التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج2

- محمد طاهر الكردي المزيد...
605 /
303

يدفع اللّه السوء عن أهل هذا البلد و عن سائر المسلمين، و جلس الزوار ثلاثة أيام بالزاهر، ثم دخلوا مكة المشرفة، و قد حفظ اللّه الأول منهم و الآخر، و صرف اللّه السوء. انتهى.

الجمال و السيارات بمكة المكرمة

بلاد العرب قاطبة كانت موطن الجمال و الخيول و البغال و الحمير، و بالأخص بلاد الحجاز، لكثرة الواردين إليها من الحجاج، قال اللّه تعالى في كتابه العزيز:

وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَ زِينَةً وَ يَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ‏ و قال في أول سورة النحل: وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْ‏ءٌ وَ مَنافِعُ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ* وَ لَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ* وَ تَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى‏ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ‏.

إن بلاد الحجاز و خاصة أهل الحرمين الشريفين كانوا يعتنون بالجمال و الخيل و الحمير أشد العناية في أكلها و شربها و راحتها، أما البغال فهي قليلة لديهم و لا يستعملونها إلا في جر العربات، و في الخارج يستعملونها في جر العربات أيضا و في حمل أجزاء المدافع الثقيلة، و الطلوع بها إلى الجبال للعساكر، و في بلاد اليمن، البغال كثيرة هنالك، يستعملونها في أسفارهم و حمل أمتعتهم.

و في بادية الحجاز، عند العرب، اعتناء عظيم بالجمال، و لهم بها ولع شديد، و لهم بأجناسها معرفة عظيمة، كمعرفتهم بأجناس الخيل، خصوصا في بادية نجد و الأحساء، فمن الجمال ما يجعل للأسفار البعيدة، و تسمى بالركائب أو النجائب أو الهجن" بضمتين"، و هذه لا يركب عليها إلا شخص واحد أو شخص آخر يركب في مؤخراتها جهة ذيولها، و لا يحمل عليها إلا الأمتعة الخفيفة اللطيفة، فهذه الركائب سريعة المشي بطبيعة الحال، فهي تقطع المسافات في أقل من الجمال العادية. و من الجمال ما يجعل لحمل الأثقال و الأمتعة الكثيرة الثقيلة، و قد يجعل لركوب شخصين أو ثلاثة في هودج أو شقدف، و هو منفصل إلى قسمين كالسريرين بطول الإنسان، يكون في كل قسم شخص واحد، و يكون الجمل في وسط الشقدف، أي بين القسمين منه، و ربما جلس على ظهر الجمل شخص ثالث، و هذا الشقدف يسير بفراش من الحنابل و عير بحيث يقي الجالس فيه الشمس نهارا، و الهواء البارد ليلا، كما يقيه الأمطار عند نزولها حال مسيرهم،

304

و من الجمال ما لا يركب عليها عادة بل تحمل عليها الأمتعة و الصناديق و أكياس الحبوب و نحوها، و هذه الجمال و التي قبلها بطيئة المشي، و لو لم يكن عليها حمل، فهي تقطع المسافة التي بين مكة و جدة في ليلتين، و تمكث نهارا في منتصف الطريق بينهما و يسمى" بحرة"، مع أصحابها و ركابها من أول النهار إلى قرب المغرب ثم تستأنف السير، و يسمى عندنا مسير ليلة بالمرحلة، كما تقطع ما بين مكة المشرفة و المدينة المنورة في إحدى عشرة ليلة، تسير بالليل و تقيل بالنهار.

هكذا كانت وسائل النقل و الانتقال و الأسفار، بواسطة الحيوانات المذكورة، في جميع الممالك و البلدان على وجه الأرض، منذ العصور القديمة الأولى، إلى أن اخترعت القطارات و السيارات و الطائرات في أوائل القرن العربي الحالي، أي إلى أوائل سنة (1300) ألف و ثلاثمائة هجرية، فإنه من بعد هذه السنة المذكورة استبدل الناس في جميع الممالك تدريجيا النقل و الانتقال بواسطة هذه المخترعات الحديثة و تركوا ما ألفوه من الانتقال بالحيوانات المذكورة، فتطور الكون و هو من سنة اللّه تعالى في خلقه.

أما الحجاز و في مقدمتها" مكة و المدينة"، فلم يكن العرب يعرفون وسائل الانتقال إلا الجمال فقط، فكنت تجد بمكة المشرفة في موسم الحج الذي كان يبدأ في ذلك الزمن في شهر رجب من كل عام، آلافا مؤلفة من الجمال، أتى بها أصحابها من الصحراء و البادية لحمل الحجاج إلى مشاعر الحج، من ينبع و رابغ و جدة، فمكة المكرمة و منى و مزدلفة و عرفات، ثم الرجوع منها بعد الوقوف إلى مكة المكرمة، ثم منها إلى المدينة المنورة، كل ذلك بطريق البر من المحطات المعروفة من قديم الزمن.

إنك أيها القارئ الكريم لو كنت معنا في ذلك الزمن المبارك، و رأيت تلك الآلاف المؤلفة من الحجيج على مختلف أجناسهم، فلقد كان أول من يأتي من الحجاج إلى مكة، شرفها اللّه تعالى، هم حجاج جاوا، و كان يأتي منهم في بعض الأعوام سبعون ألفا من الحجاج، و كانوا في أول شهر رجب يحضرون إلى مكة المكرمة و يصومون رمضان بها، كما كان يأتي من الحجاج المصريين نحو أربعون ألفا، و قس على ذلك بقية أجناس المسلمين.

و لو كنت معنا في ذلك الزمن المبارك، و رأيت الآلاف المؤلفة من الحجاج يمشون في بطن مكة و يختلطون بأهلها، و لو رأيت أيضا الآلاف المؤلفة من الجمال‏

305

و الحمير و الشقادف و الصناديق التي في بطونها أمتعة الحجاج، و الآلاف المؤلفة من المطوفين و الخدم و الحشم و الجمّالة و رؤسائهم، كل ذلك لو رأيته في أيام الحج قبيل الوقوف ببضعة أيام، و لو رأيت معنا أيضا كيف كان ماء زبيدة تكفي هذا الحجيج الأعظم بدوابهم و حيواناتهم، و كيف كانت بطاح مكة و بيداء منى و مزدلفة، و ساحة عرفات، تعج بهم عجيجا و تتجاوب الجبال و الصخور و الأحجار مع تلبيتهم و تهليلهم و تسبيحهم، و مكة في ذلك العهد صغيرة الرقعة، كثيرة المنعطفات و التعاريج، ضيقة الشوارع و الحارات، فكيف كانت تسع تلك الجموع الزاخرة التي تشبه المحشر يوم القيامة، إنه أمر اللّه تعالى و إرادته. لو رأيت أيها القارئ الكريم كل ذلك معنا في ذلك الزمن الفائت، لأخذك العجب العجاب، و لما وسعك بعد أن تشهد إلا أن تقول: لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له بالملك، و له الحمد، يحيى و يميت، و هو على كل شي‏ء قدير، لا إله إلا اللّه الكبير المتعال، له ما في السموات و ما في الأرض، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شي‏ء و إليه ترجعون.

و من أراد زيادة الإيضاح و البيان عن الجمال و الشقادف، و طريق الحج بالبر، و المحطات للقوافل، و عن عوائد العرب و البدو، و عن الحجاج في كل عام، فليراجع كتاب" مرآة الحرمين" لإبراهيم رفعت باشا (رحمه اللّه تعالى).

هذا، و إننا و للّه الحمد و الشكر، رأينا تلك الأيام المباركة و رأينا هذه الأيام الزاهرة، فهناك فرق كبير بين العهدين، و بون شاسع بين الزمنين، فأين ذهبت تلك الجمال و تلك الشقادف و الهوادج، فإليك تفصيل ذلك:

سبق أن ذكرنا أن الناس كانوا ينتقلون منذ العصور القديمة بواسطة الحيوانات و الأنعام، فلما اخترعت الوسائل الحديثة من القطارات و السيارات و الطيارات، صاروا ينتقلون بهذه الوسائل المبتكرة، و لكن لم يكن شي‏ء من تلك الوسائل وصلت إلى الحجاز بعد. ففي سنة (1340) ألف و ثلاثمائة و أربعين هجرية، وصلت أول سيارة لملك الحجاز الأسبق الشريف الحسين بن علي بمكة المكرمة، (رحمه اللّه تعالى)، قدمها إليه هدية التاجر الهندي المسمى" بالكندواني"، لكنه (رحمه اللّه تعالى)، ما كان يستعملها إلا نادرا، حيث لم تكن الطرقات معبدة و حيث لم يألف إلا ركوب الخيل.

306

فلما استولى جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، (رحمه اللّه تعالى)، على الحجاز في سنة (1343) هجرية، شاء اللّه عز و جل، أن تتطور البلاد من حالة إلى حالة أعظم في المدنية و العمران، فكان أول بادرة لهذا التطور، وجود السيارات بمكة المشرفة و جدة و المدينة المنورة و غيرها، و ذلك في سنة (1346) فتألفت من أهالي البلاد بعض الشركات لإحضار السيارات من الخارج، فاشتغلوا بها برهة من الزمن، و الأرض لم تتعبد بالإسفلت لسير السيارات، فكانت الجمال إذا رأت هذه السيارات و سمعت صوتها، نفرت عنها و هربت من طريقها سواء كانت داخل البلدة أو خارجها، ثم أخرجت الأرض كنوزها من معدن الزيت، حتى صارت الحكومة السعودية من أغنى الحكومات العربية، فتقدمت حياة الناس في جميع المرافق تقدما محسوسا ملحوظا.

فكانت الحكومة تستورد الكثير من السيارات على اختلاف أنواعها، لجميع أفراد الأسرة المالكة كبيرا كان أم صغيرا و لموظفي الحكومة أيضا، و قامت الشركات و بيوت التجارة تستورد منها أنواعا مختلفة لبيعها من الناس، و قامت الحكومة تعبد الطرقات و الشوارع و المسالك بالإسفلت، حتى صارت جميع مدن المملكة مرتبطة ببعضها، و استغنى الناس عن ركوب الحيوانات، و هجروا استعمال الجمال و الخيل و الحمير. أما وجود البسكليتات و الدراجات النارية، فقد كانت موجودة قبل سنة (1343) هجرية بالحجاز، لكن بصورة قليلة جدا بعدد الأصابع، فكان الناس يسمون البسكليتات حمار الشيطان، لأنها تمشي بسرعة و على عجلتين، فلما أصلحت الطرقات و الشوارع و عبدت بالاسفلت، و كثرت السيارات، كثرت أيضا البسكليتات و الدراجات النارية.

فما أتت علينا سنة (1373) هجرية، و هي السنة التي توفي فيها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (رحمه اللّه تعالى)، إلا و ليس بالحرمين الشريفين جمال و شقادف لنقل الحجاج مطلقا، حتى لقد صارت كلمة" شقدف" من الكلمات الغربية التي تحتاج إلى شرح و بيان، أما الشقادف فهي معمولة من أعواد الخشب و الحبال، فقد ذابت أو صارت طعمة للنيران، و لكن أين ذهبت تلك الآلاف المؤلفة من الجمال التي كانت تحمل الحجاج قبل السيارات؟ إنها ذهبت في بطون الأودية و شعاب الجبال، تذبح فتؤكل لحومها، أو تحمل ضعاف البدو من مكان إلى مكان، فلم تبق لهم بها عناية كعنايتهم السابقة، فسبحان الكبير المتعال‏

307

رب العزة و الجلال، الذي له ملك السموات و الأرض، لا إله إلا هو العزيز الجبار.

و مما يجب ذكره: أن مكة شرفها اللّه تعالى و أدام أمنها و أمانها كانت من سنة (1348) ألف و ثلاثمائة و ثمان و أربعين هجرية، فما قبلها إلى العصور السابقة، إلى عصر الإسلام و ما قبله أيضا، يسودها الهدوء و السكينة في جميع أنحائها ليلا و نهارا. فلما كثرت بها السيارات من بعد السنة المذكورة إلى الآن، كثر الضوضاء فيها و زاد الضجيج بها من هدير السيارات و أصوات عجلاتها، فسبحان مغير الأحوال.

انظر: صورة رقم 45، ناقتان على كل منهما راكب من العرب.

و انظر: صورة رقم 46، جملان يقودهما أحد الأعراب.

و انظر: صورة رقم 47، الجمال باركة بشارع المعلا بمكة و بجوارها السيارات.

و انظر: صورة رقم 48، بعض الجمال وفوقها أكياس الحبوب بالمدينة المنورة.

و انظر: صورة رقم 49، قافلة من الجمال تمشي في أحد شوارع منى.

و انظر: صورة رقم 50، جزء من قافلة الحجاج و هم على الشقادف فوق الجمال في أحد شوارع جدة قاصدين مكة المشرفة قبل سنة 1345 ه.

و انظر: صورة رقم 51، الجمال و هي محملة بالشقادف يجلس فيها الحجاج.

و انظر: صورة رقم 52، رتل من السيارات ناقلات الحجاج.

المشقات التي كانت تعترض الحجاج سابقا و بيان مسافات الطرق‏

مما لا جدال فيه، أن طريق الحج من جميع جهات مملكتنا في عهدنا الحاضر السعيد، طريق معبد للمسير و السيارات ممهد بجميع اللوازم و الضروريات التي قد يحتاج إليها الحاج، من زاد و ماء و وقود و إسعافات، أما الأمن و الأمان، و الأرزاق الوافرة بدون حساب، فحدث عنها و لا حرج، و قد شاع ذلك في الخافقين، كل هذا أولا بفضل اللّه عز شأنه و برحمته العميمة، ثم بعناية حكومة جلالة مليكنا الملك فيصل بن عبد العزيز، زاده اللّه توفيقا و عزا.

أما في الأزمان السابقة و العصور الماضية، فقد كانت طريق الحج محفوفة بأنواع المخاطر و المشقات، و لنذكر ما حكاه بعض المؤرخين عن ذلك فنقول:

قال صاحب الرحلة الحجازية، الذي حج في عام (1327) ه، في كتابه المذكور

308

عند الكلام على الطريق إلى الحرمين ما نصه: كانت طريق الحجيج إلى بيت اللّه الحرام كلها مشقات و أخطارا في الزمن السابق، بما كانت تلقيه يد الطبيعة في سبيلهم من الشدائد الطبيعية التي كانت تفتك بسوادهم في الطريق من حر الصيف وقر الشتاء، أو جفاف ماء الآبار في هذه الصحراء المحرقة، و ما كان يدهمهم فيها من السيول التي أشد ما حصلت في سنة (1196)، حيث اجتاحت نصف الحجيج المصري بين مكة و المدينة، وعدا هذه الشدائد الطبيعية، فكثيرا ما كانت توقع بهم يد أشرار الأعراب، و أقص ما وقع لهم في سنة (1200)، و كان أمير الحج المصري أمسك بعض لصوص حرب في طريق المدينة، و وسمهم بالنار على خدودهم فصرخت صرختهم، و تلاحقت به قبائل حرب، و حملوا عليه، فهرب مع عسكره، و وقعت الحجاج بين أيديهم فأفنوهم عن آخرهم، و أخذوا ما كان معهم من سلب و ذخيرة. و كثيرا ما كان تجاذب السلطة بيد أشراف مكة و بعضهم، أو حربهم مع قبائل الأعراب، أو اختلاف أهل مذهب مع أهل مذهب آخر، يقفل في وجوه الحجاج أبواب مكة أو المدينة بعد وصولهم إلى هذه أو تلك، فيرتدون عن الأولى من غير تأدية المناسك، و عن الثانية بدون زيارة مسجد الرسول (صلى الله عليه و سلم) و يعودون إلى بلادهم، و قد أضافوا على متاعبهم الأولى مشقات جديدة تزيد في شدتها عليهم آلامهم المعنوية من حرمانهم من أمنيتهم، فتضعف قواههم و تخور عزائمهم، و غالبا ما كانت تشتتهم يد الفوضى و تعرض بهم حال الضعف إلى النهب و السلب، كل ذلك كان يحصل لحجاج بيت اللّه الحرام.

