التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج2

- محمد طاهر الكردي المزيد...
605 /
153

و أن أحسن أنواع الشراب، شراب المدينة المنورة لأنها تبرد الماء سريعا، و أن لونها بيضاء جميلة، فتراب المدينة أحسن و أقوى من تراب مكة.

أدام اللّه تعالى خيرهما و رخاءهما.

صناعة الحلاوة الطحينية بمكة

الحلاوة الطحينية لذيذة جدا و هي في نفس الوقت كالطعام تؤكل بالخبز، و هي تعمل من السكر و الطحينة و هي السمسم المطحون، و الحلاوة الطحينية، كانت تعمل بمكة المكرمة من قديم الأزمان، و لها طابع خاص و هو كونها سمراء يتخللها خيوط السكر كالشعر، و يعملها الهنود المولودون بمكة و يتقنونها جدا، و أهل مكة يحبونها كثيرا، و بعضهم لابد له أن يأكل منها كل ليلة بعد العشاء بعد خلطها بحلاوة الهريسة، و هذا الخليط لذيذ قوي جدا، أما الحلاوة الطحينية البيضاء فهي تأتي من الخارج في صفائح من مصر و الشام فبعضهم يحب البيضاء و بعضهم يحب السمراء، و في الأمثال: و للناس فيما يعشقون مذاهب.

استخراج زيت السمسم بمكة

و توجد بمكة طاحونة أو طاحونتان لاستخراج الزيت من السمسم، فمنذ قديم الأزمان إلى اليوم يستخرجون الزيت من السمسم، و ما يخرج من السمسم المعصور يباع فيكون طعاما دسما قويا لبعض الحيوانات كالبقر و الغنم مع العلم أن زيت السمسم و غيره من أنواع الزيوت يأتينا من الخارج أيضا في صفائح من التنك، كما يأتينا أيضا من الخارج السمسم المعصور و نظن يسمونه" الكسب"، بضم فسكون و في آخره باء موحدة، و يباع طعاما للغنم و البقر.

طحن الحبوب بالرحى بمكة

طحن الحبوب من الحنطة و الذرة و الدخن و الحمص و نحوها بالرحى بمكة، من الأمور القديمة من أيام عرب الجاهلية، فلقد كان الناس من قديم العصور يقتنون في بيوتهم رحى لتطحن بها زوجاتهم الحبوب و يعملون من دقيقها الخبز، و الرحى عبارة عن حجرين كبيرين مستديرين يوضع أحدهما فوق الثاني ثم يدار الحجر

154

الأول عند الطحن، و كانت ابنة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فاطمة رضي اللّه تعالى عنها، تطحن بيدها على الرحى حبها.

فالرحى كانت موجودة في كثير من بيوت مكة من قديم العصور إلى عام (1340) ألف و ثلاثمائة و أربعين هجرية، ثم قل استعمالها شيئا فشيئا في المنازل، حتى لم يكن لها وجود في وقتنا الحاضر في البيوت، اللهم إلا القليل جدا مما يوجد عند البعض، و سبب ذلك هو اختراع ماكينات الطحن الكهربائية التي تطحن كميات عظيمة من الحبوب في زمن يسير، و لقد أدركنا ماكينة واحدة للطحن كانوا يسمونها بمكة" بابور الطحين" و ذلك في آخر عهد الدولة العثمانية التركية، و كانت بمحلة الفلق، و نظن أن صاحبها هو فهمي أفندي قرملي التركي، و كانت تدار بالماتور.

و لكن كان بمكة كثير من طواحين الحبوب بالرحى الكبيرة التي يديرها الحمير، و كانت في كل محلة طاحونة يديرها الحمار، أما في وقتنا الحاضر فلم يبق للطواحين وجود، اللهم إلا بضع طاحونات صغيرة تدار بالكهرباء و ذلك بسبب ورود الدقيق من الخارج بكميات كبيرة.

وجود الأفران لعمل الخبز بمكة

الأفران جمع فرن، بضم الفاء، و هو مكان لخبز أقراص العيش، لقد كانت الأفران بمكة كثيرة جدا، ففي كل محلة يوجد فرن أو فرنان، لأن جميع الناس كانوا يعجنون دقيقهم في بيوتهم و يعملونه أقراصا متعددة، فيضعونها فوق لوح من الخشب، حتى إذا اختمرت و حان وقت خبزها، بعثوا بها مع أولادهم أو خدمهم إلى الفرن لتخبز، فتزدحم ألواح العيش في الفرن من الصباح إلى قرب المغرب، فجميع الناس لا يأكلون إلا من خبز بيوتهم، و لا يشترى الخبز من السوق إلا النادر، و إلا من كان من طبقة العمال و الفقراء، و هذه الأفران كلها كانت توقد بالحطب الكثير.

ثم بمرور الزمن تطور الناس في أعمالهم و معايشهم فيما جاءت سنة (1375) ألف و ثلاثمائة و خمس و سبعين هجرية، إلا و قد هدمت الأفران و ما جاورها من المنازل و البيوت و بنيت في أماكنها العمارات الشاهقة و القصور الفخمة، فلم يبق بمكة إلا قليل من الأفران تعد على الأصابع، و هذه الأفران قد تطورت إلى أفران‏

155

فنية توقد بالكاز بدلا من الحطب، و صار أقراص العيش فيها مخبوزة خبزا طيبا، فإنها مستوية لذيذة للغاية، فصار جميع طبقات الناس يشترون خبزهم من هذه الأفران الفنية، و بطلت عادة عمل أقراص العيش في البيوت، فصار الغني و الفقير و الأمير و الوزير يأكلون من خبز هذه الأفران الحديثة لطيبها و لذتها و نظافتها- مع العلم بأن بناء الأفران ليس من السهل، بل يحتاج إلى معرفة و خبرة، و كل ذلك كان من عمل أهل مكة المكرمة الكرام.

صناعة القدور و الأواني النحاسية بمكة

صناعة القدور و الأواني النحاسية قديمة العهد بمكة المكرمة مثل بقية البلدان و الممالك، و لا يعرف بمكة صناعة القدور و الأواني من الفخار و الطين، لأن لهذه الأواني طين خاص، و تراب مكة لا يصلح لمثل هذه الأشياء، أما في مصر فيصنعون القدور و الأواني الفخارية الطينية صناعة ممتازة جدا إلى اليوم مع كثرة وجود الأواني النحاسية أيضا، و لذلك يصنعون في بلاد اليمن القدور و الأواني الفخارية من الطين بل و يصنعون منه أدوات الشاي و القهوة و الفناجين، إنهم هناك يعملونها بكثرة زائدة إلى اليوم، و الحقيقة أن لذة الأكل و الطبخ في القدور و الأواني الفخارية الطينية مع الحطب و الفحم، تفوق بكثير على لذة الأكل و الطبخ في القدور النحاسية فوق دافور الكاز أو البوتوكاز، و لا زالت صناعة القدور و الأواني النحاسية و تبييضها موجودة إلى اليوم بمكة المكرمة بمختلف أحجامها و أنواعها.

أما القدور و الأواني و الملاعق من الألمنيوم المسمى عندنا بالحجاز التوتوه، فأول ما ظهر ذلك في الدنيا منذ سنة (1330) ألف و ثلاثمائة و ثلاثين هجرية، و ما زالت صناعتها تتقدم و تتزايد إلى اليوم حتى غزت الأسواق في جميع البلدان و الممالك، و قد وردت بكثرة فائقة قدور الألمنيوم و أوانيه إلى الحجاز من بعد سنة (1360) ألف و ثلاثمائة و ستين هجرية. و ما زالت الدكاكين مملوءة بها إلى يومنا هذا.

156

تجار الساعات بمكة المكرمة

لم يكن موجودا بمكة المكرمة إلا أنواع قليلة من الساعات، و كان أشهرها و أغلاها و أضبطها ساعة الجيب المعروفة" بالراسكوف"، و كان لا ينقص ثمنها عن جنيه من الذهب، و ذلك من نحو خمسين سنة، ثم بدوران الزمن و تقدم الرقي و التمدن، تطور صناعة الساعات فظهر لها من الأشكال و الأنواع ما يدهش العقول و يجذب الأنظار، فوردت إلى مكة المكرمة جميع هذه الأنواع و الأشكال من الساعات، سواء ساعات الجيب أو ساعات اليد أو ساعات الحوائط و الجدران، و ذلك ابتداء من سنة (1360) ألف و ثلاثمائة و ستين هجرية، فلقد غزت هذه الساعات جميع الأسواق المحلية و الخارجية، فبعد أن كان المستوردون لها بمكة المكرمة بضعة أشخاص، أصبح المستوردون لها اليوم عددا وفيرا.

و لا ننسى الدولة التركية العثمانية عندما كانت متوجة بعز الخلافة الإسلامية، ما كانت تستورده من بلاد سويسرا موطن مصانع الساعات، من ساعات الجيب الجميلة الدقيقة، و كانت تمتلئ من ظهرها بواسطة مفتاح منفصل عنها طوله نحو اثنين سنتي، و غلظه كغلظ عود الكبريت، و ما زال منها إلى اليوم بقايا في بلاد العراق.

هذا و إن بلاد سويسرا هي شهيرة بصنع أنواع الساعات كلها من قديم الزمن، كما أن بلاد ألمانيا شهيرة بصنع ساعات الحائط الكبيرة بغاية الجودة، كما أنه توجد مصانع الساعات في بلاد فرنسا و بلاد اليابان، و أن أجود الساعات لصغيرة اليدوية و الجيبية هي كما يأتي:

(1) ساعات أوميغا.

(2) ساعات لونجين.

(3) ساعات رولكس.

(4) ساعات رومر.

(5) ساعات زينيت.

157

هذا ما حضرنا من أسماء الساعات الراقية الجيدة، و هناك أصناف أخرى لا نتذكرها، و كل هذه الأصناف و غيرها من أنواع الساعات العجيبة موجودة بمكة المكرمة.

و هنا يجب أن نذكر ما يحضرنا من أشهر تجار الساعات بمكة المكرمة، و هم كما يأتي:

(1) الشيخ محمد صادق المجددي.

(2) الشيخ محمد حبيب الجوهرجي.

(3) الشيخ محمد بن معروف باجمال.

(4) الشيخ محمود حسن غباشي.

(5) الشيخ عبد الرحمن المدني.

(6) السيد بكر تونسي.

(7) الشيخ سعيد قطب.

(8) الشيخ هاشم إبراهيم ناقرو.

(9) الشيخ جميل خوقير (ياك محل).

(10) الشيخ عبد الرحمن بخشي و إخوانه.

(11) الشيخ عبد الرحيم الساعاتي.

هذا ما خطر في بالنا من أسماء تجار الساعات المستوردين لها، و نرجو المعذرة ممن غاب عنا أسماؤهم.

و هناك كثيرون ممن يحترفون إصلاح الساعات بجميع أنواعها الكبيرة و الصغيرة لا تحضرنا الآن أسماءهم.

هذا و بمناسبة الكلام على الساعات، نقترح على حكومتنا السعودية وفقها اللّه تعالى: أن توصي مصانع الساعات الكبيرة ساعات الحائط، أن تعمل مائة ساعة كبيرة دقاقة، لوضعها في المسجد الحرام من الداخل و الخارج، و على الصفا و المروة، و على مسجد جبل أبي قبيس الذي في أعلاه، و على جبل الهندي، و في مداخل ميادين مكة، و في شوارعها الكبيرة، و في منى، و في غير ذلك من المحلات التي يكثر مرور الناس منها، كل ذلك ليعرف الناس الأوقات من هذه الساعات‏

158

المطلة عليهم، و لتكون هذه الساعات زينة للبلدة المقدسة، تظهر أمام الحجاج الكرام في كل موسم، و مائة ساعة ليست كثيرة على مكة المشرفة بعد أن اتسعت رقعتها، و كثرت شوارعها و ميادينها، فإن المسجد الحرام وحده يحتاج إلى ثلث هذا العدد في الطابق العلوي و الطابق الأرضي.

و اللّه الموفق للصواب.

الكتيبة بمكة المكرمة

يوجد كثير من دكاكين بيع الكتب الدينية و العربية و الكتب العصرية و الجرائد و المجلات من قديم الأزمان، و أغلب هذه الدكاكين كان حول المسجد الحرام و عند أبوابه، كباب السلام الكبير و باب السلام الصغير، و باب الزيادة و باب إبراهيم و باب العمرة و باب الدريبة، ثم لما حصلت التوسعة في المسجد الحرام و الشوارع بمكة المكرمة، و هدمت المحلات و البيوت التي حول المسجد الحرام، انتقلت الدكاكين و المحلات القديمة إلى بعض الجهات بمكة المكرمة.

فمما يوجد الآن بمكة المكرمة من دكاكين بيع الكتب المختلفة و في مقدمتها المصاحف الشريفة، ما يأتي في هذا الجدول:

عدد/ اسم المكتبة/ اسم صاحبها/ الجهة التي تقع فيها 1/ مكتبة المعارف/ للشيخ أحمد سعيد حلواني/ بالصفا

2/ مكتبة العرابي/ للشيخ عبد اللّه عرابي/ بالصفا

3/ المكتبة التجارية/ للشيخ نبيل مصطفي الباز/ بالصفا

4/ مكتبة دار التعاون/ للشيخ عباس أحمد الباز/ بالمروة

5/ مكتبة ميرو/ للشيخ مصطفى ميرو و أولاده/ بالمروة

6/ مكتبة الثقافة/ للشيخ صالح محمد جمال/ بسوق الليل‏

7/ مكتبة النهضة الحديثة/ للشيخ عبد الشكور فدا/ بسوق الليل‏

8/ مكتبة المرزا/ للشيخ عبد العزيز مرزا و أولاده/ بالمروة

9/ المكتبة السلفية/ للشيخ صالح الباز و أولاده/ بالقشاشية

10/ مكتبة النهضة/ للشيخ علي الباز و أولاده/ بالصفا

11/ المكتبة العلمية/ للشيخ عبد الفتاح فدا و أولاده/ بباب السلام‏

12/ مكتبة التقدم العلمية/ للشيخ عبد الحميد فدا/ بالصفا

159

هذا ما يوجد بمكة المشرفة من المكتبات التي تباع فيها المصاحف الشريفة و كتب التفسير و الحديث، و كتب اللغة و الأدب و الدواوين الشعرية، و كتب التاريخ و الفنون، و الكتب العصرية الحديثة، و كتب القصص و الحكايات و الروايات، و المجلات و الصحف المحلية و غيرها، و هناك مكتبات أخرى لم نتذكرها يباع فيها الأدوات الكتابية من الأقلام و الأوراق و الظروف و الحبر، و كل ما يستلزمه الكتابة، فلا يحتاج أحد إلى شي‏ء إلا و وجده.

و أسماء المكتبات المذكورة كتبها لنا الشيخ عبد الشكور فدا.

منجر الأخشاب بمكة المكرمة

كان نشر الأخشاب بمكة المكرمة يكلف عناء عظيما و تعبا كبيرا للعمال الذين ينشرونها، علاوة على ما في نشرها بالأيدي من تكاليف باهظة، و من أخذ وقت طويل في إنجازها و إتمامها، و لقد كانوا ينشرون ألواح الأخشاب العريضة السميكة بكيفية عجيبة فريدة، و هي أنهم كانوا يضعون اللوح الثخين المتين فوق نحو سلمين على ارتفاع قامة فأكثر، ثم يطلع فوق اللوح رجل و يقف تحته على الأرض رجل آخر، ثم يأتيان بمنشار كبير طوله نحو مترين، و قد جعلوا في طرفه الأول خشبا بالعرض و في طرفه الثاني كذلك، فيجر الأول المنشار على اللوح إلى أعلا، ثم يجر الثاني المنشار على اللوح إلى أسفل، و هكذا يستمر نشر اللوح حتى ينتهي قطعه، و كلما نشروا جزءا من اللوح وضعوا قطعة صغيرة من الخشب بوسط الشق ليسهل النشر و يسهل جر المنشار، و هذه القطعة تسمى عندهم بالخابور، و هلم جرا في نشر جميع الألواح الخشبية الكبيرة.

