التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج2

- محمد طاهر الكردي المزيد...
605 /
403

و هي مشرفة على أجياد الصغير و شعب عامر، معروفة الآن عند الناس بمكة.

انتهى من تاريخ القطبي.

نقول: (فإن قال قائل) لا يوجد أي أثر لقبر من تلك القبور في هذا الجبل.

(نجيبه): أنه إذا صحت هذه الرواية عن ابن عباس رضي اللّه عنهما فتكون هذه القبور في أسفل الجبل تحت الأرض، فإن جبال مكة لم تبق على حالتها الطبيعية، فقد طمرت من الجبال نحو نصفها، و ذلك من أثر مرور آلاف السنين عليها، فنزول الأمطار و جريان السيول مما يسبب تدحرج الصخور و الأحجار من فوق الجبال إلى أسفلها، و بتراكم الأتربة و تعمير الناس للمنازل و البيوت ترتفع الأرض، و هذه الكعبة المشرفة قد بناها سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام، على أكمة مرتفعة عن الأرض. و هذا المسعى لم تكن أرضه مستوية كما هي اليوم.

انتهى.

و قال الأزرقي في تاريخه عن جبل خندمة ما نصه: و الخندمة جبل في ظهر أبي قبيس من ظهرها المشرف على دار أبي صيفي المخزومي في شعب آل سفيان دون شعب الخوز، و ذلك الموضع عن يمين من انحدر من الثنية التي يسلك فيها من شعب ابن عامر إلى شعب آل سفيان ثم إلى منى ... الخ كلامه. و قال في موضع آخر من تاريخه: الخندمة الجبل الذي ما بين حرق السويداء إلى الثنية التي عندها بير بن أبي السمير في شعب عمرو، مشرفة على أجياد الصغير و على شعب ابن عامر، و على دار محمد بن سليمان في طريق منى إذا جاوزت المقبرة على يمين الذاهب إلى منى، و في الخندمة قال رجل من قريش لزوجته و هو يبري نبلا له، و كانت أسلمت سرا، فقالت له: لم تبري هذا النبل؟ قال: بلغني أن محمدا يريد أن يفتتح مكة و يغزونا، فلئن جاؤنا لأخدمنك خادما من بعض من نستأسر، فقالت: و اللّه لكأني بك قد جئت تطلب محشا أحشك فيه لو رأيت خيل محمد، فلما دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم الفتح أقبل إليها فقال: و يحك هل من محش؟

فقالت: فأين الخادم؟ قال لها: دعيني عنك، و أنشأ يقول:

و أنت لو أبصرتنا بالخندمة* * * إذ فر صفوان و فر عكرمة

و أبو يزيد كالعجوز المؤتمة* * * قد ضربونا بالسيوف المسلمة

لم تنطقي باللوم أدنى كلمة

404

قال: و أبو زيد سهيل بن عمرو، قال: و خبأته في مخدع لها حتى أومن الناس.

و روى ياقوت الأبيات كما يلي:

إنك لو شهدت يوم الخندمة* * * إذ فر صفوان و فر عكرمة

و حيث زيد قائم كالمؤتمة* * * و استقبلتنا بالسيوف المسلمة

يقطعن كل ساعد و جمجمة* * * ضربا فلا تسمع إلا غمغمة

لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة

انتهى من تاريخ الأزرقي. و في بعض التواريخ ورد البيت الأخير هكذا:

لهم نهيت خلفنا و همهمة* * * لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة

و الرجل المذكور الذي قال هذه الأبيات هو حماس بن قيس، أخو بني بكر، و كان ممن تصدى لقتال خالد، فلما هزمهم فر إلى بيته، و قال لامرأته: أغلقي علي بابي، فقالت له في ذلك، فقال الأبيات المذكورة.

و صفوان و عكرمة المذكوران في الأبيات هما: صفوان بن أمية و عكرمة بن أبي جهل و سهيل بن عمرو، هؤلاء كانوا قد جمعوا ناسا من بكر و الأحابيش و غيرهم بجبل خندمة ليقاتلوا المسلمين و يصدوهم عن دخول مكة يوم الفتح.

و الأحابيش هم بنو الهون بن خزيمة، و بنو الحارث بن عبد مناف ابن كنانة، و بنو المصطلق بن خزيمة، و سموا بذلك لأنهم تحالفوا مع قريش على من عاداهم تحت جبل بأسفل مكة يقال له حبش، فسموا أحابيش قريش. ثم أسلم صفوان بن أمية و عكرمة بن أبي جهل، و لم نبحث عن سهيل بن عمرو هل أسلم أم لا.

و جبل خندمة معروف، و هو عامر بالسكان اليوم، و لما كان هذا الجبل بوسط مكة وضع المشركون أناسا ليقاتلوا المسلمين حين دخولهم مكة وجها لوجه، و لكن اللّه عز شأنه نصر رسوله و فتح له فتحا مبينا، ليتحقق الرؤيا التي رآها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، المذكورة في القرآن الكريم في آية: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً.

405

ثنية كداء

ثنية كداء- بفتح الكاف و الدال ممدودة" أي في آخرها همزة"- و تسمى بالحجون، هي الطريق المؤدية من وسط مقبرة المعلا من الجبل المنحوت إلى جهة جرول، و لقد شق الطريق بين الحجون ملك الحجاز الأسبق الشريف الحسين بن علي، (رحمه اللّه تعالى)، و ذلك في سنة (1338) ألف و ثلاثمائة و ثمانية و ثلاثين تقريبا، ثم وسعت الحكومة السعودية هذا الطريق الذي بين جبلين بأكثر مما سبق و عبدته بالإسفلت. و بنت على الجانبين من الجبل جدارين لرد الحجارات النازلة من الجبل و ليكون منظر الجبل جميلا.

قال الفاسي عنها في شفاء الغرام ما يأتي: الخامس عشر" كداء" الموضع الذي يستحب للمحرم دخول مكة منه، و هو الثنية التي بأعلا مكة، التي يهبط منها إلى المقبرة المعروفة بالأبطح، و يقال لها الحجون الثاني، و ما ذكرناه في تعريف كداء هذا، ذكر الفاكهي ما يوافقه لأنه قال في تعريفه لما في شق معلاة مكة الشامي كداء: الجبل الشارع على المقبرة و الوادي، و له يقول حسان بن ثابت يوم الفتح:

عدمت ثنيتي إن لم تروها* * * تثير النقع عن كتفي كداء

و قال الفاكهي بعد أن ذكر شعب المقبرة في هذه الجهة و شيئا من خبره: و من ثنية المقبرة، دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في حجة الوداع، و قال بعضهم: قيل: إن ثنية المقبرة هو كداء، و هو مشعر بتضعيف هذه المقالة لكونها حكيت بصيغة التمريض، لأن النبي (صلى الله عليه و سلم) إذا كان دخل من هذه الثنية كداء، فلأن الأخبار وافرة صحيحة في أن النبي (صلى الله عليه و سلم) حين حج من المدينة دخل إلى مكة من كداء، و في تاريخ الأزرقي ما يوافق ما ذكره الفاكهي من دخول النبي (صلى الله عليه و سلم) في حجة الوداع من هذه الثنية، و ذلك يقتضي أن تكون هذه الثنية كداء للمعنى السابق، و اللّه أعلم.

و في كلام غير واحد من المتأخرين تسمية هذه الثنية بكداء، منهم سليمان بن خليل، و المحب الطبري، و النووي، و قال المحب: هي بالفتح و المد تصرف على إرادة الموضع و بتركه على إرادة البقعة، انتهى. و قد ذكر الأزرقي شيئا من خبر هذه الثنية، و هي الآن بحاميم الأحداث التي بين دار السري إلى ثنية المقبرة، و هي التي قبر أمير المؤمنين أبي جعفر بأصلها، قال: يعرفها بالحاميم و أولها القرن التي ثنية الدمسين على رامسه بيوت ابن أبي حسين النوفلي، و الذي يليه القرن المشرف‏

406

على دار منارة الحبشي، فيما بين ثنية الدمسين، و هي التي كان ابن الزبير مصلوبا عليها، و كان أول من سهلها معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنه، ثم عملها عبد الملك بن مروان. ثم كان آخر من بنى ضفائرها و درجها و جدرها المهدي، انتهى. و ذكر ذلك الفاكهي لأنه لم يجزم بكون معاوية أول من سهل هذه الثنية، و حكى بصيغة التمريض، و قال أيضا: و يقال إن ابن الزبير أول من سهلها، انتهى. فيستفاد مما ذكره الأزرقي و الفاكهي قولان في أول من سهل هذه الثنية، و اللّه أعلم بالصواب.

و في سنة إحدى عشرة و ثمانمائة سهل بعض المجاورين بمكة، أثابه اللّه، في النصف الثاني من سنة سبع عشرة و ثمانمائة طريقا في هذه الثنية غير الطريق المعتادة و هذه الطريق تكون على يسار الهابط من هذه الثنية إلى المقبرة و الأبطح، و كانت حرجة ضيقة جدا، فتحت ما يليها من الجبل بالمعاول حتى اتسعت، فصارت تسع أربعة مقاطير من الجمال محملة، و كانت قبل ذلك لا تسع إلا واحدا، و سهلت أرضها بتراب ردم فيها حتى استوت و صار الناس يسلكونها أكثر من الطريق المعتادة، و جعل بينهما حاجزا من حجارة مرصوصة، و كانت في بعض هذه الطريق قبور فأخفي أثرها. انتهى من شفاء الغرام.

ثنية كدى‏

ثنية كدى- بضم الكاف و بفتحتين على الدال مقصورة- و قيل- بضم الكاف و فتح الدال و تشديد الياء مصغرا، لا يعلم موضعها تماما. فبعض المؤرخين قال عنها: إنها طريق الخارج من مكة من جهة الشبيكة، و هذا يقتضي أنها تمتد من الشبيكة إلى آخر ريع الرسام. و بعضهم قال: إنها بأسفل مكة يخرج منها إلى اليمن، و هذا يقتضي أنها تمتد من السوق الصغير إلى جهة بركة ماجن بالمسفلة.

و إليك ما جاء عنها في شفاء الغرام و هو: السادس عشر" كدى" الموضع الذي يستحب الخروج منه لمن كان في طريقه هو الثنية التي بأسفل مكة، التي بني عليها بابها المعروف بباب الشبيكة، على ما يقتضيه كلام المحب الطبري في شرح التنبيه لأنه قال فيه: و كدى التي يخرج منها الحاج مضمومة مقصورة، و قد بني عليها باب مكة الذي يتوجه منه إلى عمرة التنعيم، انتهى. و باب مكة الذي أشار إليه المحب، هو باب الشبيكة لأن الناس تتوجه منه إلى عمرة التنعيم غالبا، و ذكر

407

النووي ما يؤيد ما ذكره المحب الطبري في ضبطها و مكانها، لأنه قال في الإيضاح، في الباب الثالث: الرابعة: السنة أن يدخل مكة من ثنية كداء بفتح الكاف و المد، و هي بأعلى مكة ينحدر منها إلى المقابر، و إذا خرج راجعا إلى بلده، خرج من ثنية كدى بالضم و القصر و التنوين، و هي بأسفل مكة بقرب جبل قعيقعان، و إلى صوب ذي كوى، انتهى. و ذكر القاضي بدر الدين بن جماعة في منسكه ما يقتضي أن كدى هذه، هي الثنية التي عندها الموضع المعروف بقبر أبي لهب بطريق العمرة، و نص كلام ابن جماعة: و إذا خرج من ثنية كدى بالضم و القصر، من أسفل مكة و هي الثنية التي يخرج إليها بباب مكة، المعروف بباب الشبيكة، و هي الثنية التي يخرج منها إلى المرجم المعروف بقبر أبي لهب، يسلك منه إلى الزاهر المتقدم ذكره و غيره، و منه يخرج المعتمرون انتهى.

و كلام ابن جماعة ثمّ يخالف ما ذكره المحب الطبري الذي يعتد به في معرفة ذلك، و اللّه أعلم بالصواب. و من هذه الثنية دخل قيس بن سعد بن عبادة يوم فتح مكة، على ما ذكر الأزرقي، و ذكر ما يقتضي أن حسان بن ثابت عناها بقوله السابق في كداء بالفتح، و أنشد على غير ما أنشده الفاكهي، لأنه قال:

عدمنا خيلنا إن لم تروها* * * تثير النقع موعدها كداء

انتهى.

و بأسفل مكة ثنية يقال لها: كديّ، بالضم و تشديد الياء و تنوينها، يخرج منها إلى جهة اليمن، ذكر ذلك المحب الطبري، قال: و قد بني عليها باب مكة الذي يدخل منه أهل اليمن و يخرجون، هكذا قال في شرح التنبيه، و قال في القرى:

و الثالثة كدى، بالضم و تشديد الياء مصغر، موضع بأسفل مكة، و الأوليان هما المشهورتان، و هذه يخرج منها إلى جهة اليمن، هكذا ضبط عن المحققين و منهم أبو العباس أحمد بن أحمد العذري، فإنه كان يرويه على أهل المعرفة بمواضع مكة من أهلها، حكاه عنه الحميدي، انتهى. و ما ذكره من أنه بني على الثنية التي يقال لها كدي بالتصغير، باب مكة الذي يدخل منه أهل اليمن و يخرجون، يخالف ما يقوله الناس فيها، لأنهم يذكرون أنها الثنية التي يهبط منها إلى خم، و خم: شعب مشهور، و ليس هو الخم الذي قال النبي (صلى الله عليه و سلم) عند غديره: من كنت مولاه فعلي مولاه الوارد في فضل علي بن أبي طالب، فإنه موضع عند الجحفة و بينها و بين باب مكة، الذي أشار إليه المحب الطبري، غلوتان، و اللّه أعلم.

408

و ممن ذكر هذا الموضع سليمان بن خليل لأنه قال: و أما كدي بالتصغير بضم الكاف و فتح الدال، فإنه جبل بأسفل مكة، يخرج منها إلى اليمن انتهى.

و ما ذكرناه في ضبط كداء العليا و كدي السفلى، التي بني عليها باب الشبيكة، هو الصواب، و ضبط بعضهم العليا بالضم، و هذه السفلى بالفتح. و نسب النووي قائل ذلك إلى الغلط و التصحيف، و ذكر صاحب المطالع ما يشهد لمن ضبط العليا بالضم، و لكن المشهور فيها الفتح، و اللّه أعلم.

و ذكر الفاكهي ما يقتضي أن بأعلى مكة موضعا آخر يقال له كداء، غير كداء الذي هو ثنية المقبرة لأنه قال: كداء: الجبل المشرف على الوادي مقابل مقبرة أهل مكة، اليوم تحته بيوت عبد الرحمن بن يزيد، و ابن خلف مولى العباس بن محمد، و هو ممتد إلى دار الأراكة، انتهى. ذكر هذا في تعريفه لما في شق معلى مكة اليماني، و ذكر ما سبق في كداء الذي هو ثنية المقبرة في شق معلاة مكة الشامي، و تغاير الشقتين يقتضي مغايرة المكانين.

و ذكر في موضع آخر ما يقتضي أن كدا موضعا بأعلى مكة، غير كداء الذي هو ثنية المقبرة، و لم يتعرض لضبط ذلك، فبقيت المواضع أربعة، اثنان لا تعلق لهما بالمناسك، و اثنان لهما تعلق بالمناسك، و هما كداء الذي هو ثنية المقبرة، و كدي الذي هو في طريق المدينة، و إنما استحب الخروج منه و الدخول إلى مكة من أذاخر، لكون النبي (صلى الله عليه و سلم) فعل ذلك في حجة الوداع، و أما في فتح مكة فدخل من ثنية أذاخر بأعلى مكة، على ما ذكره ابن إسحاق في سيرته و الأزرقي.

و ذكر موسى بن عقبة ما يقتضي أن النبي (صلى الله عليه و سلم) دخل مكة يوم الفتح من كداء بأعلى مكة، و كذلك الزبير بن العوام رضي اللّه عنه، و اللّه أعلم بالصواب. و أما عمرته من الجعرانة، فدخل (صلى الله عليه و سلم) مكة من أسفلها و خرج من أسفلها، كذا في خبر ذكره الفاكهي بإسناده، و فيه من لم أعرفه، و اللّه أعلم. انتهى من شفاء الغرام.

