التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج2

- محمد طاهر الكردي المزيد...
605 /
453

يعقوب، و العلم الذي يليه من الشرق قبر إليا زوجته (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

ا ه.

و لقد أسعدني اللّه بزيارة الرجل الوقور صاحب السماحة الشيخ يوسف طهبوب، عضو المجلس الإسلامي الأعلى بفلسطين، و تحدثنا عن الخليل و بركاته، فروى لي الشيخ قصة هزت و حركت مشاعري، فقد صور الشيخ لي فيها سيدنا إبراهيم في لحيته البيضاء العظيمة المرسلة نائما على مقعد مرتفع و نسيم المغارة المتشرفة بجسده الطاهر يلاعب لحيته و يحركها تحريكا لطيفا، و لقد تصورت هذا المشهد و ظل ماثلا في خاطري حتى رأيت هذه الصورة في القول الآتي الذي دونه قاضي القضاة أبو اليمن محيي الدين الحنبلي في كتابه «الأنس الجليل» كما رواه بعض الرواة في كتب أخرى قال: قال الحافظ ابن عساكر: قرأت في كتب أصحاب الحديث و نقلت منها. قال محمد بن بكران بن محمد خطيب مسجد إبراهيم الخليل (عليه السلام): و كان قاضيا بالرملة في أيام الراضي باللّه في سنة اثنتين و عشرين و ثلاثمائة و ما بعدها و له رواية في الحديث سمع من جماعة و حدث عن جماعة من أهل العلم. قال: سمعت محمد بن أحمد بن علي بن جعفر الأنباري يقول: سمعت أبا بكر الإسكافي يقول صح عندي أن قبر إبراهيم (عليه السلام)، في الموضع الذي هو الآن فيه، و لما رأيت و عاينت ذلك أنني وقفت على السدنة و على الموضع أوقافا كثيرة تقرب من نحو أربعة الآف دينار رجاء ثواب اللّه عز و جل و طلبت أن أعلم صحة ذلك حتى ملكت قلوبهم بما كنت عملت معهم من الجميل و الكرامة و الملاطفة و الإحسان إليهم و أطلب بذلك أن أصل إلى ما يصح، و جال في صدري، فقلت لهم يوما من الأيام و قد جمعتهم عندي: أسألكم أن توصلوني إلى باب المغارة كي أنزل إلى حضرة الأنبياء (صلوات اللّه عليهم) و أشاهدهم. فقالوا: قد أجبناك إلى ذلك، لأن لك علينا حقا واجبا، و لكن لا يمكن في هذا الوقت لأن الطارق علينا كثير و لكن حتى يدخل الشتاء، فلما دخل كانون الثاني خرجت إليهم، فقالوا أقم عندنا حتى يقع الثلج، فأقمت عندهم حتى وقع الثلج و انقطع الطارق عنهم، فجاؤوا إلى صخرة ما بين قبر إبراهيم الخليل و قبر إسحاق (عليهما السلام)، و قلعوا البلاطة و نزل رجل منهم يسمى (صعلوك) و كان رجلا صالحا، فيه خير و لين، فنزلت أنا معه، فمشى و أنا من ورائه، فنزلنا اثنتين و سبعين درجة، فإذا عن يمين أريكة عظيمة من حجر أسود، و إذا عليها شبح خفيف العارض طويل اللحية ملقى على ظهره، و عليه ثوب‏

454

أخضر، فقال لي صعلوك: هذا إسحاق (عليه السلام)، ثم سرنا غير بعيد، و إذا بأريكة أكبر من الأولى، و عليها شبح ملقى على ظهره و له شيبة، قد أخذت ما بين منكبيه أبيض الرأس و اللحية و الحاجبين و أشفار العينين و تحت شيبته ثوب أخضر قد حلل بدنه، و الرياح تلعب بشيبته الجليلة يمينا و شمالا، فقال لي صعلوك:

هذا إبراهيم الخليل عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم، فسقطت على وجهي، و دعوت اللّه عز و جل، لما فتح علي و أقمت من مكاني، ثم سرنا و إذا بأريكة لطيفة و عليها شبح لطيف آدم شديد الأدمة كث اللحية، و تحت منكبيه ثوب أخضر قد جلله فقال لي صعلوك: هذا يعقوب النبي، ثم إننا عدلنا يسارا لننظر إلى الحرم، فحلف أبو بكر الإسكافي، ما إن أتممت الحديث، قال: فقمت من عنده في الوقت الذي حدثني فيه من وقتي إلى مسجد إبراهيم (عليه السلام)، فلما وصلت إلى المسجد سألت عن صعلوك، فقيل لي إنه الساعة يحضر، فلما جاء قمت إليه و جلست عنده و طارحته بعض الحديث، فنظر إلي بعين منكرة للحديث الذي سمعه، فأومأت إليه بلطف تخلصت به من الإثم، ثم قلت له: إن أبا بكر الإسكافي عمي فأنس عند ذلك فقلت: يا صعلوك باللّه عليك لما عدلتما نحو الحرم ماذا كان، ما الذي رأيتما؟ فقال: ما حدثك أبو بكر، فقلت: أريد أن أسمع منك أيضا، فقال: سمعنا من نحو الحرم صائحا يصيح و هو يقول: تجنبوا الحرم رحمكم اللّه، فوقعنا مغشيا علينا، ثم أفقنا و قد يئسنا من الحياة و أيست الجماعة منا. قال:

فقال لي الشيخ: و عاش أبو بكر الإسكافي بعد ما حدثني زمنا يسيرا، و مات و كذلك صعلوك رحمهما اللّه. ا ه.

و هذه الرواية يعرفها كل خليلي من سكان تلك المدينة التي شرفها اللّه بالحرم الخليلي و قد قصها علي أيضا المرحوم الشيخ عبد اللّه طهبوب مفتي الخليل، و قد ذهب معي سماحته إلى المكان الذي يقع فيه باب المغارة لمشاهدته، و قال لي: إنه على إثر حادث صعلوك هذا عمد القائمون على أوقاف الخليل إلى مد باب المغارة بالبناء حتى لا يجسر أحد على النزول إليها.

و نميل إلى تصديق هذه الرواية بعد أن قص علينا علماء فلسطين الكثير عن حوادث مثلها جرت لزائرين معاصرين لا أرى بي حاجة إلى ذكرها هنا، لأن كل ما يروى عن تكريم اللّه سبحانه لخليله إبراهيم في حياته و بعد مماته لا يستغرب، فليس يستغرب أن يرى المتشرفون بزيارة المغارة جسد أبي الأنبياء على أريكة

455

عظمية، و أن لحيته البيضاء مرسلة يلاعبها النسيم و أن يروا جثمانه الطاهر و وجهه الطلق الشريف، فإن أجسام الأنبياء لا تبلى كما هو معروف.

روى الحسن بن عبد الواحد بن عبد الرزاق قال: قدم أبو زرعة القاضي بفلسطين إلى مسجد إبراهيم (عليه السلام)، فجئت لأسلم عليه، و قد قعد عند قبر سارة في وقت الصلاة، فدخل شيخ فدعاه، فقال له: يا شيخ أيما هو قبر إبراهيم بين هؤلاء؟ فأومأ الشيخ بيده إلى قبر إبراهيم (عليه السلام)، ثم مضى الشيخ و جاء شاب فدعاه و قال له مثل ذلك، فأشار إلى قبر إبراهيم (عليه السلام) و مضى، ثم جاء صبي فدعاه و قال له مثل ذلك، فأشار إلى قبر إبراهيم (عليه السلام)، فقال أبو زرعة: أشهد أن هذا قبر الخليل عليه أفضل الصلاة و السلام، و لا شك فيه و لا خفاء، نقله الخلف عن السلف كما قال مالك بن أنس رضي اللّه عنه، أن نقل الخلف عن السلف أصح الحديث، لأن الحديث ربما يقع فيه الخطأ، و النقل لا يقع فيه الخطأ، و لا يطعن فيه إلا صاحب بدعة و مخالف، ثم قام و دخل إلى المقام فصلى الظهر ثم رحل من الغد.

و قال أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء المقدسي في كتاب البدائع في تفصيل مملكة الإسلام: حبرى هي قرية إبراهيم الخليل (عليه السلام)، فيها حصن عظيم يقولون إنه من بناء الجن من حجارة منقوشة و وسطه فيه حجارة إسلامية على قبر إبراهيم (عليه السلام) و قبر إسحاق قدام في المغطى، و قبر يعقوب في المؤخر، و عند كل نبي امرأته، و قد جعل الحصن مسجدا، و بنيت حوله دور للمجاورين به، و اتصلت العمارة به من كل جانب، و لهم قناة ماء ضعيفة، و بهذه القرية إلى نصف مرحلة من كل جانب قرى و كروم و أعناب و تفاح و عامتها تحمل إلى مصر، و في هذه القرية ضيافة دائمة و طباخ و خباز و خدام مرتبون، و هم يقدمون العدس بالزيت لكل من يأتي و يحضر عندهم من الفقراء، و يقدم إلى الأغنياء إذا أخذوا.

و لقد أتيح لي أن أرى هذه الصورة التي رسمها أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء المقدسي في كتاب البدائع، رأيتها بعيني رأسي، و رأيت الأحجار الضخمة التي في السور المحيط بالمقام الطاهر، و التي قيل أن الجن قد بنوها بأمر سليمان (عليه السلام)، و رأيت أشجار الفاكهة يعج بها الطريق إلى مدينة الخليل،

456

و الكروم الجبلية النابتة بين صخور الجبال تنتج الأعناب التي لا تقارن بها أعناب تنبت في أي بلد آخر.

و إنك لتسمع من كل خليلي إذا رأيته و صفا لعنب الخليل و افتخارا بهذا اللون من الفاكهة التي يظهرها اللّه لا على كرم عال بل على كرم ملاصق للأرض متغلغل في أحشاء الجبل، و يسقى بماء من عند اللّه حيث لا جدول يسقيه و لا نهر يرويه، بل الطبيعة تظهره و تنميه شهيا للآكلين. و أخبرني سماحة مأمور أوقاف الخليل أنه قد جرت العادة أن تولم مأمورية الأوقاف وليمة أسبوعية في يوم الأربعاء تقدم فيها حساء الخليل للفقراء و المساكين، و يصفونها بكونها أطيب ما عرف الناس من ألوان الحساء، و تمنى الرجل عليّ أن أزور مدينة الخليل في يوم الأربعاء لأرى بنفسي إقبال الناس عليها فقراء و أغنياء، لأن الأغنياء يحرصون على أن يشتركوا في تذوقها و لو القليل منها تيمنا و تبركا، و تمنى سماحته أن أشهد معه وليمة الحساء فأذوق طعمها، و أنعم بيمنها و بركتها، و لولا اضطراري للسفر في يوم الثلاثاء إلى بيروت لبقيت على مقربة من مدينة الخليل حتى يوم الأربعاء، و كان لي شرف شهود الوليمة التقليدية التي هي رمز لذلك الكرم المشهور الذي اتصف به خليل اللّه إبراهيم.

حكى الملك المؤيد إسماعيل صاحب حماة في تاريخه في وقائع سنة ثلاثة عشر و خمسمائة أن في تلك السنة ظهر قبر إبراهيم (عليه السلام) و قبر و لديه إسحاق و يعقوب (عليهما السلام) أيضا بالقرب من بيت المقدس، و رآهم كثير من الناس لم تبل أجسادهم و عندهم في المغارة قناديل من ذهب و فضة.

و جاء فيه أيضا بصحيفة (173) عند السور السليماني ما نصه:

لما أتم سليمان (عليه السلام) تشييد بيت المقدس و بناء هيكله بالمسجد الأقصى، أمره اللّه سبحانه و تعالى أن يقصد إلى حيث يرقد خليله إبراهيم عليه الصلاة و السلام، فيقيم سورا حول قبره الشريف فذهب سليمان و معه رجاله و جنوده إلى تلك البقعة من أرض كنعان باحثا منقبا عن قبر الخليل فلم يهتد إليه، فعاد إلى بيت المقدس، فنزل عليه وحي اللّه أنه حيث يرى عمودا من نور هابطا من السماء إلى الأرض يقع قبر إبراهيم، فقصد سليمان مرة أخرى إلى ذلك المكان، و هناك خيل إليه أنه يرى نورا في موضع اسمه (الرامة) بالقرب من مدينة الخليل من جهة الشمال قبلي قرية حلحول، و هناك أمر الجنود فبنوا سورا على مقربة من قبر يونس عليه‏

457

السلام، فأوحى اللّه إليه أن ليس المكان الذي بنى عنده السور قبر إبراهيم، و أمره أن يتعقب النور المتدلي من السماء إلى الأرض، و أن بينى السور حوله، فأخذ سليمان يبحث و ينقب حتى اهتدى إلى المكان على مرتفع من الأرض في مدينة حبرون، و تعقب النور فوجده هو و تثبت منه، فأمر رجاله من الإنس و الجن، فبنوا السور العظيم الذي يعد من العجائب بما حوى من الأحجار التي تذهل الناظر ضخامتها و قد اعتبر الحرم المحاط بالسور مسجدا.

و قد روي عن ابن عمر رضي اللّه عنه أنه قال: إن آدم (عليه السلام)، رأسه عند الصخرة الشريفة و رجلاه عند مسجد إبراهيم الخليل (عليه السلام)، و لمسجد الخليل عليه الصلاة و السلام، ما لكل المساجد من حق صلاة الجماعة فيه و جواز الاعتكاف به، و تحريم المكث على الحائض، و تحريم دخول الجنب الخ، بل إنه أعمر بيوت اللّه و أكثرها بركة بمن رقد تحته من السادة الأنبياء (سلام اللّه عليهم).

قال قاضي القضاة أبو اليمن القاضي الحنبلي: و هذا المقام الكريم الذي هو داخل السور السليماني طوله في سعته قبلة بشمال من صدر المحراب الذي عند المنبر إلى صدر المشهد الذي به ضريح سيدنا يعقوب (عليه السلام)، ثمانون ذراعا بذراع العمل ينقص يسيرا نحو نصف ذراع أو ثلثي ذراع تقريبا، و عرضه شرقا يقرب من السور الذي به باب الدخول إلى صدر الرواق الغربي الذي به شباك يتوصل منه إلى ضريح يوسف (عليه السلام)، نحو ثلث ذراع أو نصف ذراع تقريبا بذراع العمل المذكور، و هو الذراع الذي تذرع به الأبنية في هذا العصر، و سمك السور ثلاثة أذرع و نصف من كل جانب و عدد مداميكه في البناء خمسة عشر مدماكا من أعلى الأماكن، و هو الذي عند باب القلعة من جهة الغرب إلى القبلة، و ارتفاع البناء عن الأرض من المكان المذكور ست و عشرون ذراعا بذراع العمل، و يوجد غير البناء الرومي الذي فوق السليماني حجر عند مكان الطبلخانة طوله أحد عشر ذراعا و عرض كل مدماك من البناء السليماني نحو ذراع و ثلثي ذراع و على السور المذكور مغارتان إحداهما من جهة الشرق مما يلي القبلة، و الثانية من جهة الغرب مما يلي الشمال و بناؤها في غاية اللطف.

يشتمل المسجد على بناء معقود من داخل السور على نحو النصف من جهة القبلة إلى جهة الشمال، و البناء من عهد الروم و هو ثلاثة أكوار الأوسط منها مرتفع عن الكورين الملاصقين له من جهة الشرق و الغرب.

458

و يرتفع السقف على أربعة أسوار محكمة البناء، و في صدر هذا البناء المعقود تحت الكور الأعلى يوجد المحراب إلى جانبه المنبر، و هو مصنوع من الخشب الفاخر، و يعد آية من آيات الصناعة المتقنة و الجمال الفني، و قد وضع في زمن المستنصر باللّه أبي تميم معد الفاطمي، خليفة مصر، بأمر بدر الجمالي مدير دولته، و قد تم صنع المنبر في سنة أربع و ثمانين و أربعمائة، و قد كتب عليه تاريخ صنعه بالخط الكوفي، و قد أمر بنقل المنبر إلى مسجد الخليل الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، و توجد تجاه المنبر أريكة للمؤذنين قائمة على عمد رخامية تعتبر نموذجا للصنع الباهر الجميل.

و على الجدران من الجهات الأربع رخام مستدير، و قد صنع في عهد الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة اثنتين و ثلاثين و سبعمائة.

