التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج2

- محمد طاهر الكردي المزيد...
605 /
53

و المراد بالمعلاة و المسفلة في اصطلاح العرب القدماء هو كما يأتي:

ذكر الإمام الأزرقي في تاريخه في حد المعلاة ما نصه: قال أبو الوليد: حد المعلاة من شق مكة الأيمن ما جازت دار الأرقم بن أبي الأرقم، و الزقاق الذي على الصفا يصعد منه إلى جبل أبي قبيس مصعدا في الوادي، فذلك كله من المعلاة و وجه الكعبة و المقام و زمزم و أعلا المسجد، و حد المعلاة من الشق الأيسر من زقاق البقر الذي عند الطاحونة، و دار عبد الصمد بن علي اللتان مقابل دار يزيد ابن منصور الحميري خال المهدي يقال لها دار العروس مصعدا إلى قعيقعان، و دار جعفر بن محمد و دار العجلة و ما حاز سيل قعيقعان إلى السويقة و قعيقعان مصعدا، فذلك كله من المعلاة.

و أما حد المسفلة، فقد قال الأزرقي في تاريخه أيضا ما نصه: قال أبو الوليد من الشق الأيمن من الصفا إلى أجيادين فما أسفل منه فذلك كله من المسفلة، و حد المسفلة من الشق الأيسر من زقاق البقر متحدرا إلى دار عمرو بن العاص و دار ابن عبد الرزاق الجمحي و دار زبيدة، فذلك كله من المسفلة، فهذه حدود المعلاة و المسفلة. انتهى من الأزرقي.

نقول: ظهر مما تقدم من كلام الأزرقي، أن موضع السعي من الصفا و ما حاذاه و قابله من جبل قعيقعان إلى جهة الشمال، يعني الحجون فما فوق، هو حد المعلاة.

و من موضع السعي من الصفا من خلف أجياد و ما حاذاه و قابله من السوق الصغير و الشبيكة فما تحت، ذلك هو حد المسفلة. هذا بحسب الاصطلاح في الزمن القديم، قبل أن يكثر الناس بمكة، و قبل أن تتفرغ الشوارع إلى حارات و محلات، فلما تفرعت و كثرت كما في زماننا و من قبل زماننا سميت بمختلف الأسماء لسرعة الاهتداء إلى الأماكن و المنازل.

و لقد قمنا بجولة استطلاع عن مداخل مكة في أواخر شعبان سنة ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف، و بصحبتنا أحد العربان الخبيرين بمداخل مكة المكرمة و الدروب الموصلة إليها، و هو عبيد بن عبد اللّه العدواني من أهل المعابدة بمكة.

و إليك في هذا الجدول ما حققنا في هذا الموضوع بالتفصيل التام:

54

جدول مداخل مكة من جهاتها الأربعة

الجهة/ عدد المداخل/ اسم المداخل من الجهة الشرقية/ مدخلان/ درب الشرائع، و طريق منى.

من الجهة الغربية/ أربع مداخل/ باب جدة، و ريع أبي لهب، و ريع الكحل، و درب الهنداوية.

من الجهة الشمالية/ ثلاث مداخل/ ريع اللصوص، و ريع أذاخر، و درب الخانسة.

من الجهة الجنوبية أي اليمانية/ ثلاث مداخل/ طريق المفجر، و ريع كدي، و طريق المسفلة.

انظر: صورة رقم 21، باب جدة عند مدخل مكة بجرول‏

هذه المداخل المتعددة المذكورة في هذا الجدول من الجهات الأربعة لمكة، تبعد عنها بقليل لكنها كلها واقعة في أرض الحرم، و معنى الريع بكسر الراء طريق بين جبلين متقاربين، أما مداخلها الثلاثة التي ذكرها الأزرقي و القطبي و هي: المعلاة و الشبيكة و المسفلة، إنما هي مداخل مكة من داخلها و من بطنها لا تبعد عنها فافهم ذلك جيدا.

و ريع اللصوص المذكور في الجدول هو مدخل مكة من الجهة الشمالية و يوصل إلى وادي أبو عشر، و يتفرع منه الدروب للوادي و السنوسية و الجعرانة، و سمي بدرب اللصوص، لأنهم كانوا يأتون من هذا الدرب لعدم وجود الحراسة به من الجنود و العساكر (الطريق الذي دخل منه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مكة يوم فتحها).

لقد تقدم الكلام على مداخل مكة بالتفصيل التام.

فبقي علينا أن نعرف مدخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى مكة في عام الفتح، فإنه (صلى الله عليه و سلم) حين وصل بجيشه إلى ذي طوى- أمر الزبير بن العوام أن يدخل مكة من طريق" كداء" بفتح الكاف و بالهمزة، و كداء هي الثنية التي بأعلى مكة التي يهبط منها إلى المقبرة المعروفة بالمعلا، و يقال لها الحجون، و يركز رايته بأعلى الحجون و قال له: لا تبرح من حيث أمرتك أن تركز رايتي حتى آتيك، فسار الزبير بالناس، حتى وقف بالحجون و غرز هناك راية رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

و أمر خالد بن الوليد أن يسير بمن أسلم من قضاعة و بني سليم و غيرهم، فيدخل مكة من" الليط" من أسفل مكة، و أن يركز رايته عند منتهى البيوت‏

55

و أدناها، و معنى دخوله من الليط، أي من طريق" كدي" بضم الكاف و تشديد الياء و بالتصغير. و هي الموضع الذي يستحب الخروج منه، و هي الثنية التي بأسفل مكة التي بنى عليها بابها المعروف بباب الشبيكة، قال الغازي: و في شرح رسالة ابن زيدون للشيخ جعفر: لبني كدي بالضم و القصر، اسم للثنية السفلى التي يمر عليها الداخل القادم من جدة. و تسمى اليوم ريع الرسام، تسمية قديمة لما كان يجلس عندها آخذ الرسوم من واردات مكة. انتهى.

و الذي يدلنا أن خالد بن الوليد دخل مكة من هذه الثنية، هو وجود المسجد الشهير باسمه الذي بحارة الباب إلى اليوم، فإنه بني في المحل الذي ركز فيه رايته رضي اللّه تعالى عنه.

أما رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و من معه من الجيش فإنه دخل مكة من ثنية أذاخر، كما قاله الإمام الأزرقي و الفاسي، و ثنية أذاخر معروفة إلى اليوم و هذه الثنية متصلة بخريق العشر و بوادي جليل، و قد تكلمنا عنهما في مبحث" تذكر النبي (صلى الله عليه و سلم) و أصحابه مكة".

فشعب أذاخر واقع في آخر محلة المعابدة، فإذا وصل الإنسان من مكة بالسيارة إلى منتهى خط الإسفلت المستقيم، فإن أخذ على يمينه، فإنه يذهب به إلى طريق منى، و إن أخذ على يساره، فإنه يذهب به إلى ثنية أذاخر و طريق العشر.

و من قال إن النبي (صلى الله عليه و سلم) دخل مكة من كداء من الحجون، و هو الجبل المشرف على مسجد الحرس بأعلى مكة" أي مسجد الجن"، فربما اشتبه عليه، لأن من دخل مكة من شعب أذاخر أو من الحجون يقال إنه دخل من أعلى مكة.

و نحن نذهب مع من قال أن النبي (صلى الله عليه و سلم) دخل مكة من ثنية أذاخر لثلاثة أمور:

(الأول): أن النبي (صلى الله عليه و سلم)، قسم جيشه البالغ عددهم عشرة آلاف مجاهد بذي طوى بظاهر مكة ثلاثة أقسام، جعل قسما يدخل مكة من أسفلها، و قسما يدخل من أعلاها من الحجون، و هو (صلى الله عليه و سلم)، دخلها بمن معه من ثنية أذاخر، و هي أعلا مكة أيضا، لكنها واقعة بعد الحجون. و اعلم أن وادي طوى ليس المقصود منه نفس البقعة التي فيها بئر طوى، بل إنما هي مكان فسيح، يشتمل على الزاهر و الشهداء، و لذلك نزل فيه (صلى الله عليه و سلم) بجيشه البالغ عددهم عشرة آلاف مجاهد بأحمالهم و جمالهم.

56

فإذا وصل الإنسان إلى ذي طوى، فإنه يدخل مكة من طريق العشر المؤدي إلى شعب أذاخر، أما إذا كان الإنسان وصل إلى نفس بئر طوى، فأقرب طريق يدخله إلى مكة هو طريق الحجون، أو طريق ريع الرسام من جهة حارة الباب.

(الثاني): لو قلنا أنه (صلى الله عليه و سلم) دخل مكة من الحجون، فكأنه دخلها وراء الزبير الذي أمره أن يدخل من الحجون، فصار جيشه مقسما إلى قسمين فقط، بينما هو ثلاثة أقسام كل قسم دخل من طريق.

(الثالث): أن النبي (صلى الله عليه و سلم)، دخل من ثنية أذاخر لأمرين:

أولا: أن ثنية أذاخر، هي منتهى مدخل مكة من أعلاها، فإذا دخل من هنا، فإنه يدخل من وراء جيشه الذي دخل من الحجون، و يستقبل جيشه الآتي من جهة المسفلة، فيحميهم من جيش المشركين إن كمنوا وراءهم، إن هذه الخطة التي رسمها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) للاستيلاء على مكة المشرفة من ثلاث جهات، خطة حكيمة سديدة، لا تصدر إلا من صاحب الرسالة و النبوة الذي لا ينطق عن الهوى (صلى الله عليه و سلم)، فما أيسر ما استولى عليها، و ذلك فتح من اللّه و نصر قريب.

و ثانيا: دخوله (صلى الله عليه و سلم) من ثنية أذاخر لحكمتين معنويتين- أن يستقبل في دخوله مكة نفس الكعبة المشرفة بدون التواء و ازورار، و أن يرى من ثنية أذاخر جبل حراء الذي هبط عليه الوحي و هو فوقه، و الذي كان مكان مبعثه و موضع تعبده، فيمر في رأسه الشريف جميع الأدوار التي مرت عليه في هذه البقعة المباركة، و للذكريات عند الإنسان نشوة فرح و ساعة صفاء. فما بالك بذكريات النبوة الشريفة، و الحالات المحمدية الطاهرة.

و ما جاء في البخاري و غيره عن ابن عمر رضي اللّه عنه أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يدخل مكة من الثنية العليا، يعني كداء، و يخرج من الثنية السفلى يعني كدي- يحمل دخوله مكة في غير يوم الفتح، لأن الدخول من كداء هو أقرب الطرق من الجهة العليا، و الدخول من ثنية أذاخر الواقعة خلف كداء بالمعابدة، هو أبعد الطرق و منتهى طرف مكة، فدخوله (صلى الله عليه و سلم)، من ثنية أذاخر يوم فتح مكة للاستيلاء عليها هو للاحتياط في الأمر، فلا يحتمل وجود العدو وراءه. و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

هذا و في غزوة الفتح الأعظم" غزوة فتح مكة"، حصل للنبي (صلى الله عليه و سلم)، كثير من المعجزات كنا نتمنى درس هذه الغزوة و التأمل فيها لعدها و حصرها، و لكن ليس‏

57

لنا من الفراغ ما نحقق عن هذه المسألة، فعسى اللّه أن يقيض من الفضلاء، من يؤلف كتابا خاصا عن هذه الغزوة الفتحية المباركة.

و لا بأس أن نشير إلى ثلاثة من معجزاته (صلى الله عليه و سلم) في هذه الغزوة (إحداها) عدم معرفة قريش بأن النبي (صلى الله عليه و سلم) يريد فتح مكة، فلو علموا لاستعدوا للحرب، و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لا يريد بها حربا حتى لا تنتهك حرمة مكة، و لذلك دعا ربه و هو بالمدينة قبل توجهه إلى مكة قائلا:" اللهم خذ العيون و الأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها"، و قد استجاب اللّه دعوته، و هو السميع المجيب، فنصر عبده الأواه المنيب.

(و ثانيهما): دخوله (صلى الله عليه و سلم) مكة و استيلاؤه عليها بدون حرب و لا قتال و لا تعب و لا مشقة، ما عدا القتال اليسير الذي كان مع خالد بن الوليد، رضي اللّه تعالى عنه، فكان خروجه عليه الصلاة و السلام، من المدينة لعشر مضين من رمضان، و دخوله إلى مكة كان لعشرين خلت من رمضان. فإن قلنا أنه (صلى الله عليه و سلم) أخذ في الطريق بين مكة و المدينة مع تمام الراحة بجيشه و إقامته ببعض المحطات تسعة أيام و في صباح اليوم العاشر كان بذي طوى في طرف مكة، ثم دخلها في ضحى هذا اليوم من غير معارض له، فكأنه (صلى الله عليه و سلم) فتح مكة في يوم واحد فقط، بل في ساعة واحدة و هي ساعة دخوله، و لا شك أن ذلك نصر من اللّه و فتح عظيم، و معجزة كبرى و آية عظمى.

(و ثالث المعجزات): قوله (صلى الله عليه و سلم) للزبير بن العوام حينما أمره بذى طوى أن يدخل مكة من كداء و يركز رايته بالحجون:" لا تبرح من حيث أمرتك أن تركز رايتي حتى آتيك"، ثم دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مكة من ثنية أذاخر، و مشى صوب وجهته إلى حيث ركزت رايته و ضربت قبته، و هذا يدل دلالة صريحة أن اللّه تعالى الذي بيده ملك السموات و الأرض، قد أطلع نبيه بكل ما يحصل له في فتح مكة قبل أن يدخلها.

اللهم صل و سلم و بارك على عبدك و نبيك و رسولك سيدنا" محمد" الذي أرسلته رحمة للعالمين، و على آله و ذريته و صحابته الطيبين المباركين أجمعين، كما صليت و سلمت و باركت على نبيك و خليلك إبراهيم و على آله و ذريته و صحابته أجمعين، و سلام على المرسلين و الحمد للّه رب العالمين. رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً.

58

سور مكة قديما

ما كنا نظن أنه كان لمكة سور، قبل أن نطلع على كتب التاريخ، و السبب في تسويرها، هو الاعتداءات المتكررة من الحكام في قديم الزمن على بعضهم البعض، فجعلوا لمكة سورا في جهاتها ليتحصن من كان في داخلها، ثم لم يزل السور يندثر شيئا فشيئا، حتى لم يبق له أثر الآن مطلقا، و الحمد للّه إنه في عصرنا الحاضر، قد انتشر الأمن و الأمان بمحض فضل اللّه تعالى في بلده الأمين، بل و في جميع أنحاء المملكة العربية انتشارا تاما، بحيث لم تبق لنا حاجة للأسوار لأي بلدة، حتى أن حكومتنا السنية هدمت سور جدة منذ سنوات لعدم الإحتياج إليه.

و إليك ما جاء عن سور مكة، فقد روى الغازي في تاريخه ما نصه:

و في الإعلام. و كانت مكة في قديم الزمان مسورة، فجهة المعلى" قال العلامة الشيخ علي القاري في منسكه: المعلا بفتح الميم و اللام ضد المسفلة، و اشتهر بين العامة بضم الميم و تشديد اللام المفتوحة، و له وجه في القواعد العربية، ا ه"، كان بها جدار عريض من طرف جبل عبد اللّه بن عمر إلى الجبل المقابل له، و كان فيه باب من خشب مصفح بالحديد، أهداه ملك الهند إلى صاحب مكة، و قد أدركنا منها قطعة جدار كان فيه ثقوب للسيل قصير دون القامة، و كان في جهة الشبيكة أيضا، سور ما بين جبلين متقاربين، بينما الطريق السالك إلى خارج مكة، و كان ذلك السور فيه بابان بعقدين أدركنا أحد العقدين يدخل منه الجمال و الأحمال، ثم تهدم شيئا فشيئا إلى أن لم يبق منه شي‏ء الآن، و لم يبق منه إلا فج بين جبلين متقاربين فيها المدخل و المخرج. و كان سور في جهة المسفلة في درب اليمن، لم ندركه و لم ندرك آثاره.

و ذكر التقي الفاسي نقلا عمن تقدم: أنه كان لمكة سور من أعلاها، دون السور الذي تقدم ذكره، قريبا من المسجد المعروف بمسجد الراية، و أنه كان من الجبل الذي إلى جهة القرارة، و يقال له: لعلع، إلى الجبل المقابل الذي إلى جهة سوق الليل قال: و في الجبل آثار تدل على اتصال السور بها، انتهى.

