التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج2

- محمد طاهر الكردي المزيد...
605 /
203

على تعلم الكهرباء، ثم بعد تجارب كثيرة و أتعاب مضنية، توصل إلى اختراع التلفون و نقل الأصوات فيه بوضوح تام، فظن بعض رجال الأعمال أن هذا من قبيل لعب الأطفال و ذلك في سنة (1876) ميلادية. و قد ظهرت شركة لإظهار هذا الاختراع العظيم، اختراع التليفون، فصار اليوم للتلفونات فوائد كبيرة أعظم من فوائد الرسائل البريدية.

هذا و قد أوفدت حكومتنا السعودية، عن طريق مديرية البرق و البريد العامة أول بعثة للتلفونات الفنية، و كان ذلك قبل سنة (1367) و إليك أعضاء هذه البعثة:

(1) محمد كاظم، (2) أسعد قنق، (3) عبد الواحد خوج، (4) يحيى عبد الجبار، (5) سعيد حمزة، (6) عبد الكريم بشاوري، (7) وجدي طحلاوي، (8) فريد توفيق، (9) رشاد زبيدي، (10) محمد نور سلامة.

و لقد أتم هؤلاء دراساتهم في أعمال هندسة التلفونات الأتوماتيكية و غيرها، ثم عادوا إلى بلادهم و تسلموا أعمالهم الرسمية، كما ذكرهم صديقنا الفاضل الأستاذ صالح جمال الحريري، وفق اللّه تعالى العاملين لخدمة بلادهم و إخوانهم آمين.

عدد التليفونات بمكة المكرمة

وجود التليفون و التلغراف بمكة المشرفة و في غيرها من البلاد قديم يرجع عهده إلى زمن الأتراك العثمانيين، لكن عدد التليفونات بمكة شرفها اللّه تعالى في زمن الشريف الحسين بن علي ملك البلاد الحجازية الأسبق (رحمه اللّه)، لا يتجاوز العشرين من التليفونات فقط، و ذلك عند كبار موظفي حكومته، إلى أن انتهى مدة حكمه (رحمه اللّه تعالى) و ذلك في أوائل سنة (1343) ألف و ثلاثمائة و ثلاث و أربعين هجرية، فمكة كانت في ذلك الزمن صغيرة الرقعة قليلة السكان.

فلما استولت الحكومة السعودية على الحجاز في السنة المذكورة، تقدمت مكة المكرمة شيئا فشيئا في جميع مرافق المدينة و العمران، حتى بلغت في سنتنا الحاضرة سنة (1385) خمس و ثمانين و ثلاثمائة و ألف، مساحتها شيئا كثيرا بحيث‏

204

امتد العمران في جميع نواحي مكة، و صارت المنازل و الدكاكين فيها أضعاف أضعاف الأزمان السابقة، و كذلك كثرت فيها محلات التجارة كثرة محسوسة ملموسة، و بالطبع أن كل هذه المنازل و المحلات التجارية و الدوائر الحكومية المتعددة، في حاجة شديدة إلى تليفونات عديدة، فصار عدد التليفونات بمكة المكرمة في زماننا هذا أي إلى السنة المذكورة خمسة آلاف تليفون تقريبا، و هي متفرقة بين الدوائر الحكومية و المحلات التجارية و المنازل الأهلية، فسبحان مغير الأحوال، لا إله إلا هو الكبير المتعال، و هذه التلفونات هي التي تستعمل بواسطة المراكز و السنترالات و قد بلغنا أنه ستبدل هذه التلفونات قريبا بتلفونات تستعمل بواسطة الأرقام و النمر.

البنوك بمكة المكرمة

لم يألف الناس في الأزمان السابقة وضع نقودهم و أماناتهم في البنوك، و إنما كانوا يحفظونها في منازلهم في الصناديق و الدواليب، و إذا سافروا إلى جهة من الجهات، في داخل البلاد أو خارجها، أخذوها معهم، و بعضهم كانوا يحولون نقودهم إلى الخارج بواسطة التجار، فلما ظهرت البنوك و وجدت و سارت أمورها بانتظام، صار الناس يحولون نقودهم إلى أي جهة من الجهات بواسطتها، و بذلك تفادوا كثيرا من الأخطار التي كانت تعترض أموالهم، بل إن تحويل النقود بواسطة البنوك أضمن لوصول الحوالات إلى أصحابها، لتحققهم من الشخص الذي يستلمها.

فأول ما ظهرت البنوك بمكة المكرمة، كان في محرم (1374) عام ألف و ثلاثمائة و أربع و سبعين هجرية. فأول بنك أنشئ في مكة المكرمة، هو البنك الأهلي التجاري، و بعده و في جمادى الآخرة من السنة المذكورة، أنشئ البنك الثاني و اسمه البنك العربي، و أخيرا أنشئ البنك الثالث و اسمه بنك الرياض، و ذلك في ربيع الثاني عام ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية (1377).

و ساعدت هذه البنوك على خدمة حجاج بيت اللّه الحرام على أكمل وجه، حيث يستطيعون بهذه البنوك تسلم و تحويل نقودهم من جميع أنواع العملات من مختلف بقاع الأرض بسهولة و يسر.

205

و هذه المعلومات عن البنوك بمكة المكرمة، أخذناها مع الشكر من الأستاذ حسين غيث الأردني، الموظف في بنك الرياض بمكة المكرمة.

ثم كتبنا لمدير البنك الأهلي التجاري بمكة المكرمة، و هو الشيخ سعيد بامحفوظ، ليخبرنا عن البنوك بمكة المكرمة فقط، و عن نبذة صغيرة من أعمالها، فأرسل لنا الجواب الآتي بتاريخ غرة ربيع الثاني سنة (1385) هجرية، و برقم (15549)، و هذا نص جوابه:

حضرة المكرم الفاضل الشيخ محمد طاهر الكردي المحترم‏

تحية و سلاما

و بعد: تلقينا بمزيد السرور خطابكم المؤرخ 8/ 3/ 85 المحتوي على استفساراتكم عن البنوك الموجودة بمكة المكرمة. و ننقل لكم فيما يلي المعلومات التي استفسرتم عنها:

عدد البنوك‏

: 1- مؤسسة النقد العربي السعودي فرع مكة

2- البنك الأهلي التجاري فرع مكة

3- البنك العربي فرع مكة

4- بنك الرياض فرع مكة

تواريخ تأسيسها:

باستطاعتنا إفادتكم عن تاريخ تأسيس فرعنا البنك الأهلي التجاري و هو أول محرم عام 1374 ه. و أما تواريخ البنوك الأخرى الموجودة هنا فبإمكانكم معرفتها إذا كتبت إلى كل بنك منها.

أعمال هذا البنك:

إن أعمال هذا البنك متعددة و متشعبة نورد لكم فيما يلي بعضا من أعماله بطريقة مختصرة جدا على سبيل الإلمام:

1- منذ أن بدأت أعمال توسعة الحرم المكي الجبارة التي أخذت حكومتنا الرشيدة على عاتقها القيام بها فقد تم صرف جميع التعويضات التي تبلغ مئات الملايين عن طريق هذا البنك الذي قام بهذا العمل خير قيام.

206

2- يقوم هذا البنك بأعمال تحويل المبالغ داخل و خارج المملكة، فعندما يرغب مواطن في أن يحول مبلغا ما إلى خارج أو داخل المملكة فإن أمامه 3 طرق يستطيع البنك أن يحول بواسطة أية واحدة منها. فهو إما أن يحول المبلغ برقيا أو خطابيا أو أن يتسلم المحول شيكا من البنك و يبعثه هو بنفسه بداخل خطاب مسجل.

3- يقوم هذا البنك بأعمال التحصيل. فتجار السيارات أو الأثاثات المنزلية مثلا الذين يبيعون بضائعهم بالتقسيط يبعثون بكمبيالاتهم الموقعة من قبل عملائهم إلى البنك ليقوم البنك باستحصال قيمة الكمبيالة في موعد استحقاقها. و المصدرون الذين يبيعون بضاعتهم على أساس دفع المبلغ مقابل تسليم لمستندات يبعثون بمستندات البضاعة التي يصدرونها يبعثونها إلى البنك لاستحصال قيمتها من المسحوب عليه.

4- يقوم البنك أيضا بفتح الاعتمادات بكافة أنواعها المستندية و الشخصية و خلافهما. فالبنك في هذه الحالة يقوم مقام الواسطة بين المستورد و المصدر. فيأتي المستورد إلى البنك و يملأ استمارة فتح الاعتماد و يضمّنها كافة مواصفات و شروط البضاعة حسب المتفق بينه و عميله المصدر و يدفع التأمين ثم يبلغ البنك مراسله في الخارج ليقوم الأخير بدوره بتبليغ المصدر بفتح الاعتماد و مواصفاته و شروطه.

و عند ما يتم شحن البضاعة يقدم المصدر المستندات إلى البنك المراسل و يستلم في مقابلها القيمة و يبعث المراسل بالمستندات بعد أن يحسم القيمة من حسابنا ولدى وصولها نستوفي باقي القيمة من الفاتح.

5- كذلك يقوم البنك بتقديم الضمانات.

6- و من أعماله قبول أموال عملائه الذين يودعون أموالهم لدى البنك.

و في الختام نتمنى لكم التوفيق في مهمتكم و اللّه ولي التوفيق.

عن البنك الأهلي التجاري- بمكة

عدد نزول المطر في سنة 1385 بمكة

إن الأمطار تنزل بمكة قليلا، يعني ينزل المطر بها في كل عام مرة أو مرتين تقريبا، و إذا نزل فلا يدوم نزوله أكثر من ساعة أو ساعتين، و في النادر جدا يكون‏

207

نزوله مدة ست ساعات تقريبا، أي من الصباح إلى الظهر مثلا تكون هذه الحالة بعد عدة سنوات، و في هذه الحالات يكثر جريان السيل بمكة المشرفة.

لكن في سنة (1385) ألف و ثلاثمائة و خمس و ثمانون هجرية، نزل المطر فيها مرارا عديدة، ففي شهر ربيع الثاني نزل المطر بمكة أربع مرات، و في شهر جمادى الثانية نزل بها ست مرات، و في شهر رجب نزل المطر بها ثلاث مرات، و في شهر شعبان نزل المطر بها ثلاث مرات، و في شهر رمضان نزل المطر بها ثلاث مرات، و في رابع يوم من شهر شوال نزل المطر بها عند الظهر. ثم لم نحسب نزول المطر بعد هذه المرة، لأننا أرسلنا هذا المبحث إلى المطبعة، و اللّه تعالى أعلم بعدد نزوله في بقية السنة المذكورة.

ففي كل هذه المرات تكون مدة نزول المطر نصف ساعة أو أقل أو أكثر، و نزول المطر عدة مرات بمثل هذه الحالات في العام الواحد، يكون بعد عدة سنوات من بعد نحو خمس عشر سنة فأكثر، و يفرح الناس عندنا بنزول المطر كثيرا، لأن الجو يتلطف، و الهواء يتغير، و ترق النسمات، و تكثر الخضراوات، و تنبت الحشائش و الزروع، و يكون المرعى للمواشي طيبا، و تكثر الألبان و الجبن، نسأل اللّه تعالى أن يزيدنا من نعمائه و خيراته بفضله و رحمته آمين.

الأمطار بمكة في سنة 1386 هجرية

لقد تقدم ذكر الأمطار بمكة المشرفة في سنة 1385 هجرية، و الآن نكتب هنا الأمطار عندنا في سنة 1386 هجرية، فقد نزلت الأمطار عندنا كما يأتي:

عدد/ وقت نزول المطر/ ملحوظات 1/ في ليلة 6/ 5/ 1386/ نزل في الساعة الرابعة ليلا و كان رشاشا قليلا.

2/ في يوم 21/ 5/ 1386/ نزل في الساعة التاسعة قبل العصر و دام نحو ثلث ساعة.

3/ في يوم 29/ 5/ 1386/ نزل في الساعة الحادية عشر قبل المغرب و كان رشاشا خفيفا.

4/ في آخر يوم 30/ 5/ 1386/ نزل مع أذان المغرب نزل بقوة و دام نصف ساعة.

5/ في يوم 3/ 6/ 1386/ نزل قبل المغرب بنصف ساعة و كان رشاشا

208

// خفيفا.

6/ في يوم 4/ 6/ 1386/ جاء بعد العصر بنصف ساعة.

7/ في يوم 11/ 6/ 1386/ جاء بعد العصر و كان رشاشا خفيفا.

8/ في يوم 12/ 6/ 1386/ جاء بعد العصر و نزل نصف ساعة.

9/ في يوم 17/ 7/ 1386/ نزل مطر قوي من قبل الظهر بساعة إلى العصر.

10/ في يوم 21/ 7/ 1386/ نزل قليلا من بعد المغرب.

11/ في يوم 27/ 7/ 1386/ نزل من العصر إلى قبل المغرب بساعة و كان قويا.

12/ في يوم 9/ 8/ 1386/ نزل قبل العصر و دام قبيل المغرب.

13/ في يوم 11/ 8/ 1386/ نزل قبيل المغرب إلى الساعة السابعة ليلا و كان غزيرا.

14/ في يوم 12/ 8/ 1386/ نزل قبل العصر بساعة و دام إلى قبل المغرب بساعة و ربع.

15/ في ليلة 13/ 8/ 1386/ نزل من بعد العشاء بساعة و دام إلى نصف الليل.

16/ في يوم 13/ 8/ 1386/ نزل مطر عند أذان الظهر و دام إلى بعد الظهر بساعة، و هذه أربعة أيام متوالية تنزل فيها الأمطار، و مثل هذا يكون عندنا نادرا.

