التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج4

- محمد طاهر الكردي المزيد...
651 /
455

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

456

العمرة و الباقيتان بباب السلام الكبير و هذه الثلاث الأبواب أبواب رئيسية و بالتوسعة الجديدة (51) بابا بين صغير و كبير و على جانبي كل باب سبيلين لسقيا الحجاج من ماء زمزم مباشرة لتخفيف الضغط على البئر في موسم الحج‏

و لقد رؤي في التوسعة الجديدة أنها من طابقين عدا البدروم يصلي فيه الحجاج أيضا أيام الحج، و كذلك في أعلى السطح و بذلك يبلغ عدد المصلين بالمسجد من 500 ألف إلى 600 ألف مصل.

تكسية جدار العمارة بالمرمر و الحجر الصناعي‏

هذا و قد كسيت جميع جدران العمارة الجديدة بالمرمر و الأحجار الصناعية المزخرفة و الأعمدة الرخامية و الموزايكو. و من المفاخر التي تعتز بها المملكة أن جميع الرخام و المرمر قد استخرج من داخل المملكة، حيث يقطع الرخام من جبال بالمملكة أكثرها على مقربة من مكة و تقطع هذه الأحجار الرخامية بالمقاسات المطلوبة و كذلك صب الأحجار الصناعية المنقوشة بنقوش عربية جميلة. و ذلك في مصنع المرمر الخاص بالمشروع الموجود في جدة و تنقل الأحجار بالسيارات إلى مكة المكرمة.

المتبقي من المبنى القديم‏

أما المبنى القديم فقد تقرر إبقاؤه كأثر من الآثار القديمة بتوجيه من صاحب الجلالة الملك فيصل حفظه اللّه و تم تنسيق ما بين القديم و الجديد من جميع الجهات.

مساحة المسجد الحرام بعد التوسعة و ما صرف عليه‏

و قد بلغت مساحة الحرم بعد هذه التوسعة حوالي 190000 مائة و تسعون ألف مترا مسطحا. و كانت في الماضي 291127 مترا مسطحا و سوف يتكلف هذا المشروع العظيم ثمانمائة مليون ريال. صرف منها للآن 600 مليون ريال قامت الدولة السعودية بصرفها من خزينتها دون مشاركة أي دولة دولة من الدول الإسلامية.

457

المطاف‏

لقد كان المطاف حول الكعبة يضيق بالحجاج و خاصة عند مقام سيدنا إبراهيم (عليه السلام) و عند مبنى بئر زمزم و لتوسعة المطاف أزيل المبنى الذي فوق بئر زمزم ليكشف عن الكعبة من الجهة الشرقية و لتوسعة المطاف للحجاج و جعل البئر من أسفل ينزل الحجاج إليه بدرج.

مقام سيدنا إبراهيم الخليل‏

أما مقام سيدنا إبراهيم الخليل فلقد رأى جلالة الملك فيصل حفظه اللّه بأن يزال الغطاء الموجود فوق المقام و يعمل بدله غطاء بلوري يغطيه قفص من الحديد المشغول، يكون جميل المنظر و حجمه صغير لتوسعة المطاف. و يتمكن الحجاج من مشاهدة الحجر الذي كان يبني عليه سيدنا إبراهيم الكعبة المشرفة، و عليه آثار أقدامه الشريفة. لأن بعض الحجاج يعتقدون أن سيدنا إبراهيم مدفون في هذا المكان.

و في شهر رجب من عام 1387 ه احتفل بانتهاء وضع الغطاء البلوري الجديد الذي صنع من الكريستال النقي و أزاح الستار عن الغطاء الجديد حضرة صاحب الجلالة الملك فيصل المعظم يحيط به مندوبون عن بعض البلاد الإسلامية و رجال السلك السياسي العربي الإسلامي و عدد كبير من رجال الدين من مختلف الدول الإسلامية و كبار رجال الدولة و الشعب السعودي. و قد نقل أيضا المنبر من مكانه إلى ناحية الشرق و بذلك أصبح المطاف واسعا يستوعب الطائفين في سهولة و يسر.

الميادين حول الحرم الشريف‏

و نظرا لهذه التوسعة العظيمة و ازدياد عدد الحجاج الوافدين من مختلف البلاد بسياراتهم و وسائل انتقالهم فكان من الضروري إنشاء ميادين فسيحة لوقوف السيارات لحين انتهاء الحجاج من مناسكهم فقد أنشئت حول الحرم الميادين تحقيقا لهذا الغرض. و الحكومة الرشيدة تدرس إنشاء ميادين أخرى حول الحرم الشريف لاستيعاب العدد الضخم من السيارات، و تضاء هذه الشوارع المحيطة بالحرم‏

458

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

459

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

460

الزيادة التاسعة: زيادة صاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود

لما كثرت المواصلات و تيسرت سبل الانتقالات في جميع الأقطار و الممالك، في زماننا هذا كثر قدوم الحجاج و الزوار و الواردين إلى الحرمين الشريفين، فضاق المسجد الحرام بمكة المشرفة و ضاق المسجد النبوي بالمدينة المنورة حتى كان الحجاج يصلون في موسم الحج في خارج المسجدين المذكورين.

فلما رأى جلالة مليكنا المعظم الملك سعود بن عبد العزيز وفقه اللّه تعالى ضيق المسجد الحرام و ازدحامه الشديد بالحجاج أمر حفظه اللّه تعالى بتوسعة المسجد الحرام بمكة توسعة عظيمة و توسعة شوارع مكة و تجميلها بما يتفق و مكانتها لدى جميع العالم الإسلامي، و قد ابتدؤا في القيام بعمل التوسعة من أول سنة (1375) خمس و سبعين و ثلاثمائة و ألف هجرية. و سيأتي بيان هذه التوسعة مفصلا تفصيلا وافيا في مبحث مستقل، بل سنجعله إن شاء اللّه تعالى في جزء خاص مجلد.

كما أن جلالته حفظه اللّه تعالى أمر بإتمام توسعة المسجد النبوي الذي أمر بتوسعته جلالة والده الملك عبد العزيز (رحمه اللّه تعالى) رحمة واسعة، فتم هذا المسجد الشريف على أحسن ما يرام و قد عمل له احتفال كبير حضره كثير من عظماء المسلمين و علمائهم و أعيانهم.

هذا و لقد نظم بعضهم أسماء من وسع المسجد الحرام بمكة فقال:

من زاد مسجد بيت اللّه جملتهم‏* * * قالوا ثمانية إمامهم عمر

عثمان و ابن الزبير و الوليد كذا* * * المنصور يتبعه المهدي قد ذكروا

و زاد معتضد باب الزيادة قل‏* * * و زاد باب خليل اللّه مقتدر

و نحن نزيد على هذه الأبيات بيتا رابعا يتضمن توسعة الملك سعود المذكور و هو هذا:

سعود آل سعود صار تاسعهم‏* * * جزاهم اللّه خيرا كلما ذكروا

و لقد تقدم في أول المبحث ما نظمناه في أسماء هؤلاء.

461

خلاصة ما تقدم من الزيادات في المسجد الحرام‏

تكلمنا فيما سبق عن الزيادات و التوسعات في المسجد الحرام بصورة مفصلة، ثم رأينا من المستحسن جدا أن نأتي هنا بخلاصة ما تقدم عن الزيادات بدون تطويل لسرعة إدراكها و سهولة فهمها، و هذه الخلاصة هي التي طلبتها منها وزارة المالية و الاقتصاد الوطني في أول سنة (1376) ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف و هذا نصها:

يرتبط المسجد الحرام بالكعبة المعظمة ارتباطا وثيقا منذ بنائها الأول فإن حد المسجد الحرام منذ صدر الإسلام و ما قبله هو نفس المطاف المفروش اليوم بالحجر الرخام الأبيض المحيط بجوانب الكعبة الذي نسميه بالصحن، هذه المساحة الصغيرة هي حد المطاف منذ بناء الكعبة الأول مرة، و هي نفسها أيضا حد المسجد الحرام منذ العصور الغابرة، و إلى حده كانت منازل قريس فكانت منازلهم محيطة بالمسجد كأنها جداره و بينها فتحات توصل إليه و إلى الكعبة، حيث لم يكن للمسجد جدار يحيط به، و من كرامة بيت اللّه الحرام و أسراره أنه لم يحدث قط منذ العصور الغابرة الأولى أي منذ بناء الكعبة، أن ادعى أحد من خلق اللّه أن أرض الكعبة أو ما حولها من مساحة المطاف ملك له.

ثم إن المسجد الحرام ضاقت مساحته الصغيرة على الناس في صدر الإسلام لانتشار الإسلام فحصلت فيه عدة مرات من الزيادات و التوسعة من عهد الصحابة (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين) إلى يومنا هذا، و ها نحن نحصي تلك المرات كما يأتي:

1) زيادة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سنة (17) هجرية زاد فيه بعد أن انتهى من موضع حجر مقام إبراهيم (عليه السلام) في موضعه الموجود فيه اليوم بعد أن ذهب به سيل أم نهشل إلى أسفل مكة، فاشترى أمير المؤمنين دورا من تلك الدور التي تلاصق المسجد الحرام و هدمها و أدخل أرضها فيه، و بذلك توسّع المسجد نوعا ما ثم بنى عمر رضي اللّه عنه حائطا على المسجد دون القامة و جعل فيه أبوابا، فكانت المصابيح التي تضي‏ء بالمسجد توضع على هذا الحائط فكان عمر بن الخطاب رضي اللّه‏

462

عنه أول من وسّع المسجد و زاد فيه، و أول من أحاطه بالجدار، و أول من فرشه بالحصباء.

2) زيادة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه سنة (26) هجرية فقد ضاق المسجد الحرام على المصلين، فاشترى عثمان من الدور الملاصقة للمسجد و هدمها و أدخل أرضها فيه، و لما لم يكن للمسجد رواق فإنه رضي اللّه عنه جعل له أروقة يستظل الناس تحتها و نعما فعل.

3) زيادة عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما سنة (65) هجرية فإنه في خلافته بعد أن انتهى من بناء الكعبة المشرفة عمّر المسجد و زاد فيه زيادة كبيرة بالنسبة للزيادتين السابقتين، فاشترى دورا و هدمها و أدخل أرضها في المسجد، و من ضمنها بعض دار الإمام الأزرقي صاحب تاريخ مكة ببضعة عشر ألف دينار إذ كانت لاصقة به.

فكانت مساحة المسجد الحرام مع زيادة ابن الزبير تسعة أجربة، و قد سقف المسجد الحرام لكن لم يعلم هل سقفه كله أم بعضه.

4) زيادة الوليد بن عبد الملك بن مروان سنة (91 ه) فإنه أمر بتوسيع المسجد الحرام و عمارته عمارة متينة محكمة قوية، و أحضر له أساطين الرخام من مصر و الشام و جعل على رؤوسها صفائح الذهب و سقف المسجد بالساج المزخرف، و جعل له شرفات. و جعل في حائطه الطيقان- العقود-، و جعل في أعلى العقود الفسيفساء. فكانت زيادة الوليد من الجهة الشرقية.

5) زيادة أبي جعفر المنصور سنة (137) هجرية في شهر محرم، فإنه أمر عامله على مكة زياد بن عبد اللّه الحارثي بتوسيع المسجد الحرام فزاد في شقه الشامي الذي يلي دار الندوة و زاد في أسفله إلى أن انتهى إلى منارة باب العمرة و منها على خط مستقيم من الجهة الغربية إلى ما يلي باب إبراهيم على حد الحصوة كما ذكر المرحوم الشيخ حسين باسلامة. و قد زاد في المسجد كثيرا عما كان عليه من قبل و زخرفه بالذهب و الفسيفساء و ألبس حجر إسماعيل بالرخام من داخله و خارجه و أعلاه. فكان أبو منصور أول من ألبسه بالرخام و المرمر. و قد استدام هذا العمل ثلاثة أعوام، فقد بدئ فيه في السنة المذكورة و انتهى منه في ذي الحجة سنة (140) و في هذه السنة حج أبو جعفر المنصور و بذل الأموال العظيمة (رحمه اللّه).

463

6) زيادة محمد المهدي العباسي سنة (160 و سنة 164 هجرية) أي وسع المسجد الحرام مرتين، و توسعته و زيادته في تعادل جميع زيادات من تقدمه حتى صار بضعه الحالي إلى اليوم، ما عدا زيادة باب إبراهيم و زيادة باب الزيادة كما سيأتي تفصيله.

(ففي المرة الأولى) لما حج (رحمه اللّه تعالى) سنة (160 ه) و أتى بالأموال العظيمة التي قدرها المؤرخ بثلاثين ألف ألف درهم- أي بأكثر من ثلاثين مليونا من الدنانير- استدعى قاضي مكة يومئذ محمد الأوقص المخزومي و أمره أن يشتري دورا في أعلى المسجد الحرام و يهدمها و يدخل أرضها فيه فاشترى القاضي جميع ما كان بين المسجد الحرام و المسعى من الدور فما كانت من الأوقاف و الصدقات" كالأربطة و يطلق عليها المصريون التكايا" اشترى للمستحقين بدلها دورا في فجاج مكة، فكان مما أدخل فيه من الدور ما بقي من دار الأزرقي الذي كما ذكرناه من أن ابن الزبير اشترى بعضها و أدخله في المسجد الحرام حينما زاد فيه، و أدخل المهدي في المسجد كثيرا من الدور الشهيرة في الجانب الشرقي.

و كذلك اشترى كثيرا من الدور من الجانب الغربي و أدخلها في المسجد الحرام، و كذلك زاد من الجانب الشمالي، و كذلك من الجانب الجنوبي.

(و في المرة الثانية) لما حج المهدي سنة (164) رأى أن المسجد الحرام لم يكن مربعا تمام التربيع و أن الكعبة المشرفة لم تقع بوسطه، فجمع المهندسين و مهرة البنائين و أمرهم أن يربعوا المسجد بحيث تكون الكعبة بوسطه تماما، فاعتذروا باستحالة هذا الأمر و صعوبة تنفيذه لأن الجهة الجنوبية- التي لم يتمكنوا من توسيع المسجد من ناحيتها بها مجرى سيل وادي إبراهيم و خلف المجرى دور و منازل، ففي هدم هذه الدور و تحويل المجرى إلى أرضها قد لا يكون من السهل الميسور و ربما لا يثبت أساس البناء فأصر أمير المؤمنين محمد المهدي (رحمه اللّه) و أحسن مثوبته على تنفيذ رغبته و قال لهم: لا بد من ذلك و لو أنفقت جميع بيوت الأموال و صمم على ذلك تصميما قويا فلما رأى المهندسون قوة عزم أمير المؤمنين نزلوا على إرادته و عملوا على تنفيذ أمره بهمة و نشاط و شمروا عن ساعد الجد بنية صادقة و إخلاص كبير فقاموا بتحويل مجرى سيل وادي إبراهيم عن موضعه بأن نصبوا الرماح على أسطحة الدور من أول الوادي إلى آخره و بينوا ما يهدم من البيوت و الدور و موضع‏

464

المسعى و محل السيل و عملوا كل ما من شأنه أن يربع المسجد و أن تكون الكعبة بوسطه، فلما شاهد المهدي (رحمه اللّه) رسم ذلك و اطمأن إلى تنفيذ رغبته على الوجه الأكمل توجه إلى العراق و خلف أموالا عظيمة لشراء البيوت و قيام العمارة. و بذلك صارت هذه التوسعة أضعاف أضعاف ما تقدم من الزيادات و لا يزال المسجد الحرام على هذه التوسعة المربعة إلى اليوم و ما حصل من الزيادتين الصغيرتين في المسجد بعده إنما هما خارجتان من التربيع كما سيأتي بيانه.