و لم يبق الآن شي‏ء من آثار هذا السور مطلقا، و أما حدوث هذه الأسوار، فقد قال التقي الفاسي: ما عرفت متى أنشئت هذه الأسوار بمكة، و لا من أنشأها، و لا من عمرها، غير أنه بلغني: أن الشريف أبا عزيز قتادة بن إدريس‏

59

الحسني، جد ساداتنا أشراف مكة أدام اللّه عزهم و سعادتهم، هو الذي عمرها قال: و ظن أن في دولته عمّر السور الذي بأعلا مكة، و في دولته سهلت العقبة التي بنى عليها سور باب الشبيكة، و ذلك من جهة المظفر صاحب إربل في سنة ستمائة و سبعة، و لعله الذي بأعلا مكة. و اللّه أعلم.

ثم قال في كتاب إفادة الأنام المذكور ما نصه: قال في المنتقى: و كان عمل باب السور الذي جهة المعلا، بكتباية من بلاد الهند، في سنة ست و ثمانين و سبعمائة، و أهدي للسيد أحمد بن عجلان، و ركبه على باب المعلا عنان بن مغامس بن رميثة في سنة تسع و ثمانين، لما ولي إمرة مكة بعد قتل محمد بن أحمد بن عجلان، ثم أحرق ذلك الباب بالنار حتى سقط على الأرض، و كذلك هدم عدة مواضع من سور باب المعلا من جانبه. و سبب ذلك، أن عسكر السيد رميثة بن محمد بن عجلان، منعوا عسكر عمه السيد حسن من دخول مكة لما ولي إمرة مكة عوض رميثة في ثامن عشر رمضان هذه السنة، فبعض عسكر السيد حسن هدم عدة مواضع من سور باب المعلا من جانبه، و في يوم هدم ذلك، أحرق باب المعلا بالنار حتى سقط إلى الأرض، و بأمر السيد حسن كان بناء ما هدم، و بأمره عوض عن الباب المحترق بباب جيد و ركب في محله في يوم الجمعة ثاني عشر ذي القعدة من السنة المذكورة، و هذا الباب كان لبعض دور السيد حسن بمكة، و كان ينقص عن مقدار باب المعلا فزيد فيه ما كمله و أحكمت الزيادة فيه- انتهى من تاريخ الغازي.

و قال الفاسي في أول كتابه" شفاء الغرام" عن سور مكة ما نصه:

مكة المشرفة بلدة مستطيلة كبيرة، تسع من الخلائق ما لا يحصيهم إلا اللّه عز و جل، في بطن واد مقدس، و الجبال محدقة بها كالسور لها، و لها مع ذلك ثلاثة أسوار: سور في أعلاها و يعرف بسور باب المعلاة، و فيه بابان أحدهما لا باب له و يكون في الغالب مسدودا، و سوران في أسفلها أحدهما يعرف بسور باب الشبيكة، و فيه باب كبير و خوخة صغيرة لا باب لها، و السور الآخر يعرف بسور باب الماجن، و يعرف أيضا بسور باب اليمن، لأنه على طريق البر إلى اليمن.

و كان أحسن هذه الأسوار على ما رأينا، سور باب الشبيكة لكماله بالبناء فيما بين الجبلين اللذين بينهما السور المذكور، و لا كذلك سور باب المعلاة،

60

و سور باب الماجن، و الخلل في سور باب الماجن أكثر، و لقصر جدر هذين السورين في مواضع، و لا كذلك سور باب الشبيكة.

و قد عمّر سور باب المعلاة، و سور باب الماجن، حتى كمل بناؤهما من الجبل إلى الجبل، إلا أن في سور باب المعلاة موضعا متخللا من البناء، مما يلي البركة المعروفة ببركة الصارم، و ارتفع جدر السورين عما كانا عليه، و يذكر أنهما يرفعان أكثر و يعمل لها شرفات، و يكمل الخلل الذي في سور باب المعلاة، و هذه العمارة في النصف الثاني من سنة ست عشرة و ثمانمائة، من جهة الشريف بدر الدين حسن بن عجلان الحسني، نائب السلطنة ببلاد الحجاز، أدام اللّه له الرفعة و الإعزاز، و سبب ذلك، أن ابن أخيه السيد رميثة بن محمد بن عجلان، هجم على مكة و دخلها في طائفة من أصحابه في ضحوة يوم الخميس الرابع و العشرين من جمادى الآخر من السنة المذكورة، و مال إليه جماعة من المولدين كانوا بمكة و خرجوا جميعا منها، و لم يحدثوا بها كبير حدث، لتخوفهم من وصول السيد حسن بن عجلان إليهم فيستأصلهم لكثرة من معه و قلتهم، و كانت مدة مكثهم بمكة ساعة فلكية أو أزيد، و لما توجه رميثة لمكة لم يكن لعمه علم به، و لما علم بذلك أتى مكة مسرعا و دخلها من درب المعلاة، و رأى أوائل عسكره أصحاب رميثة خارجين من مكة، فتبعهم السيد حسن في عسكره قليلا، ثم أعرض عنهم رحمة لهم، و كان بين الفريقين بعد ذلك منازلات و أمور كثيرة.

ثم إن بعض عسكر السيد حسن، هدم عدة مواضع من سور باب المعلاة من جانبيه، منها موضع كبير يلي الجبل الشامي عند البرج الذي هناك، سعته نحو عشرة أذرع، حتى اتصل الهدم بالأرض و منها موضع نحوه من الجانب الآخر متصل ببركة الصارم، و ذلك في يوم الثلاثاء خامس و عشرين شوال سنة تسع عشرة و ثمانمائة، ثم أعيد بناء جميع ما تهدم من هذا السور كما كان، في بقية شوال.

و في أول ذي القعدة من السنة المذكورة، و في يوم هدم ذلك، أحرق باب المعلاة بالنار حتى سقط إلى الأرض، و كان عمل (بكلكته) من بلاد الهند في سنة ست و ثمانين و سبعمائة، و أهدي للسيد أحمد بن عجلان و ركبه على باب المعلاة عنان بن مغامس بن رميثة، في سنة تسع و ثمانين لما ولي إمرة مكة بعد قتل محمد بن أحمد بن عجلان.

61

و كان لمكة سور من أعلاها سورها اليوم، قريبا من المسجد المعروف بمسجد الراية، و موضع باب هذا السور على ما ذكر لي غير واحد، فيما بين الدارين المتقابلتين المنسوبتين لمسعود بن أحمد المعروف بالأزرق المكي، التي بإحداهما الآن ذيب مشروعة لا سقف عليها في محاذاة ركني الدارين مما يلي الردم، و إذا كان محل باب السور في محاذاة هذين الركنين فالظاهر، و اللّه أعلم، أن محل بقية السور يحاذي بابه من جانبي الباب، و أنه من الجبل الذي إلى جهة القرارة و يقال له لعلع،، إلى الجبل المقابل له الذي إلى جهة السوق، أي سوق الليل، لأن التحصين بهذا السور لا يتم إلا بأن يكون هكذا، و في الجبلين المشار إليهما آثار بناء تدل على اتصال السور بهما، و بعض هذا السور الآن على ما بلغني من بعض البيوت المحاذية له، لأن بعض الناس أراني في بعض الدور المنسوبة (للراكبين) جدارا عريضا، ذكر أنه من السور الذي كان هناك، و نقل ذلك عن بعض أقاربه، و يقال الآن لموضع باب السور المشار إليه الدرب الدارس، و يقال لهذا السور فيما مضى السور الجديد، لأني وجدت بخط مسند مكة و موثقها، عبد الرحمن بن أبي حرمي الكاتب العطار، ما يقتضي ذلك.

و من موضع باب السور، المشار إليه بالأرض عند ركني الدارين، المشار إليهما مما يلي الردم، إلى الجدار القبلي من المسجد المعروف بمسجد الراية، مائة ذراع و ثلاثة و عشرون ذراعا و ربع ذراع بالذراع الحديد، يكون بذراع اليد الآتي تحريره مائة و أربعين ذراعا و ستة أسباع ذراع. و من موضع باب السور الذي أشرنا إليه، إلى جدار باب المسجد الحرام، المعروف بباب بني شيبة، تسعمائة ذراع (بتقديم التاء) و عشرون ذراعا و نصف ذراع بالحديد، و يكون ذلك بذراع اليد ألف ذراع و اثنين و خمسين ذراعا. و ما عرفت متى نشأت هذا الأسوار لمكة، و لا من أنشأها و لا من عمرها، غير أنه بلغني أن الشريف أبا عزيز قتادة بن إدريس الحسني، أحد أجداد السيد حسن المذكور عمرها، و اللّه أعلم بصحة ذلك، و أظن أن في دولته عمر السور الذي كان بأعلى مكة، و في دولته سهلت العقبة التي بني عليها سور باب الشبيكة و أصلحت، و ذلك من جهة المظفر صاحب إربل، في سنة سبع و ستمائة، و لعله الذي بنى السور الجديد الذي كان بأعلى مكة، و اللّه أعلم.

62

و رأيت في بعض التواريخ ما يقتضي أنه كان لمكة سور في زمن المقتدر باللّه العباسي، و ما عرفت هل هو هذا السور من أعلى مكة و أسفلها، أو من إحدى الجهتين؟ و اللّه أعلم.

انتهى من شفاء الغرام.

و كانت ولاية الشريف قتادة المذكور على مكة سنة (598) هجرية، و كانت ولاية المقتدر باللّه العباسي المذكور سنة (295) هجرية.

تقسيم قصي أمور مكة

لما كبر قصي بن كلاب، قسم أمور مكة الستة التي هي: السدانة، و الندوة، و اللواء، و السقاية، و الرفادة، و القيادة، بين ولديه عبد الدار و عبد مناف.

(فالأول) هو أكبر أولاد قصي و بكره، و كان محبوبا لدى أبيه قصي و أمه حبّى، فأعطي عبد الدار السدانة و هي الحجابة، و دار الندوة، و اللواء. (و الثاني) قد بلغ في حياة أبيه من الشرف و السؤدد ما لم يبلغه أحد، فأعطي عبد مناف السقاية، و الرفادة، و القيادة أي قيادة الجيش، و كان لقصي أربعة أولاد: (الأول) عبد الدار و هو أكبرهم، و منه سدنة الكعبة و من ولده عثمان بن طلحة الذي أعطاه النبي (صلى الله عليه و سلم) و لابن أخيه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة مفتاح الكعبة المشرفة. (و الثاني) عبد مناف، و منه بيت النبوة (و الثالث) عبد العزى و هو جد الأسديين الذي منهم أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، رضي اللّه تعالى عنها (و الرابع) عدي و منه قريش الظواهر.

و نحن هنا نذكر معنى الأمور الستة التي قسمها قصي بين ولديه عبد الدار و عبد مناف و هي: السدانة، و الندوة، و اللواء، و السقاية، و الرفادة، و القيادة، ملخصا من تاريخ الأزرقي فنقول:

(فأما السدانة) و هي حجابة الكعبة المشرفة، فقد كانت لدى عبد الدار، ثم جعلها في ابنه عثمان بن عبد الدار.

(و أما الندوة) فقد كانت لدى عبد الدار، ثم جعلها في ابنه عبد مناف بن عبد الدار، فلم تزل دار الندوة لدى بني عبد مناف بن عبد الدار، فكانت الجارية إذا حاضت أدخلت دار الندوة، ثم شق عليها بعض ولد عبد مناف ابن عبد الدار

63

درعها، ثم درعها إياه و انقلب بها أهلها فحجبوها. و قد ذكرنا عن دار الندوة شيئا في فصل خاص.

(و أما اللواء) فكان في أيدي بني عبد الدار كلهم، يليه منهم ذوو السن و الشرف في الجاهلية، حتى كان يوم أحد فقتل عليه من قتل منهم. نقول: إن حمل راية الجيش عمل جليل عظيم لا يصلح لها إلا الرجل الممتاز في الشجاعة و قوة القلب، فكسر الراية كسر للجيش، و نصبها و رفعها دليل على قوته و سلامته، فمعنوية الجيش و الجنود في لوائهم و رايتهم.

(و أما السقاية) فهي حياض من أدم كانت على عهد قصي توضع بفناء الكعبة، و يسقى فيها الماء العذب من الآبار على الإبل و يسقاه الحاج- و صارت السقاية بعد عبد مناف إلى ابنه هاشم، ثم إلى ابن هذا عبد المطلب بن هاشم، الذي حفر زمزم، و كان لعبد المطلب إبل كثيرة، فإذا كان موسم الحج، جمعها و خلط لبنها بالعسل في حوض من أدم" أي من جلد" عند زمزم، و أيضا يشتري الزبيب فينبذه بماء زمزم و يسقيه الحاج، فلما توفي عبد المطلب، قام بالسقاية بعده ابنه العباس، فلم تزل في يده حتى توفي، فوليها بعد ابنه عبد اللّه بن العباس رضي اللّه تعالى عنهما، ثم صارت إلى ذريته من بعده.

يقول الغازي (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه، نقلا عن كتاب منائح الكرم ما نصه:

و لما أتى خبر وفاة المطلب، ولي أمر السقاية و الرفادة شيبة الحمد عبد المطلب بن هاشم، فأقام قومه على ما كانوا عليه، و كان له إبل كثيرة، فإذا كان الموسم جمعها و سقى الناس اللبن و العسل، و كان يشتري الزبيب فينبذه في ماء زمزم بعد أن حفرها، فيسقي الناس و استمر بيده إلى أن توفي، فكانت بعده في يد ابنه أبي طالب، فاستدان من أخيه العباس عشرة آلاف درهم إلى الموسم، فصرفها و جاء الموسم و لم يكن معه شي‏ء، فطلب من أخيه العباس أربعة عشر ألف إلى الموسم القابل، فشرط عليه إذا جاء الموسم و لم يقضه أن يترك له السقاية، فقبل ذلك و جاء الموسم فلم يقضه، فترك له السقاية فكانت بيد العباس بن عبد المطلب، و استمرت السقاية بيده حتى فتحت مكة، فولها بعده ابنه عبد اللّه بن العباس رضي اللّه عنهما، حتى توفي، فكانت في يد ابنه علي بن عبد اللّه بن عباس و هي لولده إلى أن انقضت خلافتهم و هم يضعون فيها نوالهم. انتهى من تاريخ الغازي.

64

روى الأزرقي في تاريخه: أن قصي بن كلاب قال لقريش: يا معشر قريش، إنكم جيران اللّه و أهل الحرم، و إن الحجاج ضيفان اللّه و زوار بيته، و هم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما و شرابا أيام هذا الحج حتى يصدروا عنكم، ففعلوا فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالهم، فيدفعونه إلى قصي فيصنعه طعاما للحاج أيام الموسم بمكة و منى، فجرى ذلك من أمره في الجاهلية على قومه و هي الرفادة حتى قام في الإسلام، و هو في الإسلام إلى يومك هذا، و هو الطعام الذي يصنعه السلطان بمكة و منى للناس حتى ينقضي الحج. ا ه.

و روي فيه أيضا: أن هاشم بن عبد مناف كان يقول لقريش إذا حضر الحج:

يا معشر قريش، إنكم جيران اللّه و أهل بيته، خصكم اللّه بذلك و أكرمكم به، ثم حفظ منكم أفضل ما حفظ جار من جاره، فأكرموا أضيافه و زوار بيته يأتونكم شعثا غبرا من كل بلد، فكانت قريش ترافد على ذلك.

حتى إن كان أهل البيت ليرسلون بالشي‏ء اليسير رغبة في ذلك، فيقبل منهم لما يرجى من منفعته. انتهى من الأزرقي.

و في تاريخ الأزرقي أيضا: اشترت رملة بنت عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان، و زوجها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان الدار التي عند المروة في صف دار عمر بن عبد العزيز، فتصدقت بها ليسكنها الحجاج و المعتمرين، و كان في دهليز دارها هذه، شراب من أسوقة محلاة و محمضة تسقى فيها في الموسم.

و كان لهشام بن عبد الملك، و هو خليفة، شراب من أسوقة محمضة و محلاة يسقى في الموسم على المروة في فسطاط، في موضع الجنبذ الذي يسقى فيه الماء على المروة، فمنع محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال هشام بن عبد الملك بن مروان، و هو أمير على مكة، رملة بنت عبد اللّه بن عبد الملك أن تسقي على المروة شرابها، فشكت ذلك إلى عمها هشام بن عبد الملك، فكتب لها إذا انقضى الحاج أن تسقي في الصدر، فلم تزل تلك الدار يسقى فيها شراب رملة من وقوف وقفتها عليها بالشام، و يسكن هذه الدار الحاج و المعتمرون، حتى اصطفيت حين خرجت الخلافة من بني مروان، انتهى منه.

