التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج2

- محمد طاهر الكردي المزيد...
605 /
253

/// المنحدر، و دخل المسجد الحرام من أبوابه، و انقطع المرور من الطرق إلا بالسباحة، و كانت رحال الإبل و الشقادف سابحة في الماء.

80/ سيل الخديوي/ 1327 من الهجرة/ نسبته إلى خديوي مصر (أي حاكمها) و هو عباس حلمي باشا الثاني، الذي حج في السنة المذكورة، جاء هذا السيل في الثالث و العشرين من ذي الحجة فدخل المسجد الحرام و ملأه بالتراب و الماء نحو قامتين و سد دبول عين زبيدة بالأتربة حتى انقطع الماء عن مكة.

و لم ير خديوي مصر عباس حلمى باشا المذكور هذا السيل حيث إنه بعد أن حج خرج من مكة يوم 14 ذي الحجة قاصدا المدينة المنورة.

81/ سيل/ 1328 من الهجرة/ جاء هذا السيل من طرف وادي نعمان بقوة حتى دخل مكة.

82/ سيل/ 1330 من الهجرة/ جاء هذا السيل أيضا من وادي نعمان.

83/ سيل/ 1335 من الهجرة/ في هذه السنة دخل إلى مكة سيلان في محرم و في شعبان.

84/ سيل/ 1344 من الهجرة/ جاء هذا السيل أيضا من وادي نعمان.

85/ سيل/ 1350 من الهجرة/ هطلت الأمطار بمكة كأفواه القرب و استمر نزولها ثلاث ساعات و نصف، فسال على إثره وادي‏

254

/// إبراهيم بسيل عظيم، و دخل المسجد الحرام و بلغ ارتفاع الماء في صحن المطاف ما يقرب من متر و نصف، و قد أحدث المطر و السيل أضرارا جمة في الأموال و البيوت.

86/ سيل الربوع/ 1360 من الهجرة/ بدأ نزول المطر في شهر ربيع الأول ألف و ثلاثمائة و ستين هجرية، من الصباح حتى بعد العصر فكان مطرا غزيرا قويا جاء السيل على إثره فدخل المسجد الحرام و وصل إلى باب الكعبة و تعذر الصلاة فيه و الطواف بالكعبة لأن المسجد الحرام امتلأ بالماء حتى صار كالبحر الزاخر و امتلأ المسجد بالأتربة كما امتلأت الشوارع بها أيضا.

و قد ذهب هذا السيل بأمتعة كثيرة مما كان في الدكاكين و سوق الحراج و خربت قبور المعلا و تهدمت المنازل القديمة و قد كان مؤلف هذا الكتاب، محمد طاهر الكردي الخطاط، أحسن اللّه تعالى إليه و غفر له، بمكة حيث انتقلت وظيفته من جدة إليها في أول السنة المذكورة، فشاهد المطر و السيل و ما حدث بسببهما من الخراب.

87/ سيل/ 1376 من الهجرة/ جاء مطر غزير في السنة المذكورة و هي ألف و ثلاثمائة و ست و سبعين‏

255

/// هجرية، و كان ذلك عند توسعة المسجد الحرام، و سال السيل بحالة متوسطة و لم يحصل منه ضرر.

88/ سيل/ 1382 من الهجرة/ أتانا مطر غزير و سال السيل في السنة المذكورة و هي سنة ألف و ثلاثمائة و اثنتين و ثمانين هجرية، و كان السيل أقل من السيل السابق.

89/ سيل/ 1384 من الهجرة/ ابتدأ المطر بمكة في يوم الأربعاء قبل العصر بساعة واحدة في الخامس من شهر شعبان من السنة المذكورة، و هي سنة ألف و ثلاثمائة و أربع و ثمانين هجرية فنزل بغزارة من الساعة الثامنة و النصف قبل العصر إلى ما بعد الساعة الرابعة ليلا، فسال منه السيل و كان أقوى من السيلين السابقين و لم يحصل منه ضرر.

اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا، اللهم ارزقنا من الأمطار ما تنبت لنا من الزرع و تدر لنا الضرع، و أنزل علينا من بركات السماء و أنبت لنا من بركات الأرض و اكشف عنا من البلاء و الغلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم اسقنا غيثا هنيئا مريئا سحا عاما غدقا طبقا إلى يوم الدين، اللهم اسقنا الغيث و لا تجعلنا من القانطين، اللهم إن رحمتك أوسع من غضبك و عفوك أعظم من عقوبتك فارحمنا رحمة الأبرار و اجعلنا من عبادك الأخيار بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين، و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

هذا ما ورد عن سيول مكة المشرفة، ذكرناها بصورة مختصرة كما جاء في التاريخ، و ربما كانت هناك سيول لم يذكرها المؤرخون لعدم علمهم بذلك، و اللّه‏

256

سبحانه و تعالى أعلم بغيبه، فهو علام الغيوب و كاشف الكروب، لا إله إلا هو إليه المصير.

و قد ذكر إبراهيم باشا رفعت (رحمه اللّه تعالى):" أنه في سنة (1093) ألف و ثلاث و تسعين هجرية عملت في المسفلة (أي أسفل مكة) قناة عظيمة لتصرف السيل إلى بركة ماجن". ا ه.

فانظر رحمك اللّه تعالى، كيف اعتنى المؤرخون ببلد اللّه الحرام بذكر أمطارها و سيولها و أحوالها و أمورها، فلا توجد في أقطار الأرض بلدة اعتنى الناس بها كاعتنائهم بمكة. اللهم زدها شرفا و رزقا و أمنا و خيرا و نوالا، و وفق أهلها لمرضاتك و اغفر لهم و ارحمهم فإنك أنت الغفور الرحيم، و صلى اللّه على النبي الأمي و على آله و صحبه و سلم آمين.

أنظر: صورة رقم 33، مياه السيل و قد غطت أرض المطاف و الطائفون حوله‏

أنظر: صورة رقم 34، مياه السيل و قد غمرت رحاب المسجد الحرام (1380 ه)

أنظر: صورة رقم 35، مياه السيل داخل المسجد الحرام‏

مجرى السيل بمكة

كان قديما ينزل السيل من جهة منى و من جهة حراء إلى مكة، فيمر بالمحصّب فالحجون، ثم ينزل إلى بطن الوادي من طريق المدعا أي من الموضع الذي كان يرى منه البيت الحرام، و كان هذا الموضع في عهده (صلى الله عليه و سلم) غير مرتفع، و لم يرتفع إلا بعد أن ردمه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه بالضفاير و الصخور العظام ليمنع السيل عن المسجد الحرام، و يسمى هذا الردم بردم بني جمح" بضم الجيم و فتح الميم".

فامتنع السيل من الدخول إلى المسجد الحرام من جهة المدعا بعد ردم عمر رضي اللّه عنه، لكنه يدخل من الشارع العام من سوق الليل و من جهة الغزة الذي يقع في يسار المدعا لمن يأتي من المعلا، إلى جهة المسجد الحرام و ينحدر منها إلى جهة المسفلة.

أنظر: صورة رقم 36، مياه السيل محيطة بالكعبة المشرفة

أنظر: صورة رقم 37، السيل بالمسجد الحرام‏

257

جاء في تاريخ القطبي المسمى" بالإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام" ما نصه: و لما ردم هذا المكان" أي مكان ردم عمر رضي اللّه عنه بالمدعا" صار السيل إذا وصل من أعلا مكة لا يعلو هذا المكان، بل كان ينحرف عنه إلى جهة الشمال للبناء الذي بناه عمر رضي اللّه عنه، فلا يصل هذا السيل إلى المسعى و لا إلى باب السلام إلى الآن، و صارت هذه الجهة من يومئذ إلى أثناء هذا مرتفعة عن ممر السيل، و صار السيل الكبير كله ينحدر إلى جهة سوق الليل، و يمر بالجانب الجنوبي من المسجد إلى أن يخرج من أسفل مكة.

و هذا سيل وادي إبراهيم، و يكاد يمنع جريان هذا السيل إلى مكة سيل آخر يعترضه يسمى" سيل جياد" و يمر عرضا إلى أن يصدم الركن اليماني من المسجد، و ينحرف إلى أسفل مكة، و قوة جريان هذا السيل يمنع من جريان سيل وادي إبراهيم، فيعقف و يتراكم و يدخل المسجد الحرام.

و يقع مثل هذه السيول بمكة في كل عشرة أعوام تقريبا مرة، فيدخل المسجد الحرام و يحتاج الناس إلى التنظيف و تبديل الحصا و نحو ذلك، و قد عمل المتقدمون و المتأخرون لذلك طرقا و اهتموا لذلك تمام الاهتمام، ثم اندثرت أعمالهم لطول الزمان، و لم يتفطن الملوك بعدهم لذلك، فاستمرت السيول العظيمة بعد كل مرة تدخل المسجد الحرام، و لسنا الآن بصدد شرح ذلك. انتهى ما قاله العلامة قطب الدين صاحب التاريخ المذكور.

نقول: إن ما ذكره القطب في تاريخه من أن السيول تدخل المسجد الحرام في كل مرة، هو مطابق للحقيقة الواقعة، فالعلامة قطب الدين توفي في سنة (988) ثمان و ثمانين و تسعمائة من الهجرة، فمن عصره بل من قبل عصره و السيول لا تزال تدخل المسجد الحرام إذا عظمت و قويت إلى عصرنا هذا، أي إلى سنة (1375) ألف و ثلاثمائة و خمس و سبعين هجرية.

ثم لما ابتدأوا بتوسيع المسجد الحرام في السنة المذكورة عملوا نفقا خاصا للسيول خلف المسعى من جهة الصفا تمر منه السيول و تخرج إلى المسفلة من جهة السوق الصغير، فلا تدخل المسجد الحرام، اللهم إلا ما يتجمع من مياه الأمطار النازلة عليه. فلما صدر أمر جلالة الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود بتوسعة المسجد الحرام، و باشروا العمل فعلا في أول سنة (1375) خمس و سبعين‏

258

و ثلاثمائة و ألف، جعلوا ممر السيل عن طريق الهجلة بالمسفلة تحت الأرض في نفق خاص لذلك.

عمل السدود بمكة

مكة شرفها اللّه تعالى و أدام أمنها و رخاءها، ليست في شكلها و صورتها كالبلدان الأخرى سهلة منبسطة، و إنما خلقها اللّه، عز و جل صخرية حجرية التربة، في أرضها انخفاض و ارتفاع، و بسط و انحدار، تكتنفها الجبال الصخرية الصماء، العاليات الشاهقات الشماء، و الكعبة المشرفة واقعة بالمسجد الحرام في وسط هذه الجبال في قلب مكة، تدور حولها البيوت اليوم من كل جانب في واديها و جبالها، و قد ارتفعت أرضها الآن عما كانت عليه قديما بنحو ثلاثة أمتار، بسبب ما تأتي به الأمطار و السيول من الأتربة و الأحجار و الرمال.

و إذا علمنا أن المسجد الحرام، و ما حوله، كان من أصل الخلقة منخفضا بوسط الجبال، و إذا علمنا أيضا أن مكة تنقسم إلى قسمين:

(الأول): المعلاة، و هي من المدعا و القشاشية إلى جهة الحجون فما فوقها إلى منى فعرفات، هذه الجهات عالية عن المسجد الحرام، لذلك تسمى عوالي مكة.

(الثاني): المسفلة، و هي من المسجد الحرام إلى جهتي بركة ماجن و الشبيكة فما بعدها إلى الشميس فجدة، هذه الجهات أسافل مكة، لذلك تسمى المسفلة.

إذا علمنا كل ذلك، عرفنا أن مياه الأمطار و السيول تنحدر من أعالي مكة من جهات منى و جبل حراء و الحجون و تنزل إلى وسط مكة و المسجد الحرام، حتى تخرج من المسفلة و ربما تصب إلى بحر جدة إن كانت كثيرة قوية. يقول الأزرقي بصحيفة 229 من الجزء الثاني من تاريخه:" و الجمار كلها تسكب في بكة، و بكة الوادي الذي به الكعبة". ا ه. و يقصد بالجمار الجمرات الثلاثة التي بمنى، أي أن سيل منى يسكب في بكة، و هو كلام صحيح إلى اليوم. و بطبيعة الحال تجرف هذه السيول كل ما تصادفه في طريقها من كل شي‏ء، كما أنها تهدم البيوت و المنازل و تحدث بالناس أضرارا جمة، و تسوق أمامها أتربة الوديان و وحولها، و أحجار الجبال و صخورها، و قد تحدث خرابا في مجاري المياه و العيون، لذلك كله يجب اتخاذ السدود و الحواجز لدى مجاري السيول و أماكنها، لعدم حدوث‏

259

الأضرار بالناس، و محافظة على بناء الكعبة و المسجد الحرام، فكم مرة هدمت الكعبة و حصل خراب بالمسجد الحرام بسبب دخول السيول.

و إليك بعض السدود التي حصلت:

1- سد خزاعة

و دخول السيل إلى قلب مكة معروف في الجاهلية و الإسلام، فمن سيول مكة في الجاهلية" سيل فارة"، فقد كان هذا السيل سيلا عظيما، و ذلك زمن خزاعة، فإنها كانت تلي أمر الكعبة، فقد أحاط بالكعبة و رمى بالشجر في أسفل مكة، و جاء برجل و امرأة ميتين، أما الرجل فلم يعرف، و أما المرأة فهي من بني بكر اسمها (فارة)، فلذلك نسب السيل إليها، فقيل" سيل فارة".

فعندئذ بنت خزاعة حول الكعبة بناء أداروه عليها و أدخلوا في هذا البناء حجر إسماعيل، و ذلك ليحصنوا البيت الحرام من السيول. فهذا البناء الذي عملته خزاعة لتحصين البيت، هو ما يقال له السد، و ربما كان هذا أول سد عمل بمكة.

(فإن قيل): لماذا بنت خزاعة هذا السد حول الكعبة فقط، و لم تجعله بأعلا مكة لتحصين مكة و بيوتها من دخول السيل؟

(نقول): في زمن خزاعة لم يكن الناس بكثرة في مكة، و أن خزاعة ما كانت تسكن حول الكعبة تعظيما لها، فكانت تسكن بين الجبال و الوديان، و من المعلوم أن بيوت العرب كانت من شعر أو من الأخبية التي هي من الوبر أو الصوف على عمودين أو ثلاثة، أو أنهم يسكنون بقرب الجبال أو في المغارات، فإذا ما شعروا بخطر أو أرادوا سفر طووا بيوتهم و أخبيتهم و حملوها على الابل و ساروا.

فما دامت حياتهم على هذه الصفة فهم في غير حاجة إلى تحصين البلدة و بيوتهم من السيل أو من غيره، مع العلم بأنه لم تكن لديهم من الأشياء الثقيلة ما لدينا نحن اليوم من نحو الفراش و الأواني و الصناديق و الدواليب.

2- سد عمر رضي اللّه عنه‏

و من السيول الشهيرة في الإسلام" سيل أم نهشل" و ذلك في خلافة عمر رضي اللّه عنه، فقد أقبل هذا السيل من أعلى مكة و دخل المسجد الحرام و اقتلع مقام إبراهيم (عليه السلام)، و ذهب به إلى أسفل مكة، كما ذهب بامرأة يقال لها أم‏

260

نهشل بنت عبيد إلى أسفل مكة أيضا و لذلك نسب السيل إليها فقيل سيل أم نهشل.

فلما بلغ خبر ذلك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، و هو بالمدينة، خرج فزعا فدخل مكة بعمرة في شهر رمضان، و ذلك سنة سبع عشرة من الهجرة، فأتى بالمقام و وضعه في مكانه الموجود فيه اليوم، ثم بعد فراغه من أمر المقام عمل الردم المعروف بردم عمر برأس المدعا، و بناه بالضفائر و الصخور و العظام و كبسه بالتراب و الأحجار، و هو الذي نقول له السد، فلم يعل هذا الردم سيل بعد ذلك مع كثرة ما جاء من السيول العظام، و دام هذا السد و لم ينكشف إلا في سيل ابن حنظلة، و ذلك سنة اثتين و مائتين.

