التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج1

- محمد طاهر الكردي المزيد...
582 /
351

و إلا فمقامي المعهود عند السدرة، فمضى النبي (صلى الله عليه و سلم) وحده و كان يقطع الحجب الظلمانية حتى جاوز سبعين ألف حجاب، غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة سنة، و ما بين كل حجاب أيضا مسيرة خمسمائة سنة، فوقف البراق عن المسير فظهر له رفرف أخضر غلب نوره على نور الشمس فرفع النبي (صلى الله عليه و سلم) على ذلك الرفرف و ذهب به إلى قرب العرش. و في رواية كان يقال له: ادن مني ادن مني حتى قيل له في تلك الليلة ألف مرة يا محمد ادن مني، ففي كل مرة منها كان يترقى حتى بلغ مرتبة دنا، و منها ترقى إلى مرتبة فتدلى، و منها ترقى حتى وصل إلى منزلة قاب قوسين أو أدنى، كما قال تعالى: ثُمَّ دَنا أي دنا محمد إلى ربه تعالى أي قرب بالمنزلة و المرتبة لا بالمكان فإنه تعالى منزه عنه، و إنما هو قرب المنزلة و الدرجة و الكرامة و الرأفة، فَتَدَلَّى‏ أي سجد له تعالى لأنه كان قد وجد تلك المرتبة بالخدمة فزاد في الخدمة، و في السجدة عدة القرب و لهذا قال (صلى الله عليه و سلم): أقرب ما يكون العبد من ربه أن يكون ساجدا. انتهى من تاريخ الخميس.

[عدد مراكبه (صلى الله عليه و سلم) ليلة الإسراء]

قال العلامة الكبير الشيخ محمد بخيت المطيعي، مفتي الديار المصرية سابقا، المتوفى في منتصف القرن الرابع عشر للهجرة (رحمه اللّه تعالى). في كتابه" الكلمات الطيبات، في المأثور عن الإسراء و المعراج من الروايات، و ما وقع ليلتئذ من الآيات الباهرات" قال فيه ما نصه:

و من الآيات التي رآها في عروجه على بعض الروايات كما ذكره العلائي في تفسيره، أنه كان للنبي (صلى الله عليه و سلم) ليلة الإسراء خمسة مراكب:

الأول: البراق إلى بيت المقدس، الثاني: المعراج منه إلى السماء الدنيا، الثالث: أجنحة الملائكة منها إلى السماء السابعة، الرابع: جناح جبريل (عليه السلام) منها إلى سدرة المنتهى، الخامس: الرفرف منها إلى قاب قوسين و على رواية أنه لم يكن إلا البراق من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم المعراج إلى ما شاء اللّه تعالى. و منها أن المعراج كان له عشر مراقي: سبعة إلى السماوات، و الثامن إلى السدرة، و التاسع إلى المستوى الذي سمع فيه صريف الأقلام، و العاشر إلى العرش. انتهى من الكتاب المذكور.

352

مناجاة اللّه تعالى مع عبده و رسوله‏

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و اختلف في مناجاته تعالى و كلامه مع النبي (صلى الله عليه و سلم): فقوله تعالى: فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏ إلى ما تضمنته الأحاديث، فأكثر الفسرين على أن الموحي اللّه إلى جبريل و جبريل إلى محمد. و ذكر عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال: أوحى اللّه إليه بلا واسطة و نحوه عن الواسطي، و على هذا ذهب بعض المتكلمين إلى أن محمدا (صلى الله عليه و سلم) كلم ربه في الإسراء، و حكي عن الأشعري و عن ابن مسعود و ذكر النقاش عن ابن عباس في قصة الإسراء عنه (صلى الله عليه و سلم) في قوله: دَنا فَتَدَلَّى‏، قال: فارقني جبريل فانقطعت الأصوات عني، فسمعت كلام ربي و هو يقول: ليهدأ روعك يا محمد ادن ادن، و في قوله تعالى:

وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ‏ الآية. قالوا: هي على ثلاثة أقسام، من وراء حجاب كتكليم موسى، و بإرسال الملائكة كحال جميع الأنبياء و أكثر أحوال نبينا عليه و (عليهم السلام). الثالث قوله: وَحْياً و لم يبق من أقسام الكلام إلا المشافهة مع المشاهدة.

ثم إنه تعالى أخفى من الخلق كل ما نسب إليه في تلك الليلة إشارة إلى أنه حبيبه الخاص، فقال في حال مشاهدته لسدرة المنتهى: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى‏، و في الآيات التي أراه: لَقَدْ رَأى‏ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى‏، و في التكلم معه: فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏ أي أوحى إلى عبده محمد في ذلك المقام.

و للعلماء في بيان ما أوحى خلاف: قال بعضهم و هم أهل الاحتياط الأقرب إلى الصواب أن لا يعين؛ لأنه لو كانت الحكمة و المصلحة في إظهاره و تعيينه لما أبهمه، و قال الآخرون: لا بأس بذكر ما بلغنا في خبر أو أثر أو من جهة الاستدلال و الاستنباط، و من ذلك ما ورد في حديث صحيح ثلاثة أشياء أحدها فريضة الصلوات الخمس، و هذا دليل على أن أفضل الأعمال الصلوات الخمس؛ لأنها فرضت في ليلة المعراج بغير واسطة جبريل، و الثاني خواتيم سورة البقرة و الثالث أن يغفر لأمة محمد (صلى الله عليه و سلم) كل الذنوب غير الشرك.

353

رؤية النبي (صلى الله عليه و سلم) ربه تعالى عز و جل‏

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و اختلف أيضا في رؤية النبي (صلى الله عليه و سلم) ربه تعالى، فأنكرتها عائشة، روي عن مسروق أنه قال لعائشة: يا أم المؤمنين هل رأى محمد (صلى الله عليه و سلم) ربه؟ قالت: لقد قفّ شعري مما قلت، ثم قرأت: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، الآية.

و قال جماعة بقول عائشة و هو المشهور عن ابن مسعود و مثله عن أبي هريرة في قوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏ أنه رأى جبريل له ستمائة جناح، و يؤيد ذلك ما قال أبو ذر: سألت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه، و في العروة الوثقى قال أبو ذر: سألته عن رؤية ربه ليلة المعراج، قال: لا بل نورا أرى، و في معالم التنزيل و المدارك أن جبريل كان يأتي النبي (صلى الله عليه و سلم) في صورة الآدميين كما كان يأتي النبيين، فسأله رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن يريه نفسه على صورته التي جبل عليها فأراه نفسه مرتين، مرة في الأرض و مرة في السماء، أما في الأرض ففي الأفق الأعلى و المراد بالأعلى جانب المشرق، و في المشكاة برواية الترمذي و مرة في أجياد، و في نهاية الجزري: الأجياد موضع بأسفل مكة معروف من شعابها، انتهى. و ذلك أي بيان رؤيته في الأفق الأعلى أن محمدا (صلى الله عليه و سلم) كان بحراء فطلع له جبريل من المشرق و له ستمائة جناح فسد الأفق إلى المغرب، فخر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مغشيا عليه فنزل جبريل في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه و جعل يمسح الغبار عن وجهه و هو قوله: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى‏، و أما ما في السماء فعند سدرة المنتهى و لم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا محمد (صلى الله عليه و سلم)، و في المدارك و ذلك ليلة المعراج، و قال بامتناع رؤيته في الدنيا جماعة من الفقهاء و المحدثين و المتكلمين، و عن ابن عباس أنه رآه سبحانه بعين رأسه و روى عطاء عنه أنه رآه بقلبه كذا ذكرهما في المدارك، و عن أبي العالية أنه رآه بفؤاده مرتين، و ذكر ابن إسحاق أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس يسأله هل رأى محمد ربه؟ فقال: نعم، و الأشهر عنه أنه رأى ربه بعينه، قال الماوردي: قيل إن اللّه تعالى قسم كلامه و رؤيته بين موسى و محمد فرآه محمد مرتين و كلمه موسى مرتين، قال عبد اللّه بن الحارث: اجتمع ابن عباس و كعب بعرفة فقال ابن عباس: أما نحن بني هاشم فنقول: إن محمدا رأى ربه مرتين فكبر كعب حتى جاوبته الجبال و قال: إن اللّه قسم رؤيته و كلامه بين محمد و موسى فكلمه موسى و رآه محمد بقلبه.

354

و روى شريك عن أبي ذر في تفسير الآية: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏، قال: رأى النبي (صلى الله عليه و سلم) ربه، و حكى السمرقندي عن محمد بن كعب القرظي و ربيع بن أنس أن النبي (صلى الله عليه و سلم) سئل: هل رأيت ربك؟ قال: رأيته بفؤادي و لم أره بعيني، و حكى عبد الرزاق أن الحسن كان يحلف باللّه لقد رأى محمد ربه، و حكى ابن إسحاق أن مروان سأل أبا هريرة هل رأى محمد ربه؟ فقال: نعم، و حكى النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال: أنا أقول بحديث ابن عباس بعينه رآه رآه حتى انقطع نفسه يعني نفس أحمد، و قال سعيد بن جبير: لا أقول رآه و لا لم يره، و قال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري و جماعة من أصحابه: أنه رأى اللّه ببصره و عيني رأسه و وقف بعض المشايخ في هذا كما وقف ابن جبير و قال: ليس عليه دليل واضح و لكنه جائز، قال القاضي أبو الفضل: و الحق الذي لا امتراء فيه أن رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلا إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة و ليس في الشرع دليل قاطع على استحالتها و لكن وقوعه و مشاهدته من الغيب الذي لا يعلمه إلا من علمه اللّه تعالى.

مراجعة موسى لنبينا محمد عليهما الصلاة و السلام بشأن الصلوات التي فرضت‏

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: ثم بعد ما فرضت عليه خمسون صلاة أذن له بالرجوع فرجع من حيث جاء حتى بلغ منزل جبريل، فقال له جبريل: أبشر يا محمد فإنك خير خلق اللّه و مصطفاه، بلّغك الليلة إلى مرتبة لم يبلغها أحد من خلقه قط، لا ملكا مقربا و لا نبيا مرسلا هنيئا لك هذه الكرامة، ثم ذهب به جبريل إلى الجنة و النار و أراه منازلهما و ما في الجنة من الحور و القصور و الغلمان و الولدان و الأشجار و الأثمار و الأزهار و الأنهار و البساتين و الرياحين و الرياض و الحياض و الغرف و الشرف، و ما في النار من السلاسل و الأغلال و الأنكال و الحيات و العقارب، و الزفير و الشهيق و الفساق و اليحموم و تفاصيلها تؤدي إلى التطويل.

ثم رجع فمر بموسى فسأله بما أمرت، قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم و ليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع و إني و اللّه قد جربت الناس قبلك و عالجت بني‏

355

إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجع و قال: يا رب خفف عن أمتي فوضع عنه ربه عشرا، فرجع إلى موسى فقال مثله، فرجع إلى ربه فوضع عنه عشرا، فلم يزل يرجع بين ربه و موسى حتى قال: يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم و ليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة، و من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا و من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب له شيئا فإن عملها كتبت سيئة واحدة.

فرجع إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قال: بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات فارجع إلى ربك فسله التخفيف، قال: سألت ربي حتى استحييت و لكني أرضى و أسلم، و لما جاوز عن موسى سمع مناديا ينادي فيقول: أمضيت فريضتي و خففت عن عبادي و هي خمس و هن خمسون، ثم يقول: يا محمد قد جعلت صلاتك و صلاة أمتك قياما و ركوعا و سجودا و تشهدا و قراءة و تسبيحا و تهليلا، تشتمل عبادته على سائر عبادات الملائكة من لدن عرشي إلى منتهى الثرى، فيكون لهم بالقيام ثواب القائمين، و بالركوع ثواب الراكعين، و بالسجود ثواب الساجدين، و بالتشهد ثواب المتشهدين، و لهم في القراءة و التسبيح ثواب المسبحين و القارئين، و بالتهليل ثواب المهللين ولدي مزيد، كذا في المنتقى. انتهى من تاريخ الخميس، و سيأتي قريبا ترجمة موسى الكليم و ترجمة الخليل إبراهيم عليهما الصلاة و السلام في آخر هذا المبحث، لما لهما من الفضل على الأمة المحمدية، و بالأخص على الأمة العربية.

نقول: إن موسى الكليم عليه الصلاة و التسليم له فضل عظيم على الأمة المحمدية قاطبة، حيث طلب من نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم) أن يراجع ربه عز و جل في تخفيف الصلوات التي فرضها على أمته ليلة الإسراء و قال له: إن أمتك لا تطيق ذلك. فلم يزل نبينا عليه الصلاة و السلام يراجع ربه تعالى حتى بلغ التخفيف عنا إلى خمس صلوات بعد أن كانت خمسين صلاة.

فكليم اللّه موسى عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم قد أحسن إلى جميع المؤمنين و المؤمنات في هذه المسألة إحسانا كبيرا و قد رأى من بني إسرائيل العجب العجاب. و الحق أننا وصلنا في هذا الزمان إلى حالة من العجز و الكسل و التقصير و الخمول لا نقدر معها أن نقوم بأداء هذه الصلوات الخمس حق أدائها، بل لقد تهاون الكثير بها في غير قطرنا حتى تركوها بتاتا و العياذ باللّه تعالى. فكيف لو لم‏

356

يتداركنا اللّه عز و جل بالتخفيف عنا بفضله و رحمته، فجزى اللّه عنا كليمه موسى و صفيّه محمدا (صلوات اللّه و سلامه عليهما) بما هو أهله.

مقدار مدة غيابه (صلى الله عليه و سلم) في الإسراء و المعراج‏

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و روي أنه (صلى الله عليه و سلم) لما رجع كان جبريل (عليه السلام) رفيقه حتى دخل بيت أم هانئ، و روى عمر بن الخطاب عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: ثم رجعت إلى خديجة و ما تحولت عن جانبها، و في رواية: عاد (صلى الله عليه و سلم) إلى بيت المقدس و معه جبريل حتى أتى به مكة إلى فراشه و بقيت من الليل ساعات، و في زين القصص عن عمار: كان زمان ذهابه و مجيئه ثلاث ساعات، و عن وهب بن منبه و محمد بن إسحاق أربع ساعات و اللّه أعلم، و عن عائشة أنها قالت: لما أسري بالنبي (صلى الله عليه و سلم) أصبح يحدث بذلك فارتدّ ناس ممن كان آمن به و ضعف إيمانهم، و إليه أشار قوله تعالى: وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ‏. فسبب ارتدادهم أنهم كانوا يرون العير تذهب شهرا من مكة إلى الشام مدبرة و تجي‏ء شهرا مقبلة، فاستحالوا عند عقولهم القاصرة قطع تلك المسافة البعيدة في زمان قليل ببعض الليل فارتدوا، و الاستحالة مدفوعة لما ثبت في الهندسة أن ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين طرف كرة الأرض مائة و نيفا و ستين مرة، ثم إن طرفها الأسفل يصل موضع طرفها الأعلى في أقل من ثانية، و قد برهن في الكلام أن الأجسام متساوية في قبول الأعراض و اللّه تعالى قادر على الممكنات، فيقدر أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي (صلى الله عليه و سلم) أو في ما يحمله و التعجب من لوازم المعجزات كذا في أنوار التنزيل، و أيضا قال أهل الهيئة إن الفلك الأعظم في مقدار زمان يتلفظ الإنسان بلفظة واحدة يقطع ألفا و اثنين و ثلاثين فرسخا.