لقد عددنا مرات نزول الأمطار بمكة المشرفة في سنتين في وقتنا الحاضر و هما سنة (1385) و سنة (1386) من الهجرة، لأن نزولها في كل عام قليل جدا، أما بالنسبة للممالك الأخرى من البلاد الإسلامية و غيرها، فإن نزولها في مواسمها كثير جدا، و كل ذلك لحكمة لا يعلمها إلا من بيده الأمر كله مدبر أمور السموات و الأرض، لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

جوازات السفر و رخص الإقامات و إحصاء النفوس بمكة المكرمة

لم تكن في العصور المتقدمة تعرف إحصاء النفوس، و لا جوازات السفر بمكة المشرفة، كما كان الشأن في جميع الممالك و البلدان، و غاية الأمر أن الناس كانوا

209

يعرفون أهل بلدتهم، و ما كان يترتب على ذلك شي‏ء لو أخطأوا، و كان السفر من بلدة إلى أخرى، و من قطر إلى قطر في غاية اليسر و السهولة، خصوصا في جميع الممالك الإسلامية، و أن المسافر إلى جهة من الممالك، لا يحتاج إلى أكثر من حمل ورقة صغيرة لإثبات شخصيته و أنه تابع للدولة العلية العثمانية التركية، و بموجبها يمكنه السفر إلى أي جهة كانت، و قطع تذكرة سفره في البواخر إن أراد السفر من البحر، أو السفر بالدواب من قطر إلى قطر. كان هذا هو الحال في جميع الممالك الإسلامية التي كانت كلها تابعة للدولة التركية العثمانية، فلما زالت عنها الخلافة الإسلامية، و زال حكمها عن جميع الممالك و الأقطار التي كانت تابعة لها، ظهرت في كل مملكة و قطر قوانين و دساتير مختلفة، و أخرجت كل مملكة منها جوازات السفر خاصا باسمها، و ذلك من سنة (1334) ألف و ثلاثمائة و أربع و ثلاثين هجرية تقريبا، و بذلك صار السفر من مملكة إلى مملكة، و من قطر إلى قطر صعبا، بالنسبة لاستخراج جواز السفر من بلدة المسافر، ثم حصول التأشيرة عليه من قناصل و سفراء الدولة التي يسافر إلى بلادها، ثم الحصول على تأشيرة الدخول و الخروج منها، لأن كل ذلك يحتاج إلى إجراءات مع دفع الرسوم اللازمة، و بغير هذا لا يمكنه السفر إلى البلاد التي يريدها.

و أنه بعد زوال حكم الأتراك عن الحرمين الشريفين و غيرهما في السنة المذكورة، و تتويج الشريف الحسين بن علي، (رحمه اللّه تعالى)، ملكا على الحجاز، أمر بإصدار جوازات السفر باسم حكومته (الحكومة العربية الهاشمية) فكانت جوازات السفر هذه هي أول جوازات تصدر بمكة المكرمة بل بالحجاز.

و أما إدارة إحصاء النفوس لأهل البلاد، أي التابعية التي تعطى لهم، و كذلك إعطاء الجنسيات و الإقامات للأغراب، بحسب الترتيبات و الإجراءات الموجودة اليوم، فلم تكن معروفة في زمن الأتراك و لا في زمن الشريف الحسين المذكور، ملك الحجاز الأسبق. إن كل ذلك لم يعرف عندنا إلا في أوائل العهد السعودي، أي من سنة (1350) ألف و ثلاثمائة و خمسين هجرية تقريبا، لكن إدارات الإقامة و إحصاءات النفوس، كانت معروفة من قبلنا بسنوات في البلدان الأخرى، فنظن أن بدء إحصاءات النفوس في الممالك و الأقطار، كان معروفا من بعد سنة (1300) ألف و ثلاثمائة من الهجرة، و أن بدء إدارات الإقامة للأجانب كان من سنة (1350) ألف و ثلاثمائة و خمسين تقريبا.

210

فصار سفر الناس من بلادهم إلى بلاد أخرى بالجوازات صعبا نوعا ما، و كذلك إقامتهم في بلاد أخرى صارت شاقة، لما يحتاج ذلك من الإجراءات و من الأسئلة و الأجوبة الكثيرة، و ما يدفعونه في سبيل ذلك للحكومات المختلفة من المال. و أن من قرأ رحلة ابن جبير و ابن بطوطة رحمهما اللّه تعالى، اللذين كانا قبلنا بقرون عديدة، إن من قرأ رحلتهما، علم ما كان الناس يتمتعون بحرية التنقل و الأسفار بين المشرقين و المغربين، و إن كانت الأسفار في تلك القرون السابقة و العصور الماضية لا تخلو من أخطار قطاع الطرق و القراصنة. و في عصرنا الحاضر زالت الأخطار و المشقات في الأسفار و للّه الحمد. إن لكل عصر و زمان مزاياه و مساوئه، و لكل مضاره منافعه.

و الظاهر و اللّه تعالى أعلم أن جميع الحومات الإسلامية و الإفرنجية، لم تتخذ جوازات السفر و الإقامات إلا زيادة في محيط الأمن العام، حتى تشل من حركات الجواسيس و المجرمين، و إن كانت لا تخلو بلدة من البلدان منهم، لكن ذلك أفضل من ترك الحبل على الغارب، فالعمل على تقليل الشرور واجب، إن لم يمكن حذفها بتاتا، فإنه ليس بمستطاع البشر رفع الشر و الفساد من الأرض، و لو شاء اللّه لهدى الناس جميعا، و لكن فريق في الجنة و فريق في السعير. نسأل اللّه تعالى الهداية و التوفيق بفضله و رحمته آمين.

استعمال الحطب و الفحم و غيرهما بمكة

كان العرب و جميع الناس منذ العصور القديمة الأولى، لا يستعملون في طبخهم و تدفئتهم غير الحطب المقتطع من الأشجار و الفحم المتخذ من الحطب.

فالفحم و الحطب هما أساس الوقود منذ قديم الأزمان، كما أخبر اللّه عز و جل عن ذلك في آخر سورة يس بقوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ‏.

لقد كان استعمال الحطب و الفحم سائدا على وجه الأرض في جميع بلاد العالم إلى أول القرن الثالث عشر للهجرة، أي إلى سنة (1300) ه، فلما ظهرت المدنية الحديثة و تقدم الناس في اختراع أنواع وسائل الحياة المعيشية، اختلفت عاداتهم التي درجوا عليها. فمن ذلك استبدلوا استعمال الحطب و الفحم بالكهرباء و أنواع الزيوت و الغاز، و اخترعوا لذلك من الآلات و الأدوات ما يحير العقول.

211

و بطبيعة الحال كان أهل أوروبا هم أول الناس إقداما على تبديل الأمور المعيشية، لأنهم هم المخترعون لوسائلها من الآلات و الأدوات، ثم أخذ الناس عنهم ذلك تدريجيا و كان لابد للبلاد العربية نصيب من تلك الأمور. و لا نريد أن نسرد ما ظهر من المخترعات فذلك مما يطول شرحه و بيانه، و لكن نتكلم فيما نحن بصدده من الكلام عن الوقود فنقول:

كان الناس في بلاد الحجاز و في مكة المشرفة يستعملون الفحم و الحطب في الطبخ و الخبز و التدفئة أيام البرد، و كانوا يجعلون في بيوتهم و منازلهم و أفرانهم مكانا خاصا للفحم و الحطب، كان هذا عادتهم و ديدنهم إلى سنة (1343) ألف و ثلاثمائة و ثلاث و أربعين هجرية، ثم تغيرت الحالة تدريجيا في الحرمين الشريفين لوجود الكهرباء و أنواع الغاز، فما جاءت سنة (1373) هجرية إلا و قلّ استعمال الفخم و الحطب، و صار بدلهما استعمال الكهرباء و أنواع الغاز و البوتوغاز، و حتى صارت الأفران أيضا تستعمل فيها الكهرباء و الغاز، و ما بقى أحد يستعمل الفحم إلا لشوي اللحم و عمل الكباب، أو لتعمير رأس الشيشة لشرب التنباك و الجراك، و صار أصحاب المنداة و البخارية الذين يخبزون التمييز يستعملون الحطب في تحمية أزيارهم. أما عرب البادية و البدو الذين يعيشون في الصحاري و القرى، فإنهم ما زالوا يستعملون الفحم و الحطب، لكثرة الأشجار الموجودة في باديتهم و قراهم، و لعدم قدرتهم على شراء أدوات الغازات الوقودية، و لعدم وجود الكهرباء في محلاتهم و باديتهم. إن دوافير الكاز و الطباخات التي تشتعل بالفتايل لم تعرف عندنا و لم تكثر إلا من بعد سنة (1360) ألف و ثلاثمائة و ستين هجرية. و اللّه تعالى أعلم ما يكون بعدنا من وسائل المدينة و العمران. فسبحان الذي بيده ملكوت كل شي‏ء و إليه ترجعون.

أول مصحف يطبع بمكة المكرمة

كان مؤلف هذا التاريخ محمد طاهر الكردي المكي الخطاط، هو أول من فكر في كتابة و طبع مصحف شريف بمكة المشرفة موضع نزول القرآن الكريم، فقام بكتابته من أول سنة (1362) ألف و ثلاثمائة و اثنتين و ستين هجرية، و قد مكث سنوات في كتابته ثم في تصحيحه بدقة تامة و عناية بالغة، ثم تألفت شركة بمكة لطبعه، فطبع في سنة (1369) ألف و ثلاثمائة و تسع و ستين هجرية في عهد الملك‏

212

عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (رحمه اللّه تعالى) و أحسن إليه، ثم أعيد طبعه مرات عديدة بأحجام مختلفة، فكان هذا المصحف الكريم و اسمه (مصحف مكة المكرمة) أول مصحف يكتبه خطاط مكي و أول مصحف يطبع بمكة المكرمة، فغفر اللّه تعالى لكاتبه المذكور و لمن قام بطبعه و تصحيحيه و لمن قرأ فيه و نظر إليه آمين. و الحمد للّه ربّ العالمين.

انظر: صورة رقم 32، أول صحيفة من هذا المصحف الكريم من طبعته الأولى‏

الفنادق في الحجاز

الفنادق" بالفتح" جمع فندق، و الأوتيلات" بالضم" جمع أوتيل، و معناهما" الخان"، و الخان كما في المنجد محل نزول المسافرين و تعني" الفندق" و الجمع خانات و الكلمة دخيلة. و الخان أيضا لقب السلطان عند الأتراك. انتهى من المنجد. فالفندق في اصطلاح عصرنا عبارة عن قصر كبير به غرف عديدة متجاورة بكامل مرافقها، و هو مبني بشكل خاص غير طراز المنازل و البيوت، و يتكون من طابقين أو أكثر، و في بعض الفنادق نحو ثلاثين غرفة و في بعضها نحو ثلاثمائة غرفة أو أكثر، بحسب صغر الفندق و كبره و بحسب كثرة المسافرين و السواح و قلتهم. و قد يكون في كل غرفة سرير واحد و قد يكون أكثر.

و هذه الفنادق أو الأوتيلات تبنى خاصة للإيجارات العامة للنزلاء فيها، و قد تكون الإيجارات يومية و قد تكون بالشهر، و قد تكون الأجرة للنوم و الراحة فقط، و قد تكون لهما مع تقديم الطعام حسب رغبة النزيل فيها، و قد تكون الأجرة في بعضها قليلة مناسبة لحالة الفقراء و الضعفاء، و قد تكون في بعضها مرتفعة غالية تتناسب مع حالة الأمراء و الوزراء و الأغنياء، و هي الفنادق العظيمة الممتازة ذات الأثاث الفاخر.

و لم تكن الفنادق و الأوتيلات موجودة في الحجاز قبل العهد السعودي الزاهر مطلقا لا صغيرة و لا كبيرة أي قبل سنة (1352) ألف و ثلاثمائة و اثنتين و خمسين هجرية، و إنما كان الناس إذا نزلوا من مكة إلى جدة أو طلعوا منها إلى مكة أو سافروا إلى المدينة المنورة أو غيرها، نزلوا في بيوت بعضهم على وجه الضيافة إذا كانت لهم بأصحابها معرفة، أو أنهم ينزلونها بالإيجار لمدة قصيرة أو طويلة. و إذا

213

كان المسافر له منزلة حكومية فانه ينزل في دار الضيافة الحكومية الرسمية، أما الحجاج فإن المطوفين و وكلاءهم هم المسئولون عن إسكانهم و راحتهم.

و في هذا المعنى قال الأديب المصري الكبير الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" رحلة الحجاز" التي كانت قبل السنة المذكورة، حينما وصل هو و رفقاؤه من مصر إلى جدة ما يأتي:

" و ليس في جدة فنادق ينزل فيها القاصدون إليها، و إنما ينزل الناس في بيوت الأهالي، فمن شاء استأجر منزلا بأسره، و من كان لا يسعه ذلك قنع بغرفة مؤثثة على مثال" البنسيون" في مصر مع فروق طبيعية ... الخ". انتهى كلامه.

نقول: أما اليوم فإن الفنادق و الأوتيلات قد انتشرت في جميع المملكة العربية السعودية، لكثرة السكان عن الأعوام السابقة و كثرة القادمين و المسافرين إليها لمختلف الأعمال الكثيرة و الأشغال المتنوعة، و توجد منها بمكة شرفها اللّه تعالى نحو أربعة فنادق، و أول فندق بني بمكة كان سنة (1355) خمس و خمسين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة، و هو أجمل و أكبر فندق بها، و يقع في محلة أجياد أمام وزارة المالية، قام ببنائه على طراز الفنادق الحديثة" بنك مصر" لكن على حساب وزارة المالية، ثم إنه في سنة (1366) ست و ستين و ثلاثمائة و ألف هجرية اشترى هذا الفندق الشيخ صدقة كعكي و لا يزال في حوزته إلى اليوم، و هو أحسن و أفخم أوتيل بمكة.

أما بالمدينة المنورة ففيها ثلاث فنادق أو أربعة، و أما بجدة ففيها نحو عشرة فنادق بعضها فخم محترم.

و في بعض البلدان بالمملكة توجد بعض الفنادق لسنا في صدد الكلام عنها و تعدادها.

الفنادق بمكة المكرمة

لم يكن بمدن الحجاز كلها فنادق لنزول المسافرين و إنما كانوا ينزلون عند بعض معارفهم، أو ينزلون كما ينزل الضيف عند ذوي المروءات- أما في مكة المكرمة فالحالة كذلك، غير أن الحجاج ينزلون عند مطوفيهم- كانت هذه الحالة جارية عندنا من قديم العصور إلى سنة (1355) ألف و ثلاثمائة و خمس و خمسين‏

214

هجرية تقريبا، ثم تطورت أحوالنا حسب التمدن الحديث، فأنشئت بمكة الفنادق تدريجيا، فأول فندق كان بمكة المكرمة هو فندق مصر أنشئ في السنة المذكورة تقريبا، حتى صار اليوم عندنا بمكة من الفنادق ثمانية و هي كما يأتي بدون مراعاة لترتيب الإنشاء:

(1) فندق مصر.

(2) فندق التيسير.

(3) فندق السلام.

(4) فندق شبرا.

(5) فندق الحرم.

(6) فندق أم القرى.

(7) فندق عرفات.

(8) فندق مكة بالاس.

و معنى بالاس باللغة الإنكليزية: القصر، و جميع هذه الفنادق يأوي إليها المسافرون القادمون في مختلف الأوقات، و كلها تمتلئ بالحجاج في كل موسم، و اللّه أعلم بما سيحدث في المستقبل من الفنادق.

