التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج4

- محمد طاهر الكردي المزيد...
651 /
55

و مثل ما تقدم قال ابن بطوطة في رحلته أيضا عن إحرام الكعبة و كانت حجته سنة (728) هجرية و هذا نص كلامه في اليوم السابع و العشرين من ذي القعدة:

تشمر ستارة الكعبة الشريفة إلى نحو ارتفاع قامة و نصف من جهاتها الأربع صونا لها من الأيدي أن تنتهبها و يسمون ذلك إحرام الكعبة و هو يوم مشهور بالحرم الشريف و لا تفتح الكعبة المقدسة من ذلك اليوم حتى تنقضي الوقفة بعرفة.

انتهى.

نقول: و أما إحرام الكعبة في عصرنا هذا، فإن سدنتها يعلّقون عليها إزارا من قماش" البفتة البيضاء" يحيط بها من جميع الجهات من أسفلها و يكون ارتفاع القماش نحو قامة أو أكثر بقليل، و ذلك في اليوم السابع من ذي الحجة في كل عام.

و لم نعلم متى كان ابتداء وضع الإحرام عليها و ما سبب ذلك، و الذي نظنه أن ابتداء عمل ذلك كان بعد الإسلام إما في زمن يزيد بن معاوية أو في زمن المأمون، فقد روى الأزرقي عن جده قال: كانت الكعبة تكسى في كل سنة كسوتين كسوة ديباج و كسوة قباطي، فأما الديباج فتكساه يوم التروية فيعلق عليها القميص و يدلى و لا يخاط، فإذا صدر الناس من منى خيط و ترك الإزار حتى يذهب الحجاج لئلا يخرقونه، فإذا كان العاشوراء علق عليها الإزار فوصل بالقميص، فلا تزال هذه الكسوة الديباج عليها حتى يوم السابع و العشرين من شهر رمضان فتكسى القباطي للفطر.

انظر: صورة رقم 108، المسجد الحرام و ترى فيه الكعبة المعظمة و قد وضعوا في أسفلها إزارا من القماش الأبيض تشبيها بالإحرام‏

قال: فلما كانت خلافة المأمون رفع إليه أن الديباج يبلى و يتخرق قبل أن يبلغ الفطر و يرقع حتى يسمج فسأل ابن مبارك الطبري مولاه و هو يومئذ على بريد مكة و صوافيها: أيّ كسوة الكعبة أحسن فقال له: البياض. فأمر بكسوة من ديباج أبيض فعملت فعلّقت سنة (206) فأرسل بها إلى الكعبة، فصارت الكعبة تكسى ثلاث كسا: الديباج الأحمر يوم التروية، و تكسى القباطي يوم هلال رجب، و جعلت كسوة الديباج الأبيض التي أحدثها المأمون يوم 27 من شهر رمضان للفطر، فهي تكسى إلى اليوم ثلاث كسا.

56

قال: ثم رفع إلى المأمون أيضا أن إزار الديباج الأبيض الذي كساها يتخرّق و يبلى في أيام الحج من مس الحجاج قبل أن يخاط عليها إزار الديباج الأحمر الذي يخاط في العاشور، فبعث بفضل إزار ديباج أبيض تكساه يوم التروية أو يوم السابع فيستر به ما تخرق من الإزار الذي كسيته للفطر إلى أن يخاط عليها الديباج الأحمر في العاشور ... إلى آخر كلام الإمام الأزرقي و لم ننقله كله لأن فيما تقدم كفاية للاستدلال و الاستنتاج.

نقول: نستنتج مما تقدم أن إحرام الكعبة منذ العصور السابقة كان بسبب كثرة مس الحجاج للكسوة و تمسحهم بها فتتخزق و تتلف من ذلك، فصونا لكسوتها الأصلية و محافظة عليها، يعمل للكعبة إزار بقدر قامة واحدة تقريبا يحيط بها من جميع جوانبها، و لون الإزار يكون دائما أبيض كما كان في عهد المأمون و إلى عصرنا هذا هو كذلك تحرم الكعبة بالإزار الأبيض. و كانت تكسى به يوم 27 ذي القعدة، أو سابع ذي الحجة أو ثامنة و هو يوم التروية.

و نستنتج أيضا أن إحرام الكعبة في موسم الحج لم يكن زمن الجاهلية و إنما حدث بعد الإسلام إما في زمن يزيد بن معاوية أو في عهد المأمون كما تقدم الكلام عن ذلك. و اللّه أعلم بالصواب و إليه المرجع و المآب.