و الناس لا يمنعهم عنه مانع و لم يسمع أنهم انقطعوا عنه من أنفسهم في سنة من السنين، اللهم إلا ما قعد ببعضهم من غير جزيرة العرب أيام القرمطي و الوهابي، لأن الطريق كانت مقطوعة عليهم، و لم يسمع بأن جميع المسلمين أهملوا هذا الواجب مطلقا، و لم يقف أحد منهم بعرفة من مبدأ الإسلام إلى الآن، إلا في سنة (654) التي لم يحج فيها أحد للفتنة التي كانت بين الأشراف على إمارة مكة.

لذلك كان الحجاج إذا طلعوا إلى أداء هذه الفريضة كانوا أول ما يستعدون على سلاحهم كأنهم سائرون إلى دار حرب، لا إلى دار قد أمن اللّه فيه حياة الإنسان و الحيوان، بل و حياة الأشجار، فإذا عادوا إلى بلادهم استقبلهم أهلوهم و ذووهم بالطبول و الزمور، فيقيمون لهم الأفراح و الليالي الملاح، بعد أن يعدوا لهم كل ما فيه راحتهم و رفاهيتهم، من نقش الدور و تجديد ما قدم عهده فيها من فرش و غيره، لا فرق في ذلك بين أمير أو فقير. و كانت الطبقة الصغرى، و هي سواد

309

الحجاج و أكثرهم مشقة طبعا، تزوق لهم واجهات منازلهم: فيرسمون عليها صورة المجمل و قافلته و حرسه، و يرسمون إلى جانبها نخلة قد ربط إلى جذعها سبع و ضبع في سلسلتين من حديد، و بقرب منهما رجل قد أشهر سيفه في يده إشارة إلى أن صاحبنا حفظه اللّه، تغلب بقوته و شجاعته على ما صادفه في طريقه هذا من المخاطر و المهالك.

لذلك كان و لا يزال لقب الحاج عند سواد المسلمين أشرف الألقاب التي يتحلى بها صدر أسماء الطبقة الصغرى، و هو يدل على ما يمتاز به الشخص من صفات الشهامة في الشبان، فإذا قيل لواحد منهم: يا حاج فلان، يعني يا أيها الشهم الشجاع، أما إذا لقب به الشيوخ و الكهول، فإنما يكون ذلك إشارة لكمال يقينهم و متانة دينهم الذي تحملوا في طريقه الأهوال التي تشيب منها الأطفال.

على أن طريق الحاج أصبح اليوم أقل صعوبة منه في أمسه، لذلك ترى الحاج في عودته بأبسط مما كان يستقبل به في الزمن السابق. و قليلا ما تراهم بمصر يرسمون شيئا على دور الطبقة الفقيرة، اللهم إلا محملا يسير في جنده و إلى جانبه مركب بخاري، أو قطار سكة حديد، مما لا شي‏ء فيه من معنى المشقة التي كان يصادفها الحاج في طريقه في الزمن السابق. و في الحقيقة فإن طريق الحاج اليوم أقل صعوبة و أكثر أمنا منه بالأمس، بل لا نسبة بين الحالتين بالمرة، ما دام طريق الحرمين أصبح محل اهتمام دولتنا العلية، فلابد أن يأتي يوم قريب يتذلل ما بقي فيه من الصعوبات، خصوصا إذا تحقق خبر تسيير الطريق الحديدي بين المدينة و مكة، و بين هذه و جدة، و اللّه الهادي إلى سواء السبيل. انتهى من الرحلة الحجازية.

فنحمد اللّه تعالى الذي أذهب تلك المشقات عن طريق الحج في عهدنا الزاهر الميمون، و جعله سهلا ميسورا لكل قاصد من غني أو فقير، اللهم أكثر علينا من خيراتك و فضلك، و عاملنا بإحسانك و رحمتك، و أصلح أحوالنا باطنا و ظاهرا حتى نكون أهلا لرضائك و إكرامك بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين آمين.

310

الطريق من مكة إلى المدينة سابقا

نذكر هنا الطريق التي كان الحجاج يسلكونها من مكة إلى المدينة في العصر السابق، لأن في ذكرها معرفة الأماكن التي هجرت اليوم، بسبب وجود السيارات (الأتومبيلات) و التي لها طريق ممهدة بالإسفلت، و بسبب الطائرات أيضا.

قال البتنوني في كتابه" الرحلة الحجازية" عن ذلك ما يأتي:

تقوم قوافل الحجاج من مكة إلى المدينة المنورة، فيسيرون في واحدة من أربع طرق، على حسب تبعية المقوم و الجمالة إليها، و هذه الطرق هي: السلطاني، و الفرعي، و الغاير، و الشرقي.

و الطريق السلطاني هو أحسنها سيرا و أكثرها ماء. فإذا قامت القافلة منه خرجت من باب العمرة، و سارت إلى الشمال الغربي، و تمر على المحطات الآتية:

وادي فاطمة/ و يجري فيه ماء عذب يأتي من السيول التي تنزل من جبال الطائف، و به مزارع كثيرة، و يسكن فيه عرب الأشراف، من ذوي حسين و ذوي غالب، و يسكن في المنطقة التي بينه و بين مكة إلى بحرة بنو لحيان.

عسفان/ ماؤها قليل، و في طريقها عقبة لا تسع إلا جملا جملا، و العرب الذين يسكنون في هذه الجهة بشور (بشر) و حمران.

خليص/ بها بئر التفلة، و ماؤها غزير و يسكنها قبائل زبيد، و بقرب منها واحة بها مياه جارية، و فيها بساتين و نخل.

القديمة/ (القضيمة) قرية على البحر، و مساكنها أكواخ صغيرة، و ماؤها من الحفر التي يخزنون فيها ماء الأمطار، و أهلها من زبيد، و يشتغلون في الغالب بصيد البحر، و منها يتجه الطريق نحو الشمال.

رابغ/ و هي قرية على البحر الأحمر، و فيها قلعة بها بعض الجند العثماني، و ماؤها من الحفر و الآبار، و أهلها من زبيد. و يأتي إلى مياهها بعض السفن الصغير ليشتري ما يصيده أهلها من الأصداف و غيرها، و ينزلون إليها خفية كثيرا من الدخان و غيره من الأشياء الممنوعة، و على الخصوص الأسلحة و ما يلزمها من ذخيرتها، و يبيعونها بأثمان رخيصة

311

/ جدا.

مستورة/ ماؤها غض (و منها طريق إلى بدر، إلى الصفراء و يسمونه الملف)، و يسكن هذا الطريق قبائل صبح في بدر، و الأحامدة في الصفراء.

بئر الشيخ/ و تسكنها قبائل صبح. و المياه على طول هذا الساحل لا ترغي الصابون.

ديار بني حصاني/ ماؤها غض، و يسكنها صبح و الحوازم.

الحمراء/ و هي قرية بها نهر عذب، و فيها بساتين و نخيل، و يكثر فيها البرتقال و الليمون و الموز و الحناء، و يزرع بها كثير من الخضر كالقتاء و البطيخ و غير ذلك، و يسكنها الحوازم، و منها ينثني الطريق إلى الشمال الشرقي.

الجديدة/ و هي قرية ماؤها عذب، و بها قبر ولي اللّه سيدي عبد الرحيم البرعي المصري، و تسكنها قبائل الحوازم و الأحامدة. و منها يميل الطريق قليلا نحو الشرق.

بئر عباس/ و يسكنها جانب من الحوازم و صبح و الأحامدة، و ماؤها قليل، و منها يميل الطريق إلى الشرق قليلا.

بئر درويش/ و يسكن هذه الجهة قبائل الأحامدة و الرّحلة (بكسر الراء و فتح الحاء).

آبار علي/ و يسكنها قبائل عوف و عمرو، و ماؤها عذب و هي على مسافة نحو خمسة كيلو مترا من المدينة، و تترك فيها القوافل شقادفهم و سحالبهم حتى لا يدفعوا عليها قوشانات في دخولها على المدينة، و من يريد أن يدخلها بمحمله دفع عليه الرسوم المعتادة من جيبه، و ربما طلب منه الجمال أكثر من اللازم فليتدبر.

الطريق الفرعي‏

و الطريق الفرعي يبتدئ من رابغ متجها إلى الشمال الشرقي، و يمر على المحطات التالية: وادي حرشان.

نقر الفار- و هو محجر ضيق منحدر، تمر منه الجمال جملا جملا، و يسكنه بنو سالم.

312

بئر رضوان- و ماؤها عذب.

أبو ضباع أو أم ضباع- و ماؤها عذب، و يسكنها بنو عوف.

الرياض أو وادي الريان- و ماؤها عذب و شجرها كثير، و يسكنها بنو عمرو.

الغدير- و فيه مجرى ماء.

وادي المعظم- ماؤه عذب.

بئر الماشي- ماؤها عذب حلو، و يسكنها بنو عوف.

طريق الغاير

و طريق الغاير يبتدئ من رابغ أو من مستورة، و يقطع جبل الغاير إلى الشمال، و هو أقل هذه الطرق مسافة فإذا وصل المسافر إلى الغاير صعد من عقبة عالية تشرف على هاوية عميقة طريقها ضيق جدا، بحيث لا يسع إلا دابة دابة. و هذا الطريق خطر في صعوده و هبوطه و خصوصا على الركاب، و مع ذلك تسير فيه الدواب بسهولة لأنها متعودة عليه، و مسافة الصعود إلى ظهر هذه العقبة لا تقل عن ست ساعات. و يسكن الغاير و منحدراته قبائل اللهبة و مسروح، و هما شر العرب على الحجاج. و هذا الطريق يسمونه الطريق المدني، لأن أهل المدينة يستسهلونه في حجهم لقربه، فيركبون هجنهم أو حميرهم أو خيلهم و يسيرون فيه قوافل قوافل. و لهم منازل ينزلون فيها حيث يكون الماء، و يقيمون فيها ريثما يأكلون و يصلون، ثم يستأنفون السير إلى مكة. و كثير من الحجاج الأقوياء الخفاف الأثقال، و خصوصا من المصريين، كانوا يصحبونهم من المدينة إلى مكة، و من مكة إلى المدينة عقب أيام التشريق مباشرة، و ينتظرون بالمدينة، حتى إذا جاءت القوافل إليها انصرفوا معها إلى ينبع.

و كانت حارة من المدينة تكون قافلة تسير تحت زعامة شيخ هذه الحارة، و يسمون ذلك ركبا فيقولون:" ركب فلان حضر إلى مكة، أو قام منها في يوم كذا" و كذلك الحال في زيارة أهل مكة للمدينة المنورة قبيل شهر رجب.

313

الطريق الشرقي‏

و الطريق الشرقي يخرج من مكة من باب المعلى، و يتجه إلى البياضية، ثم يسير في طريق، شمال طريق منى، و يتجه إلى الشرق، و يمر على المحطات الآتية:

بئر البارود/ ماؤها عذب.

وادي الليمون/ و يكثر فيه شجر الليمون و النارنج و الليمون الحار، و يزرع فيه البطيخ و الخضر. و فيه ماء جار ينزل إليه من جبال الهدى، و يسير في مجرى مبني إلى بساتينه و غياضه. و منه يتجه الطريق نحو الشمال.

الحفاير/ (الضربية) مياهها عذبة، و قريبة من سطح الأرض.

بركة سمرة/ لا ماء فيها مدة الصيف.

بركة المسلح/ (حارة) ماؤها غزير و بساتينها كثيرة.

الحبيط/ (الضيعة).

سفينة/ (صفينة) و بها نخل و آبار عذبة.

السويرجية/ (السويرقية) قرية يسكنها سادات من بني حسين و بها آبار و مزارع كثيرة.

الحجرية/ و يبعد الماء عنها بنحو ربع ساعة.

غرابة/ أو غراب، و فيها مياه كثيرة على عمق ذراع أو ذراعين من سطح الأرض.

الغدير/ أو الحنك، و بعضهم يكتبها الحنق، و فيها بركة كبيرة تملأ من مياه الأمطار.

سيدنا حمزة./ المدينة المنورة.

و عربان هذا الطريق من التريود و اللهبة و عتيبة و مطير و الرحلة، و هم أبعد العرب عن الحضارة.

انتهى من الرحلة الحجازية للبتنوني.

314

نظام القوافل‏

ثم بعد ما تقدم من الكلام، قال صاحب الرحلة الحجازية المذكور تحت عنوان" نظام القوافل" ما يأتي:

قلنا أن الحجاج لا يخرجون من مكة إلى المدينة إلا في ركب القافلة التي تكون جمالتها من أهل الطريق الذي يسيرون فيه، و غالبا ما تكون جمال الحجاج تابعة لجمال واحد، و هو الأحسن، أما لو كانت تابعة لجمالين، فتكون مشغوليته أكبر، و تعبه بينهما أعظم. و على كل حال فعلى الحاج أن يجتهد في تخفيف أحماله و أثقاله، فإذا كملت شحنة القافلة، نهضت الجمالة بجمالهم، و أخذوا يقطرونها في بعضها قطارا واحدا أو قطارين بجوار بعضهما، و في المقدمة يكون غالبا أكبر الركب و جاهة و عصبية، و جمال كل رجل تسير من خلفه مقطورة في جمله، و منهم من يرى تقدمها على جمله حتى تكون على الدوام تحت نظره، خوفا عليها من عبث العابثين.

و الجمل عندهم ينقسم إلى قسمين، جمل الشقدف: و يركبه اثنان و معهما اللازم من فراشهما و مؤنتهما اليومية، و جمل الحمل، و يقال له العصم، يحمل المتاع و يركب فوقه رجل واحد أو رجلان، إن كان المتاع قليلا. و أجرة العصم في الغالب ثلثا أجرة جمل الشقدف الذي يكون من الجمال المتينة القوية، حتى يتيسر له حمل ما فوقه. و ليس لهذه الأجرة من رابطة، بل يقدرها الشريف كل سنة باتفاقه مع الوالي، على حسب أهوائهما و تحت رحمتهما بضيوف اللّه، ثم ينادي بها المنادي في الأسواق، و لذلك تراها كالترمومتر ترتفع و تنخفض على نسبة مطامع ولاة الأمور بمكة. و لقد كانت أجرة الشقدف في سنة 1328 ست ليرات عثمانية من مكة إلى المدينة إلى ينبع، أما قبل الدستور فقد بلغت 13 جنيها مصريا و نصف، كانت تؤخذ من الحاج في مكة بواسطة المطوف، و هذا عدا ما كان يصيبه من الجمّال في طريقه من طلبه زيادة على الأجرة المذكورة مدعيا بأنه لم يصله شي‏ء من أجرته.

و عليه، فإذا كان الحاكمون في بلاد العرب من الأخيار البعيدين عن المطامع، كانت الجمالة على أخلاقهم، و العكس بالعكس، (و الناس على دين ملوكهم).

