التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج1

- محمد طاهر الكردي المزيد...
582 /
301

حين بعثه إليه حناطة الحميري بعمر بن نفاثة بن عدي بن الذيل بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، و هو يومئذ سيد بني بكر و خويلد ابن واثلة الهذلي و هو يومئذ سيد هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم، و لا يهدم البيت فأبى عليهم، و اللّه أعلم أكان ذلك أم لا، و قد كان أبرهة رد على عبد المطلب الإبل التي كان أصاب.

فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر و أمرهم بالخروج من مكة و التحرز في شعف الجبال خوفا عليهم من معرة الجيش ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، و قام معه نفر من قريش يدعون اللّه عز و جل و يستنصرونه على أبرهة و جنده، فقال عبد المطلب و هو آخذ بحلقة باب الكعبة:

يا رب إن المرء يمنع‏* * * رحله فامنع رحالك‏

لا يغلبن صليبهم‏* * * و محالهم عدوا محالك‏

إن كنت تاركهم و قبلتنا* * * فأمر ما بدا لك‏

و لئن فعلت فإنه‏* * * أمر يتم به فعالك‏

ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة و انطلق هو و من معه من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها. و قال عبد المطلب أيضا:

قلت و الأشرم تردي خيله‏* * * إن ذا الأشرم غر بالحرم‏

كاده تبع فيما جندت‏* * * حمير و الحي من آل قدم‏

فانثنى عنه و في أوداجه‏* * * حارج أمسك منه بالكظم‏

نحن أهل اللّه في بلدته‏* * * لم يزل ذاك على عهد إبرهم‏

نعبد اللّه و فينا شيمة* * * صلة القربى و إيفاء الذمم‏

إن للبيت لربا مانعا* * * من يرده بآثام يصطلم‏

يعني إبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام).

و لما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة و هيأ فيله و عبأ جيشه و كان اسم الفيل محمودا، و أبرهة مجمع لهدم الكعبة ثم الانصراف إلى اليمن، فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب الخثعمي حتى قام إلى جنب الفيل فالتغم أذنه فقال: ابرك‏

302

محمود و ارجع راشدا من حيث جئت فإنك في بلد اللّه الحرام، ثم أرسل أذنه فبرك الفيل.

و خرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل و ضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا رأسه بالطبرزين فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، و وجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، و وجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، فوجهوه إلى مكة فبرك، فأرسل اللّه عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف و البلسان، مع كل طير منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره و حجران في رجليه أمثال الحمص و العدس لا تصيب أحدا منهم إلا هلك و ليس كلهم أصابت و خرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي منها جاءوا و يسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل اللّه بهم من نقمته:

أين المفر و الإله الطالب‏* * * و الأشرم المغلوب غير الغالب‏

و قال نفيل أيضا حين ولّوا و عاينوا ما نزل بهم:

ألا حييت عنا يا ردينا* * * نعمناكم مع الإصباح عينا

ردينة لو رأيت و لن تريه‏* * * لدا جنب المحصب ما رأينا

إذا لعذرتني و حمدت أمري‏* * * و لم تأسى على ما فات بينا

حمدت اللّه إذ عاينت طيرا* * * و خفت حجارة تلقى علينا

و كل القوم يسأل عن نفيل‏* * * كان علي للحبشان دينا

فخرجوا يتساقطون بكل طريق و يهلكون بكل مهلك على كل منهل، و أصيب أبرهة في جسده و خرجوا به معهم تسقط أنملة أنملة كلما سقطت منه أنملة اتبعتها منه مدة تمث قيحا و دما حتى قدموا به صنعاء و هو مثل فرخ الطائر فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون و أقام بمكة فلال من الجيش و عسفاه و بعض من ضمه العسكر، فكانوا بمكة يعتملون و يرعون لأهل مكة.

قال ابن إسحاق: و حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة و الجدري بأرض العرب في ذلك العام، و أنه أول ما رؤي بها من مراير الشجر الحرمل و الحنظل و العشب من ذلك العام.

303

قال أبو الوليد: و قال بعض المكيين: إنه أول ما كانت بمكة حمام اليمام، حمام مكة الحرمية ذلك الزمان، يقال إنها من نسل الطير التي رمت أصحاب الفيل حين خرجت من البحر من جدة، و لما هلك أبرهة ملّك الحبشة ابنه يكسوم بن أبرهة و به كان يكنى، ثم ملك بعد يكسوم أخوه مسروق بن أبرهة، و هو الذي قتله الفرس حين جاءهم سيف بن ذي يزن و كان آخر ملوك الحبشة و كانوا أربعة فجميع ما ملكوا أرض اليمن من حين دخلوها إلى أن قتلوا ثلاثين سنة.

و لما رد اللّه سبحانه عن مكة الحبشة و أصابهم ما أصابهم من النقمة أعظمت العرب قريشا و قالوا: أهل اللّه قاتل عنهم و كفاهم مئونة عدوهم، فجعلوا يقولون في ذلك الأشعار يذكرون فيها ما صنع اللّه بالحبشة و ما دفع عن قريش من كيدهم و يذكرون الأشرم و الفيل و مساقه إلى الحرم، و ما أراد من هدم البيت و استحلال حرمته.

قال ابن إسحاق: حدثني عبد اللّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة عن عائشة أم المؤمنين، قالت: رأيت قائد الفيل و سائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان. قال ابن إسحاق: فلما قتلت الحبش و رجع الملك إلى حمير سرّت بذلك جميع العرب لرجوع الملك فيها و هلاك الحبشة، فخرجت وفود العرب جميعها لتهنئة سيف بن ذي يزن، فخرج وفد قريش، و وفد ثقيف، و عجز هوازن و هم نصر و جشم و سعد بن بكر و معهم وفود عدوان و فهم ابني عمرو بن قيس فيهم مسعود بن معتب، و وفد غطفان، و وفد تميم، و أسد، و وفد قبائل قضاعة و الأزد، فأجازهم و أكرمهم و فضل قريشا عليهم في الجائزة لمكانهم في الحرم و جوارهم بيت اللّه تعالى.

قال أبو الوليد: و حدثني عبد اللّه بن شبيب الربعي قال: حدثنا عمرو بن بكر بن بكار قال: حدثني أحمد بن القاسم الربعي مولى قيس بن ثعلبة عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة و ذلك بعد مولد النبي (صلى الله عليه و سلم) بسنتين أتاه وفود العرب و أشرافها لتهنئه و تمدحه و تذكر ما كان من بلائه و طلبه بثأر قومه، فأتاه وفد قريش و فيهم عبد المطلب بن هاشم و أمية بن عبد شمس، و خويلد بن أسد في ناس من وجوه قريش من أهل مكة، فأتوه بصنعاء و هو في قصر له يقال له: غمدان، و هو الذي يقول فيه الشاعر أبو الصلت الثقفي أبو أمية بن أبي الصلت:

304

لا تطلب الثأر إلا كابن ذي يزن‏* * * خيم في البحر للأعداء أحوالا

أتي هر قلا و قد شالت نعامتهم‏* * * فلم يجد عنده النصر الذي سالا

ثم انتحى نحو كسرى بعد عاشرة* * * من السنين يهين النفس و المالا

حتى أتى ببني الأحرار يقدمهم‏* * * تخالهم فوق متن الأرض أجيالا

بيض مرازبة غلب أساورة* * * أسد يربين في الغيضات أشبالا

للّه درهم من فتية صبر* * * ما إن رأيت لهم في الناس أمثالا

لا يضجرون و إن حزت مغافرهم‏* * * و لا نرى منهم في الطعن ميالا

أرسلت أسدا على سود الطلاب‏* * * أضحى شريدهم في الناس فلالا

فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا* * * في رأس غمدان دارا منك محلالا

تلك المكارم لا قعبان من لبن‏* * * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

فالتط بالمسك إذا شالت نعامتهم‏* * * و أسبل اليوم في برديك إسبالا

فاستأذنوا عليه فأذن لهم فإذا الملك متضمخ بالعنبر يلصف و وميض المسك من مفرقه إلى قدمه و سيفه بين يديه، و عن يمينه و عن يساره الملوك و أبناء الملوك، فدنا عبد المطلب فاستأذن في الكلام فقال له سيف بن ذي يزن: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملك فقد أذنا لك، فقال له عبد المطلب: إن اللّه عز و جل قد أحلّك أيها الملك محلا رفيعا، صعبا، منيعا، شامخا، باذخا، و أنبتك منبتا طابت أرومته، و عزت جرثومته، و ثبت أصله، و بسق فرعه، في أكرم معدن، و أطيب موطن، و أنت أبيت اللعن رأس العرب، و ربيعها الذي تخصب به و أنت أيها الملك رأس العرب الذي له تنقاد و عمودها الذي عليه العماد، و معلقها الذي تلجأ إليه العباد، سلفك خير سلف، و أنت لنا منهم خير خلف، فلن يخمد ذكر من أنت سلفه، و لن يهلك من أنت خلفه، أيها الملك نحن أهل حرم اللّه و سدنة بيته أشخصنا إليك الذي أبهجنا لكشفك الكرب الذي فدحنا فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة.

قال: و أيهم أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف.

قال: ابن أختنا، قال: نعم، قال: ادن، فأدناه ثم أقبل عليه و على القوم، فقال:

مرحبا و أهلا و ناقة و رحلا، و مستناخا سهلا، و ملكا ربحلا يعطي عطاء جزلا، قد سمع الملك مقالتكم، و عرف قرابتكم، و قبل وسيلتكم فأنتم أهل الليل و النهار، و لكم الكرامة ما أقمتم، و الحباء إذا ظعنتم، قال: ثم قال: انهضوا إلى دار الضيافة

305

و الوفود، فأقاموا شهرا لا يصلون إليه و لا يأذن لهم في الانصراف، قال: و أجرى عليهم الإنزال.

ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب فأدناه و أخلا مجلسه ثم قال: يا عبد المطلب إني مفوض إليك من سر علمي أمرا لو غيرك يكون لم أبح به له، و لكني وجدتك معدنه فأطلعتك طلعه و ليكن عندك مطويا حتى يأذن اللّه فيه، فإن اللّه بالغ فيه أمره، إني أجد في الكتاب المكنون، و العلم المخزون، الذي اخترناه لأنفسنا و احتجناه دون غيرنا خبرا جسيما و خطرا عظيما فيه شرف للحياة و فضيلة للناس عامة و لرهطك كافة و لك خاصة. قال: أيها الملك مثلك سر وبر فما فداك أهل الوبر و الكدر زمرا بعد زمر. قال: فإذا أولد بتهامة غلام به علامة كانت له الإمامة، و لكم به الزعامة، إلى يوم القيامة، فقال له عبد المطلب: أبيت اللعن لقد أتيت بخبر ما آب بمثله وافد قوم، و لولا هيبة الملك و إعظامه و إجلاله لسألته من سارة آبائي ما أزداد به سرورا، فإن رأى الملك أن يخبرني بإفصاح فقد أوضح لي بعض الإيضاح، قال: هذا حينه الذي يولد فيه و قد ولد اسمه محمد بين كتفيه شامة، يموت أبوه و أمه و يكفله جده و عمه، و قد ولدناه مرارا و اللّه باعثه جهارا و جاعل له منا أنصارا، يعز بهم أولياءه، و يذل بهم أعداءه و يضرب بهم الناس عن عرض، و يستبيح بهم كرائم الأرض، يعبد الرحمن و يدحر الشيطان، و يكسر الأوثان و يخمد النيران، قوله فصل و حكمه عدل، يأمر بالمعروف و يفعله، و ينهى عن المنكر و يبطله، قال: فخر عبد المطلب ساجدا، فقال له: ارفع رأسك، ثلج صدرك، و علا كعبك، فهل أحسست من أمره شيئا؟ قال: نعم أيها الملك، كان لي ابن و كنت به معجبا و عليه رفيقا فزوجته كريمة من كرائم قومه، آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فجاءت بغلام سميته محمدا، مات أبوه و أمه و كفلته أنا و عمه، بين كتفيه شامة، و فيه كل ما ذكرت من علامة.

قال له: و البيت ذي الحجب، و العلامات على النصب، إنك يا عبد المطلب، لجده غير الكذب، و إن الذي قلت، لكما قلت فاحتفظ بابنك و احذر عليه من اليهود فإنهم له أعداء و لن يجعل اللّه تعالى لهم عليه سبيلا، فاطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإني لست آمن أن تدخلهم النفاسة، من أن تكون لك الرئاسة فيبتغون لك الغوائل، و ينصبون لك الحبائل، و هم فاعلون أو أبناؤهم و لولا أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي و رجلي، حتى أصير

306

يثرب مملكته فإني أجد في الكتاب الناطق و العلم السابق، أن بيثرب استحكام أمره، و أهل نصره، و موضع قبره، و لولا أني أقيه الآفات، و أحذر عليه العاهات، لأوطأت أسنان العرب كعبه، و لأعليت على حداثة سنه ذكره، و لكني صارف ذلك إليك، عن غير تقصير بمن معك، ثم أمر لكل رجل منهم بمائة من الإبل و عشرة أعبد، و عشر إماء و عشرة أرطال ذهب، و عشرة أرطال فضة و كرش مملؤة عنبرا، و أمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، ثم قال له: ائتني بخبره، و ما يكون من أمره عند رأس الحول، فمات سيف بن ذي يزن من قبل أن يحول الحول.

و كان عبد المطلب يقول: أيها الناس لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك فإنه إلى نفاد، و لكن ليغبطني بما يبقي لي و لعقبي شرفه و ذكره و فخره، فإذا قيل له: و ما ذاك؟ يقول: ستعلمن و لو بعد حين، و في ذلك يقول أمية بن عبد شمس:

جلبنا النصح نحقبها المطايا* * * إلى أكوار أجمال و نوق‏

مفلفلة مراتعها تعالى‏* * * إلى صنعاء من فج عميق‏

تؤم بنا ابن ذي يزن و تغري‏* * * ذوات بطونها أم الطريق‏

و نرعى من مخايلها بروقا* * * مواقفة الوميض إلى بروق‏

و لما وافقت صنعاء صارت‏* * * بدار الملك و الحسب العريق‏

قال أبو الوليد: و قد ذكر اللّه تعالى الفيل و ما صنع بأصحابه، فقال: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ‏ إلى آخرها، و لو لم ينطق القرآن به لكان في الأخبار المتواطئة و الأشعار المتظاهرة في الجاهلية و الإسلام حجة و بيان لشهرته و ما كانت العرب تؤرخ به فكانوا يؤرخون في كتبهم و ديونهم من سنة الفيل، و فيها ولد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فلم تزل قريش و العرب بمكة جميعا تؤرخ بعام الفيل، ثم أرخت بعام الفجار، ثم أرخت ببنيان الكعبة، فلم تزل تؤرخ به حتى جاء اللّه بالإسلام فأرخ المسلمون من عام الهجرة، و لقد بلغ من شهرة أمر الفيل و صنع اللّه بأصحابه و استفاضة ذلك فيهم حتى قالت عائشة رضي اللّه عنها على حداثة سنها: لقد رأيت قائد الفيل و سايسه أعميين ببطن مكة يستطعمان. و قد ذكر غير واحد من أحداث قريش أنه رآهما أعميين، انتهى من الأزرقي.

و سنعيد هنا في الصحيفة الآتية قصة الفيل في قالب أدبي إن شاء اللّه تعالى.

