدت غير اللّه؟ قال: لا.

قيل: فهل شربت الخمر قط؟ قال: لا. ثم قال: ما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر و ما كنت أدري ما الكتاب و لا الإيمان.

و لقد كان عبد المطلب جد النبي (صلى الله عليه و سلم) يتوسم فيه أن يكون له من الشرف و المكانة السامية ما لم يكن لأحد، فكان يحبه كثيرا حتى أنه لما جلس النبي (صلى الله عليه و سلم) و هو غلام صغير يدرج على مفرش جده و أرادوا منعه من الجلوس على المفرش بكى، فقال عبد المطلب: ما لابني يبكي؟ قالوا له: إنه أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه. فقال عبد المطلب: دعوا ابني، فإنه يحس بشرف أرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغ عربي قط. ا ه. و قد كان ذلك بفضل اللّه و رحمته.

و حينما كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يبني مع قريش الكعبة قبل البعثة، و ينقل الحجارة معهم على رقبته و قد وضع على ظهره إزاره يتقي به فنودي: يا محمد عورتك، فرمى بنفسه على الأرض من الفزع، فأخذه العباس عبد المطلب فضمه إليه، ثم قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إني نهيت أن أتعرى.

284

و لما أجدبت الأرض و حصل القحط و هلكت المواشي، قالت قريش لأبي طالب: استسق لنا، فخرج أبو طالب بهم و معهم محمد (صلى الله عليه و سلم) و هو غلام، فلما صار بإزاء الكعبة ألصق النبي (صلى الله عليه و سلم) ظهره بالكعبة و صار يشير بإصبعه إلى السماء و ما زال كذلك حتى أقبل السحاب من كل جهة و جاء اللّه بالمطر حتى أخصبت الأرض، فأنشأ أبو طالب قصيدة طويلة في مدحه (صلى الله عليه و سلم). منها:

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه‏* * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل‏

الثمال بالكسر: الملجأ و الغياث.

و لقد كان (صلى الله عليه و سلم) من صغره يبغض الأوثان و لا يحضر مع قومه أعيادهم و أصنامهم، قال عليه الصلاة و السلام:" لما نشأت بغضت إليّ الأوثان و بغض إليّ الشعر، و لم أهم بشي‏ء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين كل ذلك يحول اللّه بيني و بين ما أريد من ذلك، ثم ما هممت بسوء بعدهما حتى أكرمني اللّه برسالته- قلت لغلام كان يرعى معي: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر كما يسمر الشباب، فخرجت لذلك حتى جئت أول دار من مكة أسمع عزفا بالدفوف و المزامير لعرس بعضهم، فجلست لذلك فضرب اللّه على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس و لم أقض شيئا، ثم عراني مرة أخرى مثل ذلك".

و لم يكن بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بخاف على أهل الكتاب من أحبار اليهود و رهبان النصارى و كان لهم فيه علامات، و قصة بحيرا الراهب" بفتح الباء و كسر الحاء و آخره راء مقصورة" معه شهيرة في كتب السير نلخصها فيما يأتي:

لما بلغ عليه الصلاة و السلام اثنتي عشرة سنة أراد عمه شقيق أبيه أبو طالب السفر إلى الشام للتجارة، فخرج به معه للمرة الأولى فسار الركب حتى و صلوا قرية من قرى الشام و كان يسكنها راهب و هو بحيرا و كان ذا علم في النصرانية، فنزلوا قريبا من صومعته و استظل النبي (صلى الله عليه و سلم) تحت شجرة فاخضرّت أغصانها و جاءت غمامة تظل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من بين القوم، فلما رأى بحيرا الراهب ذلك نزل من صومعته و صنع لجميع الركب طعاما، ثم أخذ بيد محمد النبي الكريم عليه الصلاة و السلام و جعل يسأله عن أشياء من حاله حتى نومه، فجعل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يخبره فيوافق ذلك ما لديه من العلم، ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على الصفة التي عنده، فقبّل موضع الخاتم، ثم قال: هذا رسول رب‏

285

العالمين، و قال لعمه أبي طالب: ارجع بابن أخيك إلى بلده و احذر عليه من اليهود، فإنه سيكون لابن أخيك هذا شأن عظيم، كما هو مذكور في كتبنا.

و هناك كثير من الأمور الخارقة للعادة وقعت لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) منذ صغره تدل على أن اللّه تعالى يصطفيه من بين الناس بالرسالة، و من هنا نعلم أن تعبد النبي (صلى الله عليه و سلم) لم يكن تقليدا لشريعة من كان قبله من الأنبياء، و إنما كان بإلهام من اللّه تعالى يوجهه إلى عبادته الحقة كيفما شاءت قدرته القوية، عبادة صحيحة مستقلة لا عبادة تقليد و تبعية حيث لم يتعلم من أحد شيئا قط، و نقصد بالعبادة هنا أساسها الثابت؛ كتوحيد اللّه تعالى و معرفته و تقديسه و تسبيحه و التفكر في آلائه و مخلوقاته التي تدل عليه و على وحدانيته و عظمته و قدرته سبحانه و تعالى، أما فروع العبادات و تفاصيل أدائها بالكيفيات المخصوصة فلم يعرفه إلا بعد البعث و إنزال الوحي و القرآن عليه.

و إليك ما ذكره العلماء في تعبده (صلى الله عليه و سلم) قبل أن يبعثه اللّه تعالى.