و محمد المهدي هذا كما أمر بتوسعة المسجد الحرام أمر أيضا بتجديد بناء أنصاب و أعلام الحرم.

7) زيادة المعتضد باللّه العباسي سنة (281) هجرية فإنه أمر بإدخال دار الندوة في المسجد الحرام و كانت محلها رحبة باب الزيادة و عمر بأساطين و طاقات و أروقة مسقفة بالساج المزخرف، و فتح لها اثني عشر بابا بستة عقود كبار و بينهم ستة صغار و بنى فيها منارة، و قد فرغ من ذلك في ثلاث سنين.

8) زيادة المقتدر باللّه العباسي سنة (306) هجرية فإنه أمر بتوسعة المسجد الحرام بإدخال رحبة باب إبراهيم و ما يتبعه من الرواق و سمي بذلك باسم خياط كان يجلس عنده. و أيضا جدد المقتدر باللّه أنصاب الحرم.

هذه خلاصة أمر توسعة المسجد الحرام و الزيادة فيه ثم لم يحدث منذ أكثر من ألف سنة أن عمل أحد في توسعته أو الزيادة فيه مطلقا، هذا ما كان من أمر التوسعة قديما.

9) توسعة جلالة الملك المعظم سعود بن عبد العزيز آل سعود سنة (1375) هجرية.

لما أراد اللّه عز شأنه أن يكمل لجلالة مليكنا المعظم" سعود" ملك المملكة العربية السعودية و أن يسعده سعادة أبدية و أن يقوي دعائم ملكه وّفقه لتوسيع المسجدين الحرامين" المسجد النبوي و المسجد الحرام" فإنه حفظه اللّه بعد أن أتم توسعة المسجد النبوي أمر فورا بتوسعة المسجد الحرام توسعة تتفق و مكانته السامية في قلوب كافة المسلمين. و قد بدأ في تنفيذ رغبته الملكية من ابتداء عام (1375) و أحضروا له كافة لوازم البناء و العمارة و قاموا بالهدم و البناء من العام المذكور بعد شراء المنازل و الدور، و أن هذه التوسعة ستكون من جميع جهات المسجد الحرام ليسع الآلاف المؤلفة من الحجيج الوافدين إلى بيت اللّه الحرام في كل سنة.

465

و هذه التوسعة هي أكبر و أعظم من جميع التوسعات التي حصلت في المسجد الحرام فيما مضى أي من (1070) عاما فإن توسعته تشمل على جميع الجهات من المسجد ليست بالأمر الهين و لا بالأمر العادي، بل أن هذه التوسعة ستتعدى نطاقها إلى توسعة شوارع مكة المشرفة، سواء الشوارع المتصلة بالمسجد الحرام، أم الممتدة إلى جهات البلدة، حتى تظهر مكة المكرمة" بلد اللّه الأمين" بالمظهر اللائق بها في هذا العصر الحديث، عصر التقدم في جميع نواحي الحياة.

و ستكون أم القرى و المسجد الحرام إن شاء اللّه تعالى بعد سنوات قليلة عروسة البلاد الإسلامية، و كما يكون لهما من المنظر الظاهري يكون لهما من المخبر و التمسك بالدين ما تقربه عيون المؤمنين في جميع البقاع و ما ذلك على اللّه بعزيز.

بيان مساحة الزيادات في المسجد الحرام‏

تقدم الكلام مفصلا و ملخصا عن الزيادات و التوسعات في المسجد الحرام، و هنا رأينا أن نضع مساحة الزيادات بصورة مجملة في جدول خاص مع بيان مساحة كل زيادة بالمتر المربع و هو الممسى «بالمتر المسطح» و بالذراع الهاشمي المربع أيضا، و لقد اشترك معنا في تحقيق مسائل المساحات بالمتر و الذراع المهندس المصري الأستاذ حسين صيام وفقه اللّه تعالى و سدد خطاه.

مع العلم بأن مساحة المطاف الذي هو المسجد الحرام القديم من قبل الإسلام هي (2000) ألفان من الأمتار المربعة، و ثمانية آلاف ذراع هاشمي مربع. و المطاف بيضاوي الشكل تقريبا. و لا يفوتنا أن ننبّه إلى أن معرفة ما زاده عمر بن الخطاب في المسجد وحده، أو ما زاده عثمان بن عفان فهي وحده رضي اللّه عنهما من المعتذر معرفته معرفة مضبوطة.

و اعلم أن مقدار قياس الذراع الهاشمي هو: (50) خمسون سنتيمترا، و قياس الذراع المعماري هو (75) خمسة و سبعون سنتيمترا، و قياس الذراع الحديدي هو (58) ثمانية و خمسون سنتيمترا.

466

عدد/ اسم من زاد في المسجد الحرام/ السنة التي حصلت فيها الزيادة/ بيان مواضع الزيادات/ مقدار الزيادة بالمتر المربع/ مقدار الزيادة بالذراع الهاشمي المربع‏

1/ عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه/ في سنة (17) من الهجرة/ زاد رضي اللّه عنه في المسجد الحرام بعد انتهائه من وضع حجر مقام إبراهيم (عليه السلام) في موضعه الحالي الموجود فيه اليوم، و ذلك بأن اشترى الدور الملاصقة للمسجد الحرام من أصحابها ثم هدمها و أدخل أرضها في المسجد، ثم أدار حائطا عليه طوله دون القامة و جعل في هذا الحائط أبوابا للدخول إلى المسجد./ (1400) ألف و أربعمائة/ (5600) خمسة آلاف و ستمائة

2/ عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه/ في سنة (26) من الهجرة/ زاد رضي اللّه تعالى عنه في المسجد الحرام و ذلك بأن اشترى الدور الملاصقة له من أصحابها، ثم هدمها و أدخل أرضها فيه و جعل له أروقة يستظل الناس تحتها./ (1475) ألف و أربعمائة و خمس و سبعين/ (5900) خمسة آلاف و تسعمائة

3/ عبد اللّه بن الزبير رضي/ في سنة (65) من/ زاد رضي اللّه تعالى عنه في المسجد الحرام/ (3225) ثلاثة/ (12900) اثني عشرة

467

عدد/ اسم من زاد في المسجد الحرام/ السنة التي حصلت فيها الزيادة/ بيان مواضع الزيادات/ مقدار الزيادة بالمتر المربع/ مقدار الزيادة بالذراع الهاشمي المربع‏

اللّه تعالى عنهما/ الهجرة/ بعد انتهائه من بناء الكعبة المشرفة، و كانت زيادته كبيرة بالنسبة للزيادتين السابقتين فاشترى دورا و هدمها و أدخل أرضها في المسجد ثم سقفه./ آلاف و مائتين و خمس و عشرين/ ألفا و تسعمائة

4/ الوليد بن عبد الملك بن مروان/ في سنة (91) من الهجرة/ زاد في المسجد الحرام من الجهة الشرقية، و أحضر له أساطين الرخام من مصر و الشام، و جعل على رؤوسها صفائح الذهب و سقف المسجد بالساج المزخرف و جعل له شرفات./ (1725) ألف و سبعمائة و خمس و عشرين/ (6900) ستة آلاف و تسعمائة

5/ أبو جعفر المنصور العباسي/ في سنة (137) من الهجرة/ زاد في المسجد الحرام من الجهة الشامية التي تلي دار الندوة، كما زاد في أسفله إلى أن انتهى إلى منارة باب الندوة، و من الجهة الغربية إلى ما يلي باب إبراهيم./ (4950) أربعة آلاف و تسعمائة و خمسين/ (19800) تسعة عشر ألف و ثمانمائة

468

عدد/ اسم من زاد في المسجد الحرام/ السنة التي حصلت فيها الزيادة/ بيان مواضع الزيادات/ مقدار الزيادة بالمتر المربع/ مقدار الزيادة بالذراع الهاشمي المربع‏

6/ محمد المهدي العباسي/ في سنة (160) من الهجرة/ زاد في المسجد الحرام الزيادة الأولى فاشترى دورا كثيرة و أدخلها في المسجد، لكنه لم يكن متساويا من جميع الجهات/ (8380) ثمانية آلاف و ثلاثمائة و ثمانين/ (33520) ثلاثة و ثلاثين ألف و خمسمائة و عشرين‏

6/ محمد المهدي العباسي/ في سنة (164) من الهجرة/ حج المهدي فزاد فيه الزيادة الثانية إذ رأى أن المسجد لم يكن مربعا تمام التربيع و أن الكعبة المشرفة لم تقع بوسطه، فأصر أن يربعوا المسجد بحيث تكون الكعبة في وسطه تماما، و في سبيل ذلك بذل الكثير من المال في شراء البيوت و قيام العمارة، و لا يزال المسجد الحرام على هذه التوسعة المربعة إلى اليوم «أي إلى قبل التوسعة السعودية التي حصلت في زماننا»./ (6560) ستة آلاف و خمسمائة و ستين/ (26240) ستة و عشرين ألف و مائتين و أربعين‏

7/ المعتضد باللّه/ في سنة (280) من/ زاد في المسجد الحرام فأمر بإدخال دار/ (2500) ألفين/ (10000) عشرة

469

عدد/ اسم من زاد في المسجد الحرام/ السنة التي حصلت فيها الزيادة/ بيان مواضع الزيادات/ مقدار الزيادة بالمتر المربع/ مقدار الزيادة بالذراع الهاشمي المربع‏

العباسي/ الهجرة/ الندوة التي محلها باب الزيادة و رحبتها فيه، و عمره بأساطين و طاقات و جعل له أروقة و سقفه بالساج المزخرف و فتح اثني عشر بابا للمسجد./ و خمسمائة/ آلاف‏

8/ المقتدر باللّه العباسي/ في سنة (306) من الهجرة/ زاد في المسجد الحرام فأمر بإدخال رحبة باب إبراهيم و ما يتبعه من الرواق، و هذه آخر توسعة للمسجد حتى سنة (1375) هجرية من زماننا هذا./ (980) تسعمائة و ثمانين/ (3920) ثلاثة آلاف و تسعمائة و عشرين‏

9/ الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود/ في سنة (1375) من الهجرة/ أمر جلالة الملك سعود بن عبد العزيز بتوسيع المسجد الحرام و الزيادة فيه من جميع جهاته، ليسع الآلاف المؤلفة من الحجيج الوافدين إلى بيت اللّه في كل عام، و كان ذلك بعد الانتهاء من توسعة المسجد النبوي في عصرنا أيضا. فهذه‏

470

عدد/ اسم من زاد في المسجد الحرام/ السنة التي حصلت فيها الزيادة/ بيان مواضع الزيادات/ مقدار الزيادة بالمتر المربع/ مقدار الزيادة بالذراع الهاشمي المربع‏

التوسعة في المسجد الحرام بلا شك هي أكبر و أعظم من جميع التوسعات السابقة فجزاه اللّه تعالى خير الجزاء و زاده توفيقا و تأييدا، و أثاب جميع من زاد في المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو أجرى عمارة و إصلاحا فيهما ثوابا جزيلا إنه تعالى واسع الفضل و الإحسان و هو الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا.

و هنا ينبغي لنا أن نذكر تراجم من زاد في المسجد الحرام، و قد تقدم ذكر بعضهم في المحلات المناسبة، و هنا نضع تراجم من لم يتقدم ذكره، و إليك بيان ذلك.

ترجمة الوليد بن عبد الملك‏

جاء في تاريخ الخميس عنه ما ملخصه: بويع للوليد، بالخلافة في يوم الخميس منتصف شوال سنة (86) ست و ثمانين و توفي في منتصف جمادى الآخرة سنة ست و تسعين و دفن بدمشق و تولى دفنه عمر بن عبد العزيز، و كان نقش خاتمه: يا وليد إنك ميت و محاسب، و في المختصر الجامع حج الوليد بالناس سنة (88) و سنة

471

(91) و سنة (94)، و في دول الإسلام كان الوليد يعطي أكياس الدراهم لتقسم في الصالحين، و كان يختم القرآن في ثلاث، قال إبراهيم بن عبلة: كان يختم في رمضان سبع عشرة مرة، قال الوليد: لو لا أن اللّه تعالى ذكر اللواطة في كتابه ما ظننت أحدا يفعله. و كان الوليد ذا سطوة شديدة لا يتوقف إذا غضب، و كان كثير النكاح و الطلاق يقال أنه تزوج ثلاثا و ستين امرأة، و في عهده حصلت فتوحات عظيمة فكان في كل وقت يصل إليه البريد بخبر فتح بعد فتح و يحمل إليه خمس المغانم و امتلأت خزائنه و عظمت هيبته، حتى أن عماله كانوا يكتبون إليه أن بيوت المال قد ضاقت من مال الخمس فيجيبهم أن ابنوا بها المساجد، و في عهده تقدم فن العمارات و البنايات فكان الناس إذا التقوا تساءلوا عن البناء و الصناع، و هذه قبة صخرة بيت المقدس فإن ما فيها من النقوش و الفسيفساء و القيشاني يدهش عقول الفنانين و أرباب الصنعة، كل ذلك من عهد الوليد و أبيه عبد الملك بن مروان. ثم من بعدهما حصل فيها بعض تعميرات و إصلاحات.

قال صاحب تاريخ الخميس نقلا عن كتاب دول الإسلام: و الوليد هو الذي بنى جامع دمشق و زخرفه و كان قبله نصفه كنيسة للنصارى و النصف الآخر الذي فيه محراب الصحابة للمسلمين، فأرضى الوليد النصارى بعدّة كنائس صالحهم عليها فرضوا ثم هدمه سوى حيطانه، و أنشأ فيه النسر و القناطر و حلاها بالذهب و أستار الحرير و بقي العمل فيه تسع سنين حتى قيل كان يعمل فيه اثنا عشر ألف مرخم و غرم عليه من الدنانير المصرية زنة قنطار و أربعة و أربعين قنطار بالدمشقي حتى صيره نزهة الدنيا و أمر نائبه على المدينة ابن عمه عمر بن عبد العزيز ببناء مسجد النبي (صلى الله عليه و سلم) و توسيعه و زخرفته ففعل. و هو أول من اتخذ المارستان للمرضى و دار الضيافة و أقام عمر بن عبد العزيز والي المدينة سبع سنين و خمسة أشهر، و شيّد مسجد النبي (صلى الله عليه و سلم)، و بنى الأميال في الطرقات، و أنفذ إلى خالد بن عبد اللّه القسري عامله على مكة ثلاثين ألف مثقال ذهبا فصفح باب الكعبة و الميزاب و الأساطين.