فانظر رحمك اللّه تعالى إلى قوة سد عمر بن الخطاب، و مكثه هذه المدة الطويلة لا تخربه السيول و لا تعلوه، مع أنه كبسه بالتراب و الأحجار، بدون نورة و لا جص و لا إسمنت مسلح، و لا بناء بالآلات الفنية و المقاييس المبتكرة الحديثة، و ما كان عنده من المهندسين الفنيين المتخرجين من أوروبا و أمريكا، و إنما بناه بإخلاص النية و التقوى، و بناه بأيدي عمال خير القرون، رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين.

3- سد ابن الزبير

قال الأزرقي في تاريخه بصحيفة 239 من الجزء الثاني: و عند السويقة" و هي على فوهة قعيقعان" ردم عمله ابن الزبير حينة بنى دوره بقعيقعان ليرد السيل عن دار حجير بن أبي إهاب و غيرها، و فوق ذلك ردم بين دار عفيف و ربع آل المرتفع ردم عن السويقة، و ردم الخزاعيين، و دار الندوة، و دار شيبة بن عثمان. انتهى كلام الأزرقي.

4- سد معاوية بن أبي سفيان‏

ذكر الأزرقي ضفاير معاوية رضي اللّه عنه التي عملها عند دار أويس جهة سوق الصغير، و ذكره ضمنا بصحيفة 136 عند الكلام على سيل الجحاف.

261

5- سد عبد الملك بن مروان‏

و من السيول الشهيرة" سيل الجحاف" و كان ذلك في خلافة عبد الملك بن مروان سنة ثمانين من الهجرة في يوم التروية أي في اليوم الثامن من ذي الحجة، و قد نزل الحجاج في وادي مكة و اضطربوا الأبنية، فجاءهم السيل العظيم دفعة واحدة قبل صلاة الصبح، فذهب بهم و بمتاعهم و دخل المسجد الحرام، و أحاط بالكعبة و هدم الدور و الشوارع على الوادي، و قتل ناس كثير في الهدم، و رقى الناس في الجبال و اعتصموا بها، و جرف كل شي‏ء أمامه و ذهب به، فلذلك سمي" سيل الجحاف".

فكتبوا بذلك إلى عبد الملك بن مروان، ففزع لذلك، و بعث بأموال عظيمة إلى عامله بمكة يأمره بعمل ضفاير و حواجز للدور الشارعة على الوادي، و يعمل ردم على أفواه السكك يحصن به دور الناس من السيول، و بعث رجلا نصرانيا مهندسا في عمل ضفاير المسجد الحرام، و عمل ضفاير للدور الواقعة على جانبي الوادي، فنقلوا الصخور العظام على العجل، و كانت الإبل و الثيران تجر تلك العجل، حتى ربما أنفق في المسكن الصغير لبعض الناس مثل ثمنه مرارا، و لقد بقيت آثار السد و الردم الذي عمله عبد الملك إلى زمن الأزرقي كما صرح بذلك في تاريخه.

6- سد الحجاج بن يوسف‏

لا ندري أين عمل الحجاج بن يوسف السد، فقد ذكر الإمام الأزرقي في تاريخه بصحيفة 227 من الجزء الثاني أنه عمل الحجاج ثلاثة سدود تحبس الماء.

لكن لم نفهم شيئا من كلامه، فمن أراد الوقوف عليه فليراجع الصحيفة المذكورة.

7- سد خالد بن عبد اللّه القسري‏

لما أمر سليمان بن عبد الملك بن مروان خالد بن عبد اللّه القسري أن يجري عينا من الماء العذب تخرج من الثقبة و تظهر عند بئر زمزم بالمسجد الحرام، عمل خالد القسري ما أمره به سليمان بن عبد الملك، فأخرج الماء من الثقبة في بركة هناك‏

262

تسمى بركة القسري، و شق من هذه البركة عينا تجري إلى المسجد الحرام في قصب من الرصاص، ثم بعد ذلك بني سد الثقبة و أحكمه إحكاما.

و الثقبة، بفتح أوله و ثانيه و ثالثه، ثنية بأصل جبل ثبير جهة حراء، و بويع بالخلافة لسليمان بن عبد الملك في سنة ست و تسعين و مات في سنة تسع و تسعين.

و خالد القسري كان أمير مكة، و توفي في سنة مائة و خمس و عشرين تقريبا.

و هذا السد الذي عمله خالد القسري بقي إلى زمن المأمون، قال الأزرقي: و في خلافة المأمون جاء سيل أعظم من سيل ابن حنظلة في شوال سنة ثمان و مائتين و الناس غافلون، فامتلأ السد الذي بالثقبة، فلما فاض انهدم السد فاجتمعت السيول و جاءت جملة، فاقتحم المسجد الحرام و أحاط بالكعبة، و رفع المقام من مكانه خوفا عليه أن يذهب، فكبس المسجد و الوادي بالطين و البطحاء ... الخ.

نقول: ربما كان أصل السد القديم الموجود الآن عند حراء مبنيا في مكان هذا السد الذي عمله خالد القسري و اللّه تعالى أعلم.

و يظهر مما تقدم من أول هذا المبحث إلى هنا، أن عمل السدود ما زال يرتفع من ناحية المسجد الحرام شيئا فشيئا، حتى وصلت إلى ناحية جبل حراء كما هي في هذه الناحية إلى اليوم، و ذلك تبعا لامتداد بيوت مكة و عمرانها.

جاء في تاريخ الغازي نقلا عن بلوغ القرى في ذيل إتحاف الورى: و في سادس رمضان سنة (916) ست عشرة و تسعمائة، جاء أمر السلطان إلى الأمير باش خير الدين بك المعمار، بعمل السد الذي عند جبل حراء، حتى لا يدخل السيل مكة، و إن دخلها كان دخوله ضعيفا، و اسم السلطان قانصوه الغوري.

ا ه.

و جاء فيه أيضا في موضع آخر نقلا عن سلاح العدة:

و من مآثر الأمير شبكة سنجق و أمير بجدة الذي كان مستمرا فيها إلى عام إحدى و خمسين و تسعمائة بناء السد الذي عند جبل حراء. ا ه.

و جاء فيه أيضا: نقلا عن السنجاري في حوادث (1019) تسع عشرة و ألف: أن سليمان آغا ميرياخور السلطان محمد خان زاد في درج أبواب المسجد الحرام من الخارج حتى تمنع السيل من الدخول، كما أنه عمر الأماكن المأثورة.

انتهى من تاريخ الغازي.

263

نقول: و يفهم من نص ما أورد الغازي أن بناء السد الذي عند جبل حراء بواسطة الأمير باش خير الدين المعمار و بواسطة سليمان آغا ميرياخور السلطان محمد خان، إنما حصل في مكان السد القديم الذي كان قبلهما، لا أنهما عملا سدا جديدا، و نظن أن هذا السد هو نفس السد الذي عمله خالد بن عبد اللّه القسري، و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

8- سد أجياد

و يوجد إلى يومنا هذا سد قديم بأجياد، و يسمى سد أجياد، و هو سد معروف عمل في سفح الجبل ليرد السيل النازل منه إلى الشارع العام، و لولا هذا السد لكان السيل قويا من هذه الجهة.

و لا ندري متى بني هذا السد، و نظن أن بناءه يرجع إلى مائة سنة أو مائتين، و اللّه تعالى أعلم.

بقي علينا أن نقول: إن ما نراه الآن من السيل في داخل مكة، ليس بسيل قوي يخاف منه، لأنه لم يأتها من خارجها، لأن السيل بعد عمل السد جهة حراء إذا جاء إنما يتحول أكثره من السد المانع له من الدخول إلى ناحية جدة، و ربما يمشي حتى يصب إلى بحر جدة إذا كان قويا.

فالسيل الذي في داخل البلدة إنما يتكون من الأمطار النازلة على نفس مكة، و على ما في داخلها من الجبال، فتتكون مياه الأمطار مع جزء من السيل الآتي من جهة حراء مما يلي السد و تجري في الشوارع العامة حتى تخرج من المسفلة.

و يتكون السيل بمكة سريعا جدا من مياه الأمطار لأن تربة أرضها حجرية لا تشرب كثيرا من المياه، بخلاف البلدان الأخرى كمصر و الشام و العراق، فإن أراضيها الزراعية صالحة لشرب مياه الأمطار و ابتلاعها، و إذا كانت شوارع بعض البلدان مرصوفة مسفلتة كالاسكندرية، فإن مياه الأمطار تنصرف سريعا إلى البحر مع البلاليع و المجاري الخاصة بذلك.

" و للّه ملك السموات و الأرض يخلق ما يشاء".

264

المدغا و فيه ردم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لمنع السيول عن المسجد الحرام‏

المدعا: مكان معروف عال قريب من نفس المروة، و في المدعا عمل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه الردم المعروف باسمه، و بناه بالضفائر و الصخور العظام، صونا للمسجد الحرام أن تدخله السيول، فلم يعله سيل بعد ذلك، و يسمى هذا الردم بردم بني جمح، بضم الجيم و فتح الميم، و هم بطن من قريش نسبوا إلى جمح بن عمرو بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك.

و قال القطبي في تاريخه: أقول المراد بهذا الردم الموضع الذي يقال له الآن المدعا، و هو مكان يرى منه البيت أول ما يرى، و كان الناس يرونه خصوصا من يريد الحج من ثنية كداء، و هي الحجون، إذا وصلوا هذا المحل شاهدوا منه البيت الشريف، و الدعاء مستجاب عند رؤية بيت اللّه تعالى و كانوا يقفون هناك للدعاء، و أما الآن فقد حالت الأبنية عن رؤية البيت الشريف، و مع ذلك يقف الناس للدعاء فيه على العادة القديمة، و عن يمينه و يساره ميلان للإشارة إلى أنه المدعا.

قال مولانا القاضي جمال الدين محمد أبو البقاء بن الضياء الحنفي، في كتاب البحر العميق في مناسك الحج إلى بيت اللّه العتيق: أنه يرى في زمانه رأس الكعبة لا كلها من رأس الردم يعني المدعا، فإذا ظهر له يقف و يدعو و يسأل اللّه حوائجه، فإن الدعاء مستجاب عند رؤية البيت، و كان القاضي أبو البقاء بن الضياء المذكور من أواسط المائة التاسعة و وفاته في سنة أربع و خمسين و ثمانمائة.

و لا شك أن من عهد الصحابة، رضي اللّه عنهم، إلى زمانه، كان الناس يقفون و يدعون عنده لمشاهدتهم الكعبة، و لا أعلم هل وقف النبي (صلى الله عليه و سلم) أم لا؟

و كان ذلك المحل غير مرتفع في عهده، عليه الصلاة و السلام، و ما رفعه إلا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، بالردم الذي بناه، فارتفع عن الأرض، فصار البيت الشريف يشاهد منه حينئذ، فوقف الناس عنده بعد ذلك لمشاهدة البيت الكريم منه، و إنني أنظر في جميع عمري في المدعا يوقف فيه تبركا، فاللائق استمرار

265

وقوف الناس بهذا المحل الشريف، و الدعاء فيه تبركا بوقوف من سلف للدعاء فيه، و اللّه تعالى أعلم.

انتهى ما ذكره العلامة قطب الدين الحنفي في تاريخه.

نقول: الذي نراه في زماننا وقت تأليف كتابنا هذا و هو يوافق سنة (1378) من الهجرة، أنه لا يسن الوقوف لداخل مكة من جهة الحجون و المعلا عند رأس المدعا لأجل الدعاء فيه، لأن البيت الحرام لا يظهر من المدعا مطلقا لا كله و لا جزء منه، بسبب إحالة الأبنية الكثيرة التي بينه و بين المدعا، و حيث ان سنية الوقوف في المدعا لأجل الدعاء كانت من أجل رؤية البيت، فلا يسن الوقوف هناك للدعاء إذا لم يظهر شي‏ء من البيت عند حيلولة المنازل و الأبنية من رؤيته، هذا ما نراه و اللّه تعالى أعلم.

جاء في تاريخ القطبي: و لما ردم هذا المكان" أي المدعا" الذي ردمه عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، صار السيل إذا وصل من أعلا مكة لا يعلو هذا المكان بل ينحرف عنه إلى جهة الشمال للبناء الذي بناه عمر رضي اللّه عنه، فلا يصل هذا السيل إلى المسعى و لا إلى باب السلام إلى الآن، و صارت هذه الجهة من يومئذ إلى أثناء هذا مرتفعة عن ممر السيل، و صار السيل الكبير كله ينحدر إلى جهة سوق الليل و يمر بالجانب الجنوبي من المسجد إلى أن يخرج من أسفل مكة.

و هذا السيل وادي إبراهيم، و يكاد يمنع جريان هذا السيل إلى مكة سيل آخر و يعترضه يسمى سيل جياد، و يمر عرضا إلى أن يصدم الركن اليماني من المسجد و ينحرف إلى أسفل مكة، و قوة جريان هذا السيل، يمنع من جريان سيل وادي إبراهيم، فيعقف و يتراكم و يدخل المسجد الحرام.

و يقع مثل هذه السيول بمكة في كل عشرة أعوام تقريبا مرة، فيدخل المسجد الحرام و يحتاج الناس إلى التنظيف و تبديل الحصا و نحو ذلك، و قد عمل المتقدمون و المتأخرون لذلك طرقا، و اهتموا لذلك تمام الاهتمام، فاندثرت أعمالهم لطول الزمان.

و لم يفطن الملوك بعدهم لذلك فاستمرت السيول العظيمة بعد كل مرة تدخل المسجد، و لسنا الآن بصدد شرح ذلك.

266

نقول: و بالمدعا كان قبل خمسين سنة، أي قبل عام (1335) هجرية، يباع فيه السمن بالجملة، و كان السمن يوضع في القرب و تطرح في الشارع، فمن أراد شراء شي‏ء منه أخذ قربة من القرب و وزنها و اشتراها بما فيها و بالمدعا بجهة الحرم توجد دار أبي سفيان، التي تسمى مستشفى القبان، بتشديد الباء و فتح القاف، و بالفعل كان فيها مرضى و أطباء، و اليوم هي مخزن أدوية لوزارة الصحة. و نسبة المستشفى للقبان، نسبة إلى ميزان القبان، و هو ميزان خاص يوضع بوسط خشبة قوية و يثبت طرفه المتدلي بكيس الدقيق أو الرز أو الحب أو صفيحة السمن أو القربة و نحو ذلك، فيرفعها رجلان ثم ينظرون إلى رمانة الميزان فيعرفون بها مقدار وزن المرفوع.

أنظر: صورة رقم 38، ميزان القبان بالمدعى‏

لكن مع الأسف ليس بالمدعا اليوم شي‏ء من السمن و الجبن أو الحبوب، فسبحان مغير الأحوال. لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

ذكر بعض البساتين الموجودة بمكة المكرمة

البستان و الحديقة بمعنى واحد، و هو كما جاء في المنجد: أرض أدير عليها جدار و فيها شجر و زرع. ا ه. جمع الكلمة الأولى بساتين، و جمع الثانية حدائق.

و مكة حرسها اللّه تعالى و أدام عليها الأمن و الرخاء، لم تكن من أصل الخلقة ذات زروع و ثمار و مياه و أنهار، و إنما صارت في عصرنا الحاضر بفضل اللّه تعالى، و بسبب تطور البشر من حسن إلى أحسن في تقدم مستمر من جميع النواحي العمرانية، و من ذلك البساتين التي أنشئت فيها، و لنذكر هنا تسجيلا للتاريخ، فاللّه أعلم بما ستؤول إليه حالة مكة في المستقبل الآتي من الناحية الزراعية و العمرانية فنقول: تحيط بمكة البساتين الآتية و كلها في داخل الحرم، و هي:

(1) البستان الذي عمره خوجة قيني محمد بن حمود أفندي قاضي مكة المشرفة سنة (967) سبع و ستين و تسعمائة، ثم قدمة لخاتم سلطان بنت الوزير الأعظم رستم باشا و أمها والدة السلاطين خاصكي سلطان، و قد كان أصل هذا البستان سبيلا و حوضا ينتفع بهما الناس و البهائم على يمين الصاعد إلى المعلاة، بناهما بيرام خوجة الناظر على المسجد الحرام و ذلك سنة (850)، ثم صارا فيما بعد بستانا كما تقدم. ذكر ذلك القطبي في تاريخه.