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: قال العلامة الدواني في تفسير: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ‏: اختلف الأصوليون في أن النبي (صلى الله عليه و سلم) هل كان متعبدا بشريعة من قبله أو لا؟، فقيل: إنه كان متعبدا بشريعة موسى، و قيل: بشريعة عيسى، و قيل:

بشريعة إبراهيم، و قيل: بشريعة نوح (عليهم السلام). و قيل: إنه لم يكن متعبدا فالمختار أنه كان متعبدا قبل البعث لما ثبت أنه كان متعبدا في غار حراء، و التعبد لا يكون إلا بشريعة، لأن الحاكم هو الشرع عند أهل الحق، و على مذهب المعتزلة القائلين بحكم العقل الأمر أظهر، إذ العبادة لا تتوقف على هذا التقدير على شريعة. و الحاصل أنه كان يتحنث في غار حراء أي يتعبد الليالي ذوات العدد، فلا جرم تكون هذه العبادة للّه تعالى لا غير إذ الأنبياء معصومون عن الكفر قبل البعثة بالاتفاق- انتهى من تاريخ الخميس.

موضع ولادة النبي (صلى الله عليه و سلم)

لقد ولد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بدار أبيه عبد اللّه بن عبد المطلب بمكة، فقد كان عبد المطلب قسم حقه بين أولاده و دفع إليهم ذلك في حياته حين ذهب بصره، فكان مولد النبي (صلى الله عليه و سلم) و ما حوله لوالده عبد اللّه بن عبد المطلب.

قال الأزرقي: فمن ثم صار للنبي (صلى الله عليه و سلم) حق أبيه عبد اللّه بن عبد المطلب.

286

جاء في تاريخ الأزرقي ما نصه: قال أبو الوليد: مولد النبي، أي البيت الذي ولد فيه النبي (صلى الله عليه و سلم) و هو في دار محمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف، كان عقيل بن أبي طالب أخذه حين هاجر النبي (صلى الله عليه و سلم) و فيه و في غيره يقول رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عام حجة الوداع حين قيل له: أين تنزل يا رسول اللّه؟ و هل ترك لنا عقيل من ظل. فلم يزل بيده و بيد ولده حتى باعه ولده من محمد بن يوسف فأدخله في داره التي يقال لها البيضاء، و تعرف اليوم بابن يوسف، فلم يزل ذلك البيت في الدار حتى حجت الخيزران أم الخليفتين موسى و هارون فجعلته مسجدا يصلى فيه، و أخرجته من الدار و أشرعته من الزقاق الذي في أصل تلك الدار يقال له زقاق المولد.

حدثنا أبو الوليد قال: سمعت جدي يوسف بن محمد يثبتان أمر المولد و أنه ذلك البيت لا اختلاف فيه عند أهل مكة، حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني محمد بن يحيى عن أخيه، قال: حدثني رجل من أهل مكة يقال له سليمان بن أبي مرحب مولى بني ختم، قال: حدثني ناس كانوا يسكنون ذلك البيت قبل أن تشرعه الخيزران من الدار ثم انتقلوا عنه حين جعل مسجدا قالوا: لا و اللّه ما أصابتنا فيه جائحة و لا حاجة فأخرجنا منه فاشتد الزمان علينا. انتهى من الأزرقي.

قال الغازي في تاريخه: قال ابن الأثير: قيل إن المصطفى (صلى الله عليه و سلم) وهب الدار لعقيل بن أبي طالب، فلم تزل حتى توفي عنها فباعها ولده لمحمد بن يوسف، و قيل: إن عقيلا باعها بعد الهجرة تبعا لقريش حين باعوا دور المهاجرين. انتهى.

نقول: لقد وقعت عمارات كثيرة في مولد النبي (صلى الله عليه و سلم) و جعل مسجدا يصلى فيه، و كان له إمام و مؤذن و أوقاف في البلاد الرومية، ثم هدم هذا المكان في سنة (1343) ثلاث و أربعين و ثلاثمائة و ألف فأصبح سوحا، و لا نرى ضرورة في ذكر أسماء من بناه و عمّره في الأزمان السابقة فذلك مذكور في كتاب التاريخ، لكن من الواجب أن نشير إلى آخر بناية حصلت في موضعه في وقتنا هذا و إليك بيان ذلك.

إن موضع ولادة النبي (صلى الله عليه و سلم) بمكة بسوق الليل، و هو شعب علي قد بنيت فيه الآن عمارة لطيفة بناها أمين العاصمة الأسبق الشيخ عباس بن يوسف القطان الذي توفي في 16 رجب سنة ألف و ثلاثمائة و سبعين (رحمه اللّه) رحمة الأبرار، فقد بناها

287

على حسابه الخاص لتكون مكتبة عامة يتردد إليها العلماء و الطلبة، و قد ابتدأ في عمارة هذه الدار قبل وفاته بشهرين، فلما مات أتمها ابنه الفاضل الشيخ أمين- و قد اتفق الشيخ عباس المذكور قبل وفاته مع المرحوم الشيخ كامل بن ماجد الكردي و إخوانه على نقل مكتبتهم الماجدية المعروفة إلى عمارته التي جعلها مكتبة عامة" أي دار الكتب" و إن شاء اللّه تعالى عما قريب سيعمل الشيخ أمين المذكور على إنجاز هذه المكتبة على أحسن حال، تنفيذا لوصية والده و رغبة في إحياء ذكره، جزاه اللّه تعالى خير الجزاء. و إليك صورة الشيخ عباس قطان و صورة الدار.

انظر: صورة رقم 12، الشيخ عباس القطان و هو من أعيان مكة

ترجمة الشيخ عباس القطان‏

هو الشيخ عباس بن يوسف قطان، ولد عام (1312) ألف و ثلاثمائة و اثني عشر من الهجرة، كان والده الشيخ يوسف قطان شيخا لمشايخ الجاوة في عهد الشريف عون الرفيق، ثم تولى في عهد ملك الحجاز الأسبق الشريف حسين بن علي رئاسة البلدية أي" أمانة العاصمة" بمكة، ثم تولى في أوائل عهد الحكومة السعودية رئاسة شؤون الحج، و صار وزير النافعة، و توفي في آخر ذي القعدة سنة (1350) ألف و ثلاثمائة و خمسين و قد بلغ خمسا و ثمانين سنة.