315

و المطوفون بعد أن يتفقوا مع الجمالة على حمل حجاجهم يسافرون غالبا إلى المدينة في قافلتهم بحجة المحافظة عليهم، و كثيرا ما يغرر الجمالة بضعاف الحجاج، فيأخذون الأجرة منهم، و يخبرونهم بأن الجمال خارج البلد، و يرجونهم في أخذها من هناك حتى يوفروا عليهم دفع القوشان (كلمة تركية معناها المكس، و هو عوائد تأخذها الحكومة على الجمال الخارجة من مكة أو جدة أو المدينة أو ينبع، و ليست لها قيمة مخصوصة، بل ترتفع و تنخفض على نسبة مطامع ذوي الكلمة هناك، و ربما بلغت ريالين أو أكثر قبل الدستور، مع أن الذي يرد لخزينة الدولة منها ستة قروش فقط)، فإذا خرج الحجاج المساكين من مكة لا يجدون إلا جمالا ضعيفة ضئيلة ينالهم منها مشقات جسيمة، و كثيرا ما يتركونها و يسيرون على أقدامهم جل مسافة الطريق أو كلها.

و القافلة لا تنتظم عادة إلا بعد أول محطة، حيث ينظم الجمالة جمالهم، و يرتبون قطاراتهم التي لا يخالفونها طول سفرهم.

و الجمالة في الغالب نحيفو الجسم رفيعو الساقين قصار القامة، يكاد أن لا يكون في جسمهم عضل بالمرة، أما عظمهم فهو الحديد أو أشد صلابة، و لهم قدرة على العدو بحيث لا يلحقهم فيه أحد، و لقد رأيت رجلا منهم يعدو وراء جمل شارد، حتى تعلق بذيله فعاقه عن الجري، ثم أمسك بزمامه، أما ملابسهم فهي قميص عليه حزام من الجلد به عادة سكين طويلة أو سيف صغير، و في أيديهم عصا غليظة قصيرة، يسمونها المطرقة، و على رؤوسهم تلك الصمادة" الكوفية" التي يلفونها عليها بأشكال مختلفة، و بعض عرب الشروق و اليمن يستعملون غير الطاقية شيئا من الخوص يشبه البرنيطة الواسعة، إن لم تكن هي، و يسمونها الظلة.

و بعض الجمالة يلبس نعلا في رجله تقيها من حرارة الأرض و حصبائها. أما نظافة ملابسهم، فلا يمكنني أن أقول لك عنها غير أنها إذا اتصلت بجسومهم لا يخلعونها مطلقا حتى تنخلع هي عنها، و هذا لا يكون إلا إذا أكل عليها الدهر و شرب، و المترفون منهم يغيرون ملابسهم كل سنة مرة في موسم الحج، و بعضهم يلبس عباءة من الصوف أيام الشتاء تقيهم شدة البرد يسمونها مشلحا، و لون هذه الملابس كلون الجبال أو الرمال، فتراها صفراء قاتمة أو حمراء طوبية، و ربما كان اختيارهم لهذه الألوان حتى لا ترى بسهولة من بعد، بل يشكل فيها الأمر على‏

316

الرائي، و في ذلك ما لا يخفاك من الفكرة التي أساسها الخبث و الغدر، و ربما أخذ من هذا تغطية الاستحكامات الجديدة في أوروبا بطبقة ترابية، تشبه أرض المنطقة المحيطة بها، و بعض كبراء الحجيج يعطون جمالتهم عباءة من الجوخ الأحمر، فيفرحون بها فرحا عظيما، و تقع في نفوسهم موقعا حسنا، و يتباهون بها على اقرانهم ... إلى آخر كلامه الطويل عن وصف الجمالة التي أضربنا عنها صفحا، لعدم احتياجنا إليها، مكتفين بما ذكرناه. انتهى من الرحلة الحجازية للبتنوني.

الطريق المسلوك من مصر إلى مكة

و بمناسبة كلامنا عن طريق الحج، نذكر أيضا ما جاء في كتاب" حسن المحاضرة في أخبار مصر و القاهرة" للإمام السيوطي (رحمه اللّه تعالى)، للإحاطة و التبصرة. فقد قال فيه ما يأتي: ذكر الطريق المسلوك من مصر إلى مكة، شرفها اللّه تعالى. قال ابن فضل اللّه في المسالك: المحامل السلطانية و جماهير الركبان لا تخرج إلا من أربع جهات و هي: (مصر، و دمشق، و بغداد، و تعز اليمن)، قال:

فيخرج الركب من مصر بالمحمل السلطاني، و السبيل المسبل للفقراء و الضعفاء و المنقطعين بالماء و الزاد و الأشربة و الأدوية و العقاقير و الأطباء و الكحالين و المجبرين و الأدلاء الأئمة و المؤذنين و الأمراء و الجند و القاضي و الشهود و الدواوين و الأمناء و مغسل الموتى، في أكمل زي و أتم أبهة، و إذا نزلوا منزلا أو رحلوا مرحلا تدق الكوسات و ينفر النفير ليؤذن الناس بالرحيل و النزول. فإذا خرج الركب من القاهرة، نزل البركة على مرحلة واحدة، فيقيم بها ثلاثة أيام أو أربعة، ثم يرحل إلى السويس في خمس مراحل، ثم إلى نخل له خمس مراحل، و قد عمل فيها الأمير إلى ملك الجو كندار المنصوري، أحد أمراء المشورة في الدولة الناصرية ابن قلاوون بركا، و اتخذ لها مصانع، ثم يرحل إلى أيلة في خمس مراحل و بها العقبة العظمى، فينزل منها إلى حجز بحر القلزم، و يمشي على حجزه حتى يقطعه من الجانب الشمالي إلى الجانب الجنوبي، و يقيم به أربعة أيام أو خمسة، و به سوق عظيم فيه أنواع المتاجر، ثم يرحل إلى حفل مرحلة واحدة، ثم إلى بر مدين في أربع مراحل، و به مغارة شعيب عليه الصلاة و السلام، و يقال إن مأوها هو الذي سقى موسى، عليه الصلاة و السلام غنم بنات شعيب. ثم يرحل إلى عيون القصب في مرحلتين، ثم إلى المويلحة في ثلاث مراحل، ثم إلى الأزلم في أربع مراحل، و ماؤه من أقبح‏

317

المياه، و هناك خان بناه الأمير إلى ملك الجو كندار و عمل هناك بئرا أيضا. ثم إلى الوجه في خمس مراحل و ماؤه من أعذب المياه، ثم إلى أكرى في مرحلتين و ماؤه أصعب ماء في هذا الطريق، ثم إلى الحوراء، و هي على ساحل بحر القلزم، في أربع مراحل، و ماؤها شبيه بماء البحر لا يكاد يشرب. ثم إلى نبط في مرحلتين و ماؤه عذب، ثم إلى ينبع في خمس مراحل و يقيم عليه ثلاثة أيام، ثم إلى الدهنا في مرحلة، ثم إلى بدر في ثلاث مراحل، و هي مدينة حجازية و بها عيون و جداول و حدائق و بها فرضة المدينة الشريفة. ثم يرحل إلى رابغ في خمس مراحل، و هي بإزاء الجحفة التي هي الميقات، ثم يرحل إلى خليص في ثلاث مراحل، و بها بركة عملها الأمير أرغون الناصري، ثم إلى بطن مر في ثلاث مراحل، و في طريقه بئر عسفان، ثم يرحل من بطن مر إلى مكة المشرفة مرحلة واحدة، ثم يرجع في منازله إلى بدر فيعطف إلى المدينة الشريفة، فيرحل إلى الصفراء في مرحلة إلى ذي الحليفة في ثلاث مراحل، ثم إلى المدينة الشريفة في مرحلة، ثم يرجع إلى الصفراء و يأخذ بين جبلين في فجوة تعرف بنقب علي، حتى يأتي الينبع في ثلاث مراحل، ثم يستقيم على طريقه إلى مصر. انتهى من حسن المحاضرة.

و جاء في الجزء الرابع عشر من كتاب" صبح الأعشى" للقلقشندي، الذي فرغ من تأليفه سنة (814) أربع عشرة و ثمانمائة من الهجرة، عن المراحل الموصلة إلى الحرمين ما يأتي:

معرفة مراحل الحجاز الموصلة إلى مكة المشرفة و المدينة النبوية

على ساكنها سيدنا محمد أفضل الصلاة و السلام و التحية و الإكرام، إذا كانت من تتمة الطرق الموصلة إلى بعض أقطار المملكة و كما ضبطت تلك بالمراكز فقد ضبطت هذه بالمراحل، و عادة الحجاج أنهم يقطعون في كل يوم و ليلة منها مرحلتين بسير الأثقال و دبيب الأقدام، و يقطعونها كلها في شهر بما فيه من أيام الإقامة بالعقبة و الينبع نحو ستة أيام، أما من يسافر على النجب مخفا مع الجد في السير، فإنه يقطعها في نحو أحد عشر.

ثم ذكر القلقشندي أسماء المراحل من مصر إلى مكة، و نحن نذكرها هنا عنه، لكن لا على ترتيب كتابه، و إنما نحن جعلناها على شكل جدول، و هو هذا:

318

عدد/ أسماء المراحل/ ملاحظات 1/ من القاهرة إلى البركة/ و هي معرفة ببركة الحاج‏

2/ البويب/ و هي معرفة ببركة الحاج‏

3/ الطليحات/ و هي معرفة ببركة الحاج‏

4/ المنفرح/ و هي معرفة ببركة الحاج‏

5/ مراكع موسى/ و هي معرفة ببركة الحاج‏

6/ عجرود/ و بها بئر و مصنع ماء متسع يملأ منها

7/ المنصرف/ و بها بئر و مصنع ماء متسع يملأ منها

8/ وادي القباب/ و هو كير الرمل‏

9/ أول تيه بني إسرائيل/ و هو واد أفيح متسع‏

10/ العنق/ و هو واد أفيح متسع‏

11/ نخل/ و بها ماء طيب‏

12/ جسد الحي/ ...

13/ بير بيدرا/ ...

14/ تمد الحصا/ ...

15/ ظهر العقبة/ ...

16/ سطح العقبة/ و هو عرقوب البغلة على جانب طرف بحر القلزم، و فيها ماء طيب من الحفائر

17/ حفن/ على جانب بحر القلزم" و هو البحر الأحمر" و فيها ماء طيب من الحفائر

18/ عش الغراب/ ...

19/ آخر الشرفة/ ...

20/ مغارة شعيب/ و بها ماء و مصنع‏

21/ وادي عفان/ ...

22/ ذات الرخيم/ ...

23/ عيون القصب/ و به ماء نابع، و أجمة قصب نابتى فيها

24/ المويلحة/ و بهاء ماء في آبار

25/ المدرج/ ...

26/ سلمى/ مجاور بحر القلزم، و بهاء ماء ملح‏

319

27/ الأتيلات/ ...

28/ الأزنم/ و الناس يقولون الأزلم باللام بدل النون، و به آبار بها ماء ردي‏ء يطلق بطن من شربه، لا يسقى منه غالبا إلا الجمال، و هو نصف الطريق‏

29/ وادي عنتر/ ...

30/ الوجه/ و به آبار قليلة الماء و هو داخل الوادي يعز الماء فيه غالبا و لا يوجد فيه إلا حفائر، و يقال إنه إذا طلعت الشمس عليه نضب ماؤه، و فيه يقول من حج من الشعراء و عز عليه وجود الماء فيه: إذا قلّ ماء" الوجه" قلّ حياؤه و لا خير في (وجه) بغير حياء، و الحيا المطروفية تورية. و في رواية: إذا قل ماء" الوجه" قل حياؤه و لا خير في" وجه" إذا قل ماؤه.

31/ المحاطب/ ...

32/ أكرا/ ...

33/ رأس القاع الصغير/ ...

34/ قبر القروي/ ...

35/ كلخا/ ...

36/ آخر القاع الصغير/ ....

37/ الحوراء/ و بهاء ماء غير صالح‏

38/ العقيق/ بضم العين تصغير عقيق بفتحها، و هو مضيق صعب‏

39/ مغارة نبط/ و بها ماء عذب ليس بطريق الحجاز أطيب منه‏

40/ وادي النور/ ....

41/ قبر أحمد الأعرج الدليل/ ....

42/ آخر وادي النور/ ...

43/ رأس السبع و عرات/ ....

320

44/ دار البقر/ ....

45/ ينبع/ و هي النصف و الربع من الطريق، و بها تقع الإقامة ثلاثة أيام أو نحوها، و بها يودع الحجاج ما ثقل عليهم إلى حين العود و يستميرون منها مما يصل إليها من الديار المصرية في سفن بحر القلزم.

46/ المحاطب في الوعر/ ....

47/ رأس وادي بدر/ و هي منزلة حسنة بها عيون تجري و حدائق‏

48/ رأس قاع البزوة/ ....

49/ وسط قاع البزوة/ ....

50/ رابغ/ و هو مقابل الجحفة التي هي ميقات الإحرام لأهل مصر، و بها يحرم الحجاج و لا يغشون الجحفة، إذ قد دعا النبي (صلى الله عليه و سلم)، بنقل حمى المدينة إليها بقوله:" و انقل حماها إلى الجحفة، فلو مر بها طائر لحم".

51/ قديد/ بضم القاف‏

52/ و عقبة السويق/ .....

53/ خليص/ و به مصنع ماء

54/ عسفان/ ...

55/ مدرج علي/ و هو كثير الوعر

56/ بطن مر/ و العامة يقولون" مرو" بزيادة الواو، و به عيون تجري و حدائق‏

57/ مكة المشرفة/ شرفها اللّه تعالى و عظمها

58/ منى/ و بها ماء طيب من آبار تحفر

59/ المشعر الحرام المزدلفة/ ...

60/ عرفة/ و هي الموقف و إليها ينتهي سفر الحجاج‏

انتهى كل ما ذكر من كتاب صبح الأعشى، و نحن قد وضعنا نص كلامه على هذه الصورة في هذا الجدول.

321

الطريق من مصر إلى الحرمين قديما و حديثا

تختلف المدة اللازمة للإنسان ليصل إلى الحرمين الشريفين من بلدته بحسب قرب الأقطار أو بعدها، فقد ذكر العلامة الباجوري، (رحمه اللّه تعالى) أن عادة أهل مصر الخروج منها للحج في اليوم السابع و العشرين من شوال، و عوده إليها في آخر شهر صفر ا ه.

يعني: أن الحاج المصري يقضي في طريق الحج أربعة أشهر كاملة ذهابا و إيابا في عصر لم تكن فيه بواخر سريعة و لا قاطرات و لا سيارات و لا طائرات، فإذا كانت المدة تطول إذا أتى الحاج من البلاد البعيدة و الأقطار النائية، كمن يأتي من أقصى السودان و أقصى العراق و تركستان و بخارى و الهند و السند و الصين و جاوة و غير ذلك، و بالضرورة تكون النفقات اللازمة كثيرة أيضا، بحسب بعد المسافات و قربها، و بحسب وسائل الركوب القديمة و الحديثة. ذكرت جريدة المدينة المنورة بعددها (643) في 6 ذي الحجة عام 1375 ه أن رجلا من البنقال من باكستان الشرقية وصل إلى المدينة حاجا ماشيا على قدميه من بلاده، و قد مر بصحراء راشبوتا بالهند، و صحراء بلوجستان الخطيرة، و صحراء دشبتلوت بإيران، و قدم المدينة عن طريق النجف و حائل، و غادر المدينة إلى مكة ماشيا أيضا، و قد قال هذا الحاج إن له أكثر من سنتين و نصف و هو يمشي قاصدا الحج ا ه. و ليس بمستغرب أمر هذا الرجل حيث لم يستعمل شيئا من وسائل الركوب.