جاء في كتاب التراتيب الإدارية في آخر الجزء الأول عن الفنادق ما يأتي:

" باب في الخانات" الفنادق لنزول المسافرين- قد استنبط بعضهم ذكر الخانات من قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ذكره غير واحد، منهم الروضي في شرح الأنموذج، و في طبقات ابن سعد و اتخذ عمر دار الرقيق و قال بعضهم الدقيق فجعل فيها الدقيق و السويق و التمر و الزبيب و ما يحتاج إليه، يعين به المنقطع و الضيف ينزل بعمر ... الخ، انتهى من الكتاب المذكور.

و سبب نزول آية: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما تَكْتُمُونَ‏ و هي في سورة النور- أن أبا بكر رضي اللّه عنه لما نزلت آية الاستئذان، قال: يا رسول اللّه كيف بالبيوت التي بين مكة و الشام على ظهر الطريق و الخانات أفلا ندخلها إلا بإذن؟ فنزلت هذه الآية.

215

جاء في تفسير الألوسي عند هذه الآية: بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ أي: موضوعة لسكنى طائفة مخصوصة فقط، بل ليتمتع بها من يحتاج إليها كائنا من كان من غير أن يتخذها سكنا، كالرباط و الخانات" بالخاء المعجمة" و الحوانيت و الحمامات و غيرها فإنها معدة لمصالح الناس كافة. انتهى من الألوسي.

نقول: يعلم مما تقدم أن الخانات كانت موجودة من قديم الزمان فيما بين البلدان، و لكنها كانت على صفة بدائية غير منظمة بل كانت هذه الخانات" بالخاء المعجمة" في العصور السابقة مبنية على صفة تتسع للمسافرين و دوابهم من الجمال و البغال و الحمير، و لابد أنهم كانوا مستعدين لإطعام دواب المسافرين، و هذه الخانات كانت منتشرة في الممالك الأخرى بكثرة. أما في الحجاز فلم يكن لها ذكر لقبولهم للضيافات حسب العادة العربية، فلما تدرج الناس في التمدن و في معرفة كيفية التمتع بنعائم اللّه تعالى، عرفوا كيف ينظمون أمر هذه الخانات و يرتبون مرافقها على حسب سنن تطور العصور، حتى وصلوا في تنظيمها إلى يومنا هذا كما نرى. كما يؤخذ مما تقدم من اتخاذ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه دار الدقيق لضيافة من يرغب به، و اتخاذ الحكومات دارا للضيافة ينزل بها القادمون باسم الحكومة، و سواء كانت هذه الدار خاصة للضيوف أو أن الحكومة تأمر بإنزالهم في الفنادق الكبيرة المحترمة، و هي تقوم بدفع نفقات ضيافتهم كما تقضي بذلك الواجبات الرسمية.

جاء في الجزء الأول من كتاب" التراتيب الإدارية" عند الكلام على اتخاذ الدار لنزول الوفد في زمانه عليه الصلاة و السلام ما يأتي:

" زقلت" في الوفاء للسيد السمهودي صحيفة 555 من الجزء الأول، ذكر ابن شبة في دور بني زهرة، أن من دور عبد الرحمن بن عوف التي اتخذها الدار التي يقال لها الدار الكبرى دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف، و إنما سميت بالدار الكبرى لأنها أول دار بناها أحد المهاجرين بالمدينة، و كان عبد الرحمن ينزل فيها ضيوف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فكانت تسمى أيضا دار الضيفان، فسرق فيها بعض الضيفان فشكى ذلك عبد الرحمن إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و قد بنى (عليه السلام) فيها بيده فيما زعم الأعرج ا ه منها، و اختصر ذلك السمهودي في خلاصة الوفا راجع ص (187) منها.

216

ذكر أبو الربيع الكلاعي في الاكتفاء عن الواقدي أن حبيب بن عمرو كان يحدث قال: قدمنا وفد سلمان على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و نحن سبعة نفر، فانتهينا إلى باب المسجد فصادفنا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) خارجا منه إلى جنازة دعي لها، فلما رأيناه قلنا: يا رسول اللّه السلام فقال رسول اللّه: و عليكم السلام من أنتم؟ قلنا: قوم من سلمان قدمنا عليك لنبايعك على الإسلام و نحن على من ورائنا من قومنا، فالتفت إلى ثوبان غلامه فقال: أنزل هؤلاء حيث ينزل الوفد، فخرج بنا ثوبان حتى انتهى بنا إلى دار واسعة و فيها نخل و فيها وفود من العرب و إذا هي دار رملة بنت الحارث النجارية و ساق الحديث. (زقلت) و قد ترجم في الإصابة لحبيب بن عمرو المذكور و أورد قصته هذه و ساق سند الواقدي فيها و أفاد أن قدومه كان في شوال سنة عشر من الهجرة. انتهى من الكتاب المذكور.

أسماء الحارات و المحلات بمكة قديما و حديثا

كانت لمكة، زادها اللّه تعالى شرفا و أمنا و رخاء و خيرا، من زمن الجاهلية حارات و محلات و أسواق، كسوق الليل، و سويقة، و القرارة، و أجياد، إذ لابد لكل قرية أو بلدة مهما صغرت أن تكون بها محلات و حارات تعرف بها منازلهم و يهتدى إلى أماكنهم.

و كانت لمكة المكرمة من قديم الزمن إلى آخر عهد الأشراف في زمننا هذا، أي إلى أن استولى عليها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (رحمه اللّه تعالى) في سنة (1343) ثلاث و أربعين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة، من الحارات و المحلات ما يأتي:

(1) سوق الليل (2) و شعب علي (3) و شعب عامر (4) و السليمانية (5) و المعابدة (6) و جرول (7) و النقا (8) و الفلق (9) و القرارة (10) و الشامية، و يدخل فيها قاعة الشفا (11) و أجياد (12) و القشاشية (13) و الشبيكة و يدخل فيها الهجلة (14) و حارة الباب، و يدخل فيها ريع الرسام (15) و المسفلة.

هذه هي الحارات القديمة الأصلية لمكة.

ثم في العهد السعودي في عصرنا الحاضر أيضا بعد أن كثر المال في أيدي الناس، اتسعت رقعة مكة اتساعا عظيما فامتد العمران و المنازل إلى أطراف مكة من جميع جهاتها، و كثر بها استيطان الأجانب من كافة الأقطار الإسلامية- صار

217

من الضروري حدوث محلات و حارات جديدة حوالي مكة المشرفة، و لابد من إطلاق أسماء على هذه المحلات لمعرفة مواقعها و سرعة الاهتداء إلى منازل المقيمين بها، و يعتبر اتساع العمران بمكة و ازدياد سكانها بشكل ملموس من سنة (1360) ستين و ثلاثمائة و ألف هجرية تقريبا، و لا زال العمران و السكان في ازدياد إلى اليوم بمكة و في غير مكة.

فعليه تكون الحارات و المحلات المستحدثة بمكة في عصرنا الحاضر هي كما يأتي:

(1) العتيبية (2) و الهنداوية (3) و حوض البقر و يسمى الآن بحي العزيزية (4) وحي الشّشّة (5) وحي الروضة (6) وحي الخانسة (7) وحي الزاهر (8) و حارة الطندباوي و فيه شارع المنصور (9) و محلة الرصيفة (10) و محلة المشعلية (11) و محلة النزهة.

و إليك صورة عمدة كل محلة، و ليعذرنا من لم تصلنا منه صورته لوضعها هنا و نسأل اللّه تعالى التوفيق و السداد للجميع.

استعمال أقلام الجيب في الحجاز

كانت الدوائر الحكومية كلها بالحجاز تستعمل أقلام البوص" القصب"، و كذلك جميع المحلات التجارية بل و أفراد الأمة، و كانوا يكتبون بالحبر الأسود لا يعرفون غيره، حتى كتابة الحجج في المحاكم الشرعية كانت تكتب بذلك، أما العلماء و المؤلفون فكانوا يستعملون الحبر الأسود و الأحمر أيضا لكتابة عناوين مؤلفاتهم و أبوابها و فصولها و وضع العلامات و الإشارات فوقها.

و بهذا كان لدى كل فرد منهم" مطوة" و تسمى بالحجاز" مقلمية" لبري الأقلام، و دواية للحبر الأسود، و كانت الدوايات على أشكال و أحجام مختلفة بعضها ذات قيمة ممتازة، يتفنن في صنعها الفابريقات، و كانوا يستعملون الرمل في تنشيف حبر الأوراق المكتوبة" أي في تجفيفها" رملا خاصا يأتي إلينا من الخارج، و يكون ملونا منه الأحمر و الأخضر و الأزرق، و هذا الرمل يكون لدى خواص الناس و الكتّاب، أما العوام فإنهم يجففون الحبر بالتراب يضعونه فوق الورق‏

218

المكتوب ثم ينفضونه. و لقد ورد في ذلك حديث ضعيف رواه الترمذي و هو" إذا كتب أحدكم كتابا فليتربه فإنه أنجح لحاجته".

ثم بعد الحرب العالمية الأولى أي منذ سنة (1330) ثلاثين و ثلاثمائة و ألف هجرية بدأ استعمال أقلام الجيب في الحجاز مع ما يتبعه من الحبر الخاص له بجميع الألوان، و لا يزال يكثر استعماله حتى انقرضت الآن أقلام القصب من السوق، و كاد الحبر الأسود أن ينقرض الآن أيضا، فقد بطل استعماله بتاتا من الدوائر الحكومية و المحلات التجارية و من جميع الناس، و لا يستعمله مع أقلام القصب غير الخطاطين فقط، و بالطبع انقرضت الدوايات الخاصة بالحبر الأسود، فجميع العالم يستعمل أقلام الجيب، و هو من الكثرة و رخص السعر بحيث صار الفقير يمكنه شراؤه- أما استعمال الرمل أو التراب في تجفيف الحبر فلم يبق له أثر مطلقا في جميع البلدان، بسبب ظهور ورق النشاف.

استعمال الآلات الكاتبة في الحجاز

لم يكن استعمال الآلات الكاتبة شائعا بالحجاز إلى سنة (1345) خمس و أربعين و ثلاثمائة و ألف تقريبا، فجميع كتّاب الدوائر الحكومية و المحلات التجارية كانوا يكتبون مذكراتهم الرسمية و أعمالهم التجارية و مخاطباتهم الشخصية، بأيديهم سواء بالحبر الأسود أم بالحبر الأزرق.

و منذ السنة المذكورة ابتدأ الناس بالحجاز في استعمال الآلات الكاتبة بالتدريج حتى أنه الآن عمّ استعمالها جميع الدوائر الرسمية و الدواوين الحكومية و المحلات التجارية و حتى الأفراد يستعملونها لمصالحهم الشخصية.

و الحقيقة أن الكتابة بالآلات تمتاز بشيئين: النظافة و السرعة، و لكن ينشأ عنها من إهمال عام في تحسين الخط، و لذلك نرى تلامذة المدارس أصبحت خطوطهم ضعيفة غير حسنة، لأنه كانوا يشترطون في الوظائف حسن الخط، و الآن بانتشار الآلات الكاتبة أصبح هذا الشرط في حكم الإلغاء، لهذا لا يعتنى بتعليم الخط و تحسينه على الوجه المرضي، و عدم الاعتناء بتدريس الخط في المدارس يؤدي إلى ضياع رونقه و جماله، و ربما في المستقبل بعد مضي قرن أو قرنين لا نجد من الخطاطين من يحسن الكتابة بقواعد الخط المعروفة.

219

على أن لجميع أنواع الآلات الميكانيكية التي تستعمل في مرافق الحياة اليوم، لها منافعها و لها مضارها. و هذا شأن الحياة الدنيا في كل شي‏ء.

نسأل اللّه السلامة من كل شر و التوفيق لكل خير آمين.

أول من فرض العشور بمكة

المراد بالعشور وضع الضريبة على البضائع و الأشياء الواردة للبلاد، فالعشور هو ما نسميه باصطلاحنا في عصرنا الحاضر الجمرك، و تسمى العشور بالمكس و بالجباية، و بالخراج.

فكان أول من فرض العشور بمكة المكرمة و أخذها شخصان من أولاد إسماعيل بن خليل اللّه إبراهيم عليهما الصلاة و السلام، (فالأول) مضاض بن عمرو الجرهمي و هو ملك جرهم، و كان بأعلا مكة، و كان يأخذ العشور ممن يدخل مكة من أعلاها و (الثاني) سميدع، و هو ملك قسطورا، و كان يأخذ العشور ممن يدخل مكة من أسفلها. فمضاض و سميدع كانا من ولاة مكة المكرمة و من حكامها بعد نبي اللّه تعالى إسماعيل عليه الصلاة و السلام، و ذلك قبل مبعث نبي آخر زمان نبينا" محمد" صلى اللّه عليه و على آله و صحبه و سلم بنحو ثلاثة آلاف سنة. و لكن لما بعث اللّه تعالى نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم)، بدين الحق و هو دين الإسلام الحنيف أبطل العشور و الجمارك و نهى عن أخذها لأنها تؤخذ ظلما بدون حق شرعي.

و الملوك و الحكومات كانت تأخذ العشور و تضع الجمارك على البضائع الواردة للاستعانة بما يجمعونه من هذه العشور على تقوية الجيوش لمقاتلة أعداء الإسلام على أنه وجد في التاريخ أن بعض الملوك قد أبطل العشور و الجمارك، بل إنه يوجد عمود من أعمدة المسجد الحرام بمكة المشرفة التي عليه قباب المسجد و هو يقع بقرب باب العمرة على يسار الداخل من هذا الباب إلى المسجد الحرام، قد كتب على هذا العمود أي السارية و هو من الحجر المرمر الرخام أن أحد ملوك المسلمين قد أبطل أخذ العشور من جميع البضائع و من جميع أنواع الأطعمة من اللحوم و الفواكه و الثمرات و الخضروات، و من جميع أنواع الحبوب الواردة إلى مكة المكرمة، كتب ذلك نقرا على نفس حجر المرمر و قد نشرنا كل ذلك منذ أربع‏

220

سنوات في إحدى الجرائد بمكة المكرمة، و لولا أني مريض في هذا الوقت لنقلت كل ما كتب على هذا العمود المرمر الرخام.

فحبذا لو أن جميع الحكومات الإسلامية اتفقت كلمتهم على إبطال المكوس و هي العشور و الجمارك، من جميع الممالك الإسلامية، خصوصا و قد فتح اللّه تعالى على كثير من الحكومات كنوز الأرض من ينابيع البترول و مختلف أنواع المعادن و اللّه لا يضيع أجر من أحسن عملا.

