التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج1

- محمد طاهر الكردي المزيد...
582 /
401

النبي (صلى الله عليه و سلم): هلا أخبرتني؟ قال: كرهت أن أوقظك. فمسحه النبي (صلى الله عليه و سلم) فذهب ما به من الورم و الألم. ثم قال: فأين ثوبك يا أبا بكر؟ فأخبره بما فعل، فعند ذلك رفع النبي (صلى الله عليه و سلم) يده فقال: اللهم اجعل أبا بكر في درجتي يوم القيامة. فأوحى اللّه إليه قد استجاب لك. كذا في المنتقى خرجه الحافظ أبو الحسين بن بشر و الملا في سيرته عن ميمون بن مهران عن ضبة بن محصن الغنوي.

و عن ابن عباس: قال له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): رحمك اللّه صدقتني حين كذبني الناس، و نصرتني حين خذلني الناس، و آمنت بي حين كفر بي الناس، و آنستني في وحشتي فأي منة لأحد علي مثلك. خرجه في فضائله، ذكره في الرياض النضرة.

و في معالم التنزيل قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لأبي بكر: أنت صاحبي في الغار و صاحبي على الحوض.

قال الحسن بن الفضل: من قال إن أبا بكر لم يكن صاحب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فهو كافر لإنكاره نص القرآن، و في سائر الصحابه إذا أنكر يكون مبتدعا لا كافرا. انتهى من تاريخ الخميس.

وقت الخروج من الغار و السفر إلى المدينة

جاء في تاريخ الخميس في الجزء الأول منه عن وقت خروجه (صلى الله عليه و سلم) من غار ثور و عن وقت وصوله إلى المدينة المنورة ما نصه:

و في الاستيعاب: أذن اللّه له في الهجرة إلى المدينة يوم الاثنين، و كانت هجرته في ربيع الأول و هو ابن ثلاث و خمسين سنة، و قدم المدينة يوم الاثنين قريبا من نصف النهار، في الضحى الأعلى لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. هذا قول ابن إسحاق، و كذا قال غيره، إلا أنه قال: كان مخرجه إلى المدينة لهلال ربيع الأول.

و قال أبو عمرو و قد روي عن ابن شهاب أنه قدم المدينة لهلال ربيع الأول.

و قال عبد الرحمن ابن المغيرة: قدم المدينة يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول.

و قال الكلبي: خرج من الغار ليلة الاثنين أول يوم من ربيع الأول و قدم المدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، قال أبو عمرو و هو قول ابن إسحاق إلا في تسمية اليوم فإن ابن إسحاق يقول يوم الاثنين و الكلبي يقول يوم الجمعة، و اتفقا

402

لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، و غيرهما يقول لثمان خلت منه، و الاختلاف أيضا في تاريخ قدومه المدينة كما ترى.

و في الصفوة قال يزيد بن حبيب: خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من مكة في صفر، و قدم المدينة في ربيع الأول. و في الوفاء ذكر موسى بن عقبة عن الزهرى أن الخروج كان في بقية تلك الليلة، و كان ذلك بعد العقبة بشهرين و ليال. و قال الحاكم بثلاثة أشهر أو قريبا منها و يرجح الأول ما جزم به ابن إسحاق من أنه خرج أول يوم من ربيع الأول، فيكون بعد العقبة بشهرين و بضعة عشر يوما، و كذا جزم به الأموي فقال: خرج لهلال ربيع الأول و قدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت منه.

قال في فتح الباري: و على هذا كان خروجه يوم الخميس و هو الذي ذكره محمد بن موسى الخوارزمي، لكن قال الحاكم: تواترت الأخبار بأن الخروج كان يوم الاثنين، و الدخول يوم الاثنين، و جمع الحافظ ابن حجر بينهما بأن خروجه من مكة كان يوم الخميس، أي في أثناء ليلته لما قدمناه، و خروجه من الغار يعني غار ثور ليلة الاثنين لأنه أقام فيه ثلاث ليال: ليلة الجمعة و ليلة السبت و ليلة الأحد و خرج في أثناء ليلة الاثنين. كذا في المواهب اللدنية. و من روى لليلتين لعله لم يحسب أول ليلة.

و كانت مدة إقامته (صلى الله عليه و سلم) بمكة بعد النبوة بضع عشرة سنة، و يدل عليه قول صرمة:

ثوى في قريش بضع عشرة حجة* * * يذكر لو ألفى صديقا مؤاتيا

و قال عروة: عشرا، و قال ابن عباس: خمسة عشرة سنة. و في رواية عنه عشر سنين و لم يعلم بخروجه الا علي و آل أبي بكر.

و في سيرة اليعمري: و لما بلغ ثلاثا و خمسين سنة هاجر من مكة إلى المدينة يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول، و أقام المشركون ساعة، فجعلوا يتحدثون فأتاهم آت و قال: ما تنتظرون؟ قالوا: ننتظر أن نصبح فنقتل محمدا. قال: قبحكم اللّه و خيبكم، أو ليس قد خرج عليكم و جعل على رؤوسكم التراب؟ قال أبو جهل: أو ليس ذاك مسجى ببردة و الآن كلمنا. فلما أصبحوا قام علي عن الفراش، فقال أبو جهل: صدقنا ذلك الخبر.

403

فاجتمعت قريش و أخذت الطرق، و جعلت العجائل لمن جاء به. فانصرت عيونهم و لم يجدوا شيئا، و في رواية لما قال القائل قد خرج و نثر على رؤوسكم التراب فما ترون ما بكم؟ وضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا فيه التراب.

ثم جعلوا يتطلعون و ينظرون من شق الباب فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يحسبونه النبي (صلى الله عليه و سلم) فيحرسونه، و يقولون: إن هذا لمحمد، نائم عليه برده. فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فوثبوا عليه، فقام علي من الفراش، فقالوا له: أين صاحبك؟ قال: لا علم لي. قيل إنهم ضربوا عليا و حبسوه ساعة، ثم تركوه و اقتصوا أثر النبي (صلى الله عليه و سلم). فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم.

و روي أنه لم يبق أحد من الذين وضع على رؤوسهم التراب إلا قتل يوم بدر، و أنشأ علي في بيتوتته في بيت النبي (صلى الله عليه و سلم) هذه الأبيات:

وقيت بنفسي خير من وطئ الثرى‏* * * و من طاف بالبيت العتيق و بالحجر

رسول إله خاف أن يمكروا به‏* * * فنجاه ذو الطول الإله من المكر

و بات رسول اللّه في الغار آمنا* * * موقى و في حفظ الإله و في ستر

و بت أرعاهم و ما يتثبتونني‏* * * و قد وطنت نفسي على القتل و الأسر

انتهى من تاريخ الخميس.

انظر: صورة رقم 15، جبل ثور. و صورة رقم 16، مدخل جبل ثور

خروج النبي (صلى الله عليه و سلم) و أبي بكر من الغار

جاء في تاريخ الخميس عند الكلام على ذكر خروجهما من الغار و توجههما إلى المدينة و ما وقع لهما في الطريق: ما خلاصته:

و لما مضت ثلاث ليال و سكن عنهما الناس جاء الدليل بالراحلتين صبح ثلاث بالسحر إلى باب الغار كما وعده.

قال أبو الحسن بن البراء: خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من الغار ليلة الاثنين لغرة شهر ربيع الأول.

و ذكر محمد بن سعد أنه خرج من الغار ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من ربيع الأول، كما مر. كذا في سيرة مغلطاي و دلائل النبوة.

404

و في سيرة ابن هشام: آتاهما صاحبهما الذي استأجره ببعيريهما و بعير له و أتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما و نسيت أن تجعل لها عصاما فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة، فإذا ليس فيها عصام، فحلت نطاقها فجعلته عصاما علقتها به. فكان يقال لأسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين لذلك.

قال ابن هشام سمعت غير واحد من أهل العلم يقول: ذات النطاقين و تفسيره أنها لما أرادت تعليق السفرة شقت نطاقها باثنتين، فعلقت السفرة بواحدة، و انتطقت بالأخرى، كما مر في أوائل الفصل الأول. و جاء عامر بن فهيرة ليخدمهما في الطريق.

و في سيرة ابن هشام قال ابن إسحاق: فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قدم له أفضلهما، ثم قال: اركب فداك أبي و أمي. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إني لا أركب بعيرا ليس لي. قال: فهي لك يا رسول اللّه، بأبي أنت و أمي. قال: لا، و لكن بالثمن ابتعتها به. قال: أخذتها بكذا و كذا. قال: قد أخذتها بذلك؟ قال: هي لك يا رسول اللّه. و قد مر أن ثمنها ثمانمائة درهم.

قيل: الحكمة في أنه (صلى الله عليه و سلم) أحب أن لا تكون هجرته إلا بمال نفسه. فركبا و انطلقا و أردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه ليخدمهما في الطريق.

و في سيرة ابن هشام قال ابن إسحاق: و لما خرج بهما دليلهما عبد اللّه بن أرقد، و كان ماهرا بالطريق، فسلك بهما أسفل مكة ثم مضى بهما على الساحل من عسفان، ثم سلك بهما على أسفل أمج.

و في رواية: ثم عارض الطريق على أمج، ثم نزل من قديد خيام أم معبد عاتكة بنت خالد الخزاعية من بني كعب.

قال ابن إسحاق: ثم اجتاز بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الحرار، ثم سلك بهما ثنية المرة، ثم سلك بهما لقفا.

قال ابن هشام: لفتا. قال ابن إسحاق: ثم أجاز بهما مدلجة لقف ثم استبطن بها مدلجة محاج، و يقال لجاج فيما قال ابن هشام، ثم سلك بهما مرجح مجاح، ثم تبطن بهما مرجح من ذي العضوين، بفتحة العين المهملة و سكون الضاد المعجمة، و يقال بسكون الصاد المهملة فيما قاله ابن هشام، ثم بطن بهما ذي‏

405

كشر، ثم أخذ بهما على الجداجد، ثم على الأجرد، ثم سلك بهما ذا سلم من بطن أعداء مدلجة تعهن، ثم على العبابيد، قال ابن هشام: و يقال العبابيب، و يقال العثيانة. قال ابن هشام: ثم أجاز بهما الفاجّة و يقال القاحة، فيما قال ابن هشام، ثم هبط بهما العرج و قد أبطأ عليهما بعض ظهرهم، فحمل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) رجل من أسلم يقال له أوس بن حجر على جمل، و قيل يقال له ابن الرداء، و في نسخة ابن الرداح إلى المدينة، و بعث معه غلاما له يقال له مسعود بن هنيدة، ثم خرج بهما دليلهما من العرج فسلك بهما ثنية العائر عن يمين ركوبة، و يقال ثنية الغائر فيما قال ابن هشام، حتى هبط بهما على بطن رئم ثم قدم بهما قباء على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين حين اشتد الضحى و كادت الشمس تعتدل، كما سيجي‏ء. و اتفق في سيرة قصة سراقة عارضهم يوم الثلاثاء بتعديد ذكره ابن سعد كما سيجي‏ء.

قال أبو بكر: فأدلجنا- يعني من الغار- فأحثثنا يومنا و ليلتنا حتى أظهرنا، و قام قائم الظهيرة فضربت ببصري هل أرى ظلا نأوي إليه، فإذا أنا بصخرة، فأهويت إليها، فإذا بقبة ظلها مديد، فدخلت إليها فسويته لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و فرشت فروه و قلت: اضطجع يا رسول. فاضطجع، ثم خرجت أنظر هل أرى أحدا من الطلب، فإذا أنا براعي غنم لرجل من قريش كنت أعرفه، فحلب شيئا من اللبن، ثم أتيت به رسول اللّه فشرب حتى رضيت.

و في المواهب اللدنية: و اجتاز (صلى الله عليه و سلم) في وجهه ذلك بعبد يرعى غنما، فكان من شأنه ما رويناه من طريق البيهقي بسنده، عن قيس بن النعمان قال: فلما انطلق النبي (صلى الله عليه و سلم) و أبو بكر مستخفيين مرا بعبد يرعى غنما، فاستسقياه اللبن، فقال: ما عندي شاه تحلب، غير أن هاهنا عناقا حملت أوّل، و ما بقي لها لبن. فقال: ادع بها. فاعتقلها (صلى الله عليه و سلم)، و مسح ضرعها و دعى حتى أنزلت. و جاء أبو بكر بمجن فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: باللّه من أنت؟ فو اللّه ما رأيت مثلك. فقال: أو تراك تكتم عليّ حتى أخبرك؟ قال:

نعم. قال: فإني محمد رسول اللّه. قال: فأنت الذي تزعم قريش أنه صابئ؟

قال: إنهم ليقولون ذلك. قال: فأشهد أنك نبي، و أن ما جئت به حق، و أنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، و أنا متبعك. قال: إنك لن تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا.

406

و أورد في المواهب اللدنية قصة العبد الراعي بعد قصة أم معبد.

قال أبو بكر: ثم قلت: آن الرحيل، فارتحلنا و القوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن مالك بن جعشم. فقلت: يا رسول اللّه، هذا الطلب قد لحقنا. قال: لا تحزن إن اللّه معنا. حتى إذا دنا منا و كان بيننا و بينه قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة فقلت: يا رسول اللّه هذا الطلب قد لحقنا و بكيت، قال: لم تبكي؟ قلت: أما و اللّه ما على نفسي أبكي، و لكني أبكي عليك. فدعا عليه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال: اللهم اكفناه بما شئت. فساخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صلد، فوثب عنها و قال: يا محمد قد علمت أن هذا عملك، فادع اللّه أن ينجيني مما أنا فيه، فو اللّه لأعمين على من ورائي من الطلب، و هذه كنانتي فخذ منها سهما فإنك ستمر بإبلي و غنمي في موضع كذا و كذا، فخذ منها حاجتك.

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): لا حاجة لي بها. فأطلق، فرجع إلى أصحابه و جعل لا يلقى أحدا إلا قال: كفيته ما هاهنا، و لا يلقى أحدا إلا رده كذا في المنتقى.

و في رواية: دعا عليه فقال: اللهم اصرعه. فصرعت فرسه، ثم قامت تحمحم. و في مزيل الخفاء اسم هذه الفرسة العود. و قيل كانت أنثى.

و في سيرة مغلطاي: فلما راحوا من قديد تعرض لهما سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي.

و في المواهب اللدنية: ثم تعرض لهما بقديد سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي.

و في رواية عن سراقة أنه قال: جاءنا رسل قريش أنهم جعلوا في رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبي بكر دية، في كل واحد منهما مائة إبل لمن قتله أو أسره. فبينا أنا جالس في مجلس من مجالس قومي أقبل رجل حتى قام علينا، فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أظنها محمدا و أصحابه.

و في سيرة ابن هشام قال: و اللّه لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا علي آنفا، إني لأراهم محمدا و أصحابه. قال: فأومأت إليه بعيني أن اسكت. قال سراقة:

فعرفت أنهم هم، فقلت: إنهم ليسوا بهم، و لكنك رأيت فلانا و فلانا و فلانا انطلقوا بأعيننا. ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، و هي من وراء أكمة فتحبسها علي، و أخذت رمحي فخرجت به‏

407

من ظهر البيت، فخططت برحة الأرض و خفضت عالية الرمح حتى أتيت فرسي.

و في سيرة ابن هشام: قال سراقة: و كنت أرجو أن أرده على قريش و آخذ المائة. قال: فركبتها فدفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم، فعثرت بي، فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره، فركبت فرسي و عصيت الأزلام، و لم أزل أجد في الطلب تقرب بي حتى سمعت قراءة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو لا يلتفت، و أبو بكر كثير الإلتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة ظهر لأثر يديها غبار ساطع إلى السماء مثل الدخان.

و في سيرة ابن هشام: كالإعصار، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديت بالأمان، فوقفوا. فركبت فرسي حتى جئتهم، و وقع في نفسي حين لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر محمد (صلى الله عليه و سلم). فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، فأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، و عرضت عليهم الزاد و المتاع، فلم يرزآني و لم يسألاني شيئا، إلا أن قال: أخف عنا. فسألت أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم ثم مضى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). كذا في المنتقى.