انتهى من تاريخ الخميس.

و يقال أن الحلية التي حلاها الوليد بن عبد الملك للكعبة هي ما كانت في مائدة نبي اللّه سليمان بن داود عليهما الصلاة و السلام من ذهب و فضة، و كانت قد احتملت من طليطيلة من جزيزة الأندلس على بغل قوي فتفسخ تحتها، و كانت بها أطواق من ياقوت و زبرجد اه.

472

و نحن لم نبحث عن قصة مائدة سليمان (عليه السلام)، فاللّه تعالى أعلم بذلك.

ثم قال: و في حياة الحيوان قال الحافظ ابن عساكر: كان الوليد عند أهل الشام من أفضل خلفائهم بنى المساجد بدمشق و أعطى الناس و فرض للمخدومين و قال: لا تسألوا الناس و أعطى كل مقعد خادما و كل أعمى قائدا و كان يبر حملة القرآن و يقضي عنهم ديونهم و بنى الجامع الأموي و هدم كنيسة ما ريوحنا و زادها فيه و ذلك في القعدة سنة ست و ثمانين و توفي الوليد و لم يتم بناؤه فأتمه سليمان أخوه و كان جملة ما أنفق على بنائه أربعمائة صندوق في كل صندوق ثمانية و عشرون ألف دينار و كان فيه ستمائة سلسلة ذهب للقناديل و ما زالت إلى أيام عمر بن عبد العزيز، فجعلها في بيت المال و اتخذ عوضها حفرا و حديدا. و بنى الوليد قبة الصخرة ببيت المقدس، و بنى المسجد النبوي و وسّعه حتى دخلت الحجرة النبوية فيه. و له آثار حسنة كثيرة جدا و مع ذلك روي أن عمر بن عبد العزيز قال: لما ألحدت الوليد أو تكفن في أكفانه و غلّت يداه إلى عنقه، نسأل اللّه العفو و العافية من الدنيا و الآخرة. فتحت في أيام خلافة الوليد الفتوحات العظام، مثل: الهند و السند و الأندلس و غير ذلك. انتهى من تاريخ الخميس.

و قال أيضا بعد هذا الكلام ما نصه: و قوله: أن الوليد بنى قبة الصخرة فيه نظر، و إنما بنى قبة الصخرة عبد الملك بن مروان في أيام فتنة ابن الزبير لما منع عبد الملك أهل الشام من الحج خوفا من أن يأخذ منهم ابن الزبير البيعة، و كان الناس يقفون يوم عرفة بقبة الصخرة إلى أن قتل ابن الزبير. و عن ابن خلكان و غيره لعلها تشعثت فهدمها الوليد و بناها و اللّه تعالى أعلم اه.

انتهى كل ذلك من تاريخ الخميس.

و في الأزرقي: فلما كان في خلافة الوليد بن عبد الملك بعث إلى و إليه على مكة خالد بن عبد اللّه القسري بستة و ثلاثين ألف دينار فضرب منها على بابي الكعبة صفائح الذهب و على ميزاب الكعبة و على الأساطين التي في بطنها و على الأركان في جوفها قال أبو الوليد: قال جدي: فكلما كان على الميزاب و على الأركان في جوفها من الذهب فهو من عمل الوليد بن عبد الملك و هو أول من ذهّب البيت في الإسلام اه.

ثم قال بعد بضعة أسطر: قال ابن جريج: و عمل الوليد بن عبد الملك الرخام الأحمر و الأخضر و الأبيض الذي في بطنها مؤزرا به جدرانها و فرشها بالرخام‏

473

و أرسل به من الشام و جعل الجزعة التي تلقى من دخل الكعبة من بين يدي من قام يتوخّي مصلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في موضعها و جعل عليها طوقا من ذهب فجميع ما في الكعبة من الرخام فهو من عمل الوليد بن عبد الملك و هو أول من فرشها بالرخام و أزّر به جدرانها و هو أول من زخرف المساجد. انتهى من تاريخ الأزرقي.

ترجمة المعتضد باللّه‏

جاء في تاريخ الخميس ما ملخصه:

المعتضد باللّه أبو العباس أحمد بن ولي العهد الموفق باللّه طلحة ابن المتوكل على اللّه جعفر بن المعتصم باللّه محمد بن الرشيد هرون الهاشمي العباسي، مولده في سنة (242) اثنتين و أربعين و مائتين، كان شجاعا مقداما مهابا ذا سطوة و حزم و رأي و جبروت.

و في سنة (286) ظهرت القرامطة بالبحرين فقاتلهم المعتضد.

مات المعتضد يوم الاثنين لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة (289) تسع و ثمانين و مائتين، قالوا: و من عجيب ما ذكر عنه المسعودي إن صح قال: شكّوا في موت المعتضد فتقدم الطبيب فجس نبضه ففتح عينيه و رفس الطبيب برجله فدحاه أذرعا و مات الطبيب ثم مات المعتضد من ساعته. انتهى ملخصا من تاريخ الخميس.

جاء عنه في كتاب «محاضرات الخضري» ما نصه: هو أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الموفق طلحة بن المعتصم و أمه أم ولد اسمها ضرار ولد سنة «لم يذكر الخضري السنة» و كان عضدا لأبيه الموفق في حوربه و أعماله و ولي العهد بعد وفاة أبيه و بعد خلع المفوض ابن المعتمد سنة (279) تسع و سبعين و مائتين و بويع له بالخلافة من اليوم الذي توفي فيه المعتمد على اللّه لإحدى عشرة بقيت من رجب سنة (279) تسع و سبعين و مائتين (15 أكتوبر سنة 892) و لم يزل خليفة حتى توفي لثمان بقين من ربيع الآخر سنة (289) تسع و ثمانين و مائتين (15 إبريل سنة 902) فكانت مدته تسع سنوات و تسعة أشهر و ثلاثة أيام.

474

قال الخضري: كان المعتضد قوي القلب جريئا و لذلك كان للخلافة في عهده أكثر مما كان في عهد أبيه من الهيبة و إن كان الأمر في الحقيقة جلّ أن يصلح لأن وراءهم عدوا لا ينام يريد إفساد ملكهم بما أمكنه و لو أدّى ذلك إلى إفساد البلاد كلها. و كان مع شجاعته قليل الرحمة سفاكا للدماء شديد الرغبة في التمثيل بمن يقتله. و له إصلاحات داخلية جليلة منها: أنه أمر برد الفاضل من سهام المواريث على ذوي الأرحام و أمر بإبطال ديوان المواريث. و كان أصحاب التركات يلقون من ذلك عناء و منها اهتمامه بكري دجيل و هو أحد روافد دجلة و قلع من فوهته صخرا كان يمنع الماء.

قال: و من أهم إصلاحه ما يعرف بالتقويم المعتضدي، و لقد بيّن هذا التقويم بالتفصيل الأستاذ الخضري في محاضراته بصحيفة 449 فمن أراد الاطلاع على ذلك فليراجع الكتاب المذكور.

و المعتضد هو الذي ترك سامرا و استبدل بها بغداد فضاعت أبهتها و خرجت بعد أن كانت تضارع بغداد، بل لم يكن في الأرض كلها أحسن منها و لا أجمل و لا أعظم و لا آنس و لا أوسع ملكا منها، و لما استدبر أمرها جعلت تنقض و تحمل أنقاضها إلى بغداد يعمر بها، فقال ابن المعتز:

قد أقفرت سرمرّا* * * و ما لشي‏ء دوام‏

فالنقض يحمل منها* * * كأنها آجام‏

ماتت كما مات فيل‏* * * تسل منه العظام‏

انتهى من محاضرات الخضري.

سياسة المعتضد باللّه العباسي في الحكم‏

جاء في الجزء الثالث من كتاب" المطالعة الوافية" عن ذلك ما يأتي: اشتهر الخليفة العباسي المعتضد بالحزم و الجرأة، فكان يصطنع الشدة في السياسة و يؤثرها على الرفق و اللين. و بلغ من حرصه عليها و ولوعه بها أنه كان لا يتركها في ظاهر الأمر إذا بدا له أن يتركها في الحقيقة و الواقع. لذلك استطاع أن يحفظ للدولة بعض سطوتها و يمسك عليها شيئا من هيبة السلطان. برغم عوامل الضعف و الشر التي كانت تعيث فيها و توهن من قوتها.

475

و في القصة التالية يعرض نديمه عبد اللّه بن حمدون صورة لأسلوبه في حفظ الأمن و تأديب العابثين به. قال: كان المعتضد يسير بعسكره في بعض النواحي و أنا معه. فصاح رجل في قثاء. فاستدعاه و سأله عن سبب صياحه. فقال: أخذ بعض الجيش شيئا. فقال: اطلبوهم. فجاءوا بثلاثة أنفس. فسأل الخليفة: أهؤلاء الذين أخذوا القثاء؟ فقال الرجل: نعم فقيدهم في الحال و أمر بحبسهم. فلما كان من الغد ضرب أعناقهم، فأنكر الناس ذلك و تحدثوا به، و حزنت قلبهم.

و مضت على ذلك مدة طويلة. فجلست أحادثه ليلة، فقال لي: يا عبد اللّه، هل تعتب الناس علي شيئا؟ عرفني حتى أزيله. فقلت: كلا يا أمير المؤمنين.

فقال: أقسمت عليك بحياتي إلا صدقتني. قلت: يا أمير المؤمنين أقول و أنا آمن؟

قال: نعم. قلت: إسراعك إلى سفك الدماء. فقال: و اللّه ما هرقت دما قط منذ ولّيت هذا الأمر إلا بحقه.

قال: فأمسكت إمساك من ينكر هذا الكلام. فقال: بحياتي إلا قلت؟

فقلت: يتحدثون عن قتلك أحمد ابن الطيب، و كان خادمك، و لم تكن له جناية ظاهرة. فقال: ويحك إنه دعاني إلى الإلحاد. فقلت له: يا هذا أنا ابن عم صاحب هذه الشريعة. و أنا الآن منتصب منصبه فكيف ألحد؟ و كان يقول لي: إن الخلفاء لا تغضب. و إذا غضبت لم تر حسن. فلم أستحسن إطلاقه.

فسكتّ سكوت من يريد الكلام. فقال: في وجهك كلام. فقلت: الناس ينقمون عليك أمر الرجال الثلاثة الذين قتلتهم للقثاء. فقال: و اللّه ما كان أولئك المقتولون هم الذين أخذوا القثاء. و إنما كانوا لصوصا حملوا من موضع كذا و كذا.

و وافق ذلك أمر أصحاب القثاء فأردت أن أهول على الجيش بأن من عاث منهم و أفسد في مثل هذا القدر. كانت هذه عقوبتي له. ليكفوا عما فوقه. و لو أردت قتلهم لقتلتهم في الحال و الوقت و إنما حبستهم. و أمرت بإخراج اللصوص من غد مغطين الوجوه ليقال أنهم أصحاب القثاء.

فقلت: فكيف تعلم العامة. قال: بإخراجي الجنود الذين أخذوا القثاء أحياء.

و إطلاقي لهم في هذه الساعة. ثم قال: هاتوا الجنود. فجاءوا بهم و قد تغيرت حالهم. فقال لهم: ما قصتكم؟ فقصوا عليه قصة القثاء. فاستتابهم عن فعل مثل ذلك و أطلقهم فانتشرت الحكاية فزالت التهمة. انتهى من كتاب المطالعة الوافية.

476

و من المصادفات الحسنة التاريخية ما عثرنا في كتاب محاضرات الخضري بصحيفة 238 على بيان دقيق للمصروفات اليومية في قصر أمير المؤمنين المعتضد باللّه، هذا هو الكشف كما في الكتاب المذكور:

دينار وجوه الصرف و أنواع النفقات‏

1000 أرزاق أصحاب النوبة من الرجال و من برسمهم من البوابين و من يجري مجراهم.

1000 أرزاق الغلمان الخاصة و فيهم الحجاب و خلفاء الحجاب.

1500 أرزاق مماليك المعتضد المعروفين بالمماليك الحجرية.

600 أرزاق المماليك المختارين.

500 أرزاق الفرسان المميزين.

110 أرزاق سبعة عشر صنفا من المرسومين بخدمة الدار.

50 المرتزقة برسم الشرطة بمدينة السلام و الخلفاء عليهم و من يجري مجراهم.

300 أثمان أنزال الغلمان المماليك.

2/ 1 253 نفقات المطابخ الخاصة و العامة و المخابز و أنزل الحرم و مخابز السودان.

100 ثمن وظائف شراب الخاصة و العامة و نفقات خزائن الكسوة و الخلع و الطيب و حوائج الوضوء و ما شابه ذلك.

4 أرزاق السقائين بالقرب.

167 أرزاق الخاصة و من يجري مجراهم من الغلمان و المماليك.

100 أرزاق الحرم من المستخدمين في شراب العامة و خزائن الكسوة الخ.

100 أرزاق الحرم.

400 ثمن علوفة الكراع في الاصطبلات الخمسة.

3/ 2 66 ما يصرف من ثمن الكراع و الإبل و ما يبتاع من الخيل.

30 أرزاق الفراشين و من جرى مجراهم.

3/ 2 6 ثمن الشمع و الزيت.

5 أرزاق أصحاب الركاب و الجنائب و السروج.

2/ 1 44 أرزاق الجلساء و أكابر الملهين.

477

دينار وجوه الصرف و أنواع النفقات‏

3/ 1 23 أرزاق المتطببين مع أثمان الأدوية.

70 أرزاق أصحاب الصيد و ثمن الطعم و العلاج للجوارح.

3/ 2 61 أرزاق الملاحين.

4 ثمن نفط و مشاقة.

15 صدقة يومية.

3/ 1 33 جاري أولاد المتوكل.

3/ 2 16 جاري ولد الواثق و المهتدي و المستعين و سائر أولاد الخلفاء.

3/ 2 16 جاري ولد الناصر.

20 أرزاق مشايخ الهاشميين و الخطباء بمدينة السلام.

3/ 1 33 جاري جمهور بني هاشم.

3/ 1 33 رزق الوزير و ابنه.

3/ 2 156 أرزاق أكابر الكتاب و سائر من في الدواوين و ثمن الصحف و القراطيس و الكاغذ.

3/ 2 16/ رزق القاضي و خليفته و عشرة فقهاء.

3/ 1 3 خدام المسجدين الجامعين بمدينة السلام.

50 نفقات السجون.

10 نفقات الجسرين و أرزاق الجسارين.

15 نفقات البيمارستان الصاعدي و أرزاق أطبائه و أثمان الأدوية.