307

نقول: و بعد هلاك جيش أبرهة بالمغمس أرسل اللّه عليهم سيلا جارفا ألقاهم في البحر كما ذكر ذلك بعض المؤرخين و هذا معقول حتى لا ينتشر الوباء من جثث الموتى بجهة عرفات، و تصل إلى مكة و ما حولها، و المقصود بالبحر بحر جدة، فإن المغمس به مسيل يسيل منه السيل إلى اليوم، يمر بعرفات ثم ينزل منها إلى مزدلفة فمنى و ينزل منها إلى جهة حراء إلى شعبة أذاخر ثم يمر إلى جهة بحرة بطريق جدة إلى أن يصب في البحر الأحمر، هذا إذا كان السيل قويا، و بالضرورة كان السيل الذي جرف جيش أبرهة قويا جدا.

و تأمل في كلام نفيل بن حبيب الخثعمي مع فيل أبرهة الذي يسمونه" محمود" الذي ذكره، و ذلك حينما وجهوا الفيل محمود إلى مكة حينما أراد أبرهة دخول مكة، فإن نفيل بن حبيب أقبل حتى قام إلى جنب الفيل فالتقم أذنه فقال له:

" ابرك محمود و ارجع راشدا من حيث جئت فإنك في بلد اللّه الحرام" ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل، و خرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل، فضربوا الفيل فأبى ... إلى آخر القصة المذكورة.

فمن هو نفيل بن حبيب، و كيف يخاطب الفيل و هو حيوان لا يعقل، ثم كيف أن الفيل استمع إليه و أطاع أمره فلم يتوجه إلى مكة مهما ضربوه، لكنه كان يهرول إلى جهة المشرق أو المغرب أو اليمن. لا شك أن كل ذلك بإلهام من اللّه سبحانه و تعالى كرامة لبيته المعظم و بلده الأمين.

قال بعض فضلاء عصرنا عن حادثة الفيل ما يأتي:

بعث الرسول لأمة أمية* * * لا حاكمون بها و لا حكماء

ما عندهم جيش يصد عدوهم‏* * * و لذاك يوم الفيل عز لقاء

فروا من الميدان و انسحبوا بلا* * * حرب فقامت فتنة عمياء

قالوا: لهذا البيت رب قادر* * * يحميه مما رامه الأعداء

فإذا برب البيت يصدر أمره‏* * * للطائرات فيستحر بلاء

ألقت قذائفها فنالت مقتلا* * * منهم و أصحاب الحمى شهداء

قد كان هذا حال أمة يعرب‏* * * لكنهم بعد الهدى سعداء

تركوا الهوى و توحدوا في دولة* * * قد نظمت و يديرها رؤساء

الذكر دستور و فيها حاكم‏* * * و لها جيوش قادها بسلاء

308

هزوا عروش الفرس و الروم الآلى‏* * * كانت لهم مدينة زهراء

بيت برمك‏

ذكر الغازي في تاريخه نقلا عن السنجاري: أن الزمخشري ذكر في كتابه" ربيع الأبرار" و نوبهار بلخ قال: بناه أحد أجداد خالد بن برمك عارض به الكعبة، و كانوا يطوفون به و يحجه أهل مملكتهم و يلبسونه الحرير، و كان بيتا حول أروقته ثلاثمائة و ستون مقصورة، يسكنها خدامه و قوامه، و كان من يليه يسمى" برمكا"، و انتهت البرامكة إلى خالد بن برمك فأسلم على يد عثمان و سماه عبد اللّه. انتهى.

بيت غطفان‏

و ذكر الغازي في تاريخه: قال السنجاري، قلت: و في القاموس" و بس" بالضم بيت لغطفان بناها ظالم بن أسعد لما رأى قريشا يطوفون بالكعبة و يسعون بين الصفا و المروة، فذرع البيت الحرام و أخذ حجرا من الصفا و حجرا من المروة و رجع إلى قومه، فبنى بيتا على قدر البيت و وضع الحجرين و قال: هذان الصفا و المروة، فاجتزؤا به عن الحج، فأغار زهير بن جناب الكلبي فقتل ظالما و هدم بناءه. انتهى.

وصف قصة الفيل‏

بقلم الدكتور طه حسين‏ انتهينا من قصة الفيل التي ذكرها الإمام الأزرقي (رحمه اللّه تعالى). و الآن نحب أن نعيد هذه القصة لا على لغة المؤرخين، و إنما على لغة أهل الأدب، لحلو ذوقها و تنوع طعمها. على حد قوله (صلى الله عليه و سلم) كما في البخاري و غيره: «إن من البيان لسحرا». فإليك القصة بقلم أديب مصر و كاتب العصر الأستاذ العظيم" الدكتور طه حسين" وزير المعارف الأسبق بمصر في زماننا، كما جاءت في الجزء الأول من كتابه" على هامش السيرة" عند كلامه على راهب الإسكندرية، فقد صاغ الدكتور طه حسين على لسان هذا الراهب لرئيس الدير و أهله، حكاية النجاشي‏

309

و أبرهة حتى وصل إلى عزم أبرهة على هدم بيت اللّه الحرام. و من هنا نحن ننقل من كلامه ما يأتي:

قال حفظه اللّه تعالى: و في ذات يوم رفع إلى أبرهة أمران ضاق بهما أشد الضيق، و خرج لهما عما قد ألف من الحلم و الأناة. أصبح سدنة الكنيسة فرأوا أنفسهم أمام أمر عظيم: رأوا كنيستهم قد لطخت بالقاذورات، و ألقيت فيها الجيف، و انتهكت حرمتها، فثاروا بذلك و رفعوه إلى أبرهة، و زعموا له أن هذا الإثم لا يمكن أن يجنيه إلا رجل من هؤلاء العرب الذين يأتون من تهامة، حيث يقوم لهم بيت هناك يقدسونه و يحجون إليه و يسمونه الكعبة و العرب كلها تحج إليه و تعظم أمره، و تعظم الذين يعيشون حوله من هذا الحي الذي يسمى قريشا، و الذي يتجر بين بلادنا و بلاد الشام. فلما سمع الملك ذلك غضب أشد الغضب، و أقسم ليهد من هذا البيت و ليحملن العرب على أن يحجوا إلى كنيسته بالسيف، بعد أن أعياه حملهم على ذلك بالرفق و اللين. و لم يكد النهار يتقدم حتى رفعت الأنباء إلى أبرهة بأن أهل تهامة قد قتلوا ذلك الرجل الذي أرسله إليهم ملكا، فطار طائره، و ثار ثائره، و أذن من فوره بالتجهز للحرب و الاستعداد للرحيل، و أرسل إلى النجاشي ينبئه بذلك، و يسأله أن يمده بالجنود و الفيلة. و ما هي إلا أيام حتى تهيأ له جيش ضخم قوي، و حتى فصلنا عن صنعاء يملؤنا الأمل و تزدهينا الكبرياء. و كنت أتحدث إلى أبرهة بأننا سنقطع هذه الطريق على طولها في غير مشقة و لا جهد، و بأننا سنصل بين الشام و اليمن، و بأني سأستقبله ضيفا في بلاد القيصر، كما استقبلني ضيفا في بلاد النجاشي. و كان جيشنا يعظم و يضخم كلما تقدمنا في الطريق بمن كان ينضم إلينا من أذواء اليمن و أقيالها.

و لكن طريقنا لم تخل مع ذلك من العقاب و لم تكن آمنا كلها، فقد نصب لنا الحرب جماعة من أقيال اليمن على رأسهم رجل يقال له ذو نفر، غيرة على وثنيتهم، و حفيظة لبيتهم ذلك، و دفاعا عن حلفائهم من قريش، و لكنا هزمناهم في غير مشقة، و أخذنا رئيسهم أسيرا. و هم الملك أن يقتله، ثم رق له و عفا عنه، و استبقاه في أسره. و مضينا أمامنا لا نلقى كيدا حتى كدنا نبلغ تهامة اليمن، و إذا حي من أحيائها قوي عظيم البأس مسلط على الأرض، متحكم في الطريق و في القوافل التي تقطعها، يقال له خثعم، قد جمع لحربنا، و غره عدده فخيل إليه أنه سيقهرنا كما تعود أن يقهر الناس من قبل. و لكن قهرناه في أقصر وقت و أيسر

310

جهد، و أخذنا رئيسه رجلا يقال له نفيل بن حبيب أسيرا و هم الملك أن يقتله و لكنه استعطف و غلا في الاستعطاف حتى ظفر بعفو الملك، و تقدم مع الأدلاء ليسلكوا بنا طريق هذا البيت الذي كنا نقصد إليه. و نمضي في طريقنا لا نلقى كيدا، و قد هابتنا العرب و خلت لنا الطريق، و أعظمت أمرنا إعظاما حتى إذا دنونا من مكة، و بلغنا مدينة عظيمة هناك يقال لها الطائف، تقوم على مرتفع من الأرض عظيم، و من حولها النخيل و الكروم و الحدائق، فيها أنواع الفاكهة و الثمر كأنها مدينة من مدن الساحل الشامي قد نقلت إلى تلك الأرض المقفرة المجدبة فأقامت فيها مشرفة زاهية كأنها الابتسامة الجميلة في الوجه المظلم الكئيب، خرج إلينا هنالك أهل هذه المدينة فقدموا الطاعة و أظهروا الخضوع، و بعثوا معنا رجلا منهم يسلك بنا إلى مكة أقرب طريق و نمضي أمامنا حتى نبلغ مكة، فينيخ الجيش يستريح قبل أن يأخذ في الهجوم. و يأتي سفراء القبائل إلى الملك من كل مكان يقدمون إليه طاعتهم و يعرضون عليه ثلث أموالهم، و يطلبون إليه أن يدع بيتهم هذا لا يمسه بسوء، فلا يسمع الملك منهم و لا يحفل بهم. ثم يرسل الملك طلائعه فتغير على ما حول مكة من الأرض و تستاق كل ما تجد فيه من مال. حتى إذا كان الغد أرسل الملك جماعة من أصحابه إلى مكة و كلفهم أن يسألوا عن سيدها و عظيمها، فإذا لقوه أنبئوه بأن الملك لا يريد قتالهم و لا حربهم، و إنما يريد أن يهدم هذا البيت فإن خلوا بينه و بين البيت فهم آمنون، و إلا فليأذنوا بحرب تسحقهم سحقا و أمر الملك سفراءه أن يأتوا بعظيم قريش إن أظهر الموادعة و الميل إلى السلم. و يمضي السفراء ثم يعودون و معهم رجل عظيم، و سيم جسيم، لم أر قط أجمل منه، و لا أملأ للعين، و لا أوقع في القلب، و لا أشد مهابة و جلالا.

حتى إذا بلغوا به سرادق الملك دخلوا يستأذنون له. و يسأل الملك عنه فيقال له:

هذا عبد المطلب سيد قريش و صاحب عيرها، أعظمها شرفا، و أعلاها مكانة، و أكرمها نفسا، و أسخاها يدا، يطعم الناس في السهل و يطعم الوحوش في رؤوس الجبال و كنت عند الملك حين أدخل عليه هذا الرجل، و رأيت الملك ينظر إليه فيكبره و يعظمه، و يلقاه بالتجلة و الكرامة، و يهم أن يجلسه معه على السرير، و لكنه يشفق أن تنكر الحبشة ذلك، فينزل عن سريره و يجلس مع هذا الرجل على البساط. ثم يكلف الترجمان أن يسأله حاجته. فما أشد ما عجب الملك حين فسر الترجمان له جواب سيد قريش. قال: حاجتي أن ترد إليّ مائتين من الإبل أخذتها طلائعك فيما أخذت أمس من المال. قال الملك مستهزئا: لقد أعظمتك حين‏

311

رأيتك، فإني لأصغر من شأنك الآن. لقد كنت أظن أنك ستحدثني في بيتك هذا الذي أريد أن أهدمه، و الذي هو دينك و دين آبائك و شرفك و شرف آبائك، فإذا أنت تحدثني في مائتين من الإبل. قال سيد قريش في صوت الهادئ الواثق المطمئن:

أنا رب الإبل، فلأحدثك فيها، فأما البيت فإن له ربا سيمنعه. قال الملك: لن يمنعه مني. قال سيد قريش: فأنت و ذاك. و أمر الملك أن ترد إلى الشيخ إبله، فردت إليه.

و لكني تبعته لأرى ما يكون من شأنه، فإذا هو لا يقبض هذه الإبل إلا ليرسلها هديا إلى هذا البيت، الذي لم يرد أن يتحدث إلى الملك فيه و يمضي هذا الشيخ إلى قومه من قريش، فيأمرهم أن يفرقوا في الشعاب و على رؤوس الجبال هربا من الملك، و إشفاقا من معرة الجيش، و يقوم أمام بيته هذا الذي يعظمه و قد أخذ بحلقة بابه، و من حوله نفر من قومه و يقول كلاما حسن الانسجام شديد الوقع في النفس، سمعته فأحببته و لكني لم أفهمه، على أني كنت قد أخذت أحسن هذه اللغة. ثم يرسل حلقة الباب، و يمضي مع من كان يصحبه من قومه فيتحصن في شعب من الشعاب. و أنظر أنا إلى هذه المدينة فإذا هي قد خلت من أهلها، و قامت بيوتها هادئة ساكنة، يظلها حزن عميق فيه هيبة و جلال. قامت بظلها هذا الحزن، و لم أكن أرى في هذا الحزن خوفا و لا إشفاقا من معاول الهادمين.

و أصبحنا و قد أمر الملك بدخول المدينة، فيمّ؟؟؟ الجيش أن يتحرك و في مقدمته فيل عظيم، و لكني أرى دليلنا نفيل بن حبيب الخثعمي يدنو من الفيل فيأخذ أذنه و يسر فيها كلاما. ثم يرسلها و يشتد هاربا في الجبل. و تثير حركة هذا الرجل في نفسي شيئا من العجب، فما علمت أنه يعرف منطق الفيلة، و ما علمت أن الفيلة تعرف منطق العرب. و عجبت، و ليت عجبي لم يتجاوز هذه القصة، و لكني رأيت بعد ذلك ما يقضي على كل عجب. رأيت بعد ذلك أشياء ما قدرت قط أنني سأرى بعضها. رأيت بعد ذلك أشياء وددت لو لم أرها قط.

و إني على ذلك لسعيد أشد السعادة، مغتبط أشد الغبطة، لأني رأيتها، فهي التي هدتني إلى الحق، و هي التي كشفت عن نفسي الغطاء. رأيت الفيل قد برك، حتى إذا دنا منه ساسته لينهضوه نهض معهم، حتى إذا وجهوه إلى مكة برك من جديد. و يجد ساسته بعد ذلك في إنهاضه فلا يبلغون منه شيئا، يحثونه و يؤذونه و يضربونه، و يبلغون به أقصى ما يهيج الفيل فلا ينهض و لا يهم بالنهوض. حتى‏

312

إذا أداروا رأسه نحو الشام أو نحو اليمن أو نحو الشرق نهض و مضى مهرولا، فإذا أداروا رأسه نحو مكة برك و لم يتقدم أمامه إصبعا، و نحن ننظر إلى هذا و قد ملأنا العجب، و أخذ الدهش من نفوسنا كل مأخذ، و بدأ الخوف يلعب بقلوبنا، و بدأ الذعر يطلق بعض الألسنة بالرغبة عن دخول المدينة و الانصراف عن هذا البيت، و إنا لفي ذلك ننظر إلى الساسة و هم يعالجون الفيل، و إذا الجو يظلم شيئا فشيئا، و إذا سحاب كثيف يبدو لنا من بعيد، قد أقبل إلينا مسرعا من ناحية البحر، فلا نكاد نطيل النظر إليه حتى نتبين، و يا هول ما نتبين، لسنا نرى سحابا كالسحاب، و لا غماما كالغمام، و إنما نرى سحابا حيا يخفق بأجنحته خفقا، و يبعث منظره في نفوسنا روعا يخرجنا عن أطوارنا و ينتهي بنا إلى شي‏ء يشبه الذهول. إني لأرى الآن السحاب حين كان يقبل علينا أسرابا من طير صغار، لها مناقير الطير و أكف الكلاب، حتى إذا دنت منا أخذت تحصب الجيش بحجارة دقاق كانت تحملها في مناقيرها و أرجلها. و لم تكن هذه الحجارة تبلغ دقة العدسة و لا عظم الحمصة، و إنما كانت شيئا بين بين، و كانت على دقتها لا تمس شيئا إلا هشمته تهشيما، و لا تمس رجلا إلا ألقته صريعا و سلوا ما شئتم عن خوف الخائفين و ذعر المذعورين و انصراف أصحاب الفيل عن الفيل، و تحول الجيش عن مكة إلى غيرها من الوجوه جادا في الهرب، و هذه الأسراب من الطير تتبعه، تحصبه بهذه الحجارة و تملأ الجو من حوله بصياح مخيف.