(و أما الرفادة) فهي إطعام الناس في كل موسم، بما يجتمع من ترافد قريش، فكان هاشم بن عبد مناف يشترى بما يجتمع عنده دقيقا، و يأخذ من كل ذبيحة

65

من بدنة أو بقرة أو شاة فخذها، فيجمع ذلك كله ثم يحزر به الدقيق و يطعمه الحاج، فلم يزل على ذلك من أمره، حتى أصاب الناس في سنة جدب شديد، فخرج هاشم بن عبد مناف إلى الشام، فاشترى بما اجتمع عنده من ماله دقيقا و كعكا، فقدم به مكة في الموسم فهشم ذلك الكعك، و نحر الجزور و طبخه، و جعله ثريدا و أطعم الناس، و كانوا في مجاعة شديدة حتى أشبعهم، فسمي بذلك هاشما و كان اسمه عمرو، فلما توفي، كان عبد المطلب يفعل ذلك، فلما توفي هذا قام بذلك أبو طالب في كل موسم، حتى جاء الإسلام و هو على ذلك- في مختار الصحاح الكعك خبز و هو فارسي معرب- قلت- قال الأزهر: الكعك الخبز اليابس، قال الليث: أظنه معربا. ا ه.

و لقد أرسل النبي (صلى الله عليه و سلم) بمال يعمل به الطعام للناس مع أبي بكر حين حج بالناس سنة تسع، و عمله أيضا عليه الصلاة و السلام في حجة الوداع، ثم عمله أبو بكر في خلافته، ثم عمر في خلافته أيضا، و كذلك كان الخلفاء يعملونه في موسم الحج بمكة و منى حتى تنقضي أيامه.

و ما أحلى قول القاضي تاج الدين بن أحمد، من أكابر علماء الحرم المكي، المتوفى سنة (1066) هجرية في إكرام أهل مكة للوافدين لبيت اللّه الحرام و لو بالقول الحسن:

من كان بالوادي الذي هو غير ذي‏* * * زرع و عز عليه ما يهديه‏

فليهدن ألفاظه الدر التي‏* * * تحلو فواكهها لكل نبيه‏

(و أما القيادة) فهو قيادة الناس للحرب، فكان أول من قاد الناس بعد عبد مناف ابنه عبد شمس، و آخر من قادهم هو أبو سفيان بن حرب بن أمية فقادهم ثلاث مرات، أو أربعة، آخرها وقعة يوم الأحزاب، و كانت آخر وقعة لقريش حيث أظهر اللّه تعالى الإسلام و جاء فتح مكة.

هذه نبذة قصيرة تامة الفائدة عن سدانة الكعبة، و دار الندوة، و اللواء، و السقاية، و الرفادة، و القيادة، نقلناها باختصار عن تاريخ الأزرقي، فمن أراد زيادة الشرح فعليه بمراجعة كتب التاريخ.

نقول: لنقف هنا لحظة للنظر إلى هذا الفصل بعين الاعتبار و الاستبصار، حتى نرجع بحكمة دقيقة بالغة، و عظة واضحة نافعة، و هي:

66

إن إدارة مكة، شرفها اللّه تعالى، كانت في الجاهلية مقسمة إلى ستة أمور:

سدانة البيت، و الندوة، و عقد اللواء، و السقاية و الرفادة، و القيادة- و يمكن أن نعبر عن هذه الأمور الستة بحسب اصطلاح عصرنا هذا كما يأتي:

(1) الشؤون الدينية- و تدخل ضمن سدانة البيت الحرام.

(2) مجلس الشورى، و مجلس الوزراء- و هما في مقام دار الندوة.

(3 و 4) وزارة الدفاع- المعبر عنها بعقد اللواء و القيادة.

(5 و 6) دار الضيافة و السبيل العام- المعبر عنها بالرفادة و السقاية.

فأساس المحافظة على البلاد من عدوان الأخصام، هي هذه الأمور الستة التي ابتدعها ولاة العرب في الجاهلية و ساروا بموجبها، فقوم يخدمون البيت الحرام، و يساعدون الغريب و القريب بتقديم الشراب و الطعام، و يجعلون أمرهم شورى بينهم يجتمعون في دار الندوة، و يحكمون أمر قيادة الجيش، و عقد اللواء بصدق و إخلاص، لجديرون بالنصر و العز و السؤدد و الشرف على كافة الناس، فيا حبذا لو بقيت فينا السقاية و الرفادة لإكرام الحاج أيام الموسم إلى يوم القيامة، نسأل اللّه أن يوفق المسلمين إلى ما فيه صلاح دينهم و دنياهم آمين.

دار الندوة

قال في مختار الصحاح: الندي- على فعيل- مجلس القوم و متحدثهم، و كذا الندوة" بالفتح" و النادي و المنتدى- فإن تفرق القوم فليس بندي، و منه سميت" دار الندوة"- بفتح النون- التي بناها قصي بمكة، لأنهم كانوا يندون فيها- أي يجتمعون للمشاورة- و قوله تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ‏ أي عشيرته، و إنما هم أهل النادي، و النادي مكانه و مجلسه فسماه به، كما يقال تقوض المجلس و يراد به أهله الخ ... انتهى من مختار الصحاح.

بناء دار الندوة

كانت القبائل في الجاهلية، قبل الإسلام بنحو قرنين، يسكنون في شعاب مكة و ما حولها، لا يبنون بقرب الكعبة المشرفة منازلهم حرمة لها و تعظيما، فلما آل أمر مكة إلى قصي بن كلاب، الجد الرابع لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، أمر قومه أن يبنوا

67

بيوتهم حول الكعبة حتى تهابهم الناس و لا تستحل قتالهم فقسم جهات الكعبة بين قبائل قريش فبنوا حولها، فكان أول من بدأ بالبناء هو قصي فبنى دار الندوة لتكون للنظر في كافة شؤون القبائل، فهي بمثابة" دار الشورى" تجتمع فيها قريش للمشورة و لإبرام الأمور، و سميت بدار الندوة لاجتماع النداة فيها، أي كرماء القوم و أعيانهم.

و لم يكن يدخلها من قريش إلا ابن أربعين سنة لكن أولاد قصي و هو ملكهم المطاع كانوا يدخلونها كلهم.

جاء في تاريخ الخميس: و عن مصعب بن عبد اللّه قال: جاء الإسلام و دار الندوة بيد حكيم بن حزام فباعها بعد من معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف درهم، فقال له عبد الله بن الزبير: بعت مكرمة قريش، فقال حكيم: ذهبت المكارم إلا التقوى يا ابن أخي، إني اشتريت بها دارا في الجنة، أشهدك أني جعلتها في سبيل اللّه عز و جل. انتهى منه.

و حكيم بن حزام ولدته أمه في الكعبة على النطع، و كان من سادات قريش و وجوهها في الجاهلية و الإسلام.

لكن قال الأزرقي: إن معاوية ابتاع دار الندوة من ابن الرهين العبدري و هو من ولد عامر بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار فطلب شيبة بن عثمان من معاوية الشفعة فيها فأبى عليه، فعمرها معاوية و كان ينزل فيها إذا حج الخ ...

انتهى كلامه.

قال الإمام الأزرقي في تاريخه: و جعل" أي عبد الدار بن قصي" دار الندوة إلى ابنه عبد مناف بن عبد الدار، فلم تزل بنو عبد مناف بن عبد الدار يلون الندوة دون ولد عبد الدار، فكانت قريش إذا أرادت أن تشاور في أمر فتحها لهم عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، أو بعض ولده أو ولد أخيه- و كانت الجارية إذا حاضت أدخلت دار الندوة ثم شق عليها بعض ولد عبد مناف بن عبد الدار درعها، ثم درعها إياه و انقلب بها أهلها فحجبوها، فكان عامر بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار يسمى" محيضا". و إنما سميت دار الندوة لاجتماع النداة فيها يندونها يجلسون فيها لإبرام أمرهم و تشاورهم- انتهى من الأزرقي.

و لقد اختلفوا في موضع دار الندوة، لكن اللّه تعالى وفقنا إلى معرفة موقعها في المسجد الحرام، و إليك تفصيل ذلك في المبحث الآتي.

68

و قال الأزرقي أيضا في صحيفة أخرى عن دار الندوة بعد أن بين تقسيم قصي بن كلاب الأمور الستة بين ابنيه" عبد مناف و عبد الدار" فكانت مع عبد مناف السقاية و الرفادة و القيادة، و كانت مع عبد الدار الندوة و الحجابة و اللواء- بعد ذكر الأزرقي هذا قال ما يأتي:

ثم كانت الندوة بعد إلى هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، ثم إلى ابنيه عمير أبي مصعب، و عامر ابني هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار- ثم ابتاعها معاوية بن أبي سفيان في خلافته من ابن الرهين العبدري، و هو من ولد عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، فطلب شيبة بن عثمان من معاوية الشفعة فيها فأبى عليه، فعمرها معاوية و كان ينزل فيها إذا حج، و ينزلها من بعده من الخلفاء من بني أمية إذا حجوا، و قد دخل بعضها في المسجد الحرام في زيادة عبد الملك بن مروان و ابنيه الوليد و سليمان، ثم دخل بعضها أيضا في زيادة أبي جعفر المنصور في المسجد، ثم كانت خلفاء بني العباس ينزلونها بعد ذلك إذا حجوا، أبو العباس، و أبو جعفر، و المهدي، و موسى الهادي، و هارون الرشيد، إلى أن ابتاع هارون الرشيد دار الإمارة من بني خلف الخزاعيين و بناها، فكان بعد ذلك ينزلها، فلم تزل على ذلك حتى خربت و تهدمت.

قال أبو محمد الخزاعي: و رأيتها على أحوال شتى، كانت مقاصيرها التي للنساء تكرى من الغرباء و المجاورين، و يكون في مقصورة الرجال دواب عمال مكة، ثم كانت بعد ينزلها عبيد العمال بمكة من السودان و غيرهم فيعبثون فيها و يؤذون جيرانها، ثم كانت تلقى فيها القمائم و يتوضأ فيها الحاج، و صارت ضررا على المسجد الحرام.

فلما كان في سنة إحدى و ثمانين و مائتين استعمل على بريد مكة رجل من أهلها من جيران المسجد الحرام، له علم و معرفة و حسبة و فطنة بمصالح المسجد الحرام و البلد، فكتب في ذلك إلى الوزير عبيد اللّه بن سليمان بن وهب يذكر أن دار الندوة قد عظم خرابها، و تهدمت، و كثر ما يلقى فيها من القمائم حتى صارت ضررا على المسجد الحرام و جيرانه، و إذا جاء المطر سال الماء منها حتى يدخل المسجد الحرام من بابها الشارع في بطن المسجد الحرام، و إنها لو أخرج ما فيها من القمائم و هدمت و عدلت و بنيت مسجدا يوصل بالمسجد الحرام، أو جعلت رحبة له يصلي الناس فيها و يتسع فيها الحاج، كانت مكرمة لم يتهيأ لأحد

69

من الخلفاء بعد المهدي، و شرفا و أجرا باقيا مع الأبد. و ذكر أن في المسجد خرابا كثيرا، و أن سقفه يكف إذا جاء المطر، و أن وادي مكة قد انكبس بالتراب حتى صار السيل إذا جاء يدخل المسجد، و شرح ذلك للأمير بمكة بحج بن حاج مولى أمير المؤمنين، و القاضي بها محمد بن أحمد بن عبد اللّه المقدمي، و سألهما أن يكتبا بمثل ذلك، فرغبا في الأجر و جميل الذكر و كتبا إلى الوزير بمثل ذلك.

فلما وصلت الكتب عرضت على أمير المؤمنين أبي العباس المعتضد باللّه ابن أبي أحمد الناصر لدين اللّه بن جعفر المتوكل على اللّه، و رفع وفد الحجبة إلى بغداد يذكرون أن في جدار بطن الكعبة رخاما قد اختلف و تشعب، و في أرضها رخام قد تكسر، و أن بعض عمال مكة كان قد قلع ما على عضادتي باب الكعبة من الذهب فضربه دنانير و استعان به على حرب، و أمور كانت بمكة بعد العلوي الخارجي الذي كان بها في سنة إحدى و خمسين و مائتين، فكانوا يسترون العضادتين بالديباج، و أن بعض العمال بعده قلع مقدار الربع من أسفل ذهب بابي الكعبة و ما على الأنف، و استعان به على فتنة بين الحناطين و الجزارين بمكة سنة ثمان و ستين و مائتين، و جعل على ذلك فضة مضروبة مموهة بالذهب على مثال ما كان عليها فإذا تمسح الحاج به في أيام الحج بدت الفضة، حتى تجدد تمويهها في كل سنة، و أن رخام الحجر قد رث فهو يحتاج إلى تجديد، و أن بلاطا من حجارة حول الكعبة لم يكن تاما يحتاج أن تتم جوانبها كلها، و سألوا الأمير بعمل ذلك، فأمر أمير المؤمنين كاتبه عبيد اللّه بن سليمان بن دهب، و غلامه بدر المؤمر بالحضرة بعمل ما رفع إليه من عمل الكعبة و المسجد الكبير، و بعمارة دار الندوة مسجدا يوصل بالمسجد الكبير، و يعزق الوادي كله و المسعى و ما حول المسجد، و أخرج لذلك مالا كثيرا، فأمر بذلك القاضي ببغداد يوسف بن يعقوب، و حمل المال إليه. فأنفذ بعضه سفاتج" جمع سفتجة، و هي الحوالة المالية"، و أنفذ بعضه في أيام الحج مع ابنه أبي بكر عبد اللّه بن يوسف، و كان يقدم في كل سنة على حوائج الخليفة و مصالح الطريق و عمارتها، فقدم عبد اللّه بن يوسف في وقت الحج، و قدم و معه رجل يقال له أبو الهياج عميرة بن حيان الأسدي من بني أسد بن خزيمة له أمانة و نية حسنة، فوكله بالعمل، و خلف معه عمالا و أعوانا لذلك.

فعمل ذلك، و عزق الوادي عزقا جيدا حتى ظهرت من درج أبواب المسجد الشارعة على الوادي اثنتا عشرة درجة. و إنما كان الظاهر منها خمس درجات، ثم‏

70

أخرج القمائم من دار الندوة و هدمت، ثم أنشئت من أساسها فجعلت مسجدا بأساطين و طاقات و أروقة مسقفة بالساج المذهب المزخرف، ثم فتح لها في جدار المسجد الكبير اثنا عشر بابا ستة كبار، سعة كل باب خمسة أذرع، و ارتفاعه في السماء أحد عشر ذراعا. و جعل بين الستة الأبواب الكبار ستة أبواب صغار سعة كل واحد منها ذراعان و نصف، و ارتفاعه في السماء ثمانية أذرع و ثلثا ذراع حتى اختلطت بالمسجد الكبير.

قال أبو الحسن الخزاعي: قد كان هذا الجدار معمولا على ما ذكره عم أبي أبو محمد الخزاعي إلى أيام الخليفة جعفر المقتدر باللّه، ثم غيره القاضي محمد بن موسى، و إليه أمر البلد يومئذ، و جعله بأساطين حجارة مدورة عليها ملابن ساج بطاقات معقودة بالآجر الأبيض و الجص وصله بالمسجد الكبير وصولا أحسن من العمل الأول، حتى صار من في دار الندوة من مصل أو غيره يستقبل الكعبة فيراها كلها، عمل ذلك كله في سنة ست و ثلاثمائة.

قال أبو محمد: و جعل لها سوى ذلك أبوابا ثلاثة شارعة في الطريق التي حولها، منها باب بطاقين على اسطوانة بالقرب من باب الطبري، مقابل دار صاحب البريد، سعته عشرة أذرع و ربع ذراع، و ارتفاعه في السماء أحد عشر ذراعا و ثلثا ذراع، و باب في أعلا هذا الطريق طاق واحد، سعته خمسة أذرع و ارتفاعه في السماء اثنا عشر ذراعا، و باب بين دور الخزاعيين ولد نافع بن عبد الحارث، بطاقين على اسطوانة، يستقبل من أقبل من السويقة و قعيقعان، سعته أحد عشر ذراعا و نصف، و ارتفاعه في السماء عشرة أذرع و ربع ذراع، و سوى جدارها و سقوفها و شرفها بالمسجد الكبير، و فرغ منها في ثلاث سنين، فصلى الناس فيها و اتسعوا بها، و جعل لها منارة و خزانة في زاويتي مؤخرها.