أما نشر الألواح الصغيرة و مسحها بالفارة و تقطيعها إلى أجزاء حسب الرغبة، فإن ذلك يكون بالمناشير الصغيرة بعمل نجار واحد فقط، و كل ذلك يستلزم التعب و المشقة و تكاليف زائدة كما يأخذ وقتا أكثر.

فلما انتعش الناس و ازداد العمران بمكة المشرفة في العهد السعودي، استحضر بعضهم منجرا لنشر الأخشاب و قطعها و مسحها بالكهرباء، و يسمى عندنا" بالمنجر" أو" بالورشة الكهربائية للنجارة"، و أول من أحضر منجرة بمكة المكرمة هو الشيخ أحمد نحاس رئيس طائفة النجارين، فلقد أحضرها إلى مكة المشرفة في سنة (1358) هجرية، ثم بعده أحضر الناس كثيرا من المناجر الكهربائية لنشر

160

الأخشاب، حتى صار يوجد منها الآن بمكة المكرمة ثلاثون منجرة كهربائية، كما أخبرنا بذلك رئيس طائفة النجارين المذكور، و هي كما يأتي:

(1) منجرة الشيخ أحمد نحاس.

(2) منجرة الشيخ محمد عبد الواحد.

(3) منجرة الشيخ صالح ناقور.

(4) منجرة الشيخ محمد طائفي.

(5) منجرة الشيخ صديق نجوم.

(6) منجرة الشيخ عربي مغربي.

(7) منجرة الشيخ شكري نجوم.

(8) منجرة الشيخ حسن وهبو.

(9) منجرة الشيخ حسن حموده.

(10) منجرة الشيخ محمود موسى.

(11) منجرة الشيخ أحمد كسوره.

(12) منجرة الشيخ صدقة و سراج كعكي.

(13) منجرة الشيخ سليمان غباشي.

(14) منجرة الشيخ أحمد رزق.

(15) منجرة الشيخ عبد القادر صعذر.

(16) منجرة الشيخ حجي عباسي البخاري.

(17) منجرة الشيخ أحمد مكي.

(18) منجرة الشيخ أحمد داغستاني.

(19) منجرة الشيخ أحمد و محمد كعكي.

(20) منجرة الشيخ علي علوش.

(21) منجرة الشيخ أحمد مشيع الغامدي و شريكه أحمد بكري.

(22) منجرة الشيخ عايض الغامدي.

161

(23) منجرة الشيخ سعد الغامدي.

(24) منجرة الشيخ عمر خوقير.

(25) منجرة الشيخ عباس رشوان.

(26) منجرة الشيخ صالح كسار.

(27) منجرة الشيخ محمد سعيد أخضر.

(28) منجرة الشيخ سليمان كسار.

(29) منجرة الشيخ سعيد عجب نور.

(30) منجرة الشيخ عبد اللّه كعكي.

نقلنا هذه الأسماء كما جاءتنا من رئيس طائفة النجارين عندنا، بدون مراعاة للترتيب و الأسبقية لإحضار الورشة، نسأل اللّه تعالى التوفيق و السداد.

المصوراتية بمكة المكرمة

لم يكن بمكة المشرفة في سابق الأزمان أحد من المصوراتية يأخذ صورا فتوغرافية للناس، فلما جاءت الحكومة السعودية و تطورت الحياة عندنا و تقدمت الحرف و الصناعات، ظهرت بعض المصوراتية بمكة المكرمة من سنة (1350) ألف و ثلاثمائة و خمسين هجرية، لأخذ صور المسافرين إلى الخارج، و لأخذ صور الذين يطلبون التابعيات من أهل البلاد، و لأخذ صور الذين يطلبون عمل الإقامات من الأغراب، و لأخذ صور بعض الحفلات، مع العلم بأن أخذ صور النساء عندنا في جوزات السفر أو للتابعيات أو للإقامات ممنوع منعا باتا مطلقا إلى يومنا هذا.

ثم بعد ذلك كثر المصوراتية عندنا من أهل البلاد و من غيرهم كثرة زائدة شيئا فشيئا، حتى صار يوجد بمكة اليوم و نحن في سنة (1385) هجرية طائفة من المصوراتية، نذكر منهم ما يأتي:

عدد/ اسم المصوراتي/ بعض الملحوظات 1/ صبري بوشناق/ هو من مكة المكرمة، يشتغل في التصوير قديما

2/ جميل بوشناق/ هو من مكة المكرمة، يشتغل في التصوير قديما

3/ محمود شفيق/ هو من مكة المكرمة، يشتغل في التصوير قديما

162

4/ سعيد شاورلي/ هو من مكة المكرمة، يشتغل في التصوير قديما

5/ الزبير/ إنه من الهند، يشتغل في التصوير من سنة 1365 تقريبا

6/ استوديو الشباب/ لصاحبه علي هزاع، يشتغل بمكة من سنة (1383) هجرية

7/ صاحب استوديو الشرق/ إنه من حضرموت، يشتغل بمكة من سنة 1379 تقريبا

8/ صاحب استوديو أكفا/ إنه من جاوة، يشتغل بمكة من سنة 1371 تقريبا

9/ صاحب استوديو الشمس/ إنه من الهند، يشتغل بمكة من سنة 1381 تقريبا

10/ صاحب استوديو العلم الأخضر/ لم نعلم شيئا عن صاحبه، يشتغل بمكة من سنة 1382 تقريبا

11/ صاحب استوديو النصر/ إنه من جاوة أو من الهند، اشتغل بمكة من سنة 1383 تقريبا

12/ محمد سليمان الكثيري/ إنه من حضرموت، اشتغل بمكة من سنة 1374 تقريبا

13/ استوديو العاصمة/ لصاحبه أحمد محمد العدني، اشتغل بمكة من سنة 1382 تقريبا

هذا ما يحضرنا من أسماء المصورين بمكة المكرمة، و يوجد بها غيرهم أيضا لكن لم نقدر على البحث عن محلاتهم، و فيما ذكرناه كفاية لمن أراد الوقوف على سرعة التطور الحديث عندنا، مع العلم بأن غالب المتعلمين المثقفين لديهم آلات التصوير يأخذون صور ما يرغبون من الأشخاص و المناظر الطبيعية. و مما يجدر بالذكر: إن لفضيلة العلامة الجليل شيخنا الشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية الأسبق (رحمه اللّه تعالى)، رسالة فريدة قيمة جدا اسمها" الجواب الشافي في التصوير الفتوغرافي" أفتى فيها بحل التصوير، و هي رسالة طبعت في حياة مؤلفها عليه الرحمة و الرضوان، و نظنها أنها مطبوعة منذ سنة (1346) هجرية، فجزى اللّه تعالى صاحبها عن الإسلام و المسلمين خيرا، و نحن نعتقد أنه لم يوجد في عصرنا الحاضر

163

أخذ مثله ممتلئ من العلم و الفضل و الصلاح، فقد كان (رحمه اللّه تعالى) بحرا لا ساحل له، كانت تأتيه الأسئلة في مختلف العلوم و الفنون من جميع الممالك الإسلامية و هو يرد عليها بالأجوبة الشافية الوافية بما يقنع السائلين من جميع الوجوه.

الآلات الكاتبة بمكة المكرمة

الآلة الكاتبة ظهرت لأول مرة في الوجود في سنة (1866) ميلادية، اخترعها كرستوفر لاثام شولز من مدينة بنسلفانيا، بمساعدة صديقه صامويل سول- فلما علم بهذا الاختراع (رمنجتون و أولاده) بنيويورك في أمريكا و هو رجل له خبرة بصنع الماكينات و عنده خبراء موظفون في هذا الشأن. لما علم (رمنجتون) و أولاده باختراع الآلة الكاتبة قابل هذا المشروع بحماسة زائدة، و اشترى هو و أولاده امتياز هذا المشروع من مخترعيه شولز و صديقه صامويل سول، و انضم لهم ثالث اسمه دنسمور، ثم ما زالت التحسينات تدخل على الآلة الكاتبة، حتى بلغت اليوم درجة الكمال و صارت الآلة الكاتبة في عصرنا الحاضر تشغل جزءا هاما من حياتنا العملية.

و لم تكن مكة المكرمة فيما مضى من العصور و الأزمان تعرف الآلات الكاتبة، فإن جميع أهلها كانوا يكتبون بأيديهم بأقلام القصب و بالحبر الأسود، سواء في الأعمال الشخصية و التجارات، أو في الأعمال الرسمية في دوائر الحكومات- هكذا كان الحال في مكة المشرفة و جميع الممالك و الأقطار.

فلما اخترعوا الآلات الكاتبة في قرننا هذا، القرن الرابع للهجرة، ظهرت في بعض الأقطار العربية، ثم انتشرت و شاع استعمالها تدريجيا كما هو سنة التطور، فكان أول ظهورها بكثرة في مكة المكرمة في العهد السعودي، و كانت ذلك أول الأمر في سنة (1355) ألف و ثلاثمائة و خمس و خمسين هجرية تقريبا، في ديوان الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (رحمه اللّه تعالى)، و في ديوان سمو ولي عهده، ثم انتشرت الآلات الكاتبة في جميع دوائر الحكومة عندنا و في جميع الدوائر التجارية و غيرها، و أول مدرسة فتحت لتعليم الكتابة على الآلات الكاتبة بمكة المكرمة، كانت في سنة (1369) ألف و ثلاثمائة و تسع و ستين هجرية. و اللّه الموفق للصواب و إليه المرجع و المآب.

164

مصانع الثلج بمكة المكرمة

إن مكة المكرمة لا تنزل فيها الأمطار إلا قليلا، أما الثلج فلا ينزل فيها من السماء مطلقا كما ينزل في بلاد روسيا و الأتراك و الأكراد و العراق و غيرها، نعم ينزل بمكة البرد مع الأمطار في بعض الأوقات و بعد مرور عدة سنوات، و يكون حجم البرد بمقدار حبات العنب بل أصغر، و لقد سمعنا أن البرد في بلاد اليمن يكون بحجم البرتقال و الرمان. و البرد بفتحتين شي‏ء ينزل من السحاب يشبه الحصى و يسمى حب الغمام و حب المزن كما في المصباح المنير، و إذا نزل البرد عندنا بمكة مع المطر يفرح به الصبيان، و بعضهم يجمع مقدارا من هذا البرد ثم يضعه في كأس من الماء ليبرد ثم يشربه.

هذه حالة مكة المكرمة" بلد اللّه الأمين"، إنها لا تعرف الثلج الإلهي و لا الصناعي في سابق العصور و الأزمان، ثم بدأ ظهور الثلج الصناعي بمكة المشرفة و صار فيها خمس مصانع كما يأتي:

(1) مصنع الحاج نسيم الشامي أقامة في سنة (1338) هجرية تقريبا، بجهة سوق المعلا في طرف مقبرة المعلا من الخارج، ثم اشتراه منه الشيخ عبد اللّه باحمدين (رحمه اللّه تعالى) و أبقاه في محله المذكور بالمعلا، ثم نقل المصنع إلى أم الدود في طريق جدة.

(2) و مصنع الثلج للأخوين الشقيقين الشيخ صدقة و الشيخ سراج كعكي، و كان ابتداء تشغيل هذا المصنع في سنة (1370) ألف و ثلاثمائة و سبعين هجرية، و هو واقع بجهة جرول.

(3) و مصنع الثلج للشيخ عبد اللّه كعكي، و قد أقامه في سنة (1375) هجرية تقريبا، و هو واقع بجهة المسفلة.

(4) و مصنع الثلج للشيخ طه خياط، و قد أقامه سنة (1377) هجرية تقريبا، و هو واقع بجهة الششة فيما بين مكة و منى.

(5) مصنع الثلج للشيخ محمد عمر سعيد عيد، و قد أقامه في سنة (1379) هجرية تقريبا، و هو واقع في حوض البقر بين مكة و منى. و اللّه تعالى أعلم عدد ما يكون من مصانع الثلج أو غيره في بلده الأمين (مكة المكرمة) أدام اللّه أمنها و أمانها و خيرها و رخاءها و بارك في طعام أهلها و معيشتهم آمين.

165

الكاكولا بمكة المكرمة و غيرها من المشروبات الحلوة اللذيذة

كانت العادة بمكة المكرمة من قديم الأزمان، أن يقدموا للزوار و الضيوف في مناسبات أفراح في الأعياد و الزواج و الختان، و عندما يختم أطفالهم في الكتاتيب القرآن الكريم نظرا أو غيبا، أن يقدموا للحاضرين في بيوتهم الشربات، و هي عبارة عن إذابة السكر في الماء في أزيار من الطين أو في مواعين نحاسية، و يخلطون فيها قليلا من الصباغ الملون إما أصفر و إما أحمر أو الأخضر أو الأزرق، و يضعون فيها قليلا من ماء الورد أو ماء الكادي أو المصطكى، و قد يضعون في هذا الماء ملح الليمون أو يعصرون فيه نفس الليمون، ثم يسكبونه في أكواب و كاسات من الزجاج البلور، ثم يقدمونها للزوار و الضيوف، و تقديمها ضروري للضيوف في هذه المناسبات، و كذلك الشاي.

و لقد قال أحد شعراء مكة المكرمة، و هو الشيخ أحمد بن أمين بيت الخال المتوفى في سنة (1305) هجرية تقريبا:

إذا زار من تهواه يوما مودة* * * و قد أيقنت بالود منك نفوسه‏

فإن رمت أن تحظى بلطف حديثه‏* * * و بادرت بالشاهي يطول جلوسه‏

و إن تسقه الشربات يا صاح إنه‏* * * يقوم إذا دارت عليه كؤوسه‏

فمن هنا يعلم أن أهل الحجاز كانوا و لا يزالون يحبون شرب الشاي في كل الأوقات، أما الشربات فما كانوا يقدمونها للضيوف إلا في المناسبات التي ذكرناها، مع العلم بأن الشربات قبل وجود الثلج عندنا بمكة المكرمة كانوا يعملونها بالماء البارد الذي يبرد في الهواء فقط.

لقد كانوا يعملون أنواع الشربات من الأشياء الآتية: من التمر الهندي، و من الزبيب، و من التمر اليابس، و من الخرنوب، و من عصير الليمون، و من السوبيا، و هو عبارة عن منقوع الخبز اليابس بعد تصفيته، و كانوا يضعون كل ذلك في أزيار معمول من الطين، و كانت تبرد في الهواء الطبيعي في الأسواق، و كانوا ينقعون بزر الريحان في الماء، فإذا طلب أحدهم أن يشرب كأسا من هذه الشرابات، وضع البائع في كأسه ملعقة من منقوع بزر الريحان فيكون لذيذا سهل‏

166

الهضم، و كان هناك شراب ممتاز جيد للهضم يسمى" القازوزة" يباع مع الشرابات المذكورة، و كان للقازوزة قوارير خاصة توضع فيها كل قارورة مفتوحة من جانبي رقبتها، و في داخل كل قارورة قزازة صغيرة كروية الشكل بحجم حبة العنبة لا تخرج من فم القزازة لضيق رقبتها، ثم بطلت هذه الشرابات البلدية من نحو ثلاثين سنة تقريبا، و استعيض عنها بالشرابات الخارجية. ثم وجدت في الأسواق قوارير الشربات المختلفة الأنواع، من شراب الورد و شراب البرتقال، و شراب التوت، و شراب المانقا المسمى بالأنبا، و شراب الرمان، و غيرها، كانت تأتي من الخارج من مصر و الآستانة و سوريا و غيرها.

ثم لما ظهر الثلج الصناعي بمكة المكرمة و كثر وجوده، ظهر عندنا شراب" الكاكولا" و هو متخذ من الشاي و قهوة البن، مع خلطه بشي‏ء من الصودا أو الكربون من الأشياء المهضمة، و ظهر ذلك عندنا من بعد سنة (1370) من الهجرة تقريبا، ثم بعد ظهور الكاكولا عندنا بسنوات، ظهر شراب الليمون، و شراب البرتقال، و شراب البيبسي، و شراب ميراندا، و شراب التفاح، و شراب الفرتبول، و شراب سينالكو، و توضع كل هذه الأشربة بقواريرها في الثلج لتبرد ثم تشرب- و قد ظهر شراب الكاكولا و هذه الأشربة في الممالك الأخرى قبل ظهورها عندنا بسنوات معدودات، و مصانع هذه المشروبات اللذيذة موجودة بجدة و لكن أصحابها من أهل مكة المكرمة، و هم كما يأتي: الشيخ صدقة و الشيخ سراج كعكي و هما أخوان شقيقان لهما مصنع الكاكولا، و الشيخ عطا إلياس له مصنع الفرتبول، و كذلك الشيخ بكر تونسي- نسأل اللّه تعالى التوفيق لكثير من الأمور النافعة.