جبل حراء

جبل حراء بأعلى مكة، على يسار الذاهب منها إلى منى، يرتفع (634) مترا، و عامة أهل مكة يسمونه" جبل النور". جاء في الجامع اللطيف في فضل مكة و أهلها و بناء البيت الشريف، للعلامة ابن ظهيرة القرشي، ما نصه: جبل حراء و هو ممدود فمن ذكّره صرفه، و من أنثه منعه من الصرف و يسمى جبل النور

409

بالنون، و كأن ذلك لكثرة مجاورة النبي (صلى الله عليه و سلم) و تعبده فيه، و ما خصه اللّه به فيه من الإكرام بالرسالة و نزول الوحي عليه في الغار الذي بأعلاه، كما في صحيح البخاري، حتى فجأه الحق، و هو في غار حراء، و هو معروف مشهور يأثره الخلف عن السلف، و يقصده الناس بالزيارة، ذكر الأزرقي أن النبي (صلى الله عليه و سلم) اختبأ فيه من المشركين، و كذا ذكره الفاكهي، قال أيضا: و المعروف أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لم يختبئ من المشركين إلا في غار ثور، لكن يتأيد ما ذكر بما قاله القاضي عياض و السهيلي في روضه: أن قريشا حين طلبوا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان على ظهر ثبير، فقال له:

اهبط عني يا رسول اللّه فإني أخاف أن تقتل و أنت على ظهري، فيعذبني اللّه تعالى، فناداه حراء إلى رسول اللّه، و جمع القاضي تقي الدين (رحمه اللّه)، فقال:

إن صح اختفاؤه (صلى الله عليه و سلم) بحراء، فهو غير اختفاؤه بثور، و اللّه أعلم، فيكون في حراء أولا، و في ثور حين الهجرة، و ذكر بعض العلماء أن السر في كونه (صلى الله عليه و سلم)، لازم التعبد فيه دون غيره من الجبال من حيث إن فيه فضلا زائدا: منه أن يكون فيه منزويا مجموعا لتعبده، و هو يشاهد بيت ربه، و النظر إلى البيت عبادة، فحصل له اجتماع ثلاث عبادات: الخلوة، و التعبد، و النظر، و مجموع ذلك أولى من الاقتصار على البعض، و غيره من الأماكن ليس فيه ذلك المعنى، و أيضا أن هذا الجبل كان يختلي فيه أجداده (صلى الله عليه و سلم)، (أقول): و فيما ذكر نظر لأن غيره من الجبال يتأتى فيه ما ذكره من اجتماع العبادات الثلاث كأبي قبيس مثلا، و يزيد بقربه من البيت، فكان أولى أن يتعبد فيه، و إن كان المراد البعد عن الناس لخلو البال في التعبد، فالجبال البعيدة كثيرة، اللهم إلا أن يقال إن الغار الذي بحراء مستقبل الكعبة من غير انحراف، و ليس غيره كذلك فله وجه، و الأحسن أن يقال أن جبل حراء متعبد أجداده، فاقتدى بهم في ذلك، و اللّه الموفق.

انتهى من الجامع اللطيف المذكور.

انظر: صورة رقم 66، جبل حراء و بأعلاه الغار

انظر: صورة رقم 67، جبل حراء و مدخله. و يرى المؤلف في سفحه‏

و جبل حراء: بكسر الحاء المهملة و فتح الراء الممدودة، هو اسم قديم له، و أهل مكة يسمونه الآن" جبل النور" لظهور النبوة منه، و هو على يسار الذاهب إلى منى، و هو جبل معروف عال، قمته تشبه الطربوش الذي يلبس في الرأس، أو كسنام الجمل الأصيل السمين، أو كالقبة الملساء، فلا يوجد جبل بمكة و لا

410

بالحجاز و لا بالدنيا كلها يشبه جبل حراء، فهو بين الجبال فريد الشكل و الصورة، و الأساس الأول للكعبة من حجارته، فهو جبل معظم حتى في الجاهلية، فقد قال أبو طالب فيه في قصيدته التي ذكرناها في غير هذا المكان:

و ثور و من أرسى ثبيرا مكانه‏* * * و راق ليرقى في حراء و نازل‏

و لقد ورد ذكر حراء في بعض الأحاديث الصحيحة، (فمن ذلك) ما جاء في الصحيحين عن جابر رضي اللّه عنه:" جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي فنوديت، فنظرت أمامي و خلفي و عن يميني و عن شمالي فلم أر أحدا، ثم نوديت فنظرت فلم أر أحدا، ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء، يعني جبريل (عليه السلام)، فأخذتني رجفة شديدة فأتيت خديجة فقلت: دثروني، فدثروني فصبوا علي ماء، فأنزل اللّه: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ".

(و منها) ما جاء في الصحيحين أيضا عن جابر رضي اللّه عنه:" بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسا على كرسي بين السماء و الأرض، فجئت منه فرقا، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فدثروني فأنزل اللّه: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ* وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ".

(و منها) ما جاء في صحيح البخاري في أول الجزء الأول منه عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت:" أول ما بدئ به رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، و كان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، و هو التعبد الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله و يتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق و هو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ‏. فرجع بها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي اللّه عنها، فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة و أخبرها الخبر: لقد خشيت على‏

411

نفسي، فقالت خديجة: كلا و اللّه، ما يخزيك اللّه أبدا، إنك لتصل الرحم، و تحمل الكل و تكسب المعدوم و تقري الضيف و تعين على نوائب الحق ... إلى آخر الحديث.

(و منها) ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه:" أسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد. و عليه النبي (عليه السلام)، و أبو بكر و عمر و عثمان و طلحة و الزبير و سعد بن أبي وقاص، و يروى:" اهدأ و عليه أبو بكر و عمر و عثمان و علي و طلحة و الزبير". قال في كتاب" مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار": يعني روى بعض الرواة لفظ اهدأ مكان اسكن، و ذكر عليا مكان سعد، قاله عليه الصلاة و السلام، لما تحرك حراء و كان النبي (صلى الله عليه و سلم) مع أصحابه المذكورين عليه. انتهى منه.

(و منها) ما جاء في الأزرقي عن ابن أبي مليكة يقول: جاءت خديجة إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) بحيس و هو بحراء، فجاءه جبريل فقال: يا محمد هذه خديجة قد جاءت تحمل حيسا معها، و اللّه يأمرك أن تقرأها السلام و تبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه و لا نصب، فلما أن رقيت خديجة قال لها النبي (صلى الله عليه و سلم): يا خديجة إن جبريل قد جاءني و اللّه يقرئك السلام، و يبشرك ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه و لا نصب، فقالت خديجة: اللّه السلام و من اللّه السلام و على جبريل السلام. انتهى من تاريخ الأزرقي، قال في مختار الصحاح: الحيس بفتح الحاء تمر يخلط بسمن و أقط، ا ه.

نقول: و قد جاء في الصحيحين:" بشروا خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه و لا نصب"، رواه عائشة و عبد اللّه بن أبي أوفى رضي اللّه عنهما.

فما أسعد خديجة بخدمة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و حبها العظيم له، و ما أسعدها بإقراء السلام لها من اللّه تعالى و من جبريل، فهنيئا لها ذلك البيت في الجنة و هنيئا لها برضاء اللّه و رسوله عنها، اللهم ارض عنها و عن أزواج نبيك، و ارض عني و اغفر لي بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين.

و يمتاز جبل حراء عن بقية الجبال بما يأتي:

(1) كان الأساس الأول القديم للكعبة من حجارة جبل حراء.

(2) كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يتعبد فيه قبل البعثة.

(3) كان بدء الوحي في غار حراء.

412

(4) وقوف جبريل (عليه السلام)، في غار حراء و ضمه النبي (صلى الله عليه و سلم) و إقرائه له أول آية نزلت من القرآن‏ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏.

(5) ظهور جبريل (عليه السلام) للنبي (صلى الله عليه و سلم) جالسا على كرسي بين السماء و الأرض في بطن وادي حراء.

فما أبرك هذا الجبل، و ما أسعد هذا الغار، و الحقيقة أن حراء، و ما حول حراء، لمكان منور مبارك إلى يوم القيامة، يعرف ذلك كل من أنار اللّه قلبه و بصره.

و قال إبراهيم رفعت باشا في كتابه" مرآة الحرمين" و هو يصف صعوده إلى جبل حراء:

و هذا الجبل يقع في شمالي مكة، على يسار الذاهب إلى عرفات، بعيدا عن جادة الطريق بنحو ميل، و قال ياقوت في معجمه أنه على ثلاثة أميال من مكة، و أنه جبل شامخ أعلى من ثبير، و في أعلاه قلة شامخة زلوج (انظر الجبل في منظر 86) و في ميسرة القمة نفس غار حراء.

و قد صعدنا هذا الجبل في 35 دقيقة مع أن ارتفاعه حوالي 200 متر، و لكنه يكاد يكون عموديا، فلذا كان صعب المرتقى، و اضطررنا إلى الاستراحة مرتين أثناء الصعود و أغمي على بعض الضباط، و لولا ما معنا من الماء الذي رششنا به وجهه لحصل ما لا تحمد عقباه، و لذا يجمل بمن رام صعوده أن يستصحب بعض المياه خصوصا في آونة الحر. و قبل أن نصل إلى قنة الجبل بثلاث دقائق وجدنا خزانا نحت بالجبل لحفظ مياه المطر يبلغ طوله 8 أمتار في عرض 6 و عمق 4، و له درج للوصول إلى قاعه، و كان خاويا من الماء، و وجدنا بجانبه امرأة عربية تصنع القهوة و الشاي للزائرين في موسم الحج و تبيعهما بالثمن، و قد تناولنا من شايها و قهوتها، و فرشت لنا بساطا من الصوف، و مكثنا في حضرتها نصف ساعة و نقدناها الثمن مضاعفا مكافأة على ما قدمت، ثم تسنمنا ذروة الجبل، و إذا فيها بناء متين تعلوه قبة طولها 6 أمتار في مثلها عرضا في 8 ارتفاعا.

ثم قال بعد عدة أسطر ما نصه: و في الجهة الجنوبية من القبة غار حراء، الذي كان يتعبد فيه النبي (صلى الله عليه و سلم) قبل البعثة، على ما أسلفنا لك، و الإنسان ينحدر إليه من قنة الجبل على درج حجري غير منتظم أشبه بالسلم، و البعد بينه و بين قمة القبة نحو 50 مترا، و هذا الغار عبارة عن فجوة بابها نحو الشمال، تسع نحو خمسة

413

أشخاص جلوسا، و ارتفاعه قامة متوسطة، و قد صلينا فيه و دعونا، و وجدنا هنالك بعض الحجاج من الأتراك يزورون هذه الآثار، و الواقف على قنة هذا الجبل يرى مكة و أبنيتها العظيمة و قلاعها الحصينة، كما يرى جبل ثور، و لون الجبل ذهبي حتى لو حدقت النظر في قطعة منه تخالها ذهبا إبريز، و لذلك إذا سطعت عليها الشمس ترى له منظرا من أجمل المناظر و أبهجها، انتهى باختصار من مرآة الحرمين.

نقول: القبة التي ذكرها هنا صاحب مرآة الحرمين، و التي كانت على الغار فوق الجبل، قد هدمت سنة (1343) ثلاث و أربعين و ثلاثمائة بعد الألف، و الظاهر من قول الغازي في تاريخه نقلا عن كتاب بلوغ القرى لابن فهد، أن أول قبة بنيت على جبل النور كانت سنة (916) ست عشر و تسعمائة، ثم تجدد بناؤها بعد ذلك إلى أن هدمت في زماننا في السنة المذكورة. و اللّه تعالى أعلم.

و قال المرجاني في فضل حراء:

تأمل حراء و هو في حال محياه‏* * * فكم من أناس في حلا حسنه تاهوا

فمما حوى من جا لعلياه زائرا* * * يفرج عنه الهم في حال مرقاه‏

به خلوة الهادي الشفيع محمد* * * و فيه له غار فقد كان يرقاه‏

و قبلته للقدس كانت بغاره‏* * * و فيه أتاه الوحي في حال مبداه‏

و فيه تجلى الروح في الموقف الذي‏* * * به اللّه في وقت البداءة سواه‏

و تحت تخوم الأرض في السبع أصله‏* * * و من بعد هذا اهتز بالسفل أعلاه‏

و لما تجلى اللّه قدس ذكره‏* * * لطور تشظى فهو أحد شظاياه‏

و منها ثبير ثم ثور بمكة* * * كذا قد أتى في نقل تاريخ مبداه‏

قال صديقنا العزيز السيد أحمد العربي في حراء:

هذا الحجاز تأملوا صفحاته‏* * * سفر الخلود و معهد الآثار

في كل سطر من سطور سجله‏* * * عبر تفيض بأروع الأسرار

و مواقف لم يشهد التاريخ مثل‏* * * خلالها في أمجد الأعصار

جثمت على تلك الأباطح و الهضا* * * ب و أشرقت ترنو إلى الأقدار

و مضت تقص على العصور حديثها* * * و القوم في لهو و في إدبار

ثبتت على رغم الكوارث و الخطوب‏* * * تعيد سيرة مجدنا المنهار

414

و تهيب بالهمم الأبية أن تهب‏* * * لبعث كنز تراثنا المتواري‏

هذا حراء سائلوه يجيبكم‏* * * فلعله سفر من الأسفار

و استلهموا مواقف الوحي التي‏* * * شع الهدى منها على الأقطار

و سلوه ماذا قد أقل من البطولة* * * و الحجا أكرم به من غار

أخلق بغار حراء أن يزهو على‏* * * الإيوان و الأهرام و الآثار

كم بين صاحبه و بين بنائها* * * من فارق أربى على الأقدار

شتان بين محرر الأقوام‏* * * و المتعبدين سلاسل الأحرار

و قال أمير الشعراء شوقي بك (رحمه اللّه تعالى) في حراء في كتابه" دول العرب و عظماء الإسلام":

كان ابتداء الوحي في حراء* * * فاتحة الرسالة الغراء

اللّه خير خلقه أعطاها* * * و حمل الأمر العظيم" طه"

أرسله قلادة النظام‏* * * عصماء عقد الرسل العظام‏

(فإن قيل): فما حكمة ذهاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى جبل حراء للتعبد في غاره، مع أنه جبل يبعد عن الكعبة المعظمة بنحو أربعة كيلو مترات، و مع أن البيوت في أيام الجاهلية حول الكعبة بما لا يتجاوز عن مائتي متر تقريبا، أي ما كانت البيوت تبلغ محلة المدعا من الناحية الشمالية، و مثلها من جميع الجهات- فلو أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ذهب إلى جبل أبي قبيس أو إلى جبل قعيقعان و هما أخشبا مكة، أو إلى جبل أجياد أو إلى جبل بقرب المعلا لكان أيضا بعيدا عن أعين الناس في ذلك الزمن؟

(نقول): إن ذهاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى جبل حراء للتعبد في غاره قبل بعثته، إنما هو بتوجيه من اللّه تبارك و تعالى فقط، لحكمة يعلمها جل جلاله، و أيضا لقد اطلعنا أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة و السلام كانوا إذا وصلوا إلى مكة ذهبوا إلى هذا الجبل للتعبد، مع العلم بأن الملائكة الكرام (عليهم السلام)، كانوا يأخذون الحجارة من هذا الجبل فيرمونها في أساس الكعبة المعظمة عند بنيانهم لها لأول مرة قبل آدم عليه الصلاة و السلام، فأساس الكعبة إلى تخوم الأرض، هو من خمسة جبال منها جبل حراء، كما ذكرنا ذلك بالتفصيل، في محله من هذا الكتاب.

415

فعليه يكون جبل حراء من الجبال المباركة، العريقة في البركة و الخير، و من هنا يسمي أهل مكة أدام اللّه تعالى رضاه عليهم جبل حراء بجبل النور، و لهم الحق في ذلك، فقد انبثق نور الحق و القرآن من هذا الجبل المبارك العظيم، إن هذا الجبل و ما حوله من الجبال و الأراضي إلى حدود الحرم من جميع الجهات كلها مباركة طيبة منيرة، أليست كلها من مكة المكرمة، و في حرمها الآمن المستنير.