فكان ذرع طول هذا المسجد من وجهه من جدار المسجد الكبير إلى مؤخره بالأروقة أربعة و ثمانون ذراعا، و عرضه بالأروقة ستة و سبعون ذراعا، و سعة صحنه تسعة و أربعون ذراعا في سبعة و أربعين ذراعا، و عدد ما فيه من الأساطين سوى ما على الأبواب اثنتان و عشرون، و عدد الطاقات سوى الأبواب سبع و ستون اسطوانة، و على الأبواب اثنتان. و عدد الطاقات سوى الأبواب إحدى و سبعون طاقة، و على الأبواب خمس طاقات، و عدد الشرف التي تلي بطن‏

71

المسجد ثماني و ستون شرافة، و عدد السلاسل التي للقناديل سبع و ستون سلسلة فيها قناديلها، آخر خبر الندوة. انتهى من تاريخ الأزرقي.

و قد ذكر القطبي عن دار الندوة ما يأتي: بنى قصي دار الندوة من الجانب الشامي، و يقال إنها محل مقام الحنفية الذي يصلي فيه الآن الإمام الحنفي، و قسم باقي الجهات بين قبائل قريش، فبنوا دورهم و شرعوا أبوابها إلى نحو الكعبة المشرفة، و تركوا للطائفين مقدار المطاف، بحيث يقال أنه القدر المفروش الآن بالحجر المنحوت إلى حاشية المطاف الشريف. ثم أشار القطب إلى بناية قصي هذه فقال: و ليست الزيادة هي عين دار الندوة بل محلها في تلك الأماكن، لا على التعيين، من خلف المقام الحنفي الآن إلى آخر هذه الزيادة إلى أن قال: و استمرت تلك الأساطين المنحوتة مشيدة باقية إلى أن أدركناها في عصرنا، ثم بدلت بالأساطين المنحوتة من الرخام الأبيض المرمر ما بينها، لتوثيقها أساطين منحوتة من الشمسي الأصفر، بعقود محكمة أزين من عقود الجوهر، و جعل عوض السقف الذي يبلى خشبه كل حين قببا مرفوعة نزهة للناظرين، و ذلك في زمن السلطان مراد العثماني سنة (984). أما زيادة المعتضد فقد كانت عام (284)، و تعمير المقتدر باللّه عام (306 ه) انتهى.

التحقيق عن موضع دار الندوة

اختلفوا في موضع دار الندوة، فمنهم من قال موضعه هو محل المقام الحنفي و منهم من قال حوله، فوفقنا اللّه عز شأنه عن التحقيق من موضعها، فكتبنا عن ذلك مقالة بمجلة المنهل الغراء التي تصدر بمكة المكرمة، و ذلك في العدد الممتاز لشهري ذي القعدة و ذي الحجة سنة (1369) هجرية و إليك نص مقالتنا فيها:

لما آل أمر مكة و البيت الحرام إلى قصي بن كلاب- الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه و سلم)- بنى دار الندوة بقرب الكعبة المشرفة ليجمع فيها أعيان قريش و فضلاؤها لإبرام الأمور و المشاورة فيما بينهم، و كان لا يدخلها إلا من كان منهم قد بلغ أربعين سنة.

هذه الدار كانت معروفة و عامرة و صارت فيما بعد دارا خاصة لنزول الخلفاء فيها إذا أتوا إلى مكة للحج، إلى أن آلت إلى الدمار و الخراب، حتى صارت ترمى فيها القمائم و القاذورات. فإذا جاءت الأمطار و السيول حملت تلك الأوساخ إلى‏

72

المسجد الحرام، فرأى أمير المؤمنين المعتضد باللّه العباسي أن ذلك لا يليق بكرامة المسجد الحرام، و أن المسجد قد ضاق بالمصلين فهو في حاجة إلى الاتساع و الزيادة، فأمر (رحمه اللّه تعالى) و أحسن إليه، أن تهدم دار الندوة و تنظف و تلحق بالمسجد للصلاة و العبادة و كان ذلك سنة 281 للهجرة.

و لقد اختلف الناس في موضع دار الندوة على ثلاثة أقوال فمنهم من يقول:

أن مكانها هو مكان المقام الحنفي، و منهم من يقول: أن مكانها لا يعرف بالضبط، و لكنها كانت واقعة بين المقام الحنفي و رواق باب الزيادة، و منهم من يقول: أن مكانها هو رحبة باب الزيادة بما في ذلك الحصباء و الرواق.

و لقد أردنا ترجيح أحد هذه الأقوال منذ ثلاث سنوات حينما كنا نشتغل بتأليف كتابا" مقام إبراهيم (عليه السلام)"، و لكنا لم نهتد إلى دليل قوي لترجيح شي‏ء منها، غير أن اللّه سبحانه و تعالى هدانا الآن إلى تحقيق ذلك بما لا يقبل الشك و الريب فله الحمد و الشكر فهو مفتاح العليم.

فنقول: إن محل دار الندوة و فنائها هو رحبة باب الزيادة بما في ذلك الحصباء و الرواق و نستدل على هذا بأربعة أمور:

" الأمر الأول": أن عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهم اشترى كل منهم في خلافته الدور المتلاصقة للمسجد الحرام فهدمها و أدخلها في المسجد الحرام ليتسع، فلو كانت دار الندوة في محل المقام الحنفي لهدمت و أدخلت في المسجد الحرام في زمن عمر بن الخطاب أو عثمان بن عفان، لقرب مقام الحنفي من الكعبة و لكان من العبث و الكذب أن يقال أن المعتضد باللّه أدخل دار الندوة في المسجد الحرام.

" و الأمر الثاني": أن أمير المؤمنين محمد المهدي العباسي زاد في المسجد الحرام سنة 164 زيادات كثيرة، و هو الذي أمر أن يجعل المسجد الحرام على هيئة التربيع حتى تقع الكعبة المشرفة في وسطه كما هو الآن، فلو كانت دار الندوة داخل التربيع لذكرها المؤرخون.

" و الأمر الثالث": أن الذي أدخل دار الندوة في المسجد الحرام هو أمير المؤمنين المعتضد باللّه العباسي سنة 281 و عمارته المعروفة هي رحبة باب الزيادة، بما فيه الباب القطبي- و هذه الرحبة- هي دار الندوة، فلم يعمل المعتضد شيئا في داخل‏

73

المسجد الحرام الذي هو على هيئة التربيع و الذي هو من عمل عمارة المهدي، فكيف يقال أن محل دار الندوة هو موضع المقام الحنفي الذي هو داخل المسجد و في طرف دائرة المطاف؟.

" و الأمر الرابع": لا يخفى أن دار الندوة التي كان يجتمع فيها صناديد قريش للمشاورة فيما يخصهم من مهمات الأمور أصبحت فيما بعد سباطة تطرح فيها الأوساخ و القمائم، فإذا جاءت الأمطار و سالت السيول دخلت هذه الأوساخ و القمائم إلى المسجد الحرام، فكتب قاضي مكة و أميرها أيضا مكاتبات إلى وزير المعتضد باللّه يومئذ بأن دار الندوة قد تهدمت و خربت و صارت تلقى فيها القمائم، حتى صارت ضررا على المسجد الحرام و جيرانه، و إذا جاءت السيول حملتها إلى المسجد. فلو نظفت و هدمت و جعلت رحبة متصلة بالمسجد الحرام يصلي فيها الناس و يتسع الحجاج بها لكانت مكرمة كبرى و منقبة عظيمة للخليفة ... الخ، فأمر عندئذ أمير المؤمنين المعتضد باللّه بإدخال دار الندوة في المسجد الحرام. و انظر تفصيل ذلك في كتب التاريخ.

فلا يعقل أن يكون محل دار الندوة هو مكان مقام الحنفي الملتصق بالمطاف و أن تلقى القمائم هناك عند الكعبة المشرفة بينما موضع المقام الحنفي هو من الزيادات التي أدخلت في المسجد الحرام في زمن عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان رضي اللّه عنهما، ثم اتسع المسجد الحرام و صار على هيئة التربيع في زمن محمد المهدي المذكور و انظر خريطة الزيادات بالمسجد الحرام في صحيفة" 91" من كتابنا (مقام إبراهيم) (عليه السلام) ليظهر لك الأمر بالمشاهدة، فعلم مما ذكرناه أن محل دار الندوة التي أدخلها المعتضد باللّه في المسجد الحرام هو رحبة باب الزيادة بما فيه من الأروقة و الحصباء و اللّه تعالى أعلم. انتهى.

أول دار بنيت بمكة

لقد أسعدنا الحظ بقراءة الفوائد و الطرف التي كتبها و يكتبها سعادة الأستاذ الكبير و الكاتب الشاعر القدير، الأستاذ أحمد إبراهيم الغزاوي تحت عنوان:

(مطالعات و تعليقات) في جريدة حراء في العدد الصادر بتاريخ 3/ 11/ 1376.

فكان مما تناوله في العنوان المذكور، الكلام (على أول دار بمكة) و نقل أن ياقوت‏

74

قال في معجمه أن (دار العجلة) هي أول دار بمكة، و قد أحال الأستاذ الجليل تحقيق ذلك إلينا مع أننا نحن نستفيد من تحقيقاته و معلوماته القيمة.

فنزولا على رغبته نقدم لقراء" حراء" هذا البحث عن بدء و بناء البيوت بمكة و هو من المباحث التي سيتناولها تاريخنا الذي نعكف الآن على تأليفه بجد و إخلاص. فنسأل اللّه تعالى أن يديم علينا جميعا توفيقاته و نعمه فنقول: إن ما نص عليه ياقوت في معجمه بأن دار العجلة هي أول دار بنيت بمكة إنما هو و هم منه فأول دار بنيت بمكة هي" دار الندوة" بلا ريب.

و دار العجلة ذكرها الإمام الأزرقي في تاريخه، و الأزرقي حجة لدى الجميع فهو المولود بمكة في القرن الثاني للهجرة و من علمائها الأعلام و شيخ المؤرخين قاطبة و في المثل (أهل مكة أدرى بشعابها) فقد قال (رحمه اللّه تعالى) عن دار العجلة في تاريخه ما يأتي: دار العجلة ابتاعها عبد اللّه بن الزبير من آل سمير بن موهبة السهميين، و إنما سميت دار العجلة لأن ابن الزبير حين بناها عجل و بادر في بنائها، فكانت تبنى بالليل و النهار حتى فرغ منها سريعا، و قال بعض المكيين إنما سميت دار العجلة لأن ابن الزبير كان ينقل حجارتها على عجلة اتخذها على البخت و البقر. انتهى كلام الأزرقي.

فدار العجلة ربما كانت موجودة قبل ابن الزبير في عهد أبي بكر أو عمر رضي اللّه عنهما و لكن لا يمكن أن نحكم أنها أول دار بنيت بمكة مطلقا.

فمما لا شك فيه أن أول دار بنيت بمكة هي دار الندوة.

فلقد كان بناء دار الندوة لأول مرة في عهد قصي بن كلاب و بأمره بنيت هذه الدار و ذلك قبل الإسلام بنحو (150) سنة و بقيت هذه الدار إلى سنة (281) هجرية حيث خربت فأدخلها المعتضد العباسي في المسجد الحرام فيكون عمر دار الندوة نحو خمسمائة سنة و طبعا لا تبقى على بنائها الأول و إنما يحدث فيها من الإصلاحات و تجديد البناء ما يحدث لغيرها، و كان خلفاء بني أمية و خلفاء بني العباس ينزلون فيها إذا حجوا، ثم إنها خربت و تهدمت، و تقلبت بها الأحوال فصارت بعض جهاتها تكرى للغرباء و المجاورين و يكون في بعضها دواب عمال مكة، ثم كان ينزلها عبيد العمال بمكة من السودان و غيرهم فيعبثون فيها و يؤذون جيرانها، ثم كانت تلقى فيها القمائم و يتوضأ فيها الحجاج، فوصل ضرر ذلك إلى المسجد الحرام، فأمر المعتضد باللّه العباسي بإدخال دار الندوة إلى المسجد

75

الحرام في السنة المذكورة فسبحان المتصرف في الكون و الذي بيده مقاليد السموات و الأرض.

بدء بناء البيوت بمكة

لم تكن مكة معروفة منذ قديم الزمان، فأول من اكتشفها خليل اللّه إبراهيم عليه الصلاة و السلام و ذلك حينما أمره اللّه تعالى أن ينقل ابنه إسماعيل مع أمه هاجر إلى مكة فأتى له بالبراق فركبوا عليه من الشام قاصدين مكة يدلهم عليها و على معالم الحرم و موضع البيت جبرائيل (عليه السلام)، فقدموا مكة و ليس بها أحد من البشر فلا بناء و لا ماء و لا شجر مثمر، اللهم إلا أشجار العضاة بكسر العين المهملة (بوزن كتاب) و هي أشجار عظيمة ذات شوك و هذه الأشجار لا تزال إلى اليوم موجودة في أراضي الحجاز و هي الأشجار الطبيعية التي تنبت بنفسها و تسمى شجر البادية، غير أنها كانت في تلك الأيام كثيرة وافرة و ضخمة عظيمة لم تمتد إليها يد الإنسان بالقطع و الاحتطاب و رفعها من الطرقات و مواضع المساكن أما بعد استيطان البشر بمكة فقد نقصت هذه الأشجار الشوكية بل تكاد أن لا يوجد منها شي‏ء في بطن مكة.

فلما أقام بمكة إسماعيل مع أمه و أظهر اللّه تعالى لهما ماء زمزم بفضله و كرمه حسبما اقتضته الإرادة الأزلية، وردت عليهما قبيلة من جرهم فاستأذنوهما في النزول عندهما ثم أرسلوا إلى أهليهم فقدموا إليهم ثم عمرت بهم مكة و بغيرهم من قبائل العرب، لكن كانوا يسكنون خارج مكة في أوديتها و شعابها تعظيما لبيت اللّه الحرام، فلم يكن في وسط مكة من البيوت مطلقا إلا البيت الحرام إلى أن كان زمن قصي كما سيأتي.

يقول الأستاذ عبد الوهاب النجار في كتابه (قصص أنبياء): و لم يبن بمكة شي‏ء بعد البيت إلا في القرن الثاني قبل الإسلام، في عهد قصي بن كلاب. فإنه بنى دار الندوة و تبعته قريش تبني حول المسجد و كان للمسجد ساحة فبنوا حوله و ذلك من نحو خمسين و مائة سنة قبل الإسلام. انتهى كلامه.

و لقد كانت القبائل من جرهم و العمالقة و خزاعة و قريش و غيرهم يسكنون بشعاب مكة و يقطنون بظاهرها، و لا يقيمون بها إلا نهارا و لا يدخلونها على جنابة فإذا أمسوا خرجوا إلى الحل و يتركون حول الكعبة بدون بنيان احتراما لها

76

و تعظيما لشأنها فلا يجترئ أحد أن يبني بجوارها دارا و لا جدارا- فلما آل الأمر إلى قصي بن كلاب الذي كان قبل الهجرة بنحو مائة و ثلاثين سنة، جمع قومه بطون قريش و أمرهم أن يبنوا حول الكعبة بيوتا من جهاتها الأربعة، و قال لهم: إن سكنتم حول الكعبة هابتكم الناس و لم تستحل قتالكم و الهجوم عليكم، فبدأ هو أولا ببناء دار الندوة في الجانب الشمالي للكعبة و هو فسحة باب الزيادة، ثم قسم قصي باقي الجهات بين قبائل قريش فبنوا بيوتهم حولها فكان ذلك أول بدء البنيان حول الكعبة، فكل من بنى بيتا من قبائل قريش حول الكعبة سمي (قريش البواطن) و كانوا يبنون بيوتهم مدورة الشكل تعظيما للكعبة فأول من بنى بيتا مربعا حميد بن زهير و عندئذ قالت قريش: ربع حميد بيتا إما حياة و إما موتا، أي تخوفوا عليه من الانتقام الإلهي حيث خالف عادة العرب فبنى بيته مربعا فأشبه تربيع الكعبة. قال الأزرقي: كانت دار حميد بن زهير اللاصقة في ظهر الكعبة، كانت تفي‏ء على الكعبة بالعشي و تفي‏ء الكعبة عليها بالبكرا، و لقد كانوا يجعلون ارتفاع بيوتهم أقل من ارتفاع الكعبة احتراما لها، فكان شيبة ابن عثمان لا يرى بيتا مشرفا على الكعبة إلا أمر بهدمه.