مصنع الحلويات بمكة المكرمة

لم يكن بمكة المكرمة مصنع للحلويات كما في الخارج، و إنما كان أهلها من جنس الهنود يصنعون بها الحلويات البلدية، كالحلاوة الحمصية و حلاوة اللدو، و حلاوة الهريسة، و حلاوة المشبك" بتشديد الباء الموحدة"، و الحلاوة اللبنية و غيرها، ثم وردت إلينا الحلويات المنوعة من الخارج حتى كادت هذه الحلويات البلدية أن تندثر الآن.

167

ثم إنه في سنة (1374) تقريبا، فتح الشيخ عبد اللّه كعكي شيخ الفرانة عندنا أول مصنع بمكة المكرمة للحلويات كما في الخارج، فصار هذا المصنع يخرج لنا من الحلويات أصنافا كثيرة، و قد سمعنا أيضا أنه يوجد مصنع آخر اسمه" مصنع حلويات الحرمين" و هو واقع فيما بين مكة و جدة و إلى مكة أقرب، و نظن أنه واقع في أم الدود أو في حدة" بالحاء المهملة"، و إن شاء اللّه تعالى ستتوالى المصانع المختلفة عندنا، ففي المثل" أول الغيث قطر ثم ينهمر" نسأل اللّه تعالى أن يكثر علينا الخيرات و البركات آمين.

الصياغة بمكة المكرمة

الصياغة من الأمور الضرورية للبشر، لما فيها للنساء من التحلية و التزين بالذهب و الفضة و اللآلي و الجواهر، فهي من الصياغات القديمة المعروفة في جميع بلدان العالم و منها الحرمان الشريفان" مكة المكرمة و المدينة المنورة".

و من الأدلة الواضحة المكشوفة على أن الصياغة قديمة العهد، ما نراه في المتاحف و دور الآثار بمصر من الحلي و أنواع الأشياء الذهبية و الفضية الخالصة الجميلة البراقة، و من التوابيت الذهبية المحفوظة التي تدهش الناظر و تأخذ بالألباب، إنهم عثروا عليها في الحفريات في القطر المصري و هي مصنوعة من منذ خمسة آلاف سنة بل أكثر، و مثل ذلك يوجد أيضا في بلاد اليمن و في بلاد العراق و في بلاد الأردن و غيرها من البلدان. و لقد اطلعنا على الآثار و المتاحف الموجودة بمصر، عندما كنا هناك من سنة (1340) ألف و ثلاثمائة و أربعين هجرية، عند ما كنا نطلب العلم في الأزهر الشريف المعمور، زاده اللّه تعالى علماء و خيرا و بركة.

فمكة المشرفة تعرف الصياغة من قديم الأزمان و العصور، و في عصرنا هذا، عصر التقدم و التمدن برع أناس من أهل مكة في صنعة الصياغة إلى درجة عظيمة، لأن فيهم ذكاء و نشاطا فطريين، و لأهل الصياغة عندنا سوق معروفة خاصة، و عليهم شيخ من أهل الصنعة، و في دكاكينهم أنواع كثيرة مختلفة من الحلي، كالعقود اللؤلؤية، و الأسورة الذهبية، و الخواتيم المحلاة بالأحجار الكريمة، و غير ذلك من المصوغات.

و هناك طائفة منهم عريقون في صنعة الصياغة أبا عن جد بالوراثة، و بعضهم مستجد مارس هذه المهنة اللطيفة النظيفة بنفسه عن رغبة و شوق فصار يشار إليه‏

168

بالبنان- الحاصل أن مكة المكرمة لا توجد صنعة في الدنيا إلا و فيها مثلها و للّه الحمد، و لا غرو فهي بلد اللّه الأمين، و بلد رسوله العزيز المكين، ففيها نبع الإسلام، و إليها يعود الإيمان، فهنيئا لأهلها و من كان فيها، إنها البلدة الطاهرة الزاهرة، المشرقة الآمنة العامرة. نسأل اللّه تعالى التوفيق و صلاح الحال و الأحوال آمين.

مزارع الدواجن بمكة المكرمة

تقدم أن ذكرنا عن الدجاج الخارجي بمكة المكرمة، و هنا نذكر أيضا بصورة مختصرة عن مزارع الدواجن بمكة، فإنه يوجد بمكة شرفها اللّه تعالى ثلاث مزارع، (الأولى) مزرعة فقيه للدواجن و هذه المزرعة أقدم المزارع (و الثانية) مزرعة الشيخ عبد اللّه كعكي، (و الثالثة) مزرعة الشيخ عبد اللّه كوير.

و تسمية كل واحدة منها بمزرعة من باب اللطافة، فإنه ليست مزرعة بالعنى الحقيقي، غير أن هذه الأماكن الثلاثة، يوجد في كل واحدة منها قليل من الرياحين و الزروع الخفيفة، كما أن تسميتها بالدواجن من باب التشهير فقط، إذ ليس بها شي‏ء من الدواجن غير الدجاج الخارجي.

و من عجيب الأمر الذي يلفت النظر، أن البيض الخارجي موجود عندنا بكثرة، أما البيض البلدي فإنه يكاد ينعدم من البلاد، مع أنه كان في الأزمنة الماضية يوجد بكثرة وافرة في الأسواق، فالأمر للّه عز و جل.

زيت المازولا بمكة المكرمة

لم يكن بمكة المكرمة من سابق الأزمان غير زيت الزيتون و زيت السمسم، ثم جاءها من الخارج زيت المازولا، بضم الزاي، و ذلك في سنة (1376) ألف و ثلاثمائة و ست و سبعين هجرية تقريبا، و هو زيت مستخرج من الضرة الحبشي، بضم الضاد و تخفيف الراء و فتحها، و هو الضرة التي تشوى فوق الجمر، إنه زيت خفيف جدا على القلب و المعدة لعدم وجود الدهن فيه إلا بقلة، لذلك الأطباء يصفونه للمرضى الذين هم ممنوعون من أكل السمن و الدهن، و هذا الزيت يأتينا في زجاجات و في علب. هذا و اللّه تعالى أعلم ماذا سيظهر من الزيوت في الدنيا، و ربما ظهر زيت صناعي كما ظهر سمن صناعي، أما زيت الأخشاب فهو موجود

169

في الخارج بكثرة، و هو يستعمل في بعض المأكولات و في قلي بعض الأشياء، و هذا الزيت رخيص، كما ظهر في الوجود زيت السمك، و هو زيت عظيم النفع لا يستعمل إلا في بعض الأمراض بنقط معدودة، مثله أيضا زيت صفار البيض، و قد سمعنا أنهم في الخارج يحاولون استخراج الزيت من الماء، و ربما يستخرجون أيضا زيت بعض الحبوب و الخضار و الفواكهه، و زيت القطن موجود بمصر. أما زيت الزيتون و زيت السمسم فهما معروفان من قديم الدهور و العصور خصوصا زيت الزيتون، و لهما من المنافع و الفوائد ما لا يخفى.

صالونات الحلاقة بمكة المكرمة

لم تكن بمكة صالونات الحلاقة، و إنما كان الحلاقون يفتحون دكانا صغيرا للحلاقة في أنحاء مكة، و أكثر دكاكين الحلاقة كانت مجموعة بجوار بعض في نهاية المسعى عند المروة، حيث ينتهي عندها الساعون المحرمون بالحج أو بالعمرة فيحلق هناك رأسه أو يقصر، فكان الناس يذهبون إلى دكاكين الحلاقة ليحلقوا رؤوسهم أو يصلحوا ذقونهم، و بعضهم يتفق مع الحلاق ليذهب إلى بيته في كل أسبوع مرة ليحلق له، و كان جميع الناس حتى تلامذة المدارس يحلقون رؤوسهم بالموسى من قديم الأزمان إلى سنة (1360) هجرية تقريبا.

ثم بعد هذه السنة المذكورة كثر وجود الأغراب بمكة المكرمة كثرة فاحشة من كافة الأجناس و الطبقات، فتعلم أهل البلدة الطاهرة من هؤلاء تربية شعر الرأس و التواليت، خصوصا و أن بعض هؤلاء الأغراب افتتحوا صالونات جميلة للحلاقة في الشوارع، في دكاكين مزينة بأدوات الحلاقة الحديثة، حتى صاروا يحلقون الذقون بالمكائن الكهربائية.

و أغلب هؤلاء الحلاقين من سوريا و فلسطين و الأردن، و هكذا تطورت البلاد في كل الحالات.

الدجاج الخارجي بمكة المكرمة

لم يكن في سابق الأزمنة يأتي دجاج من الخارج إلى مكة المكرمة، و لكنه في الوقت الحاضر، أي من سنة (1373) ألف و ثلاثمائة و ثلاث و سبعين هجرية تقريبا أحضر بعضهم إلى مكة من الخارج صغار الدجاج المسماة عندنا

170

(بالفراريج)، و المسماة بمصر (بالكتاكيت)، أحضر منها كثرة وفيرة لتربيتها بمكة و بيعها إذا كبرت، و أحضر معها أطعمتها الخاصة التي يطعمونها في بلادها، و وضعها في حديقة صغيرة وسط غرفة باردة، و وضع عليها من يطعمها و يسقيها بصورة فنية، وضع بعضها بأعلا مكة عند حوض البقر، و بعضها في الحفائر بأسفل مكة، فما كبر منها و صار صالحا للأكل أنزلها إلى السوق للبيع.

و لما كانت هذه الدجاجات في أرض مزروعة ببعض الرياحين و الزهور أطلقوا على موضعها مزرعة الدواجن مع أنه ليس فيها سوى الدجاج، قال في مختار الصحاح: و الدجاج معروف، و فتح الدال أفصح من كسرها، الواحدة دجاجة ذكرا كان أو أنثى، و الهاء للإفراد كحمامة و بطة، انتهى منه. و من هنا يعلم أن نطقنا الدجاجة بضم الدال خطأ محض.

الحوت و السمك الطري بمكة المكرمة

الحوت و السمك عندنا بالحجاز بمعنى واحد، و في الخارج في بعض الممالك يقولون للحوت صغار سمك و للسمك الكبار حوت.

و الحوت في مدن الحجاز التي على ساحل البحر الأحمر كثير، كجدة و رابغ و ينبع و ما بينها من المحطات و المواقع و الليث و غيرها.

لم يكن في العصور الماضية يوجد بمكة المكرمة شي‏ء من الحوت الأخضر، أي الحوت الطري الجديد الخارج من البحر، و إنما كان المعروف من الحوت في مكة نوعان من الحوت فقط، و هما الحوت المقلي بالزيت و هذا كان يأتي إليها من جدة مقليا، و كانوا يضعونه في أقفاص من جريد النخل ليتخلله الهواء في نقله من جدة إلى مكة، و كانوا يرسلونه إلى مكة مع الحمّارة، بتشديد الميم، فيصل إليها من جدة في ليلة واحدة فقط، أي كانوا يرسلونه قبيل المغرب من جدة فيصل إلى مكة في الصباح، فالحمار الجيد يقطع المسافة من جدة إلى مكة في ليلة واحدة، و ما كانوا يرسلونه على الجمال لأنها تقطع المسافة بين البلدتين في ليلتين، و لأن الجمّالة بتشديد الميم لا يمشون بالنهار مطلقا خوفا من حرارة الشمس، فهم بالنهار يقيلون في قرية بحرة و هي منتصف الطريق بين مكة و جدة، فكان الحوت المقلي إذا وصل إلى مكة المكرمة قلوه مرة أخرى في الدكاكين ثم يبيعونه خوفا من تغيره و خرابه، هذا الحوت المقلي هو الذي يعرفه أهل مكة من قديم العصور و الأزمان.

171

فلما ظهرت السيارات و شاع استعمالها في جميع مدن المملكة السعودية، و كثر انتقالها و سفرها بين بلدان المملكة، و ظهرت أيضا الثلاجات الكهربائية و مصانع الثلج بمكة، قام بعضهم بجلب الحوت الأخضر أي الطري من جدة و رابغ و مستورة إلى مكة المكرمة، فيصيدون الحوت من البحر الأحمر من هذه الأماكن ليلا، ثم يرسلونه طريا في الصباح المبكر من جدة بالسيارة فيكون بمكة في وقت الضحى، و يعرض حين وصوله للبيع في الدكاكين التي بالمنشية بزقاق الوزير، و قد يمكث هذا الحوت في الصناديق المثلجة يومين أو ثلاثة، ثم يتجدد إحضاره أيضا، فربما أحضروا الحوت الطري من جدة في كل يوم مرة، و ربما أحضروه يوما بعد يوم بحسب سرعة بيعه أو عدمه.

و يوجد عندنا نوع ثالث من الحوت و هو الحوت الناشف أي اليابس و هو كثير، فإنهم ييبسونه يبسا تاما فيبقى أشهرا عديدة معروضا في الدكاكين من غير أن يحصل عليه تغير، حتى إنهم ييبسون الجمبري و يسمى عندنا" الربيان"، بضم الراء و سكون الباء الموحدة.

و أهل مكة يطبخون الحوت بأنواع مختلفة و أحيانا يأكلونه مقليا، و أهل جدة لهم ولع كبير بأكل الحوت، و لهم طرق كثيرة في طبخه لا يتقنه غيرهم، و الحق يقال: أن أكل الحوت لذيذ سهل الهضم، إنه ألذ من لحم الدجاج و الطيور، و يكفي فيه قوله تعالى في سورة فاطر: وَ ما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا.

هذا و بمناسبة كلامنا على وجود الحوت الطري الجديد بمكة المكرمة، نذكر ما جاء في صحيح البخاري عن عثور الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم على حوت كبير في البحر، و لغرابة كبره نذكره هنا. فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب الوكالة في باب الشركة و النهد و العروض: عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما أنه قال: بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، بعثا قبل الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح و هم ثلاثمائة و أنا فيهم فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله فكان مزودى تمر، فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني، فلم يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقلت: و ما تغني تمرة، فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت، قال: ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظرب، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من‏

172

أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت، ثم مرت تحتهما فلم تصبهما. انتهى من صحيح البخاري.

و معنى الظرب في اللغة: ما تنأ من الأرض كالرابية. قال في القاموس المحيط:

الظرب ككتف ما تنأ من الحجارة و حد طرفه، أو الجبل المنبسط أو الصغير، جمع ظرايب. ا ه. فيكون معنى الجملة التي في الحديث" فإذا حوت مثل الظرب" أي حوت كبير ناتئ و بارز من البحر كأنه الجبل الصغير.

فانظر رحمنا اللّه تعالى و إياك إلى كبر هذا الحوت العظيم الذي أكل منه ثلاثمائة من الصحابة (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين) مدة ثمانية عشر يوما.

و الظاهر، و اللّه تعالى أعلم، أنهم وجدوا هذا الحوت في سواحل البحر الأحمر، من جهة ينبع و رابغ و مستورة و ما بين ذلك في طريق الساحل، فالبحر الأحمر صغير بالنسبة لبحار المحيطات الكبيرة، فإنه يوجد في هذه المحيطات من الحوت، ما هو أعظم من هذا الحوت عشرات المرات، فإنه لا يعلم ما في البحر من المخلوقات إلا رب العرش العظيم، فسبحان القادر على كل شي‏ء.

كثرة الأسفار إلى خارج بلادنا

لم يكن أهل الحرمين الشريفين" مكة المكرمة و المدينة المنورة" يعرفون السفر إلى الممالك الأخرى منذ قديم العصور إلا قليلا، و لا يسافرون إلا لأمر ضروري كالسعي وراء الرزق من تجارة، أو ربط معاشات شهرية لهم من بعض أرباب الدولة أو من بعض الأثرياء المعروفين بعمل الخيرات، و لا يسافرون إلا إلى البلدان الإسلامية فقط، كدار الخلافة استامبول، مصر و الشام و العراق و بلاد المغرب و هندستان، و ما كانوا يعرفون السفر إلى الأقطار الإسلامية للمعالجة من الأمراض قط، فكل مريض يعالجه أهله في نفس بلدتهم و على حسب ما يوجد فيها من الأدوية و العقاقير و الأطباء القليلين، أما السفر إلى بلاد أوروبا فما كانوا يعرفونه قط، مع العلم بأنه لم يكن في تلك الأزمان تعب في استخراج جوازات السفر، و لم تكن قوانين تحتم على المسافر أخذ تأشيرة إقامة مدة يسيرة معلومة في البلدة التي يسافر إليها، بل يكفي للمسافر أن يحمل معه بطاقة شخصية رسمية من ميناء بلدته لا تتجاوز قيمة هذه البطاقة أكثر من نصف ريال.