و قد طلع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مرة بعد بعثته، و ربما بعد هجرته، إلى المدينة المنورة على جبل حراء، كما جاء ذلك في صحيح مسلم في الباب السادس من كتاب الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين، فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه، أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان على جبل حراء فتحرك، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): اسكن حراء، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد. عليه النبي (صلى الله عليه و سلم)، و أبو بكر و عمر و عثمان و علي و طلحة و الزبير و سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنهم، و جاءت عن أبي هريرة أيضا في صحيح مسلم في هذا الباب رواية أخرى اكتفينا بما ذكرناه، كما جاء في ابن ماجة رواية تماثل ما ذكرناه. و مثل ما جاء في جبل حراء بمكة جاء أيضا في جبل أحد بالمدينة، و ذلك في صحيح البخاري.

و ما أحلى قول بعض الأعلام عندما وصل إلى غار حراء:

أمرّغ في حراء أديم وجهي‏* * * و أبصر فيه من نور بهي‏

لعلي أن أمس بحرّ وجهي‏* * * ترابا مسه قدم النبي‏

فكم من ذكريات كان فيه‏* * * و كم فيه من الفضل الخفي‏

ألم يك ساس بيت اللّه منه‏* * * قديما قبل بنيان النبي‏

أليس المصطفى قد كان يرقى‏* * * عليه للتعبد بالعشي‏

و ذلك قبل بعثته إلينا* * * كما هو ظاهر عند الذكي‏

فأول رؤية للوحي كانت‏* * * له في داخل الغار الجلي‏

تبدى جبريل و قال اقرأ* * * باسم اللّه مولانا العلي‏

إلى آخر القصيدة.

هذا، و الحق يقال أن جبل حراء و ما حوله فيه من الأنوار المعنونة ما لا يخفى على أولي البصائر و أرباب القلوب، بل و جميع مكة المكرمة إلى حدود الحرم من جميع الجهات كذلك، و يعرفه أهل الذوق و الإشارات لا من كثفت طباعه و غلظت حواسه، و كيف لا تكون هذه الأماكن الشريفة كذلك، أليست هي‏

416

محل نزول القرآن غضا طريا من السماء إلى الأرض المباركة؟ أليست هي محلات تشرفت بوطئ أقدام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و تشرفت بنسمات جبريل و الملائكة الكرام (عليهم السلام)؟

إن من طلع فوق جبل حراء، و دخل ذلك الغار المبارك، و نظر إلى ما حوله من الجبال و السهول، يتجلى له روعة المكان و جمال المنظر و بهاء الأثر على حقيقته، و يتملكه شعور الأنس و الصفاء كل واحد بحسب استعداده النفسي. إن لجبل حراء طابع خاص، إنه كجبل من جبال مكة المشرفة، و لكن اللّه تعالى خلق قمته التي بها الغار الشريف كالقبة الجميلة، إنه جبل فريد لا يماثله من الجبال لا بمكة و لا بغيرها. فسبحان الكبير المتعال لا إله إلا هو العزيز الغفار.

عدد السماوات و الأرضين‏

نعقد هذا الفصل بمناسبة أن أساس الكعبة المعظمة واصل إلى تخوم الأرض السفلى، فنقول و باللّه القوة و التوفيق:

إن عدد السموات سبع، كما ورد ذلك في كثير من الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية، و ما حديث الإسراء و المعراج بخاف على الناس الذي فيه التفصيل التام في عروج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى السموات السبع صحبة جبريل و كان يستفتح له أبوابها سماء سماء إلى السماء السابعة، و الحديث مذكور في الصحيحين و أوله «بينما أنا في الحطيم مضطجعا إذ أتاني آت ... إلى آخره».

و السموات كلها مملوءة بالملائكة يعبدون اللّه لا يفترون. ففي الحديث:

«أطّت السماء و يحق لها أن تئط و الذي نفس بيده ما فيها موضع شبر إلا و فيه جبهة ملك ساجد يسبح اللّه بحمده» رواه ابن مردويه في تفسيره عن أنس بن مالك، قال العزيزي و رمز المؤلف لضعفه. ا ه.

و المعنى صوت السماء و حنت من ثقل ما عليها من ازدحام الملائكة، و هو كناية عن ثقلها بكثرة الملائكة.

و اعلم أن عدد الأرضين سبع أيضا كعدد السموات، و قد ورد ذلك صريحا في قوله سبحانه و تعالى، في سورة الطلاق: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ‏

417

الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً.

جاء في تفسير الصاوي عند الآية المذكورة ما نصه: اعلم أن العلماء أجمعوا على أن السموات سبع طباقا بعضها فوق بعض، و أما الأرضون فالجمهور على أنها سبع كالسموات بعضها فوق بعض، و في كل أرض سكان من خلق اللّه، و عليه فدعوة الإسلام مختصة بأهل الأرض العليا لأنه الثابت و المنقول، و لم يثبت أنه (صلى الله عليه و سلم) و لا أحد ممن بعده، نزل إلى الأرض الثانية و لا غيرها من باقي الأرضين و بلّغهم الدعوة. و هل جعل اللّه لما تحت الأرض العليا ضوء آخر غير الشمس و القمر، أو يستمدون الضوء منهما؟ قولان للعلماء. و قيل: إنها طباق ملزوقة بعضها ببعض، و قيل: ليست طباقا، بل منبسطة تفرق بينها البحار، و تظل الجميع السماء، و الأول هو الأصح. انتهى من الصاوي.

و جاء في تفسير الجمل المسمى «بالفتوحات الإلهية» في تفسير سورة الطلاق عند قوله تعالى أيضا: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ‏ ما نصه:

أما كون السموات سبعا بعضها فوق بعض فلا خلاف فيه لحديث الإسراء و غيره، و أما الأرضون فقال الجمهور: إنها سبع أرضين، طباقا بعضها فوق بعض، بين كل أرض و أرض مسافة، كما بين السماء و الأرض، و في كل أرض سكان من خلق اللّه، و قال الضحاك: إنها سبع أرضين، و لكنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق بخلاف السموات. قال القرطبي: و الأول أصح، لأن الأخبار دالة عليه. و في كتاب الفردوس عن ابن مسعود أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: ما بين السماء إلى السماء خمسمائة عام، و عرض كل سماء و ثخانة كل سماء خمسمائة عام، و ما بين السماء السابعة و بين الكرسي و العرش مثل ذلك، و ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، و الأرضون و عرضهن و ثخانتهن مثل ذلك. ا ه.

قال الماوردي: و على أنها سبع أرضين، تختص دعوة الإسلام بأهل الأرض العليا و لا يلزم من في غيرها من الأرضين و إن كان فيها من يعقل من خلق مميز.

و في مشاهدتهم السماء و استمدادهم الضوء منها قولان: أحدهما أنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم و يستمدون الضياء منها، قال ابن عادل: و هذا قول من جعل الأرض مبسوطة. الثاني: أنهم لا يشاهدون السماء،

418

و أن اللّه تعالى خلق لهم ضياء يشاهدونه، قال ابن عادل: و هذا قول من جعل الأرض كروية.

و حكى الكلبي عن ابن صالح ابن عباس أنها سبع أرضين منبسطة ليس بعضها فوق بعض، تفرق بينها البحار، و تظل جميعهم السماء، فعلى هذا إن لم يكن لأحد من أهل الأرض وصول إلى أرض أخرى، اختصت دعوة الإسلام بهذه الأرض، و إن كان لقوم منهم وصول إلى أرض أخرى احتمل أن تلزمهم دعوة الإسلام، لإمكان الوصول إليهم، لأن البحار إذا أمكن سلوكها لا يمنع من لزوم ما عم حكمه، و احتمل أن لا تلزمهم دعوة الإسلام لأنها لو لزمتهم لكان النص بها واردا، و لكان النبي (صلى الله عليه و سلم) بها مأمورا.

و قال بعض العلماء: السماء في اللغة عبارة عما علاك، فالأولى بالنسبة إلى السماء الثانية أرض و كذلك السماء الثانية بالنسبة إلى الثالثة أرض، و كذلك البقية بالنسبة إلى ما تحته سماء، و بالنسبة إلى ما فوقه أرض، فعلى هذا تكون السموات السبع و هذه الأرض الواحدة سبع سموات و سبع أرضين. ا ه بحروفه. انتهى من تفسير الجمل.

و ليس في القرآن آية تدل على عدد الأرضين غير الآية السابقة التي في سورة الطلاق على ما نظن، و أما الأحاديث فقد ورد عددها صريحا. روى البخاري في كتاب المظالم عن ابن عمر، رضي اللّه عنهما، أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: «من أخذ من الأرض شيئا بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين».

و جاء في الصحيحين «من أخذ شبرا من الأرض ظالما فإنه يطوّقه يوم القيامة من سبع أرضين» رواه سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي اللّه تعالى عنهم. أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق في باب ما جاء في سبع أرضين، و قول اللّه تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ... الآية.

و أخرجه أيضا في كتاب المظالم، و أخرجه مسلم في آخر كتاب البيوع في باب تحريم الظلم و غصب الأرض بأربع روايات كلها عن سعيد بن زيد رضي اللّه تعالى عنه.

قال شيخنا العلامة المحدث الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي (رحمه اللّه تعالى) في شرحه لكتابه «زاد المسلم بما اتفق عليه البخاري و مسلم» عند هذا الحديث المذكور في صحيفة 213 من الجزء الرابع ما نصه:

419

و في هذا الحديث إثبات سبع أرضين كما هو ظاهر قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ‏. و المراد بقوله عليه الصلاة و السلام، من سبع أرضين أن كل واحدة فوق الأخرى. و في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعا أن بين كل أرض و التي تليها خمسمائة عام.

قال القاضي عياض: الأرضون سبع طباق و إنما الخلاف هل فتق بعضها من بعض؟ فقال الداودي: الحديث يدل على أنها لم تفتق؛ لأنها لو فتقت لم يطوق بما ينتفع به غيره، و جاء في غلظهن و فيما بينهن خبر ليس بصحيح.

قال الأبّي: و تقرير استدلال الداودي أن الرتق اتصال الشي‏ء بالشي‏ء، و الفتق: فصل بعضه عن بعض، فإذا لم تفتق فمن ملك شبرا من أرض أمكنه أن ينتفع بما تحته من الأخرى لتلاصقهما، و إذا فتقت و صار بين الأرضين خلاء، فلا يمكن الانتفاع بما يقابله من الأرض التي تحتها، و إنما ينتفع به غيره من ساكن تلك الأرض إن قدّر أن بها ساكنا.

قال القاضي عياض: و استدل به بعضهم على أن من ملك ظاهر الأرض يملك ما تحته مما يقابله، فله منع من تصرف فيه أو يحفره. و قد اختلف العلماء في هذا الأصل، فيمن اشترى دارا فوجد فيها كنزا أو وجد في أرضه معدنا، فقيل له، و قيل للمسلمين، و وجه الدليل من الحديث أنه غصب شبرا فعوقب بحمله من سبع أرضين.

قال الأبّي: أما التمثيل بمن ملك الظاهر هل ملك الباطن في المعدن فبين، لأن المعدن من جنس الأرض، و أما بمن اشترى دارا فلا؛ لأن الكنز إن كان من دفن الإسلام فلقطة، و إن كان من دفن الجاهلية فركاز. قال القاضي عياض: و كذلك يملك ما قابل ذلك من الهواء يرفع فيه من البناء ما شاء ما لم يضر بأحد. و تأول بعضهم الحديث على أن المراد بالسبع أرضين السبعة أقاليم، و هو تأويل أبطله العلماء، لأنه لو كان المراد ذلك لم يطوق من غصب شبرا من إقليم شبرا من إقليم آخر، بخلاف طباق الأرض، فإن من ملك شبرا من أرض ملك ما تحته. انتهى من شرح زاد المسلم.

(نقول): الأبّي المذكور (هو بضم الهمزة و كسر الباء المشددة) أحد العلماء الذين شرحوا صحيح مسلم، و نعتقد أن هذا الشرح مطبوع في القرن السادس أو

420

السابع الهجري، و لم نبحث عن ترجمته، (رحمه اللّه تعالى) لكن نظن أنه مغربي أو شنقيطي، و اللّه تعالى أعلم.

لقد علمت فيما سبق أن عدد الأرضين سبع بصريح الآيات و الأحاديث، و من غريب المصادفات أن نطلع في «مجلة الهلال» التي صدرت بمصر بتاريخ شهر شعبان سنة 1372 ه. و شهر مايو سنة 1953 م. و في الصفحة 29، على مقالة مأخوذة عن كتاب «ما وراء الدنيا» بعنوان (باطن الأرض مأهول بالسكان) و أن هناك ثلاث نظريات عن تكوين الأرض، و إليك نص المقالة:

«النظرية الأولى» في أوائل القرن الماضي أرسل ضابط أمريكي خمسمائة رسالة مطبوعة لأعضاء الكونغرس و مديري الجامعات الأمريكية و المعاهد الأوربية و لفيف من العلماء البارزين جاء فيها:

«سانت لويس، بشمال أمريكا في 10 إبريل 1818»

أعلن أهل الدنيا جميعا أن الكرة الأرضية مجوفة، و أن باطنها آهل بالسكان، و أنها تحتوي على عدد من الكرات الواحدة داخل الأخرى، و كل منها لها فتحتان عند قطبيها الشمالي و الجنوبي. و أنا واثق من صحة هذه النظرية، و مستعد لإثباتها عمليا و كشف باطن الأرض المجهول إذا عاونتني الهيئات العلمية و مكنتني من القيام بهذا الكشف. «ج. كليفن. سيمز»

و أرفق بكل رسالة منشورا آخر جاء فيه: إن نجاح المشروع يقتضي معاونة مائة متطوع مغامر مزودين بجميع معدات السفر، و سنبدأ الرحلة من سيبريا في نهاية هذا الفصل حيث تغطي الثلوج الفتحة العليا للكرة الأرضية، و التي يمكن الوصول عن طريقها إلى الكرات الداخلية حيث الدفاء و الثروة الزراعية و الحيوانية، ثم نعود في الربيع المقبل.

و أرفق بهذين الخطابين شهادة تدل على سلامة عقل صاحبها. و كان هذا الضابط لا يفتأ يتكلم عن دنياه الجديدة في كل وقت، و لكنه لم يكن موفقا في تدعيم كلامه بحجج أو أدلة منطقية، و لم يؤلف كتابا في تأييد نظريته و إنما كانت حجته البالغة، أن سنة الطبيعة جرت بأن يكون كل شي‏ء مجوفا، فعظام الحيوانات و الطيور و شعر الرأس و سيقان القمح و غيرها من النبات كلها جوفاء، و إذن فلابد أن تكون الكواكب مجوفة كذلك، و أن الأرض خمس كرات الواحدة داخل الأخرى كما يبدو في الرسم.

421

«و عمل خمس دوائر داخلة في بعضها» و هي جميعا مأهولة بالكائنات الحية من الداخل و الخارج، و لكل منها فتحتان عند قطبيها، بحيث يستطيع سكان كل كرة أن يسافروا إلى أي مكان فيها في داخلها أو خارجها، مثلهم في ذلك مثل نملة تدب على جدار و عاء مفتوح من ظهره لبطنه و من بطنه لظهره، و كان صاحب هذه النظرية يقضي الساعات الطوال يصف لسامعيه الأجناس و المخلوقات العجيبة التي كان يقول: أنها تعيش داخل هذه الكرات و خارجها.

و كان «سيمز» يرى أن القشرة الخارجية للكرة التي نعيش عليها، يتراوح سمكها بين 1000 و 1500 ميل، و أن قطر فتحتها العليا التي تكسوها ثلوج القطب الشمالي يبلغ نحو ألفي ميل، و قطر الفتحة السفلى ثلاثة آلاف ميل، و أنهما منحرفتان عن الوسط قليلا، و كان الرجل متحمسا لنظريته حماسة دفعته إلى القيام بحملات للدعاية لها أشبه بالحملات السياسية، فكان يجوب البلدان المختلفة ليلقي المحاضرات و يعقد المؤتمرات الصحفية، كي يجيب عن الأسئلة التي توجه إليه، و الطريف أنه كلما طلب منه دليل على صحة ما يقول أجاب: بأنه كرجل من رجال الجيش المشهود لهم بالإخلاص و الصدق و لا يمكن أن يكذب و أنه يؤمن كل الإيمان برأيه.