و في سيرة ابن هشام: قال ابن إسحاق، قال سراقة: عرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع مني و أنه ظاهر. قال: فناديت القوم فقلت: أنا سراقة بن جعشم انظروني أكلمكم، فو اللّه لا أريبكم و لا يأتيكم مني شي‏ء تكرهونه. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لأبي بكر: قل له: ما تبتغي منا؟ قال: فقال لي ذلك أبو بكر، فقلت:

تكتب لي كتابا يكون آية بيني و بينكم. قال: اكتب له يا أبا بكر. قال: فكتب لي كتابا في عظم أو في رقعة أو في خرقة، ثم ألقاه إليّ فأخذته فجعلته في كنانتي، ثم رجعت فسكت فلم أذكر شيئا مما كان، حتى إذا كان فتح مكة على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و فرغ من حنين و الطائف خرجت و معي الكتاب لألقاه. فلقيته بالجعرانة.

قال: فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار، فجعلوا يقرعونني بالرماح و يقولون: إليك إليك ما تريد؟ قال: فدنوت من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو على‏

408

ناقته، و اللّه لكأنني أنظر إلى ساقه في غرزه، فكأنما جمّارة. قال: فرفعت يدي بالكتاب، ثم قلت: يا رسول اللّه هذا كتابك لي، أنا سراقة بن جعشم. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): يوم وفاء وبر، أدن مني. قال: فدنوت منه و أسلمت.

و أورد في المواهب اللدنية قصة سراقة بعد قصة أم معبد. روي أن أبا جهل لما سمع قصة سراقة أنشأ هذين البيتين و بعث بهما إليه:

بني مدلج إني أخاف سفيهكم‏* * * سراقة يستغوي بنصر محمد

عليكم به أن لا يفرق جمعكم‏* * * فيصبح شتى بعد عز و سؤدد

و سراقة أيضا أنشا هذين البيتين و بعث بهما إلى أبي جهل:

أبا حكم و اللات إن كنت شاهدا* * * لأمر جوادي إذ تسيح قوائمه‏

عجبت و لم تشكك بأن محمدا* * * نبي ببرهان فمن ذا يكاتمه؟

و في الاكتفاء: و سراقة بن مالك هذا الذي أظهر اللّه فيه أثرا من الآثار الشاهدة له عليه الصلاة و السلام بأن اللّه أطلعه من الغيب في حياته على ما ظهر مصداقه بعد وفاته. و ذلك أنه روى سفيان بن عيينة، عن أبي موسى، عن الحسن أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال لسراقة بن مالك: كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟

قال: فلما أتى عمر بسواري كسرى و منطقته و تاجه دعا سراقة بن مالك فألبسه إياهما. و كان سراقة رجلا أزب كثير شعر الساعدين. فقال له: ارفع يديك، فقل: اللّه أكبر، الحمد للّه الذي سلبهما كسرى بن هرمز الذي كان يقول: أنا رب الناس، و ألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم أعرابيا من بني مدلج. و رفع عمر بها صوته.

[قصتهما مع أم معبد]

و مما وقع لهم في الطريق مرورهم بخيمتي أم معبد عاتكة بنت خالد الخزاعية.

و في المشكاة أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لما خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة هو و أبو بكر و مولى أبي بكر عامر بن فهيرة و دليلهما عبد اللّه الليثي مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية انتهى. و كانت بقديد. و في معجم ما استعجم: من قديد إلى المشلل ثلاثة أميال بينهما خيمتي أم معبد.

409

و في خلاصة الوفاء: قديد- كزبير- قرية جامعة بطريق مكة، كثيرة المياه.

و كانت أم معبد امرأة برزة جلدة، تحتبي بفناء الخيمة تسقي و تطعم. فسألوها تمرا و لحما ليشتروا منها. فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك. و كان القوم مرملين مسنتين، فقال: و اللّه لو كان عندنا ما أعوزتكم القرى. فنظر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى الشاة في كسر الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك. قال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: نعم بأبي أنت و أمي، إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فدعا بها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فمسح بيده المباركة ضرعها و سمى اللّه عز و جل، و دعا لها في شاتها فتفاجت عليه و درت و اجترت، و دعا بإناء يربض الرهط فحلب ثجّا حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت و سقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) آخرهم، ثم أراضوا، ثم حلب ثانيا بعد بدء حتى امتلأ الإناء، ثم غادروه عندها، ثم بايعها و ارتحلوا عنها. كذا ذكره البغوي في شرح السنة و ابن عبد البر في الاستيعاب.

و قال ابن الجوزي في الوفاء: قال لها: هات قدحا فجاءت بقدح فحلب فيه حتى امتلأ، فأمر أبا بكر أن يشرب فقال أبو بكر: بل أنت اشرب يا رسول اللّه.

قال: ساقي القوم آخرهم شربا. فشرب أبو بكر، ثم حلب فشرب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم حلب فشربت أم معبد، ثم حلب فقال: ارفعي هذا لأبي معبد إذا جاءك. ثم ركبوا و ساروا، و قل ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا، يتساوكن هزالا مخّهن قليل. فلما رأى أبو معبد اللبن عجب، و قال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد، و الشاء عازب حيال لا حلوب بالبيت. قالت: لا و اللّه، إلا أنه مر بنا رجل مبارك، من حاله كذا و كذا. قال: صفيه لي يا أم معبد. قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه تجلة، و في رواية نحلة و لم تزريه صعلة، و في رواية صقلة، و سيم قسيم، في عينيه دعج، و في أشفاره عطف، و في صوته صحل، و في عنقه سطع، و في لحيته كثاثة، أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار، و إن تكلم سما و علاه البهاء، أجمل الناس و أبهاه من بعيد، و أحسنه و أعلاه من قريب، حلو المنطق، فصل، لا نزر و لا هذر، كأن منطقه خرزات نظمن يتحدرن، ربعة لا تشنؤه من طول و لا تقتحمه العين من قصر، غصن بين غصنين، و هو أنضر الثلاثة منظرا و أحسنهم قدرا، له‏

410

رفقاء يحفونه، إن قال أنصتوا لقوله، و إن أمر تبادروا لأمره، محفود محشود، لا عابس و لا مفند.

قال أبو معبد: هذا و اللّه صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، و لقد هممت أن أصحبه، و لأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا. ثم هاجرت هي و زوجها فأسلما. و كان أهلها يؤرخون بيوم الرجل المبارك. كذا في شرح السنة لمحيي السنة.

و في خلاصة الوفاء: خرج أبو معبد في أثرهم ليسلم، فيقال أدركهم ببطن ريم فبايعوه و انصرف.

(قوله): تفاجت أي: فتحت ما بين رجليها. (قوله): يربض الرهط أي يرويهم. (قوله): البهاء هو لمعان رغوة اللبن (قوله): يتساوكن أي: يسرن سيرا ضعيفا، (قوله): عازب أي: بعيدة عن المرعى، و حيال جمع حائل، و هي غير الحامل، (قوله): تجلة أي: عظم بطن، (و قوله): نحلة أي نحول و دقة جسم، أي: ليس سمينا مفرطا و لا نحيلا مفرطا، (قوله): صعلة هي صغر الرأس، (قوله):

عطف أي: طول. (قوله): صحل هو كالبحة، (قوله): محفود أي: مخدوم، (و قوله): محشود أي: له حشد أي: جماعة، (قوله): و لا مفند أي: ليس كثير اللوم على من وقع منه ذنب.

و في الصفوة: قال عبد الملك: فبغلنا أن أم معبد هاجرت إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) و أسلمت.

قال رزين: أقامت قريش أياما ما يدرون أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى أيّ جهة توجه، و أي طريق سلك، حتى سمعوا بعد ذهابهما من مكة بأيام في صباح هاتفا أقبل من أسفل مكة بأبيات، و يغني بغناء العرب عاليا بين السماء و الأرض، و الناس يسمعون الصوت و يتبعونه و لا يدرون صاحبه حتى خرج من أعلا مكة و هو يقول:

جزى اللّه رب الناس خير جزائه‏* * * رفيقين حلا خيمتي أم معبد

هما نزلا بالهدى ثم اهتدت به‏* * * فقد فاز من أمسى رفيق محمد

ما حملت من ناقة فوق رحلها* * * أبر و أوفى ذمة من محمد

فيا لقصي ما زوى اللّه عنكم‏* * * به من فعال لا تجارى و سؤدد

411

ليهن بني كعب مكان فتاتهم‏* * * و معقدها للمؤمنين بمرصد

سلوا أختكم عن شاتها و إنائها* * * فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد

دعاها بشاة حائل فتحلبت‏* * * عليه صريحا ضرة الشاة مزبد

فغادرها رهنا لديها لحالب‏* * * يرددها في مصدر ثم مورد

و قيل: سمعوا هاتفا على أبي قبيس بصوت جهوري يقول هذه الأبيات. و لما سمع حسان بن ثابت قال في جوابه هذه الأبيات:

لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم‏* * * و قدس من يسري إليه و يغتدي‏

ترحل عن قوم فزالت عقولهم‏* * * و حل على قوم بنور مجدد

هداهم به بعد الضلالة ربهم‏* * * و أرشدهم، من يتبع الحق يرشد

و هل يستوى ضلال قوم تسفهوا* * * عمايتهم، هاد به كل يهتدون مهتد

لقد نزلت منه على أهل يثرب‏* * * ركاب هدى حلت عليهم بأسعد

نبي يرى ما لا يرى الناس حوله‏* * * و يتلو كتاب اللّه في كل مشهد

و إن قال في يوم مقالة غائب‏* * * فتصديقها في اليوم أو في ضحى غد

ليهن أبا بكر سعادة جده‏* * * بصحبته من يسعد اللّه يسعد

و في رواية عن أم معبد أنها قالت: طلعت علينا أربعة على راحلتين فنزلوا بي، فجئت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بشاة أريد ذبحها فإذا هي ذات در، فأدنيتها منه، فلمس ضرعها و قال: لا تذبحيها. فأرسلتها و جئت بأخرى، فذبحتها و طبختها لهم، فأكل هو و أصحابه و ملأت سفرتهم منها ما وسعت، و بقي عندنا لحمها أو أكثر، و بقيت الشاة التي لمس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ضرعها عندنا إلى زمان عمر، و هي السنة الثامنة عشر من الهجرة، و كنا نحلبها صبوحا و غبوقا و ما في الأرض لبن.

و روى الزمخشري في ربيع الأبرار عن هند بنت الجون: نزل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) خيمة خالتها أم معبد، فقام من رقدته فدعا بماء فغسل يديه، ثم تمضمض و مج في عوسجة إلى جانب الخيمة، فأصبحنا و هي كأعظم دوحة، و جاءت بتمر كأعظم ما يكون في لون الورس و رائحة العنبر و طعم الشهد، ما أكل منها جائع إلا شبع، و لا ظمآن إلا روي، و لا سقيم إلا برئ، و لا أكل من ورقها بعير و لا شاة إلا درّ لبنها، فكنا نسميها المباركة، و ينتابنا من البوادي من يستشفي بها و يتزود منها، حتى أصبحنا ذات يوم و قد تساقط ثمرها و صفر ورقها، ففزعنا. فما راعنا إلا نعي‏

412

رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ثم إنها بعد ثلاثين سنة أصبحت ذات شوك من أسفلها إلى أعلاها، و تساقط ثمرها، و ذهبت نضرتها، فما شعرنا إلا بقتل أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه، فما أثمرت بعد ذلك. و كنا ننتفع بورقها ثم أصبحنا و إذا بها قد نبع من ساقها دم غبيط و قد ذبل ورقها، فبينا نحن فزعون مهمومون إذ أتانا خبر مقتل الحسين بن علي، و بيست الشجرة على إثر ذلك، و ذهبت. و العجب كيف لم يشتهر أمر هذه الشجرة كما شهر أمر الشاة في قصة هي أعلى القصص.

و مما وقع لهم في الطريق أنه أقبل النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى المدينة، و هو مردف أبا بكر و هو شيخ يعرف، و النبي (صلى الله عليه و سلم) شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا بين يديك؟ فيقول: هذا الذي يهديني السبيل. فيحسب السائل أنه يعني به الطريق، و إنما يعني سبيل الخير.

و في نهاية ابن الأثير، لقيهما في الهجرة رجل بكراع، فقال: من أنتم؟ فقال أبو بكر: باغ و هاد عرّض ببناء الإبل، أي طلبه و هداية الطريق، و هو يريد طلب الدين و الهداية من الضلالة.

و مما وقع لهم في الطريق أنه لقيهم بريدة بن الخصيب الأسلمي. و في الوفاء روى ابن الجوزي في شرف المصطفى، من طريق البيهقي موصلا إلى بريدة، أنه لما جعلت قريش مائة من الإبل لمن أخذ النبي (صلى الله عليه و سلم)، و يرده عليهم حين توجه إلى المدينة، سمع بريدة بذلك، فحمله الطمع على الخروج لقصده (صلى الله عليه و سلم). فركب في سبعين من أهل بيته من بني سهم فتلقى رسول اللّه، و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لا يتطير، و كان يتفاءل، فقال: من أنت؟ فقال: أنا بريدة بن الخصيب. فالتفت النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر برد أمرنا و صلح. ثم قال: ممن أنت؟

قال: من أسلم. قال (صلى الله عليه و سلم): سلمنا. قال: ممن: من بني سهم. قال: خرج سهمك يا أبا بكر. فقال بريدة للنبي (صلى الله عليه و سلم): من أنت؟ قال: أنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب رسول اللّه. فقال بريدة: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا عبده و رسوله. فأسلم بريدة و أسلم من كان معه جميعا. قال بريدة: الحمد للّه أسلم بنو سهم طائعين غير مكرهين. فلما أصبح قال بريدة: يا رسول اللّه لا تدخل المدينة إلا معك لواء، فحل عمامته، ثم شدها في رمح، ثم مشى بين يديه حتى دخلوا المدينة فقال: يا نبي اللّه ننزل على من؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إن ناقتي هذه مأمورة أين تنزل. كذا في شرف المصطفى لابن الجوزي.

413

استقبال أهل المدينة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت:

سمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من مكة، فكانوا يفدون كل غداة إلى الحرة فينتظرون حتى يردهم حر الظهيرة.

قال ابن إسحاق: و ذلك في أيام حارة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم، أوفى رجل من اليهود على أطم من الآطام لأمر ينظر إليه، فبصر برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، و في رواية يا بني قيلة، يعني الأنصار، هذا جدكم، يعني، يعني حظكم، و في رواية: صاحبكم الذي تنتظرونه.

و في رواية: بعث النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى الأنصار من يخبرهم بقدومه، كما سيجي‏ء.

فثأر المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين نحو قباء، حتى نزل أعلا المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، و هم أهل قباء.

و في الوفاء: قباء معدود من العالية و كان حكمته التفاؤل له و لدينه بالعلو، و ذلك يوم الاثنين من ربيع الأول نهارا عند الأكثر.

و في سيرة أبي محمد عبد الملك بن هشام، عن زياد بن عبد اللّه البكائي، عن بن إسحاق المطلبي، قال: قدم علينا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المدينة يوم الاثنين حين اشتد الضحى، و كادت الشمس تعتدل لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، و هو التاريخ فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ابن ثلاث و خمسين سنة، و ذلك بعد أن بعثه اللّه بثلاث عشرة سنة.

و في أسد الغابة: كان مقامه بمكة عشر سنين، و قيل: ثلاث عشرة سنة، و قيل: خمس عشرة سنة، و الأكثر ثلاث عشرة سنة.

و قال ابن الكلبي: خرج من الغار أول ربيع الأول، و قدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت منه يوم الجمعة.

و في المنتقى: تنازع القوم أيهم ينزل عليه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أنزل الليلة على بني النجار أخوال عبد المطلب لأكرمهم بذلك، فلما أصبح غدا حيث أمر.

414

و في الوفاء روى رزين عن أنس، قال: كنت إذ قدم رسول اللّه المدينة ابن تسع سنين، فأسمع الغلمان و الولائد يقولون: جاء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فنذهب فلا نرى شيئا، حتى جاء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبو بكر، فمكثنا في خرب في طرف المدينة.

و في رواية: فنزلا جانب الحرة، فأرسلا رجلا من أهل البادية يؤذن بهما الأنصار، فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار حتى انتهوا إليهما.