و تقع قبور الأنبياء (صلوات اللّه عليه و سلامه)، تحت بناء المسجد على النظام الآتي: إلى جانب السارية التي عند المنبر قبر إسحاق (عليه السلام)، و أمامه قبر زوجته رفقة أو ريقة رضي اللّه عنها، إلى جانب السارية الشرقية، و يمكن اعتباره بناء قائما بذاته.

و لهذا البناء ثلاثة أبواب تنتهي إلى صحن المسجد، أحدها و هو الأوسط ينتهي إلى الحجرة الخليلية الجليلة و هو مكان معقود على جدرانه رخام مستدير به إلى جهة الغرب الحجرة الشريفة التي بداخلها قبر الخليل (صلى الله عليه و سلم)، و تجاهه شرقا قبر زوجته السيدة سارة رضي اللّه عنها، و في آخر الساحة شمالا ضريح يعقوب (عليه السلام)، و أمامه شرقا قبر زوجته لائقة رضي اللّه عنها. و بداخل السور أيضا مقام ليوسف الصديق (عليه السلام)، و قد قيل إنه مدفون خارج المغارة و لكن لم يصح أي دليل على أن قبر يوسف الصديق بهذا المكان.

و الأرضية التي بداخل السور مفروشة كلها بالبلاط السليماني البديع، و يوجد بظاهر السور السليماني شرقا مسجد جميل بناه أبو سعيد سنجر الجاولي ناظر الحرمين الشريفين نائب السلطنة في زمانه، فعرف هذا المسجد باسم الجاولية، و هو من العجائب لأنه قائم في الجبل، و قد قيل إنه كان مقبرة يهود قائمة على هذا الجبل، فجرف الجاولي مكانها بعد أن هدمها و بنى سقفا و قبة و أحالها مسجدا، و قد كتب على أحد جدرانه أن سنجر عمر هذا المسجد من حر ماله، و لم ينفق عليه شيئا من مال الحرمين.

459

و يوجد قبلي الجاولية مطبخ تطهى فيه أكلة الدشيشة لزوار الخليل، عليه الصلاة و السلام، و على باب المطبخ تدق الطبلخانة (الطبول) في كل يوم بعد صلاة العصر عند مد السماط الكريم، و هذا السماط من عجائب التقاليد إذ يفد إليه سكان البلدة و ضيوفها، و يصنع فيه خبز يوزع يوميا ثلاث مرات: الأول في الصباح الباكر، و الثانية بعد الظهر، و الثالثة بعد العصر.

و قد تقدم القول أن الأصل في هذا السماط و دق الطبول لدعوة الناس إليه، إذ أن إبراهيم (صلى الله عليه و سلم)، كانت تفد إليه جموع الضيافة من كل مكان، فيصنع لهم الطعام و يوزعهم على عدة منازل للإقامة فيها، فإذا حان وقت تناول الطعام دقت لهم الطبول إشعارا لهم بأن الطعام مهيئا للضيوف في رحابه الفسيحات (صلى الله عليه و سلم).

انتهى كل ذلك من كتاب أبي الأنبياء إبراهيم الخليل، عليه الصلاة و السلام.

نقول: إن ما ذكره من وجود إبراهيم الخليل، عليه الصلاة و السلام، و من معهم من الأنبياء، عليهم الصلاة و السلام، في المغارة غير بعيد الوقوع مطلقا، فإنا قد شاهدنا في زماننا هذا و سمعنا كثيرا عن وجود بعض أمواتنا في قبورهم بكامل أجسادهم و أكفانهم لم يمسهم البلاء، نعم إن الكثير و الغالب من الأموات يفنون بعد مدة من دفنهم حتى لا يبقى لهم أي أثر، و اللّه سبحانه و تعالى أكرم من أن يسلط على أجساد أنبيائه و أصفيائه من العلماء العاملين و العباد المخلصين الأرض و الأرضة.

فقد جاء في كتاب «وفاء الوفاء» و روى البخاري في الصحيح من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال: لما سقط عنهم الحائط زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه، فبدت لهم قدم، ففزعوا و ظنوا أنها قدم النبي (صلى الله عليه و سلم)، فما وجدوا أحدا يعلم ذلك، حتى قال لهم عروة: لا و اللّه ما هي قدم النبي (صلى الله عليه و سلم)، ما هي إلا قدم عمر.

و يستفاد مما تقدم أن السبب في هذا البناء سقوط الجدار المذكور بنفسه، و لعله بسبب المطر المشار إليه في الرواية المتقدمة، و يخالفه ما رواه أبو بكر الآجري من طريق شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي قال: كان الناس يصلون إلى القبر، فأمر به عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصل إليه أحد، فلما هدم بدت قدم بساق و ركبة، ففزع عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة فقال: هذا ساق عمر و ركبته، فسري عن عمر بن عبد العزيز، انتهى من الكتاب المذكور.

460

و جاء أيضا في الجزء الأول من تاريخ الخميس ما يأتي:

قال ابن إسحاق: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال يومئذ:- أي يوم دفن قتلى أحد- حين أمر بدفن القتلى، انظروا عمرو بن الجموح و عبد اللّه بن عمرو بن حرام، فإنهما كان متصافيين في الدنيا فاجعلوهما في قبر واحد.

و ذكر مالك بن أنس في موطئه: أن السيل حفر قبرهما بعد زمان فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنما ماتا بالأمس، و كان أحدهما قد جرح فوضع يده على جراحته فدفن و هو كذلك فأميطت يده عن جرحه فانبعث الدم ثم أرسلت فرجعت كما كانت، و كان بين يوم أحد و بين يوم حفر عنهما ست و أربعون سنة.

و في الصفوة عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال: لما أراد معاوية أن يجري عينه التي بأحد، كتب إلى عامله بالمدينة بذلك، فكتبوا إليه، إنا لا نستطيع أن نخرجها إلا على قبور الشهداء، فكتب معاوية: انبشوهم، قال جابر: فلقد رأيتهم يحملون على أعناق الرجال كأنهم قوم نيام، و أصابت المسحاة طرف رجل حمزة فانبعثت دما، و في المنتقى مثله. انتهى من تاريخ الخميس.

و على كل حال مسائل البرزخ و القبور من الغيبيات التي ينبغي عدم الخوض فيها إلا بمقدار ما ورد به الشرع الشريف صريحا. نسأل اللّه عز شأنه أن يكرمنا في الحياة و في الممات بما هو أهله بفضله و رحمته إنه بعباده لطيف خبير. سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد للّه رب العالمين.

البناية الثالثة: بناء شيث عليه الصلاة و السلام الكعبة

بعد موت آدم عليه الصلاة و السلام، بنى الكعبة الغراء ولده شيث (عليه السلام)، لكن الإمام الأزرقي لم يذكر ذلك باسمه الصريح، و إنما ذكر أن أبناء آدم بنوا الكعبة من بعده إلى زمان الطوفان.

و هذا نص ما ذكره الأزرقي في تاريخه: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج عن وهب بن منبه أنه قال: لما رفعت الخيمة التي عزى اللّه بها آدم من حلية الجنة حين وضعت له بمكة في موضع البيت و مات آدم، (عليه السلام)، فبنى بنو آدم من بعده مكانها بيتا بالطين و الحجارة فلم‏

461

يزل معمورا يعمرونه هم و من بعدهم حتى كانوا زمن نوح، (عليه السلام)، فنسفه الغرق و غير مكانه حتى بوئ لإبراهيم (عليه السلام). انتهى ما ذكره الأزرقي.

و وهب بن منبه المذكور كان من أحبار اليهود ثم أسلم فأخذت الصحابة عنه أخبار من سلف من الأمم.

قال صاحب «تاريخ الكعبة المعظمة»: ذكر السهيلي في «روض الأنف» أن أول من بنى البيت شيث ا ه. و المعنى أن أول من بناه بعد آدم من أولاده شيث (عليهما السلام). انتهى.

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و في الاكتفاء: أن شيث بن آدم هو أول من بنى الكعبة و أنها كانت قبل أن يبنيها خيمة من ياقوتة حمراء يطوف بها آدم و يأنس بها لأنها أنزلت إليه من الجنة فرفعت و كان قد حج إلى موضعها من الهند. انتهى من الكتاب المذكور.

و شيث هو ابن آدم و هو نبي أنزل اللّه عليه خمسين صحيفة، فلا يستبعد أن يأمره اللّه تعالى ببناء البيت بعد أبيه آدم، و قد مات أبونا آدم و عمره ألف سنة، و قيل: تسعمائة و ثلاثون سنة على ما في التوراة، و لقد ولد شيث و عمر آدم مائة و ثلاثون سنة.

جاء في تاريخ ابن كثير المسمى «البداية و النهاية» ما نصه: قال محمد بن إسحاق، و لما حضرت آدم الوفاة عهد إلى ابنه شيث و علمه ساعات الليل و النهار، و علمه عبادات تلك الساعات، و أعلمه بوقوع الطوفان بعد ذلك. قال:

و يقال أن انتساب بني آدم اليوم كلها تنتهي إلى شيث و سائر أولاد آدم انقرضوا و بادوا. و اللّه تعالى أعلم. انتهى.

البناية الرابعة: بناء إبراهيم (عليه السلام) الكعبة

قبل أن نتكلم على نفس بناء إبراهيم خليل اللّه الكعبة يجب أن نذكر طرفا من هجرته بابنه إسماعيل و أمه هاجر إلى مكة شرفها اللّه تعالى لأول مرة، حتى يكون الكلام كله منسقا مربوطا بعضه ببعض، و لقد جاءت في كل ذلك روايات مختلفة الألفاظ لكنها متحدة المعنى و النتيجة، و نحن نأتي هنا بما هو مختصر مفيد كنا ذكرناه في كتابنا «مقام إبراهيم (عليه السلام)» المطبوع بمصر و هو هذا:

462

هجرة إبراهيم إلى مكة لأول مرة

كانت لسارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) جارية اسمها «هاجر» (في القاموس هاجر بفتح الجيم أم إسماعيل (صلى الله عليه و سلم) و يقال لها آجر أيضا) و هي قبطية مصرية أهداها لها ذلك الملك الجبار الذي تقدم ذكره، فوهبتها لزوجها إبراهيم فولدت منه إسماعيل فكان أول ولده و بكره، فغارت سارة منها، لأنها لم تكن قد ولدت قط، ثم ولدت سارة إسحاق بعد ثلاث عشرة سنة من ولادة إسماعيل (عليهما السلام)، (و سارة بتخفيف الراء و قيل بتشديدها. قال في تاريخ الكامل لابن الأثير: إن سارة اسمها في التوراة سار أي أول الأمر، ثم سميت سارا لأن الهاء آخر الكلمة في العبرية لا ينطق بها، و نصها في العبرية 166 و معناه الأميرة و مذكره 6222). ثم أنشدته سارة باللّه أن يخرجهما من عندها، فأمره اللّه عز و جل أن ينقلهما إلى مكة، و أتى بالبراق فركب عليه هو و هاجر و إسماعيل و كان صغيرا يرضع، فخرج من الشام و معه جبريل (عليه السلام) يدله على موضع البيت و معالم الحرم حتى قدم مكة، و ليس بها أحد و لا بناء و لا ماء، و ما كانت مكة يومئذ إلا عضاة من سلم و سمر فوضعهما عند البيت و معهما جراب من تمر و سقاء من ماء ثم انصرف إبراهيم راجعا إلى الشام فتبعته هاجر و قالت له: إلى أين تذهب، و إلى من تتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أحد؟ قال: إلى اللّه عز و جل. قالت: اللّه أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: إذا لا يضيعنا، ثم رجعت فانطلق إبراهيم ثم رفع يديه بالدعاء و قال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ‏.

(و هنا نكتة لطيفة) و هي أن أم إسماعيل (عليه السلام)، اسمها هاجر فكان لاسمها نصيب من الهجرة، فهاجرت من مصر إلى الشام و فلسطين ثم إلى مكة، فاستقرت بها و دفنت بأشرف مكان فيها. و في المثل «لكل مسمى من اسمه نصيب» اللهم اجل لنا من اسمنا أوفى نصيب بفضلك و إحسانك آمين يا رب العالمين.

ثم جلست هاجر مع ابنها إسماعيل تحت شجرة كبيرة في مكان بئر زمزم حتى إذا نفد ذلك التمر و الماء عطشت هي و ولدها عطشا شديدا، فخافت على ولدها

463

الهلاك، فمشت بين الصفا و المروة سبع مرات و هي ترمل لعلها ترى أحدا، فعند ذلك جاء جبريل (عليه السلام) و ضرب بجناحيه مكان زمزم فخرج الماء فجعلت تحوط عليه و تقول: زمي زمي. و في الحديث: «يرحم اللّه أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت عينا معينا» ثم مرت بها قبيلة من جرهم فاستأذنوها في النزول عندها و قالوا لها: أشركينا في مائك نشركك في ألباننا ففعلت فنزلوا و أرسلوا إلى أهليهم فقدموا إليهم فتعلم إسماعيل منهم العربية، و كان يخرج معهم للصيد فأحبوه و زوجوه بامرأة منهم، ثم ماتت أمه بعد ما تزوج و دفنت في الحجر و ذلك قبل بناء الكعبة.

جاء في صحيح البخاري في باب الشرب: عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال النبي (صلى الله عليه و سلم): يرحم اللّه أم إسماعيل لو تركت زمزم، أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت عينا معينا، و أقبل جرهم فقالوا أتأذنين أن ننزل عندك قالت: نعم و لا حق لكم في الماء قالوا: نعم.

إن في قصة هاجر لعبرة كبرى لأولى الألباب، إن من قوة إيمانها باللّه تعالى، و تفويض الأمر إليه، بلا مناقشة زوجها، و من صبرها على الإقامة بمكة وحيدة فريدة لا أنيس معها و لا جليس و لا ماء و لا طعام، في هذا القفر الموحش و في هذه البيداء الصامتة و الجبال المحيطة الشامخة، إن في ذلك لعبرة لمن كان له قلب، و ذكرى لمن كان له سمع، لا يمكن التعبير عنها بالقلم و لكن إذا وضع الإنسان نفسه مكانها و تصور حالته و هو في وسط هذه الصحراوات، وحيدا فريدا، ليل نهار، بلا طعام و لا ماء، و لا بيت يأوي إليه، و لا طير و لا وحش و لا طارق يطرق عليه، و لا يدري ما اللّه صانع به، فإنه يخرج من تأملاته بنتيجة يسطرها بماء الذهب. فتأمل جيدا و تصور طويلا فإن ذلك مما يزيد الإنسان إيمانا باللّه و ثقة برحمة اللّه و اطمئنانا إلى لطف اللّه و فضله.

إكرام إبراهيم (عليه السلام) لزوجته سارة

كان سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام، يحب زوجته سارة لقرابتها منه ولدينها و حسبها و جمالها، فكان يكرمها و يعتني بأمرها كثيرا، حتى إنه ما كان يأتي مكة لزيارة ابنه إسماعيل و أمه هاجر إلا بعد أن يستأذن سارة فتأذن له و تشترط عليه أن لا ينزل عندها فيوفي لها بهذا الشرط كما تقدم. و ليس معنى‏

464

ذلك أنه كان تحت أمر زوجته سارة خاضعا لإرادتها كما يخضع أهل زماننا لزوجاتهم في كل شي‏ء، فإن ذلك لا يجوز عليه، فالأنبياء عليهم الصلاة و السلام منزهون عن الخضوع و الطاعة لزوجاتهم لمجرد الهوى و حب النفس، و بالأخص خليل اللّه الذي أعطي النظر في ملكوت السموات و الأرض، و إنما كان استئذانه منها لزيارة ابنه إسماعيل و أمه هاجر لأمور أربعة:

(الأول): أن بينه و بين زوجته سارة صلة قرابة و كانت ذات دين و حسب.

(الثاني): أن هاجر كانت أمة مملوكة لسارة فوهبتها لزوجها إبراهيم فدخل بها فحملت منه بإسماعيل.

(الثالث): لما ولدت هاجر إسماعيل اشتدت غيرة سيدتها سارة منها؛ لأنها لم تكن قد ولدت بعد، و هذا أمر طبيعي في جميع النساء، فطلبت من زوجها أن يبعدها عنها، فأمره اللّه تعالى أن ينقل هاجر بابنها إسماعيل إلى مكة.

(الرابع): أن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، لعلى خلق عظيم و شمائل سامية، و في الحديث الشريف: «خيركم خيركم لأهله و أنا خيركم لأهلي» فليس من اللائق أن يزور إبراهيم (عليه السلام) ولده إسماعيل و أمه هاجر بمكة من غير أن يخبر بذلك زوجته سارة التي هي سيدة هاجر و هي التي و هبتها له. فهذه الأمور مما يدعو إبراهيم (عليه السلام) إلى جبر خاطر زوجته بالاستئذان منها للزيارة.