3/ 1 6946 المجموع‏

فهذه وجوه الصرف تبين أن جميع المصروفات التي كانت تصرف في الحضرة كل يوم حوالي سبعة آلاف دينار و في الشهر (210000) و في السنة (2520000) دينار و هو مقدار قليل إذا قيس بما كان يرد على حضرة الخلافة في عهد المأمون و المعتصم و لا غرابة في ذلك فإن كثيرا من الأقاليم استقل بإدراته و أمواله المتغلبون و ما بقي لبني العباس لم يعمره العدل و الأمن لكثرة الاضطرابات في الجزيرة و بلاد العراق و فارس.

478

وصف قصر الخليفة المقتدر باللّه العباسي‏

جاء في الجزء الثالث من كتاب «المطالعة الوافية» نقلا عن الخطيب البغدادي و هو عن كتاب «رسل الملوك لابن الفراء» بتصرف يسير ما يأتي:

أرسل ملك الروم سفيره في وفد إلى الخليفة «المقتدر العباسي» فلما وافى الوفد كان الخليفة مشغولا بتجميل قصره، و إدخال ضروب من الزينة و الإصلاح عليه. فاستضافهم في أحد قصوره البعيدة حتى يفرغ فلما فرغ استدعاهم بعد أن أمر بوقوف الجنود على جاني الطريق. من القصر إلى دار الخلافة و سار الوفد بين جند لا يقل عن مائة و ستين ألف فارس و راجل فوق طريق مفروش بالبسط النفيسة و الأنماط الغالية و نوافذه و سطوحه و مسالكه مملوءة بالظارة و دجلة يموج بأنواع السفن و القوارب المزينة بأفضل الزينة إلى دار الخلافة و قد امتلأت الدار بالفرش الجميلة و زينت بالمعدات و الآلات الجليلة النادرة. و رتب الحجاب و خلفاؤهم و الحواشي على حساب طبقاتهم صفين بالثياب الحسنة تحثهم الدواب بمراكب الذهب و الفضة و قد أظهروا العدد الكثيرة و الأسلحة المختلفة و بعدهم الغلمان بالبزة و السيوف و المناطق المحلاة و دخل السفير فرأى الحاجب فظنه الخليفة.

و داخله من أجله هيبة و روعة حتى علم أنه الحاجب فهدأ ثم دخل بعد ذلك دار أحد الوزراء فرأى أكثر مما رآه عند الحاجب فلم يشك أنه الخليفة فقيل له أنه الوزير.

ثم أجلس بين دجلة و البساتين في مجلس حسن إلى أن دعي إلى حضرة الخليفة المقتدر و هو جالس في قصر التاج بعد أن لبس الثياب الدبيقية المطرزة بالذهب على سرير من أبنوس قد فرش بالدبيقي المذهب و على رأسه الطويلة و من يمنة السرير تسعة عقود مثل السبح و من يسرته تسعة أخرى من أفخر الجواهر و أعظمها قيمة غلب ضؤها على ضوء النهار، و بين يديه خمسة من ولده: ثلاثة يمنة و اثنان يسرة.

فقبل الرسول و ترجمانه الأرض بين يدي الخليفة و وقفا حيث استوقفهما و أديا إليه رسالة ملكهما فاستجاب مما فيها لما رأى أنه الخير ثم خرجا من حضرته بعد أن رسم لهما بالطواف في دار الخلافة و كانت مملوءة من الخدم و الغلمان السود و الحجاب و عدد الخدم سبعة آلاف غلام أسود و فتحت له الخزائن و الأدوات فيها

479

مرتبة كما يفعل بخزائن العروس و عرضت له جواهر الخلافة و كانت منظمة على درج مغشى بالديباج الأسود.

ثم دخل دار الشجرة فكثر تعجبه منها إذ رآها شجرة من الفضة تزن خمسمائة ألف درهم عليها أطيار مصنوعة من الفضة تصفر صفيرا عجيبا كلما جرت حولها حركات خاصة و كان تعجب الرسول منها أوفى من عجبه من كل ما شاهده.

ثم رأى ما علقّ في قصور الخليفة من الستور و كلها من الديباج المموه بالطرز المذهبة المصورة بالحامات و الفيلة و الخيل و الجمال و السباع. و كان عدد الستور الصنعانية و الأرمينية و الواسطية و السواذج النمقوشة و الدبيقية ثمانية و ثلاثين ألف ستر.

و في جانب الدار يمنة تماثيل خمسة عشر فارسا فوق خمسة عشر فرسا قد ألبسوا الديباج و غيره و في أيديهم الرماح.

ثم دخل القصر المعروف بالفردوس و هو قصر مملوء بالسلاح من الخوذ و الدروع و القسي و الجعاب.

و كان الخدم يسقون الناس الماء المبرد بالثلج و الأشربة المختلفة يطوف مع السفير و أتباعه رئيس الثغور الشامية بسيفه و منطقته و قبائه الأسود إذ كان اللون الأسود هو لون الملبس الرسمي في الدولة العباسية و يرتديه السفراء و الرسل إذا أوفدوا برسالة أو سفروا بين الملوك. انتهى من كتاب المطالعة الوافية.

ترجمة المقتدر باللّه‏

نذكر ترجمة المقتدر باللّه بمناسبة ما زاده في المسجد الحرام كما تقدم بيان ذلك، جاء في تاريخ الخميس عنه ما ملخصه:

هو المقتدر باللّه أبو الفضل جعفر بن ولي العهد الموفق طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد الهاشمي العباسي، بويع بالخلافة بعد موت أخيه المكتفي باللّه و هو غير بالغ و عمره أربع عشرة سنة، أي في سنة (295) خمس و تسعين و مائتين و لم يل أمر الأمة صبي قبله، و ضعف دست الخلافة في أيامه فلم يتم أمره لصغر سنه و تغّلب عليه الجند، و اتفق جماعة من الأعيان على خلعه من‏

480

الخلافة و تولية عبد اللّه بن المعتز، و كلموا ابن المعتز في ذلك فأجابهم بشرط أن لا يكون فيها دم، فإنه كان عالما فاضلا دينا أديبا شاعرا فأجابوه لذلك و خلعوا المقتدر من الخلافة و هو مقيم بالحريم داخل دار الخلافة.

و كانت خلافة المقتدر هذه المرة دون السنة، و في سيرة مغلطاي ولي أربعة أشهر ثم عزل ثم أعيد كما سيأتي.

ثم بويع بالخلافة عبد اللّه بن المعتز، فأمر ابن المعتز أن ينصرف المقتدر من دار الخلافة إلى دار محمد بن طاهر كي ينتقل ابن المعتز إلى دار الخلافة، و في هذه الأثناء قاتل أعوان المقتدر أنصار ابن المعتز و أوقع اللّه في قلوب هؤلاء الرعب.

فانتصر المقتدر و أعوانه عليهم، و استفحل أمره و أمسك جماعة ابن المعتز و من قام بنصرته فحبسهم و قتل غالبهم، ثم استقام أمر المقتدر و أعيد للخلافة للمرة الثانية، و لم ينتقل المقتدر من دار الخلافة و لم يغير لقبه و ظفر بأعدائه واحدا بعد واحد، و استمر في الخلافة إلى سنة (317) سبع عشرة و ثلاثمائة، ثم خلع ثانيا بأخيه القاهر باللّه أبي منصور محمد.

كان القاهر باللّه المذكور محبوسا، فوصل في الثلث الأخير من ليلة الخامس عشر من المحرم من السنة المذكورة أي سنة (317) فبايعه يونس و الأمراء و لقبوه بالقاهر باللّه، ففي يوم السبت أشهد المقتدر على نفسه بالخلع، و في يوم الأحد جلس القاهر و كتب الوزير عنه إلى الأقطار، و في يوم الاثنين امتلأت دهاليز الدار بالعسكر يطلبون رزق البيعة و رزق سنة أيضا، ثم ارتفعت أصوات الرجالة و هجموا على الحاجب نازل و هو بدار الخلافة فقتلوه و صاحوا يا مقتدر يا منصور، فهرب من دار الخلافة، ثم أخرج المقتدر و حضر إلى دار الخلافة و جلس مجلسه، فأتوا بأخيه محمد القاهر المذكور و جلس بين يدي المقتدر فاستدناه المقتدر و قبل جبينه و القاهر يبكي و يقول: اللّه اللّه في نفسي يا أمير المؤمنين. فقال له المقتدر و اللّه لا جرى عليك مني سوءا أبدا، فطب نفسا. و أقام القاهر عند أخيه المقتدر مبجلا محترما إلى أن أعيد إلى الخلافة بعد موت أخيه المقتدر.

فلما تولى المقتدر باللّه الخلافة للمرة الثالثة، فتح الخزائن و بذل الأموال للجند، ثم في سنة (317) سيّر المقتدر ركب الحاج مع منصور الديلمي فوافاهم يوم التروية عدوّ اللّه أبو طاهر القرمطي فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلا ذريعا و هم محرمون و في أزقة مكة و قتل أمير مكة «ابن محارب» و عرّى البيت الحرام و قلع‏

481

باب الكعبة و اقتلع الحجر الأسود و أخذه إلى هجر و طرح القتلى في بئر زمزم و دفن الباقي في المسجد الحرام و حيث قتلوا بغير غسل و لا كفن و لا صلاة عليهم، و يقال أن القتلى بمكة و بظاهرها في هذه الوقعة كان أكثر من ثلاثين ألف إنسان و سبي من النساء و الصبيان مثل ذلك و كانت مدة إقامته بمكة ستة أيام و لم يحج أحد و لا وقف بالناس أمام سنة سبع عشرة و ثلاثمائة، و كان بين المقتدر و القرامطة حرب مستمرة، و بعد عود القرمطي إلى بلاده «هجر» رماه اللّه تعالى في جسده و طال عذابه و تقطعت أوصاله و تناثر الدود من لحمه إلى أن مات، و قد تقدم الكلام عن القرامطة.

قال الصولي: كان المقتدر يفرق كل يوم عرفة من الإبل و البقر أربعين ألف رأس و من الغنم خمسين ألف رأس، و يقال أنه أتلف من الذهب ثمانية ألف ألف دينار في أيامه، قال الذهبي: إنه كان مسرفا مبذرا للمال ناقص الرأي أعطى جارية له الدرة اليتيمة وزنها ثلاثة مثاقيل و ما كانت تقوم.

و قد قتل المقتدر يوم الأربعاء السابع و العشرين من شوال سنة (320) عشرين و ثلاثمائة، فكانت خلافته أولا و ثانيا و ثالثا خمسا و عشرين سنة إلا أياما، و عاش نحو ثلاثين سنة، و كان سخيا مبذرا يصرف في كل سنة للحج أكثر من ثلاثمائة ألف دينار، و كان في داره أحد عشر ألف خصيان غير الروم و الصقالبة و السود، و بعد قتل المقتدر تولى الخلافة ثانيا أخوه محمد القاهر المذكور.

انتهى من تاريخ الخميس باختصار.

قال الغازي في تاريخه نقلا عن ابن فهد ما يأتي: في حوادث سنة ست و ثلاثمائة و في أيام المقتدر باللّه و هي من سنة خمس و تسعين و مائتين إلى أواخر سنة عشرين و ثلاثمائة، في وزارة حامد بن العباس رتب علي بن عيسى بن الجراح لأن يحمل إلى الحرمين الشريفين و إلى المجاورين بهما و إلى أرباب الوظائف بمكة و المدينة في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار و خمسة آلاف دينار و أربعمائة و ستة و عشرين دينارا هكذا قال الإمام السروجي في باب زكاة المال من كتاب الغاية شرح البداية و قال سبط ابن الجوزي أبو المحاسن يوسف: كان المقتدر يصرف في كل سنة في طريق مكة و الحرمين ثلثمائة ألف دينار و نيف و خمسة عشر ألف دينار. انتهى.

482

ترجمة أبي جعفر المنصور

كان للمنصور عدة أولاد كما سيأتي بيانهم إن شاء اللّه تعالى منهم جعفر الأكبر الذي مات قبل وفاة المنصور فلذلك يكنى المنصور بأبي جعفر.

جاء من محاضرات الخضري عنه ما يأتي:

هو أبو جعفر عبد اللّه بن محمد بن علي و أمه أم ولد أسمها سلامة ولد بالحميمة سنة (101).

و لما انتقل أبو العباس من الحميمة إلى الكوفة كان في من معه. و لما أفضت الخلافة إلى أبي العباس كان عضده الأقوى و ساعده الأشد في تدبير الخلافة. و في السنة التي توفي فيها أبو العباس عقد العهد لأخيه أبي جعفر، و كان إذ ذاك أميرا على الحج. ثم توفي السفاح و أبو جعفر بالحجاز فأخذ البيعة له بالأنبار ابن أخيه عيسى بن موسى و كتب إليه يعلمه وفاة السفاح و البيعة له فلقيه الرسول بإحدى المنازل عائدا بعد انتهاء الحج.

و قد تمت البيعة له في اليوم الذي توفي فيه أخوه (8 يونيه سنة 754) و استمر خليفة إلى أن توفي يوم الأحد سابع ذي الحجة سنة (158) ثمان و خمسين و مائة هجرية (8 أكتوبر سنة 775) ميلادية فكانت خلافته (22) سنة هلالية إلا ستة أيام. انتهى من محاضرات الخضري.

تقدير المنصور للعلماء العاملين و الوعاظ

جاء في الجزء الثالث من كتاب «المطالعة الوافية» عن ذلك ما يأتي: روى إسحاق بن الفضل الهاشمي قال: إني لعلى باب المنصور يوما و إلى جنبي عمارة بن حمزة، إذ طلع عمرو بن عبيد على حمار، فنزل عن حماره ثم دفع البساط برجله و جلس دونه. فالتفت إلى عمارة فقال: لا تزال بصرتكم ترمينا منها بأحمق. فما فصل كلامه من فيه حتى خرج الربيع و هو ينادي. أبو عثمان عمرو بن عبيد.

قال: فو اللّه ما دل على نفسه حتى أرشد إليه فاتكأه يده ثم قال له: أجب أمير المؤمنين جعلت فداك. فمر متوكئا. فالتفت إلى عمارة فقلت. إن الرجل الذي استحمقته قد أدخل و تركنا. فقال: كثيرا ما يكون ذلك. فأطال اللبث. ثم‏

483

خرج الربيع و هو متوكئ عليه و الربيع يقول: يا غلام هات حمار أبي عثمان. فما برح حتى أتى بالحمار فأقره على سرجه و ضم إليه نشر ثوبه و استودعه اللّه.

فأقبل عمارة على الربيع فقال: لقد فعلتم اليوم بهذا الرجل ما لو فعلتموه بولي عهدكهم لقضيتم ذمامه، قال: فما غاب عنك مما فعل به أكثر و أعجب. قال عمارة: فإن اتسع لك الحديث فحدثنا. فقال الربيع: ما هو إلا أن سمع الخليفة بمكانه فما أمهل حتى أمر بمجلس ففرش لبودا ثم انتقل إليه و المهدي معه عليه سواده و سيفه ثم أذن له.