173

كان السفر إلى خارج الحرمين قليلا كما قلنا، إلى سنة (1334) أي إلى سنة نهضة الشريف الحسين بن علي ملك الحجاز الأسبق (رحمه اللّه تعالى)، حيث في هذه السنة المذكورة و هي سنة ألف و ثلاثمائة و أربع و ثلاثين هجرية، حصل قيام جميع ممالك العرب على الدولة التركية العثمانية، فكانت الحرب دائرة ضدها في جميع البلدان و منها مكة و المدينة، فقد تعب أهل هاتين البلدتين أثناء المحاربة، فسافر بعضهم إلى مصر و أغلبهم سافروا إلى الشام خصوصا أهل المدينة المنورة لقربها منهم، و لوجود السكة الحديدية من المدينة إلى الشام، و مكث هناك بعضهم سنوات عديدة، و بعد أن استقرت الأمور بالحجاز رجعوا إلى أوطانهم. ثم بعد نحو عشر سنوات من السنة المذكورة أي في سنة (1343) ألف و ثلاثمائة و ثلاث و أربعين هجرية، وقعت حرب أخرى بين الشريف الحسين بن علي ملك الحجاز المذكور و بين سلطان نجد عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمهما اللّه تعالى و غفر لهما، فزحف الثاني من نجد على الحجاز و استولى عليها، فحصل رعب عند الناس أيضا و خافوا على أنفسهم، فسافروا إلى مصر و الشام و غيرهما، فلما استقر الأمر في الحجاز، رجعوا مرة ثانية إلى الحجاز كل واحد استقر في بلدته.

فمن هاتين الوقعتين تعلم أهل الحرمين و غيرهم السفر إلى الخارج، حيث صار لهم هنالك معارف و أصدقاء علاوة على معرفتهم بالحجاج الذين يحضرون إليهم في كل عام في مواسم الحج.

ثم من بعد سنة (1355) ألف و ثلاثمائة و خمس و خمسين هجرية، كثر السفر من عندنا تدريجيا إلى جميع الممالك الإسلامية و غيرها، و من بعد سنة (1370) ألف و ثلاثمائة و سبعين هجرية، ألفوا السفر إلى البلاد الأوروبية بكثرة فائقة و سهولة و يسر كأنهم ينتقلون من قرية إلى قرية، و نعزو ذلك إلى الأمور الآتية:

(1) كثرة الأموال الموجودة عندنا بالمملكة.

(2) معرفتهم باللغات الإفرنجية التي تعلموها عندنا في المدارس.

(3) معرفتهم بأساليب التجارة أكثر من ذي قبل.

(4) كثرة وسائل التنقلات السهلة، من السيارات و الطائرات و البواخر و السكك الحديدية و غيرها.

(5) وجود البنوك في جميع الممالك و الأقطار و سهولة تحويل المبالغ الطائلة.

174

هذه هي الأمور و الوسائل الأساسية لسرعة التنقلات بين البلدان الشرقية و الغربية، علاوة على انتشار الأمن و الأمان في جميع الممالك و الأقطار، و علاوة على إمكان سرعة اتصال المسافرين بأهليهم و أقاربهم، إما بالتليفون أو بالتلغراف أو بالبريد الجوي، بل يمكن أن يصل المسافر من بلاد أوروبا إلى مكة المشرفة في بضع ساعات بالطائرات براحة تامة، بينما كان السفر إلى تلك الجهات يستغرق أشهرا عديدة قبل قرن واحد، قبل وجود الطائرات و البواخر، حتى أن الحجاج كانوا يصلون من بلاد مصر إلى مكة المكرمة في أربعة أشهر تقريبا من طريق البر بالدواب و الجمال، كما بينا ذلك في محله من هذا الكتاب، و اللّه تعالى أعلم بما سيحدث من وسائل التنقلات في مستقبل الأيام.

المكتبات العامة بمكة المكرمة

المكتبات العامة التي يقصدها أهل العلم من الطلبة و العلماء بمكة المكرمة اثنتان فقط، و هما كما يأتي:

(الأولى) مكتبة الحرم المكي، و هي قد أسست منذ عدة قرون، أسسها أحد سلاطين آل عثمان الأتراك، و كان محلها في الأول أمام بئر زمزم في غرفة فوقها قبة صغيرة، فلما جددت الدولة التركية بناء المسجد الحرام بالقباب بدل السقوف الخشبية، جعلوا هذه المكتبة في مكان خاص بباب الدريبة بداخل المسجد الحرام.

ثم لما قامت الحكومة السعودية بتوسعة المسجد الحرام ابتداء من سنة (1375) ألف و ثلاثمائة و خمس و سبعين هجرية، و هدموا باب الدريبة جعلوا هذه المكتبة في محل خاص أيضا جهة باب السلام، و هذه الجهة لا تبعد عن الجهة الأولى إلا بنحو مائة متر، بل أقل.

(و الثانية) مكتبة مكة المكرمة، و هي تقع الآن في محل ولادة النبي (صلى الله عليه و سلم) بشارع الغزة، و قد أنشئت قريبا منذ سنوات، و كل واحدة مزودة بكتب قيمة و إن كانت قليلة بالنسبة لبعض مكتبات الممالك الأخرى، إلا أنه في عزم حكومتنا الناهضة إمدادهما بكثير من الكتب الأخرى، و ستتحقق هذه النية قريبا بتوفيق اللّه تعالى و فضله.

175

الأربطة بمكة المكرمة

الأربطة جمع رباط، و الرباط عندنا بمكة المكرمة مبنى خاص لسكنى الفقراء و الغرباء و طلاب العلم من غير أكل و لا شرب لهم، فبعض الأربطة يكون للنساء و بعضها يكون للرجال، و العادة أن تكون كل غرفة لشخص واحد. و الأربطة بمكة المكرمة كثيرة و كلها كانت وقفا على الفقراء و طلاب العلم، و هي ما زالت موجودة إلى اليوم. لكن لما شرعت الحكومة السعودية في توسعة المسجد الحرام و في توسعة شوارع مكة المكرمة، و ذلك ابتداء من سنة (1375) ألف و ثلاثمائة و خمس و سبعين هجرية، فما كانت من الأربطة بجوار المسجد الحرام، أو في طريق الشوارع التي لابد من توسعتها فقد هدمتها الحكومة هدما تاما لإدخال أرضها في التوسعة، فبعض الأربطة دفعت الحكومة السعودية مبلغا معينا من المال تعويضا عنها لبناء غيرها في أمكنة أخرى بمكة، و بعض الأربطة الأخرى لم تدفع الحكومة عنها تعويضا، فمحيت من الوجود بتاتا و لم يجدد بدلها شي‏ء- فمن الأربطة التي لم تدفع الحكومة عنها تعويضا ما يأتي:

(1) رباط محمد باشا، و كان بباب الزيادة.

(2) رباط آخر، و كان بباب الزيادة أيضا.

(3) رباط الداودية، و كان في باب العمرة في المسجد الحرام.

(4) رباط السليمانية، و كان بباب الدريبة.

(5) رباط آخر، و كان في باب العمرة من جهة الشارع.

(6) رباط آخر، و كان بباب الزمامية بين باب العتيق و باب العمرة.

هذا ما نحفظه من الأربطة التي لم تدفع الحكومة عنها تعويضا ليبنى بدلها غيرها، و كل هذه الأربطة التي لم تدفع عنها تعويضا قد مضى على بنائها أربعمائة سنة.

176

الحمّامات بمكة المكرمة

الحمّامات بتشديد الميم الأولى، جمع حمام بالتشديد أيضا، و الحمام في اصطلاح عصرنا هو مبنى خاص للاغتسال، تكون فيه عدة غرف و أحواض، كما تكون فيه مياه باردة و ساخنة، و تكون أرض الحمام من المرمر الرخام.

لم يكن بمكة المكرمة من الحمامات سوى حمامين فقط، (الأول) كان في باب العمرة، (و الثاني) كان في آخر القشاشية من جهة المسجد الحرام، هذان الحمامان بنتهما الحكومة التركية عندما كانت تحكم الحجاز و جميع الممالك الإسلامية، بنتهما منذ أربعمائة سنة.

هدم الحمام الأول الذي بباب العمرة سنة 1375 هجرية بسبب توسعة المسجد الحرام في عهد الحكومة السعودية.

و أما الحمام الثاني الذي في القشاشية، فهو الآن مقفول معطل ليس فيه ماء و لا شي‏ء به من أدوات الحمامات. إنه في النية هدمه و إنشاء منزل في مكانه، و اللّه تعالى أعلم.

الحاصل أنه اليوم لم يبق بمكة المكرمة شي‏ء من الحمامات فسبحان المتصرف في الكون، لا إله إلا هو العزيز الغفار.

القهاوي التي بمكة

القهاوي عندنا بمكة المكرمة، بل و بجميع الحجاز، كالمدينة المنورة و مدينة الطائف و مدينة جدة و مدينة رابغ و مدينة ينبع و غيرها، و في المحطات التي بين البلدان خصوصا في طرقات الحج و الزيارة، في هذه الجهات كلها القهاوي كثيرة جدا. و القهاوي جمع قهوة نسبة إلى عمل قهوة البن فيها، و لكنها تجمع بين عمل قهوة البن و الشاي و الشيشة و لمن أراد في القهاوي يمكن إحضار الطعام إليها، خصوصا الطعام الخفيف كالجبن و الزيتون و الحلاوة الطحينية و الفول المدمس و الخبز بأنواعه.

و لا ندري تاريخ إنشاء القهاوي بالحجاز و غيرها من الممالك و البلدان الأخرى، و الظاهر أن وجود القهاوي في داخل البلدان و في المحطات قديم العهد

177

من خمسمائة سنة أو أكثر، لأن حاجة الإنسان ماسة إلى الجلوس في المجتمعات العامة كالقهاوي لما فيها من أسباب راحته من الطعام و الشراب و أنواع المسليات، فالقهاوي هي بمثابة النوادي العامة، يقصدها الإنسان للاستجمام و الراحة هربا من متاعب البيوت و المنازل. كما يقصد الرجل الصالح المساجد للعبادة من الصلاة و التسبيحات و قراءة القرآن، هربا من عناء الدنيا و أشغالها، فوجود القهاوي أمر ضروري يأوي إليها عامة الناس خصوصا طبقات العمال و الصناع.

انظر: صورة رقم 30، إحدى القهاوي الحجازية

و القهاوي في غير الحجاز كمصر و الشام و بلاد الإفرنج هي نوعان:

(النوع الأول) القهاوي العامة، و يقصد العامة من طبقات العمال و الصناع، حيث يجدون فيها راحة أجسامهم و يتداولون بينهم الحكايات و المضحكات، مع وجود الأكل و الشرب فيها بقيمة زهيدة فلا يتكلفون مصاريف كثيرة، و هذا النوع من القهاوي عندنا بالحجاز كثير جدا، بل لا يوجد غيره فيها.

انظر: صورة رقم 31، مقهى بلدي‏

(و النوع الثاني) القهاوي الخاصة الممتازة، و هذه لا يدخلها إلا الأعيان و الأغنياء، و الكبراء و الوزراء، و من في طبقتهم من أهل الغنى و الثراء، حيث يجدون فيها من أطايب الطعام و أنواع المشروبات الروحية و غيرها، و حيث يجدون فيها أنواع المسليات، و يتسامرون فيما بينهم بأنواع القصص و الأخبار، فتستريح أفكارهم و أعصابهم فيها من العناء و الأعمال المرهقة في داخل الدواوين و الدوائر.

و لقد يبلغ قيمة الفنجان الواحد من الشاي أو القهوة فقط بدون طلب شي‏ء آخر، في هذا النوع من القهاوي الممتازة نحو عشرة ريالات سعودية أو جنيها مصريا تقريبا، و ليس ذلك لنفس الشاي أو القهوة فقط، فهذه لا تتعدى قيمتها بضعة قروش، و لكن هذه القيمة الفاحشة و الغلاء الكبير، إنما هي لنفس الجلوس في هذه القهاوي الممتازة، فإنها مؤثثة بأثاث فاخر كبيوت الأغنياء، و الخدمة فيها ممتازة جدا، و نفس الخدم فيها على أحسن حالة من النظافة و الأدب و التربية الممتازة، ثم إن نفس القهاوي تقع في أجمل الشوارع و المحلات، و ربما كانت على ضفاف البحور و الأنهار، و داخل القهوة مزين بالصور و الرسوم البديعة، و فيها من مراكن الزروع و الرياحين و الأزهار العطرة ما يجلب السرور و الراحة التامة، و من‏

178

هنا نفهم سبب الغلاء و ارتفاع قيمة المطعومات و المشروبات في هذه القهاوي الخاصة، فهذا النوع من القهاوي الممتازة كالنوع الخاص من الفنادق الممتازة.

و ليس عندنا بالحجاز قط شي‏ء من هذه القهاوي الخاصة الممتازة، فإن من فتح عندنا مثل هذه القهاوي يخسر و لا يربح، لقلة الرواد و القاصدين إليها.

فالقهاوي العامة من النوع الأول عندنا بالحجاز يمتاز عن مثلها في البلدان الأخرى بما يأتي:

(1) كراسي قهاوينا طويلة على قدر طول الإنسان، فيمكن أن يجلس على كرسي واحد ثلاثة أنفار أو أربعة فقط.

(2) الكراسي كلها قوائمها و أرجلها من أعواد الخشب، أما موضع الجلوس فمشغول بشرائط طويلة في عرض البنصر كالحبال، تتخذ من خوص النخل يشتغلها التكارنة السودانيون، و لهم في صنعها مهارة فائقة.

(3) ينام الناس على هذه الكراسي إذا أرادوا في ليل أو نهار، و في الشتاء أو في الصيف، ولدى أصحاب القهاوي عندنا الفرش و اللحف و المخدات لهذا الأمر.

(4) الكراسي عالية عن الأرض بمقدار تسعين سنتيمترا، فحبذا لو كان ارتفاعها نصف مترا تقريبا لئلا يتعب قصير القامة عند جلوسه فوقها.

(5) الأباريق الموجودة بهذه القهاوي كلها من الطين كالشراب و بعضها من التنك و هو الصفيح.

(6) الشيشات الموجودة عندنا في القهاوي و المنازل يختلف شكلها عن شكل الشيشات في الممالك الأخرى، و عندنا شيشات خاصة لشرب التنباك، و شيشات خاصة لشرب الجراك، بضم الجيم و فتح الراء و تخفيفها، و الجراك هو معجون يتخذ من التنباك و بعض الفواكه المتعددة، و نظن أنه من صنع الهند و ليس فيه شي‏ء من المخدرات و المسكرات مطلقا.

و القهاوي عندنا مفتوحة ليلا و نهارا، و بسبب كثرة الحجاج عندنا صارت القهاوي كثيرة جدا، فطرق الحج و الزيارة بمكة و المدينة و جدة و الطائف و رابغ و ينبع و ما بين هذه البلدان من الطرق و المحطات، كلها مليئة بالقهاوي، و فيها الاستعدادات الكافية لراحة الحجاج و المسافرين من الأكل و الشرب، و الماء و الثلج، و الحوت و السمك، و الفول المدمس و البيض، و الرز و العدس و السمن‏

179

و اللحم، و الفواكه و غيرها، فيستريح الإنسان من عناء السفر في هذه المحطات و القهاوي أعظم راحة، و هو في غاية الاطمئنان و الأمان، فإن الأمن و الأمان في جميع مملكتنا أصبح مضرب الأمثال و للّه الحمد.