و في خلاصة الوفاء: فنزل في بني عمرو بن عوف بقباء على كلثوم ابن الهدم، و كان يومئذ مشركا، و به جزم ابن زبالة. و لرزين: نزل في ظل نخلة، ثم انتقل إلى دار كلثوم أخي بني عمرو بن عوف. و في رواية: نزل على سعد بن خيثمة.

وجه الجمع بين الروايتين، أن يقال إنه كان نزل على كلثوم بن الهدم، و لكن عينوا له مسكنا في دار سعد بن خيثمة يكون للناس فيه، و ذلك لأن سعد كان عزبا لا أهل له، و يسمى منزل العزباء.

قال المطري: و بيت سعد بن خيثمة، أحد الدور التي قبلي مسجد قباء، و هي التي تلي المسجد في قبلته، يدخلها الناس إذا زاروا مسجد قباء و يصلون فيها.

و هناك أيضا دار كلثوم بن الهدم، و في تلك العرصة كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) نازلا قبل خروجه إلى المدينة، و كذلك أهله و أهل أبي بكر حين قدموا بعد خروج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من مكة و هن: سودة، و عائشة، و أمها أم رومان، و أختها أسماء و هي حامل بعبد اللّه بن الزبير فولدته بقباء قبل نزولهم المدينة، انتهى. و نزل أبو بكر بالسنح على حبيب بن إساف، أحد بني الحارث بن الخزرج. و قيل: على خارجة بن زيد بن أبي زهير. روى مجمع بن يعقوب، عن أبيه، و عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش، عن عبد الرحمن بن زيد بن حارثة، قالا: نزل النبي (صلى الله عليه و سلم) بظهر حرتنا، ثم ركب فأناخ على غدق عند بئر غرس، قبل أن تبزغ الشمس. (قوله):

عند بئر غرس الظاهر أنه تصحيف، و لعله بئر غدق، لبعد بئر غرس عن منزله (صلى الله عليه و سلم) بقباء بخلاف بئر غدق. قيل: كان أول ما سمع من النبي (صلى الله عليه و سلم): أفشوا السلام، و أطعموا الطعام، و صلوا الأرحام، و صلوا بالليل و الناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام. و أكثر أهل السير على أن ذلك اليوم كان يوم الاثنين و شذ من قال يوم الجمعة من ربيع الأول في الضحوة الكبرى قريبا من نصف النهار.

و في نسخة طاهر بن يحيى، أن قدومه كان قبل أن تبزغ الشمس. و ما يعرف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من أبي بكر عليهما ثياب بيض متشابهة، فجعل الناس يقفون‏

415

عليهم حتى بزغت الشمس من ناحية أطمهم، الذي يقال له شنف، فأمهل أبو بكر ساعة، ثم قام فستر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بردائه، فعرف القوم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

قال محمد بن معاذ: قلت لمجمع بن يعقوب، إن الناس يرون أنه جاء بعد ما ارتفع النهار و أحرقتهم الشمس. قال مجمع: هكذا أخبرني أبي و سعيد بن عبد الرحمن، يريد أنهما قالا: ما بزغت الشمس إلا و هو في منزله (صلى الله عليه و سلم).

و في مسلم: أن قدومهم كان ليلا، و الذي قاله الأكثر نهارا.

و في الصفوة، قال ابن إسحاق: دخلها حين ارتفع الضحى و كادت الشمس تعتدل. كما مر في قول ابن هشام، حيث قال: و هو التاريخ. و في الصحيح أنهم لما قدموا جلس النبي (صلى الله عليه و سلم) تحت شجرة صامتا، و قام أبو بكر لأمر الناس، أي يتلقاهم، فطفق من جاء من الأنصار، ممن لم يكن رأى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يحيي أبا بكر و يرحبه، يحسب أنه النبي (صلى الله عليه و سلم)، حتى أصابت الشمس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول اللّه.

تاريخ الهجرة

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و اختلفوا في أن يوم نزوله أي يوم من الشهر، فبعضهم على أنه أول الشهر على ما روى موسى بن عقبة، عن ابن شهاب. و قيل: لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول و نحوه، عن أبي معشر لكن قال: ليلة الاثنين، و مثله عن ابن البرقي. و ثبت ذلك في أواخر صحيح مسلم.

و قيل: لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، حكاه ابن الجوزي في شرف المصطفى، عن الزهري فقال: قال الزهري: قدم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. و به جزم النووي، و كذا ابن النجار.

و في شرف المصطفى لابن الجوزي، عن ابن عباس: ولد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم الاثنين، و استنبئ يوم الاثنين، و رفع الحجر يوم الاثنين، و خرج مهاجرا يوم الاثنين، و قدم المدينة يوم الاثنين، و قبض يوم الاثنين.

و في روضة الأقشهري، قال ابن الكلبي: خرج من الغار يوم الاثنين، أول يوم من ربيع الأول، و قدم المدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت منه. قال أبو عمرو: و هو قول ابن إسحاق، إلا في تسمية اليوم. و عن أبي بكر بن حزم:

416

لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. و يجمع بين هذا و بين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال. و نقل ابن زبالة، عن ابن شهاب: أن نزوله على بني عمرو بن عوف كان في النصف من ربيع الأول. و قيل: كان قدومه في سابعه. و لما نزل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبو بكر و عامر ابن فهيرة على كلثوم، قال لمولى له: يا نجيح أطعمنا رطبا. فلما سمع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) اسم نجيح التفت إلى أبي بكر و قال: أنجحت أو أنجحنا؟ فأتوا بقنو من أم جردان فيه رطب منصف و فيه زهو، فقال: ما هذا؟ فقال: غدق أم جردان. فقال (صلى الله عليه و سلم): اللهم بارك في أم جردان.

و اختلف في أنه (صلى الله عليه و سلم) كم يوما أقام في بني عمرو بن عوف، فعن قوم من بني عمرو بن عوف أنه قام فيهم اثنين و عشرين يوما. حكاه ابن زبالة.

و في البخاري من حديث أنس: أقام فيهم أربع عشرة ليلة و هو المراد بما في رواية عائشة بقولها بضع عشرة ليلة. و قال موسى بن عقبة: ثلاثا. و قال عروة:

ثلاث ليال، الثلاثاء و الأربعاء و الخميس، كما جزم به ابن حيان. و قال ابن إسحاق: أقام فيهم خمسا. و في ذخائر العقبي: لم يقيم إلا ليلة أو ليلتين. قال الحافظ ابن حجر: أنس ليس من بني عمرو بن عوف، فإنه من الخزرج، و قد جزم بأربع عشرة ليلة، فهو أولى بالقبول. و أمر النبي (صلى الله عليه و سلم) بالتاريخ فكتب من حين الهجرة في ربيع الأول، رواه الحاكم في الإكليل. قال ابن الجزار: و تعرف بعام الإذن، و هو معضل و المشهور أن ذلك كان في خلافة عمر، و أن عمر قال:

الهجرة فرقت بين الحق و الباطل فأرخ بها و ابتدأ من المحرم بعد إشارة علي و عثمان بذلك. و أفاد السهيلي أن الصحابة أخذوا التاريخ بالهجرة من قوله تعالى:

لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ‏.

و في الاستيعاب: و من مقدمه إلى المدينة أرخ التاريخ في زمان عمر، و أقام علي بمكة بعد مخرجه، (عليه السلام)، ثلاث ليال و أيامها، حتى أدى للناس ودائعهم التي كانت عند النبي (صلى الله عليه و سلم) و خلفه لردها. ثم خرج فلحق النبي (صلى الله عليه و سلم) بقباء فنزل على كلثوم بن الهدم، و إنما كانت إقامة علي بقباء مع النبي ليلة أو ليلتين.

و في روضة الأحباب: و كان علي يسير بالليل و يختفي بالنهار، و قد نقبت قدماه فمسحهما النبي (صلى الله عليه و سلم) و دعا له بالشفاء فبرئتا في الحال، و ما اشتكاهما بعد اليوم قط.

417

و في الوفاء: و كان لكلثوم بن الهدم بقباء مربد، و المربد الموضع الذي يبسط فيه التمر لييبس، فأخذه منه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فأسسه و بناه مسجدا، كما رواه ابن زبالة و غيره.

و في الصحيح عن عروة: فلبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، و أسس المسجد الذي أسس على التقوى.

و في رواية عبد الرزاق، قال: الذين بني فيهم المسجد الذي أسس على التقوى هم بنو عمرو بن عوف. و كذا في حديث ابن عباس، عن ابن عائذ و لفظه، و مكث في بني عمرو بن عوف ثلاث ليال، و اتخذ مكانه مسجدا و كان يصلي فيه، ثم بناه عمرو بن عوف، فهو المسجد الذي أسس على التقوى. و روى ابن أبي شيبة، عن جابر، قال: لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم علينا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) سنتين نعمر المساجد، و نقيم الصلاة، و لذا قيل: المتقدمون في الهجرة من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و الأنصار بقباء قد بنوا مسجدا يصلون فيه، يعني هذا المسجد.

فلما هاجر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و ورد قباء صلى بهم فيه إلى بيت المقدس و لم يحدث فيه شيئا، أي في مبدأ الأمر لأن ابن أبي شيبة روى ذلك، ثم روى أنه (صلى الله عليه و سلم) بنى مسجد قباء و قدم القبلة إلى موضعها اليوم، و قال: جبريل يؤم بي البيت.

و قد اختلف في المراد بقوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ‏. فالجمهور على أن المراد به مسجد قباء، و لا ينافيه قوله (صلى الله عليه و سلم): لمسجد المدينة هو مسجدكم هذا، إذ كل منهما أسس على التقوى.

و في الكبير عن جابر بن سمرة، قال: لما سأل أهل قباء النبي (صلى الله عليه و سلم) أن يبني لهم مسجدا، قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): ليقم بعضكم فليركب الناقة، فقام أبو بكر فركبها فحركها فلم تنبعث، فرجع فقعد فقام عمر فركبها فلم تنبعث، فرجع فقعد.

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): ليقم بعضكم فيركب الناقة، فقام علي، فلما وضع رجله في غرز الركاب و ثبت به، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): ارخ زمامها و ابتنوا على مدارها فإنها مأمورة.

و روى الطبري عن جابر، قال: لما قدم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المدينة، قال لأصحابه: انطلقوا إلى أهل قباء نسلم عليهم، فرحبوا به، ثم قال: يا أهل قباء ائتوني بأحجار من الحرة. فجمعت عنده أحجار كثيرة و معه عنزة فخط قبلتهم فأخذ حجرا فوضعه ثم قال: يا أبا بكر خذ حجرا فضعه إلى جنب حجري. ثم‏

418

قال: يا عمر خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر أبي بكر ثم قال: يا عثمان خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر عمر. كأنه أشار إلى ترتيب الخلافة كما سيجي‏ء في بناء مسجد المدينة. ثم التفت إلى الناس فقال: وضع رجل حجره حيث أحب على ذلك الخط.

و روى الترمذي، عن أسيد بن ظهير، عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: الصلاة في مسجد قباء كعمرة. و عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت: سمعت أبي يقول: لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل. و ورد في الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يزور قباء، أو يأتي قباء راكبا أو ماشيا. و عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: من صلى فيه كان كعدل عمرة.

و عن سهل بن حنيف قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة. أخرجه ابن ماجة. و عن عمرو بن شيبة بسند جيد و رواه أحمد و الحاكم و قال صحيح الإسناد. و للبخاري و النسائي أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان يأتي مسجد قباء كل سبت راكبا أو ماشيا، و كان عبد اللّه يفعله.

و روى ابن زبالة: أن النبي (صلى الله عليه و سلم) صلى إلى الأسطوانة الثالثة في مسجد قباء التي في في الرحبة. و عن سعيد بن عبد الرحمن قال: كان المسجد في موضع الأسطوانة المخلفة الخارجة في رحبة المسجد.

قال ابن رقيش: حدثني نافع أن ابن عمر كان إذا جاء مسجد قباء، صلى إلى الأسطوانة المخلفة، يقصد بذلك مسجد النبي (صلى الله عليه و سلم) الأول.

و روى ابن زبالة، عن عبد الملك بن بكير، عن ابن أبي ليلى، عن أبيه: أن رسول اللّه صلى في مسجد قباء إلى الأسطوانة الثالثة في الرحبة إذا دخلت من الباب الذي بفناء دار سعد بن أبي خيثمة.

قلت: الباب المذكور هو المسدود اليوم يظهر رسمه من خارج المسجد في جهة المغرب، و كان شارعا في الرواق الذي يلي الرحبة من السقف القبلي، فالاسطوانة الثالثة في الرحبة، هي الاسطوانة التي عندها اليوم محراب في رحبة المسجد لانطباق الوصف المذكور عليها، فهي المرادة بقول الواقدي: كان المسجد

419

في موضع الاسطوانة المخلفة الخارجة في رحبة المسجد، و هي التي كان ابن عمر يصلي إليها. ذكر ذلك كله في الوفاء.

انظر: صورة رقم 17، مسجد قباء. و صورة رقم 18، محراب مسجد قباء

انتقاله (صلى الله عليه و سلم) من قباء إلى داخل المدينة

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: في الصحيح عن أنس بعد ما ذكر من إقامته ببني عمرو ابن عوف، ثم أرسل إلى بني النجار فجاؤوا متقلدين السيوف و كانوا أخواله، يعني أخوال جده عبد المطلب.

و في رواية: فجاؤوا فسلموا على النبي (صلى الله عليه و سلم) و على أبي بكر و قالوا: اركبا آمنين مطاعين. فركب يوم الجمعة حتى نزل جانب دار أبي أيوب، و سيجي‏ء أنه (صلى الله عليه و سلم) لما شخص أي خرج من قباء، اجتمعت بنو عمرو بن عوف فقالوا: أخرجت ملالا منا، أم تريد دارا خيرا من دارنا؟ قال: إني أمرت بقرية تأكل القرى فخلوها، أي ناقته، فإنها مأمورة، حتى أدركته الجمعة في بني سالم فصلاها في بطن الوادي، وادي ذي صلت.

و في سيرة ابن هشام، عن إسحاق، وادي رانونا. و في غيره كانوا أربعين، و قيل مئة. و كانت هذه أول جمعة جمعها في الإسلام حين قدم المدينة و خطب يومئذ خطبة بليغة و هي أول خطبة في الإسلام. و قيل: إنه كان يصلي الجمعة في مسجد قباء في إقامته هناك، و اللّه أعلم.