أما المسافر بوسائل الركوب الحديثة العصرية الآن، كالطائرات و السيارات و القطارات و البواخر العظيمة السريعة، فيكفي أسبوع واحد أو أقل للحاج المستعجل لقدومه و رجوعه إذا ركب طائرة، و اللّه تعالى أعلم بما سيحدث في المستقبل من الاختراعات العجيبة، التي لم تكن تخطر بالبال.

و لنذكر هنا كيفية الوصول سابقا من مصر إلى الحرمين الشريفين" مكة و المدينة"، و قد اختصينا الكلام عن مصر دون سائر البلدان لأمرين: الأول: لما لمصر من المكانة المرموقه الثابتة في قلوب جميع الأمم. و الثاني: لأن حجاج أغلب الممالك كانوا في السابق يخرجون من بلادهم فيهبطون مصر أولا، ثم يسيرون إلى الحرمين، كبلاد المغرب و السودان و السنغال و بلاد التكرور و بلاد الشام و الترك و القوقاز و بخارى و غيرها.

322

و لننقل هنا ما جاء عن طريق الحج في الأزمان السابقة من كتابين:

(الأول): كتاب تاريخ مكة المطبوع سنة 1372 ه و يقع في 450 صحيفة، و مؤلفه صديقنا الفاضل الأستاذ أحمد السباعي المكي، فقد ذكر طريق الحج في كتابه في أربعة مواضع بصورة مختصرة مفيدة.

(الثاني): كتاب الرحلة الحجازية للأستاذ محمد لبيب البتنوني المصري، و قد طبع للمرة الثانية سنة (1329)، و يقع في 334 صحيفة، و قد ذكر طريق الحج و طريق المدينة بصورة مطولة مفيدة فائدة جليلة.

و لنبدأ بما جاء في كتاب تاريخ مكة المذكور لما فيه من الاختصار المفيد الذي يرسخ سريعا في الأذهان، فنقول: جاء فيه بصحيفة 147 ما نصه:

و قد كان الحجاج أغلب ما يفدون في هذا العهد" أي عهد الفاطميين" من طريق مصر، يصلون إليها من الأندلس و المغرب و إفريقيا، برا و بحرا، كما يصلون إلى الشام من بلاد الترك و القوقاز و بخارى و القرم و القازان و شمال روسيا و سيبريا و جزائر البحر الأبيض، ثم يسافرون إلى مصر ليجتمعوا مع من اجتمع فيها من غيرهم بالقاهرة، و من ثم يفصل بعضهم بعد شهر رمضان إلى السويس، حيث تقلهم المراكب الشراعية إلى جدة، و يمضي الكثيرون مصعدين في الصعيد إلى قوص برا، أو من طريق النيل و يستغرق ذلك نحو عشرين يوما، ثم يتجهون إلى عيذاب أو القصير في أعلى الصعيد على شاطئ البحر الأحمر، حيث ينتظرون المراكب التي تقلهم إلى جدة، و قد يستغرق انتظارهم في الميناء نحو شهر، كما يستغرقهم السفر منها إلى جدة عشرة أيام.

و كانوا يستقلون مراكب غير محكمة و أشرعتها من حصير، و أصحابها يتعسفون بالحجاج، و يشحنون فيها أكثر من حمولتها، و لذلك كانوا يتعرضون لأخطار البحر، كما أن بعض المراكب كان يغرق بالفعل.

و كان يحكم عيذاب و القصير بدوي من عرب البجاه، و مندوب يمثل حكومة مصر، و كان الحاكمان يتوليان استيفاء رسوم الحجاج في عيذاب، نيابة عن صاحب مكة و يقتسمان معه الواردات.

و كان عرب البجاه يتولون كذلك نقل الحجاج في صحراء الصعيد فوق جمالهم، و في البحر إلى جدة على مراكبهم الشراعية، و كانوا يرهقون الحجاج‏

323

باستغلالهم، و ربما عرضوهم للطريق المعطش ليموتوا فيستولوا على متاعهم.

انتهى.

و عرب البجاه أو البجه، يقال إنهم من البربر و كانوا يسكنون في صحراء مصر الشرقية من سواكن إلى قرية يقال لها الحزية في صحراء قوص، ا ه.

و جاء فيه أيضا بصحيفة 169 ما نصه: و في هذا العهد" أي عهد الأيوبيين"، بدأ سبيل الحج يتحول معظمه من طريق عيذاب و القصير في الصعيد، إلى العقبة شرقي مصر حيث ينحدرون برا إلى شمالي الحجاز، فقد سافرت شجرة الدر على رأس قافلة من الحجاج من ذلك الطريق، فتحولت القوافل إليه، و كان يقلها (محمل) على شكل هودج، اتخذ فيما بعد شعارا لقافلة المصريين، ثم قلدهم فيه بعض الأمم من المسلمين.

و حج ابن جبير في هذا العهد من طريق عيذاب، فوصف القوافل التي كانت تسير بين قوص و بينها، و قال إن المترفين فيها كانوا يمتطون (الشقاديف) و هي أشباه المحامل، يوصل منها اثنان بالحبال و توضع على البعير و لها أذرع قد وضعت بأركانها، و يكون عليها مظلة فيكون الراكب فيها مع عديله، يطالع فيها متى شاء المطالعة في مصحف أو كتاب، و من شاء فمن يستجير اللعب بالشطرنج أن يلاعب عديله تفكها.

و الذي أقوله، أن هذا الوصف يشبه وصف (الشقاديف) التي كنا نركبها فوق الإبل و لا تزال بقاياها إلى اليوم. و يفهم من هذا أن استعمال الشقادف لم يكن خاصا بالحجاز، بل كان مستعملا في مصر، انتهى.

نقول: قال في كتاب قاموس الأمكنة و البقاع، لجامعه علي بهجت، وكيل دار الآثار العربية بمصر، عن عيذاب ما يأتي: قال ياقوت: هي بليدة على ساحل بحر القلزم" البحر الأحمر"، و هي مرسى المراكب التي تقدم من عدن إلى الصعيد، و منها تعدي إلى جدة. و قال المقريزي: و هي ثغر على البحر الأحمر مسامة تعوص بينهما مسيرة سبعة عشر يوما، و كانت من أعظم مراسي الدنيا، بسبب أن مراكب الهند و اليمن تحط فيها البضائع و تقلع منها مع مراكب الحاج الصادرة و الواردة، و كان لأهلها من الحجاج و التجار فوائد لا تحصى، و كان لهم على كل حمل يحملونه للحاج ضريبة مقررة و كانوا يكارونهم الجلاب (مراكب مخصوصة) التي تحملهم إلى جدة، و من جدة إلى عيذاب، فيجتمع لهم من ذلك مال كثير.

324

و في بحر عيذاب مغاص اللؤلؤ في جزائر قريبة منها، يخرج إليها الغواصون في وقت معين من كل سنة في الزوارق فيقيمون هنالك أياما، ثم يعودون بما قسم لهم من الحظ. و المغاص فيها قريب القاع، و كان تجار الهند و اليمن و الحبشة متى وصلوا ببضائعهم إلى عيذاب، يسلكون الصحراء إلى قوص، و منها يبحرون إلى مدينة مصر، فكانت هذه الصحراء لا تزال عامرة آهلة بما يصدر أو يرد من قوافل الحاج و التجار، حتى كانت أحمال البهار كالقرفة و الفلفل و نحوهما توجد ملقاة بها و القفول صاعدة و هابطة لا يتعرض لها أحد، إلى أن يأخذها صاحبها، أقول و قد دثرت هذه المدينة. انتهى من كتاب قاموس الأمكنة و البقاع.

و جاء في تاريخ مكة أيضا، بصحيفة 231 ما نصه: و كان طريق الحجاج قد انتقل في أواخر عهد الأيوبيين من القصير و عيذاب إلى طريق العقبة، كما أسلفنا ذلك، ثم ما لبث أن أخذ هذا الطريق أهميته في عام (660)، حيث سير الظاهر بيبرس البندقداري قافلة الحجاج منه، و أرسل معها كسوة الكعبة و مفتاحها الذي صنعه لها. ثم عنى الشراكسة بتنظيم السير في هذا الطريق عما كان في عهد الأيوبيين، و أول من نظم شؤون السير، هو أحد الأمراء المصريين و اسمه جمال الدين، فقد سافر والده أميرا للمحمل في عام (809)، فعنى الولد بترتيب القافلة عند وصولها إلى عجرة و هي محطة قبيل السويس، فأمر بكتابة أكابر الحجاج، و رتب سيرهم في مكان معين من القافلة، بعد أن ضبط طليعة القافلة و ساقتها بجماعة من العسكر، و جعل الأموال تتوسطها.

و الطريق بين السويس و العقبة شاق جدا، تسوخ في رماله خفاف الجمال، و يتيه في بيدائه المسافرون فلا يهتدون إلا بأنصاب من الحجر بنيت على الطريق لهدي المسافرين، و كان الحجاج يعانون فيه من قلة الماء ما يعانون، و كانت المسافة بين السويس و العقبة زهاء (300) كيلو، تقطعها قافلة المحمل، و هي أسرع القوافل سيرا، في أكثر من عشرة أيام. و تصعد القوافل في العقبة و تنيخ في مدينتها للراحة، فقد كانت محطة من محطات الحج المصري في هذا العهد الذي ندرسه، و كانت مصر تحشد من جنودها في قلعتها ما يكفي لتأمين طريق الحجاج، و كانت العقبة إلى ذلك ملتقى الحج السوري بالمصري، فقد كانت قوافل السوريين تصل إليها من غزة، فتلتقي بقوافل المصريين، ثم ينحدرون إلى قرية أيلة، و هي المدينة القديمة التي اندثرت و قامت العقبة على أنقاضها.

325

و تنتقل قوافل الحجاج بعد ذلك إلى مدينة الوجه، فتصلها في أقل من نصف شهر، و كان في الوجه محافظ يحكم المدينة من الشراكسة، و قاض ينظر في قضاياهم الشرعية، و جند يحافظون على الأمن، و سوق عام تعرض فيه السلع الواردة من الشمال و الجنوب و الغرب، و كان الطريق يتشعب بعد الوجه إلى العلا شرقا و ينبع جنوبا و المدينة المنورة من الناحية الجنوبية الشرقية، و بذلك كان سير القافلة يستغرق في العادة نحو شهر و نصف إلى المدينة أو مكة، و ذلك للقافلة ذات السير السريع.

و كانت ثمة طرق أخرى أكثرها برية تمضي فيها قوافل الشام و القدس، أهمها طريق العريش و طريق العلا، و هو الطريق الذي يقطعه المحمل الشامي من دمشق إلى المدينة في مدة لا تقل عن أربعين يوما.

و ظلت هذه الطرق عامرة بقوافل الحجاج إلى سنة (1301 ه) حيث اتخذ الحج المصري طريقه من السويس إلى جدة في المراكب الشراعية قبل استعمال البواخر كما سيأتينا. انتهى.

و جاء فيه أيضا بصحيفة 328 ما نصه: و ظل طريق الحجاج طوال هذا العهد (أي عهد العثمانيين الأول) على حاله في عهد المماليك يأخذ سبيله من العقبة إلى الشام أو مصر، و قد عنى الخلفاء من بني عثمان بمحطاته على طول الطريق، و كانوا ينفقون على تحصين القلاع في العقبة و المويلح و ضبا و الوجه من أموال الخزينة التركية المصرية. و قد ظلت على ذلك إلى العهد العثماني الثاني، حيث انتقل فيه طريق الحج من السويس بحرا في سنة (1301)، و استحوذ العثمانيون على قلاع العقبة و الوجه، ثم ألحقوها بإمارة مكة سنة (1310) ألف و ثلاثمائة و عشرة، و كان حجاج الهند يصلون إلى مكة برا من إيران و العراق، ثم ركبوا السفن الشراعية في أوائل هذا العهد من ميناء سورت بجوار بومباي.

انتهى كل ما ذكرناه من (تاريخ مكة) للأستاذ أحمد السباعي، و هو كما لا يخفى، كلام مختصر مفيد.

أما ما جاء في" الرحلة الحجازية"، فإنه كلام مطول مفيد جدا، لا يستغني عنه الباحث المستقصي، حتى أنه جاء فيه أسماء المحطات التي كان يقطعها الحاج في طريق البر من القاهرة إلى مكة المشرفة، و المسافة التي بين كل محطة و أخرى مبينة بالساعات، ففي كل ذلك من الفوائد المتعددة ما لا يخفى.

326

و إليك ما جاء فيها بصحيفة 27 و هذا نصه:

كانت مصر، و لا تزال، طريق المسلمين إلى حج بيت اللّه الحرام، و زيارة نبيه عليه الصلاة و السلام، في نصف الكرة الأرضية الغربية، باعتبار أن مكة المكرمة هي قلب العالم، أو النقطة المركزية التي تنبعث منها أنصاف أقطار إلى محيط جميع دائرة الأقطار، فالأندلسي الذي كان يسكن في غرب أوربا، و المغربي الذي في غرب إفريقيا، و ما دونه من مسلمي البربر فالسنغال، فبلاد التكرور، و السودان الغربي و الشرقي، كانوا إذا قصدوا الحج إلى بيت اللّه الحرام سافروا من بلادهم إلى مصر بحرا أو برا، و لهذه الغاية كان يقصدها كذلك كثير من أهالي الشام و الترك و القوقاز و القريم و بخارى و قازان، و غيرهم من مسلمي شمال الروسيا و سيبيريا و جزائر البحر الأبيض المتوسط. و يجتمع الكل بالقاهرة قبل شهر رمضان، ثم يسيرون منها إلى قوص، و مسافتها 640 كيلو مترا كانوا يقطعونها برا أو في النيل في نحو عشرين يوما، ثم تسافر قوافلهم منها في الصحراء الشرقية مدة 15 يوما، يقطعونها في نحو 160 كيلو مترا إلى عيذاب أو إلى القصير على البحر الأحمر.

و كان كل من هاتين القريتين ميناء لمصر الشرقية من قديم الزمان، أي أنهما كانتا من مصر بالأمس مكان ميناء السويس الآن. و كانت الأولى منهما أهم من الثانية، و كلتاهما كانتا في أيدي عرب البجاه الذين كانوا يتولون نقل الحجاج.

قال صاحب الرحلة بصحيفة 28: قبائل البجاه أو البجه يقال إنهم من البربر، و كانوا يسكنون في صحراء مصر الشرقية من سواكن إلى قرية يقال لها الحذية في صحراء قوص، و هذه الصحراء عامرة بمعادن الزمرد و الذهب و الفضة و الحديد، و فيها مغاير و آبار قديمة لاستخراجها، و هي طبعا من عهد قدماء المصريين، و بعضها من عمل محمد علي باشا والي مصر، و كانت العرب تستخرج منها المعادن و خصوصا (التبر) في القرن الأول و الثاني للهجرة، و ذلك باتفاق مع ملك البجه الذي كان مقره (أسوان) ... الخ. ثم ذكر ما كان بين ملك البجه و بين عبد اللّه بن الجهم الذي أرسله إليه أمير المؤمنين المأمون، و نص الاتفاق الذي حصل بينهما. و لم ننقل ذلك حتى لا يطول بنا الكلام.