و الحق يقال: أن لهذه القهاوي في الحجاز فوائد كبيرة جدا يعرفها جميع الناس، و بالأخص القهاوي التي تكون في أيام الحج بمنى و مزدلفة و عرفات، ففي هذه المشاعر تمتلئ جميع القهاوي الموجودة بها من الحجاج من أهل البلاد و من الأعراب، تمتلئ على سعتها ليلا و نهارا بهم، حتى أن بعضها لا يبقى فيه مكان خال من كثرة ازدحام الناس للجلوس فيها.

هذا و لقد ذكرنا نبذة عن القهاوي في رسالتنا المطبوعة المسماة" أدبيات الشاي و القهوة و الدخان" فراجعها إن شئت الوقوف على هذه المشروبات اللطيفة.

نقل الحلقة التي بالمعلا إلى جهة جرول‏

حلقة اللحم و الخضار التي بالمعلا هي محلها منذ مدة طويلة جدا، و كانت هذه الحلقة" بفتحات" يأتي إليها البدو بجميع الفواكه و الخضروات عند صلاة الفجر على ظهور الجمال قبل وجود السيارات، يأتون بهذه الخضراوات و الفواكه من القرى و الأماكن القريبة من مكة المشرفة بنحو مرحلة أو مرحلتين بالجمال، أي بنحو ليلة أو ليلتين بسير الإبل، كوادي فاطمة و وادي الزيمة و الشرائع و خليص" بكسر أوله و ثانيه" و من جهة عسفان و طريق جدة و الطائف و طريق اليمن و غيرها.

فكان يأتي إلى الحلقة التي بالمعلا بمكة المكرمة طوائف البدو و الجمالة من كل حدب و صوب من أطراف مكة، ينزلون أحمالهم في وسط الحلقة عند طلوع الفجر، فيصلون الصبح بمكة ثم يفطرون الفول بالسمن أو يفطرون باللبن و التمر، ثم يشربون الشاهي أو القهوة، فإذا باعوا ما عندهم من الفواكه و الخضار، ذهبوا إلى الأسواق يشترون الأقمشة و الطعام من الحبوب و التمر و غيرها، ثم يرجعون إلى أهلهم في أطراف مكة بعد العصر بنحو ساعة، عند ما تنكسر حرارة الشمس و تميل إلى الغروب.

كانوا يأتون معهم بالموز و اللوز و الرمان و البرتقان و العنب و البلح و التمر و الرطب و المشمش و الخوخ و التفاح و الخربز و الحبحب، و هذان هما البطيخ‏

180

الأصفر و البطيخ الأخضر و غير ذلك. و من الخضروات: الدباء و الكوسة و البطاطس و الباذنجان الأحمر و هو القوطة و الباذنجان الأسود و الفاصوليا و الباميا و الملوخية و الرجلة و الزبانخ و السلق و الكرمب و الكرات و البصل و البقدونس و الكزبرة و الليمون و الليم و الفلة و الجزر التمري و الجزر اليماني و هو البطاطا، و غير ذلك من الخضروات.

و كانوا يأتون أيضا بالسمن و العسل في قرب صغيرة، و بالحشيش للبهائم، و بالفحم و الحطب، و الدجاج و بعض الحيوانات و الطيور الصغيرة التي يصطادونها من خارج الحرم بأطراف مكة المشرفة، كالنغري و العصافير الملونة و الحمام و القماري، و أحيانا يأتون بأبي الحصين" الثعلب" و الذئب الصغير، و القنفذ و الكروان و اليمام و غير ذلك- كل هذا يأتون به إلى الحلقة على ظهور الجمال.

فلما ظهرت السيارات في مكة المكرمة ابتداء من سنة (1346) ألف و ثلاثمائة و ست و أربعين هجرية، ثم كثرت في وقتنا هذا و هو سنة (1385) كثرة رائدة بحيث بطل استعمال الجمال التي كانت تحمل الأثقال من بلد إلى بلد، صار إحضار الفواكه و الخضروات بواسطة السيارات إلى الحلقة بمكة المكرمة من كل القرى و البلدان، بل صار بعض الفواكه و الخضروات تأتي إلينا من البلدان البعيدة، كالمدينة المنورة و جدة و الطائف، و من بلاد نجد كالحسا و حائل و تبوك و غيرها، و من البحرين و الكويت، فسبحان الرزاق الذي يبعث لأهل بلده الأمين بجميع أنواع الفواكه و الثمار و الحبوب و الخضار، و بجميع أنواع الأقمشة و الألبسة الجاهزة، و أنواع التجارة و العطارة، كل ذلك ببركة دعاء خليله" إبراهيم" عليه أفضل الصلاة و التسليم.

ثم لما امتد العمران إلى أطراف مكة المشرفة بنحو خمسة كيلو مترات أو أكثر، و كثر سكانها أضعافا مضاعفة عما كانت عليه في الأزمان السابقة، رأت الحكومة السعودية نقل حلقة مكة التي بالمعلا إلى جهة جرول بمكة أيضا، في محل بستان الشريف عون (رحمه اللّه تعالى) بعد خرابه، فنقلت الحلقة إلى هذه الجهة في أوائل سنة (1385) ألف و ثلاثمائة و خمس و ثمانين هجرية، نقلت لأن المصلحة اقتضت ذلك، لقد كانت حلقة المعلا منذ مئات السنين عامرة بالفواكه و الخضراوات و اللحوم و الدواجن ليلا و نهارا، و اليوم أصبحت خاوية خالية خربة دامرة.

فسبحان مغير الحال و الأحوال، لا إله إلا هو الكبير المتعال.

181

بدء ظهور المطابع و وجودها بمكة المكرمة

قبل أن نتكلم على ظهور المطابع، لابد لنا أن نأتي بمقدمة تبين فضل الطباعة و المطابع- فنقول و باللّه تعالى التوفيق.

اعلم أنه قبل اختراع المطبعة و انتشارها، كانت جميع الكتب و المؤلفات تنسخ بالأيدي، و لا يخفى أن ذلك يستلزم وقتا طويلا و نفقات كبيرة، فمثلا نسخ متن الألفية لابن مالك في النحو، فإن نسخة واحدة منه يحتاج لكتابته باليد و تصحيحه شهرا واحدا على الأقل، فلو كان عندنا خمسون طالبا مثلا، لاحتاجوا إلى خمسين نسخة منه، و هذا العدد يحتاج إما إلى خمسين كاتبا ينسخونها في مدة شهر واحد، أو يحتاج إلى خمسين شهرا إذا طلبناها من كاتب واحد، و طبعا كل كاتب يأخذ أجرا على كتابته ما يكفي لنفقته شهرا واحدا بل أكثر، لأن الكاتب في العصور الماضية، كان ينقطع للكتابة فقط لا يشتغل بغيرها، و كان الخطاطون ممن يتقنون حسن الخط، يتخصصون في الغالب في كتابة المصاحف الكريمة، و الأحاديث النبوية الشريفة، و بعضهم كانوا يتخصصون في كتابة السيرة النبوية و المدائح المحمدية و بعضهم يتخصصون في كتابة دواوين الأشعار، و القصائد التي تقال قديما و حديثا، و بعضهم كان يتخصص للكتابة لدى الملوك و الأمراء و الوزراء و الأثرياء، ينقطع لخدمتهم يكتب لهم ما شاؤوا، و في أواخر الأزمان أي إلى آخر عهد الخلافة الإسلامية في الدولة التركية، و هو سنة (1334) ألف و ثلاثمائة و أربع و ثلاثين هجرية، كان بعضهم يتخصص لكتابة الفرمانات السلطانية، أي لكتابة الأوامر السلطانية و المراسيم الملوكية بالتولية و العزل أو بالإنعام و الإكرام، و كان لهؤلاء الخطاطين من المرتبات الضخمة و الإكرام الزائد، ما يجعلهم إلى أولاد الأولاد في معيشة رغدة و في ترف و نعيم كبير، و قد يكتب أحدهم للسلطان مصحفا واحدا، فيعطيه هذا ما يغنيه مدة عمره، كما بينا ذلك في كتابنا المطبوع بمصر المسمى" تاريخ الخط العربي و آدابه".

ثم لما ظهرت المطابع في الوجود و انتشرت في جميع الممالك و البلدان الإسلامية و غير الإسلامية، صار الناس يطبعون مؤلفاتهم و كتبهم بواسطتها، كل أمة تطبع‏

182

كتبها بلغتها، لأن هذه المطابع تتوفر لديها الأحرف العربية و الفارسية و الهندية و التركية و الجاوية و السريانية و العبرية و اللاتينية و الإنكليزية و الفرنسية و الألمانية و غيرها- فإذا أردنا أن نطبع في المطابع العربية متن الألفية لابن مالك في النحو، نريد أن نطبع منه عشرة آلاف نسخة، فإننا نأخذ من المطبعة هذا العدد الضخم من النسخ جاهزة مجلدة بعد شهر واحد بل أقل من هذه المدة، مع جمال الطبع و حسن التجليد و النظافة التامة، فإذا قارنت بين عمل المطبعة و عمل الإنسان بيده تجد فرقا عظيما بينهما، فالمطبعة سريعة الإنتاج و قليلة التكاليف، شأنها شأن جميع المكائن الآلية.

و مع ما للمطابع من المنافع العديدة، فإن لها مضرة واحدة فقط لكنها في جوهر الموضوع و صميم الأثر و هي: أن الناس في كافة الممالك و البلدان، كانت كتاباتهم و خطوطهم جميلة حسنة، لأنهم كانوا ينسخون جميع مؤلفاتهم بأيديهم، و كان بعضهم ينقطع للكتابة و نسخ المؤلفات ليس له شغل غيرها، و هذا من أقوى الأسباب لتحسين الخط و جمال الكتابة، أما اليوم، و قد كثرت المطابع و كثرت الآلات الكاتبة، صارت خطوط الناس و كتابات أيديهم ضعيفة جدا لا تكاد تقرأ، لأنهم اعتمدوا على المطابع، و لأن جميع ما يدور من المعاملات الرسمية في دوائر الحكومات في جميع الممالك و البلدان، صار يكتب على الآلات الكاتبة، و بهذا بطل استعمال الأيدى في الكتابة، و للّه الأمر من قبل و من بعد.

و حيث علمت هذه المقدمة، فلنشرع الآن في الكلام على ظهور المطابع فنقول:

لقد تكلمنا عن ظهور المطابع لأول مرة في كتابنا المطبوع بمصر المسمى (تاريخ القرآن و غرائب رسمه و حكمه)، و لا بأس أن ننقل هنا في تاريخ مكة ما كتبناه هناك في كتابنا المذكور تاريخ القرآن الكريم للفائدة العامة و هو هذا بنصه مع تصرف بسيط:

كان أول اختراع المطابع في ألمانيا سنة (1431) ألف و أربعمائة و إحدى و ثلاثين ميلادية، و بالضرورة قد مضت مدة طويلة حتى أتقنت صناعتها و ظهرت صلاحيتها التامة لدى جميع أجناس البشر، فدخلت المطبعة أولا في بلاد إيطاليا، ثم في فرنسا، ثم في إنجلترا. ثم انتشرت في جميع البلدان، و أن أول طبع للقرآن العظيم بالحروف العربية، كان في مدينة همبرج بألمانيا، و ذلك في سنة (1113)

183

هجرية، و يوجد من هذه الطبعة مصحف واحد بدار الكتب العربية المصرية بالقاهرة، كما يوجد بها مزامير داود عليه الصلاة و السلام بأربع لغات مع تفسير لاتيني، طبعت بجنوة بإيطاليا سنة (935) هجرية، ثم بعد سنة (1516) ميلادية طبع المصحف الكريم أيضا في البندقية بإيطاليا، و سبب طبع المصحف الكريم في همبرج و البندقية وجود المطابع فيهما دون البلاد الإسلامية كما هو ظاهر.

و من العجيب، أنه عند أول ظهور المطبعة بإيطاليا طعن علماؤهم فيها طعنا جارحا، حتى قالوا عنها إنها بدعة همجية ألمانية، و نادى كهنتهم: لنهدم كيان الطباعة أو تهدم هي كياننا، و في ابتداء ظهور الكتب المطبوعة لم يقبل الناس على شرائها. و لما دخلت المطبعة إلى تركيا في زمن السلطان أحمد الثالث، أفتت مشيخة الإسلام بجواز استعمالها إلا أنه بقي طبع المصحف ممنوعا، ثم عادت الدولة العثمانية فمنعت المطبعة، ثم جاء السلطان عبد الحميد الأول فأعادها، و جاء السلطان محمود الأول فاهتم بها أكثر، فأول كتاب طبع بالآستانة هو" صحاح الجوهري" قيل أنه في سنة (1129) هجرية أفتى شيخ الإسلام بالآستانة عبد اللّه أفندي بجواز طبع كتب غير الدينية، ثم فيما بعد سنة (1141) هجرية طبعت كتب هامة في اللغة و الأدب و التاريخ باللغة العربية و التركية و الفارسية، ثم استصدروا الفتوى بطبع كتب الدين و تجليد القرآن الكريم، و إن من أشهر مطابع الآستانة القديمة مطبعة الجوائب.

و إن أول من أدخل المطبعة إلى الديار التونسية محمد باشا باي، و هو الذي تولى إمارة تونس عام (1271) هجرية، و أن أول مطبعة ظهرت في حلب كان سنة (1698) ميلادية، و إن من أقدم المطابع في لبنان مطبعة" قزحيا" و كانت حروفها سريانية، ثم صارت عربية، و مطبعة الشوير و طبع فيها المزامير سنة (1733) ميلادية، و أقدم المطابع في بيروت هي مطبعة القديس جاورجيوس فإنها أنشئت سنة (1753) ميلادية، و بعدها المطبعة الأميركية أنشئت في مالطة سنة (1822) ميلادية، ثم نقلت إلى بيروت سنة (1834) ميلادية، و بعدها المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين، فقد تأسست عام (1848) ميلادية، و كانت تطبع على الحجر ثم صارت تطبع على الحروف سنة (1854) ميلادية، و هي أكبر المطابع و فيها حروف عربية و إفرنجية و يونانية و سريانية و عبرانية و أرمنية.

184

و إن أول مطبعة ظهرت بمصر هى مطبعة الحملة الفرنساوية جاء بها بونابرت معه سنة (1798) ميلادية، لطبع المنشورات و الأوامر باللغة العربية، و قد سميت بالمطبعة الأهلية و كانت بالقاهرة إلى شهر يونيو سنة (1801) ميلادية حين انسحاب الفرنساويين من مصر، و بعد ذلك ظلت مصر نحو عشرين عاما بغير مطبعة، حتى استقر الأمر لمحمد علي باشا والي مصر، فأنشأ هذه المطبعة الأهلية سنة (1821) ميلادية، و تعرف بمطبعة بولاق لأنها وضعت أخيرا في جهة بولاق، و أول ما طبع فيها قاموس إيطالي عربي سنة (1822) ميلادية، و قد اشتغلت هذه أكثر من تسعين عاما و كانت أكبر مطبعة عربية في العالم و هي التي سميت فيما بالمطبعة الأميرية، ثم كثرت المطابع بمصر الآن على مختلف أنواعها و أدخلت عليها تحسينات عظيمة جدا حسب التطور الحديث.

أما المطابع بمكة المكرمة: فإنه أول مطبعة ظهرت بمكة شرفها اللّه تعالى و أدام أمنها و أمانها و خيرها و رخاءها، هي المطبعة الأميرية التي سميت فيما بعد" مطبعة أم القرى" و نطلق عليها الآن" مطبعة الحكومة" و هذه المطبعة استحضرها عثمان باشا نوري الذي كان واليا على الحجاز مع الأشراف في عهد الدولة التركية العثمانية، أتى بها في سنة (1303) هجرية تقريبا، و جعلها بقرب المسجد الحرام في أول محلة أجياد و كان في بادئ أمرها صغيرة الحجم، ثم اهتمت الحكومة السعودية بها و زودتها بآلات و أدوات كثيرة حديثة.