ثم إن سارة الكثيرة الغيرة من أمتها لا تلام إذا اشترطت على زوجها، في زيارته لها و لولدها بمكة، أن لا ينزل من البراق بل يكتفي برؤيتهما ليطمئن عليهما ثم يرجع من ساعته، و سارة كانت واثقة تمام الثقة من وفاء زوجها بما اشترطته عليه، و لا يبعد أن يكون كل ذلك بأمر اللّه عز و جل بدليل أن هاجر ما كانت تتألم و تشكو من هذه المعاملة، و نبي اللّه إبراهيم ما كان يتبرم من سارة لقسوتها على أمتها هاجر، و جبريل الذي يدله على الطريق بالبراق و يلازمه في سفره ذهابا و إيابا ما كان ليأمره بمخالفة زوجته سارة و اللبث عند هاجر و لو يوما واحدا، فحالات الأنبياء لا تقاس على أحوالنا، و لقد كانت عاقبة صبر هاجر محمودة، فجاءها خير كثير، و الظاهر، و اللّه تعالى أعلم بالغيب، أن سارة كانت تخشى إن نزل زوجها عند هاجر أن يقربها فتحمل منه ثانيا فتلتهب سارة غيرة منها، و من هنا يفهم أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام لم يقرب هاجر منذ أن أسكنها مكة و اللّه أعلم، على أنه دام الاشتراط عليه حتى بعد وفاة هاجر فما كان ينزل عند

465

إسماعيل و لا عند زوجته لا الأولى و لا الثانية. و أما نزوله الأخير عند ولده إسماعيل فلم يكن هناك شرط عليه لأن نزوله كان بأمر اللّه تعالى لبناء بيته الحرام، و لا ندري أكانت سارة في هذه المرة الأخيرة على قيد الحياة أم أنها كانت توفيت.

ثم إن إبراهيم خليل اللّه (عليه السلام)، لا يعقل بعد أن قبل اشتراط زوجته سارة في عدم النزول عند أمتها هاجر بمكة أن يخونها بالغيب فينزل عندها، لأن مقام الأنبياء عليهم الصلاة و السلام أجل من ذلك. و من أوفى من الأنبياء الكرام بالوعد، و بالأخص من قال اللّه عز و جل في حقه: وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى‏.

هذه جملة أتينا بها استطرادا خوفا من أن تزل قدم من لم يتمكن من معرفة مقامات الأنبياء المعصومين، عليهم الصلاة و السلام، فيظن أن خليل اللّه إبراهيم أبا الأنبياء كان يخضع لأوامر زوجته اتباعا لهوى النفس و هو الذي قام بتنفيذ أمر اللّه تعالى في ذبح ابنه إسماعيل. نسأل اللّه السلامة من الخطأ و الزلل، و الحفظ من الفتن الظاهرة و الباطنة، و أن يفتح علينا فتوح العارفين، و أن ينعم علينا بما أنعم به على عباده الصالحين آمين، و صلى اللّه على سيدنا محمد أبو القاسم الأمين و على آله و صحبه أجمعين.

ثم إن إبراهيم عليه الصلاة و السلام جاء من الشام يقول حتى أطالع تركتي فقدم مكة فوجد امرأة إسماعيل فسألها عنه فقالت: هو غائب و لم تحسن مقابلته و لم تضيفه و قالت له: نحن في ضيق شديد و شكت إليه. فقال لها: قولي لإسماعيل قد جاء بعدك شيخ كذا و كذا و هو يقرأ عليك السلام و يقول لك: غير عتبة بيتك.

فقالت ذلك لإسماعيل فقال لها: أنت عتبة بيتي فارجعي إلى أهلك ثم تزوج بأخرى، ثم جاء إبراهيم إلى مكة فوجد إسماعيل غائبا و وجد امرأته الأخرى و هي رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي و قد جاءته باثني عشر ابنا. و مضاض هو أول من صار إليه أمر البيت بعد نابت بن إسماعيل، (عليه السلام)، و كان ملك جرهم و المطاع فيهم، فسألها عنه فقالت له: ذهب إسماعيل يتصيد و هو يجي‏ء الآن إن شاء اللّه فانزل يرحمك اللّه فلم ينزل فجاءته بحجر (قيل و هو المقام) فوضعته عن شقه الأيمن فوضع قدمه عليه فغسلت شق رأسه الأيمن ثم حولته إلى شقه الأيسر فبقي أثر قدميه على الحجر ثم أضافته و أكرمته و عرضت عليه الطعام و الشراب. فقال: ما طعامكم و ما شرابكم؟ قالت: اللحم و الماء. قال: هل من حب أو غيره من الطعام؟ قالت: لا. قال: بارك اللّه لكم في اللحم و الماء. قال‏

466

ابن عباس يقول رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): لو وجد عندها يومئذ حبا لدعا لهم بالبركة فيه فكانت أرضا ذات زرع. قال سعيد بن جبير: و لا يخلى أحد على اللحم و الماء في غير مكة إلا وجع بطنه و إن أخلى عليهما بمكة لم يجد كذلك أذى. ا ه من الأزرقي. ثم رجع إبراهيم و قال لها: قولي لإسماعيل قد جاء بعدك شيخ فقال:

إني وجدت عتبة بيتك صالحة فأقررها. فلما رجع إسماعيل إلى أهله قال: هل جاءكم بعدي أحد؟ قالت: نعم قد جاء بعدك شيخ كذا و كذا و أشفقت عليه و يقول لك: إني وجدت عتبة بيتك صالحة فأقررها. قال لها: ذاك أبي و أمرني أن أمسكك، و كان إبراهيم (عليه السلام)، يأتي مكة كل مرة راكبا البراق و جبريل يدله على الطريق. انتهى كل ذلك من كتابنا مقام إبراهيم (عليه السلام).

و قصة إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام، مع ذلك الجبار المتقدم ذكره الذي وهب هاجر لسارة مذكورة في البخاري و مسلم و نحب ذكر الحديث الصحيح هنا زيادة في البيان و الفائدة، و ننقله من بعض الشرح من كتاب شيخنا العلامة المحدث الشهير الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي (رحمه اللّه تعالى)، المسمى «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» و قد شرحه شيخنا المذكور أيضا و هو هذا:

جاء في الصحيحين و اللفظ للبخاري أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: «لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة و السلام إلا ثلاث كذبات، اثنتين منهن في ذات اللّه عز و جل قوله: إِنِّي سَقِيمٌ‏ و قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا، و قال: بينا هو ذات يوم و سارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له: إن ههنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: أختي فأتى سارة فقال: يا سارة: ليس على وجه الأرض مؤمن غيري و غيرك و إن هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني فأرسل إليها فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ فقال:

ادعي اللّه لي و لا أضرك. فدعت اللّه فأطلق، ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد فقال: ادعي اللّه لي و لا أضرك، فدعت اللّه فأطلق.

فدعا بعض حجبته فقال: إنكم تأتوني بإنسان أتيتموني بشيطان. فأخدمها هاجر فأتته و هو قائم يصلي فأومأ بيده مهيم قال: رد اللّه كيد الكافر أو الفاجر من نحره و أخدم هاجر» رواه أبو هريرة، رضي اللّه تعالى عنه.

و لفظ الكذب في الحديث ليس على ظاهره إذ يستحيل على الأنبياء، عليهم الصلاة و السلام الكذب، و إنما أطلق عليه الكذب تجوزا لمجيئه على صورة الكذب‏

467

لا حقيقة. و الكذب ينقسم على أقسام حكم الشرع الخمسة كما هو مفصل في محله.

و معنى كلمة «مهيم» الواردة في الحديث أي ما الخبر، و هي بفتح الميم و سكون الهاء و فتح الياء و سكون الميم، و في رواية «مهيا» بالألف و في أخرى «مهين» بالنون و كلها بمعنى واحد، و يقال: إن إبراهيم الخليل (عليه السلام)، أول من قال هذه الكلمة، و معنى إبراهيم بالسريانية أب رحيم، و اسم ذلك الجبار صادوق فيما ذكره ابن قتيبة و هو ملك الأردن أو سنان أو سفيان بن علوان فيما ذكره الطبري أو عمرو بن امرئ القيس بن سبأ و كان على مصر فيما ذكره السهيلي.

و إلى قصة هذا الحديث الصحيح أشار صاحب نظم عمود النسب بقوله:

و مر في فراره على الذي‏* * * غصب سارة و لم تستنقذ

إلا بشل يده و صرعه‏* * * و عصمت سارة من طبعه‏

و من وراء الحجب الخليل‏* * * عاين أن عصمه الجليل‏

و أتحف الملك زوجة الخليل‏* * * بهاجر و أتحفت بها الخليل‏

و سبيت من ملك القبط ابنته‏* * * هاجر ذي و أنجبت ريحانته‏

إذ ولدت أبا عمود النسب‏* * * و لا محيد عنه للمستعرب‏

قوله: من طبعه هو بفتح الباء مصدر من باب تعب، و هو الدنس أي:

عصمت من دنسه، و قوله: إذ ولدت أبا عمود النسب، أي: عمود نسب نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم) و هو إسماعيل (عليه السلام) و هو أبو عدنان جميعا بالاتفاق، و لذا قال: و لا محيد عنه للمستعرب أي للعرب المستعربة جميعا.

انتهى من كتاب «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» و قد شرح هذا الحديث شرحا وافيا شيخنا صاحب الكتاب المذكور، فمن أراد زيادة الإيضاح فليرجع إليه.

قال الأزرقي في تاريخه: حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال: أخبرني محمد بن إسحاق قال: لما أمر إبراهيم خليل اللّه تعالى أن يبني البيت الحرام أقبل من أرمينية على البراق معه السكينة لها وجه تتكلم، و هي بعد ريح هفافة، و معه ملك يدله على موضع البيت حتى انتهى إلى مكة و بها إسماعيل و هو

468

يومئذ ابن عشرين سنة و قد توفيت أمه قبل ذلك و دفنت في موضع الحجر، فقال:

يا إسماعيل إن اللّه تعالى قد أمرني أن أبني له بيتا، فقال له إسماعيل: و أين موضعه؟

قال: فأشار له الملك إلى موضع البيت قال: فقاما يحفران عن القواعد ليس معهما غيرهما فبلغ إبراهيم الأساس، أساس آدم الأول فحفر عن ربض في البيت فوجد حجارة عظاما ما يطيق الحجر منها ثلاثون رجلا، ثم بنى على أساس آدم الأول و تطوقت السكينة كأنها حية على الأساس الأول، و قالت: يا إبراهيم: ابن عليّ، فبنى عليها، فلذلك لا يطوف بالبيت أعرابي نافر و لا جبار إلا رأيت عليه السكينة. فبنى البيت و جعل طوله في السماء تسعة أذرع و عرضه في الأرض اثنين و ثلاثين ذراعا من الركن الأسود إلى الركن الشامي الذي عند الحجر من وجهه و جعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي الذي فيه الحجر اثنين و عشرين ذراعا، و جعل طول ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحد و ثلاثين ذراعا و جعل عرض شقها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعا، فلذلك سميت الكعبة لأنها على خلقة الكعب. قال: و كذلك بنيان أساس آدم (عليه السلام)، و جعل بابها بالأرض غير مبوب حتى كان تبّع (أسعد الحميري) هو الذي جعل لها بابا، و غلقا فارسيا، و كساها كسوة تامة، و نحر عندها.

نقول: قال الأزرقي في صحيفة 27 من تاريخه: إن إبراهيم عليه الصلاة و السلام لما بنى الكعبة جعل طولها في الأرض أحد و ثلاثين ذراعا، و قال في صحيفة 194 جعل طولها في الأرض من ثلاثين ذراعا، فتنبه لذلك مع العلم بأن الفرق بين عبارتيه قليل جدا.

ثم قال الأرزقي: و جعل إبراهيم (عليه السلام) الحجر إلى جنب البيت عريشا من أراك تقتحمه العنز، فكان زربا لغنم إسماعيل، قال: و حفر إبراهيم (عليه السلام) جبا في بطن البيت على يمين من دخله يكون خزانة للبيت يلقى فيه ما يهدى للعكبة و هو الجب الذي نصب عليه عمرو بن لحي، هبل، الصنم الذي كانت قريش تعبده و يستقسم عنده بالأزلام حين جاء به من هيت من أرض الجزيرة.

469

قال: و كان إبراهيم يبني و ينقل له إسماعيل الحجارة على رقبته فلما ارتفع البنيان قرب له المقام فكان يقوم عليه و يبني و يحوله إسماعيل في نواحي البيت حتى انتهى إلى موضع الركن الأسود. قال إبراهيم لإسماعيل: يا إسماعيل ابغني حجرا أضعه هاهنا يكون للناس علما يبتدئون الطواف. فذهب إسماعيل يطلب له حجرا و رجع و قد جاءه جبريل بالحجر الأسود و كان اللّه عز و جل استودع الركن أبا قبيس حين غرق اللّه الأرض زمن نوح، و قال: إذا رأيت خليلي يبني بيتي فأخرجه له. قال: فجاءه إسماعيل فقال له: يا أبة من أين لك هذا؟ قال: جاءني به من لم يكلني إلى حجرك جاء به جبريل. فلما وضع جبريل الحجر في مكانه و بنى عليه إبراهيم و هو حينئذ يتلألأ تلألؤا من شدة بياضه فأضاء نوره شرقا، و غربا، و يمنا، و شاما. قال: فكان نوره يضي‏ء إلى منتهى أنصاب الحرم من كل ناحية من نواحي الحرم. قال: و إنما شدة سوداه لأنه أصابه الحريق مرة بعد مرة في الجاهلية و الإسلام.

فأما حريقه في الجاهلية، فإنه ذهبت امرأة في زمن قريش تجمر الكعبة فطارت شرارة في أستار الكعبة فاحترقت الكعبة و احترق الركن الأسود، و اسود و توهنت الكعبة، فكان هو الذي هاج قريشا على هدمها و بنائها. و أما حرقه في الإسلام ففي عصر ابن الزبير أيام حاصره الحصين بن نمير الكندي، احترقت الكعبة و احترق الركن فتفلق بثلاث فلق حتى شد شعبه ابن الزبير بالفضة فسواده لذلك.

قال: و لولا ما مس الركن من أنجاس الجاهلية و أرجاسها ما مسه ذو عاهة إلا شفي. قال سعيد بن سالم: قال ابن جريج: و كان الزبير بنى الكعبة من الذرع على ما بناها إبراهيم (عليه السلام) قال: و هي مكعبة على خلقة الكعب فلذلك سميت الكعبة. قال: و لم يكن إبراهيم سقف الكعبة و لا بناها بمدر و إنما رضمها رضما.

حدثني جدي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن نجيح عن مجاهد قال:

السكينة لها رأس كرأس الهرة، و جناحان. حدثني مهدي بن أبي المهدي قال:

حدثنا بشر بن السري قال: حدثنا قيس بن الربيع عن سلمة بن كهيل عن أبي الأحوص عن علي بن أبي طالب قال: السكينة، لها رأس كرأس إنسان ثم هي بعد ريح هفافة.

470

حدثنا مهدي بن أبي المهدي قال: حدثنا الغزاري عن جويبر عن الضحاك قال: السكينة الرحمة. انتهى كل ذلك من تاريخ الأزرقي.

قصة إبراهيم عليه الصلاة و السلام و بناءه الكعبة

جاء في صحيح البخاري في كتاب الأنبياء في باب يزفّون النّسلان في المشي:

عن سعيد بن جبير قال ابن عباس: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقا لتعفّي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم و بابنها إسماعيل و هي ترضعه، حتى وضعها عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، و ليس بمكة يومئذ أحد، و ليس بها ماء فوضعهما هنالك، و وضع عندهما جرابا فيه تمر، و سقاء فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب و تتركنا بهذا الوادي، الذي ليس فيه إنس و لا شي‏ء، فقالت له ذلك مرارا و جعل لا يلتفت إليها. فقالت له: اللّه الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت:

إذا لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات و رفع يديه فقال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ‏ حتى بلغ: يَشْكُرُونَ‏، و جعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل و تشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت و عطش ابنها، و جعلت تنظر إليه يتلوى أو قال يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها و نظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات.