إنكار المشركين للإسراء و المعراج‏

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و روي أنه لما رجع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ليلة أسري به و كان بذي طوى قال: يا جبريل إن قومي لا يصدقوني، قال: يصدقك أبو بكر و هو الصديق، و عن ابن عباس: أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لما أصبح جلس في الحجر معتزلا حزينا لما أنه كان يعلم أن قومه يكذبونه، فبينما هو جالس كذلك إذ مر به أبو جهل فجلس إليه فقال له كالمستهزئ: يا محمد هل استفدت من شي‏ء جديد؟

357

قال: نعم سافرت البارحة، و في رواية: أسري بي الليلة إلى بيت المقدس و منه إلى السموات، و قال أبو جهل: سافرت الليلة إلى بيت المقدس و أصبحت بين أظهرنا بمكة؟ قال: نعم، فلم ير أبو جهل أن ينكر ذلك مخافة أن يجحده الحديث، قال:

أتحدث قومك كما حدثتني؟ قال: نعم، فصاح أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلموا، فانتقضت المجالس، فجاءوا حتى جلسوا إليهما، قال: فحدث قومك بما حدثتني، قال: نعم أسري بي الليلة، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قالوا: ثم أصبحت بين أظهرنا؟ قال: نعم، فوقعوا في التعجب و الاستغراب و قالوا: إن هذا لشي‏ء عجاب، و بعضهم من كثرة إنكارهم يصفقون، و بعضهم من قلة اعتبارهم يضحكون، و بعضهم يضعون أيديهم على رؤوسهم تعجبا، فإن هذا الأمر يرى عندهم محالا و عجبا، و ارتدّ ناس ممن كان قد آمن به و صدقه. و عن عائشة رضي اللّه عنها: سعى رجال من المشركين و هم أبو جهل و أتباعه إلى أبي بكر فقالوا له: هل لك في صاحبك يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس و منه إلى السموات؟ فقال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك لقد صدق، قالوا: أتصدقه أنه ذهب إلى الشام و رجع قبل أن يصبح، قال:

نعم إني أصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة و روحة، قال بعضهم: و من ذلك اليوم سمي أبو بكر صديقا.

سؤال قريش النبي (صلى الله عليه و سلم) عما رآه في طريق الإسراء

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): لقد رأيتني في الحجر و قريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربا ما كربت مثله قط، فرفعه اللّه لي أنظر إليه، فما يسألوني عن شي‏ء إلا أنبأتهم، و نحوه عن جابر، كذا في الشفاء، و عن عائشة قالوا: يا محمد هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد الأقصى، فشرع ينعت حتى إذا التبس قال: فجي‏ء بالمسجد و أنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل فنعت المسجد و أنا أنظر إليه، فقال القوم: أما النعت فو اللّه لقد أصاب فيه، و هذا أبلغ في المعجزة و لا استحالة فيه فقد أحضر عرش بلقيس في طرفة عين، فقالوا: أخبرنا عن عير فهي أهم إلينا من ذلك هل لقيت منها شيئا؟ قال: نعم مررت على عير بني فلان و هي بالروحاء و قد أضلوا بعيرا لهم و هم في طلبه، و في رحالهم قدح من‏

358

ماء فعطشت فأخذته و شربته ثم وضعته، فسلوهم هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا، قالوا: هذه آية، قال: و مررت بعير بني فلان و فلان راكبان قلوصا لهما.

و في رواية قعودا لهما بذي مر فنفر البعير مني فرمى بفلان فانكسرت يده فسلوهم عن ذلك، فقالوا: هذه آية أخرى، قالوا: أخبرنا عن عيرنا، قال: مررت بها بالتنعيم، قالوا: فما عدتها و أحمالها و هيئتها، فقال: كنت في شغل عن ذلك ثم مثل لي بعدتها و أحمالها و من كان فيها و كانوا بالحزورة، قال: نعم هيئتها كذا كذا و فيها فلان و فلان يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخططان يطلع عند طلوع الشمس، و في المواهب اللدنية: يقدمهم جمل أدم عليه مسح أسود و غرارتان سوداوان، قالوا هذه آية أخرى، ثم خرجوا نحو ثنية كداء حتى يكذبونه فإذا بقائل يقول: هذه الشمس قد طلعت، و قال الآخر: هذه العير قد أقبلت كما قال محمد يقدمها فلان و فلان كذا في المنتقى، و في رواية البيهقي: أشرف الناس ينتظرون حتى إذا كان قريب من نصف النهار أقبلت العير فلم يؤمنوا و قالوا: ما سمعنا بمثل هذا قط إن هذا إلا سحر مبين، و في رواية سألوه أيضا عن عير الشام ليستدل به على تكذيبه و تصديقه فيما قال (عليه السلام) فوصفهم و قال: يقدمون يوم الأربعاء فكان ذلك اليوم، و ما قدموا حتى كادت الشمس أن تغرب فدعا اللّه تعالى فحبسها حتى قدموا مكة، فعلموا صدقه و مع ذلك لم يصدقوه في الخبر و ما آمنوا، كذا في سيرة مغلطاي.

و في حياة الحيوان: حبست الشمس مرتين لنبينا (صلى الله عليه و سلم)، إحداهما يوم الخندق حين شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس فردها اللّه عليه كما رواه الطحاوي و غيره، و الثانية صبيحة الإسراء حين انتظروا العير التي أخبر بوصولها مع شروق الشمس، ذكره القاضي عياض في غير الشفاء.

و حبست ليوشع بن نون، و حبست لداود و ذكره الخطيب في كتاب النجوم و ضعف رواية، و حبست لسليمان ذكره البغوي في معالم التنزيل في سورة" ص" كذا في مزيل الخفاء، و في سيرة مغلطاي ذكر الطحاوي أن الشمس ردت له في بيت أسماء بني عميس حين شغل عن صلاة العصر.

اعلم أنه ليس لأحد من أهل القبلة اختلاف في وقوع المعراج للنبي (صلى الله عليه و سلم) فمن أنكر الإسراء يكفر؛ لأنه إنكار لنص القرآن، قال اللّه تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى‏، و أيضا ورد في‏

359

الأحاديث الصريحة المشهورة القريبة من حد التواتر و أما منكر المعراج إلى السموات فمبتدع ضال عند أئمة الدين.

تحقيق موضع دار أم هانئ بمكة

الذي دعانا إلى العناية بتحقيق موضع دار أم هانئ أخت علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنهما، هو اختلاف العلماء في أن النبي (صلى الله عليه و سلم) هل أسري به من المسجد الحرام أو من بيت أم هانئ بنت أبي طالب رضي اللّه تعالى عنها، فقد جاءت أحاديث صحيحة في هذا و ذاك.

فأردنا أن نتحقق موقع بيت أم هانئ بمكة و بعده عن المسجد الحرام في زمنه (صلى الله عليه و سلم) الذي مساحته هي مساحة دائر المطاف الذي حول الكعبة المشرفة، فإن في معرفة مكان دارها جملة فوائد. فنقول و باللّه تعالى التوفيق، و منه المعونة و السداد، و هو حسبنا و نعم الوكيل نعم المولى و نعم النصير:

لم يذكر أحد من المؤرخين مكان بيت أم هانئ بالضبط، لكن اتفقت كلمتهم على أن دارها كانت جهة باب الوداع، و أدخلت في التوسعة القديمة، و نحن أيضا مثلهم لا نعرف موقع دارها، لكن شرح اللّه تعالى صدرنا في الليلة العاشرة من شهر جمادى الثانية سنة (1377) سبع و سبعين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة، في النظر إلى تاريخ الإمام الأزرقي المولود في القرن الثاني للهجرة، عسانا نهتدي بالتأمل في عباراته المختلفة المتكررة في كثير من أبواب تاريخه، فإن تاريخه جامع لمئات المسائل و الأبحاث القيمة، لكنها متفرقة و مبعثرة في الكتاب بدون ترتيب منتظم، فكتابه أشبه بد كان عطار فيه من جميع الأدوية و العقاقير، لكنها مبعثرة في الدكان، فعلى المحتاج أن يفتش و يبحث بنفسه عن ما يريده من الدواء.

و ها نحن قد فتشنا في كثير من صحائف تاريخ الأزرقي حتى عثرنا على ضالتنا المنشودة، و اهتدينا لمسألتنا التي نبحث عنها، و للّه الحمد و المنة.

و إليك ما جاء في تاريخه المطبوع في مكة سنة (1352) هجرية.

فلقد راجعنا فيه أكثر من ثلاثين صحيفة، جاء في جميعها ذكر دار أم هانئ و الحزورة، و بئر العجول، و باب البقالين، و باب الحناطين، و باب بني حكيم.

و كل ذلك دائر حول بيت أم هانئ.

360

و لكن لم نقدر من هذه الصحائف على أن نستنتج موضع دار أم هانئ رضي اللّه تعالى عنها استنتاجا مضبوطا، و إنما قاربنا في الوصول إلى الحقيقة، بعد الاطلاع في الجزء الثاني من الصحائف الآتية و هي (49 و 50 و 188 و 238) و إليك تفصيل ذلك:

قال الأزرقي في صحيفة 49 ما نصه: عن علي الأزدي، قال: سمعت أبا هريرة رضي اللّه عنه يقول:" إنا لنجد في كتاب اللّه تعالى عز و جل أن حدّ المسجد الحرام من الحزورة إلى المسعى" انتهى.

و الظاهر: أن المراد من كتاب اللّه تعالى هنا ليس القرآن الكريم، و إنما ربما كان المراد به التوراة أو الإنجيل. و اللّه تعالى أعلم.

ثم روى الأزرقي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه قال:" أساس المسجد الحرام الذي وضعه إبراهيم (عليه السلام) من الحزورة إلى المسعى إلى مخرج سيل أجياد. قال: و المهدي وضع المسجد على المسعى". انتهى.

و قال في صحيفة 188 ما نصه: و لهم أيضا دار أم هانئ بنت أبي طالب التي كانت عند الحناطين، عند المنارة، فدخلت في المسجد الحرام حين وسعه المهدي في الهدم الآخر سنة سبع و ستين و مائة. انتهى.

و قال في صحيفة 238 ما نصه: قال أبو الوليد: الحزورة و هي كانت سوق مكة، كانت بفناء دار أم هانئ ابنة أبي طالب التي كانت عند الحناطين فدخلت في المسجد الحرام، كانت في أصل المنارة إلى الحثمة و الجزاور و الجباجب الأسواق.

و قال بعض المكيين: بل كانت الحزورة في موضع السقاية التي عملت الخيزران بفناء دار الأرقم. و قال بعضهم: كانت بحذاء الردم في الوادي، و الأول أنها كانت عند الحناطين أثبت و أشهر عند أهل مكة.

و روى سفيان عن ابن شهاب: قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو بالحزورة: أما و اللّه إنك لأحب البلاد إلى اللّه سبحانه، و لولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت" و هذا الخطاب لبلدة مكة". قال سفيان: و قد دخلت الحزورة في المسجد الحرام. انتهى.

361

بقى علينا أن نعرف موضع الحزورة فإننا إذا عرفنا موضعها تماما عرفنا موضع دار أم هانئ، لأن دارها كانت عندها. و الحزورة هي الأكمة، و هي التل، و إن شاء اللّه تعالى سنهتدي أيضا إلى مكان الحزورة بما يأتي:

قال الأزرقي في الجزء الأول من تاريخه بصحيفة 64 ما نصه: و قد كان قصي بن كلاب حفر بمكة آبارا و كان الماء بمكة عزيزا إنما يشرب الناس من آبار خارجة من الحرم، فأول ما حفر قصي بمكة حفر بئرا يقال لها العجول، كان موضعها في دار أم هانئ بنت أبي طالب بالحزورة، و كانت العرب إذا قدمت مكة يردونها فيسقون منها و يتراجزون عليها. انتهى.

نقول: إن هذه البئر مع دار أم هانئ قد دخلتا في المسجد الحرام في توسعة المهدي (رحمه اللّه تعالى) سنة (167) مائة و سبع و ستين من الهجرة.

و قال الأزرقي في الجزء الثاني بصحيفة 33 عند الكلام على حفر عبد المطلب زمزم ما نصه: فأتي عبد المطلب في المنام فقيل له: احفر زمزم خبيئة الشيخ الأعظم، فاستيقظ فقال: اللهم بيّن لي، فأتى في المنام مرة أخرى فقيل له: احفر زمزم بين الفرت و الدم، عند نقرة الغراب في قرية النمل مستقبلة الأنصاب الحمر، فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس في الحرم ينظر ما سمي له من الآيات فنحر بقرة بالحزورة فانفلتت من جازرها بحشاشة نفسها، حتى غلبها الموت في المسجد في موضع زمزم، فجزرت تلك البقرة في مكانها حتى احتمل لحمها، فأقبل غراب يهوي حتى وقع في الفرث فبحث عن قرية النمل، فقام عبد المطلب فحفر هنالك ... إلى آخر القصة. قال في مختار الصحاح" الفرث" بوزن الفلس السرجين ما دام في الكرش، و الجمع فروث كفلوس. ا ه.

و قال الفاسي في كتابه" شفاء الغرام" عن الحزورة في الباب الخامس من الجزء الأول. ما نصه: و الحزورة- بحاء مهملة مفتوحة و زاي معجمة- و عوام مكة يصحّفون الحزورة فيقولون" عزورة" بعين مهملة، و هذا التصحيف من قديم، لأني رأيت ذلك مكتوبا في حجر رباط رامشت بمكة و تاريخه سنة تسع و عشرين و خمسمائة، و الحزورة الرابية الصغيرة و الجمع الحزاور، و كان عندها سوق الحناطين بمكة، و هي في أسفلها عند منارة المسجد الحرام التي تلي أجياد. و ما وقع للطبراني من أن الحزورة في" شرقي مكة" تصحيف صوابه" سوق مكة" كما وقع‏

362

مصرحا به في مسند أحمد بن حنبل من حديث عبد اللّه بن عدي بن الحمراء، و ما ذكرناه في موضع الحزورة هو المشهور المعروف على ما ذكره الأزرقي. انتهى.

ثم ذكر الفاسي سبب تسمية الحزورة بعد أربعة أسطر من الكلام المذكور ما نصه: و أفاد الفاكهي سبب تسمية الحزورة لأنه قال: لما ذكر ولاية ابن نزار للكعبة، فكان أمر البيت إلى رجل منهم يقال له و كيع بن سلمة بن زهير بن إياد، فبنى صرحا بأسفل مكة عند الحناطين اليوم و جعل فيه أمة له يقال لها الحازورة فبها سميت حازورة مكة. ا ه. انتهى من شفاء الغرام.

إلى هنا انتهينا من نقل ما يهمنا للوصول إلى معرفة موضع دار أم هانئ بنت أبي طالب رضي اللّه عنه و موضع الحزورة، و بعد التأمل فيما نقلناه هنا من الكلام، و مراجعة ما طالعناه من الأبحاث العديدة، عرفنا موقع دار أم هانئ مما يأتي:

(1) من قول الإمام الأزرقي المتقدم (رحمه اللّه تعالى) في الجزء الثاني من تاريخه بصحيفة 188 حيث يقول:" و لهم أيضا دار أم هانئ بنت أبي طالب التي كانت عند الحناطين عند المنارة، فدخلت في المسجد الحرام حين وسعه المهدي في الهدم الآخر سنة سبع و ستين و مائة" انتهى كلامه.