ثم في عام (1327) من الهجرة استحضر الشيخ محمد ماجد الكردي (رحمه اللّه تعالى) مطبعة على حسابه الخاص سماها" المطبعة الماجدية"، و جعلها في داره الواسعة التي بالفلق، و قد طبع بها كثير من الكتب. ثم استحضر الشيخ محمد صالح نصيف في عام (1345) من الهجرة مطبعة سماها" المطبعة السلفية" ثم باعها. و للشركة العربية للطبع و النشر مطبعة تسمى" المطبعة العربية" و كان يطبع بها جريدة" صوت الحجاز" التي سميت فيما بعد بجريدة البلاد السعودية، ثم سميت" جريدة البلاد" فقط. ثم استحضر بعضهم من أهل مكة مطابع الندوة، و ذلك في سنة (1373) تقريبا ثم استحضر الأستاذ صالح محمد جمال مطبعة لطبع الكتب و هي مطبعة كاملة الأدوات. ثم استحضر الأستاذ أحمد السباعي مطبعة و سماها" مطبعة قريش" ثم أنشئت مطبعة تسمى" مطبعة مصحف مكة المكرمة" في سنة (1368) هجرية تقريبا. و هناك بمكة مطابع أخرى صغيرة لم نذكرها لعدم‏

185

استعدادها لطبع الكتب و الصحف و المجلات، كمطبعة الوفاء المحمدية، لصحابها الشيخ عبد الرحيم ملاه و إخوانه، و كمطبعة الشيخ عبد اللّه الكردي، و المطبعة الوطنية.

هذا و من أراد التوسع في البحث عن تاريخ الطباعة العربية، فليراجع كتابا خاصا طبع في هذا الشأن اسمه (تاريخ الطباعة في الشرق العربي) للدكتور خليل صابات- طبع بدار المعارف بمصر. أو يراجع الجزء الرابع من كتاب" تاريخ آداب اللغة العربية" لجورجي زيدان، و مجلة الهلال لسنتي 1909 و 1922 ميلادية، و مجلة المشرق لسنتي 1903 و 1904 ميلادية، و مجلة المقتطف لسنة 1907 ميلادية، و تاريخ جودت الجزء الأول.

الجرائد و المجلات بمكة المكرمة

كانت منذ سنوات قليلة تصدر بمة المكرمة و تطبع بها بعض الجرائد و المجلات، كجريدة البلاد السعودية، و جريدة الندوة التي تسمى من قبل جريدة" حراء" و جريدة أم القرى و هي التي كانت تسمى في عهد الشريف الحسين ملك الحجاز الأسبق (رحمه اللّه تعالى)" بجريدة القبلة"، و مجلة المنهل، و مجلة الحج، و جريدة قريش.

ثم منذ سنة (1381) هجرية أو في التي يليها انتقل طبع بعض الجرائد إلى جدة، فضارت تطبع هناك و تصدر منها إلى كافة بلدان المملكة العربية السعودية، و بعضها قد ألغيت، و البعض الآخر ما زال يطبع بمكة المشرفة و تصدر منها إلى الآن، و هي كما يأتي:

(1) جريدة أم القرى، و هي أقدم الجرائد عندنا.

(2) جريدة الندوة.

(3) مجلة الحج.

هذه هي الجرائد و المجلات التي تطبع بمكة و تصدر منها فقط. و لا نريد أن نخوض في مختلف الجرائد و المجلات التي تطبع في بعض بلدان المملكة السعودية، لأن هذا الكتاب خاص بتاريخ مكة المكرمة، لكن لصديقنا الكريم و زميلنا في عهد الدارسة الأولى بمدرسة الفلاح بمكة الأستاذ محمد سعيد العامودي رسالة قيمة

186

اسمها" من تاريخنا" ذكر فيها نبذة طيبة عن الجرائد و المجلات في مبحث بعنوان" من تاريخ الصحافة في بلادنا" آثرنا أن نذكره بنصه للفائدة العامة، و هو هنا:

يقول المعنيون بتاريخ الصحافة، إن أول صحيفة عربية صدرت في العالم العربي هي صحيفة" الحوادث اليومية" التي أنشاها نابليون بونابرت في القاهرة عام 1799 م.

و أول صحيفة صدرت في لبنان هي" حديقة الأخبار" عام 1858 م ثم صدرت في دمشق جريدة" سوريا" عام 1856 م و في العراق جريدة" الزوراء" عام 1869 م و في اليمن جريدة" صنعاء" عام 1879 م و في فلسطين جريدة" النفير العثماني" عام 1904 م.

فما هي أول صحيفة صدرت في هذه البلاد؟

في بحث قيم للأستاذ البحاثة رشدي ملحس عن تاريخ الطباعة و الصحافة في الحجاز يقول:" إن أول صحيفة صدرت في مكة هي جريدة" الحجاز" و هي جريدة أدبية علمية أسبوعية تصدر باللغتين العربية و التركية أصدرتها الحكومة العثمانية عام 1301 ه و استمر صدورها إلى عام 1334 ثم انقطعت عن الصدور حين خروج الحكومة التركية من هذه البلاد".

و يقول الأستاذ:" و كان يتولى الأشراف عليها أي جريدة الحجاز هذه (مكتوبجي) الولاية و اشترك في تحرير قسميها العربي و التركي كل من أحمد جمال أفندي منشئ ديوان الولاية، و أحمد حقي أفندي الكاتب في الديوان المذكور و الشيخ محمود شلهوب، و غيرهم، و كانت تطبع بأربع صفحات في المطبعة الأميرية" ا ه.

و من الواضح أن الحالة الفكرية العامة في البلاد في تلك الفترة لم تكن تسمح بوجود أكثر من هذه الصحيفة، غير أنه منذ عام 1327 ه أي بعد الانقلاب العثماني المشهور بدأت الصحف في الظهور، فصدرت في تلك السنة في جدة جريدة" الصفا" باللغة العربية غير أن هذه الصحيفة لم يصدر منها سوى عدد واحد فقط. ثم صدرت بعدها في جدة في نفس السنة جريدة" الإصلاح" لصاحبها" راغب مصطفى توكل" و كان يتولى تحريرها صحفي لبناني هو" أديب هراوي" و استمر صدورها بضعة أشهر ثم توقفت عن الصدور.

187

و في عام 1327 أيضا صدرت في مكة جريدة يومية باسم (شمس الحقيقة) و كانت تصدر باللغتين العربية و التركية مرة كل أسبوع مؤقتا لصاحب امتيازها و مديرها المسؤول" محمد توفيق مكي" و نائب مديرها" إبراهيم أدهم" و كانت هذه الجريدة لسان حال جمعية الاتحاد و الترقي بمكة، و قد توقفت عن الصدور أيضا بعد أن ظلت تصدر بضعة شهور.

و صدرت في المدينة المنورة أثناء الحرب العالمية الأولى جريدة باللغة التركية لم أطلع عليها و لا أذكر اسمها بالتأكيد.

هذه هي كل الصحف في العهد العثماني، فإذا استثنينا أولاها و هي التي استمرت من حين صدورها إلى عام 1334- لأنها الجريدة الرسمية- تبين لنا أنه يكن هناك صحافة سوى ما ظهر منها خلال بضعة أشهر من عام 1327 ه، و مع ذلك لم يكن لهذه الصحف أية قيمة أدبية أو سياسية، أو أي أثر في تكوين الوعي، أو توجيه التفكير.

و مما يلفت النظر أنه لم تظهر طيلة العهد العثماني كله مجلة واحدة للعلوم و الآداب و ما من شك في أن السبب في ذلك يعود إلى قلة انتشار التعليم، و اعتماد المدرسة الرشدية- و لعلها المدرسة الحكومية الوحيدة في مكة إذ ذاك- اعتمادها في التعليم على اللغة التركية وحدها.

و إليك أنموذجا من تحرير صحافة ذلك العهد. ننقله عن العدد الخامس من جريدة" شمس الحقيقة" الصادر في يوم الثلاثاء غرة ربيع الأول عام 1327 فقد جاء في صدر العدد المذكور، و في مكان الافتتاحية بعنوان" تنبيه" ما يأتي:

" ينبغي لمن شاء أن يكاتبنا في موضوع أن ينبذ وراءه المصلحة الذاتية فإن الأفكار الراقية التي لا تعميها الأغراض الشخصية و لا الأطماع الذاتية تنظر بنور اللّه إلى مصلحة الوطن العمومية.

ألا ترى سيدنا موسى الكليم (عليه السلام) قال: أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها و لم يقل لتغرقني نظر في ذلك لغيره و قدمه على شخصه في وقت الغرق الذي لا يعرف الإنسان فيه إلا نفسه فليخش اللّه المكاتبون، و ليتق اللّه المحررون، و لا يحرروا لجريدتنا سوى الحقيقة لأنها" شمس الحقيقة" ثم ليكتبوا في دائرة واجبات الصحافة الحرة التي ذكرناها سابقا لأن جريدتنا تتنزه عن المثالبة و ما ضاها. نسأل اللّه التوفيق لسعادة الوطن".

188

و لعل النبذة الآتية تدل على ما كانت عليه حالة التعليم في الحجاز في ذلك العهد فقد جاء في هذه الصحيفة في عددها الثاني عشر الصادر في 14 ربيع الآخر سنة 1327 ه بعنوان:" هل ترقي الحجاز قبل السودان؟" ما يأتي:

" ظهرت جريدة في الخرطوم بالسودان تسمى" الخرطوم" غايتها أن تبذل السعي في ترقي أبناء ذلك الوطن ففرح بها أهل السودان و نحن نتمنى لها دوام الانتشار و نستلفت أنظار أولي الأمر بالتسريع في أمر ترقي الحجاز من تأسيس المكاتب- يقصد المدارس- و غير ذلك فإن دوائر الحكومة لو احتاجت إلى كاتب للزم جلبه من خارج الولاية. أهلك اللّه الاستبداد ما أشد تدميره!"

و بمقارنة صحيفة شمس الحقيقة هذه بصحيفة الإصلاح التي كانت تصدر في جدة تبدو هذه الأخيرة أرقى من حيث التحرير و من حيث الطباعة عن زميلتها الأولى. بل و من صحيفة الحجاز أيضا. الصحيفة الرسمية للحكومة التركية.

و لم أطلع على العدد الوحيد الذي صدر في جدة من جريدة" الصفا" و ربما كانت هذه الصحيفة تشارك زميلتها الإصلاح من حيث رونق الطباعة و اتساق التحرير.

و الواقع أنه لم يكن غريبا أن تكون صحافة بلادنا في ذلك العهد بدائية إلى هذا الحد ... لم يكن غريبا أن يكون هذا حال الصحافة في بلاد لم يكن فيها مدارس للتعليم سوى مدرسة واحدة للحكومة يتلقى التلاميذ فيها قشورا من المعلومات الأولية باللغة التركية و سوى مدرسة أهلية دينية ... هي المدرسة الصولتية.

و هكذا ...!

و هكذا ظل الحجاز، و ظلت جميع أنحاء الجزيرة العربية طيلة العهد العثماني ...

لا صحافة و لا مدارس و لا تعليم بالمعنى الصحيح لكلمتي مدارس و تعليم!

و كانت النهضة العربية في عام 1334 ه فيصلا بين عهدين" تابعية عثمانية"، و عهد استقلال ... إلا أن الواقع أثبت مع الأسف الشديد أن تلك النهضة كانت" ضئيلة الأثر" من ناحيتها الاجتماعية و الثقافية، و لهذا كان أثرها ضئيلا أيضا في الميدان الصحفي ... و قد صدرت جريدة" القبلة" في أولى سنوات النهضة و بتعبير أدق سنة 1334 ه و كان يساهم في تحريرها نخبة من صفوة أدباء العرب يكفي أن نذكر منهم السيد فؤاد الخطيب الشاعر الكبير المعروف، و السيد محب الدين‏

189

الخطيب، و أحمد شاكر الكرمي و غيرهم ... و الحق أقول أنه كان يمكن أن يكون لجريدة القبلة إذ ذاك شأن مرموق في عالم الصحافة العربية لولا بعض عوامل وقفت بها في بداية الطريق.

و صدرت في عام 1338 جريدة باسم الفلاح لصاحبها السيد عمر شاكر، و كانت هذه الصحيفة تصدر في سوريا قبل دخول الفرنسيين إليها فهاجر بها صاحبها من سوريا إلى الحجاز.

و في عام 1338 أيضا، صدرت المجلة الزراعية و هي مجلة شهرية كان يتولى تحريرها طلاب المدرسة الزراعية بمكة، و قد ظهرت الأعداد الثلاثة الأولى من هذه المجلة في صورة لا بأس بها من حيث الإنشاء و التحرير فلو أن هذه المجلة أتيح لها أن تستمر، بل لو أنه أتيح للمدرسة الزراعية التي كانت تقوم بإخراجها أن تستمر لكانت الحال غير الحال و لكن ...

و في عام 1343 صدرت في جدة جريدة" بريد الحجاز" ثم توقفت عن الصدور في نفس العام بعد أن صدر منها (52) عددا و قد كانت هذه الصحيفة أسبوعية و هي آخر صحيفة ظهرت في عهد الحكومة الهاشمية.

و في 15 جمادى الأولى سنة 1343 في أول عهد حكومة المغفور له الملك عبد العزيز صدر العدد الأول من جريدة" أم القرى"، و كان يرأس تحريرها في أول ظهورها معالي الأستاذ الشيخ يوسف ياسين ثم الأستاذ رشدي ملحس ثم تولى تحريرها فترة من الزمن المرحوم محمد سعيد عبد المقصود، فالأستاذ عبد القدوس الأنصاري و يرأس تحريرها الآن الأستاذ الطيب الساسي.

ثم صدرت بعد ذلك مجلة الإصلاح عن شعبة الطبع و النشر بمديرية المعارف في عام 1347 و كان يديرها الأستاذ محمد حامد الفقي و هي مجلة دينية أخلاقية كانت تصدر مرة في الشهر، ثم توقفت عن الصدور في عام 1349 ه.

و في عام 1350 صدرت جريدة" صوت الحجاز" لصاحب امتيازها الوجيه الشيخ محمد صالح نصيف و رئيس تحريرها الأستاذ عبد الوهاب آشي، و قد تعاقب عليها فيما بعد رؤساء تحرير عديدون أذكر منهم الأساتذة" أحمد إبراهيم الغزاوي" و السيد" حسن الفقي" و" محمد سعيد العامودي" و" محمد حسن عواد" و" أحمد السباعي" و" محمد علي رضا" و" محمد علي مغربي" و غيرهم ثم انتقل امتياز هذه الصحيفة في عام 1354 إلى شركة الطبع و النشر العربية و ظلت تصدر أسبوعيا،

190

ثم مرتين في الأسبوع، ثم توقفت عن الصدور في بعض سنوات الحرب الأخيرة بسبب قلة الورق، ثم عادت إلى الصدور أسبوعيا عام 1365 باسم" البلاد السعودية" و تولى رئاسة تحريرها الأستاذ عبد اللّه عريف.

و قد تمكنت جريدة البلاد السعودية من الصدور مرتين في الأسبوع و أخيرا ثلاث مرات في الأسبوع و هي في طريقها إلى الصدور يوميا في القريب العاجل إن شاء اللّه، و قد صدرت يوميا ابتداء من شهر ربيع الثاني من السنة (1373) ه.

و قد راجت هذه الصحيفة في السنوات الأخيرة رواجا أكثر من أي عهد مضى، و أصبح لها قراء من كل الطبقات و هي لا ينقصها إلا زيادة العناية بالأخبار الخارجية و المحلية، ثم الإقلال من المواضيع الأدبية بقدر الإمكان لعلاقة هذه المواضيع بالمجلات أكثر من علاقتها بالصحف الإخبارية.

و في عام 1355 ه صدرت مجلة" المنهل" في المدينة المنورة و هي مجلة شهرية للآداب و العلوم لصاحبها و رئيس تحريرها الأستاذ عبد القدوس الأنصاري، و هي ثانية مجلة شهرية صدرت في هذه البلاد بعد المجلة الزراعية التي أسلفنا الإشارة إليها و قد تطورت هذه المجلة بحيث أصبحت لا تقل في مادتها و في أسلوبها عن مثيلاتها من المجلات الأدبية الراقية في العالم العربي، و أصبحت تصدر في مكة منذ عام 1356.

و مجلة المنهل تعتبر المجلة الأدبية الأولى في المملكة السعودية.

و في عام 1355 صدرت جريدة المدينة المنورة لصاحبيها الأستاذين الشقيقين علي و عثمان حافظ و هي جريدة أسبوعية نشيطة تعنى بالأخبار أكثر من عنايتها بالمقالات و البحوث، و بالأخبار العربية و الإسلامية على وجه الخصوص.