(و لنرجع إلى موضوعنا) ليتصل الكلام بعضه ببعض قال صاحب الرحلة: على إبلهم في هذه الصحراء و كانت أخلاقهم على غاية من الفظاعة، لا شفقة فيهم‏

327

و لا رحمة، و ربما بلغ بهم الأمر إلى تغيير طريق الماء على القافلة لغرض شنيع، و هو أن ركابها يموتون عطشا، فيستولون على متاعهم.

و في هذه الصحراء قبر العارف باللّه أبي الحسن الشاذلي قرب مكان يقال له (أمتان)، توفي فيه سنة 656 في طريقه من المغرب الأقصى إلى الحجاز و دفن به.

و أهل هذه الجهة يعملون له مولدا سنويا من أول ذي الحجة إلى التاسع منه، و يقصد زيارته في هذا المولد كثير من أهل الصعيد، و العربان المغاربة.

و كان الحجاج يقيمون في عيذاب أو القصير نحو شهر من الزمان في انتظار الفلايك التي تحملهم إلى جدة، و يسمونها جلابا (واحدتها جلبة)، و هي سفن صغيرة غير محكمة الصنع، و شراعها في الغالب من الحصير. و كان أصحابها يتعسفون بالحجاج، فيشحنونها بأكثر من حمولتها، و كثيرا ما كانت تغرق في وسط البحر بمن عليها من الحجيج، الذين يذهبون ضحية مطامع أولئك الأشرار، و من وصل به طول عمره إلى جدة، وصلها في نحو أسبوعين، يتقلب في أثنائها بين تحكم الملاح، و تبرم الرياح، و انزعاج الماء و اضطراب الهواء.

و لقد حج من هذه الطريق ابن جبير الأندلسي سنة 579، فقطع المسافة بين القاهرة و جدة في نحو شهرين و نصف، قضاها في أسوأ حال، بين مشقات و أهوال، مما هو مبين في رحلته، و في سنة 725 سافر ابن بطوطة من مصر إلى عيذاب، و لكنه لم يجد فيها مركبا تحمله إلى جدة مع من قصدها من الحجاج، لأن السفن التي كانت بمينائها أحرقت في واقعة حصلت هناك بين الترك و عرب البجاه، فعاد منها إلى مصر، و منها إلى بلاد الشام، ثم إلى بغداد و سافر منها مع المحمل العراقي في السنة التالية. و كان يسكن في هذه القرية (عيذاب) حاكمان:

حاكم بدوي من طرف شيخ قبائل الباجة، و آخر تابع لحاكم مصر و كانا يأخذان عوائد مرور عشرة جنيهات عن كل حاج مغربي، و سبعة على الحجاج الآخرين، و يقتسمان ما يتحصل بينهما و بين أمير مكة!! و استمرت هذه المكوس حتى أبطلها صلاح الدين الأيوبي في سنة 590، زمن الشريف مكثر بن عيسى، و رتب له شيئا عوضا عن نصيبه، ثم أعادها الأشراف من بعده على الداخلين من الحجاج إلى مكة، حتى ألزم الملك الناصر محمد بن قلاوون الشريف عطيفة بن أبي نمي سنة 721 بإبطالها، في نظير ما رتبه إليه من القمح الذى كان يحمل إليه من مكة كل سنة.

328

و الطريق بين قفط و القصير قديم جدا، فتحه رمسيس الثالث في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، لتداول التجارة بين مصر و بلاد اليمن و الهند و بلاد العرب، الذين كانوا كثيرا ما يهاجرون منها إلى مصر طلبا للتجارة أو للعيش فيها. و في سنة 320 قبل المسيح، أخذت هذه الطريق أهمية عظمى زمن بطليموس فيلادلغوس، و صارت القصير هي الميناء الوحيدة التي تصل تجارة البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الهندي و بالعكس، و هو الذي حفر أغلب الآبار التي في هذه الطريق و بنى على طولها مخازن للتجارة، و أقام بجوارها قلاعا و رتب لها الخفر اللازم لحراستها، و هو الذي بنى مدينة بيرنيس، و قامت على أنقاضها فيما بعد قرية عيذاب (انظر عيذاب في الخطط التوفيقية). و في هذه الجهة إلى الآن أطلال مدينة قديمة، ذهب بعضهم إلى أنها أطلال مدينة أوفير التي كان سليمان بن داود يرسل بني إسرائيل إليها، في القرن العاشر قبل المسيح لاستخراج الذهب من ضواحيها و ورد ذكرها في التوراة في الإصحاح التاسع من أخبار الملوك الأول.

و ما زال هذا الطريق هو الطريق الوحيد للحاج المصري من القرن الأول إلى سنة 645، التي سافرت فيها شجرة الدر مع قافلة الحاج إلى مكة لأول مرة عن طريق البر على العقبة. و في سنة 660، أخذ هذا الطريق الأخير أهمية حيث سير الظاهر بيبرس البندقداري قافلة الحاج منه، و أرسل معها الكسوة التي عملها للكعبة، و المفتاح الذي أمر بصنعه لبابها الشريف، و من ثم أخذ يقل ذهاب الحجاج عن طريق عيذاب، و لكنها استمرت طريقا للتجارة بين الشرق و الغرب.

و يظهر أن عيذاب ابتدأت تسقط أهميتها شيئا فشيئا، بنسبة زيادة أهمية القصير، نظرا لأن لها خليجا طبيعيا يجعل مياهها على الدوام في أمن من التغيرات البحرية، حتى تلاشى أمرها بالمرة، و لا تزال أنقاضها في جنوب القصير بمسافة عشرة كيلو مترات.

و لقد اهتم العزيز محمد علي باشا بطريق القصير عند سوق العساكر المصرية إلى بلاد الحجاز لحرب الوهابية، فمهد سبله، و أصلح آباره، و استمرت عنايته به بعد ذلك لاشتغاله باستخراج ما فيه من معادن الذهب و النحاس.

و هذا الطريق مطروق إلى الآن، و به دروب كثيرة تسمى مطارق، و أول محطة له بئر عنبر، و يسير إليها المسافر من قنا أو من قفط. و هذه البئر كانت ساقية قديمة أصلحها المرحوم إبراهيم باشا نجل محمد علي باشا، و بنى بجوارها سبيلا

329

لسقي المواشي، و إلى جانبها مكانا له قباب معقودة لاستراحة المسافرين، و قرر في الرزنامجه إلى خادم هذه البئر ستة جنيهات سنويا، لا تزال تصرفها المالية إلى من يقوم بأمرها. و من هنا يسير الطريق إلى الشمال الشرقي في درب يسمى مطرق جيف الكلاب (لأن هناك مغاير مصرية قديمة كان بها جثث كلاب كثيرة محنطة)، حتى يصل إلى محطة اللقيطة، و يقيم بها أناس من قبيلة العشابات من عرب العبابدة، و هم فخذ من البجاه، و في هذه المحطة نخيل و جملة آبار، بعضها من عهد البطالسة. و لا يزال الطريق حتى يصل إلى محطة الوكالة، و بها آثار قديمة. و منها يسير في مطرق يسمى مطرق جيف العجول (و هناك مغاير كانت بها عجول كثيرة محنطة من التي كان يقدسها قدماء المصريين)، ثم في مطرق الحمامات و فيه خزانات مياه طبيعية، ثم في مطرق الكافر (و فيه آثار فرعونية و بئر حلزونية من الرخام، ينزل إليها بمائة و ثلاثة و أربعين درجة)، و من هناك يستمر الطريق إلى بئر الإنكليز (التي حفروها عند ما وصلت جنودهم بحرا إلى القصير، و منها ساروا إلى تلك الجهة متعقبين عساكر الفرنساويين وقت احتلالهم لمصر)، و ماء هذه البئر يبعد عن سطح الأرض بنحو أربعة أمتار. و منها يسير الطريق إلى العنبجة، و بها نبع معدني مياهه كبريتية، و يقصده بعض الناس للاستشفاء به، و هناك مستنقعات كثيرة ينبت فيها السمار و الحكومة تبيعه سنويا للمصريين، و منها يستمر الطريق إلى القصير. و لقد كانت هذه المدينة في القرن الماضي عامرة، آهلة بالسكان الذين كانوا يزيدون عن عشرين ألف نفس، و كانت من ضمن محافظات القطر المهمة.

و ما زالت طريق القصير مستعملة للتجارة، حتى عملت السكة الحديدية من القاهرة إلى السويس، في مدة سعيد باشا، عوضا عن العربات التي كان يسيرها محمد علي باشا سنة 1845 م بواسطة الخيل في طريق الصحراء لحمل السياح من القاهرة إليها، و كان لها ديوان مخصوص، يسمى ديوان المرور على يسار الداخل إلى الموسكي، و هو معروف الآن بسوق الخضار القديم. و مع كل هذا فقد استمرت القصير ميناء مهمة بين مصر العليا و الحجاز تنقل منها الحبوب إلى جدة، و ينقل من هذه السجاد و الفلفل و البن و السنا المكي، و خلاف ذلك من واردات الهند و غيرها. و كانت لها سوق كبيرة في قنا، حتى إذا حفر قنال السويس، و صارت ترسل كل هذه المحاصيل إلى أوروبا رأسا، قلّت أهميتها، و أصبحت من‏

330

نحو عشرين سنة مأمورية صغيرة تابعة لمديرية قنا و إن كانت إدارتها في يد مصلحة خفر السواحل.

و كان بعض الحجاج يسافرون من السويس إلى جدة بواسطة المراكب الشراعية، فيقطعون مسافتها في نحو عشرين يوما، و لكن غالبهم كان يسير برا عن طريق العقبة مع المحمل، أو مع غيره من القوافل التي كانت تقوم بها عربان مصر من أولاد علي و غيرهم، فيصل إلى مكة في نحو خمسين يوما. و أول من رتب ركب الحاج على هذا الطريق و عقبه عند رحيلهم من البركة، الأمير جمال الدين الاستادار، عند ما سافر ولده شهاب الدين أميرا للمحمل سنة 809، فكان إذا وصل الركب إلى عجرود (و هي محطة قبيل السويس) يأمر الأمير بكتابة أكابر الحاج، و يرتب كلا في مكان معين من القافلة و ذويه و خدمته، ثم يجمع الركب من الطليعة إلى الساقة، و يضبط أطرافه و نواحيه بجماعة من العسكر، بعد أن يسير أصحاب الحمول و الأموال في وسط الركب.

و طريق البر شاق جدا، و خصوصا في المنطقة التي بين السويس و العقبة، و هي لا تقل عن ثلاثمائة كيلو متر، كلها أرض رملية ناعمة، تسوخ فيها اخفاف الجمال قبل أقدام الرجال، و لا يهتدون فيها إلى الطريق إلا بواسطة نواطير أشبه شي‏ء بطواحين الهواء أقيمت لهذه الغاية، و ماء هذا الطريق قليل و عناؤه كثير، و قد كان في بعض القرى التي عليه، مخازن للميرة و الذخيرة و مؤن الجمال و أمتعة الحجاج الذي كانوا يرسلونها إليها قبل سفرهم على سبيل الأمانة، في نظير أجرة مخصوصة، تتوفر بها عليهم مشقة حملها في الطريق، و كان في هذه القرى فرق من الجند لحراستها. و بالجملة فإنا نورد لك أسماء المحطات التي كان يقطعها الحاج في طريق البر من القاهرة إلى مكة، و مسافة الركوب بين كل محطة و التي تليها بقافلة المحمل، التي هي أسرع من القوافل الأخرى لانتظام سيرها، و إحكام أمرها، و جودة جمالها.

ساعة/ من القاهرة 6/ إلى بركة الحاج.

14/ إلى الدار البيضاء، و بها قصر عباس باشا الأول ويليها الدار الخضراء.

12/ إلى عجرود، و توجد في الجنوب الغربي من السويس على مسافة عشرين كيلو متر منها، و من هناك كان يرجع المرضى المنقطعون و المتعبون.

331

08/ إلى الناطور الأول، و الثاني و الثالث، و الأرض في هذه المسافة رملية ناعمة متنقلة من جهة إلى جهة أخرى عند هبوب الرياح بشدة.

06/ إلى العلوة.

11/ إلى جنادل حسن، و أرضها رملية.

12/ إلى قرية نخل، و فيها نخل و شجر و قلعة و خان من عمل الغوري، و ساقية من عمل الملك الناصر حسن، و إلى جانبها ثلاثة أحواض تسع 3000 قربة تملأ في زمن الحج. و كان يرسل إليها أربعة من الثيران من طرف الحكومة، فلا تزال تدور في الساقية لملئ الحيضان حتى ترجع مع قوافل الحاج إلى مصر.

12/ إلى بئر قريص، و سميت أخيرا بئر أم عباس، لأن والدة عباس باشا الأول أصلحتها، و ماؤها عطن.

07/ إلى العقبة، و يصعد إليها المسافر بمنحه من مسافة طويلة من الغرب، حتى يصل إلى قمتها، فإذا أراد أن ينزل إلى الجهة الشرقية، صار نازلا صاعدا و صاعدا نازلا في أرض حجرية تارة، و أخرى رملية ناعمة، و أخرى خشنة أو زلطية، إلى أن يمر في مضيق لا يسع إلا جملا جملا، و يسمى قطع لاز.

و طريق هذا القطع حلزوني تقريبا، أصلحه ابن طولون في القرن الثالث الهجري، ثم محمد بن قلاوون في القرن الثامن، ثم عباس باشا الأول في القرن الثالث عشر، و مع ذلك فإن المسافر فيه لابد أن ينزل عن دابته، و يسير على قدميه حتى يقطع العقبة في ست ساعات نزولا، و ضعفها صعودا، و من دون هذه العقبة قرية العقبة و يسمونها أيلة، و فيها يفصل الحاج جميع المقطوعين الذين لا يمكنهم الاستمرار على السفر لمرضهم أو لفقرهم، و يعطيهم المؤنة اللازمة من البقسماط، ثم يستأجرون لهم سنبوكا يسيره بهم إما إلى مصر أو إلى جدة، و كثيرا ما كانوا يصلونها بعد نزول الناس من عرفة. و من العقبة يتجه الحاج إلى جهة الجنوب.

9/ إلى ظهر حمار، و في طريقها بين جبلين على البحر، لا يسع إلا جملا جملا.

14/ إلى الشرفا، و يسمونها أم العظام.

12/ إلى مغاير شعيب، و بها نخل و بساتين و مياه عذبة.

14/ إلى عيون القصب، و بها ماء و نخل و شجر سنط و عبل.

332

12/ إلى المويلح، و فيها قلعة أنشأها السلطان سليم العثماني، بها بعض الجند لحراستها، و مناخها رطب غير جيد للصحة، و سكانها يتجرون في الفحم الذي يصنعونه من شجر الطرفا الذي ينبت بكثرة في الوديان المجتاورة لها.

و منها طريق إلى تبوك مسافة مائة كيلو متر.

12/ إلى سلمى (كفافه) و في طريقها مضيق شق العجوز، تسير فيه الجمال جملا جملا، و بهذا الوادي شجر الدوم و السنط و الطرفا.

12/ إلى اصطبل عنتر، و هو مكان متسع محاط بالجبال و فيه ثلاثة آبار.