(ذكر تلك الخطبة) روي عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، أنه بلغه عن خطبة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في أول جمعة صلاها في المدينة في بني سالم بن عوف: الحمد للّه أحمده و أستعينه و أستغفره و أستهديه و أؤمن به و لا أكفره، و أعادي من يكفره، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، أرسله بالهدى و النور و الموعظة على فترة من الرسل و قلة من العلم و ضلالة من الناس، و انقطاع من الزمان و دنو من الساعة، و قرب من الأجل، من يطع اللّه و رسوله فقد رشد، و من يعصي اللّه و رسوله فقد غوى و فرط و ضل ضلالا بعيدا، أوصيكم بتقوى اللّه، فإن خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، و أن يأمره بتقوى اللّه، فاحذروا ما حذركم اللّه من نفسه، و لا أفضل من ذلك ذكر، و أن تقوى اللّه لمن عمل به على وجل و مخافة من ربه عون صدق‏

420

على ما تبغون من أمر الآخرة، و من يصلح الذي بينه و بين اللّه من أمره في السر و العلانية لا ينوي بذلك إلا وجه اللّه، يكن له ذكرا في عاجل أمره و ذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم و ما كان سوى ذلك يود لو أن بينها و بينه أمدا بعيدا، و يحذركم اللّه نفسه و اللّه رؤف بالعباد، و الذي صدق قوله و أنجز وعده لا خلف لذلك فإنه يقول: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، فاتقوا اللّه في عاجل أمركم و آجله في السر و العلانية فإن من يتق اللّه يكفر عنه سيئاته و يعظم له أجرا و من يتق اللّه فقد فاز فوزا عظيما، و أن تقوى اللّه توقي مقته و عقوبته و سخطه و تبيض الوجوه و ترضي الرب و ترفع الدرجة، خذوا بحظكم و لا تفرطوا في جنب اللّه فقد علمكم اللّه كتابه و نهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا و ليعلم الكاذبين فأحسنوا كما أحسن اللّه إليكم، و عادوا أعداءه و جاهدوا في اللّه حق جهاده، هو اجتباكم و سماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينة و يحيى من حيّ عن بينة، و لا قوة إلا باللّه، و أكثروا ذكر اللّه و اعلموا أنه خير من الدنيا و ما فيها، و اعملوا لما بعد الموت فإنه من يصلح ما بينه و بين اللّه يكفه اللّه ما بينه و بين الناس، ذلك بأن اللّه يقضي الحق على الناس و لا يقضون عليه، و يملك من الناس و لا يملكون عليه، و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

كذا أوردها في المنتقى و في خلاصة الوفاء. و ليحيى عن عمارة بن خزيمة أنه (صلى الله عليه و سلم) دعا براحلته يوم الجمعة و حشد المسلمون و لبسوا السلاح و ركب (صلى الله عليه و سلم) ناقته القصوى و الناس عن يمينه و شماله و خلفه، منهم الماشي و الراكب. فاعترضت الأنصار فما يمر بدار إلا قالوا: هلم إلى العز و المنعة و الثروة، فيقول لهم خيرا، و يدعو فيقول: إنها مأمورة خلوا سبيلها. فمر ببني سالم فقام إليه عتبان بن مالك و نوفل بن عبد اللّه بن مالك العجلاني و هو آخذ بزمام راحلته يقول: يا رسول اللّه انزل فينا، فإن فينا العدد و العدة و الحلقة و نحن أصحاب الفضاء و الحدائق و الدرك، يا رسول اللّه كان الرجل من العرب يدخل هذه البحرة خائفا فيلجأ إلينا فنقول له: قل حيث شئت. فجعل يتبسم و يقول: خلوا سبيلها فإنها مأمورة. و قام إليه عبادة بن الصامت و عباس بن الصامت بن نضلة بن عجلان فجعلا يقولان: يا رسول اللّه انزل فينا. فيقول: إنها مأمورة. ثم أخذ عن يمين الطريق، حتى جاء بني الحبلى و أراد أن ينزل على عبد اللّه بن أبي بن سلول، فلما رآه و هو عند مزاحم، أي الأطم، محتبسا قال: اذهب إلى الذين دعوك فانزل عليهم. فقال سعد بن عبادة: لا تجد يا رسول اللّه في نفسك من قوله، فقد قدمت علينا و الخزرج‏

421

تريد أن تملكه عليها، و لكن هذه داري فمر ببني ساعدة. فقال له سعد بن عبادة و المنذر بن عمرو و أبو دجانة: هلم يا رسول اللّه إلى العز و الثروة و القوة و الجلد.

و سعد يقول: يا رسول اللّه ليس في قومي أكثر عزقا مني مع الثروة و الجلد و العدد و الحلقة. فيقول (صلى الله عليه و سلم): بارك اللّه عليكم. و يقول: يا أبا ثابت خل سبيلها فإنها مأمورة. فمضى و اعترضه سعد بن الربيع و عبد اللّه بن رواحة و بشير بن سعد، أي من بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا رسول اللّه، لا تجاوزنا فإنا أهل عدد و ثروة و حلقة. فقال: بارك اللّه فيكم، خلوا سبيلها فإنها مأمورة. و اعترضه زياد بن لبيد و فروة بن عمرو، أي من بني بياضة يقولان: يا رسول اللّه، هلم إلى المواساة و العز و الثروة و العدد و القوة، نحن أهل الدرك. فقال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة.

ثم مر ببني عدي بن النجار، و هم أخواله، فقام إليه أبو سليط و صرمة بن أبي أنيس في قومهما فقالا: يا رسول اللّه، نحن أخوالك هلم إلى العدد و المنعة و القوة مع القرابة، لا تجاوزنا إلى غيرنا، ليس لأحد من قومنا أولى بك منا لقرابتنا لك فقال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة. أو يقال: أول الأنصار اعترضه بنو بياضة ثم بنو سالم، ثم مال إلى ابن أبي ثم مر على بني عدي بن النجار، حتى انتهى إلى بني مالك بن النجار. و لابن إسحاق: اعترض بني سالم أولا، ثم وازت راحلته بني بياضة و اعترضوه، ثم وازت دار الحارث كذلك، ثم مرت بدار بني عدي و هم أخواله، لأن سلمى بنت عمرو إحدى بني عدي بن النجار كانت أم جده عبد المطلب، و بنو مالك بن النجار إخوتهم، و منزله (صلى الله عليه و سلم) بدار بني غنم منهم.

و جاء في رواية: أن القوم لما تنازعوا أنه (صلى الله عليه و سلم) على أيهم ينزل و كل منهم على أن يكون داره له المنزل، قال: إني أنزل على أخوال عبد المطلب و أكرمهم بذلك.

قيل يشبه أن يكون هذا في أول قدومه من مكة قبل نزوله قباء، لا في قدومه باطن المدينة.

و عن أنس أنه (صلى الله عليه و سلم) قال: دعوا الناقة فإنها مأمورة. فبركت على باب أبي أيوب.

و في سيرة مغلطاي: نزل برحله على أبي أيوب لكونه من أخوال عبد المطلب.

و عند البعض: أن الناقة استناخت به أولا، فجاءه ناس فقالوا: المنزل يا رسول اللّه. فقال: دعوها. فانبعثت حتى استناخت عند موضع المنبر من المسجد، ثم‏

422

تحلحلت فنزل عنها، فأتاه أبو أيوب فقال: منزلي أقرب المنازل، فائذن لي أن أنقل رحلك. قال: نعم. فنقل رحله و أناخ الناقة في منزله.

و قال الواقدي: أخذ أسعد بن زرارة بزمامها فكانت عنده.

و عن مالك بن أنس: أن الناقة، لما أتت موضع المسجد، بركت و هو عليها، و أخذه (صلى الله عليه و سلم) الذي كان يأخذه عند الوحى، ثم ثارت من غير أن تزجر، و سارت غير بعيد، ثم التفتت فعادت إلى المكان الذي بركت فيه أول مرة، فبركت فيه فسري عنه، فأمر أن بحط رحله.

و في رواية: كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على راحلته و أبو بكر ردفه و ملأ من بني النجار حوله حتى ألقي بفناء أبي أيوب، و هو موضع مسجده اليوم، و هو يومئذ مربد للتمر لغلامين يتيمين من بني النجار كانا في حجر معاذ بن عفراء، أو أبي أيوب أو أسعد بن زرارة، و الأخير هو الأصح، اسمهما سهل و سهيل ابنا عمرو ابن عمارة.

و في رواية رافع بن عمرو: فبركت عند باب المسجد فلم ينزل عنها النبي (صلى الله عليه و سلم) ثم انبعثت و سارت غير بعيد و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مرخ لها زمامها، ثم التفتت خلفها ثم رجعت إلى مبركها الأول و بركت فيه، و وضعت جرانها على الأرض و نزل عنها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قال: هذا إن شاء اللّه المنزل. فاحتمل أبو أيوب رحله و وضعه في بيته بعدما استأذنه (صلى الله عليه و سلم) فدعته الأنصار إلى النزول عليهم فقال (صلى الله عليه و سلم): المرء مع رحله.

و في الوفاء: فنزل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال: أي الدور أقرب؟ فقال أبو أيوب:

داري، هذا بابي و قد حططنا رحلك فيها. فقال: المرء مع رحله. فمضت مثلا، فنزل علي أبي أيوب خالد بن زيد، و سأل عن المربد فقال معاذ: هو ليتيمين لي و سأرضيهما. فاشتراه النبي (صلى الله عليه و سلم).

و في شرف المصطفى: لما بركت الناقة على باب أبي أيوب، خرج جوار من بني النجار يضربن بالدف و يقلن:

نحن جوار من بني النجار* * * يا حبذا محمد من جار

فقال النبي عليه الصلاة و السلام: أتحببنني؟ قلنا: نعم يا رسول اللّه. فقال:

و اللّه و أنا أحبكن. قالها ثلاثا. و في رواية: يعلم اللّه أني أحبكن.

423

و في رواية الطبري في الصغير، فقال (عليه السلام): اللّه يعلم أن قلبي يحبكن.

و في المواهب اللدنية: فرح أهل المدينة بقدومه، عليه الصلاة و السلام، و أشرقت المدينة بحلوله فيها و سرى السرور إلى القلوب.

قال أنس بن مالك: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول اللّه عليه الصلاة و السلام المدينة أضاء منها كل شي‏ء، و لما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شي‏ء. رواه ابن ماجة. قال رزين: صعدت ذوات الخدور على الأجاجير، يعني السطوح، عند قدومه (صلى الله عليه و سلم) يقلن.

و في الرياض النضرة: لما قدم النبي (صلى الله عليه و سلم) المدينة جعل الصبيان و النساء و الولائد يقولون:

طلع البدر علينا* * * من ثنيات الوداع‏

وجب الشكر علينا* * * ما دعا للّه داعي‏

و في رواية:

أيها المبعوث فينا* * * جئت بالأمر المطاع‏

قال الطبري: تفرق الغلمان و الخدم في الطرق ينادون: جاء محمد، جاء رسول اللّه. و في الرياض النضرة: خرج أهل المدينة حتى أن العواتق لفوق البيوت يقلن: أيهم هو، أيهم هو.

و في خلاصة الوفاء: ثنية الوداع، بفتح الواو، معروف شآمي المدينة خلف سوقها القديمة، بين مسجد الراية و مشهد النفس الزكية قرب سلع.

و قال عياض: هي موضع بالمدينة بطريق مكة. و قيل واد بمكة، و الأول أصح.

و في المواهب اللدنية: أنشئ هذا الشعر عند قدومه. رواه البيهقي في الدلائل، و أبو الحسن بن مقري في كتاب الشمائل له، عن ابن عائشة. و ذكره الطبري في الرياض النضرة عن الفضل بن الجمحي قال: سمعت ابن عائشة يقول أراه عن أبيه، فذكر و قال. خرجه الحلواني على شرط الشيخين. و سميت ثنية الوداع، لأن المسافر من المدينة كان يشيع إليها و يودع عندها قديما.

424

و صحح القاضي عياض هذا، و استدل عليه بقول نساء الأنصار حين قدم، عليه الصلاة و السلام- طلع البدر علينا- من ثنيات الوداع. فدل على أنه اسم قديم.

و قال شيخ الإسلام، الولي ابن العراقي: ففي صحيح البخاري، و سنن أبي داود، و الترمذي، عن السائب بن يزيد قال: لما قدم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من تبوك خرج الناس يتلقونه من ثنية الوداع. قال: و هذا صريح بأنها من جهة الشام.

و قال ابن القيم في الهدى النبوي: هذا و هم من بعض الرواة، فإن ثنية الوداع إنما هي من جهة الشام، لا يراها القادم من مكة و لا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام، و إنما وقع ذلك عند قدومه من تبوك، انتهى. لكن، قال زين الدين العراقي: يحتمل أن تكون الثنية التي من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها ثنية الوداع، انتهى.

قال مؤلف الكتاب: يشبه أن يكون هذا هو الحق، و يؤيده جمع الثنيات، إذ لو كان المراد بها الموضع الذي هو من جهة الشأم، لم يجمع، و لا مانع من تعدد وقوع هذا الشعر، مرة عند قومه، عليه الصلاة و السلام، من مكة، و مرة عند قدومه من تبوك، فلا ينافي ما في صحيح البخاري و غيره، و لا ما قاله ابن القيم عن جابر، أنه كان لا يدخل أحد المدينة إلا من ثنية الوداع، فإن لم يعشر بها مات قبل أن يخرج، فإذا وقف على الثنية قيل قد ودع، فسميت ثنية الوداع، حتى قدم عروة بن الورد فلم يعشر ثم دخل فقال: يا معشر يهود ما لكم و للتعشير. قالوا: لا يدخلها أحد من غير أهلها فلم يعشر بها إلا مات، و لا يدخلها أحد من ثنية الوداع إلا قتله الهزال. فلما ترك عروة التعشير تركه الناس و دخلوا من كل ناحية. كذا في الوفاء.

و عن أنس: لما قدم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، لعبت الحبشة بحرابهم فرحا بقدومه (صلى الله عليه و سلم).

425

[نزوله (صلى الله عليه و سلم) في دار أبي أيوب الأنصاري‏] رضي اللّه تعالى عنه‏

و لابن إسحاق عن أبي أيوب الأنصاري: لما نزل عليّ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في بيتي نزل في السفل، و أنا و أم أيوب في العلو فقلت: يا نبي اللّه، بأبي أنت و أمي، إني أكره و أعظم أن أكون فوقك و تكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو و ننزل نحن و نكون في السفل. فقال: يا أبا أيوب، إن الأرفق بنا و بمن يغشانا أن نكون في سفل البيت. قال: فكان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في سفله و كنا فوقه في المسكن فلقد انكسر حبّ لنا فيه ماء، فقمت أنا و أم أيوب بقطيفة لنا، ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفا أن يقطر على رأس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) منه شي‏ء فيؤذيه. و ذكر غيره أن أبا أيوب لم يزل يتضرع للنبي، عليه الصلاة و السلام، حتى تحول إلى العلو و أبو أيوب في السفل.

و في الصفوة: عن أفلح، مولى أبي أيوب، أن رسول اللّه عليه الصلاة و السلام، لما نزل عليه نزل أسفل و أبو أيوب في العلو، فانتبه أبو أيوب ذات ليلة، فقال: نمشي فوق رأس رسول اللّه، عليه الصلاة و السلام، فتحول فباتوا في جانب. فلما أصبح ذكر ذلك للنبي، عليه الصلاة و السلام، فقال النبي، عليه الصلاة و السلام، الأسفل أرفق بي. فقال أبو أيوب: لا أعلو سقيفة أنت تحتها.

فتحول أبو أيوب في السفل، و النبي، عليه الصلاة و السلام، في العلو. و سيجي‏ء وفاته في الخاتمة في خلافة معاوية. و أفاد ابن سعد أن إقامته عليه الصلاة و السلام، بهذه الدار سبعة أشهر، بتقديم السين، و قيل إلى صفر من السنة الثانية.

و قال الدولابي: شهرا. كذا في سيرة مغلطاي. و قد ابتاع داره هذه و بيته المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث، من ابن أبي أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري بألف دينار فتصدق بها و هو في شرقي المسجد المقدس، ثم بيعت فاشتراها الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب بن شادي، أي عرصة دار أبي أيوب هذه، و بناها مدرسة للمذاهب الأربعة تعرف اليوم بالمدرسة الشهابية، و في إيوان قاعتها الصغرى الغربي خزانة صغيرة جدا مما يلي القبلة فيها محراب يقال إنها مبرك ناقته، عليه الصلاة و السلام.

426

قال ابن إسحاق: إن هذا البيت بناه تبّع الأول لما مر بالمدينة للنبي عليه الصلاة و السلام، ينزله إذا قدم المدينة، و ترك فيها أربعمائة عالم و كتب كتابا للنبي عليه الصلاة و السلام، و دفعه إلى كبيرهم و سأله أن يدفعه للنبي، عليه الصلاة و السلام، فتداول البيت الملاك إلى أن صار إلى أبي أيوب، و أن أبا أيوب من ذرية الحبر الذي أسلمه تبّع كتابه.

و في رواية: أرسل رسول اللّه عليه الصلاة و السلام، إلى ملأ بني النجار، فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم. قالوا: و اللّه لا نطلب ثمنه إلا من اللّه عز و جل.

و في خلاصة الوفاء: قال الغلامان: بل نهبه لك يا رسول اللّه. فأبى رسول اللّه، عليه الصلاة و السلام، أن يقبله هبة حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير ذهبا و دفعها أبو بكر الصديق.

و في رواية: أداها من مال أبي بكر و كان قد خرج من مكة بماله كله. كذا في المواهب اللدنية.

و عن النوار بنت مالك، أم زيد بن ثابت، أنها رأت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم رسول اللّه عليه الصلاة و السلام، يصلي بالناس الصلوات الخمس و يجمع بهم في مسجد بناه في مربد سهل و سهيل ابني رافع بن عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار. قالت: فأنظر إلى رسول اللّه عليه الصلاة و السلام، لما قدم صلى بهم في ذلك المسجد و بناه فهو مسجده اليوم. و نقل ابن سيد الناس، عن ابن إسحاق: أن الناقة بركت على باب مسجده، عليه الصلاة و السلام، و هو يومئذ ليتيمين من بني مالك بن النجار، في حجر معاذ بن عفراء، سهل و سهيل ابني عمرو.