(و الخلاصة) أن سدنة الكعبة المعظمة آل الشيبي الفضلاء، يضعون الإزار الأبيض على الكعبة المشرفة في صباح اليوم السابع من شهر ذي الحجة في كل عام إلى اليوم حسب العادة القديمة، فإذا رآها الناس على هذه الصفة قالوا: قد أحرمت الكعبة، و علموا في يوم إحرامها و وضع الإزار الأبيض حولها من أسفلها أن ذلك اليوم هو اليوم السابع من الشهر بيقين ثابت، و أن تاسع ذي الحجة و هو يوم الوقوف بعرفة سيكون يوم كذا، و يستعدون للخروج إلى عرفات. و سدنة الكعبة و فقهم اللّه تعالى و أدام عليهم الخيرات لا يحيطونها بالإزار الأبيض من أسفلها إلا بعد غسيل داخلها بماء زمزم الممزوج بالعطر في صباح اليوم السابع من ذي الحجة من كل عام، و هي عادة حسنة جروا عليها من عصور قديمة، ليعلم الناس يوم الوقوف بعرفة على التحقيق فلا يداخلهم الشك و الظنون، و إذا نظرنا أنه لم يكن قد ظهرت الجرائد و المجلات في البلاد، و لم تكن الإذاعات و الراديو موجودة في العصور السابقة، علمنا أن وضع الإزار الأبيض على الكعبة المعظمة في اليوم السابع‏

57

من ذي الحجة تعيين يوم الوقوف، فسبحان الملهم و الموفق إلى سبيل الخير و الرشاد.

تجريد الكعبة من كسوتها عند تجديدها

ما هناك بأس من تجريد الكعبة المعظمة من كسوتها القديمة لتلبيسها كسوة جديدة، فقد كانت في عهد إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام بدون كسوة حتى جاء تبّع الحميري فكساها فهو أول من كساها على أشهر الأقوال.

و كان في الجاهلية إذا بلي شي‏ء من كسوة الكعبة يطرح فوقها ثوب آخر، قال في الإعلام: روى الأزرقي عن ابن مليكة قال: كان يهدى للكعبة هدايا فإذا بلي شي‏ء منها جعل فوقه ثوب آخر و لا ينزع مما عليها شي‏ء اه. و لا يخفى الآن أن بقاء الثياب الخلقة الممزقة البالية على بيت اللّه الجليل ليس من الذوق السليم و لا يستحسنه أرباب العقول و ذو الألباب، و أهل الجاهلية معذورون بالنسبة لزمانهم، و ما كان إبقاؤهم للثياب البالية على الكعبة إلا عن اعتقاد و حسن نية. فلما جاء الإسلام تنورت الأفكار و ترقت المدارك، فكان أول من جرّد الكعبة لتنظيفها و تخفيف ثياب الجاهلية عنها و إلباسها كسوة جديدة مع تطييبها بالعطر الغالي هو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الحجبي الذي ينتهي إليه نسب سدنة الكعبة و هم الشيبيون. فقد روى الأزرقي عن عطاء بن يسار قال: كانت قبل هذا لا تجرد- يعني الكعبة- إنما يخفف عنها بعض كسوتها و تترك عليها حتى كان شيبة بن عثمان فهو أول من جرّدها و كشفها اه.

و روى الأزرقي في تاريخه أيضا أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كان ينزع كسوة البيت في كل سنة فيقسمها على الحاج فيستظلون بها على السمر بمكة، و روى أيضا عن عبد الجبار بن الورد المكي قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول:

كانت على الكعبة كسى كثيرة من كسوة أهل الجاهلية من الأنطاع و الأكسية و الكرار و الأنماط فكانت ركاما بعضها فوق بعض فلما كسيت في الإسلام من بيت المال كان يخفف عنها الشي‏ء بعد الشي‏ء و كانت تكسى في خلافة عمر و عثمان رضي اللّه عنهما القباطي يؤتى به من مصر غير أن عثمان رضي اللّه عنه كساها سنة برودا يمانية أمر بعملها عامله على اليمن يعلى بن منبه فكان أول من ظاهر لها كسوتين، فلما كان معاوية كساها الديباج مع القباطي فقال شيبة بن‏

58

عثمان: لو طرح عنها ما عليها من كسى الجاهلية فخفف عنها حتى لا يكون مما مسه المشركون شي‏ء لنجاستهم فكتب في ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان و هو بالشام فكتب إليه أن جردها و بعث إليه بكسوة من ديباج و قباطي و حبرة، قال:

فرأيت شيبة جردها حتى لم يترك عليها شيئا مما كان عليها و خلق جدرانها كلها و طيبها ثم كساها تلك الكسوة التي بعث بها معاوية إليها و قسم الثياب التي كانت عليها على أهل مكة و كان ابن عباس حاضرا في المسجد الحرام و هم يجردونها قال: فما رأيته أنكر ذلك و لا كرهه.

حدثني محمد بن يحيى عن الواقدي عن ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة قال: جرد شيبة بن عثمان الكعبة قبل الحريق فخلقها و طيبها قلت: و ما تلك الثياب؟ قال: من كل نحو كرار و أنطاع و خيرا من ذلك و كان شيبة يكسو منها حتى رأى على امرأة حائض من كسوته فدفنها في بيت حتى هلكت- يعني الثياب-.