فلما دخل عليه سلم بالخلافة. فرد عليه و ما زال يدنيه حتى اتكأه فخذه و تحفى به ثم سأله عن نفسه و عن عياله يسميهم رجلا رجلا و امرأة امرأة. ثم قال: يا أبا عثمان عظنا.

فقال: أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم، وَ الْفَجْرِ* وَ لَيالٍ عَشْرٍ* وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ* وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ و مر فيها إلى آخرها و قال: إن ربك يا أبا جعفر لبالمرصاد. قال: فبكى المنصور بكاءا شديدا، كأنه لم يسمع تلك الآيات إلا تلك الساعة.

ثم قال: زدني. فقال: إن اللّه أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها. و اعلم أن هذا الأمر الذي صار إليك إنما كان في يد من كان قبلك. ثم أفضى إليك. و كذلك يخرج منك إلى من هو بعدك. و اني أحذرك ليلة تتمخض صبيحتها عن يوم القيامة. قال: فبكى أشد من بكائه الأول حتى رجف جنباه، فقال له سليمان بن مجالد: رفقا بأمير المؤمنين فقد أتعبته منذ اليوم. فرفع عمرو رأسه و قال له: من أنت؟ فقال أبو جعفر: أو لا تعرفه يا أبا عثمان؟ قال: لا.

و لا أبالي ألا أعرفه. فقال له: هذا أخوك سليمان بن مجالد. فقال: هذا أخو الشيطان. ويلك يا ابن مجالد. خزنت نصيحتك عن أمير المؤمنين. ثم أردت أن تحول بينه و بين من أراد نصيحته. يا أمير المؤمنين إن هؤلاء اتخذوك سلما لشهواتهم. فأنت كالآخذ بالقرنين و غيرك يحلب فاتق اللّه. فإنك ميت وحدك.

و محاسب وحدك، و مبعوث وحدك. و لن يغني عليك هؤلاء من ربك شيئا.

فقال له المنصور: يا أبا عثمان أعني بأصحابك استعن بهم. فقال له: أظهر الحق يتبعك أهله. قال: بلغني أن محمد بن عبد اللّه بن الحسن كتب إليك كتابا.

قال: قد جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه. قال: فبما ذا أجبته، قال: أو لست‏

484

قد عرفت رأيي في السيف أيام كنت تختلف إلينا و إني لا أراه. قال: أجل. و لكن تحلف لي ليطمئن قلبي. قال: لئن كذبتك تقية لأحلفن لك تقية. قال له: أنت الصادق البار. و قد أمرت لك بعشرة آلاف درهم تستعين بها على زمانك.

فقال: لا حاجة لي فيها. فقال المنصور: و اللّه لتأخذنها. قال: و اللّه لا أخذتها.

فقال له المهدي: يحلف أمير المؤمنين و تحلف. فترك المهدي و أقبل على المنصور فقال: من هذا الفتى؟ فقال: هذا ابني محمد. و هو المهدي، و هو ولي العهد.

فقال: و اللّه لقد سميته اسما ما استحقه بعمل. و ألبسته لبوسا ما هو من لبوس الأبرار. و لقد مهدت له أمرا أمتع ما يكون به أشغل ما تكون عنه.

قال المنصور: يا أبا عثمان، هل من حاجة. قال: نعم. قال: ما هي؟ قال:

ألا تبعث إلي حتى آتيك. قال: إذا لا نلتقي. قال: عن حاجتي سألتني ثم ودّعه.

و نهض فلما ولّى اتبعه بصره. و أنسأ يقول:

كلكم طالب صيد* * * كلكم يمشي رويد

غير عمرو بن عبيد

انتهى من كتاب المطالعة الوافية.

و جاء في تاريخ الخميس عنه ما ملخصه:

هو أبو جعفر المنصور عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس القرشي الهاشمي ثاني خلفاء بني العباس، مولده في سنة (95) خمس و تسعين، و هو أسنّ من أخيه السفاح، و كان المنصور في صغره يلقب بمدرك التراب و بالطويل أيضا، ثم لقب في خلافته بأبي الدوانيق لبخله و لمحاسبة العمّال و الصنّاع على الدوانيق و الحبّات، و كان مع هذا ربما يعطي العطاء العظيم.

كان أسمر نحيفا طويلا مهابا، خفيف العارضين، معرّق الوجه، رحب اللحية، يخضب بالسواد كأن عينيه لسانان ناطقان. تخالطه أبهة الملوك بزي النساك تقبله القلوب و تتبعه العيون. و كان أفحل بني العباس هيبة و شجاعة و حزما و رأيا و جبروتا، و جمّاعا للمال، تاركا للهو و الطرب، كامل العقل، جيد المشاركة في العلم و الأدب، فقيه النفس. و كان يرجع إلى عدل و ديانة و له حظ من صلاة و تديّن و كان فصيحا بليغا خليقا للإمارة إلا أنه قتل خلقا كثيرا حتى استقام ملكه بويع بالخلافة بعد أخيه السفاح أتته البيعة و هو بمكة بعهد السفاح لأنه كان حج في تلك السنة و مكث في الخلافة إحدى و عشرين سنة و أحد عشر شهرا

485

كذا في سيرة مغلطاي و فيها حج أبو مسلم الخراساني و وقع منه في حق المنصور أمور نقمها عليه و قتله لما ولي الخلافة.

و المنصور هذا هو الذي بنى بغداد و قتل أبا مسلم الخراساني و اسمه عبد الرحمن و ضرب أبا حنيفة على أن يلي القضاء فامتنع و مات في حبسه كذا في سيرة مغلطاي و هو والد جميع الخلفاء العباسيين.

و في سنة (141) إحدى و أربعين و مائة أمر المنصور بعمارة جدار حجر إسماعيل فعملوه بالرخام و كان قبل ذلك مبنيا بحجارة بادية ليس عليها رخام كذا في شفاء الغرام.

و قال خليفة و الهيثم و غيرهما: عاش أربعا و ستين سنة. قال الصولي: دفن ما بين الحجون و بئر ميمون من ذي الحجة سنة ثمان و خمسين و مائة. و في حياة الحيوان: مات ببئر ميمون على أميال من مكة و هو محرم بالحج و كذا في سيرة مغلطاي و هو ابن ثلاث و ستين سنة و كانت خلافته اثنتين و عشرين سنة و ثلاثة أشهر. قال الذهبي: و سار المنصور للحج فأدركه الموت و هو محرم بظاهر مكة و له ثلاث و ستون سنة و تخلف بعده ابنه المهدي. انتهى من تاريخ الخميس.

اقتصاد المنصور

جاء في محاضرات الخضري ما نصه: عرف المنصور بميله إلى الاقتصاد في النفقات حتى امتلأت بالأموال خزائنه و لذلك ترك لابنه المهدي ثروة جعلته مدة حكمه هادئ البال ينفق عن سعة و لا يخشى نفادا. و لم يكن المنصور يعطي الشعراء تلك العطايا البالغة حد السرف و إنما كانت أعطياته إلى القلة أميل و كان يراقب أولاده حتى لا يدعهم يميلون إلى السرف.

و كانت أرزاق العمال أيام المنصور (300) درهم و لم يزل الأمر على ذلك إلى أيام المأمون فكان أول من سن زيادة الأرزاق الفضل بن سهل.

و على الجملة فلم يقم في بني العباس مثل المنصور في ثيابه و علو همته و شدته على المريب و اهتمامة بأمر العامة وجده في بلاطه. و كان فوق ذلك كله فصيحا يبلغ ما يريد من الكلام عند الحاجة. و كانت القوة الإسلامية في يده و طوع أمره‏

486

إلا أنها لم تكن عربية خالصة كما كان الحال في الدولة الأموية و كانت قوة العرب لعهده لا تزال راجحة. انتهى من المحاضرات.

اهتمام المنصور بعماله‏

و جاء في محاضرات الخضري أيضا ما نصه:

قال المنصور: ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعة نفر لا يكون على بابي أعف منهم. قيل له: يا أمير المؤمنين من هم؟ قال: هم أركان الملك و لا يصلح الملك إلا بهم، كما أن السرير لا يصلح إلا بأربعة قوائم إن نقصت واحدة تداعى و هي: أما أحدهم فقاض لا تأخذه في اللّه لومة لائم، و الآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، و الثالث صاحب خراج يستقصي و لا يظلم الرعية فإني عن ظلمها غني، و الرابع ثم عض على إصبعه السبابة ثلاث مرات، يقول في كل مرة: آه، قيل له: و من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: صاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء على الصحة. انتهى منها.

و جاء فيها أيضا: و ولى رجلا من العرب حضرموت، فكتب إليه والي البريد أنه يكثر الخروج في طلب الصيد ببزاة و كلاب قد أعدها. فعزله و كتب إليه:

(ثكلتك أمك و عدمتك عشيرتك ما هذه العدة التي أعددتها للنكاية من الوحش إنا إنما استكفيناك أمور المسلمين و لم نستكفك أمور الوحش، سلم ما كنت تلي من عملنا إلى فلان بن فلان و الحق بأهلك ملوما مدحورا).

و ظفر مرة برجل من كبراء بني أمية فقال: إني سائلك عن أشياء فاصدقني و لك الأمان. قال: نعم. فقال المنصور: من أين أتى بنو أمية حتى انتشر أمرهم؟

قال: من تضييع الأخبار. قال: فأي الأموال وجدوها أنفع؟ قال: الجوهر. قال:

فعند من وجدوا الوفاء؟ قال: عند مواليهم. فأراد المنصور أن يستعين في الأخبار بأهل بيته، ثم قال: أضع من أقدارهم فاستعان بمواليه. انتهى منها.

و جاء فيها أيضا: و ذكر إبراهيم بن موسى بن عيسى أن ولاة البريد في الآفاق كلها كانوا يكتبون إلى المنصور أيام خلافته كل يوم بسعر القمح و الحبوب و الأدم و بسعر كل مأكول و بكل ما يقضي به القاضي من نواحيهم و بما يعمل به الوالي و بما يرد بيت المال و كل حدث و كانوا يكتبون حوادث النهار إذا صلوا المغرب و يكتبون إليه بما كان من كل ليلة إذا صلوا الغداة فإذا وردت كتبهم نظر فيها فإذا

487

رأى الأسعار على حالها أمسك و إن تغير شي‏ء عن حاله كتب إلى الوالي و العامل هناك و سأل عن العلة التي نقلت ذاك عن سعره فإذا ورد الجواب بالعلة تلطف لذلك برفقه حتى يعود سعره ذلك إلى حاله. و إن شك في شي‏ء مما قضى به القاضي كتب إليه في ذلك و سأل من بحضرته عن عمله، فإن أنكر شيئا عمل به، كتب إليه يوبخه و يلومه. انتهى منها.

حاضرة الخلافة

و جاء فيها أيضا: لما ولي أبو جعفر انتقل من الأنبار إلى الهاشمية التي أسسها أخوه أبو العباس و أقام بها إلى أن عزم على تأسيس مدينة بغداد، حاضرة بني العباس الكبرى، و مظهر فخرهم و مدنيتهم. و كان يريد أن يكون بعيدا عن الكوفة فخرج يرتاد مسكنا لنفسه و جنده و يبتني به مدينة حتى صار إلى موضع بغداد و قال: هذا موضع معسكر صالح هذه دجلة ليس بيننا و بين الصين شي‏ء يأتينا فيها كل ما في البحر و تأتينا الميرة من الجزيرة و أرمينية و ما حول ذلك و هذا الفرات يجي‏ء فيه كل شي‏ء من الشام و الرقة و ما حول ذلك فنزل و ضرب عسكره على الصراة و هو نهر بين دجلة و الفرات ثم أمر بخط المدينة على مثال وضعه و هي مدورة الشكل تقريبا و جعل لها سورين أحدهما داخل و هو سور المدينة و سمكه من السماء (35) ذراعا و عليه أبرجة، سمك كل برج منها فوق السور خمسة أذرع، و على السور شرف. و عرض السور من أسفله نحو عشرين ذراعا. ويليه من الخارج فصيل بين السورين و عرضه (60) ذراعا. ثم السور الأول و هو سور الفصيل و دونه خندق .. و للمدينة أربعة أبواب كل اثنين منها متقابلان. و لكل منها باب دون باب، بينهما دهليز و رحبة تدخل إلى الفصيل الدائر بين السورين.

فالأول باب الفصيل و الثاني باب المدينة فإذا دخل الداخل من باب خراسان عطف على يساره في دهليز أزج معقود بالآجر و الجص عرضه عشرون ذراعا طوله ثلاثون المدخل إليه في عرضه و المخرج منه من طوله يخرج إلى رحبه مادة إلى الباب الثاني طولها (60) ذراعا و عرضها (40) و لها في جنبتيها حائطان من الباب الأول إلى الباب الثاني في صدر هذه الرحبة في طولها الباب الثاني و هو باب المدينة و عن يمينه و شماله في جنبتي هذه الرحبة بابان إلى الفصيلين. و الأبواب الأربعة على صورة واحدة في الأبواب و الفصلان و الرحاب و الطاقات. ثم الباب الثاني و هو باب‏

488

المدينة و عليه السور الكبير فيدخل من الباب الكبير إلى دهليز أزج معقود بالآجر و الجص طوله (20) ذراعا و عرضه (12) و على كل أزج من آزاج هذه الأبواب مجلس له درجة على السور يرتقي إليه منها، على هذا المجلس قبة عظيمة ذاهبة في السماء سمكها (50) ذراعا مزخرفة و على رأس كل قبة منها تمثال تديره الريح لا يشبه نظائره و على كل باب من أبواب المدينة الأوائل و الثاني باب حديد عظيم جليل المقدار كل باب منها فردان. انتهى منها.

و جاء فيها أيضا: و ابتنى قصره الذي يسمى الخلد على دجلة و كان موضعه وراء باب خراسان. و مد المنصور من نهر دجيل الأخذ من دجلة و قناة من نهر كرخايا الآخذ من الفرات و جرهما إلى المدينة في عقود وثيقة من أسفلها محكمة بالصاروج و الآجر من أعلاها فكانت كل قناة منهما تدخل المدينة و تنفذ في الشوارع و الدروب و الأرباط و تجري صيفا و شتاء لا ينقطع ماؤها في وقت. و جر لأهل الكرخ أربعة أنهر يقال لأحدها نهر الدجاج و للثاني نهر القلائين و للثالث نهر طابق و للرابع مهر البزازين. و الكرخ هو أسواق المدينة التي نقلها المنصور من مدينته في الجهة الجنوبية بين الصراة و نهر عيسى بناها المنصور و رتب كل صنف منها في موضعه و بنى لأهل الأسواق مسجدا يجمعون فيه و لا يدخلون المدينة و سميت الشرقية لأنها شرقي الصراة و لأبي عبد اللّه إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه في الكرخ:

سقى أربع الكرخ الغوادي بديمة* * * و كل ملث دائم الهطل مسبل‏

منازل فيها كل حسن و بهجة* * * و تلك لها فضل على كل منزل‏

انتهى منها.

