التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج2

- محمد طاهر الكردي المزيد...
605 /
103

و نحن قد أتينا بهذا البيان في مقدمة الكلام، حتى يكون للقارئ تمام المعرفة عندما يطلع على كلامه الآتي- و إليك ما قاله صاحب الكتاب المذكور (رحمه اللّه تعالى) و هو:

قال اللّه تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَ يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ‏.

اعلم- أنه يحيط بالكعبة ثلاث دوائر: (الأولى) دائرة المسجد الحرام، (و الثانية) دائرة الحرم، (و الثالثة) دائرة المواقيت- فلا يعدو امرؤ الدائرة الثالثة قاصدا دخول مكة، إلا إذا أحرم و أهل بالتلبية و هي ذو الحليفة على عشر مراحل من مكة و الجحفة على ثلاث و قبلها بقليل رابغ و ذات عرق على مرحلتين، و كذلك قرن المنازل، و يلملم و الدائرة الثانية دائرة الحرم و قد نصبت عليها أعلام في جهاتها الأربع، و قد ذكر المسافات بينها و بين المسجد الحرام التقي الفاسي في كتابه شفاء الغرام و نحن نذكرها نقلا عنه مبينين مقدارها بالأمتار (فحد الحرم من جهة الطائف) على طريق عرفة من بطن عرنة (7/ 372102) بذراع اليد، أي (18333) متر، و ذلك من جدر باب بني شيبة إلى العلمين الذين بهما علامة لحد الحرم من جهة عرفة. (و حده من جهة العراق) من جدر باب بني شيبة إلى العلمين الذين هما علامة لحد الحرم في طريق العراق، و اللذين هما بجادة وادي نخلة (27252) ذراع بذراع اليد، و تعادل (5، 13353) متر. (و حده من جهة التنعيم) و هي طريق المدينة و ما يليها (12420) ذراع بذراع اليد، أي (6148) متر، و ذلك من جدر باب العمرة إلى أعلام الحرم التي في الأرض من هذه الجهة لا التي على الجبل. (و حد الحرم من جهة اليمن) من جدر باب إبراهيم إلى علامة حد الحرم في هذه الجهة (7/ 245094) ذراع بذراع اليد، تعادل ذلك (75، 12009) متر، و على حد الحرم من جهة الجنوب مكان يقال له" أضاة"، و من الغرب يميل قليلا إلى الشمال قرية الحديبية، و هي التي تمت بها بيعة الرضوان، و من الشرق على طريق الطائف مكان يقال له الجعرانة أحرم منه النبي (صلى الله عليه و سلم)، مرجعه من الطائف بعد فتح مكة. و هذه الدائرة جعلها اللّه مثابة للناس و أمنا، بل أمن فيها الحيوان و النبات، فحرم التعرض لصيدها و منع أن يختلى خلاها (حشيشها) أو يعضد شوكها. انتهى من مرآة الحرمين.

104

نقول: إن عدد الأذرع و الأمتار المذكورة هنا قد تكثر و قد تقل اليوم بسبب تعدد الطرق الموصلة إلى الأعلام بعد أن كان الطريق إليها واحدا، و لم تتعدد إلا بعد دخول السيارات (الأوتومبيلات) إلى البلاد، فليتنبه القارئ لهذه النقطة الدقيقة.

(3) و أما ما جاء في كتاب" تاريخ عمارة المسجد الحرام" للشيخ حسين باسلامة المكي (رحمه اللّه تعالى) عنه عن ذلك فهذا نصه:

قال التقي الفاسي: و قد ورد في المسافة التي بين المسجد الحرام و أنصاب الحرم أقوال كثيرة.

أما حد الحرم من جهة عرفة: فذكر أبو الوليد التاجي المالكي أنه ثمانية عشر ميلا، و ذكر الأزرقي و الفاكهي و ابن حردادية الخراساني في المسالك و الممالك أنه أحد عشر ميلا، و ذكر ابن زيد في النوادر أنه تسعة أميال، و ذكر الماوردي و أبو إسحاق الشيرازي و النووي أنه سبعة أميال، قال الفاسي: و فيما قالوه نظر.

و حد الحرم من جهة العراق ففيه أربعة أقوال، و هي ستة أميال، و سبعة، و ثمانية، و عشرة.

و أما حده من جهة الجعرانة ففيه قولان: أحدهما يريد، يعني اثنتي عشر ميلا، و الثاني تسعة أميال.

و أما حده من جهة التنعيم، ففيه أربعة أقوال: ثلاثة أميال، و نحو أربعة، و أربعة، و خمسة أميال.

و أما من جهة جدة، ففيه قولان: عشرة، و نحو ثمانية عشر على ما ذكره التاجي، و أما من جهة اليمن قولان: سبعة، و ستة، ذكره المحب الطبري في القرى.

ثم قال الفاسي: و قد اعتبرت مقدار الحرم من جهاته المعروفة بحبل مقدر على ذراع اليد.

فمن جدر باب المسجد الحرام بباب بني شيبة، أي باب السلام، إلى العلمين اللذين هما علامة حدود الحرم من جهة عرفة (37210) أذرع يد.

105

و أما حده من العراق- طريق العراق- فمن باب بني شيبة إلى العلمين اللذين بجادة وادي نخلة (27252) ذراع يد، وادي نخلة الذي ذكره الفاسي هنا، المراد به وادي الليمون المسمى في الوقت الحاضر (المضيق) و قديما يسمى (نخلة الشامية).

ثم قال الفاسي: و الحد من التنعيم فمن باب العمرة إلى الأعلام (12520) ذراع يد، و من جهة اليمن فمن باب إبراهيم إلى الأعلام (24509) أذرع يد.

قال صاحب تاريخ المسجد الحرام: هذا ما ذكره التقي الفاسي في العقد الثمين و لم يذكر ذرع حد الحرم من جهة جدة كما ذكره باعتبار الأميال فيما تقدم، و يظهر أنه قد ذكره، و إنما سقط على الناسخ، و ذلك لأنه قد اعتنى بذرع عموم الجهات الأخرى بذراع اليد، و من تصفح ما ذكره الفاسي يظهر أنه وقع في المسافة التي بين باب السلام و العلمين اللذين جهة عرفة زيادة كبيرة تبلغ نحو أربعة أميال عما ذكره النووي، لأن المسافة التي ذكرها تبلغ نحو أحد عشر ميلا و النووي ذكرها سبعة أميال.

و قال صاحب تاريخ المسجد الحرام أيضا: و أما سبب الخلاف الواقع بين العلماء في المسافة بين الحدود و المسجد الحرام فهو ناتج على ما ظهر لي من أمرين:

(أحدهما) اختلافهم في مبدأ الذرع حيث بعضهم جعل مبدأ الحد من أبواب المسجد الحرام، و بعضهم جعله من أبواب مكة مثل باب الشبيكة الذي هو حارة الباب، و باب المعلاة الذي هو قريب من الحجون.

(و الأمر الثاني) اختلافهم في قدر الميل، حيث بعضهم قدره بستة آلاف ذراع يد، و بعضهم قدره بأربعة آلاف ذراع يد، و بعضهم بثلاثة آلاف و خمسمائة ذراع يد، و بعضهم قدره بألفي ذراع يد. و كذلك يختلف ذراع اليد بحسب اختلاف الأجسام من الطول و القصر و هو يتراوح من (46) سنتمتر إلى (52) سنتمتر.

كما أن الأميال اعتبارية فيما سبق، فهي اعتبارية في العصر الحاضر حيث أن الميل البري، هو خلاف الميل البحري، و كذلك الميل الجغرافي يختلف عنهما.

ثم قال: و جاء في شرح الإيضاح لابن حجر الهيثمي المكي نقلا عن التقي الفاسي أنه قال تتمة لعبارته المتقدمة: و بما ذكر في بيان المسافة من باب السلام أو المعلاة بالذراع، و بيان الأقوال الأربعة في الميل، و ما يتفرع على كل منهما باعتبار التحديد من باب السلام و المعلاة.

106

يتبين أن كل واحد من الأقوال الأربعة في حد المسافة مبني على واحد من الأقوال في مسافة الميل، و لا يعارض ذلك كون القائلين بذلك يرون أن الميل ستة آلاف ذراع لأنهم هنا قلدوا المؤرخين، و كل منهم يطلق الميل على مسطحه، فإذا نظر الفقيه في كلامه قلده من غير تحقيق لمراده إذ لا يظهر إلا بالذراع، و لم يبلغنا عن أحد من المختلفين في هذه المسافة أنه قال إن ما ذكره كان بعد تحريره بالذراع، فتعين بعد أن علم تحريره به تأويل ما خالفه، ورد هذه الأقوال المتباينة إلى تلك الأقوال في الميل المتباينة أيضا، على أن التحديد المذكور في الأقوال غير مراد لما علمت أننا و إن فرعنا تلك الأقوال على الأقوال في الميل لا يأتي إلا إذا جعلنا ذلك تقريبا، و أيضا فالزيادة و النقص قد يكونان لشدة في المد في الحبل المقيس به و إرخائه، أو لأصل ارتفاع الأرض و انخفاضها، أو لأجل اعتبار المسافة من محل آخر غير ما ذكر من باب السلام.

قال: فهذه الاعتبارات و التقديرات التي ذكرها التقي الفاسي، كلها واردة و من الجائز وقوعها، و لا شك أنها هي السبب الوحيد في وقوع الخلاف بين العلماء الذين تصدوا و تحملوا المتاعب في سبيل ذرع المسافة بين المسجد الحرام و حدود الحرم، التي أنشئت عليها الأنصاب أو الأعلام، لأجل أن يعرف حد الحرم عند كل من تجاوز ذلك الحد، سواء كان من البادية المجاورة للحرم، أو من عموم الآفاق النائية.

و لا تزال تلك الأنصاب موجودة في مواضعها التي قد عرفت من عهد إبراهيم الخليل (صلى الله عليه و سلم) و العهد النبوي إلى العصر الحاضر، و في رأيي أنه لا يمكن الجزم بصحة المسافة الواقعة بين المسجد الحرام و تلك الأنصاب، إلا إذا تشكلت لجنة من مهندسين معماريين ممن لهم علم و تخصص بفن المساحة، و من بعض من لهم علم بفن الجغرافيا، و بعض الفقهاء الذين اعتنوا بضبط حدد الحرم من الوجهة الشرعية، و عهد إليها بذرع المسافة المذكورة بالمتر، و ذراع العمل المعماري، لأن هذين المقاسين قد عرفا، و هما لا يقبلان الشك و التردد، لأن ذراع اليد يختلف بحسب جسامة الإنسان، و هو يتراوح بين (46) سنتمتر و (52) سنتمتر، و هذان المقاسان لا يقبلان الزيادة و لا النقصان، و يكون مبدأ القياس من أبواب المسجد الحرام، أو من الكعبة المعظمة، و بعد ذلك تظهر الحقيقة و يعلم نوع الميل الذي قدر فيما سبق لتلك المسافة، و وجه الخلاف الذي وقع بين العلماء في ذلك، كما قد

107

عملته في ذرع المسجد الحرام، و شارع المسعى، و أظهرت سبب الخلاف الواقع في مساحة المسجد من جهة نوع الذراع و مبدأ الذرع، حيث أن ذرع المسافة بين المسجد و حدود الحرم، لا يتأتى ضبطها من فرد، إذ ربما يقع عليه السهو و الغلط، و يدخله الشك، و أما إذا كانوا جماعة أخصائيين، فلا ريب أنهم يضبطون ذلك بكل دقة و بدون أي تردد في صحة ذرعهم، و ليس ذلك بالأمر الصعب على من أراد تشكيل تلك اللجنة، و اللّه الموفق للصواب.

قال النووي في مناسكه (الإيضاح): فحد الحرم من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت بني غفار، على ثلاثة أميال من مكة. و من طريق اليمن طرف (أضاة لبن) في ثنية لبن، على سبعة أميال. و من طريق العراق على ثنية (جبل المقطع)، على سبعة أميال من مكة. و من طريق الجعرانة في شعب آل عبد اللّه بن خالد، تسعة أميال من مكة. و من طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة، سبعة أميال من مكة. و من طريق جدة منقطع الأعشاش، على عشرة أميال من مكة.

ثم قال النووي: فهذا حد ما جعله اللّه عز و جل حرما، لما اختص به من التحريم، و بائن بحكمة سائر البلاد، هكذا ذكر حدوده أبو الوليد الأزرقي في كتابه أخبار مكة، و أصحابنا في كتب الفقه، و الماوردي في الأحكام السلطانية و آخرون، إلا أن الأزرقي قال في حده من طريق الطائف أحد عشر ميلا، و الجمهور قالوا سبعة، و لم يذكر الماوردي حده من جهة اليمن.

ثم قال النووي: فاعتمد ما ضبطته لك من حدود الحرم فما أظنك تجده أوضح و لا أتقن من هذا، و اعلم أن الحرم عليه علامات من جوانبه كلها، و منصوب عليها أنصاب و هي الآن بينة و للّه الحمد. ا ه.

قال صاحب تاريخ المسجد الحرام أيضا: و قد جزم الإمام النووي، أن ذرع المسافة الواقعة بين المسجد الحرام و الأنصاب، هي كما أوضحها، و يدل ذلك على أنه قد اطلع على الخلاف الواقع بين العلماء في ذلك، و اختار من تلك الأقوال ما جزم به، و الظاهر أن الميل الذي اعتمد عليه النووي، هو أربعة آلاف ذراع يد، و الأربعة الآلاف الذراع اليد على حسب ما هو مقدر على الحالة الوسطى باعتباره (48) سنتيمتر، يكون الميل هو عبارة عن (1920) مترا. و اللّه أعلم.

و ذكر ابن حجر الهيثمي المكي، في شرح مناسك الإيضاح، منظومة تحتوي على عموم حدود الحرم من الجهات كلها، و ها هي:

108

و للحرم التحديد من أرض طيبة* * * ثلاثة أميال إذا رمت إتقانه‏

و سبعة أميال عراق و طائف‏* * * و جدة عشر ثم تسع جعرانه‏

و من يمن سبع بتقديم سينها* * * و قد كملت فاشكر لربك إحسانه‏

و هذه الحدود المنظومة، هي عين الحدود الذي ذكرها النووي فيما تقدم، و الظاهر أن الشاعر نظم تلك الحدود بعينها بدون زيادة أو نقصان، و اللّه أعلم.

انتهى كل ذلك من كتاب تاريخ عمارة المسجد الحرام.

هذا و نختم هذا الفصل باقتراح مهم عن مسألة حدود الحرم و أنصابه و هو: أن حكومتنا الموفقة، قامت الآن بتوسعة المسجد الحرام، تلك التوسعة العظيمة، التي يضرب بها المثل في أنحاء المعمورة، و قد استقدمت لهذا الغرض كبار المهندسين و الجغرافيين الشهيرين من الممالك الإسلامية.