و أما ابنه الشيخ عباس القطان فقد كان أمينا للعاصمة بمكة المكرمة في عهد جلالة ملك المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه اللّه تعالى)، فمكث في وظيفته المذكورة ثمانية عشر عاما من عام (1347) إلى عام (1364) ه. و كانت الحكومة تنتدبه أحيانا لبعض الأمور المهمة، فكان محبوبا من كافة الطبقات، يقصدونه في المهمات، و حيث أنه كان من أثرياء البلاد ما كان يأخذ راتبا على وظيفته، و الحقيقة أنه أدى للبلدة خدمات تذكر فتشكر، و كان ينزل الناس منازلهم يعرف لكل شخص قيمته.

و الخلاصة أنه كان شهما كريما مضيافا، يحب أهل العلم و أهل الخير و الاستقامة، و كان قبيل وفاته لازم صلاة الجماعة في المسجد الحرام- توفي في اليوم السادس عشر من شهر رجب سنة (1370) سبعين و ثلاثمائة و ألف.

288

ذكرنا ترجمته بمناسبة طبعه كتاب القرى لقاصد أم القرى للطبري، و بنائه مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم في مكان دار خديجة أم المؤمنين رضي اللّه عنها، و بنائه دار خاصة تكون مكتبة عامة لمراجعة أهل العلم في مكان مولد النبي (صلى الله عليه و سلم) كل ذلك على حسابه الخاص، ف(رحمه اللّه تعالى) و جزاه عنا خير الجزاء آمين.

انظر: صورة رقم 13 المنزل الذي بناه الشيخ عباس قطان في موضع ولادة النبي (صلى الله عليه و سلم)

انظر: صورة رقم 14، موضع ولادة النبي (صلى الله عليه و سلم) بعد بنائه‏

موضع ولادة فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بمكة

كانت ولادة السيدة فاطمة الزهراء رضي اللّه تعالى عنها ابنة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بدار أمها السيدة خديجة بنت خويلد بمكة بزقاق الحجر، و هذه الدار تقع خلف دار أبي سفيان. قال الأزرقي: إن معاوية رضي اللّه عنه اشترى منزل خديجة من عقيل بن أبي طالب و هو خليفة فجعله مسجدا و فتح فيه بابا من دار أبي سفيان ابن حرب- و إليك نص ما جاء في تاريخ الأزرقي:

و منزل خديجة ابنة خويلد زوج النبي (صلى الله عليه و سلم)، و هو البيت الذي كان يسكنه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و خديجة و فيه ابتنى بخديجة و ولدت فيه خديجة أولادها جميعا و فيه توفيت خديجة فلم يزل النبي (صلى الله عليه و سلم) ساكنا فيه حتى خرج إلى المدينة مهاجرا فأخذه عقيل بن أبي طالب ثم اشتراه منه معاوية و هو خليفة فجعله مسجدا يصلى فيه و بناه بناءه هذا و حدد الحدود التي كانت لبيت خديجة لم تغير فيما ذكر عن من يوثق به من المكيين و فتح معاوية فيه بابا من دار أبي سفيان بن حرب هو قائم إلى اليوم و هي الدار التي قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم الفتح: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، و هي الدار التي يقال لها اليوم دار ريطة بنت أبي العباس أمير المؤمنين، و في بيت خديجة هذا صفيحة من حجارة مبني عليها من الجدار جدر البيت الذي كان يسكنه النبي (صلى الله عليه و سلم) قد اتخذ قدام الصفيحة مسجدا، و هذه الصفيحة مستقبلة في الجدر من الأرض قدر ما يجلس تحتها الرجل و ذرعها ذراع في ذراع و شبر.

و قال أبو الوليد: سألت جدي أحمد بن محمد و يوسف بن محمد بن إبراهيم و غيرهما من أهل العلم من أهل مكة عن هذه الصفيحة و لم جعلت هنالك و قلت لهم أو لبعضهم: إني أسمع الناس يقولون إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان يجلس تحت تلك الصفيحة فيستدري بها من الرمي بالحجارة إذا جاءته من دار أبي لهب و دار عدي‏

289

بن أبي الحمراء الثقفي، فأنكروا ذلك و قالوا: لم نسمع بهذا من ثبت و لقد سمعنا من يذكرها من أهل العلم فأصح ما انتهى إلينا من خبر ذلك أن أهل مكة كانوا يتخذون في بيوتهم صفائح من حجارة تكون شبه الرفاف توضع عليها المتاع و الشي‏ء من الصيني و الداجن يكون في البيت فقلّ بيت يخلو من تلك الرفاف، قال جدي: و أنا أدركت بعض بيوت المكيين القديمة فيها رفاف من حجارة يكون عليها بعض متاع البيت، قال: فيقولون إن تلك الصفيحة التي في بيت خديجة من ذلك.

و لقد وقعت عمارات كثيرة في موضع ولادتها رضي اللّه عنها لا نرى ضرورة لذكرها، لكن من الواجب أن نشير إلى آخر بناية حصلت في موضعه في وقتنا هذا، و إليك بيان ذلك:

إن موضع ولادة السيدة فاطمة الزهراء ابنة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بمكة المعروفة بدار السيدة خديجة رضي اللّه تعالى عنهما، قد بنيت الآن فيه عمارة حسنة، بناها أمين العاصمة الأسبق الشيخ عباس بن يوسف القطان المتوفى عام (1370) فابتدأ في بنائها سنة ألف و ثلاثمائة و ثمان و ستين هجرية لتكون مدرسة خاصة لتحفيظ القرآن الكريم، فكم نزل على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من القرآن و هو في هذه الدار، دار خديجة رضي اللّه تعالى عنها، ثم إنه بعد وفاة الشيخ عباس المذكور و تكملة عمارة الدار سلمت لوزارة المعارف لإدارتها مدرسة للغرض المذكور، و الآن هذه الدار عامرة بالطلبة الذين يحفظون القرآن الكريم فجزى اللّه الشيخ عباس المذكور خير الجزاء.