فعلم مما تقدم أن قصي بن كلاب الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه و سلم) هو الذي أمر قريشا أن تبني بيوتها حول الكعبة بمكة، لا تهاونا بأمرها و إنما ملاذا بها حتى تهابهم الناس فلا يستحلون قتالهم و لا يهضمون حقوقهم، كما أنه هو أول من بنى دارا قبل قريش و هي دار الندوة لتقتدي قريش به في بناء بيوتها، و انظر إلى حكمة قصي في بدء بناء دار الندوة قبل بناء دار خاصة لنفسه، فدار الندوة هي عبارة في عرفنا و نطلق عليها في عصرنا هذا" قصر الحكم" أو" دار البرلمان" أو" مجلس الوزراء" أو" دار الإمارة" لأن دار الندوة كانت قريش لا تبرم أمرا إلا فيها و لا يقبل فيها من غير بني قصي إلا من بلغ سن الأربعين و يدخلها بني قصي جميعا كبيرهم و صغيرهم، و غير ذلك من الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يكون عضوا فيها.

الابتداء ببناية هذه الدار التي هي في مصلحة كل قبائل قريش قبل بناء بيوتهم بل حتى قبل بناء بيت لحاكم مكة هو عين الصواب و الحكمة.

و لم تكن في صدر الإسلام بيوت مكة تكرى و لا تباع. قال الإمام الأزرقي في تاريخه: عن علقمة بن فضلة: كانت الدور و المساكن على عهد النبي (صلى الله عليه و سلم) و أبي بكر و عمر و عثمان رضي اللّه عنهم ما تكري و لا تباع و لا تدعى إلا السوايب،

77

من احتاج سكن و من استغني أسكن. قال يحيى: قلت لعمرو ابن سعيد: فإنك تكري، قال: قد أحل اللّه الميتة للمضطر إليها، و روي عن ابن جريج قال: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، و قال ابن جريج: أخبرني عطاء أن عمر ابن الخطاب كان ينهى أن تبوب أبواب دور مكة. ا ه.

فأول دار بمكة عمل لها بابان هي دار هند بنت سهيل، و ذلك كما رواه الأزرقي في تاريخ مكة أن هند بنت سهيل استأذنت عمر رضي اللّه عنه أن تجعل على دارها بابين فأبى أن يأذن لها، و قال: إنما تريدون أن تغلقوا دوركم دون الحاج و المعتمرين، و كان الحاج و المعتمرون ينزلون في عرصات دور مكة، فقالت هند: و اللّه يا أمير المؤمنين ما أريد إلا أن أحفظ على الحاج متاعهم فأغلقها عليهم من السرق، فأذن لها فبوبتها. انتهى من الأزرقي.

هذا ما كان من ابتداء البنيان و ظهور البيوت في مكة المشرفة، و لا يخفى الفرق الكبير بين تلك البيوت البدائية العربية، و بين ما فيها الآن من القصور الفخمة و العمارات الضخمة، و البيوت المكلفة بالآلاف المؤلفة. نسأل اللّه العزيز أن يوفقنا لشكر نعمائه ليزيدنا من فضله و إحسانه في بلدته الطاهرة المطهرة زادها اللّه شرفا و أمنا و رزقا و رخاء، و خيرا و عمرانا، و وفقنا فيها لصالح الأعمال حتى يتوفانا بها على الإيمان الكامل آمين و صلى اللّه على نبينا أبي القاسم الأمين و على آله و أصحابه أجمعين.

دار العباس بن عبد المطلب‏

دار العباس بن عبد المطلب رضي اللّه عنه عم النبي (صلى الله عليه و سلم)، كانت بالمسعى بين باب علي و بين باب النبي، و هذه الدار أصبحت رباطا يسكنه الفقراء من القرن العاشر الهجري.

ثم في عصرنا هذا في أواخر شهر جمادى الثانية سنة (1376) ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف هدمت هذه الدار لتوسعة المسجد الحرام و الشوارع. و كانت إلى هذه الدار ينتهي حد المسعى عرضا من جهة باب العباسي، أحد أبواب المسجد الحرام المقابل لهذه الدار، و هذا الباب كان واقعا بين باب النبي و باب علي، و كان في هذه الدار من جهة المسعى أحد العلمين الأخضرين اللذان وضعا علامة لانتهاء الهرولة في السعي لمن جاء من الصفا، فهدم هذا العلم تبعا لهدم الدار و إن شاء اللّه‏

78

تعالى سيوضع علمان آخران في موضعهما تماما للغرض المذكور، و لقد بني أمام هذه الدار مظلة المسعى، و هي مبنية بالإسمنت و الحديد ليستظل تحتها الساعي فلا يتأذي من الشمس.

قال الأزرقي في تاريخه عند ذكر رباع قريش و حلفائها قالوا: و كان عبد المطلب قد قسم حقه بين ولده و دفع إليهم ذلك في حياته حين ذهب بصره، فمن ثم صار للنبي (صلى الله عليه و سلم) حق أبيه عبد اللّه بن عبد المطلب، و للعباس بن عبد المطلب الدار التي بين الصفا و المروة التي بيد ولد موسى بن عيسى التي إلى جنب الدار التي بيد جعفر بن سليمان. و دار العباس هي الدار المنقوشة التي عندها العلم الذي يسعى منه من جاء من المروة إلى الصفا بأصلها و يزعمون أنها كانت لهاشم بن عبد مناف، و في دار العباس هذه حجران عظيمان يقال لهما إساف و نائلة صنمان كانا يعبدان في الجاهلية هما في ركن الدار. انتهى كلام الأزرقي.

دار أبي سفيان بمكة

دار أبي سفيان بن حرب بمكة رضي اللّه تعالى عنه واقعة على يمين الصاعد من المسجد الحرام إلى المدعا محاذية للمروة، فتكون عند أول شارع المدعا الخارج من المسجد الحرام، و هذه الدار هي التي عناها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم فتح مكة حينما نادى مناديه:" من دخل داره و أغلق بابه فهو آمن، و من دخل المسجد فهو آمن، و من دخل دار أبي سفيان فهو آمن". و كان ذلك صبح يوم الجمعة لعشرين خلت من رمضان من السنة الثامنة للهجرة. قال الأزرقي في تاريخه بصحيفة (193) من الجزء الثاني ما ملخصه: أنه كان يباع في الرحبة التي بين الدارين دار أبي سفيان و دار حنظلة بن أبي سفيان الحنطة و الحبوب و السمن و العسل التي تحملها العير إذا قدمت مكة من السراة و الطائف و غير ذلك، فهذه الرحبة هي أشرف ربع مكة ا ه.

جاء في تاريخ الأزرقي ما نصه: لآل حرب بن أمية بن عبد شمس دار أبي سفيان بن حرب التي بين الدارين، يقال لها دار ريطة ابنة أبي العباس. و هي الدار التي قال النبي (صلى الله عليه و سلم) يوم الفتح: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا عبد الرحمن بن حسن بن القاسم عن أبيه، عن علقمة بن نضلة قال: أصعد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه المعلاة

79

في بعض حاجته، فمر بأبي سفيان بن حرب يهي‏ء جملا له، فنظر إلى أحجار قد بناها أبو سفيان شبه الدكان في وجه داره، يجلس عليه في الغداة. فقال له عمر:

يا أبا سفيان، ما هذا البناء الذي أحدثته في طريق الحاج؟ فقال أبو سفيان: دكان نجلس عليه في في‏ء الغداة. فقال له عمر: لا أرجع في وجهي هذا حتى تقلعه و ترفعه، فبلغ عمر حاجته، فجاء والد كان على حاله فقال له عمر: ألم أقل لك لا أرجع حتى تقلعه؟ قال أبو سفيان: انتظرت يا أمير المؤمنين أن يأتينا بعض أهل مهنتنا فيقلعه و يرفعه. فقال عمر رضي اللّه عنه: عزمت عليك لتقلعنه بيدك، و لتنقلنه على عنقك، فلم يراجعه أبو سفيان حتى قلعه بيده و نقل الحجارة على عنقه و جعل يطرحها في الدار.

فخرجت إليه هند ابنة عقبة فقالت: يا عمر، أمثل أبي سفيان تكلفه هذا و تعجله عن أن يأتيه بعض أهل مهنته.

فطعن بمخصرة كانت في يده في خمارها، فقالت هند و نفحتها بيدها: إليك عني يا ابن الخطاب، فلو في غير هذا اليوم تفعل هذا لأضطمت عليك الأخاشب.

قال: فلما قلع أبو سفيان الحجارة و نقلها استقبل عمر القبلة و قال: الحمد للّه الذي أعز الإسلام و أهله، عمر بن الخطاب رجل من بني عدي يأمر أبا سفيان بن حرب سيد بني عبد مناف بمكة فيطيعه.

ثم ولى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه. انتهى من الأزرقي.

و معنى الدكان هنا كما في المنجد: شي‏ء كالمصطبة يقعد عليه و الكلمة فارسية ا ه. و معنى المخصرة بكسر الميم هنا كما في المنجد: ما يأخذه الملك بيده ليشير به إذا خاطب. ا ه.

نقول: إن دار أبي سفيان المذكورة تعرف اليوم في زماننا بمستشفى القبان، و هي في محلها المذكور أي في أول المدعا، و القبان بفتح القاف و تشديد الباء. قال عنها المنجد:" آلة توزن بها الأشياء و الكلمة من الدخيل" و سبب نسبة المستشفى إلى القبان هو أنه كان في الدار المذكورة توزن أكياس الحبوب و صفائح السمن و العسل و نحوها، بميزان طويل يثبت فيه ما يراد وزنه ثم يحمله شخصان لمعرفة مقدار الوزن في مقابل أجر معين.

80

اتخاذ دار أبي سفيان مستشفى‏

يطلق على دار أبي سفيان رضي اللّه عنه" القبّان" بفتح القاف و تشديد الباء، و هي واقعة جهة المسعى بأول المدعى.

قال الغازي في الجزء الثالث في تاريخه عند ذكر ترجمة و تولية الحاج محمد حسيب باشا مكة ما نصه: ثم تولى بعد الحاج محمد شريف باشا المشير الحاج محمد حسيب باشا سنة (1264) و قدم مكة فأحسن إلى جيران بيت اللّه تعالى و صرف لهم مرتباتهم، و أخذ في مباشرة تعمير المآثر المباركة، و زاد في ماهيات بعض خدمة الحرم الشريف، ثم عمّر المحل المعروف الآن" بالقبان"، و جدد بنائه و جعله خلاوي لفقراء الحرم و رتب لهم عيشا و شوربة، و في زماننا اتخذت" أي دار أبي سفيان المسمى بالقبان" (خستخانة) و هذه كلمة تركية معناها مستشفى، لمرضى فقراء الأهالي و المنقطعين، و هي دار أبي سفيان الذي قال فيها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم فتح مكة:" من دخل دار أبي سفيان فهو آمن".

ثم ذكر الغازي بقية ما عمله الحاج محمد حسيب باشا بمكة، و نحن اكتفينا بما ذكرناه عن أول اتخاذ القبان مستشفى للمرض. انتهى من الغازي.

انظر: صورة رقم 22، عقد باب مستشفى القبان بآخر المدعى‏

ثم إنه اعتنيت بهذه المستشفى أكثر مما تقدم، فإنه لما كانت سنة (1282) اثنتين و ثمانين و مائتين و ألف أمرت" بزم عالم" والدة السلطان عبد المجيد خان من سلاطين آل عثمان بجعل هذه الدار مستشفى للمرضى فكان فيها بعض الأطباء مع ما يلزم من الأدوية، فبطل وزن الحبوب و الأشياء فيها، فنقل القبان إلى الدكاكين المجاورة للدار بالمدعا و ما زال ذلك إلى اليوم. و لهذا نسب المستشفى إلى القبان فقيل لها" مستشفى القبان".

فلما تعددت المستشفيات بالبلدة الطاهرة نقل المرضى من هذه الدار إلى بعض المستشفيات الأخرى، و جعل مستشفى القبان مستودعا للأدوية الصحية و الأدوات الطبية العائدة لوزارة الصحة و ذلك ابتداء من سنة (1364) أربع و ستين و ثلاثمائة و ألف، فصارت تعرف الآن" بمستودع وزارة الصحة".

و الظاهر من كلام الأزرقي الآتي أن جهة دار أبي سفيان هذه" أي مستشفى القبان" كانت من قديم الزمان فيها دار للمرضى أيضا، فإنه يقول في تاريخه‏

81

بصحيفة 192 من الجزء الثاني: و دار الحدادين التي بسوق الليل مقابل سوق الفاكهة، و سوق الرطب في الزقاق الذي بين دار حويطب و دار ابن أخي سفيان بن عيينة التي بناها، و دار الحدادين هذه كانت فيما مضى يقال لها دار مال اللّه كان يكون فيها المرضى و طعام مال اللّه. انتهى كلامه- فهو يقول: دار الحدادين يقال لها دار مال اللّه و هي واقعة بسوق الليل و في هذه الدار يكون المرضى في ذلك الزمن- نقول و سوق الليل واقع وراء المدعا، و يبتدئ سوق الليل من وراء مستشفى القبان كما يبتدئ المدعا من هذه المستشفى.

و دار أبي سفيان المذكورة لا تبقى بعد مرور أربعة عشر قرنا عليها على ما كانت عليه في زمنه، فلابد أن يحصل عليها خراب فعمار مرارا عديدة، لكن لا يزال نفس المحل و الموضع معروف و محتفظ به إلى اليوم و فيه محراب ظاهر، و خلف هذا الموضع بالضبط يقع موضع ميلاد فاطمة الزهراء ابنة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و منزل أم المؤمنين خديجة رضى اللّه تعالى عنها.

و قد دخلنا هذه الدار في اليوم الثامن و العشرين من شهر رجب سنة ألف و ثلاثمائة و ست و سبعين هجرية لأخذ بعض الصور الفوتوغرافية لها، و وجدنا فيها لوحة طولها نحو متر واحد و عرضها نحو نصف متر كتب فيها بخط الثلث" من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" كتبها محمد عارف مصطفى شكري سنة (1312) و إليك صورة هذه اللوحة.

انظر: صورة رقم 23، لوحة مكتوب فيها: من دخل دار أبي سفيان كان آمنا

كما وجدنا في الدار المذكورة بئرا قديمة جدا و هي بعيدة الغور غزيرة الماء و في طعم مائها نوع ملوحة، يقال أنه وقع فيها شخص فمات منذ خمسة عشر سنة فنزل إليها بعض الغواصين من مكة فلم يقدر أن ينتشل جثة الرجل الذي وقع فيها فأتوا بغواص من جدة من رجال البحر فنزل فيها فأخرج الجثة- فحبذا لو انتفع الناس من مثل هذه الآبار في مصالح أخرى غير الشرب.

و ليس جميع حدود مستشفى القبان، و بعبارة أخرى" مستودع وزارة الصحة" هو حدود نفس دار أبي سفيان في زمنه، بل إن داره القديم جزء صغير بالنسبة إلى عمارة المستودع اليوم بأضعاف ما كانت عليه في زمنه رضي اللّه تعالى عنه.

82

و في عامنا هذا (1385) ألف و ثلاثمائة و خمسة و ثمانين هجرية بدأت الحكومة السعودية في هدم مستشفى القبان الذى محله في الأصل هو محل دار أبي سفيان رضي اللّه تعالى عنه، تريد الحكومة أن تهدمه ثم تبنيه و تجعله دار للكتب للنفع العام، و نحن الآن لا نتمكن من الكتابة عنه شي‏ء، لأنه في حالة هدم و هدد، لم تهيأ بعد لأمر من الأمور، فنكتفي هنا بالتنبيه على ذلك للعلم به، نسأل اللّه تعالى أن توفق ولاة الأمور لصالح العباد و البلاد آمين.

انظر: صورة رقم 24، كتابة على باب دار الأرقم بالصفا

دار الأرقم‏

دار الأرقم و تسمى بدار الخيزران كانت بالصفا عند مبدأ السعي، على يسار الصاعد إليه من الشرق، و المسافة بين جبل الصفا، أي من موضع ابتداء السعي، و بين هذه الدار ستة و ثلاثون مترا باستقامة خط المشي، أو ثمانية و أربعون مترا، إذا انعطف ناحية الحارة التي كانت بها الدار قبل هدمها في التوسعة السعودية، و لقد هدمت هذه الدار في اليوم الثامن و العشرين من شوال سنة (1375) خمس و سبعين و ثلاثمائة و ألف، لإدخالها في توسعة المسجد الحرام التي حصلت في السنة المذكورة، في عهد جلالة الملك المعظم، سعود بن عبد العزيز بن عبد الرحمن، وفقه اللّه تعالى لكل خير.

و من الغريب أن يظن العلامة ابن كثير، صاحب التفسير الشهير، بأن هذه لدار دخلت في توسعة المسجد الحرام، فقد قال في تاريخه المسمى" بالبداية و النهاية" بصحيفة 164 في الجزء العاشر، عند الكلام على دخول سنة ثلاث و سبعين و مائة ما نصه:" و قد اشترت الخيزران الدار المشهورة بمكة المعروفة بدار لخيزران فزادتها في المسجد الحرام" انتهى كلامه.