و جاء فيها أيضا: و في سنة (151) إحدى و خمسين و مائة بنى المنصور الرصافة للمهدي ابنه و عمل لها سورا و خندقا و ميدانا و بستانا و أجرى لها الماء.

و ربع الرصافة يسمى عسكر المهدي لأن المهدي عسكر به عند شخوصه من الري.

و بنى المنصور قصره و الجامع في وسط المدينة و كان في صدر قصر المنصور إيوان طوله ثلاثون ذراعا و عرضه عشرون و في صدر الإيوان مجلس عشرون ذراعا في عشرين و سمكه عشرون و سقفه قبة و عليه مجلس فوقه القبة الخضراء و سمكه في‏

489

أول حد عقد القبة عشرون ذراعا فصار من الأرض إلى رأس القبة الخضراء ثمانين ذراعا. و على رأس القبة تمثال فرس عليه فارس بيده رمح.

و قد أنفق المنصور على مدينته هذه ثمانية عشر ألف ألف دينار على ما حكاه ياقوت. و في بعض الروايات أقل من ذلك. و لما تم بناؤها حشر إليها المنصور العلماء من كل بلد و إقليم فأمها الناس أفواجا و لم تزل تتعاظم و يزداد عمرانها حتى صارت أم الدنيا و سيدة البلاد و مهد الحضارة الإسلامية في عهد الدولة العباسية و أربى سكانها على مليونين. قال الخطيب البغدادي: لم يكن لبغداد في الدنيا نظير في جلالة قدرها و فخامة أمرها و كثرة علمائها و أعلامها و تميز خواصها و عوامها و عظم أقطارها وسعة أطرارها و كثرة دورها و منازلها و دروبها و شوارعها و محالها و أسواقها و سككها و أزقتها و مساجدها و حماماتها و طرقها و خاناتها و طيب هوائها و عذوبة مائها و برد ظلالها و أفيائها و اعتدال صيفها و شتائها و صحة ربيعها و خريفها و زيادة ما حصر من عدد سكانها. و أكثر ما كانت عمارة و أهلا في أيام الرشيد إذ الدنيا قارة المضاجع دارة المراضع خصيبة المواقع موردة المشارع. انتهى كل ذلك من محاضرات الخضري.

حكاية المنصور مع معن بن زائدة

و من اللطائف ما جاء في محاضرات الخضري ما نصه:

و من مشهوري قواد العرب: معن بن زائدة الشيباني و هو قائد شجاع كان في أيام بني أمية متنقلا في الولايات و منقطعا إلى يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين فلما جاءت الدولة العباسية و حوصر يزيد بن عمر بواسط أبلى معه يومئذ بلاء حسنا، فلما سلم يزيد و قتل خاف معن على نفسه من المنصور فاستتر مدة طويلة، حصلت له فيها غرائب، من أظرفها أنه تنكر و ركب جملا يقصد البادية، فبينا هو خارج من باب المدينة تبعه عبد أسود متقلدا سيفا فقبض على خطام جمله، فأناخه و قبض على يدي معن، و قال: أنت طلبة أمير المؤمنين أنت معن بن زائدة فلما رأى الجد منه أخرج عقد جوهر ثمنه أضعاف ما جعله المنصور لمن يأتي بمعن فقال للأسود: خذه و لا تكن سببا لسفك دمي فتأمله الأسود و قال:

لست أقبله حتى أسألك عن شي‏ء فإن صدقتني أطلقتك إن الناس وصفوك بالجود فهل وهبت مالك كله؟ قال: لا. قال: فنصفه؟ قال: لا. و لم يزل حتى بلغ‏

490

العشر، فقال معن: نعم. فقال له الأسود: أنا رزقي من المنصور كل شهر عشرون درهما. و هذا الجوهر قيمته ألوف دنانير، و قد وهبته لك و وهبتك لنفسك و لجودك المأثوريين عند الناس و لتعلم أن في الدنيا من هو أجود منك فلا تعجبك نفسك و لتحقر بعد هذا كل جود فعلته و لا تتوقف عن مكرمة. ثم رمى العقد في حجره و ترك خطام الجمل و ولى منصرفا فقال له معن: قد و اللّه فضحتني و لسفك دمي أهون عليّ مما فعلت فخذ ما دفعته لك فإني في غنى عنه فضحك و قال: أردت أن تكذبني في مقالي و اللّه لا أخذته و لا أخذت لمعروفي ثمنا و مضى لسبيله. و ما زال معن مستترا، حتى كان يوم الهاشمية، يوم أن ثار الرواندية بالمنصور و هم قوم من أهل خراسان منسوبون إلى بليدة قرب قاشان و كانوا على رأي أبي مسلم صاحب دعوة بني هاشم يقولون بتناسخ الأرواح و بظهور على رغم الروايات المتناقضة أنهم كانوا يريدون الأخذ بثأر أبي مسلم و يقتلون أبا جعفر فاجتمع منهم زهاء ستمائة و قصدوا نحو المنصور فتنادى الناس و غلقت أبواب المدينة فلم يدخل أحد، فخرج المنصور من قصره. و في ذلك الوقت ظهر معن فانتهى إلى أبي جعفر، فرمى بنفسه و ترجل و أدخل خرفة قبائه في منطقته. و أخذ بلجام دابة المنصور و قال: أنشدك اللّه يا أمير المؤمنين إلا رجعت، فإنك تكفي فلم يرجع. و جاء الربيع ليأخذ بلجام الدابة فقال له معن: ليس هذا من أيامك ثم تكاثر عليهم الناس فقتلوهم جميعا و شفت تلك الفعلة معنا في نظر أبي جعفر حتى سماه أسد الرجال فقال معن: و اللّه يا أمير المؤمنين لقد أتيتك و أنا وجل القلب فلما رأيت ما عندك من الاستهانة بهم و شدة الإقدام عليهم رأيت أمرا لم أره من خلق في حرب فشد ذلك من قلبي و حملني على ما رأيت مني. و كان ذلك سببا لإعطائه الأمان و وصله بعشرة آلاف درهم و توليه اليمن. فمكث فيها مدة أحسن فيها السيرة في أهلها حتى ردهم إلى الطاعة و الجماعة. ثم ولّى في آخر أمره سجستان.

و لما كان سنة (151) إحدى و خمسين و مائة كان في داره صناع يعملون له عملا فاندس بينهم قوم من الخوارج فقتلوه بمدينة بست. و كان معن جوادا ممدحا و شاعره الخصيص به مروان بن أبي حفصة له فيه المدح الرائقة كما له فيه المراثي المشجية و من طرف بدائهه أن معنا دخل على المنصور مرة فقال له: إيه يا معن تعطي مروان ابن أبي حفصة مئة ألف درهم على قوله:

معن بن زائدة الذي زادت به‏* * * شرفا على شرف بنو شيبان‏

فقال: كلا يا أمير المؤمنين و إنما أعطيته على قوله:

491

ما زلت يوم الهاشمية معلنا* * * بالسيف دون خليفة الرحمن‏

فمنعت حوزته و كنت وقاءه‏* * * من وقع كل مهند و سنان‏

انتهى من المحاضرات.

و لقد حج المنصور (رحمه اللّه تعالى) في خلافته خمس مرات، قال الغازي في تاريخه نقلا عن ابن فهد: إن المنصور لما حج بالناس سنة (136) ست و ثلاثين و مائة قبل أن يستخلف و حج معه أبو مسلم الخراساني و اسمه عبد الرحمن بن سلم، فكان في طريقه يصلح العقبات و يكسو الأعراب في كل منزل و يصل من سأله، و حفر الآبار و سهّل الطريق، و كان الصيت له و كانت الأعراب تقول: هذا المكذوب عليه، و أمر مناديا في طريق مكة برئت الذمة من رجل أوقد نارا في عسكر الأمير فلم يزل يغذّيهم و يعشّيهم حتى بلغ مكة، و لما وصل الحرم نزل و خلع نعليه و مشى حافيا تعظيما للحرم، و أوقف في المسعى خمسمائة و صيف على رقابهم المناديل يسقون الأشربة من سعى من الحاج بين الصفا و المروة، فلما صدر الناس من الموسم نفر أبو مسلم قبل أبي جعفر كراهة اجتماعهما على الماء فيضر بذلك الناس و التمس بذلك الإرفاق بالناس جميعا. انتهى من الغازي.

صفات المنصور و أخلاقه‏

جاء في محاضرات الخضري ما نصه:

كان المنصور أعظم رجل قام من آل العباس شدة و بأسا و يقظة و ثباتا و نحن نسوق هنا جملة من أخلاقه لترتسم صورة هذا الرجل العظيم في الأذهان.

كيف كان يقضي وقته‏

كان شغله في صدر النهار بالأمر و النهي و الولايات و العزل و شحن الثغور و الأطراف و أمن السبل و النظر في الخارج و النفقات و مصلحة معاش الرعية، لطرح عالتهم و التلطف لسكونهم و هدئهم. فإذا صلى العصر جلس لأهل بيته إلا من أحل أن يسامره. فإذا صلى العشاء الآخرة نظر فيما ورد عليه من كتب الثغور و الأطراف و الآفاق و شاور سماره من ذلك فيما أرب. فإذا أمضى ثلث الليل قام إلى فراشه و انصرف سماره. فإذا أمضى الثلث الثاني قام من فراشه فأسبغ وضوءه‏

492

وصف في محرابه حتى يطلع الفجر ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيجلس في إيوانه. انتهى.

وفاة المنصور

جاء في محاضرات الخضري ما نصه:

في سنة (158) ثمان و خمسين و مائة حج المنصور شخص من مدينة السلام متوجها إلى مكة في شوال فلما سار من منازل الكوفة عرض له وجعه الذي توفي به و لم يزل يزداد حتى وصل بستان بن عامر فاشتد به وجعه ثم صار إلى بئر ميمون و هو يسأل عن دخول الحرم و يوصي الربيع بما يريد و توفي في سحر ليلة السبت (6) ذي الحجة سنة (158).

و لم يحضره عند وفاته إلا الربيع الحاجب فكتم موته و منع النساء و غيرهن من البكاء عليه ثم أصبح فحضر أهل بيت الخلافة، و جلسوا مجالسهم فأخذ الربيع بيعتهم لأمير المؤمنين المهدي و لعيسى بن موسى من بعده ثم دعا بالقواد فبايعوا و توجه العباس بن محمد بن علي و محمد بن سليمان بن علي إلى مكة ليبايعا الناس فبايعوا للمهدي بين الركن و المقام.

ثم أخذ من جهاز المنصور و غسله و كفنه ففرغ من ذلك مع صلاة العصر و جعل رأسه مكشوفا من أجل أنه مات محرما و صلى عليه عيسى بن موسى و دفن بثنية المعلاة بعد خلافة مدتها (22) سنة إلا ستة أيام، (رحمه اللّه).

و كان له من الولد ثمان ذكور و بنت. فالذكور محمد المهدي و جعفر الأكبر و أمهما أروى بنت منصور الحميرية و سليمان و عيسى و يعقوب و أمهم فاطمة بنت محمد من ولد طلحة بن عبيد اللّه و جعفر الأصغر و أمه أم ولد كردية. و صالح المسكين و أمه أم ولد رومية. و القاسم و أمه أم ولد، و قد مات منهم جعفر الأكبر و القاسم قبل وفاة المنصور و البنت اسمها العالية، أمها امرأة من بني أمية و قد تزوج العالية إسحاق بن علي. انتهى.

493

ترجمة أمير المؤمنين محمد المهدي‏

جاء في تاريخ الخميس عنه ما يأتي:

هو المهدي أبو عبد اللّه محمد بن أبي جعفر المنصور، هو الثالث من خلفاء بني العباس، ولد سنة (126) ست و عشرين و مائة، بويع له بالخلافة بعد موت أبيه المنصور بعهد منه إليه «أي في سنة ثمان و خمسين و مائة».

كان المهدي جوّادا ممدحا مليح الشكل محببا إلى الرعية شجاعا خصاما للزنادقة يتتبعهم و يقتلهم في كل بلد. و بنى جامع الرصافة، و كسا الكعبة القباطي و الخزف و الديباج، و طلى جدرانها بالمسك و العنبر من أسفلها إلى أعلاها. لما شبّ ولاه أبوه على طبرستان و ما يليها و على الريّ، و تأدب المهدي و جالس العلماء و تميّز، و قيل: إن أباه المنصور غرّم أموالا عظيمة، و تحيل حتى استنزل ولي العهد أخاه عيسى بن موسى عن المنصب و ولاه للمهدي هذا. انتهى من تاريخ الخميس.

و جاء في محاضرات الخضري عنه ما نصه:

هو محمد المهدي ابن المنصور و أمه أروى بنت منصور الحميرية و كانت تكنى أم موسى ولد سنة (126) بالحميمة من أرض الشراة و كانت سنّه إذ جاءتهم الخلافة ست سنوات و لما استخلف أبوه كان فتى سنّه عشر سنوات. و لما بلغ مبلغ الرجال كان أبوه يرشحه لولاية العهد فولاه سنة (141) إحدى و أربعين و مائة، و سنّه 15 سنة قيادة الجنود المتوجهة إلى خراسان و أمره أن ينزل الري حينما وقعت فتنة عبد الجبار بن عبد الرحمن عامل المنصور على خراسان. و بعد انتهاء تلك الفتنة أمره بغزو طبرستان. ثم انصرف عائدا من خراسان سنة (144) أربع و أربعين و مائة، فلقيه أبوه بقرماسين و انصرفا جميعا إلى الجزيرة لمراقبة ثغورها و في هذه السنة بنى المهدي بريطة بنت أبي العباس السفاح.

و في سنة (147) سبع و أربعين و مائة، ولاه أبوه العهد و قدمه على عيسى بن موسى. ثم عاد إلى الري فأقام إلى سنة (151) إحدى و خمسين و مائة، و فيها قدم على أبيه فبنى له و لجنده الرصافة و هي الجانب الشرقي من بغداد و ولاه الحج سنة (153) ثلاث و خمسين و مائة. و في سنة (155) خمس و خمسين و مائة، أسس مدينة الرافقة على طراز بغداد. و لم يزل يستعين به في الأعمال حتى توفي في‏

494

التاريخ الذي تقدم ذكره (6) الحجة سنة (158) ثمان و خمسين و مائة (7) أكتوبر سنة (775). انتهى.

قال ابن كثير في تاريخه: و كان مولد المهدي في سنة ست أو سبع و عشرين و مائة، أو في سنة إحدى و عشرين و مائة، ولي الخلافة بعد موت أبيه في ذي الحجة سنة ثمان و خمسين و مائة، و عمره إذ ذاك ثلاث و ثلاثون سنة ولد بالحميمة من أرض البلقاء و توفي في المحرم من هذه السنة أعني سنة تسع و ستين و مائة، عن ثلاث أو ثمان و أربعين سنة و كانت خلافته عشر سنين و شهرا و بعض شهر.

و كان أسمر طويلا جعد الشعر على إحدى عينيه نكتة بيضاء قيل على عينه اليمنى و قيل اليسرى. قال الربيع الحاجب: رأيت المهدي يصلي في ليلة مقمرة في بهلولة عليه ثياب حسنة فما أدري هو أحسن أم القمر أم بهوه أم ثيابه فقرأ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ... الآيات ثم أمرني فأحضرت رجلا من أقاربه كان مسجونا فأطلقه و لما جاء خبر موت أبيه بمكة كما تقدم كتم الأمر يومين ثم نودي في الناس يوم الخميس: الصلاة جامعة فقام فيهم خطيبا فأعلمهم بموت أبيه و قال: إن أمير المؤمنين دعي فأجاب فعند اللّه أحتسب أمير المؤمنين و أستعينه على خلافة المسلمين ثم بايعه الناس بالخلافة يومئذ و قد عزاه أبو دلامة و هنأه في قصيدة له يقول فيها:

عيناي واحدة ترى مسرورة* * * بأميرها جذلى و أخرى تذرف‏

تبكي و تضحك تارة و يسوؤها* * * ما أنكرت و يسرها ما تعرف‏

فيسوؤها موت الخليفة محرما* * * و يسرها إن قام هذا الأرأف‏

ما إن رأيت كما رأيت و له أرى‏* * * شعرا أرجله و آخر ينتف‏

هلك الخليفة يال أمة أحمد* * * و أتاكم من بعده من يخلف‏

أهدى لهذا اللّه أفضل خلافة* * * و لذاك جنات النعيم تزخرف‏

لما اتصل بالمهدي خبر وفاة والده بمكة المكرمة، اشتد عليه الحزن و اغرورقت عيناه بالدموع، و قال: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد بكى عند فراق الأحبّة. و لقد فارقت عظيما و قلدت جسيما. و بينما كان المهدي جالسا للتعزية بوالده و التهنئة بمبايعته، دخل عليه أبو دلامة فأنشد:

عيناي واحدة ترى مسرورة* * * بإمامها جذلى و أخرى تطرف‏

495

تبكي و تضحك مرة و يسوؤها* * * ما أنكرت و يسرها ما تعرف‏

فيسؤها موت الخليفة محرما* * * و يسرها إذ قام هذا الأرأف‏

فأجزل له العطاء و كان أول من وصله. انتهى.

بيعة المهدي‏

قال الخضري في محاضراته: بعد أن أخذ الربيع بيعة المهدي على بني هاشم و القوّاد الذين كانوا يرافقون المنصور في حجّه وجّه رسولا إلى مدينة السلام بخبر الوفاة و بعث معه بقضيب النبي (صلى الله عليه و سلم) و بردته التي يتوارثها الخلفاء و بخاتم الخلافة.

فقدمت الرسل يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجة. و في ذلك اليوم بايعه أهل مدينة السلام و مكث في خلافته إلى أن توفي ليلة الخميس لثمان بقين من المحرم سنة (169) تسع و ستين و مائة، (4) أغسطس سنة (785) خمس و ثمانين و سبعمائة ميلادية، بما سبذان فتكون مدته عشر سنين و شهرا و نصفا. اه منها.

و قال فيها أيضا: كانت خلافة المهدي مرفّهة عن الناس ما كانوا يلقونه من بعض الشدة أيام المنصور، فقد كان المنصور يؤسس ملكا له خصوم فكان يكتفي بالريبة و الظنة فيعاقب بهما، و في مثل ذلك كثير ما يؤخذ البري‏ء بالمذنب و المطيع بالعاصي، فلما جاء المهدي كانت الخلافة العباسية قد توطدت، و أنياب العلويين قد كسرت و إن كانت قد بقيت لهم بقايا يتطلعون للخلافة، فهم لا يحتاجون من الاحتراس منهم إلى مثل ما كان المنصور يحتاج إليه في الشدة، فإن كبارهم قد وضعوا تحت نظر الخليفة ببغداد أو الذين كانوا بالمدينة اكتفى بمراقبة الأمير لهم فكانوا يعرضون عليه كل يوم و لذلك كانت حياة المهدي حياة سعيدة لنفسه و لأمته. و هو بعد أبيه يشبه في كثير من الوجوه الوليد بن عبد الملك بعد أبيه.

في أول ولايته أمر بإطلاق من كان في سجن المنصور إلا من كان قبله تباعة من دم أو قتل و من كان معروفا بالسعي في الأرض بالفساد أو كان لأحد قبله مظلمة أو حتى فالذين أطلقهم هم من كان جرمهم سياسيا أما أرباب الجنايات و المحبوسون لحقوق مدنية فإنهم ظلوا في حبسهم و كان ممن أطلق يعقوب بن داود الذي سيأتي ذكره في كبار الرجال في عهد المهدي. انتهى منها.

و جاء فيها أيضا: و مما أجراه من الإصلاح أمره ببناء القصور في طريق مكة أوسع من القصور التي كان السفاح بناها في القادسية إلى زبالة و أمر بالزيادة من‏

496

قصور السفاح و ترك منازل المنصور التي بناها على حالها و أمر باتخاذ المصانع في كل منهل و هي حيضان تبنى و تملأ من مياه الآبار حتى يكون الاستقاء سهلا على رجال القوافل الذين لا ينقطع مرورهم في تلك الجهات، و أمر بتجديد الأميال و البرك و حفر الركايا مع المصانع و جعل لذلك عاملا خاصا يقوم به. و أمر أن يجري على المجذمين و أهل السجون في جميع الآفاق حتى لا يحتاج المجذمون إلى المشي في الطرق و سؤال الناس فيكونون سببا في انتشار المرض و حتى يكون للمسجونين ما يقوم بأودهم فلا يموتوا جوعا إلا من كان له أهل يسألون عنه و أقام البريد بين مدينة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و مكة و اليمن بغالا و إبلا و لم يقم هنالك بريد قبل ذلك و من آثاره زيادته في المسجد الحرام فأدخل فيه دورا كثيرة مما يحيط به. اه منها.

و جاء فيها أيضا: و كان المهدي يجلس للمظالم و تدخل القصص إليه فارتشى بعض أصحابه بتقديم بعضها فاتخذ بيتا له شباك حديد على الطريق يطرح فيه القصص و كان يدخله وحده فيأخذ ما يقع بيده من القصص أولا فأولا فينظر فيه فلا يقدم بعضها على بعض و كان المهدي مغرى بالزنادقة الذين يرفع إليه أمرهم فكان دائما يعاقبهم بالقتل و لذلك كانت هذه التهمة في زمنه وسيلة إلى تشفي من يحب أن يتشفى من عدو أو خصم. و الذي أغراه بذلك ما كان من فتنة المقنّع الخراساني كان في إحدى قرى مرو و كان يقول بتناسخ الأرواح فاستغوى بشرا كثيرا و صار إلى ما وراء النهر فوجّه المهدي لقتاله عدة من القواد فيهم مفاذ بن مسلم و هو يومئذ على خراسان ثم أفرد المهدي لمحاربته سعيد الحرشي و ضم إليه القواد فاستعد المقنع للحصار في قلعة كش فحاصره سعيد بقلعته و لما اشتدّ عليه الحصار و أحس بالهلكة شرب سما و أسقاه نساءه و أهله فمات و ماتوا جميعا و دخل المسلمون قلعته و احتزوا رأسه. انتهى من محاضرات الخضري.

قال ابن كثير في تاريخه: و في هذه السنة «أي سنة ستين و مائة» حج بالناس المهدي و استخلف على بغداد ابنه موسى الهادي، و استصحب معه ابنه هارون الرشيد و خلقا من الأمراء منهم يعقوب بن داود على منزلته و مكانته و كان الحسن بن إبراهيم قد هرب من الخادم فلحق بأرض الحجاز فاستأمن له يعقوب بن داود فأحسن المهدي حلته و أجزله جائزته، و فرّق المهدي في أهل مكة مالا كثيرا جدا كان قد قدم معه بثلاثين ألف ألف درهم و مائة ألف ثوب و جاء من مصر ثلثمائة

497

ألف دينار و من اليمن مائتا ألف دينار فأعطاها كلها في أهل مكة و المدينة، و شكت الحجبة إلى المهدي أنهم يخافون على الكعبة أن تنهدم من كثرة ما عليها من الكساوى فأمر بتجريدها فلما انتهوا إلى كساوى هشام بن عبد الملك وجدها من ديباج ثخين جدا فأمر بإزالتها و بقيت كساوى الخلفاء قبله و بعده. فلما جردها طلاها بالخلوق و كساها كسوة حسنة جدا، و يقال: أنه استفتى مالكا في إعادة الكعبة إلى ما كانت عليه من بناية ابن الزبير، فقال مالك: دعها فإني أخشى أن يتخذها الملوك ملعبة فتركها على ما هي.

و حمل له محمد بن سليمان، نائب البصرة الثلج إلى مكة. و كان أول خليفة حمل له الثلج إليها. و لما دخل المدينة وسّع المسجد النبوي و كان فيه مقصورة فأزالها و أراد أن ينقص من المنبر عما كان زاده معاوية بن أبي سفيان فقال له مالك: إنه يخشى أن ينكسر خشبه العتيق إذا زعزع. فتركه و تزوج في المدينة رقية بنت عمرو العثمانية. و انتخب من أهلها خمسمائة من أعيانها ليكونوا حوله حرسا بالطرق و أنصارا و أجرى عليهم أرزاقا غير أعطياتهم و أقطعهم إقطاعا معروفة بهم.

قال ابن كثير في تاريخه: و ذكروا أنه هاجت ريح شديدة فدخل المهدي بيتا في داره فألزق خده بالتراب و قال: اللهم إن كنت أنا المطلوب بهذه العقوبة دون الناس فها أنا ذا بين يديك، اللهم لا تشمت بي الأعداء من أهل الأديان. فلم يزل كذلك حتى انجلت. و دخل عليه رجل يوما و معه نعل فقال: هذه نعل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد أهديتهما لك فقال: هاتها فناوله إياها فقبلها و وضعها على عينيه و أمر له بعشرة آلاف درهم فلما انصرف الرجل قال المهدي: و اللّه إني لأعلم أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لم ير هذه النعل فضلا عن أن يلبسها، و لكن لو رددته لذهب يقول للناس: أهديت إليه نعل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فردها علي فتصدقه الناس لأن العامة تميل إلى أمثالها و من شأنهم نصر الضعيف على القوي و إن كان ظالما فاشترينا لسانه بعشرة آلاف درهم و رأينا هذا أرجح و أصلح. انتهى من ابن كثير.

روى المسعودي و هو من أهل القرن الثالث للهجرة، في أواخر الجزء الثاني من تاريخه عند ذكر خلافة القاهر باللّه- عن العلامة بأخبار بني العباس محمد بن علي العبدي الخراساني الأخباري أنه قال: خلا بي القاهر فقال: أصدقني أو هذه، و أشار إليّ بالحربة. فرأيت و اللّه الموت عيانا بيني و بينه، فقلت: أصدقك يا أمير المؤمنين. فقال لي: أنظر يقولها ثلاثا. فقلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: عما

498

أسألك عنه و لا تغيب عني شيئا، و لا تحسن القصة و لا تسجع فيها و لا تسقط منها شيئا. قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: أنت علامة بأخبار بني العباس من أخلاقهم و شيمهم من أبي العباس فمن دونه. فقلت: على أن لي الأمان يا أمير المؤمنين. قال: ذلك لك. فقلت: أما أبو العباس السفاح، فكان سريعا إلى سفك الدماء و اتبعه عماله في الشرق و الغرب من فعله و استنوا بسيرته ... إلى آخر ما ذكر في وصف أمراء المؤمنين حتى جاء في وصف محمد المهدي الذي عمّر المسجد الحرام و زاد فيه هذه الزيادة العظيمة، فقال عنه ما يأتي:

كان المهدي سمحا سخيا كريما جوادا، فسلك الناس في عصره سبيله و ذهبوا في أمرهم مذهبه و اتسعوا في مساعيهم، و كان من فعله في ركوبه أن يحمل معه بدر الدنانير و الدراهم فلا يسأله أحد إلا أعطاه و إن سكت ابتدأه المفرق بين يديه و قد تقدم بذلك إليه، و أمعن في قتل الملحدين و المداهنين عن الدين لظهورهم في أيامه و إعلانهم باعتقاداتهم في خلافته لما انتشر من كتب ماني و ابن دميان و مرقيون مما نقله عبد اللّه بن المقفع و غيره و ترجمت من الفارسية و الفهلوية إلى العربية و ما صنّف من ذلك ابن أبي العرجاء و حماد عجرد و يحيى بن زياد و مطيع بن إياس من تأييد المذاهب المانية و الدنساقية و المرقونية فكثر بذلك الزنادقة و ظهرت آراؤهم في الناس و كان المهدي أول من أمر الجدليين من أهل البحث من المتكلمين بتصنيف الكتب على الملحدين ممن ذكرنا من الجاحدين و غيرهم و أقاموا البراهين على المعاندين و أزالوا شبه الملحدين فأوضحوا الحق للشاكين، و شرع في بناء المسجد الحرام و مسجد النبي (صلى الله عليه و سلم) على ما هما عليه إلى هذه الغاية و بني بيت المقدس و قد كان هدمته الزلازل. انتهى من الكتاب المذكور.

بين المهدي و معن بن زائدة

قال سعيد بن مسلم: هدر المهدي دم رجل من أهل الكوفة، كان يسعى في فساد سلطنته، و جعل لمن دله عليه أو جاءه به مائة ألف درهم. قال: فأقام الرجل حينا متواريا ثم إنه ظهر بمدينة السلام، فكان ظاهرا كغائب، خائفا مترقبا فبينما هو يمشي في بعض نواحيها، إذ بصر به رجل من أهل الكوفة، فعرفه فأهوى إلى مجامع ثوبه و قال: هذا بغية أمير المؤمنين فأمكن الرجل من قياده، و نظر إلى الموت أمامه فبينا هو على تلك الحالة إذ سمع وقع حوافر من وراء ظهره، فالتفت فإذا

499

معن بن زائدة فقال: يا أبا الوليد أجرني أجارك اللّه فوقف، و قال للرجل الذي يعلق به: ما شأنك؟ قال: بغية أمير المؤمنين الذي نذر دمه، و أعطى لمن دل عليه مائة ألف. فقال: يا غلام انزل عن دابتك و احمل أخانا، فصاح الرجل: يا معشر الناس! يحال بيني و بين من طلبه أمير المؤمنين. قال له معن: اذهب فأخبره أنه عندي فانطلق إلى باب أمير المؤمنين فأخبره الحاجب، فدخل إلى المهدي فأخبره، فأمر بحبس الرجل، و وجّه إلى معن من يحضر به فأتته رسل أمير المؤمنين، و قد لبس ثيابه و قربت إليه دابته، فدعا أهل بيته و مواليه فقال: لا يخلصن إلى هذا الرجل و فيكم عين تطرف. ثم ركب و دخل حتى سلم على المهدي فلم يرد عليه. فقال: يا معن أتجير علي؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: و نعم أيضا، و اشتد غضبه فقال معن: يا أمير المؤمنين قتلت في طاعتكم باليمن في يوم واحد خمسة عشر ألفا، ولي أيام كثيرة قد تقدم فيها بلائي، و حسن عنائي، فما رأيتموني أهلا أن تهبوا إليّ رجلا واحدا استجار بي؟ فأطرق المهدي طويلا ثم رفع رأسه و قد سري عنه.