و لست أدري كيف انتهى أمرنا، و لا كيف نجونا من هذه الطير و لكني أراني مجدا في الهرب، و من حولي قوم يجدون مثلي في الهرب، و قد حملوا رجلا مريضا سي‏ء الحال. حتى إذا انقطعت أصوات الطير، و نظرنا فلم نر في السماء شيئا، أخذت أسأل عن نفسي و عمن حولي و عن الجيش، و أخذت أسأل عن هذا المريض الذي أراه محمولا يتأذى، فإذا هو أبرهة، قد مسه حجر من تلك الحجارة فصرع، و ظهر على جسمه بلاء عظيم، و أخذت أجزاء جسمه تتساقط قليلا قليلا، لا يسقط جزء منها إلا تبعه صديد منكر قبيح. كم تأذى هذا الرجل أو كم احتمل من ألم في نفسه و جسمه، و كم ذاق من مرارة الندم و لذع الحسرة و اللوعة. إني لأراه حين بلغنا صنعاء، و أدخل إلى قصره ليمرض فيه و قد هزل و مسه الضر، حتى لكأنه فرخ من فراخ الطير. على أن حياته لم تمتد في قصره، و إنما ألح الألم عليه إلحاحا شديدا و أقبل أحد بنيه صباح يوم فنعاه إلي، فلما سألت كيف مات، علمت أن صدره انفجر عن قلبه انفجارا.

313

و كان حديث الشيخ قد ملك على هؤلاء السمار نفوسهم و قلوبهم، فأغرقوا في شي‏ء من الوجوم لم يحسوا معه أن صاحبهم قد قطع الحديث و اندفع في تفكير عميق بعيد و لست أدري كم أنفقوا من الوقت في هذا الوجوم الصامت، و لكني أعلم أن رجلا منهم شابا لم تكن قد تقدمت به السن بعد، خرج من هذا الصمت و أخرجهم منه حين قال بصوت متهدج تقطعه العبرات تقطيعا: إن لهذا البيت في مكة لشأنا. قال الشيخ: نعم، إن لهذا البيت في مكة لشأنا، و إن هذا الشأن هو الذي اضطرني إلى أن أعود من اليمن مسرعا ما وسعتني السرعة حتى أبلغ مصر و أنتهي إلى الإسكندرية و أقسم ما حفلت بأهلي و لا بوطني و لا بشركائي في التجارة و لا أتحت لأحد منهم أن يسألني من أمري عن قليل أو كثير، و إنما فرقت فيهم مالي تفريقا، و حملت منه ما استطعت حمله، و مضيت إلى الشام يحسبني الناس تاجرا يبتغي الربح، و إنما كنت سائحا أبتغي هذا الدير لأدخله، فأخرج من الحياة و لذاتها، و آمالها و غرورها، و أفرغ للعبادة و طاعة اللّه.

و إني لأرجو لو امتدت بي الحياة أن أعود إلى هذا البيت في مكة لا غازيا و لا باغيا و لا قاصدا إلى شر، بل تائبا ثائبا منيبا مستغفرا من هذا الإثم الذي شاركت فيه. و إلى أن يتيح اللّه لي هذه الأوبة إلى مكة، إن كان قد قدر لي أن أراها مرة أخرى، فسأقيم معكم ألقى من تلقون من هؤلاء الذين يأتون من مكة، و يعودون إليها، فأتحدث إليهم و أسمع منهم، و أنا لهم بما أستطيع أن أنالهم به من إحسان.

و أذن مؤذن أن قد آن لأهل الدير أن يأووا إلى حجراتهم، فتفرقوا و ما في نفوسهم رغبة في سمر و لا ميل إلى حديث، و ما منهم إلا من يفكر في هذا البيت الذي أحجم عنه الفيل، و رجمته طير أبابيل، ترمي عدوه بحجارة من سجيل، فإذا هم كعصف مأكول. انتهى من كتاب على هامش السيرة.

نطق فيل أبرهة لعبد المطلب‏

و مما يناسب قصة الفيل، الحكاية الواردة في كتاب" النطق المفهوم من أهل الصمت المعلوم" المطبوع سنة (1308) هجرية بمطبعة الحلبي بمصر، و هي هذه و اللّه تعالى أعلم بصحتها:

الفصل السادس في نطق الفيل: لما بلغ عبد المطلب قدوم أبرهة لهدم بيت اللّه الحرام، قال: يا معشر قريش، لا يصل إلى هدم هذا البيت لأن لهذا البيت ربا

314

يحميه و يحفظه. ثم جاء أبرهة فاستاق إبل قريش و غنمهم و ساق لعبد المطلب أربعمائة ناقة فركب عبد المطلب في قريش حتى بلغ ثبير و استدارت دائرة غرة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على جبينه أي جبين عبد المطلب كالهلال، و انتشر شعاعها على البيت الحرام مثل السراج فلما نظر عبد المطلب إلى ذلك قال: يا معشر قريش ارجعوا قد كفيتم هذا الأمر فو اللّه ما استدار هذا النور مني إلا كان الظفر لنا فرجعوا متفرقين.

فبلغ ذلك أبرهة فبعث إليه رجلا من قومه، فأقبل الرجل حتى دخل مكة، فسأل عن كبير الناس فقيل له عليك بعبد المطلب فلما دخل و نظر وجهه ذعر و خضع و تلجلج لسانه و خر مغشيا عليه فكان يخور كما يخور الثور عند ذبحه، فلما أفاق خر ساجدا لعبد المطلب و قال: أشهد أنك سيد قريش حقا. و ذلك أنه لم يكن أحد من الناس يدخل مكة إلا خر ساجدا إكراما من اللّه عز و جل لمحمد (صلى الله عليه و سلم)، فلما بلغ الرسول رسالة أبرهة ركب عبد المطلب في نفر من قريش و سبقه الرسول حتى دخل على أبرهة و قال له: يا سيداه و يا مولاه، قد جاءك اليوم سيد قريش حقا قال له: ويلك كيف علمت ذلك؟ قال: لأني لم أر في الآدميين أتم جمالا منه و ما أشبه لونه إلا باللؤلؤ المكنون و أعلم أنه لا يمر على شي‏ء إلا خر له ساجدا. قال: فأخذ الملك أحسن زينته ثم أذن له في الدخول فدخل عليه و هو قاعد على سرير ملكه، فسلم عليه فرد (عليه السلام) ثم قام قائما و أخذ بيده و أقعده على سرير ملكه، و أقبل أبرهة ينظر في وجه عبد المطلب، ثم قال له: يا عبد المطلب هل كان أحد من آبائك له مثل هذا النور و الجمال؟ فقال له عبد المطلب:

نعم أيها الملك كل آبائي كان لهم مثل هذا النور و البهاء. فقال له الملك: و أنتم قوم فاخرتم الملوك فخرا و شرفا و بهذا حق لك أن تكون سيد قومك ثم التفت الملك أبرهة إلى سائس الفيل و كان له فيل عظيم أبيض و كان ذلك الفيل لا يسجد للملك أبرهة كما تسجد سائر الفيلة، فقال الملك لسائس الفيل: أخرجه، فأخرجه و قد زين بكل زينة على وجه الأرض فلما نظر الفيل إلى وجه عبد المطلب برك كما يبرك البعير و خر ساجدا و نادى الفيل بلسان الآدميين السلام على النور الذي يخرج من ظهرك يا عبد المطلب، معك العز و الشرف لا تذل و لا تغلب أبدا. فلما نظر الملك رجف و ارتعد و ظن أن ذلك كله سحر فبعث في تلك الساعة إلى السحرة الذين في عسكره فجمعهم و قال لهم: الويل لكم حدثوني عن هذا الفيل و شأنه لا يسجد لي و يسجد لعبد المطلب. فقال السحرة: أيها الملك إن‏

315

الفيل لم يسجد لعبد المطلب و لكنه سجد لنور يخرج من ظهره في آخر الزمان يقال له محمد يملك الدنيا و تذل له ملوك الأرض و لا يدين إلا بدين صاحب هذا البيت يعنون بذلك إبراهيم و ملكه أعظم من ملكك و ملك أهل الدنيا، فأذن لنا أيها الملك أن نقبل يديه و رجليه. فأذن لهم، فقامت السحرة يقبلون يدي عبد المطلب و رجليه، و قام الملك وحيدا متواضعا و قبّل رأس عبد المطلب و أمر له بجائزة عظيمة و قال: سل حاجتك. فقال: إبلي التي أخذت. فأمر بردها عليه من ساعتها، ثم قال أبرهة: قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم ذهلت فيك حين كلمتك و عملت أقصى مذهبك في طلبك إياي أن أرد عليك إبلا أصبتها و تركت بيتا هو دينك و دين آبائك قد جئت لهدمه و لا تكلمني فيه. فقال عبد المطلب: إن الإبل هي لي و أنا ربها و أنت أخذتها فأطلب منك ردها إذ صارت في ملكك و حكمك و أما البيت فإن له ربا و هو ربنا و رب كل شي‏ء و سيمنعك عنه. فرد أبرهة عليه إبله، ثم انصرف عبد المطلب. انتهى من الكتاب المذكور.

انتهت هذه الحكاية نقلا من كتاب النطق المفهوم المذكور، لمؤلفه الحافظ الهمام أحمد بن طغر بك (رحمه اللّه تعالى)، و هو كتاب عجيب قيم، يبحث عن نطق بني آدم و نطق الحيوان، و الحشرات و النباتات، و الجمادات من كل جنس و نوع، و نعتقد أن هذا الكتاب فريد في بابه لم يؤلف مثله أحد على منواله. و هو مطبوع بمصر. و قد نقلنا عنه الحكاية المذكورة لطرافتها، و قد تكون موضوعة، و قد تكون صحيحة، و للّه خرق العوائد، و ليس ببعيد أن لا يسمع كلام الفيل أحد سوى عبد المطلب تكرمة له.

و في الحقيقة أن نطق الفيل، أو الحيوان الأعجم، أو الجمادات ليس ممنوع شرعا، فقد يقع كل ذلك على سبيل المعجزة و الكرامة. و هذا هدهد سليمان (عليه السلام) مذكور في القرآن الكريم في سورة النمل، و هذا الحجر الذي كان يسلم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قبل أن يبعث، كما جاء في صحيح مسلم و غيره: «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث».

و هذه بقرة بني إسرائيل و الذئب اللذان تكلما، فقد ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: «بينما رجل راكب على بقرة التفتت إليه فقالت: إني لم أخلق لهذا و إنما خلقت للحرث، فإني أؤمن بهذا أنا و أبو بكر و عمر، و بينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة

316

فطلبه حتى استنقذها منه، فقال له الذئب: هنا استنقذتها مني، فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري، فإني أؤمن بهذا أنا و أبو بكر و عمر».

و أمثال هذه الأمور كثيرة وردت في معجزات الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، و قد ورد أمثالها بكثرة لنبينا" محمد" (صلوات اللّه و سلامه عليه) و على جميع الأنبياء و المرسلين و آل كل منهم و صحابتهم أجمعين.

و إن كلام فيل أبرهة لجد النبي (صلى الله عليه و سلم) عبد المطلب، إنما هو كرامة له و بشارة بقرب ميلاده عليه الصلاة و السلام، و ليتيقن قلبه أن أبرهة لن يقدر على هدم بيت اللّه الحرام. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في أواخر الكتاب مبحث خاص بهذا الأمر.

مسرحية شعرية في هلاك أصحاب الفيل‏

عثرنا في إحدى مجلات الإذاعة السورية لسنة (1377) هجرية، على مسرحية شعرية تمثيلية للأستاذ محيي الدين الدرويش، و هي تقع في فصل واحد و خمسة مشاهد، تتضمن كيفية هلاك أصحاب الفيل، و نذر عبد المطلب بذبح أحد أولاده العشرة.

فرأينا أن ننقل هنا من المجلة المذكورة ما يختص بقصة أصحاب الفيل فقط، أما فيما يختص بقصة عبد المطلب لذبح أحد أولاده و هو" عبد اللّه" والد نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم)، فقد ذكرناه في مبحث حفر عبد المطلب لزمزم. يعني أننا قسمنا المسرحية إلى قسمين فما يختص بأصحاب الفيل و هو القسم الأول ذكرناه هنا، و ما يختص بقصة عبد المطلب و هو القسم الثاني ذكرناه هنالك.

و إليك ما يختص بأصحاب الفيل:

المشهد الأول‏

على أحد سفوح جبل أبي قبيس يبدو عبد المطلب و أقاربه و أبناء عمه و أولاده العشرة و أمهاتهم الأربع و قد أخذوا يترقبون وصول الغزاة الأحباش بقيادة (أبرهة) و قد استعانوا بالفيلة لهدم الكعبة و الاستيلاء على مكة:

عبد المطلب منتحبا متوسلا:

" يا رب لا أرجو لهم سواكا* * * يا رب فامنع منهم حماكا"

317

" إن عدو البيت من عاداكا* * * امنعهم أن يخربوا قراكا

قد أجمعوا أمرهم دراكا* * * و أزمعوا للكعبة انتهاكا

فحشدوا جيشا لهم سفاكا* * * و أشرعوا سلاحهم فتاكا

زئيرهم قد طبق الأفلاكا* * * و شغل العقول و الإدراكا

و الفيل طود مائج و أفاكا* * * عيناه قد أنذرتا هلاكا

يا رب لا تذر لهم أفاكا* * * فإنهم وحدهم عداكا

هاتف:

أبشر فقد نلت الأرب‏* * * لا مجد إلا للعرب‏

سوف يلاقون الردى‏* * * و يحرقون باللهب‏

إرادة اللّه قضت‏* * * للظلم شر منقلب‏

أمر جرى به القضا* * * و نور عبد المطلب‏

عبد المطلب لقومه:

أيها القوم أبشروا قد تناءت‏* * * عن حمانا الخطوب و الأرزاء

هاتف من جوانب الغيب وافى‏* * * و تهادت بوحيه الصحراء

أذن اللّه أن يصون حمانا* * * ما لما يأذن الإله انتهاء

إن للظالمين يوما عبوسا* * * يتغنى من جانبيه الفناء

أمطري يا سماء فوق الأعادي‏* * * حمم الغيظ، أمطري يا سماء

تسمع ضجة الغزاة فيصرخ أحد أتباع عبد المطلب:

الطواغيت أقبلت‏* * * ما لنا اليوم عاصم‏

و المذاكي تدافعت‏* * * أين منها القوائم‏

آخر:

و الفيل إذ يختال فوق الأرض‏* * * كجبل على الثرى منقض‏

و قد تساوى طوله بالعرض‏* * * عيناه مثل الشرر المرفض‏

آخر:

و للحديد جلجلة* * * و للسيوف صلصلة

جلبة كأنها* * * قد استحالت زلزلة

318

عبد المطلب مؤنبا:

ما لي أرى الروع قد جنت نوازيه‏* * * و العزم منكم قد انهارت صياصيه‏

أتجزعون و قد وافت بشائرنا* * * و النور أشرق في الأكوان هاديه‏

أحد أبنائه:

و البيت من يدرأ الأخطار عنه؟

عبد المطلب:

كفى فإن للبيت ربّا سوف يحميه‏* * * و قد نذرت سأفديه بخيركم.