قال ابن عباس: قال النبي (صلى الله عليه و سلم): «فذلك سعي الناس بينهما» فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه تريد نفسها ثم تسمّعت، فسمعت أيضا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أو قال بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه و تقول بيدها هكذا، و جعلت تغرف من الماء في سقائها و هو يفور بعد ما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي (صلى الله عليه و سلم): «يرحم اللّه أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال: لو لم تغرف‏

471

من الماء لكانت زمزم عينا معينا» قال: فشربت و أرضعت ولدها، فقال لها الملك:

لا تخافوا الضيعة، فإن هاهنا بيت اللّه يبني هذا الغلام و أبوه، و إن اللّه لا يضيع أهله، و كان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه و شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا عائفا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء لعهدنا بهذا الوادي و ما فيه ماء، فأرسلوا جريّا أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا، قال: و أم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، و لكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم.

قال ابن عباس: قال النبي (صلى الله عليه و سلم): فألفى ذلك أم إسماعيل و قد أحبت الأنس، فنزلوا و أرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، و شب الغلام و تعلم العربية منهم، و أنفسهم و أعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، و ماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم و هيئتهم، فقالت: نحن بشرّ نحن في ضيق و شدة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي (عليه السلام)، و قولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم! جاءنا شيخ كذا و كذا فسألنا عنك فأخبرته، و سألني كيف عيشنا، فأخبرته أنّا في جهد و شدة، قال:

فهل أوصاك بشي‏ء؟ قالت: نعم! أمرني أن أقرأ عليك السلام، و يقول: غير عتبة بابك، قال: ذاك أبي و قد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك فطلقها، و تزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء اللّه، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ و سألها عن عيشهم و هيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، و أثنت على اللّه. فقال: ما طعامكم؟

قالت: اللحم. قال: فما شرابكم. قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم و الماء.

قال النبي (صلى الله عليه و سلم): «و لم يكن لهم يومئذ حب، و لو كان لهم دعا لهم فيه»، قال:

فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي (عليه السلام)، و مريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟

472

قالت: نعم: أتانا شيخ حسن الهيئة و أثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشي‏ء؟ قالت: نعم! هو يقرأ عليك السلام، و يأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي و أنت العتبة أمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء اللّه ثم جاء بعد ذلك، و إسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد و الولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن اللّه أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: و تعينني قال: و أعينك، قال: فإن اللّه أمرني أن أبني هاهنا بيتا، و أشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة و إبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر، فوضعه له فقام عليه و هو يبني و إسماعيل يناوله الحجارة و هما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت و هما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.

و جاءت هذه القصة في البخاري أيضا برواية أخرى، و هي:

حدثنا عبد اللّه بن محمد حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، قال: حدثنا إبراهيم بن نافع عن كثير بن كثير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: لما كان بين إبراهيم و بين أهله ما كان، خرج بإسماعيل و أم إسماعيل، و معهم شنّة فيها ماء فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة، فيدر لبنها على صبيها، حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتبعته أم إسماعيل، حتى بلغوا كداء، نادته من ورائه يا إبراهيم، إلى من تتركنا؟ قال: إلى اللّه. قالت: رضيت باللّه، قال: فرجعت فجعلت تشرب من الشنة و يدر لبنها على صبيها، حتى لما فني الماء قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا، قال:

فذهبت فصعدت الصفا فنظرت و نظرت هل تحس أحدا، فلم تحس أحدا، فلما بلغت الوادي سعت و أتت المروة ففعلت ذلك أشواطا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل- تعني الصبي- فذهبت فنظرت فإذا هو حاله كأنه ينشغ للموت، فلم تقرها نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرت، لعلي أحس أحدا، فذهبت فصعدت الصفا فنظرت و نظرت فلم تحس أحدا، حتى أتمت سبعا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل فإذا هي بصوت، فقالت: أغث إن كان عندك خير، فإذا

473

جبريل قال فقال بعقبه هكذا، و غمز عقبه على الأرض، قال فانبثق الماء، فدهشت أم إسماعيل فجعلت تحفر.

قال: فقال أبو القاسم (صلى الله عليه و سلم): لو تركته كان الماء ظاهرا، قال: فجعلت تشرب من الماء و يدر لبنها على صبيها، قال: فمر ناس من جرهم ببطن الوادي، فإذا هم بطير كأنهم أنكروا ذاك، و قالوا: ما يكون الطير إلا على ماء فبعثوا رسولهم فنظر فإذا هم بالماء، فأتاهم فأخبرهم فأتوا إليها، فقالوا: يا أم إسماعيل أتأذنين لنا أن نكون معك أو نسكن معك، فبلغ ابنها فنكح فيهم امرأة.

قال: ثم إنه بدا لإبراهيم، فقال لأهله: إني مطّلع تركتي، قال: فجاء فسلم، فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد، قال: قولي له: إذا جاء، غير عتبة بابك، فلما جاء أخبرته قال: أنت ذاك فاذهبي إلى أهلك.

قال: ثم إنه بدا لإبراهيم، فقال لأهله إني مطّلع تركتي، قال: فجاء فقال:

أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد فقالت: ألا تنزل فتطعم و تشرب؟

فقال: و ما طعامكم و ما شرابكم؟ قالت: طعامنا اللحم و شرابنا الماء. قال: اللهم بارك لهم في طعامهم و شرابهم، قال: فقال أبو القاسم (صلى الله عليه و سلم): «بركة بدعوة إبراهيم» قال ثم إنه بدا لإبراهيم فقال لأهله: إني مطّلع تركتي فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلا له. فقال: يا إسماعيل إن ربك أمرني أن أبني له بيتا.

قال: أطع ربك، قال: إنه قد أمرني أن تعينني عليه، قال: إذا أفعل، أو كما قال، قال: فقاما فجعل إبراهيم يبني و إسماعيل يناوله الحجارة و يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم قال: حتى ارتفع البناء، و ضعف الشيخ على نقل الحجارة، فقام على حجر المقام فجعل يناوله الحجارة و يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. انتهى من صحيح البخاري.

و قال الشيخ عبد اللّه الغازي (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه ما نصه: و في تفسير معالم التنزيل للعلامة أبي محمد الحسين بن محمد البغوي (رحمه اللّه)، قال الرواة: إن اللّه تعالى أمر إبراهيم بعد ما ولد له إسماعيل و إسحاق ببناء بيت يذكر فيه فسأل اللّه تعالى عز و جل أن يبين له موضعه، فبعث اللّه السكينة لتدله على موضع البيت و هي ريح خجوج لها إنسان شبيه الحية. فأمر إبراهيم أن بيني حيث تستقر السكينة فتبعها إبراهيم حتى أتيا مكة فتطوفت السكينة على موضع البيت كتطوف الحجفة هذا قول علي و الحسن. قال ابن عباس: بعث اللّه أنه سبحانه على قدر

474

فجعلت تسير و إبراهيم يمشي في طلبها إلى أن وافق مكة و وقفت على موضع البيت فنودي منها إبراهيم أن ابني على ظلها لا تزد و تنقص، و قيل: و أرسل اللّه جبريل ليدله على موضع البيت فذلك قوله تعالى: وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ‏ فبنى إبراهيم و إسماعيل البيت، فكان إبراهيم يبنيه و إسماعيل يناوله الحجر، فذلك قوله تعالى: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ‏ يعني أسها واحد لنا قاعدة، و قال الكسائي: بصدد البيت قال ابن عباس: إنما بني البيت من خمسة أجبل: طور سيناء و طور زيتا و لبنان، و هو جبل بالشام، و الجودي و هو جبل بالجزيرة، و بنيا قواعده من حراء، و هو جبل بمكة، فلما انتهى إبراهيم إلى موضع الحجر الأسود و قال لإسماعيل: ائتني بحجر حسن يكون للناس علما فأتاه بحجر.

فقال: ائتني بأحسن من هذا فمضى إسماعيل بطلبه، فصاح أبو قبيس: يا إبراهيم إن لك عندي وديعة فخذها، فأخذ الحجر الأسود فوضع مكانه. انتهى من تاريخ الغازي.

و جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و قال أهل الأخبار: إن هاجر كانت لسارة فوهبتها لإبراهيم إذ لم يولد له ولد منها، و قالت: عسى اللّه أن يرزقك منها ولدا.

فحملت هاجر بإسماعيل. فلما ولدته كان نور محمد (صلى الله عليه و سلم) لا معا من جبهته كما مر، فغارت سارة و قيل: إن إبراهيم أخبر سارة بأن اللّه وعده أن يرزقه ولدا طيبا و كانت ترجو أن يكون الولد منها فلما حملت هاجر بإسماعيل و ولدته و ظهر نور محمد (صلى الله عليه و سلم) في وجهه، اغتمت سارة و حزنت حزنا شديدا و غارت عليها غيرة ضاق بها صدرها، فناشدت إبراهيم أن يخرجها من عندها و جوارها فأوحى اللّه تعالى إلى إبراهيم أن يطيع سارة في كل ما تقول و تأمر في هاجر و إسماعيل، و حلفت سارة على أن تقطع ثلاثة من أعضاء هاجر، فلما علمت به هاجر تمنطقت و تهيأت للفرار.

قال ابن عباس: أول من اتخذ من النساء المنطقة أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفّي أثرها على سارة، فأمر إبراهيم سارة أن تبر قسمها بثقب أذنيها و خفاضها ففعلت فصار ثقب الأذان و الخفاض سنة من النساء. كذا في شفاء الغرام. انتهى من تاريخ الخميس. و المنطق على وزن منبر شقة تلبسها المرأة و تشد وسطها فترسل الأعلا على الأسفل إلى الأرض و الأسفل ينجر على الأرض.

و جاء في تاريخ الخميس أيضا ما نصه:

475

و في معالم التنزيل، فوضعهما إبراهيم عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلا المسجد، و ليس بمكة يومئذ أحد و ليس بها ماء و لا عمارة و لا زراعة.

و في رواية، وضعهما عند تل ستبنى الكعبة عليه. و في الاكتفاء: فلما أراد إبراهيم أن يخرج و رأت أم إسماعيل أنه ليس بحضرتها أحد من الناس و لا ماء ظاهر تركت ابنها في مكانه و تبعت إبراهيم، فقالت: يا إبراهيم إلى من تدعنا؟ فسكت عنها حتى إذا دنا من كداء قال: إلى اللّه عز و جل أدعكم قالت: فاللّه أمرك بهذا؟

قال: نعم! قالت: فحسبي تركتنا إلى كاف. و انصرفت هاجر إلى ابنها و خرج إبراهيم حتى وقف على كداء و لا بناء و لا ظل و لا شي‏ء يحول دون ابنه، فنظر إليه فأدركه ما يدرك الوالد من الرحمة لولده فقال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ‏. و في رواية: فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه إلى البيت بهذه الدعوات، و عن مجاهد: لو قال: أفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس و الروم. و في الكشاف قيل لو لم يقل:" من" لازدحموا عليها حتى الروم و الترك و الهند، و في أنوار التنزيل: لحجت اليهود و النصارى و المجوس. و في الاكتفاء: ثم انصرف إبراهيم راجعا إلى الشام و رجعت أم إسماعيل إلى ابنها و عمدت هاجر فجعلت عريشا في موضع الحجر من سمر و تمام ألقته عليه و معها شن فيه ماء، و في رواية: وضع عندهما جرابا فيه تمر و سقاء فيه ماء. انتهى منه.

و جاء في تاريخ الأزرقي «أخبار مكة» ما نصه: حدثنا أبو الوليد قال:

حدثني جدي قال: حدثنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن كثير بن كثير عن سعيد بن جبير قال: حدثنا عبد اللّه بن عباس قال: لبث إبراهيم ما شاء اللّه أن يلبث، ثم جاء الثالثة فوجد إسماعيل (عليه السلام) قاعدا تحت الدوحة التي بناحية البير يبري نبلا أو نبالا له، فسلم عليه و نزل إليه، فقعد معه فقال إبراهيم: يا إسماعيل إن اللّه تعالى قد أمرني بأمر، فقال له إسماعيل: فأطع ربك فيما أمرك، فقال إبراهيم: يا إسماعيل أمرني ربي أن أبني له بيتا، قال له إسماعيل: و أين؟ يقول ابن عباس: فأشار له إلى أكمة مرتفعة على ما حولها عليها رضراض من حصباء يأتيها السيل من نواحي و لا يركبها، يقول ابن عباس: فقاما يحفران عن القواعد و يحفرانها و يقولان: ربنا تقبل منا إنك سميع الدعاء، ربنا تقبل منا إنك أنت‏

476

السميع العليم، و يحمل له إسماعيل الحجارة على رقبته و يبني الشيخ إبراهيم. فلما ارتفع البناء و شق على الشيخ إبراهيم تناوله قرب له إسماعيل هذا الحجر- يعني المقام- فكان يقوم عليه و يبني و يحوله في نواحي البيت حتى انتهى إلى وجه البيت.

يقول ابن العباس: فلذلك سمي مقام إبراهيم لقيامه عليه. ا ه.

ثم قال الأزرقي: حدثني مهدي ابن أبي المهدي قال: حدثنا عبد اللّه بن معاذ الصنعاني عن معمر عن أيوب السختياني و كثير بن كثير- يزيد أحدهما على صاحبه- عن سعيد بن جبير في حديث حدث به طويل عن ابن عباس قال: فجاء إبراهيم و إسماعيل يبري نبلا له أو نباله تحت الدوحة قريبا من زمزم. فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد لولده و الولد بوالديه. قال معز: و سمعت رجلا يقول:

بكيا حتى أجابتهما الطير. قال سعيد: فقال: يا إسماعيل إن اللّه عز و جل قد أمرني بأمر. قال: فأطع ربك فيما أمرك قال: و تعينني قال: و أعينك قال: فإن اللّه تعالى قد أمرني أن أبني له بيتا هاهنا فعند ذلك رفع إبراهيم القواعد من البيت.

حدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم قال: أخبرني ابن جريج قال: قال مجاهد: أقبل إبراهيم و السكينة، و الصرد و الملك من الشام فقالت السكينة: يا إبراهيم اربض على البيت فلذلك لا يطوف بالبيت ملك من هذه الملوك و لا أعرابي نافز إلا رأيت عليه السكينة قال: و قال ابن جريج: أقبلت معه السكينة لها رأس كرأس الهرة و جناحان. ا ه.

ثم قال الأزرقي: و حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج عن ابن جريح قال: قال علي بن أبي طالب: أقبل إبراهيم (عليه السلام) و الملك و السكينة و الصرد دليلا حتى تبوأ البيت الحرام كما تبوأت العنكبوت بيتها، فحفر فأبرز عن ربض في أسها أمثال خلف الإبل لا يحرك الصخرة إلا ثلاثون رجلا قال: ثم قال لإبراهيم: قم فابن لي بيتا قال: يا رب و أين؟ قال: سنريك قال:

فبعث اللّه تعالى سحابة فيها رأس، تكلم إبراهيم فقال: يا إبراهيم إن ربك يأمرك أن تخط قدر هذه السحابة، فجعل ينظر إليها و يأخذ قدرها فقال له الرأس: أقد فعلت؟ قال: نعم؟ فارتفعت السحابة فأبرز عن أس ثابت من الأرض فبناه إبراهيم (عليه السلام)، قال: و حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال: أخبرني محمد بن أبان عن ابن إسحاق السبيعي عن حارثة بن مضرب عن علي بن أبي طالب في حديث حدث به عن زمزم قال: ثم نزلت السكينة كأنها

477

غمامة أو ضبابة في وسطها كهيئة الرأس يتكلم يقول: يا إبراهيم خذ قدري من الأرض، لا تزد و لا تنقص، فخط فذلك بكة و ما حواليه مكة. ا ه.

ثم قال أيضا: حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج عن وهب بن منبه أنه أخبره قال: لما ابتعث اللّه تعالى إبراهيم خليله ليبني له البيت طلب الأساس الأول وضع بنو آدم في موضع الخيمة التي عزى اللّه بها آدم (عليه السلام) من خيام الجنة حين وضعت له بمكة في موضع البيت الحرام، فلم يزل إبراهيم يحفر حتى وصل إلى القواعد التي أسس بنو آدم في زمانهم في موضع الخيمة. فلما وصل إليها أظل اللّه له مكان البيت بغمامة، فكانت خفاف البيت الأول، ثم لم تزل راكدة على حفافه تظل إبراهيم و تهديه مكان القواعد حتى رفع القواعد قامة ثم انكشطت الغمامة فذلك قوله عز و جل: وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ‏ أي:

الغمامة التي ركدت على الخفاف ليهتدي بها مكان القواعد فلم يزل و الحمد للّه منذ يوم رفعه اللّه معمورا. ا ه.