267

أنظر: صورة رقم 39، بستان عين زبيدة بعرفات، المؤلف مع بعض شخصيات مكة

(2) بستان عثمان حميدان و كان في المعابدة، و عثمان حميدان هو وزير أمير مكة الشريف سعد حوالي سنة (1105) خمس و مائة و ألف، و كان بستانه كبيرا واسعا عامرا من كل الزروع و الثمار، و كان عثمان حميدان يقيم فيه كثيرا من المآدب و الضيافات للعرب و أصدقائه. انتهى من تاريخ الغازي من الجزء الثاني بصحيفة (251) بتصرف و زيادة، و لكن اليوم ليس لهذا البستان من أثر و لا خبر.

(3) بستان الشريف مسعود بن إدريس الذي توفي سنة (1040) أربعين و ألف، و كان بستانه في المعابدة أيضا عند حوض أبي طالب، ثم اشتراه دخيل اللّه العواجي، فسماه الناس بستان العواجي. و لم يبق اليوم لهذا البستان من أثر أيضا كما ذكره السباعي في تاريخه.

(4) بستان شيخ السادة بمحلة الهجلة بين الشبيكة و المسفلة، و شيخ السادة هو السيد إسحاق العلوي و كان في زمن الشريف عبد المطلب و الوالي كامل باشا و ذلك سنة (1270) سبعين و مائتين و ألف، كما ذكره السباعي في تاريخه، و لم يبق له أثر اليوم.

(5) بستان بركة ماجن، و هو بالمسفلة، بينه و بين المسجد الحرام أقل من اثنين كيلو متر، و نعتقد أنه أقدم بستان بمكة، لأن بركة ماجن، بركة قديمة غزيرة الماء يرجع عهدها إلى القرن الثامن للهجرة، و ربما كانت موجودة قبل ذلك، و لابد أن أطراف هذه البركة العظيمة كانت مزروعة بالخضار التي تمون مكة من قديم الزمن، ثم انتقلت ملكية الأراضي التي بجوار البركة من أناس إلى أناس إلى زماننا هذا، و اليوم لا زال هذا البستان عامرا بالزروع و يسقى من هذه البركة و لا ندري من الذي يمتلكه الآن.

قال الغازي في تاريخه نقلا عن تحصيل المرام: و من البرك بأسفل مكة، بركة يقال لها بركة الماجن. ا ه. أقول: هي الآن عمار ملآنة، و بجانبها بستان للشريف على بن المرحوم مولانا الشريف عبد اللّه يستقى منها، و قد رفع الشريف على جداراتها الأربع في سنة" لم تذكر السنة" بحيث لا يقدر أحد على النزول إليها، و كان الناس قبل ذلك ينزلون فيها، و يغتسلون منها، و كثيرا منهم كانوا يغرقون‏

268

و يعطبون فيها، و أما الآن فسلمت نفوس الناس عن الهلاك. و قد عمرت و نظفت هذه البركة في سنة ثمان و أربعين و ثمانمائة.

(قال ابن فهد): و في سنة ثمان و أربعين و ثمانمائة عمّر السيد حسن ناظر الاسكندرية البركة بأسفل مكة المعروفة ببركة الماجن، و أخرج ما كان فيها من التراب و رفع جداراتها الأربع. انتهى من تاريخ الغازي.

(6) بستان الوزير عثمان نوري باشا، والي مكة من قبل الدولة العثمانية التركية- كان في أوائل تولية الشريف عون إمارة مكة، و هو أول من أنشأ بستانا بمكة، و أباحه لأهلها يتنزهون فيه و أنفق عليه آلاف الجنيهات الذهبية. و كان بستانه مزدهرا بأنواع المزروعات، و كان بجرول، بينه و بين المسجد الحرام أقل من ثلاث كيلو متر، ثم حصل بينه و بين الشريف عون تنافر فسعى الشريف لدى السلطان حتى جاء الأمر بعزله و تخريب بستانه، فلم يبق له من أثر. و كان هذا حوالي سنة (1305) تقريبا سنة ألف و ثلاثمائة و خمس من الهجرة.

(7) بستان الشريف عون الرفيق، الذي تولى إمارة مكة سنة (1299) من الهجرة. ولد بمكة سنة (1256)، و توفي بالطائف سنة (1323). و البستان بجرول بينه و بين المسجد الحرام أقل من ثلاث كيلو متر، و كان عامرا بكل أنواع الثمار و المزروعات يضرب به المثل، أنشأه بعد بستان الوزير عثمان باشا نوري أي حوالي سنة (1310) تقريبا سنة عشر و ثلاثمائة و ألف، و قد بقي هذا البستان عامرا إلى سنة (1350) تقريبا، ثم خرب بتاتا حتى لم يبق فيه أثر للزروع مطلقا.

و قد اشترى أرضه من آل عون حضرة صاحب السمو الملكي الأمير متعب بن عبد العزيز آل سعود و سنتكلم عنه في آخر هذا الفصل.

(8) بستان الشهداء، واقع في طريق التنعيم بينه و بين المسجد الحرام أقل من خمس كيلو متر، و هو عامر إلى اليوم، و نظن أنه أنشئ من نحو أربعين سنة و لا ندري من يمتلكه الآن.

269

(9) بستان معالي الشيخ عبد اللّه السليمان، وزير المالية السابق، و قد أنشأه حينما بنى بيته الذي بجرول سنة (1353) تقريبا، بينه و بين المسجد الحرام نحو اثنين كيلو متر و هو عامر إلى اليوم.

(10) بستان معالي الشيخ محمد سرور الصبان وزير المالية و الاقتصاد الوطني حاليا، و هو واقع عند أم الدرج على طريق جدة، بينه و بين المسجد الحرام أكثر من أربعة كيلو متر، و هو بستان جميل حاو لجميع المزروعات، و قد بنى فيه معاليه مسكنا صغيرا لطيفا لراحته.

(11) بستان الشيخ عبد اللّه الكعكي. واقع بالمسفلة، بينه و بين المسجد الحرام نحو أربعة كيلو متر، و هو بستان عامر لطيف يقصده الناس للنزهة و ترويح النفس.

أنشأه المذكور في عام (1369).

انظر: الصور رقم 40، 41 و يرى المؤلف مع عبد الستار الهندي في بستان الشهداء

و الصورة رقم 42، و هي لأحد بساتين مكة.

(12) البستان الذي على يسار الذاهب من منى، و كان فيه عدة أبيار و غرس فيه كثير من الأشجار، حتى شجر التمر هندي. و الذي بناه و عمله و وقف عليه مسقافا بمكة، إما جاني بك الذي كان مشدا على جدة، أو أمير الترك بمكة شبيك الصوفي و طوغان شيخ الحرم و محتسبه كما هو مذكور بصحيفة (193) من تاريخ القطبي، فإننا لم نفهم كلامه حيث أنه كان مشوشا. انتهى.

راجع منظر 56، و هو صورة لبعض بساتين مكة. و منظر 57، و هو صورة لمحمد طاهر كردي في بستان بمكة.

هذه هي بعض البساتين الموجودة بمكة و اللّه تعالى أعلم عما سيحدث فيها من البساتين أيضا. أما البساتين البعيدة عن مكة، كبستان عرفة، فما نريد البحث و الكلام عنها. و لما كان بستان الشريف عون الرفيق مذكورا في كتب التاريخ، صار من اللازم علينا ذكره بصفة خاصة. و إليك الكلام عنه تفصيلا.

وصف بستان الشريف عون بمكة

الشريف عون الرفيق بن محمد بن عون، تولى أمر مكة سنة (1299) هجرية، و توفي بالطائف سنة (1323) هجرية. قال عنه البتنوني في كتابه" الرحلة الحجازية" أنه هو الذي أمر بتوسيع باب غار جبل ثور، الذي خيم على بابه‏

270

العنكبوت حينما آوى إليه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مع رفيقه أبي بكر، رضي اللّه عنه، عند هجرتهما إلى المدينة. و كان بابه لا يسع إلا نفرا واحدا يدخل منه زاحفا على بطنه. ثم قال: و أنه استقدم أتوموبيلا (سيارة) من أوروبا كان يركبه في طريق الطائف. ا ه. فعليه تكون سيارة الشريف عون هي أول سيارة دخلت الحجاز، و الثانية هي سيارة الشريف الحسين بن علي ملك الحجاز الأسبق، ثم دخلت السيارات بدون حساب. لقد أنشأ الشريف عون الرفيق بستانه الشهير بمكة شمال محلة جرول، و لم نعلم متى أنشأه، لكن المظنون أنه كان قبل وفاته بنحو عشر سنين، و اللّه تعالى أعلم. أخبرنا الشيخ حسن العشي أن الشريف عون صرف على بستانه هذا مائة و تسع و ستين ألف جنيه ذهبا، و ناهيك بقيمة الذهب في ذلك الوقت.

كان هذا البستان آية من الآيات و جنة من الجنات موضوعة بمكة، لم يسبق له نظير في ذلك العهد، و إليك وصفه التام الذي ذكره المرحوم إبراهيم رفعت باشا في كتابه" مرآة الحرمين"، فقد قال عن هذا البستان ما يأتي:

هو حديقة غناء بجهة جرول، مستطيلة الشكل، طول ضلعها البحري (270) مترا، و الغربي (180) مترا، و ارتفاع سورها المحيط بها متران، و في وسطها خزان للماء مربع الشكل طول ضلعه 61 مترا، و سمك حائطه من الأعلى ثلاثة أمتار و ربع، و ارتفاعة أربعة أمتار، و هي مبنى بالحجر الأزرق، و جدره من الداخل و الخارج مجصصة بالجير المخلوط بمسحوق الآجر، و يصعد إليه من الجهة الشمالية أولا على أربع درجات ثم بعدها 16 درجة عن اليمين و مثلها عن اليسار، و له سلمان الأربعة الأولى، و في آخر السلم درجة كبيرة في مستوى أعلى الخزان، و السلم مصنوع من حجر متين زادته الصنعه رونقا و جمالا. و في زوايا الخزان الأربع من الداخل درج منتظم على شكل ربع الدائرة، كل زاوية فيها 14 درجة، طول العليا منها متر، و السفلى ستة أمتار و نصف، و هذا الدرج للنزول منه إلى قاع الخزان، و في منتصف كل جدار من جدر الخزان بحذاء الأرض فتحتان، ارتفاع كل فتحة ثلاثة أرباع المتر في عرض نصفه، و لذلك لتصريف المياه منها إلى البستان. و هذا الخزان الكبير لا مثيل له في الأقطار الحجازية لهذا عنينا بوصفه، و بالبستان أيضا خزانان بينهما أربعة أمتار، ارتفاع كل منهما ستة أمتار، و بأعلى كل منهما فتحتان تقذفان المياه إلى بركة يشرب منها الناس‏

271

و يغسلون أوانيهم و ثيابهم منها، و ترى الماء حين نزوله أبيض اللون يمثل قطعا فضية تلاحق رميها، و إنه لمنظر جميل في بلاد قفرة، قلّت فيها المياه.

و المزروع من أرض البستان نحو الربع، و فيه شجر الجوافة و الجوز الهندي و البرتقال و الليمون و النخيل و العنب و الورد و البرسيم الحجازي و الكرنب و الكرات و الباذنجان و الطماطم إلى غير ذلك. و لا يفوتنا ذكر ما فيه من شجر الكادي، الذي يستخرج منه عطر الكادي، ذو الرائحة الجميلة، و شكل الشجر كالصبارة إلا أن طولها يفوق المترين و لها جذوع كثيرة ضاربة في الأرض، و ورقها عريض أشبه بسعف النخل من جانبه العريض و له شوك كثير.

و قد أذن لنا دولة الشريف عون بدخوله و الاستظلال بشجرة في ساعات القيلولة، و كان معسكرنا بحذائه و شدت طنب بعض الخيام بجداره، و قد تناولنا من الجوافة التي كانت به وقت لبثنا بمكة. انتهى من مرآة الحرمين.

و صاحب مرآة الحرمين إبراهيم رفعت باشا، (رحمه اللّه تعالى)، كان أمير الحج المصري ثلاث سنوات، و كان قومندان حراس المحمل، أي قائده، سنة واحدة و هي سنة (1318) كما ذكره بنفسه في أول كتابه المذكور، لذلك يقول هنا:

" و كان معسكرنا بحذائه و شدت طنب بعض الخيام بجداره".

و يقول المذكور في كتابه: إن أول بستان كان بمكة، البستان الذي أنشأه الوزير عثمان باشا نوري بالقرب من معسكر المحمل، و كان بستانا بهجة للناظرين، أنشأه و أباحه لأهل مكة يتنزهون فيه، و أنفق عليه آلاف الجنيهات فما كان من الشريف عون إلا أن سعى به لدى الخليفة فعزله و أمر بإزالة البستان الذي أنشأه. ا ه.

نقول: إن بستان الشريف عون المذكور، قد خرب الآن منذ سنوات عديدة، لا ماء فيه و لا شجر، و قد بني على جزء منه مستشفى للولادة، و في عام (1367) اشترى هذا البستان صاحب السمو الملكي الأمير متعب بن عبد العزيز من آل عون. فسبحان من بيده ملكوت كل شي‏ء.

و البركة التي في وسط هذا البستان هي متصلة بعين زبيدة، و بجوارها مقسم العين ليجري الماء إليها دائما، فكانت مملوءة بالماء على الدوام، و منها يسقى هذا البستان.

272

و البركة مربعة الشكل متساوية الأضلاع واسعة عظيمة لا توجد بركة بمكة إلى اليوم أعظم منها و لا أقوى منها في البناء، فطول كل ضلع من أضلاعها الأربعة (59) تسعة و خمسون مترا، و عمقها خمسة أمتار، و عرض جدرانها ثلاثة أمتار.

و في كل ركن من أركانها الأربعة درج نازلة إلى بطنها، و عدد درج كل ركن خمسة عشر درجة.

و أرض البركة من الداخل مفروشة بالطبطاب حتى لا تشرب الأرض الماء الذي بداخلها. و لقد اندثر هذا البستان ما عدا هذه البركة، فهي محفوظة إلى الآن كما هي سليمة صحيحة، غير أنه في هذه السنة (1377) سبع و سبعين و ثلاثمائة و ألف بدأوا في هدمها، و من شهر جمادى الأولى و إلى آخر رمضان من السنة المذكورة، لم يهدموا منها سوى جهة واحدة فقط، لقوة بنائها مع أنها مبنية بالنورة البلدية فقط و الحجارة الجبلية، و الحق أنها بناية تستحق الإعجاب و الفخر، فرحم اللّه من بناها و من اشتغل فيها. و قد اشتغلوا في هدمها نحو ثلاث سنوات حتى أتموا هدمها تماما و تساوت بالأرض، فسبحان مغير الأحوال و العادات.

هذا، و قد كثرت الحدائق في أطراف مكة المشرفة من بعد سنة (1375) تقريبا و لا داعي لإحصائها و ذلك لكثرة توفر المياه فيها، من العيون التي تمد عين زبيدة، فسبحان مغير الحال و الأحوال.

و مما يجدر ذكره، أن الناس بعد ما سكنوا في نواحي مكة المكرمة، و ذلك من سنة (1375) ألف و ثلاثمائة و خمس و سبعين هجرية، أي من ابتداء هدم البيوت و المحلات لتوسعة المسجد الحرام، ذهب كثير من الناس إلى أطراف مكة و نواحيها، و بنوا فيها منازل بالإسمنت على الطراز الحديث، و جعلوا في منازلهم حدائق، فصار كثير من المنازل و البيوت فيها حدائق و زروع لتلطيف الجو و تجميل المنظر، فكثرة الحدائق اليوم في المنازل في نواحي مكة المشرفة، راجعة لأمرين:

(الأول) اتساع الأراضي هناك، (و الثاني) كثرة المياه عندنا. فالحمد للّه رب العالمين.