12/ إلى الوجه، و سيأتي عليه في طريق المدينة، و منه يتشعب الطريق إلى العلا شرقا، و إلى ينبع جنوبا، و إلى المدينة المنورة جنوبا بشرق.

16/ إلى عكرة، و لا ماء فيها.

12/ إلى الحنك، و لا ماء فيها.

12/ إلى الحوراء و فيها مضيق تسير فيه الجمال جملا جملا، و أرضها ذات رمل ناعم.

15/ إلى الخضيرة، و فيها معادن نحاسية و أرضها صلبة.

10/ إلى ينبع، و يدخلها المحمل واكبا باحتفال عظيم، و هي ثغر المدينة المنورة على البحر الأحمر، و سنتكلم عليها في طريق المدينة.

18/ إلى السقيفة، و ماؤها مالح.

10/ إلى مستورة، و ماؤها حلو.

14/ إلى رابغ، و هي قرية بينها و بين البحر نصف ساعة، و فيها قلعة بها بعض الجند لحراستها، و فيها مخازن تحفظ بها مؤن ركب المحمل و ذخائره، و فيها صهاريج عذبة، و هي الميقات لمكة، و منها يتفرغ الطريق إلى المدينة ثلاثة أفرع: الطريق السلطاني، و الطريق الفرعي، و طريق الغاير.

12/ إلى بئر الهندي أو القضيمة (و بعضهم يكتبها القديمة)، و هي قرية على البحر الأحمر ماؤها مالح، و منها يتجه الطريق إلى الجنوب الشرقي.

06/ إلى خليص، و بالقرب منها عيون ماء كثيرة تحيط بها مزارع و بساتين.

08/ إلى عسفان، و هناك بئر ماؤها حلو يسمونها بئر التفلة، و يقولون إن ماؤها كان مرا، فتفل فيه النبي (صلى الله عليه و سلم)، فصار عذبا، و في طريقها ممران على طول نحو كيلو متر لا يسعان إلا جملا جملا.

333

15/ إلى وادي فاطمة (وادي مر) أو مر الظهران، و منه إلى قبر السيدة ميمونة زوج النبي (صلى الله عليه و سلم) ثم إلى العمرة الجديدة (التنعيم) و هي حد الحرم من هذه الجهة، و أقرب حدوده إليه، و منه إلى الزاهر ثم إلى مكة المكرمة.

337/ المجموع‏

و على حساب أن الجمل يقطع في الساعة الواحدة أربعة كيلو مترات، تكون المسافة من مصر إلى مكة من طريق البر ألفا و أربعمائة كيلو متر تقريبا، كانوا يقطعونها في نحو أربعين يوما على الأقل.

أما الآن، فالحاج المصري يركب السكة الحديدية إلى السويس و يبحر منها إلى جدة بغاية الراحة، و منها إلى مكة، فيصل إليها في أقل من أسبوع، و من الناس من يسافر إلى المدينة أولا بطريق السكة الحديد الحجازية، و بعد الزيارة يسافر مع القافلة إلى مكة، أو يرجع إلى مصر و منها إلى جدة، و منهم من يسافر بعد الحج إلى المدينة بطريق البر، و منها يعود إلى ينبع فالطور، أو يركب السكة الحديد الحجازية إلى الشام، و لكنه في هذه الحالة يصادف كثيرا من المشقة في ضرورة عودته إلى الطور لقضاء الحجر الصحي هناك. لذلك يرى الكثيرون أن أحسن حل للصعوبة التي في طريق الزيارة أنهم يعودون بعد الحج إلى مصر، و بعد انقضاء مدة الحج التي يلازمها الحجر الصحي عادة، يسافرون إلى المدينة بالطريق الحديدي، و يعودون منها إلى مصر مباشرة، انتهى كل ذلك من الرحلة الحجازية للبتنوني.

و لا يخفى أن كلام صاحب الرحلة الحجازية، كلام طويل، لكنه واف بالغرض، و فيه جملة فوائد للمتأمل المفكر، فأين تلك الأحوال من الحالة التي نحن عليها اليوم، من انتشار الطائرات، و سير السيارات و القطارات و الباخرات، و اللّه يعلم ما سيحدث في المستقبل من وسائل التنقلات، فسبحان الذي بيده ملكوت السموات و الأرض، و هو الغني عن العالمين.

كيفية مسير الحجاج من الشام إلى مكة قبل إنشاء الخط الحديدي‏

جاء في الجزء الرابع من تاريخ الغازي عن ذلك ما نصه:

334

و ذكر الفاضل الشيخ محمد كرد علي، في كتابه خطط الشام، كيفية مسير الحجاج من الشام إلى مكة قبل إنشاء السكة الحديدية، و كيفية إنشائها فنذكر هنا ما ذكره بحذف و اختصار:

قال المذكور: كان الحجاج المسلمون يأتون ألوفا من جميع الأقطار الإسلامية إلى دمشق و يجتمعون فيها بانتظار سفر موكب الحج، و كان يتألف هذا الموكب في دمشق، و يسير منها متوجها نحو البلاد المقدسة تحت إدارة حاكم عثماني يلقب بأمير الحج، و كانت العادة أن يرحل أمير الحج من دمشق في الخامس من شهر شوال، في ركب مؤلف من جيش صغير مجهز بالأسلحة الكاملة، و المدافع الصغيرة، و يتبعه الحجاج زرافات و وحدات، و الدمشقيون يقومون بتشييعهم إلى قبر أحمد باشا في الميدان إلى جامع العسالي، و تجري المراسم العسكرية و الاحتفالات تكريما لهذا الركب العظيم، و كانت الحكومة في دمشق تهتم اهتماما زائدا بتشييعه، و يسير الموظفون و أصحاب الرتب العالية بألبستهم الرسمية أمام المحمل تحيط بهم صفوف الجند و هجانة البدو حتى نهاية طريق الميدان، و كانت الموسيقى تصدح أثناء الموكب، و المدافع تطلق حين خروجه و عند وصوله إلى القدم، و بعد ذلك يسير الركب في تقدم إلى الكسوة، ثم يسير إلى المزيريب، فيبقى فيها أربعة أو خمسة أيام، و عندئذ يتألف الركب عسكريا و على رأسه أمير الحج، فيسير قسم من الجيش في المقدمة و القسم الآخر يقوم بحفظ جناحي الركب. و في كل صباح و مساء تطلق ثلاث طلقات نارية إعلاما بوقت المسير و الوقوف، و كثيرا ما يبلغ طول هذا الركب ثلاثة أو أربعة كيلو مترات.

و كانت المسافة بين دمشق و مكة المكرمة تقدر بأربعمائة و تسعين ساعة، و بأربعين مرحلة منها 90 ساعة من المزيريب إلى معان، و يجتاز الركب من المزيريب المغرق و عين الزرقاء و البلقاء و القطرانة، و هنا يشتد عليه الدرب صعوبة، و يدب الرعب و الخوف في قلوب الحجاج، و ذلك لأنه كانت المضايق غاصة بعصابات من اللصوص، و الماء للشرب قليل، فإذا بلغ الركب مدينة معان يستريح فيها قليلا و يتابع سيره، فيقطع العقبات المؤدية إلى النفود و هذا المضيق الصعب يبعد ثلاث عشرة ساعة من معان، فيترجل الحجاج عن دوابهم مشاة أمام أمير الحج الذي يصعد على رأس جبل صغير، و يجلس مشاهدا الجموع تمر أمامه، و بعد ذلك يسير الركب و لا يشاهد في طريقه سوى الرمال في سهل النفود القاحل حتى‏

335

مدائن صالح مدة (114) ساعة، و فيها كثير من الآثار النبطية، فمنها يسير الركب إلى المدينة المنورة، و بعدها إلى مكة المكرمة.

هكذا كانت حالة الطريق المؤدية إلى البلاد المقدسة، و هذه هي المشقات التي كان يلاقيها الحجاج في طريقهم، و هذا ما دعا الحكومة العثمانية في ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لإزالة هذه الصعوبات، فاهتم السلطان عبد الحميد الثاني، و قرر سنة 1900 م مد خط حديدي يصل الشام بالحجاز، و يسهل السفر على الحجاج، و يأتي بالفوائد المادية و المعنوية على البلاد و الدولة، و لم تبدأ الحكومة بالعمل إلا بعد أن أعلنت عزمها على ذلك في جميع الأقطار الإسلامية مما هو داخل تحت سيطرتها أو خارج عنها، و أبانوا ما ينتج عن ذلك من التسهيل لرواد الحج، و استمطرت أكف المسلمين تعضيدا لهذا المشروع الديني المحض، و بدأت الاكتتابات ترد من جميع البلدان الإسلامية.

انتهى من الغازي.

سفر الحجيج من المدينة المنورة إلى مصر

لقد ذكر الأستاذ محمد لبيب البتنوني، صاحب الرحلة الحجازية، الذي حج في سنة 1327 هجرية سبع و عشرين و ثلاثمائة و ألف، الطريق الذي يسلكه الحجاج حين عودتهم من المدينة المنورة إلى بلادهم، و نحن ننقل هنا كلامه في الرحلة الحجازية، للمقارنة بين زماننا و زمانه و لما في كلامه من الفوائد المتعددة فقد قال (رحمه اللّه تعالى)، بصحيفة 301 ما نصه:

الطريق من المدينة ينقسم بالنسبة للحجاج إلى أربعة طرق، طريق نجد و لا يسلكه الآن إلا عرب تلك الجهات غالبا، و طريق الوجه: و هو الذي سلكه المرحوم سعيد باشا والي مصر سنة 1277 هجرية، حينما قصد زيارة قبر النبي المصفى، عليه الصلاة و السلام. و محطات هذا الطريق هي: المدينة المنورة ثم آبار عثمان (و فيها ماء و مزارع و بساتين)، ثم محطة الضعين (و ماؤها قليل)، ثم محطة المليح (و ماؤها حلو)، ثم محطة الشجوى (و ماؤها كثير)، و كانت مجتمع و مفترق المحملين الشامي و المصري في سفرهما معا برا، ثم محطة أبي الحلو (لحلاوة مائها)، ثم محطة الفقارات (و لا ماء فيها)، ثم محطة الفقير (و ماؤها عذب) ثم محطة مطر (و لا ماء فيها) ثم محطة الخوثلة (و ماؤها عذب)، ثم محطة أم حرز (و لا ماء فيها)،

336

ثم قرية الوجه. و منها كانوا يسيرون إلى السويس برا و بحرا. و طريق ينبع: و هو الطريق الأكثر استعمالا، و منه يرجع سواد الحجيج المصري و الروسي و المغربي و السوداني و اليمني و الجاوي و الهندي و غيرهم، و هذا الطريق ينقسم إلى شعبتين:

شعبة قبيل الحمراء تمر على ينبع النخل، و منها إلى ينبع البحر، و عربان هذا الطريق من جهنية، و أرضه رملية ناعمة، و الشعبة الأخرى بعد الحمراء و تمر على نقب الفار (نقب علي)، و هو ممر صعب بين جبلين شاهقين، في طريقه كثير من الأحجار الضخمة على طول نحو 2 كيلو متر، و لا تمر منه الجمال إلا جملا جملا، و في الغالب ينزل عنها ركابها لتعسر السير عليها فيه، و يسمون هذا النقب بقلعة حرب، لمنعة الجبال التي تشرف عليه، و منه يخرج المسافر إلى الصحراء التي توصله إلى ينبع البحر.

و هذا الطريق من الحمراء نصفه الشرقي للحوازم، و نصفه الغربي للأحامدة، و متوسط المسافة بين المدينة المنورة و ينبع 230 كيلو متر، فإذا أضفنا إليها 450 كيلو مترا ما بين المدينة و مكة، و 40 من مكة إلى عرفة ذهابا و إيابا، و 80 من جدة إلى مكة، يكون مجموعها ثمانمائة كيلو متر، و هي كل ما يركبه الآن الحاج المصري برا، فإذا وصل الحجاج إلى ينبع انتظروا بها المراكب التي تنقلهم إلى بلادهم، و غالبا ينتظرون فيها أياما كثيرة لعدم انتظام حركة نقلهم الناشئ عن قلة المراكب. و هناك يكثر عناؤهم و يسوء حالهم، و تشتد فاقتهم، و تفتك فيهم الأمراض لكثرة الأقذار التي تحيطهم من فضلاتهم، و خصوصا من عدم صلاحية مياه الشرب.

و قد رتبت الحكومة المصرية لهم كونداسة في زمن الموسم ترشح لهم ماء البحر، و لكن عملها غير منتظم، و ماؤها لا يصرف إلا بإذن خصوصي لا يصل إليه فقراء الحجيج. و لا أظن إلا أن هذا من تعنت العمال الذين يجدر بحكومتنا السنية أن تشدد عليهم كل التشديد في القيام بواجبهم.

و يا حبذا لو انتبهت إلى ذلك الحكومة العثمانية الجديدة، و أسعفتها شركات السفن و خصوصا الشركة الخديوية فإنهم يخففون عن الحجاج المساكين كثيرا من عناءهم مما تشكرهم عليه الإنسانية.

و من ينبع يصل حجاج مصر إلى الطور لتمضية أيام الكورنتينا، إن كان هناك حجر صحي: و هو مكان فسيح على طول 33 درجة و 37 دقيقة، و عرض 28

337

درجة و 14 دقيقة، و بينه و بين السويس 125 ميلا، و من هناك تأتي بشائر الحجاج بوصولهم إلى مصر بالسلامة على لسان البرق أو البريد، و كانت قبلهما تصل عن يد بعض الأفراد الذين كانوا يحضرون من مصر لهذا الخصوص و يعودون من الطور أو الوجه بما يبشر أهل الحجاج بسلامتهم، نظير البقاشيش التي كانوا يأخذونها.

و الطور قرية صغيرة على شاطئ خليج السويس الشرقي، و أغلب سكانها من الأقباط و الأروام، و في ضواحيها كثير من البدو، و يقرب منها عين ماء ساخن، عليها بناء لعباس باشا الأول يسمونه حمام موسى، و يقولون إنه نافع للأمراض الروماتزمية، و على مسافة يومين بالجمال من هذه القرية دير الطور المشهور، و فيه بساتين تنتج كثيرا من الفاكهة، و في شماله بشرق جبل المناجاة الذي كلم اللّه عليه موسى و ذكره في القرآن الكريم في غير موضع، و يقصد هذا الدير حجاج الروس بعد نزولهم من بيت المقدس، فيزورونه ثم يرجعون إلى بلادهم. و في شرق هذه القرية محجر الطور، و هو في نقطة صحية جدا، و فيه مباخر وافية بالغرض و أحذية مرتبة، و بناؤها نظيف، و فيه اسبتاليات (أي مستشفيات) على غاية من النظام، و لكل مرض قسم مخصوص منها. و لقد أصبح هذا المحجر بعناية الحكومة المصرية أحسن محجر صحي في العالم. و لا شك أن بعض الصعوبات التي يلاقيها فيه الحجاج لابد و أن تزول قريبا بحسن عناية الحكومة و استمرارها على الاهتمام براحة الحجاج.

أما الطريق الرابع، فهو طريق السكة الحديدية إلى الشام، و هو الذي افتتحته الدولة العلية رسميا بأول قطار للمدعوين إلى هذا الاحتفال، وصل المدينة المنورة في ثالث شعبان سنة 1326 هجرية، الموافق 28 أغسطس سنة 1908 ميلادية.

و تسافر عليه الآن حجاج الشام و الترك و الروسيا، و كثير من المصريين و خصوصا برسم الزيارة.