(2) و من قول الفاسي (رحمه اللّه تعالى) المتقدم، في الجزء الأول من كتابه شفاء الغرام، حيث يقول عن الحزورة:" و كان عندها سوق الحناطين بمكة و هي في أسفلها عند منارة المسجد الحرام التي تلي أجياد" انتهى كلامه.

(3) و من الخريطة التي وضعناها في بيان الزيادات التي حصلت في المسجد الحرام، المطبوعة في كتابنا" مقام إبراهيم (عليه السلام)" بصحيفة 91 من الطبعة الأولى.

فمن هذه الأمور الثلاثة ظهر لنا تماما ما لا يقبل الشك أن دار أم هانئ رضي اللّه تعالى عنها واقعة بالضبط عند منارة باب الوداع في عصرنا الحاضر؛ لأنها هي المنارة المعنية في العبارة المتقدمة، فمحلها في ذلك الزمن هو محلها اليوم لم يتغير، و الحزورة واقعة عندها و كذلك سوق الحناطين.

و من نظر إلى خريطة زيادات المسجد الحرام الموجودة بكتابنا المذكور" مقام إبراهيم (عليه السلام)" و الموجودة أيضا في هذا التاريخ، علم يقينا أن المنارة المذكورة

363

تقع في آخر توسعة المهدي (رحمه اللّه تعالى) من ركن المسجد الحرام الجنوبي المقابل لأجياد، فدار أم هانئ كانت عند هذا الركن، ثم دخلت في توسعة المهدي المذكور سنة (164) مائة و أربع و ستين من الهجرة.

و في محل المنارة، أي في موضع دار أم هانئ، حفر قصي بن كلاب البئر التي يقال لها العجول، كما أنه من هذا الموضع انفلتت البقرة التي نحرت عنده من الجزار و جرت نفسها حتى وصلت إلى موضع زمزم فماتت، فسلخوها في هذا المكان و فرقوا لحمها، ثم أقبل غراب فوقع في فرثها، فعندئذ قام عبد المطلب يحفر زمزم في الموضع الذي وصلت إليه البقرة و ماتت. كما تقدم ذلك في عبارة الأزرقي.

و المسافة من الركن اليماني في الكعبة المشرفة إلى منارة باب الوداع التي تقابل أجياد هي (120) مائة و عشرون مترا، أي نحو خمسين و مائتين ذراعا.

فتكون المسافة بين الكعبة شرفها اللّه تعالى و بين دار أم هانئ بنت أبي طالب رضي اللّه تعالى عنها هي (120) مترا بالضبط على التحقيق الذي عملناه. و هي نفس المسافة بين الكعبة و بين الحزورة، و هي نفس المسافة أيضا بينها و بين البئر التي كان حفرها قصي بن كلاب ثم دفنت و دخلت مع دار أم هانئ في توسعة المهدي (رحمه اللّه تعالى).

فالحمد للّه على ما وفقنا لتحقيق هذه المسألة، و الحمد للّه على توفيقاته المتوالية، و على نعمائه المتتالية التي لا تنقطع عنا طرفة عين بواسع فضله و عظيم إحسانه. و سلام على المرسلين و الحمد للّه رب العالمين.

فضل سيدنا إبرهيم و سيدنا موسى على الأمة المحمدية

لئن جمعنا في هذا الفصل بين النبيين الكريمين: خليل اللّه، و كليم اللّه" إبراهيم و موسى" عليهما الصلاة و السلام في أياديهما البيضاء على الأمة المحمدية، فقد جمع اللّه بينهما في قوله: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى‏* صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ و ذلك أنه أنزل على سيدنا إبراهيم عشرة صحف كانت كلها أمثالا، و أنزل على سيدنا موسى قبل التوراة عشر صحف كانت كلها عبرا، فقد تساويا في مقدار إنزال الصحف عليهما، كما تقاربا مضمون صحائفهما في معانيهما، من الأمثال و العبر، و الاتعاظ و الذكرى، و قد تشابها أيضا في الابتلاء و الاختبار، فإبراهيم نجاه‏

364

اللّه في صغره من قتل نمرود، كما نجاه من النار حين ألقي فيها، و موسى نجاه اللّه من قتل فرعون في صغره، كما نجاه من الغرق حينما ألقي في اليم و هو رضيع.

و لنذكر هنا ما لكل منهما علينا من الفضل: فسيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام له فضل عام على العرب و الأمة المحمدية، و فضل خاص على أهل مكة، فأما الفضل العام على العرب و الأمة المحمدية فدعاؤه لهم بالهداية و التوفيق كما في القرآن الكريم: رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ و في آية أخرى: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ‏.

و أما الفضل الخاص على أهل مكة: فإنه أول من اكتشفها و نزل بها و عمرها، و أسكن فيها ابنه إسماعيل و أمه هاجر، اللذين بسببهما ظهر ماء زمزم، و على يدي إبراهيم و إسماعيل بنيت الكعبة المعظمة، و أن إبراهيم ترك لديهم مقامه الكريم المحترم، و حرّم مكة و صيرها مأمنا، و دعا لأهلها بالرزق و البركة فيما كان عندهم من ماء و لحم و لبن، و هو الذي أذن في الناس بالحج و دعاهم إليه، فصاروا يقصدون مكة في أيام معلومات من كل فج عميق، و بذلك اتسعت عمرانها و كثرت أرزاقها و خيراتها كما أتى كل ذلك صريحا في القرآن الكريم.

ففي سورة البقرة: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ‏، و في سورة إبراهيم: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ* رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ‏، و لقد استجاب اللّه تعالى منه جميع دعائه بفضله و رحمته، فجزاه اللّه عنا ما هو أهله.

أما موسى الكليم عليه الصلاة و السلام: فإحسانه عظيم أيضا على الأمة المحمدية قاطبة. حيث طلب من نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم) ليلة عرج به و اجتمع معه في السماء السادسة أن يراجع ربه عز و جل في تخفيف الصلاة عن أمته التي فرضها اللّه تعالى عليهم أولا، و قال له: إن أمتك لا تطيق ذلك، فلم يزل رسول اللّه يرجع بين ربه عز و جل و بين موسى (عليه السلام) حتى بلغ التخفيف عنا إلى خمس صلوات كل يوم و ليلة بعد أن كانت خمسين صلاة.

365

فموسى (عليه السلام) قد أحسن إلى جميع المؤمنين و المؤمنات في هذه المسألة إحسانا كبيرا و وفّق فيها أعظم توفيق، كيف لا، و هو الذي رأى من أحوال بني إسرائيل العجب العجاب، و لذلك قال نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم): «أكثروا من الصلاة على موسى فما رأيت أحدا من الأنبياء أحوط على أمتي منه» رواه ابن عساكر عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه.

و الحق أننا قد وصلنا في هذا الزمان إلى حالة من العجز و التقصير، لا نقدر بأن نقوم بأداء هذه الصلوات الخمس حق أدائها، بل تهاون الكثير بها في غير قطرنا حتى تركوه بتاتا و العياذ باللّه، فكيف لو لم يخفف اللّه عنا بفضله و رحمته، فجزى اللّه موسى و إبراهيم و نبينا محمدا عنا ما هو أهله. اللهم صل و سلم على جميع الأنبياء و المرسلين و آل كل منهم أجمعين.

ترجمة خليل اللّه إبراهيم عليه الصلاة و السلام‏

لما كان إبراهيم الخليل (صلوات اللّه و سلامه عليه) و على جميع الأنبياء و المرسلين، له فضل عام على العرب و الأمة المحمدية، بنص القرآن الكريم، حيث يقول: رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏، و يقول في آية أخرى: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ‏.

كما له فضل خاص على أهل مكة من الدعاء لهم بنص الآية الكريمة حيث يقول: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ‏، و غير ذلك من الآيات، فاستجاب اللّه تعالى منه جميع دعواته بفضله و رحمته، فجزاه اللّه عنا بما هو أهله.

رأينا أن نتشرف بذكر شي‏ء من ترجمته النفيسة، فكتبنا عنه ترجمة لطيفة وافية، و قد قدمناها في أول الكتاب و لم نذكرها هنا، لمناسبة أنه هو أول مكتشف لمكة شرفها اللّه تعالى، و رافع قواعد بيت اللّه الحرام.

فناسب أن تكون ترجمته في أول الكتاب، صلى اللّه عليه و على آله و أصحابه و سلم تسليما كثيرا.

366

ترجمة موسى عليه الصلاة و السلام‏

نتشرف الآن بذكر ترجمة موسى (عليه السلام) لما له من الفضل على الأمة المحمدية قاطبة، حيث طلب من نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم) ليلة أن عرج به و اجتمع معه في السماء السادسة، أن يراجع ربه عز و جل في تخفيف الصلاة التي فرضها على أمته أولا.

هو موسى كليم اللّه، أبوه رجل عبراني يقال له" عمران" بن قاهت ابن لاوي بن يعقوب (عليه السلام)، و أمه" يوكابد" بنت لاوي، و أخوه" هارون" و هو شقيقه من أبيه و أمه.

لما ولد موسى خبأته أمه عن عيون من يطلبون أطفال بني إسرائيل لقتل ذكرانهم، فمكث موسى عند أمه ثلاثة أشهر، فلما خافت افتضاح أمرها أعلمها اللّه تعالى و علمها أن تصنع له ما يشبه الصندوق و تطليه بالقطران و الزفت و تلقيه في اليم، ففعلت و ناطت بأخته أن تتبع أثره و تعلم علمه، و أن اللّه تعالى قد أعلمها أنه راده إليها و جاعله من المرسلين.

فلم تزل أخته ترقب أخباره حتى علمت أنه التقط و أدخل دار فرعون، و أن اللّه تعالى ألقى محبة موسى في قلب زوجة فرعون حينما وقعت عينها عليه، فأبقته ليكون قرة عينها و عين فرعون راجية أن ينفعهما أو يتخذاه ولدا.

و كانت أخته تقص أثره و تتبعه أينما سير به فرأته لا يقبل ثدي المراضع، فعرضت على آل فرعون أن تدعو لهم امرأة عبرانية ترضعه و تكفله و تقوم له مقام الأم، و كان اسم أخته مريم، فبعثوا في طلبها فجاءت بأمها و أمه على التحقيق، فأقبل موسى على ثديها فتولت شؤونه و فرحت به فرحا شديدا.

فتربى موسى في بيت فرعون تربية بحسب تقاليد البلاط الفرعوني و كان ذا قوة و بأس، و كان طبيعيا أن يعرف أنه من بني إسرائيل ذلك الشعب المضطهد من فرعون و آله، فكان ظهيرا للعبرانيين قومه يلجأ إليه المظلومون منهم، فلما بلغ أشده آتاه اللّه العلم و الحكمة.

انتهى ملخصا من كتاب" قصص الأنبياء" للأستاذ عبد الوهاب النجار.

367

و نحن لا نريد إطالة الكلام عن ترجمة موسى (عليه السلام) و تاريخ حياته من كافة الوجوه حتى لا نخرج عن المقصود، و إنما تشرفنا بذكر هذه النبذة عنه لما له من الفضل على كافة الأمة المحمدية.

و هنا يحلو لنا أن نأتي ببعض الآيات الواردة في القرآن العظيم عنه (صلى الله عليه و سلم):

فقد قال اللّه عز شأنه في سورة القصص: وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ أُمِّ مُوسى‏ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ* فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ* وَ قالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ* وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى‏ فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى‏ قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ* وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ* فَرَدَدْناهُ إِلى‏ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ وَ لِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ* وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى‏ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ‏.

ما بين موسى (عليه السلام) و فرعون‏

قال اللّه تعالى في كتابه العزيز في سورة الشعراء: قالَ فِرْعَوْنُ وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ* قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ* قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ* قالَ رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ* قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ* قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ* قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ* قالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْ‏ءٍ مُبِينٍ* قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* فَأَلْقى‏ عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ* وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ* قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ* قالُوا أَرْجِهْ وَ أَخاهُ وَ ابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ* يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ* فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ* وَ قِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ* لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ* فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ* قالَ نَعَمْ وَ إِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ* قالَ لَهُمْ مُوسى‏ أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ* فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ‏

368

وَ عِصِيَّهُمْ وَ قالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ* فَأَلْقى‏ مُوسى‏ عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ* فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ* قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ* رَبِّ مُوسى‏ وَ هارُونَ‏.

و يستنتج من قصة موسى عليه الصلاة و السلام جملة أمور. ذكرها الأستاذ عبد الوهاب النجار في كتابه" قصص الأنبياء" و نحن نلخصها منه كما يأتي:

(1) إذا ابتلي الإنسان في الدنيا يجب عليه أن يقابل ذلك بالرضا، فقد يكون في هذا الابتلاء خير كبير.

(2) من توكل على اللّه في أموره لابد أن يقيض اللّه من ينقذه و يخلصه.

(3) من استمسك بالحق لا يبالي بمن خالفه في رأيه و طريقته مهما بلغت رتبته.

(4) لا يعدم الحق أن يجد له نصيرا و لو بعد حين.

(5) من ذاق لذة الإيمان باللّه لا يبالي بما يصيبه في سبيل ذلك.

(6) عاقبة الصبر حميدة. قال تعالى: وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى‏ عَلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا.

(7) حلم موسى (عليه السلام) على بني إسرائيل. انتهى ملخصا من الكتاب المذكور.

(صلوات اللّه و سلامه عليه) و على جميع الأنبياء و المرسلين آمين.

و في الصحيحين و اللفظ للبخاري عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: حاجّ موسى آدم (عليهما السلام) فقال له: أنت الذي أخرجت الناس بذنبك من الجنة و أشقيتهم، قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك اللّه برسالته و بكلامه أتلومني على أمر قد كتبه عليّ قبل أن يخلقني أو قدره عليّ قبل أن يخلقني، قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): فحجّ آدم موسى.

و روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال:

أحجّ آدم و موسى فقال موسى: يا آدم أنت الذي خلقك اللّه بيده و نفخ فيك من روحه أغويت الناس و أخرجتهم من الجنة، قال: فقال آدم: و أنت موسى الذي اصطفاك اللّه بكلامه تلومني على عمل أعمله كتبه اللّه عليّ قبل أن يخلق السموات و الأرض، قال: فحجّ آدم موسى.

369

و قد ورد هذا الحديث بجملة روايات اكتفينا بما ذكر.

إلى هنا نكتفي بهذه النبذة اللطيفة، و مهما أطنبنا و أثنينا على سيدنا موسى (عليه السلام)، فما قيمة قولنا بجانب من اصطفاه اللّه تعالى برسالته و كلامه، و قال في حقه عز شأنه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى‏ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَ كانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً.

اللهم صل و سلم عليه و على أخيه هارون و على نبينا" محمد" و على جميع الأنبياء و المرسلين و آل كل منهم و صحابتهم أجمعين.