ذكر المكوس و العشور و إبطالها

جاء في تاريخ الغازي عن ذلك نقلا عن خلاصة الكلام ما نصه: و في أيام الشريف مكثر بن عيسى أمير مكة أبطل السلطان صلاح الدين الأيوبي صاحب مصر المكس المأخوذ من الحجاج في البحر عن طريق عيذاب و كان من لم يؤد بعيذاب يؤخذ منه بجدة و هو سبعة دنانير مصرية على كل إنسان و كان يأخذ ذلك أمير مكة و كان سبب إبطاله أن الشيخ علوان الأسدي الحلبي حج. فلما وصل إلى جدة طولب بذلك فأبى أن يسلم لهم شيئا و أراد الرجوع فلاطفوه و بعثوا إلى صاحب مكة و كان الشريف مكثر بن عيسى فأمر بإطلاقه و مسامحته فلما طلع إلى مكة اجتمع به و اعتذر إليه بأن دخول مكة لا يفي بمصالحنا و هذا الحامل لنا على هذا فكتب الشيخ علوان إلى السلطان صلاح الدين و ذكر له حاجة أمير مكة و عرفه أن البلد ضعيفة و أنها ما تدخل ما يكفيه و أن ذلك هو الذي حمله على هذه البدعة الشنيعة فأنعم عليه مولانا السلطان صلاح الدين بثمانية آلاف إردب قمح و قيل بألفي دينار و ألفي إردب قمح و أمره بترك هذه المظلمة جزاه اللّه خيرا، انتهى.

و قال ابن فهد: ذكر الشيخ كمال الدين عمر بن العديم في تاريخه لحلب في ترجمة الشيخ أبي عبد اللّه علوان بن الأستاذ عبد اللّه ابن علوان الأسدي الحلبي أنه هو الذي أبطل المكس عن أهل مصر و المغاربة فإن العادة كانت جارية عندهم أنهم يخرجون إلى جدة و يأخذون على كل إنسان سبعة دنانير و يهينوهم سواء كانوا فقراء أو أغنياء. فلما بلغه ذلك قال للملك الناصر: سيرني في مركب و مر صاحب المركب متى قلت له ارجع يفعل ذلك. فسير في مركب صغير فلما وصلوا إلى المرسى جاءهم إنسان أسود من مكة و معه ميزان و طالبهم بذلك المعهود

221

من المكس. فقال: أدوا الحق فقال له علوان: ويلك و ما الحق؟ فقال الحق على كل رأس سبعة دنانير فلطمه و قال: تسمون المظالم حقا؟ و قال لصاحب المركب ارجع فعاد فاستغاثوا إليه على رسلك يعلم الأمير فوقف إلى أن طلعوا لصاحب مكة بأمره فقال أطلقوه و جميع من معه في المركب ففعلوا ذلك. فلما وصل مكة اجتمع به صاحب مكة و اعتذر له و قال: نحن قوم ضعفاء و ما لنا إلا هذه الجهة و الملوك قد استولوا على البلاد لا يبرونا بشي‏ء. فعند ذلك كتب الشيخ علوان إلى الملك الناصر يعني صلاح الدين بن أيوب فشفع فيهم و طلب لهم منه شيئا فأقطعهم الإقطاع المعروف بهم بمصر و بطل ذلك المكس الذي يؤخذ من الحاج و للّه الحمد انتهى.

و في تاريخ العصامي: و في سنة (552) اثنين و خمسين و خمسمائة أسقط السلطان صلاح الدين المكس عن الحجاج إلى مكة على طريق عيذاب لأنه كان الرسم بمكة أن يؤخذ من حجاج المغرب على عدد الرؤوس ما ينسب الضرائب و المكس و من دخل منهم و لم يفعل ذلك حبس حتى يفوته الوقوف بعرفة و لو كان فقيرا لا يملك شيئا. ثم ذكر ابن جبير شيئا من أخبار هذا المكس فقال: إنه كان يؤخذ من كل إنسان سبعة دنانير مصرية و نصف فإن عجز عن ذلك عوقب بأنواع العذاب الأليم من تعليقه بالخصيتين و غير ذلك و كانت هذه البلية في دولة العبيدين المتخلفين بمصر جعلوها معلوما لأمير مكة فأزالها اللّه تعالى على يد السلطان صلاح الدين و عوض أمير مكة ما تقدم ذكره. انتهى.

و في تحصيل المرام: و في سنة (757) سبع و خمسين و سبعمائة أسقط المكس المأخوذ بمكة من الحب و التمر و الغنم و السمن و ارتفع من مكة الجور و الظلم و انتشر العدل كل ذلك بهمة السلطان حسن بن قلاوون صاحب مصر بتجهيزه العساكر إلى مكة و إصلاح أمرها من أشراف مكة حكاه الفاسي. و في سنة ستين و سبعمائة رسم السلطان حسن بن قلاوون بإسقاط المكوس من مكة و رتب لصاحب مكة ثمانية و ستين ألف درهم من بيت المال بمصر و ألف إردب حب و قرر ذلك في ديوان السلطان المذكور و أمضى ذلك الولاة بالديار المصرية إلى تاريخه و كتب ذلك في أساطين المسجد الحرام جهة باب الصفا و غيره فطابت نفس أمير مكة المشرفة و عمل به هو و من بعده من أمراء مكة. انتهى.

222

و في المنتقى: و في سنة (766) ست و ستين و سبعمائة رسم السلطان الملك الأشرف شعبان بن حسن ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر بإسقاط ما على الحجاج من المكوس بمكة في سائر ما يحمل إليها من المتاجر سوى الكارم و تجار الهند و تجار العراق و أسقط المكس المتعلق بالمأكولات و بلغنا أن المكس الذي كان يؤخذ من المأكولات بمكة مد حب جدي و هو مدان مكي من كل حمل حب يصل من جدة و مد مكي و ربع من كل حمل حب يصل من جهة الطائف و بجيلة و ثمانية دنانير مسعودية على كل حمل من التمر اللبان الذي يصل إلى مكة و ثلاثة دنانير مسعودية على كل حمل تمر محشي يصل إلى مكة و ستة دنانير مسعودية على كل شاة تصل إليها و سدس ثمن ما يباع بمكة من السمن و العسل و الخضر و ذلك أن يحصى ثمنها مسعودية فإذا عرف أخذ على كل خمسة دنانير دينار مسعودي و يؤخذ أيضا دينار مسعودي من ثمن السلة التمر إذا بيعت بالسوق من النهار الذي باعها يتعيش فيها و المأخوذ على التمر أولا من جالبه إلى مكة و يؤخذ بشي‏ء ممما يباع في السوق من غير ما ذكرناه و كان الناس يقاسون شدة بحيث بلغنا أن بعض الناس جلب شاة فلم تسوي المقدار المقدّر عليها فسمح بها في ذلك فلم تقبل منه فأزال اللّه جميع هذا الباطل على يد الأمير بلسفا المعروف بالخاسكي مدبر المملكة الشريفة في دولة الملك الأشرف المذكور بتنبيه بعض أهل الخير له على ذلك و عوض صاحب مكة عن ذلك ثمانية و ستين ألف درهم من بيت المال المعمور بالقاهرة و ألف إردب قمحا و قرر ذلك في ديوان السلطان المذكور و أمضى ذلك الولاة بالديار المصرية إلى تاريخه و كتب خبر هذا الإسقاط في أساطين المسجد الحرام في جهة باب الصفا و غيره.

و في درر الفرائد: و في سنة (769) سبعمائة و تسع و ستين اتفق الحال مع الشريف عجلان صاحب مكة أن يرتب له من بيت المال في كل سنة مائة و ستون ألف درهم نقرة تحمل إليه من مصر و ألف إردب قمح و يترك الجبا من مكة في كل ما يوكل و يجلب إليها من الحبوب و الخصروات و الثمار و الغنم و الخشب و السمن و العسل و أشهد على نفسه بذلك و كتب ثلاث محاضير يجعل واحد بمكة و واحد بالمدينة و واحد بقلعة الجبل بالقاهرة و قيد ذلك في ديوان الأشرف شعبان و أمضى الولاة بعد ذلك إلى أن انقطع. انتهى.

223

و في إتحاف الورى: و في سنة (804) أربع و ثمانمائة في صفر حصل للسيد حسن بن عجلان خمسة و ستون ألف مثقال و أزيد فيما قيل عن القاضي شهاب أحمد بن القاضي برهان الدين المحلي و جماعة من تجار الكام لأن المركب الذين كانوا فيه انصلح بقرب مكة فأعطوه هذا المقدار عوضا عن الربع الذي يأخذه ولاة البلد فيما ينصلح في بلادهم من الجلاب و اشتد غضب القاضي برهان الدين المحلي بسبب ذلك على السيد حسن وسعى في إرسال شخص من خواص السلطان بمصر يطالبه بذلك فوصل إليه في آخر رجب و بلغ رسالته فاعتذر بتفرق ذلك من يده و وعده بالخلاص و ماطل فيه. انتهى.

و في الإعلام: أن السلطان أبا الفتح سيف الدين خطر الظاهري قرر لصاحب مكة الشريف حسن بن عجلان ألف دينار ذهب تحمل له من خزينة مصر في كل عام و جعل ذلك في مقابلة ترك المكس على الخضرة و الفواكه و الحبوب و غيرها بمكة و أمر أن يكتب عهده و اعترافه بذلك على سواري المسجد الحرام من ناحية باب السلام و من ناحية باب الصفا بإسقاط المكس الذي كان يؤخذ على الخضرة و الفواكه من المأكولات و أن لا يكلف شريف مكة على أخذ القرض منهم و السواري المكتوبة بهذا العهد موجودة في المسجد الحرام إلى الآن. انتهى.

قال البتنوني في الرحلة الحجازية على بعض عمد الحرم كتابة محفورة فيها تدل على ما كان لبعض الملوك من العمارة في المسجد أو من الأعمال التي فيها نفع للمسلمين كإبطال المكوس و نحو ذلك و من هذه الأعمدة بقرب باب الحزورة لا يزال منقوشا عليه عهد كتبه الأشرف شعبان سلطان مصر بإبطال المكوس التي كانت تأخذها أشراف مكة على الحجيج و أغلب هذه العمد مطلي بالجبس لأن بعض أمراء مكة سامحهم اللّه كانوا إذا أرادوا نقض العهود المحفورة عليها عمدوا إلى تلك النقوش و كسوها بعجينة من الجبس فلا يظهر لها أثر. ا ه.

و فيه أيضا: و في أول ولاية السلطان قايتبائي أرسل إلى مكة مراسيم تتضمن بإبطال جميع المكوسات و المظالم و أن ينقر ذلك على أسطوانة من أساطين الحرم الشريف في باب السلام. انتهى.

و في إتحاف الورى: و في سنة (828) ثمان و عشرين و ثمانمائة بلغ صاحب مصر وصول مراكب من الهند إلى بندر جدة فأحب أخذ مكوسها فبعث بعض مسالمة القبط سعد الدين بن المرة فقدم مكة و صادف وصول أربعة عشر مركبا

224

موسوقة بضائع من الهند فأخذ منها العشر و هذا أول ما أخذ العشر لصاحب مصر بجدة و سبب وصول المراكب الهندية إلى جدة أنها كانت تأتي عدن و تنجل أمتعتها من عدن في الجلاب إلى جدة فكثر الظلم عليهم في عدن فتركوه و صاروا يعدون إلى بندر جدة فاستمر بندر جدة يعمر و يتلاشى أمر عدن إلى أن ضعف بسبب ذلك صاحب اليمن و قل مدخوله و ضعف متحصله و كان المتحصل في هذه السنة من عشور بندر جدة ما ينوف عن سبعين ألف دينار ذهبا حملت إلى خزينة مصر.

انتهى.

و في تاريخ السنجاري: و في سنة (828) ثمانمائة و ثمان و عشرين أحدث الأشرف برسبائي مظلمة العشور بجدة لما سمع بورود المراكب الهندية فبعث بعض مسالمة القبط و هو سعد الدين إبراهيم لذلك فقدم مكة و صحبته الأمير رأس نوبة أو نبفا و شاد الديوان شاهين العثماني إلى ساحل جدة فصادف وصول إبراهيم الناخودة من بلاد الهند في أربعة عشر مركبا موسقة بضائع من أصناف المتاجر فأخذ منها العشور فقط لأمر السلطان بذلك و وجد التجار راحة بجدة بخلاف ما كانوا يجدونه بعدن من المظالم فتركوا بندر عدن و اتخذوا جدة بندرا و لم يزل جدة تتزاين في العمارة و يتلاشى أمر عدن و صار قطر جدة وظيفة سلطانية يخلع على متوليها و يتوجه إليها في كل سنة و إن وردوا المراكب إليها متول جديد و يأخذ ما على التجار من العشور و يحضر بها إلى القاهرة، و بلغ ما حمل إلى الخزانة من ذلك زيادة على سبعين ألف دينار ذهب. قال القطب الحنفي: و زادت هذه مظلمة في زماننا حتى ما يؤخذ من الواردين ما يزيد على العشر بكثير قلت: قال السنجاري: و في زماننا هذا زادت زيادات كثيرة و صار صاحب جدة يأخذ ما يريد و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم. انتهى ما في تاريخ السنجاري.

و قال ابن فهد بعد ذكر هذه الواقعة: فجاء الناس ما لا عهد لهم قبله فإن العادة لم تزل من قديم الدهر في الجاهلية و الإسلام أن الملوك تحمل الأموال الجزيلة إلى مكة تفرق في أشرافها و مجاوريها فانعكست الحقائق و صار المال يحمل من مكة و يلزم أشرافها بحمله و مع ذلك منع التجار أن يسيروا في الأرض يبتغون من فضل اللّه و كلفوا أن يأتوا إلى القاهرة حتى يؤخذ منهم المكوس على أموالهم فإن في هذه السنة في أيام الموسم منع التجار أن يتوجهوا من مكة إلى بلاد الشام بما ابتاعوه من أصناف تجارات الهند و ألزموا أن يسيروا مع الركب إلى مصر حتى يؤخذ منهم‏

225

مكوس ما معهم فتوجهوا مع الحاج فلما نزل الحجاج بركة الحاج خارج القاهرة خرج مباشرا و الخاص و أعوانهم و استقصوا تفتيش محاير القادمين من الحجاج و التجار و أحمالهم و أخرجوا سائر ما معهم من الهدية و أخذوا مكسها حتى أخذوا من المرأة الفقيرة مكس النطع الصغير عشرة دراهم فلوس. انتهى.

و في درر الفرائد المنظمة: و من الغرائب إجهار النداء في يوم عرفة بالموقف الأعظم لجميع الناس عامة من اشترى بضاعة للبحر و سافر بها إلى غير القاهرة حل دمه و ماله للسلطان فسافر التجار القادمون من الأقطار مع الركب المصري ليؤخذ منهم مكوس بضائعهم بها ثم إذا سافروا من القاهرة إلى بلادهم يؤخذ منهم المكس بالشام أيضا و غيرها فلا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم. انتهى. ذكر ابن فهد أنه كان ذلك في سنة ثلاثين و ثمانمائة.