انظر: صورة رقم 19، القبة الخضراء

و قال أحمد بن يحيى البلاذري: فنزل رسول اللّه عليه الصلاة و السلام، عند أبي أيوب، و وهب له الأنصار كل فضل كان في خططها. و قالوا: يا نبي اللّه، إن شئت فخذ منازلنا. فقال لهم خيرا. و كان أبو أمامة أسعد بن زرارة يجمع بمن يليه في مسجد له، فكان رسول اللّه عليه الصلاة و السلام، يصلي بهم، ثم إنه سأل أسعد أن يبيع أرضا متصلة بذلك المسجد كان في يده ليتيمين في حجره يقال‏

427

لهما سهل و سهيل ابنا رافع. انتهى كل ذلك من تاريخ الخميس. و إليك ترجمة أبي أيوب الأنصاري رضي اللّه تعالي عنه.

ترجمة أبي أيوب الأنصاري رضي اللّه عنه‏

بمناسبة نزول رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عند أبي أيوب الأنصاري، رضي اللّه عنه، حين وصوله من مكة الي المدينة، نعقد هنا فصلا لترجمته فنقول:

جاء في شرح" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" في الجزء الخامس عند حديث «يهود تعذب في قبورها» ما نصه:

و أما راوي الحديث فهو أبو أيوب الأنصاري، و هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن كعب أبو أيوب النجاري، من بني غنم بن مالك بن النجار، غلبت عليه كنيته أمه هند بنت سعد بن عمرو الأنصارية الخزرجية، شهد العقبة و بدرا و سائر المشاهد، و عليه نزل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في خروجه من بني عمرو بن عوف حين قدم المدينة مهاجرا من مكة، فلم يزل عنده حتى بنى مسجده الشريف في تلك السنة، و بنى مساكن أمهات المؤمنين، ثم انتقل (صلى الله عليه و سلم) إلى مسكنه و آخى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بينه و بين مصعب بن عمير.

و أخرج ابن عبد البر في الاستيعاب بإسناده إلى أبي رهم السماعي أن أبا أيوب الأنصاري حدثه قال: نزل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في بيتنا الأسفل و كنت في الغرفة، فأهريق ماء في الغرفة فقمت أنا و أم أيوب بقطيفة نتتبع الماء شفقة أن يخلص إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فنزلت إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) و أنا مشفق، فقلت: يا رسول اللّه، إنه ليس ينبغي أن نكون فوقك، انتقل إلى الغرفة. فأمر النبي (صلى الله عليه و سلم) بمتاعه أن ينقل، و متاعه قليل. و ذكر تمام الحديث.

و لأبي أيوب الأنصاري من الحديث عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مائة و خمسون حديثا اتفق البخاري و مسلم على سبعة منها، و انفرد البخاري بحديث و مسلم بخمسة، و روي أيضا عن أبي بن كعب. و روى عنه البراء بن عازب، و زيد بن خالد، و المقدام بن معدي كرب، و ابن عباس، و جابر بن سمرة، و أنس، و عروة، و عطاء الليثي، و غيرهم.

428

و روي عن سعيد بن المسيب، أن أبا أيوب أخذ من لحية رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) شيئا فقال: لا يصيبك السوء يا أبا أيوب. و أخرج أبو بكر بن أبي شيبة، و ابن أبي عاصم من طريق أبي الخير، عن أبي رهم في حديث عن أبي أيوب أنه قال: قلت يا رسول اللّه كنت ترسل إلي بالطعام فأنظر فأضع أصابعي حيث أرى أثر أصابعك حتى كان هذا الطعام. قال: أجل، إن فيه بصلا، فكرهت أن آكل من أجل الملك، و أما أنتم فكلوا.

و كان أبو أيوب مع علي بن أبي طالب في حروبه كلها، ثم مات بالقسطنطينية من بلاد الروم زمن معاوية، و كانت غزاته تلك تحت راية يزيد بن معاوية، و هو كان أميرهم يومئذ، و ذلك سنة خمسين أو إحدى و خمسين، و قيل سنة اثنتين و خمسين و هو الأكثر. و قد أسند ابن عبد البر في الاستيعاب، عن أبي ظبيان، عن أشياخه أن أبا أيوب خرج غازيا في زمن معاوية، فمرض فلما ثقل قال لأصحابه: إذا أنا مت فاحملوني، فإذا صاففتم العدو فادفنوني تحت أقدامكم، ففعلوا. و لما ولى معاوية يزيد على الجيش إلى القسطنطينية جعل أبو أيوب يقول:

و ما علي إن أمر علينا شاب. فمرض في غزوته تلك، فدخل عليه يزيد يعوده فقال له: أوصني. قال: إذا مت فكفنوني ثم مر الناس أن يركبوا ثم يسيروا في أرض العدو حتى إذا لم تجدوا مساغا فادفنوني. قال: ففعلوا.

و كان أبو أيوب يقول: قال اللّه عز و جل: انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا، فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا. و نقل نحو هذا عن المقداد بن الأسود. و قال ابن القاسم، عن مالك: بلغني عن قبر أبي أيوب أن الروم يستصحون به و يستسقون و قبر أبي أيوب قرب سور القسطنطينية و هو معلوم إلى اليوم معظم يستسقون به فيسقون، و لأبي أيوب عقب.

و قيل إن يزيد بن معاوية أمر بالخيل بعد دفنه، فجعلت تدبر و تقبل على قبره، حتى عفى أثر قبره، روي هذا عن مجاهد. و قيل إن الروم قالت للمسلمين في صبيحة دفنهم لأبي أيوب: لقد كان لكم الليلة شأن. فقالوا: هذا رجل من أكابر أصحاب نبينا (صلى الله عليه و سلم) و أقدمهم إسلاما، و قد دفناه حيث رأيتم، و اللّه لئن نبش لأضرب لكم ناقوس في أرض العرب ما كانت لنا مملكة. روي هذا المعنى، عن مجاهد. و قال مجاهد أيضا: كانوا إذا أمحلوا كشفوا عن قبره فمطروا، رضي اللّه عنه و أرضاه، و مناقبه جمة، و قد وقفت على تأليف لبعض علماء عصرنا فيه.

429

انتهى من كتاب زاد المسلم.

إتيان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى مسجد قباء و فضل الصلاة فيه‏

قال في شرح زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم: قباء بضم القاف ممدودا و قد يقصر، و يذكر على أنه اسم موضع فيصرف، و على أنه اسم بقعة يؤنث و لا يصرف، و الأشهر مده و صرفه و تذكيره. انتهى.

ورد في الصحيحين و اللفظ للبخاري «كان النبي (صلى الله عليه و سلم)، يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيا و راكبا، و كان عبد اللّه بن عمر يفعله» رواه عبد اللّه ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما.

و لننقل مما ورد في ذلك نبذة من الأحاديث من كتاب" وفاء الوفا" للسمهودي، (رحمه اللّه تعالى)، فقد جاء فيه:

روينا في الصحيحين عن ابن عمر، رضي اللّه تعالى عنهما، قال: «كان النبي (صلى الله عليه و سلم) يزور قباء- أو يأتي قباء- راكبا و ماشيا».

زاد في رواية لهما: «فيصلي فيه ركعتين».

و روى ابن شبة، عن سعيد بن عمرو بن سليم مرسلا: «أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يطرح له على حمار أنبجاني لكل سبت ثم يركب إلى قباء».

و رواه ابن زبالة بنحوه- و زاد-: «و يمشي حوله أصحابه».

و عن محمد بن المنكدر مرسلا قال: «كان النبي (صلى الله عليه و سلم) يأتي قباء صبيحة سبع عشرة من رمضان».

و في كتاب رزين، عن ابن المنكدر قال: أدركت الناس يأتون مسجد قباء صبيحة سبع عشرة من رمضان.

و روى ابن شبة، عن شريك بن عبد اللّه بن أبي نمر مرسلا: «أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يأتي قباء يوم الاثنين».

و عن أبي غزية قال: كان عمر بن الخطاب، رضي اللّه تعالى عنه، يأتي قباء يوم الاثنين و يوم الخميس، فجاء يوما من تلك الأيام فلم يجد فيه أحدا من أهله،

430

فقال: و الذي نفسي بيده، لقد رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبا بكر في أصحابه ننقل حجارته على بطوننا، يؤسسه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بيده ... الخ.

و روى ابن زبالة، عن زيد بن أسلم قال: الحمد للّه الذي قرب منا مسجد قباء، و لو كان بأفق من الآفاق لضربنا إليه أكباد الإبل.

و قال ابن النجار: كان النبي (صلى الله عليه و سلم) نزل بقباء في منزل كلثوم بن الهدم، و أخذ مربده فأسسه مسجدا و صلى فيه، و لم يزل ذلك المسجد يزوره (صلى الله عليه و سلم) و يصلي فيه أهل قباء، فلما توفي (صلى الله عليه و سلم) لم تزل الصحابة تزوره و تعظمه.

انتهى ما تقدم باختصار من كتاب وفاء الوفا.

جاء في شرح" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" عند حديث:

«كان النبي (صلى الله عليه و سلم) يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيا و راكبا ... الخ» ما ملخصه:

و مسجد قباء بينه و بين المدينة المنورة ثلاثة أميال أو ميلان، و هو أول مسجد بناه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و كان يحمل الحجارة بنفسه الشريفة إعانة للعملة على بنائه.

و قال جماعة من السلف، منهم ابن عباس: إنه المسجد المؤسس على التقوى، و هو مسجد بني عمرو بن عوف، و قد سمي باسم بئر هناك، و في وسطه مبرك ناقة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و في صحنه مما يلي القبلة شبه محراب، هو أول موضع ركع فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) هناك.

ثم قال: و في هذا الحديث فضل مسجد قباء و فضل الصلاة فيه اقتداء بالنبي (صلى الله عليه و سلم) و كذلك فيه استحباب أن يكون ذلك في يوم السبت، ثم قال: و لا يخفى أن المسجد الأقصى و مسجد قباء أفضل من سائر المساجد غير المسجد الحرام و مسجد المدينة المنورة. انتهى من الكتاب المذكور.

و مما ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء، ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقاص، قال: لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل.

و روى النسائي حديث سهل بن حنيف مرفوعا: «من خرج حتى يأتي مسجد قباء فيصلي فيه، كان له عدل عمرة». و عند الترمذي من حديث أسيد بن حضير، رضي اللّه تعالى عنه، رفعه: «الصلاة في مسجد قباء كعمرة». قال‏

431

شيخنا مؤلف زاد المسلم (رحمه اللّه تعالى) عند هذا الحديث: لكنه لم يثبت فيه تضعيف كالمساجد الثلاثة. ا ه.

و أخرج ابن ماجة و عمر بن شبة بسند جيد عن سهل بن حنيف، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة». رواه أحمد و الحاكم و قال: صحيح الإسناد.

و قال عمر بن شبة: حدثنا سويد بن سعيد، قال: حدثنا أيوب بن صيام، عن سعيد بن الرقيش الأسدي، قال: جاءنا أنيس بن مالك إلى مسجد قباء فصلى ركعتين إلى بعض هذه السواري، ثم سلم و جلس و جلسنا حوله، فقال:

سبحان اللّه ما أعظم حق هذا المسجد، لو كان على مسيرة شهر كان أهلا أن يؤتى، من خرج من بيته يريده معتمدا إليه ليصلي فيه أربع ركعات، أقلبه اللّه بأجر عمرة.

نقول: كيف لا يكون حق مسجد قباء عظيما، و هو المسجد الذي أسس على التقوى، و قد بناه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و كان يحمل الحجارة بنفسه الكريمة لبنائه.

و الحقيقة أن ناحية قباء من أنفس نواحي المدينة المنورة و أجملها.

إن هذه الناحية تشرح الصدر، و تبسط النفس و تسر الناظرين، تمتد في أطرافها كلها البساتين و الزروع، و الثمار، مع وفرة المياه العذبة الصافية، و الجو البديع اللطيف، و المنظر الساحر الخلاب.

و ما أحلى قول القائل:

إذا كنت في أرض العوالي تشوقت‏* * * لأرض" قبا" نفسي و فيها المؤمل‏

و إن كنت فيها قالت النفس ليت لي‏* * * بأرض العوالي يا خليلي منزل‏

فيا ليت أني كنت شخصين فيهما* * * و يا ليت في التحقيق أن لا تعلل‏

اللهم صل و سلم على محمد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم و على آل إبراهيم، و بارك على محمد و على آل محمد، كما باركت على إبراهيم و على آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

432

أحكام الهجرة

جاء في الصحيحين، أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: «لا هجرة بعد الفتح و لكن جهاد و نية و إذا استنفرتم فانفروا ... الخ».

و جاء فيهما: «مضت الهجرة لأهلها أبايعه على الإسلام و الجهاد (يعني أخا مجاشع). و سبب هذا الحديث كما في الصحيحين من راوية مجاشع رضي اللّه عنه، قال: انطلقت بأبي معبد إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) ليبايعه على الهجرة، قال: مضت الهجرة لأهلها أبايعه على الإسلام و الجهاد». ا ه. بلفظ البخاري.

و جاء فيهما أيضا أنه (صلى الله عليه و سلم) قال لأعرابي سأله عن الهجرة: «و يحك إن شأن الهجرة شديد. فهل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: فهل تؤدي صدقتها؟ قال:

نعم. قال: فاعمل من وراء البحار، فإن اللّه لن يترك من عملك شيئا». رواه البخاري و مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه.

و معنى: لن يترك، بفتح الياء و كسر التاء و نصب الراء و فتح كاف الخطاب، أي لن ينقصك من ثواب عملك شيئا، و في رواية: لم يترك بالجازم بدل الناصب و سكون الراء للجزم.

قال شيخنا العلامة المحدث الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي (رحمه اللّه تعالى)، في شرحه على كتابه" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" في الجزء الخامس عند حديث: «و يحك إن شأن الهجرة شديد» الخ ما ملخصه:

(تنبيهات) تتعلق بالهجرة و أحكامها، و ما هو حكم تاركها؟ و التفصيل بين من تركها اختيارا و بين من تركها عجزا و اضطرارا.

" التنبيه الأول": تجب الهجرة على كل من كان مقيما ببلاد الكفر و لا يقدر على إظهار الدين، فيجب عليه أن يهاجر إلى دار الإسلام، لأن من خاف على دينه وجبت عليه الهجرة من موضعه و ترك أبويه و أولاده كما فعل المهاجرون رضي اللّه تعالى عنهم. كما نص عليه القرطبي و نقله الأبّي في شرح صحيح مسلم في أول كتاب البر و الصلة، و نص عليه غيره من سائر فقهاء المالكية و غيرهم، و هو ظاهر نصوص القرآن العظيم و الأحاديث الشريفة الصحيحة.

433

ثم اعلم أيها الطالب للهجرة و السائل عن حقيقتها: أن الهجرة بكسر الهاء فعلة من الهجر و هو ضد الوصل، ثم غلب ذلك على الخروج من أرض إلى أرض و ترك الأولى للثانية قاله في النهاية، فالهجرة لغة الترك لأن الهجرة إلى الشي‏ء الانتقال إليه عن غيره و في الشرع ترك ما نهى اللّه عنه، كذا قاله الحافظ ابن حجر، و قال العيني: و هي في الشرع مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة، و طلب إقامة الدين، و في الحقيقة مفارقة ما يكرهه اللّه تعالى إلى ما يحبه، و من ذلك سمي الذين تركوا توطن مكة و تحولوا إلى المدينة من الصحابة بالمهاجرين لذلك.

قال الحافظ ابن حجر: و قد وقعت في الإسلام على وجهين:

الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرة الحبشة و ابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة.

الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان و ذلك بعد أن استقر النبي (صلى الله عليه و سلم) بالمدينة و هاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين، و كانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة، إلى أن فتحت مكة، فانقطع الاختصاص و بقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيا. ا ه.