ثم قال الأزرقي: حدثني مهدي بن أبي المهدي قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد اللّه مولى بن هاشم قال: أخبرنا حماد عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة عن علي بن أبي طالب في قوله عز و جل: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً قال:

إنه ليس بأول بيت. كان نوح في البيوت قبل إبراهيم و كان في البيوت و لكنه أول بيت وضع للناس فيه آيات بينات مقام إبراهيم و من دخله كان آمنا. هذه الآيات قال: إن إبراهيم أمر ببناء البيت فضاق به ذرعا فلم يدر كيف يبني فأرسل اللّه تعالى السكينة و هي ريح خجوج لها رأس حتى تطوقت مثل الحجفة فبنى عليها و كان يبني كل يوم سافا و مكة يومئذ شديدة الحر، فلما بلغ موضع الحجر قال لإسماعيل: اذهب فالتمس حجرا أضعه هاهنا ليهدي الناس به فذهب إسماعيل يطوف في الجبال، و جاء جبريل بالحجر الأسود و جاء إسماعيل فقال: من أين لك هذا الحجر؟ قال: من عند من لم يتكل على بنائي و بنائك، ثم انهدم فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته قبيلة من جرهم، ثم انهدم فبنته قريش. فلما أرادوا أن يضعوا الحجر تنازعوا فيه فقالوا: أول رجل يدخل من هذا الباب فهو يضعه، فجاء رسول اللّه، (صلى الله عليه و سلم) فأمر بثوب فبسط ثم وضعه فيه ثم قال: ليأخذ من كل قبيلة رجل من ناحية الثوب. ثم رفعوه ثم أخذه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فوضعه. ا ه.

478

ثم قال الأزرقي: حدثني جدي قال: حدثني سفيان بن عيينة عن بشر بن عاصم عن سعيد بن المسيب قال: أخبرني علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) قال: أقبل إبراهيم من أرمينية معه السكينة تدله حتى تبوأ البيت كما تبوأت العنكبوت بيتها فرفعوا عن أحجار الحجر يطيقه أو لا يطيقه ثلاثون رجلا.

حدثني مهدي بن أبي المهدي قال: حدثنا عبد اللّه بن معاذ الصنعاني عن معمر عن قتادة في قوله عز و جل: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ‏ قال:

التي كانت قواعد البيت قبل ذلك. قال الخزاعي: و حدثناه أبو عبيد اللّه بإسناد عن سفيان مثله.

حدثني مهدي بن أبي المهدي قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد اللّه مولى بني هاشم قال: حدثنا أبو عوانة عن ابن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أما و اللّه ما بنياه بقصة و لا مدر و لا كان معهما من الأعوان و الأموال ما يسقفانه و لكنهما أعلماه فطافا به: ا ه.

نقول: إن إبراهيم الخليل (عليه السلام)، لم يضع باب الكعبة في وسط جدارها الشرقي بل وضعها قريبا من ركن الحجر الأسود أي في موضعها الحالي الذي فيه الآن، ليكون ما بين الباب و الركن ملتزما للدعاء. و اللّه تعالى أعلم بحكمة ذلك.

ثم قال الأزرقي: حدثني جدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن مجاهد عن الشعبي قال: لما أمر إبراهيم أن يبني البيت و انتهى إلى موضع الحجر، قال لإسماعيل: ائتني بحجر ليكون علما للناس يبتدئون منه الطواف، فأتاه بحجر فلم يرضه فأتي إبراهيم بهذا الحجر، ثم قال: أتاني به من لم يكلني على حجرك.

حدثني جدي قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن بشر بن عاصم قال: أقبل إبراهيم من أرمينية معه السكينة و الملك و الصرد دليلا يتبوأ البيت كما تبوأت العنكبوت بيتها فرفع صخرة فما رفعها عنه إلا ثلاثون رجلا، فقالت السكينة: ابن عليّ فلذلك لا يدخله أعرابي نافز و لا جبار إلا رأيت عليه السكينة.

حدثني مهدي بن أبي المهدي، قال: حدثنا بشر بن السري البصري عن حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة قال: قال اللّه تعالى: يا آدم إني مهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، و يصلى عنده كما يصلى عند عرشي، فلم يزل كذلك حتى كان زمن الطوفان فرفع، حتى بوأ لإبراهيم مكانه فبناه من خمسة أجبل من حرا، و ثبير، و لبنان، و الطور، و الجبل الأحمر.

479

حدثني مهدي بن أبي المهدي قال: حدثنا عمر بن سهل عن يزيد بن نافع عن سعيد عن قتادة في قوله عز و جل: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ قال: ذكر لنا أنه بناه من خمسة أجبل من طور سينا، و طور زيتا، و لبنان، و الجودي، و حرا، و ذكر لنا أن قواعده من حراء.

حدثني مهدي بن أبي المهدي قال: حدثنا مروان بن معاوية الغزاري قال:

حدثنا العلاء عن عمر بن مرة عن يوسف بن ماهك قال: قال عبد اللّه بن عمرو إن جبريل (عليه السلام)، هو الذي نزل عليه بالحجر من الجنة، و إنه وضعه حيث رأيتم، و إنكم لن تزالوا بخير ما دام بين ظهرانكم، فتمسكوا به ما استطعتم فإنه يوشك أن يجي‏ء فيرجع به من حيث جاء به. انتهى كل ذلك من الأزرقي.

دعاء إبراهيم لأهل مكة بالأمن و الرزق‏

قال اللّه تعالى في سورة البقرة: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ عَذابِ النَّارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ.

قال الإمام الأزرقي، (رحمه اللّه تعالى)، في تاريخه عند ما سأله إبراهيم خليل اللّه عليه الصلاة و السلام، الأمن و الرزق لأهل مكة ما نصه:

حدثنا أبو الوليد قال: و أخبرني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال: أخبرني موسى بن عبيدة الربذي عن محمد بن كعب القرظي قال:

دعا إبراهيم (عليه السلام)، للمؤمنين و ترك الكفار لم يدع لهم بشي‏ء فقال اللّه تعالى: وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ عَذابِ النَّارِ، و قال زيد بن أسلم: سأل إبراهيم (عليه السلام) ذلك لمن آمن به ثم مصير الكافر إلى النار، قال عثمان: و أخبرني محمد بن السايب الكلبي قال: قال إبراهيم (صلى الله عليه و سلم): رب اجعل هذا بلدا آمنا و ارزق أهله من الثمرات من آمن منهم باللّه و اليوم الآخر، فاستجاب اللّه عز و جل له فجعله بلدا آمنا، و آمن فيه الخائف و رزق أهله من الثمرات، تحمل إليهم من الأفق، قال عثمان: و قال مقاتل بن حيان: إنما اختص إبراهيم في مسألته في الرزق للذين آمنوا فقال تعالى: الذين كفروا سأرزقهم مع الذين آمنوا و لكن أمتعهم قليلا في الدنيا ثم أضطرهم إلى عذاب النار و بئس المصير، قال عثمان: و قال مجاهد: جعل اللّه هذا البلد آمنا لا يخاف فيه من دخله.

480

و حدثني جدي قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن المنتشر قال: حدثني سعيد بن السائب بن يسار قال: سمعت بعض ولد نافع بن جبير بن مطعم و غيره يذكرون أنهم سمعوا أنه لما دعا إبراهيم لمكة أن يرزق أهلها من الثمرات نقل اللّه عز و جل، أرض الطائف من الشام فوضعها هنالك رزقا للحرم.

ثم قال الأزرقي في موضع آخر: حدثني جدي قال: حدثنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن كثير بن كثير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:

جاء إبراهيم يطالع إسماعيل، (عليهما السلام)، فوجده غائبا و وجد امرأته الآخرة و هي السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، فوقف فسلم، فردت (عليه السلام) و استنزلته و عرضت عليه الطعام و الشراب، فقال: ما طعامكم و شرابكم؟ قالت:

اللحم و الماء، قال: هل من حب أو غيره من الطعام؟ قالت: لا، قال: بارك اللّه لكم في اللحم و الماء. قال ابن عباس (رضوان اللّه عليه): يقول رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): لو وجد عندها يومئذ حبا لدعا لهم بالبركة فيه، فكانت تكون أرضا ذات زرع.

حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن كثير بن كثير عن سعيد بن جبير مثله و زاد فيه قال سعيد بن جبير: و لا يخلى أحد على اللحم و الماء بغير مكة إلا وجع بطنه و إن أخلى عليهما بمكة لم يجد كذلك أذى، قال سعيد بن سالم: فلا أدري عن ابن عباس يحدث بذلك سعيد بن جبير أم لا يعني قوله: و لا يخلى أحد على اللحم و الماء بغير مكة إلا وجع بطنه.

ثم قال الأزرقي في موضع آخر أيضا: حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال: و أخبرني ابن جريج: قال أخبرنا مجاهد قال: إن في حجر في الحجر «أنا اللّه ذو بكة صفتها يوم صفت الشمس و القمر و حففتها بسبعة أملاك حنفاء، مبارك لأهلها في اللحم و الماء، يحلها أهلها، و لا يحلها أول من أهلها» و قال: لا تزول حتى يزول الأخشبان. قال أبو محمد الخزاعي: الأخشبان يعني الجبلين، قال: و أخبرني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال:

أخبرني ضعيف بن عبد الرحمن عن مجاهد قال: وجد في بعض الزبور: أنا اللّه ذو بكة جعلتها بين هذين الجبلين و صفتها يوم صفت الشمس و القمر و حففتها بسبعة أملاك حنفاء و جعلت رزق أهلها ثلاثة سبل فليس يؤتى أهل مكة إلا من ثلاث طرق من أعلى الوادي و أسفله، و كداء، و باركت لأهلها من اللحم و الماء. انتهى من تاريخ الأزرقي.

481

ذكر حج إبراهيم عليه الصلاة و السلام‏

قال الإمام الأزرقي في تاريخه «أخبار مكة» ما نصه:

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال: أخبرني محمد بن إسحاق قال: لما فرغ إبراهيم خليل الرحمن من بناء البيت الحرام جاءه جبريل فقال: طف به سبعا فطاف به سبعا هو و إسماعيل يستلمان الأركان كلها في كل طواف. فلما أكملا سبعا هو و إسماعيل صليا خلف المقام ركعتين قال: فقام معه جبريل، فأراه المناسك كلها، الصفا و المروة و منى، و مزدلفة، و عرفة قال: فلما دخل منى و هبط من العقبة تمثل له إبليس عند جمرة العقبة، فقال له جبريل: ارمه، فرماه بسبع حصيات فغاب عنه ثم برز له عند الجمرة الوسطى فقال جبريل: ارمه، فرماه بسبع حصيات فغاب عنه، ثم برز له عند الجمرة السفلى، فقال له جبريل: ارمه، فرماه بسبع حصيات مثل حصى الخذف فغاب عنه إبليس، ثم مضى إبراهيم في حجه و جبريل يوقفه على المواقف و يعلمه المناسك حتى انتهى إلى عرفة. فلما انتهى إليها قال له جبريل: أعرفت مناسكك؟ قال إبراهيم: نعم قال: فسميت عرفات بذلك لقوله: أعرفت مناسكك؟ قال: ثم أمر إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج قال: فقال إبراهيم: يا رب ما يبلغ صوتي؟ قال اللّه سبحانه: أذّن و عليّ البلاغ، قال: فعلا على المقام فأشرف به حتى صار أرفع الجبال و أطولها فجمعت له الأرض يومئذ سهلها و جبلها و برها و بحرها و إنسها و جنها حتى أسمعهم جميعا، قال: فأدخل أصبعيه في أذنيه و أقبل بوجهه يمنا و شاما و شرقا و غربا و بدأ بشق اليمن فقال: أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم، فأجابوه من تحت التخوم السبعة و من بين المشرق و المغرب إلى منقطع التراب من أقطار الأرض كلها، لبيك اللهم لبيك قال: و كانت الحجارة على ما هي عليه اليوم إلا أن اللّه عز و جل أراد أن يجعل المقام آية فكان أثر قدميه في المقام إلى اليوم قال: أفلا تراهم اليوم يقولون لبيك اللهم لبيك قال: فكل من حج إلى اليوم فهو ممن أجاب إبراهيم و إنما حجهم على قدر إجابتهم يومئذ فمن حج حجتين فقد كان أجاب مرتين، أو ثلاثا فثلاثا، و على هذا قال: و أثر قدمي إبراهيم في المقام آية و ذلك قوله تعالى: فِيهِ‏

482

آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً و قال ابن إسحاق: و بلغني أن آدم (عليه السلام) كان استلم الأركان كلها قبل إبراهيم و حجه إسحاق و سارة من الشام، قال: و كان إبراهيم (عليه السلام) يحجه كل سنة على البراق، قال:

و حجت بعد ذلك الأنبياء و الأمم.

حدثني جدي قال: حدثنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: حج إبراهيم و إسماعيل ماشيين، قال أبو محمد عبيد اللّه المخزومي: حدثنا ابن عيينة بإسناده مثله.

حدثنا الأزرقي قال: و حدثني جدي قال: حدثنا يحيى بن سليم عن ابن خيثم قال: سمعت عبد الرحمن بن سابط يقول: سمعت عبد اللّه بن ضمرة السلولي يقول: ما بين الركن إلى المقام إلى زمزم قبر تسعة و تسعين نبيا جاءوا حجاجا فقبروا هنالك. انتهى من تاريخ الأزرقي.

و إلى معنى قوله: فكل من حج إلى اليوم فهو ممن أجاب إبراهيم (عليه السلام)، أشار ناظم أنساب العرب في طليعة نظمه بقوله:

و حين بالحج الخليل أذنا* * * و في كلا أذنيه إصبعا ثنى‏

أيضا كأطوال الجبال ارتفعا* * * بها و كل من يحج أسمعا

الخلاصة في كيفية بناء إبراهيم (عليه السلام)

فخلاصة الكلام المتقدم، كما ذكرناها في كتابنا «مقام إبراهيم (عليه السلام)» هي أن إبراهيم الخليل بنى الكعبة الغراء بالرضم أي بحجارة بعضها فوق بعض من غير طين و لا جص، و بناها على ربوة حمراء تأتيها السيول فتأخذ عن يمينها و شمالها- و الربوة المكان المرتفع- و حفر في باطنها على يمين من دخلها حفرة عميقة كالبئر يلقى ما يهدى إليها تكون خزانة لها و كان عمقها ثلاثة أذرع كما ذكره الأزرقي، و لم يجعل للكعبة سقفا و لا بابا من خشب أو غيره و إنما ترك لمكان الباب فتحة في جدارها الشرقي للدلالة على وجه البيت.

و السبب في ذلك أنهم كانوا على الفطرة لا يعرفون الخيانة و لا السرقة، و ما كان عندهم من الأموال و الذهب و الفضة ما يسرق، و ما كانوا يسكنون في تلك العصور الأولى كما نسكن نحن في البيوت و القصور المشيدة.

483

و قد كان بناء إبراهيم للكعبة من خمسة جبال من طور سينا و طور زيتا و لبنان و الجودي و حراء، و كانت الملائكة تأتيه بالحجارة من تلك الجبال، فكان هو يبني و إسماعيل يناوله الحجارة فبناها على أساس آدم، و هذا الأساس حجارته من جبل حراء، كانت الملائكة تأتي بها و تقذف فيه و هو المسمى «بالقواعد»، و قد جعل إبراهيم (عليه السلام)، للكعبة ركنين فقط: الركن الأسود و الركن اليماني، و لم يجعل لها أركانا من جهة الحجر بل جعلها مدورة على هيئة نصف دائرة كجدار الحجر و جعل الحجر إلى جانبها عريشا من أراك تقتحمه غنم إسماعيل، فكان زربا لغنمه. و جعل الباب لاصقا بالأرض و غير مبوب و جعل ارتفاعها من الأرض إلى السماء تسعة أذرع، و جعل عرض جدار وجهها الذي فيه الباب اثنين و ثلاثين ذراعا، و عرض الجدار المقابل له إحدى و ثلاثين ذراعا، و عرض الجدار الذي فيه الميزاب جهة الحجر اثنين و عشرين ذراعا، و عرض الجدار المقابل له عشرين ذراعا، و ما ذكره صاحب كتاب تاريخ الكعبة المعظمة بأن إبراهيم (عليه السلام)، جعل لها أبوابا، هو و هم منه، و الصواب أنه جعل لها بابا واحدا فقط كما يظهر ذلك عند التأمل في كتب التاريخ.