و في سنة (832) ثمانمائة و اثنين و ثلاثين في يوم الخميس تاسع ربيع الأول وصلت المراسم من الأشراف صاحب مصر بالألغام على الشريف بركان بن حسن بثلث ما يتحصل من عشور المراكب الهندية و أن الثلثان يحملان إلى الخزانة فحصل للشريف بذلك غاية السرور.

و في سنة (830) ثمانمائة و ثلاثين كتب السلطان صاحب مصر بأن يؤخذ من التجار الشاميين و المصريين إذا وردوا جدة ببضائع اليمن عشران و أن من قدم إلى جدة من التجار اليمنيين ببضاعة يؤخذ ببضاعتة بأجمعها للسلطان من غير ثمن يدفع له عنها و سبب ذلك أن تجار الهند في هذه السنين صاروا عند ما يعبرون من باب المندب يجوزون عن بندر عدن حتى يرسو بساحل جدة فأقفرت عدن عن التجار و اتضع حال ملك اليمن لقلة متحصله و صارت جدة هي بندر التجار و يحصل لسلطان مصر من عشور التجار مال كبير و صار نظر جدة وظيفة سلطانية فإنه يؤخذ من التجار الواردين من الهند عشور بضائعهم و يؤخذ مع العشور رسوم تقررت للناظر و الشاد و شهود القبان و الصيرفي و نحو ذلك من الأعوان و غيرهم و صار يحمل من قبل سلطان مصر مرجان و نحاس و غير ذلك مما يحمل من الأصناف إلى بلاد الهند فيطرح على التجار و يتشبه به في ذلك غير واحد من أهل الدولة فضاق التجار بذلك ذرعا و نزل جماعة منهم في السنة الماضية إلى عدن فتنكر السلطان بمصر عليهم لما فاته من أخذ عشورهم و جعل عقوبتهم أن من اشترى بضاعة من عدن و جاء بها إلى جدة إن كان من الشاميين أو المصريين أن يضاعف‏

226

عليه العشر بعشرين و إن كان من أهل اليمن أن تؤخذ بضاعته بأسرها فمن لطف اللّه تعالى بعباده أنه لم يعمل بشي‏ء من هذا الحادث لكن قرأت هذه المراسم تجاه الحجر الأسود فراجع السيد بركات أمير مكة السلطان صاحب مصر في ذلك حتى عفى عن التجار و أبطل ما رسم به، كذا في إتحاف الورى.

و في سنة (840) ثمانمائة و أربعين وصل قاصد من مصر للسيد بركات و معه كتاب من صاحب مصر مذكور فيه أنه أنعم عليه بنصف عشور جدة من المراكب الهندية.

و في سنة (843) ثمانمائة و ثلاث و أربعين وصلت مراسيم تتضمن أن جميع الجلاب الواصلة من البحر إلى جدة من سائر البلاد ليس لصاحب مكة من عشرها إلا الربع و الثلاثة الأرباع تحمل لصاحب مصر و أن جميع من مات بمكة من غير أهلها ليس لصاحب مكة من تركه شي‏ء و كله لصاحب مصر و أن صاحب مكة ليس له إلا تركة من مات من أهل مكة و أن السيد بركات قد أعفاه السلطان من تقبيل خف الجمل الذي يأتي بالمحل و أن لا يأخذ من التجار الواردين غير العشر فقط و يؤخذ صنف المال من كل عشر و أن يبطل ما كان يأخذه غيره العشر من الرسوم، كذا في تاريخ السنجاري.

و في تاريخ ابن فهد: و في سنة (843) ثلاث و أربعين و ثمانمائة وصل صحبة الحاج إلى مكة المشرفة مرسوم يتضمن إعفاء السيد بركات من تقبيل خف الجمل المحل فشكر هذا من فعل السلطان و أن لا يؤخذ من التجار الواردين في البحر إلى جدة سوى العشر فقط و يؤخذ صنف المال من كل عشرة واحد و أن يبطل ما كان يؤخذ سوى العشر من رسوم المباشرين و نحوهم و أن يمنع الباعة من المصريين الذين سكنوا مكة و جلسوا بالحوانيت في المسعى و حكروا المعاش و تلقوا الجلب من ذلك و أن يخرجوا من مكة فشكر ذلك أيضا لأن هؤلاء البياعين كثر ضررهم و تقووا بحماية المماليك لهم فغلوا الأسعار و أحدثوا بمكة إحداثا لم يعهد لها و عجز الحكام عن منعهم لتقوية المماليك المجردين لهم بما يأخذونه منهم من المال.

و في سنة (881) إحدى و ثمانين و ثمانمائة ثاني عشر ذي القعدة وصل إلى مكة المشرفة نائب جدة قراجا عتيق الدوادار الكبير جاني بك و معه مراسيم للشريف محمد بن بركات و قاضي القضاة برهان الدين الشافعي و أخيه القاضي كمال الدين و باش الترك قايتباي فدخلوا جميعا إلى المسجد الحرام و جلسوا بالحطيم فقرئ‏

227

مرسوم الشريف ثم برهان الدين ثم أخيه ثم باش الترك و تاريخ المراسيم رابع عشر شوال من السنة و مضمونهم واحد و هو أن الواصل إلى مكة من المرجان و غيره مما هو من بضائع الهند لا يترك شي‏ء منه يذهب به إلى اليمن حتى لا تبقى المراكب الهندية تدخل اليمن و الواصل من اليمن من بضائع الهند يكون بين السلطان و بين الشريف نصفين و لم تجر بذلك عادة قبل ذلك بل كان ذلك مما يختص بالشريف و من مات بجدة و مكة و لم يكن له وارث يكون من أشرفي إلى ألف أشرفي للشريف و ما فوق ذلك للسلطان و من مات و له وارث غائب لم يختم على مال الميت القاضي على العادة بل ذلك إلى نائب جدة قراجا و الفلفل الواصل إلى جدة من الهند يؤخذ منه للسلطان بسعر العام الماضي و الذي قبله و لا يعارض نائب جدة في شي‏ء مما يريده و التوصية عليه و أنه من المقربين. انتهى من الغازي.

نقول: و بمناسبة ذكر المكوس و العشور و إبطالها نذكر: أنه يوجد في أحد أعمدة المسجد الحرام الرخامية الواقع بين باب الباسطية و بين باب العمرة، مكتوب على هذا العمود أن بعض الملوك و السلاطين أمر بإبطال المكوس و العشور في الحرمين الشريفين خصوصا في مكة المشرفة فلا يؤخذ شي‏ء على البضائع الواردة إليهما بكافة أنواعها من الأطعمة و الأقمشة و اللحوم و الألبان و الزروع و الثمار و الحيوانات و الدواجن و غير ذلك، و قد كتبنا مقالة في هذا الصدد في الجرائد و الصحف المحلية بمكة المكرمة، و نحن لم نتمكن من قراءة اسم الملك المكتوب على العمود الرخامي لطوله و ارتفاعه عن الأرض فنظن أن ذلك كان من نحو خمسمائة سنة تقريبا فجزى اللّه تعالى ولاة المسلمين الأقدمين الذين كانوا يقيمون الشريعة و حدود اللّه و كانت سريرتهم بيضاء و قلوبهم خاشعة لذكر اللّه و عفا اللّه تعالى عن أهل زماننا و عاملنا بما هو أهله لا بما نحن أهله بفضله و رحمته آمين.

إحصاء الحجاج القادمين إلى مكة المشرفة في بعض الأعوام‏

قد يظن بعض الناس إذا سمع أنه كان مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في حجة الوداع ألفا أو أكثر كما تقدم تفصيله، أنه عدد تقريبي حيث أن العرب ما كانوا يعدون الحجاج أو ما كانوا يعدون بعضهم عند اللزوم.

و الحقيقة أن العرب كانوا يعرفون العد و الحساب، بل في صدر الإسلام عند ما كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يدخل الحرب و يغزو القبائل، كانوا يعرفون عدد جيوشهم‏

228

و جيوش أعدائهم و كم قتل أو جرح من الطرفين، و هذا شي‏ء كان يعرف عندهم بالسليقة و طبيعة الأمر فلا يتوقف على التعليم أو الدرس لأن النفوس جبلت على معرفة ما لديها من مال أو نعم أو جيش. فلقد روى البخاري في صحيحه في كتاب الوصايا في باب كتابة الإمام الناسي: عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال:

" جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه إني كتبت في غزوة كذا و كذا و امرأتي حاجة، قال: ارجع فحج مع امرأتك" فهذا دليل واضح أنهم يكتبون أسماء الجنود في الحرب و الغزوات.

و لقد أمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بإحصاء المسلمين. فقد جاء في صحيح البخاري في الكتاب المذكور و في الباب المذكور أيضا: عن حذيفة رضي اللّه عنه قال: قال النبي (صلى الله عليه و سلم):" اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس فكتبنا له ألفا و خمسمائة رجل، فقلنا: نخاف و نحن ألف و خمسمائة، فلقد رأيتنا ابتلينا حتى أن الرجل ليصلي وحده و هو خائف" و في رواية أبي حمزة عن الأعمش فوجدناهم خمسمائة، قال أبو معاوية: ما بين ستمائة إلى سبعمائة.

و جاء في صحيح مسلم في كتاب الإيمان في باب جواز الاستمرار للخائف:

عن حذيفة قال: كنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال: احصوا لي كم يلفظ الإسلام، قال: فقلنا: يا رسول اللّه أتخاف علينا و نحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟ قال:

إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا قال: فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا.

قال في كتاب" مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار" عند هذا الحديث في آخر الشرح ما يأتي: فإن قلت ما وجه الجمع بين هذه الروايات قلت أجيب بأن المراد بقولهم خمسمائة: المقاتلون، و بقولهم ما بين ستمائة إلى سبعمائة الرجال خاصة، و بقولهم ألف و خمسمائة النساء و الصبيان و الرجال، لكن هذا الجواب باطل لأنه قد جاء برواية البخاري في أواخر كتاب السير" فكتبنا له ألفا و خمسمائة رجل" فالجواب الصحيح و اللّه تعالى أعلم أن يقال لعلهم أرادوا بقولهم ما بين ستمائة إلى سبعمائة رجال المدينة خاصة، و بقولهم فكتبنا له ألفا و خمسمائة إياهم مع من حولهم من المسلمين. انتهى من الكتاب المذكور.

من المستحيل إحصاء الحجاج الذين يقفون بعرفات كل عام، سواء كانوا من داخل البلاد أو خارجها منذ ظهور الإسلام إلى اليوم، لأن ولاة مكة المكرمة لم‏

229

يكن يهمهم ذلك لأمرين (الأول) عدم وجود جوازات السفر للمسافرين، (و الثاني) عدم أخذ الرسوم من القادمين الحجاج، فلماذا يحصونهم و لماذا يكتبون أسماءهم في السجلات و الدفاتر؟.

فلما تقدم الناس في وسائل المدنية و مرافق الحياة، تنبهوا لإحصاء الحجاج و القيام بخدماتهم اللازمة و مصالحهم العامة لقاء أجر معلوم، و نحن نذكر هنا عدد الحجاج الذين أمكن إحصاؤهم في بعض الأعوام من أوائل القرن الرابع عشر للهجرة. و قد ذكر المؤرخون: أنه في السنة الثالثة عشر من البعثة قبيل هجرته (صلى الله عليه و سلم) إلى المدينة المنورة، وقف في حج هذه السنة من المشركين من الأوس و الخزرج خمسمائة نفر، ثم انصرفوا إلى المدينة، و لم يكن الحج قد فرض على المسلمين، فإنه فرض في السنة الخامسة من الهجرة، لكن لابد أنه وقف أيضا من قريش نحو ألف نفر، و اللّه تعالى أعلم.

و ذكروا أيضا: أن عدد من خرج مع النبي (صلى الله عليه و سلم)، من المدينة من المسلمين في حجة الوداع تسعون ألفا، و يقال مائة ألف و أربعة عشر ألفا، و يقال أكثر كما حكاه البيهقي، هذا ما ذكره صاحب تاريخ الخميس.

و لكن لا ندري هل ذكر المؤرخون عدد من وقف معه (صلى الله عليه و سلم) بعرفات في حجة الوداع، أم لا؟ فإننا لم نبحث عن ذلك، و لابد أنه قد تجمع من الطريق و من مكة و أطرافها و من الممالك الأخرى من المسلمين عدد غير قليل، ليحجوا و يقفوا بعرفات مع رسول اللّه، (صلى الله عليه و سلم). فتأمل كيف كان المسجد الحرام يسع هذا العدد الكبير، مع أنه كان صغيرا غير متسع في زمنه، (صلى الله عليه و سلم). و لا يبعد أنهم كانوا يأتون إليه زمرا زمرا، و فوجا فوجا، من المحل الذي نزلوا فيه مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بظاهر مكة و هو البطحاء جهة الحجون، بل ورد ذلك صريحا في تاريخ الأزرقي عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، و جده، قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، مضطربا بالحجون في الفتح يأتي لكل صلاة. ا ه. أي يأتي المسجد الحرام لكل صلاة، و معنى مضطربا بالحجون أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لما أتى مكة، أبى أن ينزل في بيوتها، و إنما نزل بالحجون و ضربت له الخباء هناك.

ثم تأمل و قارن بين عدد من وقف من المسلمين بعرفات في حجة الوداع، و عدد من يقف من المسلمين من جميع الأقطار في عصرنا الحاضر. و من غرائب الأمور ما ذكره رفعت باشا في كتابه (مرآة الحرمين) في أول الجزء الثاني منه،

230

قال: إنهم لما وصلوا مكة في غرة ذي الحجة عام (1320)، ذهبوا لزيارة شريف مكة الشريف عون الرفيق، فقال لهم: إني مسرور من قلة الحجاج في هذا العام مراعاة للحالة الصحية. ا ه. فكأنهم كانوا يحبون قلة الحجاج خوفا من حدوث الأمراض، أما في زماننا هذا، فلا يوجد أحد بمكة إلا و يجب كثرة الحجاج، و ازدياد عددهم في كل سنة، و سنذكر هنا إن شاء اللّه، عدد الحجاج في زمن صاحب مرآة الحرمين.

و ها نحن نذكر لك هنا عدد الحجاج الواردين إلى مكة من مختلف البلدان و الأقطار، و لنبدأ بعامي (1315) و (1316) نقلا عن تاريخ الغازي المخطوط و هو نقلا عن مجلة" المنار" التي كانت تصدر بالقاهرة بمصر. و إليك ما ذكره.