و طبيعي أن رجال العلم في أمريكا و أوروبا سخروا منه، و لكن الروس، قد كانوا يتوقون لكشف أراضي سيبريا الشاسعة المجهولة، أظهروا اهتماما بالغا بالأمر، و عرضوا على «سيمز» معاونته في رحلته إلى سيبريا ليبدأ من هناك بحثه، و لكن الرجل ما لبث أن أصيب بمرض لم يمهله طويلا، و دفن باحتفال عسكري، و قد ترك عدة صناديق مليئة بقصاصات الصحف و المذكرات، و ربما كان من مخلفاته أيضا ذلك النموذج الخشبي للكرة الأرضية كما كان يتصورها، و المعروض الآن في أكاديمية العلوم الطبيعية بفيلادلفيا. و قد ورث ابنه إيمانه بنظريته، فحاول بعد وفاته عبثا أن يجمع مذكراته في كتاب، و قد أضاف على نظرية أبيه أنه يعتقد أن الشعوب و القبائل التي ورد ذكرها في بعض الكتب المقدسة، و التي يظن أنها بادت و اندثرت، لابد أنها دخلت إلى باطن الأرض من إحدى فتحتيها، و إننا لا بد سنلقاها هناك لو دخلنا إليها.

(النظرية الثانية) و بعد وفاة «سيمز» بسنوات أعلن طبيب يدعى «سيروس ريد» عن نظرية جديدة، زعم أن الوحي الإلهي هبط عليه في عام 1869 و هو ما

422

يزال شابا، و كان هذا الطبيب يكتب عن نظريته في الصحف و غيرها من المطبوعات بالاسم المستعار «كورش» و تتلخص النظرية في أن طبقات الجو المحيطة بنا تشبه مجموعة من العدسات تعكس الإشعاعات الصادرة من النجم الكائن في جوف الأرض، فيتراءى لنا ما نتوهمه قمرا و كواكب، و يرجع تعاقب الليل و النهار و اختلاف الفصول إلى حركات هذا النجم، و كان «ريد» يقدر سمك القشرة الأرضية بنحو مائة ميل، و أنها تتألف من سبع طبقات من المعادن، و خمس طبقات صخرية، و خمس أخرى «جولوجية».

(النظرية الثالثة) و ظهرت نظرية ثالثة في أواخر عام 1920 في ألمانيا، تزعمها رجل يدعى «كارل نيوبرت» و تتلخص في أن الأرض فقاعة كروية، و أن الجغرافيين قاسوا أطوالها قياسا دقيقا و رسموا لها خرائط صحيحة، و لكنهم أخطأوا في قولهم، بأننا نعيش على سطحها الخارجي في حين أننا في الواقع نعيش في باطنها. و فوق رؤوسنا ثلاثة أجرام تتحرك بالقرب من مركز هذه الفقاعة هي الشمس و القمر و السماء، و هي كرة ذات لون أزرق داكن تلمع فوقها أضواء يحسبها بجوها، و الليل ينشأ من اعتراض هذه الكرة لأشعة الشمس و هي في طريقها إلى الأرض، و كان «نيوبرت» يقول: أن الجغرافيين يخطئون، إذ يقولون أن الأشعة الضوئية تسير في خط مستقيم، و الواقع أنها مقوسة، و أن الأشعة البنفسجية أكثر تقوسا و انحناء من الأشعة الحمراء، و الطريف أن كثيرين كانوا يؤمنون بصحة هذه النظريات حتى وقت قريب. انتهى من مجلة الهلال.

نقول: إن كاتب هذه المقالة يعتقد أن طبقات الأرض خمس كما صرح بذلك في مقالته، و اعتقاده هذا بناه على ما ظهر له من النظريات. و أما نحن المسلمين، فإننا نعتقد سبع أرضين كالسموات السبع، بدليل صريح القرآن الكريم و الحديث الشريف، و نحن مأمورون بالإيمان بذلك، و لسنا مأمورين بالبحث عن كيفية الأرضين السبع، و لا بمعرفة أنواع سكان كل طبقة من الأرض، إذ أن الوصول إلى نتيجة البحث مستحيل تقريبا، فنكل علم كل ذلك إلى اللّه تعالى الذي يعلم ما في السموات و ما في الأرض، لا إله إلا هو العزيز الغفار.

و لئن قام الأفرنج الآن ببعض الاستكشاف عن الأرض، فإن الإسلام قد أوضح كل ذلك من قديم.

423

خلق موضع الكعبة

قال الإمام الأزرقي أبو الوليد محمد بن عبد اللّه بن أحمد في أول كتابه «أخبار مكة و ما جاء فيها من الآثار» ما ملخصه:

قال كعب الأحبار: كانت الكعبة غثاء على الماء قبل أن يخلق اللّه عز و جل السموات و الأرض بأربعين سنة و منها دحيت الأرض، و الغثاء بالضم و المد ما يحمله السيل من القماش كما في مختار الصحاح.

و قال مجاهد: لقد خلق اللّه عز و جل موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي سنة، و إن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى.

و قال ابن عباس رضي اللّه عنه: لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق اللّه السموات و الأرض بعث اللّه تعالى ريحا هفافة فصفقت الماء فأبرزت عن خشفة في موضع هذا البيت كأنها قبة فدحا اللّه الأرضين من تحتها فمادت ثم مادت، فأوتدها اللّه تعالى بالجبال فكان أول جبل وضع فيها أبو قبيس، فلذلك سميت مكة أم القرى. انتهى باختصار من تاريخ الأزرقي.

روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: «أول بقعة وضعت من الأرض موضع البيت، ثم مدت منها الأرض، و إن أول جبل وضعه اللّه تعالى على وجه الأرض أبو قبيس، ثم مدت منه الجبال».

قال العزيزي في شرحه على الجامع الصغير: قال الشيخ: حديث صحيح لغيره. ا ه.

نقول: و مما تقدم أخذ بعضهم أن مكة المكرمة قلب الدنيا و وسطها و موضع الكعبة هو نقطة مركز دائرتها.

قال البتنوني في كتابه: «الرحلة الحجازية»: و اليهود يقولون إن قلب العالم في المكان الذي به تابوت العهد بالقدس، و النصارى يقولون: إنما هو في كنيسة القيامة ببيت المقدس، و فيها كرة من الرخام يبلغ قطرها نحو ثلاثين أو أربعين سنتيمترا، مرفوعة على قاعدة من الرخام أيضا، و يزعمون أن هذه الكرة موضوعة في المركز الحقيقي للكرة الأرضية. انتهى كلامه.

424

و رأينا في مسألة موضع وسط الدنيا أننا لا نميل إلى أحد الأقوال المتقدمة، حيث إنه لم يرد نص صريح على ذلك في ديننا الحنيف و الدنيا واسعة عظيمة لم يحط أحد بعلم جزء صغير منها تمام الإحاطة فضلا عن جميعها، فالأحسن و الأولى تفويض ذلك إلى اللّه عز شأنه علام الغيوب و الخلاق العظيم لا إله إلا هو الكبير المتعال.

بنايات الكعبة المعظمة

بنيت الكعبة المعظمة إحدى عشرة مرة بنتها: (1) الملائكة (2) ثم آدم (3) ثم شيث (4) ثم إبراهيم (5) ثم العمالقة (6) ثم جرهم (7) ثم قصي (8) ثم قريش (9) ثم عبد اللّه بن الزبير (10) ثم الحجاج (11) ثم السلطان مراد ابن السلطان أحمد من سلاطين آل عثمان، و ذلك سنة أربعين و ألف ه، و قد نظم بعضهم أسماء هؤلاء فقال:

بنى الكعبة الغراء عشر ذكرتهم‏* * * و رتبتهم حسب الذي أخبر الثقة

ملائكة الرحمن، آدم، ابنه‏* * * كذاك خليل اللّه، ثم العمالقة

و جرهم يتلوهم قصي، قريشهم‏* * * كذا ابن الزبير، ثم الحجاج لا حقة

و من بعدهم آل عثمان قد بنى‏* * * «مراد» حماه اللّه من كل طارقة

و قال بعضهم أيضا:

بنى البيت خلق و بيت الإله‏* * * مدى الدهر من سابق يكرم‏

ملائكة آدم، ولده‏* * * خليل، عمالقة، جرهم‏

قصي، قريش، نجل الزبير* * * و حجاج، بعدهم نعلم‏

و سلطاننا الملك المرتضى‏* * * «مراد» هو الماجد المكرم‏

و ها نحن نذكر جميع ذلك بالتفصيل التام و بالترتيب المذكور. فتأمل كل بناية في عهدها مزيد التأمل، ليظهر لك الأمر جليا واضحا فإليك ذكر ذلك.

الدليل على بناء الكعبة قبل إبراهيم عليه الصلاة و السلام‏

اختلف المؤرخون في أول من بنى الكعبة المعظمة، فقيل أول من بناها خليل اللّه إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و قيل أول من بناها الملائكة (عليهم السلام)، و لم‏

425

يأت نص صريح في ذلك من كتاب أو سنة، و القرآن الكريم ذكر فقط إبراهيم الخليل، عليه الصلاة و السلام، رفع قواعد البيت مع ابنه إسماعيل، عليهما الصلاة و السلام، و قد أجمع المؤرخون قديما و حديثا أن الكعبة بنيت قبل إبراهيم عليه الصلاة و السلام بنتها أولا الملائكة، ثم آدم، ثم ابنه شيث، ثم إبراهيم على جميعهم الصلاة و السلام ... الخ. هذا الذي أتى لنا التاريخ و نحن نروي ما روى التاريخ.

هذا: و نحن نوافق على ما ذكره المؤرخون حيث يطمئن إليه قلبنا و نستدل على ذلك بما ذكره الإمام الأزرقي و هو إمام في العلم و الحديث و التاريخ و هو من علماء مكة و من أهل القرن الثاني للهجرة، و تاريخه هو أول تاريخ لمكة المشرفة وصل إلينا و يعتمد عليه و كفى به حجة. فقد قال عند بناء إبراهيم، عليه الصلاة و السلام، الكعبة ما نصه:

يقول ابن عباس: فقاما- أي إبراهيم و إسماعيل عليهما الصلاة و السلام- يحضران عن القواعد و يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، و يحمل له إسماعيل الحجارة على رقبته و يبني الشيخ إبراهيم عليه الصلاة و السلام ... الخ.

و روى أيضا في موضع آخر عن عثمان بن ساج عن وهب بن منبه أنه أخبره قال: لما ابتعث اللّه تعالى إبراهيم خليله ليبني له البيت طلب الأساس الأول الذي وضع بنو آدم في موضع الخيمة التي عزى اللّه بها آدم (عليه السلام) من خيام الجنة حيث وضعت له بمكة في موضع البيت الحرام، فلم يزل إبراهيم يحفر حتى وصل إلى القواعد التي أسس بنو آدم في زمانهم في موضع الخيمة، فلما وصل إليها أظل اللّه له مكان البيت بغمامة ... الخ، و يقصد الإمام (رحمه اللّه تعالى) بقوله: «التي أسس بنو آدم في زمانهم» آدم و ابنه شيث عليهما الصلاة و السلام. و لقد ذكر الإمام (رحمه اللّه)، تعالى في أول تاريخه أيضا عن بناء الملائكة و آدم عليهما الصلاة و السلام: أن جبريل (عليه السلام) ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أس ثابت على الأرض السفلى فقذفت فيه الملائكة من الصخر ما لا يطيق حمل الصخرة منها ثلاثون رجلا ... الخ.

و ذكر الإمام الأزرقي أيضا عند الكلام على بناء عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه تعالى عنهما الكعبة فقال ما نصه: فلما هدم ابن الزبير الكعبة و سوّاها بالأرض، كشف عن أساس إبراهيم فوجدوه داخلا في الحجر نحوا من ستة أذرع و شبر،

426

كأنها أعناق الإبل أخذ بعضها بعضا كتشبيك الأصابع بعضها ببعض، يحرك الحجر من القواعد فتحرك الأركان كلها. فدعا ابن الزبير خمسين رجلا من وجوه الناس و أشرافهم و أشهدهم على ذلك الأساس، قال: فأدخل رجل من القوم كان أيدا يقال له: عبد اللّه بن مطيع العدوي، عتلة كانت في يده في ركن من أركان البيت فتزعزعت الأركان جميعا، و يقال إن مكة كلها رجفت رجفة شديدة حين زعزع الأساس و خاف الناس خوفا شديدا حتى ندم كل من كان أشار على ابن الزبير بهدمها و أعظموا ذلك إعظاما شديدا و أسقط في أيديهم فقال لهم ابن الزبير:

اشهدوا ثم وضع البناء على ذلك الأساس. انتهى منه.

فمثل هذه الحجارات الضخمة و إلقائها في أساس الكعبة و تشابكها مع بعضها كتشابك الأصابع أي كقطع العجين إذا رميت بعضها فوق بعض و اشتبكت و تداخلت في بعضها، لا يكون من فعل بني آدم قط. و سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام بنى الكعبة على الأساس السابق الذي كان قبله، و ردم بفعل الأمطار و السيول أو بفعل طوفان نوح، عليه الصلاة و السلام، و لا شك أن الملائكة لم تساعده في رفع قواعده أو رفع أساسه- اللّه تعالى أعلم بالغيب- فعلم من كل ذلك أنه لا مانع بالقول أن الكعبة المشرفة بنيت قبل خليل اللّه إبراهيم عليه الصلاة و السلام، مع العلم بأن هذه المسألة لها تعلق بالدين، نعم من أنكر بناء إبراهيم الكعبة يعد كافرا، إن تعمد ذلك، لأنه ثابت بنص القرآن الكريم. و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

البناية الأولى: بناء الملائكة (عليهم السلام) الكعبة

أول من بنى البيت الحرام هم الملائكة و ذلك قبل خلق آدم (عليه السلام)، و تفصيل ذلك ننقله من أقدم كتب التاريخ الذي وصل إلينا و هو كتاب «أخبار مكة و ما جاء فيها من الآثار» للإمام الجليل أبي الوليد محمد بن عبد اللّه بن أحمد الأزرقي، المولود في القرن الثاني للهجرة.

قال (رحمه اللّه تعالى) في كتابه المذكور عن بناء الملائكة ما نصه: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني علي بن هارون بن مسلم العجلي عن أبيه قال: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن الأنصاري قال: حدثني محمد بن علي بن الحسين قال: كنت مع‏

427

أبي علي بن الحسين بمكة فبينما هو يطوف بالبيت و أنا وراءه إذ جاءه رجل شرجع من الرجال يقول طويل، فوضع يده على ظهر أبي. فالتفت أبي إليه فقال الرجل:

السلام عليك يا ابن بنت رسول اللّه. إني أريد أن أسألك، فسكت أبي و أنا و الرجل خلفه حتى فرغ من أسبوعه، فدخل الحجر. فقام تحت الميزاب، فقمت أنا و الرجل خلفه فصلى ركعتي أسبوعه ثم استوى قاعدا فالتفت إلي فقمت فجلست إلى جنبه فقال: يا محمد فأين هذا السائل؟ فأومأت إلى الرجل فجاء فجلس بين يدي أبي. فقال له أبي: عم تسأل؟ قال: أسألك عن بدء هذا الطواف بهذا البيت لم كان و أنى كان و حيث كان و كيف كان؟ فقال له أبي: نعم من أين أنت؟ قال: من أهل الشام. قال: أين مسكنك؟ قال: في بيت المقدس. قال فهل قرأت الكتابين؟ (يعني التوراة و الإنجيل) قال الرجل: نعم. قال أبي: يا أخا أهل الشام احفظ و لا تروين عني إلا حقا أما بدء هذا الطواف بهذا البيت فإن اللّه تبارك سبحانه و تعالى قال للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة فقالت الملائكة:

أي رب أخليفة من غيرنا ممن يفسد فيها و يسفك الدماء و يتحاسدون و يتباغون؟

أي رب اجعل ذلك الخليفة منا فنحن لا نفسد فيها، و لا نسفك الدماء، و لا نتباغض، و لا نتحاسد، و لا نتباغى، و نحن نسبح بحمدك، و نقدس لك، و نطيعك، و لا نعصيك. فقال اللّه تعالى: إني أعلم ما لا تعلمون قال: فظنت الملائكة أن ما قالوا ردا على ربهم، عز و جل، و أنه قد غضب من قولهم، فلاذوا بالعرش و رفعوا رؤوسهم و أشاروا بالأصابع يتضرعون و يبكون إشفاقا لغضبه و طافوا بالعرش ثلاث ساعات فنظر اللّه إليهم فنزلت الرحمة عليهم فوضع اللّه تعالى تحت العرش بيتا على أربع أساطين من زبرجد و غشاهن بياقوتة حمراء و سمي ذلك البيت الضراع ثم قال اللّه تعالى للملائكة: طوفوا بهذا البيت و دعوا العرش قال: فطافت الملائكة بالبيت و تركوا العرش و صار أهون عليهم من العرش و هو البيت المعمور الذي ذكره اللّه، عز و جل، يدخله في كل يوم و ليلة سبعون ألف ملك لا يعودون فيه أبدا، ثم إن اللّه سبحانه و تعالى بعث ملائكة فقال لهم: ابنوا لي بيتا في الأرض بمثاله و قدره، فأمر اللّه سبحانه من في الأرض من خلقه أن يطوفوا بهذا البيت كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. فقال الرجل: صدقت يا ابن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) هكذا كان. انتهى من تاريخ الأزرقي.