تكية السيدة فاطمة رضي اللّه عنها

أول ما جعلت هذه التكية في سنة (1265) خمس و ستين و مائتين و ألف، فقد ذكر الغازي في الجزء الثالث من تاريخه عند ترجمة و تولية الحاج محمد حسيب باشا مكة ما نصه: ثم إن الباشا المذكور بنى تكية بجانبها" أي بجانب دار أبي سفيان" للفقراء، و التي تعرف الآن" بتكية فاطمة رضي اللّه عنها بنت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)" و هي بجوار دار أبي سفيان و هي دار أم المؤمنين خديجة الكبرى التي كان يسكنها النبي (صلى الله عليه و سلم)، و جعل لها بابين بابا من جهة المحل المعروف بزقاق الحجر،

290

و الباب الثاني من جهة المسعى في أوائل المحناطة. ثم ذكر الغازي بعض ما عمله الباشا المذكور بمكة لم ننقله لعدم احتياجنا إليه، و اكتفينا بما ذكرناه هنا.

و قد نسبت التكية إلى السيدة فاطمة رضي اللّه تعالى عنها و عن أمها و إخوانها؛ لأن هذه التكية تقع في دار أمها السيدة خديجة رضي اللّه عنها و فاطمة رضي اللّه عنها قد ولدت في هذه الدار التي هي ملاصقة لدار أبي سفيان رضي اللّه عنه، ثم لم تبق في عصرنا هذا التكية المذكورة بل صار موضعها مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم.

موضع ولادة علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه‏

كانت موضع ولادة علي بن أبي طالب تعالى عنه بمكة بسوق الليل بأعلى الشعب، و موضع ولادة علي بقرب موضع ولادة النبي (صلى الله عليه و سلم) بينهما أقل من مائتي متر.

و لقد حصلت عمارات كثيرة في هذا الموضع لا نرى ضرورة لذكرها، لكن من الواجب أن نشير إلى آخر بناية حصلت فيه في وقتنا هذا بعد أن أصبحت هذه البقعة ميدانا لا بناية فيه مطلقا. و إليك بيان ذلك:

فإنه في أوائل سنة (1376) ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف ابتدأوا في بناية دار في هذا الموضع لتكون مدرسة تسمى" مدرسة النجاح الليلية" تكون لتحفيظ القرآن الكريم و تعليم فن التجويد، و أنواع العلوم العربية إن شاء اللّه تعالى، و الذي سعى في ذلك هو الأستاذ الفاضل الشيخ عبد اللّه خوجة العامل النشيط لمحو الأمية و تهذيب العوام بمكة المشرفة الذي قام بأمر التعليم نحو ربع قرن حتى تخرج من مدرسته كثير من المتعلمين الذين نفعوا أنفسهم و خدموا بلادهم، فإنه التمس من جلالة مليكنا المعظم الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود أرض مولد علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه التي بسوق الليل ليبني عليها مدرسة للغرض المذكور فأمر جلالة الملك حفظه اللّه تعالى بمنحه تلك الأرض، فلما سمع بذلك المحسن الكبير السيد حسن الشربتلي من أهل جدة تكفل ببناء المدرسة و بجميع ما يلزم لها على حسابه الخاص- فجزاهم اللّه تعالى خير الجزاء، و إن شاء اللّه سنرى هذه المدرسة مزدهرة عامرة بحفظة القرآن و طلاب العلم.

291

و بمكة مواضع ولد فيها كثير من الصحابة (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين)، ذكر أشهرها في بعض كتب التاريخ؛ كمولد عمر بن الخطاب و مولد جعفر الصادق و غيرهما. و كل ذلك لا يعلم على التحقيق، و لا يترتب على معرفتها أو جهلها أمر شرعي مطلقا، لهذا لم نتعرض لذكرها.

انشقاق القمر

قال اللّه تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ من معجزاته (صلى الله عليه و سلم) انشقاق القمر و ذلك لما قال له كفار قريش: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين فسأل ربه فانشق، و ما يشاع إلى اليوم على ألسنة بعض الناس أنه في جبل أبي قبيس موضع خاص لانشقاق القمر يسمى" مشق القمر" فهذا لا أصل له.

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و في السنة التاسعة من المبعث كان انشقاق القمر- في المواهب اللدنية أن انشقاق القمر كان بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين، قال العلامة ابن السبكي في شرحه لمختصر ابن الحاجب: الصحيح عندي أن انشقاق القمر متواتر منصوص عليه في القرآن مروي في الصحيحين و غيرهما من طرق حديث شعبة بن سليمان عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود ثم قال: و له طرق أخر شتى بحيث لا يمتري في تواتره. انتهى.

و جاءت أحاديث انشقاق القمر في روايات صحيحة من جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود و علي و حذيفة بن جبير بن مطعم و ابن عمر و أنس و ابن عباس و غيرهم.

و في الصحيحين من حديث أنس أن أهل مكة سألوا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما. قوله: شقّتين بكسر الشين المعجمة أي: نصفين. و أنس و إن لم يشاهد القصة لأنه إذ ذاك كان ابن أربع سنين أو خمس بالمدينة، لكن يجوز أن يكون حمل الحديث عمن شاهدها و من حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فرقتين فرقة فوق الجبل و فرقة دونه فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): اشهدوا.