و قد يتساءل بعضهم: لماذا بنى إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام، الكعبة المعظمة بالرضم من غير طين و لا جص؟ و لم يجعل لها سقفا و بابا من الخشب أو غيره؟ و لم يجعل لها بابين أحدهما للدخول و الآخر للخروج؟ و لم جعل حجر إسماعيل مدورا و جعله من شجر الأراك و لم يبنه بالرضم؟ و لماذا لم يكس البيت الحرام بعد الفراغ من بنائه؟

فالجواب: و اللّه تعالى أعلم بالصواب: هو أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام بنى الكعبة الغراء بالرضم من غير طين و لا جص و من غير سقف و لا باب، لأن ذلك العصر القديم لم يكن فيه شي‏ء من وسائل البناء و أسباب الحضارة. فمن أين يأتي بالأدوات الحديدية و الآلات المختلفة لحفر الأرض و خلط الطين و نشر الخشب و دق المسامير؟

و ما دام لم يكن بمكة سوى إبراهيم و ابنه عليهما الصلاة و السلام، و نفر من قبيلة جرهم، و ما دام باطن الكعبة ترابا، و جدرانها من حجارة الصخور، فلا لزوم لعمل سقف لها و لا لعمل باب يغلق عليها، كما لا لزوم لعمل مدخلين فيها للدخول و للخروج لقلة السكان بمكة.

484

و أما جعله حجر إسماعيل مدورا كما هو الآن، فليتناسب شكله بشكل جدار الكعبة المقابل للحجر الذي كان مدورا أيضا و لينتهي إليه حدود البيت. و أما جعله من شجر الأراك من غير أن يجعله مبنيا بالرضم، فليعلم أنه تابع للبيت و من حدوده و من غير أن يدخل في ذات بنائه. و لم يكس البيت لأنه لم يؤمر بذلك، ثم لم تكن مكة عامرة بالناس إنما بها نفر من جرهم و ما كانوا يعرفون صناعة النسيج في ذلك الزمن حتى يخيطوا له ثوبا.

و على كل حال، فالأنبياء عليهم الصلاة و السلام، لا يعملون شيئا مما له مساس في الدين إلا بأمر اللّه تعالى هذا ما ظهر لنا و اللّه أعلم بالغيب.

ارتفاع أرض مكة عما كانت عليه قديما

تقدم أن سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام، بنى الكعبة الغراء فوق ربوة مرتفعة تأتيها السيول فتأخذ عن يمينها و شمالها، لأن وادي إبراهيم محاط بالجبال، و الكعبة على ربوة مرتفعة فلا تصل السيول إليها، و هذا كان بطبيعة الأرض القديمة، ثم بمرور السنين و الأجيال، أي من نحو أربعة آلاف سنة، تغيرت و ارتفعت، و لقد تكلمنا عن هذه المسألة في كتابنا مقام إبراهيم (عليه السلام)، و إليك نص ما جاء فيه:

أما الآن فقد انخفضت أرض المسجد الحرام و ارتفعت أرض الشوارع المحيطة به بنحو ثلاثة أمتار و في بعض الجهات بأكثر بسبب ما تأتي به الأمطار و السيول من الأتربة و الحجارة من رؤوس الجبال و بطون الأودية و عدم إخراج ذلك.

أما في الزمن السابق أي قبل أربعمائة سنة فقد كان مجرى السيل من الجهة الشمالية أي جهة باب الزيادة و من الجهة الجنوبية أي جهة باب أجياد يقطع و يحمل ترابه إلى خارج البلدة جهة المسفلة في كل عشرة أعوام مرة حتى لا تدخل السيول في المسجد الحرام، ثم أهمل ذلك حتى ارتفعت الطرقات و لقد كان الخارج من المسجد الحرام من باب إبراهيم ينزل نحو خمس عشرة درجة حتى يصل إلى أرض الشارع أما الآن فإنه لم يبق منها سوى ثلاث درجات و الباقي مطمور تحت الأرض و كان الخارج من المسجد من باب الزيادة ينزل ثلاث عشرة درجة حتى يصل إلى أرض الشارع أي بعدد درجات المسجد من الداخل.

485

ثم ارتفعت الأرض بسبب ما تأتي به السيول من الطين و غيره فدفن منها ست درجات و ذلك قبل سنة ألف و ثلاثمائة و أما الباقي و هو سبع درجات فقد أدركناها و كنا نرقى عليها حتى نصل إلى باب المسجد ثم إنه في آخر شهر شعبان سنة ست و ستين و ثلاثمائة و ألف هجرية فرشت أرض باب الزيادة بالتراب و الحصى و بلطت بالنورة الإفرنجية المسماة «بالإسمنت» و بذلك دفن أيضا خمس درجات منها فصار الباقي الآن درجتين فقط يصعد الناس منهما إلى المسجد.

و ذكر ابن حجر في حاشيته على إيضاح النووي أنه كانت على الصفا اثنتا عشرة درجة و على المروة خمس عشرة درجة و أن الفرسان كانت تمر في المسعى و الرماح قائمة فلا يرى من بالمسجد إلا رؤوسها. و ذكر الأزرقي في تاريخه أن أول من بنى درج الصفا و المروة عبد الصمد بن علي في خلافة أبي جعفر المنصور.

انتهى من كتابنا مقام إبراهيم (عليه السلام).

و نقول أيضا: إن في عصرنا هذا بل منذ سنة (1375) التي بدأ فيها بتوسعة المسجد الحرام بمكة و توسعة الشوارع، و الناس يشاهدون ارتفاع الأرض في محل من المحلات و انخفاضها في محلات أخرى بل يشاهدون إزالة بعض الجبال و تنحية الصخور عن أماكنها، فسبحان من له الدوام و إليه يرجع الأمر كله و لا ينقص من ملكه شي‏ء جل جلاله و لا إله غيره و اللّه أكبر.

مميزات بناء إبراهيم الكعبة

(1) كانت بناية إبراهيم الكعبة على أساس بناية آدم عليهما الصلاة و السلام.

(2) و كانت بناية الكعبة، بالرضم حجارة بعضها فوق بعض من غير طين و جص و لا نورة.

(3) و كانت الكعبة مستطيلة الشكل.

(4) و كانت مدورة من جهة حجر إسماعيل التي فيها الميزاب و ليس بها سوى الركن الأسود و الركن اليماني.

(5) و كان بها حفرة على يمين الداخل عمقها ثلاثة أذرع- و تسمى جب الكعبة و خزانتها.

486

(6) و كان بها باب واحد فقط من الجهة الشرقية كما في عصرنا الحاضر، أي جعل بها فتحة للباب و لم يكن بها باب يفتح و يغلق لا من الخشب و لا من غيره.

(7) و كان الباب لاصقا بالأرض غير مرتفع.

(8) و كان حجر إسماعيل مدورا من شجر الأراك.

(9) و لم يكن للكعبة سقف. و طبعا لا يكون لها ميزاب إن لم يكن هناك سقف.

(10) و لم تكن لها كسوة، و إنما أول من كساها تبّع الحميري و هو أول من جعل لها بابا.

(11) و قد جعل ارتفاعها من الأرض نحو السماء تسعة أذرع.

(12) و جعل عرض جدار وجهها الذي فيه الباب اثنين و ثلاثين ذراعا.

(13) و جعل الجدار المقابل له أحدا و ثلاثين ذراعا.

(14) و جعل عرض الجدار الذي فيه الميزاب جهة الحجر اثنين و عشرين ذراعا.

(15) و جعل الجدار المقابل له عشرين ذراعا.

(16) و كانت بناية إبراهيم عليه الصلاة و السلام، منذ أربعة آلاف سنة.

(تنبيه) الذراع المذكور هنا هو نفس ذراع إبراهيم الخليل، عليه الصلاة و السلام، و ذراعه كذراع أهل عصرنا لأن طوله (عليه السلام)، كان كطولنا، بدليل وجود أثر قدميه في مقامه (صلى الله عليه و سلم) الذي هو عند الكعبة المشرفة، و قدماه كأقدامنا سواء بسواء و قد رأيناهما و للّه الحمد مرارا، و ألفنا في مقامه كتابا سميناه «مقام إبراهيم (عليه السلام)» و هو مطبوع بمصر بمطعبة البابي الحلبي و أولاده.

ذكر الأنبياء الذين ربتهم أمهاتهم‏

إذا تأملنا في قصة «هاجر و ابنها إسماعيل» نجد أن نبي اللّه إسماعيل (عليه السلام)، تربى بواسطة أمه فقط، ليس لأبيه شأن في تربيته، بل ما اجتمع مع أبيه و هو كبير بلغ مبلغ الرجال، و لقد كان هذا الحال أيضا شأن ثلاثة من الأنبياء، عليهم الصلاة و السلام، و هم «موسى و عيسى و محمد» و رابعهم و هو الأول «إسماعيل» فكل واحد من هؤلاء الأنبياء الأربعة، عليهم الصلاة و السلام،، قد عهد اللّه تعالى بتربيتهم إلى أمهاتهم الزاهرات الطاهرات، فقمن نحو أبنائهن بواجبات الأمومة و واجبات الأبوة خير قيام، و في ذلك من الحكم و الأسرار ما لا

487

يعلمه إلا اللّه سبحانه و تعالى، و لكل من هؤلاء الأنبياء الأربعة «إسماعيل و موسى و عيسى و محمد» عليهم الصلاة و السلام، شأن عظيم و حياة شريفة ناصعة مليئة بعظائم الأمور و جليل الأعمال.

فإسماعيل بن خليل اللّه إبراهيم عليهما الصلاة و السلام، بعد أن كان وحيدا مع أمه «هاجر» بمكة في ذلك القفر الموحش و الصحراء الجرداء، لا أنيس معهما و لا جليس، و قد تعرض هو و أمه في صغره بعد وصولهما لمكة للموت و الهلاك، من العطش و الجوع لنفاد ما كان معهما من ماء قليل و طعام من تمر يسير، إذا به قد صار بعد مدة من الزمن أمة من الأمم، العريقة في الحسب و النسب، بل صار أبا للعرب المستعربة و أصلا ثابتا ينتسبون إليه.

كما كان هو أول من بنى مع أبيه إبراهيم الخليل، عليهما الصلاة و السلام، بيت اللّه الحرام قبلة كافة المسلمين، فما أعظمه من شرف ثابت قائم إلى يوم الدين.

و موسى كليم اللّه، عليه الصلاة و السلام، بعد أن ألقي في اليم و هو حديث عهد بالولادة، خوفا عليه من فرعون ليذبحه كما ذبح آلافا من الأولاد، فحفظه اللّه من الغرق ورده إلى أمه كي تقر عينها و لا تحزن، فتولت هي إرضاعه و تربيته و نشأ في قصر عدوه اللدود فرعون. و بعد أن هرب منه في كبره خوفا عليه من القتل، و عمل أجيرا عدة سنوات، إذا به يصطفيه اللّه تعالى بكلامه و برسالته و يختاره لبني إسرائيل نبيا و زعيما، و ينصره على عدوه فرعون بإغراقه مع قومه في البحر.

و قد جاء في سورة القصص آيات كثيرة في قصته عليه الصلاة و السلام، منها وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ أُمِّ مُوسى‏ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ* فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ* وَ قالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ* وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى‏ فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى‏ قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ* وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ* فَرَدَدْناهُ إِلى‏ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ وَ لِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ‏

488

وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ* وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى‏ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ‏.

و عيسى عليه الصلاة و السلام، ليس له أب لذلك ينسب إلى أمه فيقال:

«عيسى ابن مريم» و قد جعله اللّه تعالى آية للناس و رحمة، و في سورة مريم جاءت قصته واضحة صريحة، و في الآيات الآتية ما تكلم به عيسى (عليه السلام)، و هو رضيع في المهد و هي: قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا* وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا* وَ بَرًّا بِوالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا* وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا* ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ* ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* وَ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ‏.

لقد فرت مريم بابنها عيسى إلى مصر لكي تنجو من الكيد و الأذى، فأقامت هناك اثني عشر عاما ترعى ابنها، و كانت تغزل الكتان و تلتقط السنابل في أثر الحصادين.

و يروي المؤرخون عن عنايتها بابنها «عيسى» أنها أخذته صغيرا إلى الكتاب و أقعدته بين يدي المؤدب، حتى أذن لها فعادت به إلى أورشليم «القدس».

و لما بلغ عيسى عليه الصلاة و السلام، ثلاثين سنة أرسله اللّه تعالى إلى بني إسرائيل، فانصرف عن أمه العزيزة الكريمة ليتفرغ بالدعوة، و في ذلك يقول اللّه تبارك و تعالى، في سورة المؤمنون: وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً و يقول أيضا في سورة الأنبياء: وَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَ جَعَلْناها وَ ابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ‏ و يقول أيضا في سورة مريم: وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَ رَحْمَةً مِنَّا وَ كانَ أَمْراً مَقْضِيًّا.

و أما نبينا «محمد» (صلى الله عليه و سلم) الذي هو آخر الأنبياء، فقد مات بالمدينة أبوه عبد اللّه بعد أن حملت به أمه الكريمة آمنة بنت وهب بشهرين، فلما تمت مدة الحمل و أشرقت الدنيا بنور محياه، استبشر به جده عبد المطلب و فرح به فرحا شديدا و سماه «محمدا»، ثم إن أمه «آمنة بنت وهب» أسلمته إلى المرضعة «حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية» ليتربى في البادية على حسب عادة العرب في مواليدهم، فمكث عندهم نحو أربع سنوات، ثم جاءت به مرضعته «حليمة السعدية» إلى أمه «آمنة»

489

فأخذته منها و توجهت به إلى المدينة لزيارة أخوال أبيه، و بينما هي عائدة إلى مكة أدركتها منيتها في الطريق فماتت بالأبواء، فحضنته «أم أيمن» و كفله جده عبد المطلب و كان يحبه أشد الحب، فلما بلغ عمره ثماني سنوات مات جده عبد المطلب، فكفله عمه شقيق أبيه «أبو طالب» فكان يحبه و يكرمه إكراما عظيما، و حينما بعثه اللّه تعالى إلى الناس كان أبو طالب يحوطه بالرعاية و ينصره و يحميه من كفار قريش، ثم لما بلغ (صلى الله عليه و سلم) نحو تسع و أربعين سنة و بضعة أشهر مات عمه أبو طالب.

إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقد والديه في صغره و لم يرث منهما شيئا، و لما كبر و قدر على العمل صار يرعى الغنم لأهل مكة على قراريط كما ذكره البخاري في صحيحه، ثم بعد ذلك صار يتجر و كان شريكه في التجارة السائب بن أبي السائب، و ذهب إلى الشام بالتجارة لخديجة، رضي اللّه تعالى عنها، و لما رأت خديجة أمانته و بركته و ما امتاز به من الكمال و الفضل و الأخلاق اختارته زوجا و خطبته لنفسها ففازت بسعادة الدارين.

و قد امتن اللّه عز و جل عليه بما اختصه به و أنعم عليه في سورة الضحى بقوله: وَ الضُّحى‏* وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى‏* ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى‏* وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى‏* وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏* أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏* وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏* وَ وَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى‏* فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ* وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ* وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ‏.

هذه السورة الكريمة فيها كثير من المسائل، و فيها شفاء لصدور العلماء و الصالحين ممن زوى اللّه عنهم الدنيا، و لا نريد شرح ذلك خوفا من الخروج مما نحن بصدده، و هو لا يخفى على المتأمل الذكي و اللبيب العاقل.

فانظر رحمك اللّه تعالى إلى حال من ذكرناهم من الأنبياء الأربعة و هم «إسماعيل، و موسى، و عيسى، و محمد» عليهم الصلاة و السلام، تجد أن اللّه تعالى و كل أمر تربيتهم و هم صغار إلى أمهاتهم، ثم كانوا في شظف من العيش و حالة من الفقر بحيث كانوا يرعون الغنم لأهل بلدتهم، بل ما من نبي إلا و قد رعى الغنم كما هو ثابت في صحيح البخاري، لأن في رعيها جملة أمور:

(1) منها: البعد عن الخلق في طلبهم الرعي في البراري و القفار، و بذلك يأنسون إلى الوحدة فيعبدون اللّه تعالى بطمأنينة و راحة قلب، و يتفكرون في خلق‏

490

السموات و الأرض- ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار- و في الغالب أول ما ينزل عليهم الوحي ينزل في الخلاء.

(2) و منها: أن رعي الغنم يستدعي استعمال الرأفة و اللطف و المشي معها بالهون و السكينة.

(3) و منها: أن في رعي الغنم تدربا لرعي الخلائق و رعايتهم و حسن سياستهم و دعوتهم إلى اللّه بالحكمة و الموعظة الحسنة.