فنقترح أن تشكل لجنة كبيرة من هؤلاء المهندسين و الجغرافيين، و من كبار العلماء العارفين لمعالم البلاد و حدود الحرم و أقوال الفقهاء و المؤرخين، بل و من المعمرين من البدو و العرب المقيمين حول حدوده من جميع جهاته، فيحددوا معالم الحرم و يقيسوه بالمتر و الذراع المعماري، من مركز الكعبة المشرفة إلى انتهاء الحرم من كل جهة، لأن الكعبة لن يتغير موضعها إلى يوم القيامة.

و أيضا يجددوا بناء أنصاب الحرم و علاماته بالإسمنت و الخراسانة المسلحة، و أن يكثروا من هذه الأنصاب و العلامات، فبدل أن كانت في كل جهة علامتان، فلتكن خمسين علامة أو أكثر في كل جهة. و أن يكتبوا بالنقر على الحجر ما يعلم منه الحدود، و يضعوا هذه الكتابة على كل علامة مبنية في جميع الأطراف.

و بهذا العمل الجليل يتبين معالم الحرم بالضبط التام من جميع الجهات، و يعرف قياس كل جهة من الحرم بالمتر أو بالذراع المعماري اللذين لا يختلفان، معرفة تامة، و بهذا يرتفع الشك و الخلاف بين العلماء و المؤرخين بعد الآن في بيان القياسات من كل الجهات. و تنفيذ هذا الاقتراح بالنسبة لحكومتنا السنية، من أيسر الأمور إن شاء اللّه تعالى. اللهم وفقنا لما فيه رضاؤك و اهدنا إلى طرق الاستقامة و الرشاد آمين.

109

فضل الحرم و خصائصه و تعظيمه‏

قال اللّه عز و جل: وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَ عَهِدْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ* وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ عَذابِ النَّارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ و السبب أن إبراهيم (عليه السلام) قال: وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ‏ و لم يقل من الحبوب، لأنها لم تكن موجودة في ذلك الزمن، كما قال النبي (صلى الله عليه و سلم):" لم يكن لهم يومئذ حب و لو كان لهم لدعا لهم فيه حين دعا لهم إبراهيم (عليه السلام)"، رواه الشيخان. و قال عز شأنه: أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى‏ إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏. و قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ، وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ* وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ.

و قد أقسم سبحانه بمكة فقال: وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ* وَ طُورِ سِينِينَ* وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏. و قال: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَ لَهُ كُلُّ شَيْ‏ءٍ وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏. و قال: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ‏. و قال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ‏. و قال: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏. و قال (صلى الله عليه و سلم)، في خطبته يوم فتح مكة:" إن هذا البلد حرمه اللّه يوم خلق السموات و الأرض و إنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي و لم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه و لا ينفر صيده"، إلى آخر قوله (صلى الله عليه و سلم)، و قال:" إن إبراهيم حرم بيت اللّه و أمنه و إني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاهما و لا يصاد صيدهما". و العضاة بكسر العين المهملة و تخفيف الضاد: كل شجر فيه شوك.

110

و قال ابن مسعود في قوله عز و جل: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ الآية: لو أن رجلا هم فيه بإلحاد و هو بعدن أبين لأذاقه اللّه عز و جل عذابا أليما. و عدن أبين:

هو مدينة عدن المعروفة على الساحل. و هناك في جبل صبر من أعمال صنعاء قرية لطيفة تسمى عدن لاعة، قاله صاحب معجم البلدان. و في أخبار مكة للأزرقي:

حدثنا أبو الوليد، حدثني جدي عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: كان يعجبهم إذا قدموا مكة أن لا يخرجوا منها حتى يختموا القرآن. و جاء فيه: قال ابن جريج: بلغني أن الرجل كان يلقى قاتل أخيه أو أبيه في الكعبة، أو في الحرم، أو في الشهر الحرام، فلا يعرض له، أو محرما أو مقلدا هديا قد بعث به فلا يعرض له، و هم يغير بعضهم على بعض فيقتلون و يأخذون الأموال في غير ذلك، فجعل اللّه ذلك قياما لهم لولا ذلك لم يكن لهم بقية، و جاء فيه عن عكرمة ابن خالد أنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. و عن ابن الزبير قال: قال ابن عمر: لو وجدت فيه قاتل عمر ما ندهته، و عن ابن عباس قال: إذا دخل القاتل الحرم لم يجالس و لم يبايع و لم يؤو و يأتيه الذي يطلبه فيقول: يا فلان اتق اللّه في دم فلان، و اخرج من الحرم، فإذا خرج أقيم عليه الحد. و عن عطاء أن غلاما من قريش قتل حمامة من حمام الحرم فقال ابن عباس فيه شاة. و به قال سفيان، عن يحيى ابن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: في حمام مكة شاة. و عن جريج، عن مجاهد قال: أمر عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، بحمامة فأطيرت فوقعت على المروة فأخذتها حية فجعل فيها عمر شاة. و عن جريج قال: قلت لعطائكم في بيضة من بيض حمام مكة؟

قال: نصف درهم، بين البيضتين درهم. و قال عطاء: في بيضة كسرت فيها فرخ درهم (و مقدار الدرهم ربع روبية هندية أو ربع ريال عربي تقريبا).

و عن عبد اللّه بن نافع، عن أبيه، قال: كان ابن عمر يغشاه الحمام على رحله و طعامه و ثيابه ما يطرده، و كان ابن عباس يرخص أن يكشكش.

و عن عطاء أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، أبصر رجلا يعضد على بعير له في الحرم فقال له: يا عبد اللّه أن هذا حرم اللّه، لا ينبغي لك أن تصنع فيه هذا.

فقال الرجل: إني لم أعلم يا أمير المؤمنين. فسكت عمر عنه. و يعضد: أي يقطع.

111

و عن ابن جريج قال: حدثني مزاحم، عن أشياخ له، عن عبد اللّه بن عامر، كان يقطع الدوحة من داره بالشعب من السمر و السلم، و يغرم عن كل دوحة بقرة، و عن خالد بن مضرس: أن رجلا من الحاج قطع شجرة من منزله بمنى، قال: فانطلقت به إلى عمر بن عبد العزيز فأخبرته خبره، فقال: صدق كانت ضيقت علينا منزلنا و مناخنا، فتغيظ عليه عمر ثم قال: ما رأيته إلا دينه، و في رواية إسماعيل بن أمية: فتغيظ عليه عمر ثم أمره أن يفيدها. و جاء فيها أيضا: أن قوما انتهوا إلى ذي طوى و نزلوا بها، فإذا ظبي قد دنا منهم، فأخذ رجل منهم بقائمة من قوائمه، فقال له أصحابه: و يحك أرسله. قال: فجعل يضحك و يأبى أن يرسله، فبعر الظبي و بال، ثم أرسله، فناموا من القابلة، فانتبه بعضهم، فإذا بحية منطوية على بطن الرجل الذي أخذ الظبي، فقال له أصحابه: و يحك لا تتحرك و انظر ما على بطنك، فلم تنزل الحية عنه، حتى كان منه من الحدث مثل ما كان من الظبي.

و جاء فيه أيضا: دخل قوم مكة تجارا من الشام في الجاهلية بعد قصي بن كلاب، فنزلوا بذي طوى تحت سمرات يستظلون بها فاختبزوا ملة لهم و لم يكن معهم أدم، فقام رجل منهم إلى قوسه، فوضع عليها سهما، ثم رمى به ظبية من ظباء الحرم و هي حولهم ترعى فقاموا إليها فسلخوها و طبخوا لحمها ليأتدموا به، فبينما قدرهم على النار تغلي بلحمه و بعضهم يشوي، إذ خرجت من تحت القدر عنق من النار عظيمة فأحرقت القوم جميعا و لم تحرق ثيابهم و لا أمتعتهم و لا السمرات اللاتي كانوا تحتها. السمرات جمع سمرة بفتح فسكون: شجر الطلح، و هو نوع من العضاة. و الملة بفتح الميم: قيل الحفرة التي تحفر للخبز، و قيل التراب الحار و الرماد. انتهى كل ذلك من كتاب أخبار مكة للأزرقي.

و يروى أن رجلا اصطاد بوادي محسر الذي بين مزدلفة و منى، فنزلت نار فأحرقته، و لذلك يسمى أيضا بوادي النار.

و روى عبد الأعلى بن عبد اللّه بن عامر قال: قدمت مع أمي أو مع جدتي مكة، فأتينا صفية بنت شيبة، فأرسلت إلى الصفا فقطعت حجرا من جنابه فخرجنا به، فنزلنا أول منزل فذكر من علتهم جميعا، فقالت أمي أو جدتي: ما أرانا أتينا إلا أنا أخرجنا هذه القطعة من الحرم. قال: و كنت أمثلهم فقالت لي:

انطلق بهذه القطعة إلى صفية فردها، و قل لها أن اللّه عز و جل وضع في حرمه شيئا

112

لا ينبغي أن يخرج منه، قال عبد الأعلى: فما هو إلا أن أتمينا ذلك فكأنما نشطنا من عقال. ا ه. من المجموع. و صفية هذه صحابية قرشية. و قد روى الشافعي و البيهقي مثله لكن بلفظ آخر.

أما ما يمتاز به الحرم من الخصائص و الفضائل على غيره من الأرض، فشي‏ء لا يمكن حصره، و لكن نذكر بعضا من ذلك ملخصا من كتاب الجامع اللطيف لابن ظهيرة القرشي، مع بعض زيادات. (فمن ذلك): ما روي عن جابر بن عبد اللّه، رضي اللّه عنه، عن النبي (صلى الله عليه و سلم)، أنه قال:" لما عقر ثمود الناقة و أخذتهم الصيحة لم يبق منهم أحد إلا رجلا واحدا كان في حرم اللّه عز و جل فمنعه الحرم فقالوا: من هو يا رسول اللّه؟ فقال أبو رغال أبو ثقيف فلما خرج من الحرم أصابه من أصاب قومه". قوله أبو ثقيف: يعني جدهم.

(و منها) أنه لا يدخل أحد الحرم إلا بإحرام بحج أو عمرة. روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال:" كانت الأنبياء (عليهم السلام) يدخلون الحرم مشاة حفاة". و عنه أيضا أنه قال: حج الحواريون فلما بلغوا الحرم مشوا تعظيما له.

(و منها) تحريم صيده و قطع شجره و حشيشه، سواء في ذلك أهل الحرم و غيرهم، و سواء المحرم و الحلال.

(و منها) أن يمنع الكفار من دخول الحرم، فليس على وجه الأرض بلدة خالية من الكفار سوى الحرمين الشريفين مكة و المدينة.

(و منها) تحريم إخراج أحجاره و ترابه إلى الحل، و كراهة إدخال ذلك من الحل إلى الحرم.

(و منها) أن ذبح دماء الهدايا و الجبرانات لا يجزئ إلا في الحرم.

(و منها) أن المتمتع و القارن إذا كانا من أهل الحرم، لا دم عليهما لكونهما من حاضري المسجد الحرام.

(و منها) أنه لا يحل حمل السلاح بالحرم لغير ضرورة عند مالك و الشافعي، لما رواه مسلم عن جابر رضي اللّه عنه، أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال:" لا يحل حمل السلاح بمكة".

(و منها) أن الدجال لا يدخل مكة و لا المدينة كما في الصحيح.

113

(و منها) أن الصلاة سواء كانت سنة الطواف و غيرها، لا تكره في أي وقت من الأوقات في حرم مكة سواء المسجد و غيره، لخبر:" يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت و صلى فيه أية ساعة شاء من ليل أو نهار"، رواه الترمذي و غيره، بخلاف خارج حرم مكة و بخلاف حرم المدينة و بيت المقدس، فإن الصلاة التي لا سبب لها لا تصلى فيها في خمسة أوقات كما هو معروف في كتب الفقه.

(و منها) تضاعف الحسنات في مكة و بالأخص الصلاة في المسجد الحرام كما في حديث ابن الزبير رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، و صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في مسجدي". رواه الإمام أحمد. ا ه.

و في بعض الروايات:" صلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة". و لا فرق في التضعيف بين الفرض و النفل. و اختلفوا في المراد بالمسجد الحرام الذي تضاعف فيه الصلاة على سبعة أقوال، قيل: الكعبة المعظمة و المسجد حولها، و قيل مكة، و قيل جميع الحرم، و قيل غير ذلك، راجع العزيز بن علي الجامع الصغير، و روي مرفوعا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما:" من حج من مكة ماشيا حتى يرجع إلى مكة كتب اللّه له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قيل له و ما حسنات الحرم؟ قال: بكل حسنة مائة ألف حسنة".

و ذكر الأزرقي في أخبار مكة" أن النبي (صلى الله عليه و سلم)، حين استعمل عتاب بن أسيد على مكة، قال: هل تدري على من استعملتك؟ استعملتك على أهل اللّه فاستوصي بهم خيرا يقولها ثلاثا"، و عن ابن عباس أنه (صلى الله عليه و سلم)، قال لمقبرة مكة:" نعم المقبرة هذه".

و قال عليه الصلاة و السلام:" الحجون و البقيع يؤخذ بأطرافهما و ينثران في الجنة"، و هما مقبرتا مكة و المدينة. و قال:" من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا".

انتهى من كتابنا" إرشاد الزمرة لمناسك الحج و العمرة".

114

تعظيم الحرم الشريف‏

جاء في تاريخ الأزرقي عند الكلام على تعظيم الحرم، و تعظيم الذنب فيه، و الإلحاد فيه ما نصه:

حدثنا أبو الوليد، حدثني جدي، حدثنا سفيان، عن مسعر، عن مصعب بن شيبة، عن عبد اللّه بن الزبير قال: إن كانت الأمة من بني إسرائيل لتقدم مكة فإذا بلغت ذا طوى خلعت نعالها تعظيما للحرم. قال الغازي في تاريخه: حج أبو جعفر المنصور، سنة ست و ثلاثين و مائة، قبل أن يستخلف، فلما وصل إلى الحرم نزل و خلع نعليه و مشى حافيا تعظيما للحرم. انتهى.

قال الأزرقي: حدثنا أبو الوليد، حدثنا عمر بن حكام البصري، عن شعبة، عن منصور، عن مجاهد، في قوله تعالى: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ‏. قال: كان لعبد اللّه ابن عمرو بن العاص فسطاطان أحدهما في الحل، و الآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، و إذا أراد أن يصلي صلى في الحرم، فقيل له في ذلك، فقال: إنا كنا نتحدث أن من الإلحاد في الحرم أن يقول: كلا و اللّه و بلى و اللّه.

حدثنا أبو الوليد، حدثني جدي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال:

كان يعجبهم إذا قدموا مكة أن لا يخرجوا منها حتى يختموا القرآن.

حدثنا أبو الوليد، و حدثني جدي، عن سفيان بن إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس عن ابن عباس قال: استأذنني الحسين بن علي في الخروج فقلت: لولا أن يرزأ بي أو بك لتشبثت بيدي في رأسك، فكان الذي رد علي من قول: لأن أقتل بمكان كذا و كذا أحب إلي من أن تستحل حرمتها بي- يعني الحرم- فكان ذلك الذي سلا نفسي عنه. قال: ثم يقول طاووس: و اللّه ما رأيت أحدا أشد تعظيما للمحارم من ابن عباس رضي اللّه عنه، و لو شاء أن أبكي لبكيت.

حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، حدثنا يحيى بن سليم، حدثنا عبد اللّه بن صفوان الوهطي قال: سمعت أبي يقول: بلغني أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قال:

سكن مكة حي من العرب، فكانوا يكرون الظلال و يبيعون الماء، فأبدلها اللّه تعالى بهم قريشا، فكانوا يظلون في الظلال و يسقون الماء.

115

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي و إبراهيم بن محمد قالا: أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه قال: لم تكن كبار الحيتان تأكل صغارها في الحرم من زمن الغرق. قال: حدثني جدي و إبراهيم بن محمد، عن مسلم بن خالد، عن ابن خيثم قال: كان بمكة حي يقال لهم: العماليق فأحدثوا فيها أحداثا فنفاهم اللّه عز و جل منها فجعل يقودهم بالغيث، و يسوقهم بالسنة، يصنع الغيث أمامهم فيذهبون فلا يجدون شيئا، فيتبعون الغيث حتى ألحقهم اللّه تعالى بمساقط رؤوس آباءهم و كانوا من حمير، ثم بعث اللّه عليهم الطوفان، قال الزنجي: فقلت لابن خيثم: و ما كان الطوفان؟ قال: الموت. انتهى منه.

و فيه أيضا حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي و إبراهيم بن محمد الشافعي قالا: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن خيثم، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللّه، أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، لما نزل الحجر (أي مدائن صالح) في غزوة تبوك قام فخطب الناس، فقال: يا أيها الناس لا تسألوا نبيكم عن الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث اللّه لهم آية، فبعث اللّه لهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفج فتشرب ماءهم يوم وردها، و يشربون من لبنها مثل ما كانوا يتروون من مائهم من غبها، إلا و تصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، فعقروها فوعدهم اللّه ثلاثة أيام، فكان موعد من اللّه تعالى غير مكذوب، ثم جاءتهم الصيحة، فأهلك اللّه من كان في مشارق الأرض و مغاربها منهم، إلا رجلا كان في حرم اللّه، فمنعه حرم اللّه من عذاب اللّه، فقالوا: يا رسول اللّه، و من هو؟ قال: أبو رغال.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، عن مسلم بن خالد، عن أيوب بن موسى، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه قال: أيها الناس إن هذا البيت لاق ربه فسائله عنكم ألا فانظروا فيما هو سائلكم عنه من أمره ألا و اذكروا إذ كان ساكنه لا يسفكون فيه دما حراما، و لا يمشون فيه بالنميمة.

و فيه أيضا: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا أحمد بن ميسرة المكي، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن أبيه، أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، كان يقول: لخطيئة أصيبها بمكة أعز علي من سبعين خطيئة أصيبها بركبة، و به قال أحمد بن ميسرة، عن عبد المجيد بن عبد العزيز، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، كان يقول لقريش: يا معشر قريش الحقوا بالأرياف فهو أعظم لأخطاركم، و أقل لأوزاركم، و به قال: حدثني أحمد بن ميسرة، عن عبد المجيد بن عبد العزيز، عن‏

116

أبيه قال: أخبرت أن سعيد بن المسيب رأى رجلا من أهل المدينة بمكة فقال:

ارجع إلى المدينة، فقال الرجل: إنما جئت أطلب العلم، فقال سعيد بن المسيب:

أما إذا أبيت فإنا كنا نسمع أن ساكن مكة لا يموت حتى يكون عنده بمنزلة الحل لما يستحل من حرمتها، و به عن عبد المجيد بن عبد العزيز، عن أبيه قال: أخبرت أن عمر بن عبد العزيز، قدم مكة و هو إذ ذاك أمير، فطلب إليه أهل مكة أن يقيم بين أظهرهم بعض المقام و ينظر في حوائجهم، فأبى عليهم، فاستشفعوا إليه بعبد اللّه بن عمر بن عثمان، قال فقال له: اتق اللّه، فإنها رعيتك و إن لهم عليك حقا، و هم يحبون أن تنظر في حوائجهم فذلك أيسر عليهم من أن ينتابوك بالمدينة، قال: فأبى عليه قال: فلما أبى له عبد اللّه بن عمرو: أما إذا أبيت فأخبرني لم تأبى؟ فقال له عمر: مخافة الحدث بها، و قال عبد العزيز: و أخبرت أن عمر بن عبد العزيز وافقه شهر رمضان بمكة، فخرج فصام بالطائف.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، حدثنا يحيى بن سليم قال: سمعت ابن خيثم يحدث عن عثمان أنه سمع ابن عمر يقول: احتكار الطعام بمكة للبيع إلحاد، و به حدثنا يحيى بن سليم، حدثنا عثمان بن الأسود، عن مجاهد قال: بيع الطعام بمكة إلحاد، قال عثمان: يعني أن يشتري هاهنا و يبيع ها هنا و لا يعني الجالب، و به حدثنا يحيى بن سليم، عن ابن خيثم، عن عبيد اللّه بن عياض، عن يعلى بن منبه، أنه سمع عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول: يا أهل مكة، لا تحتكروا الطعام بمكة، فإن احتكار الطعام بمكة للبيع إلحاد.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان ابن ساج قال: قال مجاهد: و من يرد فيه بإلحاد بظلم يعمل عملا سيئا، و قال غيره:

المسجد الحرام و المشركون صدوا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عن المسجد، و عن سبيل اللّه يوم الحديبية.

حدثنا أبو الوليد، حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج في قوله عز و جل: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ‏ استحلالا متعمدا، قال: و قال ابن جريج أيضا، قال ابن عباس: و الشرك.

و فيه أيضا: حدثنا أبو الوليد قال: أخبرني جدي عن سعيد، عن عثمان، أخبرني المثنى بن الصباح عن عطاء بن أبي رباح، حدثني إسماعيل بن جليحة قال:

كان عبد اللّه بن عمر، إذا طاف بين الصفا و المروة دخل على خالة له فقال: أين‏

117

ابنك؟ فقالت: بأبي أنت و أمي يخرج إلى هذا السوق، فيشتري من السمراء و يبيعها. قال: فمريه لا يقربن من ذلك شيئا فإنه إلحاد. قال عثمان: قال مجاهد:

العاكف فيه، الساكن فيه و البادي الجالب، قال عثمان: و أخبرني محمد بن السائب الكلبي قال: العاكف أهل مكة، و أما البادي فمن أتاه من غير أهل البلد، قال عثمان: و أخبرني يحيى بن أبي أنيسة قال: قال إسماعيل: سمعت مرة الهمداني يقول: سمعت عبد اللّه بن مسعود يقول: ليس أحد من خلق اللّه تعالى يهم بسيئة فيها، فيؤخذ بها و لا تكتب عليه، حتى يعملها غير شي‏ء واحد، قال: ففزعنا لذلك، فقلنا ما هو يا أبا عبد الرحمن؟ فقال عبد اللّه: من هم أو حدث نفسه بأن يلحد بالبيت أذاقه اللّه عز و جل من عذاب أليم، ثم قرأ: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ‏، قال عثمان: و أخبرني يحيى بن أبي أنيسة قال: قال السدي: الإلحاد الاستحلال، فإن قوله عز و جل: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ، يعني الظلم فيه فيقول: من يستحله ظالما فيتعدى فيه فيحل فيه ما حرم اللّه تعالى، قال عثمان: و أخبرني المثنى ابن الصباح قال: بلغني أن عبد اللّه بن عمرو بن العاص و عبد اللّه بن الزبير كانا جالسين، فقال عبد اللّه بن عمرو بن العاص: إني لأجد في كتاب اللّه عز و جل رجلا يسمى عبد اللّه عليه نصف عذاب هذه الأمة، فقال عبد اللّه بن الزبير: لئن كنت وجدت هذا في كتاب اللّه تعالى إنك لأنت هو، قال: و إنما أراد عبد اللّه بن عمرو بهذا أي فلا يستحل القتال في الحرم.

حدثنا أبو الوليد، حدثنا محمد بن عبد اللّه بن سليمان بن منصور السهامي، حدثنا محمد بن زياد عن ابن قرة، عن عثمان بن الأسود بسنده، إما عن مجاهد، و إما عن غير ذلك قال: من أخرج مسلما من ظله في حرم اللّه تعالى من غير ضرورة، أخرجه اللّه تعالى من ظل عرشه يوم القيامة.

حدثنا أبو الوليد: حدثني جدي عن سفيان بن عيينة، عن سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن مجاهد و عطاء في قوله تعالى: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ قال: العاكف أهل مكة، و البادي الغرباء سواء هم في حرمته.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا جدي، حدثنا مسلم بن خالد عن ابن جريج قال: حدثني إسماعيل بن أمية أن عمر بن الخطاب قال: لأن أخطئ سبعين خطيئة بركبة، أحب إلي من أن أخطئ خطيئة واحدة بمكة، قال ابن جريج، قال مجاهد:

حذر عمر قريشا الحرم، قال: و كان بها ثلاثة أحياء من العرب فهلكوا. لأن‏

118

أخطئ اثنتي عشرة خطيئة بركبة، أحب إلي من أن أخطئ خطيئة واحدة إلى ركنها، قال ابن جريج: بلغني أن الخطيئة بمكة مائة خطيئة و الحسنة على نحو ذلك. و قال ابن جريج: حدثني إبراهيم حديثا رفعه إلى فاطمة السهمية عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: الإلحاد في الحرم ظلم الخادم فما فوق ذلك.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، حدثنا إبراهيم، حدثنا محمد بن سوقة عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: حج الحواريون فلما دخلوا الحرم مشوا تعظيما للحرم.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، حدثنا إبراهيم بن محمد عن أبان بن أبي عياش، عن عبد الرحمن بن سابط أنه سمع عبد اللّه بن عمر و هو جالس في الحجر يطعن بمخصرته في البيت و هو يقول: انظروا ما أنتم قائلون غدا إذا سئل هذا عنكم و سئلتم عنه و اذكروا إذ عامره لا يتجر فيه بالربا، و لا يسفك فيه الدماء، و لا يمشي فيه بالنميمة.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، حدثنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني صفوان بن سليم عن فاطمة السهمية، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال:

الإلحاد في الحرم شتم الخادم فما فوق ذلك ظلما. انتهى من تاريخ الأزرقي.

نقول: قال عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه عنهما: إن كانت الأمة من بني إسرائيل لتقدم مكة، فإذا بلغت ذا طوى خلعت نعالها تعظيما للحرم. و لما حج أمير المؤمنين المنصور، (رحمه اللّه تعالى)، في سنة (136) هجرية و وصل الحرم، نزل و خلع نعليه و مشى حافيا تعظيما للحرم.

و في تاريخ الأزرقي عن طاووس، عن ابن عباس قال: إذا دخل القاتل الحرم لم يجالس، و لم يبايع، و لم يؤو، و يأتيه الذي يطلبه فيقول: يا فلان اتق اللّه في دم فلان و اخرج من المحارم، فإذا خرج أقيم عليه الحد.

و فيه أيضا: قال ابن جريج: أخبرني عكرمة بن خالد قال: قال عمر: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه.

قال ابن جريج: و بلغني أن الرجل كان يلقى قاتل أخيه، أو أبيه في الكعبة، أو في الحرم، أو في الشهر الحرام، فلا يعرض له أو محرما أو مقلدا هديا قد بعث به،

119

فلا يعرض له و هم يغير بعضهم على بعض فيقتلون و يأخذون الأموال في غير ذلك، فجعل اللّه ذلك قياما لهم لولا ذلك لم يكن لهم بقية.

و فيه أيضا: عن عطاء عن ابن عباس، أن غلاما من قريش قتل حمامة من حمام الحرم، قال ابن عباس: فيه شاة و به قال سفيان عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: في حمام مكة شاة.

و فيه أيضا: عن ابن جريج، عن مجاهد قال: أمر عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، بحمامة فأطيرت فوقعت على المروة، فأخذتها حية، فجعل فيها عمر شاة.

و فيه أيضا: قال عطاء في بيضة كسرت و فيها فرخ قال: درهم، و قال رجل لعطاء: اجعل بيضة دجاجة تحت حمام بمكة. قال: لا، أخشى أن يضر ذلك بيضها.

و فيه أيضا: عن خالد بن مضرس، أن رجلا من الحاج قطع شجرة من منزله بمنى، قال: فانطلقت به إلى عمر بن عبد العزيز فأخبرته خبره، قال: صدق كانت ضيقت علينا منزلنا و مناخنا. فتغيظ عليه عمر ثم قال: ما رأيته إلا دينه.

و فيه أيضا: عن عبد اللّه بن نافع عن أبيه قال: كان ابن عمر يغشاه الحمام على رحله و طعامه و ثيابه ما يطرده، و كان ابن عباس يرخص أن يكشكش.

و عن محمد بن يزيد بن خنيس، عن عبد العزيز بن أبي داود: أن قوما انتهوا إلى ذي طوى و نزلوا بها فإذا ظبي قد دنا منهم فأخذ رجل منهم بقائمة من قوائمه، فقال له أصحابه: و يحك أرسله، قال: فجعل يضحك و يأبى أن يرسله.

فبعر الظبي و بال ثم أرسله، فناموا في القايلة، فانتبه بعضهم فإذا بحية منطوية على بطن الرجل الذي أخذ الظبي، فقال له أصحابه: و يحك لا تتحرك و انظر ما على بطنك. فلم تنزل الحية عنه حتى كان منه من الحدث ما كان من الظبي.

و فيه أيضا: عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد: قال دخل قوم مكة تجارا من الشام في الجاهلية بعد قصي بن كلاب، فنزلوا بذي طوى تحت سمرات يستظلون بها، فاختبزوا ملة لهم (أي خبزا لهم) و لم يكن معهم أدم، فقام رجل منهم إلى قوسه فوضع عليها سهما، ثم رمى به ظبية من ظباء الحرم و هي حولهم ترعى، فقاموا إليها فسلخوها و طبخوا لحمها ليأتدموا به، فبينما قدرهم على النار تغلي‏

120

بلحمة و بعضهم يشتوي، إذ خرجت من تحت القدر عنق من النار عظيمة، فأحرقت القوم جميعا، و لم تحرق ثيابهم و لا أمتعتهم و لا السمرات التي كانوا تحتها.

و فيه أيضا: عن سالم بن عبد اللّه، عن أبيه: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: خمس من الدواب لا جناح على من قتلهن و هو محرم و في الحرم: الغراب و الحدأة و الفأرة و الكلب العقور و العقرب.

و فيه أيضا: عن ابن أبي رواد، عن أبيه قال: سمعت غير واحد من الفكهاء يذكرون أنه يكره أن يخرج أحد من الحرم من ترابه أو حجارته بشي‏ء إلى الحل.

قال: و يكره أن يدخل من تراب الحل أو حجارته إلى الحرم بشي‏ء أو يخلط بعضه ببعض.