قوله: و بقي عموم الانتقال من دار الكفر الخ، أي و بقي عموم وجوب الانتقال من دار الكفر أو دار الإسلام التي جرى عليها حكم الكفر إلى بلد يسلم فيه دين المسلم من بلاد الإسلام، و يختار في آخر الزمان أقلها إثما و أحوطها لسلامة العرض و الدين و المال، ثم اعلم أن حديث المتن الذي هو: و يحك إن شأن الهجرة شديد المشعر بأن المسلم إذا كان يؤدي فرض اللّه تعالى في ماله و نفسه، لا بأس بعدم هجرته لقوله، عليه الصلاة و السلام: فاعمل من وراء البحار الخ، فحاله فيمن لم يكن تحت حكم عدو الدين، أما من كان تحت سلطة الكفرة بحيث يخاف على دينه و أهله و ماله كما هو مشاهد اليوم فيمن بقي تحت حكمهم، فإن الهجرة لا تزال واجبة عليه إلى قيام الساعة، و لا حجة له في حديث: لا هجرة بعد الفتح، لما قررناه سابقا عند حديث: مضت الهجرة لأهلها، المذكور في حرف الميم في الجزء الثالث، من أن معنى: لا هجرة بعد الفتح، أي لا هجرة واجبة من مكة إلى المدينة، لأن مكة صارت دار إسلام بالفتح لانتفاء على الكفر الموجبة للهجرة منها، و هكذا الحكم في كل بلد كان عليه حكم الكفر ثم زال عنه،

434

لقوله (صلى الله عليه و سلم) للأعرابي الذي سأله عنها: و يحك إن شأن الهجرة شديد، الخ. أي فلا تجب عليك ما دمت غير جار عليك حكم أهل الكفر، و من ذلك المعنى أيضا عدم أمره (صلى الله عليه و سلم) الوفود عليه قبل الفتح بأن يهاجروا، فقد تبين بما قررناه معنى حديث: لا هجرة بعد الفتح، و موضوع حديث: و يحك إن شأن الهجرة شديد.

قال الإمام النووي: و أما الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، فقال العلماء إنها واجبة إلى قيام الساعة، و تأولوا هذا الحديث بأن الهجرة المهمة المطلوبة التي يمتاز بها أهلها امتيازا ظاهرا انقطعت بفتح مكة و مضت لأهلها، أو أن معنى: لا هجرة، لا هجرة من مكة لأنها صارت دار إسلام. انتهى كلامه، و هو موافق لما ذكرناه لك آنفا. قال القرطبي: و على هذا فلا يجوز لمسلم دخول بلد الكفر لتجر أو غيره، إلا لضرورة في الدين كالداخل لفداء مسلم: و قد أبطل مالك شهادة من دخل دار الحرب للتجارة. ا ه.

و مما يوضح لك أن محل حديث: لا هجرة بعد الفتح، و حديث: و يحك إن شأن الهجرة شديد، حيث لم يكن المسلم تحت حكم الكفر، و أما إن كان تحته، و خاف على دينه و أهله و ماله، فلا يزال وجوب الهجرة باقيا عليه: ما رواه البخاري: أن عبيد بن عمرو سأل عائشة، رضي اللّه عنها، عن الهجرة، فقالت:

لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى اللّه و إلى رسوله مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر اللّه الإسلام، و المؤمن يعبد ربه حيث شاء و لكن جهاد و نية، ا ه. فقولها: فأما اليوم فقد أظهر اللّه الإسلام الخ، دال على أن موضوع الحديثين المذكورين حيث كان المسلم مقيما تحت حكم الإسلام، و مما هو بمعنى الحديثين المذكورين في أن المسلم ما دام متمكنا من إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة و غير ذلك من أمور دينه، مما لا يتأتى غالبا لمن كان تحت حكم الكفر. ما رواه الإمام أحمد من حديث عبد اللّه بن عمرو ابن العاص، قال: جاء أعرابي فقال: يا رسول اللّه أين الهجرة إليك حيث كنت، أم إلى أرض معلومة، أم لقوم خاصة، أم إذا مت انقطعت؟ قال: فسكت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ساعة، ثم قال: أين السائل عن الهجرة؟ قال: ها أنا ذا يا رسول اللّه. قال: إذا أقمت الصلاة و آتيت الزكاة فأنت مهاجر و إن مت بالحضرمة. قال: يعني أرضا باليمامة. و في رواية له:

الهجرة، أن تهجر الفواحش ما ظهر منها و ما بطن، و تقيم الصلاة، و تؤتي الزكاة، ثم أنت مهاجر و إن مت بالحضرمة، ا ه. و فيه دليل على أن بلاد

435

الحضرمة من أخس البلاد لمبالغته بها، و هو دليل للنهي عن سكناها اختيارا كما هو واضح.

(التنبيه الثاني): قد علمت مما بسطناه في التنبيه الأول، أن الهجرة لا تزال واجبة من كل بلد تجري عليه أحكام الكفرة بحيث لا يتمكن المسلم فيه من إقامة دينه، و مما يدل على ذلك، ما رواه أبو داوود و النسائي من حديث معاوية، رضي اللّه عنه، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، و لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها. و ما رواه أحمد في مسنده أيضا من حديث عبد الرحمن بن عوف، و معاوية، و عبد اللّه بن عمرو بن العاص، رضي اللّه عنهم، أن النبي عليه الصلاة و السلام، قال: الهجرة خصلتان إحداهما تهجر السيئات، و الأخرى تهاجر إلى اللّه و إلى رسوله، و لا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة، و لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه و كفي الناس العمل. و روى أحمد من حديث ابن السعدي مرفوعا: لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل. و روى أحمد أيضا من حديث جنادة بن أبي أمية مرفوعا: إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد. و أخرج البغوي و غيره من طريق الوليد بن سليمان، عن بسر بن عبيد اللّه، عن ابن محيريز، عن عبد اللّه بن السعدي، عن محمد بن حبيب، قال: أتينا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقلنا: يا رسول اللّه، إن رجالا يقولون قد انقطعت الهجرة، فقال: لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار. قال البغوي، رواه غير واحد عن ابن محيريز، عن عبد اللّه بن السعدي، و أن النسائي أخرجه من طريق أبي إدريس، عن عبد اللّه بن السعدي ليس فيه محمد بن حبيب ا ه. من ترجمة محمد بن حبيب النصري في الجزء الثالث من الإصابة. و أخرج نحوه أبو حاتم، و ابن حبان من طريق عبد اللّه بن محيريز، عن عبد اللّه بن السعدي و لفظه، عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو، و قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أنا بري‏ء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين.

قالوا: يا رسول اللّه و لم؟ قال: لا تترائى ناراهما، أخرجه الترمذي من رواية جرير بن عبد اللّه في باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين، و أخرجه أيضا أبو داود من روايته في باب على ما يقاتل المشركون من سننه، و أخرج أبو داود في آخر كتاب الجهاد من سننه عن سمرة بن جندب، قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

من جامع المشرك و سكن معه فإنه مثله، و أخرجه الترمذي في سننه من رواية سمرة بن جندب معلقا، و روى النسائي من طريق بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه،

436

عن جده مرفوعا: لا يقبل اللّه من مشرك عملا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين، و من حديث أخرجه الطبراني عن أبي هريرة: جاهدوا تغنموا و هاجروا تفلحوا.

إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على دوام وجوب الهجرة و أنها لا تنقطع حتى تنقطع التوبة.

أما الآيات القرآنية الدالة على تحريم مساكنة أعداء الدين، و البقاء تحت حكمهم فهي كثيرة، جمع منها صاحب المعيار جملة وافرة، و هي شديدة جدا على القاطنين من المسلمين تحت حكم الكفرة مع قدرتهم على الهجرة عنهم، و لكثرتها، مع العلم بها، لم أتعرض لنقلها في هذا التنبيه و اكتفيت بتخريج الأحاديث الواردة في وجوب الهجرة، و لو أردت نقل الآيات الدالة على ذلك لكان ذكرها قبل الأحاديث أولى، قال صاحب المعيار بعد ذكرها و ذكر جملة من الأحاديث في هذا المعنى: فتتعاضد هذه النصوص القرآنية و الأحاديث النبوية و الإجماعات القطعية على هذا النهي، فلا تجد في تحريم هذه الإقامة و هذه الموالاة الكفرانية مخالفا عن أهل القبلة المتمسكين بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فهو تحريم مقطوع به من الدين، كتحريم الميتة و الدم و لحم الخنزير و قتل النفس بغير حق، و أخواته من الكليات الخمس التي أطبق أرباب الملل و الأديان على تحريمها، و من خالف الآن في ذلك، أو رام الخلاف من المقيمين معهم و الراكنين إليهم، فجوز هذه الإقامة و استخف أمرها و استسهل حكمها، فهو مارق من الدين و مفارق لجماعة المسلمين، و محجوج بما لا مدفع فيه لمسلم، و مسبوق بالإجماع الذي لا سبيل إلى مخالفته و خرق سبيله. ا ه كلام صاحب المعيار، الذي قال فيه ابن الإمام غازي: هو جبل من علم يمشي على وجه الأرض.

و قد روى أشهب عن مالك: لا يقيم أحد في موضع يعمل فيه بغير الحق، و قال أبو الوليد بن رشد في أول كتاب التجارة من مقدماته: فرض الهجرة غير ساقط بل الهجرة باقية لازمة إلى يوم القيامة، و قد كره مالك (رحمه اللّه) أن يسكن أحد ببلدة يسب فيها السلف، فكيف ببلد يكفر فيه بالرحمن، و تعبد فيه من دونه الأوثان، لا تستقر نفس أحد مسلم على هذا إلا مسلم مريض الإيمان. ا ه.

(التنبيه الثالث): لا يشترط شرعا في صحة الهجرة بعد وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن تكون إلى المدينة المنورة خاصة، بل تعتبر شرعا و يعتد بحصولها و أداء فرضها من‏

437

المسلم المهاجر عن بلد لم يتمكن فيه من إقامة دينه، أو بلد تسب فيه الصحابة، رضي اللّه عنهم، و من باب أحرى بلد يسب فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أو يحتقر فيه و لا يعظم، لأن تعظيمه واجب بالكتاب و السنة و إجماع الأمة كما بسطناه في غير هذا الموضع، و إن كان الأولى في الهجرة و الأكمل أن تكون إلى المدينة المنورة مهما وجد المهاجر إلى ذلك سبيلا.

أما من لم يجد إليه سبيلا، فليس في استيطانه غيرها نقص في هجرته شرعا، و لا يعد بذلك كمن ترك المدينة رغبة عنها، بل يثبت له أجر القاطن بها، إن حبسه عذر شرعي عن دوام سكناها مع عزمه على ذلك مهما أمكنه، لما رواه البخاري في صحيحه في باب نزول النبي (صلى الله عليه و سلم) الحجر من رواية أنس بن مالك، رضي اللّه عنه، أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: إن بالمدينة أقواما، ما سرتم مسيرا و لا قطعتم واديا إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول اللّه و هم بالمدينة. قال: و هم بالمدينة حبسهم العذر ا ه. فقوله: حبسهم العذر، تعليل لكون اللّه تعالى أثبت لهم أجر المجاهدين و لو لم يسيروا معهم بأبدانهم فقد بلغت بهم نيتهم و عزمهم مبلغ أولئك المجاهدين السائرين له بأبدانهم، و هم على فرشهم في بيوتهم، و هذا الحديث أصل عظيم في كون نية المؤمن كعمله، لا سيما إن كانت مع العزم الأكيد، و هو دليل أيضا، لأن كل من نوى خيرا و غلب عنه بعذر محقق كمرض و نحوه ثبت له أجر ذلك الخير الذي عزم عليه، كما أشار له صاحب روضة النسرين بقوله:

و من نوى الخير لكن قد غلب‏* * * عنه فأجر ما نوى له جلب‏

كغفلة و سفر و مرض‏* * * و كبر و غير ذا من عرض‏

و قولي: أو بلد تسب فيه الصحابة الخ، أشرت به إلى ما صرح به الحطاب في أول فصل صلاة السفر بقوله: و كذلك يجب الهروب من بلد يسمع فيها سب الصحابة، (رضوان اللّه عليهم أجمعين)، و لو كان مكة المكرمة و المدينة ا ه.

و قولي: و لا يعد بذلك كمن ترك المدينة رغبة عنها الخ، يؤيده ما ذكره السيوطي في حاشيته المسماة بتنوير الحوالك على موطأ الإمام مالك، في باب ما جاء في سكنى المدينة و الخروج منها، عند حديث: لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها اللّه خيرا منه، فقد قال هنا ما نصه عن ابن عبد البر، و الحديث عندي خاص بحياته (صلى الله عليه و سلم) و أما بعده فقد خرج منها جماعة من أصحابه و لم تعوض‏

438

المدينة بخير منهم، و قال الباجي: و المراد يخرج رغبة عن ثواب الساكن فيها، و أما من خرج لضرورة شدة زمان أو فتنة، فليس ممن يخرج رغبة عنها، قال: و المراد به من كان مستوطنا بها فرغب في استيطان غيرها، و أما من كان مستوطنا غيرها فقدمها للقربة و رجع إلى وطنه، أو كان مستوطنا بها فخرج مسافرا لحاجته، فليس بخارج منها رغبة عنها، قال: و الإبدال إما بقدوم خير منه من غيرها، أو مولود يولد فيها، ا ه. بلفظه. نسأل اللّه تبارك و تعالى أن يردنا لها آمنين و يرزقنا بها الشهادة و الموت على الإيمان بجوار شفيع المذنبين، عليه و على آله و أصحابه الصلاة و السلام، و أن يجعلنا في جواره فيها و في الفردوس دار السلام و الإكرام.

(التنبيه الرابع): قد تحرر مما أسلفناه في التنبيهات المذكورة أنه لا خلاف في وجوب الهجرة على غير المعذور بالاستضعاف المنصوص عليه في القرآن بقوله تعالى: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا* فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَ كانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً.

و أن غير المعذور بالاستضعاف المذكور في الآية، إن ترك الهجرة عمدا يكون عاصيا بتركها مصادما لنصوص القرآن و السنة كما تقدم، و قد أشار إليه شقيقنا و شيخنا العلامة المرحوم ذو المناقب الشيخ محمد العاقب في منظومته في أحكام الجهاد و الهجرة بقوله:

و هجرة من أرضهم ما اختلفا* * * في فرضها على امرئ ما استضعفا

و إن أباها مسلم قد أخلصا* * * فهو على إسلامه و قد عصى‏

و أما المعذور بالاستضعاف المذكور، أو بتغلب الكفرة عليه بغتة قبل أن يتمكن من الهجرة، فهو غير آثم شرعا، بشرط عزمه على الهجرة متى أمكنه فعلها بأي حيلة أمكنته شرعا، مع أن الحزم و الأحوط شرعا أن يبادر بها المعذور، فإن من تكلف و خرج مهاجرا و هو معذور شرعا يضاعف له الأجر كالأعرج و شبهه إذا تكلف في الجهاد مع سقوطه عنه بنص الكتاب العزيز، فلا يكون آثما بل يضاعف له الأجر، كما في" ضياء التأويل".

فالعاقل لا يتركها و هي في إمكانه و لو عذر شرعا، لئلا يتمكن عدو الدين من منعه منها و من إقامة دينه، و يستولي على نسائه و أبنائه و يحول بينه و بينهم بالارتداد و أخس الاستعباد، و ربما ردوه عن دينه قهرا في زمان ضعف أهل الإسلام، و للّه در أخينا الشيخ محمد العاقب المذكور، (رحمه اللّه)، حيث يقول في نصيحته لمن لم‏

439

يهاجر من قطر شنقيط في أوان هجرتنا من تلك البلاد أعادها اللّه تعالى دار إسلام، و حرس ساكنيها من الشر و الآثام:

فالسرعة السرعة قبل أن يها* * * ض العظم أو يقص ريش الأجدل‏

قبل اللحاق ينفع الفرار لا* * * من بعده فالحزم رأي العجل‏

و المهاجر في هذا الزمن الذي عم فيه استيلاء الكفرة على جميع بلاد الإسلام، لا يمكنه فعل الهجرة إلا بمحض التوكل على اللّه تعالى في أن يوفقه للهجرة إلى بلد يسلم له فيه دينه و لو على رأس جبل، فإن من توكل عليه تعالى في أي شي‏ء هداه للرشاد فيه، و النجاح لقوله تعالى: وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ‏، و غيرها من آيات التوكل عليه تعالى، فإن هذا الزمان هو الزمان المشار له بحديث: يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر من شاهق إلى شاهق، و هو المشار له بحديث الصحيح و هو قوله عليه الصلاة و السلام: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال و مواقع القطر يفر بدينه من الفتن. رواه البخاري في مواضع من صحيحه، فقد أخرجه في كتاب الإيمان، و في كتاب الرقاق، و علامات النبوة، و كتاب الفتن، و أخرجه أبو داود و النسائي أيضا، فهو زمان الفتن الذي يكون المهاجر فيه إذا بدا بعد هجرته غير ملعون و لا آثم، بل يكون فاعلا ما هو خير له في دينه، لما أخرجه الطبراني من حديث جابر بن سمرة رفعه: لعن اللّه من بدا بعد هجرته إلا في الفتنة فإن البدو خير من المقام في الفتنة.