و في رواية الترمذي من حديث ابن عمر في قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ، قال: قد كان ذلك على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) انشق فلقتين فلقة دون الجبل و فلقة خلف الجبل، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): اشهدوا. و قال مجاهد:

292

انشق القمر فبقيت فرقة و ذهبت فرقة من وراء الجبل. و قال ابن زيد: لما انشق القمر كان يرى نصفه على قعيقعان و النصف الآخر على أبي قبيس، كذا في دلائل النبوة و عند الإمام أحمد من حديث جبير بن مطعم: فصار فرقتين فرقة على هذا الجبل و فرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس. و عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال: فقال كفار قريش:

هذا سحر ابن أبي كبشة. قال: فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السفار فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. قال: فجاء السفار فأخبروهم بذلك. رواه أبو داود الطيالسي و رواه البيهقي- بلفظ: انشق القمر بمكة فقالوا: أسحركم ابن أبي كبشة فسألوا السفار و قد قدموا من كل وجه. فقالوا: رأيناه. و عند أبي نعيم عن ابن عباس قال: لما اجتمع المشركون إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) منهم الوليد بن المغيرة و أبو جهل ابن هشام و العاص بن وائل و الأسود بن المطلب و النضر بن الحارث و نظراؤهم فقالوا للنبي (صلى الله عليه و سلم): إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين، فسأل ربه فانشق.

و عند البخاري مختصرا من حديث ابن عباس بلفظ: إن القمر انشق على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و ابن عباس و إن لم يشاهد القصة؛ لأنه لم يولد إذ ذاك ففي بعض طرقه أنه حمل الحديث عن ابن مسعود و عند مسلم من حديث شعبة عن قتادة بلفظ: فأراهم انشقاق القمر مرتين، و كذا في مصنف عبد الرزاق عن معمر بلفظ:

مرتين، و اتفق الشيخان عليه من رواية شعبة عن قتادة بلفظ: فرقتين كما في حديث جبير عند أحمد و في حديث ابن عمر فلقتين باللام كما مر، و في لفظ في حديث جبير فانشق باثنتين.

و في رواية عن ابن عباس عند أبي نعيم في الدلائل فصار قمرين. و وقع في نظم السيرة للحافظ أبي الفضل العراقي: و انشق مرتين بالإجماع.

قال الحافظ ابن حجر: و أظن قوله بالإجماع يتعلق بالشق لا بمرتين فإني لا أعلم من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه (صلى الله عليه و سلم) و لعل قائل مرتين أراد فرقتين. و قد وقع في رواية البخاري من حديث ابن مسعود و نحن بمنى و هذا لا يعارض قول أنس أن ذلك كان بمكة؛ لأنه لم يصرح بأنه (عليه السلام) كان ليلتئذ بمكة فالمراد أن الانشقاق كان و هم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة هذا ما وقع في المواهب اللدنية و في شواهد النبوة انشق القمر بحيث كان فلقة منه على أبي‏

293

قبيس و فلقة على الجبل الآخر، و في المواهب اللدنية: و ما يذكره بعض القصاص أن القمر دخل في جيب النبي (صلى الله عليه و سلم) و خرج من كمه فليس له أصل كما حكاه الشيخ بدر الدين الزركشي عن شيخه العماد بن كثير، نقول إنما يزعمه بعض الناس من العوام أن موضع انشقاق القمر في محل فوق جبل أبي قبيس لا أصل له أبدا و هذا من الدجل و الكذب؛ لأنه لا يعلم في أي موضع وقف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في جبل أبي قبيس يطلب من ربه عز و جل انشقاق القمر، و لا يعقل أنه (صلى الله عليه و سلم) يتكلف التعب و المشقة في الصعود إلى الجبل لهذا الأمر أو غيره في وقت لم يكن على الجبل أحد من قريش يسكنه. و اللّه تعالى أعلم. و مما يستحسن ذكر شي‏ء مما قيل في وصف القمر و الهلال قديما و حديثا.

فللإمام جلال الدين السيوطي رسالة في ذلك تسمى" رصف اللآل في وصف الهلال" و هي مطبوعة بالقسطنطينية بمطبعة الجوائب ضمن كتاب" التحفة البهية و الطرفة الشهية" و لصلاح الدين الصفدي رسالة تسمى" رشف الزلال في وصف الهلال".

و لنقتطف هنا شيئا مما ورد في الهلال:

قال بعضهم:

و هلال في الأفق قد لاح غربا* * * و تبدى لأعين النظار

كسوار أو دملج أو كطوق‏* * * أو كصدغ أو حاجب أو عذار

و قال بعضهم:

و بدا هلال الأفق و الأقوام‏* * * بين مكذب في أمره و مصدق‏

فكأنما هو شعرة بيضاء قد* * * علقت بحاشية الرداء الأزرق‏

و قال بعضهم:

كأن الهلال المستنير و قد بدا* * * و نجم الثريا واقف فوق هالته‏

مليك على أعلاه تاج مرصع‏* * * و يزهى على من دونه بجلالته‏

و قال بعضهم:

أنظر إلى حسن هلال بدا* * * يهتك من أنواره الحندسا

كمنجل قد صيغ من فضة* * * يحصد من زهر الدجى نرجسا

و قال بعضهم:

294

أهلا بفطر قد أتاك هلاله‏* * * فالآن فاغد إلى الصلاة و بكر

فكأنما من زورق من فضة* * * قد أثقلته حمولة من عنبر

و قال بعضهم:

باللّه يا مصباح بيت الدجى‏* * * و يا أنيس المعشر الساهدين‏

حدث بوجدي كل أهل الهوى‏* * * و اقرأ تحياتي على العاشقين‏

و قال بعضهم:

يبشر في الهلال بنقص عمري‏* * * و أفرح كلما هل الهلال‏

قصة أصحاب الفيل‏

لقد جاء ذكر أصحاب الفيل مجملا في القرآن الكريم، فقال عز و شأنه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم* أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ* أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ* وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ* تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ‏.

قال صاحب مرآة الحرمين: كانت واقعة الفيل سنة (571) ميلادية، و كانت ولادة النبي (صلى الله عليه و سلم) عام الفيل.