عبد اللّه:

لبيك، والدنا، بالروح نفديه‏* * * رمز الكرامة مأوى العز كعبتنا

لا خير في العيش إن ديست معاليه‏

المشهد الثاني‏

يقرب الغزاة، و تربد السماء بطيور كأنها السحب المترافدة يتبع بعضها بعضا و في منسر كل طير حجر.

عبد المطلب:

أرى السماء قد أربدت معالمها* * * و الطير تنقض في آفاقها زمرا

و ما شهدت لها فيما مضى شبها* * * و في مناسرها قد حملت حجرا

لا تعجبوا هو أمر اللّه قد سبقت‏* * * به المشيئة كان اللّه مقتدرا

هو القضاء و قد حمت عجائبه‏* * * من ذا يرد قضاء اللّه و القدرا

أبو طالب:

قد حومت و دومت‏* * * و همهمت و دمدمت‏

و هذه أحجار* * * أم شهب و نار

تحمل للأعداء* * * رسالة الفناء

فغادرتهم صرعى‏* * * لم يستطيعوا دفعا

فملأوا الأغوارا* * * و أصبحوا أخبارا

319

عبد المطلب لابنه عبد اللّه:

بني أرى في الغيب نورا سيشرق‏* * * و أنسامه في كل أرض ستعبق‏

هو الأمل المرجو

عبد اللّه:

بوركت يا أبي‏* * * كأنك من نفسي تقول و تنطق‏

320

تراجم بعض من تقدم ذكرهم في السيرة النبوية

نذكر هنا بعض تراجم من تقدم ذكرهم في أثناء السيرة النبوية لمعرفتهم و للاطلاع على أخبارهم.

وفاة عبد المطلب جد النبي (صلى الله عليه و سلم)

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و من وقائع السنة الثامنة" أي من ولادته (صلى الله عليه و سلم)" وفاة عبد المطلب، و اختلف في سن عبد المطلب حين مات، فقال السهيلي: إن عبد المطلب مات و عمره مائة و عشرون سنة، و قال ابن جبير: عمره خمس و تسعون سنة، و قيل مائة و عشر سنين، و قيل مائة و أربعون سنة، و قيل اثنتان و ثمانون سنة، ذكر هذه الأقاويل الأربعة الأخيرة مغلطاي في سيرته و قد عمي قبل موته و دفن على ما ذكره ابن عساكر بالحجون، كذا في شفاء الغرام و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يومئذ ابن ثمان سنين و شهر و عشرة أيام، كذا في نور العيون لليعمري، و في سيرة مغلطاي، و قيل ثمان سنين و سئل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، أتذكر موت عبد المطلب؟ قال: نعم أنا يومئذ ابن ثمان سنين، و في المواهب اللدنية و سيرة مغلطاي قيل كان ابن تسع سنين، و قيل عشر، و قيل ست، و قيل ثلاث و فيه نظر. قالت أم أيمن: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يبكي خلف جنازة عبد المطلب. و في المنتقى توفي عبد المطلب في ملك كسرى هرمز بن أنوشروان.

انتهى من تاريخ الخميس.

ترجمة أبي طالب و أولاده‏

قال مؤلف تاريخ الخميس: أبو طالب اسمه عبد مناف و جملة أولاده ستة، أربعة ذكور، طالب و مات كافرا في غزوة بدر حين وجه المشركون إلى حرب المسلمين و هو أكبر ولده و به كان يكنى، و عقيل و جعفر و علي، و بنتان أم هانئ و جمانة، أمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، و كان علي أصغرهم، و كان جعفر أسن منه بعشر سنين، و عقيل أسن من جعفر بعشر سنين، و طالب‏

321

أسن من عقيل بعشر سنين، ذكره ابن قتيبة و أبو سعيد و أبو عمرو، و أما علي فسيجي‏ء ذكره في الخاتمة في ذكر الخلفاء، و أما جعفر فقد تقدم ذكر أمه و يكنى أبا عبد اللّه أسلم قديما و هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية و معه زوجته أسماء بنت عميس و ولدت ثمة بنيه عبد اللّه و محمدا و عونا فلم يزل هنالك حتى قدم على النبي (صلى الله عليه و سلم) و هو بخيبر سنة سبع فحصلت له الهجرتان، و أما ذكر جواره في أرض الحبشة و ما جرى له مع النجاشي فسيجي‏ء في الركن الثاني من حوادث السنة الخامسة من النبوة، و سيجي‏ء ذكر وفاته و بعض أحواله في الموطن الثامن في سرية مؤتة إن شاء اللّه تعالى. انتهى من تاريخ الخميس.

كفالة أبي طالب لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)

جاء في تاريخ الخميس ما نصه:

و من وقائع السنة الثامنة" أي من ولادته (صلى الله عليه و سلم)" كفالة أبي طالب لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) روي أنه لما مات عبد المطلب كفل أبو طالب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و ضمه إليه و ذلك لأن أبا طالب و عبد اللّه أبا النبي (صلى الله عليه و سلم) كانا من أم واحدة و هي فاطمة بنت عمرو، و كان الزبير عم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أيضا من أمهما، لكن كفالة أبي طالب إما بوصية عبد المطلب و إما لأن الزبير و أبا طالب اقترعا فخرجت القرعة لأبي طالب، و إما لأن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) اختار أبا طالب لكثرة مؤانسته و شفقته، قيل بل كفله الزبير حتى مات ثم كفله أبو طالب و هذا غلط لأن الزبير شهد حلف الفضول بعد موت عبد المطلب و لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) نيف و عشرون سنة و أجمع العلماء أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) شخص مع عمه أبو طالب إلى الشام بعد موت عبد المطلب بأقل من خمس سنين، فهذا يدل على أن أبا طالب كفله، ذكره ابن الأثير في أسد الغابة و روي أن أبا طالب كان فقيرا و كان يحبه حبا شديدا و كان لا يحب أولاده كذلك و كان لا ينام إلا إلى جنبه و يخرج معه متى يخرج. و في المواهب اللدنية و قد أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفة قال: قدمت مكة و هم في قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب أقحط الوادي و أجدب العيال و هلكت المواشي فهلمّ استسق فخرج أبو طالب و معه غلام كأنه شمس دجن تجلت عنه سحابة قتماء و ما زال يسعى و الغلام معه، فلما صار بإزاء الكعبة و حوله أغيلمة، فألصق الغلام ظهره بالكعبة و لا زال يشير بإصبعه و ما في السماء قزعة فأقبل السحاب من‏

322

هاهنا و هاهنا و أغدق و اغدودق و انفجر الوادي و أخصب النادي و البادي، و في ذلك يقول أبو طالب:

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه‏* * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل‏

الثمال: بكسر المثلثة الملجأ و الغياث، و عصمة الأرامل أي: يمنعهم من الضياع و الحاجة، و الأرامل المساكين من الرجال و النساء، و يقال لكل واحد من الفريقين على انفراده أرمل و هو بالنساء أخص و أكثر استعمالا و الواحد أرمل و أرملة. و هذا البيت من أبيات قصيدة لأبي طالب ذكرها ابن إسحاق بطولها و هي أكثر من ثمانين بيتا، انتهى.

و أنشأ أبو طالب في مدح النبي (صلى الله عليه و سلم) أبياتا منها هذا البيت:

و شق له من اسمه ليجله‏* * * فذو العرش محمود و هذا محمد

و حسان بن ثابت ضمن شعره هذا البيت:

ألم تر أن أرسل عبده‏* * * بآياته و اللّه أعلى و أمجد

أغر عليه للنسوة خاتم‏* * * من اللّه مشهود يلوح و يشهد

و ضم الإله اسم النبي إلى اسمه‏* * * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

و شق له من اسمه ليجله‏* * * فذو العرش محمود و هذا محمد

نبي أتانا بعد يأس و فترة* * * من الدين و الأوثان في الأرض تعبد

و أرسله ضوءا منيرا و هاديا* * * يلوح كما لاح الصقيل المهند

و كان إذا أكل عيال أبي طالب جميعا أو فرادى لم يشبعوا و إذا أكل معهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) شبعوا، و كان الصبيان يصبحون رمصا شعثا و يصبح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) صقيلا دهينا كحيلا و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يبغض حضور الأصنام و الأعياد مع قومه، روي أن بوانة كانت صنما يحضره قريش في كل سنة يوما و يعظمونه و يعبدونه و يجعلونه عيدا، و تنسك له النسائك و يحلقون رؤوسهم عنده و يعكفون عنده إلى الليل، و كان أبو طالب يحضره مع قومه و كان يكلم النبي (صلى الله عليه و سلم) أن يحضر ذلك العيد مع قومه فيأبى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فغضب أبو طالب و أعمامه عليه فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء اللّه ثم رجع إليهم مرعوبا فزعا فقالوا له:

ما الذى رأيت؟ قال: إني كل ما دنوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي: وراءك يا محمد لا تمسه، فأعاد إلى عيدهم بعد ذلك و كان لم يأكل مما

323

ذبح على النصب و هذا يدل على أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان يعبد اللّه وحده قبل أن يوحى إليه؛ لأنه كان من ورثة دعوة إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام).

انتهى من تاريخ الخميس.

وفاة أبي طالب‏

جاء في تاريخ الخميس: و في السنة العاشرة من النبوة أول ذي القعدة و قيل للنصف من شوال السنة الثامنة كذا في الاستيعاب، مات أبو طالب بعدما خرج من الحصار بالشعب بثمانية أشهر و أحد و عشرين يوما، كذا في سيرة اليعمري، و في حياة الحيوان مات أبو طالب و كان النبي (صلى الله عليه و سلم) ابن تسع و أربعين سنة و ثمانية أشهر و أحد عشر يوما و أبو طالب ابن بضع و ثمانين سنة. و في المواهب اللدنية ابن سبع و ثمانين سنة و قيل مات في نصف شوال من السنة العاشرة، و قال ابن الجوزي قبل هجرته (عليه السلام) بثلاث سنين. انتهى من تاريخ الخميس.

ترجمة أم هانئ بنت أبي طالب‏

قال مؤلف تاريخ الخميس: و أما أم هانئ فاسمها فاختة و قيل هند، أسلمت يوم الفتح، حكاه أبو عمرو و تزوجها هبيرة بن أبي وهب بن عائد بن عمران بن مخزوم و ولدت له أولادا و هرب إلى نجران و مات مشركا، و هي التي صلى النبي (صلى الله عليه و سلم) في بيتها عام الفتح الضحى ثمان ركعات في ثوب واحد مخالفا بين طرفيه و قال لها: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، متفق عليه. و عن ابن عباس: دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على أم هانئ بنت أبي طالب يوم الفتح و كان جائعا فقالت: يا رسول اللّه إن أصهارا لي قد لجأوا إلي و إن علي بن أبي طالب لا تأخذه في اللّه لومة لائم و إني أخاف أن يعلم بهم فيقتلهم فاجعل من دخل دار أم هانئ آمنا حتى يسمع كلام اللّه، فأمنهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و قال: أجرنا من أجارت أم هانئ، فقال:

هل عندك من طعام نأكله؟ فقالت: ليس عندي إلا كسرة يابسة و إني لأستحي أن أقدمها إليك، قال: هلميه، فكسرهن في ماء و ملح، فقال: هل من إدام؟

فقالت: ما عندي يا رسول اللّه إلا شي‏ء من خلّ، فقال: هلميه، فصبه على طعامه فأكل منه ثم حمد اللّه ثم قال: نعم الإدام الخل يا أم هانئ لا يفقر بيت فيه خل. خرجه بهذا السياق الطبراني و جماعة. انتهى من تاريخ الخميس.

324

ترجمة عقيل بن أبي طالب‏

قال مؤلف تاريخ الخميس: و أما عقيل بن أبي طالب فلم يزل اسمه في الجاهلية و الإسلام عقيلا و يكنى أبا يزيد، أمه فاطمة بنت أسد. قال العذري: و كان عقيل قد خرج مع كفار قريش يوم بدر فأسر ففداه عمه العباس، ثم أتى مسلما قبل الحديبية و شهد غزوة مؤتة، ذكره أبو عمرو و روي أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال له: يا أبا يزيد إني أحبك حبين، حبا لقرابتك مني و حبا لما كنت أعلم من حب عمي إياك، خرجه أبو عمرو و البغوي. و كان عقيل أنسب قريش و أعلم بأيامها و لكنه كان مبغضا إليهم؛ لأنه كان يعد مساوئهم و كانت له قطيفة تفرش له في مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يصلي عليها و يجتمع إليه في علم النسب و أيام العرب و كان أسرع الناس جوابا و أحضرهم مراجعة في القول و أبلغهم في ذلك، خرجه أبو عمرو.

و عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عقيلا جاء إلى علي بالعراق فسأله فقال له:

إن أحببت أن أكتب لك إلى مالي بينبع فأعطيك منه، فقال عقيل: لأذهبن إلى رجل هو أوصل لي منك، فذهب إلى معاوية فصرف ذلك له، خرجه البغوي.

قال أبو عمرو: و كان عقيل غاضب عليا و خرج إلى معاوية و أقام عنده فزعموا أن معاوية قال يوما بحضرته: هذا أبو يزيد لولا علمه بأني خير له من أخيه لما أقام عندنا و تركه، فقال عقيل: أخي خير لي في ديني و أنت خير لي في دنياي و قد آثرت دنياي و أسأل اللّه خاتمة خير. و توفي عقيل في خلافة معاوية و لم يوقف على السنة التي مات فيها، ذكره ابن الضحاك.

ترجمة العباس بن عبد المطلب‏

قال في شرح زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم في ترجمته ما يأتي:

هو العباس بن عبد المطلب عم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ابن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، يكنى أبا الفضل، و أمه تنيلة بنت جناب بن كلب، ولد قبل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بسنتين، و ضاع و هو صغير فنذرت أمه إن وجدته أن تكسو البيت الحرير فوجدته فكست البيت الحرير، فهي أول من كساه ذلك.

و كان إليه في الجاهلية السقاية و العمارة، أما السقاية فمعروفة، و أما العمارة فهي عمارة المسجد الحرام فإنه كان لا يدع أحدا يشبب في المسجد الحرام و لا

325

يقول فيه هجرا، لا يستطيعون لذلك امتناعا لأن قريشا كانوا قد اجتمعوا و تعاقدوا على ذلك فكانوا له أعوانا عليه كما ذكره علماء النسب، و حضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يسلم للتوثق لابن أخيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و شهد بدرا مع المشركين مكرها فأسر فافتدى نفسه و ابني أخويه عقيل بن أبي طالب و نوفل بن الحارث.

و لما أسر يوم بدر فيمن أسر كان قد شد وثاقه، فسهر النبي (صلى الله عليه و سلم) تلك الليلة و لم ينم، فقال بعض أصحابه: ما يسهرك يا نبي اللّه؟ فقال: أسهر لأنين العباس، فقام رجل من القوم فأرخى وثاقه. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): مالي لا أسمع أنين العباس؟ فقال الرجل: أنا أرخيت من وثاقه. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): فافعل ذلك بالأسرى كلهم. و أسلم عقيب ذلك. و قيل أن سبب إسلامه أنه لما أرسلت قريش فداء أسراها و بقي العباس و ابنا أخويه المذكورين أمره رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بدفع الفداء عن نفسه و عن ابني أخويه، فاعتذر بأن لا شي‏ء عنده يفتدي به، فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): عندك المال الذي أوصيت عليه أم الفضل آخر الليل و قلت لها ادفنيه في موضع كذا، فإن مت انتفعتم به بعد موتي و إن رجعت رجعت إليه أو كما قال، فقال له العباس: و من أخبرك بهذا؟ فقال: أخبرني به جبريل آنفا، فقال العباس:

أشهد أن لا إله إلا اللّه و أشهد أن محمدا رسول اللّه فو اللّه ما علم به أحد غيري و غير أم الفضل آخر الليل، فلما تشهد و ثب أبو بكر الصديق عليه و حل الوثاق عنه.