و فيه أيضا: عن عبد المجيد، عن أبيه قال: أخبرني بعض من كنا نأخذ عنه، أن ابن الزبير تقدم يوما إلى المقام ليصلي وراءه، فإذا حصى بيض أتي بها و طرحت هنالك، فقال: ما هذه البطحاء؟ قال: فقيل له: أنه حصى أتي بها من مكان كذا و كذا خارج من الحرم. قال، فقال: القطوه و ارجعوا به إلى المكان الذي جئتم به منه و أخرجوه من الحرم، و قال: لا تخلطوا الحل بالحرم.

و فيه أيضا: عن عبد المجيد بن أبي رواد، عن أبيه قال: و أدركتهم أنا بمكة و إنما يؤتى ببطحاء المسجد من الحرم.

انتهى كل ذلك ملخصا من تاريخ الأزرقي، و في ذلك كفاية لمن اعتبر.

بعض ما ورد في القرآن الكريم في فضل المسجد الحرام‏

قال اللّه تبارك و تعالى في سورة البقرة: وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَ عَهِدْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ* وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ، قالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ عَذابِ النَّارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ* وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ*

121

رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ [125- 129]. و قال عز شأنه في سورة آل عمران: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ، وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏ [96- 97]. و قال جل جلاله في سورة المائدة: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَ الشَّهْرَ الْحَرامَ وَ الْهَدْيَ وَ الْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ [97]. و قال سبحانه و تعالى في سورة إبراهيم: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ* رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ* رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَ ما نُعْلِنُ، وَ ما يَخْفى‏ عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ* رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَ تَقَبَّلْ دُعاءِ* رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ‏ [35- 41]. و قال جل جلاله في سورة الحج: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ* وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ* ذلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وَ أُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ* حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ، وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ* ذلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ* لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏ [25- 33].

122

و لقد أحصى الشيخ عبد الوهاب النجار، (رحمه اللّه تعالى)، سور القرآن التي ورد فيها ذكر سيدنا إبراهيم (عليه السلام)، و الآيات الكريمة. و فيما يلي هذا الإحصاء، نقلناه من كتاب أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة و السلام:

رقم متسلسل/ السورة/ رقم السورة/ رقم الآيات 1/ البقرة/ 2/ 124، 125، 126، 127، 130، 132، 133، 135، 136، 140، 258، 260

2/ آل عمران/ 3/ 33، 35، 67، 68، 74، 95، 97

3/ النساء/ 4/ 54، 125، 163

4/ الأنعام/ 6/ 74، 75، 83، 151

5/ التوبة/ 9/ 70، 114

6/ هود/ 11/ 69، 74، 75، 76

7/ يوسف/ 12/ 6، 38

8/ إبراهيم/ 14/ 36

9/ الحجر/ 15/ 51

10/ النحل/ 16/ 120، 123

11/ مريم/ 19/ 41، 46، 58

12/ الأنبياء/ 21/ 51، 60، 62، 69

13/ الحج/ 22/ 26، 43، 78

14/ الشعراء/ 26/ 69

15/ العنكبوت/ 29/ 16، 31

16/ الأحزاب/ 33/ 7

17/ الصافات/ 37/ 83، 104، 109

18/ ص/ 38/ 45

19/ الشورى/ 42/ 13

20/ الزخرف/ 43/ 26

21/ الذاريات/ 51/ 24

22/ النجم/ 53/ 27

23/ الحديد/ 57/ 26

123

24/ الممتحنة/ 60/ 4

25/ الأعلى/ 87/ 19

الكلام على قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ... الآية

قال اللّه تعالى في سورة آل عمران: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ، وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً، وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏.

قال الإمام الأزرقي عند الكلام على هذه الآية: حدثني جدي عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج قال: أخبرني ابن جريج قال: بلغنا أن اليهود قالت:

بيت المقدس أعظم من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء و لأنه في الأرض المقدسة، و قال المسلمون الكعبة أعظم، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه و سلم) فنزل: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً- حتى بلغ- فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏، و ليس ذلك في بيت المقدس، وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً و ليس ذلك في بيت المقدس. انتهى من الأزرقي.

نقول: الذي نفهمه من هذه الآية الكريمة: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ هو أن اللّه عز شأنه، جعل بيته الشريف أول بيت بني لعبادته جل جلاله بكيفية مخصوصة، و هي الطواف حوله و استلام الركن الأسود، و الوقوف عند بابه بالملتزم بذلة و خضوع و انكسار و خشوع، و استقباله و التوجه إليه في الصلاة حال القرب و البعد، إلى غير ذلك مما اختصه اللّه تعالى من المزايا و الأسرار.

على أن المساجد كلها تسمى بيوت اللّه، قال تعالى في سورة النور: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ* رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ... الآية، و لكن شأن تلك المساجد، غير شأن هذا المسجد الحرام الذي فيه بيت اللّه المعظم الذي يتوجه إليه كل من صلى في تلك المساجد، أو صلى في غيرها في أي بقعة من بقاع الأرض. و لقد بين اللّه عز و جل علامات بيته الحرام في الآية السابقة بقوله: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ‏

124

إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا حتى يعرفه الناس تماما، فلا يدعي قوم بأن المراد به بعض معابد أهل الكتاب، كما بين، سبحانه و تعالى، و هو الغني عن العالمين، بعض مزايا بيته الكريم في قوله بسورة البقرة: وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَ عَهِدْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ.

و في قوله بسورة الحج: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ* وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ، إلى آخر الآيات، أي إلى قوله تعالى: ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏.

و يستدل بعض العلماء و المؤرخين بآية: وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ‏، و بآية وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ‏ أن إبراهيم الخليل، عليه الصلاة و السلام، هو أول من بنى بيت اللّه المعظم. و نحن نقول: أن الآيتين المذكورتين تثبتان وقوع البناء لخليل اللّه إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و لا يفهم منهما أنه هو أول من بناه، فقد يجوز أنه هو أول من بناه كما يجوز أن الملائكة بنته قبل البشر، و يجوز أيضا أن آدم (عليه السلام) أو أحدا من أبنائه الأنبياء بناه، كما يظهر ذلك لدى التأمل. فإبراهيم، (صلوات اللّه و سلامه عليه)، هو أول من اكتشف مكة، و أول من أسكن فيها ذريته، و أول من أخذ عنه الناس صنعة البناء بمكة.

و إذا أنعمنا النظر في قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏ ظهر لنا من جملة: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏ أن خليل اللّه إبراهيم (صلى الله عليه و سلم) هو أول من بنى البيت، بدليل أن مقامه المذكور في الآية لا يزال موجودا إلى اليوم عند الكعبة.

أما إن قلنا أن الملائكة أو آدم أو ابنه شيث عليهم الصلاة و السلام، هم الذين بنوا الكعبة من قبل إبراهيم (عليه السلام)، فيكون بناء ليس عنده المقام بالطبع.

على أنه لا مانع إن قلنا أنهم بنوا الكعبة قبل الخليل، بمعنى أنهم بنوها بناء غير بناء إبراهيم، فهذا بناها بالحجر رضما، و الملائكة رموا في أساسها الصخور العظام‏

125

من مختلف الجبال، و نزلت على آدم على صفة خيمة من خيام الجنة من ياقوتة حمراء، و بعد موته رفعت إلى السماء، و قيل رفعت زمن الطوفان، كما ذكره الأزرقي و اللّه تعالى أعلم.

و إذا تأملنا في كلمة" وضع للناس" ظهر لنا أيضا أن هذا البيت هو أول بيت وضعه اللّه للناس، أي للبشر فقط، و هذا يدل على أن إبراهيم، (عليه السلام)، هو أول من بنى هذا البيت الموضوع للناس، و الأولية هنا لا مفهوم لها، أي ليس هناك بيت ثاني و ثالث و رابع، فهذا البيت الكريم هو أول بيت و آخر بيت وضعه اللّه تعالى للعبادة على طريقة مخصوصة، أي بالطواف حوله و بالتوجه إليه عند الصلاة.

و إن ذهبنا مع القول القائل أن الملائكة هم أول من بنوا البيت، فيكون معناه أنهم رموا في أساسه الأول بمكة البالغ إلى الأرض السابعة الصخور العظام من الجبال الخمسة الآتي ذكرها، و كان البيت على صفة خيمة من ياقوتة حمراء نزلت من الجنة- و اللّه تعالى أعلم بحقيقة كل ذلك.

فالكعبة المعظمة، هي أول بيت وضع في الأرض لعبادة اللّه تعالى بالكيفية التي ذكرناها، بل هي بهذه الكيفية المخصوصة، أول بيت و آخر بيت، إذ ليس لها ما يماثلها في الأرض مطلقا.

و نفهم من هذه الآية أيضا: أن الكعبة المشرفة هي أول بيت بني في مكة، حيث كانت قفراء خلاء، لا ناس فيها و لا ماء و لا كلاء، و لم تعرف مكة إلا بعد أن اكتشفها إبراهيم عليه الصلاة و السلام، بواسطة جبريل حينما أمره اللّه عز و جل، أن يأخذ ابنه إسماعيل و أمه هاجر إلى مكة و يتركهما بها، فكان من أمرهما ما كان، من إخراج زمزم، ثم اهتداء قبيلة من جرهم إليهما و إقامتهم معهما، فكانوا يبنون عريشا من شجر الأراك و غيره و يسكنون فيه، أو يقيمون في مغارات الجبال و كهوفها، حتى أمر اللّه تعالى خليله إبراهيم (عليه السلام)، ببناء بيته الحرام، فأتى إليهم بمكة و قام يبني بيت اللّه عز شأنه، مع ابنه إسماعيل بعد أن كبر في المكان الذي بوأه اللّه له، يبنيه بالرضم، أي بحجارة بعضها فوق بعض بدون طين و لا نورة.

فعليه تكون الكعبة هي أول بيت بني بالحجارة بمكة، و أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام، أول من اكتشف مكة، و أول من اتخذها سكنا لزوجته هاجر و ولده‏

126

إسماعيل، و هو أول من علم أهل مكة بناء البيوت بالرضم بالحجارة، فلا يزال بعض العرب بالحجاز يبنون بيوتهم بالرضم إلى عصرنا هذا.

و معنى كلمة" ببكة" المراد بها مكة كما ذكروه، فهي من جملة أسمائها، و الذي نذهب إليه أن المراد" ببكة"، البقعة التي بنيت بين أخشبي مكة، و هما جبل أبي قبيس و جبل قعيقعان فقط، و هي البقعة التي فيها البيت الحرام، فمن تأمل قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ظهر له هذا المعنى بوضوح.

و لقد كان العرب منذ عهد إبراهيم عليه الصلاة و السلام، يسكنون بمكة خارج الحرم، و يأتون إلى بيت اللّه الحرام نهارا للطواف و العبادة، فإذا أمسوا خرجوا إلى مساكنهم البعيدة عنه، حرمة و تعظيما له، فكأن البيت الحرام قائما وحده في هذا الوادي المبارك، بين أخشبي مكة، ليس حوله بيوت مطلقا، حتى زمن قصي بن كلاب الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه و سلم) الذي كان حاكما على مكة.

فإنه أمر قريشا أن يبنوا منازلهم بقرب الكعبة، و لا يبتعدوا عنها حتى تهابهم العرب و تعظمهم حرمة للبيت الحرام، و خصص لكل قبيلة منهم جهة من جهات الكعبة، و هو أول من أقدم على البناء عندها، فبنى لهم" دار الندوة" فتبعته قريش في ذلك.

فلما جمع قصي بن كلاب قريشا بمكة، سمي" مجمعا"، و في ذلك يقول حذافة بن غانم الجمحي يمدحه:

أبوهم قصي كان يدعى مجمعا* * * به جمع اللّه القبائل من فهر

همو نزلوها و المياه قليلة* * * و ليس بها إلا كهول بني عمرو

يعني خزاعة.

نسأل اللّه تعالى أن يوفقنا لعبادته، و تعظيم بيته الحرام، و حرمة مكة بلده الأمين، و أن يعصمنا من الإلحاد و الظلم فيه، و أن يميتنا به على الإيمان الكامل، على نظافة و طهارة و راحة تامة، و أن يلحقنا بالصالحين بفضله و رحمته، إنه بعباده لطيف خبير آمين. و الحمد للّه رب العالمين.

127

زيادة التأمل‏

في قوله تعالى في سورة آل عمران: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏.

لقد تقدم ما ذكرناه في هاتين الآيتين الكريمتين، و اليوم بعد التأمل فيهما فتح اللّه علينا بما يأتي:

(1) قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ‏، إن قلنا أن الملائكة الكرام أو آدم عليهم الصلاة و السلام، هم أول من بنى بيت اللّه الحرام" الكعبة المشرفة"، فيكون هذا البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس حقا، إذ لم يكن في ذلك العصر الأول بشر على وجه الأرض، غير آدم عليه الصلاة و السلام و نفر من ذريته، فما كانوا يعرفون بناء البيوت و العمارات، و إنما كانوا يأوون من الشمس و الأمطار إلى ظلال الأشجار و حجور الصخار و الجبال. و هذه قصة بني آدم المذكورة في القرآن الكريم، شاهدة على جهل الناس في العصور الأولى بمنافعهم الذاتية، فإنه لما قتل أحدهما الآخر، لم يدر القاتل ماذا يفعل بأخيه المقتول، و كيف يواري سوءة أخيه حتى بعث اللّه تعالى إليه غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه، فتعلم ابن آدم من الغراب كيف يدفن أخاه.

(2) و إن قلنا أن خليل اللّه إبراهيم عليه الصلاة و التسليم، هو أول من بنى بيت اللّه الحرام بمكة، فيكون هذا البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس حقا بمكة، فإن مكة لم تعرف إلا بعد ما أسكن إبراهيم الخليل ابنه إسماعيل و أمه هاجر فيها، كما أمره اللّه عز و جل، عليهم الصلاة و السلام، فمكة يومئذ لم يكن فيها إنس و لا حيوان و لا نبات و لا ماء، إلا أشجار الشوك تنبت على ماء الأمطار، فلما سكن بها إسماعيل و أمه هاجر (عليهما السلام)، أخرج اللّه تعالى لهما ماء زمزم، و أرسل لهما نفرا من قبيلة جرهم يسكنون معهما بمكة و يقيمون بها، فكانوا يسكنون في كهوف الجبال القريبة لهم، كجبل قبيس و جبل قعيقعان.

128

فلما أمر اللّه عز و جل خليله إبراهيم ببناء البيت الحرام بمكة، جاء من فلسطين لهذا الغرض إلى مكة المكرمة، فوجد فيها ابنه إسماعيل، عليه الصلاة و السلام، و قد كبر و صار رجلا كاملا نبيلا، فقاما يبنيان البيت الحرام في محله الحالي بمكة، فعليه يكون هذا البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس بمكة، إذ لم يكونوا يعرفون بناء البيوت و العمارات في ذلك العصر.

فهذا البيت الحرام لم يوضع لسكنى الناس فيه، و إنما وضع لعبادتهم عنده و الطواف به، فهو بيت مبارك و هدى للعالمين، كما أخبر اللّه عز و جل بذلك عنه في القرآن العظيم.