الحجارات الطوال التي كانت بباب السلام سابقا

كانت على باب السلام قبل التوسعة السعودية حجارات طوال، ثم رفعت هذه الحجارة و أزيلت في أوائل سنة (1375) خمس و سبعين و ثلاثمائة و ألف‏

273

لتوسعة المسجد الحرام. و لقد ذكر الإمام الأزرقي هذه الحجارات الطوال بهذه الحكاية أيضا في تاريخه عند الكلام على الزيارة الأولى للمهدي في المسجد الحرام، و الظاهر أن ابن فهد نقل عن الأزرقي، ثم نقل الغازي عن ابن فهد رحمهم اللّه تعالى. و اشتهرت لدى الناس بأن هذه الأحجار كانت تعبد في الجاهلية. و لكن هذا غير صحيح، و إليك ما يؤيد ذلك.

جاء في تاريخ الغازي عند الكلام على أبواب المسجد الحرام، نقلا عن ابن فهد ما نصه: و كان يقال له" أي لباب السلام" باب بني عبد شمس. و يعرف بباب بني شيبة الكبير، و هو ثلاث طاقات، و فيه اسطوانتان، و في عتبة الباب حجارة طوال مفروش بها العتبة، و هي حجارة كانت فضلت مما قلع القسري لبركته التي يقال لها بركة البردية بفم الثقبة. و أصل ثبير كانت حول البركة مطروحة حتى نقلت حين بنى المهدي المسجد الحرام، فوضعت هناك. و من قال إن هذه الأحجار الطوال كانت أوثانا في الجاهلية تعبد، فهذا لا علم له. انتهى منه.

و جبل ثبير بقرب منى عند حراء، و هو الذي أهبط عليه الكبش الذي فدى به إسماعيل عليه الصلاة و السلام، و تقول العرب:" أشرق ثبير كيما نغير"، و قد فسره الأزرقي بقوله: أي أشرق بالشمس حتى ندفع من المزدلفة.

و قصة بركة خالد القسري، و هي كما ذكر الغازي في تاريخه نقلا عن ابن فهد، قال: كتب سليمان بن عبد الملك بن مروان، أن أجر عينا تخرج منه ثقبة من مائها العذب الزلال حتى تظهر بين زمزم و الركن الأسود، فعمل خالد البركة التي بفم الثقبة يقال لها بركة القسري، و هي قائمة إلى اليوم بأصل ثبير، فعملها بحجارة منقوشة طوال و أحكمها و أنبط مائها في ذلك الموضع، ثم شق لها عتب تسكب فيها من الثقبة، و بنى سدا للثقبة و أحكمه.

و الثقبة لشعب يفرع فيه وجه ثبير، ثم شق في هذه البركة عتب تجري إلى المسجد الحرام، فأجراها في قصب من رصاص حتى أظهرها في فوررة تسكب في فسقية من رخام بين زمزم و الركن و المقام، فلما أن جرت و ظهر ماؤها أمر المقري بجزر فنحرت بمكة، و قسّمت بين الناس، و عمل طعاما فدعي عليه الناس، و أمر مناديا فنادى: هلموا إلى الماء العذب، و اتركوا أم الخنافس" يعني زمزم". ثم أمر صائحا فصاح: الصلاة جامعة. ثم أمر بالمنبر فوضع في وجه الكعبة، ثم صعد

274

فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، احمدوا اللّه تبارك و تعالى، و ادعوا لأمير المؤمنين الذي سقاكم الماء العذب الزلال النقاح بعد الماء المالح الأجاج الذي لا يشرب إلا صبرا" يعني زمزم". قال: ثم يفرغ تلك الفسقية في شرب من رصاص، تخرج إلى وضوء كان عند باب الصفا، في بركة كانت في السوق فكان الناس لا يقفون على تلك الفسقية و لا يكاد أحد يأتيها، و كانوا على شرب ماء زمزم أرغب ما كانوا فيها، فلما رأى خالد صعد المنبر فتكلم بكلام يؤنب فيه أهل مكة. انتهى من الغازي.

و قد تولى خالد القسري إمارة مكة في عهد سليمان بن عبد الملك سنة (99) تسع و تسعين من الهجرة، كما كان تولاها قبل ذلك زمن الوليد بن عبد الملك.

و ذكر أيضا: أنه في سنة اثنين و ثلاثين و مائة رفع داود بن علي العباسي، أثر قدومه إلى مكة، الفسقية التي جعلها خالد القسري في ولايته لمكة بأمر سليمان بن عبد الملك، و قيل بأمر أخيه الوليد بن عبد الملك بين زمزم و الركن و المقام، و هدم البركة التي جعلها خالد أيضا عند باب الصفا، و صرف العين إلى بركة كانت بباب المسجد فسر الناس بذلك سرورا عظيما. انتهى منه.

و داود المذكور، هو الذي تولى إمارة مكة و المدينة و اليمن و اليمامة في السنة المذكورة من قبل السفاح.

و يظهر أن بركة القسري كانت كبيرة جدا، حتى كان فيها السمك، كما جاء ذلك في تاريخ الأزرقي حيث يقول في مبحث ما يؤكل من الصيد في الحرم، و ما دخل فيه حيا مأسورا، ما نصه:

عن ابن جريج أنه قال: سألت عطاء عن ابن الماء أصيد بر أو صيد بحر و عن أشباهه، قال حيث يكون أكثره صيدا. قال ابن جريج: و سأل إنسان عطاء و أنا حاضر عن حيتان بركة القسري، و هي بركة عظيمة في الحرم بأصل ثبير، فقال:

نعم و اللّه لوددت أن عندنا منها، و سألته عن صيد الأنهار و قلات المياه أليس من صيد البحر؟ قال: بلى، و تلا: هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا. انتهى من تاريخ الأزرقي.

و يقال لبركة القسري بركة البردى، بفتح أوله و ثانيه. و لقد ذكر الأزرقي أيضا بركة خالد القسري في تاريخه عند الكلام على ما عمل في المسجد من البرك و السقايات.

275

حمام الحرم‏

بمكة حمام مملوك و حمام غير مملوك، أما الحمام المملوك فأجناس مختلفة و أشكال متباينة يقتنيه الناس كما في البلدان الأخرى. و أما الحمام غير المملوك، فهو حمام الخرم الذي نعقد له هذا الفصل، و قد أطلق عليه" حمام الحرم" لكثرته، و عدم تعرضهم له بالصيد و الذبح لا في الحرم و لا في الحل، و إن كان يجوز أكله في الحل لغير المحرم.

و لهذا الحمام شكل خاص لا يختلف و خلقته لا تتغير و لا تتبدل، و لونه واحد لا يختلف ما دام من جنس نسله، أما إذا كان أحد الأبوين من حمام الحرم، و الثاني من الحمام المملوك، فإن لونه و شكله يتغير.

انظر: صورة رقم 43، حمام المسجد الحرام‏

و إليك وصف حمام الحرم: فمن رأسه إلى رقبته شديد الزرقة و البروق، و طرف جناحيه و ذنبه أسود، و باقيه أزرق يضرب إلى البياض، و في جناحيه مما يلي ذنبه خطان أسودان لا يوجدان في غير حمام الحرم، فهما له بمثابة" ماركة مسجلة" و شارة خاصة، و يقال لحمام الحرم حمام مكة و حمام رب البيت، و هو منتشر بالحجاز و بالأخص بمكة المشرفة، فإنها تكاد تكون موطنه و منبعه. أما في غير الحجاز، فقد يوجد بها نادرا، فقد رأينا منه بمصر قليلا، و يسمونه الحمام البري، و رأينا منه في بلد الموصل بالعراق. و هو في غير مكة لا يأوي كثيرا إلى المساجد، و إنما يكون مملوكا. و يقال إنه يوجد في بعض جهات الهند من هذا الحمام، بعضه مملوك، و بعضه وحشي يصاد، و كذلك يوجد منه في إيطاليا و غيرها من البلدان الإفرنجية.

و لقد تكلم بعضهم عن بدء وجود الحمام بمكة، كالإمام الأزرقي، فإنه قال، (رحمه اللّه تعالى)، إنه أول ما كانت بمكة حمام اليمام، حمام مكة الحرمية ذلك الزمان" أي زمان حادثة الفيل الشهيرة"، يقال إنها من نسل الطير التي رمت أصحاب الفيل حين خرجت من البحر في جدة. هذا ما ذكره الأزرقي عن بعض المكيين.

276

لكن نحن نرى أن كل ما ذكروه، إنما هو من باب الحدس و التخمين، فإن الكلام عن بدء وجود أي حيوان في بلدة ما، لابد من استناده إلى دليل قاطع و برهان ساطع، حتى لا يتطرق الشك و الاحتمال إليه.

نعم يمكننا أن نقول: إن الحمام مطلقا أي الحرمية و غير الحرمية، كان موجودا بمكة أيام الجاهلية، أما كون حمام الحرم متى نشأ بمكة، و متى جاء إليها، و هل هو من نسل الطير التي رمت أصحاب الفيل، أو من نسل الحمامتين اللتين عششتا على غار ثور حينما اختبأ فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مع صاحبه أبي بكر الصديق، رضي اللّه عنه، فكل ذلك لا يعلمه إلا اللّه سبحانه و تعالى.

و لما كان الدين الإسلامي الحنيف منع الصيد في الحرم، صار هذا الحمام لا يخاف من الناس، بل يقرب منهم، و ربما وقع على رأس بعضهم أو كتفه إذا كان في يديه حب يلقيه إليه. و كان ابن عمر يغشاه الحمام على رجله و طعامه و ثيابه فلا يطرده، و أن رجلا قال لعطاء: اجعل بيضة دجاجة تحت حمام مكة، قال:

لا، أخشى أن يضر ذلك بيضها. و قتل غلام من قريش حمامة من حمام الحرم، فقال ابن عباس: فيها شاة.

فهذا مما جعل حمام مكة لا يستوحش من الناس، و ياليته ابتعد عنهم بعد الصقر و الغراب، فقد تضرروا منه ضررا بليغا، فإنه يدخل عليهم في منازلهم و يقع على طعامهم و يلوث بذرقه الأرض و الفراش، و كلما طردوه رجع إليهم ما دام يرى عندهم ما يؤكل. و هو يرى كثيرا في طريق مكة و جدة، حيث يركب فوق الجمال المحملة بالحنطة و الحبوب، و يخرق أكياسها بمنقاره القوي، و لا يطير حتى يشبع.

و قد لا حظنا على حمام الحرم فقط بمكة جملة أمور، منها:

(1) أن حمام الحرم لا يألف حماما من غير جنسه و لا يتزاوج منه إلا إذا حبس شخص حمامة من حمام الحرم يشارك المملوك في أكله و شربه، إذا وجد إلى ذلك سبيلا بخلاف العكس.

(2) حمام الحرم أشد منهما و أكثر أكلا من الحمام الآخر، و إذا طرد حين يأكل فلا يطير سريعا و يرجع حالا إذا طار.

277

(3) حمام الحرم أعظم نشاطا و أسرع حركة من الحمام المملوك سواء في طيرانه، وحدة نظره، و خصامه مع جنسه، و انقضاضه لالتقاط الحبوب، فلا تفوته الفرصه قط.

(4) إذا نثر أحد حبوبا في المسجد الحرام أو في أي مكان تجد حمام الحرم يسقط لالتقاطها بالآلاف من غير عدد و لا تجد بينها حمامة واحدة من غير جنسه.

(5) إذا نثر شخص حبوبا أياما متوالية في مكان مخصوص و في وقت معلوم، فإن حمام الحرم يأتي إلى ذلك المكان في نفس الوقت المحدد على الدوام.

(6) حمام الحرم إذا بنى عشه لبيضه و فراخه، لا يبنيه في الخرابات و الجبال، و إنما يبنيه في وسط العمران و منازل الناس، و فوق الأبواب و الطاقات، و بين الفجوات.

(7) حمام الحرم له شكل خاص و خلقة ثابتة لا تتغير و لا تتبدل على ممر السنين و الأعوام، ما دام محافظا على نسل جنسه. أما إذا سافد غير جنسه من الحمام الأبيض أو الملون، فإن شكله يتغير بدون شك، كما ذكرنا في أول الكلام.

بهذه الأمور يمتاز حمام الحرم عن غيره، و يشترك معه في الصفات الخاصة بمطلق حمام، كاتخاذه زوجة واحدة، و غيرته على أنثاه، و هيامه بها، و شوقه و حنينه إليها ... الخ.

ما جاء في كتاب الرحلة الحجازية عن حمام الحرم أيضا

و يقول الأستاذ محمد لبيب البتنوني المصري، (رحمه اللّه تعالى)، عن حمام المسجد الحرام في كتابه" الرحلة الحجازية" ما نصه: حمام الحرم المشهور بحمام الحي يملأ سطوح المسجد الحرام و منافذه و طاقاته، فتجده معششا هنا و هناك، و يجتمع زرافات في جهات كثيرة من صحن الحرم، و على الخصوص في الجهة الشرقية، و له فيها مكان مخصوص فيه أحواض لشربه، و بجواره مكان يلقى فيه حب القمح المرتب له في أوقات مخصوصة. و كثيرا ما تراه في الجهة الغربية، حيث يوجد غير واحدة من فقراء القوم يبعن حب القمح للحجاج و الزوار بقصد إلقائه إلى جيوش هذه الحمامات المستأنسة، التي تكاد ترفرف على رؤوس الناس، لأنها لم تعرف منهم في حياتها إلا كل لطف و أنس. و ليست هذه الخصيصة قاصرة

278

على نوع الحمام، بل كل حيوان دخل الحرم فهو آمن، حتى ذهب بعضهم إلى عدم قتل الحية أو العقرب في الحرم، احتراما له و إكراما لها فيه. و انفراد الحمام بوجوده في الحرم لا أظنه إلا لسهولة أنسه، و قلة جفائه. و من أغرب ما يروى عنه أنه مع كثرته في الحرم، لم يشاهد منه شي‏ء على الكعبة إلا نادرا جدا. و في الجهة الشرقية من مكة، تحت جبل أبي قبيس، بئر يقال لها بئر الحمام، يجتمع عندها كثير منه ليشرب بحرية، ثم يذهب إلى حيث أراد. و هذه البئر قديمة جدا، و أظنها من زمن الجاهلية. كما أني أظن أن احترام الحمام هنا أيضا من زمن بعيد. و على كل حال فهو مكرم للبيت، سواء قبل الإسلام و بعده. و القول بأنه من نسل تلك الحمامة التي عششت في الغار على النبي (صلى الله عليه و سلم)، إنما يزيد في احترامه و إعظامه. و ليس الحمام بمحترم فقط هنا، بل هذه عادة قديمة جدا فبنو نوح كانوا يكرمونه لأنه أول من بشرهم بظهور اليابسة مدة الطوفان. و احترامه عند النصارى يقرب من درجة التقديس، لأنه يمثل عندهم روح القدس، و يقولون أنه عندما كانوا يغسلون المسيح في نهر الأردن، و هو صغير، جاءت حمامة و حطت على رأسه، لذلك يرسمونها في كنائسهم، و على صورهم الدينية بكثرة.

و من هذا ترى الحمام قد أطلقت له الحرية في كنائس القوم في أوروبا، و خصوصا في كنائس إيطاليا و النمسا و بعض كنائس فرنسا، و قد تعدى هذه الكنائس إلى منافذ المساكن و أسطحتها و أشجار الشوارع العمومية و بساتينها. فإذا ذهبت إلى فينا أو روما مثلا وجدته هنا و هناك في كل مكان من غير أن يؤذيه أي إنسان، و أثر هذه العقيدة باق في الحمام الذي لا يزال في مدينة القسطنطينية إلى يومنا هذا، و تراه على الخصوص في مسجد با يزيد و مسجد أبي أيوب الأنصاري. غير أن أهل الآستانة قد بالغوا في إكرامه حتى حرموا ذبحه، منهم لا يأكلونه أبدا سواء في ذلك مسلموهم و نصاراهم و يهودهم.

أما ما ذكر من أن المسلمين يعتقدون أن حمام الآستانة من ذرية حمام الغار، الذي يقولون عنه أنه كان يخبر الرسول بجميع ما كان يفعله المشركون، فإنه لا أصل له عندهم، كما أن لا أصل في دينهم لتلك المأمورية التي كان يؤديها حمام الغار. و الشيعة من العجم يعتقدون مثل هذا الاعتقاد في حمام الحرم، و يزعمون أنه هو الذي أخبر أهل المدينة المنورة بقتل الحسين، رضي اللّه عنه، و الصينيون يستعملون الحمام من زمن بعيد في استكشاف بختهم على مثل ما يستعمله بعض‏

279

الأروام الآن في طرقات مصر، فيأتون للحمام بطبق فيه جملة أوراق مطوية مكتوب فيها شي‏ء من الخير و الشر، فتأتي الحمامة و تستخرج بمنقارها واحدة يكون منها فألهم، و يسمون هذه الحمامة باك- كوب- بن، يعني الحمامة ذات الورقة البيضاء.