و الروايات في وقت إسلامه مختلفة، قيل إنه أسلم قبل الهجرة و كان يكتم إسلامه، قال ابن عبد البر: أسلم العباس قبل فتح خيبر و كان يكتم إسلامه ثم ظهر إسلامه يوم فتح مكة. و قيل إن اسلامه كان قبل بدر. و كان رضي اللّه عنه يكتب بأخبار المشركين إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و كان المسلمون يتقوون به بمكة، و كان يحب أن يقدم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فكتب إليه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إن مقامك بمكة خير. فلذلك قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم بدر: من لقي منكم العباس فلا يقتله فإنما أخرج كارها، و كان العباس رضي اللّه عنه أشد الناس نصرة لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعد أبي طالب، و قال له النبي (صلى الله عليه و سلم): أنت آخر المهاجرين كما أنني آخر الأنبياء، ثم قال له لما استأذنه في الهجرة: يا عم أقم مكانك الذي أنت به فإن اللّه تعالى يختم بك الهجرة كما ختم بي النبوة، كما أخرجه أبو يعلى الموصلي من رواية سهل بن سعد الساعدي، ثم هاجر إلى النبي (صلى الله عليه و سلم). و شهد معه فتح مكة و انقطعت الهجرة الواجبة إليه (صلى الله عليه و سلم) التي كانت شرطا في الإسلام لا يقبل دونها، لا الهجرة عن‏

326

محل حكم عليه الكافر فلا ينقطع وجوبها أبدا حتى تنقطع التوبة، كما رواه أبو داود في سننه عن معاوية، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة و لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها. رواه في باب الهجرة هل انقطعت في صدر كتاب الجهاد من سننه.

و شهد حنينا و ثبت مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما انهزم الناس بحنين كما ثبت معه فيه أبو سفيان بن الحارث في عدد سمى ابن إسحاق منهم سبعة، و كذلك شهد فتح مكة و الطائف و تبوك كما صرح به الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب، و من شعره رضي اللّه عنه لما ثبت يوم حنين قوله:

ألا هل أتى عرس مكري و موقفي‏* * * بواد حنين و الأسنة تشرع‏

و قولي إذا ما النفس جاشت لها قدي‏* * * و هام تدهدى و السواعد تقطع‏

و كيف رددت الخيل و هي مغيرة* * * بزوراء تعطي باليدين و تمنع‏

نصرنا رسول اللّه في الحرب سبعة* * * و قد فر من قد فر عنه فأقشعوا

و ثامننا لا قى الحمام بسيفه‏* * * بما مسه في اللّه لا يتوجع‏

و قد تقدم ذكر الأبيات الأربعة الأول من هذه الأبيات فيما ذكرناه من أشعار الصحابة في الجزء الثاني عند حديث، لأن يمتلئ جوف رجل قيحا يريه خير له من أن يمتلئ شعرا فذكرتها هنا مع زيادة البيت الخامس في محل ترجمة صاحبها.

و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يعظمه و يكرمه بعد إسلامه، و كان وصولا لأرحام قريش محسنا إليهم ذا رأي سديد و عقل غزير، و قال النبي (صلى الله عليه و سلم) له: هذا العباس بن عبد المطلب أجود قريش كفا و أوصلها رحما، و قال: هذا بقية آبائي، و قد دخل العباس على النبي (صلى الله عليه و سلم) يوما مغضبا فقال: ما أغضبك؟ فقال: يا رسول اللّه ما لنا و لقريش إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة و إذا لقونا لقونا بغير تلك، قال:

فغضب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حتى احمر وجهه ثم قال: و الذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم للّه و لرسوله، ثم قال: أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني فإنما عم الرجل صنو أبيه، و روي عن عبد اللّه بن عمر، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إن اللّه اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا و منزلي و منزل إبراهيم تجاهين في الجنة و منزل العباس بن عبد المطلب بيننا مؤمن بين خليلين، و روي أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال فيه: «العباس مني و أنا منه»، و روي عن العباس قال:

أتيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقلت: علمني يا رسول اللّه شيئا أدعو به، قال: فقال:

327

سل اللّه العافية، ثم أتيته مرة أخرى، فقلت: يا رسول اللّه علمني شيئا أدعو به، يا عم رسول اللّه سل اللّه العافية في الدنيا و الآخرة، و عنه أيضا رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): ذاق طعم الإيمان من رضي باللّه ربا و بالإسلام دينا و بمحمد رسولا.

و روى ابن أبي الزناد عن أبيه عن الثقة أن العباس بن عبد المطلب لم يمر بعمر و لا بعثمان و هما راكبان إلا نزلا حتى يجوز العباس إجلالا له و يقولان: عم النبي (صلى الله عليه و سلم)، و روي أن عمر بن الخطاب كان إذا قحط أهل المدينة استسقى بالعباس، فقد أخرج البخاري في أبواب الاستسقاء و في كتاب المناقب في ذكر العباس بن عبد المطلب عن أنس رضي اللّه عنه أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا و إنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال فيسقون، ا ه. بلفظه في الموضعين.

قال ابن عبد البر في الاستيعاب: و كان سبب ذلك أن الأرض أجدبت إجدابا شديدا على عهد عمر زمن الرمادة و ذلك سنة سبع عشرة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين إن بني اسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة الأنبياء، فقال عمر: هذا عم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و صنو أبيه و سيد بني هاشم، فمشى إليه عمر و شكا إليه ما فيه الناس من القحط ثم صعد المنبر و معه العباس، فقال: اللهم إنا قد توجهنا إليك بعم نبينا و صنو أبيه فاسقنا الغيث و لا تجعلنا من القانطين، الخ ما رواه ابن عبد البر، ثم قال: و روينا من وجوه عن عمر أنه خرج يستسقي و خرج معه العباس، فقال: اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك (صلى الله عليه و سلم) و نستشفع به فاحفظ فيه لنبيك (صلى الله عليه و سلم) كما حفظت الغلامين لصلاح أبيهما و أتيناك مستغفرين و مستشفعين الخ ما رواه.

و قد افتخر الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب بسقيا اللّه لأهل الحجاز بعمه العباس في قوله:

بعمي سقا اللّه الحجاز و أهله‏* * * عشية يستسقي بشيبته عمر

توجه بالعباس في الجدب راغبا* * * فما كثر حتى جاد بالديمة المطر

و قال حسان بن ثابت:

سأل الإمام و قد تتابع جدبنا* * * فسقى الغمام بغرة العباس‏

عم النبي و صنو والده الذي‏* * * ورث النبي بذاك دون الناس‏

328

أحيا الإله به البلاد فأصبحت‏* * * مخضرة الأجناب بعد الياس‏

قال ابن عبد البر في الاستيعاب بعد ذكره روايات لحديث توسل عمر بالعباس مؤداها واحد مع اختلاف قليل في ألفاظها ما نصه: و هذه الألفاظ كلها لم تجئ في حديث واحد و لكنها جاءت في أحاديث جمعتها و اختصرتها و لم أخالف شيئا منها و في بعضها فسقوا و الحمد للّه. و في بعضها قال: فأرخت السماء عزاليها فجاءت بأمثال الجبال حتى استوت الحفر بالآكام و أخصبت الأرض و عاش الناس، فقال عمر رضي اللّه عنه: هذا و اللّه الوسيلة إلى اللّه عز و جل و المكان، ثم قال: و طفق الناس بالعباس يمحون أركانه و يقولون هنيئا لك ساقي الحرمين.

قال ابن شهاب: كان أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يعرفون للعباس فضله و يقدمونه و يشاورونه و يأخذون برأيه. قال ابن الأثير في أسد الغابة: و كفاه شرفا و فضلا أنه يعزى بالنبي (صلى الله عليه و سلم) لما مات و لم يخلف من عصباته أقرب منه، و كان له من الولد عشرة ذكور منهم الفضل و عبيد اللّه و قثم و عبد الرحمن و معبد و الحارث و كثير و عون و تمام و كان أصغر ولد أبيه و له من الأحاديث خمسة و ثلاثون حديثا اتفق البخاري و مسلم على حديث واحد منها و هو حديث المتن عندنا، و انفرد البخاري بحديث و مسلم بثلاثة روى عنه بنوه عبد اللّه و هو أبو ملوك بني العباس و كثير و عبيد اللّه و عامر بن سعد و أضرّ العباس في آخر عمره، و توفي بالمدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب و قيل بل رمضان سنة اثنتين و ثلاثين على أكثر الرويات، و قيل سنة ثلاث و ثلاثين أو أربع و ثلاثين، و كانت وفاته قبل قتل عثمان بسنتين و صلى عليه عثمان و دفن بالبقيع و هو ابن ثمان و ثمانين سنة و كان طويلا جميلا أبيض ذا ضفيرتين و لما أسر يوم بدر لم يجدوا قميصا يصلح عليه إلا قميص عبد اللّه ابن أبي بن سلول فألبسوه إياه و لهذا لما مات عبد اللّه بن أبي كفنه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في قميصه، و قد أعتق العباس سبعين عبدا كما وردت به الأحاديث، و دخل قبره ابنه عبد اللّه بن عباس كما صرح به ابن عبد البر في الاستيعاب و باللّه تعالى التوفيق. و هو الهادي إلى سواء الطريق.

انتهى من شرح زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم.

و جاء في تاريخ الخميس ما نصه: العباس بن عبد المطلب أمه تنيلة و يقال لها تنلة، و قد تقدم ذكرها و يقال إنها أول عربية كست البيت الحرام الديباج و أصناف‏

329

الكسوة و ذلك أن العباس ضل و هو صبي فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت الحرام فوجدته ففعلت و يكنى أبا الفضل.

(ذكر صفته)، و كان رضي اللّه عنه جميلا جسيما أبيض له ضفيرتان معتدل القامة، و قيل كان طوالا. عن جابر أن الأنصار لما أرادوا أن يكسوا العباس حين أسر يوم بدر فلم يصلح عليه إلا قميص عبد اللّه بن أبي بن سلول فكساه إياه فلما مات عبد اللّه بن أبي بن سلول ألبسه النبي (صلى الله عليه و سلم) قميصه و تفل عليه من ريقه، قال سفيان: فظن أنه مكافأة لقميص العباس، خرجه ابن الضحاك و أبو عمرو و كان مولده قبل الفيل بثلاث سنين و كان أسن من النبي (صلى الله عليه و سلم) بسنتين و قيل بثلاث.

و عن أبي رزين قال: قيل للعباس أيكما أكبر أنت أو النبي (صلى الله عليه و سلم)؟ قال: هو أكبر مني و أنا ولدت قبله، خرجه ابن الضحاك و هو أصغر أولاد عبد المطلب غير عبد اللّه، كذا في المواهب اللدنية. و عن ابن عمر مثله خرجه البغوي في معجمه و غيره.

و كان العباس في الجاهلية رئيسا في قريش و إليه عمارة المسجد الحرام و السقاية بعد أبي طالب، أما السقاية فمعروفة و أما عمارة المسجد الحرام فكان لا يدع أحدا يشبب فيه و لا يقول فيه هجرا و كانت قريش قد اجتمعت و تعاقدت على ذلك، فكانوا له عونا عليه و أسلموا ذلك إليه. ذكره الزبير ابن بكار و غيره من علماء النسب، حكاه أبو عمرو، و التشبيب ترقيق الشعر بذكر النساء و كأنه أراد إنشاد ذلك في المسجد، و الهجر بالضم الهذيان و القول الباطل و يطلق على الكلام الفاحش و ذكر شهوده بيعة العقبة سيجي‏ء في الركن الثاني.

(ذكر إسلامه) قال أهل العلم بالتاريخ: كان إسلام العباس قديما و كان يكتم إسلامه و خرج مع المشركين يوم بدر، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): من لقي العباس فلا يقتله فإنه خرج مستكرها فأسره أبو اليسرة كعب بن عمرو ففادى نفسه و رجع إلى مكة ثم أقبل إلى المدينة مهاجرا، قاله أبو سعيد و قيل إنه أسلم يوم بدر فاستقبل النبي (صلى الله عليه و سلم) يوم الفتح بالأبواء و كان معه يوم فتح مكة و به ختمت الهجرة. و قال أبو عمرو: أسلم قبل فتح خيبر و كان يكتم إسلامه و يسر بما يفتح اللّه على المسلمين و أظهر إسلامه يوم فتح مكة و شهد حنينا و الطائف و تبوك و يقال إن إسلامه كان قبل بدر، و كان يكتب بأخبار المشركين إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و كان المسلمون بمكة يثقون به، و كان يحب القدوم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فكتب إليه رسول اللّه‏

330

(صلى الله عليه و سلم) أن مقامك بمكة خير لك و عن شرحبيل ابن سعد قال: لما بشر أبو رافع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بإسلام العباس بن عبد المطلب أعتقه، خرجه أبو القاسم السهمي في الفضائل.

و في المواهب اللدنية قال عليه الصلاة و السلام للعباس: يا عم لا ترم منزلك أنت و بنوك غدا حتى آتيك فإن لي فيكم حاجة، فلما أتاهم اشتمل عليهم بملاءته ثم قال: يا رب هذا عمي و صنو أبي و هؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه، قال: فأمّنت أسكفة الباب و حوائط البيت، فقالت: آمين آمين آمين. رواه ابن غيلان و أبو القاسم حمزة و السهمي و رواه ابن السري و فيه:

فما بقي في البيت مدرة و لا باب إلا أمن.

(و ذكر وفاته) توفي رضي اللّه عنه في خلافة عثمان قبل مقتله بسنتين بالمدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة، و قيل: لأربع عشرة ليلة خلت من رجب، و لم يذكر صاحب الصفوة غيره، و قيل: من رمضان سنة اثنتين و ثلاثين، و قيل:

ثلاث و ثلاثين و هو ابن ثمان و ثمانين سنة، و قيل: سبع و ثمانين سنة بعد أن كف بصره أدرك منها في الإسلام اثنتين و ثلاثين سنة، و صلى عليه عثمان، و دفن بالبقيع، و دخل في قبره ابنه عبد اللّه، مروياته في كتب الحديث خمسة و ثلاثون حديثا. انتهى من تاريخ الخميس.

ترجمة أبي جهم بن حذيفة القرشي‏

ترجمة أبي جهم" بفتح الجيم و سكون الهاء" كما في الجزء الرابع من كتاب الإصابة بصحيفة 35 هو أبو الجهم بن حذيفة ابن غانم القرشي العدوي، قيل اسمه عامر و قيل عبيد اللّه هو من مسلمة الفتح و هو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم النسب و هو أيضا أحد الأربعة الذين تولوا دفن عثمان و لما أصيب عثمان أرادوا الصلاة عليه فمنعوا فقال أبو الجهم دعوه فقد صلى اللّه عليه و رسوله كان من معمري قريش و من مشيختهم حضر بناء الكعبة مرتين حين بنتها قريش و حين بناها ابن الزبير، روى ابن أخي الأصمعي في النوادر عن عمه عن عيسى بن عمر قال: وفد أبو جهم على معاوية ثم على يزيد ثم ذكر قصة له مع ابن الزبير و ثبت ذكره في الصحيحين من طريق عروة عن عائشة رضي اللّه عنها قالت:

صلى النبي (صلى الله عليه و سلم) في خميصة لها أعلام فقال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم‏

331

و ائتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي. انتهى من كتاب الإصابة. الخميصة قيل هي كساء مربع من صوف، و الأنبجانية هي بفتح الهمزة و كسرها و بفتح الباء و كسرها و بتشديد الياء و تخفيفها. انتهى من الإصابة.