428

و روى في موضع آخر منه أيضا عن محمد بن المنكدر أنه قال: كان أول شي‏ء عمله آدم (عليه السلام)، حين أهبط من السماء، طاف بالبيت فلقيته الملائكة فقالوا: برّ نسكك يا آدم، طفنا بهذا البيت قبلك بألفي عام.

و روى أيضا عن ابن عباس، رضي اللّه عنهما، قال: حج آدم، (عليه السلام)، و طاف بالبيت سبعا فلقيته الملائكة في الطواف. فقالوا: برّ حجك يا آدم، أما إنا قد حججنا قبلك هذا البيت بألفي عام، قال: فما كنتم تقولون في الطواف؟ قالوا: كنا نقول سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر، قال آدم: فزيدوا فيها «و لا حول و لا قوة إلا باللّه» قال: فزادت الملائكة فيها ذلك.

قال: ثم حج إبراهيم (عليه السلام)، بعد بنيانه البيت، فلقيته الملائكة في الطواف فسلموا عليه. فقال لهم إبراهيم: ما ذا كنتم تقولون في طوافكم؟ قالوا: كنا نقول قبل أبيك آدم، سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر. فأعلمناه ذلك. فقال آدم (عليه السلام): زيدوا فيها و لا حول و لا قوة إلا باللّه، فقال إبراهيم: زيدوا فيها «العلي العظيم» قال: ففعلت الملائكة ذلك. انتهى من الأزرقي.

و يقال إن الملائكة هم الذين أسسوا المسجد الأقصى لأول مرة، و قيل آدم، (عليه السلام)، و قيل سام بن نوح (عليه السلام)، و قيل يعقوب (عليه السلام)، و قيل داود (عليه السلام)، و قيل سليمان (عليه السلام)، و قيل إبراهيم (عليه السلام)، و قيل إن الأخيرين جددا ما خرب منه فقط و أما وضع أساسه فقد كان قبلهما و اللّه تعالى أعلم.

البناية الثانية: بناء آدم (عليه السلام) الكعبة

(الثاني) ممن بنى البيت الحرام، أبونا آدم عليه الصلاة و السلام، قال الإمام الأزرقي في تاريخه ما نصه:

حدثنا أبو الوليد حدثنا جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم عن طلحة بن عمرو الحضرمي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: لما أهبط اللّه آدم إلى الأرض من الجنة كان رأسه في السماء و رجلاه في الأرض و هو مثل الفلك من رعدته قال: فطأطأ اللّه عز و جل منه إلى ستين ذراعا، فقال: يا رب ما لي لا أسمع أصوات الملائكة و لا أحسهم؟ قال: خطيئتك يا آدم. و لكن اذهب فابن لي بيتا

429

فطف به و اذكرني حوله كنحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي قال: فأقبل آدم (عليه السلام) يتخطا فطويت له الأرض و قبضت له المفاوز فصارت كل مفازة يمر بها خطوة و قبض له ما كان من مخاض ماء أو بحر فجعله له خطوة و لم تقع قدمه في شي‏ء من الأرض إلا صار عمرانا و بركة حتى انتهى إلى مكة فبنى البيت الحرام و إن جبريل (عليه السلام) ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أس ثابت على الأرض السفلى فقذفت فيه الملائكة من الصخر ما لا يطيق حمل الصخرة منها ثلاثون رجلا و أنه بناه من خمسة أجبل من لبنان، و طور زيتا، و طور سينا و الجودي، و حراء حتى استوت على وجه الأرض. قال ابن عباس: فكان أول من أسس البيت و صلى فيه و طاف به آدم (عليه السلام) حتى بعث اللّه الطوفان قال:

و كان غضبا و رجسا قال: فحيث ما انتهى الطوفان ذهب ريح آدم (عليه السلام) قال: و لم يقرب الطوفان أرض السند و الهند قال: فدرس موضع البيت في الطوفان حتى بعث اللّه تعالى إبراهيم و إسماعيل فرفعا قواعده و أعلامه و بنته قريش بعد ذلك و هو بحذاء البيت المعمور لو سقط، ما سقط إلا عليه.

حدثنا أبو الوليد حدثنا مهدي بن أبي المهدي قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني عن عبد الصمدي ابن معقل عن وهب بن منبه أن اللّه تعالى لما تاب على آدم (عليه السلام) أمره أن يسير إلى مكة فطوى له الأرض و قبض له المفاوز فصار كل مفازة يمر بها خطوة و قبض له ما كان فيها من مخاض ماء أبو بحر فجعله له خطوة فلم يضع قدمه في شي‏ء من الأرض إلا صار عمرانا و بركة حتى انتهى إلى مكة.

و كان قبل ذلك قد اشتد بكاؤه و حزنه لما كان فيه من عظم المصيبة حتى إن كانت الملائكة لتحزن لحزنه و لتبكي لبكائه فعزاه اللّه تعالى بخيمة من خيام الجنة و وضعها له بمكة في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة و تلك الخمية ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة فيها ثلاثة قناديل من ذهب من تبر الجنة، فيها نور يلتهب من نور الجنة، و نزل معها الركن و هو يومئذ ياقوتة بيضاء من ربض الجنة و كان كرسيا لآدم (عليه السلام) يجلس عليه، فلما صار آدم (عليه السلام) بمكة و حرس له تلك الخيمة بالملائكة كانوا يحرسونها و يذودون عنها ساكن الأرض، و ساكنها يومئذ الجن و الشياطين فلا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شي‏ء من الجنة لأنه من نظر إلى شي‏ء من الجنة و جبت له، و الأرض يومئذ طاهرة نقية لم تنجس، و لم تسفك فيها

430

الدماء، و لم يعمل فيها بالخطايا، فلذلك جعلها اللّه مسكن الملائكة و جعلهم فيها كما كانوا في السماء يسبحون اللّه الليل و النهار لا يفترون، و كان وقوفهم على أعلام الحرم صفا واحدا مستديرين بالحرم الشريف كله، الحل من خلفهم و الحرم كله من أمامهم فلا يجوزهم جن و لا شيطان و من أجل مقام الملائكة حرم الحرم حتى اليوم، و وضعت أعلامه حيث كان مقام الملائكة و حرم اللّه عز و جل على حواء دخول الحرم و النظر إلى خيمة آدم (عليه السلام) من أجل خطيئتها التي أخطأت في الجنة فلم تنظر إلى شي‏ء من ذلك حتى قبضت، و أن آدم (عليه السلام) كان إذا أراد لقاءها ليلم بها للولد خرج من الحرم كله حتى يلقاها فلم تزل خيمة آدم (عليه السلام) مكانها حتى قبض اللّه آدم و رفعها اللّه تعالى و بنى بنو آدم بها من بعده مكانها بيتا بالطين و الحجارة فلم يزل معمورا يعمرونه هم و من بعدهم حتى كان زمن نوح (عليه السلام) فنسفه الغرق و خفي مكانه. فلما بعث اللّه تعالى إبراهيم خليله (عليه السلام) طلب الأساس فلما وصل إليه ظلل اللّه تعالى له مكان البيت بغمامة فكانت حفاف البيت الأول ثم لم تزل راكدة على حفافه تظل إبراهيم و تهديه مكان القواعد حتى رفع اللّه القواعد قامة ثم انكشفت الغمامة فذلك قول اللّه عز و جل: وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ‏ أي: الغمامة التي ركدت على الحفاف لتهديه مكان القواعد فلم يزل يحمد اللّه منذ رفعه اللّه معمورا. قال وهب بن منبه: و قرأت في كتاب من الكتب الأولى ذكر فيه أمر الكعبة فوجد فيه أن ليس من ملك من الملائكة بعثه تعالى إلى الأرض إلا أمره بزيارة البيت فينقض من عند العرش محرما ملبيا حتى يستلم الحجر ثم يطوف سبعا بالبيت و يركع في جوفه ركعتين ثم يصعد.

و حدثني محمد بن يحيى عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن عبد اللّه بن لبيد قال: بلغني أن ابن عباس قال: لما أهبط اللّه سبحانه آدم (عليه السلام) إلى الأرض أهبطه إلى موضع البيت الحرام و هو مثل الفلك من رعدته ثم أنزل عليه الحجر الأسود- يعني الركن- و هو يتلألأ من شدة بياضه فأخذه آدم (عليه السلام) فضمه إليه أنسا به ثم نزلت عليه العصا فقيل له: تخط يا آدم فتخطا فإذا هو بأرض الهند و السند فمكث بذلك ما شاء اللّه ثم استوحش إلى الركن فقيل له: احجج قال:

فحج فلقيته الملائكة فقالوا: برّ حجك يا أدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام.

431

و حدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال: أخبرني محمد بن إسحاق قال: بلغني أن آدم (عليه السلام) لما أهبط إلى الأرض حزن على ما فاته مما كان يرى و يسمع من الجنة من عبادة اللّه فبوأ اللّه له البيت الحرام و أمره بالسير إليه فسار إليه لا ينزل منزلا إلا فجر اللّه له ماء معينا حتى انتهى إلى مكة فأقام بها يعبد اللّه عند ذلك البيت و يطوف به فلم تزل داره حتى قبضه اللّه بها.

و حدثني جدي قال: حدثني سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال: بلغني أن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه قال لكعب: يا كعب أخبرني عن البيت الحرام قال كعب: أنزله اللّه تعالى من السماء ياقوته مجوفة مع آدم (عليه السلام) فقال له: يا آدم إن هذا بيتى أنزلته معك يطاف حوله كما يطاف حول عرشي و يصلى حوله كما يصلى حول عرشي. و نزلت معه الملائكة فرفعوا قواعدة من الحجارة ثم وضع البيت عليه فكان آدم (عليه السلام) يطوف حوله كما يطاف حول العرش و يصلي عنده كما يصلى عند العرش فلما أغرق اللّه قوم نوح رفعه اللّه إلى السماء و بقيت قواعده.

حدثني جدي قال: و حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن أبان بن أبي عياش قال: بلغنا عن أصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم) أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سأل كعبا ثم نسق مثل الحديث الأول. و حدثني جدي قال: و حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن الزهري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس (رضوان اللّه عليه) قال: كان آدم (عليه السلام) أول من أسس البيت و صلى فيه حتى بعث اللّه الطوفان. حدثنا مهدي بن أبي المهدي قال: حدثنا عبد اللّه بن معاذ الصنعاني عن معمر عن أبان: أن البيت أهبط ياقوتة لآدم (عليه السلام) أو درة واحدة. و حدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم القداح عن عثمان بن ساج عن وهب بن منبه قال: كان البيت الذي بوأه اللّه تعالى لآدم (عليه السلام) يومئذ ياقوتة من يواقيت الجنة حمراء تلتهب، لها بابان أحد هما شرقي و الآخر غربي و كان فيه قناديل من نور آنيتها ذهب من تبر الجنة و هو منظوم بنجوم من ياقوت أبيض، و الركن يومئذ نجم من نجومه و هو يومئذ ياقوتة بيضاء.

حدثنا جدي قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قال: حدثنا المغيرة بن زياد عن عطاء بن أبي رباح قال: لما بنى ابن الزبير الكعبة أمر العمال أن يبلغوا في الأرض فبلغوا صخرا أمثال الإبل الخلف قال فقالوا: إنا قد بلغنا صخرا معمولا

432

أمثال الإبل الخلف قال: قال: زيدوا فاحفروا، فلما زادوا بلغوا هواء من نار يلقاهم فقال: ما لكم؟ قالوا: لسنا نستطيع أن نزيد، رأينا أمرا عظيما فلا نستطيع، فقال لهم: ابنوا عليه، قال: فسمعت عطاء يقول: يرون أن ذلك الصخر مما بنى آدم (عليه السلام).

و حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج عن الزهري عن عبيد اللّه بن عتبة عن ابن عباس، (عليه السلام)، خر آدم ساجدا يبكي فهتف به هاتف فقال: ما يبكيك يا آدم؟ قال: أبكاني أنه حيل بيني و بين تسبيح ملائكتك و تقديس قدسك قيل له: يا آدم قم إلى البيت الحرام، فخرج إلى مكة فكان حيث يضع قدميه يفجر عيونا، و عمرانا، و مداين، و ما بين قدميه الخراب و المعاطش.

فبلغني أن آدم (عليه السلام) تذكر الجنة فبكا فلو عدل بكاء الخلق ببكاء آدم حين أخرج من الجنة ما عدله و لو عدل بكاء الخلق و بكاء آدم (عليه السلام) ببكاء داود حين أصاب الخطيئة ما عدله. انتهى كل ذلك من تاريخ الأزرقي.

جاء في تاريخ الخميس ما نصه:

و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، أن اللّه تعالى أوحى إلى آدم أن لي حرما بحيال عرشي فانطلق فابن لي بيتا فيه ثم حف به كما رأيت الملائكة يحفون بعرشي فهنالك أستجيب لك و لولدك من كان منهم على طاعتي. فقال آدم: أي رب و كيف لي بذلك لست أقوى عليه و لا أهتدي لمكانه، فقيض اللّه له ملكا فانطلق به نحو مكة فكان آدم (عليه السلام) إذا مرّ بروضة أو مكان يعجبه قال للملك: انزل بنا هاهنا فيقول له الملك: أمامك حتى قدم مكة فبنى البيت من خمسة أجبل من طور سيناء و حراء و طور زيتا و من لبنان و الجودي.

و في رواية وهب بن منبه: و ثبير واحد بدل لبنان و الجودي. انتهى.

و بنى قواعده من حراء فلما فرغ من بنائه خرج به الملك إلى عرفات فأراه المناسك كلها التي يفعلها الناس اليوم.

و في رواية قال ابن عباس: إنما سمي عرفات جمعا؛ لأنه اجتمع بها آدم و حواء.

433

و في أنوار التنزيل: إنما سمي الموقف عرفة لأن آدم و حواء التقيا فيه فتعارفا، أو لأنه نعت لإبراهيم (عليه السلام)، فلما أبصره عرفه أو لأن جبريل كان يدور به من المشاعر فلما رآه قال: عرفت أو لأن الناس يتعارفون فيه.

و عرفات للمبالغة في ذلك و هي من الأسماء المرتجلة إلا أن يجعل جمع عرفة.

فحج آدم و أقام المناسك.

قال وهب بن منبه: تلقته الملائكة بالأبطم فرحبت به و قالت: يا آدم إنا لننتظرك و لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام ثم قدم به الملك مكة فطاف بالبيت أسبوعا ثم رجع إلى أرض الهند فمات بها. انتهى من تاريخ الخميس.

و جاء في تاريخ الخميس ما نصه:

قال أبو جهم: و إن آدم (عليه السلام) أمر بأساسه فبناه هو و حواء و أسساه بصخر أمثال الخلفات يعني النوق التي في بطونها أجنة واحدتها خلفة أذن اللّه للصخر أن يطيعهما ثم نزل البيت من السماء من ذهب أحمر و وكل به من الملائكة سبعون ألف ملك فوضعوه على أسس آدم (عليه السلام) و نزل الركن و هو يومئذ درة بيضاء فوضع موضعه اليوم من البيت و طاف به آدم و صلى فيه فلما مات آدم (عليه السلام) وليه بعده ابنه شيث فكان كذلك حتى حجه نوح (عليه السلام) فلما كان الغرق يعني الطوفان بعث اللّه تعالى سبعين ألف ملك فرفعوه إلى السماء كي لا يصيبه الماء النجس و بقيت قواعده و جاءت السفينة فدارت به سبعا ثم دثر البيت فلم يحجه من بين نوح و بين إبراهيم أحد من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام.

و في شفاء الغرام عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

«بعث اللّه عز و جل جبريل إلى آدم و حواء فقال لهما: ابنيا لي بيتا فخط لهما جبريل فجعل آدم يحفر و حواء تنقل التراب حتى أصابه الماء نودي من تحته حسبك يا آدم فلما بناه أوحى اللّه تعالى إليه أن يطوف به و قيل له: أنت أول الناس و هذا أول بيت تناسخته القرون. انتهى من تاريخ الخميس.

جاء في تاريخ الخميس ما نصه: قال وهب: إن آدم لما صار بمكة حرسه اللّه و حرس تلك الخيمة بالملائكة يحرسونه و يذودون عنه سكان الأرض، و سكانها يومئذ الجن و الشياطين فلا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شي‏ء من الجنة لأن من ينظر إلى شي‏ء من الجنة و جبت له الجنة، و الأرض يومئذ طاهرة نقية طيبة لم تنجس و لم يسفك فيها الدماء و لم تعمل فيها الخطايا فمن أجل ذلك جعلها اللّه مستقرا

434

للملائكة، و جعلهم فيها كما كانوا في السماء يسبحون الليل و النهار لا يفترون، و كان موقفهم على أعلام الحرم صفا واحدا مستديرا محيطا بالحرم، و الحل كله من خلفهم، و الحرم كله دونهم، و قال ابن عباس: إن للحرم حرمة البيت إلى السموات ثم إلى العرش و إلى الأرض السفلى، فلا يجوزها جن و لا شيطان، من أجل مقام الملائكة حرم اللّه الحرم حتى اليوم و وضعت أعلامه حيث كان مقام الملائكة. انتهى من تاريخ الخميس.

نقول: ما ذكر فيما تقدم من أن البيت الحرام رفع زمان الطوفان إلى السماء يفسر بالرواية التي تقول: إن البيت أنزل على آدم (عليه السلام) من الجنة و هو خيمة من خيامها ياقوتة حمراء من يواقيتها فيها ثلاثة قناديل من ذهب الجنة فيها نور يلتهب من نور الجنة.

فعلى هذه الرواية لا يبعد أن يرفع البيت زمن الطوفان إلى السماء لترجع هذه الخيمة التي نزلت من الجنة إلى مكانها الأول في الجنة، فما كان أصله من الجنة يكون مآله إلى الجنة و لو بعد حين كالحجر الأسود فإنه يرفع أيضا في آخر الزمان.

أما لو فسرنا رفع البيت إلى السماء زمن الطوفان بالرواية التي تقول إن آدم (عليه السلام) بنى البيت بالطين و الحجارة، فهذا بعيد غير معقول، لأن ما كان من الأرض ليس من الشرافة و القداسة حتى يرفع إلى السماء، و البيت الحرام هدم و بني مرارا و استبدلت حجاراته المهدومة بحجارات جديدة منحوتة من الجبال، فليس في البيت الحرام اليوم حجر مقدس لذاته غير الحجر الأسود فهو الذي من الجنة و مآله إلى الجنة بدون شك.

فتأمل في هذا المبحث النفيس فالحمد للّه على التوفيق.

ما جاء في حج آدم عليه الصلاة و السلام‏

قال الإمام الأزرقي (رحمه اللّه) في تاريخه ما نصه:

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال: حدثت أن آدم (عليه السلام) خرج حتى قدم مكة فبنى البيت فلما فرغ من بنائه قال: أي رب إن لكل أجير أجرا و إن لي أجرا قال: نعم فاسألني قال: أي رب تردني من حيث أخرجتني، قال: نعم! ذلك لك قال: أي رب و من خرج‏

435

إلى هذا البيت من ذريتي يقر على نفسه بمثل الذي قررت به من ذنوبي أن تغفر له قال: نعم! ذلك لك. حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا محمد بن يحيى عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن أبي المليح أنه قال: كان أبو هريرة يقول: حج آدم (عليه السلام) فقضى المناسك فلما حج قال: يا رب إن لكل عامل أجرا قال اللّه تعالى:

أما أنت يا آدم فقد غفرت لك و أما ذريتك فمن جاء منهم هذا البيت فباء بذنبه غفرت له، فحج آدم (عليه السلام) فاستقبلته الملائكة بالروم فقالت: بر حجك يا آدم قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام، قال: فما كنتم تقولون حوله؟ قالوا:

كنا نقول سبحان اللّه، و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر. قال: فكان آدم (عليه السلام) إذا طاف بالبيت يقول هؤلاء الكلمات و كان طواف آدم (عليه السلام) سبعة أسابيع بالليل و خمسة أسابيع بالنهار، قال نافع: كان ابن عمر (رحمه اللّه) يفعل ذلك.

حدثني محمد بن يحيى قال: حدثني هشام بن سليمان المخزومي عن عبد اللّه بن أبي سليمان مولى بني مخزوم أنه قال: طاف آدم (عليه السلام) سبعا بالبيت حين نزل، ثم صلى تجاه باب الكعبة ركعتين، ثم أتى الملتزم فقال: اللهم إنك تعلم سريرتي و علانيتي فاقبل معذرتي و تعلم ما في نفسي و ما عندي فاغفر لي ذنوبي و تعلم حاجتي فأعطني سؤلي، اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي و يقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي و الرضا بما قضيت علي، قال: فأوحى اللّه تعالى إليه يا آدم قد دعوتني بدعوات فاستجبت لك، و لن يدعوني بها أحد من ولدك إلا كشفت غمومه و همومه و كففت عليه ضيقته، و نزعت الفقر من قلبه، و جعلت الغناء بين عينيه، و تجرت له من وراء تجارة كل تاجر، و أتته الدنيا و هي راغمة و إن كان لا يريدها. قال: فمذ طاف آدم (عليه السلام) كانت سنة الطواف. انتهى من تاريخ الأزرقي.

و يقال أن آدم عليه الصلاة و السلام هو أول من أسس المسجد الأقصى، و قيل غيره. و اللّه تعالى أعلم.

مقدار طول آدم (عليه السلام)

لقد اختلف الناس في طول آدم و حواء من الإفرنج فذهبوا مذاهب شتى، فقال المستشرق المسيو «هانريون» العضو في المجمع العلمي الفرنساوي، أن طول آدم‏

436

كان (123) قدما و تسع بوصات أي (37 مترا تقريبا)، و أن طول حواء كان (118) قدما و ثلاثة أرباع البوصة (انظر مادة آدم في معجم لاروس الكبير) هذا ما هو مذكور في كتاب (الرحلة الحجازية) فهؤلاء المستشرقون أخذوا استنتاجهم من الموميات و الهياكل التي يعثرون عليها في بطون الأرض.

و نحن المسلمون يجب علينا ألا نتبع آراءهم و أقوالهم فيما يمس بالدين، و لقد ورد عندنا الأثر الصحيح عن طول أبينا آدم (عليه السلام) و لم يرد عن طول حواء شي‏ء، و لابد أن طولها و خلقتها متناسبان مع شكل آدم عليه الصلاة و السلام.

و لنذكر فيما ورد في طول آدم، فقد جاء في الصحيحين و في مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: «خلق اللّه آدم على صورته ستون ذراعا ثم قال اذهب فسلم على أولئك النفر و هم من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك و تحية ذريتك، فذهب فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك و رحمة اللّه فزادوه و رحمة اللّه، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم في طول ستين ذراعا، فلم تزل الخلق تنقص بعده حتى الآن».

قال العزيزي على الجامع الصغير عند هذا الحديث: و عند أحمد عن أبي هريرة مرفوعا، كان طول آدم ستين ذراعا في سبعة أذرع عرضا. ا ه.

و ما ذكره ابن بطوطة في رحلته من أن طول قدم آدم الموجودة على الصخرة بحبل سرنديب أحد عشر شبرا معقول بالنسبة لطوله المذكور هنا في الحديث.

و الذي نفهمه من هذا الحديث الصحيح ثلاثة أمور و هي:

(الأول) أن اللّه تعالى خلق أبانا آدم على الصورة التي نحن عليها من الشكل و الهيئة الحسنة كما قال تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ‏، و في هذا البرهان القاطع على أن بني آدم منذ خلق أبيهم آدم لم يتغير شكلهم و هيئتهم و لن يتغير ذلك أبدا إلى يوم القيامة.

و لقد ظهر بعض الإفرنج في عصرنا يقولون إن أصل الإنسان كان شكله كشكل القردة في سابق العصور، ثم إنه تطور بمرور الزمن حتى وصل إلى الشكل الذي نحن فيه.

فعجبا لهؤلاء الخياليين الوهميين من الإفرنج و من تبعهم من الغوغاء، كيف يعتقدون ذلك؟ و كيف ينسبون أصلهم إلى القرود، فهل يحب الإنسان المثقف أن‏

437

ينتسب إلى أصل شريف لطيف أو إلى أصل وضيع خسيس؟ فكل من يرى هذا الرأي فهو بنفسه قرد ممقوت.

فإن قيل: إن رأيهم هذا مبني على عثورهم في بطون الأرض على هياكل إنسانية تشبه هياكل القردة.

نقول: على فرض عثورهم على هذه الهياكل فقد تكون هياكل بشرية مسخها اللّه تعالى قردة و خنازير لما كفروا بأنبيائهم و طغوا و اعتدوا في يوم السبت كما قال تعالى: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ‏ قال قتادة: صار الشبان قردة و الشيوخ خنازير. ا ه.

مع العلم بأنه لم يبق للممسوخين نسل و لا عقب، و القردة و الخنازير جنس من المخلوقات، و قد كانوا موجودين من قبل من مسخ من بني إسرائيل، قال عليه الصلاة و السلام «إن اللّه تعالى لم يجعل لمسخ نسلا و لا عقبا، و قد كانت القردة و الخنازير قبل ذلك» رواه مسلم و أحمد.

فلو قرأ الإفرنج دين الإسلام و تعمقوا في فهمه لما ذهبوا مع خيالاتهم و توهماتهم كل مذهب، بل لبادروا إلى اعتناقه و استظلوا برايته، فالحمد للّه الذي هدانا للإسلام و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه، و الحمد للّه الذي وفقنا للعمل بأحكامه و فهمنا دقائق أسرارها، اللهم ثبت قلوبنا على دينك و اختم حياتنا بالعمل الصالح و ارضى عنا، يا أرحم الراحمين.

و نرى أن هذا الحديث الشريف الذي جاء في الصحيحين هو من معجزاته (صلى الله عليه و سلم) حيث يكون برهانا صادقا قويا عن نشأة أصل الإنسان لدى قوم من الإفرنج يظهرون بعد أربعة عشر قرنا يعتقدون أن أصلهم من القرود، فهؤلاء يستحقون أن يمسخوا قردة.

و لا شك أن المؤمن المسلم بعد أن قرأ قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ‏ و قرأ الحديث الشريف المتقدم الذي في الصحيحين، لا يرى رأي الإفرنج، و لا يرضى أن ينسب أصله إلى الحيوان و البهائم.

(الثاني) نفهم من هذا الحديث أن طول آدم ستون ذراعا، بذراعنا نحن لا بذراع نفسه، فإن بعضهم يظن أن المراد بالذراع المذكور في الحديث ذراع نفس آدم (عليه السلام).

438

و الذي يؤيد قولنا، هو أن المراد من الحديث بيان خلقة آدم و مقدار طوله، فإذا فرضنا قياس طوله بذراع نفس آدم (عليه السلام)، فإن الغموض لم يزل حاصلا و الطول لم يزل مبهما، فإنا لا نعلم مقدار قياس ذراعه، فلو فرضنا أن قياس ذراعه ألف متر أو أكثر أو أقل فكم يكون طوله و إلى أي حد يصل؟ أما لو قلنا أن المراد بالذراع هو ذراعنا المتعارف فقد انتهى الإشكال و ظهر حد طوله لكل إنسان.

و المقام في الحديث مقام شرح و بيان.

(و الثالث) نفهم من قوله (صلى الله عليه و سلم): «فلم تزل الخلق تنقص بعده حتى الآن» أنه صريح في أن الإنسان و الحيوان أيضا" أي كل ذي روح" كان في قديم الزمان من لدن آدم (عليه السلام)، أضخم أجسادا بأضعاف أضعاف أضعاف ما نحن عليه و الحيوانات في زماننا، و أن هذه الضخامة و العظم نقصت بمرور الزمن شيئا فشيئا حتى وصل إلى ما نحن عليه، بل كذلك كان حجم الحبوب و الثمار، كما تدل على ذلك الهياكل الضخمة التي يعثر عليها الباحثون عن الآثار في طيات الأرض وثنايا الصخور للحيوانات التي كانت و انقرضت.

و في شرح الجامع الصغير ما يأتي:

ذكر المقريزي أن بعض الثقات أخبره، أنه سار في بلاد الصعيد على حائط العجوز و معه رفقة فاقتلع أحدهم منها لبنة فإذا هي كبيرة جدا، فسقطت فانفلقت عن حبة فول في غاية الكبر و كسروها فوجدوها سالمة من السوس، كأنها كما حصدت، فأكل كل منهم قطعة و كأنها ادخرت لهم من زمن فرعون، فإن حائط العجوز بنيت عقب غرقه، فلن تموت نفس حتى تستوفى رزقها. انتهى.

و نعتقد أنه انتهى تناقص الطول إلى هذه الأمة المحمدية المرحومة، و استقر الأمر على ذلك فلا ينقص بني آدم عما نحن عليه، لأننا نحن في آخر الزمان فإن نبينا محمدا (صلى الله عليه و سلم) و هو خاتم الأنبياء و قد بعث مع الساعة كما جاء في الصحيحين و غيرهما «بعثت أنا و الساعة كهاتين، و أشار بالسبابة و الوسطى» و إن شاء اللّه تعالى سيأتي الكلام على قياس قدم أبينا آدم عليه الصلاة و السلام في آخر مبحث مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام فراجعه إن شئت.

و لا يخفى أن آخر الزمان ليس كأوله. نسأل اللّه أن يختم حياتنا بالإيمان الكامل و العمل الصالح، و أن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها و ما بطن. آمين.

439

قبر أمنا حواء بجدة

و بمناسبة ذكرنا طول أبينا آدم عليه الصلاة و السلام نذكر أيضا قبر حواء بجدة فنقول:

اشتهر لدى الناس أن قبر أمنا حواء بجدة في الجبانة المعروفة، و كانت عليه قبة مشيدة من قديم الزمان، و اشتهار قبرها لا يستند إلى دليل شرعي قاطع، و لا إلى تاريخ صحيح ثابت، و نحن نعتقد أن هذا كذب اختلقه المرتزقة منذ قرون مضت فرسخ ذلك في أذهان العامة. و سنتكلم عليه بما يشفي الغليل إن شاء اللّه تعالى.

قال البتنوني في كتابه «الرحلة الحجازية» عن قبر أمنا حواء ما نصه:

أما مدافن المسلمين فإنها في جهة جدة الشرقية على مسافة نحو كيلو متر من بابها الشرقي الذي يسمونه «باب مكة» و عليها سور يفتح بابه للغرب ترى في مدخله، زمن الحج، كثيرا من الشحاذين صغارا و كبارا من الأعراب و الأغراب، فإذا دخلت من هذا الباب وجدت أمامك رأس قبر طويل ضارب إلى الشمال بمسافة مائة و خمسين مترا على ارتفاع متر و في عرض نحو ثلاثة أمتار، و هو ما يسمونه قبر أمنا حواء، و هو أشبه شي‏ء بقناة مسدودة من طرفها الجنوبي بثلاث حوائط من مربع ينقصه الحائط الشمالي الذي هو من جهة القبر، و طول كل حائط أربعة أمتار في ارتفاع مثلها و في كل منها شباك تخرج منه فروع عوسجة كبيرة تكاد تسد فراغ هذا المربع الذي هو مكان الرأس عندهم. و في نهاية هذا المستطيل من جهة الشمال حائط يبلغ ارتفاعه نحو ثلاثة أمتار و في وسطه من أعلاه شرفة تحتها شباك يطل على القبر من جهة القدمين، و عند نهايتي القبر ترى أناسا متطوعين لإرشادك عن مكان الرأس أو القدم و أيديهم ممدودة للسؤال، و في نحو ثلثي طوله من جهة الرأس قبة يفتح بابها إلى الغرب، و فيها شباكان يشرفان على جهتي القبر، و في وسطها مقصورة من الخشب عليها ستر من الجوخ فيها باب مقابل لباب القبة، فتحه لنا خادم المقصورة قائلا: هذا مكان الصرة الشريفة، فنظرت فوجدت فيه حجرا من الصوان يبلغ طوله نحو متر، محفورا من وسطه.

ثم قال البتنوني بعد صحيفة واحدة: و لا يبعد أن قبر حواء كان من الهياكل المقدسة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام و محا أثر الشرك من هذه البلاد، و دالت به دولة الوثنية، و هدمت هياكلها التي كان من ضمنها بالطبع هذا الهيكل، بقي أثره‏

440

في نفوس القوم برا بحق الأمومة، و أقاموا له قبة (لا ندري متى كان تشييدها) لتكون مزارا للناس كما كانوا يقيمون المزارات لآل بيت النبوة عليهم و على جدهم الصلاة و السلام.

و لقد ذكر هذه القبة ابن بطوطة في رحلته المشهور في القرن السابع للهجرة و لم يذكر شيئا عن القبر. و من أكبر الأدلة على أن هذا القبر حادث لا محالة، ما ذكره ابن جبير في رحلته التي قام بها سنة 587 للهجرة قال (رحمه اللّه): «و بها (بجدة) موضع فيه قبة مشيدة عتيقة يذكر أنه كان منزلا لحواء أم البشر عند توجهها إلى مكة، فبني ذلك المبنى عليه تشهيرا لبركته و فضله و اللّه تعالى أعلم» انتهى من الرحلة الحجازية.

و رأينا في قبر أمنا حواء بجدة، و اللّه تعالى أعلم بالغيب: أن وجود هذا القبر و بناء القبة عليه حادث لا محالة، و أنه كذب مفتعل احتال على عمله بعض الدجالين المرتزقة لجمع الصدقات من الجهلة الذين تجوز عليهم الخرافات، و بمرور الزمن الطويل على ذلك و لعدم إجراء تحقيق عليه، صار عامة الناس يعتقدون أن في هذا القبر دفنت أمنا حواء.

و نستدل على هذا بأنه لما اشتكى الناس إلى عثمان بن عفان، رضي اللّه تعالى عنه، الشدة التي يعانونها في ميناء الشعيبة ما فيها من الشعاب، و طلبوا منه نقل هذا الميناء إلى جدة، ذهب رضي اللّه عنه، في جمع من الصحابة لمعاينة مكان جدة فوجده أحسن من الشعيبة، فأمر بجعله ثغرا لمكة و سموه «جدة» حيث لم تكن معروفة بهذا الاسم من قبل. و لم ينقل عنه و لا عن أحد من الصحابة عن معرفتهم لقبر حواء بجدة و عثورهم عليه، فلو كان قبرها الطويل العريض معروفا لديهم لنقله التاريخ عنهم.

نعم! ذكر بعضهم أن إبليس هبط بأيلة و هبطت حواء بجدة و هبط آدم بسرنديب من أرض الهند على جبل يقال له نود، و هو بأعلى الهند نحو الصين، جبل عال يراه البحريون من مسافة أيام، و فيه أثر قدم آدم (عليه السلام)، مغموسة في الحجر. و هذا الكلام اللّه أعلم بصحته.

و هل كانت جدة معروفة في تلك الأيام؟ كلا، فجدة لم تسكن إلا في زمن عثمان بن عفان، رضي اللّه تعالى عنه، فهو الذي جعلها ميناء بدلا عن الشعيبة كما هو معروف.

441

ثم إن ما بين هبوط آدم و حواء (عليهما السلام)، و بين زماننا هذا، لا ندري كم مضى من السنين و أن ما يقوله بعضهم بأن عمر الأرض مائة مليون سنة أو ألف مليون سنة أو أكثر أو أقل مردود غير مقبول لا يقبله عاقل و لا يصدقه باحث محقق، إذ لا يستند إلى دليل قوي من كتاب أو سنة، فما هو إلا رجم بالغيب و تخمينات و همية و تخيلات ظلالية نشأت من انعكافهم على دراسة الآثار القديمة و قياسات بعض الأشياء على بعض. قال بعض علماء الشناقطة:

و كل ما ورد مما حدا* * * لهذه الدنيا يرد ردا

إذ لم يرد حد عن المعصوم‏* * * في خبر بسند قويم‏

فلا يعلم كل ذلك إلا الخلاق العظيم الذي بيده ملكوت السموات و الأرض فهو جل جلاله يعلم وحده مبدأ الكائنات و يعلم منتهاها. فعليه من الذي أخبرنا بأن قبر حواء في ذلك الموضع بجدة و على أي دليل يستند، ثم أليس الطوفان الذي عم الدنيا مسح عن الأرض كل أثر و غير كثيرا من الأمور عن مواقعها و أمكنتها، فلم يبق على وجه الأرض من يتنفس إلا من كان في سفينة نوح، عليه الصلاة و السلام فلا يمكن أن نصدق مثل هذه الأمور إلا إذا ورد شي‏ء عن الصادق المعصوم (صلى الله عليه و سلم).

أمر الكعبة بين نوح و إبراهيم عليهما الصلاة و السلام‏

قال الإمام الأزرقي في تاريخه ما نصه: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن ابن جريح عن مجاهد أنه قال: كان موضع الكعبة قد خفي و درس في زمن الغرق بين نوح و إبراهيم (عليهما السلام) قال: و كان موضعه أكمة حمراء مدرة لا تعلوها السيول غير أن الناس يعلمون أن موضع البيت فيما هنالك و لا يثبت موضعه و كان يأتيه المظلوم و المتعوذ من أقطار الأرض، و يدعو عنده المكروب فقلّ من دعا هنالك إلا استجيب له. و كان الناس يحجون إلى موضع البيت حتى بوأ اللّه مكانه لإبراهيم (عليه السلام) لما أراد من عمارة بيته و إظهار دينه و شرائعه فلم يزل منذ أهبط اللّه آدم (عليه السلام) إلى الأرض معظما محرما بيته تتناسخه الأمم و الملل، أمة بعد أمة و ملة بعد ملة قال: و قد كانت الملائكة تحجه قبل آدم (عليه السلام). انتهى من الأزرقي.

442

و لقد ذكر بعض المؤرخين: أن بين وفاة آدم و ولادة نوح (126) سنة، و أن بين ولادة نوح و ولادة إبراهيم (890) سنة، فتكون ولادة إبراهيم قبل موت نوح بستين سنة و أن عمر نوح (950) سنة، و كان الطوفان في السنة الأولى بعد ستمائة من ولادة نوح كما في التوراة، و أن إبراهيم اختتن و عمره (99) سنة مع إسماعيل و عمره (13) سنة، و أن بناء إبراهيم للكعبة كان حينما بلغ إسماعيل من العمر عشرين سنة و قيل أكثر.

فيكون ما بين الطوفان و بين ولادة إبراهيم (290) سنة، و ما بين الطوفان و بين بناء إبراهيم الكعبة (400) سنة تقريبا هذا إذا فرضنا أن إبراهيم بنى الكعبة و عمره مائة و عشرة سنوات. و اللّه تعالى أعلم.

و جاء في شرح كتاب «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» بصحيفة 158 من الجزء الثاني ما نصه:

قال ابن هشام: لم يكن بين نوح و إبراهيم عليهما الصلاة و السلام، إلا هود و صالح (عليهما السلام)، و كان بين إبراهيم و هود ستمائة سنة و ثلاثون سنة، و بين نوح و إبراهيم ألف و مائة و ثلاثة و أربعون سنة. و قال الثعالبي: و كان بين مولد إبراهيم و بين الطوفان ألف سنة و مائتا سنة و ثلاث و ستون سنة، و ذلك بعد خلق آدم بثلاثة آلاف سنة و ثلاثمائة سنة و سبع و ثلاثين، و كان مولد إبراهيم في زمن نمرود بن كنعان لعنه اللّه تعالى و لكن اختلفوا في أي مكان ولد فقيل: ببابل من أرض السواد مدينة نمرود قاله ابن عباس، و عن مجاهد بكوثى محلة بكوفة و عن عكرمة بالسوس و عند السدي بين البصرة و الكوفة و عن الربيع بن أنس بكسكر ثم نقله أبوه إلى كوثى و عن وهب بحران و الصحيح الأول، و قال محمد بن سعد في الطبقات كنية إبراهيم أبو الأضياف و قد سماه اللّه تعالى بأسماء كثيرة منها: الأواه و الحليم و المنيب قال الله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ‏ و منها الحنيف و هو المائل إلى الدين الحق و منها القانت و الشاكر إلى غير ذلك، قلت هذه أوصاف له في الحقيقة، و مات إبراهيم و عمره هو ابن مائتي سنة و هو الأصح و يقال مائة و خمس و سبعون سنة قاله الكلبي و قال مقاتل: مائة و تسعون سنة (و دفن بالمغارة التي في حبرون) و هي الآن تسمى بمدينة الخليل. انتهى من كتاب زاد المسلم المذكور.

443

نبذة عن ترجمة إبراهيم خليل اللّه عليه الصلاة و السلام‏

بمناسبة تأليفنا هذا الكتاب الذي يبحث عن تاريخ مكة «بلد اللّه الأمين» و عن بناء الكعبة «بيت اللّه المطهر» صار من اللازم أن نذكر في الأول ترجمة مكتشف مكة و الباني الأول لبيت اللّه الكريم، أبي الأنبياء سيدنا «إبراهيم الخليل» عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم فنقول و باللّه التوفيق:

لا ندري ماذا نقول في ترجمة خليل اللّه المقرب، و نبيه الكريم المفضل، مكتشف مكة و معمرها، و باني الكعبة و مطهرها، ماذا نقول و مقام الأنبياء لا يحيط به أمثالنا، مذا نقول فيمن قال اللّه تعالى في حقه ... وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا و قال في حقه: وَ لَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا بِهِ عالِمِينَ‏ و قال في حقه ... إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ‏ و قال في حقه:

وَ مَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ وَ اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا و قال في حقه: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَ هَداهُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* وَ آتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ‏ و قال في حقه: وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ* وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَ عَهِدْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ و قال في حقه: وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ* إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏ و قال في حقه: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏ و قال في حقه: وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ* وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ‏ و قال في حقه: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ‏ و قال في حقه: وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى‏ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ‏ إلى غير ذلك من فضائله التي لا يمكن حصرها.

444

و هنا نتشرف بذكر نبذة من ترجمته العالية المباركة من حيث ولادته، و وفاته و هجرته و ما وقع له من الأمور التي هي عبرة لمن اعتبر، و ذكرى لمن تفكر و تدبر، فنقول و باللّه التوفيق:

فضل إبراهيم الخليل على الأمة المحمدية

إن فضل إبراهيم الخليل و إحسانه، عليه الصلاة و السلام، واضح كالشمس على العرب و الأمة المحمدية و بالأخص على أهل مكة وفقهم اللّه للخيرات.

فأما فضله على العرب و الأمة المحمدية، فدعاؤه لهم بالهداية و التوفيق كما جاء ذلك في القرآن الكريم‏ رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ و في آية أخرى: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ‏.

و أما الفضل الخاص على أهل مكة: فإنه أول من اكتشفها و نزل بها و عمرها، و أسكن فيها ابنه إسماعيل و أمه هاجر، اللذين بسببهما ظهر ماء زمزم، و على يدي إبراهيم و إسماعيل بنيت الكعبة المعظمة، و أن إبراهيم ترك لديهم مقامه الكريم المحترم، و حرّم مكة و صيّرها مأمنا، و دعا لأهلها، و هو الذي أذّن في الناس بالحج و دعاهم إليه، فصاروا يقصدون مكة في أيام معلومات من كل فج عميق، و بذلك اتسعت عمرانها و كثرت أرزاقها و خيراتها، كما أتى كل ذلك صريحا في القرآن الكريم.

ففي سورة البقرة: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ‏ و في سورة إبراهيم: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ* رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ‏.

و لقد استجاب اللّه تعالى منه جميع دعائه بفضله و رحمته، فجزاه اللّه عنا ما هو أهله.

445

نسب إبراهيم (عليه السلام) و موطنه‏

قال ابن كثير (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه: إبراهيم (عليه السلام) هو ابن تسارخ بن ناحور بن ساروع بن راعو بن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح (عليه السلام) و قيل: اسم أبيه تاريخ بالخاء المعجمة و بالحاء المهملة أيضا، قال ابن جرير: و الصواب أن اسم أبيه آزر و لعل له اسمان علمان أو أحدهما لقب و الآخر علم، قال ابن كثير: و هذا الذي قاله محتمل. و اللّه تعالى أعلم.

و يكنى إبراهيم (عليه السلام) أبا الضيفان، قيل إنه ولد بغوطة دمشق في قرية يقال لها: برزة، في جبل يقال له: قاسيون، و الصحيح أنه ولد ببابل في أرض الكلدانيين، و إنما نسب إليه هذا المقام لأنه صلى فيه إذ جاء معينا لابن أخيه لوط (عليه السلام).

و بعد أن تزوج إبراهيم سارة، بتخفيف الراء و قيل بتشديدها خرج بها من أرض بابل مع ابن أخيه لوط بن هاران بن آزر، قاصدين أرض الكنعانيين، و هي بلاد بيت المقدس، و تسمى بلاد التيمن فأقاموا بحران من أرض الشام، و كانوا يعبدون الأصنام و الكواكب السبعة و كل من على وجه الأرض، كانوا كفارا سوى إبراهيم الخليل (عليه السلام) و امرأته سارة و ابن أخيه لوط (عليه السلام).

ثم إنه حصل عندهم قحط و شدة فارتحلوا إلى مصر و دخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة، فقيل له: إنه قد نزل ههنا رجل معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فسأله عنها فقال: إنها أختي، قال: فأرسل بها قال:

فأرسل بها إليه، و قال لها: لا تكذبي. قولي إنك أختي فإني قد أخبرته بذلك، و إنه ليس على الأرض مؤمن غيري و غيرك، و إنك أختي، فلما دخلت عليه قام إليها، فأقبلت تتوضأ و تصلي و تقول: (اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك و برسولك و أحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي هذا الكافر). قال:

فغط حتى ركض برجله، فقال لها: ادعي اللّه لي و لا أضرك فدعت له فأرسل (و معنى غط تردد نفسه صاعدا إلى حلقه حتى يسمعه من حوله أي أصابه شبه الصرع) ثم قام إليها أيضا فأخذ مثلها أو أشد منها، فأرسل ثلاث مرات، ثم دعا أدنى حشمه فقال: ما أرسلتم إلي إلا شيطانا أرجعوها إلى إبراهيم و أعطوها «هاجر» فرجعت إلى إبراهيم و قالت له: كفاني اللّه كيد الظالم، و أخذ مني هاجر

446

هدية و قد كان وقت ذاك إبراهيم عليه الصلاة و السلام يصلي للّه و يدعو أن يحفظ أهله من هذا الملك الفاجر الجبار، فعصمها اللّه منه، و كشف الحجاب عن إبراهيم فلم يزل يراها منذ خرجت من عنده إلى أن رجعت إليه ليكون ذلك أطيب لقلبه و أقر لعينه، و قصة الخليل (صلوات اللّه و سلامه عليه) و زوجته سارة مع ذلك الجبار مذكورة في الصحيحين، فمسلم ذكرها في كتاب الفضائل و البخاري ذكرها في كتاب «بدء الخلق» و في كتاب النكاح، و في الهبة و الإكراه، و في كتاب البيوع في باب شراء المملوك. و إلى هذا يشير صاحب نظم عمود النسب بقوله:

و مر في فراره على الذي‏* * * غصب سارة و لم تستنقذ

إلا بشل يده و صرعه‏* * * و عصمت سارة من طبعه‏

و من وراء الحجب الخليل‏* * * عاين أن عصمها الجليل‏

و أتحف الملك زوجة الخليل‏* * * بهاجر و أتحفت بها الخليل‏

و الطبع بفتح الباء الدنس قاله في المصباح المنير، و ناظم عمود النسب هو العلامة الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي المتوفى سنة (1220) هجرية تقريبا.

ثم إن إبراهيم (عليه السلام) رجع إلى الأرض المقدسة التي كان فيها و معه أنعام و عبيد و مال كثير، و صحبتهم هاجر القبطية المصرية، و كانت زوجته سارة عاقرا لا يولد لها، فقالت لإبراهيم: إن اللّه قد أحرمني الولد فادخل على أمتي هذه لعل اللّه يرزقنا منها ولدا، فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم (عليه السلام) فحملت منه، ثم وضعت إسماعيل (عليه السلام) و لإبراهيم من العمر ست و ثمانون سنة، و ذلك قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة، و لما ولد إسماعيل أوحى اللّه إلى إبراهيم يبشره بإسحاق من سارة فخر للّه ساجدا.