أما قصتهم فرأينا أن ننقلها من تاريخ الإمام الأزرقي (رحمه اللّه تعالى) فقد جاء في الجزء الأول منه ما نصه:

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج عن محمد بن إسحاق أنه قال: لما ظهرت الحبشة على أرض اليمن كان ملكهم إلى أرياط و أبرهة، و كان أرياط فوق أبرهة، فأقام أرياط باليمن سنتين في سلطانه لا ينازعه أحد، ثم نازعه أبرهة الحبشي الملك و كان في جند من الحبشة، فانحاز إلى كل واحد منهما إلى الحبشة طائفة، ثم سار أحدهما إلى الآخر، فكان أرياط يقوم بصنعاء و مخاليفها، و كان أبرهة يكون بالجند و مخاليفها، فلما تقارب الناس و دنى بعضهم من بعض، أرسل أبرهة إلى أرياط: إنك لا تصنع بأن تلقي الحبشة بعضهم ببعض فتفنيها بيننا، فابرز لي و أبرز لك، فأينا ما أصاب صاحبه انصرف إليه جنده.

295

فأرسل إليه أرياط: قد أنصفت، فخرج إليه أرياط و كان رجلا عظيما طويلا و سيما و في يده حربة له، و خرج له أبرهة و كان رجلا قصيرا حادرا لحيما دحداحا و كان ذا دين في النصرانية، و خلف أبرهة عبدا له يحمي ظهره له يقال له" عتودة" فلما دنى أحدهما من صاحبه، رفع أرياط الحربة فضرب بها رأس أبرهة يريد يافوخه فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه و عينه و أنفه و شفتيه، فبذلك سمي" أبرهة الأشرم" و حمل غلام أبرهة عتودة على أرياط من خلف أبرهة فزرقه بالحربة فقتله، فانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، و كان ما صنع أبرهة من قتله أرياط بغير علم النجاشي ملك الحبشة بأرض أكسوم من بلاد الحبش.

فلما بلغه ذلك غضب غضبا شديدا و قال: عدا على أمير بغير أمري فقتله، ثم حلف النجاشي ألا يدع أبرهة حتى يطأ أرضه و يجز ناصيته، فلما بلغ ذلك أبرهة حلق رأسه ثم ملأ جرابه من تراب أرض اليمن ثم بعث به إلى النجاشي و كتب إليه: أيها الملك إنما كان أرياط عبدك و أنا عبدك اختلفنا في أمرك، و كلنا طاعة لك إلا أني كنت أقوى على أمر الحبشة منه، و أضبط و أسوس لهم منه و قد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك و بعثت به إليه مع جراب من تراب أرضي ليضعه تحت قدميه فيبر بذلك قسمه. فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه و كتب له أن اثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري فأقام أبرهة باليمن، و بنى أبرهة عند ذلك" القليس"، بصنعاء إلى جنب غمدان فبنى كنيسة و أحكمها و سماها القليس و كتب إلى النجاشي ملك الحبشة: أني قد بنيت لك كنيسة لم بين مثلها لملك كان قبلك و لست بمنته حتى أصرف حاج العرب إليها، قال أبو الوليد: أخبرني محمد بن يحيى قال: حدثني من أثق به من مشيخة أهل اليمن بصنعاء أن يوسف ذا نواس- و هو صاحب الأخدود الذي حرق أهل الكتاب بنجران- لما غرقه اللّه عز و جل و جاءت الحبشة إلى أرض اليمن فعبروا من دهلك حتى دخلوا صنعاء و حرقوا غمدان و كان أعظم قصر يعلم في الأرض و غلبوا على اليمن و بنى أبرهة الحبشي القليس للنجاشي و كتب إليه أني قد بنيت لك بصنعاء بيتا لم تبن العرب و لا العجم مثله و لن أنتهي حتى أصرف حاج العرب إليه و يتركون الحج إلى بيتهم. فبنى القليس بحجارة قصر بلقيس الذي بمأرب. و بلقيس صاحبة الصرح الذي ذكره اللّه في القرآن في قصة سليمان و كان سليمان حين تزوجها ينزل عليها فيه إذا جاءها. انتهى من الأزرقي.

296

صفة بناء كنيسة القليس‏

قال الإمام الأزرقي بعد أن ساق قصة الفيل المتقدمة، و أن أبرهة الحبشي لما بنى كنيسة القليس بصنعاء إلى جنب غمدان كتب إلى النجاشي ملك الحبشة: إني قد بنيت لك كنيسة لم تبن العرب و لا العجم مثلها، و لن أنتهي حتى أصرف حاج العرب إليها و يتركوا الحج إلى بيتهم.

و كان بناء" القليس" بحجارة قصر" بلقيس" الذي بمأرب، فوضع الرجال نسقا يناول بعضهم بعضا الحجارة و الآلة، حتى نقل ما كان في قصر" بلقيس" مما احتاج إليه من حجر أو رخام أو آلة للبناء و جدّ في بناءه، و أنه كان مربعا مستوي التربيع، و جعل طوله في السماء ستين ذراعا، و كبسه من داخله عشرة أذرع في السماء، و كان يصعد إليه بدرج الرخام، و حوله سور بينه و بين القليس مائتا ذراع، مطيف به من كل جانب، و جعل بين ذلك كله بحجارة تسميها أهل اليمن الجروب، منقوشة مطابقة لا يدخل بين أطباقها الإبرة مطبقة به، و جعل طول ما بنى به من الجروب عشرين ذراعا في السماء، ثم فصل ما بين حجارة الجروب بحجارة مثلثة تشبه الشرف مداخلة بعضها ببعض، حجرا أخضر، و حجرا أحمر، و حجرا أبيض، و حجرا أصفر، و حجرا أسود، و فيما بين كل سافين خشب ساسم مدور الرأس، غلظ الخشبة حضن الرجل ناتئة على البناء، فكان مفصلا بهذا البناء على هذه الصفة، ثم فصل بإفريز من رخام منقوش طوله في السماء ذراعان، و كان الرخام ناتئا على البناء ذراعا، ثم فصل فوق الرخام بحجارة سود لها بريق من حجارة نقم جبل صنعاء المشرف عليها ثم وضع فوقها حجارة صفر لها بريق، ثم وضع فوقها حجارة بيض لها بريق، فكان هذا ظاهر حايط القليس و كان عرض حايط القليس ستة أذرع.