و قد نص صاحب" المعيار" و غيره، على أن الكفر إذا عم البلاد، يختار المرء المسلم لهجرته أقل البلاد إثما، و مثّل لذلك بما يعلم بالوقوف عليه و تركنا ذكره خوف السآمة و الإفراط في التطويل، و ظواهر نصوص القرآن و الأحاديث، دالة على أن اللّه تعالى لابد أن يدبر للمهاجر أمره حتى يتم له هجرته و يوسع عليه لأنه ضمن له ذلك في قوله تعالى: وَ مَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً ... الخ. فعلينا الامتثال لأمره تعالى، و هو تعالى ضامن لتدبير أمورنا و أمننا وسعة أرزاقنا و صدورنا حيث هاجرنا في سبيله‏ وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا، و إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ‏ الآيتين.

(التنبيه الخامس): أرجى ما وقفت عليه من الأدلة لعذر المستضعفين من أهل أقطار بلاد الإسلام اليوم عن الهجرة، كقطر شنقيط المعروف عند أهل الجغرافية بالصحراء الكبرى، و بمريتان باللسان الإفرنجي، حديث المتن و حديث الإمام أحمد

440

من رواية عبد اللّه بن عمرو بن العاص المتقدم ذكره لقوله عليه الصلاة و السلام، فيه: إذا أقمت الصلاة و آتيت الزكاة فأنت مهاجر و إن مت في الحضرمة، و كذا ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد منه في باب قول اللّه تعالى:

وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ. عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: من آمن باللّه و رسوله، و أقام الصلاة، و صام رمضان، كان حقا على اللّه أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل اللّه أو جلس في أرضه التي ولد فيها. قالوا: يا رسول اللّه، أفلا ننبئ الناس بذلك؟ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها اللّه للمجاهدين في سبيله، كل درجتين بينهما كما بين السماء و الأرض، فإذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة و أعلى الجنة، و فوقه عرش الرحمن و منه تفجر أنهار الجنة ا ه.

و أخرجه أيضا في باب درجات المجاهدين في سبيل اللّه من كتاب الجهاد، و ليس في البخاري في الموضعين و آتى الزكاة، قال القسطلاني في كتاب الجهاد: فكأن الاقتصار على ما ذكر إن كان محفوظا لأنه هو المتكرر غالبا، و أما الزكاة فلا تجب إلا على من له مال بشرطه، و الحج لا يجب إلا مرة على التراضي ا ه. و هذا الحديث أخرجه الترمذي أيضا فهو مع حديث المتن.

و حديث الإمام أحمد المذكور سابقا من أرجى الأدلة الصحيحة لعذر أهل بلادنا المعروفة بالصحراء الكبرى، لعجزهم غالبا عن الهجرة بالفقر و بسرعة تغلب العدو عليهم قبل التأهب للهجرة، و إن كان ظاهر هذه الأحاديث ورودها بعد فتح مكة و هي بعد فتحها صارت دار إسلام، و كذلك غيرها من البلاد التي دخلها الإسلام في حياة رسول اللّه عليه الصلاة و السلام، أو فتحت بعده على أيدي الصحابة (رضوان اللّه عليهم).

و أما كل بلد تغلب عليه الكفرة من بلاد الإسلام و أجروا أحكامهم عليه، فلا تزال الهجرة واجبة منه إلى يوم القيامة كما تقدم، لأن الحكم يدور مع علته وجودا و عدما، و لكنا نسأل اللّه تعالى الذي سبقت رحمته غضبه، أن يمن علينا و على إخواننا الذين لم يهاجروا بالغفران و يختم لنا بأكمل الإيمان بجوار سيد بني عدنان رسولنا محمد، عليه و على آله و أصحابه الصلاة و السلام الأكملان.

(و مما يؤيد عذر من تغلب عليه العدو فجأة) و منعه من الهجرة و هو عاجز عن قتاله و عن الهجرة دون إذنه، ما حققه الجلال السيوطي في كتاب الإتقان، في‏

441

النوع السابع و الأربعين في ناسخ القرآن و منسوخه، في المسألة الرابعة من مسائل الناسخ و المنسوخ.

(و حاصل) ما حققه: أن ما أمر به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر حين الضعف و القلة بالصبر و الصفح، ثم نسخ بإيجاب القتال ليس في الحقيقة نسخا، بل هو من قسم المنسأ كما قال تعالى: أَوْ نُنْسِها، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون. و في حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، ثم ذكر أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة تقتضي ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى الحكم آخر ليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله. و قال مكي: ذكر جماعة أن ما ورد في الخطاب مشعرا بالتوقيت و الغاية، مثل قوله في البقرة: فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ‏، محكم غير منسوخ، لأنه مؤجل بأجل، و المؤجل بأجل لا نسخ فيه ا ه.

ملخصا منه مع تصرف يسير للإيضاح. فيؤخذ مما ذكره في هذا القسم من النسخ، الذي هو في الحقيقة قسم من المنسأ، أن صبر المسلمين على أذى الكفرة المحتلين لبلادهم إذا منعوهم من الهجرة، و الحال أنهم لا قدرة لهم على جهادهم لا يأثمون به، لعذرهم بالعجز و سرعة تغلب العدو عليهم بغتة قبل أن يستعدوا لجهادهم أو للهجرة عنهم، لا سيما مع اختلاف كلمتهم و تفرق آرائهم و إن كانوا مأمورين بعدم التنازع خوف الفشل، لأن التكليف بحسب الإمكان، و الإثم في مثل هذه الصورة في ترك الجهاد و الهجرة معا، إنما يتعلق بأهل الحل و العقد لا بالضعاف المغلوبين على أمرهم.

هذا ما تحرر عندي من خلاصة أحكام الهجرة في هذا الزمان الذي عم الكفر فيه جميع بلاد الإسلام إلا ما لا يذكر لضعف شأنه، و قد كنت في ابتداء هجرتنا من أوطاننا ألفت رسالة في وجوبها و سميتها" مزمل الحرج في رد ما عند من أسقط الهجرة من الحجج" تحريت فيها الحق غاية جهدي، و لم أكفر من تركها متأولا، و لم أفت بإباحة أموالهم لمن يزعم أنه مجاهد، و إن خالفني في ذلك بعض مشايخي و إخوتي، رحم اللّه الجميع و غفر لهم، ثم جربت البلاد المشرقية بعد هجرتي للحرمين الشريفين، و اختبرت أحوال سائر البلاد و أحوال المهاجرين في هذا الزمن، و المتوكل منهم كحال الصحابة في بدء هجرتهم و غير المتوكل، فزدت لذلك في رسالتي المذكورة مسائل دقيقة و فوائد نافعة، و لخصت في هذه التنبيهات‏

442

الخمسة زبدة أحكامها، و إني أسأل اللّه تعالى أن يتقبل منا هجرتنا الأولى و الثانية، و يتجاوز عن كل من لم يهاجر من المسلمين، و يختم لي و لأقاربي و أحبابي بالإيمان، بجوار رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بدار الهجرة المدينة المنورة مع امتثال السنة في هذا الزمان.

و إنما أطلت في شرح هذا الحديث لمسيس الحاجة بذلك، و اللّه تعالى هو المرجو لما هنا و ما هنالك. و هذا الحديث كما أخرجه الشيخان، أخرجه أبو داود في الجهاد من سننه، و أخرجه النسائي في البيعة و في السير من سننه أيضا.

انتهى من زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم.

حكم إقامة المهاجر بمكة بعد انقضاء النسك‏

نذكر هنا حكم إقامة المهاجرين، رضي اللّه تعالى عنهم، بمكة إذا أتوها للحج أو العمرة، فإن لهم حكما غير حكم عامة المسلمين بسبب هجرتهم عن مكة إلى المدينة حبا في نصرة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). فلنذكر أولا ما جاء في الصحيحين عن ذلك، ثم نذكر شرح الأحاديث من فتح الباري لابن حجر، و من شرح مسلم للنووي:

جاء في صحيح مسلم من كتاب الحج ما يأتي:

حدثنا عبد اللّه بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان، يعني ابن بلال، عن عبد الرحمن بن حميد، أنه سمع عمر بن عبد العزيز يسأل السائب بن يزيد يقول:

هل سمعت في الإقامة بمكة شيئا؟ فقال السائب: سمعت العلاء بن الحضرمي يقول: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: «للمهاجر إقامة ثلاث بعد الصّدر بمكة» كأنه يقول: لا يزيد عليها.

حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن حميد، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول لجلسائه: ما سمعتم في سكنى مكة؟ فقال السائب بن يزيد: سمعت العلاء، أو قال العلاء بن الحضرمي: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا».

و حدثنا حسن الحلواني، و عبد بن حميد، جميعا عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي عن صالح، عن عبد الرحمن بن حميد، أنه سمع عمر بن عبد العزيز

443

يسأل السائب بن يزيد فقال السائب: سمعت العلاء بن الحضرمي يقول: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: «ثلاث ليال يمكثهن المهاجر بمكة بعد الصّدر».

و حدثنا إسحاق بن إبراهيم: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج و أملاه علينا إملاء، أخبرني إسماعيل بن محمد بن سعد، أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن السائب بن يزيد، أخبره أن العلاء بن الحضرمي، أخبره عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: «مكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاث». انتهى من صحيح مسلم.

و جاء في صحيح البخاري في باب الإسراء: حدثني إبراهيم بن حمزة، حدثنا حاتم عن عبد الرحمن بن حميد الزهري قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يسأل السائب بن أخت النمر: ما سمعت في سكنى مكة؟ قال: سمعت العلاء بن الحضرمي، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «ثلاث للمهاجر بعد الصدر». انتهى من البخاري.

جاء في فتح الباري لابن حجر عند هذا الحديث المروي في البخاري ما نصه:

«قوله: بعد الصّدر» بفتح المهملتين، أي بعد الرجوع من منى. وفقه هذا الحديث أن الإقامة بمكة كانت حراما على من هاجر منها قبل الفتح، لكن أبيح لمن قصدها منهم بحج أو عمرة أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام لا يزيد عليها، و لهذا رثى النبي، (صلى الله عليه و سلم)، لسعد بن خولة أن مات بمكة. و يستنبط من ذلك، أن إقامة ثلاثة لا تخرج صاحبها عن حكم المسافر، و في كلام الداودي اختصاص ذلك بالمهاجرين الأولين، و لا معنى لتقييده بالأولين، قال النووي: معنى هذا الحديث:

أن الذين هاجروا يحرم عليهم استيطان مكة، و حكى عياض أنه قول الجمهور قال: و أجازه لهم جماعة، يعني بعد الفتح، فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة المذكورة واجبة فيه، قال: و اتفق الجميع على أن الهجرة قبل الفتح كانت واجبة عليهم، و أن سكنى المدينة كان واجبا لنصرة النبي (صلى الله عليه و سلم) و مواساته بالنفس، و أما غير المهاجرين فيجوز له سكنى أي بلد أراد سواء مكة و غيرها بالاتفاق، انتهى كلام القاضي، و يستثنى من ذلك من أذن له النبي (صلى الله عليه و سلم) بالإقامة في غير المدينة، و استدل بهذا الحديث على أن طواف الوداع عبادة مستقلة ليست من مناسك الحج، و هو أصح الوجهين في المذهب لقوله في هذا الحديث: بعد قضاء نسكه لأن طواف الوداع لا إقامة بعده، و متى أقام بعده خرج عن كونه طواف‏

444

الوداع، و قد سماه قبله قاضيا لمناسكه فخرج طواف الوداع عن أن يكون من مناسك الحج. و اللّه أعلم.

و قال القرطبي: المراد بهذا الحديث من هاجر من مكة إلى المدينة لنصر النبي (صلى الله عليه و سلم) و لا يعني به من هاجر من غيرها لأنه خرج جوابا عن سؤالهم لما تحرجوا من الإقامة بمكة، إذ كانوا قد تركوها للّه تعالى فأجابهم بذلك و أعلمهم أن إقامة الثلاث ليس بإقامة، قال: و الخلاف الذي أشار إليه عياض كان فيمن مضى، و هل ينبني عليه خلاف فيمن فرّ بدينه من موضع يخاف أن يفتن فيه في دينه، فهل له أن يرجع إليه بعد انقضاء تلك الفتنة، يمكن أن يقال إن كان تركها للّه كما فعله المهاجرون، فليس له أن يرجع لشي‏ء من ذلك، و إن كان تركها فرارا بدينه ليسلم له و لم يقصد إلى تركها لذاتها، فله الرجوع إلى ذلك، انتهى، و هو حسن متجه إلا أنه خص ذلك بمن ترك رباعا أو دورا و لا حاجة إلى تخصيص المسألة بذلك.

و اللّه أعلم. انتهى من فتح الباري.

و جاء في شرح الإمام النووي على صحيح مسلم عند الأحاديث المتقدمة ما نصه:

قوله (صلى الله عليه و سلم): «يقيم المهاجر بمكة بعد انقضاء نسكه ثلاثا». و في الرواية الأخرى: مكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا، و في رواية: للمهاجر إقامة ثلاث بعد الصدر بمكة فإنه يقول لا يزيد عليها. معنى الحديث: أن الذين هاجروا من مكة قبل الفتح إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، حرم عليهم استيطان مكة و الإقامة بها، ثم أبيح لهم إذا وصلوها بحج أو عمرة أو غيرهما أن يقيموا بعد فراغهم ثلاثة أيام و لا يزيدوا على الثلاثة و استدل أصحابنا و غيرهم بهذا الحديث على أن إقامة ثلاثة ليس لها حكم الإقامة، بل صاحبها في حكم المسافر، قالوا: فإذا نوى المسافر الإقامة في بلد ثلاثة أيام غير يوم الدخول و يوم الخروج، جاز له الترخص برخص السفر من القصر و الفطر و غيرهما من رخصه و لا يصير له حكم المقيم، و المراد بقوله (صلى الله عليه و سلم): «يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثة» أي بعد رجوعه من منى كما قال في الرواية الأخرى: «بعد الصّدر» أي الصدر من منى، و هذا كله قبل طواف الوداع، و في هذا دلالة لأصح الوجهين عند أصحابنا أن طواف الوداع ليس من مناسك الحج، بل هو عبادة مستقلة أمر بها من أراد الخروج من مكة، لا أنه نسك من مناسك الحج، و لهذا لا يؤمر به المكي و من يقيم بها، و موضع الدلالة

445

قوله (صلى الله عليه و سلم) بعد قضاء نسكه. و المراد قبل طواف الوداع كما ذكرنا، فإن طواف الوداع لا إقامة بعده، و متى أقام بعده خرج عن كونه طواف وداع فسماه قبله قاضيا لمناسكه. و اللّه أعلم.

قال القاضي عياض (رحمه اللّه): في هذا الحديث حجة لمن منع المهاجر قبل الفتح من المقام بمكة بعد الفتح، قال: و هو قول الجمهور، و أجاز لهم جماعة بعد الفتح من الاتفاق على وجوب الهجرة عليهم قبل الفتح، و وجوب سكنى المدينة لنصرة النبي (صلى الله عليه و سلم) و مواساتهم له بأنفسهم، و أما غير المهاجر و من آمن بعد ذلك فيجوز له سكنى أي بلد أراد سواء مكة و غيرها بالاتفاق، هذا كلام القاضي.