و لقد كان الحمام عند الساميين هو الحيوان المقدس للإله غشطورت، و كان عند الفنيقيين و اليونانيين و السوريين يمثل السماء و النجوم. و أظن أن احترامه عند العرب في الجاهلية لم يأت إلا من هذا الطريق. و لذلك كانوا يضعون تمثال حمامة داخل الكعبة بجوار تمثال هبل. و لقد ورد في سيرة ابن هشام عن صفية بنت شيبة، أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لما نزل مكة بعد الفتح و طاف بالبيت، دعا عثمان بن طلحة و أمره بفتح الكعبة، فلما دخلها، وجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده ثم طرحها. على أنا لو صرفنا النظر عن كون الحمام لطيفا في شكله، أنيسا في نوعه، جميلا في صورته، نظيفا في لباسه، يمثل في عائلته المحبة الحقيقية و الشفقة الحسية، فإنا نرى فيه درسا عائليا كبيرا، نرى الذكر منه مع أنثاه يعملان لحياتهما و حياة عائلتهما عمل المجدين المجتهدين، حتى إذا فرغا من واجبهما الأهلي تفرغا إلى حياتهما الزوجية، فتراهما بين توامق و تعاشق و تعانق، لا ينفصلان إلا ليتصلا و لا يفترقان إلا ليجتمعا، في جلابيب جمال، و أساليب دلال، مما لا يرى له مثال، في زوجين من غير نوعهما على كل حال، على أن الحمام له على الإنسان خدمة تذكر فتشكر: فقد كان من القرن الثامن قبل المسيح إلى منتصف القرن التاسع عشر يؤدي وظيفة التلغراف بين الأمم المختلفة، حتى أعلن مرسي و وطسون سنة 1844 م تلغرافهما الكهربائي، الذي لا يشك أحد في أنه أفاد العالم بأسره فائدة جسيمة، و كان من أكبر الأشياء التي ساعدت على التمدن العصري و انتشاره بسرعة، و لكن هل هذه الفوائد الجسام تنسينا فضل ذلك الحمام؟

و لتكملة الفائدة نقول لك: إن أول من استعمل الحمام في الزجل، هو رجل من جزيرة أوجين (من جزر اليونان)، أتى في سنة 776 قبل المسيح إلى آثينا ليحضر الألعاب الأولمبية، و استحضر معه حمامة كانت عنده أخذها من بين أفراخها. فلما برز في هذه الألعاب أرسل الحمامة فذهبت إلى عشها، و في قدومها علم أهل الرجل بنجاحه في مأموريته. و من ثم استعمله اليونان و الرومان و العرب‏

280

و المصريون في مراسلاتهم. و كان لمصر، و خصوصا زمن الأيوبيين و الفاطميين مصلحة للرسائل، و كان بها في كل جهة بيت للحمام، و كله غريب من جهات متعددة، فكانوا إذا أرادوا إرسال مكتوب إلى أي مكان، أرسلوه على جناح حمامة مأخوذة من هذه الجهة. إلا أنهم كانوا يرسلون الخبر من صورتين على حمامتين بعد الذي حصل في حصار الفرنجة لعكا، ذلك أن المسلمين في عكا، أرسلوا رسالة إلى صلاح الدين الأيوبي بواسطة حمامة من حمامهم فتتبعها طير جارح و ضربها، فسقطت في معسكر العدو الذي عرف منها مواقع الضعف من عدوه. و لعلك تذكر لما نزل لويس التاسع ملك فرنسا إلى دمياط سنة 1270 م، و سار بجنده إلى المنصورة، أخذ ملك مصر الملك الكامل خبره بواسطة الحمام الزاجل، فسير إليه جيوشه لوقفه فأوقفه عند حده، و كان ما كان من انهزام جنوده عند المنصورة، و أسر لويس و سجنه بها، إلى أن تم الصلح بينه و بين ملك مصر، فأطلقه و سافر إلى تونس و مات بها. و في حبسه يقول بعضهم:

قل للفرنسيس و إن أنكروا* * * حبس لويس في مقال صحيح‏

دار ابن لقمان على حالها* * * و القيد باق و الطواشي صبيح‏

و الحمامة تقطع في طيرانها من سبعين إلى ثمانين كيلو مترا في الساعة، و لها صبر على الجوع جملة أيام، و لكنها لا تصبر على العطش.

و كان لهذا الحمام في حصار ألمانيا لباريس، بين سنتي 1870 و 1871 أكبر فضل في ربط أجزاء المملكة الفرنساوية بعاصمتها.

و ربما كانت هذه الحكومات قد قضت أن لا يمس جنس الحمام بسوء، حتى لا يكون نوع الزاجل منه عرضة لأذى الصيادين و خلافهم، فيؤدي مأموريته و هو في غاية الهدوء و الطمأنينة.

و لقد كان عباس باشا الأول، والي مصر، رجع إلى تربية هذا الحمام و استكثر من أنواعه. و لكنه مات، (رحمه اللّه)، قبل أن يتم غرضه. و أخذ بعض ذوات القاهرة عنه هذه الفئة، و لكنهم اختصروا على تربيته و تطييره في محيط ديارهم، و قد يعلمه بعضهم الصبر على الطيران حتى إذا التحم بحمام غريب طار معه إلى أن تنفذ قواه، ثم يرجع به إلى صاحبه، الذي يكون فرحه به لا يقدر. و للحمام عندهم أسماء مختلفة فمنها: الجزغندي، و الريحان، و المزرزر، و القزازي، و الأبلق، و العنبري، و الفزار، و العشاقي و غيرها، إلا أن هذه الفئة لم تقف عند أفنية الأغنياء

281

بل تعدتهم إلى الفقراء، و هم إلى الآن يضيعون فيها وقتهم الذي هم و عيالهم في حاجة إليه لعمل حيوي مفيد. و لقد شاهدت في بستان سراي يلدز الداخلي، بعد خلع السلطان عبد الحميد، دارا كبيرة من السلك و فيها ما لا يحصى من أنواع الحمام، و هو من جمال الخلقة بمكان عظيم. و ربما كان يتسلى به في سجنه الذي قضى على نفسه به طول حياته، سامحه اللّه. انتهى من كتاب الرحلة الحجازية.

وقوع الحمام على الكعبة المعظمة

كثير من الناس يظن أن حمام مكة لا يعلو الكعبة المشرفة حرمة لها، و إن وقع عليها فإنما ذلك للاستشفاء من مرض أصابه. فهذا الظن في غير محله، لأن حمام الحرم قد يقع على الكعبة في النادر كما نشاهده، أما غيره من الحمام الأبيض و بقية الطيور، فلا يقع على الكعبة مطلقا، بل لا يأتي المسجد الحرام على سعته، و السبب في عدم وقوع الحمام على الكعبة المعظمة بكثرة هو ما يأتي:

(1) أن الحمام يتطلب العلو و الكعبة المشرفة بالنسبة لما حولها من البيوت قصيرة.

(2) جميع الطيور من الحمام أو غيره، لا يحب الجلوس على سطح مستو ناعم مفروش بالرخام، إلا إذا كان فوقه حب فيأكله و يطير، و إنما يحب الجلوس على ما برز من الأخشاب و الأعواد و الحجارة و الشرفات و الأغصان الممدودة و غيرها من كل ما يمكنه أن يستمسك عليه بمخلبه، كما يحب المشي و الوقوع على التراب، و الكعبة ليس بها شي‏ء بارز يستمسك عليه، بل إنها مغطاة بالكسوة الحريرية، و سطحها مفروش بالرخام الأملس معرض لحرارة الشمس المحرقة، و ليس عليه حبوب حتى يلتقطها الحمام، أما ميزابها فالحمام يقع أحيانا لبروزه.

(3) الحمام من طبعه أن يدخل في كل فجوة و في كل خرق بين الشبابيك و الجدران، و ليس في الكعبة شي‏ء من ذلك يجلب إليها الحمام.

انظر: صورة رقم 44، الكعبة و فوق سطحها حمامة، و حمامتان طائرتان فوقها

و أما قولهم إذا شاهدوا حمامة فوق الكعبة أنها ما وقعت عليها إلا للاستشفاء، فهو غير صحيح و غير معقول لما يأتي:

282

(1) أن جميع الحيوانات لا يعقلون، فكيف نسند إليهم طلب الاستشفاء، و أيضا أنهم غير مكلفين، فكيف نقول أن الحمام لا يعلو الكعبة حرمة لها، ثم من أين لنا أن نحكم بذلك و نحن لا نفهم لغتها، و هي لا تفهم لغتنا؟

(2) لو كان وقوع الحمامة فوق الكعبة للاستشفاء، يكون معناه أنها عرفت قدسية الكعبة و شرف المكان، فكيف إذا ترمي ذرقها عليها و على كسوتها و على أرض المسجد الحرام؟

(3) لو كانت الحيوانات تعرف حرمة الكعبة فكيف إذا كانت القطط تصيد الحمام من المسجد، ثم تدخل في جوف الكعبة فتأكله و تتلوث أرضيتها الطاهرة بدمه و ريشه، و ذلك حينما هدمها السيل سنة 1039 هجرية و قبل أن يشرع السلطان مراد في عمارتها، و قبل أن يجعل أمير مكة يومئذ ستارة من الخشب و غيره حول ما سقط من البيت الشريف مؤقتا إلى أن تتم عمارته، كما ذكره الغازي في تاريخ إفادة الأنام، نقلا عن رسالة للشيخ محمد علي ابن علان الصديقي الشافعي، في عمارة البيت الحرام.

و لقد روى الإمام الأزرقي أن الحمام كان يقع على الكعبة فتتناثر حجارتها، و ذلك حينما احترقت أيام ابن الزبير رضي اللّه عنهما.

(4) إذا دقق الإنسان النظر في علو ثوب الكعبة مما يلي سطحها لوجد عليه كثيرا من ذرق الحمام، فلو عقل الحمام حرمه الكعبة، لما رمى بذرقه على ثوبها.

فعلم مما ذكرناه أن ما يشاع لدى الناس بأن حمام الحرم لا يعلو الكعبة المشرفة و إن علاها فإنما هو للاستشفاء وهم لا حقيقة له، و دعوى لا دليل عليها. و لقد شاهدنا بأنفسنا جلوس الحمامة على بيضها في طيات ستارة باب الكعبة حتى أنها لتأتي بالقش لتبيض فوقه و تفرخ، و لولا أن السيد محمد نوري الذي يخيط الكعبة لا يترك بيض الحمامة على ستارة باب الكعبة، لشاهد الناس فراخها على الستارة.

تنظيف المسجد الحرام من الحمام‏

لم يتخذ الحمام المسجد الحرام مسكنه و مأواه في صدر الإسلام، حيث كان صغيرا، و لم يكن له سور و لا سقف، أما الآن، ففي المسجد الحرام من الحمام ما

283

لا يحصى و لا يعد، لا تساعه العظيم و لكثرة ما فيه من الأروقة و الشرفات البارزة و الأعواد الممدودة و الفجوات العديدة، و الذي يغلب على الظن، أن الحمام لم يستوطن المسجد الحرام إلا في عهد الدولة العثمانية، حيث أنها خصصت له كل عام كمية كبيرة من الحبوب تنثر له في أرض المسجد و لا يزال الناس إلى اليوم يرمون له الحبوب فيه، خصوصا الحجاج، فأصبح المسجد الحرام مرعى خصبا للحمام فيه الأمن و الطعام و الماء و المسكن.

و من المؤلم حقا أن نرى هذا المسجد الأعظم الذي هو أفضل المساجد على الإطلاق، و الذي فيه أول بيت وضع للناس، و فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ملوثا بذرق هذا الحمام، و مستقذرا بخرئه النجس في بعض المذاهب حتى كاد أن يتعذر فيه المشي و الصلاة، فتضايق الناس منه، و قد ينبعث من المسجد رائحة كريهة بسبب خرئه إذا نزل المطر و لو كان قليلا، و كم سمعنا من كبار الحجاج و أعيان الوافدين إلى بيت اللّه الحرام الشكاية من هذه الحالة، و هم يقولون لنا: أفلا تجدون لتنظيف المسجد الحرام من وساخة الحمام و غيره من علاج، و العالم في تقدم سريع مستمر نحو كل ما يهم الإنسان و ينفعه.

و لئن مضى على هذا الحال زمن طويل فقد آن الأوان إن شاء اللّه تعالى للعمل على تنظيف المسجد الحرام من الحمام، كما آن الأوان في توسعته هذه التوسعه الكبرى. لذلك نتقدم بهذا الاقتراح الآتي لترحيل الحمام من المسجد الحرام، أعظم مساجد الدنيا و أشرفها، و هو أن ترحيل الحمام منه يكون بالطرق الآتية:

(1) منع الناس و الحجاج من رمي الحبوب داخل المسجد بصورة صارمة حازمة.

(2) التنبيه على خدمة المسجد بطرد الحمام من المسجد، بأن يمسك كل فرد منهم بجريدة من النخل فيطوفون بأنحاء المسجد لطرده و تنفيره في كل وقت.

(3) تخصيص كيس أو كيسين من الحبوب يوميا ترمى للحمام خارج بلدة مكة، إما على طريق جدة أو على طريق عرفات، مع جعل أحواض تملأ بالماء في تلك الجهات، فإن الحمام تأوي إلى نفس المكان الذي تجد فيه الماء و الطعام. قال الشاعر:

و الطير يسقط حيث يلتقط الحب‏* * * و تغشى موائد الكرماء

284

(4) بناء مئات الأبراج للحمام خارج مكة في الموضع الذي فيه الماء و الطعام، لتأوي إليها ليلا و نهارا.

هذه الوسائل الأربعة، لو عملنا بها، لرحل الحمام عن المسجد الحرام بطوعه و اختياره، و بسلام و أمان، بدون ضرر و لا إضرار، و استراح الناس من أذاه، نيحمدنا العالم الإسلامي الذي يحج إلينا في كل عام، و يصلى بالمسجد الحرام، إلى قيام الساعة. فحبذا لو قامت مديرية الأوقاف المشرفة على شؤون المسجد الحرام بطرد الحمام منه، من غير وصول ضرر إليه، بالكيفية التي ذكرناها، و بذلك يستريح الناس من أذاه، و ينظف المسجد العتيق المكرم من و ساخته، و يصان من قذارته. فإن المساجد بيوت اللّه يذكر فيها اسمه، فحقها التنظيف و التجمير و التطهير و التبخير، و أحرى بذلك المسجد الحرام.

و اعلم أنه لا حرج في طرد الحمام و نحوه للمصلحة العامة أو الخاصة، ففي القاعدة الفقهية" الضرورات تبيح المحظورات"، فيجوز طرد الحمام و نحوه من بقعة في الحرم إذا تضرر منه الإنسان، بشرط أن لا يحصل للحمام و نحوه تلف في نفسه أو بيضه أو فرخه، فإن حصل في إطارته و طرده تلف له ضمن ذلك بالجزاء المعروف في كتب الفقه، بدون أن تقع عليه حرمانية، أما إذا طرده الإنسان من غير أن يتضرر منه فتلف بسببه حرم عليه ذلك و عليه الجزاء أيضا.

فقد جاء في كتاب" القرى لقاصد أم القرى" تأليف الحافظ الطبري، عن مالك بن دينار، قال: دخلت على مجاهد، بيته مكة، فرأيت في يده سعفة يطرد بها الحمام. أخرجه سعيد بن منصور. و جاء فيه أيضا عن نافع بن عبد الرحمن، أن عمر دخل دار الندوة فعلق زاده، فوقع عليه طائر، فخاف أن ينجسه فطيره، فنهشته حية، فقال: أنا طيرته حتى نهشته الحية، فسأل من كان معه أن يحكموا عليه، فحكموا عليه بشاة. أخرجه الشافعي.