و في الصحيحين أو في صحيح مسلم فقط عن فاطمة بنت قيس رضي اللّه تعالى عنها قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، و أما معاوية فصعلوك لا مال له. انكحي أسامة». قاله لها لما طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص البتة، فخطبها أبو جهم و معاوية بن أبي سفيان.

قوله: صعلوك بضم الصاد أي: فقير. و المعنى: أن أبا جهم يضرب زوجته كثيرا، و قيل: هو كناية عن كثرة مسافرته لكن الوجه الأول أولى لما جاء في بعض الروايات: «أما أبو جهم فرجل ضراب للنساء».

انتهى من كتاب مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار.

ترجمة حكيم بن حزام‏

حكيم بن حزام هو الذي أرسلته قريش مع أبي سفيان بن حرب إلى مرّ الظهران يستطلعون خبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حينما قدم لفتح مكة. كما سبق الكلام عنه.

جاء في تاريخ الخميس عنه ما يأتي: و في هذه السنة" أي السنة الثامنة" أيام فتح مكة أسلم حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزي و يكنى أبا خالد.

و عن أم مصعب بن عثمان قالت: دخلت أم حكيم بن حزام الكعبة مع نسوة من قريش و هي حامل متم بحكيم بن حزام، فضربها المخاض في الكعبة فأتيت بنطع حيث أعجلتها الولادة فولدت حكيم بن حزام في الكعبة على النطع، و كان حكيم من سادات قريش و وجوهها في الجاهلية و الإسلام.

و عن مصعب بن عبد اللّه قال: جاء الإسلام و دار الندوة بيد حكيم بن حزام فباعها بعد من معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف درهم، فقال له عبد اللّه بن الزبير:

بعت مكرمة قريش. فقال حكيم: ذهبت المكارم إلا التقوى يا ابن أخي إني اشتريت بها دارا في الجنة أشهدك أني جعلتها في سبيل اللّه عز و جل.

332

و عن أبي بكر بن أبي سليمان، قال: حج حكيم بن حزام معه مائة بدنة قد أهداها و جللها الحبرة و كفها عن أعجازها و وقف مائة وصيف يوم عرفة و في أعناقهم أطواق الفضة نقش في رؤوسها عتقاء اللّه عن حكيم بن حزام و أعتقهم و أهدى ألف شاة.

و عن هشام بن عروة عن أبيه أن حكيم بن حزام أعتق في الجاهلية مائة رقبة و في الإسلام مائة رقبة و حمل على مائة بعير، قال حكيم: نجوت يوم بدر و يوم أحد فلما غزا النبي (صلى الله عليه و سلم) مكة خرجت أنا و أبو سفيان نستروح الخبر، فلقي العباس أبا سفيان فذهب به إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) فرجعت و دخلت بيتي فأغلقته علي، و دخل النبي (صلى الله عليه و سلم) مكة فأمن الناس فجئته فأسلمت و خرجت معه إلى حنين.

و عن محمد بن عمر قال: قدم حكيم بن حزام المدينة و نزلها و بنى بها دارا و مات بها سنة أربع و خمسين و هو ابن مائة و عشرون سنة، كذا في الصفوة و سيجي‏ء في الخاتمة. انتهى من تاريخ الخميس.

333

الإسراء و المعراج‏

قال اللّه تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.

فالإسراء خاص بذهاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، و المعراج خاص بعروجه عليه الصلاة و السلام من المسجد الأقصى إلى السموات العلا فما فوقها، و قد يكون الإسراء و المعراج بمعنى واحد.

و نحن هنا نذكر أولا بعض الأحاديث الصحيحة الواردة في الصحيحين عن الإسراء و المعراج، ثم نذكر قصة ذلك بالتفصيل التام من التواريخ المعتمدة فنقول و باللّه التوفيق:

جاء في الصحيحين أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: بينما أنا في الحطيم مضطجعا إذ أتاني آت فقدّ ما بين هذه إلى هذه فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا فغسل قلبي بماء زمزم ثم حشي ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل و فوق الحمار أبيض يقال له البراق يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح قيل من هذا؟ قال: جبريل قيل: و من معك؟ قال: محمد قيل: و قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجي‏ء جاء. ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالنبي الصالح و الابن الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: و من معك؟ قال: محمد، قيل: و قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجي‏ء جاء. ففتح فلما خلصت إذا يحيى و عيسى و هما ابنا خالة، قال: هذا يحيى و عيسى فسلم عليهما، فسلمت فردا ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح و النبي الصالح.

ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: و من معك؟ قال محمد، قيل: و قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجي‏ء جاء. ففتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه فرده، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح و النبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: و من معك؟ قال: محمد، قيل: و قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به و نعم المجي‏ء جاء. ففتح فلما

334

خلصت إذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح و النبي الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: و من معك؟ قال: محمد، قيل: و قد أرسل إليه؟ قال:

نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجي‏ء، جاء ففتح فلما خلصت إذا هارون قال: هذا هارون فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح و النبي الصالح.

ثم صعد بي إلى السماء السادسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل:

و من معك؟ قال: محمد، قيل: و قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجي‏ء جاء. ففتح فلما خلصت إذا موسى قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح و النبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، قيل له:

ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتي. ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح قيل: من هذا؟ قال:

جبريل، قيل: و من معك؟ قال: محمد، قيل: و قد بعث إليه؟ قال: نعم، قيل:

مرحبا به فنعم المجي‏ء جاء. ففتح فلما خلصت إذا إبراهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، فقال: مرحبا بالابن الصالح و النبي الصالح.

ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر و إذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى و إذا أربعة أنهار نهران باطنان و نهران ظاهران، قلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة و أما الظاهران فالنيل و الفرات، ثم رفع لي البيت المعمور، فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه، ثم أتيت بإناء من خمر و إناء من لبن و إناء من عسل فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها و أمتك، ثم فرض عليّ خمسون صلاة كل يوم فرجعت فمررت على موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم و إني و اللّه قد جربت الناس قبلك و عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا. فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا. فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى، فقال: بم أمرت؟ قلت:

بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم و إني‏

335

قد جربت الناس قبلك و عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، قلت: سألت ربي حتى استحييت منه و لكني أرضى و أسلم، فلما جاوزت نادني مناد: أمضيت فريضتي و خففت عن عبادي.

(رواه) البخاري و مسلم عن مالك بن صعصعة رضي اللّه عنه عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

معنى قوله (صلى الله عليه و سلم) في أول الحديث المذكور: «فقدّ ما بين هذه إلى هذه» الإشارة من نقرة نحره إلى ما تحت سرته، و القد بتشديد الدال الشق طولا، و المراد بلفظ" هجر" قرية قريبة من المدينة و ليست هجر البحرين و كانت تعمل بها القلال، و قوله: «فأخذت اللبن» قالوا: يحتمل أنه عرضت عليه (صلى الله عليه و سلم) آنية اللبن مرتين مرة عند فراغه من الصلاة ببيت المقدس و مرة عند وصوله إلى سدرة المنتهى، و في مسلم أن إتيناه بالآنية كان ببيت المقدس قبل المعراج، و قوله (صلى الله عليه و سلم) في آخر الحديث: «فلما جاوزت نادني مناد أمضيت فريضتي و خففت عن عبادي» قالوا إن هذا من أقوى ما يستدل به على أنه (صلى الله عليه و سلم) كلمه ربه ليلة الإسراء بغير واسطة.

و أيضا يؤخذ ذلك من قوله (صلى الله عليه و سلم): «قلت سألت ربي حتى استحييت منه» كما يؤخذ ذلك أيضا من الحديث الآتي «فراجعت ربي ... الخ».

و جاء في الصحيحين أيضا عن أبي ذر رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: فرج سقف بيتي و أنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة و إيمانا فأفرغها في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدى فعرج بي إلى السماء الدنيا فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء الدنيا: افتح، قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل، قال: هل معك أحد؟

قال: نعم معي محمد، قال: فأرسل إليه؟ قال: نعم، ففتح فلما علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة و عن يساره أسودة، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، و إذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبا بالنبي الصالح و الابن الصالح، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا آدم و هذه الأسودة عن يمينه و عن شماله نسم بنيه فأهل اليمين أهل الجنة، و الأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك و إذا نظر قبل شماله بكى، ثم عرج بي جبريل حتى أتى السماء الثانية، فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا ففتح قال أنس:

فذكر أنه وجد في السموات آدم و إدريس و موسى و عيسى و ابراهيم (صلوات اللّه‏ عليهم)

336

و لم يثبت كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه قد وجد آدم في السماء الدنيا و إبراهيم في السماء السادسة. فلما مررت بإدريس قال: مرحبا بالنبي الصالح و الأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس، ثم مررت بموسى، قال:

مرحبا بالنبي الصالح و الأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا موسى، ثم مررت بعيسى، فقال: مرحبا بالنبي الصالح و الأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم، ثم مررت بإبراهيم، فقال: مرحبا بالنبي الصالح و الابن الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم. ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام ففرض اللّه عز و جل على أمتي خمسين صلاة فرجعت بذلك حتى مررت على موسى، فقال موسى: ماذا فرض ربك على أمتك؟ قلت: فرض علي خمسين صلاة، قال لي موسى: فراجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت ربي فوضع شطرها فرجعت إلى موسى فأخبرته فقال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت ربي فقال: هي خمس و هن خمسون لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربك فقلت: قد استحييت من ربي، ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ و إذا ترابها المسك.

رواه البخاري و مسلم عن أبي ذر رضي اللّه عنه عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلا قوله: ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام فإنه عن ابن عباس و أبي حبة البدري رضي اللّه عنهما عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

المراد بكلمة" الأسودة" الواردة في أول الحديث المذكور هو الجماعة من بني آدم، و النسم بفتحتين جمع نسمة و هي الروح أي أرواح بني آدم (عليه السلام)، و قوله (صلى الله عليه و سلم) في آخر الحديث: «ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ» الجنابذ جمع جنبذ بضم الجيم و الباء و هو ما ارتفع من الشي‏ء و استدار كالقبة.

قال شيخنا العلامة المحدث الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي (رحمه اللّه تعالى) في شرحه لكتابه" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" عند حديث «بينما أنا في الحطيم مضطجعا إذ أتاني آت ... الخ» ما نصه:

(تنبيه) لا يخفى على من وفقه اللّه تعالى لفهم كتابه العزيز و سنة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن النبي عليه الصلاة و السلام أسري بجسده الشريف إلى المسجد الأقصى ثم عرج بجسده أيضا إلى سدرة المنتهى بل فوقها كما في الأحاديث الصحاح بروايات‏

337

متعددة و يكفي من كون الإسراء و المعراج كانا بجسده الشريف قوله تعالى:

سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى‏ و قوله تعالى: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏* عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى‏* عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى‏* إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى‏* ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى‏* لَقَدْ رَأى‏ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى‏.

فهاتان الآيتان صريحتان في الإسراء بجسده الشريف و العروج به أيضا لأن آية الإسراء مبدأ الإسراء و آية النجم ذكرت منتهاه الذي هو صريح في المعراج بجسده الشريف و حديث المعراج الثابت في الصحيحين و غيرهما المشتمل على ركوبه على البراق الصريح فى كون المعراج بجسده الشريف بينما تضمنه القرآن من أول الإسراء إلى منتهى المعراج و نعم البيان الذي أرشد إليه القرآن بقوله تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ‏ فلم يبق لمن عاند من الجهال إلا تكذيب القرآن و تكذيب النبي عليه الصلاة و السلام المبين للقرآن أتم بيان و هو كفر صريح أعاذنا اللّه منه و مما يجر إليه. انتهى من شرح زاد المسلم.

قال الشاعر البليغ في الإسراء و المعراج:

سريت من حرم ليلا إلى حرم‏* * * كما سرى البدر في داج من الظلم‏

و بت ترقى إلى أن نلت منزلة* * * من قاب قوسين لم تدرك و لم ترم‏

و قدمتك جميع الأنبياء بها* * * و الرسل تقديم مخدوم على خدم‏

و أنت تخترق السبع الطباق بهم‏* * * في موكب كنت فيه صاحب العلم‏

حتى إذا لم تدع شأوا لمستبق‏* * * من الدنو و لا مرقى لمستنم‏

خفضت كل مقام بالإضافة إذ* * * نوديت بالرفع مثل المفرد العلم‏

كيما تفوز بوصل أي مستتر* * * عن العيون و سر أي مكتتم‏

فحزت كل فخار غير مشترك‏* * * و جزت كل مقام غير مزدحم‏

و جل مقدار ما وليت من رتب‏* * * و عز إدراك ما أوليت من نعم‏

بشرى لنا معشر الإسلام أن لنا* * * من العناية ركنا غير منهدم‏

لما دعا اللّه داعينا لطاعته‏* * * بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم‏

و قال أيضا في الإسراء و المعراج:

فطوى الأرض سائرا و السموا* * * ت العلا فوقها له إسراء

338

فصف الليلة التي كان للمخ* * * تار فيها على البراق استواء

و ترقى به إلى قاب قوسي* * * ن و تلك السيادة القعساء

رتب تسقط الأماني حسرى‏* * * دونها ما وراءهن وراء

ثم وافى يحدث الناس شكرا* * * إذ أتته من ربه النعماء

و تحدى فارتاب كل مريب‏* * * أو يبقى مع السيول الغثاء

و هو يدعو إلى الإله و إن شق‏* * * عليه كفر به و ازدراء

و يدل الورى على اللّه بالتو* * * حيد و هو المحجة البيضاء

و جاء في شرح" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" عند حديث:

«لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى اللّه لي بيت المقدس ... الخ» أن العراقي قال في ألفية السيرة عن الإسراء و تكذيب قريش ما يأتي:

و بعد عام مع نصف أسريا* * * به إلى السماء حتى حظيا

من مكة الغرا إلى القدس علا* * * ظهر البراق راكبا ثم علا

إلى السماء معه جبريل‏* * * فاستفتح الباب له يقول‏

مجيبا إذ قيل له من ذا معك‏* * * محمد معي فرحب الملك‏

ثم تلاقى مع الأنبياء* * * و كل واحد لدى سماء

ثم علا لمستوى قد سمعا* * * صريف الأقلام بما قد وقعا

ثم دنا حتى رأى الإلها* * * بعينه مخاطبا شفاها

أوحى له سبحانه ما أوحى‏* * * فلا تسل عن ما جرى تصريحا

و فرض الصلاة خمسين على‏* * * أمته حتى لخمس نزلا

و الأجر خمسون كما قد كانا* * * و زاده من فضله إحسانا

فصدق الصديق ذو الوفاء* * * و كذب الكفار بالإسراء

و سألوه عن صفات القدس‏* * * رفعه إليه روح القدس‏

جبريل حتى حقق الأوصافا* * * له فما طاقوا له خلافا

لكنهم قد كذبوا و جحدوا* * * فأهلكوا و في العذاب أخلدوا

و قوله:" و بعد عام مع نصف أسريا ... الخ" أي بعد عام و نصف من تاريخ وفد جن نصيبين المذكور في الألفية. انتهى من زاد المسلم.

339

و يروى أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أسري به و هو في بيت أم هانئ رضي اللّه تعالى عنها بمكة و سنحقق إن شاء اللّه تعالى موضع دار أم هانئ و نضعه في آخر هذا المبحث لمعرفتها.