إحصاء الحجاج لعام 1315 ه

جاء في تاريخ الغازي، في الجزء الثاني بصحيفة 428 عند الكلام على إحصاء الحجاج لعام 1315 للهجرة ما نصه:

ذكر العلامة السيد محمد رشيد رضا في مجلته، أي" المنار": بلغ عدد الحجاج الذين مروا من قناة السويس جائين من طريق بور سعيد و الاسكندرية" 8352" عثمانيا و (1113) إيرانيا، و الذين جاؤا من طريق البصرة إلى السويس و مروا من القنال (190)، و الذين لم يمروا منه" 153"، و بلغ عدد الحجاج من بوسنة و هرسك" 86" و من مغاربة الجزائر" 27"، و ذلك لأن فرنسا أحصرت مسلمي بلادها منذ خمس سنوات، و من مغاربة الدولة العلية" 141" و بلغ عدد الروسيين الذين جاؤا عن طريق الاسكندرية" 209"، و بلغ عدد المصريين" 4541" وزد على ذلك" 240" حاجا من المغاربة و التكارنة و السودان سافروا من وابورات الشركة العثمانية مجانا لأنهم فقراء، ذكرت جريدة المؤيد بهذا الإحصاء بزيادة تفصيل، و قال إنه أضبط إحصاء حصل للحجاج. بلغ عدد الحجاج الذين غادروا منى بعد التضحية مائتي ألف نفس.

إحصاء الحجاج لعام 1316 ه

و جاء فيه أيضا لعام 1316 للهجرة ما نصه:

231

من طريق مصر بلغ عدد الحجاج الذين قصدوا الأقطار الحجازية عن طريق الاسكندرية لغاية 16 ذي القعدة" 7602"، و الذين برحوا هذا الثغر في ذلك اليوم فقط:" 801" منهم" 509" عثمانيون، و" 126" مصريون"، و" 58" روسيون، و" 40" فارسيون"، و" 29" من اليزولوس،" و 36" من البوسنيين، و" 3" من البرتغاليين. أما الذين سافروا من القاهرة فيبلغ عددهم إلى اليوم نحو الثلاثمائة حاج" المؤيد". انتهى. انتهى نقلا من تاريخ الغازي. هذا ما ورد في العامين المذكورين (1315) و (1316).

ثم اطلعنا على الجزء الثاني من كتاب مرآة الحرمين لإبراهيم رفعت باشا، (رحمه اللّه تعالى)، فوجدنا أنه ذكر فيه عدد الحجاج الذين كانوا مع المحمل في عامي (1321) و (1325) هجرية حينما ركبوا الباخرة من السويس فأحببنا نقله هنا، و هذا نصه:

قال في صحيفة 58:" لتمام الساعة الخامسة بعد ظهر الاثنين 21 ذي القعدة سنة 1321 هجرية، 8 فبراير سنة 1904، أقلعت باخرة الرحمانية من السويس قاصدة جدة و كان بها من الحجاج 599 منهم 24 في الدرجة الأولى و كلهم من موظفي المحمل عدا ثلاثة، و منهم ثلاثة و ثلاثين في الدرجة الثانية من بينهم 7 من موظفي المحمل، و منهم 542 في الدرجة الثالثة من بينهم 296 تبع موظفي المحمل و الباقي من الأهالي و من هؤلاء 91 من محافظة مصر و 4 من المنوفية و 4 من الجيزة و 18 من محافظة دمياط و 2 من محافظة السويس و 14 من المنيا و 21 من الغربية و 92 من القليوبية. أما باخرة مسير فإنها قامت من المرفأ في الساعة 12 و الدقيقة 35، و كان بها من الحجاج 448 منهم 24 في الدرجة الأولى من بينهم 4 من موظفي المحمل و تابعيهم و منهم 9 في الدرجة الثانية بينهم 4 من موظفي المحمل و باقي الراكبين في الدرجة الثالثة و عددهم 415 منهم 19 موظفون في المحمل و الباقي 25 من محافظة مصر و 58 من المنوفية و 153 من الشرقية و 96 من الدقهلية و 44 من الغربية و على ذلك فجملة الحجاج (1047) من بينهم 351 موظفون في المحمل أو تابعون لموظفيه. ا ه".

و قال في صحيفة (185) إن حجاج ركب المحمل في سنة (1325) بلغوا" 2400" انتهى كل ذلك من مرآة الحرمين.

232

هذا ما ذكره صاحب مرآة الحرمين عن عدد الحجاج الذين رافقوا ركب المحمل و لم يذكر عدد الحجاج الذين لم يرافقوا المحمل.

ثم رأينا أيضا في الجزء الثاني من مرآة الحرمين أيضا بصحيفة 260 بيانا لعدد الحجاج لست سنوات، من سنة 1903 ميلادية إلى سنة 1908، المرافقين للمحمل و غير المرافقين. و نحن قد وضعنا السنة العربية بجانب السنة الإفرنجية زيادة في الإيضاح و هذا هو البيان:

السنة الهجرية/ السنة الميلادية/ جملة الحجاج المصريين/ الحجاج الذين سافروا برفقة المحمل/ الحجاج الذين سافروا بغير مرافقة المحمل 1321/ 1903/-/ 28/-

1322/ 1904/ 10319/ 696/ 9623

1323/ 1905/ 14366/ 1605/ 12761

1324/ 1906/ 11615/ 847/ 10768

1325/ 1907/ 18170/ 1584/ 16586

1326/ 1908/ 15856/ 1829/ 14027

و تجد في هذا البيان أنه في سنة 1321 ه، الموافق لسنة 1903 م لم يسافر أحد إلى الحج بغير مرافقة المحمل، و سبب ذلك: أن مجلس النظار المصري أصدر قرارا بمنع الحج لكل من يتوجه برفقة المحمل، و ذلك خوفا من عودة الوباء للقطر المصري- انتهى من مرآة الحرمين.

هذا، و لا يفوت القارئ النبيه، أن ابتداء السنة الهجرية لا تتفق مع ابتداء السنة الميلادية، فلابد أن تسبق إحداهما الأخرى. و نحن في هذا البيان أضربنا عن ذكر الفرق الذي بينهما خوف التشويش.

و لقد وقف بعرفات عام 1372 من الهجرة، خمسمائة ألف حاج أتوا: من طريق البحر (118200) شخص، و من طريق الجو (16917) شخصا، و من طريق البر ما عدا اليمن (10032) شخصا، و من طريق البر من اليمن (16000) شخص، و الباقون وردوا من أطراف المملكة العربية السعودية حسبما ذكرته جريدة أم القرى بعد حج عام (1372) هجرية.

و هنا نذكر إحصاء عاما بعدد الحجاج الواردين من خارج المملكة العربية السعودية بشتى وسائل المواصلات سواء كان عن طريق البر و البحر و الجو، و لا

233

نذكر من وقف بعرفات من أهل مملكتنا من جميع الجهات لأنه يتعذر إحصاؤهم.

و هنا نذكر عدد الحجاج ابتداء من سنة (1343) لغاية (1373) هجرية نقلا عن جريدة البلاد السعودية الصادرة بمكة في 20 ذي الحجة سنة (1372) و هو هذا:

السنة الهجرية/ عدد الحجاج 1343/ 100000

1344/ 150000

1345/ 190662

1346/ 96212

1347/ 90764

1348/ 81666

1349/ 38045

1350/ 29065

1351/ 20181

1352/ 25291

1353/ 33898

1354/ 23830

1355/ 49517

1356/ 67224

1357/ 59577

السنة الهجرية/ عدد الحجاج 1358/ 32152

1359/ 9024

1360/ 23863

1361/ 24743

1362/ 62590

1363/ 37857

1364/ 37630

1365/ 61386

1366/ 55244

1367/ 75614

1368/ 95033

1369/ 107652

1370/ 100578

1371/ 148515

1372/ 149841

و لقد ذكرت مجلة الحج التي تصدر بمكة المشرفة في عدد شهر محرم عام 1372 ه إحصاء عاما مثل إحصاء جريدة البلاد السعودية، غير أن هناك فرقا بسيطا بينهما في تعداد الحجاج في بعض السنوات، و ليس ذلك بمهم، حيث أننا في معرض التشويق و الترغيب، لا في معرض التحقيق و التدقيق.

و نذكر هنا أيضا إحصاء لأجناس الحجاج عن الثلاث السنين الأخيرة و هي 1370 و 1371 و 1372 هجرية نقلا عن جريدة البلاد السعودية الصادرة أيضا في التاريخ المذكور آنفا، و هو هذا:

234

أجناس الحجاج/ عددهم في عام 1370/ عددهم في عام 1371/ عددهم في عام 1372 مصريون/ 22916/ 27611/ 21675

سوريون/ 2379/ 5619/ 3571

لبنانيون/ 578/ 1733/ 876

فلسطينيون/ 130/ 379/ 1195

عراقيون/ 1858/ 2640/ 2804

مغاربة/ 5284/ 7868/ 7306

بخارية/ 328/ 95/ 167

إيرانيون/ 695/ 3569/ 1723

أتراك/ 423/ 9623/ 11329

شرق الأردن/ 139/ 914/ 488

يمنيون/ 18/ 11785/ 14393

حضارمة/ 787/ 3620/ 3692

عدنيون/ 121/ 409/ 231

يوغنده/ 141/ 75/ 175

تكارنة/ 1715/ 7377/ 21537

شناقطة/ 63/ 134/ 213

سودانيون/ 5535/ 9233/ 6394

سنغال/ 570/ 853/ 849

صومال و أريتريا و مصوع/ 66/ 551/ 208

كبتون/ 100/ 69/ 147

أثيوبيا، أحباش/ 320/ 269/ 528

زنجبار/ 270/ 33/ 58

مقديشو/ 71/ 62/ 41

صينيون/ 6/ 22/ 58

نيجريا و ليقوش/ 443/ 1055/ 106

ليبيون/-/-/ 283

جيبوتي/-/ 30/ 21

235

أفغانيون/ 649/ 1634/ 2204

سواحل/-/-/ 38

بورما/ 13/ 22/ 62

باكستانيون/ 31339/ 18314/ 13305

مسلمو الهند/ 11831/ 10218/ 8865

سيلان/-/ 53/ 94

إندونيسيون/ 1856/ 10645/ 13938

سيام/ 1270/ 6101/ 1376

ملايو/ 5767/ 3831/ 5967

فليبينيون/ 2277/ 667/ 798

كويت/ 190/ 808/ 1675

بحرين/ 115/ 346/ 695

مسقط/ 3/ 117/ 172

دبي/ 116/ 53/ 119

موريس/-/-/ 15

الهند الصينية/ 21/-/ 14

الخليج الفارسي/ 140/-/ 43

قطر/ 10/ 20/ 374

مسلمو أمريكا/-/ 1/ 1

تركستان الشرقية/-/-/ 18

ممباسا (الحبشة)/ 16/ 40/-

مسلمو ألمانيا/ 1/-/-

تنجانيقا/-/ 16/-

كنديون/ 2/-/-

مدغشقر/ 4/-/-

المجموع/ 100578/ 148515/ 149841

236

إحصاء الحجاج في سنة (1373) هجرية

أجناس الحجاج/ عدد الحجاج مصر/ 20755

السودان/ 6015

فلسطين/ 2736

تونس و الجزائر/ 4203

تركيا/ 11708

الأردن/ 4363

الهند/ 7894

باكستان/ 19352

ملايا/ 5658

إندونيسيا/ 10234

إيران/ 3981

العراق/ 1425

الكويت/ 336

حضرموت/ 1983

سوريا/ 7648

أفريقيا/ 16951

اليمن/ 27866

لبنان/ 1963

أفغانستان/ 1777

كبتون/ 72

زنجبار/ 121

السنغال/ 1269

مقديشو/ 43

أفريقيا الغربية/ 322

الفرنسية/

ليبيا/ 640

بخارى/ 111

الصومال/ 245

أثيوبيا/ 371

كينيا/ 38

أوغندا/ 335

ممباسة/ 36

قبرص/ 4

الصين/ 14

جزيرة موريس/ 19

نيجريا/ 15

بورما/ 40

سيلان/ 63

سيام/ 464

الهند الصينية/ 21

البحرين/ 133

دبي/ 13

الشارقة/ 19

الفلبين/ 5

مدغشقر/ 8

يوغسلافيا/ 3

المجموع/ 164072

237

إلى هنا قد ذكرنا إحصاء الحجاج بأجناسهم المختلفة مفصلا، و سنذكر إن شاء اللّه تعالى فيما يأتي من السنين عددهم إجمالا بدون تفصيل حتى لا يطول بنا الكلام:

السنة الهجرية/ عدد الحجاج بالأرقام/ عددهم بالأحرف 1374/ 232971/ مائتان و اثنان و ثلاثون ألفا و تسعمائة و واحد و سبعون‏

1375/ 220722/ مائتان و عشرون ألفا و سبعمائة و اثنان و عشرون‏

1376/ 215565/ مائتان و خمسة عشر ألفا و خمسمائة و خمسة و ستون‏

1377/ 209197/ مائتان و تسعة آلاف و مائة و سبعة و تسعون‏

1378/ 557801/ خمسمائة و سبعة و خمسون ألفا و ثمانمائة و واحد

1379/ 532200/ خمسمائة و اثنان و ثلاثون ألفا و مائتان‏

1380/ 285984/ مائتان و خمسة و ثمانون ألفا و تسعمائة و أربعة و ثمانون‏

1381/ 216455/ مائتان و ستة عشر ألفا و أربعمائة و خمسة و خمسون‏

1382/ 197039/ مائة و سبعة و تسعون ألفا و تسعة و ثلاثون‏

1383/ 260284/ مائتان و ستون ألفا و مائتان و أربعة و ثمانون‏

1384/ 283339/ مائتان و ثلاثة و ثمانون ألفا و ثلاثمائة و تسعة و ثلاثون‏

هذا ما أمكن لنا إحصاء الحجاج إلى سنة طبع هذا الكتاب ما عدا من يحج من أهل البلاد، و بعد ذلك فليعدهم من شاء فيما يأتي من الأعوام الآتية، و لا نظن القارئ يجد في غير هذا الكتاب إحصاء الحجاج بدقة تامة للأعوام السابقة.

أسباب قلة الحجاج و كثرتهم‏

إذا أمعنا النظر نجد أن عدد الحجاج في الجاهلية في عهد قريش، لا يتجاوز بضعة آلاف ممن يقف بعرفات و مزدلفة، بل ما كان الواقفون يزيد عددهم عن عشرة آلاف شخص بل أقل، و كلهم من كفار قريش من مكة، فإن أهل الجاهلية كانوا يحجون كل عام.