(4) و منها: معرفتهم لأحوال البادية كما عرفوا أحوال المدن، إلى غير ذلك من الحكم التي لا يعلمها إلا اللّه سبحانه و تعالى.

و الحقيقة أن المشاهدة التي لا تنكر: أننا نرى كثيرا من فطاحل العلماء، و كبار الفنانين النبلاء، و مشاهير المخترعين العظماء، قد لاقوا في أول حياتهم من الفقر المدقع و المصائب ما يشيب لها الأطفال، ثم تداركهم اللّه تعالى بلطفه و رحمته حتى أصبحوا من عظماء الرجال و مشاهير الأجيال، و كانوا موضع فخر أمتهم و سببا في مجد أقوالهم، و خدمتهم التاريخ فسجل أسماءهم و أعمالهم، و من قرأ كتب التراجم و الطبقات، عرف ما لاقى هؤلاء في حياتهم الأولى من التعب و المشقات، ثم ما وصلوا إليه من الشهرة و رفيع الدرجات، و بعض هؤلاء لا يظهر فضلهم إلا بعد الممات و إلى هذا يشير القائل:

فترى الكريم كشمعة من عنبر* * * ضاءت فإن طفئت تضوّع نشرها

فحالات الدنيا في تغير «فلا فقر يدوم و لا غناء» و من صبر نال ما تمنى، قال الشاعر:

لا تحسب المجد تمرا أنت آكله‏* * * لا تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

فالرجل العظيم كعود العطر لا تظهر رائحته الزكية إلا بعد إحراقه، كذلك الأفذاذ من الرجال لا يظهر فضلهم و نبوغهم إلا بعد أن يذوقوا مرارة العيش و يحترقوا بنار الفاقة و الابتلاء.

و يسأل بعضهم لماذا لا نرى النبغاء و المشاهير في العلوم و الفنون من الأغنياء، و لماذا اختص الفقراء بذلك؟ فنقول:

491

لما كان المال من زينة الحياة الدنيا، و الدنيا بنفسها دار لهو و غرور، صار الأغنياء و أولادهم منغمسين في الشهوات، متنعمين بما لديهم من الملذات، و كانت أفكارهم محصورة في استثمار الأموال و إنفاقها في لهوهم فنقول:

و أما الفقراء فليس لديهم من المال و الدنيا ما يلهيهم و يشغلهم، فإذا ما وجدوا القوت الضروري حمدوا اللّه تعالى و سكنوا إلى الراحة و خلوا بأنفسهم، فإذا طرأ على بال أحد منهم أمر، وجد في نفسه فراغا و نشاطا لبحث هذا الأمر من جميع نواحيه، فإذا اتجهت نفسه للعلم تفرغ له، و إذا اتجهت للفنون الجميلة أشبع رغبتها، و إذا اتجهت إلى اختراع ما ينفع الإنسانية انقطع إليه، حتى إذا استكمل بغيته و بلغ أمنيته إذا به في مصاف النبغاء و العظماء.

نعم إننا لا ننكر أن بين الأغنياء نوابغ في العلوم و الفنون، و لكن ذلك قليل و نادر و النادر لا حكم له، قال الشاعر:

ما أحسن الدين و الدنيا إذا اجتمعا* * * و أقبح الكفر و الإفلاس في الرجل‏

على أن بعض الأغنياء قد نبغوا في ناحية استثمار أموالهم، و نهضوا بأعمال تعود بالنفع إلى أمتهم و قومهم، كإنشاء المصانع، و افتتاح البنوك، و قيام الشركات، و توسيع تجارتهم بمختلف أنواعها، فهؤلاء أيضا لهم قيمتهم و مكانتهم التي لا تنكر، و يعدون أيضا من أفذاذ الرجال.

نسأل اللّه تعالى أن يزيد في الأمة الإسلامية من الرجال العاملين و العمال المخلصين، حتى تزدهر بهم الحياة الدنيا، فإن الدنيا مزرعة الآخرة، و قد قال سبحانه: وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ‏.

الكلام على زمزم و خروجه لإسماعيل و أمه عليهما الصلاة و السلام‏

لما كان ماء زمزم بمكة المشرفة، من أقدم المياه، و كان عند الكعبة في حد المسجد الحرام بينهما بضعة أمتار، و كان هو شراب الأنبياء و الأصفياء و الأبرار، و قد جاءت في فضله عدة أحاديث، «بأنه طعام طعم و شفاء سقم و هو لما شرب له» بل وضع فيه بعض المؤلفات منها (رسالة الجوهر المنظم في فضائل ماء زمزم) تأليف العلامة الشيخ أحمد بن محمد بن شمس الدين المكي، (رحمه اللّه تعالى)،

492

وجب أن نتكلم عنه بما يشفي الغليل من كافة الوجوه، فنقول و باللّه التوفيق و منه نستمد العون و السداد:

قال الإمام الأزرقي في تاريخه: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال:

أخبرني مسلم بن خالد عن ابن جريج عن كثير بن كثير عن سعيد بن جبير قال:

حدثنا عبد اللّه بن عباس أنه حين كان بين أم إسماعيل بن إبراهيم و بين سارة امرأة إبراهيم ما كان أقبل إبراهيم نبي اللّه بأم إسماعيل و هو صغير ترضعه حتى قدم بهما مكة و مع أم إسماعيل شنة فيها ماء تشرب منه و تدر على ابنها و ليس معها زاد، و يقول سعيد بن جبير: قال ابن عباس: فعمد بهما إلى دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد- يشير لنا بين البير و بين الصفة- يقول فوضعهما تحتها، ثم توجه إبراهيم خارجا على دابته و اتبعت أم إسماعيل أثره حتى أوفى إبراهيم بكدا يقول ابن عباس: فقالت له أم إسماعيل إلى من تتركنا و ابنها؟ قال: إلى اللّه عز و جل، قالت: رضيت باللّه، فرجعت أم إسماعيل تحمل ابنها حتى قعدت تحت الدوحة فوضعت ابنها إلى جنبها و علقت شنتها تشرب منها و تدر على ابنها حتى فني ماء شنتها فانقطع درها فجاع ابنها فاشتد جوعه حتى نظرت إليه أمه يشمط قال:

فحسبت أم إسماعيل أنه يموت فأحزنها، يقول ابن عباس: قالت أم إسماعيل: لو تغيبت عنه حتى يموت لا أرى موته، يقول ابن عباس: فعمدت أم إسماعيل إلى الصفا حين رأته مشرفا تستوضح عليه- أي ترى أحدا بالوادي- ثم نظرت إلى المروة فقالت: لو مشيت بين هذين الجبلين تعللت حتى يموت الصبي و لا أراه يقول ابن عباس: فمشت بينهما أم إسماعيل ثلاث مرات أو أربع و لا تجيز ببطن الوادي في ذلك إلا رملا، يقول ابن عباس: ثم رجعت أم إسماعيل إلى ابنها فوجدته ينشع كما تركته فأحزنها فعادت إلى الصفا تتعلل حتى يموت و لا تراه، فمشت بين الصفا و المروة كما مشت أول مرة، يقول ابن عباس: حتى كان مشيها بينها سبع مرات، قال ابن عباس: قال أبو القاسم (صلى الله عليه و سلم): فلذلك طاف الناس بين الصفا و المروة، قال: فرجعت أم إسماعيل تطالع ابنها فوجدته كما تركته ينشع، فسمعت صوتا قد آب عليها و لم يكن معها أحد غيرها فقالت: قد أسمع صوتك فأغثني إن كان عندك خير قال: فخرج لها جبريل (عليه السلام)، فاتبعته حتى ضرب برجله مكان البئر- يعني زمزم- فظهر ماء فوق الأرض حيث فحص جبريل، يقول ابن عباس: قال أبو القاسم (صلى الله عليه و سلم): فحاضته أم إسماعيل بتراب ترده خشية أن يفوتها قبل أن تأتي بشنها (يقول أبو القاسم (صلى الله عليه و سلم): و لو تركته أم إسماعيل‏

493

كان عينا معينا يجري)، يقول ابن عباس: جاءت أم إسماعيل بشنتها فاستقت و شربت و درت على ابنها.

فبينا هي كذلك إذ مر ركب من جرهم قافلين من الشام في الطريق السفلى فرأى الركب الطير على الماء فقال بعضهم: ما كان بهذا الوادي من ماء و لا أنيس، يقول ابن عباس: فأرسلوا جريين لهم حتى أتيا أم إسماعيل فكلماها ثم رجعا إلى ركبهما فأخبراهم بمكانها. فرجع الركب كلهم حتى حيوها فردت عليهم و قالوا: لمن هذا الماء؟ قالت أم إسماعيل: هو لي، قالوا لها: أتأذنين لنا أن نسكن معك عليه؟ قالت: نعم! يقول ابن عباس: قال أبو القاسم (صلى الله عليه و سلم): ألفى ذلك أم إسماعيل و قد أحبت الأنس فنزلوا و بعثوا إلى أهلهم فقدموا و سكنوا تحت الدوح، و اعترشوا عليها العرش فكانت معهم هي و ابنها.

و قال بعض أهل العلم: كانت جرهم تشرب من ماء زمزم فمكثت بذلك ما شاء اللّه أن تمكث، فلما استخفت جرهم بالحرم، و تهاونت بحرمة البيت، و أكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها سرا و علانية، و ارتكبوا مع ذلك أمورا عظاما، نضب ماء زمزم و انقطع، فلم يزل موضعه يدرس و يتقادم و تمر عليه السيول عصرا بعد عصر حتى خفي مكانه. و قد كان عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي قد وعظ جرهما في ارتكابهم الظلم في الحرم و استخفافهم بأمر البيت و خوفهم النقم، و قال لهم: إن مكة بلد لا تقر ظالما فاللّه اللّه قبل أن يأتيكم من يخرجكم منها خروج ذل و صغار فتتمنوا أن تتركوا تطوفون بالبيت فلا تقدروا على ذلك، فلما لم يزدجروا و لم يعون وعظه عمد إلى غزالين كانا في الكعبة من ذهب و أسياف قلعية كانت أيضا في الكعبة، فحفر لذلك كله بليل في موضع زمزم و دفنه سرا منهم حين خافهم عليه، فسلط اللّه عليهم خزاعة فأخرجتهم من الحرم و وليت عليهم الكعبة و الحكم بمكة ما شاء اللّه أن تليه، و موضع زمزم في ذلك لا يعرف لتقادم الزمان حتى بوأه اللّه تعالى لعبد المطلب بن هاشم لما أراد اللّه من ذلك فخصه به من بين قريش. انتهى من تاريخ الأزرقي.

494

الكلام على بئر زمزم‏

جاء في تاريخ ابن كثير المسمى «البداية و النهاية» في الجزء الأول عند الكلام على ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه إسماعيل و أمه هاجر إلى جبال «فاران» و هي أرض مكة ما نصه:

قال البخاري: قال عبد اللّه بن محمد بن أبي بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن أيوب السختياني و كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، يزيد أحدهما على الآخر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفى أثرها على سارة ثم جاء بها إبراهيم و بابنها إسماعيل و هي ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد و ليس بمكة يومئذ أحد و ليس بها ماء فوضعهما هنالك و وضع عندهما جرابا فيه تمر و سقاء فيه ماء ثم قضى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب و تتركنا بهذا الوادي الذي ليس به إنس و لا شي‏ء؟ فقالت له ذلك مرارا و جعل لا يلتفت إليها، فقالت له: اللّه أمرك بهذا؟

قال: نعم! قالت: إذا لا يضيعنا، ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات و رفع يديه فقال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ‏.

و جعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل و تشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت و عطش ابنها و جعلت تنظر إليه يلتوي أو قال: يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف ذراعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى إذا جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها و نظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي (صلى الله عليه و سلم): فلذلك سعى الناس بينهما فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه تريد نفسها ثم تسمّعت فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم‏

495

فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه و تقول بيدها هكذا و جعلت تغرف من الماء في سقائها و هي تفور بعد ما تغرف، قال ابن عباس: قال النبي (صلى الله عليه و سلم): «يرحم اللّه أم إسماعيل لو تركت زمزم» أو قال: «لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا» فشربت و أرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ههنا بيت اللّه يبني هذا الغلام و أبوه و إن اللّه لا يضيع أهله و كان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه و عن شماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كذا فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على الماء لعهدنا بهذا الوادي و ما فيه ماء فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا قال و أم إسماعيل عند الماء فقالوا: تأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت:

نعم! و لكن لا حق لكم في الماء قالوا: نعم.

قال عبد اللّه بن عباس: قال النبي (صلى الله عليه و سلم): فألفى ذلك أم إسماعيل و هي تحب الأنس فنزلوا و أرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم و شب الغلام و تعلم العربية منهم و أنفسهم و أعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم و ماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم و هيئتهم فقالت: نحن بشرّ في ضيق و شدة و شكت إليه ... إلى آخر القصة. انتهى المراد من تاريخ ابن كثير.

(فإن قيل): حيث إن ماء زمزم خرجت لأم إسماعيل، عليه الصلاة و السلام، على وجه الأرض فأحاطته بالتراب حتى لا تجري، فمن الذي حفر بئر زمزم و بناها كما نراها اليوم؟

(نقول): إن غور بئر زمزم كان بسبب تعدد حفرها، فإنه لما تهاونت جرهم بحرمة البيت و الحرم نضب ماء زمزم و انقطع، فلم يزل موضعه يدرس و يتقادم. ثم إن عمرو بن الحارث ابن مضاض لما وعظ جرهما ليرتدعوا عن الظلم و الاستخفاف بأمر البيت فلم يزدجروا، حفر بئر زمزم و عمد إلى الغزالين اللذين كانا في الكعبة فدفنهما فيها.

فما زالت زمزم مدروسة حتى جاء عبد المطلب بن هاشم فحفرها و أخرج الغزالين الذهب كما أخرج منها سيوفا و دروعا و سلاحا، قال الأزرقي: فحفر

496

حتى أنبط الماء في القرار ثم بحرها حتى لا ينزف، ثم بنى عليها حوضا فطفق هو و ابنه ينزعان فيملآن ذلك الحوض فيشرب منه الحاج.

ثم بعد ذلك تعاقب الإصلاح على بئر زمزم في كل عصر و وقت إلى يومنا هذا، فبنيت البئر مرارا من أعلاها و أسفلها، و حفر قعرها و نظف، و قد فصلنا كل ذلك في هذا الباب كما سيقف القارئ الكريم عليه.

و في صحيح مسلم عن أبي ذر، رضي اللّه عنه، قال: لما سمعت خبر النبي (صلى الله عليه و سلم) أتيت مكة فسألت عن مكانه، فمال علي أهل الوادي و كانوا يضربونني حتى خررت مغشيا علي، ففررت منهم و اختفيت بين أستار الكعبة، فرأيت في بعض الليالي رسول اللّه يطوف فحييت تحية الإسلام، فقال لي: مذ متى كنت هنا؟

قلت مذ ثلاثين يوما، قال: فمن يطعمك؟ قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم.

فقال عليه الصلاة و السلام: إنها مباركة إنها طعام طعم. و معنى الطعام ما يؤكل، و الطعم بضم فسكون مصدر بمعنى الأكل و الذوق أي إنه طعام مشبع. ا ه.

و قد جاء في الصحيحين عن خروج زمزم لإسماعيل و بناء إبراهيم الكعبة، عليهما الصلاة و السلام، و بناء قريش لها أيضا و في غيرهما من كتب الأحاديث فراجعها إن شئت.

و جاء في تاريخ الخميس عند ما وصل إبراهيم عليه الصلاة و السلام بابنه إسماعيل و أمه هاجر إلى مكة المشرفة ما نصه:

و في معالم التنزيل: فوضعهما إبراهيم عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلا المسجد و ليس بمكة يومئذ أحد و ليس بها ماء و لا عمارة و لا زراعة.

و في رواية: وضعهما عند تل ستبنى الكعبة عليه. و في الاكتفاء: فلما أراد إبراهيم أن يخرج و رأت أم إسماعيل أنه ليس بحضرتها أحد من الناس و لا ماء ظاهر تركت ابنها في مكانه و تبعت إبراهيم فقالت: يا إبراهيم إلى من تدعنا؟ فسكت عنها حتى إذا دنا من كداء قال: إلى اللّه عز و جل أدعكم. قالت: فاللّه أمرك بهذا؟ قال: نعم! قالت: فحسبي تركتنا إلى كاف، و انصرفت هاجر إلى ابنها و خرج إبراهيم حتى وقف على كداء و لا بناء و لا ظل و لا شي‏ء يحول دون ابنه فنظر إليه فأدركه ما يدرك الوالد من الرحمة لولده فقال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ‏.