(3) و إن قيل لنا أن هذا البيت الحرام، ليس هو بأول بيت في الأرض، فلقد كانت البيوت موجودة من قديم العصور في مصر و الشام و العراق و فلسطين و غيرها.

نقول: إن البيت الحرام، هو أول بيت وضع للناس بمكة للعبادة الحقة لعبادة اللّه الملك الديان، إنه ليس كالبيوت المزيفة لعبادة الأصنام و الأوثان، ثم إن بيت اللّه الحرام، وضع للناس على أساس التوحيد و التقوى، و تكون العبادة فيه على وجه خاص ممتاز، كجعله قبلة للمسلمين في مشارق الأرض و مغاربها، و كالطواف حوله سبع مرات، و كاستلام الركن الأسود منه، و كالحج إليه، و كجعل الطواف حوله ركنا من أركان الحج، ثم إن هذا البيت الحرام، هو كما وضعه اللّه عز و جل، في الآية المذكورة، أنه مبارك و هدى للعالمين إلى قيام الساعة.

(4) قد أخبر اللّه تعالى عن هذا البيت الحرام، بأنه فيه آيات بينات مقام إبراهيم- فالبيت الحرام هو في وسط المسجد الحرام، و المسجد الحرام هو موضع المطاف القديم قبل توسعته في عصرنا الحاضر، ففي هذا البيت الحرام و بالقرب منه آيات بينات و هي مقام إبراهيم عليه الصلاة و التسليم، و المقام هو هذا الحجر الذي قام عليه عند بنائه البيت الحرام، و هو محفوظ إلى اليوم واقع أمام الكعبة المشرفة، بينه و بينها نحو عشرة أمتار- و من جملة الآيات البينات ماء زمزم الذي خرج إغاثة لإسماعيل و أمه هاجر عليهما الصلاة و السلام، و هو موجود إلى اليوم أمام الكعبة المشرفة، بينه و بينها كما بين المقام و الكعبة. و من الآيات البينات: الصفا و المروة

129

و السعي بينها إلى قيام الساعة. و من الآيات البينات: أن من دخله كان آمنا على نفسه و أهله و ماله، ليس لأحد أن يؤذي أو يسي‏ء إلى من لاذ بالحرم.

هذا شي‏ء من الآيات البينات الواضحة الظاهرة للناس كافة، و هناك من الأمور ما لا يظهر إلا لخواص المؤمنين.

فسبحان اللّه لولا هذا البيت الحرام، ما كان الحج إلى المشاعر العظام، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، و سلام على المرسلين، و الحمد للّه رب العالمين.

فائدة مهمة

رأينا من المناسب أن نذكر هنا ما ورد في" نتيجة جمهورية مصر" لسنة (1374) من الهجرة الموافقة لسنة (1954) ميلادية، لما لها من الفائدة المهمة، و هذا نص ما جاء فيها:

حساب أوائل الشهور العربية

اصطلح العرب على أن اليوم يبتدئ من غروب الشمس و ينتهي عند غروبها التالي. و يبدأ الشهر من ليلة الاستهلال و ينتهي باستهلال الشهر التالي. و يتعين الاستهلال شرعا برؤية الهلال، و لما كانت رؤيته تتوقف على أمور متغيرة كحالة الجو و دقة الهلال و مقدار نوره و غير ذلك و الحساب لابد أن يكون مبنيا على أساس ثابت، لذا اعتمد الحاسبون في تعيين أول الشهر على اجتماع الشمس بالقمر.

فإذا ما وقع الاجتماع، كانت أول ليلة يغرب فيها القمر بعد غروب الشمس، هي أول الشهر، و ما قبلها يكون من الشهر الماضي. و هذا هو المتبع في حساب الشهور العربيه في هذه النتيجة.

و قد تتفق الرؤية مع الحساب و قد يتقدم الحساب على الرؤية بيوم في الأكثر أو بيومين في الأقل و لا يمكن أن تتقدم الرؤية على الحساب.

و أول المحرم من السنة الأولى من التاريخ الهجري بالحساب كانت ليلة الخميس 15 يولية سنة 622 ميلادية و بالرؤية ليلة الجمعة 16 يولية سنة 622 ميلادية جوليانية.

130

مواقيت الصلاة و ارتباطها باليوم العربي و اليوم الإفرنجي‏

(اليوم العربي) يبتدئ من غروب الشمس و ليله سابق لنهاره. و على هذا الاعتبار تكون أوقات الصلاة سارية فيه بالتتبع هكذا: الغروب و العشاء و الفجر و الظهر و العصر.

(و اليوم الإفرنجي) يبتدئ من نصف الليل. و نهاره واقع بين نصفي ليله، و على هذا الاعتبار تكون أوقات الصلاة سارية فيه بالتتابع هكذا: الفجر و الظهر و العصر و الغروب و العشاء.

و من هنا يلاحظ أن مبدأ اليوم العربي متقدم عن مبدأ اليوم الإفرنجي بربع مدته الأولى. و فيما يختلف عنه في اسم يوم الأسبوع و التاريخ و في وقتي الغروب و العشاء. و يتفق معه في ثلاثة أرباع مدته الباقية منه في أوقات الفجر و الشروق و الظهر و العصر. نتج عن هذا البيان أن أوقات الصلاة في اليوم العربي تبتدئ من وقت الغروب و تنتهي بانتهاء وقت العصر.

و أن أوقات الصلاة في اليوم الإفرنجي تبتدئ من وقت الفجر و تنتهي بانتهاء وقت العشاء.

و مثال ذلك: أن هذا البيان كتب في الساعة الثامنة أفرنجي مساء من ليلة الاثنين 12 ربيع الأول سنة 1374 هجرية الموافقة مساء يوم الاحد 7 نوفمبر سنة 1954 ميلادية.

و صحح في الساعة الثامنة من نهار الاثنين 12 ربيع الأول سنة (1374) هجرية الموافق صباح يوم الاثنين 8 نوفمبر سنة (1954) ميلادية.

ثم كتب على الآلة الكاتبة في الساعة العاشرة إفرنجي من صباح يوم الاثنين 8 نوفمبر سنة (1954) ميلادية الموافق نهار الاثنين 12 ربيع الأول سنة 1374 هجرية. و صحح في الساعة الثامنة إفرنجي من مساء يوم الاثنين 8 نوفمبر سنة 1954 ميلادية الموافق ليلة الثلاثاء 13 ربيع الأول سنة 1374 هجرية.

131

(مثال اليوم العربي): يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 1374 هجرية

الأحد 7 نوفمبر 1954/ الاثنين 8 نوفمبر سنة 1954

مساء/ صباحا/ مساء الغروب/ العشاء/ الفجر/ الشروق/ الظهر/ العصر

ق ت/ ق ت/ ق ت/ ق ت/ ق ت/ ق ت‏

4، 5/ 23، 6/ 45، 4/ 14، 6/ 39، 11/ 41، 2

نتيجة الحائط للسنة الهجرية: تتغير ورقة اليوم فيها من غروب الشمس فيختلف التاريخ العربي عن التاريخ الإفرنجي ليلا و يتفقان نهارا.

(مثال اليوم الإفرنجي): يوم الاثنين 8 نوفمبر سنة 1954 ميلادية

الاثنين 12 ربيع الأول سنة 1374/ الثلاثاء 13 ربيع الأول نهارا/ ليلا الفجر/ الشروق/ الظهر/ العصر/ الغروب/ العشاء

ق ت/ ق ت/ ق ت/ ق ت/ ق ت/ ق ت‏

45، 4/ 14، 6/ 39، 11/ 41، 2/ 3، 5/ 22، 6

نتيجة الحائط للسنة الميلادية الإفرنجية: تغير ورقة اليوم فيها صباحا فيتفق التاريخ الإفرنجي مع التاريخ العربي نهارا و يختلفان ليلا. انتهى من النتيجة المذكورة.

رأينا من المناسب أن نذكر هنا الفصول و مبادئها ما ورد في" نتيجة الحكومة المصرية" لسنة (1366) هجرية الموافقة لسنة (1946) ميلادية، لما لها من الفائدة المهمة. و هذا نص ما جاء فيها:

مبادئ الفصول و مدة أيامها الواقعة في سنة (1366) هجرية

فصل/ مبادى‏ء بالتاريخ العربي/ مبادى‏ء بالتاريخ الإفرنجي/ مدة أيام الفصل/// دقيقة/ ساعة/ يوم‏

الشتاء/ يوم الأحد 28 محرم سنة 1366 الساعة 7 و الدقيقة 55 نهارا/ يوم الأحد 22 ديسمبر سنة 1946 الساعة.

و الدقيقة 54 مساء/ 19/ ../ 89

132

فصل/ مبادى‏ء بالتاريخ العربي/ مبادى‏ء بالتاريخ الإفرنجي/ مدة أيام الفصل الربيع/ يوم الجمعة 28 ربيع الثاني سنة 1366 الساعة 7 و الدقيقة 7 نهارا/ يوم الجمعة 21 مارس سنة 1947 الساعة 1 و الدقيقة 13 مساء/ 6/ 19/ 92

الصيف/ يوم الأحد 3 شعبان سنة 1366 الساعة 1 و الدقيقة 20 نهارا/ يوم الأحد 22 يونيه سنة 1947 الساعة 8 و الدقيقة 19 صباحا/ 10/ 15/ 93

الخريف/ ليلة الأربعاء 9 ذي القعدة سنة 1366 الساعة 5 و الدقيقة 37 ليلا/ يوم الثلاثاء 23 سبتمبر سنة 1947 الساعة 11 و الدقيقة 29 مساء/ 14/ 19/ 89

انتهى من النتيجة المذكورة.

فيعلم مما تقدم، أن الفصول الأربعة المذكورة يعرف وقت دخولها و وقت خروجها في جميع الأقطار و البلدان، و أما في بلدتنا" مكة" شرفها اللّه تعالى فلا يعرف ذلك من الجو و الهواء، لأن غالب أوقاتها تمضي كأيام الصيف في وقت الشتاء لا نعرف البرد الشديد الذي يعرفه العالم، فلا تعرف أوقات الفصول الأربعة عندنا إلا بالحساب. فسبحان الذي بيده ملكوت السموات و الأرض.

علة تسمية الجهات الأربعة

جاء في الجزء الأول من تاريخ المسعودي المسمى" بمروج الذهب و معادن الجوهر" عن علة تسمية الجهات الأربعة و هي: اليمن و العراق و الشام و الحجاز ما يأتي:

تنازع الناس في اليمن و تسميته، فمنهم من زعم أنه إنما سمي يمنا، لأنه عن يمين الكعبة، و سمي الشام شاما لأنه عن شمال الكعبة، و سمي حجاز حجازا، لأنه حاجز بن اليمن و الشام، نحو ما أخبر اللّه عز و جل عن الفرق الذي بين بحر القلزم و بحر الروم بقوله عز و جل: وَ جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً.

133

و إنما سمي العراق عراقا، لمصب المياه إليه كالدجلة و الفرات و غيرهما من الأنهار، و أظنه مأخوذا من عراقي الدلو، و عراقي القربة، و منهم من زعم أن اليمن إنما سمي يمنا ليمنه، و الشام شاما لشؤمه، و هذا قول يعزى إلى قطرب النحوي في آخرين من الناس- و منهم من رأى أنه إنما سمي يمنا، لأن الناس حين تفرقت لغاتهم ببابل تيامن بعضهم يمين الشمس و هو اليمن، و بعضهم تشاءم فوسم له هذا الإسم، و سنذكر تفرق هذه القبائل من أرض بابل بعد هذا الموضع، و بعض ما قالوه في ذلك من الشعر عند سيرهم في الأرض و اختيارهم البقاع.

و قيل: إنما سمي الشام شاما، لشامات في أرضه بيض و سود، و ذلك في الترب و البقاع و أنواع النبات و الأشجار، و هذا قول الكلبي، و قال الشرقي بن القطامي: إنما سمي الشام شاما، لسام بن نوح، لأنه أول من نزله و قطن فيه، فلما سكنته العرب تطيرت من أن تقول: سام فقالت: شام، و قيل: أن سامرا إنما سميت بذلك إضافة إلى سام، و قيل: إن أول من سكنها من خلفاء بني العباس سماها بهذا الاسم و أنها سرور لمن رآها، و قد ذكر في أسماء هذه المعاقل و البقاع و الأمصار وجوه غير ما ذكرنا قد أتينا عليها فيما سلف من كتبنا.

انتهى من تاريخ المسعودي.

و بمناسبة ما تقدم عن علة تسمية الجهات الأربعة، نذكر هنا ما جاء عن علة تسمية الشرق شرقا، و الغرب غربا، نقلا عن مجلة الهلال الصادرة بمصر في 16 شوال سنة 1366 هجرية، و أول سبتمبر سنة 1947 ميلادية، فقد كتب فيما بعضهم السؤال الآتي:

لماذا سمي الشرق شرقا، و الغرب غربا، و الواقع أن لكل بلد في العالم، مع كروية الأرض، شرقا و غربا، و إلى أي حد من الصحة ينطبق هذا على قولنا:

الشرقيون و الغربيون. ا ه.

فأجابت مجلة الهلال على هذا السؤال بما يأتي:

كانت هذه التسمية موجودة قبل أن تكتشف أمريكا، و قبل أن تصير كروية الأرض حقيقة. فكانت الدنيا رقعة واحدة، تشرق الشمس عليها من المحيط الهادي و تغرب في المحيط الأطلسي.

و زاد الكشف، و غير آراءنا العلم، و لكن اللغة لم تتغير.

134

على أنهم زادوا هذه التسمية الآن تفصيلا، فقالوا الشرق الأوسط و الأدنى و الأقصى. و تمازجت الأمم، و انساحت الحدود بعضها على بعض، فصار كثيرا ما يطلق الشرق و الغرب على مجموعة من الآداب و العادات و الطقوس غلبت على قوم يسكنون آسيا دون أوروبا، و لو سكنوا الآن مغارب الأرض.

و أمريكا سموها غربا، لاعتبارين:

أولهما: أنهما على العرف القديم هي غرب الغرب. و ثانيهما: أن سلالاتها من أوروبا، فهي بالجنس غربية.

و للجغرافيا رأي غير هذه الآراء، فخط الطول الرئيسي، و يسمى بخط الصفر، هو الذي يقطع بلدة جرينتش بجوار لندن. و تتوالى خطوط الطول شرقا في أوروبا و آسيا، أي الخط 180، و هو يقع في أوسط المحيط الهادي.

و كذلك تتوالى خطوط الطول غربا في المحيط الأطلسي فأمريكا فالمحيط الهادي، حتى يلتقي خط 180 الغربي بأخيه الشرقي. و بهذه الخطوط يتحدد الإشراق و الإغراب عند من يجوبون الأرض.

جهات المصلين إلى القبلة في جميع البلدان‏

من المسائل الدقيقة، التي يندر الحصول عليها، معرفة جهات المصلين إلى نقطة معينة من الكعبة المشرفة في جميع الأقطار، و أن معرفتها أو عدم معرفتها لا يترتب عليه حكم شرعي، إلا أنها من باب" العلم بالشي‏ء و لا الجهل به".