قصة الإسراء و المعراج" نقلا من تاريخ الخميس"

يحلو للمؤمن أن يقرأ بالتفصيل و يفهم بالتدقيق كل لنا تطويل الشرح فيها و الإسهاب في وصفها، و رأينا أن اللّه تعالى رحمة للعالمين، نبينا و شفيعنا" محمد" صلى اللّه عليه و آله و صحبه و سلم، و لما كان قصة الإسراء و المعراج من أهم حالات و أخباره عليه الصلاة و السلام، فإنه يطيب حالة من حالات خاتم الأنبياء و المرسلين، الذي أرسله ننقل ذلك من كتاب" تاريخ الخميس" لما فيه من التفصيل الوافي و البيان الكافي، و لم نتصرف في عباراته بشي‏ء غير أننا بوبنا الأبحاث فجعلنا لكل مسألة عنوانا، فنقول و باللّه التوفيق و عليه الاعتماد و التكلان، و هو حسبنا و نعم الوكيل نعم المولى و نعم النصير، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم:

جاء في الجزء الأول من تاريخ الخميس ما نصه: و في السنة الثانية عشر من النبوة وقع المعراج و ما تضمنه و فرضت الصلوات الخمس في الإسراء و ستجي‏ء كيفيتها، و في الاستيعاب و سيرة مغلطاي بعد سنة و نصف من حين رجوعه من الطائف. قاله ابن قتيبة. و قال ابن شهاب عن ابن المسيب: قبل خروجه إلى المدينة بسنة.

و في المواهب اللدنية: لما كان في شهر ربيع الأول أسري بروحه و جسده يقظة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى فوق سبع سموات، و رأى ربه بعين رأسه و أوحى إليه ما أوحى و فرض عليه الصلوات الخمس، ثم انصرف في ليلته إلى مكة فأخبر بذلك فصدقه الصديق و كل من آمن باللّه و كذبه الكفار و استوصفوه مسجد بيت المقدس فمثله اللّه له فجعل ينظر إليه و يصفه و سيجي‏ء تفصيل ذلك كله.

اختلف العلماء في الإسراء هل هو إسراء واحد في ليلة واحدة يقظة أو مناما أو إسراءان كل واحد في ليلة مرة بروحه و بدنه و مرة مناما أو يقظة بروحه و جسده‏

340

من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم مناما من المسجد الأقصى إلى العرش أو هي أربع إسراءات.

و في سيرة مغلطاي اختلف في المعراج و الإسراء هل كانا في ليلة واحدة أم لا، و هل كانا أو أحدهما يقظة أو مناما، و هل كان المعراج مرة أو مرات و الصحيح أن الإسراء كان في اليقظة بجسده و أنه مرات متعددة و أنه رأى ربه بعين رأسه (صلى الله عليه و سلم).

عام الإسراء

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و اختلف في تاريخ الإسراء في أي سنة كان و في أي شهر و في أي يوم من الشهر و في أي ليلة من الأسبوع، فأما سنة الإسراء فقال الزهري: كان ذلك بعد المبعث بخمس سنين، حكاه القاضي عياض و رجحه القرطبي و النووي، و قيل: قبل الهجرة بسنة، قاله ابن حزم و ادعى فيه الإجماع، رواه ابن الأثير في أسد الغابة عن ابن عباس و أنس و حكاه البغوي في معالم التنزيل عن مقاتل، و قيل: قبل الهجرة بسنة و خمسة أشهر. قاله السدي، و أخرجه من طريق الطبري و البيهقي. فعلى هذا يكون في شوال، و في أسد الغابة قال السدي قبل الهجرة بستة أشهر و قيل كانا قبل الهجرة بسنة و ثلاثة أشهر فعلى هذا يكون في ذي الحجة و به جزم ابن فارس، و قيل قبل الهجرة بثلاث سنين ذكره ابن الأثير.

كذا في المواهب اللدنية.

شهر الإسراء و يومه و ليلته‏

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و أما شهر الإسراء فقيل ربيع الأول قاله ابن الأثير و النووي في شرح مسلم، و قيل: ربيع الآخر. قاله الحربي و النووي في فتاويه، و قيل: رجب. حكاه ابن عبد البر و قبله ابن قتيبة و به جزم النووي في الروضة، و عن الواقدي رمضان، و عن السدي و الماوردي شوال، و عن ابن فارس ذو الحجة كما مر.

و أما أن الإسراء في أي يوم من الشهر كان. فعن ابن الأثير ليلة سبع من ربيع الأول، و عن الحربي في ثالث عشر من ربيع الآخر، و قيل: ليلة سبع و عشرين من ربيع الآخر و عن الواقدي في سابع عشر من رمضان.

341

و أما ليلة الإسراء فقيل ليلة الجمعة و قيل ليلة السبت، و عن ابن الأثير ليلة الاثنين، و قال ابن دحية: إن شاء اللّه يكون ليلة الاثنين ليوافق المولد و المبعث و المعراج و الهجرة و الوفاة، فإن هذه أطوار الانتقالات وجودا و نبوة و معراجا و هجرة و وفاة، كذا في المواهب اللدنية.

و في سيرة اليعمري: و لما بلغ إحدى و خمسين سنة و تسعة أشهر، أسري به من بين زمزم و المقام و كذلك في حياة الحيوان، و إنما كان ليلا لتظهر الخصوصية بين جليس الملك ليلا و جليسه نهارا. انتهى من تاريخ الخميس.

جاء في كتاب" الكلمات الطيبات في المأثور عن الإسراء و المعراج من الروايات و فيما وقع ليلتئذ من الآيات الباهرات" تأليف العلامة الكبير الشيخ محمد بن بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية سابقا، و المتوفى في عصرنا الحاضر، (رحمه اللّه تعالى) ما نصه:

و إنما أسري به (صلى الله عليه و سلم) ليلا لمزيد الاحتفال به عليه الصلاة و السلام، فإن الليل وقت الخلوة و الاختصاص و مجالسة الملوك، و لا يكاد يدعو الملك لحضرته ليلا إلا من هو خاص عنده، و قد أكرم اللّه تعالى فيه قوما من أنبيائه بأنواع الكرامات، و هو كالأصل للنهار، و أيضا الاهتداء فيه للمقصد أبلغ من الاهتداء في النهار، و أيضا قالوا: إن المسافر يقطع في الليل ما لا يقطع في النهار، و من هنا جاء:

عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار، و أيضا أسري به ليلا ليكون ما يعرج إليه من عالم النور المحض، أبعد عن الشبه بما يعرج منه من عالم الظلمة و ذلك أبلغ في الإعجاب.

و قال ابن الجوزي في ذلك: إن النبي (صلى الله عليه و سلم) سراج، و السراج لا يوقد إلا ليلا، و بدر، و كذا مسير البدر في الظلم إلى غير ذلك من الحكم التي لا يعلمها إلا اللّه تعالى، و لم تنص الآية على دخوله (صلى الله عليه و سلم) في المسجد الأقصى، إلا أن الأخبار الصحيحة نصت على ذلك.

الموضع الذي كان منه الإسراء

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و اختلف في الموضع الذي أسري به منه (صلى الله عليه و سلم)، فقيل: أسري به من بيته، و قيل: من بيت أم هانئ بنت أبي طالب، لما روي أنه (صلى الله عليه و سلم) كان نائما في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء فأسري به و رجع من ليلته و قص‏

342

القصة عليها و قال: مثل لي النبيون فصليت بهم، و بيتها بين الصفا و المروة، و من قال هذين القولين قال: الحرم كله مسجد، و المراد بالمسجد الحرام في الآية الحرم، و عن ابن عباس الحرم كله مسجد، و قيل: أسري به من المسجد الحرام و المراد بالمسجد في الآية هو المسجد نفسه و هو ظاهر، فقد قال (صلى الله عليه و سلم): بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم و اليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق و قد عرج بي إلى السماء في تلك الليلة، قيل: الحكمة في المعراج أن اللّه تعالى أراد أن يشرف بأنوار محمد (صلى الله عليه و سلم) السموات كما شرف ببركاته الأرضين فسرى به إلى المعراج، و سئل أبو العباس الدينوري: لم أسري بالنبي (صلى الله عليه و سلم) إلى بيت المقدس قبل أن يعرج به إلى السماء؟ فقال: لأن اللّه تعالى كان يعلم أن كفار قريش كانوا يكذبونه فيما يخبرهم به من أخبار السموات فأراد أن يخبرهم من الأرض التي قد بلغوها و عاينوها و علموا أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لم يدخل بيت المقدس قط فلما أخبرهم بأخبار بيت المقدس على ما هو عليه لم يمكنهم أن يكذبوه في أخبار السماء بعد أن صدقوه في أخبار الأرض.

نقول: إن بيت أم هانئ رضي اللّه عنها المذكور هنا، فقد قال عنه الإمام الأزرقي في تاريخه ما يأتي:

و دار أم هانئ بنت أبي طالب و هي أخت علي رضي اللّه عنه، كانت بالحزورة" أي عند باب الوداع"، و في دار أم هانئ حفر قصي بن كلاب الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه و سلم) بئرا و هي أول بئر حفرت بمكة، ثم لما زاد أمير المؤمنين محمد المهدي العباسي سنة 164 هجرية زيادته العظيمة في المسجد الحرام دخلت هذه الدار و البئر فيه فعلى هذا كانت دار أم هانئ التي كان النبي فيها ليلة أسري به بجوار المسجد الحرام في ذلك الوقت، فيكون محلها اليوم حصوة باب الوداع، فيكون بين دار أم هانئ و بين الكعبة المشرفة نحو أربعين مترا تقريبا. و اللّه تعالى أعلم.

الاختلاف في الإسراء هل كان بالروح أو بالجسد

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و اختلف السلف و العلماء في أنه هل كان إسراء بروحه أو جسده؟ على ثلاثة أقوال:

343

(أحدها) أنه ذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح و أنه رؤيا منام مع اتفاقهم على أن رؤيا الأنبياء و حي و حق و إلى هذا ذهب معاوية، و حكي عن الحسن في غير المشهور و حجتهم قوله تعالى: وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ‏ الآية، و ما حكوا عن عائشة: ما فقدت جسد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و قوله (صلى الله عليه و سلم): بينا أنا نائم، و قول أنس: و هو نائم في المسجد الحرام و ذكر القصة ثم قال في آخرها: فاستيقظت و أنا بالمسجد الحرام، و في العروة الوثقى و حديث عائشة صحيح في المعراج الذي اتفق للنبي (صلى الله عليه و سلم)، على فراشها في المدينة و قالت: ما فقدت جسد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و قول ابن عباس أيضا صحيح في المعراج المكي الذي أخبر به نص التنزيل بقوله:

سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ‏ الآية، لقوله تعالى: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى* فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏.

(و الثاني) أنه ذهب معظم السلف و المسلمين إلى أنه أسري بروحه و جسده و في اليقظة و هذا هو الحق، و هو قول ابن عباس، و جابر، و أنس، و حذيفة، و عمر، و أبي هريرة، و مالك بن صعصعة، و أبي حبة البدري، و ابن مسعود، و الضحاك، و سعيد بن جبير، و قتادة، و ابن المسيب، و ابن شهاب، و ابن زيد، و الحسن في المشهور، و إبراهيم، و مسروق، و مجاهد، و عكرمة، و ابن جرير، و هو قول الطبري، و ابن حنبل، و جماعة عظيمة من المسلمين، و هذا قول أكثر المتأخرين من الفقهاء و المحدثين و المتكلمين و المفسرين.

(و الثالث) أنه في المنام، قالت طائفة كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس و إلى السماء بالروح في المنام، قال القاضي عياض: الحق و الصحيح أنه إسراء بالجسد و الروح في القصة كلها و عليه تدل الآية و صحيح الأخبار، و لا يعدل عن الظاهر و الحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة، و ليس في الإسراء بجسده و حال يقظته استحالة، إذ لو كان مناما لقال بروح عبده و لم يقل: بِعَبْدِهِ‏ و قوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى‏، و لو كان مناما لما كان فيه آية و لا معجزة، و لما استبعده الكفار و لا كذبوه فيه، و لا ارتد به ضعفاء من أسلم و افتتنوا به، إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر، بل لم يكن ذلك منهم إلا و قد علموا أن خبره إنما كان عن جسمه و حالة يقظته، إلى ما ذكر في الحديث من ذكر صلاته بالأنبياء ببيت المقدس في رواية أنس أو في السماء على ما روى غيره، و ذكر مجي‏ء جبريل له بالبراق، و خبر المعراج و استفتاح السماء فيقال: من معك؟ فيقول: محمد،

344

و لقائه الأنبياء فيها و خبرهم معه و ترحيبهم به، و شأنه في فرض الصلاة و مراجعته مع موسى في ذلك، و وصوله إلى سدرة المنتهى و دخوله الجنة و رؤيته فيها ما ذكره. قال ابن عباس: هي رؤيا عين رآها النبي (صلى الله عليه و سلم) لا رؤيا منام.

و عن الحسن: بينا أنا جالس في الحجر جاءني جبريل فهمزني بعقبه فقمت فجلست فلم أر شيئا فعدت لمضجعي فذكر ذلك ثلاثا، فقال في الثالثة: فأخذ بعضدي فجرني إلى باب المسجد فإذا بدابة و ذكر خبر البراق. و عن أم هانئ قالت: ما أسري برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلا و هو في بيتي تلك الليلة صلى العشاء الآخرة و نام فلما كان قبيل الفجر أهنا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فلما صلى الصبح و صلينا معه قال: يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس و صليت فيه، ثم صليت الغداة معكم الآن كما ترون، فهذا كله بيّن في أنه بجسمه (صلى الله عليه و سلم).

و عن أبي بكر من رواية شداد بن أوس عنه أنه قال للنبي (صلى الله عليه و سلم) ليلة أسري به:

طلبتك يا رسول اللّه البارحة في مكانك فلم أجدك، فأجابه: إن جبريل حمله إلى المسجد الأقصى، و عن عمر قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): صليت ليلة أسري بي مقدم المسجد ثم دخلت الصخرة فإذا بملك قائم معه آنية ثلاث و ذكر الحديث.

و هذه التصريحات ظاهرة غير مستحيلة فتحمل على ظواهرها، و عن أبي ذر عنه (صلى الله عليه و سلم): فرج سقف بيتي و أنا بمكة فنزل جبريل فشرح صدري ثم غسله بماء زمزم إلى آخر القصة، ثم أخذ بيدي فعرج بي، قيل: الحق أن المعراج مرتان، مرة في النوم و أخرى في اليقظة، قال محي السنة: و ما أراه اللّه في النوم قبل الوحي ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي بسنة تحقيقا لرؤياه كما أنه رأى فتح مكة في المنام سنة ست من الهجرة ثم كان تحقيقه سنة ثمان، كذا في شرح المشكاة للطيبي.

شق صدر النبي (صلى الله عليه و سلم)

لقد شق صدره عليه الصلاة و السلام ثلاث مرات كما ورد في الأحاديث و إلى ذلك أشار صاحب قرة الأبصار بقوله:

و شق صدر أشرف الأنام‏* * * و هو ابن عامين و سدس عام‏

و شق للبعث و للإسراء* * * أيضا كما قد جاء في الأنباء

345

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: روي أن النبي (صلى الله عليه و سلم) حدث عن ليلة أسري به قال: بينا هو يصلي في الحطيم أو في الحجر مضطجعا إذ أتاه آت فشق ما بين ثغرة نحره إلى شعر عانته فاستخرج قلبه ثم أتى بطست من ذهب مملوءة إيمانا فغسل قلبه ثم حشي ثم أعيد إلى مكانه.

قيل: الحكمة في شق الصدر مرتين أما في الصغر فليصير قلبه كقلوب الأنبياء في الانشراح، و أما في الإسراء فليصير حاله كحال الملائكة، و قيل شرح الصدر في صباه لاستخراج الهوى منه و في الإسراء لاستدخال الإيمان فيه، ثم أتي بدابة طويلة بيضاء تسمى البراق.