فهذا الظن في غير محله، و قد وهم ابن كثير (رحمه اللّه تعالى)، و ليس في ذلك من بأس، فإن الإنسان معرض للخطأ و النسيان، و ليس هذا أمر يتعلق به حكم شرعي، و إننا نستدل على أن هذه الدار، لم تدخل في المسجد الحرام في عهد محمد لهدي العباسي بجملة أمور:

(1) أن جميع المؤرخين ذكروا أن دار الأرقم كانت بالصفا.

83

(2) روى الحاكم في المستدرك في الجزء الثالث بصحيفة (502) قال: أسلم الأرقم سابع سبعة، و كانت داره على الصفا، و هي الدار التي كان النبي (صلى الله عليه و سلم)، يكون فيها في الإسلام، و فيها دعا الناس إلى الإسلام، فأسلم فيها قوم كثير و دعيت دار الإسلام، و تصدق بها الأرقم على ولده و كتب نسخة الصدقة: بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما قضى به الأرقم في ربعه ما حاز الصفا أنها صدقة بمكانها من الحرم لا تباع و لا تورث ... إلى آخر ما جاء في المستدرك.

(3) لو دخلت دار الأرقم في المسجد الحرام في توسعة المهدي، أو في توسعة من قبله، لذكر المؤرخون ذلك لأنها أهم أثر إسلامي، فإذا كان المؤرخون ذكروا أشهر الدور التي دخلت المسجد الحرام في الزيادات التي حصلت، فدار الأرقم التي كانت تدعى" بدار الإسلام" لو دخلت فيه لكانت أولى بالذكر و البيان.

(4) تواتر الأخبار و إجماع الأمة، من العلماء و المؤرخين و الملوك و الأمراء، حتى العوام من قديم الزمان إلى اليوم، أن محل دار الأرقم هو موضعها الآن لم يتغير مطلقا.

(5) دار الأرقم تسمى أيضا" دار الخيزران" نسبة إلى خيزران جارية المهدي أم الرشيد، فهي التي اشترتها حينما حجت سنة (171) أحد و سبعين و مائة، و بنت المسجد الذي في هذه الدار، فلو دخلت دار الأرقم في المسجد الحرام في زيادة و توسعة زوجها المهدي التي حصلت سنة (164)، أو في زيادة من تقدمه، فهل كان ذلك خافيا عليها، و على أهل زمانها، و هم قريبون من صدر الإسلام؟ كلا ثم كلا.

(6) لا يخفى أن ما بين الصفا و المسعى في صدر الإسلام، كان مسيلا و واديا نازلا، قال جابر بن عبد اللّه و هو يحدث عن حجة النبي (صلى الله عليه و سلم):" ثم نزل عن الصفا حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا أصعد من الشق الآخر مشى". إذا كان الصفا منعزلا عن جهة المسجد الحرام بسبب المسيل المعترض، فإذا قالوا أن دار الأرقم كانت بالصفا، فهم يعنون جبل الصفا نفسه. فعلم مما ذكرناه، أن محل دار الأرقم هو موضعه اليوم الذي عند الصفا بينهما نحو ثلاثين ذراعا، فلا صحة لقول القائل أنها دخلت في التوسعات السابقة قبل أكثر من ألف و مائتي سنة، فهذا القول و هم و تخيل لا حقيقة له.

84

ثم رأينا رد الفاسي في كتابه" شفاء المرام" بصحيفة 226 من الجزء الأول، على ابن كثير رحمهما اللّه تعالى في هذه المسألة فقال: اعلم أنه لم يزد في المسجد الحرام بعد الأزرقي إلا الزيادتين، المعروفة أحدهما بزيادة دار الندوة بالجانب الشمالي، و الثانية الزيادة المعروفة بزيادة باب إبراهيم بالجانب الغربي، و لم يزد فيه بعد المهدي غير هاتين الزيادتين.

فأما قول الحافظ عماد الدين بن كثير، في تاريخه في أخبار سنة إحدى و سبعين و مائة، أن الخيزران أم المؤمنين خرجت إلى مكة، فأقامت بها حتى شهدت الحج، و قد اشترت الدار المشهورة لها بمكة المشرفة المعروفة بدار الخيزران، فزادتها في المسجد الحرام، فهو غير مستقيم، لأن الدار المشهورة" بالخيزران" بمكة إنما هي عند جبل الصفا، و بينها و بين المسجد الحرام، طريق مسلوك يزيد على مائة ذراع، على مقتضى ما ذكره الأزرقي في مقدار ما بين باب المسجد المعروف بباب الصفا، و الصفا الذي هو مبدأ السعي و هو قرب هذه الدار، فدخولها في المسجد الحرام غير ممكن، و أيضا قال أنه لو وقع منها ذلك لاشتهر، كما اشتهر توسعة غيرها في المسجد الحرام، و لذكره الأزرقي في تاريخه، كما ذكر ما وقع من غيرها من هذا الأمر و اللّه أعلم. انتهى من شفاء الغرام.

قال الإمام الأزرقي في تاريخه ما نصه: و ربع آل الأرقم بن أبي الأرقم، و اسم أبي الأرقم عبد مناف بن أبي جندب أسد بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم، الدار التي عند الصفا يقال لها دار الخيزران، و فيها مسجد يصلى فيه، كان ذلك المسجد بيتا كان يكون فيه النبي (صلى الله عليه و سلم)، يتوارى فيه من المشركين، و يجتمع هو و أصحابه فيه عند الأرقم بن أبي الأرقم، و يقرأوهم القرآن و يعلمهم فيه، و فيه أسلم عمر بن الخطاب. ا ه.

و قال ابن فهد في حوادث سنة (171) إحدى و سبعين و مائة: فيها قدمت الخيزران أم الرشيد إلى مكة قبل الحج، فأقامت بها حتى شهدت الحج، و اشترت الدار المعروفة بمكة المشرفة بدار الخيزران عند الصفا. انتهى.

و في البحر العميق، قال سعد الدين الإسفرائيني: و المسجد الذي في هذه الدار بنته جارية المهدي. قال الفاسي: و طول هذا المسجد ثمانية أذرع إلا قيراطين، و عرضه سبعة أذرع و ثلث، الجميع بذراع الحديد. ا ه.

85

و يقول ابن جبير الأندلسي في رحلته: أنه دخل دار الخيزران سنة (578) و هي بإزاء الصفا و يلاصقها بيت صغير عن يمين الداخل إليها كان مسكن بلال رضي اللّه عنه ... الخ. انتهى منه.

و جاء في كتاب الإعلام: المختبأ هو أفضل المواضع بمكة بعد دار أم المؤمنين خديجة رضي اللّه عنها، لكثرة مكث النبي (صلى الله عليه و سلم) فيه، يدعو الناس للإسلام مستخفيا عن أشرار قريش الكفار، و هو الموضع الذي كان (صلى الله عليه و سلم)، يختبئ فيه من الكفار، و يجتمع فيه من آمن به، و يصلي بهم الأوقات الخمسة سرا، إلى أن أسلم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فجهر بالإسلام و بالصلاة و أعز اللّه الإسلام به، و دار الخيزران، هي دو حول المختبأ ملكتها أم الرشيد شراء لما حجت، و تناقلت في يد الملاك إلى أن صارت الآن من جملة أملاك السلطان مراد خان. انتهى.

قال الزين العراقي في ألفيته المسماة بنظم الدرر السنية في سيرة خير البرية عن اجتماع المسلمين بدار الأرقم ما يأتي:

و اتخذ النبي دار الأرقم‏* * * للصحب مستخفين عن قومهم‏

و قيل كانوا يخرجون تترى‏* * * إلى الشعاب للصلاة سرا

حتى مضت ثلاثة سنينا* * * و أظهر الرحمن بعد الدنيا

و صدع النبي جهرا معلنا* * * إذا نزلت فاصدع بما فما ونا

و أنذر العشائر التي ذكر* * * بجمعهم إذا نزلت و أنذر

و في كتاب الرحلة الحجازية للبتنوني عند الكلام على دار الأرقم ما نصه:

أما دار الأرقم المخزومي، المشهورة بدار الخيزران، فهي في زقاق على يسار الصاعد إلى الصفا، و هي الدار التي كان يختبئ فيها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في بعثته هو و من آمن معه، و كانوا يصلون سرا حتى أسلم عمر رضي اللّه عنه، فقويت به عصبيتهم و جهروا بالإسلام و الصلاة، و باب هذا الدار يفتح إلى الشرق، و يدخل منه إلى فسحة سماوية طولها نحو ثمانية أمتار، في عرض أربعة، و على يسارها، إيوان مسقوف على عرض نحو ثلاثة أمتار، و في وسط الحائط التي على يمينها، باب يدخل منه إلى غرفة طولها ثمانية أمتار، في عرض نحو نصف ذلك، مفروشة بالحصير، و في زاويتها الشرقية الجنوبية، حجران من الصوان موضوعان فوق بعضهما مكتوب في أعلاهما بالحرف البارز:" بسم اللّه الرحمن الرحيم، في بيوت‏

86

أذن اللّه أن ترفع و يذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو و الآصال هذا مختبأ رسول اللّه و دار الخيزران، و فيها مبتدأ الإسلام، أمر بتحديده الفقير إلى مولاه أمين الملك مصلح ابتغاء ثواب اللّه و رسوله و اللّه لا يضيع أجر المحسنين".

و مكتوب في الثاني:" بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا مختبأ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المعروف بدار الخيزران أمر بعمله و إنشائه العبد الفقير لرحمة اللّه تعالى جمال الدين شرف الإسلام أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني وزير الشام و الموصل الطالب الوصول إلى اللّه تعالى الراجي لرحمته أطال اللّه في الطاعة بقاه و أناله في الدارين مناه في سنة خمس و خمسين و خمسمائة". انتهى من الرحلة الحجازية للبتنوني.

و لقد عمّرت دار الأرقم و المسجد الذي فيه مرارا عديدة منها:

(1) عمّرتها الخيزران أم الرشيد و بنت المسجد الذي فيها سنة (171) هجرية، و ستأتي ترجمتها في آخر المبحث.

(2) و عمّرها أمين الملك مصلح.

(3) و عمّرها الوزير الجواد.

(4) و عمّرها المستنصر العباسي.

(5) و عمّرها جمال الدين شرف الإسلام أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني وزير الشام و الموصل سنة (555).

(6) و عمّرها بعض المجاورين بمكة في آخر القرن الثامن.

(7) و عمّرها السلطان مراد خان حينما اشتراها.

(8) و عمّرها إبراهيم بك، جددها من أساسها إلى فوقها، و جعل فيها قبة عظيمة و طاجنين و طبطب السطح بالنورة و ذلك سنة (1112) هجرية، كما في كتاب إتحاف فضلاء الزمن. قال الغازي (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه: و قد هدمت هذه القبة في سنة (1343) ه. انتهى.

هذا ما وقفنا على من عمّر دار الأرقم، و اللّه تعالى أعلم بمن عمرها أيضا، و قد تقدم أن هذه الدار هدمت الآن، و محى أثرها في آخر شوال سنة (1375) لإدخالها في التوسعة السعودية.

87

[قصة إسلام عمر]

و لنذكر هنا قصة إسلام عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، في دار الأرقم" دار الخيزران" ناقلين ذلك من كتاب مرآة الحرمين لإبراهيم رفعت باشا (رحمه اللّه تعالى)، فقد جاء فيه ما نصه:

و دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، كان يجتمع فيها المسلمون سرا يتعلمون الدين و يقيمون الشعائر، حتى أسلم عمر رضي اللّه عنه و عز به الإسلام، و جهر المسلمون بدينهم، و كان إسلام عمر بدار الأرقم، و ها نحن أولا ننقل إليك عن سيرة ابن هشام قصة إسلامه، لما فيها من العبر و المواعظ:

قال ابن إسحاق: و كان إسلام عمر فيما بلغني، أن أخته فاطمة بنت الخطاب، و كانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، و كانت قد أسلمت، و أسلم بعلها سعيد بن زيد، و هما مستخفيان بإسلامهما من عمر، و كان نعيم بن عبد اللّه النحام قد أسلم و كان يخفي إسلامه فرقا" خوفا" من قومه، و كان خباب بن الأرت يختلف" يذهب" إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن، فخرج عمر يوما متوشحا بسيفه يريد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و رهطا من أصحابه قد ذكر له أنهم اجتمعوا في بيت عند الصفا، و هم قريب من أربعين ما بين رجال و نساء، و مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عمه حمزة بن عبد المطلب، و أبو بكر بن أبي قحافة الصديق، و علي بن أبي طالب في رجال من المسلمين، رضي اللّه عنهم، ممن كان أقام مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بمكة و لم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد اللّه فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدا، هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش، و سفه أحلامها و عاب دينها، و سب آلهتها فأقتله. فقال له نعيم: و اللّه لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر. أترى لبني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض و قد قتلت محمدا، أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم. قال: و أي أهل بيتي. قال: ختنك، أي صهرك، و ابن عمك سعيد بن زيد ابن عمرو و أختك فاطمة بنت الخطاب فقد و اللّه أسلما، و تابعا محمدا على دينه فعليك بهما. قال:

فرجع عمر عامدا إلى أخته و ختنه، و عندهما خباب بن الأرت مع صحيفة فيها طه‏ يقرئها إياها، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم أو في بعض البيت. و أخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة، فجعلتها تحت فخذها و قد سمع‏

88

عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليها، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئا. قال: بلى و اللّه، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه. و بطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت أخته و ختنه:

نعم قد أسلمنا و آمنا باللّه و رسوله فاصنع ما بدا لك.

فلما رأى عمر ما بأخته من الدم، ندم على ما صنع فارعوى و قال لأخته:

أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرأون آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد.

و كان عمر كاتبا. فلما قال ذلك، قالت له أخته: إنا نخشاك عليها. قال: لا تخافي. و حلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت له: يا أخي إنك نجس على شركك و إنه لا يمسها إلا الطاهر. فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة و فيها طه‏ فقرأها. فلما قرأ منها صدرا قال: ما أحسن هذا الكلام و أكرمه. فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال له: يا عمر، و اللّه إني لأرجو أن يكون اللّه قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس و هو يقول: اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر ابن الخطاب، فاللّه اللّه يا عمر. فقال له عند ذلك عمر: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم.

فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا- بيت الأرقم- معه فيه نفر من أصحابه.

فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فنظر من خلل الباب فرآه متوشحا السيف، فرجع إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو فزع فقال: يا رسول اللّه، هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف. فقال حمزة بن عبد المطلب:

فأذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، و إن كان يريد شرا قتلناه بسيفه.

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): ائذن له. فأذن له الرجل، و نهض إليه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حتى لقيه بالحجرة فأخذ بحجزته- حجزة الإزار معقده- أو بمجمع ردائه، ثم جبذه جبذة شديدة- جذبه- و قال: ما جاء بك يا ابن الخطاب؟ فو اللّه ما أرى أن تنتهي حتى لينزل اللّه بك قارعة. فقال عمر: يا رسول اللّه جئتك لأومن باللّه و رسوله، و بما جاء من عند اللّه. فكبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن عمر قد أسلم، فتفرق أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من مكانهم و قد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة، و عرفوا أنهما

89

سيمنعان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و ينتصفون بهما من عدوهم. فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر بن الخطاب حين أسلم. انتهى من مرآة الحرمين.

هذا ما كتبناه عن دار الأرقم" دار الخيزران"، و هو تفصيل تام ربما لم يكتب عنها أحد كما كتبنا، فالحمد للّه على التوفيق.

ترجمة الخيزران أم الرشيد

جاء عنها في كتاب" محاضرات الخضري" ما يأتي:

هي أم موسى الهادي و أم هارون الرشيد اسمها الخيزران، أعتقها أمير المؤمنين محمد المهدي في سنة (159)، و تزوجها بعد أن ولدت له الهادي و الرشيد. ا ه.

و في تاريخ ابن كثير ما ملخصه: اشترى المهدي الخيزران و حظيت عنده جدا ثم أعتقها و تزوجها و ولدت له خليفتين موسى الهادي و الرشيد، و لما عرضت الخيزران على المهدي ليشتريها أعجبته إلا دقة في ساقيها، فقال لها: يا جارية إنك لعلى غاية المنى و الجمال لولا دقة ساقيك و خموشهما، فقالت: يا أمير المؤمنين إنك أحوج ما تكون إليهما لا تراهما، فاستحسن جوابها و اشتراها و حظيت عنده، و كان مغل ضياعها في كل سنة سنة ألف ألف و ستين ألفا.