قال ابن ظهيرة القرشي في كتابه" الجامع اللطيف في فضل مكة و بناء البيت الشريف" ناقلا بتلخيص ما ذكره العلامة الشيخ عز الدين بن جماعة في دائرته بحذف الكواكب إذ ليس كل أحد يعرف الاستدلال بها، قال فيه ما نصه:

إن مصر و صعيدها الأعلى، و سواحلها السفلى: أسوان و أسنا و قوص و الفسطاط و الإسكندرية و الأكيدم و المحلة و دمياط و بلبيس، و برقة، و طرابلس، و صفد، و ساحل المغرب، و الأندلس، و ما كان على سمة جهتهم ما بين الركن الغربي و الميزاب.

135

و أن جانب الشام الغربي، و وسط غزة، و الرملة، و بيت المقدس، و المدينة الشريفة، و دمشق، و فلسطين، و عكا، و صيدا، و ما إلى ذلك من السواحل على سمته جهتهم من قبيل ميزاب الكعبة إلى دون الركن الغربي.

و أن الشام كلها غير ما ذكر و هي: حمص و حماة و سلمية و حلب و منبج و حران و ميافارقين، و ما والاهما من البلاد و سواحل الروم، جهتهم ما بين الميزاب و الركن الشامي موقفهم موقف أهل المدينة و دمشق، لكنهم يتياسرون شيئا يسيرا، و الجهة شاملة للجميع إن شاء اللّه تعالى.

و أن الرها و الموصل و ملطية و سميشاط و سنجار و الجزيرة و ديار بكر، و كان على سمت ذلك، جهتهم إلى القبلة من الركن الشامي إلى مصلى آدم (عليه السلام)، أي قرب الحفرة التي في وجه الكعبة.

و أن الكوفة و بغداد و حلوان و القادسية و همدان و الري و نيسابور و خراسان و مرو و خوارزم و بخارى و نسا و فرغانة و الشاش، و ما كان على سمت ذلك، جهتهم ما بين مصلى آدم (عليه السلام)، إلى قرب باب الكعبة.

و أن البصرة و الأهواز و فارس و كرمان و أصبهان و سجستان و شمال بلاد الصين، و ما كان على سمت ذلك، جهتهم من باب الكعبة إلى الحجر الأسود.

و أن وسط بلاد الصين و الهند و المهرجان و كابل و المهديان و التتار و المغل و الخدهار، و ما والاها، و ما كان على سمتها، جهتهم من الركن الأسود إلى دون مصلى النبي (صلى الله عليه و سلم).

و أن بلاد الهند و جنوب بلاد الصين و أهل التهايم و السد و البحرين، و ما والاهما، و كان على سمتها، جهتهم من مصلى النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى ثلثي هذا الجدار.

و أن اليمن بأسره ظفار و حضرموت و صنعاء و عمان و صعده و الشحر و سبا، و ما والاهما، و ما كان على سمتها، جهتهم من دون الركن اليماني بسبعة أذرع إلى الركن اليماني.

و أن الحبشة و الزنج و زيلع و أكثر بلاد السودان و جزائر فرسان، و ما والاهما من البلاد، و كان على سمتها، جهتهم من الركن اليماني إلى ثلثي الجدار، و هو آخر الباب المسدود.

136

و أن جنوب بلاد البجاة و دهلك و سواكن و بلاد البلين و النوبة إلى بلاد التكرور، و ما وراء ذلك، و ما على سمته من بلاد السودان و غيرهم إلى البحر المحيط، جهتهم من دون الباب المسدود إلى ثلثي الجدار.

و أن شمال بلاد البجاة و النوبة و أوسط المغرب من جنوب الواحات إلى بلاد أفريقية و أوسط بلاد بربر و بلاد الجريد إلى البحر المحيط و هي جهة جدة و عيذاب و جنوب أسوان، جهتهم من دون الركن الغربي بثلث الجدار إلى الركن الغربي.

ثم قال بعد هذا: انتهى ما لخص من الدائرة، و هذه الجهات المذكورة هي من حيث الجملة، و من أراد التحرير في الاستقبال كما ينبغي، فليراجع كتب الميقات و ما وضع لذلك من الآلات ليقف على المراد. و اللّه أعلم.

انتهى من الجامع اللطيف.

و قد ذكر القلقشندي مثل هذا التفصيل في كتابه صبح الأعشى، في الجزء الرابع بصحيفة 251، لم نر نقله اكتفاء بهذا الذي ذكرناه، و لا فرق بين كلامه و كلام ابن ظهيرة في الجامع اللطيف، إلا فرق جزئي لا يؤثر.

انظر: صورة رقم 27، دليل القبلة في جميع أنحاء العالم و صورة رقم 28، اتجاه القبلة

أول ظهور بعض الأشياء بمكة المكرمة

نذكر هنا بعض الأشياء التي ظهرت بمكة المشرفة مما نتذكرها، من عهد الحكومة العربية الهاشمية، أي حكومة الأشراف، و من عهد الحكومة العربية السعودية، و نعتذر عما غاب عن ذهننا، فنقول و باللّه التوفيق فهو نعم المولى و نعم النصير:

عدد// السنة الهجرية 1/ أول من صلي عليه في المسجد الحرام لما مات أبو إهاب بن عزيز ابن قيس كما في الإصابة/ في صدر الإسلام‏

2/ أول من أدار الصفوف حول الكعبة خالد بن عبد اللّه القسري سنة/ 75

3/ كان طبع النقود لأول مرة بمكة المشرفة، في أواخر عهد الشريف الحسين بن علي (رحمه اللّه تعالى)/ 1342

137

4/ أول ما ظهر الثلج بمكة في مصنع الثلج للحاج نسيم الشامي/ 1339

5/ أول سيارة ظهرت بمكة هي سيارة الشريف الحسين بن علي، أهداها له الكندواني في سنة/ 1338

6/ أول ظهور أقلام الجيب بمكة كان في سنة/ 1334

7/ أول مرة منعت المحامل من الوصول إلى الحرمين الشريفين كان في سنة/ 1343

8/ أول ظهور استعمال السيارات في مكة و في المملكة كلها كان سنة/ 1346

9/ أول ظهور الكهرباء بالمسجد الحرام كان سنة/ 1346

10/ شيوع استعمال الكهرباء في مكة و في المملكة كلها كان من سنة/ 1365

11/ استعمال المراوح في المسجد الحرام كان في سنة/ 1366

12/ استعمال مكبرات الصوت أي الميكروفون في المسجد الحرام بمكة المشرفة كان سنة/ 1367

13/ تأسست أمانة العاصمة في سنة/ 1332

14/ أول مصحف طبع بمكة المشرفة و كان بخط مؤلف هذا الكتاب و كان سنة/ 1369

15/ أول ظهور سفلتة الشوارع بالزفت و القير كان بجدة سنة/ 1352

16/ أول ظهور مصلحة الموتى و نقلهم بالسيارات إلى المقابر و المغاسل كان سنة/ 1376

17/ كثرة انتشار المدارس و شيوعها بمكة و غيرها كان من سنة/ 1354

18/ كثرة إقامة الأجانب بمكة و المملكة السعودية كانت من سنة/ 1355

19/ كثرة البضائع و السلع و الحاجات و الأقمشة و الكماليات كانت من سنة/ 1361

20/ كثرة ظهور صالونات الحلاقة كانت من سنة/ 1373

21/ ابتداء توسعة المسجد الحرام كان سنة/ 1375

22/ توسعة المطاف لأول مرة في التاريخ كانت سنة/ 1377

138

23/ تجديد سقف الكعبة المشرفة كان سنة/ 1377

24/ كثرة ظهور المساجد في جميع البلدة كانت من سنة/ 1370

25/ انتشار العمران و بناء القصور بالإسمنت المسلح بمكة كان من سنة/ 1375

26/ ابتداء توسعة الشوارع بمكة كان من سنة/ 1380

27/ كثرة ظهور المستشفيات و إحضار الأطباء الأجانب كان من سنة/ 1371

28/ كثرة سفر الناس إلى الخارج من البلاد الإسلامية و الإفرنجية كانت سنة/ 1371

29/ ابتداء ظهور الوزارات و مجلس الوزراء كان من سنة/ 1374

30/ أول ظهور المدارس للبنات بجميع المملكة كان من سنة/ 1378

31/ أول ظهور استعمال دوافير القاز و البوتوقاز كان من سنة/ 1374

32/ كثرة ظهور النساء في الشوارع و في محلات البيع و الشراء كانت من سنة/ 1374

33/ ابتداء تعدد صلاة الجمعة بمكة المشرفة كان من سنة/ 1375

34/ ابتداء انتقال أهل مكة من حول المسجد الحرام و السكنى في أطراف مكة و ضواحيها و كان ذلك بسبب توسعة المسجد الحرام و هدم ما حوله من المنازل و البيوت/ 1375

35/ ابتداء ظهور المواتير الكهربائية أي الماكينات التي تشتغل بالكهرباء لسحب المياه من الآبار و خزانات المياه كان في سنة/ 1368

36/ انتشار محلات التصوير الفوتوغرافي كان من سنة/ 1355

37/ ظهور علب اللبن الحليب البودرة المجفف كان من بعد سنة/ 1350

38/ كان ظهور السمن الصناعي الذي في العلب و الصفائح من سنة/ 1355

39/ كان إبطال استعمال القرب للسقائين و الاستعاضة عنها بصفائح التنك/ 1382

40/ كان إبطال بيع الرقيق و منع اتخاذ العبيد و الجواري بمكة و في/

139

/ جميع المملكة في سنة/ 1382

41/ أول سيل عظيم في عهدنا دخل المسجد الحرام و وصل إلى باب الكعبة كان في سنة/ 1360

42/ أول استعمال الإسمنت في البناء كان من سنة/ 1350

43/ أول إنزال فم بئر زمزم إلى أسفل أرض المطاف كان في سنة/ 1383

44/ أول نشأة مدارس البنات بمكة المشرفة و انتشارها في جميع المملكة السعودية كان في سنة/ 1379

45/ أول إنشاء المطارات للطائرات بجدة و في جميع المدن الرئيسية للمملكة كان من سنة/ 1350

46/ أول انتشار التلفونات بمكة المشرفة كان من سنة و كان بها قبل ذلك في عهد الشريف الحسين بن علي ملك الحجاز الأسبق (رحمه اللّه تعالى) نحو عشرين تلفونا لدى كبار رجال حكومته، و اليوم تعد التلفونات بمكة بالآلاف/ 1350

هذه بعض الأمور التي ظهرت بمكة المكرمة و بجميع المملكة على حسب ما تذكرناها، و هناك أمور أخرى لم نتذكرها الآن و هي لا تخفى على المطلع الفهيم.

تجارة قريش في الجاهلية و صدر الإسلام‏

كان أهل مكة و كلهم من أشرف العرب و قبائل قريش، يشتغلون بالتجارة و البيع و الشراء، و كانت لهم أسواق شهيرة معروفة في الجاهلية، يقيمونها في شهور السنة و ينتقلون من بعضها إلى بعض، فيحضر هذه الأسواق سائر العرب من قرب من مكة و من بعد عنها، فيقومون في هذه الأسواق بالبيع و الشراء و الأخذ و العطاء، و يتعارفون مع بعضهم و يتفاخرون فيما بينهم بشتى المفاخر و المكارم.

فيخطبون هنالك و يلقون القصائد و يتناشدون الأخبار، و ذلك في الجاهلية و الإسلام، و ما زالت مثل هذه الأسواق موجودة إلى اليوم في قرى بعض البلاد الإسلامية كمصر و العراق و اليمن و غيرها، فإنه تكون لهم في كل قرية سوق عام في كل أسبوع مرة واحدة في يوم خاص، كيوم السبت أو يوم الأحد أو يوم‏

140

الاثنين أو يوم الخميس، تكون في هذه الأسواق أنواع اللحوم و الطيور و الدجاج و البيض و بعض الأطعمة و الأقمشة مما يحتاجه أهل تلك الجهة.

و لقد ذكر اللّه تبارك و تعالى تجارة قريش في القرآن العظيم في سورة قريش حيث يقول عز شأنه: بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ* إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَ الصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ‏. فكانت لقريش في كل عام رحلتان، رحلة الشتاء و رحلة الصيف، يذهبون فيهما للتجارة و إحضار البضائع من بعض البلدان بالجمال عن طريق البر، فكانوا يذهبون في الشتاء إلى اليمن، و يذهبون في الصيف إلى الشام، فيأتون من تلك البلاد ما يحتاجونه من أنواع الأطعمة و الزيوت و أجناس الأقمشة و البضائع، التي ليست بالحجاز. قال العلماء: و أول من سن لهم الرحلة هاشم بن عبد مناف، و كانوا يقسمون ربحهم بين الغني و الفقير، حتى كان فقيرهم كغنيهم في أخذ الربح، و اتبع هاشما على ذلك إخوته، فكان هاشم يؤالف إلى الشام و عبد شمس إلى الحبشة، و المطلب إلى اليمن، و نوفل إلى فارس، و كانت تجار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار تجاه هؤلاء الإخوة، أي بعهودهم التي أخذوها بالأمان لهم من ملك كل ناحية من هذه النواحي. هذا ما جاء في حاشية الجمل على تفسير الجلالين.

و لا يخفى أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ذهب إلى الشام مرتين للتجارة، مرة ذهب مع عمه أبي طالب و كان سنة إذ ذاك اثنتي عشرة سنة، و المرة الثانية ذهب (صلى الله عليه و سلم) للتجارة أيضا في مال أم المؤمنين خديجة بنت خويلد الأسدية رضي اللّه تعالى عنها، حيث انتدبته لذلك و أرسلت معه غلامها ميسرة و كان سنة الشريف حينئذ خمسا و عشرين سنة، فرجع (صلى الله عليه و سلم) من الشام و قد ربح ربحا عظيما في هذه التجارة الميمونة، فلما رأت خديجة رضي اللّه تعالى عنها بركته الظاهرة و أمانته العظيمة و سيرته العطرة أرسلت إليه تخطبه لنفسها فتزوجها عليه الصلاة و السلام فكانت أول زوجاته الكريمات.

كما لا يخفى أن غزوة بدر الكبرى التي وقعت في السنة الثانية من الهجرة، كان سببها رجوع عير قريش التي تحمل البضائع العظيمة من الشام قاصدة مكة المشرفة، فكان من أمر هذه الغزوة ما كان. هكذا كانت التجارة لقريش في مكة المكرمة في الجاهلية و في صدر الإسلام.

141

ثم بمرور الزمان و القرون و الأعوام و السنون تغيرت الأحوال و كثر سكان مكة المكرمة و اتسعت رقعتها، و تقدم العالم في أقطار الأرض في المدينة و العمران، فاتسعت أعمال التجارة بمكة المشرفة و بغيرها، فصارت البضائع و الخيرات ترد إليها من جميع الجهات و الأقطار كما قد ذكرناها و فصلناها هنا في هذه المباحث الفريدة فسبحان الخلاق العظيم الذي يدبر أمر السماوات و الأرض و إليه يرجع الأمر كله، لا إله إلا هو العزيز الغفار.