و ذكروا أنهم لا يحفظون ذرع طول القليس و لا عرضه، و كان له باب من نحاس عشرة أذرع طولا في أربعة أذرع عرضا، و كان المدخل منه إلى بيت في جوفه، طوله ثمانون ذراعا في أربعين ذراعا، معلق العمل بالساج المنقوش و مسامير الذهب و الفضة، ثم يدخل من البيت إلى إيوان طوله أربعون ذراعا عن يمينه و عن يساره، و عقوده مضروبة بالفسيفساء مشجرة بين أضعافها كواكب الذهب ظاهرة، ثم يدخل من الإيوان إلى قبة ثلاثون ذراعا في ثلاثين ذراعا، جدرها

297

بالفسيسفساء و فيها صلب منقوشة بالفسيفساء و الذهب و الفضة، و فيها رخامة مما يلي مطلع الشمس من البلق مربعة عشرة أذرع في عشرة أذرع، تغشى عين من نظر إليها من بطن القبة تؤدي ضوء الشمس و القمر إلى داخل القبة، و كان تحت الرخامة منبر من خشب اللبخ- و هو عندهم الأبنوس- مفصل بالعاج الأبيض و درج المنبر من خشب الساج ملبسة ذهبا و فضة، و كان في القبة سلاسل فضة و كان في القبة أو في البيت خشبة ساج منقوشة طولها ستون ذراعا يقال لها:

كعيب، و خشبة من ساج نحوها في الطول يقال لها: امرأة كعيب، كانوا يتبركون بهما في الجاهلية و كان يقال لكعيب: الأحوزي- و الأحوزي بلسانهم الحر-.

و كان أبرهة عند بناء القليس قد أخذ العمال بالعمل أخذا شديدا و كان آلى أن لا تطلع الشمس على عامل لم يضع يده في عمله فيؤتى به إلا قطع يده. قال:

فتخلف رجل ممن كان يعمل فيه حتى طلعت الشمس، و كانت له أم عجوز فذهب بها معه لتستوهبه من أبرهة، فأتته و هو بارز للناس، فذكرت له علة ابنها و استوهبته منه، فقال: لا أكذب نفسي و لا أفسد علي عمالي فأمر بقطع يده، فقالت له أمه: اضرب بمعولك ساعي بهر، اليوم لك، و غدا لغيرك ليس كل الدهر لك. فقال: ادنوها، فقال لها: إن هذا الملك أيكون لغيري، قالت: نعم، و كان أبرهة قد أجمع أن يبني القليس حتى يظهر على ظهره فيرى منه بحر عدن، فقال: لا أبني حجرا على حجر بعد يومي هذا، و أعفا الناس من العمل. و تفسير قولها ساعي بهر، تقول: اضرب بمعولك ما كان حديدا.

فانتشر خبر بناء أبرهة هذا البيت في العرب، فدعا رجل من النساءة من بني مالك بن كنانة فتبين منهم، فأمرهما أن يذهبا إلى ذلك البيت الذي بناه أبرهة بصنعاء فيحدثا فيه، فذهب بهما ففعلا ذلك، فدخل أبرهة البيت فرأى أثرهما فيه فقال: من فعل هذا؟ فقيل: رجلان من العرب، فغضب من ذلك و قال: لا أنتهي حتى أهدم بيتهم الذي بمكة، قال: فساق الفيل إلى بيت اللّه الحرام ليهدمه فكان من أمر الفيل ما كان. ا ه.

فلم يزل القليس على ما كان عليه، حتى ولي أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين العباس بن الربيع بن عبيد اللّه الحارثي اليمن، فذكر العباس ما في القليس من النقض و الذهب و الفضة، و عظم ذلك عنده و قيل له: إنك تصيب فيه مالا كثيرا

298

و كنزا، فتاقت نفسه إلى هدمه و أخذ ما فيه فبعث إلى ابن وهب بن منبه فاستشاره في هدمه و قال: إن غير واحد من أهل اليمن قد أشاروا عليّ أن لا أهدمه و عظم علي أمر كعيب، و ذكر أن أهل الجاهلية كانوا يتبركون به و أنه كان يكلمهم و يخبرهم بأشياء مما يحبون و يكرهون، قال ابن وهب: كلما بلغك باطل و إنما كعيب صنم من أصنام الجاهلية فتنوا به، فمر بالدهل" و هو الطبل" و بمزمار فليكونا قريبا ثم أعله الهدامين ثم امرهم بالهدم، فإن الدهل و المزمار أنشط لهم و أطيب لأنفسهم، و أنت مصيب من نقضه مالا عظيما مع أنك تثاب من الفسقة الذين حرقوا غمدان، و تكون قد محوت عن قومك اسم بناء الحبش و قطعت ذكرهم.

و كان بصنعاء يهودي عالم، قال: فجاء قبل ذلك إلى العباس بن الربيع يتقرب إليه فقال له: إن ملكا يهدم القليس يلي اليمن أربعين سنة.

قال: فلما اجتمع له قول اليهودي و مشورة ابن وهب بن منبه أجمع على هدمه، قال أبو الوليد: فحدثني الثقة قال: شهدت العباس و هو يهدمه فأصاب منه مالا عظيما، ثم رأيته دعا بالسلاسل فعلقها في كعيب و الخشبة التي معه، فاحتملها الرجال فلم يقربها أحد مخافة لما كان أهل اليمن يقولون فيها، فدعا بالورديين" و هي العجل" فأعلق فيها السلاسل، ثم جبذها الثيران و جبذها الناس معها حتى أبرزوها من السور، فلما لم ير الناس شيئا مما كانوا يخافون من مضرتها، و ثب رجل من أهل العراق كان تاجرا بصنعاء فاشترى الخشبة و قطعها لدار له فلم يلبث العراقي أن جذم فقال رعاع الناس: هذا لشرائه كعيبا، قال: ثم رأيت أهل صنعاء بعد ذلك يطوفون بالقليس فيلتقطون منه قطع الذهب و الفضة- انتهى من الأزرقي.