وصف البراق الذي ركبه (صلى الله عليه و سلم) ليلة الإسراء

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و في حياة الحيوان: كان البراق أبيض و بغلته شهباء و هي التي أكثرها بياض، إشارة إلى تخصيصه بأشرف الألوان، و سمي براقا لنصوع لونه و شدة بريقه، و قيل لسرعة حركته تشبيها ببرق السحاب، و قال القاضي عياض لكونها ذات لونين، و في الصحيح أنه دابة دون البغل و فوق الحمار أبيض يضع خطوه عند أقصى طرفه.

قال صاحب المنتقى: الحكمة في كونه على هيئة بغل و لم يكن على هيئة فرس التنبيه على أن الركوب في سلم و أمن لا في حرب و خوف أو لإظهار الآية في الإسراع العجيب في دابة لا يوصف شكلها بالإسراع و يؤخذ من قوله: (يضع خطوه عند أقصى طرفه) أنه أخذ من الأرض إلى السماء في خطوة واحدة، و إلى السموات في سبع خطوات، و به يرد على من استبعد من المتكلمين إحضار عرش بلقيس في لحظة واحدة، و قال إنه أعدم ثم أوجد، و علله بأن المسافة البعيدة لا يمكن قطعها في هذه اللحظة، و هذا أوضح دليل على الرد عليه، و كانت مضطربة الأذنين، وجهها كوجه الإنسان و جسدها كجسد الفرس، ناصيتها من ياقوت أحمر، عيناها كالزهرة، أذناها من زمرد أخضر. و في رواية: أذناها كأذن الفيل، و عنقها كعنق البعير و صدرها كصدر البغل. و في رواية: و صدرها كأنه من ياقوت أحمر، و ظهرها كأنه صفرة البيضة يبرق من غاية صفائه، لها جناحان كجناح النسر فيهما من كل لون، نصفها الأول من كافور، و الآخر من مسك، و قوائمها كقوائم الثور. و في رواية كقوائم الفرس. و في رواية كقوائم البعير و حوافرها

346

كحوافر الثور. و في رواية أظلافها كظلف البقر، و ذنبها كذنب البقر. و في رواية كذنب البعير. و في رواية كذنب الغزال، لا ذكر و لا أنثى، عدوها كالريح و خطوها كالبرق، لجامها و سرجها من در مضروب على سرجها حجلة من نور كأنها ياقوت أحمر. و في رواية عليها سرج من سروج الجنة. و في رواية و على فخذيها ريشتان يستران ساقيها. و في زبدة الأعمال لها جناحان في فخذيها قيل هي البراق التي ركبها جبريل و الأنبياء (عليهم السلام) يركبونها. انتهى من تاريخ الخميس.

قال العلامة الكبير الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية سابقا، المتوفى في منتصف القرن الرابع عشر للهجرة (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" الكلمات الطيبات في المأثور على الإسراء و المعراج من الروايات، و ما وقع ليلتئذ من الآيات الباهرات" قال فيه ما نصه:

و قد ذكر الثعالبي في تفسيره في وصف البراق، أنه كان إذا أتى على واد، طالت يداه و قصرت رجلاه، و إذا أتى على عقبة، طالت رجلاه و قصرت يداه، و كانت المسافة في غاية الطول. ففي حقائق الحقائق: كانت المسافة من مكة إلى المقام الذي أوحى اللّه تعالى فيه إلى نبيه عليه الصلاة و السلام ما أوحى قدر ثلاثمائة ألف سنة، و قيل خمسين ألفا، و قيل غير ذلك، و كيف يمكن أن يكون أدنى اشتباه في ذلك فضلا عن الاستحالة، و قد كان معه (صلى الله عليه و سلم) جبريل، و هو الذي كان هبوطه على الأنبياء (عليهم السلام) و صعوده في أسرع من رجعة الطرف، فهو لعمري أسرع من حركة ضياء الشمس على ما قرروه في الحكمة الجديدة و إنما يستغرب و يستبعد لو كان (صلى الله عليه و سلم) ماشيا على قدميه، أما إذا كان محمولا على البراق و هو من الملائكة و معه جبريل و هو منهم، و قد علمت مقدار مدة هبوطه إلى الأنبياء و رجوعه إلى السماء. و الملائكة أنوار إلهية أقوى من ضياء الشمس فهم أسرع سيرا منه كما لا يخفى. انتهى من الكتاب المذكور.

ركوب النبي (صلى الله عليه و سلم) البراق و وصوله بيت المقدس‏

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و في حياة الحيوان روي أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام كان يزور ولده إسماعيل على البراق، و أنه ركب هو و إسماعيل و هاجر حين أتى بهما إلى البيت الحرام، و من غاية سرعته و خفة مشيه يضع قدميه‏

347

أو خطوه عند أقصى طرفه، و في رواية يقع حافره عند أقصى طرفه. و في رواية عند منتهى طرفه. و في رواية خطوها عند منتهى البصر، لا تمر بشي‏ء و لا يجد ريحها شي‏ء إلا جبى، ثم إن البراق و إن كان يركبها الأنبياء لكن لم تتصف بوضع الحفر عند منتهى طرفها إلا عند ركوب النبي (صلى الله عليه و سلم) كذا في المنتقى. و في رواية: أتاه جبريل و معه خمسون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في بيت أم هانئ و معه ميكائيل، فقال قم يا محمد فإن الجبار يدعوك، و أخذ جبريل بيده و أخرجه من المسجد الحرام فإذا هو بالبراق واقف بين الصفا و المروة، فقال له جبريل: اركب يا محمد هذه براق إبراهيم التي يجي‏ء عليها إلى طواف الكعبة، فأخذ جبريل ركابها و ميكائيل عنانها فأراد النبي (صلى الله عليه و سلم) أن يركبها، و في رواية فذهب يركبها فاستصعبت عليه، قيل استصعابها لبعد العهد بالأنبياء لطول الفترة بين عيسى و محمد، و هذا مبني على أن الأنبياء (عليهم السلام) ركبوها و فيه خلاف، و قيل لأنها لم تذلل قبل ذلك و لم يركبها أحد، و قيل تيها و زهوا بركوب النبي (صلى الله عليه و سلم) كذا في مزيل الخفاء، فقال لها جبريل: اسكني فو اللّه ما ركبك عبد أكرم على اللّه من محمد، و في رواية قال لها جبريل: أبمحمد تفعلي هذا فارفضّ عرقا، كذا في الشفاء. فركبها النبي (صلى الله عليه و سلم). و في حياة الحيوان اختلف الناس هل ركب جبريل معه عليه، فقيل نعم كان رديفه (صلى الله عليه و سلم)، و قيل لا؛ لأن النبي (صلى الله عليه و سلم) المخصوص بشرف الإسراء، و انطلق به جبريل حتى أتى به بيت المقدس فربطها بالحلقة التي ربط بها الأنبياء دوابهم، ثم دخل المسجد الأقصى فصلى بهم ركعتين، فانطلق به جبريل إلى الصخرة فصعد به عليها فإذا معراج إلى السماء لم ير مثله حسنا و منه تعرج الملائكة، و قيل تعرج منه الأرواح إذا قبضت، فليس شي‏ء أحسن منه إذا رآه أرواح المؤمنين لم تتمالك أن تخرج، و هو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا احتضر، كذا في سيرة ابن هشام أصله، و في رواية: أحد طرفيه على صخرة بيت المقدس و أعلاه ملصق، و في رواية: و الآخر ملصق بالسماء، إحدى جنبيه ياقوتة حمراء و الأخرى زبرجدة خضراء، درجة له من فضة و درجة من ذهب و درجة من زمرد مكلل بالدر و اليواقيت. انتهى من تاريخ الخميس.

و جاء في كتاب" الكلمات الطيبات في المأثور عن الإسراء و المعراج من الروايات" فقد صح أنه عليه الصلاة و السلام قد عرج به من صخرة بيت المقدس، و اجتمع في كل سماء مع نبي من الأنبياء (عليهم السلام) كما في صحيح البخاري‏

348

و غيره، و اطلع عليه الصلاة و السلام على أحوال الجنة و النار و رأى من الملائكة ما لا يعلم عدتهم إلا اللّه تعالى. انتهى من الكتاب المذكور.

عروج النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى السماء

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و في كيفية عروجه (صلى الله عليه و سلم) إلى السماء اختلاف، قيل عرج به إلى السماء على البراق إظهارا لكرامته و لم يزل راكبا إظهارا لقدرته تعالى، و قيل نزل أيضا راكبا على البراق كما روي عن حذيفة ما زايل ظهر البراق حتى رجع، و قيل احتمله جبريل على جناحه، ثم ارتفع به إلى السماء من ذلك المعراج حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: و من معك؟ قال: محمد، قيل: و قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا فنعم المجي‏ء جاء. ففتح، فلما دخل فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة و على يساره أسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك و إذا نظر قبل يساره بكى، فقال جبريل: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلم فرد (عليه السلام)، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح و النبي الصالح، ثم قال جبريل: هذا آدم و هذه الأسودة عن يمينه و شماله نسم بنيه، فأهل اليمين هم أهل الجنة و الأسودة التي عن شماله أهل النار، ثم صعد إلى السماء الثانية، و هكذا كان يستفتح جبريل في كل سماء فيفتح فيدخل فيرى فيها نبيا، ففي الثانية يحيى و عيسى و هما ابنا خالة، و في الثالثة يوسف، و في الرابعة إدريس، و في الخامسة هارون، و في السادسة موسى، فلما اجتاز عنه النبي (صلى الله عليه و سلم) بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل اللّه الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي، ثم صعد إلى السماء السابعة فرأى فيها إبراهيم، ثم رفعت له سدرة المنتهى فإذا نبقها مثلا قلال هجر و ورقها كآذان الفيلة، فإذا أربعة أنهار نهران باطنان و نهران ظاهران، قال جبريل: أما الباطنان فنهران في الجنة و أما الظاهران فالنيل و الفرات.

و في الكشاف: سدرة المنتهى هي شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش ثمرها كقلال هجر و ورقها كآذان الفيول، تنبع من أصلها الأنهار التي ذكرها اللّه في كتابه يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها. و في المدارك:

وجه تسميتها كأنها في منتهى الجنة و آخرها، و قيل لم يجاوزها أحد و إليها ينتهي‏

349

علم الملائكة و غيرهم و لا يعلم أحد ما وراءها، و قيل تنتهي إليها أرواح الشهداء.

و في بعض الروايات أنها في السماء السادسة.

قال القاضي عياض: كونها في السابعة هو الأصح، و قال النووي يمكن الجمع بأن أصلها في السادسة و معظمها في السابعة. انتهى من تاريخ الخميس.

قال العلامة الكبير الشيخ محمد بخيت المطيعي، مفتى الديار المصرية سابقا، المتوفى في منتصف القرن الرابع عشر للهجرة (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" الكلمات الطيبات في المأثور عن الإسراء و المعراج من الروايات، و ما وقع ليلتئذ من الآيات الباهرات" قال فيه ما نصه:

و منها ما قيل: كيف رأى النبي (صلى الله عليه و سلم) من رآه من الأنبياء في السماء مع أن مقرهم في الأرض؟ و الجواب: أن اللّه تعالى شكل أرواحهم على هيئة أجسامهم كما ذكره ابن عقيل. و كذا ذكره ابن التين و قال: و إنما تعود الأرواح إلى الأجساد يوم البعث كما قدمناه، إلا عيسى عليه الصلاة و السلام فإنه حي لم يمت و ينزل إلى الأرض، و قال بعضهم: إن الأنبياء أحياء في قبورهم، و قد رآهم النبي (صلى الله عليه و سلم) حقيقة، و قد مر على موسى (عليه السلام)، و هو قائم يصلي في قبره، و رآه في السماء السادسة. و لا يخفى أن هذا لا ينافي ما قاله ابن التين من أن الأرواح إنما تعود إلى الأجسام يوم البعث، لأن عود الروح إلى الأجساد يوم البعث، هو الذي يقتضى أن تعود الأجسام إلى الحياة المشاهدة التي يترتب عليها الحركات و السكنات و جميع الأفعال الاختيارية بأقوى مما كانت عليه في الحياة الدنيا.

و أما حياة الأنبياء في قبورهم، فهي حياة ملكوتية، بها يقدرون على حركات و سكنات، و أفعال ملكوتية لا يشاهدها و لا يراها إلا من يشاهد عالم الملكوت، مثل نبينا (صلى الله عليه و سلم). فما ذكره ابن التين شي‏ء، و ما قاله هذا البعض شي‏ء آخر، و بالجملة فما قاله ذلك البعض حياة برزخية، و هي للأنبياء فوق حياة الشهداء، و للشهداء فوق حياة الأولياء غير الشهداء، و للأولياء غير الشهداء فوق حياة من عداهم من الناس أجمعين من أهل البرزخ. انتهى من الكتاب المذكور.

وصول النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى البيت المعمور

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: ثم رفع له البيت المعمور و هو بيت في السماء السابعة محاذ للكعبة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك و لا يعودون إليه، هكذا في‏

350

الصحيحين و غيرهما من كتب الأحاديث بذكر البيت المعمور بعد سدرة المنتهى، و أما في الكشاف و غيره من كتب التفاسير فالبيت المعمور الضراح في السماء الرابعة حيال الكعبة، و قيل: في الأولى، و قيل: في السادسة، و لمسلم في صحيحه بعد صعوده إلى السماء السابعة رأى فيها إبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور و سلم على كل منهم إذا رآهم و هو يرد ثم يقول: مرحبا بالأخ الصالح و النبي الصالح، إلا آدم و إبراهيم فإنهما قالا بالابن الصالح كما مر في السماء الدنيا. و في رواية عن طريق ابن عباس ثم عرج به حتى ظهر مستوى يسمع فيه صريف الأقلام ثم أتي بإناء من خمر و إناء من عسل و إناء من لبن، فأخذ اللبن فقال جبريل: هى الفطرة التي أنت عليها و أمتك.

وصول النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى الحجاب‏

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و في رواية بعد استصعاب البراق فركبها حتى أتى الحجاب الذي يلي الرحمن تعالى، فبينا هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): يا جبريل من هذا؟ قال: و الذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانا و إن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه، و لما جاوز سدرة المنتهى قال له جبريل: تقدم يا محمد، فقال له النبي (صلى الله عليه و سلم): تقدم أنت يا جبريل، أو كما قال، قال جبريل: يا محمد تقدم فإنك أكرم على اللّه مني، فتقدم النبي (صلى الله عليه و سلم) و جبريل على أثره حتى بلغه إلى حجاب منسوج بالذهب فحركه جبريل فقيل:

من هذا؟ قال: جبريل، قيل: و من معه؟ قال: محمد، قال ملك من وراء الحجاب: اللّه أكبر اللّه أكبر، قيل من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر، فقال ملك: أشهد أن لا إله إلا اللّه، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا اللّه لا إله إلا أنا، فقال ملك: أشهد أن محمدا رسول اللّه، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أرسلت محمدا، فقال ملك: حي على الصلاة حي على الفلاح، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي دعا إلي عبدي، فأخرج ملك يده من وراء الحجاب فرفعه فتخلف جبريل عنه هناك. و في رواية: فما زال يقطع مقاما بعد مقام و حجابا بعد حجاب حتى انتهى إلى مقام تخلف عنه فيه جبريل، فقال: يا جبريل لم تخلفت عني؟ قال: يا محمد و ما منا إلا له مقام معلوم لو دنوت أنملة لاحترقت، و في هذه الليلة بسبب احترامك وصلت إلى هذا المقام‏