و إنا تتميما للفائدة نقول لك: إن المسافة بين المدينة المنورة و دمشق الشام تبلغ 1302 كيلو متر، و إلى حيفا 1333 كيلو متر، تقطعها الوابورات في أربعة أيام تقريبا، و متوسط سيرها فيها 80 ساعة. و سير القطارات من الشام إلى معان على متوسط 30 كيلو في الساعة، و من معان إلى المدينة على متوسط 15 كيلو في‏

338

الساعة. و أجرتها في الدرجة الأولى، من حيفا إلى المدينة، ذهابا و إيابا، أربعة عشر جنيها، و في الدرجة الثالثة نصف هذا القدر، و ليس فيها درجة ثانية.

إلا أن عربات الدرجة الأولى ضيقة، و في كل عين منها ستة مقاعد منفصلة بحواجز (مساند) ثابتة، و المسافر فيها إلى المدينة المنورة يعاني مشقات كبيرة، و خصوصا في الليل الذي يقضيه كما يقضي النهار جالسا، و كان الأولى بها أن تكون ذات أربع مقاعد يمكن تجهيزها ليلا إلى أربعة أسرة لنوم المسافرين فيها.

لذلك ترى كثيرا من الركاب يفضلون ركوب الدرجة الثالثة، و خصوصا عربات البضاعة حيث يمكنهم أن يفرشوا بها فراشهم و ينامون و يجلسون على راحتهم.

و أملنا في رجال الدولة، حرسها اللّه، أن يفكروا في ذلك حتى تكون عربات الدرجة الأولى وافية براحة المسافرين في هذه المسافة الطويلة.

و هاك جدولا بمحطات الطريق الحديدي من دمشق إلى المدينة:

أسماء المحطات/ المسافة بالكيلو/ ارتفاع عن سطح البحر/ الماء قدم شريف/ .../ 686/ (1)

كسوة/ 21/ 735/

دير علي/ 31/ 700/

مسجد/ 50/ 620/

جباب/ 63/ 643/

خبب/ 69/ 624/

محجة/ 78/ 601/

شفرة/ 85/ 599/

أذرع/ 91/ 587/

خربة الغزالة/ 106/ 575/

الدرعا (2)/ 123/ 529/

حالات عمار/ 595/ 761/

ذات الحج/ 608/ 691/

____________

(1) العلامة الموجودة أمام المحطات التي فيها ماء.

(2) و من محطة الدرعا يخرج فرع حديدي إلى حيفا و محطاته هي: المزيريب، تل شهاب، زيزون، وادي كليب، المقارن، شجرة صماخ، الحمد، جسر المجامع، يبسان، العفولة، الشمال، حيفاء.

339

ذات الحج/ 608/ 691/

بئر هرماس/ 632/ 747/

الهضم/ 654/ 754/

المحطب/ 677/ 750/

تبوك/ 692/ 775/

وادي الأثيل/ 720/ 844/

دار الحج/ 744/ 904/

مستبقة/ 755/ 950/

الأخضر/ 760/ 882/

جميس/ 782/ 908/

نصيب/ 136/ 586/

المفرق/ 162/ 711/

خربة السمراء/ 185/ 558/

الزرقاء/ 203/ 617/

عمان/ 222/ 737/

القصر/ 234/ 941/

لوين/ 249/ 772/

الجيزة/ 260/ 721/

الضبعة/ 279/ 752/

خان زبيب/ 295/ 782/

دي يسعد/ 805/ 964/

المعظم/ 822/ 981/

خشم صنعاء/ 853/ 1033/

الدار الحمراء/ 880/ 1103/

المطلع/ 904/ 1151/

أبو طاقة/ 918/ 966/

المرجم/ 930/ 914/

مدائن صالح/ 955/ 781/

340

البدايع/ 999/ 603/

سواق/ 309/ 758/

قطرانة/ 326/ 783/

منزل/ 308/ 840/

فريفرة/ 367/ 893/

الحسا/ 378/ 822/

جروف الدراويش/ 397/ 958/

عنزة/ 423/ 1051/

وادي الجردون/ 440/ 1080/

معان/ 459/ 1084/

غدير الحج/ 475/ 1000/

بئر الشيدية/ 487/ 996/

عقبة/ 514/ 1152/

بطن الفول/ 520/ 1125/

وادي الرتم/ 530/ 994/

تل الشحم/ 546/ 850/

الرملة/ 555/ 806/

المدورة/ 572/ 734/

مشهد/ 1012/ 670/

سهل المطران/ 1034/ 600/

زمرد/ 1049/ 714/

البتر الجديد/ 1072/ 739/

الطويرة/ 1090/ 670/

المدرج/ 1116/ 460/

هدية/ 1133/ 385/

جداعة/ 1155/ 457/

أبو النعم/ 1143/ 418/

اصطبل عنتر/ 1189/ 530/

341

اصطبل عنتر/ 1189/ 530/

بوير/ 1208/ 472/

ديار ناصف/ 1228/ 489/

بواط/ 1247/ 531/

الحفيرة/ 1268/ 540/

المحيط/ 1287/ 750/

المدينة المنورة/ 1302/ 619/

انتهى كل ذلك من الرحلة الحجازية.

المسافات بين مكة و المدن الإسلامية الكبرى‏

حسن جدا أن يذكر إبراهيم رفعت باشا، (رحمه اللّه تعالى)، في كتابه (مرآة الحرمين) في الجزء الأول، بصحيفة 367، مقدار المسافات بين مكة المكرمة، و كبرى المدن الإسلامية في جدول خاص.

قال: و هذا الجدول نقلناه عن درر الفرائد، المؤلف في القرن العاشر، و الذي عندنا منه نسخة خطية.

قال: و بمقارنة ما ذكر هنا عن المسافة بين مكة و المدينة بما نذكره بعد عن المسافة بينهما، يمكنك أن تعرف مقدار الميل في القرن العاشر. ا ه.

جدول المسافات بين مكة و أمهات المدن الإسلامية

أمهات المدن/ ميل/ الموقع بالنسبة لمكة المدينة/ 112/ في شمالها

القدس/ 840/ في شمالها الغربي/

الفسطاط/ 854/ ...

دمشق/ 727/ في الشمال‏

342

بغداد/ 642/ في الشمال الشرقي‏

تعز/ 476/ في الجنوب‏

زبيدة/ 476/ في الجنوب الغربي‏

البلقاء/ 680/ في الشمال الغربي‏

الموصل/ 784/ في الشمال‏

أصفهان/ 940/ في الشمال الشرقي‏

السلطانية/ 1064/ ...

توريز/ 1080/ ...

نيسابور/ 1100/ ...

هراة/ 1344/ ...

بلخ/ 1590/ ...

غزنة/ 1738/ ...

مرو الشاهجان/ 1300/ ...

هرمز/ 2070/ ...

كابل/ 1642/ ...

الملتان/ 1652/ ...

رلي/ 3220/ ...

الأحساء/ 333/ في الشرق‏

مهرة/ 528/ في الجنوب الشرقي‏

الطائف/ 40/ في الجنوب الغربي‏

البصرة/ 610/ في الشمال الشرقي‏

الكوفة/ 510/ ...

عيذاب/ 124/ في الغرب‏

الطور/ 800/ في الشمال الغربي‏

بلاد صاعون/ 1974/ في الشمال الشرقي‏

كاشغر/ 1974/ ...

اسفيجاب/ 1904/ ...

فرغانة/ 1740/ ...

343

أطرار/ 1390/ ...

أسروسنة/ 1780/ ...

بدخشان/ 1756/ ...

ترمذ/ 1596/ ...

بخارى/ 1288/ ...

سمرقند/ 1638/ ...

كركاج/ 1325/ ...

السراي/ 1246/ ...

البلغار/ 2016/ ...

القرم/ 1570/ في الشمال الغربي‏

تانة/ 1411/ في الشمال الشرقي‏

كنبايت/ 1806/ ...

الكولم/ 3780/ في الجنوب الشرقي‏

سرنديب/ 3052/ ...

الخنسا/ 5432/ ...

الزيتون/ 2630/ ...

خان بالق/ 3934/ في الشمال الشرقي‏

قراقرم/ 4998/ في الشمال الغربي‏

أشبيلية/ 3360/ ...

قرنيطة/ 3266/ ...

أسني/ 3888/ ...

سبتة/ 3220/ ...

مراكش/ 2632/ ...

فاس/ 2448/ ...

تلمسان/ 1774/ ...

طرابزون/ 1350/ في الشمال الغربي‏

كسطمونية/ 1512/ ...

قمصون/ 1428/ ...

344

قونية/ 1232/ ...

القسطنطينية/ 1610/ ...

رومية/ 1932/ ...

غرناطة/ 3250/ ...

تونس/ 2072/ ...

غانة/ 2240/ في الجنوب الغربي‏

جيمي/ 2440/ ...

جزمي/ 1022/ ...

أوقات/ 1330/ في الشمال الغربي‏

بيدسو/ 1148/ في الجنوب الشرقي‏

قافة/ 1411/ ...

انتهى جدول المسافات بين مكة و أمهات المدن الإسلامية، من كتاب (مرآة الحرمين)، و لا يخفى على القارئ الكريم غرابة أسماء بعض البلدان في هذا الجدول التي لم نسمع بها في عصرنا، بينما توجد الآن كثيرا من البلدان الإسلامية الشهيرة لم تذكر في هذا الجدول.

و قد قال صاحب كتاب مرآة الحرمين، أنه نقل هذا الجدول من كتاب" درر الفرائد" المؤلف في القرن العاشر.

و في سنة (1368) تقريبا، طبعت رسالة بمكة المكرمة في مسافات الطرق بين بلدان المملكة العربية السعودية مبين فيها جميع المدن و المحطات بالكيلومتر، أحببنا أن ننقلها هنا، و لكن لطول الشرح تركنا ذلك، غير أننا نقلنا منها ما هو ضروري لازم للحجاج و أهل البلاد، و هو كما يأتي:

عدد/ المسافة بين البلدان/ كيلو متر 1/ بين مكة و جدة/ 74

2/ بين مكة و الطائف/ 135

3/ بين مكة و منى/ 8

4/ بين منى و مزدلفة/ 5

5/ بين مزدلفة و جبل الرحمة بعرفات/ 12

345

6/ بين مزدلفة و مسجد نمرة/ 8

7/ بين مكة و رابغ/ 212

8/ بين رابغ و مستورة/ 40

9/ بين مستورة و المدينة المنورة/ 198

10/ بين مكة و المدينة المنورة/ 500

11/ بين مكة و الرياض/ 957

بناء البيوت و المقاولات عليها بمكة

بناء البيوت و القصور بمكة المشرفة عمل معروف من قديم الزمان، و ربما تكلمنا عنه في مبحث الكلام على أمانة العاصمة أو في غيره، فبناء البيوت و القصور القديمة الموجودة منها إلى اليوم هو من عمل أهل مكة، فالبناؤن المكيون قد عرفوا عمل البناء على أكمل وجه بالتمرين و الممارسة العملية، لا بالتعليم في المدارس، ففيهم من البنائين الحذاق و المهندسين المفكرين المهرة، من يفوقون الرجال المتعلمين في الخارج، بل إن هؤلاء ليقفون حيارى أمام معرفة البنائين الجهلاء و المهندسين الأميين، و هذه أعمالهم في بناء المنازل و القصور قائمة إلى اليوم و شاهدة على ذلك، و ليس هذا بمستغرب على أهل مكة الفضلاء النبلاء، الذين نشأوا حول بيت اللّه الحرام، و وقفوا على المشاعر العظام، و شربوا من ماء زمزم شراب الأبرار الكرام، و نسأل اللّه تعالى لنا و لهم حسن الختام، و السداد على الدوام.

انظر: صورة رقم 53، الفن المعماري القديم في المملكة العربية السعودية

إن البنائين و العمال الذين يشتغلون تحت أيديهم و بإرشادهم، لهم درجات و ألقاب بينهم، فلا ينتقل أحدهم من عمل إلى عمل أرقى، إلا بعد إذن من المعلم الكبير، و إذا صلح أحدهم بعد التمرين و العمل الكثير لأن يكون بناء يستقل في بناء البيوت بنفسه، أذن له المعلم الكبير بذلك بعد أن يشرب الجميع عنده قهوة اللوز المعمولة بالحليب. و كانوا إلى سنة (1375) ألف و ثلاثمائة و خمس و سبعين هجرية يبنون من حجارات جبال مكة بعد تكسيرها، فلما جاء الإسمنت إلى البلاد صاروا يبنون به.

346

أما بناء البيوت و المنازل الحديثة الموجودة اليوم، و عمل المقاولات على هندستها و بنائها على الطراز الإفرنجي، فإنها لم تكن إلا من بعد ورود الإسمنت من الخارج إلى المملكة، و ذلك من سنة (1365) ألف و ثلاثمائة و خمس و ستين هجرية، حيث كثرت الأموال لدى الناس كثرة زائدة فائقة عن العهود الماضية، و بذلك تطورت أحوالهم و معيشتهم، و خصوصا بعد سفرهم إلى البلاد الأوروبية و مشاهدتهم هنالك مختلف الأمور و الأحوال، و من طبيعة الإنسان أن لا يصبر على حالة واحدة، مع العلم بأن البيوت المبنية بالإسمنت أشد حرارة من البيوت المبنية بالحجارة و الطوب.

انظر: صورة رقم 54، الشيخ على هليكة من مشاهير المعلمين في البنايات القديمة

و ألقاب الذين يشتغلون في بناء البيوت و العمارات بمكة المشرفة كالآتي:

(1) الريّس و هو مهندس المنازل و العمارات، و تحت إمرته جميع العمال، و كلهم يشتغلون بأمره، و الريس و جميع أنواع العمال كلهم من مكة المشرفة ليس بينهم أحد غريب، و هذا قبل عصرنا الحاضر.

(2) و المعلم و هو الذي يشتغل بيده في البناء، و هو المسؤول عن قوة البناء و ضعفه، يشتغل في البناء حسب ما رسمه له الريس من الهندسة و التخطيط.

(3) و القراري و هو الذي يصلح الأحجار المأخوذة من الجبال، بمعنى أنه يكسر من أطراف الحجر كل ناتئ منه، و كل ما ضعف من أجزائه المستدقة، حتى يبقى نفس الحجر صلبا من جميع الأطراف كالمخدة.

(4) الفلاتي بفتح الفاء و اللام المخففة، و هو الذي يأتي بالأحجار عند القراري ليصلحها.

(5) المروّج بضم الميم و فتح الراء و كسر الواو المشددة، و هو الذي يناول المعلم النقل، بفتح النون و القاف، و هو الذي يناول المعلم الحجارات الصغار، و الحجارات الخفيفة الرقيقة ليضعها تحت الحجارات الكبيرة أو بينهما، حتى تستقيم و لا تتحرك.

347

(6) الخلّاط و هو الذي يخلط التراب بالنورة و يعرف قياسهما و مقدارهما، ثم يعجن ذلك بالماء و يجعله طينا صالحا للبناء.

(7) الطيّان بتشديد الياء المفتوحة، و هو الذي يناول الطين للمعلم ليبني به، يناوله في المركن بكسر الميم و سكون الراء، و هو ماعون خاص يوضع فيه الطين بقدر ما يحتمله الرجل و يمكنه رفعه و مناولته للمعلم.