ثم لما أشرقت شمس الدين الإسلامي الحنيف، و دخل الناس في دين اللّه أفواجا، زاد عدد الواقفين بعرفات، و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، يرسل من المدينة

238

المنورة بعض كبار أصحابه ليقيم للناس الحج و يعلمهم أحكامه، فلما كان في حجة الوداع في السنة العاشرة خرج الناس مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يريد الحج معه، فكان عدد الواقفين مع النبي عليه الصلاة و السلام، بعرفات تسعين ألفا، و قيل:

أكثر من ذلك إلى مائة و أربعين ألفا، كلهم من عرب الحجاز من مكة و المدينة و ما حولهما، لأن المدن و الأقطار لم تفتح بعد، فما فتحت إلا في عهد الخلفاء الراشدين و من بعدهم، و ما زالت الفتوحات في عهدهم تتوالى و تكثر، و يدخل من الممالك و الأقطار في دين الإسلام إلى أوائل القرن الرابع عشر للهجرة، أي: إلى ما بعد سنة (1300) ألف و ثلاثمائة هجرية بقليل، لأن جميع سلاطين الأتراك العثمانيين الذين كانت فيهم الخلافة، كانوا يقاتلون الكفار الذين يجاورونهم و يغزون ملوك الإفرنج، و لذلك كان يلقب كل سلطان منهم يخرج للغزو في سبيل اللّه" بالغازي"، و أغلبهم كان يغزو عاما و يحج عاما، فلما ذهبت الخلافة منهم في سنة (1334) ألف و ثلاثمائة و أربعة و ثلاثين هجرية، و صار كل قطر و مملكة إسلامية مستقلا بذاته و تفرقت كلمة المسلمين و اختلفوا فيما بينهم، لم يعد هناك غزو من المسلمين على بلاد الإفرنج و أوروبا، و كل هذه التفرقة بين المسلمين كانت من سياستهم و مكرهم، فإن الإفرنج و بلاد أوروبا جميعا كانوا يشتغلون بأسباب تفرقة المسلمين منذ مئات السنين، و ما زالوا كذلك إلى اليوم، و سيرد اللّه تعالى كيدهم في نحرهم بفضله و رحمته، و من أراد البحث في هذا الموضوع فعليه بكتاب" حاضر العالم الإسلامي" ففيه ما يشفي الغليل.

و من بعد الفتوحات الإسلامية صار يأتى بالحج آلاف مؤلفة من كل فج عميق من كافة أقطار الأرض وجهاتها، و صار يزداد عدد الحجاج في كل عصر و زمان بحسب تيسير وسائل السفر و أسبابه، من أعداد المحطات في طريق الحج، و من الدواب من البغال و الحمير و الجمال، و من تعمير خزانات المياه، و حفر الآبار و تجهيز الأطعمة اللازمة، و تأمين طرقات الحج و وضع الحراسة الكافية فيها، و كل هذا عن طريق البر في الأزمان الماضية، و أما عن طريق البحر، فيأتون بواسطة المراكب الشراعية التي تمشي بسبب الهواء و الرياح، و سواء كان طريق الحج من البر أو من البحر، فقد كان السفر في غاية المشقة و التعب، مع طول الطريق، فلقد كان بعض الحجاج لا يصل من بلاده إلى مكة المشرفة بأقل من ثلاثة أشهر، و مثل ذلك للعودة، و أن بعضهم يصل إلى مكة في ستة أشهر، و بعضهم أكثر من ذلك،

239

و يحتاجون إلى مثل هذه المسافة في العودة، لذلك كان عدد الحجاج في العصور الماضية أقل بكثير من عصرنا الحاضر.

أما في وقتنا هذا فإن عدد الحجاج يكاد يكون بدون حساب، و ذلك بسبب توفر وسائل الانتقال و السفر، فإن في عصرنا الحاضر قد اخترعت الطائرات العظيمة التي تحمل كل طائرة منها نحو مائة و خمسين شخصا بجميع حوائجهم و أثقالهم، و هي تصل من أقصى الدنيا، من الهند و السند و الصين و أمريكا و إيطاليا و فرنسا و إنكلترا، إلى جدة في نحو سبع ساعات أو ثمانية، و تصل من مصر و العراق و الشام و اليمن في نحو ساعتين أو ثلاثة، أي: يقوم الإنسان من بلاده في الصباح عند شروق الشمس بالطائرة، فيصل إلى مكة المكرمة قبل الظهر. كما اخترعت البواخر التي تحمل كل باخرة منها أكثر من ألفي شخص مع أثقالهم و حوائجهم، فتسير بهم في وسط البحور العميقة، فتصل من بلادهم إلى جدة في أيام قلائل. و كذلك اخترعت السيارات الكبيرة الثقيلة، فتحمل كل سيارة منها نحو خمسين راكبا بل أكثر، فتسير بهم في البرارى و القفار، فتصل من العراق مثلا في ثلاثة أيام إلى مكة المكرمة.

و من هنا كان عدد الحجاج في وقتنا الحاضر كثيرا جدا، فلقد وصل إلى مكة في سنة (1384) ألف و ثلاثمائة و أربعة و ثمانين هجرية، نحو ثلاثمائة ألف حاج بالطائرات و السيارات و البواخر، و كلما ظهرت المخترعات العجيبة السريعة من وسائل النقل، ازداد عدد الحجاج على ممر السنين و الأعوام، و اللّه تعالى أعلم ماذا يحدث في مستقبل الأيام.

لقد كان عدد الحجاج كبيرا في السنة المذكورة أي سنة (1384) ه بحيث امتلأت بيوت مكة و شوارعها منهم و من سياراتهم، و لقد كانوا يبيتون أيام الحج بمنى في خارجها من الجهتين، أي من جهة مكة بعد جمرة العقبة بمسافة بعيدة، و من جهة مزدلفة بعد حد منى بمسافة أيضا، و لا يخفى أن هاتين الجهتين لا يجوز المبيت فيهما أيام الحج، فإنه لا بد من المبيت ليلا في نفس منى. و اللّه تعالى أعلم ماذا يحدث في مستقبل الأيام إذا كثر الحجيج بسبب اختراع أحدث وسائل النقل السريعة المدهشة، و لا يبعد أن تفكر الحكومة في بناء طبقة متسعة فوق أرض منى ليشغلها قسم من الحجاج. و اللّه تعالى هو المدبر لأمور خلقه في السموات و الأرض.

240

لقد ذكرنا عدد الحجاج فيما تقدم في السنة المذكورة، و إذا حسبناهم مع من حج من أهل المملكة العربية السعودية فيكون عدد من وقف في السنة المذكورة بعرفات هو مليون شخص.

و إن العاقل المفكر إذا رأى هذا العدد الهائل للحجاج الكرام، ليندهش و تأخذه الحيرة، إذا فكر في أكلهم و شربهم و راحتهم، و يقول في نفسه كيف يكفيهم الأكل و الشرب في بلدة صغيرة كمكة شرفها اللّه تعالى، و أدام أمنها و أمانها و خيرها و رخاءها، و لكنه إذا نظر إلى قوله تعالى: وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها، إذا نظر المؤمن العاقل في هذه الآية الكريمة آمن بمضمونها و سلم الأمر إلى اللّه عز و جل. فمكة بلده الأمين، و فيها بيته الحرام المطهر، و العباد عباده أتوا من كل فج عميق لزيارة بيته الحرام، فهم إذا ضيوف اللّه تعالى، و اللّه عز و جل هو أكرم الأكرمين و أرحم الراحمين، لابد أن يضيفهم و يكرمهم و يقبلهم و يغفر لهم ذنوبهم، حتى يرجعوا إلى بلادهم و هم مطهرون على أحسن حال، إنه بعباده لطيف خبير.

نعم لو ذهب هذا العدد الهائل إلى أكبر بلدة لما كفاهم الخبز و الماء، فوجود هذه النعم و الخيرات في مكة المشرفة و هي واد غير ذي زرع، أمر خارق للعادة، إنه دعوة أبي الأنبياء خليل اللّه إبراهيم كما جاء في الآية الكريمة رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ‏. فالحمد للّه رب العالمين.

هذا و لقد سمعنا أنه في سنة (1370) ألف و ثلاثمائة و سبعين هجرية، وصل إلى الحديدة من أطراف اليمن نحو خمسة آلاف شخص يريدون الحج و انتظروا فيها خمسة أيام لورود باخرة تحملهم إلى جدة، ففي هذه الأيام الخمسة انعدم الخبز من أسواق الحديدة، حتى أنهم ما كانوا يجدون الخبز إلا بصعوبة، فكيف لو انكب عليهم هذا الحجيج الأعظم و لمدة طويلة.

فالأسباب الأساسية لكثرة الحجاج ثلاثة: (الأول) كثرة وسائل النقل الحديثة، و (الثاني) الأمن و الأمان في طرقات الحج من جميع الجهات، و (الثالث) كثرة توفر الزاد و الأغذية في الحرمين الشريفين.

241

هذه هي الأسباب الأساسية لورود الحجاج بكثرة وافرة، و كلها متوفرة عندنا في وقتنا هذا و للّه الحمد. فالحمد للّه الذي خص بلده الأمين بأمور كثيرة خارقة، لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

إقامة المظلات و القهاوي في طريق الحج‏

و من حسنات حكومتنا الموفقة عمل المظلات العامة في طريق الحج، فيما بين منى و عرفات ليستظل تحتها مشاة الحجاج و ضعفائهم، أما ما بين مكة و منى فلا يحتاج لإقامة المظلات لأن دور مكة و بيوتها كادت أن تصل إلى منى، و عند هذه المظلات الماء و الثلج مسبل لوجه اللّه تعالى، يشرب الحجاج الماء المثلج في هذه الصحراء و يستريحون، ثم يستأنفون السير صوب و جهتهم.

هذا غير ما يوجد في الطريق من القهاوي العديدة المتخذة من العشاش و الخيام، فيها الأكل و الشرب و القهوة و الشاي و المثلجات و الفواكه، كل هذا موجود في طريق الحج، من عرفات إلى مكة، و منها إلى جدة، و منها إلى المدينة المنورة مثوى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

فوجود هذه الاستراحات لا شك أنها عمل إنساني جليل، و بالأخص وجودها في وقت الحج في أطراف هذه الصحراوات الواسعة و مرور آلاف الحجاج في الطريق.

جاء في كتاب التراتيب الإدارية، في آخر الجزء الأول ما يأتي: و في طبقات ابن سعد أن عمر، رضي الله تعالى عنه، استأذنه أهل الطريق يبنون ما بين مكة و المدينة، فأذن لهم و قال: ابن السبيل أحق بالماء و الظل. ا ه. ص 220 ج 3.

انتهى من الكتاب المذكور.

فرضي اللّه عن عمر و رضي عن جميع الصحابة الذين جعلوا لكل مسألة أساسا و لكل مبحث مسلكا، حتى نهتدي بهديهم و نسير على سننهم، فلو مشينا على طريقتهم لم تتشعّب بنا الأهواء، و لم نركن إلى زخارف الدنيا، لكان لنا اليوم شأن غير هذا الشأن. نسأل اللّه الرضا و التوفيق، و السلامة من الفتن ما ظهر و ما بطن.

242

سيول مكة العظيمة

إن مكة، شرفها اللّه تعالى، واقعة في واد تحف به الجبال من كل جانب، فإذا نزلت الأمطار عليها بشدة نزلت المياه من جميع الجبال و من المرتفعات و غيرها إلى المواضع المنخفضة بمكة فتجمعت في أزقتها و شوارعها، و نزلت مع المياه من الجبال و الأماكن الحجارات و الأتربة، و إذا زادت الأمطار في ضواحيها جاءت السيول من أعاليها من جهة منى إلى داخل مكة، و جرفت معها ما كان في طريقها، فتدخل المسجد الحرام، فتحدث به أضرارا كثيرة، كما تحدث أضرارا في بيوت مكة القديمة.

لذلك كانوا يعملون سدودا من قديم الزمان، كسد عمر رضي اللّه عنه، و ما عمله من الردم عند المدعا حيث كانت الكعبة ترى من هذا الموضع لعلوه، و ذلك صونا للمسجد الحرام من دخول السيل، فتحول مجرى السيل بسبب ذلك إلى وادي إبراهيم، بعد أن كان السيل ينحدر من المدعا إلى المسعى من ناحية المروة، و كان ذلك سنة (17) سبع عشرة من الهجرة، بعد انتهائه من وضع مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام في موضعه، و بعد انتهائه أيضا من عمارة المسجد الحرام و الزيادة فيه. و لقد كان سد عمر، رضي اللّه عنه، سدا عظيما محكما، بناه بالضفائر و الصخور العظام و كبسه بالتراب، فلم يعله سيل بعد ذلك مدة مائتي سنة تقريبا، و يسمى هذا الردم ردم" بني جمح"، و سمي بذلك ربما لأن منازل بني جمح كانت بهذا الموضع، و هذا الردم هو أول سد عمل بمكة المكرمة. قال الإمام الأزرقي في تاريخه: و كل واد في الحرم فهو يسيل في الحد، و لا يسيل من الحل في الحرم إلا من موضع واحد عند التنعيم عند بيوت غفار. انتهى.

و ذكر السيول التي جاءت إلى مكة من عهد الجاهلية إلى اليوم بالتفصيل مما يطول شرحه، و لكن نذكرها هنا باختصار مع بيان السنين، ملخصا من تاريخ الأزرقي و ملحقاته، و مرآة الحرمين لإبراهيم رفعت باشا رحمهما اللّه تعالى.

و إليك بيان ذلك في هذا الجدول:

243

جدول سيول مكة

الرقم المتسلسل/ اسم السيل/ السنة/ ملاحظات 1/ سيل/ في الجاهلية/ جاء في زمن جرهم حينما كانوا ولاة البيت فهدم الكعبة فبنتها جرهم.

2/ سيل فارة/ في الجاهلية/ ذكر الأزرقي أن هذا السيل كان زمن خزاعة، و فارة اسم امرأة ماتت في هذا السيل فسمي باسمها.

3/ سيل آخر/ في الجاهلية/ ذكر الأزرقي في أن هذا السيل كسا ما بين الجبلين.

4/ سيل أم نهشل/ 17 من الهجرة/ جاء في خلافة عمر رضي اللّه عنه فاقتلع مقام إبراهيم عن موضعه، و أم نهشل اسم امرأة ماتت فيه فسمى باسمها.

5/ سيل الجحاف/ 80 من الهجرة/ جاء في خلافة عبد الملك بن مروان، كان سيلا عظيما جاء دفعة واحدة فجر يوم التروية و الحجاج آمنون فذهب بأمتعتهم، و كان يحمل الجمال و عليها الأحمال فدخل المسجد الحرام و هدم الدور على الناس فقتلهم ورقى الناس الجبال و اعتصموا بها.

6/ سيل/ 88 من الهجرة/ جاء على إثر دعاء عمر بن عبد العزيز و دعاء من معه حينما وصل إلى التنعيم.