النهوض بالصناعات بمكة المكرمة

إن اللّه تبارك و تعالى جعل بلده الأمين" مكة المكرمة" تحيط بها الجبال من كل جانب إلى مسافات بعيدة من الكيلو مترات، و جعل بيته الحرام" الكعبة المعظمة" في وسط هذه الجبال، و جعل أرض مكة و تربتها صخرية حجرية رملية لا تصلح للنبات و الزروع، و جعل فيها المياه قليلة على قدر الاستعمال من الأمطار و الآبار المحفورة، كما جعل سكانها قليلا بالنسبة إلى البلدان في الممالك الأخرى، و جعلهم في العصور الأولى من جنس العرب من قريش، ثم جعلهم بعد ظهور الإسلام و انتشاره في ربوع الأرض من مختلف البلاد الإسلامية، كل ذلك لحكمة دقيقة لا يعلمها إلا هو العزيز الحكيم.

من هنا نعلم أن مكة المشرفة ليست موطن الصناعات و الاختراعات، و إنما هي موطن الإيمان و الإسلام و العبادات، يأتي إليها الحجيج آلافا مؤلفة في كل عام إلى قيام الساعة، و اللّه تعالى يرزق أهل مكة و من يأتي إليها رزقا واسعا عظيما من الحبوب و الثمار و الخضار و الأزهار، كما يرزقهم من إنتاجات الصناعات التي تأتي إليها من جميع الممالك الإسلامية و الأوروبية، فتأتيها بواسطة التجار: الأقمشة بأنواعها القطنية و الحريرية، و تأتي إليها أنواع الحبوب و الخضروات و أنواع الثمار و الفواكه، و أنواع الحلويات و السكريات، و أنواع المعلبات المأكولة. و تأتي إليها مختلف الأواني و القدور و الصحون و ما يتبع ذلك من أدوات الأكل و المطابخ، و تأتي إليها أنواع الماكينات الكهربائية بمختلف أجناسها، و السيارات الفاخرة بمختلف أنواعها، و تأتي إليها المفارش و الكراسي و السرر، و الدواليب و أدوات الزينات الممتازة، إلى غير ذلك مما يتعب الإنسان في عده، الحاصل أن مكة المكرمة قد رزقها اللّه تبارك و تعالى بأنواع النعم و الترف و البليغ من الكماليات‏

142

و الضروريات، من حيث لا يتعب أهلها في الإنتاج و التصنيع، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان بفضل اللّه تعالى و رحمته، نسأل اللّه تعالى أن يزيدنا من نعمه و يوفقنا لشكره.

لكن من سنة اللّه عز و جل في هذا الكون، أن الحياة فيه تتطور في كل عصر و زمان بين آونة و أخرى، فكان من ذلك أن تطورت مكة المكرمة في حياتها أيضا في آخر الزمان الذي نحن فيه، فحدث فيها بعض الصناعات التي لم تكن من قبل، فهي و ان كانت قليلة بنسبة جزء من ألف من الصناعات الموجودة في الخارج، إلا أنها تسمى تطورا صناعيا، فنحن طلبنا من صديقنا الفاضل الشيخ محمد أحمد البوقري رئيس الغرفة التجارية، و هو من أفاضل تجار مكة القدماء، أن يكتب هنا نبذة عن تطور الصناعة بمكة المشرفة، فكتب لنا ما يأتي إلى آخر كلامه عن الغرفة التجارية، فنحن إذ نشكره على استجابته لطلبنا، نضع هنا نص ما كتبه و هو هذا:

الحياة الاقتصادية لمكة المكرمة

ليس من السهل التحدث عن حياة (مكة) الاقتصادية في أسطر أو في صفحات قلائل من هذا الكتاب لإعطاء القارئ فكرة شاملة عن تدرج الحياة الاقتصادية بها عبر آجال سابقة صاغت الحاضر البهيج و هيأت لمستقبل زاخر بأجمل الآمال و هو ما يحتاج منا إلى وضع أسفار ترتكز في بحوثها إلى ما يستخلص من بواطن التأريخ القديم و الحديث و لكن كل ما نستطيع الكشف عنه في كتابنا هذا إنما هو موضوع في عبارات نرجو أن تكون شاملة في معناها للعشرين عاما الأخيرة.

كانت مواسم الحج لجميع سكان أم القرى و ما جاورها هي مصدر رزقهم الوحيد و أوان حصادهم الذي هيأه لهم المولى عز و جل ليكون مؤنة عام كامل لموسم قادم من كل سنة. لقد كان لكل فرد من سكانها حيلته التي يسره اللّه لها في الحياة يحدوه أمل لم يخب قط مصداقا لقوله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ* إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَ الصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ‏ صدق اللّه العظيم. و كان الناس ينقسمون إلى حرف مختلفة يتوارثها الأبناء عن الآباء لسنين طويلة خلت يقضون أيامهم و شهورهم في التهي‏ء

143

و الاستعداد و قد تعلقت آمالهم بما ستشرق به الشمس كل صباح من أيام موسم الحج المنتظر ليفوزوا بما قسم اللّه لهم من رزق و كانوا هم به قانعون.

كان منهم المطوف الذي كرس حياته لخدمة الحاج و إرشاده إلى نسكه من يوم وصوله إلى يوم رحيله، و منهم التاجر الذي عمل في الاستيراد من خارج البلاد لما يستهلكه المواطن لضروريات حياته و ما يأخذه الحاج كهدايا اغترابه لأهله و ولده بالوطن و هناك من احترف صناعة جمة تميزت بفنها الجميل و اختصت بها هذه البلدة الطاهرة، و نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر صناعة المسابح اليسر و أخشاب الصندل و الزيتون و عظم الحوت في أشكال لا تجيدها إلا تلك الأيدي التي تخصصت في خرطها و زخرفتها بالفضة و المعدن، و كانت هناك دباغة الجلود و صناعتها في أحذية و محافظ و أحزمة يتسابق الحجاج على اقتنائها لما فيها من حسن صنعة و إبداع فن و كانت هناك صناعة السرج و الأرسنة لمختلف دواب الركوب يتغالون في إخراجها، حتى كان منها ما يطعم بالفضة الخالصة و المموهة بماء الذهب و كانت هناك صناعة الهوادج (الشقادف) المخروطة القوائم (الملككة) و المضفرة بخيط الخيزران، و غير ذلك من صناعات تعتبر حقا من الفنون الجميلة و قد انقرضت أو تلاشت، و لم يبق منها غير ذكرى تمر باسمه إذا ما نظر إلى الأسباب و العوامل الكثيرة التي غيرت وجه الحياة الاقتصادية لمكة المكرمة كما شاء لها اللّه عز و جل.

كان المسلمون في كافة بقاع الأرض يتمتعون بحياة رغيدة و نظم سهلة تكفل لهم حرية العبادة و حرية التصرف بممتلكاتهم و حرية الانتقال في أسفارهم لأداء فريضة الحج، و في سياحتهم للتزود بالمعرفة، و كانوا يفدون إلى هذه البلاد المقدسة و قد حملوا وافر المال لتمتعهم بالحج و البذل بسخاء دون قيود مفروضة أو عراقيل مصطنعة و لكن لأمر قدره اللّه قد تبدل حال تلك البلاد إلى خوف بعد أمن، و جزع بعد اطمئنان، و سلب للأموال و الحقوق و الحريات، و سخر الناس كآلات صماء تؤمر فتطيع، و مما يؤسف له أن كثيرا من البلاد الإسلامية قد ابتليت بهذا الداء إلى درجة التلاعب في العقائد، حتى لم يعد أحد من المسلمين بقادر على التمتع بحرية القدوم لأداء فريضة الحج أو العمرة، و حتى من يسمح له بالقدوم يعطى له الإذن بمال لا يكاد يكفيه لقوته الضروري في أيام اغترابه، فشحت أيدي الحجاج رغم إرادتهم مما أثر أسوأ الأثر على حياة مكة الاقتصادية، الأمر الذي‏

144

أدى بالكثيرين من سكانها إلى سلوك طرائق أخرى من العمل غير الذي توارثوه، و أذهب عنهم اللّه جلت قدرته ما تصوروه من جزع و شدة بما صادفوه من نجاح أغناهم عن الاعتماد على مواسم الحج المجدبة. و يتابع المولى نعمه على سكان هذا البلد الأمين إذ أفاء جل جلاله من فضله على الدولة برزق وافر من ثروات الأرض لم تبخل به الدولة على تحسين حال الشعب عامة لتطوير حياته ففتحت المدارس و المعاهد المجانية لأبناء الشعب في شتى مراحل العلم و صنوفه حتى لم يخل طريق في أرجاء مكة من مدرسة ثم وضعت المشاريع العمرانية محل التنفيذ، و منها عمارة المسجد الحرام و افتتاح الطرق و تعبيدها و تخطيط المدينة و تغييرها من نظامها القديم إلى مدينة حديثة مما أوجد مجالات كثيرة للأعمال و الكسب الحلال، و تفتح الوعي و ساير ركب الحضارة و خلقت صناعات و حرف شملت جميع مرافق الحياة، حتى صار الناس يرون جديدا يبشر بخير في مطلع كل صباح.

و يحق لنا أن نفخر ببعض أبناء مكة المكرمة الذين كرسوا أنفسهم للعمل الجاد و شيدوا المصانع و أنتجوا سلعا ضاهت ما كان يستورد، إن لم يفقه جودة و هو ما يوفر أموالا كانت تذهب إلى خارجها، بل و أوجد مجالا للعمل الثابت للطبقة العاملة التي كانت تتعطل أكثر شهور السنة انتظارا لموسم الحج، و لا يفوتنا أن نخص بالذكر أهم هذه المصانع و التي استحقت أن يطلق عليها هذا الاسم المشرف في سجل الخلود.

مصانع الحجاز للصاج‏

أقام هذه المصانع المواطن المكي الشيخ حسين محمد سعيد جستنية في عام 1373 ه بمنطقة جرول، و قد جهزت بأحدث المكنات الضخمة المختلفة الاختصاص و المزايا و عمل الرجل بهمة لا تعرف الملل على تطوير مصانعه و زيادة اختصاصها، حتى شمل الإنتاج أشكال و أنواع لا تحصى من الخزائن و المكاتب و الكراسي و خزائن المطابخ و الطاولات و الثلاجات و الشنط و سرر النوم و خلافها من أثاث مما يصنع من الحديد بالإضافة إلى الأدوات المنزلية المصنوعة من الألمنيوم في أشكال و ألوان جذابة، جميعها يغني عن استيراد مثيلها من البلاد الأجنبية.

و كان الشيخ حسن جستنية يعمل بالتجارة ثم اختير للعمل بالإدارات المالية بالدولة لفترة من الزمن، ثم آثر حياة الكفاح في المجال الصناعي حيث رأى أنه أقدر على‏

145

خدمة وطنه أجل خدمة مما لو بقي موظفا، رغم ما كان يتمتع به من مركز كبير مرموق.

مصنع البوقري للبلاستيك‏

أقام هذا المصنع الشاب المكي محمد أحمد بوقري في عام 1382 ه بمنطقة الشهداء بأحدث الآلات المستعملة في هذه الصناعة، و كانت إقامة هذا المصنع مفاجأة قوبلت بالكثير من الشك في القدرة على البقاء أمام تيار الاستيراد من البلاد المجاورة، و لكن عزيمة الشباب و الرغبة في التضحية لبناء حياة أفضل، كانت الدعائم الصحيحة التي مكنت هذا المصنع الضخم من الوقوف حتى صار خطرا على تسويق ما يستورد من أصناف في مجال إنتاجه الواسع الذي شمل المسابح و الأدوات المنزلية و أدوات الكهرباء و علب الحلوى و أدوات المدارس و الأدوات و الحليات البنائية و قطع الأثاث، و غير ذلك كثير في كميات أغرقت الأسواق بأسعارها الزهيدة، و كان الشاب محمد أحمد بوقري لفترة من حياته مديرا بالمحلات التجارية لعائلته المعروفة باسم عمر علي بوقري و إخوانه و عكف على دراسة صناعة اللدائن دراسة علمية، ثم اغترب إلى إنجلترا حيث التحق بمصانعها كعامل بأجر يومي لعدة أشهر عاد بعدها ليقيم مصنعه.

رغم ما صادف هؤلاء الرواد في مجال الصناعة من متاعب و صعاب إلا أنهم صمدوا أمام العواصف و الأنواء في عناد و تصميم أكسبهم احترام المواطنين و غير المواطنين، كيف لا و قد فتحوا الطريق أمام أبناء مكة المكرمة للبذل و التضحية في سبيل الوطن و لا شك أن هناك كثيرون سيكشف عنهم المستقبل الصناعي الباسم.

صناعات أخرى‏

إن تطور الحياة و الأخذ بالوسائل الحديثة قد أوجد الكثير من الحرف فاتساع العمران و اتباع التصميمات الحديثة في البناء و تخطيط المدن الذي شمل مكة المكرمة بأثرها قد خلق حرفا جديدة لم تكن معروفة و طور أخرى إلى ما يتناسب و الحالة

146

الراهنة و نذكر من ذلك هندسة البناء و النجارة و الحدادة و البياض و السباكة و التمديدات الكهربائية و التلوين و الزخرفة، و باستخدام الآلة في كل هذه الحرف و وسائل النقل المتطورة ظهرت بتوسع حرف متعددة منها خراطة المعادن و سبكها و ما يتبع ذلك من حرف بسيطة الشكل و كثيرة الفائدة.

الغرفة التجارية

لا شك أن اتساع الحركة التجارية و ارتباطها بالدول الأجنبية المصدرة أوجب إيجاد الوسائل التي من شأنها تنمية العلاقات الاقتصادية بمكة المكرمة و توعية المستوردين بما يتطلبونه من معلومات و أنظمة سائدة في الدول المصدرة و إيجاد المصادر اللائقة للسلع اللازمة و هكذا فقد قدرت الدولة ضرورة إيجاد هذا الجهاز الاقتصادي الشعبي، و أعطته صفته و كيانه، و أصدرت ترخيصا بإنشاء الغرفة التجارية الصناعية بمكة المكرمة في عام 1368 ه، و قد وضعت النظم الإدارية الداخلية و صلاحيات الغرفة و جهازها بما يكفل لها أداء مهمتها في خدمة العاملين في المجال الاقتصادي، أسوة بما هو معمول به و ما تتمتع به الغرف التجارية في الدول المتطورة، بل حرصت الدولة على مد العون المادي الدائم كقاعدة سنوية لتتمكن الغرفة من تقوية جهازها و هو ما يقابل بالكثير من التقدير للمسؤولين في حكومة جلالة الملك المعظم. و بكتابتنا هذه النبذة المختصرة عن الغرفة التجارية بمكة المكرمة، نرى لزاما علينا أن نذكر الشيخ حسين محمد سعيد جستنية لما له من فضل السعي لدى السلطات حتى أدى الأمر إلى إنشاء الغرفة و هو الرجل الذي لم يترك سبيلا من سبل العمل البناء دون أن يطرقه لخير مواطنيه.