و ذكروا أنه أهدى إليها محمد بن سليمان نائب البصيرة الذي مات في اليوم الذي ماتت فيه، مائة وصيفة، مع كل وصيفة جام من فضة مملوء مسكا، فكتبت إليه تقول: إن كان ما بعثته ثمنا عن ظننا فيك فظننا فيك أكثر مما بعثت و قد بخستنا في الثمن، و إن كنت تريد زيادة المودة فقد اتهمتني في المودة، وردت ذلك عليه. انتهى من ابن كثير و محمد بن سليمان المذكور جمع له المنصور بين البصرة و الكوفة و زوجه المهدي ابنته العباسة.

و في محاضرات الخضري: كان الهادي شديد الغيرة على حرمه و يشبه في ذلك سليمان بن عبد الملك من بني أمية، و قد نهى أمه الخيزران أن يدخل عليها أحد من القواد أو رؤساء حكومته، بعد أن كان لها من نفوذ الأمر في عهد المهدي ما لم يكن لامرأة غيرها.

(قالوا): كانت الخيزران في أول خلافة موسى الهادي تفتات عليه في أموره، و تسلك به مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر و النهي. فأرسل إليها ألا

90

تخرجي من خفر الكفاية إلى بذاءة التبذل، فإنه ليس من قدر النساء الاعتراض في أمر الملك. و عليك بصلاتك و تسبيحك و تبتلك. و كانت الخيزران في خلافة موسى كثيرا ما تكلمه في الحوائج فكان يجيبها إلى كل ما تسأله، حتى مضى لذلك أربعة أشهر من خلافته، و انشال الناس عليها، و طمعوا فيها، فكانت المواكب تغدو إلى بابها. فكلمته يوما في أمر لم يجد إجابتها إليه سبيلا، فاعتل بعلّة. فقالت: لابد من إجابتي. قال: لا أفعل. قالت: فإني قد تضمنت هذه الحاجة لعبد اللّه بن مالك. فغضب موسى و قال: و يلي على ابن الفاعلة، قد علمت أنه صاحبها. و اللّه لا قضيتها لك. قالت: إذا و اللّه لا أسألك حاجة أبدا. قال: إذا و اللّه لا أبالي. و حمي غضبه، فقامت مغضبة. فقال: مكانك تستوعبي كلامي. و اللّه، و قرابتي من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادي، أو من خاصتي، أو خدمي لأضربن عنقه و لأقبضن ماله، فمن شاء فليلزم ذلك. ما هذه المواكب التي تغدو و تروح إلى بابك في كل يوم؟ أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكرك، أو بيت يصونك؟ إياك ثم إياك، ما فتحت بابك لملي أو ذمي. فانصرفت ما تعقل ما تطأ. فلم تنطق عنده بحلوة و لا مرة بعدها. انتهى من محاضرات الخضري.

و بعد موت موسى الهادي ولي الخلافة أخوه هارون الرشيد، و في أثناء دولته قدمت الخيزران (أم الرشيد و الهادي) إلى مكة قبل الحج سنة (171) إحدى و سبعين و مائة فأقامت بها إلى أن حجت و عملت كثيرا من الخيرات و هي التي اشترت في هذه السنة" دار الأرقم"، و هي الدار التي كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يدعو في أول الأمر إلى الإسلام سرا، كما اشترت الدور الملاصقة لدار الأرقم و أصلحتها و بنتها فسميت هذه الدار" بدار الخيزران" نسبة إليها، رحمها اللّه تعالى و غفر لنا و لها.

و في تاريخ ابن كثير: لما تولى هارون الرشيد الخلافة و ولي يحيى بن خالد بن برمك الوزارة أمره أن لا يقطع أمرا إلا بمشورة والدته الخيزران، فكانت هي المشاورة في الأمور كلها، فتبرم و تحل و تمضي و تحكم. ا ه.

قال ابن كثير: و اتفق موتها ببغداد ليلة الجمعة لثلاث بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة" أي سنة ثلاث و سبعين و مائة"، و خرج ابنها الرشيد في جنازتها و هو حامل سريرها يخب في الطين، فلما انتهى إلى المقبرة أتى بماء فغسل رجليه‏

91

و لبس خفا و صلى عليها و نزل لحدها، فلما خرج من القبر أتى بسرير فجلس عليه و استدعى الفضل بن الربيع فولاه الخاتم و النفقات، و أنشد الرشيد قول ابن نويرة حين دفن أمه الخيزران:

و كنا كندماني جذيمة برهة* * * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

فلما تفرقنا كأني و مالكا* * * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

انتهى من تاريخ ابن كثير.

و رأينا في ابن كثير أن الخيزران حجت مرتين مرة سنة (171) و مرة ثانية حجت في حياة المهدي، و هل حجت غيرهما، اللّه تعالى أعلم بذلك.

و قد تقدم أن الخيزران لما قدمت مكة سنة إحدى و سبعين و مائة اشترت دار الأرقم بالصفا، ذكر الفاسي في كتابه شفاء الغرام: قال جابر بن عبد اللّه: كان أول من خلق المسجد عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه" أي المسجد النبوي" ثم لما حجت الخيزران أم موسى و هارون في سنة إحدى و سبعين و مائة أمرت بالمسجد أن يخلق فتولت تخليقه جاريتها مؤنسة، فخلقته جميعه حتى الحجرة الشريفة جميعها، انتهى.

و قد اشترت الخيزران أيضا البيت الذي ولد فيه النبي (صلى الله عليه و سلم)، لما قدمت مكة للحج، فجعلته مسجدا يصلي فيه، فقد ذكر ذلك الإمام الأزرقي في تاريخه بصحيفة 160 من الجزء الثاني عند ذكر المواضع التي يستحب فيها الصلاة بمكة، و قد قدمنا بيان ذلك عند" موضع ولادة النبي" (صلى الله عليه و سلم).

حرم مكة و أنصابه‏

قال اللّه تعالى في سورة القصص: وَ قالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى‏ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى‏ إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏. و قال عز شأنه في سورة العنكبوت: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَ يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ‏.

قال العلامة ابن ظهيرة: حرم مكة هو ما أحاط بها من جوانبها و قد جعل اللّه حكمه حكم مكة تشريفا لها. ا ه.

92

قال الأزرقي في تاريخه: حدثني جدي قال: حدثنا عبد الرحمن بن حسن ابن القاسم عن أبيه قال: سمعت بعض أهل العلم يقول: إنه لما خاف آدم (عليه السلام) على نفسه من الشيطان استعاذ باللّه سبحانه، فأرسل اللّه عز و جل ملائكة حفوا بمكة من كل جانب و وقفوا حواليها، قال: فحرم اللّه تعالى الحرم من حيث كانت الملائكة (عليهم السلام) وقفت.

و قال أيضا: حدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم القداح عن عثمان ابن ساج عن وهب بن منبه: أن آدم (عليه السلام) اشتد بكاؤه و حزنه لما كان من عظم المصيبة حتى أن الملائكة لتحزن لحزنه و تبكي لبكائه، فعزاه اللّه بخيمة من خيام الجنة وضعها له بمكة في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة، و تلك الخيمة ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة، و فيها ثلاثة قناديل من ذهب من تبر الجنة، فيها نور يلتهب من نور الجنة، و الركن يومئذ نجم من نجومه، فكان ضوء ذلك النور ينتهي إلى موضع الحرم.

فلما صار آدم إلى مكة حرسه اللّه و حرس تلك الخيمة بالملائكة، فكانوا يقفون على مواضع أنصاب الحرم يحرسونه و يذودون عنه سكان الأرض، و سكانها يومئذ الجن و الشياطين، فلا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شي‏ء من الجنة لأنه من نظر إلى شي‏ء منها وجبت له، و الأرض يومئذ طاهرة نقية طيبة، لم تنجس، و لم تسفك فيها الدماء و لم يعمل فيها بالخطايا. فلذلك جعلها اللّه سبحانه يومئذ مستقرا لملائكته و جعلهم فيها كما كانوا في السماء، يسبحون الليل و النهار لا يفترون، فلم تزل تلك الخيمة مكانها حتى قبض اللّه تعالى آدم ثم رفعها إليه.

انتهى منه.

و في تاريخ الأزرقي أيضا: حدثنا أبو وليد قال: حدثني جدي عبد الرحمن بن حسن بن القاسم عن أبيه قال: سمعت بعض أهل العلم يقولون: قال إبراهيم (عليه السلام) لإسماعيل: أبغني حجرا أجعله للناس آية. قال: فذهب إسماعيل ثم رجع و لم يأته بشي‏ء و وجد الركن عنده، فلما رآه قال له: من أين لك هذا؟ قال إبراهيم: جاء به من لم يكلني إلى حجرك، جاء به جبريل (عليه السلام). قال:

فوضعه إبراهيم (عليه السلام) في موضعه هذا، فأنار شرقا و غربا و يمنا و شاما، فحرم اللّه تعالى الحرم من حيث أنهى نور الركن و إشراقه من كل جانب.

93

قال: و لما قال إبراهيم: ربنا أرنا مناسكنا، نزل إليه جبريل، فذهب به فآره المناسك، و وقفه على حدود الحرم. فكام إبراهيم يرضم الحجارة، و ينصب الأعلام، و يجبي عليها التراب، و كان جبريل يقفه على الحدود، قال: و سمعت أن غنم إسماعيل (عليه السلام)، كانت ترعى في الحرم و لا تجاوزه. و لا تخرج منه فإذا بلغت منتهاه من كل ناحية من نواحيه رجعت صاية في الحرم.

حدثنا أبو الوليد: حدثني جدي، حدثني سعيد بن سالم عن ابن جريج قال:

كنت أسمع من أبي يزعم أن إبراهيم أول من نصب أنصاب الحرم.

حدثنا أبو الوليد: حدثنا جدي: حدثنا سعيد بن سالم عن ابن جريج، عن عبد اللّه بن عثمان بن خيثم، عن محمد بن الأسود أنه أخبره أن إبراهيم أول من نصب أنصاب الحرم، و أن جبريل (عليه السلام)، دله على مواضعها، قال ابن جريج: و أخبرني أيضا عنه أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أمر يوم الفتح تميم بن أسد جد عبد الرحمن بن عبد المطلب بن تميم فجددها. انتهى منه.

و فيه أيضا: حدثنا أبو الوليد و حدثني محمد بن يحيى عن هشام بن سليمان المخزومي، عن عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد اللّه بن الزبير، عن موسى بن عقبة أنه قال: عدت قريش على أنصاب الحرم فنزعتها، فاشتد ذلك على النبي (صلى الله عليه و سلم)، فجاء جبريل (عليه السلام) إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال: يا محمد اشتد عليك أن نزعت قريش أنصاب الحرم، قال: نعم. قال: أما إنهم سيعيدونها. قال: فرأى رجل من هذه القبيلة من قريش و من هذه القبيلة حتى رأى ذلك عدة من قبائل قريش قائلا يقول: حرم كان أعزكم اللّه به و منعكم فنزعتم أنصابه، الآن تخطفكم العرب، فأصبحوا يتحدثون بذلك في مجالسهم فأعادوها فجاء جبريل (عليه السلام) إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال: يا محمد قد أعادوها، قال: أفأصابوا يا جبريل؟ قال: ما وضعوا منها نصبا إلا بيد ملك.

حدثنا أبو الوليد، حدثنا محمد بن يحيى عن الواقدي، عن إسحاق بن حازم، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن عبيد اللّه بن عتبة: أن إبراهيم (عليه السلام) نصب أنصاب الحرم يريه جبريل (عليه السلام)، ثم لم تحرك حتى كان قصي فجددها، ثم لم تحرك حتى كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فبعث عام الفتح تميم بن أسد الخزاعي فجددها، ثم لم تحرك حتى كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عليه، فبعث أربعة من قريش كانوا يبتدءون في بواديها فجددوا أنصاب الحرم، منهم مخرمة بن‏

94

نوفل، و أبو هود سعيد بن يربوع المخزومي، و حويطب بن عبد العزى، و أزهر بن عبد عوف الزهري. انتهى منه.

و فيه أيضا: حدثنا أبو الوليد، حدثني محمد بن يحيى عن الواقدي، حدثني خالد بن إلياس، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه قال: لما ولي عثمان بن عفان، بعث على الحج عبد الرحمن بن عوف و أمره أن يجدد أنصاب الحرم فبعث عبد الرحمن نفرا من قريش منهم حويطب بن عبد العزى، و عبد الرحمن بن أزهر، و كان سعيد بن يربوع قد ذهب بصره في آخر خلافة عمر، و ذهب بصر مخرمة بن نوفل في خلافة عثمان، فكانوا يجددون أنصاب الحرم في كل سنة، فلما ولي معاوية كتب إلى والي مكة فأمره بتجديدها.

قال: فلما بعث عمر بن الخطاب النفر الذين بعثوا في تجديد أنصاب الحرم أمرهم أن ينظروا إلى كل واد يصب في الحرم، فنصبوا عليه و أعلموه و جعلوه حرما و إلى كل واد يصب في الحل فجعلوه حلا.

حدثنا أبو الوليد: حدثني جدي، عن محمد بن إدريس، عن محمد بن عمر، عن ابن أبي سبرة، عن المسور ابن رفاعة قال: لما حج عبد الملك بن مروان أرسل إلى أكبر شيخ يعلمه من خزاعة، و شيخ من قريش، و شيخ من بني بكر، و أمرهم بتجديد أنصاب الحرم، قال أبو الوليد: و كل واد في الحرم فهو يسيل في الحل، و لا يسيل من الحل في الحرم إلا من موضع واحد عند التنعيم، عند بيوت غفار.

انتهى كل ذلك مما تقدم من تاريخ الإمام الأزرقي.

و جاء في هامش التاريخ المذكور هنا بصحيفة 104 من الجزء الثاني، بعد انتهاء كلام الأزرقي هذا ما نصه:

و قد جددها" أي الأعلام" عبد الملك بن مروان، و في عام 159 لما رجع المهدي من الحج أمر بتجديدها، و كذلك جددها المقتدر باللّه العباسي، و في سنة 325 أمر الراضي باللّه العباسي بعمارة العلمين من جهة التنعيم، و في سنة 616 أمر المظفر صاحب إربل بعمارة العلمين من جهة عرفة، ثم الملك المظفر صاحب اليمن عام 683، و جددهما السلطان أحمد الأول ابن محمد العثماني عام 1023.

انتهى.

و جاء أيضا في هامش التاريخ المذكور بالصحيفة المذكورة (104)، ما مفاده أن الأزرقي أغفل ذكر ما يسكب من أودية الحل في الحرم، كما أغفل بحث‏

95

الميقات و أماكنها- لكن كاتب الهامش بينها في ملحق الكتاب بصحيفة 250 من الجزء الثاني- و الحق أن كلامه مفصل تفصيلا واضحا عن مواضع نصب الأعلام على حدود الحرم و عن مواقيت الحج يستحسن الرجوع إليه.

و كاتب الهامش على كتاب الإمام الأزرقي هو المحقق البحاثة صاحب المعالي الشيخ رشدي ملحس رئيس الشعبة السياسية بديوان جلالة مليكنا المعظم أكثر اللّه من أمثاله و أدام توفيقه.

وضع أنصاب الحرم‏

تقدم أن حدود الحرم الذي يطيف بمكة من جميع جوانبها كانت من قديم الزمان، أي من عهد إبراهيم الخليل أو من عهد آدم عليهما الصلاة و السلام، و ما زالت معروفة إلى اليوم و مرعية الحرمية إلى يوم القيامة.

و في كتاب الإصابة عند ترجمة (كرز بن علقمة) أسلم يوم الفتح و عمر طويلا و كان ممن جدد أنصاب الحرم في زمن معاوية، قال البغوي: حدثني عمي عن أبي عبيد قال: كرز بن علقمة خزاعي من بني عبدنهم هو الذي قفى أثر النبي (صلى الله عليه و سلم)، و أبي بكر حين دخلا الغار، و هو الذي أعاد معالم الحرم في زمن معاوية رضي اللّه تعالى عنه، فهي إلى اليوم- و ذكر الكلبي هذه القصة فقال: عمي على الناس بعض أعلام الحرم، و كتب مروان إلى معاوية بذلك، فكتب إليه إن كان كرز حيا فسله أن يقيمك على معالم الحرم ففعل، قال: و هو الذي وضع للناس معالم الحرم في زمن معاوية و هي هذه المنار التي بمكة إلى اليوم. ا ه منه. و كرز هذا: هو الذي استأجره المشركون لما خرج النبي (صلى الله عليه و سلم) مهاجرا إلى المدينة مع أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، فانتهى إلى غار ثور ثم قال: إلى ههنا انتهى أثره كما ذكرنا ذلك في محله.