خروج أبرهة بالفيل لهدم الكعبة

ثم قال الإمام الأزرقي: ثم رجع إلى حديث ابن إسحاق قال: فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة بذلك إلى النجاشي غضب رجل من النساءة أحد بني فقيم من بني مالك بن كنانة فخرج حتى أتى القليس فقعد فيها- أي أحدث فيها- ثم خرج حتى لحق بأرضه فأخبر بذلك أبرهة، فقال: من صنع هذا؟ فقيل له: صنعه رجل من العرب من أهل البيت الذي تحج العرب إليه بمكة، لما سمع بقولك:

أصرف إليها حاج العرب، فغضب فجاءها فقعد فيها، أي أنها ليست لذلك‏

299

بأهل، فغضب عند ذلك أبرهة و حلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه، ثم أمر الحبشة فتهيأت و تجهزت، ثم سار و خرج بالفيل معه فسمعت بذلك العرب فأعظموه و قطعوا به و رأوا أن جهاده حق عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة- بيت اللّه الحرام- فخرج إليه رجل من أشراف اليمن و ملوكهم يقال له: ذو نفر، فدعا قومه و من أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة و إلى مجاهدته عن بيت اللّه الحرام و ما يريد من هدمه و إخرابه فأجاب من أجابه إلى ذلك ثم عرض له فقاتله فهزم ذو نفر فأتى به أسيرا فلما أراد قتله، قال له ذو نفر: أيها الملك لا تقتلني فعسى أن يكون مقامي معك خيرا لك من قتلي، فتركه من القتل و حبسه عنده في وثاق، و كان أبرهة رجلا حليما ورعا ذا دين في النصرانية، و مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج إليه، حتى إذا كان في أرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبائل خثعم شهران و ناهس و من اتبعه من قبائل العرب فقاتله فهزمه أبرهة و أخذ له نفيل أسيرا فأتى به فقال له نفيل: أيها الملك لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب و هاتان يداي على قبائل خثعم شهران و ناهس بالسمع و الطاعة، فأعفاه و خلى سبيله و خرج معه يدله حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف فقالوا له: أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون و ليس لك عندنا خلاف و ليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد- يعنون اللات- إنما تريد البيت الذي بمكة و نحن نبعث معك من يدلك عليه، فتجاوز عنهم، و بعثوا معه أبا رغال يدله على مكة، فخرج أبرهة و معه أبو رغال حتى أنزلهم بالمغمس فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك فرجمت العرب قبره، فهو قبره الذي يرجم بالمغمس و هو الذي يقول فيه جرير بن الخطفى:

إذا مات الفرزدق فارجموه‏* * * كما ترمون قبر أبي رغال‏

فلما نزل أبرهة المغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على فيل له حتى انتهى إلى مكة فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش و غيرهم فأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم و هو يومئذ كبير قريش و سيدها، فهمت قريش و خزاعة و كنانة و هذيل و من كان في الحرم بقتاله ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك.

و بعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة فقال له: سل عن سيد أهل هذا البلد و شريفهم ثم قل لهم إن الملك يقول لكم: إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا

300

البيت فإن لم تعرضوا لي بقتال فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربي فأتني به، فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش و شريفها فقيل له عبد المطلب، فأرسل إلى عبد المطلب فقال له بما قال أبرهة، فقال عبد المطلب: و اللّه ما نريد حربه و ما لنا بذلك من طاقة هذا بيت اللّه الحرام و بيت إبراهيم خليله (عليه السلام) أو كما قال. فإن يمنعه منه فهو بيته و حرمه و إن يخل بيته و بينه فو اللّه ما عندنا دفع عنه، فقال له حناطة: فانطلق معي إليه فإنه قد أمرني أن آتيه بك.

فانطلق معه عبد المطلب و معه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر و كان له صديقا حتى دخل عليه و هو في محبسه فقال: يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ قال ذو نفر: و ما غناء رجل أسير في يدي ملك ينتظر أن يقتله بكرة أو عشية ما عندي غناء في شي‏ء مما نزل بك إلا أن أنيسا سايس الفيل صديق لي فسأرسل إليه فأوصيه بك و أعظم عليه حقك و أسأله أن يستأذن لك على الملك و تكلمه فيما بدا لك و يشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك. قال: حسبي، فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش و صاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل و الجبل و الوحوش في رؤوس الجبال و قد أصاب الملك له مائتي بعير فاستأذن له عليه و انفعه عنده بما استطعت فقال: أفعل.

فكلم أنيس أبرهة فقال له: أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك و هو صاحب عير مكة و هو يطعم الناس بالسهل و الجبل و الوحوش في رؤوس الجبال فأذن له عليك فليكلمك في حاجته، فأذن له أبرهة، و كان عبد المطلب أوسم الناس و أعظمهم و أجملهم فلما رآه أبرهة أجله و أكرمه عن أن يجلسه تحته و كره أن تراه الحبشة معه على سريره فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه و أجلسه معه عليه إلى جنبه ثم قال لترجمانه: قل له ما حاجتك، قال له الترجمان:

إن الملك يقول لك ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن يرد الملك عليّ مائتي بعير أصابها لي.

فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، تكلمني في مائتي بعير أصبتها لك و تترك بيتا هو دينك و دين آبائك و قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه، قال عبد المطلب: إني أنا رب إبلي و إن للبيت ربا سيمنعه، قال: ما كان ليمتنع مني، قال: أنت و ذاك، قال ابن إسحاق: و قد كان فيما يزعم بعض أهل العلم قد ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة