التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج2

- محمد طاهر الكردي المزيد...
605 /
353

و تصويرها بالفوتوغراف من الجو، و ذلك في اليوم الحادى عشر من شهر شوال سنة (1384) ألف و ثلاثمائة و أربع و ثمانين هجرية، و لبثت أسبوعا واحدا تأتي إلى مكة المكرمة متوالية، حتى أتمت مهمتها ثم انقطعت، فلا توجد حول مكة مطارات لنزول الطائرات، كما أنه ليس لها طريق في سماء مكة لتمر منه إلى بعض الجهات، فسبحان الذي شرف بلده الأمين، و آمن أهله من الخوف و الجوع، فالحمد للّه رب العالمين.

مكة المكرمة و ما فيها من النعم و البضائع‏

مكة المكرمة، بلد اللّه الأمين و بلد خاتم النبيين، و مهبط جبريل الأمين، (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)، هي منبع الأنوار و الخيرات، و مركز الرحمات و البركات، فيها من الأرزاق و الخيرات و الثمرات ما يحير الألباب، مع أنها واد غير ذي زرع، و هذه ببركة إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام لأهلها، حيث قال في سورة إبراهيم: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ‏.

و اللّه إن رزق أهل مكة ليأتيهم من كل مكان، و في كل زمان و مكان، نسأل اللّه تعالى أن يرضى عنا، و يوفقنا لطاعته، و لشكر نعمه و فضله.

إن مكة المكرمة مرزوقة على الدوام بالخضروات المتنوعة و بالفواكه و الخيرات و الثمرات. كما أن فيها من أصناف البضاعات و أنواع التجارات ما لا يوجد في غيرها، مع أنها أرض قاحلة ناشفة صخرية، تحيط بها الجبال من كل مكان. إن فيها أنواع الأقمشة القطنية و الصوفية و الحريرية، و أنواع المصاغات الذهبية و الفضية و مختلف الجواهر و الحلي من المرجان و الياقوت و الزمرد و اللآلئ الأصلية و الصناعية، و الجواهر المختلفة، و الألماس و البرلنت و العقيق و الأساور و الخواتم و عقود الجيد، و أنواع الملابس للرجال و النساء و الأطفال و الشيوخ و الشبان ما لا يدخل تحت الحساب.

و توجد فيها من أنواع الحبوب كالأرز و الحنطة و الدقيق و العدس و الحمص و الفول و البازاليا و الدخن و الذرة و اللوبيا و غيرها، و فيها من أنواع العيش، أي الخبز، شي‏ء كثير، و فيها من الأطعمة المعلبة و غيرها، و فيها أنواع كثيرة من الجبن‏

354

و الزيتون و الطرشي الإفرنجي و غيره، و فيها كثير من أنواع علب السردين و التونة بل حتى السمك الطري الأخضر، يأتيها من جدة و السواحل الغربية منها.

الحاصل يوجد بمكة المكرمة أنواع الخضروات و الثمار و الفواكه و الرياحين و العطورات البلدية و الهندية و الإفرنجية، و أنواع المأكولات من الحبوب و غيرها، و أنواع الملبوسات و الأقمشة و المجوهرات و المصاغات، كل ذلك يأتيها من الهند و السند و الصين و مصر و الشام و اليمن و العراق، و من بلاد الإفرنج كإنكلترا و أمريكا و فرنسا و إيطاليا و أستراليا و روسيا و العجم، و من بلاد جاوة و السودان و الحبشة و غير ذلك من جميع أقطار الأرض، لذلك توجد بمكة المكرمة أطعمة بلدية و أطعمة جاوية و أطعمة مصرية و أطعمة بخارية و أطعمة يمنية و أطعمة هندية و أطعمة إفرنجية، و كلها جاهزة حاضرة يستطيع كل إنسان أن يأكل ما يشتهيه و يهوى، و فيها من أنواع السيارات و أدواتها، و أدوات الكهرباء و أنواع أجهزة الراديو، و أنواع المكائن الكهربائية و الماتورات و الكماليات، ما لا يدخل في حساب، فلا يقدر أحد أن يحصي الخيرات و النعم التي في بلد اللّه الأمين.

لقد كتبنا هذه النبذة الصغيرة للعلم بها في الجملة. فإن كثيرا من الأجانب البعيدين عن الحجاز يعتقدون أن بلادنا خالية من الأمور الحيوية، ليس فيها من النبات إلا العشب، و لا من الأطعمة إلا الخبز و التمر، و هؤلاء معذورون لأن الكتابة عن مرافق حياة بلادنا في الجرائد و الصحف الأجنبية معدومة.

فسبحان القادر على كل شي‏ء، يرزق من يشاء بغير حساب، لا إله إلا هو العزيز الغفار، و صلى اللّه على سيدنا" محمد" و على آله و صحبه و سلم.

صلاة الجمعة في المسجد الحرام‏

صلاة الجمعة هي بضم الميم و إسكانها، و تسمى الصلاة بالجمعة لاجتماع الناس لها، و هي من خصوصيات هذه الأمة المحمدية، و هي فرض عين لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ‏، و هذا الأمر هنا للوجوب، قيل أول من سماه بالجمعة كعب بن لؤي، و هو أول من جمع الناس بمكة و خطبهم و بشرهم ببعث النبي (صلى الله عليه و سلم)، و أمرهم باتباعه.

355

و صلاة الجمعة فرضت مع الصلوات ليلة الإسراء بمكة، و لم يصلها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لأنه كان مستخفيا لا يتمكن من إظهارها و القيام بخطبتها علنا في المسجد الحرام، و أول من فعلها بالمدينة المنورة قبل الهجرة سعد بن زرارة رضي اللّه تعالى عنه، و هو من السابقين في الإسلام، فقد أسلم يوم العقبة الأولى مع رفقته حينما حضروا من المدينة إلى مكة، و كانوا اثني عشر رجلا. و لما هاجر الرسول (صلى الله عليه و سلم)، و وصل إلى قباء بالمدينة أقام فيها أياما أسس فيها مسجد قباء، و هو المسجد الذي أسس على التقوى، ثم إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، تحول من قباء إلى قلب المدينة المنورة، و الأنصار محيطون لديه، و يمشون في ركابه (صلى الله عليه و سلم)، متقلدي سيوفهم، و أهل المدينة في سرور عظيم مستبشرين بمقدمه (صلى الله عليه و سلم) عليهم، فسار النبي عليه الصلاة و السلام، و الناس وراءه ما بين ماشي و راكب يتنازعون زمام ناقته، كل واحد منهم يريد أن يكون رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) نزيله. فأدركته عليه الصلاة و السلام، صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف، فنزل و صلاها، فهذه أول جمعة صلاها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و أول خطبة خطبها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). و بعد الصلاة سار (صلى الله عليه و سلم) و الناس معه، و كلما مر على دار من دور الأنصار تضرع إليه أهلها أن ينزل عندهم و يأخذون بزمام ناقته، و هو عليه الصلاة و السلام يبتسم لهم و يقول:" دعوها فإنها مأمورة" فلم تزل ناقته سائرة حتى بركت أمام دار أبي أيوب الأنصاري رضي اللّه تعالى عنه، فاحتمل أبو أيوب رحله و وضعه في منزله، فرحا مستبشرا، و جاء سعد بن زرارة رضي اللّه تعالى عنه، و أخذ بزمام ناقته (صلى الله عليه و سلم)، فكانت عنده و عم الفرح أهل المدينة، و خرجت ولائد بني النجار يقلن:

نحن جوار من بني النجار* * * يا حبذا (محمد) من جار

ثم بعد أن استراح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قام يبني مسجده الشريف في قلب المدينة المنورة، و من يومئذ انتشر الإسلام، فكان المسلمون يقيمون صلاة الجمعة بمسجده (صلى الله عليه و سلم)، و يقتدون به في جميع الصلوات، حيث إنه لم يكن هناك مسجد غير هذا المسجد النبوي الكريم. ثم انتشرت المساجد بالمدينة المنورة شيئا فشيئا إلى عصرنا الحاضر و ما زال الناس إلى يومنا هذا يقيمون صلاة الجمعة بالمسجد النبوي الشريف، فلا تتعدد صلاة الجمعة بالمدينة المنورة لصغرها.

نعم، تقام صلاة الجمعة بالمدينة المنورة في مسجد قباء و هو بعيد عن قلب المدينة، تقام فيها الجمعة منذ قديم الأزمان إلى يومنا هذا، و السبب في ذلك‏

356

أمران، أحدهما: أن قباء بعيد عن قلب المدينة، و ثانيهما: لأن مسجد قباء هو الذي قال اللّه تعالى عنه في سورة التوبة: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ‏، فمسجد قباء له شرف عظيم، فإنه أول مسجد بناه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عند وصوله المدينة المنورة، ثم تحول منه بعد أيام إلى قلب المدينة فبنى مسجده النبوي المطهر.

ثم لما كثر سكان المدينة و ازداد العمران صارت صلاة الجمعة تقام في مواسم الحج في عصرنا الحاضر في المساجد الآتية:

(1) مسجد المصلى- و هو المعروف بمسجد الغمامة.

(2) مسجد السبت- و هو واقع خارج باب الشامي.

(3) مسجد الخريجي- الواقع في المناخة.

كما أفادنا بذلك فضلية الشيخ عبد العزيز بن صالح، إمام و خطيب المسجد النبوي و رئيس المحاكم الشرعية بالمدينة المنورة في وقتننا الحاضر. و مسجد الخريجي نسبة إلى تاجر معروف في زماننا بالمدينة المنورة، بناه فنسب إليه، و تقام صلاة الجمعة بالمدينة أيضا في مسجد ذي الحليفة بضم الحاء، دائما و أبدا لأن ذي الحليفة موضع يبعد كثيرا عن المدينة و هو ميقات الإحرام لأهلها أو من يأتي منها، و ذو الحليفة بضم الحاء المهملة و فتح اللام، هو المعروف اليوم بآبار علي.

أما عندنا بمكة المشرفة، فإنه بعد أن فتحها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، في السنة الثامنة للهجرة، و دخل الناس في دين اللّه أفواجا و عبدوا اللّه تعالى جهارا ليلا و نهارا أقيمت فيه صلاة الجمعة كبقية الصلوات، فكان الناس منذ العهد الأول يقيمون صلاة الجمعة بالمسجد الحرام إلى عصرنا الحاضر، فلا تتعدد صلاة الجمعة بمكة المشرفة أبدا. و كان الناس يحضرون إلى المسجد الحرام لصلاة الجمعة من أماكن بعيدة، كالمعلا و الحجون و المعابدة، و كالمسفلة و جرول، يحضرون إلى المسجد الحرام بحب و رغبة صيفا و شتاء، و لو في شدة الحر و القيظ، بواعز نفسي و دافع ديني، مع وجود مساجد كثيرة في مكة المكرمة.

ثم لما كان في عهد الحكومة السعودية، أي في سنة (1375) ألف و ثلاثمائة و خمس و سبعين هجرية، أي لدى ابتداء توسعة المسجد الحرام، صارت مكة المشرفة فسيحة الأرجاء واسعة الأطراف، حتى وصل العمران و البنيان فيها إلى‏

357

أكثر من خمسة كيلو مترات في جميع أطرافها، و بطبيعة الحال و مقتضيات الضرورة أنشئت فيها مساجد كثيرة يبلغ عددها (150) مسجدا، فسمحت الحكومة السعودية من السنة المذكورة بإقامة صلاة الجمعة في بعض مساجد مكة تيسيرا على الناس، و من هذا الوقت تعددت صلاة الجمعة في مكة المكرمة.

نسأل اللّه تعالى القبول و العفو و الغفران مع مزيد من الفضل و الإحسان، إنه بعباده لطيف خبير.

و المساجد التي تقام فيها صلاة الجمعة بمكة المكرمة في الوقت الحاضر ابتداء من سنة (1375) ألف و ثلاثمائة و خمس و سبعين هجرية، كما أخبرتنا بها أوقاف العاصمة بمكة المشرفة في مذكرتها المؤرخة في 4 ذي القعدة سنة (1384) هي كما يأتي:

عدد/ اسم المسجد/ المكان 1/ مسجد الجن/ بالشارع العام بمحلة السليمانية

2/ مسجد الجمّيزة/ بأول محلة المعابدة

3/ مسجد الأميرة حصة/ بالحجون‏

4/ مسجد حمدان الفرح/ بالعتيبية

5/ مسجد ابن رشد الهمزاني/ بمحلة المعابدة

6/ مسجد الملك عبد العزيز/ بمحلة المعابدة بجوار القصر العالي‏

7/ مسجد حي التوفيق/ بمحلة جرول خلف ورشة خميس نصار

8/ مسجد الملك عبد العزيز/ بمحلة الزاهر

9/ مسجد بئر الحمام/ بمحلة شعب عامر

10/ مسجد الأمير بندر/ بمحلة المعابدة

11/ مسجد حسن آل الشيخ/ بشارع المنصور

12/ مسجد الكويتي/ بشارع المنصور

13/ مسجد الطبيشي/ بجرول خلف القشلة

14/ مسجد الكعكي/ بجرول بجوار المنطقة الخامسة

15/ مسجد البدوي/ يسمى مسجد الجودرية بمحلة الجودرية قبيل المدعا و هذا المسجد يسمى أيضا بمسجد الراية و هذا صحيح كما تحققنا من ذلك، و قد سبق‏

358

// الكلام عليه في هذا الكتاب في غير هذا المحل.

هذه المساجد فقط هي التي تقام فيها صلاة الجمعة بمكة المشرفة منذ السنة المذكورة أعلاه، أما المسجد الحرام و هو أول المساجد العظام، فإنه تقام فيه صلاة الجمعة منذ الفتح الأعظم لمكة المكرمة في عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى قيام الساعة.

الصلاة في الطابق الأعلى من المسجد الحرام‏

كانت جميع الصلوات في المسجد الحرام بمكة المكرمة تقام في الطابق الأرضي من المسجد الحرام، فلم يكن أحد يصلي الفرائض مؤتما بإمام المسجد الحرام في موضع مرتفع يصعد إليه بدرج، إلا في موضعين فقط، الأول في المقام الشافعي الذي كان بأعلا بئر زمزم، و الثاني في مقام الحنفي الذي كان بآخر حدود الطائف القديم، بجهة باب الزيادة، و هذان الموضعان يصعد إليهما بدرجات قليلة لا يتجاوز عددها إحدى عشر درجة، و مساحة كل موضع منهما نحو أربعة أمتار عرضا في سبعة أمتار طولا تقريبا، و عدد من يصلي في كل واحد من الموضعين، لا يتجاوز الخمسين شخصا، غير أن المقام الحنفي كان أوسع من المقام الشافعي بقليل، أما المقام الحنبلي و المقام المالكي، فلم يكونا مرتفعين عن الأرض بل كانا على الأرض في حدود المطاف القديم.

فلما ابتدأت توسعة المسجد الحرام في سنة (1375) ألف و ثلاثمائة و خمس و سبعين هجرية، في عهد الحكومة السعودية، أزيلت هذه المقامات الأربعة بتاتا، ثم بنيت عمارة تحيط بالمسجد الحرام من جميع جوانبه، و كانت في هذه العمارة الجديدة طابق علوي. و عندما تمت هذه العمارة صار بعض الناس يصعدون إلى فوقها، و يقيمون الصلوات المفروضة من الجمعة، و الجماعات في هذا الطابق العلوي مؤتمين بإمام المسجد الحرام، و بعضهم يقيمونها في نفس أرض المسجد الحرام، و ذلك ابتداء من سنة (1379) ألف و ثلاثمائة و تسع و سبعين هجرية، و كان قبل هذه السنة، و هذه العمارة السعودية تقام الصلوات المفروضة في نفس أرض المسجد الحرام.

نسأل اللّه تعالى القبول و التوفيق و الفضل و الإحسان و صلاح الحال و الأحوال، بفضله و رحمته، إنه بعباده لطيف خبير.

359

افتتاح طريق الطائف من جبل كرا بعد إصلاحه و سفلتته لأول مرة في التاريخ‏

مدينة الطائف أعظم مصيف في الحجاز، و أهل مكة لا يستغنون عن الطائف في الصيف مطلقا، و للطائف طريقان: طريق قديم، و هي عن طريق السيل، و هي طريق اليمانية، فبين مكة و الطائف عن هذه الطريق بالجمال ثلاثة أيام، و لا تزال السيارات إلى اليوم تسير في هذه الطريق أيضا، أما سير الجمال و الدواب فقد بطل مسيرها.

و للطائف أيضا طريق قديم عن طريق الهدى بفتح أوله و ثانيه، و طريق الهدى يمر من عرفات فشداد فالكرّ بضم الكاف و تشديد الراء، فجبل كرا بفتح أوله و ثانيه، فالهدى بفتح أوله و ثانيه، فعلو وادي محرم فبحرة قرن بفتح أوله و سكون ثانيه فجباجب فمسرة فمعشي فالطائف.

فتكون المسافة بين مكة و الطائف، عن طريق كرا الجديد، حوالي 85 خمسة و ثمانون كيلو مترا.

ثم ان الحكومة السعودية افتتحت طريقا جديدا بين مكة و الطائف عن طريق كرا، افتتحها جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود في اليوم الثالث من شهر صفر سنة (1385) ألف و ثلاثمائة و خمس و ثمانين هجرية.

انظر: صورة رقم 56، أحد الشوارع الجديدة الجبلية بالطائف‏

انظر: صورة رقم 57، مدخل مسجد عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما بالطائف‏

انظر: صورة رقم 58، مسجد عبد اللّه بن عباس رضي اللّه تعالى عنهما بالطائف‏

و هذا الطريق الجديد يمر من عرفات فشداد فالكر، فكرا فالهدى فوادي محرم فبحرة قرن فجباجب فمسرة فمعشي فالطائف. فطريق كرا الجديد هو المشي في نفس جبل كرا، و كل الجبل ملفات مسفلتة بالإسفلت.

و أسماء القرى الواقعة في الطريق القديم هي كما يأتي:

من مكة: (1) بعض قرى بني صخر، (2) و قرية الغشامرة، (3) و قرية القصران، (4) و قرية الكمّل بتشديد الميم، (5) و قرية الأعمق و منها قرية الذراوة،

360

(6) و قرية الحصيان، (7) و قرية المطرة بكسر الميم، (8) و قرية الشّنبان بضم الشين المعجمة، (9) و قرية المغارية، (10) و قرية البني، (11) و قرية الحجران.

و هذه القرى واقعة على الطريق القديم.

و أما القرى الواقعة على الطريق الجديد فهي: (1) قرية ابن مسعود بكسر الواو، (2) و قرية بني صخر، (3) و قرية الغربة بكسر أوله و فتح ثانيه، (4) و قرية اللّمضة بكسر اللام و فتح الميم و الضاد، (5) و قرية الخولة و بيت القزاز.

و اعلم بأن جبل" كرا" هو أعلا جبل بين مكة و الطائف، فإنه يرتفع عن سطح البحر بنحو ستة آلاف قدم، حتى أن بحر جدة كان يرى من قمته إذا كان الإنسان قوي النظر، و إذا نظر في الصباح الباكر قبيل طلوع الشمس، فإذا طلعت فإن شعاعها يحجب رؤية بحر جدة لبعد المسافة، و قد رأى البحر من فوق جبل كرا بعض أصدقائنا ممن لا نشك في صدقهم، فرؤية البحر من أعلى الجبل حقيقية لا وهمية، و لا من فعل السراب، فإن السراب لا يظهر إلا بعد الضحى العالي عند اشتداد الحر.

انظر: الصور أرقام 59، 60، 61 و هي للطريق المسفلت بجبل كرا عام 1385 ه

و المسافة من مكة إلى الطائف تبلغ نحو خمسة و ثمانون كيلو مترا، و هذا عن طريق كرا من عرفات، و الطريق من مكة إلى الطائف كلها مسفلتة بالإسفلت، و طول جبل كرا نحو خمسة عشر كيلو مترا، فالسيارات تسير الآن بعد إصلاح الطريق و سفلتته في وسط هذا الجبل الأشم الأصم الصلد، و يبلغ عرض الطريق المسفلت في وسط هذا الجبل نحو اثني عشر مترا، و طول الجبل كما هو مذكور، و لقد مكثوا في إصلاح هذا الجبل العظيم العالي نحو سبع سنوات، و ما كان هذا العمل في هذا الجبل يخطر على بال أحد في الأزمنة السابقة. إن جبل كرا كان في سالف العهود مملوءا بالقرود، ينزلون إليه من الطائف و الجبال المجاورة، فلما بدئ العمل في إصلاح الجبل بالألغام هربت القرود منه، فسبحان اللّه مغير الحال و الأحوال.

و الحق يقال أن إصلاح طريق جبل كرا هو من فكرة جلالة مليكنا المعظم الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، فلقد فكر في إصلاحه منذ أن كان وليا للعهد، فلما اختمرت الفكرة في رأسه أظهرها للوجود، فأمر بالبدء في العمل منذ سنوات، و خصص مبالغ طائلة لهذا المشروع العظيم الجبار، فما مرت سنة واحدة

361

على توليته الملك، إلا و قد انتهى العمل في هذا الجبل العالي العظيم، فافتتحه بنفسه في التاريخ المذكور و الفرحة تغمره و تغمر الناس جميعا، فسبحان الموفق للخيرات و الملهم للصواب، و فقه اللّه تعالى لصالح العباد و البلاد بفضله و رحمته، إنه جل جلاله هو البر الرحيم.

هذا، و لقد أخرج القائمون بتنفيذ هذا المشروع كتابا قد بينوا فيه خلاصة العمل في إصلاح جبل كرا، و وضعوا فيه بعض الصور و الرسوم، فنحن ننقل منه النبذة الآتية و هي:

كيلو متر/ بيان الموضوعات 89/ طول الطريق من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى الطائف‏

21/ طول الطريق من مكة إلى عرفات.

23/ طول الطريق من عرفات إلى الكرّ، و هو بأسفل الجبل‏

22/ و نصف طول الطريق من الكر إلى قمة جبل كرا، أي إلى الهدى‏

20/ و نصف طول الطريق من الهدى إلى الطائف‏

20/ ترتفع مكة المكرمة عن سطح البحر (290) مترا

20/ و ترتفع عرفات عن سطح البحر (320) مترا

20/ و يرتفع الكرّ في سفح الجبل عن سطح البحر (750) مترا

20/ و يرتفع الهدى عن سطح البحر (1950) مترا و مثله ارتفاع كرا

20/ و يرتفع الطائف عن سطح البحر (1550) مترا، فالطائف أقل من الهدى‏

و بلغت تكاليف إصلاح هذا الطريق مائة و ثمانون مليون ريالا سعوديا، و إن شاء اللّه تعالى ستجني البلاد من فتح هذا الطريق خيرا كثيرا بفضل اللّه تعالى و رحمته، و الحق يقال أن إصلاح الطرقات و سفلتتها في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية في الحجاز و نجد، لم تكن إلا في عهد الحكومة السعودية، وفق اللّه تعالى العاملين لكل خير آمين.

362

تاريخ الإذاعة السعودية

أصدرت صحيفة" الأضواء"، التي تصدر بجدة، عددا خاصا عن وثبة الإذاعة السعودية، اقتبسنا منه و مما جاء فيه من مقالات و تحقيقات عن تاريخ الإذاعة السعودية ما يأتي:

إن الحقيقة التي يجب أن تعرف و أن تسجل على صفحات التاريخ، هي أن الإذاعة السعودية، مدينة في مولدها و نشأتها إلى جلالة الملك سعود.

فعند ما كان وليا للعهد تبنى فكرة إنشاء إذاعة عربية سعودية، إيمانا منه بخطر الإذاعة و أهميتها في العصر الحديث، من حيث كونها لسان حال الحكومة و مظهر وعي الشعب و تقدمه، و من حيث كونها صلة الشعب بغيره من الشعوب من جهة، وصلة الشعب ببعضه من جهة أخرى.

فكان مولد الإذاعة العربية السعودية في أواخر عام (1368) ه، الموافق (1949) م، و مع بزوغ فجر يوم عرفات المبارك من تلك السنة، انطلق أول صوت في الأثير يحي العالم الإسلامي و العربي: (هنا مكة المكرمة ... أيها المسلمون في مشارق الأرض و مغاربها ... سلام اللّه عليكم من الأرض الطاهرة).

فبدأت الإذاعة السعودية عهدها مثلما تبدأ كل إذاعة في العالم حين تأسيسها ... بدأت طفلا وليدا يحبو، و لكنه يترعرع و ينمو و يكبر، فيستكمل عناصر قوته و حيويته.

فكانت تبث برامجها في ذلك الوقت بمرسلة قوتها (3) كيلوات فقط. و بقيت قوتها كذلك، حتى وفق اللّه تعالى مليكنا إلى إصدار مرسومه الملكي في السادس و العشرين من شهر شوال سنة 1374 ه بإنشاء مديرية عامة تسمى" المديرية العامة للإذاعة و الصحافة و النشر"، و أسند رئاستها إلى سكرتير جلالته الأستاذ عبد اللّه بلخير، فكان ذلك بداية عهد جديد للإذاعة السعودية، إذ أخذ سعادة الأستاذ بلخير على عاتقه النهوض بالإذاعة و تقوية إرسالها، فخطى سعادته بها خطوات سريعة واسعة، و كانت خطوته الأولى في عام (1375 ه)، الموافق لعام (1955 م)، إذ تمكنت المديرية المشار إليها من إنشاء مرسلة جديدة بقوة (10) كيلوات حتى تستطيع بث البرامج المتعددة المتنوعة إلى نطاق أوسع من ذي قبل.

363

و كان من البديهي أن توسع الاستديوهات مع زيادة البث، و لذلك ابتنت المديرية استديوهين جديدين في جدة، إلى جانب الاستوديو القديم.

أما خطوته الثانية، فكانت في عام 1377 ه الموافق لعام 1975 م، و في شهر صفر بالتحديد، إذ افتتح جلالة مليكنا المرسلة الجديدة قوة خمسين كيلوات.

و هذه المرسلة الجديدة مفخرة من مفاخر الإذاعة السعودية، و طاقة جبارة تضع الإذاعة السعودية في مصاف أقوى الإذاعات في الشرق الأوسط.

و ستتبع هذه الخطوة خطوات، و ما هذه القوة ذات الخمسين كيلوات إلا جزءا بسيطا من مشروع ضخم كبير يكلف تحقيقه مئات الألوف.

و المديرية العامة للإذاعة و الصحافة و النشر جادة في سبيل إنجاز هذا المشروع الكبير، و العمل قد بدأ بعد أن أقره جلالة الملك، و أمر بتنفيذه في الحال.

و هذا المشروع سيرفع من قوة الإذاعة فيجعلها بقوة أربعمائة و خمسين كيلوات ... و بذلك يكون للملكة العربية السعودية إذاعة عالمية تنقل رسالتها إلى الدنيا كلها.

و لن تمضي سنتان و نصف حتى يكون المشروع قد أنجز بأكمله، و عندها تحقق معجزة عالمية في الأثير، هي من صنع جلالة الملك فيصل المعظم أدامه اللّه و وفقه لكل ما يحب و يرضى، إنه السميع المجيب.

و مما يجدر ذكره، أن الإذاعات لما انتشرت في الممالك و الأقطار، و حضرت الأجهزة إلى المملكة السعودية، كان فتحها لسماع الأغاني ممنوعا منعا باتا، و من فتح الراديو و استمع إلى الأغاني تعاقبه الحكومة السعودية و تكسر له الراديو، ثم ما زالوا يتساهلون في الأمر تدريجيا حتى وصلت الحالة عندنا إلى ما نراه اليوم.

قال الأستاذ سراج خراز من مكة المشرفة في تحية الإذاعة السعودية قصيدة طويلة نقتطف منها ما يأتي:

حيّ الإذاعة معلنا إكبارها* * * و أنشد على مر الزمان فخارها!

فأحق بالإعجاب منك إذاعة* * * شادت على أسس الثقافة دارها

في الصبيح و الإمساء تسجع طيرها* * * فاسمع فديتك فيهما أطيارها

ألقت بسمع الكون ما هاجت به‏* * * شجو النفوس و حركت أوتارها

هي منبر صدحت به أقلامهم‏* * * أسمعت في جنباته قيثارها؟

364

تهب الكبار من العقول معارفنا* * * و تمد بالقصص البديع صغارها

فتداعب الأطفال فرحة باسم‏* * * مرح، زوت عنه الدنيا أكدارها

إن الإذاعة إن دعتكم إنما* * * تدعو البلاد لمجدها أحرارها

هي رمز نهضتنا الفتية فاحذروا* * * أن تطفئوا بأكفكم أنوارها

فقفوا لنصرتها الجهود و راقبوا* * * نحو التقدم و العلا أطوارها

انظر: صورة 62، المؤلف و موظف الإذاعة و آخرين بالقرب من منى عام 1375 ه

قصيدة في تحية دار الإذاعة

احتفلت دار الإذاعة المصرية في شهر إبريل سنة (1937) ميلادية، بانتهاء العام الثالث من إنشائها، و دعت لذلك نخبة من رجال العلم و الأدب في مصر، ليذيع كل منهم كلمة في هذا الصدد، فقال الأستاذ علي الجارم (رحمه اللّه تعالى)، هذه القصيدة:

دار الإذاعة أنت بنت ثلاثة* * * مرت كومض البارق اللماح‏

كم فيك للقرآن رنة قارئ‏* * * تحلو لدى الإمساء و الإصباح‏

كشفت عن النفس الملول حجابها* * * فتوجهت للخالق الفتاح‏

الدين سلوى النفس في آلامها* * * و طبيبها من أدمع و جراح‏

دار الإذاعة كم نشرت ثقافة* * * جلت مآثرها عن الإفصاح‏

كم جاز صوتك من بحار سجرت‏* * * و فدافد شعث الفجاج فساح‏

أصبحت أستاذ الشعوب و كافحت‏* * * نجواك جيش الجهل أي كفاح‏

و ملأت بالعلم البلاد فنوره‏* * * في كل منعطف و بهرة ساح‏

تتلقف الدنيا حديثك مثلما* * * يتلقف الأبرار وحي ألواح‏

دار الإذاعة أنت أمرح أيكة* * * صدحت فكانت أيكة الأفراح‏

صاحت بلابلك الحسان فأخملت‏* * * في الجو صوت البلبل الصياح‏

من كل شادية كأن حنينها* * * همس المنى لليائس الكداح‏

الليل إن نادته ماس بعطفه‏* * * فتراه بين المنتشي و الصاحي‏

كم فيك من لهو ري النهى‏* * * و فكاهة محبوبة و مزاح‏

365

النفس تسأم أن تطاول جدها* * * فاكشف سآمة جدها بمباح‏

***

زمر الشباب ولى ملامة ناصح‏* * * لو تسمعون نصيحة النصاح‏

بالعلم" مركوني" تسلق للعلا* * * و بعزمة الوثابة الطماح‏

رجل عصامي الأرومة لم ينل‏* * * مجدا" بآمون" و لا" بفتاح"

تتطلع الدنيا إليه و تمتطي‏* * * ذكرى مآثره متون رياح‏

إن التفاخر بالقديم تعلة* * * و الجهل للمجد المؤثل ماحي‏

و العلم مصباح الحياة فنقبوا* * * من قبل أن تثبوا عن المصباح‏

بلي السلاح مع القديم و عهده‏* * * و الآن صار العلم خير سلاح‏

اليوم فكرة عالم في مصنع‏* * * تغني عن الأسياف و الأرماح‏

و تصد كل كتيبة موارة خضراء* * * تقذف بالكماة رداح‏

أمضوا الجهود و أخلصوا لبلادكم‏* * * في الجد و الإخلاص كل نجاح‏

لا يرتجى من أمة مفتونة* * * باللهو و التسويف أي فلاح‏

خوضوا الصعاب و لا تملوا إنما* * * نيل المنى بالصبر و الإلحاح‏

وصف الحاكي أي" الفنوغراف"

و مما يناسب مبحث الكلام على الإذاعة، ما جاء في كتاب المحفوظات المختارة عن وصف" الفنوغراف" بفاء و نون مضمومتين، و قد كان اختراعه قبل اختراع الراديو بنحو خمسين سنة تقريبا، و هو ما يأتي:

مثال القوة الناطقة، من غير إرادة سابقة، يقتطف الألفاظ اقتطافا، و يختطف الصوت اختطافا، مطبعة الأصوات و مرآة الكلمات، ينقل الكلام من ناحية إلى ناحية، نقل كلام عمر إلى سارية أشد من الصدى في فعله، في إعادة الصوت إلى أصله.

يحفظ الكلام و لا يبيده و متى استعدته منه يعيده من غير أن يبقي لفظا في صدره، أو كتم شيئا من أمره، كأنما حفظ الوديعة في نفسه طبيعة، فلو تقدم له الوجود في مرتبة الزمن ما احتجنا في الأخبار إلى عنعنة و لا في الدعاوي إلى بينة، بل كان يسمعنا كلام السيد المسيح في المهد، و صوت عازر من اللحد، و كانت‏

366

الفلاسفة استودعته حكمتهم، و أنشدوه كلمتهم، فرأينا به غرائب اليونان، و بدائع الرومان، و ربما سمعنا خطب سحبان و شعر سيدنا حسان بذلك اللسان، و أصبح وجود الإنسان غير محدود بزمن من الأزمان.

للّه دره من تلميذ يستوعب ما عند المعلم و يستخلصه في لحظة معيدا قوله، ناقلا صوته و لفظه.

نديم ليس فيه هفوة النديم، و سمير لا ينسب إليه تقصير، تسكنه و تستعيده و تنقصه و تستزيده، و هو في كل هذه الأحوال، راض بما يقال، لا يكل من تحديث و لا يمل من حديث. نمام، كما ينم لك ينم عيك، و ينقل لغيرك كما ينقل إليك، فهو المصور لكل فن، المتكلم بكل لغة، المحدث عن كل إنسان، المؤرخ لكل زمان، الشاعر الناثر المغني العارف، لا تعجزه العبارة، و لا تجهده الإدارة، و لا يضره اختلاف شكل، و لا تباين أصل. انتهى.

الحاكي‏

هل علم الغريد في و كره‏* * * شأن الذي خفض من قدره‏

و هل درى المطرب ماذا الذي‏* * * يسترجع الملحود من قبره‏

يا عجبا من ناطق صامت‏* * * تأتلف الألحان في صدره‏

يستخرج اللحن بمسنونه‏* * * تزيل ذاك اللبس من أمره‏

تخط في أعطافه أحرفا* * * كأنما تبحث عن سره‏

يروي أحاديث أناس مضوا* * * كأنها مرت على فكره‏

انتهى.

ظهور التلفزيون‏

أما اختراع (التلفزيون) فأول من فكر فيه رجل إنكليزي اسمه كامبل سوينتون، و ذلك سنة (1908) ميلادية، و لكن هندسة صنع الصمام اللاسلكي في ذلك الوقت لم تكن متقدمة تقدما كافيا، فلم تتحقق فكرته. ثم في سنة (1925) ميلادية، عرض (ج- ل بيرد) أول تلفزيون في العالم، إلا أن الصور لم تكن واضحة، و منذ ذلك الوقت أخذت هندسة التلفزيون في تقدم مطرد.

367

و قد ظهر التلفزيون لأول مرة في مصر سنة (1378) هجرية، الموافقة لسنة (1959) ميلادية.

و بالطبع كان ظهوره في أوروبا قبل ظهوره في بلاد الإسلام. أما التلفزيون في البلاد السعودية، فإلى طبع كتابنا هذا لم يكن له ظهور عندنا، و لقد سمعنا أن الحكومة السعودية ستعمل و تحقق ظهور التلفزيون عندنا في العام الآتي، أي في سنة (1385) ألف و ثلاثمائة و خمس و ثمانين هجرية، و اللّه تعالى أعلم.

و لقد أخذت الحكومة السعودية في نشر التلفزيون بالمملكة، و ربما ظهر التلفزيون عندنا قبل شهر رمضان من هذه السنة، و هي سنة (1385) ألف و ثلاثمائة و خمس و ثمانين هجرية. و اللّه تعالى أعلم بما سيحدث في مستقبل الأعوام، من أنواع الراديو و التلفزيون و غيرهما.

في شهر ربيع الثاني سنة (1385) ألف و ثلاثمائة و خمس و ثمانين هجرية، ظهر بمكة المكرمة التلفزيون و عرضوه في بعض المعارض، و هو في دور التكوين و الإصلاح و التجربة، فلا يمر هذا العام إلا و قد انتشر في جميع بلدان المملكة العربية السعودية.

الميكرفون في المسجد الحرام‏

كان لكل منارة في المسجد الحرام مؤذن واحد بل أكثر، و كان الذي يقيم الصلاة و يبلغ حركات الإمام للمأمومين، يطلع إلى المقام الحنفي لهذا الأمر، ثم لما ظهر في عصرنا الراديو و الميكرفون، استعملوا الميكرفون لسماع خطب الوعظ و الإرشاد و إلقاء المحاضرات و التنبيهات و التعليمات، حيث إنه يكبر الصوت و يوصله إلى أماكن بعيدة، فإنه يكفي أن يقف رجل واحد أمام آلة الميكرفون، فيلقي ما شاء من الخطب و التعليمات، ليسمعه آلاف الناس في الميادين و المحلات، و حين رأى الناس فائدة الميكرفون وضعوه في المساجد و في المآذن و عند المحراب ولدى المبلغين و أمام قرّاء القرآن و المنشدين و نحو ذلك، حتى يسهل سماع القرآن و الخطب لجميع الناس.

و لقد سمحت الحكومة السعودية باتخاذ الميكرفون في المسجد الحرام و المسجد النبوي، و وضعوه على المنارات و مقامات المبلغين و عند الإمام وقت الصلوات و على المنبر، و كان وضعه في المسجد الحرام في أول عام (1386) ثمان و ستين‏

368

و ثلاثمائة و ألف، و قد وضع في المقام الحنفي جهة باب الزيادة، لأن في هذا المقام يبلغ حركات الإمام للمأمومين.

و الحق أن للميكرفون فائدة كبرى، لا ينكرها إلا كل أخرس أصم.

الجبال و فوائدها و ألوانها

الجبال في الأرض موضع التأمل و النظر لدى أهل الفكر و ذوي الألباب، فهي دلالة على قدرة اللّه عز شأنه، الذي قال في سورة الغاشية: أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ* وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ* فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ.

و قال تبارك و تعالى في سورة النبأ: أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً* وَ الْجِبالَ أَوْتاداً* وَ خَلَقْناكُمْ أَزْواجاً. و قال جل جلاله في سورة فاطر: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَ مِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَ غَرابِيبُ سُودٌ* وَ مِنَ النَّاسِ وَ الدَّوَابِّ وَ الْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ.

فاللّه تبارك و تعالى، الذي له الحكمة البالغة، لما جعل الأرض مهيأ لنا لننتفع بها من جميع الوجوه، كالمهد الذي يفرش و يهيأ للصبي ليرتاح فيه، جعل الجبال عليها أوتادا تستقر و ترسو كما يرسو البيت بالأوتاد، قال الشاعر:

و البيت لا يبنى إلا له عمد* * * و لا عماد إذا لم ترس أوتاد

و في الحديث، خلق اللّه تعالى الأرض، فجعلت تميد فوضع عليها الجبال فاستقرت، فقالت الملائكة: ربنا هل خلقت خلقا أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد. فقالت: ربنا، هل خلقت خلقا أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار.

فقالت: ربنا، هل خلقت خلقا أشد من النار؟ قال: نعم، الماء. فقالت: ربنا، هل خلقت خلقا أشد من الماء؟ قال: نعم، الهواء. فقالت: ربنا، هل خلقت خلقا أشد من الهواء؟ قال نعم، ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفي ذلك عن شماله.

فالجبال علاوة على أنها جعلت أوتادا على الأرض، فإن فيها منافع كثيرة، منها الاستظلال حولها إذا سلطت الشمس حرارتها على الأرض، و منها تخرج المياه أحيانا من بين حجاراتها عذبة صافية كالماء المقطر، و منها أن في الجبال‏

369

كهوفا و مغاور طبيعية تصلح للسكن و الراحة التامة فيها، و منها أنهم كانوا يتخذون بيوتا في الجبال يعملونها نحتا بأيديهم كما قال اللّه تعالى عنهم في سورة الأعراف: وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَ بَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَ تَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ‏. و قال سبحانه في سورة الحجر: وَ لَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ* وَ آتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ* وَ كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ‏. و قال أيضا في سورة النحل: وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ‏، و قال فيها أيضا: وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً.

قيل: كانوا ينحتون الجبال بيوتا لطول أعمارهم، و كانت الأبنية تبلى قبل أن تبلى أعمارهم.

يظن بعض الناس أن الجبال اسودت و اغبرت من تأثير حرارة الشمس القوية التي مرت عليها آلاف الأجيال، و هذا الظن ليس في محله، إذ لو كان الأمر كذلك لوجدنا باطن الجبال بلون غير لون ظاهرها، و الحال أن باطنها و ظاهرها بلون واحد.

فلقد خلق اللّه تعالى الجبال بألوان مختلفة، ففيها البيض و فيها السود و فيها الحمر و فيها الخضر و فيها غير ذلك من الألوان كما في الآية المتقدمة، و معنى كلمة" و غرابيب سود" الغربيب هو الذي أبعد في السواد و أغرب فيه، و منه الغراب لأنه شديد السواد، و من الجبال ما هو صلب شديد و رخو فتيت، و ما هو مدور و ما هو مستطيل، و ما هو صغير و ما هو كبير، و ما هو وحده مستقل، و ما هو متصل بغيره متسلسل ممتد إلى أميال بعيدة، و ما هو كالقطعة الواحدة، و ما هو متكون من أحجار و صخور بعضها فوق بعض من أصل الخلقة و الطبيعة، و ما هو منقور منحوت، و ما هو مخروق ذو منافذ و طرائق، و ما هو أملس ناعم، و ما هو خشن يابس، و منها ما هو آهل بالسكان و ما هو خال من العمران، و منها ما فيه أنهار و زروع و ثمار، و منها ما لا ينبت فيها زرع و لا يصلح للعمار، و بين هذا و ذاك سبل و وديان ينتفع منها الإنسان و الحيوان.

و من الجبال ما هو شامخ عال. قال تعالى في سورة المرسلات: وَ جَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَ أَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً.

370

و أعلى جبال الأرض جبال هملايا و إفرست، فإن هذه الجبال قل من وصل إلى قمتها من البشر، لعلوها الشامخ و استمرار الثلوج عليها صيفا و شتاءا.

و في الجبال نقطة دقيقة و طرفة فنية عجيبة تغيب عن كثير من الناس، و هي أن اللّه تعالى، جلت قدرته خلق الجبال على أحسن صورة و أجمل منظر، فهي على تباينها و اختلاف أشكالها و تفرق مواضعها، و عدم تنظيمها، تجد فيها روعة و جلالا تأخذ بمجامع القلوب، و تشرح الأفئدة و الصدور، تجد هنا جبيل صغير و تلال صغيرة، و تجد هناك جبالا مرتفعة و صخورا ناتئة، و تجد أمامك سلسلة جبال تسد الطريق، فإذا وصلت إليها وجدت الطريق بينها مسلوكا و تجد نفسك أحيانا محصورا تحيط بك الجبال في دائرة ضيقة، إذا بك تخرج من بينها في فضاء فسيح، و قد تفرقت الجبال عنك، و تجد قمم الجبال و رؤوسها مختلفة متنوعة، كما تجد ظهورها و تسنمها بأشكال متباينة، و تجد في تعاريجها و تلافيفها و ارتفاعها صعوبة الرقي، لكنها تغري الناظر بالصعود، فإذا رقى عليها و رأى ما تحتها و ما حولها، انشرح صدره و ود لو لم ينزل عنها، و ما أحلى منظر الجبال في البكور و الأصيل و الليالي المقمرة، و لا يعرف متعة الصحراء إلا أهل الصحراء، و لا يفهم كلامنا إلا من رأى البلاد التي تكثر فيها الجبال، و تتجلى هذه المعاني بوضوح لمن كان مسافرا ما بين مكة و جدة، و ما بينها و بين المدينة، أو مسافرا حوالي البلاد الحجازية.

فلو اجتمع أهل الرسم و التصوير، و نبغاء الفنون و الابتكار من أطراف العالم، على أن يعملوا جبالا صناعية فيها هذه الروعة و الجلال و المناظر و الجمال، لباؤا بالفشل و رجعوا بخيبة الأمل. فسبحان مبدع الكائنات الذي أحسن كل شي‏ء خلقه، و الذي وضع في كل شي‏ء من الجاذبية و القوة الكامنة و الحكمة البالغة ما يحير ذوي العقول و الألباب فسبحان اللّه رب السموات و رب الأرض و رب العرش العظيم.

وصف الصحراء

جاء في الجزء الثالث من كتاب" المطالعة العربية" عن الصحراء نقلا عن كتاب" صحراء ليبيا" تأليف أحمد حسنين، ما يأتي:

371

قد يكون للصحراء متاعبها، و لكن لها أيضا مفاتنها، تستهوي عشاقها و تجذبهم إليها، افتتن بها كل من جاب نواحيها، افتتن بعظمتها المتمثلة في فضائها الواسع، و سكونها العميق، و حياة التنقل المحفوفة بالمخاطر.

تبسم الصحراء فما أحلى ابتسامها، و تعبس فما أقبح عبوسها، تضحك نجومها فتستهوي عابرها، و يحتكم فضاؤها في القلب، فتوقعه في أسرها فيسير مغتبط النفس هانيها، سير المطمئن، المؤتنس بها، المولع بجمالها، و لكن شيمتها الغدر، فلقد تريك غاية الغضب و القسوة التي لا متجاوز بعدها، بعد أن تضفي عليك السرور، و ترضيك تمام الرضا.

الصحراء ساحرة جذابة، إذا عرفتها تعلقت بها نفسك أبد الدهر، و لكن ليس من السهل أن تدرك سر سحرها، و لا سبب خلابتها و كل ما تعرفه أنها تناديك، فينفذ نداؤها إلى صميم قلبك، و تدعوك فلا تلبث أن تشد الرحال إليها راضيا مغتبطا، يسوقك الحنين و تدفعك الذكرى.

تلازم القافلة ساجي العينين، تجرر قدميك المقروحتين على وقع خطا الإبل، و قد جف الريق، و تشقق الحلق، و لا أثر لبئر، يسير رفقاؤك في هدوء و سكون قد خفتت أصواتهم، و قلص الجهد وجوههم، و حالت إلى لون الدم عيونهم، ملؤها اليأس، تستطلع الأفق و تستوضح ذلك الخط الذي تلتقي عنده زرقة السماء و صفرة الرمال، فإذا هو دائما ناصل بعيد السكون شامل، لا تشقه إلا خضخيضة النزر اليسير من الماء في القرب المتهدلة على جوانب الإبل المتهالكة، إننا في الصحراء لا نتحدث كثيرا، فالصحراء تعلم الصمت و الوجوم، و إذا أحدق الخطر بنا تحامينا أن ينظر بعضنا إلى بعض، و ساد السكوت، و ماذا يجدي الكلام، كل منا يعرف ما هو واقع، و كل منا يحتمله بصبر و جلد، إذا التضجر ضرب من السخط، و السخط معصية لا يقدم عليها بدوي، ففي عقيدته أن اللّه كتب عليه هذه الحياة، و قدر عليه سلوك هذه الطريق، و قد تودي به فلابد من الرضا، و البدوي يقول: لا مفر مما كتبه اللّه و قدره أينما تكونوا يدرككم الموت و لو كنتم في بروج مشيدة. و في مثل هذه الساعات تقطع على نفسك العهود و المواثيق، ألا تعود إلى الصحراء أبدا إذا قدر اللّه لك أن تخرج منها حيا.

ثم ينتهي اليوم، و تحط الرحال، و لا تنصب الخيام، لأن الرجال مجهدون غافلون عن التفكير في أنفسهم، و كأن الشمس قد نالها ما نالنا من التعب، و كأنما

372

النهار الذي قطعته معنا في نضال الصحراء أدمى وجهها فإذا قرصها يرسل أشعة حمراء، كأنها خيوط الدم، و كأنما الشمس قد عمدت مثلنا إلى الانزواء، تضمد ثخين جروحها و تجدد منهوك قواها، حتى إذا تم لها ذلك عادت وعدنا في نورها إلى مصارعة الصحراء، و لكن الصحراء لا تلبث أن تصرعنا و تصرعها ... قصة كل يوم.

يهبط الظلام شيئا فشيئا، تطارد طلائعه فلول النور، و يسجو الليل، زاهر النجوم، أو وضاح البدر، و ربما كان ليل الصحراء أعجب نواحي الحياة فيها، يسري نسيم الليل عليلا، فينعش روح القافلة و لا تمضي دقائق حتى يبدأ النقر على الصفائح الفارغة، و يدور الرقص و الغناء، و يتجمع شمل الرجال حول النار الخابية، فيتوسم كل منهم وجوه رفقائه، ليطمئن عليهم، و يستيقن سلامتهم، و يحاول كل منهم أن يكون أشد بهجة من جاره، ليقوي عزيمته و يجدد في نفسه الثقة و الأمل و الطمأنينة. و قد نعمد إلى مغالطة أنفسنا بأن نبعث في ظلام صيرتنا و متاعبنا نورا فيقول أحدنا:" إن جمال القافلة بخير"، و يقول آخر:" لقد تعهدت الجرح، فإذا به أخف مما كنت أظن"، و يقول ثالث إنه رأى ثارة البئر على مقربة إلى اليمين، و هكذا نستدرج أنفسنا لنقنعها بأن كل شي‏ء على ما نود و نرغب، و ربما كان هذا كله تغريرا منا بأنفسنا أمام الصحراء التي خلبت ألبابنا، و تغلب سحرها على عقولنا، تبسم لك الصحراء ليلا، فتنسى كل شي‏ء، تنسى متاعبك و آلامك.

تنسى الصعاب التي لاقتك، و المشقات التي تنتظرك، تنسى كرب الحر و العطش و تنسى أنك كنت قد أشرفت اليوم على الهلاك، و أن الموت يرقبك غدا، و أنه كامن لك في كل خطوة، تبسم لك الصحراء، فلا يبقى بعدها مكان أجدر بأن تعيش فيه، و لا تطيب لك الحياة في غيرها، تبسم الصحراء فيعاودك حبها، و تقبل عذرها، و تغفر ذنبها، و تنقض عهد هجرانها. قليل من أهل المدن يدركون لذة الجلوس في حلكة الظلام و رعي النجوم، و لا عجب إن كان العرب أساتذة علم الفلك، فالأعرابي إذا انتهى من عمل يومه، خلا إلى نفسه، و انقطع إلى ترسم حركات النجوم و إمتاع روحه، بما تبعثه فيه من الراحة، و الشعور بالسمو إلى ما فوق العالم الأرضي، و تقع النجوم من نفسه موقع الأصدقاء الأقربين الذين يلقاهم كل يوم حتى إذا دارت قبة الفلك لم تغب فجأة، و إنما تحتجب تدريجا كما يتوارى الراحل عن مودعه على أمل اللقاء القريب.

373

و ينصل الليل، فينبعث من أول متيقظ من رجال القافلة:" حي على الصلاة، الصلاة خير من النوم"، فيستيقظ القوم، و كأنهم يجمعون عظامهم، و مع ذلك، فما أعظم ما طرأ عليهم، سرى فيهم الأمل و تولدت الثقة بل قد يعتقدون في ضمائرهم أن سيجري كل شي‏ء على ما تهوى نفوسهم و الدنيا بعد فضاء مكفهر رطب، و نيران الصباح وحدها تذهب ببرودة نسيم الشمال، فإذا كان الجو صحوا، لا سحاب فيه و لا مطر، انتشر في السماء نور ضئيل يرمي خلف الرجال و الإبل ظلالا مستطيلة رواغة تدق حتى ما تكاد تسميها ظلالا، ثم يتخضب الفضاء بحمرة تبعث الدف‏ء حتى إذا ما بدت ذكاء، لم يبق في الصحراء إلا ذلك المنبسط السحيق من زرقة و صفرة، ثم تنصل الزرقة شيئا فشيئا، حتى إذا انتصف النهار أمحت الألوان من السماء.

و يخلق الصباح قوة جديدة، تلك هي الساعات التي يتجلى فيها للإنسان سحر الصحراء و جمالها، في سكون هذا الفضاء المتسع يدق الإحساس و يرهف، حتى ليشعر قاطع الصحراء أحيانا بقرب (واحة) عامرة و تغلب غريزته أيضا، فيحس بمئات الأميال التي تبعده عن كل كائن حي، و في تلك اللانهائية الساكنة، يصحو الجسم، و تصفو الروح فيشعر الإنسان بأنه أقرب إلى اللّه عز و جل، و يحس قوة قاهرة، ليس لقوة أخرى أن تحول قلبه عنها، و يتسرب إلى نفسه الإيمان بالقدر الغالب فيصبح شديد الاستسلام، حتى يهون عليه بذل حياته للصحراء دون تبرم، و هناك حقا أوقات يشعر الإنسان فيها بأن الحياة قليلة الوزن هينة، و تكشف الصحراء من الإنسان عن جوانبه الشريفة، فإنك إذا واجهت أهل المدن بالخطر، ناضل كل عن نفسه، أما في الصحراء فتسمو النفس، و تختفي الأثرة و يبدو الإيثار، فيفرغ كل قصارى جهده في خدمة زملائه، فإذا هدد الخطر قافلة من القوافل، و عنّ لأحد أفرادها سبيل النجاة، تنكب عنها، و لم يترك رفقاءه لينجو بنفسه. و أشد ما يهولك في الصحراء أن يقل الماء، و ربما دار بخلدك في مثل هذه الحال أن تستبقي لنفسك ما لديك منه، و لكنك بدلا من هذا لا تلبث أن تجدك حاملا زجاجة الماء، و هي إذ ذاك أثمن ما تملك، تدور بها على الرفاق، تسأل كل منهم، هل يريد جرعة، تسألهم غير آبه و لا مكترث، كأنما خيل إليك أن الماء موفور غزير فائض عن حاجتك، تسألهم دون أن تفكر في سلامتك، و هكذا يكون الإيثار، و تكون التضحية.

374

لا يزال يزداد الإعجاب بالبدوي، كلما فكرنا في ثباته و سكينته و شجاعته التي لا يزعزعها شي‏ء، يدخل البدوي الصحراء و عماده ثلاثة: الجمال، و الماء، و الدليل. أما الجمال، فقد يخور أقواها، و ينفق لغير سبب ظاهر، و يقوم أضعفها يتمايل تحت حمله، يقارب في خطواته، حتى يبلغ آخر الشوط، و موت جمل من جمال القافلة كارثة في إلقاء جل أحماله، إن لم يكن كلها. أما الماء فيحمل أكثره في قرب، و قد تتصدع القربة، أو يبخر منها الماء، و ربما اصطدم جملان، فتنشق قربة أو قربتان، و هذه هي الطامة الكبرى. بقي الدليل، فقد يقول- و الأسباب كثيرة- أن الأرض تدور برأسه، و أن رأسه طاح، و قد يضل الطريق إذا غامت السماء بضع ساعات، أو أخطأ في ترسم معالمه.

عماد البدوي في اجتياز الصحراء، كما قدمت، الجمال و الماء و الدليل، و لكنها جميعا لا تغني عن شي‏ء آخر هو الإيمان، الإيمان الثابت الذي لا يتزعزع، الإيمان الراسخ الوطيد، و لو رجع كل رحالة إلى نفسه، ما استطاع أن يقول:

فعلت، بل كل ما يستطيع أن يقوله: وفقت، و ما التوفيق إلا من عند اللّه.

قد تتجمل الصحراء و يلين مهادها، و قد يكون رجال القافلة متهللين نضر الوجوه، و قد تعبس الصحراء، فإذا تهدلت رؤوس الإبل من العطش و الإعياء، و نزر الماء، و ما من أثر لبئر قريبة، و وجم رجالك، و تطرق اليأس إلى نفوسهم، و سألت دليلك، فهز كتفيه و قال: اللّه أعلم، و ذرعت بنظرك الأفق، فإذا هو ذلك الخط الغائم المضطرب، و جلت ببصرك في كل ما يحيط بك، فما رأيت شارة و لا علامة تبعث على بصيص من الأمل، و ضاقت دائرة الأفق، حتى أصبحت على رحبها طوقا يضيق حول عنقك، فهنا يشعر البدوي بافتقاره إلى القدرة القادرة، و هنا يجأر باستدرار (رحمه اللّه) و لطفه، حتى إذا ضلت دعواته، ضم جسده الذاوي، و تهالك على الرمال ينتظر الموت المحتوم في سكينة و استسلام، هذا هو الإيمان الذي لابد منه لمجتاز الصحراء.

انتهى من كتاب المطالعة الوافية.

ذكر بعض أشهر جبال مكة

جاء في كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري ما نصه: قال اللّه تعالى:

وَ أَلْقى‏ فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ‏، قال المفسرون: خلق اللّه عز و جل،

375

الأرض على الماء فمادت و تكفأت، كما تتكفأ السفينة، فأثبتها بالجبال، و لولا ذلك ما أقرت عليها خلقا.

و روى أبو حاتم في كتاب العظمة، أن النبي (صلى الله عليه و سلم)، قال: إن اللّه تعالى، لما خلق الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت، فعجبت الملائكة من خلق الجبال، و قالت: يا رب هل خلقت خلقا أشد من الجبال؟ قال:

الحديد، قالت: فهل من خلق أشد من الحديد؟ قال: النار، قالت: فهل من خلق أشد من النار؟ قال: الماء، قالت: فهل من خلق أشد من الماء؟ قال: الريح، قالت: فهل من خلق أشد من الريح؟ قال: ابن آدم، يتصدق بيمينه فيخفيها عن شماله.

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: كان العرش على الماء قبل أن يخلق اللّه السماوات و الأرض. فبعث اللّه ريحا فعصفت الماء، فأبرز من حشفة في موضع البيت، فدحا الأرض من تحتها، فمادت فأوتدها بالجبال.

فكان أول جبل وضع، جبل أبي قبيس، و هو الجبل المطل على الكعبة، انتهى من كتاب نهاية الأرب.

و من قول السمؤال في الجبال:

لنا جبل يحتله من نجيره‏* * * منيع يرد الطرف و هو كليل‏

رسا أصله تحت الثرى و سما به‏* * * إلى النجم فرع لا ينال طويل‏

نقول: إن الحرم في أطراف مكة و جهاتها متسع، فحدود الحرم المكي يحرم التعرض لصيده و نباته للآتي من جهة التنعيم ثلاثة أميال، و من العراق و الطائف سبعة أميال، و من الجعرانة تسعة أميال، و من جدة عشرة أميال. و هذه الحدود لها من الحكم ما لمكة لأنها محيطة بها، و هذه الحدود غير حدود المواقيت.

فمكة و ما يتبعها من الحرم ملآنة بالجبال، و نرى من العسير جدا عدها و إحصاءها، فكيف أمكن للإمام الأزرقي أن يعدها و أن يحصرها في اثني عشر ألف جبل.

و نحن مع كثرة مطالعتنا لتاريخ الإمام الأزرقي، لم نر فيه أنه ذكر عدد جبال الحرم، فما ندري في أي صحيفة منه وجد الغازي (رحمه اللّه)، أنه ذكر عدد جبال الحرم حتى نسبها إليه.

376

هذا و لا نريد إطالة الكلام عن جبال مكة و ذكرها جبلا جبلا، ففي كتب التاريخ بيان كل ذلك، و لكن لابد لنا من ذكر أهم جبالها و أشهرها، و لنقتصر من ذلك على سبعة جبال فقط و هي:

(1) جبل أبي قبيس- و يقع في الجهة الشرقية للمسجد الحرام.

(2) و جبل قعيقعان- و يقع في الجهة الغربية، و هذان الجبلان هما أخشبا مكة.

(3) و جبل حراء- و يقع في الشمال الشرقي، و فيه أول ما نزل من القرآن.

(4) و جبل ثور- و يقع في الجهة الجنوبية، و فيه اختفى النبي (صلى الله عليه و سلم) مع أبي بكر حين الهجرة.

(5) و جبل خندمة- و يقع خلف جبل أبي قبيس.

(6) و جبل عمر- و يقع في الجهة الغربية تقريبا.

(7) و جبل ثبير- و يقع في الجهة الشرقية.

و اعلم أن مكة شرفها اللّه تعالى و أكثر رزقها و خيرها و رخص أسعارها، و زادها أمنا و أمانا و برا و إحسانا، و غفر لأهلها و وفقهم لمعرفة فضلها و الأدب فيها، و أدام رضاءه و توفيقه عليهم، و على من جاورهم ليقوموا بطاعته خير قيام كلها محاطة بالجبال الشامخة، و هذه الجبال متصلة بعضها ببعض، و ما نراه في بعض الأماكن المسكونة من استواء الأرض، إنما حصل بفعل البشر من إصلاح الطرق و مواضع المساكن، و إلا ففي أصل الخلقة بعض أراضيها غير مستوية بهذا المقدار، خصوصا ما كانت محيطة بالمسجد الحرام و مطلة عليه.

قال الغازي في الجزء الأول من تاريخه بصحيفة 342: قال الإمام الأزرقي:

و بحرم مكة، شرفها اللّه تعالى، اثنا عشر ألف جبل.

جبل أبي قبيس و ارتفاعه 420 مترا

روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس، أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال:" أول بقعة وضعت من الأرض موضع البيت، ثم مدت منه الأرض، و إن أول جبل وضعه اللّه تعالى على وجه الأرض أبو قبيس، ثم مدت منه الجبال". قال العزيزي في شرحه على الوقع الصغير، قال الشيخ: حديث صحيح لغيره ا ه.

377

و روى الإمام الأزرقي في تاريخه: عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، أنه قال: لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق اللّه السموات و الأرض، بعث اللّه تعالى ريحا هفافة فصفقت الماء، فأبرزت عن خشفة في موضع هذا البيت كأنها قبة، فدحا اللّه الأرضين من تحتها فمادت ثم مادت، فأوتدها اللّه تعالى بالجبال، فكان أول جبل وضع فيها أبو قبيس، فلذلك سميت مكة أم القرى ا ه.

و جبل أبي قبيس هو أحد أخشبي مكة، و كان أبو قبيس يسمى في الجاهلية الأمين، لأن الركن الأسود كان فيه مستودعا عام الطوفان، فلما بنى إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام البيت نادى أبو قبيس أن الركن مني بموضع كذا و كذا، و قيل أتى به جبريل (عليه السلام) من الجبل و سلمه إلى إبراهيم.

أما الأخشب الثاني فهو جبل قعيقعان الذي نسميه الآن" بجبل هندي" و سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى.

قال الأزرقي: و بلغني عن بعض أهل العلم من أهل مكة أنه قال: إنما سمي أبا قبيس أن رجلا أول من نهض بالبناء فيه كان يقال له أبو قبيس، فلما صعد فيه بالبناء، سمي جبل أبي قبيس، و يقال كان الرجل من إياد، و يقال اقتبس منه الركن فسمي أبا قبيس، و الأول أشهرهما عند أهل مكة. ا ه.

و اعلم أنه يمتاز جبل أبي قبيس عن بقية الجبال بما يأتي:

(1) أنه أول جبل وضع على وجه الأرض.

(2) أن اللّه تعالى استودعه الحجر الأسود زمن طوفان نوح (عليه السلام).

(3) أنه يشرف على الكعبة المعظمة، بل إن الربوة التي بنيت عليها الكعبة تتصل بأصل جبل أبي قبيس.

(4) أن انتشار الدعوة إلى الإسلام جهرا لأول مرة، كان في الدار التي بأسفل أبي قبيس المسماة" بدار الأرقم" و الشهيرة بدار الخيزران، فقد كان النبي (صلى الله عليه و سلم) يختبئ فيها هو و من آمن معه، و يصلون بها سرا، حتى أسلم عمر رضي اللّه عنه، فجهروا بالإسلام، كما قال ابن مسعود رضي اللّه عنه: و ما عبدنا اللّه جهرة حتى أسلم عمر.

(5) أن أصل الصفا الذي يبدأ السعي منه يقع في أسفل أبي قبيس في مقابلة ركن الحجر الأسود.

378

(6) أن انشقاق القمر حصل عليه، و ذلك معجزة لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

(7) كان نصب المنجنيق زمن محاربة ابن الزبير رضي اللّه عنهما، على أبي قبيس و على قعيقعان.

و كفى بجبل أبي قبيس شرفا أنه بمكة مطل على بيت اللّه الحرام، بينهما أمتار معدودة، و مع هذا نعجب كيف لم تؤخذ منه الصخور و الأحجار لأساس الكعبة و بنائها كما أخذت من الجبال الأخرى. مع أنه هو أول جبل وضع على وجه الأرض ثم منه امتدت الجبال.

قال الغازي في تاريخه في الفصل الأول، عند ذكر جبال مكة ما نصه:

(فمنها) الجبل المعروف بأبي قبيس، و هو الجبل المشرف على الصفا، و هو أحد أخشبي مكة، و سمي بأبي قبيس باسم رجل من إياد يقال له أبو قبيس، ذكره الأزرقي، و قيل إن الرجل من مذحج، ذكره ابن الجوزي، و قيل سمي بأبي قبيس باسم رجل من جرهم كان قد وشى بين عمرو بن مضاض و بين ابنة عمه مية فنذرت أن لا تكلم، و كان شديد المحبة لها، فحلف ليقتلن قبيسا فهرب منه في الجبل المعروف به، و انقطع خبره. و قال الأزرقي: الأول أشهر عند أهل مكة، و قيل إنه اقتبس منه الحجر، و كان يسمى في الجاهلية الأمين لأن الحجر الأسود استودعه اللّه فيه من الطوفان على قول، فلما بنى الخليل الكعبة نادي أبو قبيس:

الركن مني بمكان كذا و كذا. و قيل إن آدم اقتبس منه نار الدنيا، و عن مجاهد:

أول جبل وضع على وجه الأرض أبو قبيس، ثم مدت الجبال منه، ذكره الأزرقي و الواحدي، كذا في تحصيل المرام.

و قال أيضا: و في الإعلام: سمي بأبي قبيس لأن رجلا من إياد يكنى أبا قبيس، صعد فيه، و بنى فيه بناء فعرف به. قال الفاكهي: اعلم أن الدعاء فيه يستجاب، و أن وفد عاد قدموا إلى مكة للاستسقاء لقومهم، فأمروا بالطلوع إلى أبي قبيس للدعاء، و قيل لهم: لم يعله خاطئ يعرف اللّه منه الإنابة إلا جابه إلى ما دعاه إليه. و فيه على إحدى الروايات قبر آدم و حواء و شيث (عليهم السلام)، قال الذهبي في تاريخ مدة آدم و بنيه ما نصه: و خلف بعده شيث ابنه و نزلت عليه خمسون صحيفة و عاش تسعمائة سنة، و دفن مع أبويه في غار أبي قبيس، انتهى.

و قال وهب بن منبه: حفر لآدم في موضع من أبي قبيس في غار يقال له غار الكنز، قال الفاسي: و هذا الغار لا يعرف الآن، فاستخرجه نوح (عليه السلام) يوم‏

379

عرفة، فجعله في تابوت معه في السفينة، فلما نضب الماء رده إلى مكانه، انتهى.

و قيل غير ذلك، و فيه موضع يزعم الناس أن القمر انشق فيه للنبي (صلى الله عليه و سلم)، و ليس لذلك صحة، كذا ذكره السيد التقي الفاسي، قال: و هو أول جبل وضعه اللّه تعالى في الأرض، انتهى ما في الإعلام.

و في تحصيل المرام قال القرشي: كون وقع انشقاق القمر في الموضع الذي يقوله الناس اليوم، فلم أر ما يدل على ذلك، انتهى.

قال: و اعتادت الناس أكل الرأس فوقه، و يظنون أنه سنّة و يأكلون ذلك في رأس الجبل، و في وسط صهريج معد للماء لما كان على رأسه قلعة لبعض ملوك مكة بناها مكثر أخو داود بن عيسى يتخلص بها عند انهزامه من أخيه داود، ثم بعد ذلك نقضها مكثر لما ولي مكة بدل أخيه داود، و ذلك في سنة خمسمائة و ثمان و ثمانين، كذا في تاريخ مصطفى الشهير بجنابي، و عامة الناس يسمون ذلك المحل حبس الحجاج و ليس كذلك، و هو الآن خراب قد انهدم سقفه.

و فوق أبي قبيس مسجد مشرف على الكعبة و الحرم بناه رجل هندي كما أخبرني بذلك والدي سنة ألف و مائتين و خمس و سبعين، و كانت حجارة مرضومة في ذلك المحل يقال إنه مسجد إبراهيم و ليس هو خليل الرحمن و إنما هو رجل آخر.

و في ذلك المحل شبح صخرة من جهة المشرق يقول الناس أن هذا المحل كان الحجر الأسود فيه زمن الطوفان إلى زمن إبراهيم (عليه السلام)، فأخذه من هذا المحل، و لم أر أثرا و لا خبرا صحيحا ما يدل على ذلك أنه كان في هذا المحل بعينه، و اللّه أعلم. انتهى ما في تحصيل المرام.

و ذكر السيد أحمد دحلان في سالناماته الحجازية أن القزويني ذكر في عجائب المخلوقات أن من خواص جبل أبي قبيس أن من أكل فيه الرأس المشوي يؤمن من وجع الرأس، فصار كثير من الغرباء يحرصون على فعل ذلك، لا سيما حجاج الجاوا. قال العلامة المنلا علي القاري في شرح اللباب أن ذلك كلام باطل لا أصل له. انتهى من تاريخ الغازي.

و جاء أيضا في كتاب" الجامع اللطيف في فضل مكة و أهلها و بناء البيت الشريف"، للعلامة ابن ظهيرة القرشي عن جبل أبي قبيس ما نصه: الجبل المعروف بأبي قبيس أحد أخشبي مكة المشرف على الصفا، و هو مشهور لا يحتاج إلى‏

380

بيان، و يروى عن وهب بن منبه رضي اللّه عنه، أن قبر آدم (صلوات اللّه عليه) في غار في جبل أبي قبيس، يقال له غار الكنز بالنون و الزاء المعجمة، و أن نوحا (عليه السلام) لما جاء الطوفان استخرجه من الغار و جعله في تابوت حمله في السفينة، فلما غيض الماء أعاده إلى الغار، و اللّه أعلم بذلك، و هذا الغار لا يعرف الآن، و قيل إن قبره بمسجد الخيف بعد أن صلى عليه جبريل عند باب الكعبة، و قيل ببيت المقدس، و قيل ببلاد الهند، و صحح الحافظ ابن كثير في تفسيره، و نقل عن الذهبي أن قبر حواء و شيث في جبل أبي قبيس، و اللّه أعلم بالحقائق.

و من فضائله: أنه كان يدعى الأمين في الجاهلية، لأن الحجر الأسود استودع فيه عام الطوفان، فلما بنى الخليل الكعبة ناداه الجبل: الركن مني بمكان كذا و كذا، فجاء به جبريل فوضعه موضعه.

(و منها): أنه أول جبل وضع على وجه الأرض حين مادت، روي ذلك عن ابن عباس و مجاهد.

(و منها): أن الدعاء يستجاب فيه كما ذكره الفاكهي، و استشهد لذلك بحكاية الوفد الذين استسقسوا فيه، فأجيب لهم و سقوا.

(و منها): انشقاق القمر عليه كما ذكره القطب الحلبي و غيره، و نقل عن بعض العلماء أنه أفضل جبال مكة حتى حراء، و علل بكونه أقرب الجبال إلى الكعبة الشريفة، قال الفاسي (رحمه اللّه)، و في النفس شي‏ء من تفضيله على حراء لكونه (صلى الله عليه و سلم) كان يكثر إتيانه للعبادة، و يقيم به لأجلها شهرا في كل عام، و فيه أكرم بالرسالة، و لم يتفق له (صلى الله عليه و سلم) مثل ذلك في جبل سواه، و ذلك مما يقتضي امتيازه بالفضل. و الموجب لتفضيل دار خديجة رضي اللّه عنها، على غيرها من دور الصحابة طول سكناه (عليه السلام) بها، و نزول الوحي عليه فيها، لا لأجل القرب من الكعبة إذ كثير من البيوت أقرب إليها منه، كدار العباس بالمسعى، و دار الأرقم بالصفا، و اللّه أعلم. انتهى.

ثم في تسميته بأبي قبيس أقوال أرجحها أنه سمي باسم رجل من إياد يقال له أبي قبيس بنى فيه.

(فائدة) نقل القزويني في كتابه عجائب المخلوقات من خواص جبل أبي قبيس، أن من أكل فيه الرأس المشوي يأمن أوجاع الرأس، و كثير من الناس يفعلون، و اللّه أعلم بحقيقة ذلك. انتهى من الكتاب المذكور.

381

جبل قعيقعان (أي جبل هندي)

جبل قعيقعان ارتفاعه (430) مترا، هو الجبل الثاني من أخشبي مكة، و الأخشب الأول جبل أبي قبيس، و قعيقعان هو ما نسميه اليوم" بجبل هندي"، و سمي بقعيقعان لتقعقع السلاح به في حرب جرهم مع قطورا، و هما يومئذ أهل مكة، فكانت جرهم بأعلا مكة و قعيقعان و ملكهم يسمى مضاض بن عمرو، و كانت قطورا بأسفل مكة و أجيادين و ملكهم يسمى السميدع.

و قيل: سمي بقعيقعان لوجود سلاح تبع به حينما قدم مكة، و كان خيل تبع بأجياد فلذلك سميت أجيادا.

و في الحقيقة الأخشب الثاني هو الجبل الصغير الذي بأسفل قعيقعان المطل على الكعبة، و هو الذي كان يسمى" بالأحمر"، كما كان يسمى بالجاهلية" بالأعرف" و لكن لما كثر السكان و البيوت بالجبل اختلط الجبلان ببعض فصارا كالجبل الواحد، و فيه كانت بيوت و دور عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما، و عليه نصب المنجنيق أيضا في محاربته مع الحجاج، فإن وجهه الشرقي يطل على الكعبة و المسجد الحرام و يقال جبل أبي قبيس. و جبل قعيقعان جبل عظيم طويل ممتد، و في أصله تقع المروة من جهة المدعى أي في الشمال الشرقي للمسجد الحرام، قال صاحب العقد الفريد: الواقف على درج المروة يرى ميزاب البيت و ما اتصل به.

و من عجيب ما رواه الغازي في تاريخه ناقلا عن ابن فهد، أنه قال: و في سنة (817) سبعة عشر و ثمانمائة أنشأ عطية المطير سبيلا بالمروة و كان موضع هذا السبيل قبل ذلك معدا للشنق، فقال شعبان الآثاري في ذلك:

بمكة دار كان للشنق ركنها* * * فأضحت سبيلا بعد كل بلية

و أضحى لسان الحال منها يقول قد* * * رضيت من المولى بخير عطية

و قال بعضهم أيضا:

بمسعى رسول اللّه دار معدة* * * لشنق فصارت للأنام سبيلا

و اليوم جبل قعيقعان جميع جهاته و أطرافه و رأسه عامرة بالمنازل و البيوت و السكان من جميع الأجناس، ففيها من أهل الحجاز و من أهل اليمن و من أهل الترك و الهنود و الشوام و غيرهم. انتهى من الغازي.

382

قال الغازي في تاريخه: جبل قعيقعان هو جبل مشرف على مكة وجهه إلى أبي قبيس، ذكره الياقوت في معجم البلدان.

جبل الأحمر ذكره الأزرقي في ذكر أخشبي مكة و قال: الجبل الذي يقال له الأحمر، و كان يسمى في الجاهلية الأعرف، و هو الجبل المشرف وجهه على قعيقعان و على دور عبد اللّه بن الزبير، و فيه موضع يقال له الجر و الميزاب، إنما سمي الجر و الميزاب لأن فيه موضعين يمسكان الماء إذا جاء المطر يصب أحدهما في الآخر، فسمي الأعلى منهما الجر، و الأسفل منهما الميزاب، و في ظهره موضع يقال له قرن أبي ريش، و على رأسه صخرات مشرفات يقال لها الكبش عندها موضع فوق الجبل الأحمر يقال له قرارة المدحا، كان أهل مكة يتداحون هناك بالمداحي و المراصع. انتهى من تاريخ الغازي.

الدور التي بقعيقعان لابن الزبير

قال الإمام الأزرقي (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه: و لعبد اللّه بن الزبير الدور التي بقعيقعان الثلاث المصطفة، يقال لها دور الزبير، و لم يكن الزبير يملكها، و لكن عبد اللّه ابتاعها من آل عفيف بن نبيه السهميين و من ولد منبه، و فيها دار يقال لها" دار الزنج"، و إنما سميت دار الزنج لأن ابن الزبير كان له فيها رقيق زنج، و في الدار العظمى منهن بير حفرها عبد اللّه بن الزبير، و في هذه الدار طريق إلى الجبل الأحمر و إلى قرارة المدحا، موضع كان أهل مكة يتداحون فيه بالمداحي و المراصع، و كانت لعبد اللّه بن الزبير أيضا دار بقعيقعان يقال لها" دار الحشني" و كانت له دار البخاتي كانت بين دار العجلة و دار الندوة، و كانت إلى جنبها دار فيها بيت مال مكة، كانت من دور بني سهم، ثم كان عبد الملك بن مروان قبضها بعد من ابن الزبير، ثم دخلت الدار التي كان فيها بيت المال في دار العجلة حين بناها يقطين بن موسى للمهدي أمير المؤمنين، و صارت الأخرى للربيع، ثم هي اليوم في الصوافي، و هي التي يسكنها صاحب البريد، و إنما سميت تلك الدار دار البخاتي لأن ابن الزبير جعل فيها بخاتيا كان أتى بها من العراق، و لهم دارا مصعب بن الزبير اللتان عند دار العجلة كانتا للخطاب بن نفيل العدوي، و لهم دار العجلة ابتاعها عبد اللّه بن الزبير من آل سمير بن موهبة السهميين، و إنما سميت دار العجلة لأن ابن الزبير حين بناها عجل و بادر في بنائها، فكانت تبنى بالليل و النهار، حتى فرغ منها

383

سريعا، و قال بعض المكيين: إنما سميت دار العجلة لأن ابن الزبير كان ينقل حجارتها على عجلة اتخذها على البخت و البقر.

انتهى كلام الإمام الأزرقي.

جبل عمر

جبل عمر يمتد من الشبيكة إلى المسفلة، و هو آهل بالسكان، و غالب حجاج اليمن يسكنون به اليوم، و هو جبل واقع من الجهة الغربية لمكة

قال الغازي في تاريخه: و في تحصيل المرام و هذا الجبل يعرف الآن بجبل عمر، و هو الجبل المشرف على الهجلة، و مسجده قد بناه بعض تجار الهنود. انتهى من الغازي.

نقول: الهجلة محلة تحت جبل عمر، و هي من الأماكن التي كان يباع بها الحطب سابقا.

قال الغازي: و في هذا الجبل موضع يقال له مولد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و أهل مكة يسمونه جبل النوبي، ا ه.

و قال عنه القطبي: و منها موضع في أعلا جبل يقال له جبل النوبي، يقال أنه مولد سيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، يطلع الناس إليه للسير و الفرجة، ا ه. انتهى.

قال الفاسي عن مولد عمر بن الخطاب بجبل النوبي" جبل عمر" و لا أعلم في ذلك شيئا يستأنس به ا ه.

نقول، و هذا هو الحق، فمن أين نعلم موضع ولادة عمر، رضي اللّه تعالى عنه.

و يقول الأزرقي عن جبل عمر في صحيفة (236) من الجزء الثاني: جبل عمر الطويل المشرف على ريع عمر، اسمه العاقر، و قد قال الشاعر:

هيهات منها إن ألّم خيالها* * * سلمى إذا نزلت بسفح العاقر

و يقول عنه في صحيفة 239: جبل عمر، الجبل المشرف على حق آل عمر، و حق آل مطيع بن الأسود، و آل كثير بن الصلت الكندي، و عمر الذي ينسب‏

384

إليه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و كان يسمى في الجاهلية ذا أعاصير. انتهى كلام الأزرقي.

نقول: إن ما يشاع على ألسنة العوام أنه على ظهر هذا الجبل موضع يسمى" مبرك الناقة" أي مبرك ناقة عمر رضي اللّه عنه، فهذا من الخرافات التي اخترعها الدجاجلة.

جبل ثور

جبل ثور، بالثاء المثلثة، واقع جهة المسفلة على طريق اليمن و ارتفاعه (759) مترا، و يبعد هذا الجبل عن المسجد الحرام بثلاث كيلو مترات أو أربعة، و في هذا الجبل الغار الذي اختفى فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، مع صاحبه أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، حينما قصد الهجرة إلى المدينة، قال البتنوني: و مساحة الغار نحو مترين مربعين.

جاء في تاريخ الخميس: و في القاموس يقال له ثور أطحل، و اسم الجبل أطحل نزله ثور بن عبد مناف، فنسب إليه ذلك الجبل. انتهى منه.

و جاء في تاريخ الأزرقي ما نصه: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني محمد بن أبي عمر العدني عن سعيد بن سالم القداح، عن عمر بن جميل الجمحي، عن ابن أبي مليكة أن النبي (صلى الله عليه و سلم)، لما خرج هو و أبو بكر إلى ثور جعل أبو بكر يكون أمام النبي (صلى الله عليه و سلم)، و خلفه مرة، قال: فسأله النبي (صلى الله عليه و سلم)، عن ذلك، فقال: إذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من خلفك و إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك، حتى انتهى إلى الغار و هو في ثور، قال أبو بكر رضي اللّه عنه، لما انتهيا: حتى أدخل يدي فأحسه، فإن كانت فيه دابة أصابتني قبلك، قال: و بلغني أنه كان في الغار جحر فألقم أبو بكر رضي اللّه عنه، رجله ذلك الجحر فرقا أن يخرج منه دابة أو شي‏ء يؤذي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، انتهى منه.

و لقد ورد خبر الغار في القرآن الكريم، فقد قال تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا الآية.

385

و ورد في الصحيحين عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه، عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما".

قال شيخنا، الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي (رحمه اللّه تعالى)، في شرحه لكتابه" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" عند هذا الحديث ما خلاصته:

و سبب هذا الحديث كما في الصحيحين و اللفظ لمسلم عن أبي بكر رضي اللّه عنه، قال، نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا و نحن في الغار، فقلت: يا رسول اللّه، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه، فقال:" يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما".

قال القرطبي: و الحديث ظاهر في قوة توكله (صلى الله عليه و سلم)، و عظم منزلة أبي بكر رضي اللّه عنه بهذا القول، و الغار المذكور في القرآن، و في قول الصديق و نحن في الغار، هو كما قاله السهيلي و غيره: غار بجبل ثور أحد جبال مكة شرفها اللّه تعالى، و قد زرته و بت فيه بعض الليالي تبركا بآثار رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، على عادة السلف الصالح كابن عمر رضي اللّه عنهما، و قرأت فيه تفسير قوله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا الخ الآية.

و حديث الهجرة من صحيح البخاري بطوله و سأذكره هنا للمناسبة عن قريب، إن شاء اللّه تعالى.

و كان من حديث الغار، كما قاله عياض و غيره: أن المشركين اجتمعوا لقتل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و بيّتوه، فأمر عليا أن يرقد على فراشه و قال: إنهم لن يضروك، فخرج عليهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هم على الباب و لم يروه، و وضع على رأس كل واحد التراب، و انصرف عنهم إلى غار ثور فاختفى فيه، و أخبروا أنه قد خرج عليهم و وضع التراب على رؤوسهم، فمدوا أيديهم إلى رؤوسهم فوجدوا التراب، فدخلوا الدار فوجدوا عليا على الفراش، فلم يتعرضوا له، ثم خرجوا في كل وجه يطلبون النبي (صلى الله عليه و سلم)، و يقفون أثره بقائف معهم إلى أن وصلوا الغار، فوجدوا العنكبوت قد نسجت عليه.

(قال الأبّي): قال السهيلي: و لما وصل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبو بكر إلى الغار تقدم أبو بكر رضي اللّه عنه في الدخول ليقيه بنفسه، و رأى فيه جحرا فألقمه عقبه لئلا يخرج منه ما يؤذي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). قال ثابت في الدلائل: و لما دخلاه أنبت‏

386

اللّه سبحانه و تعالى، على بابه الراءة بالمد، و هي شجرة من غلاة الشجر تكون مثل قامة الإنسان، لها خيطان و زهر أبيض يحشى به المخاد كالريش في خفته و لينه. و في مسند البزار: أن اللّه تعالى أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار، و أرسل حمامتين و حشيتين فعششتا على فم الغار، و أن ذلك مما صد المشركين عنه، و أن حمام مكة من نسل تينك الحمامتين، و أن قريشا لما انتهى بهم القائف إلى فم الغار، وجدوا ما ذكر على فم الغار، فحين رآهم أبو بكر رضي اللّه عنه، اشتد خوفه على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و قال: إن قتلت فإنما أنا رجل، و إن قتلت أنت هلكت الأمة، فحينئذ قال (صلى الله عليه و سلم) لأبي بكر: لا تحزن إن اللّه معنا، أي بالحفظ و الكلاءة. ا ه.

نقول: إن شجر الراء المذكور هنا الذي له زهر أبيض يحشى به المخاد كالريش- هو المسمى عندنا بالحجاز" بالطّرف" بكسر الطاء و إسكان الراء، و نحن أيضا إلى اليوم نحشي به المخاد و الفراش أي المساند و الطواويل- و الحكمة في ظهور هذا النبات على فم الغار دون غيره من النباتات، هي أن نبات الراء" الطرف"، شجر لين خفيف ينكسر سريعا بأقل لمس، فبقاؤه سليما صحيحا يدل على أنه لم يدخل الغار أحد، كما دل على ذلك نسيج العنكبوت و وجود الحمامتين، و اللّه تعالى أعلم.

ثم قال: أما حديث الهجرة فيناسب أن أذكر قبله ما أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، قال: بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة، فهاجر عشر سنين و مات و هو ابن ثلاث و ستين.

و حديث الهجرة الطويل، هو ما أخرجه البخاري بلفظ: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث بن عقيل، قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي اللّه عنها زوج النبي (صلى الله عليه و سلم) قالت: لم أعقل أبويّ قط إلا و هما يدينان الدين، و لم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، طرفي النهار بكرة و عشية. فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة، و هو سيد القارة فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض و أعبد ربي، قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج و لا يخرج، إنك تكسب المعدوم و تصل الرحم و تحمل الكل و تقري‏

387

الضيف و تعين على نوائب الحق، فأنا لك جارا ارجع و اعبد ربك ببلدك، فرجع و ارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله و لا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم و يصل الرحم و يحمل الكل و يقري الضيف و يعين على نوائب الحق، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، و قالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها و ليقرأ ما شاء اللّه و لا يؤذينا بذلك و لا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا و أبناءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره و لا يستعلن بصلاته و لا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، و كان يصلي فيه و يقرأ القرآن، فينقذف عليه نساء المشركين و أبناؤهم، و هم يعجبون منه و ينظرون إليه، و كان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينه إذا قرأ القرآن، و أفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن بالصلاة و القراءة فيه، و إنا قد خشينا أن يفتن نساءنا و أبناءنا فانهه فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، و إن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، و لسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، و إما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، و أرضى بجوار اللّه عز و جل، و النبي (صلى الله عليه و سلم) يومئذ بمكة، فقال النبي (صلى الله عليه و سلم) للمسلمين: إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين، و هما الحرتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة، و رجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، و تجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي، فقال أبو بكر: و هل ترجو ذلك، بأبي أنت و أمي، قال: نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ليصحبه و علف راحلتين كانتا عنده ورق السمر و هو الخبط أربعة أشهر.

قال ابن شهاب، قال عروة، قالت عائشة: بينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحو الظهرية، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فدى له أبي و أمي، و اللّه ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فاستأذن، فأذن له فدخل‏

388

فقال النبي (صلى الله عليه و سلم) لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول اللّه، قال: فإني قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول اللّه، قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): نعم، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول اللّه إحدى راحلتي هاتين، قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): بالثمن. قالت عائشة:

فجهزنا هما أحث الجهاز و صنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق.

قالت: ثم لحق رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و أبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد اللّه بن أبي بكر، و هو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، و يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل و هو لبن منحتهما و رضفيهما حتى ينفق بها عامر بن فهيرة بفلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، و استأجر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبو بكر رجلا من بني الديل، و هو من بني عبد بن عدي هاديا خرّيتا، و الخريت الماهر بالهداية قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي، و هو على دين كفار قريش، فأمناه فدفع إليه راحلتيهما و وعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، و انطلق معهما عامر بن فهيرة و الدليل فأخذ بهم طريق السواحل.

قال ابن شهاب: و أخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي و هو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم، أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن جعشم يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و أبي بكر دية كل واحد منهما من قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا و نحن جلوس، فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أراه محمدا و أصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، و لكنك رأيت فلانا و فلانا انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالة لهم، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، و هي من وراء أكمة، فتحبسها علي، و أخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجة الأرض و خفضت عاليه، حتى أتيت فرسي، فركبتها فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي‏

389

أكره، فركبت فرسي و عصيت الأزلام تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و هو لا يلتفت، و أبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذ لأثر يديها عناء ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، و وقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، و أخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، و عرضت عليهم الزاد و المتاع، فلم يرزآني و لم يسألاني إلا أن قال: أخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في ورقة من أديم، ثم مضى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسى الزبير رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبا بكر ثياب بيض، و سمع المسلمون بالمدينة، فخرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، من مكة فكانوا يفدون كل غداة إلى الحرة، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و أصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف. و ذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس و جلس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) صامتا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يحيّي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عند ذلك، فلبث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، و أسس المسجد الذي أسس على التقوى، و صلى فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول (صلى الله عليه و سلم)، بالمدينة، و هو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، و كان مربدا للتمر لسهيل و سهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين بركت به راحلته: هذا إن شاء اللّه المنزل، ثم دعا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: لا بل نهبه لك يا رسول اللّه، فأبى رسول اللّه‏

390

(صلى الله عليه و سلم) أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا، و طفق رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ينقل معهم اللبن في بنيانه، و يقول و هو ينقل اللبن:

هذا الحمال لا حمال خيب‏* * * هذا أبر ربنا و أطهر

و يقول:

اللهم إن الأجر أجر الآخرة* * * فارحم الأنصار و المهاجرة

فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي. قال ابن شهاب: و لم يبلغنا في الأحاديث أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تمثل ببيت شعر تام غير هذا البيت ا ه بطوله، بلفظ البخاري في صحيحه. انتهى من شرح زاد المسلم.

و لقد أخرج البخاري أيضا حديث الهجرة في مناقب المهاجرين و فضلهم، و في علامات النبوة قصة حديث الهجرة مختصرة، لا ضرورة لذكرها، ففي الحديث المتقدم كفاية تامة. و قد قدمنا الكلام على الهجرة في فصل خاص في أوائل الكتاب عند سيرة النبي (صلى الله عليه و سلم)، و إليك صورة جبل ثور و صورة الغار.

انظر: صورة رقم 63، لغار ثور من كتاب مرآة الحرمين لمؤلفه إبراهيم رفعت باشا

هذا و نكتفي هنا بالحديث الطويل الصحيح المذكور، و قد ذكرنا هذا الحديث أيضا مع التفصيل التام عن اختفاء النبي (صلى الله عليه و سلم) بجبل ثور عند الكلام على هجرته إلى المدينة. فلنذكر الآن شيئا يتعلق بنفس جبل ثور و الغار الذي فيه:

فقد قال الغازي في تاريخه: و منها جبل ثور" بالثاء" و هو بأسفل مكة، و سماها البكري أبو ثور، و المعروف فيه ثور كما ذكره الأزرقي و المحب الطبري، و هو من مكة على ثلاثة أميال، على ما ذكره ابن الحاج و ابن جبير، و قال البكري أنه على ميلين من مكة و فوقه الغار الذي دخله رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و الغار ثقب في أعلى ثور، و ثور جبل على مسيرة ساعة من مكة، و في القاموس يقال له ثور أطحل، و اسم الجبل أطحل نزله ثور بن عبد مناف، فنسب إليه، و في المعجم أنه من مكة على ميلين و ارتفاعه نحو ميل و في أعلاه الغار الذي دخله النبي (صلى الله عليه و سلم) مع أبي بكر و هو المذكور في القرآن في قوله تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ، و قصته مشهورة في السير، كذا في تحصيل المرام.

و في شفاء الغرام ذكر ابن جبير في رحلته أن طول الغار ثمانية عشر شبرا، و طول فمه الضيق خمسة أشبار، وسعته و ارتفاعه عن الأرض مقدار شبر، في‏

391

الوسط منه و في جانبيه ثلثا شبر، و على الوسط منه يكون الدخول، و سعة الباب الثاني المتسع مدخله خمسة أشبار، انتهى. و قد وسع بابه في عصرنا الحاضر لأن بعض الناس ولج منه، فانحبس فيه، فنحت عنه الحجر حتى اتسع إليه، و ذلك في سنة ثمانمائة أو قبلها بقليل أو بعدها بقليل، انتهى.

و قال ابن فهد: و في سنة عشر و ثمانمائة أو قبلها بقليل أو بعدها بقليل، سد الأمير تغري برمش التركماني الباب الضيق من الغار الشريف بجبل ثور بأسفل مكة، لكون كثير ممن يريد دخوله من بابه الضيق انحبس فيه لما ولج منه، و انتقد عليه كثيرا إمام الحنفية بالمسجد الحرام الشيخ شمس الدين المصيد، و منعه من الأخذ عنه حتى يزيل ما سده، و يحدث توبة لبيب ذلك، انتهى.

و ذكر الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري، المتوفى سنة (456) ست و خمسين و أربعمائة، في الجزء الثاني من كتاب الفصل في الملل و الأهواء و النّحل، في ذكر معجزاته (صلى الله عليه و سلم)، و رميه بتراب عم عيونهم، و خروجه بحضرة مائة من قريش و هم لا يرونه، و دخول الغار و هم عليه لا يرونه، و فتح الباب في حجر صلد في جنب الغار لم يكن فيه قط، و لو كان هنالك يومئذ لما أمكنه الاختفاء فيه لأنه ليس بين البابين إلا أقل من ثمانية أذرع، و هو ظاهر إلى اليوم، كل عام و كل حين يزوره أهل الأرض من المسلمين، و لو رام فتح الباب الثاني في ذلك الحجر أهل الأرض ما قدروا على إزاحته سالما عن مكانه، و لو كان ذلك الباب هنالك يومئذ لرآه الطالبون له بلا مؤنة لأنهم لم يكونوا إلا جموع قريش لعلهم مؤن كثيرة، و آثار رأسه المقدس في ذلك الحجر، و آثار كتفيه و معصم و ظاهر يده باقية إلى اليوم، انتهى.

و في الإعلام: قال المرجاني في بهجة النفوس: ذكر لي أن رجلا كان له أموال و بنون، و أنه أصيب بذلك، فلم يحزن، و لم يزغ على مصابه لقوة صبره و تحمله، فسأله عن ذلك فقال: روي أنه من دخل غار ثور الذي كان أوى إليه النبي (صلى الله عليه و سلم)، و صاحبه أبو بكر رضي اللّه عنه، و سأل اللّه تعالى أن يذهب عنه الحزن لم يحزن على شي‏ء من مصائب الدنيا، و قد فعلت ذلك فما وجدت قط حزنا. قال المرجاني: هذه الخاصية من تأثير قوله تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا. انتهى.

392

و هذا الغار مشهور معروف يتلقاه الخلف و السلف و يزوره الناس، و يدخلون إليه من بابه الكبير الذي يروى أن جبريل (عليه السلام)، ضربه بجناحه، ففتحه و قلّ أن يدخل إليه أحد من بابه الضيق، لأن الدخول منه عسر و يحتاج إلى فطنة، و المشهور عند العوام أن من احتبس فيه لا يكون ابن أبيه و ذلك كلام باطل لا أصل له، و قد تعوق فيه قديما و حديثا، و في عصرنا حبس فيه كثير من الناس و أخذ لهم حجارون من مكة، فقطعوا عنه، و تكرر ذلك كثيرا في كل عصر، و مع ذلك لم يتسع كثيرا، بل يتعوق الناس فيه للجهل بكيفية الدخول، خصوصا إذا كان شخصا بطينا، و طريق الدخول فيه أن الداخل إليه ينبطح على وجهه و يدخل رأسه و كتفيه، ثم يحيل إلى جانب يساره فلا يجد ما يعوقه، و ليسلك مائلا إلى اليسار، و أما من لا يعرف طريق الدخول، يدخل رأسه و كتفيه و يستمر داخلا بباقي جسده، فتعاديه صخرة أمامه و تعوقه، فيرفع رأسه إلى فوق و يحبس بوسطه، فلا يمكنه الولوج لسمنه، و كلما شدد في الدخول تعوق، و ينحبس فيحتاج إلى حجار يقطع قليلا ليخلصه و لا يتفطن للميل إلى الجهة اليسرى ليخلص بسهولة، و لكن الحذق قد اتسع كثيرا الآن، انتهى.

قال الفاسي: و فيه من كل نبات الحجاز و شجره، و فيه شجر البان، و فيه شجرة من حمل منها شيئا لم تلدغه هامة، و نقل في بعض الروايات عن ابن عباس أن قتل قابيل أخاه هابيل كان في جبل ثور. انتهى.

انتهى من الغازي.

نقول: ما ذكره هنا من أن قابيل قتل أخاه هابيل في جبل ثور غير صحيح، و يبعد أن يقع أول قتل في الأرض في جبل ثور، الذي هو واقع في أشرف بقعة في حدود الحرم بمكة، و من يعلم في أي بقعة من الأرض كان قابيل و هابيل في العصر الأول من عهد آدم (عليه السلام)، لكن إذا صحت الرواية القائلة بذلك عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه و عن أبيه العباس آمنا و صدقنا، فأين الدليل و أين السند؟ و ما ذكره بأنه يوجد في هذا الجبل من كل نبات الحجاز و شجره، هذا أمر لا وجود له اليوم، فليس حول هذا الجبل شجر و لا نبات مطلقا، فربما كان ذلك في عهد الجاهلية، و اللّه تعالى أعلم.

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قد خلع نعليه في طريق الغار، و كان يمشي على أطراف أصابعه لئلا يظهر أثرهما على الأرض حتى‏

393

حفيت رجلاه" أي: رقتا من كثرة المشي" فلما رآه أبو بكر و قد حفيت رجلاه حمله على كاهله، و جعل يشتد حتى أتى الغار. كذا في دلائل النبوة.

ثم جاء فيه بعد هذا الكلام ببضعة أسطر ما يأتي: و روي عن أبي بكر أنه قال لعائشة: لو رأيتني و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إذ صعدنا الغار، فأما قدما رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فتفطرتا، و أما قدماي فعادتا كأنهما صفوان، قالت عائشة: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لم يتعود الحفية و لا الرعية. و روي عن أبي بكر أنه قال: نظرت إلى قدمي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في الغار، و قد قطرتا دما فاستبكيت، فعلمت أنه (صلى الله عليه و سلم) لم يتعود الحفاء و لا الحفوة، قال ابن هشام: و حدثني بعض أهل العلم، أن الحسن البصري قال: انتهى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبو بكر إلى الغار ليلا، فدخل أبو بكر إلى الغار قبل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فلمس الغار لينظر أفيه سبع أو حية ليقي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بنفسه.

و في معالم التنزيل: قال أبو بكر: يا رسول اللّه مكانك حتى أستبرئ الغار، و كان الغار مشهورا بكونه مسكن الهوام و الوحش، قال: ادخل، فدخل فرأى غارا مظلما فجلس و جعل يلتمس بيده، و كلما وجد جحرا أدخل فيه إصبعه حتى انتهى إلى جحر كبير فأدخل رجله إلى فخذه فأخرجه.

و في رواية: كلما وجد جحرا شق ثوبه فألقمه إياه حتى فعل ذلك بثوبه كله، فبقي جحر فألقمه عقبه.

و في الرياض النضرة: فجعل الحيات و الأفاعي يضربنه و يلسعنه، انتهى. و على كل التقديرين لدغته الحية تلك الليلة. قال أبو بكر: فلما ألقمت عقبي الجحر لدغتني الحية و إن كانت اللدغة أحب إلي من أن يلدغ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). انتهى. ثم قال أبو بكر: ادخل يا رسول اللّه فإني سويت لك مكانا، فدخل فاضطجع، رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و أما أبو بكر فكان متألما من لدغة الحية، و لما أصبح رأى النبي (صلى الله عليه و سلم) على أبي بكر أثر الورم فسأل عنه، فقال: من لدغة الحية، فقال النبي (صلى الله عليه و سلم):

هلا أخبرتني، قال: كرهت أن أوقظك، فمسحه النبي (صلى الله عليه و سلم) بيده فذهب ما به من الورم و الألم، ثم قال: فأين ثوبك يا أبا بكر؟ فأخبره بما فعل، فعند ذلك رفع النبي (صلى الله عليه و سلم) يديه فقال: اللهم اجعل أبا بكر في درجتي يوم القيامة، فأوحى اللّه إليه قد استجاب لك، كذا في المنتقى، خرجه الحافظ أبو الحسين بن بشر و الملا في سيرته عن ميمون بن مهران عن بن محصن القنوني.

394

و عن ابن عباس: قال له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، رحمك اللّه صدقتني حين كذبني الناس، و نصرتني حين خذلني الناس، و آمنت بي حين كفر بي الناس، و آنستني في وحشتي، فأي منّة لأحد علي مثلك، خرجه في فضائله، ذكره في الرياض النضرة.

و في معالم التنزيل قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، لأبي بكر: أنت صاحبي في الغار، و صاحبي في الحوض.

قال الحسن بن الفضل: من قال إن أبا بكر لم يكن صاحب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فهو كافر لإنكاره نص القرآن، و في سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعا لا كافرا، انتهى من تاريخ الخميس.

باب غار ثور و توسيعه‏

لم نتمكن إلى اليوم من الصعود إلى جبل ثور" بالثاء"، حتى نصف الغار وصف مشاهدة، فوصفنا له الآن على حسب ما جاء في كتب التاريخ على حد قول القائل:

و إذا لم تر الهلال فسلم‏* * * لأناس رأوه بالأبصار

فنقول و باللّه التوفيق:

إن الغار يقع فوق جبل ثور، و باب الغار يكون في أعلا الغار لا في جانبه، و ذلك زمن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، أي قبل توسعة باب الغار، كما يدل على ذلك ما يأتي:

ذكر الغازي في تاريخه نقلا عن البكري، أن جبل ثور على ميلين من مكة، و فوقه الغار الذي دخله رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و الغار ثقب في أعلا ثور، و ثور جبل على مسيرة ساعة من مكة ا ه.

و الذي يدل على أن الباب في علو الغار، ما جاء في الصحيحين و اللفظ لمسلم عن أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا و نحن في الغار، فقلت: يا رسول اللّه لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه، فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما، انتهى.

395

قال الغازي: و في شفاء الغرام: ذكر ابن جبير في رحلته أن طول الغار ثمانية عشر شبرا، و طول فمه الضيق خمسة أشبار، وسعته و ارتفاعه عن الأرض مقدار شبر في الوسط منه، و في جانبيه ثلثا شبر، و على الوسط منه يكون الدخول، وسعة الباب الثاني المتسع مدخله خمسة أشبار، انتهى. و قد وسع بابه في عصرنا لأن بعض الناس ولج منه فانحبس فيه، فنحت عنه الحجر حتى اتسع عليه، و ذلك في سنة ثمانمائة أو قبلها بقليل أو بعدها بقليل، انتهى من الغازي.

و قد تقدم هنا ما ذكره ابن فهد في تاريخه: أنه في سنة عشر و ثمانمائة أو قبلها بقليل أو بعدها بقليل سد الأمير تغري برمش التركماني الباب الضيق من الغار الشريف بجبل ثور، لكون كثير ممن يريد الدخول من بابه الضيق انحبس فيه لما ولج منه ... الخ كلامه المذكور في هذا الباب.

و قال ابن ظهيرة في كتابه" الجامع اللطيف": و للغار الذي في جبل ثور بابان واسع و ضيق، و كثير من الناس يتجنب دخوله من الباب الضيق لما يقال أن من لم يدخل منه و تعوق فليس لأبيه، و هو باطل لا أصل له، و قد وسع الباب الضيق في حدود عام ثمانمائة لأن بعض الناس أراد الدخول منه فانحبس، فنحت منه حتى اتسع و تخلص. انتهى.

و في عصرنا هذا وسع باب غار ثور الشريف عون الرفيق بعد توليته إمارة مكة شرفها اللّه تعالى، فقد قال البتنوني في كتابه" الرحلة الحجازية": إن شريف مكة، الشريف عون الرفيق ابن محمد بن عون، الذي تولى إمارة مكة سنة (1299) هجرية، أمر بتوسيع باب غار ثور" بالثاء"، و هو الذي خيم على بابه العنكبوت بعدما أوى إليه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، مع رفيقه أبي بكر عند هجرتهما من مكة إلى المدينة، و كان بابه لا يسع إلا نفرا واحدا يدخل منه زاحفا على بطنه- و كان الناس يزعمون أن لا يدخله إلا السعيد و أما الشقي فلا- فأراد الشريف عون بتوسيع هذا الباب إزالة هذا الوهم الفاسد، إلا أنه لم يكن له على كل حال أن يغير شكل أثر طبيعي مثل هذا من أجلّ الآثار و من الأشياء التي كان الإنسان يقدر فيها تلك المعجزة التي خدمت الطبيعة فيها أشرف مخلوق حتى حيل بينه و بين أعدائه. انتهى من الرحلة الحجازية.

و قال إبراهيم رفعت باشا في كتابه" مرآة الحرمين" و هو يصف ذهابه إلى جبل ثور مع رفقائه: فخرجنا من مكة قبل فجر يوم 18 ذي الحجة سنة 1318 ثمانية

396

عشر و ثلاثمائة و ألف (8 إبريل سنة 1901)، قاصدين زيارة هذا الغار، و كان بصحبتنا صاحبا الفضيلة الشيخ محمد طموم و الشيخ محمد أحمد السيوطي صهرانا و جملة من الحجاج و ثلة من الجنود نتقي بهم أشرار الأعراب في سبيل لا يمر به إلا القليل، و قد انتحينا ناحية الجنوب في سيرنا، و صلينا فرض الصبح قبل الوصول إلى الجبل، و قد قطعنا المسافة بينه و بين معسكرنا بالشيخ محمود بجرول في ساعة و 20 دقيقة بسير الخيل المعتاد، و هي قريبة من خمسة أميال و نصف، و الطريق من مكة إلى الجبل تحفه الجبال من الجانبين و به عقبة صغيرة يرتفع إليها الإنسان و ينحدر منها، و لم يستغرق قطعها إلا (3) دقائق، و بالطريق سبعة أعلام مبنية بالحجر و مجصصة فوق نشوز من الأرض يبلغ ارتفاع الواحد منها ثلاثة أمتار و قاعدته متر مربع، و تنتهي بشكل هرمي، و هذه الأعلام على يسار القاصد للجبل، و بين كل اثنين منها بعد يتراوح بين 200 و 1000 متر، و كل واحد منها وضع عند تعريجة حتى لا يضل السالك عن الجبل، و ساعة بلغنا الجبل قسمنا قوتنا قسمين، قسم صعد معنا إلى الجبل، و الآخر وقف بسفحه يرد عنا عادية العربان إن هموا بالأذى.

و قد تسلقنا الجبل في ساعة و نصفها، بما في ذلك استراحة دقيقة أو اثنتين كل خمس دقائق، بل في بعض الأحيان كنا نستريح خمس دقائق لأن الطريق و عر حلزوني، و قد عددت (54) تعريجة إلى نصف الجبل، و كنا آونة نصعد و أخرى ننحدر حتى وصلنا الغار بسلام، و لولا الاصلاح الذي أحدثه المشير عثمان باشا نوري الذي ولي الحجاز سنة (1299 ه) تسع و تسعين و مائتين و ألف، و المشير السيد إسماعيل حقي باشا الذي كان واليا على الحجاز و شيخا للحرم سنة (1307 ه) ألف و ثلاثمائة و سبع، لازدادت الصعوبة و ضل السائر عن الطريق، و لم يهتد إلى الغار لعظم الجبل و اتساعه و تشعب مسالكه (منظر رقم 82)، و كان من أثر إصلاحها جعل الطريق بهيئة سلالم تارة تتصعد و أخرى تنحدر، على أنه مع ذلك لا يزال العروج صعبا، فقد رأيت بعض الصاعدين امتقع لونه و خارت قواه فوقع على الأرض مغشيا عليه، و لولا أننا تداركناه بجرعة من الماء شربها و صبابة منه سكبناها على رأسه حتى أفاق لباغتته المنية، و لهذا ننصح للزائرين بأن يتزودوا من الماء ليقوا أنفسهم شر العطب.