قوله (صلى الله عليه و سلم): «مكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا» هكذا هو في أكثر النسخ ثلاثا و في بعضها ثلاث و وجه المنصوب أن يقدر فيه محذوف أي مكثه المباح أن يمكث ثلاثا، و اللّه أعلم. انتهى من كتاب صحيح مسلم.

نقول: إن كثيرا من الناس لا يعرفون حرمة إقامة المهاجرين، رضي اللّه تعالى عنهم بمكة بعد انقضاء نسكهم أكثر من ثلاثة أيام لهذا كتبنا هذا المبحث، و الحكمة في ذلك، و اللّه تعالى أعلم، هي أنهم لما هاجروا من مكة إلى المدينة حبا في رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و نصرته و خدمته و عدم مفارقته، حرم عليهم الإقامة ببلدتهم الأصلية التي هاجروا منها، و هي مكة، أكثر من ثلاثة أيام بعد أداء نسكهم من حج أو عمرة. فإنهم إن أقاموا بها أكثر من الثلاث، تباطئوا في الرجوع إلى المدينة و حنوا للإقامة بمسقط رأسهم و وطنهم الذي هاجروا منه للّه و لرسوله، أما الثلاثة الأيام المرخص لهم بالإقامة في مدتها بعد انقضاء نسكهم، فهي كافية لأداء حقوق أقاربهم و أصدقائهم و جيرانهم في زياراتهم و الائتناس بهم.

و لذلك قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد اللهم و صححها و بارك لنا في مدها و صاعها و انقل حمّاها فاجعلها بالجحفة»، رواه البخاري و مسلم. و الجحفة كان يسكنها اليهود.

و قال عليه الصلاة و السلام: «اللهم أمض لأصحابي هجرتهم و لا تردهم على أعقابهم».

و من هنا نرى أن جميع الصحابة، رضي اللّه عنهم، المهاجرين من مكة فقط لم يموتوا بها، و إنما ماتوا بالمدينة أو بغيرها، ما عدا سعد بن خولة، فقد رثى له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن مات بمكة، و سعد المذكور صحابي جليل، و كان من مهاجرة

446

الحبشة و ممن شهد بدرا، مرض بمكة و توفي بها، و له ذكر في الصحيحين في حديث سبيعة بنت الحارث أنها كانت تحت سعد بن خولة، فلما توفي عنها في حجة الوداع و كانت حاملا، فولدت بعد وفاته بليال، أتت النبي (صلى الله عليه و سلم) فأخبرته، فقال لها عليه الصلاة و السلام: «قد حللت فانكحي من شئت».

انظر ترجمته في كتاب الإصابة و في الاستيعاب.

و لما كان يوم فتح مكة قام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على الصفا يدعو ربه و قد أحدقت به الأنصار فقالوا فيما بينهم: أترون رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إذ فتح اللّه عليه أرضه و بلده يقيم بها. فلما فرغ (صلى الله عليه و سلم) من دعائه قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شي‏ء يا رسول اللّه.

فلم يزل بهم حتى أخبروه فقال: «معاذ اللّه المحيا محياكم و الممات مماتكم».

و بالفعل فإن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لم يزل مقيما بالمدينة حتى مات و قبر بها. فانظر إلى وفائه، عليه الصلاة و السلام، للأنصار و كيف عاملهم باللطف و الفضل و الإحسان الشامل. اللهم صل على محمد و على آل محمد، و بارك على محمد، و على آل محمد، كما صليت و باركت على إبراهيم، و على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

و لما أعطى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لقريش و قبائل العرب من الغنائم التي أخذها في غزوة حنين، و قد ترك الأنصار غضب بعضهم حتى قالوا: إن هذا لهو العجب يعطي قريشا و يتركنا و سيوفنا تقطر من دمائهم. فبلغ ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فأمر بجمعهم و ليس معهم غيرهم، فلما اجتمعوا قال لهم: يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم، ألم أجدكم ضلالا فهداكم اللّه بي، و عالة فأغناكم اللّه بي، و أعداء فألف اللّه بين قلوبكم بي، إن قريشا حديثو عهد بكفر و مصيبة، و إني أردت أن أجبرهم و أتألفهم، أغضبتم يا معشر الأنصار في أنفسكم لشي‏ء قليل من الدنيا ألّفت به قوما ليسلموا، و وكلتكم إلى إسلامكم الثابت الذي لا يزلزل، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة و البعير و ترجعوا برسول اللّه إلى رحلكم، فو الذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، و لو سلك الناس شعبا و سلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار و أبناء الأنصار.

فلما سمعوا كلامه (صلى الله عليه و سلم) بكى القوم حتى اخضلت لحاهم و قالوا: رضينا برسول اللّه قسما و حظا. ثم انصرف، عليه الصلاة و السلام، و تفرق القوم.

447

فانظر رحمك اللّه تعالى إلى درر كلامه و وفائه (صلى الله عليه و سلم) و انظر إلى حب الأنصار و طاعتهم و انقيادهم له، عليه أفضل الصلاة و أتم السلام. و يا ليتنا كنا في ذلك الزمن المبارك العاطر حتى نسعد بمشاهدة نور محياه (صلى الله عليه و سلم) و نتشرف بخدمة أقدامه الطاهرة، و لئن فاتنا ذلك العصر الزاهر نسأل اللّه تعالى أن ينور قلوبنا بحبه و أن يوفقنا للتمسك بشريعته و إحياء سننه، صلى اللّه و سلم عليه و على آله و أزواجه و ذريته و صحابته أجمعين آمين.

و انظر إلى ترجمة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، صاحب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في الغار.

ترجمة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه‏

قال صاحب كتاب" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" عن ترجمته ما نصه: هو أبو بكر الصديق، رضي اللّه تعالى عنه، و هو عبد اللّه بن أبي قحافة القرشي التيمي. و اسم أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، يجتمع نسبه مع نسب النبي (صلى الله عليه و سلم) في مرة بن كعب بن لؤي و عدد من آبائهما إلى مرة سواء، و هو صاحب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو الصديق الأكبر و صاحبه في الغار و في الهجرة و الخليفة بعده، و كان اسمه قبل الإسلام عبد الكعبة، و كان يسمى أيضا عتيقا، و اختلف هل هو اسم له أصلي، أو قيل له ذلك لأنه ليس في نسبه ما يعاب به أو لقدمه في الخير و سبقه إلى الإسلام، أو قيل له ذلك لحسنه، أو لأن أمه كان لا يعيش لها ولد فلما ولد لها استقبلت به البيت فقالت: اللهم هذا عتيقك من الموت. أو أن النبي (صلى الله عليه و سلم) بشره بأن اللّه أعتقه من النار فقال له: أنت عتيق من النار، فيومئذ سمي عتيقا. و قد ورد في هذا الأخير حديث عن عائشة عند الترمذي، و آخر عن عبد اللّه بن الزبير عند البزار، و صححه ابن حبان و زاد فيه.

و كان اسمه قبل ذلك عبد اللّه بن عثمان و لم يختلف في أن عثمان اسم أبي قحافة، كما لم يختلف في كنية الصديق. و لقد لقب الصديق لسبقه إلى تصديق النبي (صلى الله عليه و سلم)، قيل قد كان ابتداء تسميته بذلك صبيحة الإسراء. و روى الطبراني من حديث علي، رضي اللّه عنه، أنه كان يحلف أن اللّه أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق. و رجاله ثقات.

448

و أم أبي بكر سلمى، و تكنى أم الخير بنت صخر بن مالك بن عامر بن عمرو المذكور في نسبه السابق الذكر، أسلمت أمه و هاجرت و ذلك معدود من مناقبه لأنه انتظم إسلام أبويه و جميع أولاده، و قد ولد أبو بكر بعد الفيل بسنتين وستة أشهر.

أخرج ابن البرقي من حديث عائشة: تذاكر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم، و أبو بكر ميلادهما عندي، فكان النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، أكبر.

و صحب النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، قبل البعثة و سبق إلى الإيمان به. و كان من أسباب إيمانه بالنبي (صلى الله عليه و سلم) قبل غيره من الرجال، ما أخرجه ابن الأثير في أسد الغابة بإسناده إلى عبد اللّه بن مسعود قال: قال أبو بكر الصديق: إني خرجت إلى اليمن قبل أن يبعث النبي (صلى الله عليه و سلم) فنزلت على شيخ من الأزد عالم قد قرأ الكتب و علم من علم الناس علما كثيرا، فلما رآني قال: أحسبك حرميا. قال أبو بكر: قلت نعم، أنا من أهل الحرم. قال: و أحسبك قرشيا. قال، قلت: نعم أنا من قريش.

و قال: أحسبك تيميا. قال قلت: نعم أنا من تيم بن مرة، أنا عبد اللّه بن عثمان من ولد كعب بن سعد بن تيم بن مرة. قال: بقيت لي فيك واحدة. قلت ما هي؟ قال: تكشف عن بطنك. قلت: لا أفعل أو تخبرني لم ذاك. قال: أجد في العلم الصحيح الصادق أن نبيا يبعث في الحرم يعاونه على أمره فتى و كهل. فأما الفتى فخواض غمرات و دفاع معضلات. و أما الكهل فأبيض نحيف، على بطنه شامة و على فخذه اليسرى علامة، و ما عليك أن تريني ما سألتك فقد تكاملت لي فيك الصفة إلا ما خفي عليّ. قال أبو بكر: فكشفت له عن بطني فرأى شامة سوداء فوق سرتي. فقال: أنت و رب الكعبة و إني متقدم إليك في أمر فاحذره.

قال أبو بكر: و ما هو. قال: إياك و الميل عن الهدى، و تمسك بالطريقة المثلى الوسطى، و خف اللّه فيما خولك و أعطاك. قال أبو بكر: فقضيت باليمن إربي ثم أتيت الشيخ لأودعه فقال: أحامل عني أبياتا من الشعر قلتها في ذلك النبي؟

قلت: نعم. فذكر أبياتا. قال أبو بكر: فقدمت مكة و قد بعث النبي (صلى الله عليه و سلم) فجاءني عقبة بن أبي معيط و شيبة و ربيعة و أبو جهل و أبو البختري و صناديد قريش، فقلت لهم: هل نابتكم نائبة أو ظهر فيكم أمر؟ قالوا: يا أبا بكر، أعظم الخطب، يتيم أبي طالب يزعم أنه نبي مرسل، و لولا أنت ما انتظرنا به، فإذ قد جئت فأنت الغاية و الكفاية. قال أبو بكر: فصرفتهم على أحسن مس، و سألت عن النبي (صلى الله عليه و سلم) فقيل في منزل خديجة، فقرعت عليه الباب فخرج إلي فقلت: يا محمد فقدت من‏

449

منازل أهلك و تركت دين آبائك و أجدادك. قال: يا أبا بكر، إني رسول اللّه إليك و إلى الناس كلهم فآمن باللّه. فقلت: و ما دليلك على ذلك؟ قال: الشيخ الذي لقيته باليمن. قلت: و كم شيخ لقيت باليمن؟ قال: الشيخ الذي أفادك الأبيات. قلت: و من خبرك بهذا يا حبيبي؟ قال: الملك العظيم الذي يأتي الأنبياء قبلي. قلت: مد يدك، فأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه و أنك رسول اللّه. قال أبو بكر: فانصرفت و ما بين لابتيها أشد سرورا من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بإسلامي ا ه.

و قد استمر أبو بكر مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) منذ أسلم بمكة، و في طريق الهجرة، و في المدينة، إلى أن توفاه اللّه. و شهد المشاهد كلها و كانت الراية معه يوم تبوك.

و حج بالناس في حياة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) سنة تسع، و لقبه المسلمون بعده خليفة رسول اللّه. و قد أسلم أبوه كأمه، و هو أفضل الصحابة كما تقدم في شرح الحديث السابق لهذا.

و من خصائصه أنه لا يوجد في الصحابة من يكنى أبا بكر غيره، إلا ما ذكره الحافظ في الإصابة عن شداد بن الأسود بن شعوب أنه يكنى أبا بكر أيضا، و هو الذي رثى قتلى بدر من المشركين بالأبيات المذكورة في صحيح البخاري و هي التي أولها (و ماذا بالقليب قليب بدر) الخ الأبيات. قال: ثم أسلم ابن شعوب بعد.

و أبو بكر بن شعوب هذا، هو الذي تزوج أم بكر الكليبية زوج أبي بكر الصديق طلقها لما هاجر، فتزوجها ابن عمها هذا الشاعر الذي رثى قتلى بدر من المشركين بالأبيات المشار إليها. و لعل وجه تكنيته بأبي بكر تزوجه بأم بكر المذكورة نظير ما وقع للصديق إذ لم يعرف وجه لتكنيته بأبي بكر إلا تزوجه بها كما حققه بالاستقراء التام.

و قد روى أبو بكر عن النبي (صلى الله عليه و سلم) مائة و اثنين و أربعين حديثا، اتفق البخاري و مسلم على ستة منها، و انفرد البخاري بأحد عشر و مسلم بحديث. روى عنه عمر و عثمان و علي و عبد الرحمن بن عوف و ابن مسعود و ابن عمر و ابن عمرو و ابن عباس و حذيفة و زيد بن ثابت و عقبة بن عامر و معقل بن يسار و أنس و أبو هريرة و أبو أمامة و أبو برزة و أبو موسى، و ابنتاه عائشة و أسماء، و ابنه عبد الرحمن و غيرهم من الصحابة و خلق كثير من كبار التابعين. و كان أبيض نحيفا، خفيف العارضين، معروق الوجه، ناتئ الجبهة، مشرف الوركين، جميل الصورة (و قد رأيته) في النوم مرة واحدة بعد توطني لمصر كأنه ذاهب بي أنا و بعض إخواني إلى‏

450

المدينة المنورة، أماتنا اللّه على الإيمان بها. و قد وردت في فضله أحاديث كثيرة في الصحيحين و غيرهما. منها قوله (صلى الله عليه و سلم): سدوا كل خوخة إلا خوخة أبي بكر.

و منها غير ذلك اكتفينا عن ذكرها بشهرتها. و من أعظم مناقبه قول اللّه تعالى:

إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فإن المراد بصاحبه أبو بكر بالإجماع لأنه انفرد بهذه المنقبة و كان يقيه بنفسه في الغار و خارجه كما هو مشهور مروي بالأسانيد. و مناقبه رضي اللّه عنه كثيرة جدا أفردها جماعة بالتصنيف. و ترجمته في تاريخ ابن عساكر قدر مجلدة، كما قاله الحافظ في الإصابة. و لفظ الخزرجي في الخلاصة: و ترجمته في تاريخ الشام في مجلد و نصف. و كانت وفاته يوم الاثنين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة و هو ابن ثلاث و ستين سنة. و ذكر ابن سعد من طريق الزهري، أن أبا بكر و الحارث بن كلدة أكلا خزيرة أهديت لأبي بكر و كان الحارث طبيبا، فقال لأبي بكر: ارفع يدك و اللّه إن فيها لسم سنة.

فلم يزالا عليلين حتى ماتا عند انقضاء السنة في يوم واحد. و باللّه تعالى التوفيق و هو الهادى إلى سواء الطريق. انتهى من زاد المسلم.

فضل أبي بكر رضي اللّه عنه‏

و لقد جاءت أحاديث صحيحة كثيرة في فضل أبي بكر، رضي اللّه عنه، في الصحيحين و غيرهما نقتصر على بعضها على سبيل التبرك، لا على سبيل الحصر و التعداد.

جاء في صحيح البخاري في أوائل فضائل أصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم): عن أبي سعيد الخدري، رضي اللّه عنه، قال: خطب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الناس و قال: إن اللّه خيّر عبدا بين الدنيا و بين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند اللّه. قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عن عبد خيّر. فكان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) هو المخيّر. و كان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إن من أمنّ الناس عليّ في صحبته و ماله أبا بكر، و لو كنت متخذا خليلا غير ربي، لاتخذت أبا بكر، و لكن أخوة الإسلام و مودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سدّ إلا باب أبي بكر.

و جاء فيه أيضا: عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: لو كنت متخذا من أمتي خليلا، لاتخذت أبا بكر و لكن أخي و صاحبي.