و روى الإمام الأزرقي، عن عبد اللّه بن نافع، عن أبيه، قال: كان ابن عباس يرخص أن يكشكش للحمام. و روي أيضا عن مجاهد، قال: أمر عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، بحمامة فأطيرت فوقعت على المروة، فأخذتها حية، فجعل فيها عمر شاة. قال: و أمر عثمان، رضي اللّه عنه، بحمامة فأطيرت من واقف، فوقعت على واقف فأخذتها حية، فدعا نافع بن الحارث الخزاعي فحكما فيها عنزا عفراء. ا ه.

285

فهذا دليل واضح على جواز طرد الحمام و نحوه في الحرم من غير أن يطرد إلى خارجه، و من غير أن يلحقه أذى و لو لم يكن ذلك جائزا لما رخص ابن عباس أن يكشكش للحمام، و لما أمر عمر و عثمان بإطارته، أما كوننا ضممنا الحمامتين بشاة و عنز فلموتهما بسبب الإطارة، فطرد الحمام شي‏ء، و تلفه شي‏ء آخر، فحكم الأول الجواز، و حكم الثاني الجزاء. قال العلامة المحقق الشيخ عبد الغني بن ياسين اللبدي النابلسي الحنبلي، (رحمه اللّه)، في كتابه" دليل الناسك لأداء المناسك" ما نصه: و يسن قتل كل مؤذ مطلقا، أي لمحل و محرم في الحل و الحرم، فعلى هذا إذا حصل الأذى من الحمام الموجود في مكة المكرمة في بعض البيوت، فإنه يكثر ذرقه و يوسخ بعض الأماكن، بحيث يعجز أصحابها عن إزالة ذلك لكثرته و دوامه، و لا سيما عند من يرى نجاسة ذلك. فالظاهر جواز طرده، فإن لم يزل بالطرد، فله قتله أو مسكه و ذبحه و هل يجوز أكله حينئذ محل نظر، و اللّه تعالى أعلم، انتهى كلامه.

رمز الحمام‏

و يرمز الناس إلى السلم و السلام بصورة الحمام، و يقولون عنه أنه رسول السلام، و لم نجد لهذا علة نستأنس إليه، إلا ما رواه الإمام الأزرقي، الذي توفي في القرن الثالث للهجرة، فقد قال في الجزء الأول من تاريخه ما يأتي:

عن عكرمة، عن ابن عباس، رضي اللّه عنهما، قال: كان مع نوح، عليه الصلاة و السلام، في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم، و أنهم كانوا أقاموا في السفينة مائة و خمسين يوما، و أن اللّه تعالى، وجّه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوما، ثم وجهها اللّه تعالى إلى الجودي، قال: فاستقرت عليه.

فبعث نوح (عليه السلام)، الغراب ليأتيه بخبر الأرض، فذهب فوقع على الجيف و أبطأ عنه، فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون و لطخت رجليها بالطين، فعرف نوح (عليه السلام) أن الماء قد نضب، فهبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية و سماها ثمانين، فأصبحوا ذات يوم و قد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها العربية.

قال: فكان لا يفقه بعضهم عن بعض، و كان نوح (عليه السلام) يعبر عنهم. انتهى كلام الأزرقي (رحمه اللّه تعالى).

286

نقول: لهذا صار الحمام رمزا للأمن و السلام، و لهذا أيضا يرسمون حمامة و هي تحمل ساقا صغيرة من النبات، فالحمام حيوان أليف محبوب، و شكله جميل، و هديله و حركاته تثير شجن العشاق، و الهديل صوت الحمام، قال في مختار الصحاح:" و الهديل أيضا فرخ كان على عهد نوح، عليه الصلاة و السلام، فصاده جارح من جوارح الطير، قالوا: فليس من حمامة إلا و هي تبكي عليه ...".

و انظر إلى ذكاء الحمامة التي أرسلها نوح، عليه الصلاة و السلام من سفينته لتأتيه بخبر الأرض، فجاءت إليه، و قد لطخت رجليها بالطين، إشارة إلى أن الماء قد غار في الأرض و انتهى أمر الطوفان، و حملت إليه ورق الزيتون دون غيره من الأشجار، لأن الزيتون شجرة مباركة ينتفع بثمرها و ورقها و زيتها و خشبها.

و انظر إلى الغراب بعثه نوح (عليه السلام)، فوقع على الجيف و أبطأ عليه، فالغراب خسيس أحمق، لا يألف و لا يؤلف، لحمه لا يؤكل لخبثه، و هو من الفواسق الخمس. فقد قال رسول اللّه، (صلى الله عليه و سلم):" خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل و الحرم: الغراب، و الحدأة، و العقرب، و الفارة، و الكلب، و الكلب العقور"، رواه البخاري و مسلم عن عائشة، رضي اللّه تعالى عنها.

ففرق كبير بين الحمام رسول السلام، و بين غراب البين الذي يتشاءم منه.

و من ألطف ما قيل في الحمام، ما جاء في تاريخ المسعودي: أن ابن السماك دخل على الرشيد، و بين يديه حمامة تلتقط حبا، فقال له صفها و أوجز، فقال:

كأنما تنظر من ياقوتتين، و تلتقط بدرتين، و تطأ على عقيقتين، و أنشدونا لبعضهم:

هتفت هاتفة* * * آذنها ألف بين‏

ذات طوق مثل عطف الذ* * * ون أقنى الطرفين‏

و تراها ناظرة نح* * * وك من ياقوتتين‏

ترجع الأنفاس من ثق* * * بين كاللؤلؤتين‏

و ترى مثل البساتين‏* * * لها قادمتين‏

و لها لحيان كالصد* * * غين من عرعرتين‏

نسجت فوق جناحي* * * ها برنوستين‏

و هي طاووسية اللو* * * ن يبان المنكبين‏

تحت ظل من ظلال الأ* * * يك يك صافي الكتفين‏

287

فقدت ألفا فنا* * * حت من تباريح و بين‏

فهي تبكيه بلا دم* * * ع جمود المقلتين‏

و هي لا تصبغ عينا* * * ها كما تصبغ عيني‏

و الحمام رمز للسلام، و رمز للحب و العشق و إظهار معانيهما بأجلى الحركات، و لقد تمثل الشعراء به لذلك قديما و حديثا، و قالوا فيه كثيرا من الأشعار، و لولا خوف الإطالة لأتينا بأقوالهم، و لكن لا بأس بذكر أربعة أبيات فقط و هي:

و رب حمامة في الدوح صارت‏* * * تجيد النوح فنا بعد فن‏

أقاسمها الهوى مهما اجتمعنا* * * فمنها النوح و العبرات مني‏

و باللغة العامية المصرية:

الليل بهمومو جاني‏* * * يا حمام نوح و ياي‏

نوح و اذكر أشجاني‏* * * دا جواك من جنس جواي‏

و فيما تقدم تفصيل واف عن مسألة حمام الحرم من جميع النواحي، فافهم كل ذلك فإنك لا تجده في كتاب، و اللّه الموفق للصواب، و إليه المرجع و المآب، لا إله إلا هو العزيز الغفار.

عدد المستشفيات بمكة المكرمة

لم يكن بمكة المشرفة في عهد الأتراك العثمانيين، و في عهد الشريف الحسين بن علي ملك الحجاز الأسبق، (رحمه اللّه تعالى)، من المستشفيات إلا مستشفى أجياد، و مستشفى القبان بالمدعا فقط، و بهما من الأطباء نحو خمسة أنفار فقط، و كان فيهما الأدوية اللازمة للمرضى، و لم يكن بمكة من الأجزاخانات سوى أجزاخانة واحدة، هي أجزاخانة" حسنين" بالمروة. ثم كان في محل" قاعة الشفا" بجوار المسجد الحرام باب القطبي و باب الباسطية، بضعة دكاكين عطارة، يباع فيها شي‏ء من الأدوية المستخرجه من الأعشاب و الحبوب الهندية، و فيها بعض الأطباء الهنود الذين يعالجون المرضى بالعقاقير اليونانية، و لما كانت رقعة مكة صغيرة و سكانها قليلين، كان هذا القدر من الأطباء و العقاقير الهندية اليونانية كافيا لهم،

288

علاوة على حسن نيتهم، و قلة الأمراض الناتجة من حسن توكلهم على اللّه تعالى، و عدم انتشار الفساد بينهم.

ثم لما كان زمن الحكومة السعودية، اتسعت رقعة مكة المكرمة اتساعا عظيما فامتد العمران في جميع النواحي، و كثر الناس بها كثرة عظيمة، و هذا يستلزم انتشار الأمراض المختلفة، كما يستلزم هذا كثرة وجود الأطباء و الدكاترة المتعلمين في البلاد الأوروبية، فاستحضرت الحكومة السعودية كثيرا من الأطباء من مختلف الأجناس و فتحت مستشفيات عديدة، و صيدليات كثيرة، و فيها من الأدوية المستحدثة الشي‏ء الكثير الذي يدهش المطلع عليها.

فيوجد في مكة المكرمة و حدها فقط: مستشفى الزاهر و فيه من الأطباء نحو ستة عشر طبيبا مختصين في مختلف الأمراض، و به أكثر من مئة سرير، و يراجعه يوميا من المرضى نحو ألف شخص، و هو مجهز بكافة الأدوية و اللوازمات. أما في موسم الحج فيكون المراجعون له من المرضى كثيرين لوجود الحجاج بمكة.

كما يوجد بمكة أيضا مستشفى أجياد و فيه من الأطباء و السرر و الأدوية و اللوازمات بقدر ما يوجد في مستشفى الزاهر، و كلاهما من المستشفيات الكبيرة المهمة، و في مكة أيضا يوجد مستشفى واحد للولادة، مزود بالأطباء و الأدوية و اللوازمات و إن شاء اللّه تعالى سينشأ بمكة قريبا مستشفى خاص للرمد، و هناك في كل محلة بمكة مستوصف خاص، فيه طبيب أو طبيبان و فيه من الأدوية و اللوازمات ما يكفي المراجعين. كما توجد في مكة من الصيدليات و مخازن الأدوية أكثر من خمسة عشر صيدلية في مختلف الجهات. و اللّه المستعان، و هو اللطيف بعباده.

جمعية الإسعاف بمكة المكرمة

لقد كنا كتبنا لمدير جمعية الإسعاف بمكة المشرفة، ليخبرنا عن تأسيس هذه الجمعية في البلاد، فجاء الجواب من سعادة الدكتور عبد العزيز مدرس، رئيس جمعية الهلال الأحمر السعودي، نبذة عن هذه الجمعية منذ تأسيسها عندنا في سنة (1354) هجرية، ثم طرأت عليها تطورات تقدمية حتى صار اسمها (جمعية الهلال الأحمر)، و قد اعترف بها دوليا، و أصبحت هيئة مساعدة للقوات المسلحة السعودية في السلم و الحرب.

289

و إليك نص ما كتبه لنا سعادة رئيسها المذكور:

نبذة تاريخية

لقد كان حجاج بيت اللّه الحرام في الماضي، يلاقون صعوبات جمة من ناحية العلاج و الوصول إلى المستشفيات لأخذ العلاج اللازم، لذلك فكر المحبون للخير بإنشاء جمعية أهلية لتقديم الإسعافات الأولية و الخدمات الصحية، و كان من بينهم المرحوم طلعت حرب باشا، الذي تبرع بسيارة إسعاف للمشروع، و تكونت جمعية الإسعاف الخيرية في عام 1354 ه حين صدر القرار السامي رقم 3306 في 2/ 3/ 54 ه بتشكيل الجمعية تحت رعاية جلالة المغفور له الملك عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية، و برئاسة سمو ولي العهد المعظم الأمير فيصل بن عبد العزيز. و تعتبر هذه الجمعية أول نواة لجمعية الهلال الأحمر السعودية. و قد استمرت جمعية الإسعاف الخيري الوطني في القيام بواجبها الإنساني في تدعيم الخدمات الطبية، و إغاثة المصابين من ضحايا الحوادث بشتى أنواعها و في حدود إمكانياتها، معتمدة في ذلك على مواردها الغير ثابتة التي تعتمد على الإعانة الملكية، و على التبرعات من الحجاج و المواطنين، و ما تقدمه وزارة المالية. و قد استمرت الجمعية في أعمالها مدة طويلة، فافتتحت العيادات الخارجية لهذا الغرض حتى أنه في عام 1377 بلغ عدد المستفيدين من خدمات الجمعية 85332 شخصا.

و في أول عام 1378 ه تعطل بند التبرعات الذي كان أكبر مورد تعتمد عليه الجمعية في أعمالها، فتقلص نشاطها و أصبحت ملزمة بمجابهة الكثير من صرفياتها نظير ما تقدمه من خدمات إنسانية و نظرا لذلك فقد أصدر المقام السامي أمره الكريم لزيادة بند المساعدة الذي تقدمه الدولة، و قد استمرت في أداء رسالتها حتى انبثقت فكرة تطوير الإسعاف الخيري إلى جمعية الهلال الأحمر لتتمكن الجمعية من تقديم خدماتها على نطاق واسع وفقا للنظم الدولية الخاصة بالصليب و الهلال الأحمر، لذلك صدر المرسوم الملكي رقم 1 تاريخ 16/ 1/ 383 ه بإنشاء جمعية الهلال الأحمر، و كان لذلك أكبر الأثر في نفوس العالم الخارجي، و على إثر ذلك فقد تقدمت الحكومة بطلب رسمي للانضمام إلى منظمة الصليب و الهلال الأحمر العالمي، و بذلك أصبحت العضو الواحد و التسعين في منظمات الصليب و الهلال‏

290

الأحمر، و اعترف بها، و كان ذلك بتاريخ 18/ 8/ 1963 م. و ساهمت الدولة بمبالغ كبيرة في تأسيس جمعية الهلال الأحمر و مساعدته، فصدر المرسوم الملكي رقم 15 و تاريخ 26/ 6/ 383 ه بر صد مليون ريال في الموازنة العامة للدولة من بند التبرعات كإعانة للجمعية.

بدأت الجمعية بتأسيس المركز العام الموجود بالرياض، و الذي يتولى إدارة المكاتب الرئيسية للجمعية في كل من المنطقة الغربية و الوسطى، كما أن جمعية الهلال الأحمر السعودي بدأت بتقوية المراكز الإسعافية السابقة و تدعيمها بجميع ما يلزم و تعميم مراكز الإسعاف في المملكة و لذلك افتتح مركز للإسعاف بمدينة الرياض، و آخر بالمنطقة الشرقية في الدمام، و في بقية المدن الكبيرة بالمملكة، بجانب ستة مراكز ثابتة موجودة فعلا في مناطق الحج، و هي: (مكة، جدة، المدينة، الطائف، بحرة، رابغ)، و مركزين مؤقتين بجدة أحدهما بالميناء البحري، و الآخر بالميناء الجوي، و أيضا عشرة مراكز مؤقتة في كل من عرفات و مزدلفة و طرق الحج.

و من برامج الجمعية مستقبلا هو:

1- أ) نشر التوعية الصحية بواسطة أجهزة الإعلام كالإذاعة و الصحافة و عرض الأفلام و النشرات، و قد جرى اتصال بهذا الخصوص بمنظمة الصليب الأحمر الدولي لمد الجمعية بالأفلام الثقافية و الصحية اللازمة، كما أن ممثل هيئة الأمم المتحدة الموجود بالمملكة أبدى استعداده لتزويد الجمعية بالأفلام اللازمة.

ب) تدريس مبادئ الهلال الأحمر لطلبة المدارس و الكشافة.

ج) تنظيم فروع تدريبية للمتطوعين لعمليات الإسعاف.

2- كما أن الجمعية ماضية بسبيل إعداد مخازن تشمل مهمات الإغاثة من خيام و بطاطين و ملابس لمساعدة الضحايا أثناء النكبات العامة كالأمطار و السيول و الحرائق.

3- نظرا لقلة هيئة التمريض بالمملكة، و نظرا للحاجة إليهم فقد درست الجمعية موضوع افتتاح مدارس للتمريض و ستبدأ في السنة القادمة بهذا الخصوص، حتى تؤهل أكبر عدد ممكن لسد حاجة البلاد.

291

4- كما أن الجمعية ماضية في دراسة افتتاح مراكز لنقل الدم، و تعميمها في المدن الكبرى بالمملكة، و قد حصل اتصال بالجمعيات التي باشرت العمل في مثل هذه المشاريع و عند الانتهاء من دراستها سوف يبدأ التنفيذ.