و لما ولدت هاجر إسماعيل اشتدت غيرة سارة منها و طلبت من إبراهيم أن يغيبها عنها، فذهب بها و بولدها إسماعيل و هو رضيع إلى مكة المشرفة، كما أمره اللّه تعالى كما سيأتي بيانه، و لقد ابتلي إبراهيم صلوات اللّه و سلامه و على جميع الأنبياء و المرسلين بثلاث مصائب كل واحدة أكبر من أختها.

(الأولى) أراد ذلك الجبار الكافر اغتصاب زوجته سارة فعصمها اللّه تعالى منه، فرجعت إليه طاهرة نقية منصورة إكراما له (عليه السلام)، فإنه كان يحبها حبا شديدا لدينها و قرابتها منه و حسنها الباهر.

447

(الثانية) أمره اللّه عز و جل بذبح ولده فاستسلم لأمر اللّه هو و ابنه فحين أضجعه كما تضجع الذبائح و أمرّ السكين على حلقه لم تقطع شيئا، فعند ذلك فداه اللّه تعالى برحمته بكبش أبيض أعين أقرن. قد رعى في الجنة أربعين خريفا هبط عليه من ثبير، و له ثغاء، فذبحه بمنى، فهذا هو البلاء المبين، و قد ورد ذلك صريحا في القرآن الكريم، و الثغاء: صوت الشاة و المعز و ما شاكلها، و الثاغية:

الشاة، و الراغية: البعير، قاله في مختار الصحاح، و ثبير جبل بين مكة و منى، و يرى من منى، و هو على يمين الداخل منها إلى مكة، قاله في المصباح المنير.

(الثالثة) إلقاؤه في النار بسبب مناظرته لأهل بابل الذين كانوا يعبدون الأصنام، و قد كانت مناظرة عقلية مفحمة انتصر بها عليهم حتى رجعوا إلى أنفسهم و قالوا إنكم أنتم الظالمون، ثم انقلبوا فقالوا إن وجدنا آباءنا لها عابدين، ثم أجمعوا على إحراقه بالنار، فرموه فيها فكانت عليه بردا و سلاما لم يمسسه سوء، بل كان على أحسن حال مدة إقامته فيها، و القصة مذكورة في القرآن العظيم.

و كذلك وقع لإبراهيم (عليه السلام)، كثير من الأمور العظيمة المدهشة منها:

(1) مناظرته مع نمرود المذكورة في القرآن حيث يقول اللّه تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ ... الآية.

(2) طلبه من اللّه تعالى، أن يريه كيف يحيي الوتى كما هو صريح في قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏ قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ... الآية.

(3) أنه أول من عمر مكة و أسكن فيها من ذريته و بنى بها الكعبة المعظمة، قال اللّه عز شأنه: وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ* وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ... الخ. و سيأتي تفصيل بنائه لبيت اللّه الحرام.

توفي إبراهيم الخليل، عليه الصلاة و السلام، عن مائة و خمس و سبعين سنة، و قيل و تسعين سنة، و قيل عاش مائتي سنة، و تولى دفنه إسماعيل و إسحاق، عليهما الصلاة و السلام، و دفن عند امرأته سارة و كانت توفيت قبله بقرية (حبرون) بفتح‏

448

الحاء المهملة ثم موحدة ساكنة، و هي البلدة المعروفة بالخليل اليوم، و لها من العمر مائة و سبع و عشرون سنة، فحزن عليها إبراهيم و اشترى من رجل من بني حيث يقال له عفرون بن صخر مغارة بأربعمائة مثقال و دفن فيها سارة هنالك. فيكون قبره و قبر زوجته سارة و قبر ولده إسحاق و قبر ولد ولده يعقوب في المربعة التي بناها سليمان بن داود، (عليهما السلام)، ببلدة (حبرون) المذكورة من غير خلاف، فأما تعيينه منها فليس فيه خبر صحيح عن المعصوم، فينبغي أن تراعى تلك المحلة، و أن تحترم احترام مثلها، و أن تبجل و أن تجل عن أن يداس في أرجائها، خشية أن يكون قبر الخليل أو أحد من أولاده الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، تحتها. انتهى جميع ما ذكر من تاريخ ابن كثير، (رحمه اللّه)، باختصار و زيادة يسيرة.

و ابن كثير هو الإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي المتوفى سنة سبعمائة و أربع و سبعين هجرية، كان محدثا متقنا و فقيها بارعا، و له جملة تصانيف منها تفسيره المعتبر، و تاريخه المحرر، و هما شهيران و مطبوعان.

قيل: إن يوسف بن يعقوب مدفون معهم أيضا، و قد جزم كثير من العلماء المحققين أن قبورهم في داخل الدائر الذي بناه عليهم سليمان بن داود في الغار الذي في وسط مسجد الخليل الآن، (صلوات اللّه و سلامه عليهم) و على جميع الأنبياء و المرسلين، أما قبر إسماعيل بن إبراهيم، (عليهما السلام)، فسيأتي أنه دفن بالحجر بمكة.

و كان إبراهيم عليه الصلاة و السلام، يشبه نبينا محمدا (صلى الله عليه و سلم) كما ورد ذلك صريحا في بعض الأحاديث المذكورة في صحيح مسلم، فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة، رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «ليلة أسري بي رأيت موسى و إذا هو رجل ضرب رجل كأنه من رجال شنوءة، و رأيت عيسى فإذا هو رجل ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس، و رأيت إبراهيم و أنا أشبه ولد إبراهيم به، ثم أتيت بإناءين في أحدهما لبن و في الآخر خمر، فقال: اشرب أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربته، فقيل: أخذت الفطرة، أما أنك لو أخذت الخمر غوت أمتك».

و إن إبراهيم (عليه السلام)، أول من أضاف الضيف و أول من رأى الشيب و أول من قص شاربه و أول من اختتن و أول من استحد و أول من لبس السراويل.

449

قال ابن عباس، رضي اللّه عنهما: الإسلام ثلاثون سهما و ما ابتلي أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم. قال تعالى: وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى‏ فكتب اللّه له براءة من النار، و عن ابن عباس أيضا في قوله تعالى: وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ‏ قال: ابتلاه اللّه عز و جل بالطهارة، خمس في الرأس و خمس في الجسد، في الرأس:

قص الشارب و المضمضة و الاستنشاق و السواك و فرق الرأس. و في الجسد: تقليم الأظفار و حلق العانة و الختان و نتف الإبط و غسل أثر الغائط و البول بالماء. ا ه من تاريخ الطبري.

و اعلم أن إبراهيم (عليه السلام) هو جد غالب الأنبياء و المرسلين، قال ابن كثير في تاريخه: فكل نبي بعث بعده فهو من ذريته، و كل كتاب نزل من السماء على نبي من الأنبياء من بعده فعلى أحد نسله و عقبه خلعة من اللّه تعالى و كرامة له. ا ه.

قال بعض العلماء: إن عدد الأنبياء الذين ليسوا من نسل إبراهيم الخليل (عليه السلام)، ثمانية ذكرهم شيخنا العلامة المحدث الشهير محمد حبيب اللّه الشنقيطي، (رحمه اللّه تعالى)، في قصيدته التي مدح بها سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام، حيث يقول:

هو قدس بغير شك لقدس‏* * * هو جد لجل رسل الجليل‏

لم يحد عنه غير رسل كرام‏* * * لم يكونوا من نسله عن دليل‏

هو أبو الخلق آدم ثم شيث‏* * * ثم إدريس ذو المكان الجميل‏

ثم نوح الذي أجيب سريعا* * * إذ دعا اللّه بعد صبر طويل‏

ثم هود فيونس ثم لوط* * * صالح ثامن لرسل الوكيل‏

و سواهم من أنبياء كرام‏* * * هم بنوه أولو الثناء الأصيل‏

و لقد جمعهم أيضا صاحب نظم عمود النسب في قوله:

و حاد عنه آدم شيث الوصي‏* * * إدريس نوح هود يونس يصي‏

لوط و صالح فهم ثمان‏* * * حادوا عن الخليل و استبانوا

قوله: يصي أي: يصل، و قيل: إن يونس من ذريته، عليهما و على جميع الأنبياء الصلاة و السلام. و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

450

تقدم أن ذكرنا نسب إبراهيم، عليه الصلاة و السلام، و موطنه و ارتحاله إلى مصر، ثم رجوعه إلى الأرض المقدسة و ما حصل له من الابتلاء، كما ذكرنا بعض صفاته الكريمة، و أنه عليه الصلاة و السلام جد غالب الأنبياء (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين).

و الآن نذكر هنا ما اطلعنا عليه في كتاب «إبراهيم الخليل أبو الأنبياء» للأستاذ محمد حسني عبد الحميد، فيما يتعلق بالصحف التي أنزلت إليه، و بمدفنه و المغارة التي هو و بعض الأنبياء فيها.

فقد جاء في الكتاب المذكور عند صحف إبراهيم بصحيفة 152 و ما بعدها ما نصه:

كانت صحف إبراهيم أمثالا و لم نعثر مع الأسف الشديد في المراجع التي اطلعنا عليها و المؤلفات التي رجعنا إليها و اقتبسنا منها على هذه الأمثال كلها و كم كنا نود أن نقرأ و يقرأ الناس صحف إبراهيم لكن شاء اللّه أن تختفي تلك الصحف عن الأنظار لتقادم العهد و أن تصبح في غير متناول الأيدي.

روى الثعلبي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري رضي اللّه عنه قال: قلت لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، يا رسول اللّه كم من كتاب أنزل اللّه عز و جل:

قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أنزل اللّه تعالى مائة كتاب و أربعة كتب، أنزل اللّه تعالى على آدم، (عليه السلام)، عشر صحائف، و على إبراهيم الخليل عشر صحائف، و على شيث خمسين صحيفة، و على إدريس ثلاثين صحيفة، و أنزل اللّه تعالى عليّ التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان قال قلت: يا رسول اللّه ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالا.

و لم يرو الرواة هذه من الصحف غير مثالين فقط من تلك الأمثال و ما أظن مؤرخا أو راويا جاء بالأمثال كلها و فيما يلي نص المثالين:

(1) أيها الملك المغرور المبتلى إني لم أبعثك لتجمع بعضها إلى بعض و لكن بعثتك لتنصر دعوة المظلوم فإني لا أردها و إن كانت من كافر.

(2) على العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه و يتفكر في صنع اللّه، و ساعة يحاسب نفسه فيما قدم و أخر، و ساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال لا من الحرام في المطعوم و المشروب و غيرهما،

451

و على العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه، و من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه.

عن أبي ذر رضي اللّه عنه قال: دخلت المسجد فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إن للمسجد تحية. فقلت: و ما تحيته يا رسول اللّه؟ قال: ركعتان تركعهما. قلت:

يا رسول اللّه هل أنزل اللّه عليك شيئا مما كان في صحف إبراهيم و موسى؟ قال:

يا أبا ذر اقرأ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى* بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا* وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏* إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى‏* صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ قال: كانت عبرا كلها:

(عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك، عجبت لمن رأى الدنيا و تقلبها كيف يطمئن إليها، عجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب، عجبت لمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل).

و بعد، فمما لا ريب أن صحف إبراهيم ثروة تاريخية لم يوفق للعثور عليها المؤرخون و لو أنهم وفقوا لمعرفتها كلها لسدوا نفصا ظاهرا يثمر به المتعمق في الدراسات التاريخية الإسلامية القديمة.

و جاء فيه أيضا من صحيفة 165 إلى صحيفة 171 عند الحرم الخليلي و مدينة الخليل ما نصه:

و قد سميت مدينة الخليل حبرون قبل أن يضع عليها شرف اسمها الكريم" الخليل" و يكاد أن ينعقد الإجماع على أن سيدنا إبراهيم الخليل (صلى الله عليه و سلم) ثاو تحت ثراها في الحرم الخليلي بمكان تحته.

الحرم اسمه المغارة و بهذه المغارة يرقد إسحاق و يعقوب، (عليهما السلام)، و سارة رضي اللّه عنهم. عن كعب الأحبار رضي اللّه عنه قال: أول من مات و دفن في حبرون سارة و ذلك أنها لما ماتت خرج الخليل عليه الصلاة و السلام، يطلب موضعا ليدفنها فيه و رجا أن يكون موضعا بقرب حبرى فمضى إلى عفرون، و كان مالك الموضع و كان مسكنه حبرى، فقال له إبراهيم: بعني موضعا أقبر فيه من مات من أهلي، فقال المالك قد أبحتك، فادفن موتاك حيث شئت من أرضي، فقال إبراهيم عليه الصلاة و السلام: إني لا أحب ذلك إلا بالثمن، فقال له: أيها الشيخ الصالح ادفن حيث شئت فأبى عليه و طلب منه المغارة فقال له: أبيعكها بأربعة آلاف درهم كل درهم وزن خمسة دراهم و كل‏

452

مائة درهم ضرب ملك، و أراد بذلك التشديد عليه كيلا يجد شيئا من ذلك فيرجع إلى قوله. فخرج إبراهيم الخليل من عنده فإذا جبريل (عليه السلام) واقفا، فقال له:

يا إبراهيم إن اللّه سمع مقالة المالك لك، و هذه الدراهم ادفعها إليه فإنها كما طلب، فأخذ إبراهيم (صلى الله عليه و سلم) الدراهم فدفعها إلى مالك الأرض فقال له: من عند من؟

قال: من عند إلهي و خالقي و رازقي، فأخذها منه و حمل إبراهيم عليه الصلاة و السلام، سارة و دفنها في المغارة، فكانت أول من دفن فيها و توفيت و لها من العمر مائة و سبعة عشر سنة، و قيل: مائة و سبع و عشرون سنة.

ثم توفي الخليل عليه الصلاة و السلام و دفن بإزائها من جهة الغرب، و لما توفيت رفقة رضي اللّه عنها، زوجة إسحاق (عليه السلام)، دفنت تجاه سارة من جهة المحراب، و لما توفي إسحاق (عليه السلام)، دفن تجاه زوجته من جهة الغرب، ثم توفي يعقوب (عليه السلام)، فدفن عند باب المغارة، و هو إزاء قبر الخليل عليه الصلاة و السلام، من جهة الشمال، ثم توفيت لائقة زوجة يعقوب فدفنت بإزائه من جهة الشرق، ثم اجتمع أولاد يعقوب (عليه السلام)، و قالوا: ندع باب المغارة مفتوحا، و كل من مات منا دفناه فيها، ثم أقاموا حول المغارة سورا، و أنشأوا علامات القبور في كل موضع و كتبوا على كل قبر اسم صاحبه و خرجوا من المغارة، و طبقوا الباب إلى أن جاء الروم فبنوا هناك كنيسة ما لبث المسلمون حتى هدموها.

حدث محمد بن بكران بن محمد خطيب مسجد الخليل، عليه الصلاة و السلام يقول: خرجت مع القاضي أبي عمر و عثمان بن جعفر بن شادان إلى قبر الخليل (عليه السلام)، فأقمنا به ثلاثة أيام فلما كنا في اليوم الرابع جاء إلى النقش المقابل لقبر رفقة زوجة إسحاق (عليه السلام)، فأمر بغسله حتى ظهرت كتابته و تقدم إلي بأن أنقل ما هو مكتوب في الحجر فنقلته و رجعنا الى الحرملة فأحضر أهل كل لسان ليقرؤوه عليه فلم يمكن أحدا أن يقرأه، و لكنهم أجمعوا على أن هذا باللغة اليونانية القديمة، فإنهم لا يعلمون أنه لقي أحدا يقرؤه غير شيخ كبير بحلب فعمدوا إلى إحضاره، فلما حضر عنده أحضرني فاذا شيخ كبير فأملى على الشيخ المحضر من حلب ما نقلته في الدرج على التمثيل، أوله: بسم إلهي إله العرش القاهر الهادي الشديد البطش العليم الذي لا يحد، هذا قبر إبراهيم الخليل (صلى الله عليه و سلم) و العلم الذي بحذائه من جهة الشرق قبر زوجته سارة، و العلم الأقصى الموازي لقبر إبراهيم الخليل قبر