7/ سيل/ 120 من الهجرة/ جاء في ولاية هشام بن عبد الملك.

8/ سيل المخبل/ 84 من الهجرة/ سمي بذلك لأنه أصاب الناس منه شبه الخبل كما أصابهم المرض في‏

244

/// جسادهم و ألسنتهم، و كذلك حصل سيل آخر في هذه السنة، قيل كان سيل المخبل عام 104 و اللّه أعلم.

9/ سيل ابن حنظلة/ 202 من الهجرة/ سمي بذلك نسبة إلى أمير مكة يومئذ يزيد بن محمد بن حنظلة، و ذلك في خلافة المأمون و هدم الدور و ذهب بناس كثير، و أصاب الناس بعده مرض شديد.

10/ سيل/ 208 من الهجرة/ جاء في خلافة المأمون أيضا و الناس غافلون و هذا أعظم من سيل ابن حنظلة فامتلأ المسجد الحرام بالطين و البطحاء فكان أهل مكة و من فيها من الحجاج يخرجون ذلك بأيديهم حتى كانت النساء و العواتق يخرجن التراب التماس الأجر و البركة.

11/ سيل/ 225 من الهجرة/ و بسبب هذا السيل كثر ماء زمزم بعد أن كانت قليلة.

12/ سيل/ 240 من الهجرة/ و هذا السيل هدم كثيرا من المنازل و خرب مسجد الخيف بمنى.

13/ سيل/ 253 من الهجرة/ دخل هذا السيل المسجد الحرام و أحاط بالكعبة و هدم دورا كثيرة.

14/ سيل/ 279 من الهجرة/ و جاء سيل آخر في السنة التي بعدها

15/ سيل/ 280 من الهجرة/ أيضا 280 و كان سيلا عظيما فكثر ماء زمزم و ارتفع حتى قارب رأسها، فلم يكن بينه و بين شفتها العليا إلا نحو سبعة أذرع و عذبت ماؤها حتى كان أعذب مياه مكة.

245

16/ سيل/ 262 من الهجرة/ بسبب هذا السيل ذهب بحصباء المسجد الحرام كلها.

17/ سيل/ 297 من الهجرة/ كان سيلا عظيما حتى بلغ باب الكعبة و حتى فاضت بئر زمزم.

18/ سيل/ 349 من الهجرة/ قال في مرآة الحرمين: لما برز الحج قافلا جاءهم سيل فأخذهم عن آخرهم و ألقى بهم في البحر و ما أتى مصر منهم أحد، نسأل اللّه السلامة و العافية.

19/ سيل/ 417 من الهجرة/ هذا السيل لما دخل المسجد الحرام وصل إلى خزائن الكتب فأتلف كثيرا منها.

20/ سيل/ 489 من الهجرة/ جاء بقرب وادي نخلة فذهب بكثير من الأنفس و الأموال.

21/ سيل/ 528 من الهجرة/ تضرر كثير من الناس بمكة بسبب هذا السيل و المطر.

22/ سيل/ 549 من الهجرة/ أسال وادي، و نزل من المطر برد بقدر البيض.

23/ سيل/ 569 من الهجرة/ كان سيلا كبيرا دخل المسجد الحرام من باب بني شيبة.

24/ سيل/ 570 من الهجرة/ كثرت الأمطار و السيول هذا العام حتى سال وادي إبراهيم خمس مرات.

25/ سيل/ 593 من الهجرة/ قيل جاء هذا السيل عام" 593"، كان سيلا عظيما حتى دخل الكعبة فبلغ قريبا من الذراع و وصل الماء إلى فوق القناديل التي في وسط المسجد

246

/// و طاف بعضهم سباحة و هدم دورا كثيرة.

26/ سيل/ 620 من الهجرة/ كان سيلا كبيرا دخل الكعبة و مات منه جماعة و بعضهم وقعت عليه الدور.

27/ سيل/ 651 من الهجرة/ لم يذكر عنه المؤرخون تفاصيل وافية.

28/ سيل/ 669 من الهجرة/ كان سيلا كبيرا عظيما لم يسمع بمثله، دخل المسجد الحرام كالبحر.

29/ سيل/ 687 من الهجرة/ جاء في حسن المحاضرة أنه في رابع عشر ذي القعدة في السنة المذكورة جاء سيل عظيم بحيث دخل المسجد الحرام و دخل الكعبة المشرفة و هدم جملة من أساطين المسجد الحرام و وجد في المسجد من الغرقاء سبعون إنسانا و خارج المسجد خمسمائة نفس، فكان ارتفاع السيل في المسجد سبعة أذرع و ثلث ذراع، و مكث الماء في المسجد من يوم الأربعاء إلى يوم السبت و لم تصل الجمعة فيه، و قد أخرب كثيرا من بيوت مكة، قالوا: و لم يعهد مثل هذا السيل لا في الجاهلية و لا في الإسلام.

30/ سيل/ 730 من الهجرة/ جاء هذا السيل من غير مطر و ملأ المسجد الحرام و أقام الماء فيه يومين.

31/ سيل/ 732 من الهجرة/ في أواخر ذي الحجة وقعت أمطار

247

/// و سيول و صواعق قتل بها خمسة من الرجال.

32/ سيل/ 738 من الهجرة/ جاءت أمطار كأفواه القرب و سيل و غيم و رعود مزعجة و بروق مخيفة.

33/ سيل/ 750 من الهجرة/ نزل مطر و صاعقة و ريح سوداء أوقعت جميع أعمدة المطاف المتجددة.

34/ سيل/ 771 من الهجرة/ هذا السيل دخل المسجد الحرام و وصل إلى قفل باب الكعبة و قد نزل مع المطر برد كبير و هدم نحو ألف بيت و قتل نحو ألف نسمة. و حمل قافلة بأربعين جملا.

35/ سيل/ 802 من الهجرة/ كان سيلا عظيما دخل المسجد الحرام فوصل إلى باب الكعبة بل علا عتبتها بقدر ذراع و خرب عمودين في المسجد و خرب دورا كثيرة سقط بعضها على سكانها، و مات بسبب ذلك نحو ستين نفرا.

36/ سيل/ 814 من الهجرة/ جاء هذا السيل وقت الظهيرة فهدم سدود العين.

37/ سيل/ 825 من الهجرة/ جاء عقيب صلاة الصبح و دخل المسجد الحرام فوصل إلى باب الكعبة و هدم دورا كثيرة و خرب سور المعلاة.

38/ سيل/ 827 من الهجرة/ جاء هذا السيل بعد الغروب عقب مطر غزير و دخل المسجد الحرام و قارب الحجر الأسود.

248

39/ سيل/ 837 من الهجرة/ دخل المسجد الحرام فوصل إلى محاذاة باب الكعبة و خرب نحو ألف دار.

40/ سيل القناديل/ 838 من الهجرة/ كان سيلا عظيما دخل المسجد الحرام و كسر باب زمزم و خرب ما يقرب من ثمانمائة دار.

41/ سيل/ 865 من الهجرة/ دخل المسجد الحرام و بلغ الماء نحو نصف ذراع من عتبة الكعبة و علا على خرزة زمزم مقدار ذراع.

42/ سيل/ 867 من الهجرة/ وقع مطر غزير عقبه سيل دخل المسجد الحرام من جميع أبوابه الشرقية و اليمانية و علا الماء على عتبة الكعبة ذراعا و نصف.

43/ سيل/ 871 من الهجرة/ دخل المسجد الحرام و دخل الكعبة و زمزم و خرب دورا كثيرة.

44/ سيل/ 880 من الهجرة/ هذا السيل كان من أعظم السيول التي وقعت في الجاهلية و الإسلام و كانت الخسائر كبيرة في النفس و النفيس و قد مات بسببه في المسجد الحرام فقط مائة و ثمانون نسمة، و قد انفرد أيوب صبري باشا صاحب مرآة الحرمين بذكر هذا السيل نقلا عن السمهودي (ج 1، ص 682).

45/ سيل/ 883 من الهجرة/ في الخامس عشر و في الثالث و العشرين من رمضان من السنة المذكورة جاء سيلان بعد المطر.

46/ سيل/ 887 من الهجرة/ وقعت أمطار شديدة في رابع ذي القعدة فجاء هذا السيل فمات به‏

249

الرقم المتسلسل/ اسم السيل/ السنة/ ملاحظات/// خلائق لا تحصى و تهدمت دور كثيرة.

47/ سيل/ 888 من الهجرة/ مات في هذا السيل مائة نسمة.

48/ سيل/ 889 من الهجرة/ حصلت بسبب هذا السيل خسائر كبيرة.

49/ سيل/ 895 من الهجرة/ دخل المسجد الحرام و وصل إلى نحو الحجر الأسود و وقعت دور كثيرة.

50/ سيل 897 من الهجرة/ هذا السيل دخل المسجد الحرام بعد مطر شديد.

51/ سيل/ 900 من الهجرة/ كان سيلا كبيرا حتى وصل إلى باب الكعبة المشرفة و تهدمت دور كثيرة.

52/ سيل/ 901 من الهجرة/ وقع مطر شديد جاء على إثره هذا السيل فدخل المسجد الحرام و وصل إلى ما بين قفل الكعبة و الحلق و غرقت قناديل المطاف.

53/ سيل/ 920 من الهجرة/ دخل المسجد الحرام و علا باب الكعبة نحو ذراع و ملأ قناديل المطاف و زمزم.

54/ سيل/ 931 من الهجرة/ جاء بعد مطر و نزل فيه برد كبير الحجم فوق العمرة في طريق الوادي فتكدس حتى صار أكواما و كان الجمالون يجلبون للبيع في مكة مدة أسبوعين لما انتهى.

55/ سيل/ 971 من الهجرة/ بلغ هذا السيل إلى قفل باب الكعبة و بقي يوما و ليلة.

56/ سيل/ 983 من الهجرة/ بلغ إلى ما يحاذي قفل باب الكعبة.

57/ سيل/ 984 من الهجرة/ دخل المسجد الحرام و علا باب‏

250

/// الكعبة ثم انحدر عنها و انساب إلى أسفل مكة.

58/ سيل/ 989 من الهجرة/ نزلت أمطار غزيرة و الحجاج بمنى فانحدرت السيول من كل جانب و ذهب بكثير من الأمتعة.

59/ سيل/ 1009 من الهجرة/ وقع مطر كثير يرافقه سيل عظيم.

60/ سيل/ 1019 من الهجرة/ جاء هذا السيل عقب مطر قوي فدخل المسجد الحرام.

61/ سيل/ 1021 من الهجرة/ أشار إلى هذا السيل إبراهيم رفعت باشا صاحبة مرآة الحرمين و لم يذكر تفاصيله.

62/ سيل/ 1023 من الهجرة/ هذا السيل جاء عقب مطر و نزل معه برد كبار.

63/ سيل/ 1024 من الهجرة/ تهدمت بعض البيوت في هذا السيل.

64/ سيل/ 1033 من الهجرة/ وقع في السابع من جمادى الثانية و بلغ الحجر الأسود.

65/ سيل/ 1039 من الهجرة/ وقع مطر غزير بمكة و ضواحيها لم يسبق له مثيل فجاء هذا السيل فدخل المسجد الحرام و دخل الكعبة و بلغ الماء إلى القناديل المعلقة حول المطاف و مات في هذا السيل نحو ألف نسمة، و بسببه هدمت الكعبة المشرفة عصر اليوم التالي فبناها السلطان مراد الرابع (رحمه اللّه تعالى) كما هو مفصل في التاريخ.

66/ سيل/ 1053 من الهجرة/ وقع هذا السيل بعرفة و الحجاج وقوف هنالك فاستمر الناس وقوفا

251

/// إلى آخر الليل حيث خف السيل فقطعوه بالمشقة.

67/ سيل/ 1055 من الهجرة/ دخل المسجد الحرام حتى علا عتبة الكعبة بذراع كما علا بئر زمزم بنحو قامة. و صار المسجد كالبحر الزاخر و لم يحدث ضرر في الأنفس.

68/ سيل/ 1073 من الهجرة/ هجم السيل على المسجد الحرام فبلغ الماء أعلا من قفل باب الكعبة بذراع.

69/ سيل/ 1081 من الهجرة/ دخل المسجد الحرام و بلغ الماء باب الكعبة.

70/ سيل/ 1090 من الهجرة/ ذكره أيوب صبري و حصلت بسببه خسارة في الأمتعة.

71/ سيل/ 1091 من الهجرة/ دخل المسجد الحرام و بلغ الماء نصف الكعبة، و من غريب الاتفاق أن السيل حمل جملا بحمله و دخل به المسجد الحرام، فلم يزل السيل يدفعه حتى رقى على منبر الخطيب بعد أن انقطع حمله و لم يزل به إلى صباح اليوم التالي. و مما هو جدير بالذكر أنه كان جهة المعلا شجرة جوز كبيرة تقوم على جوانبها مقاه، فلما جاء السيل كان في تلك المقاهي نحو مائة و خمسين رجلا فتسلقوا الشجرة خوف الغرق، و لكن السيل كان قويا فاقتلع الشجرة بمن عليها فجرفهم حتى باب الصفا، و جرف‏

252

/// السيل أيضا نحو خمسة آلاف حيوان.

72/ سيل/ 1108 من الهجرة/ أمطرت السماء مطرا غزيرا كأفواه القرب فبلغت المياه إلى قرب باب الكعبة.

73/ سيل/ 1153 من الهجرة/ كان سيلا كبيرا وصل إلى نحو باب الكعبة.

74/ سيل/ 1159 من الهجرة/ جاء هذا السيل بعد مطر شديد أيام منى و الحجاج فيها، و كان ذلك آخر الليل و أظلمت الدنيا حتى لم يعد يرى الإنسان ما بجانبه.

75/ سيل أبو قرنين/ 1208 من الهجرة/ دخل المسجد الحرام و بلغ قفل باب الكعبة.

76/ سيل/ 1242 من الهجرة/ خرب بسبب هذا السيل دبول عين زبيدة.

77/ سيل/ 1278 من الهجرة/ هجم هذا السيل و دخل المسجد الحرام دفعة واحدة قبل صلاة الصبح، فوصل الماء إلى قناديل الحرم و طفحت بئر زمزم و تعطلت الجماعة خمسة أوقات و قد غرق فيه جماعة خارج المسجد و داخله.

78/ سيل/ 1293 من الهجرة/ جاء هذا السيل على إثر مطر و كان أقل شأنا من سابقه.

79/ سيل/ 1325 من الهجرة/ في 21 ذي الحجة من السنة المذكورة نزل مطر شديد فجرى السيل من كل جهات مكة بشكل لم يسبق له مثيل و كان أشبه بماء النيل‏