5- كما أن الجمعية بسبيل افتتاح مستشفى نموذجي لكي يساعد الطلبة على مباشرة الدروس العملية به، و أيضا تقديم الخدمات للجمهور. انتهى.

المحجر الصحي و الكورنتينات‏

كثيرا ما كنا نحب الوقوف على تاريخ المحجر الصحي و الكورنتينات، و من أي زمن ابتدأ ذلك، و كان من حسن المصادفات أن وجدنا البحث الوافي عنه في كتاب" الرحلة الحجازية" للأستاذ محمد لبيب البتنوني المصري، فقد قال فيه (رحمه اللّه تعالى)، ما نصه:

لفظ كورنتينة أو كارانتينة أصله فرنساوي(Quarantaine) و معناه الشي‏ء الذي يبلغ عدده تقريبا إلى أربعين. و الفرنج في جمهورية فينسيا (البندقية) لما رأت أن الأوبئة كانت تأتي إلى أوروبا من طريق الشرق و من بلاد المغرب بشمال إفريقيا، اهتمت لهذا الأمر لأن مراكبها هي التي كانت تصل الشرق بالغرب، و عينت لأول مرة سنة 1348 مسيحية، أي ميلادية، ضباطا صحيين، كانو يقومون بتفتيش السفن التي كانت تأتي من الخارج إلى ثغورها البحرية. و في سنة 1403 أقامت أول محجر صحي سمته لازاريت(lazarette) و جعلته في جزيرة صغيرة قربية منها بالبحر الإدرياتيكي، اسمها سانت ماري دو نازاريه، و كانت تحجر فيها على البضائع و الأشخاص القادمين على بلادها من الشرق. و مشى على إثرها في القرن الرابع عشر و الخامس عشر ثغور البحر الأبيض المتوسط العظمى، فأقامت جنوة محجرا صحيا سنة 1467، و أقامت مرسليا محجرا في سنة 1526. و أول من اتخذ الاحتياطات الصحية ضد الطاعون في بلاده هو الملك رينيه، ملك نابولي، في سنة 1476 م و زادت العناية بها في سنة 1656 م التي فشا الطاعون فيها ببلاد إيطاليا كلها، حتى أنهم كانوا يحرقون الموتى لعدم استطاعتهم دفنهم.

و لما ظهر الوباء الأصفر في كاتالونيا (مقاطعة بأسبانيا عاصمتها برشلونة)، اهتمت أوروبا لهذا الأمر و عملت فرنسا قانونا للكورنتينات في 3 مارس سنة 1822 و هو أساس النظامات الصحية للمحاجر. و قد أدخل على هذا القانون‏

292

تعديلات مهمة في 17 أغسطس سنة 1847، ثم في 10 أغسطس سنة 1849، ثم في 24 ديسمبر سنة 1850.

هذا ما كان في أوروبا بخصوص الكورنتينات، أما بمصر فإن (محمد علي) ذلك المصلح الكبير، فكر في ضرورة إنشاء مجلس صحي بها، و شكل في سنة 1820 ميلادية مجلسا كان أعضاؤه من حكماء الجيش و صيدلييه، و في سنة 1825 أدخل كلوت باشا على هذا المجلس نظامات جمة و سماه مجلس الصحة العمومي. و لما دخلت الكوليرا في مصر سنة 1831 زادت عناية محمد علي بهذا المجلس، و أدخل إليه نظامات الكورنتينات بأوروبا خدمة للأمور الصحية و التجارية في جميع البلاد الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، فجمع قناصل الدول و شكل منهم لجنة للنظر في الأمور الخاصة بالكورنتينات، و أصدر بذلك دكريتو في 8 أكتوبر سنة 1831، و في سنة 1832 بنى بالاسكندرية أول محجر صحي(lazarette) في الشاطبي و لا يزال الاسكندريون يسمونها مظريطة أو الأظاريطة إلى الآن.

و كان من ضمن هذا المجلس، عضو مصري اسمه طاهر بك، و كانت له الكلمة العليا في أعمال المجلس لثاقب فكره و كبير همته و العناية التي كان يبذلها في مصادمته ذلك الوباء، الذي ذهب بأغلب السكان في الوجه البحري. و في أواخر سنة 1839، ألغى محمد هذا المجلس القنصلي، و لم يحفل باحتجاجات الدول عليه في هذا الصدد، و شكل إدارة الصحه العمومية بمصر، و جعل رئيسها ناظر الأشغال العمومية و التجارة، و جعل لها سبعة أعضاء: منهم طاهر بك السابق ذكره، و ستة انتخبتهم الحكومة المصرية من أعيان التجار.

و في مدة عباس باشا الأول أهملت هذه النظامات الصحية، فطلبت منه الدول الرجوع إلى النظامات الأولى القنصلية، فلم يجب طلبها بل و لم يعرها أية التفاتة.

فأخذت فرنسا تسعى جهدها في تشكيل مؤتمر دولي صحي من الدول ذوات المصلحة في البحر الأبيض المتوسط، فتم لها ذلك، و اجتمع هذا المؤتمر في باريس، و كان فيه أعضاء من فرنسا و مرسليا و النمسا و أسبانيا و إيطاليا و اليونان و البرتغال و سردينية و الروسيا و تسكانيا و تركيا، و عملوا قانونا في 4 يونية سنة 1583 راعوا فيه السهولة في الحجر خصوصا على البضائع، لأن العلم كان قد وصل باكتشافاته‏

293

المفيدة، إلى أن أغلب الأوبئة ليست معدية. و لم توافق إنكلترا على قرارات المؤتمر و اتخذت احتياطات خصوصية لموانيها.

و كان من نتيجة هذا القانون أن تشكل مجلس صحي دولي في الآستانة و مجلس في الاسكندرية و وظيفتهما إعلان أمر الأوبئة عند ظهورها، و عمل الاحتياطات اللازمة للوقوف في وجهها حتى لا تصل إلى أوروبا، و لقد تقرر أيضا تعيين بعض أطباء يركبون البحر على الدوام إلى الشرق الأقصى ليرسلوا إلى المجلسين بملاحظاتهم الصحية على البلاد التي يمرون عليها.

و عليه فقد اهتم سعيد باشا و شكل في سنة 1854 مجلسا صحيا و ألحقه بنظارة الداخلية في 21 إبريل سنة 1857، و جعل من حقه النظر في الأمور الصحية من داخل البلاد، كما شكل لجنة للنظر في الأمور البحرية الصحية (الكورنتينية)، و كانت يد هذه المصلحة الأخيرة مغلولة عن التصرف، بدون إرادة الحكومة المصرية إلى سنة 1881 التي صدر في 3 يناير منها دكريتو بفصل إدارة المصلحتين عن بعضهما، و ذلك بناء على اتفاق من الدول مباشرة، و سميت الأولى مصلحة الصحة العمومية و جعل مقرها مصر، و سميت الثانية مجلس الصحة البحرية و الكورنتينات المصرية و جعل مقره بالاسكندرية، ثم تغير هذا الدكريتو بدكريتو آخر صدر بتاريخ 19 يونية سنة 1893 بناء على قرارات مؤتمر باريس، المنعقد في السنة المذكورة.

و هذه الكورنتينات كلها، لم يكن الغرض منها الحجر على الحجاج لأن سفرهم من و إلى مكة كان عن طريق البر، و كانوا يفتكرون أن طول مسافة هذا السفر مطهرة لهم من الأوبئة، إلا أن شدة كوليرا سنة 1858 في بلاد الحجاز جعلت أغلب الناس يفر منها إلى مصر من طريق البحر على القصير، فاحتاطت الحكومة المصرية لهذا الأمر، و ضربت الحجر على الحجاج لأول مرة في بئر عنبر وسط المسافة بين القصير وقنا. أما الحجاج الذين سافروا مع القافلة عن طريق القصبة فإنها منعتهم من الدخول إلى السويس، و ضربت عليهم الحجر في عجرود.

و من هذا العهد رأوا ضرورة إقامة محجر صحي في الطور، إلا أن مؤتمر القسطنطينية رأى الاستعاضة عن الطور بالوجه، لأن سواد الحجاج كان يسافر عليه برا، و استمر الحجر فيه أو في رأس ملعب على ركان القوافل، و في الطور أو

294

عيون موسى على ركاب البحر، كلما كانت تقضي بذلك الضرورة إلى سنة 1877، التي من ابتدائها كثر سفر الحجاج من طريق البحر. و هنالك أخذت الحكومة المصرية في إكمال الاستعدادات في الطور حتى صارت في سنة 1893 وافية بالغرض منها. و من ثم أصبحت هي المكان الوحيد الذي تعمل فيه الكورنتينا على الحجاج المصريين، أو الذين يمرون على مصر، و لا تزال الاصلاحات تدخل إليه من وقت إلى آخر.

و من المعجب أنه قد ورد في مادة (لزيطة) بقاموس لاروس الكبير، أن بعض الإفرنج قال إن أصل هذا اللفظ آتي من الكلمة العربية (الأزهرية)، و ذلك لأن الأزهر بمصر إنما هو ملجأ للعميان و الشيوخ و المتقاعدين، و هو كلام أساسه الجهل المطبق، أو التحامل على الأزهر و الأزهريين، و لو أنصف القوم لعرفوا لهذه الجامعة الإسلامية حقها في خدمة العلوم على اختلاف أنواعها. فكم لها آيات من العرفان على بني الإنسان تذكر فتشكر. و لا غرو فاهتمام الجناب العالي الخديوي و حكومته السنية بالأزهر الآن، لابد و أن يجعله يوما من الأيام، في مصاف الجامعات الكبرى نظاما و أحكاما.

أما كلمة لازاريت فهي لاتينية معناها (ليدر) يعني الأبرص أو المجذوم.

و كانت الدولة الرومانية تبالغ في الحجر على المجذومين، بل كانوا يضعونهم تحت الحجر طول جياتهم، و كان عقاب من يخرج عن نطاقه منهم أن يضرب بالرصاص، و هو قانون حق، لولا أنه مبالغ في شدته، و قد ورد في الحديث الشريف:" فر من الجذوم فرارك من الأسد". و قد أقام الوليد بن عبد الملك الملاجئ في أنحاء دولته و جمع إليها المجذومين، و أجرى عليهم الأرزاق، و هو أول من أقام الملاجئ من هذا القبيل.

هذا هو تاريخ الحجر الصحي عند الإفرنج. و لكن يرى المطلعون على التاريخ، أن المسلمين رأوا ضرورة هذا الحجر قبلهم. فقد ورد في تاريخ ابن الاثير، في أخبار السنة الثامنة عشرة من الهجرة ما نصه:

و كان عمر بن الخطاب قدم الشام في مدة ذلك الطاعون (و هو طاعون عمواس الذي فتك بأهل الشام فتكا ذريعا)، فلما كان يسرع و هو موضع قرب الشام، بين المغيثة و تبوك لقيه أمراء الأجناد منهم أبو عبيدة الجراح، فأخبروه بالوباء و شدته، و كان معه كثير من المهاجرين و الأنصار، لأنه خرج بهم غازيا.

295

فجمع المهاجرين الأولين و الأنصار فاستشارهم، فاختلفوا عليه، فمنهم القائل:

خرجت لوجه اللّه، فلا يصدك عنه هذا. و منهم القائل: إنه بلاء و فناء، فلا نرى أن تقدم عليه. فقال لهم قوموا. ثم أحضر مهاجرة من قريش فاستشارهم، فلم يختلفوا عليه، و أشاروا بالعود، فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر، فقال أبو عبيدة: أفرار من قدر اللّه؟ فقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة (يعني لانتقمت منه)، نعم نفر من قدر اللّه إلى قدر اللّه، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان: إحداهما مخصبة و الأخرى مجدبة، أليس إن رعيت المخصبة رعيتها بقدر منه، و إن رعيت المجدبة رعيتها بقدر منه؟ و كان عبد الرحمن بن عوف غائبا فحضر، فأخبر أنه سمع النبي (صلى الله عليه و سلم) حديثا في ذلك و هو قوله، (صلى الله عليه و سلم):" إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه، و إذا وقع ببلد و أنتم به فلا تخرجوا فرارا منه". فكان ذلك الحديث موافقا لما رآه عمر، رضي اللّه عنه، فانصرف الناس بالناس إلى المدينة.

و قد ورد هذا الحديث بالبخاري في الجزء الرابع بكتاب الطب بهذا النص:

حدثنا حفص ابن عمر، حدثنا شعبة، قال: أخبرني حبيب بن أبي ثابت، قال سمعت أسامة بن زيد يحدث سعدا عن النبي (صلى الله عليه و سلم)، قال:" إذا سمعتم بالطاعون بأرض، فلا تدخلوها، و إذا وقع بأرض و أنتم بها فلا تخرجوا منها". و قال شراح الحديث، إن المنع من الدخول، لا يتناول من كانت للمرضى مصلحة في دخوله كالأطباء و غيرهم. و هل هذا الحديث الشريف إلا قانونا صحيا وضع للناس قبل أول قانون وضعته فينسيا (البندقية) بثمانية قرون. انتهى كل ذلك من الرحلة الحجازية للبتنوني.

و من اللطائف قول بعض شعراء عصرنا، و نظن أن الشاعر كان من لبنان:

فهواك قد نال السبقا* * * بسواه لساني ما نطقا

و فؤداك قبلا ما عشقا* * * لكن مذ مر به علقا

فكأن هواك" كرنتينا"

قال العلامة المحدث الشهير، السيد الكتاني، في كتابه القيم العجيب، الذي لم يؤلف مثله المسمى" بالتراتيب الإدارية" بصحيفة 466، من الجزء الأول ما نصه:

" باب في أصل ما يعرف الآن في الإدارات الصحية بالكرنتينة" في الصحيحين و غيرهما عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول اللّه، (صلى الله عليه و سلم)، يقول:" إذا

296

كان الوباء بأرض و أنتم بها، فلا تخرجوا فرارا منه، و إذا سمعتم به في أرض، فلا تقدموا عليها".

و قد رجع عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، بسبب هذا الحديث لما خرج إلى الشام و أخبر أن الوباء قد وقع بها، و أن عمر حمد اللّه و انصرف.

قال ابن طرخان: في نهيه (صلى الله عليه و سلم)، عن الدخول للأرض التي حلها الطاعون فائدتان:

إحداهما: لئلا يستنشقوا الهواء الذي قد عفا و فسد فيمرضون.

و الثانية: لئلا يجاورون المرضى الذين قد مرضوا بذلك فتتضاعف عليهم البلية، و قد روي عن النبي، (صلى الله عليه و سلم)، أنه قال:" من القرف تلف"، و فسر بأنه ملابسة الداء و مداناة المرضى.

و بالجملة قوله:" لا تقدموا عليها" إثبات للحذر و النهي عن التعرض للتلف، و حديث أبي داود المذكور من حديث فروة بن مسيك، قال: قلت: يا رسول اللّه أرض عندنا يقال لها أرض أبيق" قرية إلى جانب البحر من ناحية اليمن" و هي أرض ريفنا- كل أرض فيها زرع و نخل- و فرتنا- الطعام المجلوب من بلد إلى بلد- و أنها و بئة- كثيرة الوباء- فقال (صلى الله عليه و سلم): و باؤها شديد، فقال (عليه السلام):

دعنها عنك فإن من القرف، ملابسة الداء و مداناة المرضى- التلف- الهلاك.

قال الخطابي و ابن الأثير: ليس هذا من باب الطير و العدوى، و إنما هذا من باب الطب، لأن استصلاح الهواء من أعون الأشياء على صحة الأبدان، و فساد الهواء من أضرها و أسرعها إلى إسقام البدن عند الأطباء، و كل ذلك بإذن اللّه تعالى و مشيئته. ا ه.

و من هذا الباب ما أخرجه أبو نعيم في الطب النبوي، كان النبي، (صلى الله عليه و سلم)، إذا أرمدت عين امرأة من نسائه لم يأتها حتى تبرأ عينها.