فقال: قد أجرنا من أجرت. قال معن: فإن رأى أمير المؤمنين أن يصله، فيكون قد أحياه و أغناه. قال: قد أمرنا له بخمسة آلاف. قال: يا أمير المؤمنين إن صلات الخلفاء على قدر جنايات الرعية، و إن ذنب الرجل عظيم، فأجزل له الصلة. قال: قد أمرنا له بمائة ألف. قال: فتعجلها يا أمير المؤمنين بأفضل الدعاء، ثم انصرف. و لحقه المال، فدعا الرجل، فقال له. خذ حلتك، و الحق بأهلك، و إياك و مخالفة خلفاء اللّه تعالى.

شي‏ء من خطب المهدي‏

و قد قال المهدي يوما في خطبة: أيها الناس أسروا مثلما تعلنون من طاعتنا تهتكم العاقبة و تحمدوا العاقبة و اخفضوا جناح الطاعة لمن ينشر معدلته فيكم و يطوي ثوب الأمر عنكم، و أحال عليكم السلامة و لين المعيشة من حيث أراه اللّه مقدما ذلك على فعل من تقدمه و اللّه لأعفين عمري من عقوبتكم و لأحملن نفسي على الإحسان إليكم قال: فأشرقت وجوه الناس من حسن كلامه ثم استخرج حواصل أبيه من الذهب و الفضة التي كانت لا تحد و لا توصف كثرة ففرقها في‏

500

الناس و لم يعط أهله و مواليه منها شيئا بل أجرى لهم أرزاقا بحسب كفايتهم من بيت المال لكل واحد خمسمائة في الشهر غير الأعطيات. انتهى من ابن كثير.

و جاء في محاضرات الخضري عنه ما يأتي: كان المهدي لا يشرب النبيذ و إن كان سماره يشربونه في مجلسه و كان يسمع الغناء و كان من خلقه الحياء و العفو فكان إذا وقع أحد من خصومه في يده عفا عنه و كان يتأثر بالقرآن. كان في حبسه موسى بن جعفر العلوي فقرأ مرة في صلاته: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ‏ فأتم صلاته و التفت إلى الربيع و أمره بإحضار موسى فلما جي‏ء به قال له: يا موسى إني قرأت هذه الآية فخفت أن أكون قطعت رحمك فوثق لي أنك لا تخرج علي. فقال: نعم. فوثق له فخلاه.

و كان خليفة عادلا يجلس للمظالم بنفسه و بين يديه القضاة فيزيل عن الناس مظالمهم و لو كانت قبله و كان إذا جلس للمظالم قال: ادخلوا على القضاة فلو لم يكن ردي للظالم إلا للحياء منهم لكفى. قال المسور بن مساور: ظلمني وكيل المهدي و غصبني ضيعة لي فأتيت سلاما صاحب المظالم و أعطيته رقعة مكتوبة فأوصلها للمهدي و عنده عمه العباس بن محمد و ابن علاثة و عافية القاضي فأمر المهدي بإدخاله و سأله عن مظلمته فأخبره بها فقال له: ترضى بأحد هذين؟

فقال: نعم فقال: تكلم. فقال مساور: أصلح اللّه القاضي، إن هذا ظلمني في ضيعتي، و أشار إلى المهدي فقال القاضي: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: ضيعتي في يدي. فقال مساور: أصلح اللّه القاضي، سله صارت إليه الضيعة قبل الخلافة أو بعدها؟ فقال المهدي: بعد الخلافة. فقال القاضي: أطلقها له. قال: قد فعلت. و العدل و الحلم و العفو في الخلفاء من الصفات التي تدل على أقدارهم و عظم سلطانهم و هكذا كان المهدي مع ما امتاز به من الجود و فصاحة اللسان و كان أبوه قد علمه تعليما عربيا محضا في صغره و قد ألف له المفضل الضبي أمثال العرب و جمع له مختارات شعرهم. و كان يقول: ما تقرب إليّ أحد بوسيلة و لا تذرع بذريعة هي أقرب من تذكيره إياي به أسلفت مني إليه، أتبعها أختها، فأحسن ربها لأن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل.

و كان المهدي ميالا إلى السنة يحب ألا يخالف سنة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فمن ذلك أنه أمر بنزع المقاصير من مساجد الجماعات و تصيير منابرها إلى المقدار الذي عليه منبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و كتب بذلك إلى الآفاق فعمل به. اه.

501

من كرم المهدي‏

نزل المهدي بمنزل «بعيساباد» لما بناها، و أمر أن يكتب له أبناء المهاجرين و أبناء الأنصار، فكتبوا و دعي بنقبائهم و جلس مجلسا عاما لهم، ففرق ثلاثة آلاف ألف درهم فأغنى كل فقير و جبر كل كسير و فرج عن كل مكروب. ثم قامت الخطباء و دخل الشعراء فأنشدوه، ففرق فيهم خمسمائة ألف درهم. فكثر الداعي له في الطرقات و البوادي، و قام في هذا اليوم مروان بن أبي حفصة فأنشده:

ما يلمع البرق إلا حن مغترب‏* * * كأنه من دواعي شوقه وصب‏

ما أنسى لا أنسى غيثا ظل و ابله‏* * * عليّ من راحة المهدي ينسكب‏

شمنا فما أخلفتنا من مخائله‏* * * سحابة صوبها الأوراق و الذهب‏

صدقت يا خير مأمون و معتمد* * * ظني بأضعاف ما قد كنت أحتسب‏

أعطيت سبعين ألفا غير متبعها* * * منا و لست بمنّان بما تهب‏

قد لاح للناس بالمهدي نور هدى‏* * * يضي‏ء و الصبح في الظلماء يحتجب‏

خليفة طاهر الأثواب معتصم‏* * * بالحق ليس له في غيره أرب‏

قال الغازي في تاريخه ما نصه: و في إتحاف الورى بأخبار أم القرى لابن فهد و في سنة تسع و خمسين و مائة أو في التي بعدها، أمر المهدي بنفي كل من بمكة من المغنيين و منع فتيتها من الغناء، و أخرج كل من فيها من المشتبهات من النساء بالرجال و المشتبهين من الرجال بالنساء، و منع من لعب الشطرنج و غيره من الأمور التي تجر إلى اللهو و الطرب، و طهّرها من كثير من المباحات الملهية عن الصلوات و المشغلة عن اغتنام القرب، و ألزم حجبة الكعبة إجلالها و توفيرها و تنزيهها، و تطييبها للزائرين و تجميرها و فتح بابها بالسكينة و الخشوع، و زجر النساء عن الخروج إلى المسجد متعطّرات. اه.

و قال أيضا: و في سنة ست و ستين و مائة أمر المهدي بإقامة البريد بين مكة و المدينة فأقيم لذلك بغال و إبل و لم يكن هناك بريد قبل ذلك. انتهى من تاريخ الغازي.

إن المهدي (رحمه اللّه تعالى) عمل أعمالا جليلة، منها أنه بنى في سنة (159) هجرية مسجد الرصافة ببغداد، و بنى خندقها. و لقد كسى الكعبة المشرفة مرتين‏

502

أو ثلاثة، و أمر بتضبيب مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام من الثلم الذي حصل فيه، و بعث لذلك بألف دينار، فضببوا بذلك المقام من أعلاه و أسفله و ذلك سنة (161) من الهجرة و هذا أول ما حلي به المقام.

و قد زاد المهدي في المسجد النبوي من الجهة الشمالية، و كان بدء البناء سنة (161) و الفراغ منه سنة (165) هجرية كما جدد مقصورة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه و ربما عمل كثيرا من العمارة أيضا بالحرمين الشريفين.

شي‏ء من مروءة المهدي و فضله‏

جاء في مجلة المصور بمصر، في أحد أعدادها بتاريخ 28 رمضان سنة 1366 هجرية الموافق 15 أغسطس سنة 1947 ميلادية، مقالة ممتعة لطيفة بعنوان «تاريخ ما أهمله التاريخ» و أول صندوق للبريد، و ذلك بقلم الأستاذ حبيب جاماتي ما نصه:

أول صندوق للبريد

كان القيظ في ذلك اليوم شديد الوطأة، و الرياح التي هبت على بغداد ساخنة كأنها منبعثة من أفواه البراكين، و الجو قاتما تضيق فيه الصدور و تنقبض. و مع ذلك، فإن الخليفة «المهدي باللّه» لم يشأ أن يصد الناس عن بابه، بعد أن نادى المنادي في الليلتين السابقتين، أن ذلك اليوم من الأيام التي يستقبل فيها أمير المؤمنين ذوي الحاجات و يصغي إلى مطالبهم و شكاياتهم، فظل الشاكون و المتذمرون و المحتاجون يروحون و يجيئون من الصباح إلى المساء، و الخليفة ينصف هذا و يعزي ذاك، و ينفح بالمال هذه و يأمر بإيواء تلك في القصر، فلا يترك أحدا ممن لجؤوا إلى رحابه يغادر المكان إلا راضيا شاكرا.

تلك كانت عادته منذ أن خلف أباه في الملك، عام 158 للهجرة، الموافق لعام 775 للميلاد. فقد كان أبو جعفر المنصور قاسيا لايلين، عمد في تثبيت دعائم الخلافة لبني العباس إلى أساليب عنيفة فقتل و نفي و شرد الكثيرين بلا شفقة و لا رحمة، حتى تم له ما أراد من توطيد دعائم السلطان. و لكنه حين أشرف على الموت، أخذ على ابنه محمد بن عبد اللّه «المهدي» عهدا بأن يرد المظالم إلى أهلها

503

و بأن يتحبب إلى الرعية، و يتسامح مع المسيئين إليه و يبر بالمعوزين و الذين خانهم الحظ في الحياة.

و وفّى المهدي بعهد أبيه، ففتح أبواب السجون و بعث منها من دفنهم فيها أبوه و أعاد إليهم أموالهم و أملاكهم التي جردوا منها. و قد بلغت نحو ستمائة مليون درهم و أربعة عشر مليونا من الدنانير، و أعلن أنه يرغب في استماع شكايات رعاياه دون أن يكون بينه و بينهم وسيط، و أنه في أيام معينة من أيام الأسبوع، يفتح أبواب قصره ليدخلها من يريد بلا استئذان، ليمثل بين يديه، و يخاطبه في الأمر الذي يشكو منه.

و هكذا أحبه الناس و رفعوا أكف الضراعة إلى اللّه، أن يطيل عهده و يدفع عنه الأذى!

كانت الشمس قد أشرقت على المغيب عندما خرج من القاعة آخر واحد من أصحاب الشكايات في ذلك اليوم الذي اشتدت فيه و طأة القيظ فنهض المهدي متعبا و في رأسه صداع و في أذنيه طنين، و توجه لساعته إلى حجرة جاريته المحبوبة «الخيزران» حيث استلقى على الوسائد، طلبا لراحة الجسم و البال.

و أسرعت إليه الخيزران تلاطفه و تدلله، و ترطب فمه بالشراب و جبينه بالعطور، مرددة بلهجة عذبة ما تعودت أن تقوله له كل يوم: إنك ترهق نفسك يا أمير المؤمنين، و تحملها فوق طاقتها .. و هل البرّ بالرعية، و الوفاء بالعهد الذي قطعته لأبيك، يقضيان عليك بأن تنهك قواك إلى هذا الحد، و تصنع فوق ما تستطيع؟

فأجاب المهدي: و من يرفق بالناس إذا لم أعمد أنا إلى الرفق بهم؟

عليك أن ترفق بنفسك أولا، و أن يحل وزراؤك محلك في الرفق بالناس!

قد يخطئون. و قد يقصرون، و في خطئهم و تقصيرهم إخلال بالعهد المقطوع!

و لكن الخيزران لم تقتنع، و كانت تحب سيدها و تتفانى في خدمته و الترفيه عنه. فاستطردت قائلة:

أتظن يا أمير المؤمنين أن جميع الذين يشكون من ظلم، أو فقر، أو من فاقة، يجرؤون على المجي‏ء إليك في قصرك، و الدخول عليك في ديوانك، و المثول أمامك بدون أن تتولاهم الرهبة و يعقد الخوف ألسنتهم؟ كلا .. إن القليل يجرؤون على‏

504

هذا، و الكثير لا يجرؤون فأنت إذن ترهق نفسك من أجل فريق من الرعية دون الفريق الآخر و لن يكون هناك ما يضير الرعية لو أعطيت نفسك حقها من الراحة و السكون.

أثارت هذه الكلمات هواجس الخليفة، ففكر مليا، ثم قال:

أتعتقدين حقا يا خيزران أن هناك من لا يلبي الدعوة و يطرق بابي، عن خوف أو رهبة؟

مولاي: إنني أخاطبك عن معرفة. عندي الآن امرأة رقيقة الحال أعرفها، أراد أصدقاء أسرتها أن يحملوها على الدخول عليك مع الداخلين في «أيام الشكوى» و لكنها لم تفعل، و قد عهدت إلي بأن أرفع إليك هذا الرق الذي ضمنته شكايتها.

و دفعت الخيزران إلى الخليفة رقا عليه بضعة سطور خطتها يد مرتجفة لم تألف الكتابة للاستجداء، فسأل المهدي:

من هي تلك المرأة، و لماذا لم تذكر اسمها في الرق؟

إذا أمرت يا أمير المؤمنين، فإنني سأقودها إليك في هذه اللحظة.

عليّ بها ..

عادت الخيزران و معها امرأة في مقتبل العمر، عليها ثياب رثة و خرق بالية، و لكنها كاملة القد ممشوقة القوام، يشع الحسن من وجهها النير، و الذكاء من عينيها الكبيرتين فانحنت أمام الخليفة، و تناولت طرف ردائه، و رفعته إلى شفتيها ...

ما اسمك؟

مزنة!

من أي الناس أنت؟

من نساء بني أمية؟

انتفض المهدي لذكر الأسرة التي جردها العباسيون من سلطانها و أملاكها، و شتتوا رجالها و نساءها و طاردوها في المشارق و المغارب. و لكنه شعر بالشفقة تناسب إلى قلبه، أمام تلك البائسة المعدمة، التي تقبل رداءه و تحاول إخفاء عريها تحت الأسمال!