ذكر حج موسى عليه الصلاة و السلام‏

جاء في تاريخ ابن كثير (رحمه اللّه تعالى) عن حجة كليم اللّه تعالى موسى عليه الصلاة و السلام ما نصه: قال الإمام أحمد: حدثنا هشام، حدثنا داود بن أبي هند، عن أبي عالية، عن ابن عباس أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مر بوادي الأزرق، فقال:

أيّ واد هذا. قالوا: وادي الأزرق. قال: كأني أنظر إلى موسى و هو هابط من الثنية، و له جؤار إلى اللّه عز و جل بالتلبية، حتى أتى على ثنية هرشاء. فقال: أي ثنية هذه؟ قالوا: هذه ثنية هر شاء. قال: كأني أنظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء عليه جبة من صوف حطام ناقته خلبة. قال هشيم: يعني ليفا و هو يلبي.

أخرجه مسلم من حديث داود بن أبي هندبة. و رواه الطبراني عن ابن عباس مرفوعا أن موسى حج على ثور أحمر. و هذا غريب جدا.

و قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن ابن عون، عن مجاهد قال: كنا عند ابن عباس فذكروا الدجال فقال: إنه مكتوب بين عينيه (ك ف ر) قال: ما يقولون؟ قال: يقولون مكتوب بين عينيه (ك ف ر) فقال ابن عباس: لم أسمعه قال ذلك، و لكن قال: أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم. و أما موسى فرجل آدم جعد الشعر، على جمل أحمر مخطوم بخلبة كأني أنظر إليه و قد انحدر من الوادي يلبي. قال هشيم: الخلبة الليف.

ثم رواه الإمام أحمد عن أسود عن إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): رأيت عيسى بن مريم و موسى و إبراهيم. فأما عيسى فأبيض جعد عريض الصدر، فأما موسى فآدم جسيم.

قال: فإبراهيم؟ قال: انظروا إلى صاحبكم.

370

و قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا شيبان قال حدث قتادة، عن أبي العالية حدثنا ابن عم نبيكم ابن عباس قال: قال نبي اللّه (صلى الله عليه و سلم): رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجل طوالا جدا كأنه من رجال شنوءة و رأيت عيسى بن مريم مربوع الخلق الحمرة و البياض سبط الرأس. و أخرجاه من حديث قتادة به.

و قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، قال الزهري، و أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين أسري به:

لقيت موسى فنعته فقال رجل قال حسبته قال مضطرب رجل الرأس، كأنه من رجال شنوءة، و لقيت عيسى فنعته رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال: ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس يعنى حماما. قال: و رأيت إبراهيم و أنا أشبه ولد به.

الحديث. و قد تقدم غالب هذه الأحاديث في ترجمة الخليل.

معرفة كيفية الصلوات الخمس‏

تقدم هنا أن الصلوات الخمس فرضها اللّه عز و جل ليلة الإسراء و المعراج، لكن بقي على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن يعلم أوقاتها و كيفيتها حتى يبين كل ذلك لأمته التي هي خير الأمم فهبط عليه جبريل صبيحة الإسراء ليعلمه (صلى الله عليه و سلم) كيفيتها و إليك تفصيل ذلك:

جاء في الصحيحين أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: «نزل جبريل (عليه السلام) فأمّني فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، يحسب بأصابعه خمس صلوات» رواه أبو مسعود الأنصاري رضي اللّه عنه.

قال شيخنا العلامة المحدث الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي (رحمه اللّه تعالى) في الجزء الرابع من شرحه لكتابه" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" عند هذا الحديث ما يأتي:

قال ابن عبد البر: لم يختلف أن جبريل هبط صبيحة الإسراء عند الزوال فعلم النبي (صلى الله عليه و سلم) الصلاة و مواقيتها و هيئتها. ا ه.

قوله: «فأمّني» بتشديد الميم بعد الهمزة المفتوحة أي كان إماما لي في أول الصلوات المفروضة ليلة الإسراء. و قوله: «فصليت معه» أي صلاة الظهر؛ لأن نزوله كان حينما زاغت الشمس، فصلاة الظهر هي أولى الصلوات الخمس،

371

و قوله: «ثم صليت معه» أي صلاة العصر. و قوله: «ثم صليت معه» أي صلاة المغرب. و قوله: «ثم صليت معه» أي صلاة العشاء. و قوله: «ثم صليت معه» أي صلاة الصبح.

قال شيخنا (رحمه اللّه تعالى): و حديث المتن يوضح معناه ما نسبه الحافظ في فتح الباري و غيره لعبد الرزاق، قال عبد الرزاق عن ابن جريج قال نافع بن جبير و غيره: لما أصبح النبي (صلى الله عليه و سلم) من الليلة التي أسري به لم يرعه إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس و لذلك سميت الأولى أي صلاة الظهر فأمر فصيح بأصحابه الصلاة جماعة فاجتمعوا فصلى به جبريل و صلى النبي (صلى الله عليه و سلم) بالناس طول الركعتين الأولين ثم قصر الباقيتين ثم سلم جبريل على النبي (صلى الله عليه و سلم)، و سلم النبي على الناس ثم نزل في العصر على مثل ذلك ففعلوا كما فعلوا في الظهر، ثم نزل في أول الليل فصيح:

الصلاة جماعة فصلى جبريل بالنبي (صلى الله عليه و سلم) و صلى النبي بالناس طول في الأوليين و قصر في الثالثة ثم سلم جبريل على النبي و سلم النبي على الناس، ثم لما ذهب ثلث الليل صيح: الصلاة جماعة فاجتمعوا فصلى جبريل بالنبي و صلى النبي للناس فقرأ في الأوليين فطول فيهما و قصر في الأخيرتين ثم سلم جبريل على النبي و سلم النبي على الناس، فلما طلع الفجر صيح: الصلاة جامعة فصلى جبريل بالنبي و صلى النبي للناس و قرأ فيهما فجهر و طول و رفع صوته و سلم جبريل على النبي و سلم النبي على الناس.

قال الحافظ في فتح الباري: و فيه رد على من زعم أن بيان الأوقات إنما وقع بعد الهجرة، و الحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل و بعدها ببيان النبي (صلى الله عليه و سلم)، قال السيوطي في تنوير الحوالك: و هو صريح حديث ابن عباس: أمني جبريل عند البيت، رواه أبو داود و الترمذي و غيرهما و في رواية الشافعي عند باب البيت و حديث المتن رواه البخاري و مسلم من رواية أبي مسعود الأنصاري أيضا بغير هذا اللفظ الذي سقناه في المتن باتفاق الشيخين.

و قد بينت في المعلم محل تخريجهما له و ذكرت أن البخاري أخرجه في أول كتاب مواقيت الصلاة و أن مسلما أخرجه في كتاب المساجد و مواضع الصلاة في باب أوقات الصلوات الخمس و هو أول حديث في موطأ مالك و لفظه: عن أبي مسعود أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم صلى، فصلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم صلى فصلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم صلى،

372

فصلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم صلى، فصلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم قال: بهذا أمرت، الحديث، و قوله: أمرت روي بفتح التاء و بضمها، قال مغلطاي: و الفتح هو الأقوى أي أن الذي أمرت به من الصلاة البارحة مجملا هذا تفسيره اليوم مفصلا، قال ابن العربي: نزل جبريل (عليه السلام) إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) مأمورا مكلفا بتعليم النبي لا بأصل الصلاة. و قوله في هذا الحديث: نزل فصلى، فصلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الخ قال فيه عياض: ظاهره أن صلاته كانت بعد صلاة جبريل و لكن المنصوص في غيره أن جبريل أم النبي (صلى الله عليه و سلم) فيحمل قوله: صلى فصلى على أن جبريل كان كلما فعل جزءا من الصلاة تابعه النبي (صلى الله عليه و سلم) بفعله. ا ه.

و بهذا جزم النووي و قال غيره الفاء بمعنى الواو. و اعترض بأنه يلزم عليه أن يكون النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يتقدم في بعض الأركان على جبريل على ما يقتضيه مطلق الجمع. و أجيب بمراعاة الحيثية و هي التبيين فكان لأجل ذلك يتراخى عنه، و قيل:

الفاء للسببية كقوله تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسى‏ فَقَضى‏ عَلَيْهِ‏ و إنما دعاهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى الصلاة بقوله: الصلاة جامعة، فيما قدمناه عن نافع بن جبير و غيره؛ لأن الأذان لم يكن شرع حينئذ.

و استدل بهذا الحديث على جواز الائتمام بمن يأتم بغيره. و يجاب عنه بما يجاب به عن قصة أبي بكر رضي اللّه عنه في صلاته خلف النبي (صلى الله عليه و سلم) و صلاة الناس خلفه فإنه محمول على أنه كان مبلغا فقط و تحقيق وجوب الصلوات كان معلقا ببيان جبريل فلم يتحقق الوجوب إلا بعده و حديث أبي مسعود أفاد أن أصل بيان الأوقات كان بتعليم جبريل (عليه السلام) على الروايتين المتفقتي المعنى و إن اختلفت ألفاظهما و أصل هذا الحديث أخرجه أبو داود في الصلاة من سننه و كذا أخرجه النسائي و ابن ماجة و باللّه تعالى التوفيق و هو الهادي إلى سواء الطريق. انتهى من زاد المسلم.

الاستنتاج من قصة الإسراء و المعراج‏

إن قصة الإسراء و المعراج قصة حقها أن تكتب بالذهب و أن تنقش في القلوب، كيف و هي قصة تتضمن الرحلة النبوية المحمدية فيما بين السموات و الأرض، رحلة رأى فيها نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم) من ربه عز و جل منتهى الإكرام و الإحسان، و كانت نتيجة هذه الرحلة الميمونة المباركة للمؤمنين خيرا كثيرا. لهذا

373

رأينا أن نتأمل في هذه القصة الشريفة و نكتب مبحثا خاصا عما نستنتجه منها.

فنقول و باللّه التوفيق:

(1) يؤخذ من شق صدره (صلى الله عليه و سلم) و غسل قلبه في ليلة الإسراء و المعراج أنه لابد للإنسان إذا أراد مقابلة الملوك و ذوي الشأن أو حضور الاجتماعات أن يتهيأ و يتنظف و يلبس أحسن الثياب.

(2) يؤخذ من غسل قلبه (صلى الله عليه و سلم) بماء زمزم. أنه أفضل مياه الدنيا مطلقا و كيف لا يكون كذلك و هو بجوار بيت اللّه الحرام، و همزة جبريل لإسماعيل عليهما الصلاة و السلام.

(3) و في شق صدره (صلى الله عليه و سلم) و غسله ليلة الإسراء و المعراج و ملئه حكمة و إيمانا و التئامه بدون ألم و في لحظة واحدة، معجزة و أي معجزة، بل فيه ثلاث معجزات: شق الصدر و غسله و ملؤه بالإيمان و الحكمة.

(4) يؤخذ من إحضار البراق صحبة جبريل ليلة الإسراء و المعراج: أن الملوك و الكبراء إذا طلبوا بعض الناس لتكريمه أن يهيئوا له أسباب السفر و الوصول و يرسلوا إليه من قبلهم من يدلهم و يستأنس بهم.

(5) و يؤخذ من صلاته (صلى الله عليه و سلم) بالأنبياء عليهم الصلاة و السلام في بيت المقدس أن نبينا محمدا مقدم عليهم و هو أفضلهم صلى اللّه و سلم عليه و عليهم أجمعين، و هذا يوافق الآية الكريمة في سورة آل عمران: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏، جاء في تفسير ابن كثير ما يأتي: قال علي بن أبي طالب و ابن عمه ابن عباس رضي اللّه عنهما: ما بعث اللّه نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق؛ لأن بعث اللّه محمدا و هو حي ليؤمنن به و لينصرنه و أمره أن يأخذ الميثاق على أمته؛ لأن بعث محمد و هم أحياء ليؤمنن به و لينصرنه. انتهى.

(6) و يؤخذ من اجتماع الأنبياء معه في الصلاة: تعرفه عليهم و ائتناسه بهم حال الإسراء، و يؤخذ من رؤيته لبعضهم في كل سماء و سلامه عليهم و ترحيبهم به أن هذا اجتماع خاص للاستئناس به و زيادة في تكريمه (صلى الله عليه و سلم) في السموات حتى لا يستوحش فإنه إذا رأى في الملأ الأعلى بعض إخوانه من النبيين من جنسه من البشر استكن و اطمئن.

374

(7) و يؤخذ من صلاة نبينا محمد بإخوانه الأنبياء عليهم الصلاة و السلام ببيت المقدس أنهم صلوا جميعا إلى صخرة بيت المقدس و هي القبلة الأولى؛ لأن تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة كان في السنة الثانية من الهجرة، و الإسراء كان قبل الهجرة، و في هذه الصلاة إشارة إلى ما سيفرضه اللّه تعالى على نبينا (صلوات اللّه و سلامه عليه) و على أمته من الصلوات الخمس.

(8) و لإسرائه (صلى الله عليه و سلم) إلى بيت المقدس أولا قبل عروجه إلى السماء جملة فوائد.

منها ما ذكرناه هنا، و منها أنه (صلى الله عليه و سلم) عند وصفه بيت المقدس لقريش عند إنكارهم للإسراء يكون أدعى لتصديقهم له لمعرفتهم بيت المقدس، أما لو بدأهم بخبر صعوده إلى السماء في بدء الحديث لاشتد إنكارهم و تكذيبهم له.

(9) و قوله (صلى الله عليه و سلم): «ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء الدنيا: افتح قال: من هذا؟ قال: جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد قال: فأرسل إليه قال: نعم ففتح ...» و هكذا مع كل خازن من خزنة السموات السبع: يؤخذ منه أن السموات محروسة و أن لكل منها خازنا على بابه، لا يفتحون باب السماء إلا لمن أذن له الرحمن جل جلاله و لا إله غيره، كما يؤخذ منه أن أهل كل سماء لا يختلطون بأهل سماء أخرى، و أن من عرج منهم إلى سماء أو نزل منها لابد و أن يكون ذلك بإذن.

(10) و يؤخذ من قول جبريل لنبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم): (هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه) أن نبينا محمدا من نسل إبراهيم الخليل عليهما الصلاة و السلام، فقد انعقد إجماع الأمة على ذلك. و لقد صرح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بهذا في الحديث الذي رواه مسلم (و أنا أشبه ولده به) يعني إبراهيم عليه الصلاة و السلام.

(11) و يؤخذ من سلام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على كل نبي وجده في السماء كما جاء في الحديث جملة أمور. منها:

1- أن نبينا محمدا (صلى الله عليه و سلم) لما صلى بالأنبياء في بيت المقدس لم يتعرف عليهم، لذلك كان جبريل يعرفه بالنبي الذي في كل سماء.

2- يسن أن يتعرف الإنسان بمن يجتمع معه.

3- يسن أن يسلم القادم على من يقدم عليه.

4- يسن على صاحب المكان أن يرحب بالقادم و يبش في وجهه.

375

5- لابد أن يصحب ضيوف الملوك و الكبراء من يدلهم على الطريق و يعرفهم بمن يستقبلونهم و يجتمعون بهم- فمصاحب ضيوف الملوك يسمى في عرف زماننا" بالتشريفاتي".

(12) و يؤخذ من حديث الإسراء أن الصلوات الخمس فرضت ليلة الإسراء و المعراج، و أما كيفيتها و عدد الركعات بأوقاتها فقد نزل جبريل على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فعلمه كل ذلك. كما ذكرنا تفصيله في المبحث الخاص.

(13) و يؤخذ من قوله (صلى الله عليه و سلم) «... فراجعت ربي فقال: هي خمس و هن خمسون لا يبدل القول لدي» أنه (صلى الله عليه و سلم) كلم ربه تعالى بلا واسطة و سمع كلامه سبحانه عز و جل.