و كانت تصدر قبل الحرب الأخيرة مجلة النداء الإسلامي لصاحبها الأستاذ مصطفى أندرقيري ثم توقفت عن الصدور.

ثم صدرت في غرة رجب من عام 1366 مجلة الحج و هي مجلة شهرية إسلامية تتولى إصدارها إدارة شؤون الحج و كان يرأس تحريرها في أولى سنواتها الأستاذ السيد هاشم زواوي، ثم كاتب هذه السطور منذ أول عام 1370 ه و تعنى هذه المجلة بالمواضيع الإسلامية بصورة عامة ثم بكل ما يتصل بشؤون الحج و الحجاج.

191

و لا يفوتنا في هذا المقام أن نشير إلى ظهور مجلة جديدة راقية و تلك هي" اليمامة" لصاحبها و مؤسسها الأديب الباحث المعروف الأستاذ حمد الجاسر، و اليمامة تصدر في الرياض و هي أسبوعية أدبية علمية، غير أنها تصدر الآن مرة في الشهر مؤقتا و قد كانت الأعداد التي صدرت منها حافلة بأجود المقالات و البحوث في مختلف موضوعات اللغة و الدين و الأدب و التاريخ و بأقلام سعودية ناضجة مما يبشر بأن لهذه المجلة الناهضة مستقبلا مجيدا إن شاء اللّه.

و بعد ... فهذه إلمامة موجزة عن تاريخ الصحافة في هذه البلاد، و لئن كان من واجبنا أن نقرر هنا أن صحافتنا في كل من عهديها التركي و الهاشمي لم يكن لها أثر يذكر ... فإن من واجبنا أيضا أن نقول أنها قد بدأت الآن تشق الطريق ... و الأمر الذي لا يختلف فيه اثنان أنها في حاضرها قد أصبحت شيئا آخر يختلف كل الاختلاف عما كانت عليه فيما مضى ...

و الأمل بعد و في هذا العهد الباسم السعيد العظيم في أن تخطو صحافتنا خطوات واسعة و سريعة ... نحو القوة و الازدهار!

انتهى من الرسالة المذكورة" من تاريخنا".

إنارة مكة المكرمة بالكهرباء

كانت مكة المشرفة تنار شوارعها و أزقتها ليلا في أول الأمر بالزيت كما هو الشأن في جميع الأقطار في بادئ الأمر، ثم صار أهلها يستعملون الشموع، ثم صاروا يستعملون زيت النفط و هو الكاز، فينيرون منازلهم و غرفهم و شوارعهم بفوانيس الكاز، و هذه الفوانيس أنواع متعددة، ثم صاروا يستعملون الأتاريك التي فيها فتايل حريرة و هي تشعل بالكاز.

ثم صارت الإنارة في وقتنا الحاضر بواسطة الكهرباء، فلقد امتدت الأسلاك الكهربائية في جميع منازل مكة المكرمة و في شوارعها و أزقتها و جميع مرافقها، و قبل كل شي‏ء إنارة المسجد الحرام بالكهرباء، و لقد ذكرنا بالتفصيل تدرج الإنارة بالوقود و الشموع و الزيوت ثم الكهرباء، و ذلك عند الكلام على إنارة المسجد الحرام من هذا الكتاب فراجعه هناك. اللهم نور قلوبنا و أبصارنا و أسماعنا و بصائرنا بفضلك و رحمتك آمين.

192

ظهور بوليس النجدة بمكة المكرمة

كان ظهور بوليس النجدة لأول مرة بمكة المكرمة في أول عام (1385) من الهجرة، و لقد انتشر بوليس النجدة في جميع الممالك و الأقطار العربية و غير العربية، و لقد خصص لبوليس النجدة أربع سيارات بمكة المكرمة، و هي مزودة بضباط و شرطة، و في كل سيارة تليفون أوتوماتيكي رقم كل تلفون (99) فإن حصل أي حادث يطلب الإنسان بوليس النجدة بهذا الرقم، فيحضرون بسياراتهم إلى مكان الحادث في أقرب وقت، فيأخذون أصحاب الحوادث إلى مركز الشرطة للتحقيق و إجراء اللازم نحوهم.

الإطفاء بمكة المكرمة

لقد تكلمنا بالإسهاب و التفصيل عن وجود الإطفاء بمكة المكرمة في غير هذا المحل، و هنا نكرر الكلام عنه باختصار زيادة في الإشعار و التنبيه فنقول: لقد أوفدت الحكومة السعودية عن طريق أمانة العاصمة بمكة المشرفة، و ذلك قبل سنة (1367) أول بعثة للتمرين على إطفاء الحرائق و طرق الإنقاذ، و إليك أعضاء هذه البعثة:

(1) علي عوض.

(2) إبراهيم فرحات.

(3) عبد الكريم مرزا.

(4) محيي الدين صواف.

(5) عبد العزيز مراد.

و قد أتم هؤلاء دراستهم بنجاح باهر فعادوا إلى بلادهم لخدمتها. انتهى من كتاب" من وحي البعثات السعودية" لصديقنا الأستاذ صالح جمال الحريري، و من أراد زيادة البحث عن الإطفاء قديما و حديثا فلينظر في محله في هذا الكتاب.

البريد و التلغراف و التليفون بمكة المكرمة

يتبع وزارة المواصلات عندنا أربع إدارات و هي كما يأتي:

193

(1) إدارة البريد.

(2) إدارة التليفونات.

(3) إدارة التلغرافات" البرقيات".

(4) إدارة أعمال الطرق و إصلاحها.

و إن الذي يرأس وزارة المواصلات شاب أديب شهير، و ذكي له نشاط كبير، ألا و هو صديقنا الأستاذ محمد عمر توفيق أدام اللّه تعالى توفيقه.

أما أعمال الطرق و إصلاحها و تسهيل المواصلات بين جميع بلدان مملكتنا العربية السعودية، فإنا نقول باختصار: أنه لم تعرف المملكة كلها سفلتة الطرق و إصلاحها بالإسفلت إلا في زمن الحكومة السعودية، و أن أول ما بدأت الحكومة بإصلاح الطرق، هو طرق الحرمين الشريفين، لتيسير أداء الحج و الزيارة للحجاج الكرام، كما تكلمنا عن ذلك في هذا الكتاب في مواضع عديدة حسب ما تقتضيه المناسبات، ثم امتدت أيدي العمال لسفلتة طرقات المدن الأخرى من المملكة، و أن لدى وزارة الموصلات مشاريع عديدة، لا نتمكن من الكلام عنها و لا من حصرها، لأنها كثيرة متعددة الجوانب.

لكن سنتكلم عن الإدارات الأخرى و هي (البريد- و التلغراف- و التليفون) نتكلم عن كل إدارة منها بنبذة صالحة مفيدة، للإحاطة بها على وجه العموم، و إن كان في كل إدارة مشاريع كثيرة هى أدرى بها.

و قبل أن نذكر عنها شيئا، نضع هنا صورة صديقنا الفاضل معالي الأستاذ محمد عمر توفيق وزير المواصلات، و وزير الحج و الاوقاف أيضا بالنيابة، و هي هذه.

و إليك الآن الكلام على البرق و البريد و التلغراف، و نذكرها بالنسبة لمكة المكرمة، لأن هذا التاريخ خاص لنفس هذه البلدة الطاهرة المقدسة، و إن كانت هذه الإدارات في جميع مدن المملكة.

194

البريد و تطوره بمكة المكرمة

قال في المصباح المنير: البريد الرسول، و منه قول بعض العرب: الحمّى بريد الموت، أي: رسوله ثم استعمل في المسافة التي يقطعها و هي اثنا عشر ميلا، و يقال لدابة البريد بريد أيضا لسيره في البريد، فهو مستعار من المستعار، و الجمع برد بضمتين، انتهى المراد منه.

و قال في مختار الصحاح ما ملخصه: و البريد المرتب يقال: حمل فلان على البريد، و البريد أيضا اثنا عشر ميلا و صاحب البريد قد أبرد إلى الأمير فهو مبرد و الرسول بريد، قلت: قال الأزهري: قيل لدابة البريد بريد لسيره في البريد، و قال غيره: البريد البغلة المرتبة في الرباط تعريب بريده دم، ثم سمي به الرسول المحمول عليها ثم سميت بن المسافة. انتهى منه.

و جاء في بعض كتب الفقه أن مقدار الميل الواحد هو ستة آلاف ذراع بذراع اليد فإذا ضربنا 12 ميلا* 6000 ذراع فيكون حاصل الضرب (72000) ذراع و هذا هو مقدار البريد بذراع اليد. و الميل يساوي (2) كيلو متر إلا قليل، فيكون البريد يساوي ثلاثا و عشرين كيلو متر تقريبا، أي تكون مسافة البريد من مكة المكرمة إلى ما بعد الشميسي في طريق جدة بنحو خمس كيلو مترات تقريبا.

و يطلق البريد في عصرنا الحاضر على (البوسطة) و هي كلمة تركية أو فارسية، و هي الكتب أو الخطابات أو الأشياء الواردة من بلدة إلى بلدة أو من قطر إلى قطر بانتظام مرتب، إما في كل يوم أو في كل أسبوع أو في مدة أقل أو أكثر.

قالوا: و أول من وضع البريد في الإسلام هو سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنه فكانوا في القرون الأولى للإسلام يخصصون دوابا من الخيل و البغال و الحمير لحمل البريد. فكانوا يجعلون في كل ثلاث و عشرين كيلو مترا بعضا من الدواب المذكورة لحمل البريد. فمثلا يجعلون عند كل ثلاث و عشرين كيلو مترا مكانا خاصا لوقوف دواب البريد، فإذا سارت الدابة من مكة مثلا إلى مسافة ثلاث و عشرين كيلو مترا أي إلى ما بعد الشميسي تقف عندها ثم تحمل عنها البريد دابة أخرى من هذا المكان فتسير إلى أن تصل إلى مسافة ست و أربعين كيلو مترا فتقف هناك و تحمل عنها البريد دابة ثالثة فتسير إلى مسافة تسع و ستين كيلو مترا أي تصل إلى جدة و هكذا الحال في جميع البلدان في حمل البريد ذهابا و إيابا.

195

هذا و لقد كانوا في الأزمان الماضية يخصصون حمام الزاجل لحمل الرسائل في الأمور المهمة، في الحروب و غيرها لأن لهذا النوع من الحمام ذكاء خارقا و هو يطير في اليوم الواحد نحو ألف فرسخ، و الفرسخ في كتب الفقه ثلاثة أميال، و الميل أربعة آلاف خطوة و الخطوة ثلاثة أقدام. و الميل الواحد يساوي اثنين كيلو مترا إلا قليلا.

فإذا علمنا هذا و قلنا أن الحمام الزاجل يطير في اليوم الواحد ألف فرسخ- و الفرسخ يساوي خمس كيلو مترات و أربعين مترا- فإنه يكون مسافة ما يطير الحمام الزاجل في اليوم الواحد هي خمسة آلاف و أربعين كيلو مترا، و إذا علمنا أن المسافة بين مكة المكرمة و المدينة المنورة هي أربعمائة و سبع و تسعين كيلو مترا، فإنه يطير الحمام الزاجل في اليوم الواحد بمقدار عشر مرات من المسافة ما بين مكة المكرمة و المدينة المنورة.

لذلك كان ثمن الحمامة الواحدة من حمام الزاجل قد بلغ سبعمائة دينار ذهبا في الأزمنة الماضية. و قد ذكر المؤرخون أن حمامة من هذا النوع طارت من خليج القسطنطينية إلى البصرة فبلغ ثمنها ألف دينار من الذهب الخالص. و قالوا إن ثمن بيضتي الحمامة الفارهة من النوع الزاجل تساويان عشرين دينارا من الذهب. و هذا كلام معقول مقبول لبيض هذا الطائر الفريد النبيل. و لقد بلغ من عناية الأقدمين بهذا النوع من الحمام الزاجل أنهم حافظوا على أنساب هذا الطائر الميمون فاتخذوا لها دفاتر و سجلات لقيد أفراخها و أولادها فيها كما حافظوا على أنساب العرب و أنساب خيولهم الأصيلة.

و لقد ذكر المؤرخون أيضا أن السلطان نور الدين الشهير (رحمه اللّه) لما فتح كثيرا من البلدان اتخذ حمام الزاجل لإرسال الخطابات معه إلى من يدين له بالولاء و إلى من هو تحت حكمه ليقف على أخبار الحروب و الممالك و ذلك في عصر الحروب الصليبية و قد اتخذ لهذا الحمام في كل جهة و بلدة أبراجا و أقام لها حفظة و حراسا للعناية بطعامه و شرابه و نظافة أمكنته و مراقبة وصول المسافرين منه، و أخذ الرسائل التي يحملها تحت جناحه أو في رجله. و كان كل برج من أبراجه يبعد عن الآخر بنحو اثني عشر ميلا، و كان ينفق في سبيل هذا الحمام الزاجل أموالا طائلة.

و كان حارس كل برج يقيد ساعة وصول الحمامة على ظهر الرسالة التي يحملها.

و هذا النوع من الحمام لا يولد متعلما، و إنما الرجال المتخصصون في ذلك يعلمونه‏

196

و يدربونه على الأعمال و ولاة الأمور كانوا لا يهملون أمر هذا الطائر بل يراقبون وصوله و سفره بدقة تامة و عناية عظيمة لأن بعض شئون الدولة متعلقة به في رسائله التي يحملها. و لقد استعمل السلطان صلاح الدين بن أيوب حمام الرسائل أي حمام الزاجل في حصار عكاء الذي استمر مدة سنتين. و لقد ألف العلماء و الأدباء في ذلك العصر في حمام الزاجل رسائل قيمة، منها (تمائم الحمام) و منها" مسابقة البرق و الغمام في سعاة الحمام".

هذا و إن أول من أرسل الحمام لاستكشاف الأخبار سيدنا نوح عليه الصلاة و السلام. فقد روى الإمام الأزرقي (رحمه اللّه) في أول تاريخه ما يأتي: عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال: كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم و أنهم كانوا أقاموا في السفينة مائة و خمسين يوما و أن اللّه تعالى وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوما ثم وجهها اللّه تعالى إلى الجودي.

قال: فاستقرت عليه فبعث نوح (عليه السلام) الغراب ليأتيه بخبر الأرض فذهب فوقع على الجيف و أبطأ عنه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون و لطخت رجليها بالطين فعرف نوح أن الماء قد نضبت فهبط إلى أسفل الجودي. انتهى من تاريخ الأزرقي.

نقول إن إرسال سيدنا نوح عليه الصلاة و السلام الحمامة لتأتيه بخبر انحسار الماء عن الأرض إنما هو من معجزاته عليه الصلاة و السلام. و لا يبعد أن يكون حمام الزاجل من نسل حمام هذه السفينة. و اللّه تعالى أعلم بغيبه، و لا يبعد أن يكون إطلاق الناس على الحمام (حمامة السلام) استنتاجا من قصة حمامة نوح عليه الصلاة و السلام.

هذا ثم لما تقدم الناس في عصرنا الحاضر في المدينة و الحضارة و العمران و اخترعوا آلات التلغراف" البرق" و التلفونات و غير ذلك من الاختراعات العجيبة التي لا تعد و لا تحصى، استغنوا عن استعمال حمام الزاجل و إرساله بالرسائل و صاروا يرسلون الرسائل و الخطابات بواسطة البريد المسجل المضمون في البر و البحر و الجو، و من كان مستعجلا في أمر أرسل برقية إلى البلدة التي يريدها سواء كانت في البلاد الإسلامية أو في البلاد الأوروبية. و ما كان من الأمور المهمة السرية يرسلون برقياتهم بالشفرة و الرموز. و بذلك بطلت عادة إرسال حمام الزاجل بالرسائل لكثرة وسائل المواصلات السريعة. و مع ذلك فإن جنس الحمام‏

197

الزاجل لم ينقرض، بل ما زال شي‏ء من حمام الزاجل موجودا إلى اليوم في بعض الأقطار كمصر و الشام و العراق و بعض البلدان الأوروبية و يحافظون على هذا النوع من الحمام كمحافظتهم على الآثار ... هكذا كان حال البريد في العصور الماضية.