إلى هنا انتهى ما كتبه الشيخ محمد أحمد بوقري، أكثر اللّه تعالى من أمثاله الفضلاء العاملين، و هو نبذة لطيفة كافية بالغرض.

الحرف و الصناعات بمكة المكرمة

إن الأجانب في خارج مملكتنا و بالأخص في بلاد الإفرنج، يعتقدون أن الحرمين الشريفين بلدة" مكة المكرمة" و بلدة" المدينة المنورة" واقعتان في صحراء مقفرة، ليس فيهما من أسباب المعيشة الهنيئة، و من وسائل المدنية الحديثة شي‏ء يذكر، و ليس فيهما من مباهج الحياة شي‏ء يسر الإنسان، إنهم يعتقدون هذا

147

لأنهم بعيدون عنا غير مختلطين بنا، و ليس لديهم من الصحفيين المختصين للكتابة في مثل هذا الأمر على الدوام، فإذا كتب أحدهم في جرائدهم و مجلاتهم باللغة الانكليزية، أو باللغة الفرنسية، أو باللغة الأمريكية، أو باللغة الإيطالية، أو باللغة الألمانية، أو غيرها، إذا كتب أحدهم عن بلدنا شيئا، فإنما يكتب نبذة قصيرة في كل بضع سنوات مرة واحدة، و هذا كما لا يخفى على العاقل المثقف لا يكفي للإحاطة بأحوال الأمم الأخرى البعيدة عنهم.

لذلك فقد كتبنا في تاريخنا هذا بعض أحوالنا و صناعاتنا، ثم خطر في بالنا أن نستعين بصديقنا الكريم سعادة الأستاذ عبد اللّه عريف، لأنه حفظه اللّه تعالى، هو شيخ الصحافة و الأدب، و أنه أيضا هو رئيس أمانة العاصمة، أي" رئيس بلدية مكة المكرمة" فهو إذا أدرى بمثل هذه الأمور، فكتبنا لسعادته برقية" تلغرافا" نطلب منه إفادتنا عن الحرف و الصناعات الموجودة بمكة المكرمة- فبادر سعادته مشكورا بإجابة طلبنا و أرسل لنا الجواب الآتي المؤرخ في العاشر من شهر صفر سنة (1385) هجرية و برقم 822/ خ و هذا نصه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

صاحب الفضيلة الشيخ محمد طاهر كردي المحترم‏

بعد التحية، أرجو لكم دوام الصحة و العافية

إشارة لبرقيتكم المؤرخة 1385/ 2/ 1 ه بشأن طلبكم بيان أسماء الحرف و مشائخها، نبعث إليكم طيه البيان الوارد الينا من إدارة مراقبة الأسواق رفق خطابها رقم 60 و تاريخ 1385/ 2/ 8 ه و الموضح فيه كافة أسماء الحرف مع أسماء مشايخها.

فأرجو الاطلاع و الإحاطة. و تقبلوا تحياتي.

أمين العاصمة عبد اللّه عريف‏

و إليك البيان المشار إليه بنصه و ترتيبه:

عدد/ اسم الطائفة/ اسم شيخها 1/ السماسرة و دلالي السيارات/ سعود عاشور

2/ الحدادين/ محمد كدوان‏

148

3/ عربات الكارو/ سراج يحيى دواس‏

4/ دلالي الحراجات/ داود وصفي‏

5/ الساعاتية/ أحمد صالح فقيها

6/ الحلاقون/ محمد علي بن حسن‏

7/ البنشر و البطاريات/ السيد هاشم علواني‏

8/ المنقلين/ مكي طاشكندي‏

9/ السبحية/ خليل حسن رفيع‏

10/ الحبابة/ عبد اللّه برديسي‏

11/ الجوهرجية/ محمد علي فارسي‏

12/ الوزانة/ صدقة أمين وزان‏

13/ ناقش الأختام/ علي أحمد الباز

14/ المهندسين/ أحمد عبد اللّه أبو رويس‏

15/ القهوجية/ السيد علي حسن معتوق‏

16/ الخياطين/ محمد تاج جلال‏

17/ دلالي العقار/ جميل بغدادي‏

18/ العقلجية/ صالح عبد الرحمن أبو الريش‏

19/ الخضرية و الفكهانية/ سليمان غباشي‏

20/ اللبانة/ علاء الدين أبو النجا

21/ الأجور و الطوب/ بدوي عساس‏

22/ النجارة/ أحمد نحاس‏

23/ السائقين/ حامد محمد خوجه‏

24/ الطهاة و أتباعهم/ حسين عشي‏

25/ الغسالين/ عبده قاسم‏

26/ السمانة/ حسين شايب‏

27/ السقطية/ علي حسن رواس‏

28/ العطارة و البقالة/ علي مصلح صبغة

29/ جزارة الفدو/ علي حسين البشي‏

30/ البنائين/ عبد القادر وزيرة

149

31/ دلالي الأغنام و البقر/ سعد محمد ربيقان‏

32/ النحاسين/ عبد الوهاب مؤمنة

33/ الجزارين/ علي درويش زيدان‏

34/ الفخرانية/ علي شريف‏

35/ الشباري و عربات السعي/ سعيد الغامدي‏

36/ الفرانة/ عبد اللّه كعكي‏

37/ الصيارف/ حسن محمد ملطاني‏

38/ مهندسي الراديو/ طاهر لنقا

39/ الكحلجية/ علي بوصي‏

40/ دلالي الحلقات/ حسن حكمي‏

41/ القطانة/ عبد الحميد قطان‏

42/ السماكرة/ سينتخب لهم شيخ‏

هذه هي البيانات التي وردت إلينا من أمانة العاصمة بمكة المكرمة، و يلاحظ فيها عدم وجود بعض الحرف كبائعي الكتب و المطبوعات و بائعي الصحف و المجلات، و بائعي أدوات الكتابة من الحبر و الورق و الأقلام، و بائعي الخردوات اللطيفة اللازمة للنساء و غيرهن، و بائعي الأدوات المنزلية و الكماليات من السرر و الكنبات و المكاوي و الثلاجات الكهربائية، و بائعي الأدوات الكهربائية، و بائعي أدوات التليفونات و السيارات و مكائن المياه و غيرها، و كبائعي الأقمشة بأنواعها العادية و الممتازة من القطن و الحرير و الصوف، و كبائعي البطانيات و أنواع الصوف و الملبوسات، و كبائعي أنواع مكائن البوتوكاز و أدواتها و كمحترفي إصلاح كل هذه الأشياء و غيرها و توجد بمكة طائفة الصاغة يصنعون من الذهب و الفضة أنواع الحلي من الخواتم و الأسورة، و العقود التي توضع في جيد النساء و يصنعون جميع أنواع الزينة بالذهب و الفضة و يزينونها بمختلف أنواع الفصوص و الأحجار الكريمة، من اللؤلؤ و المرجان و العقيق و الياقوت و غيرها.

و هناك كثير من بائعي الحلويات البلدية و الخارجية و بائعي أدوات النجارة و الأقفال و المسامير و الأسلاك و بائعي أدوات الحمامات و بائعي الموبليات و المرايات و البزابيز، و بائعي الملبوسات الجاهزة و بائعي الصحون الصيني، و الكاسات‏

150

و البلورات، و بائعي المكسرات من الحمص و اللوز و الجوز و عين الجمل، و الصنوبر و الزبيب و غيرها، و بائعي أنواع المفارش و السجاجيد الجميلة و غيرها، و بائعي الألعاب للأطفال، و بائعي الإسمنت و الحديد و المواسير و أدوات العمارة و البناء، إلى غير ذلك مما يطول شرحه و بيانه، و هناك كراجات للسيارات و ورشات لإصلاحها و إصلاح الآلات الكهربائية و ورشات للحام الأكسوجين و نحوه، إلى غير ذلك مما يطول شرحه و بيان.

كما عندنا مستشفيات و أطباء كثيرون و صيدليات و أجزاخانات لبيع الأدوية منتشرة في طول البلاد و عرضها، و عندنا وزارة تجارة تنظر في شؤون التجار و أحوال التجارة، و عندنا وزارة الصحة تنظر في أحوال الأمة الكريمة من الناحية الصحية، و عندنا وزارة الزراعة تنظر في شؤون الزراعة، إلى غير ذلك من الوزارات المختلفة كل وزارة تنظر في أمور اختصاصها.

الحاصل أنه يوجد في مكة المكرمة و المدينة المنورة و كل بلدان مملكتنا السعودية جميع الكماليات و مباهج الحياة، إن الحياة في الحرمين الشريفين تسر الناظرين و يرتاح إليها جميع الموسرين، سواء من الناحية الدينية لمن أراد الآخرة، أو سواء من الناحية الدنيوية لمن أراد التمتع بقدر سعة رزقه، أو من الناحيتين لمن وفقه اللّه تعالى كما قال الشاعر: (ما أحسن الدين و الدنيا إذا اجتمعا).

فالحمد للّه الذي جعل (مكة و المدينة) من أفضل أفضل البلدان و أشرف البلدان من الناحية الدينية و من أحسن البلدان و أكمل البلدان من الناحية الدنيوية، فبلد اللّه تعالى و بلد رسوله الكريم، و بلد القدس هي من خير بقاع الأرض، فالحمد للّه رب العالمين.

صناعة النجارة الفنية بمكة

كان أهل مكة يعرفون في صناعة النجارة الفنية معرفة تامة، فكانوا بأنفسهم يعملون سقوف المنازل و القصور و يزخرفونها زخرفة عجيبة، و كانوا يصنعون لها الأبواب و الشبابيك العجيبة الصنع، كل دار بما يليق بها و ما يناسبها بحسب المصاريف و النفقات قلة و كثرة، أي على قدر ما يرغبه صاحبها من جمال الشكل و حسن المنظر، و لهم في صنع الطيق، بكسر الطاء المهملة و فتح الياء المثناة، جمع طاقة، و هي الشباك، بتشديد الباء الموحدة، مهارة عجيبة لم نجد من يماثلهم في‏

151

الخارج، و لقد كانوا يصنعون الشبابيك الداخلية للمنازل الكبيرة بشكل يدعو إلى الإعجاب، بقوة و استمساك و ينقشون بواطن السقوف و الدواوين بنقوش بديعة، و أحيانا ينقشون بعض الآيات الكريمة حول السقوف من الداخل، أو بعض القصائد و الحكم، و يعملون من الرواشين المطلة على الشوارع العامة ما يدهش الناظر و يسلب لبه، و ما زالت بعض المنازل و القصور القديمة ناطقة بمهارتهم و شاهدة على تفوقهم في الفنون، و لكن مع الأسف لم يبق من أولئك الرجال من يعرف ذلك، و لم يبق من المنازل المصنوعة بالوصف المذكور شي‏ء، لأنها هدمت في التوسعة السعودية التي حصلت سنة (1375) ألف و ثلاثمائة و خمس و سبعين هجرية، ثم في وقتنا هذا أي من بعد السنة المذكورة وفد على مكة المكرمة كثير من النجارين و من مختلف الصناع من مصر و الشام و غيرها.

انظر: صورة رقم 29، شباك زخرفي مفرغ من صنع النجارين بمكة المكرمة

صناعة التنجيد بمكة

صناعة تنجيد القطن معروفة بمكة المشرفة من قديم الزمان، و يأتي إليها القطن من الخارج، من مصر و الهند و اليمن و غيرها، فيحشونه بعد تنظيفه و تنجيده في الطراريح و هي جمع طراحة، بضم الطاء المهملة و تشديد الراء المفتوحة، و تسمى بمصر المرتبة التي ينام فوقها، كما يحشونه في المخدات و اللحافات و غيرها، و في السنوات الأخيرة أي من سنة (1380) ألف و ثلاثمائة و ثمانين هجرية أحضروا إلى مكة بعض الماكينات الكهربائية للتنجيد، فصاروا يشتغلون بها في تنظيف القطن و تنجيده و إصلاحه.

أما حشو المساند و الأرائك و الطواويل فيحشونها بالطرف بكسر فسكون، و هو حبوب صغيرة كحبوب الكسلسوه أو البرغل، لكنه خفيف جدا كالقطن يتطاير من النفخ و الهواء، و يخرج من بعض أشجار الحجاز و هو كثير بها، و لم نجد مثله في الخارج و استعمال الطرف في الحشو أمر شائع عندنا لكنه خاص بحشو المساند و الطواويل و هي جمع طوالة، بضم الطاء المهملة و تشديد الواو المفتوحة، و هي تشبه الطراحة و المرتبة سواء بسواء، غير أن الطوالة لا تحشى بالقطن فسبحان‏

152

من جعل لكل بلدة ميزة خاصة و لبلده الأمين ميزات كثيرة بها تمتاز عن جميع البلدان- أدام اللّه تعالى عليها النعم، و أدام أمنها و أمانها و خيرها و رخاءها آمين.

صناعة الحصير و الزنابيل و المراوح الخوص بمكة

إن صناعة الحصير و يسمى عندنا" الخصف" بفتح أوله و ثانيه، و صناعة المراوح الخوص و كذلك صناعة الزنابيل الصغيرة و الكبيرة بأنواعها هي صناعة موجودة بمكة المشرفة من قديم الأزمان يستغلها أهل السودان (التكارنة) المولودون بمكة المكرمة من خوص النخل و كذلك يشتغلها النخاولة بالمدينة المنورة و أحسن أنواع جميع الحصير ما يصنعه أهل قرية الأبواء التي فيها قبر آمنة بنت وهب أم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هذه القرية واقعة في منتصف طريق مكة و المدينة، إنهم يعملون أظرف أنواع الحصر و أرقها و أقواها، و لو وجدوا تشجيعا و عناية لتقدموا في صناعتها في مدة يسيرة.

فحبذا لو أن وزارة الحج و الأوقاف أخذت منهم كمية وافرة من الحصير، لفرشها في المساجد الكثيرة لديها، لأن الحصير المعمول بالأبواء أجمل و أحسن و أقوى من حصير التكارنة و من حصير الخارج، فحبذا لو عملت الوزارة باقتراحنا هذا، فإنها بذلك تحسن صنعا للصناعة الوطنية، و تدفعها إلى التقدم و حسن الإنتاج.

صناعة الشراب أي القلل‏

الشراب، بكسر الشين المعجمة، جمع شربة بالفتح و يسمونها بمصر القلة بالضم، و هي إناء من الطين في حجم البطيخة يضعون فيها الماء ليبرد، إن صناعتها بمكة من قديم الأزمان تصنع من ترابها، و تصنع في أحجام مختلفة منها الصغير و الكبير و المتوسط، و كانوا إلى سنة (1360) ألف و ثلاثمائة و ستين هجرية يعتنون بصنعها و صنع الأزيار الصغيرة أيضا، فيزخرفونها و يجعلونها في شكل جميل بديع، كما كانوا يصنعون الازيار الكبار أيضا، و كان كل ذلك يعرض في الدكاكين بكثرة وافرة، و كذلك أباريق الوضوء من الطين، و لكن قلت عنايتهم بصنع ذلك بعد السنة المذكورة شيئا فشيئا، بسبب وجود مصانع الثلج و آلات التبريد.