و في كتاب الإصابة أيضا في ترجمة (مخرمة بن نوفل) ما خلاصته: قال الزبير بن بكار: كان من مسلمة الفتح و كانت له سن عالية و علم بالأنساب، فكان يؤخذ عنه النسب، و زاد ابن سعد: و كان عالما بأنصاب الحرم، فبعثه عمر هو و سعيد بن يربوع، و أزهر بن عبد عوف، و حويطب بن عبد العزى فجددوها، و ذكر أن عثمان بعثهم أيضا. و أخرج الزبير بن بكار من حديث ابن عباس: أن جبريل (عليه السلام) أرى إبراهيم (عليه السلام) أنصاب الحرم فنصبها، ثم جددها

96

إسماعيل، ثم جددها قصي بن كلاب، ثم جددها النبي (صلى الله عليه و سلم)، ثم بعث عمر الأربعة المذكورين فجددوها. ا ه منه.

قال القلقشندي (رحمه اللّه تعالى) في كتابه صبح الأعشى عند الكلام على الحرم و مشاعر الحج الخارجة عن مكة ما نصه:

أما الحرم فهو ما يطيف بمكة مما يحرم صيده و قطع شجره و حشيشه و نحو ذلك، و قد تقدم أن اللّه تعالى جعل ملائكة يحرسون القبة التي أنزلها اللّه تعالى إلى آدم من الجنة، و وضعت له مكان الكعبة، و جعلت الملائكة حرسا لها كي لا تقع عليها بصر الشياطين، فكانت مواقف الملائكة هي حدود الحرم. قال ابن حوقل:

و ليس بمكة و الحرم شجر يثمر إلا شجر البادية، أما خارج الحرم ففيه عيون و ثمار.

و اعلم أن مقادير جهات الحرم تتفاوت في القرب و البعد عن مكة، و على حدوده أعلام منصوبة في كل جهة تدل عليه. قال في" الروض المعطار": قال الزبير: و أول من وضع علامات الحرم و نصب العمد عليه عدنان بن أدّ، خوفا من أن تندرس معالم الحرم أو تتغير. قال: وحده من التنعيم على طريق سرف إلى مر الظهران خمسة أميال، و ذكر في موضع آخر أنها ستة أميال، وحده من طريق جدة عشرة أميال، و من طريق اليمن ستة أميال، و دوره سبعمائة و ثلاثة و ثلاثون ميلا.

انظر: صورة رقم 25، المروة

ثم بحدود هذا الحرم أماكن مشهورة، يخرج إليها من مكة من أراد أن يهل بعمرة فيحرم منها أحدها التنعيم، و الثاني الحديبية و الثالث الجعرانة. و قد ذكر القلقشندي تعريف كل منها و موضعه.

ثم قال: و أما مشاعر الحج الخارجة عن مكة فثلاثة- أحدها منى، و الثاني المزدلفة، و الثالث عرفة. و قد ذكر أيضا تعريف كل منها و موضعه، لم نر ضرورة لذكر ذلك لأنها مواضع معروفة لجميع العالم الإسلامي، فلا لزوم لتطويل الكلام. انتهى من صبح الأعشى.

انظر: صورة رقم 26، العلمين عند الشميسي بالحديبية بطريق جدة

97

أسماء من وضع أنصاب الحرم و أعلامها

لقد بينا فيما تقدم جهات الحرم و حدوده، و هنا نذكر أسماء الذين وضعوا علامات مبنية في حدود الحرم من جميع الجهات فنقول و باللّه التوفيق:

قال الغازي (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه ما نصه: و عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام نصب أنصاب الحرم يريه جبريل، ثم لم تحرك حتى كان قصي فجددها، ثم لم تحرك حتى كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فبعث عام الفتح تميم بن أسد الخزاعي فجددها، ثم لم تحرك حتى كان عمر بن الخطاب فبعث أربعة من قريش كانوا يبتدؤون في بواديها فجددوا أنصاب الحرم، منهم مخرمة بن نوفل، و أبو هود سعيد بن يربوع المخزومي، و حويطب بن عبد العزى، و أزهر ابن عبد عوف الزهري. انتهى.

ثم قال الغازي أيضا: قال الفاسي: ثم نصبها عثمان بن عفان، ثم معاوية، ثم عبد الملك ابن مروان، ثم المهدي العباسي، ثم أمر الراضي العباسي بعمارة العلمين الكبيرين اللذين بالتنعيم في سنة خمس و عشرين و ثلاثمائة، و اسمه عليهما مكتوب. ثم أمر المظفر صاحب إربل بعمارة العلمين اللذين هما حد الحرم من جهة عرفة في سنة ست و عشرين و ستمائة،" و في إتحاف الورى لابن فهد سنة ست عشر و ستمائة" ثم أمر الملك المظفر، صاحب اليمن، في سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة، انتهى ... (لم يذكر الفاسي ماذا أمر الملك المظفر، و نظن أن الكاتب نسي في الكتابة شيئا).

قال ابن فهد: و في سنة خمس و ستمائة في شعبان، أنشئت الأعلام الثلاثة التي هي بين منتهى أرض عرفة و وادي عرنة، أمر بإنشائها المظفر كوكيري بن علي بكتكين صاحب إربل. انتهى. نقلنا كل ذلك من تاريخ الغازي.

و قال إبراهيم رفعت باشا في كتابه" مرآة الحرمين" ما نصه: و أول من نصب علامات على حدود الحرم إبراهيم عليه الصلاة و السلام، بإرشاد جبريل تعظيما للبيت و تشريفا، ثم قصي بن كلاب، و قيل قبله إسماعيل (عليه السلام)، و يروى هذا عن ابن عباس، و قيل إن عدنان بن أدّ أول من وضع أنصاب الحرم، و نصبتها قريش بعد ذلك، و النبي (صلى الله عليه و سلم)، بمكة قبل هجرته، و نصبها النبي (صلى الله عليه و سلم)، عام الفتح، ثم عمر بن الخطاب في سنة 17 ه. ثم عثمان بن عفان في سنة 26 ه. ثم معاوية

98

رضي اللّه عنهم، ثم عبد الملك بن مروان، ثم المهدي العباسي، ثم أمر الراضي بعمارة العلمين الكبيرين اللذين بالتنعيم في سنة 325 ه. قال الفاسي: و اسمه عليهما مكتوب، ثم أمر المظفر صاحب إربل، بعمارة العلمين الكبيرين اللذين هما حد الحرم من جهة عرفة سنة 616 ه، ثم الملك المظفر صاحب اليمن سنة 683 ه. و هنا قال إبراهيم رفعت في هامش كتابه المذكور، لم يعثر على تاريخ الإعلام بعد ذلك مع شدة حرصنا على الوقوف عليه مع أنه لابد من أن تكون عمرت بعد ذلك مرارا فإن بناءها القائم ليس بناء سبعة قرون أو تزيد. انتهى من كتاب مرآة الحرمين المذكور.

(و اعلم) أن أنصاب الحرم، أي العلامات الموضوعة في حدودها، ما زالت موجودة إلى اليوم، تجد في كل عصر عند حدوث تلف فيها، و هي علامات مبنية بالحجر و مجصصة بالنورة، و مواضع هذه العلامات" أي الأنصاب" كما يأتي:

(1) توجد عند التنعيم بقرب مسجده، و في الحل من هذه الجهة، أي بعد العلامات بمسافة قريبة، توجد محطة شركة الكهرباء السعودية التي تمد مكة بالكهرباء، و بين العلامات و هذه المحطة، مخفر للشرطة للمحافظة على عدم تسرب الأجانب غير المسلمين إلى داخل حدود الحرم.

(2) توجد عند عرفات قبل مسجد نمرة بقليل للذاهب إلى عرفات.

(3) توجد قبل مزرعة الشرائع التي بطريق السيارات للطائف و نجد.

(4) توجد قبل محطة البيضاء التي بطريق اليمن.

(5) يوجد علمان عند الشميسي المسمى قديما بالحديبية بطريق جدة، و هما يقابلان كيلو 19 قبيل مسجد الشميسي للنازل من مكة إلى جدة. و الشميسي يقع في كيلو 22 فيكون الشميسي في الحل، و هذان العلمان قديمان يقعان في الطريق القديم لقافلة الجمال، ثم إنه في جمادى الأولى سنة (1376) ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف، بني علمان آخران في مقابلة العلمين القديمين، و بنيا في طريق السيارات" الأوتومبيلات" المعبد بالإسفلت، عند الكيلو (19) تسعة عشر تماما للمسافر إلى جدة، و كان ذلك بأمر حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم سعود بن عبد العزيز آل سعود، وفقه اللّه تعالى لكل خير.

99

جدول بأسماء من جدد أنصاب الحرم‏

علمت فيما تقدم أول من وضع أنصاب الحرم، و أسماء من جددها- و نحن هنا نذكر ملخصين ما تقدم في جدول خاص لسرعة الاطلاع و زيادة البيان، و لم نر في التاريخ من جددها بعد الملك المظفر صاحب اليمن، فاللّه تعالى أعلم بمن جددها بعده- و قد يكون التجديد لجميعها، و قد يكون لبعضها في بعض الجهات لخراب حصل فيها و هذا هو الجدول:

الرقم/ اسم من جدد الأنصاب/ سنة التجديد/ الملاحظات 1/ سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام// ذكرنا إبراهيم و لم نذكر آدم عليهما الصلاة و السلام على اعتبار أنه أول من بنى الكعبة منذ أربعة آلاف سنة تقريبا.

2/ قصي بن كلاب// و قصي بن كلاب هو الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه و سلم)، و هو أيضا بنى الكعبة قبل قريش.

3/ قريش/ قبل الهجرة/ و قريش جددت الأنصاب و النبي (صلى الله عليه و سلم) موجود بمكة قبل هجرته.

4/ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)/ عام الفتح/

5/ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه/ 17/

6/ عثمان بن عفان رضي الله عنه/ 26/

7/ معاوية رضي اللّه عنه// و لم نبحث في التاريخ عن سنة تجديد معاوية.

8/ عبد الملك بن مروان// و عبد الملك، و المقتدر باللّه العباسي، و نظن أن المقتدر باللّه حينما أدخل في المسجد الحرام رحبة باب إبراهيم سنة 306

100

/// جدد الأنصاب أيضا.

9/ المهدي العباسي/ 159/

10/ الراضي باللّه العباسي/ 325/

11/ المقتدر باللّه العباسي//

12/ المظفر صاحب إربل/ 616/ الملك المظفر صاحب إربل قيل جددها سنة 616 و قيل سنة 626.

13/ المظفر صاحب اليمن/ 683/

14/ السلطان أحمد الأول بن محمد العثماني/ 1023/ و اللّه أعلم بمن جددها أيضا.

15/ الملك سعود بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية/ 1376/ فقد أمر ببناء علمين عند الكيلو (19) للمسافر إلى جدة قبيل الشميسي (الحديبية) في مقابلة العلمين القديمين و ذلك في جمادى الأولى سنة ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف، و جدد أيضا أنصاب الحرم من جهة الشرائع في السنة المذكورة، كما جدد أيضا أنصاب الحرم من جهة عرفة سنة 1383 ه.

نقول: و قد جددت الحكومة السعودية بعض أعلام الحرم كأعلام الشميسي، التي تبعد عن نفس مكة نحو تسعة عشر كيلو مترا، و أعلام الشرائع. و قد وقف مؤلف هذا التاريخ محمد طاهر الكردي المكي الخطاط، غفر اللّه له و لوالديه و للمسلمين آمين، على تجديد هذه الأعلام بنفسه و كتب على كل علم تاريخ تجديده و هو سنة 1376 ه. سنة ألف و ثلاثمائة و ستة و سبعين هجرية، و قد جددت أيضا أعلام الحرم التي عند عرفات بعد السنة المذكورة.

101

أعلام حدود الحرم‏

و العلمان الجديدان الموجودان بالشميسي" الحديبية" اللذان في خط السيارات المسفلت، هما علمان يقابلان العلمين القديمين الجديدين عن يمين الذاهب من مكة إلى جدة.

و العلمان الجديدان، أمر ببنائهما جلالة الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود في سنة 1376 ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف.

و قد وقف مؤلف هذا الكتاب على بنايتهما و كتابتهما و نقشهما. فأحيانا يذهب الناس إلى جدة من طريق العلمين الجديدين، و أحيانا من طريق العلمين القديمين و المسافة بينهما عرضا مائة متر تقريبا.

و أما العلمان الموجودان في طريق الطائف جهة الشرائع، فهما قديمان لكن أمر جلالة الملك سعود بن عبد العزيز المذكور بترميمهما و إصلاحهما، و ذلك في سنة (1377) سبع و سبعين و ثلاثمائة و ألف و قد وقف أيضا مؤلف هذا الكتاب على كتابتهما و نقشهما.

و تسمى الأعلام بالأميال، و كثيرا ما فكرنا في سبب هذه التسمية، فلم نهتد لها. إلى علة معقولة، حتى عثرنا مصادفة على علة تسميتها بالأعلام في كتاب" قاموس الأمكنة و البقاع"، فقد جاء في مقدمته ما نصه:

قال ابن السكيت: و قيل للأعلام المبنية في طريق مكة أميال لأنها بنيت على تقدير مدى البصر من الميل إلى الميل، و لا نعني بمدى البصر كل مرئي، فإنا نرى الجبل من مسيرة أيام، إنما نعني أن ينظر الصحيح البصر ما مقداره ميل، و هي بنية ارتفاعها عشرة أذرع أو قريبا من ذلك، و غلظها مناسب لطولها. قال ياقوت:

و هذا عندي أحسن ما قيل فيه. انتهى.

المسافات بين المسجد الحرام و أنصاب الحرم‏

قلنا فيما سبق، أن الحرم هو ما يحيط بمكة" بلد اللّه الأمين" شرفها اللّه تعالى، و سمي حرما لحرمة صيده و حرمة قطع شجره و حشيشه و نحو ذلك، فهذا المحيط بمكة المسمى" بالحرم" لابد و أن يكون معروف المعالم و الحدود، و أن يوضع في‏

102

الحد الفاصل بين الحل و الحرم علامات تسمى" أنصاب الحرم" أو أعلام الحرم، ليتجنب الناس فيه ما نهاهم اللّه و رسوله عنه.

و لقد بيّن الأئمة و العلماء الأجلاء المسافات بين مكة و الحرم من جميع جهاتها بالأميال و الأذرع و الأمتار- و لنذكر هنا قياس المسافات من ثلاثة مراجع:

(أولا) من تاريخ الإمام الأزرقي الذي توفي قبيل منتصف القرن الثالث للهجرة.

(ثانيا) من كتاب" مرآة الحرمين" الذي توفي مؤلفه بمصر في زماننا هذا.

(ثالثا) من كتاب" تاريخ عمارة المسجد الحرام" اللذي توفي صاحبه في زماننا أيضا.

ففي كل واحد من هذه المراجع الثلاثة فوائد متعددة، و إليك ما قاله كل واحد ممن ذكر في كتابه:

(1) قال الإمام الأزرقي في تاريخه عند حدود الحرم ما نصه: قال أبو الوليد" يعني نفسه" من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت غفار على ثلاثة أميال، و من طريق اليمن طرف أضاءة لبن في ثنية لبن على سبعة أميال، و من طريق جدة منقطع الأعشاش على عشرة أميال، و من طريق الطائف على طريق عرفة من بطن نمرة على أحد عشر ميلا، و من طريق العراق على ثنية خل" بخاء معجمة مفتوحة" بالمقطع على سبعة أميال، و من طريق الجعرانة في شعب آل عبد اللّه بن خالد بن أسيد على تسعة أميال.

انتهى من كلام الأزرقي و قياسه بالأميال.

(2) و لنذكر كلام إبراهيم رفعت باشا المصري صاحب كتاب" مرآة الحرمين" المتوفى في زماننا هذا، لأنه ذكر القياس أولا بذراع اليد، ثم حول الأذرع إلى أمتار، و بيّن في هامش كتابه المذكور مقدار الذراع فقال: ذراع الحديد 7/ 561 سنتيا كما حررته من قياس جدر الكعبة بالمتر و مقارنتها بقياس الفاسي، و ذراع اليد 49 سنتيا بالتقريب استنتجته من قياسي لبعض الأماكن بالذراعين- ذراع الحديد و ذراع اليد. ا ه.