و من العجب ما وقفت عليه في مكتوب السلطان أبي العباس المنصور كتب لولده أبي فارس و هو خليفته على مراكش بتاريخ (1011) في أمر وباء حدث إذ ذاك بسوس، قال فيه ما نصه: و البطاقة التي ترد عليكم من سوس من عند أعمامكم، أو ولد خالكم، لا تقرأ و لا تدخل دارا، بل تعطى لكاتبكم و هو يتولى قراءتها، و يعرفكم مضمنها، و لأجل أن كاتبكم يدخل مجلسكم، و يلابس‏

297

مقامكم، حتى هو لا يفتحها إلا بعد أن تغمس في خل ثقيف و تنشر حتى تيبس، و حينئذ يقرؤها و يعرفكم بمضمنها إذ ليس يأتيكم من سوس ما يوجب الكتمان عن مثل كاتبكم. ا ه.

و هذا هو عمل الإفرنج اليوم في تحفظهم من الوباء المسمى عندهم بالكرنتينة، المعروفة في باب الوقاية و دوائر الصحة، و قد كانت وقعت المحاورة بين عالمي تونس أبي عبد اللّه محمد المناعي المالكي، و الشيخ أبي عبد اللّه محمد بيرم الحنفي في إباحتها و حظرها، فألف الأول في الحرمة و ألف الثاني في الجواز، مستدلا، على ذلك بنصوص من الكتاب و السنة، انظر رحلة الشيخ رفاعة الطهطاوي لباريز.

و في إرشاد الساري، في تفسير سورة النساء، لدى قوله تعالى: وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ‏ دل ذلك على وجوب الحذر من جميع المضار المظنونة. و من ثم علم أن العلاج بالدواء، و الاحتراز عن الوباء، و التحرز عن الجلوس تحت الجدار المائل واجب. ا ه. و انظر كلاما لصاحب الاستقصاء في النازلة، جعل ذلك مقيدا بالوجه الذي ليس فيه مفسدة شرعية، و اللّه أعلم. انتهى من كتاب التراتيب الإدارية.

و مما يجب ذكره في هذا المبحث، هذه الحادثة الآتية التي تدل على مبلغ قوة إيمان أهل الزمن السابق الذين كانوا يتحصنون بالآيات، و يلتجئون إلى اللّه تعالى في المحادثات.

قال الغازي (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه نقلا عن الحضراوي، في تاج تواريخ البشر: و في سنة (1288) ثمان و ثمانين و مائتين و ألف، كان بمدينة خير الأنام، عليه أفضل الصلاة و أتم السلام، وباء حتى مات جملة من الزوار في شهر رجب من أهل مكة و غيرهم، فصدرت أوامر الدولة العلية و المصرية بإرسال حكماء الصحة لعمل كرنتينة على القادمين في تلك البطاح المعطرة بوادي الزاهر من أرض مكة المشرفة، فصدر أمر أمير مكة، سيدنا الشريف عبد اللّه باشا بن المرحوم الشريف محمد بن عون، بعد حضوره من الطائف إلى أربعة من الفقهاء، بقراءة ختمة قرآن مدارسة مرتلة، يدورون بها حول مكة المشرفة، تحويطا لها من السوء، مبتهلين إلى اللّه تعالى في قبول ذلك.

فابتدأوا من ناحية المصافي" بجياد"، جاعلين دور مكة على اليسار، مارين بحدودها من أعالي الجبال، إلى أن وصلوا إلى جبل حراء، ثم انحدروا على طريق‏

298

العشر إلى أن نزلوا من أعالي الزاهر، فمسكوهم العساكر المحافظين للصحة في تلك الجهات، و تعلقوا بهم ظنا أنهم ممن ينبغ عليهم المحافظة، فخلصهم السيد هاشم بن شرف العبدلي لأنه كان مأمورا عليهم، و ما زالوا سائرين إلى أن طلعوا من خلف الحفاير من أعالي الزاهر، ثم نزلوا على بركة الماجن بأسفل مكة، ثم ختموا بالمصافي، من حيث ابتدؤوا.

ثم في ثاني الأيام، جاؤوا إلى حجر إسماعيل (عليه السلام) و بجوار البيت المعظم، و قرأوا سورة يس و سورة الأنعام.

ثم صدر الأمر العالي من حضرة صاحب الإمارة الجلية، على سائر علماء الحرم، بقراءة صحيح البخاري تجاه البيت المعظم، و ابتهلوا إلى اللّه تعالى أن يدفع اللّه السوء عن أهل هذا البلد، و عن سائر المسلمين و جلسوا الزوار ثلاثة أيام بالزاهر، ثم دخلوا مكة المشرفة، و قد حفظ اللّه الأول منهم و الآخر، و صرف اللّه السوء. انتهى ما ذكره الغازي.

فانظر أيها القارئ الكريم كيف كانوا في الزمن السابق يتضرعون إلى اللّه تعالى في النوازل و الشدائد، أما في زماننا هذا فإن الناس يهرعون إلى الأطباء و الدكاترة عند شعورهم بأي ألم بسيط. نسأل اللّه العفو و العافية و الصحة التامة.

لقد بحثنا مسألة الكرنتينة في الزمن السابق، أما مسألتها في زماننا هذا فإليك نبذة مختصرة عنها:

قامت حكومة جلالة الملك سعود بن عبد العزيز، بكافة ما يلزم لحجاج بيت اللّه الحرام خير قيام، فكان من ضمن ذلك وضع المحاجر الصحية الفنية بمدينة" جدة"، لحماية الحجاج و السكان من الأمراض و الأوبئة المعدية، و قد كان في جدة من قبل محجر صحي لا تزال آثاره موجودة إلى اليوم، في مكان من البحر يسمى" بالجزيرة" بقرب جدة، و ذلك من أيام عهد الأتراك.

و هنا يسرنا أن نذكر بعض ما جاء عن محجرة جدة نقلا عن النشرة اللطيفة التي طبعتها وزارة الصحة السعودية، بمناسبة افتتاح" مدينة المحاجر بجدة" رسميا في 21 شعبان سنة (1375) ألف و ثلاثمائة و خمس و سبعين هجرية، التي توافق 3 إبريل (1956) ميلادية، فقد جاء فيها ما خلاصته:

299

كانت عمليات الحجر الصحي في الماضي تجري عند الحاجة إليها في جزيرتين صغيرتين بالقرب من ساحل جدة، و كانت إحداهما للإدارة و فيها أماكن لحجز ركاب الدرجتين الأولى و الثانية و الجزيرة الأخرى معدة لركاب الدرجة الثالثة، و كانت هذه الأماكن مزودة بالاستعدادات التي لا غنى عنها لمواجهة الطوارئ، كالمباخر و الوحدة الكهربائية، و جهاز تكثيف المياه.

و قد استخدمت هذه المحاجر في مناسبات كثيرة قبل سنة 1911 ميلادية، ثم انقطعت الحاجة إليها بفضل التقدم الصحي، و إحكام الرقابة الصحية، فلم تدع الظروف لاستعمالها إلا عندما ظهرت الكوليرا في مصر سنة 1947 ميلادية، فاستخدمت هذه المحاجر لحجز القادمين من مصر الذين لم يكونوا قد أتموا دور الحصانة عند وصولهم إلى هذه البلاد، فكان هذا الحاجز آخر ما استخدمت فيه مرافق هاتين الجزيرتين آنذاك.

و كانت الحكومة العربية السعودية قد طالبت بإلغاء بعض المواد في الاتفاقية الصحية الدولية لعام 1926 من الميلاد، المبرمة في باريس، و تعديل بعض المواد الأخرى منها، بالنظر لعدم مطابقتها للأوضاع الفنية. على إثر ذلك وصلت إلى المملكة لجنة خبراء دوليين زارت المنشآت الكورنتينية في جدة، و قررت أن المنشآت المذكورة على استعداد كاف للقيام بالخدمات المحجرية اللازمة لاستقبال الحجاج، و اقترحت توسعة المنشآت المذكورة، و إدخال بعض التحسينات على المرافق الصحية، و كانت الحكومة العربية السعودية قد باشرت تطبيق برنامجها الصحي الطويل الأمد، و من أهم مشروعات هذا البرنامج إنشاء المحجر الصحي بجدة.

أما محجر جزيرة" كمران" فإنه في سنة 1951 ميلادية تقرر إلغاء هذا المحجر الذي كان يقوم بعمليات التفتيش الصحي على السفن و الحجاج القادمين إلى جدة من الجنوب، و ذلك بناء على تعهد الحكومة العربية السعودية بأن تتولى عملية التفتيش المشار إليها، بواسطة سلطاتها الصحية في ميناء جدة التي يمكن أن تحل محل محجر" كمران".

و محجر جدة يتألف من 150 مبنى، أقيمت على 229000 متر مربع تقريبا، في مكان على بعد كاف من العمران و أحيط بأسلاك شائكة لمنع الاختلاط، و يتصل هذا المحجر بالشاطئ بطريق خاص.

300

و تضاء جميع أبنية المحجر بالكهرباء، و يوجد فيه مكاتب الإدارة، و سنترال التليفونات، و مستودعات السيارات و الحديقة، و ورشة النجارة، و الحمامات، و دورة المياه، و المطابخ، و المغاسل، و المباخر، و مبنى المخبر مزود بكافة الآلات و الأجهزة اللازمة، و هو مكيف تكييفا مركزيا بالأجهزة الخاصة، و فيه مدرسة التدريب الصحي، و في غرب هذه المدرسة يقع مبنى الثلاجات المخصصة بعضها لحفظ اللقاحات و الأمصال و نحوها، و البعض الآخر لحفظ اللحوم و الخضروات و الفواكه اللازمة لنزلاء المحجر.

و بالمحجر مستشفى عام، و صيدلية ممتازة، و قسم للأشعة، و غرف للمرضى، و مساكن للأطباء و الموظفين، إلى غير ذلك مما هو من مستلزمات المحاجر و المستشفيات.

نسأل اللّه تعالى العفو و العافية و الصحة التامة، و التوفيق إلى كل عمل ديني و إنساني، و اللّه في عون المرء ما دام المرء في عون أخيه.

أول ظهور الجدري و الحصبة بأرض الحجاز

ذكر الإمام الأزرقي (رحمه اللّه تعالى) رحمة الأبرار، في كتابه تاريخ مكة: أن أول ما رؤيت الحصبة و الجدري بأرض العرب في عام حادثة الفيل، و أنه أول ما رؤي بها من مراير الشجر الحرمل و الحنظل و العشر، في العام المذكور. انتهى منه.

و العشر بضم أوله و فتح ثانيه، هو نبات مر معروف عندنا.

نقول: إن أصحاب الفيل قد أهلكهم اللّه تعالى بالمغمس، و هو بعد عرفات ببضع كيلو مترات إلى جهة الزيمة، فهذه الأمور التي ظهرت بأرض العرب، يكون ظهورها طبعا بمكة المكرمة، قبل جميع أراضي العرب، لقرب هلاك أصحاب الفيل من مكة المشرفة، و لا يبعد أن يكون ذلك من الوباء الذي وقع عن تعفن جثثهم، و اللّه تعالى أعلم.

على كل حال هذه العلل و الأمراض، لابد أن يكون لها سبب من الأسباب.

301

التقارير الصحية بنظافة الحج‏

جرت العادة في عصرنا الحاضر أن ترفع التقارير الصحية بنظافة الحج من الأوبئة و الأمراض المعدية، و ترسل بذلك البرقيات إلى الجهات المختصة لعمل الترتيبات اللازمة من قبل الكورنتينات و المحاجر الصحية، لتسهيل مرور الحجاج و دخولهم البلدان لخلوهم من الأمراض الوبائية، فلو وجد فيهم شي‏ء من ذلك لا قدر اللّه، فإن المحاجر الصحية تحجزهم لديها أياما و تعالجهم إلى أن تتحقق من نظافتهم، فعند ذلك تسمح لهم بالسفر إلى بلادهم.

و إليك التقرير الصادر من وزارة الصحة بمكة المشرفة بنظافة حج عام 1377 ه و سلامته من الأمراض:

جاء في جريدة البلاد السعودية، في العدد الصادر بتاريخ 15 ذي الحجة ألف و ثلاثمائة و سبعة و سبعين من الهجرة، ما يأتي:

يسر وزارة الصحة بعد اطلاعها على قرار الهيئة الطبية العليا لحج عام 1377 ه الموافق 1958 م ميلادية، و على تقارير المؤسسات، و الوحدات، و المراكز الصحية المعنية بشؤون الحج أن تعلن نظافة حج عام 1377 ه الموافق 1958 م و سلامته من جميع الأوبئة و الأمراض المحجرية (الكورنتينائية) و تحمد اللّه على ذلك.

و لم تكن هذه العادة جارية في العصور السابقة، غير أن عادتهم كانت بإرسال المبشر بسلامة الحجاج. فقد ذكر الإمام السيوطي في كتابه" حسن المحاضرة" ما يأتي:

ذكر قدوم المبشر سابقا يخبر بسلامة الحاج، كان ذلك في عهد الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان فمن بعدهم، و له حكمة لطيفة قل من يعرفها، قال الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه في قصته: حصر عثمان رضي اللّه عنه، و استمر الحصار بالديار المصرية، حتى مضت أيام التشريق و رجع البشير من الحج، فأخبر بسلامة الناس، و أخبر أولئك بأن أهل الموسم عازمون على الرجوع إلى المدينة ليكفوهم عن أمير المؤمنين. و أخرج مالك في الموطأ عن ابن دلان عن أبيه: أن رجلا من جهينة كان يشتري الرواحل، فيتغالى بها، ثم‏

302

يسرع السفر فيسبق الحاج، فأفلس، فرفع أمره إلى عمر، فقال: أما بعد أيها الناس إن الأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه و أمانته أن يقال سبق الحاج، ألا و إنه ادان معرضا، فأصبح و قد رين به فهمد، فمن كان له عليه دين فليأته بالغداة، فقسم ماله بين غرمائه، ثم كمل الدين. انتهى من الكتاب المذكور.

و الأسيفع طائر كالعصفور يكون بقرب الماء، و هو أيضا المتباعد عن الأعداء و الحسدة، و الأسيفع تصغير أسفع أطلق على الرجل لسرعة رحيله و مفارقته الحاج.

فائدة جاء في تاريخ الغازي المسمى إفادة الأنام بذكر أخبار بلد اللّه الحرام، في الجزء الأول ما نصه:

و ذكر الحضراوي في تاج تواريخ البشر، و في سنة 1288، كان بمدينة خير الأنام، عليه أفضل الصلاة و أتم السلام، وباء حتى مات جملة من الزوار في شهر رجب من أهل مكة و غيرهم، فصدرت أوامر الدولة العلية التركية و المصرية، بإرسال حكماء الصحة لعمل كرنتينة على القادمين في تلك الأباطح المعطرة بوادي الزاهر من أرض مكة المشرفة، و بادر أمر أمير مكة سيدنا الشريف عبد اللّه باشا بن المرحوم الشريف محمد بن عون، بعد حضوره من الطائف إلى أربعة من الفقهاء لقراءة ختمة قرآن مدارسة مرتلة يدورون بها حوالي مكة المشرفة، تحويطا لها من السوء، مبتهلين إلى اللّه تعالى في قبول ذلك، فابتدؤا من ناحية المصافي جاعلين دور مكة على اليسار، مارين بحدودها من أعالي الجبال إلى أن وصلوا إلى جبل حراء، ثم انحدروا على طريق العشر إلى أن نزلوا من أعالي الزاهر، فمسكوهم العساكر المحافظين للصحة من تلك الجهات و تعلقوا بهم ظنا أنهم ممن ينبغي عليهم المحافظة، فخصلهم السيد هاشم بن شرف العبدلي، لأنه كان مأمورا عليهم، و ما زالوا سائرين إلى أن طلعوا من خلف الحفاير من أعالي الزاهر، ثم نزلوا على بركة الماجن بأسفل مكة، ثم ختموا بالمصافي من حيث ابتدؤا، ثم في ثاني الأيام جاؤا إلى حجر إسماعيل (عليه السلام)، بجوار البيت المعظم، و قرأوا لديه سورة يس و سورة الأنعام، ثم صدر الأمر العالي من حضرة صاحب الإمارة الجليلة على سائر علماء الحرم بقراءة صحيح البخاري تجاه البيت المعظم، و ابتهلوا إلى اللّه تعالى، أن‏