497

و في رواية: فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه إلى البيت بهذه الدعوات.

و عن مجاهد: لو قال: أفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس و الروم.

و في الكشاف قيل: لو لم يقل: «من» لازدحموا عليها حتى الروم و الترك و الهند.

و في أنوار التنزيل: لحجت اليهود و النصارى و المجوس.

و في الاكتفاء: ثم انصرف إبراهيم راجعا إلى الشام و رجعت أم إسماعيل إلى ابنها و عمدت هاجر فجعلت عريشا في موضع الحجر من سمر و تمام القتة عليه و معها شن فيه ماء. و في رواية: وضع عندها جرابا فيه تمر و سقاء فيه ماء.

و في الاكتفاء: فلما نفد الماء عطش إسماعيل و عطشت أمه فانقطع لبنها فأخذ إسماعيل كهيئة الموت فظنت أنه ميت فجزعت و خرجت جزعا أن تراه على تلك الحالة و قالت: يموت و أنا غائبة عنه أهون علي و عسى اللّه أن يجعل لي في ممشاي خيرا، فانطلقت فنظرت إلى جبل الصفا فأشرفت عليه تستغيث ربها و تدعوه ثم انحدرت إلى المروة فلما كانت في الوادي خبت حتى انتهت إلى المروة.

و في رواية: لما بلغت بطن الوادي غاب الولد عن عينها فرفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها، قال ابن عباس: قال النبي (صلى الله عليه و سلم): فلذلك سعى الناس بينهما، يعني صار ذلك من شعائر الحج.

و في الاكتفاء: فعلت ذلك مرات كلما أشرفت على الصفا نظرت إلى ابنها فتراه على حاله و إذا أشرفت على المروة فمثل ذلك، و كان ذلك أول سعي بين الصفا و المروة و كان من قبلها يطوفون بالبيت و لا يسعون بين الصفا و المروة و لا يقفون المواقف حتى كان إبراهيم، فلما كان الشوط السابع و يئست سمعت صوتا فاستمعت، فلم تسمع إلا الأول فظنت أنه شي‏ء عرض لسمعها من الظمأ و الجهد، فنظرت إلى ابنها فإذا هو يتحرك فأقامت على المروة ثم سمعت الصوت الأول فقالت: إني سمعت صوتك فأعجبني، فإن كان عندك خير فأغثني، فإني قد هلكت و هلك ما عندي.

498

و في رواية، قالت: أيها الذي قد سمعت إن كان عندك غوث فأغثني، و كان الصائت جبريل انتهى. فخرج الصوت يصوت بين يديها و خرجت تتلوه قد قويت له نفسها حتى انتهى الصوت عند رأس إسماعيل، ثم بدا لها جبريل فانطلق بها حتى وقف على موضع زمزم فضرب بعقبه مكان البئر، فظهر الماء فوق الأرض حين فحص بعقبه. و في الحدائق: فبحث بعقبه أو قال بجناحه على شك الراوي و فارت بالرواء و جعلت أم إسماعيل تحظر الماء بالتراب و تحوضه خشية أن يفوتها قبل أن تأتي بشنها فاستقت و بادرت إلى ابنها فسقته. قال ابن عباس: قال النبي (صلى الله عليه و سلم): يرحم اللّه أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت عينا معينا.

و في الاكتفاء: فشربت فإذا ثدياها يتقطران لبنا فكان ذلك اللبن طعاما و شرابا لإسماعيل و كانت تجتزئ بماء زمزم فقال الملك: لا تخافي أن ينفد هذا الماء، و أبشري فإن ابنك سيشب، و يأتي أبوه من الشام فيبنون هاهنا بيتا يأتيه عباد اللّه من أقطار الأرضين، ملبين للّه جل ثناؤه فيطوفون به و يكون هذا الماء شرابا لضيفان اللّه عز و جل الذين يزورون بيته. فقالت في جوابه: بشرك اللّه بكل خير. و طابت نفسها و حمدت اللّه تعالى و أقبل غلامان من العماليق يريدان بعيرا لهما أخطأهما، و قد عطشا و أهلهما بعرفة، فنظرا إلى طير تهوي قبل الكعبة فاستنكرا ذلك و قالا: إنما يكون الطير على غير ماء. فقال أحدهما لصاحبه: أمهل حتى نبرد ثم نسلك في مهوى الطير. فأبرد ثم تروحا فإذا الطير ترد و تصدر، فاتبعا الواردة منها حتى وقفا على أبي قبيس فنظرا إلى الماء و إلى العريش فنزلا و كلّما هاجر و سألاها متى نزلت؟ فأخبرتهما و قالا: لمن هذا الماء؟ فقالت: لي و لابني. فقالا: من حفره؟ فقالت: سقانا اللّه عز و جل. فعرفا أن أحدا لا يقدر أن يحفر هناك ماء و عهدهما بما هناك قريب و ليس به ماء، فرجعا إلى أهلهما من ليلتهما فأخبراهم فتحولوا حتى نزلوا معها على الماء، فأنست بهم و معهم الذرية فنشأ إسماعيل مع ولدانهم و كان إبراهيم يزور هاجر في كل شهر على براق يغدو غدوة فيأتي مكة ثم يرجع فيقيل من منزله بالشام فزارها بعد و نظر إلى من هناك من العماليق و إلى كثرتهم و غمارة الماء فسر بذلك. و لما بلغ إسماعيل أن يسعى مع إبراهيم في أشغاله و يعينه في حوائجه و أعماله و ذلك حين كان ابن ثلاث عشرة سنة، و قيل ابن سبع سنين، و قيل أربع سنين رأى إبراهيم في المنام أن يذبحه. انتهى من تاريخ الخميس.

499

حفر عبد المطلب جد النبي (صلى الله عليه و سلم) زمزم‏

لما استخفت جرهم بحرمة الكعبة و الحرم و طغوا و بغوا، غاص ماء زمزم و درس موضعه حتى صار لا يعرف، و قيل: إن جرهما طمست البئر حين نفيت من مكة، ثم بعد ذلك استخرجها عبد المطلب بعد أن أهداه اللّه تعالى إلى مكانه، قال الفاسي في شفاء الغرام: و روينا في تاريخ الأزرقي عن الزهري ما يقتضي أن حفر عبد المطلب لزمزم كان بعد مولد النبي (صلى الله عليه و سلم)؛ لأن الأزرقي روى بسنده إلى الزهري أن حفر عبد المطلب لزمزم كان بعد الفيل، و النبي (صلى الله عليه و سلم) ولد عام الفيل على الصحيح و اللّه تعالى أعلم. انتهى.

و لقد ذكر الإمام الأزرقي في تاريخه قصته في حفر زمزم، فقد قال بعد أن ساق خبر إخراج جبريل زمزم لأم إسماعيل ما نصه:

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني مهدي بن أبي المهدي قال: حدثنا عبد اللّه بن معاذ الصنعاني عن معمر عن الزهري قال: أول ما ذكر من عبد المطلب بن هاشم جدّ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن قريشا خرجت فارة من أصحاب الفيل و هو غلام شاب فقال: و اللّه لا أخرج من حرم اللّه أبتغي العز في غيره قال: فجلس عند البيت و أجلت عنه قريش فقال:

لا هم إن المرء يم* * * نع رحله فامنع رحالك‏

لا يغلبن صليبهم‏* * * و ضلالهم عدوا محالك‏

قال: فلم يزل ثابتا في الحرم حتى أهلك اللّه الفيل و أصحابه فرجعت قريش و قد عظم فيها لصبره و تعظيمه محارم اللّه عز و جل. فبينما هو في ذلك و قد ولد له أكبر بنيه فأدرك و هو الحارث بن عبد المطلب فأتي عبد المطلب في المنام فقيل له:

احفر زمزم خبئة الشيخ الأعظم فاستيقظ فقال: اللهم بيّن لي، فأتى في المنام مرة أخرى فقيل له: احفر زمزم بين الفرث و الدم عند نقرة الغراب في قرية النمل مستقبلة الأنصاب الحمر، فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينظر ما سمي له من الآيات فنحرت بقرة بالحزورة فانفلتت من جازرها بحشاشة نفسها حتى غلبها الموت في المسجد في موضع زمزم، فجزرت تلك البقرة في مكانها حتى احتمل لحمها، فأقبل غراب يهوي حتى وقع في الفرث. فبحث عن قرية النمل فقام عبد المطلب فحفر هنالك فجاءته قريش فقالت لعبد المطلب، ما

500

هذا الصنيع؟ إنا لم نكن نزنك بالجهل لم تحفر في مسجدنا؟ قال عبد المطلب: إني لحافر هذا البير و مجاهد من صدني عنها، فطفق هو و ابنه الحارث و ليس له ولد يومئذ غيره فسفه عليهما يومئذ ناس من قريش فنازعوهما و قاتلوهما و تناهى عنه ناس من قرش لما يعلمون من عتق نسبه و صدقه و اجتهاده في دينهم يومئذ، حتى إذا أمكن الحفر و اشتد عليه الأذى نذر إن وفى له عشرة من الولد أن ينحر أحدهم ثم حفر حتى أدرك سيوفا دفنت في زمزم حين دفنت فلما رأت قريش أنه قد أدرك السيوف قالوا: يا عبد المطلب: أجزنا مما وجدت. فقال عبد المطلب: هذه السيوف لبيت اللّه الحرام، فحفر حتى أنبط الماء في القرار ثم بحرها حتى لا ينزف ثم بنى عليها حوضا فطفق هو و ابنه ينزعان فيملآن ذلك الحوض فيشرب به الحاج فيكسره ناس من حسدة قريش بالليل، فيصلحه عبد المطلب حين يصبح، فلما أكثروا فساده دعا عبد المطلب ربه، فأري في المنام فقيل له: قل: اللهم إني لا أحلها لمغتسل و لكن هي للشارب حل و بل ثم كفيتهم، فقام عبد المطلب- يعني حين اختلفت قريش في المسجد- فنادى بالذي أري ثم انصرف فلم يكن يفسد حوضه ذلك عليه أحد من قريش إلا رمي في جسده بداء حتى تركوا حوضه و سقايته.

ثم تزوج عبد المطلب النساء فولد له عشرة رهط فقال: اللهم إني كنت نذرت لك نحر أحدهم و إني أقرع بينهم فأصب بذلك من شئت، فأقرع بينهم.

فطارت القرعة على عبد اللّه بن عبد المطلب و كان أحب ولده إليه فقال عبد المطلب: اللهم أهو أحب إليك أم مائة من الإبل؟ ثم أقرع بينه و بين المائة من الإبل، فكانت القرعة على المائة من الإبل، فنحرها عبد المطلب.

حدثني محمد بن يحيى عن الثقة عنده عن محمد بن إسحاق قال: حدثني غير واحد من أهل العلم أن عبد المطلب أري في منامه أن يحفر زمزم في موضعها الذي هي فيه فحفرها بين إساف و نائلة الوثنين اللذين كانا بمكة فلما استقام حفرها و شرب أهل مكة و الحاج منها عفت على الآبار التي كانت بمكة قبلها لمكانها من البيت و المسجد و فضلها على ما سواها من المياه، و لأنها بئر إسماعيل بن إبراهيم في الموضع الذي ضرب فيه جبريل برجله فهزمه و نبع الماء منه، قال ابن إسحاق:

و كان سبب حفرها أن عبد المطلب بن هاشم بينا هو نائم في الحجر فأمر بحفر زمزم في منامه و هو دفين بين صنمي قريش: إساف و نائلة، عند منحر قريش،

501

قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن أبي حبيب عن مرشد بن عبد اللّه عن عبد اللّه بن يزيد اليافعي، أنه سمع علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه يحدث حديث زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها قال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال: احفر طيبة قال: قلت: و ما طيبة؟ قال: ثم ذهب عني فرجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر برة، قال: قلت: و ما برة؟ قال: ثم ذهب عني فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر زمزم، قال: قلت: و ما زمزم؟ قال: لا تنزف أبدا و لا تذم، تسقي الحجيج الأعظم عند قرية النمل، قال: فلما أبان له شأنها و دل على موضعها و عرف أنه قد صدق، غدا بمعوله و معه ابنه الحارث بن عبد المطلب ليس له يومئذ ولد غيره، فحفر. فلما بدا لعبد المطلب الطي كبّر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر إسماعيل و إن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها.

فقال عبد المطلب: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر خصصت به دونكم و أعطيته من بينكم. قالوا: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نحاكمك فيها. قال: فاجعلوا بيني و بينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم، قال: نعم، و كانت بأشراف الشام.

فركب عبد المطلب و معه نفر من بني عبد مناف و ركب من كل قبيلة من قريش نفر. قال: و الأرض إذ ذاك مفاوز فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض المفاوز بين الحجاز و الشام فني ماء عبد المطلب و أصحابه فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة و استسقوا ممن معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم و قالوا: إنا في مفاوز نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم. فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم و ما يتخوف على نفسه و أصحابه قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك فأمرنا بما شئت قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم لنفسه بما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخركم رجلا واحدا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعه ركب جميعا. قالوا: سمعنا ما أردت. فقام كل رجل منهم يحفر حفرته ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا. ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: و اللّه إن إلقاءنا بأيدينا لعجز. لا نبتغي لأنفسنا حيلة. فعسى اللّه أن يرزقنا ماء ببعض البلاد. ارتحلوا فارتحلوا حتى إذا فرغوا و من معهم من قريش ينظرون إليهم و ما هم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعث به انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب. فكبّر عبد المطلب و كبر أصحابه ثم‏

502

نزل فشرب و شربوا و استقوا حتى ملأوا أسقيتهم. ثم دعا القبائل التي معه من قريش فقال: هلم إلى الماء فقد سقانا اللّه عز و جل فاشربوا و استقوا. فشربوا و استقوا فقالت القبائل التي نازعته: قد و اللّه قضى اللّه عز و جل لك علينا يا عبد المطلب و اللّه لا نخاصمك في زمزم أبدا الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة، هو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا. فرجع و رجعوا معه و لم يمضوا إلى الكاهنة و خلوا بينه و بين زمزم.

قال ابن إسحاق: و سمعت أيضا من يحدث في أمر زمزم عن علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنه، أنه قيل لعبد المطلب حين أمر بحفر زمزم: أدع بالماء الرواء غير الكدر، فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش، فقال: أتعلمون أني قد أمرت أن أحفر زمزم؟ قالوا: فهل بيّن لك أين هي؟ قال: لا، قالوا: فارجع إلى مضجعك الذي رأيت فيه ما رأيت إن يكن حقا من اللّه بيّن لك، و إن يكن من الشيطان لم يرجع إليك. فرجع عبد المطلب إلى مضجعه، فنام فأري فقيل:

احفر زمزم إن حفرتها لم تذم و هي تراث أبيك الأعظم. فلما قيل له ذلك قال:

و أين هي؟ قال: قيل له: عند قرية النمل حيث ينقر الغراب غدا، قال: فغدا عبد المطلب و معه ابنه الحارث و ليس له يومئذ ولد غيره فوجد قرية النمل و وجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين: إساف و نائلة. فجاء بالمعول و قام ليحفر حيث أمر فقامت إليه قريش حين رأوا جده فقالت: و اللّه لا ندعك تحفر بين و ثنينا هذين اللذين ننحر عندهما. فقال عبد المطلب للحارث: دعني أحفر و اللّه لأمضين لما أمرت به. فلما عرفوا أنه غير نازع خلوا بينه و بين الحفر و كفوا عنه فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطي، طي البئر، فكبّر و عرف أنه قد صدق. فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ذهب- و هما الغزالان اللذان دفنت جرهم حين خرجت من مكة- و وجد فيه أسيافا قلعية و أدراعا و سلاحا فقالت له قريش: إن لنا معك في هذا شركا و حقا قال: لا، و لكن هلم إلى أمر ننصف بيني و بينكم نضرب عليها بالقداح، قالوا: و كيف نصنع؟ قال: أجعل للكعبة قد حين، ولي قدحين، و لكم قدحين، قالوا: أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة، و قدحين أسودين لعبد المطلب، و قدحين أبيضين لقريش. ثم قال: أعطوها من يضرب بها عند هبل و قام عبد المطلب فقال:

لاهم أنت الملك المحمود* * * ربي و أنت المبدئ المعيد