كل هذه الأمور كانت في عمل بناء البيوت و العمارات بالأحجار الجبلية و النورة البلدية بمكة المكرمة المشرفة، و قد تغيرت بعض الأوضاع في العمارات الحديثة التي بالإسمنت المسلح، بل لقد اندثر العمل و البناء بالأحجار و النورة البلدية، فأصبحت البنايات كلها بالإسمنت و الحديد، و ياليت البناء بالإسمنت منع عن مكة المكرمة حتى لا يدخل شي‏ء يماثل التراب كالإسمنت من خارج البلاد إلى حرم مكة المكرمة.

هذا، و كان نقل الحجارات التي تكسر من جبال مكة المكرمة، لبناء البيوت و العمارات في داخل البلدة، بواسطة الحمير، فيعملون لكل حمار من أخشاب الأشجار القوية، أربع مثلثات متساويات الساقين، ثم يجعلون كل مثلثين متقابلين بينهما نحو نصف متر، ثم يوصلون رأسهما بخشبة، كما يوصلون رؤوس ساقيهما بخشبة أيضا، ثم يجعلون بين ساقيهما خشبتين أيضا، فيكون كل مثلثين بمثابة قطعة واحدة وسطها خال، ثم يضعون كل مثلثين في جانبي الحمار من فوق البردعة، بعد ربط أطراف ساقيهما ببعض بحبل غليظ قوي، ثم يجعلون قطع الأحجار المكسرة من الجبال في داخل المثلثين من الجانبين، في كل جانب نحو أربعة أحجار أو خمسة بحسب كبر الحجارة و صغرها، ثم يأتون بها فوق الحمير من محل تكسير الجبال إلى داخل البلدة في محل البناء.

و كذلك كان نقل النورة بواسطة الحمير بعد وضعها في كيس من الخش، هكذا كان الحال في بناء المنازل و البيوت قبل وجود الإسمنت و وجود السيارات، فمنذ وجودهما عندنا، و بناء العمارات و البيوت بالإسمنت المسلح، بطل أخذ الحجارات من الجبال، و بطل استعمال الحمير، فلله الأمر من قبل و من بعد.

انظر: صورة رقم 55، عقد لديوان فني جميل في أحد بيوت مكة المكرمه‏

348

بناء الصنادق و العشاش بمكة

الصنادق جمع صندقة، و هي صفائح من التنك تسمر على أعواد من الخشب، و تكون كهيئة الألواح الطويلة العريضة، طول بعضها أربعة أمتار و عرضها متران، و قد تزيد و قد تنقص، فتعمل من هذه الصناديق محلات و غرف أرضية بطبقة واحدة فقط، فتكون من هذه الصنادق مساكن شرعية كاملة تامة، و لهم في عملها مهارة تامة.

أما العشاش فجمع عشة، و أطلق عليها ذلك تشبيها لها بعش الطائر، لأنها سهلة البناء و العمل، كما أنها سهلة الهدم و التخريب. و هذه العشاش تعمل من جريد النخل أو من أعواد الأخشاب و الحطب الطويلة، و تكون كل عشة على هيئة القبة و أسفلها واسع بمقدار أربعة أمتار من جميع أطرافها المستديرة، و قد يعمل بعضهم على الأرض حوشا واسعا، و بيني فيه عشاشا متعددة، فعشة للرجال، و عشة للنساء، و عشة لخزن الأطعمة، و عشة للنوم و هكذا، و بعضهم قد يزرع في الحوش بعض الرياحين و شجرة النبق، و يحاط هيكل العشة و سقفها بالحصير، و لهم في عملها مهارة فائقة، بحيث لو جاءت الأمطار لم ينزل عليهم من العشة شي‏ء من الماء، اللهم إلا بعض قطرات.

و عمل العشاش و الصنادق بمكة المكرمة قديم من الأزمان الماضية، و قد كانت إلى عهد قريب محلة المسفلة، و محلة جرول، مليئتان بالعشاش و الصنادق، و لا زالت فيهما بقية من ذلك، و غالب سكان هذه العشاش و الصنادق من السودانيين و الهنود، و قد زال كثير من هذه العشاش و الصنادق من مكة المكرمة منذ سنة (1370) ألف و ثلاثمائة و سبعين هجرية، فلم يبق اليوم منها إلا القليل في أطراف محلة جرول و محلة المسفلة، و هي على و شك الزوال أيضا.

و لا ندري بالضبط من أين أتت إلينا صناعة العشاش و الصنادق، و الظاهر أنها أتت من أهل السودان" التكارنة"، و من أهل جاوه، و من أهل الهند، فإن فقراءهم يعملون هذه العشاش و هذه الصنادق، و قيل لنا إن بعض أهل جاوه يصنعون بيوتهم في بلادهم من الخشب لسهولة نقلها من مكان إلى مكان، حيث تأتيهم المياه في بعض الأوقات بكثرة، و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

349

من علامات الساعة ظهور بناء البيوت على الجبال المحيطة بالكعبة المعظمة و كثرة وجود المياه بمكة المشرفة

علامات اقتراب قيام الساعة كثيرة، صرح ببعضها الأحاديث الواردة الصحيحة و قد جمع علاماتها بعض العلماء، و بعضهم ألف في ذلك كتبا، ككتاب (الإشاعة في أشراط الساعة) للعلامة البرزنجي، و لبعض عرب قريش بمكة المكرمة في صدر الإسلام، نظريات صائبة و فراسات قوية، فلقد روى الإمام الأزرقي في تاريخه في الجزء الأول في آخر ما جاء في أسماء الكعبة، و لم سميت الكعبة ما نصه:

حدثني جدي عن مسلم بن خالد عن ابن خيثم، عن يوسف بن ماهك قال:

كنت جالسا مع عبد اللّه بن عمرو بن العاص في ناحية المسجد الحرام، فنظر إلى بيت مشرف على أبي قبيس، فقال: أبيت ذلك؟ قلت: نعم. قال: إذا رأيت بيوتها- يعنى بذلك مكة- قد علت أخشبيها و فجرت بطونها أنهارا، فقد أزف الأمر. قال أبو الوليد: قال جدي: لما بنى العباس بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس داره التي بمكة على الضيافة، حيال المسجد الحرام، أمر أقوامه أن لا يرفعوها، فيشرفوا بها على الكعبة، و أن يجعلوا أعلاها دون الكعبة، فتكون دونها إعظاما للكعبة أن تشرف عليها، قال جدي: فلم تبق بمكة دار لسلطان و لا غيره حول المسجد الحرام تشرف على الكعبة إلا هدمت، أو خربت، إلا هذه الدار، فإنها على حالتها إلى اليوم.

انتهى من تاريخ الإمام الأزرقي، رضي اللّه تعالى عنه.

فانظر، رحمنا اللّه و إياك إلى عظيم أدبهم و حرمتهم للكعبة المعظمة بيت اللّه الحرام، و ذلك منذ أيام الجاهلية و في صدر الإسلام، و ما بعده، إلى ما بعد القرون الثلاثة التي هي خير القرون، و انظر إلى قلة أدبنا و تهاوننا بحرمة الكعبة المشرفة و المشاعر العظام، بل و تهاوننا بأمور ديننا الحنيف في هذا الزمن العصيب.

و انظر أيضا كيف امتلأت جبال مكة المشرفة على الكعبة المعظمة بالبيوت و المنازل، حتى علت على الكعبة، و كيف امتدت مواسير المياه في بطون أرض مكة المكرمة، و كثرت خزانات المياه فيها، فلقد جرت المياه في مكة في زماننا هذا كالأنهار، بعد أن لم يكن بمكة في الجاهلية و صدر الإسلام، غير ماء زمزم و بضعة

350

آبار في أطرافها، لقد صدق كلام عبد اللّه بن عمرو بن العاص، رضي اللّه تعالى عنه، و وقع ما أخبر به، و هو كان في أول ظهور الإسلام، فلو كان حيا يرزق بيننا ماذا كان يحكم علينا؟ لقد اقتربت الساعة و اللّه، و كادت القيامة أن تقوم، فلقد ظهر إلى عصرنا الحاضر كثير من علامتها، فلم يبق منها إلا بعض العلامات الكبرى.

نسأل اللّه تعالى أن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها و ما بطن، و أن يختم حياتنا على الإيمان الكامل و العمل الصالح، و هو عنا راض بفضله و رحمته آمين.

نحت الحجارات من جبال مكة لبناء المنازل‏

بناء المنازل و القصور بمكة المكرمة يكون من الحجارات الصماء، المأخوذة من جبال مكة المشرفة و يبنونها من تراب مكة و نورتها، و بقدر ما يزاد من النورة في البناء تكون البيوت أقوى و أشد و مناجم النورة في مكة كثيرة. و للعمال من أهل مكة مهارة فائقة في تكسير الجبال و الصخور بالحديد و الألغام منذ زمن بعيد، و كانوا يبيعون الحجارات لعمل البناء بالمئات، فالمائة من الحجارة كانت تساوي كذا من الريالات، و كانوا ينقلون هذه الحجارات على ظهور الحمير من الجبال القريبة من مكة إلى نفس محل العمارة بها، و كان هذا حالهم إلى سنة (1375) ألف و ثلاثمائة و خمسة و سبعين هجرية، و هي السنة التي ورد فيها الإسمنت إلى مكة المشرفة بكثرة وافرة، و بعد السنة المذكورة صار الناس يبنون بيوتهم بالإسمنت، و أهملوا عمارتها بالحجارات، و بذلك بطل تكسير الجبال و أخذ الحجارة منها للعمارات.

و لأهل مكة مهارة عجيبة في نحت الحجارات الصماء، و تكييفها بالشكل الذي يريدونه، فمنها الملساء، و منها الخشن، و منها للمستدير، و منها المربع، و منها الأسطواني، و منها المخروطي، و منها الطويل، و منها القصير، و منها الغليظ، و منها الرفيع، و منها المنقوش المزخرف، و منها السادة التي لا نقش فيها.

الحاصل، ما كان يوجد من يعرف ذلك في بلدة من البلدان، مثل معرفة أهل مكة، و مثلهم في ذلك أهل المدينة المنورة، و ليت هذه الصناعة لم تندثر.

351

منجم النورة البلدية بمكة المكرمة

يوجد بمكة المكرمة منجم عظيم للنورة البلدية، يبتدأ من بعد عمرة التنعيم بمسافة طويلة، أي يبتدأ أول المنجم من نحو خمسة عشر كيلو مترا من المسجد الحرام، أي من بعد قبر أم المؤمنين ميمونة رضي اللّه تعالى عنها، و يمتد في باطن الأرض ببضع كيلو مترات من جهة الشمال الغربي على اليسار، و معه أيضا منجم آخر للرخام البلدي، و لا يقصد به حجر الرخام الصلب الذي تفرش به أرضية المساجد، و المنازل و أسطحتها، فالرخام يطلق عندنا بمكة على الأحجار المأخوذة المكسورة من مناجمه، و هي إذا وضعت في الماء تفور و تغلي حتى تصبح الماء حامية جدا، بحيث لا يمكن أن يلمسه إنسان حتى يبرد، فإذا طرحت أحجار الرخام في الماء تفتتت و اختلطت به، فالمرخمون يأتون بأحجار الرخام و يضعونها في برميل مملوء بالماء، و يضعون أيضا فيه ملح الطعام مقدارا معلوما لديهم، ثم يتركونه ليلة واحدة ليختمر، فإذا أصبحوا، حركوا ما في داخل البرميل من أحجار النورة و الملح حتى تختلط بالماء اختلاطا تاما و يكون لونه كاللبن، ثم يأخذون من هذا الماء، فيرخمون المنازل من الداخل و الخارج، كما يرخمون جميع غرفها، و يأخذون من هذا الماء بالمكنسة أو بفرشاة كبيرة، فيرشون بها الجدران، فإذا نشفت بيضت الغرف و الجدران.

و منجم النورة و الرخام المذكور، كالعروق في باطن الأرض، تمتد من منبعها إلى مسافات طويلة، و لا تنفذ مهما أخذ منه، و أهل مكة يأخذون الرخام لتبييض المنازل، و يأخذون النورة فيخلطونها بتراب مكة، ثم يعجنون الخليط بالماء حتى يكون طينا، فيبنون به جميع البيوت و العمارات، هذه عادتهم من قديم الأزمان.

و النورة قوية جدا، تمسك الطين فلا يتفتت سريعا إذا وضع بمقدار معلوم، و لكن مع الأسف حل محل النورة البلدية عندنا، النورة الإفرنجية- و هي المسماة بالإسمنت- و ذلك ابتداء من سنة (1370) ألف و ثلاثمائة و سبعين هجرية تقريبا.

و يا ليت أن الإسمنت لم يدخل إلى حرم مكة المشرفة، حتى لا يكون فيه شي‏ء من البلاد الأجنبية- مراعاة لبعض أقوال العلماء- فالنورة و الرخام المذكورتان هنا، تشبهان الجبس و الجير المعروفان بمصر، مع فارق بينهما.

352

صناعة الآجر و مراكن الزرع بمكة

الآجر و يسمى عندنا باللغة العامية" الآجور"، و هو الذي يسمونه بمصر" الطوب"، يصنع بمكة المكرمة من ترابها من قديم الأزمان، و يعمل في قوالب خاصة، ثم يوقد عليه بالحطب حتى يحرق و يستوي. و منذ سنوات قليلة بدأوا يعملوا الطوب من الإسمنت المخلوط بالرمل، لكن لم يتقنوا صناعته، لأن الطوب الإسمنت يتفتت و ينكسر بسرعة، مع أن الإسمنت في غاية من القوة و المتانة، و عما قريب سيحسنون صنعه، و كذلك يعملون مراكن الزرع من طين مكة، فيزرعون فيها أنواع الرياحين و النرجس و الأزهار.

إنارة شوارع مكة بالكهرباء

كانت شوارع مكة المكرمة و حاراتها تضاء ليلا بلمبات الكاز أي النفط، منذ قديم العصور كبقية جميع الأقطار و الممالك، فكانت اللمبات توضع في داخل الفوانيس و تعلق على جدران المنازل و البيوت في الحارات و الشوارع، فلما انتشر الكهرباء و عم جميع المملكة استبدلت الفوانيس باللمبات الكهربائية، و طبعا كان ذلك بالتدريج أي شيئا فشيئا، فما جاءت سنة (1384) ألف و ثلاثمائة و أربع و ثمانين هجرية إلا و قد عم الكهرباء جميع مساجد مكة المكرمة و شوارعها و حاراتها و أزقتها، بل و جبالها المسكونة أيضا، أما المسجد الحرام فلقد تكلمنا عن تدرج إضاءته و إنارته إلى وجود الكهرباء في مبحث آخر، فإنارة جميع مكة كانت في العهد السعودي الزاهر، و كذلك زيادة العمران و ازدياد السكان، و سفلتة الشوارع و الميادين و جميع الطرقات التي تصل بين البلدان و المحطات في كافة أطراف المملكة العربية السعودية. فسبحان مدبر الأمور و مغير الأحوال.

عدم مرور الطائرات من هواء مكة

هذا، و من الجدير بالذكر أن الطائرات قلما تمر من سماء مكة المشرفة، احتراما لبيت اللّه الحرام الكعبة المعظمة، فربما مرت طائرة من الطائرات في هواء مكة المكرمة في العام أو العامين مرة واحدة قاصدة بعض الجهات، كمدينة الطائف.

نعم لقد قامت طائرة من مدينة جدة قاصدة مكة المشرفة لأخذ مساحة جوية لها،