397

و لما بلغنا الغار وجدناه صخرة مجوفة في قنة الجبل أشبه بسفينة صغيرة ظهرها إلى أعلى و لها فتحتان في مقدمها واحدة و في مؤخرها أخرى، و قد دخلت من الغربية زاحفا على بطني مادا ذراعي إلى الأمام، و خرجت من الشرقية التي تتسع عن الأولى قليلا بعد أن دعوت في الغار و صليت، و الفتحة الصغيرة عرضها ثلاثة أشبار في شبرين تقريبا، و هي الفتحة الأصلية التي دخل منها النبي (صلى الله عليه و سلم)، و هي في ناحية الغرب، أما الفتحة الأخرى فهي في الشرق، و يقال إنها محدثة ليسهل على الناس الدخول إلى الغار و الخروج منه، و الغار من الجبل في الناحية الموالية لمكة، و قد وجدنا بجانبه رجلا عربيا يتناول الصدقات من الزائرين في مواسم الحج و يرشدهم إلى الغار إذ توجد هناك صخور تشبه صخرته، و لكنها لا تماثلها تماما، و قد مكثنا فوق ظهر الجبل ساعتين أكلنا فيهما و شربنا و تناولنا الشاي و تفقدنا كثيرا من نواحي الجبل، و قد نزل في خلالها القسم الذي زار و جاء القسم الذي تركناه بسفح الجبل ليزور، و قد قدم علينا و نحن على ظهر الجبل نحو عشرين من حجاج الداغستان، ففرحوا بنا و رافقونا إلى أن رجعنا إلى مكة. و لا يقصد زيارة هذا الغار و غار حراء إلا قليل من الأتراك و المغاربة و الداغستانيين، و لم يسبقنا إلى هذه الزيارة أحد من المصريين بل و لا من المكيين إلا ما ندر، و قد بلغني من أناس يقيمون بمكة منذ أربعين سنة، أنهم لم يصعدوا إلى هذين الجبلين و لا رأوا من المصريين أو مرافقي المحمل من قصدهما، فلله المنة علينا. (انظر الغار في منظر 83) الذي أهداه إلينا في سنة (1342) حضرة أحمد أفندي صابر ناظر التكية المصرية بمكة، فله منا الشكر الجزيل على هذه الهدية القيمة.

و ارتفاع جبل ثور يزيد على 500 متر، و الواقف في أعلاه يشرف على كل ما حواليه من الجبال، و يرى مكة و ما حولها واضحة ظاهرة، و كذلك يرى حدة (بالحاء المهملة) بنخلها، و بأعلى ثور علم يسترشد به الناس لمعرفة هذا الجبل، و هو مبني بالحجر و مبيض بالجص، و يشبه الأعلام التي وصفناها قبلا في طريقه، و الجبل ذو ألوان مختلفة من ذهبي و فضي و فحمي و ما يشبه الإسمنت و ما يماثل المرمر، و ربما كانت له ألوان أخرى في جهات لم أرها. انتهى من مرآة الحرمين.

و قد سبق الكلام أيضا على اختباء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في غار جبل ثور بتفصيل تام و ذلك عند الكلام على الهجرة، فراجعه إن شئت.

398

نقول: إن أمر اختباء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مع صاحبه أبي بكر، رضي اللّه تعالى عنه، في غار ثور في ظاهره أمر عادي يمكن حصوله لأي أحد، لكنه في الحقيقة أمر غير عادي، بل فيه عدة من المعجزات له عليه الصلاة و السلام، و هي كما يأتي:

(1) الاهتداء في ظلام الليل إلى هذا الجبل بالنفس، بينما أهل مكة اليوم لا يهتدون إليه بالنهار إلا بدليل لأنه تكتنفه عدة جبال، فليس من السهل الاهتداء إليه.

(2) الاهتداء في ظلام الليل إلى نفس هذا الغار في رأس الجبل، بينما نحن لا نعرفه إلا بدليل يدلنا إليه.

(3) الطلوع إلى هذا الغار في ظلام الليل لا يتمكن لكل أحد، فإن الطلوع إلى هذا الغار في عصرنا هذا، و في وضح النهار و من طريق خاص معروف، يحتاج إلى نحو ساعتين من الزمن، بمعنى أن الإنسان إذا بدأ في طلوع الجبل من أذان العصر فإنه يصل إلى الغار مع غروب الشمس تقريبا، كما يحتاج في نزوله من الجبل إلى مثل هذا الوقت أيضا، فتصور كيف تيسر ذلك لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في ظلام الليل.

(4) الاهتداء إلى باب هذا الغار الضيق. و قد عرفت فيما سبق صعوبة الدخول فيه بالنهار، فكيف بمن يدخله في ظلام الليل.

(5) وصول المشركين إلى فم الغار نهارا يبحثون عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و صاحبه فلم يروهما مع أنهما كانا أمامهم، فاللّه تعالى أعمى أبصارهم.

(6) أمر اللّه تعالى العنكبوت، فنسجت سريعا على باب الغار، تضليلا للمشركين.

(7) أمر اللّه تعالى حمامتين و حشيتين فعششتا و باضتا على فم الغار، تضليلا للمشركين أيضا.

إلى غير ذلك من المعجزات التي وقعت له و هو في طريقه إلى المدينة المنورة، و ما أحلى كلام بعض الشعراء (رحمه اللّه تعالى) حيث يقول:

و ما حوى الغار من خير و من كرم‏* * * و كل طرف من الكفار عنه عمي‏

فالصدق في الغار و الصدّيق لم يرما* * * و هم يقولون ما بالغار من أرم‏

ظنوا الحمام و ظنوا العنكبوت على‏* * * خير البرية لم تنسج و لم تحم‏

399

وقاية اللّه أغنت عن مضاعفة* * * من الدروع و عن عال من الأطم‏

و يقول أيضا:

ويح قوم جفوا نبيا بأرض‏* * * ألفته ضبابها و الظباء

و سلوه و حن جذع إليه‏* * * و قلوه و وده الغرباء

أخرجوه منها و آواه غار* * * و حمته حمامة و رقاء

و كفته بنسجها عنكبوت‏* * * ما كفته الحمامة الحصداء

و اختفى منهم على قرب مرآه‏* * * و من شدة الظهور الخفاء

و نحا المصطفى المدينة و اشتا* * * قت إليه من مكة الأنحاء

و تغنت بمدحه الجن حتى‏* * * أطرب الإنس منه ذاك الغناء

و اقتفى أثره سراقة فاستهوته‏* * * في الأرض صافن جرداء

ثم ناداه بعد ما سيمت الخسف‏* * * و قد ينجد الغريق النداء ... إلخ‏

و ما ألطف قول بعضهم:

و دود القز إن نسجت حريرا* * * يجمل لبسه في كل شي‏

فإن العنكبوت أجل منها* * * بما نسجت على رأس النبي‏

اللهم صلي و سلم و بارك على هذا النبي الكريم، نبينا و شفيعنا محمد الذي هو بالمؤمنين رؤوف رحيم، و على آله و أصحابه و أزواجه و ذريته، صلاة و سلاما دائمين إلى يوم الدين، آمين آمين آمين.

جبل ثبير

و من الجبال الشهيرة بمكة" جبل ثبير"، و هذا الجبل على يسار الذاهب من مكة إلى منى، و هو يقابل جبل حراء، و يمتد منه إلى أن يصل إلى أواخر منى، لذلك فهو يقسم إلى عدة أثبرة كثبير غيناء و ثبير النخيل و ثبير النصع و ثبير الأعرج، كما سيأتي بيان كل ذلك. و جبل ثبير هو الذي أهبط عليه كبش الفداء لإسماعيل عليه الصلاة و السلام، و بأصل هذا الجبل بفم الثقبة عمل خالد بن عبد اللّه القسري بركته التي يقال لها بركة القسري، و يقال لها أيضا بركة البردى" بفتح أوله و ثانيه"، و كانت هذه البركة عظيمة بحيث صارت الحيتان تتربى فيها، عملها بحجارة طوال منقوشة و أحكمها و أخرج ماءها في ذلك الموضع، ثم شق من هذه‏

400

البركة عينا تجري إلى المسجد الحرام، و أجراها في قصب من رصاص حتى أخرجها من فوارة تسكب في فسقينة من الرخام بين زمزم و الركن و المقام، و ذلك في عهد سليمان بن عبد الملك بن مروان في القرن الأول من الهجرة.

انظر: صورة رقم 64، للطريق المسفلت المار بين الجبلين المقابلين لجبل حراء

جاء في تاريخ الأزرقي: عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، لما تجلى اللّه عز و جل للجبل تشظى، فطارت لطلعته ثلاثة أجبل فوقعت بمكة، و ثلاثة أجبل فوقعت بالمدينة، فوقع بمكة حراء و ثبير و ثور، و وقع بالمدينة أحد و ورقان و رضوى. ا ه.

و رضوى جبل بالقرب من ينبع، و ينبع قريب من المدينة.

و من ضمن جبل ثبير ما يسمونه الآن" جبل الرخم"، و هو الذي يرى من المعابدة، قمته العليا التي فيها بياض، و سمي بجبل الرخم لأن الطيور المسماة بالرخم تقع عليه في المساء، و البياض الذي على قمته أثر ذرق الرخم، هذا ما يقوله الناس، و لكننا نرى أن هذا البياض هو بياض أصلي طبيعي بالجبل، و ليس هو بذرق الطيور، فلو كانت كذلك لمسحته الأمطار التي تنزل عليه، و إليك صورة جبل الرخم و ترى عليه القمة العليا.

انظر: صورة رقم 65، جبل الرخم بأعلا جبل ثبير بآخر المعابدة بمكة

و من معنى امتداد جبل ثبير الذي بيناه يفهم الكلام الآتي:

قال الغازي في تاريخه: و في الجامع الصغير ثبير اسم لثمانية أماكن، سبعة جبال منها بمكة و حرمها، و هي: (1) ثبير الأثبرة، (2) و ثبير الزنج، (3) و ثبير الأعرج، (4) و ثبير الأحدب و يقال له الأحيدب بالتصغير، (5) و ثبير الخضراء، (6) و ثبير النصع، (7) و ثبير غينا، (8) و هذا الثامن اسم لماء في بلادنا مزينة أقطعه النبي (صلى الله عليه و سلم) لشريس بن ضمرة المزني، و سماه شريحا بحاء مهملة. انتهى.

فأما ثبير الأثبرة فهو على يسار الذاهب إلى عرفة الذي قال عنه الفقهاء:

يستحب للحاج إذا طلعت الشمس عليه أن يسير من منى إلى عرفة، و أما ثبير غيناء و ثبير الأعرج، فهما بمنى يصب بينهما واد من منى يقال له أفاعية" بضم الهمزة". قال الأزرقي: ثبير الأعرج هو المشرف على حق الطارقيين بين المغمس و النخيل، النخيل هي بساتين ابن عامر التي كانت في جهة عرفة بقرب عرفات.

401

و قال أيضا في موضع آخر من تاريخه: جبل الأعرج في حق آل عبد اللّه بن عامر، مشرف على شعب أبي زياد و شعب ابن عامر، و الأعرج مولى لأبي بكر الصديق رضي اللّه عنه، كان فيه فسمي به و نسب إليه.

و قال عن ثبير غيناء: هو المشرف على بير ميمون، و قلته مشرفة على شعب علي رضي اللّه عنه، و على شعب الحضارمة بمنى. و جاء في هامش الأزرقي عند ثبير غيناء أنه الجبل المشرف على حراء و بين الجبلين طريق العدل.

و أما ثبير النصع- بكسر النون- فهو جبل مطيف بمزدلفة على يسار الذاهب إلى منى. و هو الذي كانوا يقولون في الجاهلية إذا أرادوا الدفع من مزدلفة:

" أشرق ثبير كيما نغير"، و لا يدفعون حتى يرون الشمس عليه كما قال الأزرقي.

و أما ثبير الأخضر، فقال الفاسي: هو الجبل المشرف على الموضع الذي يقال له الخضيراء بطريق منى.

و أما ثبير الزنج، فهو جبل النوبي المعروف بأسفل مكة من جهة الشبيكة، و سمي بذلك لأن سودان مكة كانوا يلعبون عنده.

و أما ثبير الأحدب أو الأحيدب، فهو جبل بمنى يقال له الأحيدب مقابل مسجد الخيف، بالقرب من ثبير الأثبرة على يسار الذاهب إلى عرفة، كما قال ابن ظهيرة (رحمه اللّه تعالى).

و جاء في الجزء الأول من شفاء الغرام للفاسي عن جبل ثبير ما نصه:

و من الجبال المباركة بحرم مكة جبل ثبير، لأنا روينا في تاريخ الأزرقي، قال:

حدثني محمد بن عيسى، قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران عن معاوية ابن عبد اللّه الأزدي، عن معاوية بن قرة، عن الخلد بن أيوب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): لما تجلى اللّه عز و جل للجبل تشظى، فطارت لطلعته سته أجبل فوقعت بمكة ثلاثة و بالمدينة ثلاثة، فوقع بمكة حراء و ثبير و ثور، و وقع بالمدينة أحد و ورقان و رضوى.

و قال أبو عبد اللّه محمد بن محمد القزويني في كتابه عجائب المخلوقات و غرائب الموجودات: جبل ثبير بمكة بقرب منى، هو جبل مبارك يقصده الزوار، و هو الذي أهبط عليه الكبش الذي جعله اللّه تعالى فداء لإسماعيل (عليه السلام)، و العرب تقول:" أشرق ثبير كيما نغير".

402

فقوله بمكة: سبق إليه الجوهري و هو تجوز لكونه بقرب مكة، و قوله بقرب منى، ينبني على قول من قال أنه جبل بالمزدلفة و هو قول مرجوح، و يؤيده ما ذكره من أنه أهبط عليه الكبش الذى فدى به إسماعيل، فلم يختلفوا في أن هذا الجبل بمنى، و هو على يسار الذاهب إلى عرفات. انتهى و اللّه أعلم.

و قال شيخنا قاضي القضاة مجد الدين الشيرازي في كتابه" الوصل و المنى في فضل منى": أن أبا بكر النقاش المفسر قال في منسكه: إن الدعاء يستجاب في ثبير، يعني ثبير الأثبرة الذي بلحفه مغارة الفتح، لأن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يتعبد فيه قبل النبوة و أيام ظهور الدعوة، و لهذا جاورت به عائشة أم المؤمنين، و ذكر أن بقرب المغارة التي أنشأها بلحف ثبير معتكف عائشة انتهى بالمعنى، و يعرف هذا الموضع بصخرة عائشة و اللّه أعلم بحقيقة ذلك. انتهى كل ذلك من شفاء الغرام.

نقول، معنى قول القائل جبل ثبير بالمزدلفة: أن هذا الجبل ممتد إلى أواخر منى إلى قرب مزدلفة فيظهر منها، لذلك كانت العرب في الجاهلية إذا باتوا بمزدلفة بعد رجوعهم من عرفات تقول:" أشرق ثبير كيما نغير"، أي أشرق بالشمس حتى ندفع من المزدلفة. فمن قال أن جبل ثبير بالمزدلفة نظر إلى هذه العبارة، و الحقيقة أنه يمتد من جهة حراء بمكة حتى أواخر منى بما يقرب من المزدلفة، فإن بعض الجبال تمتد إلى مسافات بعيدة، و امتداده ليس على استقامة واحدة بل بتعاريج و انزواءات، لذلك يتخلله شعاب و أمكنة بين الجبال الواقعة بقربه و المحيطة به.

جبل خندمة

الخندمة: هو بفتح الخاء المعجمة و سكون النون و فتح الدال، جبل معروف بمكة إلى اليوم، و هو الجبل الذي يمتد من أبي قبيس إلى المعلا، على طول شعب علي المسمى شعب بني هاشم، و على طول شعب عامر.

جاء في آخر تاريخ القطبي المسمى" الإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام" ما نصه:

و منها جبل الخندمة، و هو جبل كبير خلف أبي قبيس، قال الفاكهي: حدثني أبو بكر أحمد بن محمد المليكي، حدثنا عبد اللّه بن عمر أسامة، قال: حدثنا أبو صفوان عن ابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، قال: ما مطرت مكة قط إلا و كان الخندمة غرة، و ذلك أن فيها قبر سبعين نبيا، انتهى.