(14) و يؤخذ من الإسراء و المعراج أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) رأى ربه عز و جل فقد روى الحاكم في المستدرك عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «رأيت ربي عز و جل».

(15) و يؤخذ من قوله (صلى الله عليه و سلم): «ثم أدخلت الجنة» أن الجنة و النار كانتا مخلوقتين حينئذ.

(16) و في وصف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بيت المقدس لقريش معجزة أخرى أيضا، ففي الصحيحين: «لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى اللّه لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته و أنا أنظر إليه» رواه جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما.

(17) و يؤخذ منها أيضا معجزة أخرى و هي: أنه (صلى الله عليه و سلم) مر في طريقه للإسراء على عير بني فلان و هي بالروحاء و قد أضلوا بعيرا لهم و هم في طلبه، و في رحالهم قدح من ماء فعطش فأخذه و شربه ثم وضعه، و مر أيضا بعير بني فلان و فلان راكبان قلوصا أو بعيرا لهما بذي مر فنفر البعير منه (صلى الله عليه و سلم) فرمى بفلان فانكسرت يده، و هذه الأمور كلها أخبر بها النبي عليه الصلاة و السلام قريشا حينما سألوه:

هل لقي في طريقه عيرهم.

فهذه الأمور لو رآها الإنسان العادي في طريقه على دابته لما كان موضع استغراب، أما و قد رآها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو راكب البراق الذي يضع خطوه عند أقصى طرفه، و الذي عدوها كالريح، و خطوها كالبرق، و الذي قد يكون أنه قطع المسافة بين الأرض و السماء في خطوة واحدة- فهنا موضع الاستغراب- إذ

376

كيف يتمكن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو سائر ليلا في هذه الحالة أن يرى أحوال العير و يصفها لقريش، هذه كلها معجزات كل معجزة تلو الأخرى لتكون آيات بينات على صدقه و اللّه تعالى قادر على كل شي‏ء.

(18) و يؤخذ من بعض الروايات أن طريقه (صلى الله عليه و سلم) في رجوعه ليلة الإسراء كان من جهة التنعيم و مر الظهران. و اللّه تعالى أعلم بالغيب و الأسرار.

(19) و يؤخذ من قصة الإسراء و المعراج معجزة أخرى" و كلها معجزات" و هي: أنه (صلى الله عليه و سلم) ذهب تلك الليلة إلى بيت المقدس و عرج به إلى السموات العلا بل و فوق ذلك و رأى ما رأى، في مدة و جيزة فقد روى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: ثم رجعت إلى خديجة و ما تحولت عن جانبها.

(20) و يؤخذ من كيفية الإسراء و المعراج لبيت المقدس و السموات العلا و ما فوقها في مدة قصيرة من الليل و هو راكب البراق الذي يضع خطوه في منتهى طرفه و الذي يقطع المسافة بين السماء و الأرض في خطوة واحدة و لحظة واحدة: أن اللّه سبحانه و تعالى القادر على كل شي‏ء قد خلق في عبده و رسوله" محمد" (صلى الله عليه و سلم) من القوة و الاستعداد ما يمكنه أن يتحمل كل ما يتعرضه في عروجه من الأحوال الكونية المانعة من وصول البشر إلى تلك الحدود السماوية فهو (صلى الله عليه و سلم) قد خرق اللّه له العادات و سخر له الطبيعات، فليس هو كالبشر العادي فلو كان كذلك لا يقدر على رؤية جبريل في كل مرة و لا يمكنه الاجتماع بالملأ الأعلى ليلة الإسراء و المعراج.

و انظر في زماننا هذا مع تقدم صناعة الطيران، لا يقدر إنسان على الطيران في الهواء إلا إلى طبقات محدودة، و ذلك أيضا بعد الاستعدادات الكافية من الثياب الخاصة و استعمال الأوكسيجين و المكيفيات، و هو مع ذلك معرض للأخطار.

فأين هذا الحال من حال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الذي طويت له الأرض و اخترقت السموات السبع و رجع من عند ربه الكبير المتعال بكل خير و مزيد الإكرام. (صلى الله عليه و سلم) و على آله و أزواجه و أصحابه و ذريته صلاة و سلاما دائمين إلى يوم الدين. اللهم اجعلنا من سعداء الدارين. آمين.

(21) و يؤخذ من الإسراء و المعراج، حكمة دقيقة و سر لطيف جليل و هو أن يرى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعيني رأسه الملأ الأعلى في السموات كما رأى عوالم الأرض، و أن يرى ما أعد اللّه له و للمؤمنين مما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا

377

خطر على قلب بشر، و ليطئمن قلبه إلى ما له عند اللّه تعالى من المنزلة السامية و المكانة الرفيعة، و ليعلم معاني الآيات القرآنية التي نزلت و تنزل عليه في مسائل السموات و الملكوت و أمور الآخرة و القيامة علم مشاهدة و يقين، و هذا الحال أبلغ و أقوى من حال الإيمان بالغيب لذلك قال إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام:

رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏ قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي‏.

ثم تأمل كيف تكون حال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعد رجوعه من المعراج و قد رأى ما في السموات بل و ما فوق السموات و دخل الجنة و رأى نعيمها و هو حي لم يمت، فهل يركن إلى هذه الدنيا الفانية الخسيسة التي لا تساوي عند اللّه جناح بعوضة؟ كلا و اللّه.

لذلك كان (صلى الله عليه و سلم) لم يمتع نفسه في الحاة الدنيا قط، و هو الذي مقامه في أمته أعظم من مقام الملوك لدى شعوبهم بكثير و كثير مما لا نسبة. و لقد كان زهده (صلى الله عليه و سلم) في الدنيا مضرب الأمثال فهو لم يشبع قط من الأكل و كان يقول: «حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه» قالت عائشة رضي اللّه عنها: لم يمتلئ جوف النبي (صلى الله عليه و سلم) شبعا قط و أنه كان في أهله لا يسألهم طعاما و لا يتشهاه إن أطعموه أكل و ما أطعموه قبل و ما سقوه شرب.

و كان ينام على الحصير حتى يؤثر في أضلاعه و قد بكى عمر رضي اللّه عنه لما رأى عليه ذلك الأثر (صلى الله عليه و سلم)، و لم يلبس من ثياب الخز و الحرير، و كان يرى نفسه كراكب استظل في طريقه في شجرة فعما قليل سيرحل، نعم كان (صلى الله عليه و سلم) يجتهد في عبادة ربه فيصلي حتى تتورم قدماه، و يصوم حتى يقال إنه لا يفطر و يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، و كان يعطي من العطايا ما لا تطيب بها إلا نفس نبي مرسل، فكان أجود بالخير من الريح المرسلة و هو الذي يقول: «لو كان لي مثل أحد ذهبا لسرني أن لا تمر عليّ ثلاث ليال و عندي منه إلا شيئا أرصده لدين».

نعم كيف يطمئن إلى هذه الدنيا الفانية نبينا" محمد" و هو رسول اللّه و قد دخل الجنة ليلة المعراج و رأى من نعيمها ما أسقط الدنيا من عينيه، و رأى ما رأى من إكرام اللّه عز و جل له ما زهده في الخلق أجمعين. و لذلك كان ختم كلامه عند الموت: «رب اغفر لي و ألحقني بالرفيق الأعلى» اللهم صل و سلم و بارك عليه و على آله و صحبه أجمعين.

378

(و اعلم) أنه (صلى الله عليه و سلم) يتجدد عليه ذكرى الإسراء و المعراج كلما قرأ الآيات التي أنزلت عليه في ذلك، خصوصا حينما كان يعرض القرآن على رفيقه في الإسراء و المعراج جبريل (عليه السلام) في كل سنة مرة، و عرضه عليه عام موته (صلى الله عليه و سلم) مرتين.

فما أحلى هذه الذكرى المباركة الشريفة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار و أدخلنا الجنة مع الأبرار بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين.

(22) و يؤخذ مما تقدم أن بعض الصحابة (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين) قال إن النبي (صلى الله عليه و سلم) لم ير ربه ليلة المعراج و تبعهم بعض العلماء، و بعض الصحابة رضي اللّه عنهم قال رأى النبي (صلى الله عليه و سلم) ربه ليلة المعراج، و تبعهم بعض العلماء.

فقال في هذا الشيخ أحمد المقري المصري:

و قد رأى خير الورى الديّانا* * * ليلة أسري به عيانا

في المذهب المصحح المشهور* * * و هو الذي ينمي إلى الجمهور

فنستنتج من هذا أن من أثبت رؤية النبي (صلى الله عليه و سلم) ليلة المعراج لا حرج عليه، و من نفاها لا حرج عليه؛ لأن كلا من الفريقين يتبع قول بعض الصحابة.

و أما كيفية الرؤيا فهذا لا سبيل إلى الخوض فيه و اللّه تعالى أعلم، و سيأتي بعد هذا المبحث الكلام على الرؤية مفصلا من كتاب الشفاء للقاضي عياض (رحمه اللّه تعالى).

(23) و يؤخذ من وجود بعض الأنبياء عليهم الصلاة و السلام في السموات السبع معان سامية لم نعرفها، و إنما فهمنا أن وجود أبينا آدم عليه الصلاة و السلام في السماء الأولى؛ لأنه أول الأنبياء و أبو البشر فكان جميلا أن يكون هو أول من استقبل نبينا" محمدا" (صلى الله عليه و سلم) في السماء الأولى.

أما وجود خليل اللّه عليه الصلاة و السلام في السماء السابعة، فمعناه أنه أقرب الأنبياء إلى اللّه عز شأنه و جل جلاله، كيف و هو خليله و صفيه لكن مع ذلك له مقام معلوم لا يتعداه، و معنى مرور نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم) و ذهابه بعد ذلك إلى سدرة المنتهى، أن رتبة نبينا" محمد" فوق رتبة خليل اللّه إبراهيم، و مقامه أعلا من مقامه عند اللّه عز و جل الذي لا يسأل عما يفعل و هم يسألون.

379

و أما وجود كليم اللّه موسى عليه الصلاة و السلام في السماء السادسة فمعناه أن فضل كليم اللّه موسى دون فضل خليل اللّه إبراهيم عليهما الصلاة و السلام، و ليكون الخليل و الكليم في سماءين متجاورين لا يفصل بينهما نبي آخر، لأن كلا منهما اختصه اللّه بشي‏ء لم يختص به غيرهما من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، و أنه قد ذكر كلاهما في آية واحدة في قوله عز شأنه: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى‏* صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏، ثم إن وجود موسى في السماء السادسة فيه حكمة أخرى، و هي إذا رجع نبينا" محمد" عليهما الصلاة و السلام من المناجاة و مرّ بموسى و هذا طلب منه أن يراجع ربه في تخفيف الصلوات عن أمته، كانت المراجعة من السماء السادسة أقرب مسافة من السموات التي بعده.

(24) و يؤخذ مما في صحيح مسلم من أن النبي (صلى الله عليه و سلم) بعد صعوده إلى السماء السابعة رأى فيها إبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور، يؤخذ من هذا أن النبي (صلى الله عليه و سلم) في عروجه إلى السماء وصل فيها إلى ما يقابل مكة المشرفة؛ لأن البيت المعمور كما روى عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه حيال الكعبة بحيث لو سقط سقط عليها.

و البيت المعمور هو بيت في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة، كما أخرج ذلك ابن جرير و ابن المنذر و الحاكم، و صححه و ابن مردويه و البيهقي في الشعب عن أنس مرفوعا.

نقول: إن ما ذكرناه هنا عن بعض الأنبياء عليهم الصلاة و السلام دليل على تفضيل بعضهم على بعض- و هو كذلك- فقد قال اللّه تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ‏ و قال عز شأنه: وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ‏.

و الحقيقة أن كل نبي له مقام معلوم و منقبة مخصوصة و لهذا فضلوا أولي العزم منهم على غيرهم.

و نحن إذا فضلنا بعض الأنبياء يجب أن يكون التفضيل بالاعتدال و بمقدار ما ورد في الكتاب و السنة، فلا نغلو فيهم و لا نتعدى الحدود في تفضيلهم، حتى لا نقع في محظور، و من هنا قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم و قولوا عبد اللّه و رسوله» رواه البخاري في صحيحه. و قال عليه الصلاة و السلام: «لا تخيروا بين الأنبياء» رواه البخاري و مسلم. و قال (صلى الله عليه و سلم): «لا

380

تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور» رواه البخاري و مسلم أيضا.

و قد جاء هذا الحديث اللطيف بروايات أخرى في الصحيحين و كلها بمعنى واحد و سبب هذا الحديث كما في الصحيحين و اللفظ للبخاري عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: «بينما رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) جالس جاء يهودي فقال: يا أبا القاسم ضرب وجهي رجل من أصحابك، فقال من؟ قال: رجل من الأنصار، قال: ادعوه، فقال: أضربته، فقال: سمعته في السوق يحلف و الذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث على محمد صلى اللّه تعالى عليه و سلم فأخذتني غضبة ضربت وجهه، فقال النبي (صلى الله عليه و سلم): لا تخيروني من بين الأنبياء ...».

فتفضيل بعض الأنبياء على بعض بما جاء في الكتاب و السنة لا بأس به و لا حرج، و المحظور إنما هو تفضيل بعضهم بما يؤدي إلى نقص بعضهم، هذا هو الممنوع بل هذا قد يؤدي إلى الكفر و العياذ باللّه تعالى.

و إلى هذا يشير العلامة المختار بن بون الشنقيطي بقوله:

مثل النصارى أفرطوا في عيسى‏* * * فيما ادعوا و فرطوا في موسى‏

محمد الحائز الارتفاع‏* * * أفضل خلق اللّه بالإجماع‏

و عكسهم معاشر اليهود* * * و فرط الجميع في المحمود

عليه أزكى صلوات الباري‏* * * ما كور الليل على النهار

و لما نزل قول اللّه تعالى في حق خليله إبراهيم عليه الصلاة و السلام: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ‏ قالت طائفة: شك إبرهيم (عليه السلام) و لم يشك نبينا، فقال (صلى الله عليه و سلم): «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال: أو لم تؤمن، قال: بلى و لكن ليطمئن قلبي، و يرحم اللّه لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، و لو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي» رواه البخاري و مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه.

قوله: «لأجبت الداعي» أي داعي الملك. و مثل هذه الأحاديث الصحيحة الصادرة من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تدل على تواضعه (صلى الله عليه و سلم) و مدحه لهم، فهو لا يصرح أنه‏

381

أفضل من إخوانه الأنبياء و أنه هو كذلك في حقيقة الأمر، و فضله عليهم واضح كالشمس و يؤخذ ذلك من الكتب و السنة صريحا و تلويحا، فهو سيد ولد آدم بصريح الأحاديث، قد أجمعت الأمة المحمدية التي لا تجتمع على ضلالة على ذلك.

و انعقد الإجماع أن المصطفى: أفضل خلق اللّه و الخلف انتفى و لولا خوف التطويل لبسطنا الأدلة على ذلك بالتفصيل التام.

اللهم صل و سلم على سيدنا" محمد" عبدك و نبيك و رسولك و على آله الطيبين الطاهرين و صحابته الأتقياء أجمعين.