ثم تدرج حال البريد شيئا فشيئا و تطور تطورا عظيما في عصرنا الحاضر حتى صار له أدق النظامات و أحكم القوانين كما هو معروف لدى جميع العالم. و إن أول من وضع أساس إدارات البريد و إدارات التلغراف و البرقيات و إدارات التليفونات الدولة التركية العثمانية ... وضعتها عندنا بمكة المكرمة، و بسائر مدن الحجاز بل و سائر البلدان و الممالك الإسلامية التي كانت كلها تحت حكمها. فلما استقلت هذه الممالك كلها بنفسها و زال حكم الأتراك عنها حافظت على هذه الإدارات و صارت كل مملكة تزيد في أنظمتها و قوانينها ما تراه صالحا لخدمة الجمهور حتى وصلت حالتها اليوم شأوا بعيد المدى.

هذا و لقد أدركنا رسائل البريد و الأمانات تذهب بالحمير في كل يوم قبل وجود السيارات و الطائرات من مكة المكرمة إلى جدة، و إلى الطائف و إلى المدينة المنورة و إلى ما حول ذلك من القرى، و كانوا يسمون ذلك (بوستة الحمّارة) بتشديد الميم، فإذا وصلت هذه الرسائل و الأمانات إلى البلدة أخذ الرجال الموظفون المختصون بهذا الأمر جميع الرسائل و الأمانات و سلموها إلى أصحابها بأمانة تامة، لا يحصل فيها شي‏ء من الخيانة و التغيير، حتى لقد كانت ترسل معهم صرر الفلوس من الريالات الفضية و الجنيهات الذهبية. و إذا حصل أمر مهم يقتضي سرعة إرسال الرسائل و الأمانات بغاية الاستعجال فإنهم كانوا يرسلونها مع النجاب، بفتح النون و تشديد الجيم، و هو رجل سريع الذهاب و العدو فيمشي على رجليه مهرولا من مكة إلى جدة أو من الطائف إلى مكة فيسلمها لأصحابها فيصل هذا النجّاب إلى البلدة قبل وصول الحمّارة بكثير، و عندنا في العرب بعض الرجال معروفون بالعدو السريع.

هذه الحالة كانت معروفة عندنا إلى أوائل العهد السعودي أي إلى سنة (1347 ه) ألف و ثلاثمائة و سبع و أربعين هجرية. ثم من بعد هذه السنة المذكورة كثرت السيارات عندنا، فصار البريد يرسل بالسيارات إلى جميع المدن، كما يرسل بالطائرات إلى داخل المملكة و خارجها. و تطور عندنا نظام البريد تطورا عظيما فاستراح الناس فيه راحة تامة.

198

هذا و لقد طلبنا من سعادة الشيخ عبد اللّه عبد الرحمن طيب مدير بريد مكة المكرمة أن يفيدنا بالتفصيل عن تطور حالة البريد عندنا بمكة، فجاءنا منه الجواب الآتي في منتصف جمادى الأولى سنة (1385) هجرية.

البريد في مكة

عرفت مكة إدارة البريد منذ العهد العثماني باسم" البوستة" و قد كانت خدمات البوستة ضيقة في حدود معينة لا تعدو عن نقل بعض خطابات عادية و مسجلة بين مدن الحجاز، بين مكة و جدة، و بين مكة و المدينة و بينها و الطائف.

و من الوسائل التي كانت تستعمل لنقل البريد" الحمير" و كان ساعي البريد الذي ينقل الخطابات يطلق عليه (موزع الحمّارة) بتشديد الميم، و ظل موزع الحمارة اسما معترفا به في البريد إلى عهد قريب جدا.

و من المباني التي عرفتها إدارة البريد بمكة مبنى الإسعاف الخيري فهو أول مبنى شبه أنموذجي تأسس لإدارة بريد مكة و البرق و التلفون و اللاسلكي و كان يدير العمل فيه موظفان اثنان. و العمل عبارة عن جمع أعمال البرقيات و الخطابات و التلفونات و بعض موزعين.

و صدرت طوابع بريدية حجازية في عهد الحسين بن علي ثم و شحت هذه الطوابع في أوائل العهد السعودي بجملة" سلطنة نجد و الحجاز" و لم تلبث أن صدرت طوابع سعودية باسم المملكة العربية السعودية ... في بداية العهد الجديد الذي أخذت المرافق العامة كلها تحظى بعناية الدولة. و تكونت إدارة عامة لمصلحة البرق و البريد و اللاسلكي تحت إدارة مديرها العام الشيخ عبد اللّه كاظم و اتخذ لهذه المصلحة مبنى كبير في القشاشية ثم انتقل البريد بعد أن توسعت أعماله و تحسنت خدماته العامة و تعددت أقسامه إلى عمارة الأشراف في أجياد و في أوائل عام 1379 ه ابتاعت وزارة المواصلات المبنى الحالي بسوق المعلا.

تتكون إدارة البريد حاليا من أكثر من خمسة عشر قسما أهمها أقسام الواردة و الصادرة و الحوالات و المؤمنات و الترحيل و التوزيع ... و يوجد للبريد الحالي ثمانية شعب منبثة في مختلف أنحاء مكة ... أهمها شعبة القشاشية و أجياد و المسفلة و الشبيكة و جرول ... و قد تطورت إدارة بريد مكة تطورا ملحوظا في الأيام‏

199

الأخيرة و تحسنت الخدمة البريدية تحسنا ملموسا حتى أن ذلك دعى إلى تسيير بريد متنقل أيام الحج، و لا سيما أيام التشريق بمنى ليسهل الخدمة البريدية للحجاج.

و قد بلغ مجموع ما استقبلته إدارة البريد من خطابات في اليوم الواحد في أيام موسم الحج عام 1384 ه مائة و خمسين ألف خطاب صادرة من مكة إلى مختلف أقطار الأرض كما استلمت من الخطابات الواردة ما يربو عن مائتي ألف رسالة في يوم واحد. و من منذ سنة تقريبا تم الاتصال المباشر بين بريد مكة و بعض المراكز البريدية العالمية و العربية، منها الهند و الباكستان و إندونيسيا و مصر، و بعض دول أوروبا، و الدول العربية. و قد كان قبل هذا الاتصال يتوسط مركز بريد جدة بين مكة و بقية المراكز العالمية.

و إدارة بريد مكة تتصل اتصالا مباشرا في مهامها بوكالة المصلحة لمنطقة مكة و وكيل المدير العام في هذه الوكالة هو الأستاذ جعفر ثابت، و في عهد سعادته خطت مصلحة البريد خطوات واسعة المدى في سبيل التطور و تيسير الخدمة البريدية. و ميزانية البريد بمكة جزء من ميزانية المصلحة التي هي جزء من ميزانية وزارة المواصلات.

و لم تعرف مكة عهدا مثل هذا العهد بالنسبة للخدمات البريدية العامة و تسهيلها و دقتها. و الفضل في ذلك يعود إلى ما متع اللّه به هذه البلاد من استقرار و أمن في عهد مليكها و رائدها جلالة الملك فيصل المعظم أطال اللّه عمره و أبقاه.

15 جمادى الأولى 1385 ه

مدير البريد بمكة المكرمة

عبد اللّه عبد الرحمن طيب‏

التلغراف بمكة المكرمة

لقد بدأ في اختراع التلغراف" البرق" ثلاثة أشخاص من أوروبا، و ذلك في سنة (1832) ألف و ثمانمائة و اثنتين و ثلاثين ميلادية، و هم:

(1) صامويل ف. ب. مورس و هو من أمريكا. (2) مستر رونالدز و هو من لندن. (3) و ليم فوز- رجل كوك- و هو من أوروبا. فهذا الشخص الثالث و هو" وليم" كان ضابطا في جيش المدوراس و هو من أهل أوروبا، و كان له ذكاء و نشاط، يقضي أيامه في التجول في دور المتاحف و الكليات العلمية، فبينما كان في‏

200

إحدى الصالات بمدينة (هدالبرج) إذ رأى جهازا مخصصا لتوضيح بعض نقاط المحاضرات التي تلقى عن الكهرباء، و فيه مفتاح لإرسال أو إمساك التموجات الكهربائية، فقال كوك في نفسه: و لماذا لا يمكن إرسال هذه التموجات بهيئة علامات مصطلح عليها، إلى مسافات بعيدة. فلما وصل إلى لندن، كان من حسن حظه أن استمال إليه أحد أساطين العلوم العملية في هذا العصر، و هو الأستاذ (آلان سير) تشارس و تيسن مخترع آلة (السبكتر سكوب)، و عمل كلاهما على تحقيق فكرة إنشاء التلغراف و حصلا على امتياز به ليحمياه من سطو بعض الأدعياء. و حصلت أول تجربة عمومية في 25 يوليو سنة (1837) و قد وقف أحد هذين المخترعين في مدينة" كامدن" و وقف الآخر في" بوستن" و كانت النتيجة نجاحا باهرا، و وصلت بينهما الإشارة المتفق عليها.

و لنعد إلى ذكر الشخص الأول و هو" صامويل مورس" فلقد كان مسافرا في سفينة صغيرة من ميناء" الهافر" قاصدا نيويورك في شهر أكتوبر من عام (1832) ميلادية، و اجتمع مع بعض الرجال الكهربائيين فعلقت بذهنه إرسال الموجات و الرموز في سلك من التيار الكهربائي. ثم لما قفل راجعا من سفرته إلى بيته عكف على دراسة الكهرباء و استولى على فكرة اختراع آلة التلغراف، و اهتم بهذا اهتماما عظيما، و طبعا لقي في سبيل ذلك صعوبات جمة و تعبا عظيما و إرهاقا فكريا لا يتصور، لكنه في آخر الأمر نجح نجاحا باهرا في اختراع التلغراف.

و كان لابد للتلغراف من عمل محطة صالحة لإرسال الإشارات و تلقيها.

فمكث" صامويل مورس" يعمل مدة سنتين بغير انقطاع حتى أتم عمل محطة جيدة صالحة. ثم إنه في سنة (1837) ميلادية، دعا مورس بعض أصدقائه و معارفه إلى الاستديو لمشاهدة التلغراف الذي صنعه، فأسفرت التجربة عن نجاح بعيد المدى، و اقتنع الحاضرون بفائدة هذا المشروع العظيم. فقدم له شخص ميكانيكي ماهر من الذين شاهدوا اختراعه، أموالا كثيرة و آلات متعددة، و طلب منه أن يدخل في اختراعه هذا تحسينات عظيمة، و بذلك تمكن صامويل مورس من إتمام اختراعه على أكمل وجه و أحسنه، ثم سعا في أمريكا و في الممالك الأخرى للحصول على الامتياز، فتمكن من حصوله في سنة (1840) ميلادية. ثم عرض أمر التلغراف الذي صنعه على البرلمان الأمريكي، و طلب مساعدته بمبلغ وفير لإنشاء خط

201

تلغرافي من واشنجتون إلى بلتيمور، فساعدوه بإعطائه ثلاثين ألف دولار، و ذلك في سنة (1843) ميلادية.

فقام مورس يضع أسلاك التلغراف تحت الأرض، ثم عدل عن هذه الطريقة فجعل الأسلاك على أعمدة مرتفعة عن الأرض، فهذا العمل أكثر نفعا و أقل نفقة، و ركب على رؤوس الأعمدة عازلات زجاجية لمنع التيار الكهربائي من التسرب إلى أجسام الأعمدة فتبدد في الأرض، فلما تم إنشاء هذا الخط، صار أمر التلغراف مشهورا لدى الشعب الأمريكي.

ثم في أوائل شهر إبريل سنة (1845) كان الخط التلغرافي قد فتح للجمهور و تعين له عمال و كتاب و إدارات، ثم ما زال التلغراف يدخل فيه التعديلات و التحسينات، حتى وصل اليوم إلى أرقى درجات الكمال. و قد امتدت خطوط التلغرافات إلى جميع الممالك و البلدان، حتى صار التلغراف أمرا لازما من ضروريات الحياة لا يستغني عنه الأفراد و لا الحكومات في جميع أقطار الأرض.

هذا فالتلغراف كان موجودا بمكة المكرمة منذ زمن طويل، من عهد الدولة التركية العثمانية، و لقد توسعت إدارته عندنا توسعا عظيما حسب ازدياد السكان في البلاد- و لقد أصدرت وزارة المواصلات عندنا في المملكة العربية السعودية من نحو خمس سنوات، كتابا صغيرا، بينت فيه نشاط الوزارة و أعمالها في خدمة الجمهور من ناحية المواصلات، سواء كانت بواسطة البريد، أو بالتلفون، أو بالتلغراف، و هذا الكتاب على صغره فيه معلومات هامة قيمة.

هذا ما ذكرناه عن اختراع التلغراف و لقد طلبنا من سعادة مدير البرق و اللاسلكي بمكة المشرفة نبذة عن التلغراف و اللاسلكي بمكة المشرفة، فأرسل لنا البيان الآتي:

اهتمت حكومتنا السنية بهذا البلد المقدس و نهضت به إلى أعلى القمم لما له من قداسة في قلب أسد الجزيرة و إمام المسلمين صاحب الجلالة الملك فيصل خاصة و في قلوب العالم الإسلامي عامة و أن صاحب الجلالة أول ما اهتم به النهوض بكافة المشاريع الحيوية في هذا المضمار و أعني الأهم منها إدارة البرق و البريد و اللاسلكي لما لهذا القسم من أهمية عظمى في عالم اليوم لما يقوم به من خدمات عامة باستقبال كافة البرقيات الداخلية و الخارجية و القيام بتسليمها لأصحابها من المواطنين و الدوائر الحكومية و الوفود لهذه الأراضي المقدسة في أقرب وقت ممكن‏

202

و اهتمام المسؤولين بإيجاد الآلات الفنية للاستقبال السريع و تأمين وسائل النقل الحديثة علما أنه كان العمل سابقا جاريا بأبسط الآلات السلكية و بتوالي السنين، و توفر أحدث الأجهزة الفنية تطور حقل البرق و البريد و انتشرت المراكز اللاسلكية في كافة أنحاء المملكة شرقها و غربها و شمالها و جنوبها حتى أصبحت كل مدينة و قرية بها مركزا لاسلكيا حديثا.

إضافة على اهتمام المسؤولين بتأمين أحدث الآلات المبرقة الحديثة لتأمين المخابرات فيما بين جدة و مكة و الطائف و التي كانت سابقا تؤمن بطريق اللاسلكي (المورس) و زيادة على ذلك إيجاد الوسائل بتشجيع أبناء الوطن بالتمرين و العمل على الآلات الحديثة حتى أصبح كافة القائمين بالعمل بهذا المرفق هم من رعايا الحكومة السنية و أن هذا بفضل اللّه ثم بفضل (صاحب الجلالة) حامي حمى الحرمين و حرص المسؤولين بهذه المصلحة. و نستمد من المولى جلت قدرته العون في المضي في أعمالنا لما يحقق ازدهار البلاد و رقيها في كافة مرافق الحياة تحت ظل صاحب الجلالة (الملك فيصل المعظم) و باللّه التوفيق و الهادي إلى سواء السبيل.

مدير البرق و اللاسلكي بمكة المكرمة عمر عراقي‏

5 جمادى الثانية سنة 1385

انتهى ما ذكره سعادة مدير البرق و اللاسلكي بمكة المكرمة.

التليفونات بمكة المكرمة

كان الكسندر جراهام بل، هو أول مخترع للتليفون، اخترعه في فبراير سنة (1876) ميلادية، و قد ولد الكسندر بل المذكور في سكوتلاندا و تلقى تعليمه في إنكلترا، ثم سافر هو و أبوه إلى كندا ثم ذهب إلى بوستن لتعليم الصم البكم ثم اشتغل بدراسة الأصوات و بممارسته لتعليم تلامذته الصم علم كثيرا عن الأصوات التي تؤثر على طبلة الإذن الغضة، فصنع قرصين جديدين يشبهان طبلة الأذن، و وصل بينهما بسلك كهربائي، فكانت الأصوات التي ترسل من أحدهما تتصل بالقرص الثاني بواسطة السلك، و القرص الثاني يرددها كما هي. و قد نجح في إنشاء هذه المواصلة التلفونية بهذا الشكل البدائي على مسافات قصيرة، ثم عكف‏