(25) و يؤخذ من قصة الإسراء و المعراج: أنها تدل دلالة صريحة واضحة أن اللّه سبحانه و تعالى اختص ذلك بعبده و رسوله" محمد" دون غيره من الأنبياء عليهم جميعا أفضل الصلاة و أتم التسليم، ليرى ملكوت السموات و الأرض، و هذا دليل على ما لنبينا (صلى الله عليه و سلم) من المنزلة العظمى و المقام المحمود عند ربه الكبير المتعال ذي الجلال و الإكرام الذي له ما في السموات و ما في الأرض و ما بينهما و ما تحت الثرى. فيزداد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بذلك شكرا و ليكون من الموقنين ظاهرا و باطنا حسا و معنى، فرؤية نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم) في الإسراء و المعراج ملكوت السموات و الأرض بالمشاهدة الحسية يعني بعيني رأسه، غير رؤية إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام ذلك كما في قوله تعالى: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ‏.

و من أراد بيان الأدلة الشرعية على تفضيل نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم) على جميع الأنبياء فليراجع شرح" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" عند حديث: «نحن أحق بالشك من إبراهيم ... الخ»، بأواخر الجزء الرابع، فنحن مع يقيننا بهذا التفضيل لنبينا" محمد" نؤمن بجميع الأنبياء و المرسلين ما علمناهم و ما لم نعلمهم، و نحبهم و نحترمهم و نصلي و نسلم عليهم، من أبينا" آدم" أول الأنبياء إلى نبينا" محمد" خاتم الأنبياء.

و لكن لا يعلم هذا الفارق إلا اللّه سبحانه و تعالى الذي يعلم السر و أخفى.

هذا بعض ما استنتجناه من قصة الإسراء و العراج بحسب فهمنا القليل و إدراكنا القاصر، فإذا أمعن فيها ذوي الفكر و النظر و البصيرة و البصر، لظهر له من الأمور الدقيقة أكثر و أكثر، فقصة الإسراء و المعراج تشتمل كلها على عظيم المعجزات كل معجزة أكبر من أختها، و هي من أولها إلى آخرها صريحة بمزيد

382

إكرام اللّه تعالى و إحسانه لعبده و رسوله خاتم الأنبياء" محمد" (صلى الله عليه و سلم) بحيث بلغ الإكرام منتهاه، و هل بعد قوله تعالى: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى* فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ مقام أسمى من هذا.

اللهم صل و سلم على عبدك و نبيك" محمد" المختار، و على آله و ذريته المباركين الأطهار، و على أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، و صحابته الأجلاء البررة المتقين.

اللهم إنا نسألك و أنت خير المسئولين، و نطلب منك و أنت أكرم الأكرمين أن تعرج بنا إلى العلا دواما بفضلك و رحمتك و إن لم نسهر الليالى بالعمل، و أن تملأ قلوبنا بالإيمان و الحكمة، و أن تنوّر بصائرنا و تشرح صدورنا، و أن ترزقنا العفو و العافية و الصحة و السلامة، و أن ترزقنا من برك و إحسانك رزقا حلالا واسعا عظيما هنيئا بدون عصيان و لا طغيان، و أن تثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة، و أن تميتنا على الإيمان الكامل على طهارة و نظافة و في أفضل يوم و أشرف ساعة و أبرك بقعة بدون تعب و لا مرض و لا نصب، و أن تدخلنا جنتك المفضلة بسلام آمنين، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا، و أن تجعلنا من الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون، سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد للّه رب العالمين.

الكلام على رؤية النبي (صلى الله عليه و سلم) ربه عز و جل‏

لما اختلفوا هل رأى نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم) ربه سبحانه و تعالى ليلة المعراج أم لا، رأينا من اللازم أن نشبع الكلام عن هذا الموضوع، و لابد أن ننقل من أوثق الكتب المعتمدة فنقلنا ما يأتي من كتاب" الشفاء بتعريف حقوق المصطفى" (صلى الله عليه و سلم)، تأليف العلامة القاضي عياض و هو من علماء القرن السادس الهجري. و إليك ما جاء فيه حرفيا و هو:

(فصل) و أما رؤيته (صلى الله عليه و سلم) لربه عز و جل فاختلف السلف فيها، فأنكرته عائشة رضي اللّه عنها. حدثنا أبو الحسين سراج بن عبد الملك الحافظ بقراءتي عليه، قال: حدثني أبي و أبو عبد اللّه بن عتاب الفقيه قالا: حدثنا القاضي يونس بن مغيث، حدثنا أبو الفضل الصقلي، حدثنا ثابت بن قاسم بن ثابت عن أبيه‏

383

و جده، قالا: حدثنا عبد اللّه بن علي، حدثنا محمود بن آدم، حدثنا وكيع عن ابن أبي خالد عن عامر عن مسروق أنه قال لعائشة رضي اللّه عنها: يا أم المؤمنين هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، ثلاث من حدثك بهن فقد كذب: من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ الآية. و ذكر الحديث.

و قال جماعة بقول عائشة رضي اللّه عنها و هو المشهور عن ابن مسعود، و مثله عن أبي هريرة أنه قال: إنما رأى جبريل و اختلف عنه، و قال بإنكار هذا و امتناع رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين و الفقهاء و المتكلمين.

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: أنه رآه بعينه، و روى عطاء أنه رآه بقلبه، و عن أبي العالية عنه: رآه بفؤاده مرتين، و ذكر ابن إسحاق أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس رضي اللّه عنهما يسأله هل رأى محمد ربه؟ فقال: نعم. و الأشهر عنه أنه رأى ربه بعينه، روي ذلك عنه من طرق، و قال: إن اللّه تعالى اختص موسى بالكلام، و إبراهيم بالخلة، و محمدا بالرؤية، و حجته قوله تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏* أَ فَتُمارُونَهُ عَلى‏ ما يَرى‏* وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏.

قال الماوردي: قيل إن اللّه تعالى قسم كلامه و رؤيته بين موسى و محمد (صلى الله عليه و سلم)، رآه محمد مرتين و كلمه موسى مرتين.

و حكى أبو الفتح الرازي و أبو الليث السمرقندي الحكاية عن كعب، و روى عبد اللّه بن الحارث قال: اجتمع ابن عباس و كعب، فقال ابن عباس: أما نحن بنو هاشم فنقول: إن محمدا قد رأى ربه مرتين، فكبر كعب حتى جاوبته الجبال، و قال: إن اللّه قسم رؤيته و كلامه بين محمد و موسى، فكلمه موسى و رآه محمد بقلبه، و روى شريك عن أبي ذر رضي اللّه عنه في تفسير الآية قال: رأى النبي (صلى الله عليه و سلم) ربه.

و حكى السمرقندي عن محمد بن كعب القرظي و ربيع بن أنس أن النبي (صلى الله عليه و سلم) سئل: هل رأيت ربك؟ قال: رأيته بفؤادي و لم أره بعيني، و روى مالك بن يخامر عن معاذ عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: رأيت ربي و ذكر كلمة، فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى، الحديث.

384

و حكى عبد الرزاق أن الحسن كان يحلف باللّه لقد رأى محمد ربه، و حكاه أبو عمر الطلمنكي عن عكرمة، و حكى بعض المتكلمين هذا المذهب عن ابن مسعود.

و حكى ابن إسحق أن مروان سأل أبا هريرة هل رأى محمد ربه؟ فقال:

نعم، و حكى النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال: أنا أقول بحديث ابن عباس بعينه:

رآه رآه حتى انقطع نفسه، يعني نفس أحمد. و قال أبو عمر، قال أحمد بن حنبل:

رآه بقلبه و جبن عن القول برؤيته في الدنيا بالأبصار. و قال سعيد بن جبير: لا أقول رآه و لا لم يره.

و قد اختلف في تأويل الآية عن ابن عباس و عكرمة و الحسن و ابن مسعود، فحكى عن ابن عباس و عكرمة رآه بقلبه، و عن الحسن و ابن مسعود رأى جبريل، و حكى عبد اللّه بن أحمد بن حنبل عن أبيه أنه قال: رآه، و عن ابن عطاء في قوله تعالى: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‏، قال: شرح صدره للرؤية، و شرح صدر موسى للكلام.

و قال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رضي اللّه عنه و جماعة من أصحابه: أنه رأى اللّه تعالى ببصره و عيني رأسه، و قال: كل آية أوتيها نبي من الأنبياء (عليهم السلام)، فقد أوتي مثلها نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم) و خص من بينهم بتفضيل الرؤية. و وقف بعض مشايخنا في هذا و قال: ليس عليه دليل واضح، و لكنه جائز أن يكون.

قال القاضي أبو الفضل وفقه اللّه: و الحق الذي لا امتراء فيه أن رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلا و ليس في العقل ما يحيل، و الدليل على جوازها في الدنيا سؤال موسى (عليه السلام) لها، و محال أن يجهل نبي ما يجوز على اللّه و ما لا يجوز عليه، بل لم يسأل إلا جائزا غير مستحيل و لكن وقوعه و مشاهدته من الغيب الذي لا يعلمه إلا من علمه اللّه فقال له اللّه تعالى: لَنْ تَرانِي‏ أي لن تطيق و لا تحتمل رؤيتي، ثم ضرب له مثلا مما هو أقوى من بنية موسى و أثبت و هو الجبل. و كل هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته في الدنيا بل فيه جوازها على الجملة، و ليس في الشرع دليل قاطع على استحالتها و لا امتناعها، إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة و لا حجة لمن استدل على منعها بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ لاختلاف التأويلات في الآية، و إذ ليس يقتضي قول من قال في الدنيا الاستحالة.

385

و قد استدل بعضهم بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية و عدم استحالتها على الجملة، و قد قيل لا تدركه أبصار الكفار، و قيل لا تدركه الأبصار لا تحيط به، و هو قول ابن عباس، و قد قيل لا تدركه الأبصار و إنما يدركه المبصرون. و كل هذه التأويلات لا تقتضي منع الرؤية و لا استحالتها.

و كذلك لا حجة لهم بقوله تعالى: لَنْ تَرانِي‏ و قوله: تُبْتُ إِلَيْكَ‏ لما قدمناه و لأنها ليست على العموم، و لأن من قال أن معناها لن تراني في الدنيا إنما هو تأويل، و أيضا فليس فيه نص الامتناع، و إنما جاءت في حق موسى.

و حيث تتطرق التأويلات و تتسلط الاحتمالات فليس للقطع إليه سبيل. و قوله تعالى: تُبْتُ إِلَيْكَ‏ أي من سؤالي ما لم تقدره لي. و قد قال أبو بكر الهذلي في قوله: لَنْ تَرانِي‏ أي ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إليّ في الدنيا و أنه من نظر إليّ مات.

و قد رأيت لبعض السلف و المتأخرين ما معناه: أن رؤيته تعالى في الدنيا ممتنعة لضعف تركيب أهل الدنيا و قواهم، و كونها متغيرة عرضا للآفات و الفناء فلم تكن لهم قوة على الرؤية، فإذا كان في الآخرة و ركبوا تركيبا آخر و رزقوا قوى ثابتة باقية، و أتم أنوار أبصارهم و قلوبهم قووا بها على الرؤية.

و قد رأيت نحو هذا لمالك بن أنس (رحمه اللّه)، قال: لم ير في الدنيا؛ لأنه باق و لا يرى الباقي بالفاني، فإذا كان في الآخرة و رزقوا أبصارا باقية رؤي الباقي بالباقي.

و هذا كلام حسن مليح و ليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث ضعف القدرة، فإذا قوى اللّه تعالى من شاء من عباده و أقدره على حمل أعباء الرؤية لم تمتنع في حقه. و قد تقدم ما ذكر في قوة بصر موسى و محمد صلى اللّه عليهما و سلم و نفوذ إدراكهما بقوة إلهية منحاها لإدراك ما أدركاه و رؤية ما رأياه، و اللّه أعلم.

و قد ذكر القاضي أبو بكر في أثناء أجوبته عن الآيتين ما معناه: أن موسى (عليه السلام) رأى اللّه فلذلك خرّ صاعقا، و أن الجبل رأى ربه فصار دكا بإدراك خلقه اللّه له، و استنبط ذلك و اللّه أعلم من قوله: وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي‏، ثم قال: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى‏ صَعِقاً و تجليه للجبل هو ظهوره له حتى رآه على هذا القول. و قال جعفر

386

بن محمد: شغله بالجبل حتى تجلى و لولا ذلك لمات صعقا بلا إفاقة، و قوله هذا يدل على أن موسى رآه.

و قد وقع لبعض المفسرين في الجبل أنه رآه و برؤية الجبل له استدل من قال برؤية محمد نبينا له إذ جعله دليلا على الجواز و لا مرية في الجواز إذ ليس في الآيات نص في المنع.

و أما وجوبه لنبينا (صلى الله عليه و سلم)، و القول بأنه رآه بعينه فليس فيه قاطع أيضا و لا نص، إذ المعول فيه على آيتي النجم، و التنازع فيهما مأثور و الاحتمال لهما ممكن، و لا أثر قاطع متواتر عن النبي (صلى الله عليه و سلم) بذلك، و حديث ابن عباس خبر عن اعتقاده لم يسنده إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) فيجب العمل باعتقاد مضمنه، و مثله حديث أبي ذر في تفسير الآية، و حديث معاذ محتمل للتأويل و هو مضطرب الإسناد و المتن، و حديث أبي ذر الآخر مختلف محتمل مشكل، فروى: نور أنى أراه.

و حكى بعض شيوخنا أنه روى: نوراني أراه، و في حديثه الآخر سألته فقال:

رأيت نورا، و ليس يمكن الاحتجاج بواحد منها على صحة الرؤية، فإن كان الصحيح رأيت نورا، فهو قد أخبر أنه لم ير اللّه تعالى، و إنما رأى نورا منعه و حجبه عن رؤية اللّه تعالى، و إلى هذا يرجع قوله: نور أنى أراه، أي كيف أراه مع حجاب النور المغشي للبصر، و هذا مثل ما في الحديث الآخر حجابه النور، و في الحديث الآخر: لم أره بعيني و لكن رأيته بقلبي مرتين، و تلا: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى‏، و اللّه تعالى قادر على خلق الإدراك الذي في البصر في القلب أو كيف شاء لا إله غيره، فإن ورد حديث نص بين في الباب اعتقد و وجب المصير إليه، إذ لا استحالة فيه و لا مانع قطعي رده، و اللّه الموفق للصواب.

ثم قال القاضي عياض بعد ذلك ما يأتي:

و كلام اللّه تعالى لمحمد (صلى الله عليه و سلم) و من اختصه من أنبيائه جائز، غير ممتنع عقلا، و لا ورد في الشرع قاطع يمنعه، فإن صح في ذلك خبر اعتمد عليه، و كلامه تعالى لموسى كائن حق مقطوع به، نص على ذلك في الكتاب، و أكده بالمصدر دلالة على الحقيقة و رفع مكانه على ما ورد في الحديث في السماء السابعة بسبب كلامه، و رفع محمدا فوق هذا كله، حتى بلغ مستوى سمع فيه صريف الأقلام، فكيف يستحيل في حق هذا أو يبعد سماع الكلام، فسبحان من خص من شاء بما شاء و جعل بعضهم فوق بعض درجات.

387

خلاصة ما ورد في كتاب الشفاء من الأقوال في الرؤية

تقدم تفصيل الكلام على رؤية نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم) ربه عز و جل ليلة المعراج.

و الآن نحب أن نلخص الأقوال الواردة في ذلك مما ذكره القاضي عياض (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" الشفاء" و هو فيما يأتي:

(1) أن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قد أنكرت الرؤية. و قال بعضهم بقولها.

(2) و أن ابن عباس رضي اللّه عنه أثبت الرؤية و قال: رآه بعينه.

(3) و أن أبا ذر رضي اللّه عنه قال: رأى النبي (صلى الله عليه و سلم) ربه.

(4) و أن الحسن كان يحلف باللّه لقد رأى محمد ربه.

(5) و أن أبا الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رضي اللّه عنه و جماعة من أصحابه أنه رأى اللّه تعالى ببصره و عيني رأسه.

(6) و أن أحمد بن حنبل تبع ابن عباس و قال بحديثه: بعينه رآه رآه، و في رواية عنه عن أحمد بن حنبل قال: رآه بقلبه.

(7) و أن أبا هريرة و ابن مسعود قالا إنما رأى جبريل، و روي عن أبي هريرة رأى محمد ربه.

(8) و أن سعيد بن جبير قال: لا أقول رآه و لا لم يره.

هذه خلاصة الأقوال الواردة في كتاب الشفاء، و لا حرج في اتباع أي قول من هذه الأقوال و الحق يقال: أن رؤية النبي (صلى الله عليه و سلم) في الدنيا جائزة عقلا، و ليس هناك نص في المنع، و أما الوجوب و القول بأنه رآه بعينه فليس فيه قاطع أيضا و لا نص.

اللهم اغفر لنا و ارحمنا واعف عنا و طهرنا من المعاصي و الذنوب، حتى نليق بالنظر إلى وجهك الكريم يوم القيامة، و الاجتماع بنبيك الكريم محمد (صلى الله عليه و سلم) بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين. آمين.

388

هجرة النبي (صلى الله عليه و سلم) من مكة إلى المدينة

لما سمعت قريش مبايعة الأنصار لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و أنهم يدافعون عنه و يمنعونه مما يمنعون منه نساءهم و أبناءهم، ساءهم ذلك جدا. فاجتمع عظماؤهم و رؤساؤهم في دار الندوة، للتشاور فيما بينهم و وضع خطة محكمة توقف النبي (صلى الله عليه و سلم) عن الدعوة إلى الإسلام، و بعد أن أدلى كل منهم رأيه أجمعوا على قتله بكيفية لا يقدر بها بنو عبد مناف على حرب قريش كلهم بل يرضون بالدية، و ذلك بأن يأتي من كل قبيلة شاب قوي شجاع ثم يجتمعوا أمام داره، فإذا خرج محمد (صلى الله عليه و سلم) ضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل.

فعندئذ أعلم اللّه عز و جل نبيه الكريم بما دبره له أعداؤه، و أمره بالهجرة إلى المدينة المنورة، فجاء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه في وقت الظهيرة، و أخبره بأن اللّه تعالى قد أذن له بالهجرة. فسأله أبو بكر الصحبة، فقال: نعم. ثم اتفقا على المقابلة ليلا خارج مكة، و كانت هذه الليلة هى ليلة استعداد شباب قريش لتنفيذ الخطة التي رسموها لقتله (صلى الله عليه و سلم)، فاجتمعوا حول باب داره و رسول اللّه داخلها، فلما أراد الخروج أمر ابن عمه علي بن أبي طالب أن يبيت مكانه على فراشه، و قال له: إنهم لن يضروك، فألقى اللّه على أعدائه النوم فخرج النبي (صلى الله عليه و سلم) من الدار، و وضع على رأس كل واحد منه التراب و هو يقرأ قوله تعالى: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ‏ و لم يزل عليه الصلاة و السلام سائر حتى تقابل مع أبي بكر الصديق فسارا معا حتى بلغا غار ثور فاختفيا فيه.

أما المشركون فحينما استيقظوا و وجدوا التراب على رؤوسهم علموا أن محمدا قد خرج من الدار، فدخلوها فوجدوا عليا على الفراش فلم يتعرضوا له، ثم خرجوا يطلبونه (صلى الله عليه و سلم) في كل جهات مكة و جعلوا الجوائز لمن يأتي به أو يدلهم عليه، و لقد و صلوا إلى الغار الذي اختفى فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مع أبي بكر بجبل ثور، فحين رآهم أبو بكر اشتد خوفه على النبي (صلى الله عليه و سلم) و بكى و قال له: إن قتلت فإنما أنا رجل واحد، و إن قتلت أنت هلكت الأمة. فحينئذ قال له (صلى الله عليه و سلم): لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فأعمى اللّه أبصار المشركين فلم يروهما في ذلك الغار و إلى‏

389

هذا تشير الآية الكريمة: فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا.

أخرج البخاري عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لأربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشر سنة يوحى إليه ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين و مات و هو ابن ثلاث و ستين.

و هنا يحلو للمؤمن أن يقف على مسألة هجرة النبي (صلى الله عليه و سلم) و حديث الغار مفصلا، لذلك نحب أن نسترسل في الكلام و ننقل ما ورد عن ذلك من الكتب المعتمدة في الحديث و التاريخ، فنقول و باللّه تعالى التوفيق و هو حسبي و نعم الوكيل و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم:

قال شيخنا المحدث الشهير محمد حبيب اللّه الشنقيطي (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" في الجزء الخامس عند حديث:

«يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما» ما نصه:

و سبب هذا الحديث كما في الصحيحين و اللفظ لمسلم عن أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا و نحن في الغار، فقلت: يا رسول اللّه، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه. فقال: يا أبا بكر و ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما. فقوله عليه الصلاة و السلام: ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما جواب لأبي بكر رضي اللّه تعالى عنه. و بيان أنه جواب أن لازم الحالة التي قال فيها أبو بكر رضي اللّه عنه: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه الخ الخوف، و لازم قوله (صلى الله عليه و سلم) هذا أن لا خوف.

قال القرطبي: و الحديث ظاهر في قوة توكله (صلى الله عليه و سلم) و عظم منزلة أبي بكر رضي اللّه عنه بهذا القول.

و الغار المذكور في القرآن و في قول الصديق و نحن في الغار هو كما قاله السهيلي و غيره غار بجبل ثور أحد جبال مكة شرفها اللّه. و قد زرته و بت فيه بعض الليالي تبركا بآثار رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على عادة السلف الصالح؛ كابن عمر رضي اللّه عنهما، و قرأت فيه تفسير قوله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا الخ الآية. و حديث الهجرة من صحيح البخاري بطوله و سأذكره هنا للمناسبة عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

390

و كان من حديث الغار كما قاله عياض و غيره أن المشركين اجتمعوا لقتل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و بيتوه، فأمر عليا أن يرقد على فراشه، و قال: إنهم لن يضروك.

فخرج عليهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هم على الباب و لم يروه، و وضع على رأس كل واحد التراب، و انصرف عنهم إلى غار ثور فاختفى فيه. و أخبروا أنه قد خرج عليهم و وضع التراب على رؤوسهم فمدوا أيديهم إلى رؤوسهم فوجدوا التراب، فدخلوا الدار فوجدوا عليا على الفراش فلم يتعرضوا له، ثم خرجوا من كل وجه يطلبون النبي (صلى الله عليه و سلم) و يقتفون أثره بقائف معهم إلى أن وصلوا الغار، فوجدوا العنكبوت قد نسجت عليه. و ما أحلى قول بعضهم في هذا المعنى:

و دود القز إن نسجت حريرا* * * يحمل لبسه في كل شي‏ء

فإن العنكبوت أجل منها* * * بما نسجت على غار النبي‏

(قال الأبّي) قال السهيلي: و لما وصل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبو بكر إلى الغار تقدم أبو بكر رضي اللّه عنه في الدخول ليقيه بنفسه، و رأى فيه حجرا فألقمه عقبه لئلا يخرج منه ما يؤذي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). قال ثابت في الدلائل: و لما دخلاه أنبت اللّه سبحانه و تعالى على بابه الراءة بالمد، و هي شجرة من غلاة الشجر تكون مثل قامة الإنسان لها خيطان و زهر أبيض يحشى به المخاد؛ كالريش في خفته و لينه. و في سند البزار أن اللّه تعالى أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار و أرسل حمامتين و حشيتين فعششتا على فم الغار، و أن ذلك مما صد المشركين عنه، و أن حمام مكة من نسل تينك الحمامتين، و أن قريشا لما انتهى بهم القائف إلى فم الغار وجدوا ما ذكر على فم الغار، فحين رآهم أبو بكر رضي اللّه عنه اشتد خوفه على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قال: إن قتلت فإنما أنا رجل، و إن قتلت أنت هلكت الأمة. فحينئذ قال (صلى الله عليه و سلم) لأبي بكر: لا تحزن إن اللّه معنا أي بالحفظ و الكلاءة ا ه. و قولي و اللفظ له أي لمسلم.

و أما البخاري فلفظه في باب مناقب المهاجرين و فضلهم: ما ظنك يا أبا بكر باثنين اللّه ثالثهما. و لفظه من كتاب التفسير في باب قوله تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا. ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما. و لفظه في الهجرة: اسكت يا أبا بكر اثنان اللّه ثالثهما. فهذا لفظ البخاري في رواياته الثلاث و في قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ‏ دليل على أن من أنكر صحبة أبي بكر رضي اللّه عنه كفر لتكذيبه القرآن (فإن قلت): لا دلالة في‏

391

لفظ لصاحبه على خصوص أبي بكر (أجيب): بأن الإجماع منعقد على أنه أبو بكر رضي اللّه عنه.

أما حديث الهجرة فيناسب أن أذكر قبله ما أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين و مات و هو ابن ثلاث و ستين.

و حديث الهجرة الطويل هو ما أخرجه البخاري بلفظ حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل قال ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي اللّه عنها زوج النبي (صلى الله عليه و سلم) قالت: لم أعقل أبوي قط إلا و هما يدينان الدين، و لم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) طرفي النهار بكرة و عشية. فلما ابتلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد لفيه ابن الدغنة، و هو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض و أعبد ربي. قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج و لا يخرج، إنك تكسب المعدوم، و تصل الرحم و تحمل الكل، و تقرى الضيف، و تعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع و اعبد ربك ببلدك.

فرجع و ارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله و لا يخرج. أتخرجون رجلا يكسب للمعدوم و يصل الرحم و يحمل الكل و يقري الضيف و يعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، و قالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها و ليقرأ ما شاء اللّه، و لا يؤذينا بذلك، و لا يستعلن به فإنا نخشى أن يفتن نساءنا و أبناءنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر. فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره و لا يستعلن بصلاته، و لا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، و كان يصلي فيه و يقرأ القرآن فينقذف عليه نساء المشركين و أبناؤهم و هم يعجبون منه و ينظرون إليه. و كان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، و أفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة و القراءة فيه. و إنا قد خشينا أن يفتن نساءنا و أبناءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل،

392

و إن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نخفرك و لسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.

قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، و إما ان ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك و أرضى بجوار اللّه عز و جل. و النبي (صلى الله عليه و سلم) يومئذ بمكة. فقال النبي (صلى الله عليه و سلم) للمسلمين:

إني أريت دار هجرتكم ذات نخل، بين لابتين، و هما الحرتان. فهاجر من هاجر قبل المدينة، و رجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة. و تجهز أبو بكر قبل المدينة. فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي.

فقال أبو بكر: و هل ترجو ذلك- بأبي أنت و أمي- قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ليصحبه، و علف راحلتين كانتا عنده ورق السمر و هو الخبط أربعة أشهر.

قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحو الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فدى له أبي و أمي، و اللّه ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فاستأذن، فأذن له، فدخل فقال النبي (صلى الله عليه و سلم) لأبي بكر: اخرج من عندك. فقال: أبو بكر: إنما هم أهلك- بأبي أنت يا رسول اللّه- قال: فإني قد أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول اللّه قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): نعم. قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول اللّه أحد راحلتي هاتين. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): بالثمن. قالت عائشة:

فجهزناهما أحسن الجهاز وضعنا لهم سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق، قالت: ثم لحق رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد اللّه بن أبي بكر و هو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا دعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام. و يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيربحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل و هو لبن منحتهما و رصيفتهما، حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بفلس.

393

يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث. و استأجر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبو بكر رجلا من بني الديل، و هو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا،- و الخريت الماهر بالهداية- قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي و هو على دين كفار قريش فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما و وعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، و انطلق معهما عامر بن فهيرة و الدليل فأخذ بهم طريق الساحل.

فإن قيل: فما حكمة ذهاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى جبل ثور و الاختفاء في غاره عند هجرته إلى المدينة المنورة؟

نقول: إن ذهاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى جبل ثور للاختفاء في غاره، إنما هو بتوجيه من ربه عز و جل، إن هذا الجبل يقع في أسفل مكة و يبعد عن الكعبة بنحو ثلاث كيلو مترات، و هو جبل لا يقع على طريق المسافر إلى جدة أو الطائف، و إنما جبل بين جبال مكة لا يصلح أن يلجأ إليه أحد. و ربما كان اختفاء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فيه لتضليل كفار قريش عن اقتفاء أثره، فإن الإنسان إذا هرب من بلدة إلى أخرى يسلك جادة الطريق، و في ذلك العصر الطريق إلى هذا الجبل و عر، صعب، مليئة بأشجار الشوك و الأحجار، بخلافها في زماننا الحاضر فإنها نظيفة معبدة بالإسفلت تسير فيها السيارات، و مع ذلك فقد بحث عنه (صلى الله عليه و سلم) كفار قريش في كل الجهات، حتى توصلوا إلى هذا الجبل و وقفوا على باب الغار، و لكن اللّه تبارك و تعالى حجبه عن أعينهم معجزة له (صلى الله عليه و سلم).

فجبل ثور و غاره مبارك لاختفاء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و صاحبه أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه فيه، بل مكة كلها مقدسة مباركة، منذ أن اكتشفها خليل اللّه إبراهيم و أسكن فيها ابنه إسماعيل و أمه هاجر عليهم الصلاة و السلام.

ترجمة أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه عنها

جاء في الجزء السادس من شرح" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" عن ترجمة أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالي عنهما عند حديث: «لا توعي فيوعي اللّه عليك، ارضخي ما استطعت». قاله عليه الصلاة و السلام لذات النطاقين. رواه البخاري و مسلم عن أسماء المذكورة رضي اللّه عنها.

فبعد أن شرح المؤلف شيخنا (رحمه اللّه تعالى) الحديث المذكور قال عن ترجمة أسماء رضي اللّه تعالى عنها ما يأتي:

394

و أما راوي الحديث هنا: فأسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنهما، و أمها قتلة أو قتيلة بنت عبد العزى، قرشية من بني عامر ابن لؤي، و قد أسلمت أسماء قديما بمكة. قال ابن إسحاق: بعد سبعة عشر نفسا، و تزوجها الزبير بن العوام، و هاجرت و هي حامل منه بولده عبد اللّه فوضعته بقباء، و هو أول مولود ولد للمهاجرين، و عاشت أسماء إلى أن ولي ابنها الخلافة، ثم إلى أن قتل و ماتت بعده بقليل على ما سيأتي.

و كانت تلقب بذات الطاقين. قال أبو عمر: سماها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ذات النطاقين؛ لأنها هيأت له لما أراد الهجرة سفرة، فاحتاجت إلى ما تشدها به، فشقت خمارها نصفين فشدت بنصفه السفرة و انتطقت النصف الثاني، فسماها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ذات النطاقين. قال: هكذا ذكر ابن إسحاق و غيره.

قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: و أصل القصة في صحيح مسلم دون التصريح برفع ذلك إلى النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، و قد أسند ذلك أبو عمر من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب قال: قالت أسماء للحجاج: كيف تعيّره بذات النطاقين؟ تعني ابنها، أجل قد كان لي نطاق أغطي به طعام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من النمل، و نطاق لا بد للنساء منه، قال أبو عمر لما بلغ ابن الزبير أن الحجاج يعيّره بابن ذات النطاقين أنشد قول الهذلي متمثلا:

و عيّرها الواشون أني أحبها* * * و تلك شكاة نازح عنك عارها

فإن اعتذر منها فإني مكذب‏* * * و إن تعتذر يردد عليك اعتذارها

و قال ابن سعد: أخبرنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه و فاطمة بنت المنذر، عن أسماء قالت: صنعت سفرة للنبي صلى اللّه عليه و آله و سلم في بيت أبي بكر حين أراد أن يهاجر إلى المدينة، فلم نجد لسفرته و لا لسقائه من نربطهما به، فقلت لأبي بكر: ما أجد إلا نطاق، قال: شقيه باثنين، فاربطي بواحد منهما السقاء و بالآخر السفرة. و سنده صحيح.

و بهذه السند عن عروة عن أسماء قالت: تزوجني الزبير و ما له في الأرض مال و لا مملوك و لا شي‏ء غير فرسه، قالت: فكنت أعلف فرسه و أكفيه مؤنته و أسومه و أدق النوى لناضحه، و كنت أنقل النوى من أرض الزبير الحديث، و فيه حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك خادما فكفتني سياسة الفرس. قال: و قال الزبير بن‏

395

بكار في هذه القصة قال لها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أبدلك اللّه بنطاقك هذا نطاقين في الجنة، فقيل لها" ذات النطاقين".

و قد روت أسماء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم عدة أحاديث و هي في الصحيحين و السنن. قاله الحافظ ابن حجر في الإصابة. و قال الخزرجي في الخلاصة: لها ستة و خمسون حديثا، اتفق البخاري و مسلم على أربعة عشرة منها، و انفرد البخاري بأربعة، و مسلم بمثلها، و روى عنها ابنها عبد اللّه و عروة، و أحفادها عباد بن عبد اللّه، و عبد اللّه بن عروة، و فاطمة بنت المنذر بن الزبير، و عباد بن حمزة بن عبد اللّه ابن الزبير، و مولاها عبد اللّه بن كيسان، و ابن عباس، و صفية بنت شيبة، و جماعة.

قالت فاطمة بنت المنذر: كانت أسماء تمرض المرضة فتعتق كل مملوك لها، و أخرج ابن السكن من طريق أبي المحياة يحيى ابن يعلى التميمي عن أبيه، قال:

دخلت مكة بعد أن قتل ابن الزبير فرأيته مصلوبا، و رأيت أمه أسماء عجوزا طوالة مكفوفة، فدخلت حتى وقفت على الحجاج، فقالت: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ قال:" المنافق"! قالت: لا و اللّه ما كان منافقا، و قد كان صواما قواما.

قال: اذهبي، فإنك عجوز قد خرفت، فقالت: لا و اللّه، ما خرفت، سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: يخرج من ثقيف كذاب و مبير، فأما الكذاب فقد رأيناه، و أما المبير فأنت هو، فقال الحجاج: منه المنافقون.

و أخرج ابن سعد بسند حسن عن ابن أبي مليكة: كانت تصدع فتضع يدها على رأسها و تقول: بذنبي و ما يغفر اللّه أكثر.

و قال هشام بن عروة عن أبيه: بلغت أسماء مائة سنة لم تسقط لها سن و لم ينكر لها عقل.

و قال أبو نعيم الأصبهاني: ولدت قبل الهجرة بسبعة و عشرين سنة، و عاشت إلى أوائل سنة أربع و عشرين، و اختلف في مكثها بعد ابنها عبد اللّه، فقيل عاشت بعده عشر ليال، و قيل عشرين يوما، و قيل بضعا و عشرين يوما، حتى أتى جواب عبد الملك بإنزال ابنها عن الخشبة و ماتت و قد بلغت مائة سنة، قال ابن إسحاق:

توفيت بمكة سنة ثلاث و سبعين. قال الذهبي: و هي آخر المهاجرات وفاة. و باللّه تعالى التوفيق و هو الهادي إلى سواء الطريق. انتهى من الكتاب المذكور.

396

عود إلى هجرة النبي (صلى الله عليه و سلم)

قال ابن شهاب: و أخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي و هو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن جعشم يقول: جاءنا رسل قريش يجعلون في رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبي بكر دية كل واحد منهما من قتله أو أسره. فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا و نحن جلوس، فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة الساحل آراها محمدا و أصحابه. قال سراقة، فصدقت أنهم هم، فقلت لهم: إنهم ليسوا بهم، و لكنك رأيت فلانا و فلانا انطلقوا بأعبيتنا يبغون ضالة لهم. ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت، فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، و هي من وراء أكمة فتحبسها عليّ، و أخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجه الأرض، و خفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها آخرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي و عصيت الأزلام تقرب بي. حتى إذا سمعت قراءة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو لا يلتفت و أبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عنان ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم و وقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، و أخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، و عرضت عليهم الزاد و المتاع فلم يرزآني، و لم يسألاني، إلا أن قال: أخف عنا. فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر ابن فهيرة فكتب في رقعة من أديم، ثم مضى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسى الزبير رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبا بكر ثياب بيض. و سمع المسلمون بالمدينة فخرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من مكة، فكانوا يفدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظاره، فلما آووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من‏

397

آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب! هذا جدكم الذي تنتظرونه. فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف. و ذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول.

فقام أبو بكر، و جلس مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) صامتا. فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عند ذلك.

فلبث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة و أسس المسجد الذي أسس على التقوى، و صلى فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم ركب راحلته فسار يمشى معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول (صلى الله عليه و سلم) بالمدينة، و هو يصلى فيه يومئذ رجال من المسلمين. و كان مربدا للتمر لسهيل و سهل، غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين بركت به راحلته: هذا إن شاء اللّه المنزل. ثم دعا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا.

فقالا: بل نهبه لك يا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). فأبى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن يقبله منهما هبة، حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا. و طفق رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ينقل معهم اللبن في بنيانه و يقول و هو ينقل اللبن:

هذا الحمال لا حمال خيبر* * * هذا أبرّ ربنا و أطهر

و يقول:

اللهم إن الأجر أجر الآخرة* * * فارحم الأنصار و المهاجرة

فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي.

قال ابن شهاب: و لم يبلغنا في الأحاديث أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تمثل ببيت شعر تام غير هذا البيت ا ه. بطوله بلفظ البخاري في صحيحه.

و قوله: قال ابن شهاب في المواضع الثلاث في هذا الحديث الطويل هو متصل بإسناد حديث عائشة المذكور، كما صرح به الحافظ في فتح الباري.

و أخرج البخاري أيضا في مناقب المهاجرين و فضلهم، و في علامات النبوة قصة حديث الهجرة مختصرة من رواية البراء بن عازب رضي اللّه عنه قال: اشترى أبو بكر رضي اللّه عنه من عازب رحلا بثلاثة عشر درهما، فقال أبو بكر

398

لعازب: مر البراء فليحمل إليّ رحلي. فقال عازب: لا، حتى تحدثنا كيف صنعت أنت و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين خرجتما من مكة و المشركون يطلبونكم.

قال: ارتحلنا من مكة فأحيينا أو سرنا ليلتنا و يومنا، حتى أظهرنا، و قام قائم الظهيرة فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه، فإذا صخرة أتيتها، فنظرت بقية ظل لها فسويته، ثم فرشت للنبي (صلى الله عليه و سلم) فيه، ثم قلت له: اضطجع يا نبي اللّه.

فاضطجع النبي (صلى الله عليه و سلم). ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحدا. فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا. فسألته فقلت له: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من قريش سماه فعرفته. فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. قلت: فهل أنت حالب لبنا؟ قال: نعم. فأمرته فاعتقل شاة من غنمه، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه. فقال:

هكذا. ضرب إحدى كفيه بالأخرى. فحلب لي كثبة من لبن. و قد جعلت لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إداوة على فمها خرقة، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، فانطلقت به إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) فوافقته قد استيقظ. فقلت له: اشرب يا رسول اللّه.

فشرب حتى رضيت، ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول اللّه. قال: بلى.

فارتحلنا و القوم يطلبوننا. فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له. فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول اللّه. فقال: لا تحزن إن اللّه معنا.

زاد في علامات النبوة. فدعا عليه النبي (صلى الله عليه و سلم) فارتطمت به فرسه إلى بطنها أرى في جلد من الأرض- شك زهير- فقال: إني أراكما قد دعوتما عليّ، فادعو لي فاللّه لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا له النبي (صلى الله عليه و سلم) فنجا، فجعل لا يلقي أحدا إلا قال: كفيتكم ما هنا فلا يلقى أحدا إلا رده. قال: و وفى لنا ا ه.

و في حديث المتن كما قدمنا ظهور قوة توكل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و عظم منزلة أبي بكر رضي اللّه عنه حيث جعله اللّه مع نبيه، و كان تعالى ثالثهما.

و في قصة حديث الهجرة الطويل فوائد منها: خدمة التابع الحر للمتبوع في يقظته، و الذب عنه عند نومه، و خدمة التلميذ لشيخه، و ما تثمره من المزايا في المآل لما حصل للصديق من الفضل في الدنيا و الآخرة. أما الدنيا فلا فضل فيها أعظم من إجماع المسلمين على أنه هو الأحق بخلافة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و بيعتهم له بعد النزاع أولا. و أما الآخرة فقد دلت الأدلة على أنه فيها من أعظم هذه الأمة

399

منزلة عند اللّه لما ثبت في الصحيحين من أنه يدخل الجنة من جميع أبوابها كما تقدم لنا في هذا الكتاب مع تبشيره بالجنة كسائر من بشر بها، و دفنه مع النبي (صلى الله عليه و سلم) في مكان واحد، و منها محبة أبي بكر للنبي (صلى الله عليه و سلم) و أدبه معه و إيثاره له على نفسه، و منها أدب الأكل و الشرب و استحباب التنظيف لما يؤكل و يشرب. و منها استصحاب آلة السفر كالإداوة و السفرة و لا يقدح ذلك في التوكل. و منها جواز شرب اللبن الذي يحلبه الراعي للمسافر إذا جرت العادة بالمسامحة فيه كما هو عادة العرب في ذلك الزمن. و في فتح الباري قال المهلب بن أبي صفرة: إنما شرب النبي (صلى الله عليه و سلم) من لبن تلك الغنم؛ لأنه كان حينئذ في زمن المكارمة، و لا يعارضه حديث:

«لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه»؛ لأن ذلك وقع في زمن التشاح، أو الثاني محمول على التسور و الاختلاس، و الأول لم يقع فيه ذلك، بل قدم أبو بكر سؤال الراعي: هل أنت حالب؟ فقال: نعم. كأنه سأله هل أذن لك صاحب الغنم في حلبها لمن يرد عليك؟ فقال: نعم. أو جرى على العادة المألوفة للعرب في إباحة ذلك، و الإذن في الحلب على المار، و لابن السبيل. فكأن كل راع مأذونا له في ذلك.

و قال الداودي: إنما شرب من ذلك على أنه ابن سبيل و له شرب ذلك إذا احتاج، و لا سيما النبي (صلى الله عليه و سلم). و أبعد من قال إنما استجازه؛ لأنه مال حربي؛ لأن القتال لم يكن فرض بعد، و لا أبيحت الغنائم. و للمالكية في هذه المسألة تفصيل منسوب للخمي نظمه صاحب سلم القضاة إلى منازل نوازل الرعاة. من علماء قطرنا بقوله:

سقى الرعاة من لقوا من لبن‏* * * مرعيهم مالك لا يعجبن‏

يريد يكره إذا ما غلبا* * * إباحة الناس لما قد حلبا

و ليس يكره و لكن يحرم‏* * * إن كان لا يبيح أكثرهم‏

و إن أباحوا لبن المرعى‏* * * لم يكره التفصيل للخمي‏

و حديث المتن كما أخرجه الشيخان أخرجه الترمذي في كتاب التفسير من سننه. انتهى كل ذلك من زاد المسلم.

400

ما لقيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من التعب في طريقه إلى الغار

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد خلع نعليه في طريق الغار، و كان يمشي على أطراف أصابعه لئلا يظهر أثرهما على الأرض، حتى حفيت رجلاه" أي رقتا من كثرة المشي"، فلما رآه أبو بكر و قد حفيت رجلاه حمله على كاهله و جعل يشتد حتى أتى الغار. كذا في دلائل النبوة.

ثم جاء فيه بعد هذا ببضعة أسطر من هذا الكلام ما يأتي: و روي عن أبي بكر أنه قال لعائشة: لو رأيتني و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إذ صعدنا الغار، فأما قدما رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فتفطرتا، و أما قدماي فعادتا كأنهما صفوان، قالت عائشة: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لم يتعود الحفية و لا الرعية.

و روي عن أبي بكر أنه قال: نظرت إلى قدمي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في الغار و قد قطرتا دما، فاستبكيت، فعلمت أنه (صلى الله عليه و سلم) لم يتعود الحفاء و لا الحفوة.

قال ابن هشام: و حدثني بعض أهل العلم أن الحسن البصري قال: انتهى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبو بكر إلى الغار ليلا، فدخل أبو بكر إلى الغار قبل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فلمس الغار لينظر فيه سبع أو حية ليقي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بنفسه.

و في معالم التنزيل: قال أبو بكر: مكانك يا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حتى أستبرئ الغار، و كان الغار مشهورا بكونه مسكن الهوام و الوحوش، قال: ادخل.

فدخل، فرأى غارا مظلما، فجلس و جعل يلتمس بيده، كلما وجد جحرا أدخل فيه إصبعه حتى انتهى إلى جحر كبير فأدخل رجله إلى فخذه فأجرحه.

و في رواية: كلما وجد جحرا شق ثوبه فألقمه إياه حتى فعل ذلك بثوبه كله، فبقى جحر فألقمه عقبه.

و في الرياض النضرة: فجعل الحيات و الأفاعي يضربنه و يلسعنه انتهى. و على كل التقديرين لدغته الحية تلك الليلة. قال أبو بكر: فلما ألقمت عقبي الجحر لدغتني الحية، و إن كانت اللدغة أحب إليّ من أن يلدغ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، انتهى.

ثم قال أبو بكر: أدخل يا رسول اللّه، فإني سويت لك مكانا. فدخل فاضطجع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و أما أبو بكر فكان متألما من لدغة الحية، و لما أصبحا رأى النبي (صلى الله عليه و سلم) على أبي بكر أثر الورم، فسأله عنه، فقال: من لدغة الحية. فقال‏