حدثني محمد بن يحيى عن الواقدي عن إبراهيم بن يزيد عن ابن أبي مليكة قال: رأيت شيبة بن عثمان جرد الكعبة فرأيت عليها كسوة شتّى كرارا و أنطاعا و مسوحا و خيرا من ذلك. حدثنا محمد بن يحيى عن الواقدي عن عبد الحكيم بن عبد اللّه بن أبي فروة عن هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار قال: قدمت مكة معتمرا فجلست إلى ابن عباس في صفّة زمزم و شيبة بن عثمان يومئذ يجرد الكعبة قال عطاء بن يسار: فرأيت جدارها و رأيت خلوقها و طيبها و رأيت تلك الثياب التي أخبرني عمر بن الحكم السلمي أنه رآها في حديث نذر أمه البدنة قد وضعت بالأرض فرأيت شيبة بن عثمان يومئذ يقسمها أو قسم بعضها فأخذت يومئذ كساء من نسج الأعراب فلم أر ابن عباس أنكر شيئا مما صنع شيبة بن عثمان قال عطاء بن يسار: و كانت قبل هذا لا تجرد إنما يخفف عنها بعض كسوتها و تترك عليها حتى كان شيبة بن عثمان أول من جردها و كشفها. و أخبرني محمد بن يحيى قال: حدثني هشام بن سليمان المخزومي عن ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة أنه قال: جرد شيبة بن عثمان الكعبة قبل الحريق من ثياب كان أهل الجاهلية كسوها إياه ثم خلقها و طيبها قلت: و ما كانت تلك الثياب؟ قال: من كل، كرارا و أنطاعا و خيرا من ذلك و كان شيبة يقسم تلك الثياب فرأى على‏

59

امرأة حائض ثوبا من كسوة الكعبة فرفعه شيبة فأمسك ما بقي من الكسوة حتى هلكت- يعني الثياب-.

ثم قال الإمام الأزرقي: سمعت غير واحد من مشيخة أهل مكة يقول: حج المهدي أمير المؤمنين سنة ستين و مائة فجرد الكعبة و أمر بالمسجد الحرام فهدم و زاد فيه الزيادة الأولى، و أخبرني عبد اللّه بن إسحاق الحجبي عن جدته فاطمة بنت عبد اللّه قالت: حج المهدي فجرد الكعبة و طلى جدرانها من خارج بالغالية و المسك و العنبر قالت: فأخبرني جدك- تعني زوجها محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الحجبي. قال: صعدنا على ظهر الكعبة بقوارير من الغالية فجعلنا نفرغها على جدران الكعبة من خارج جوانبها كلها و عبيد الكعبة قد تعلقوا بالبكرات التي تخاط عليها ثياب الكعبة و يطلون بالغالية جدرانها من أسفلها إلى أعلاها قال أبو محمد الخزاعي: أنا رأيتها و قد غير الجدر الذي بناها الحجاج مما يلي الحجر و قد انفتح من البناء الأول الذي بناه ابن الزبير مقدار إصبع من دبرها و من وجهها و قد رهم بالجص الأبيض- و معنى رهم أي: طلي بالجص-.

و حدثني جدي قال: حج المهدي أمير المؤمنين سنة ستين و مائة فرفع إليه أنه قد اجتمع على الكعبة كسوة كثيرة حتى أنها قد أثقلتها و يخاف على جدرانها من ثقل الكسوة فجردها حتى لم يبق عليها من كسوتها شيئا ثم ضمخها من خارجها و داخلها بالغالية و المسك و العنبر و طلى جدرانها كلها من أسفلها إلى أعلاها من جوانبها كلها ثم أفرغ عليها ثلاث كسى من قباطي و خز و ديباج و المهدي قاعد على ظهر المسجد مما يلي دار الندوة ينظر إليها و هي تطلى بالغالية و حين كسيت.

ثم لم يحرك و لم يخفف عنها من كسوتها الشي‏ء حتى كان سنة المائتين و كثرت الكسوة أيضا عليها جدا فجردها حسين بن حسن الطالبي في الفتنة و هو يومئذ قد أخذ مكة ليالي دعت المبيضة إلى أنفسها و أخذوا مكة فجردها حتى لم يبق عليها من كسوتها شيئا، قال جدي: فاستدرت بجوانبها و هي مجردة فرأيت جدات الباب الذي كان ابن الزبير جعله في ظهرها و سده الحجاج بأمر عبد الملك فرأيت جداته و عتبه على حالها و عددت حجارته التي سد بها فوجدتها ثمانية و عشرين حجرا في تسعة مداميك في كل مدماك ثلاثة أحجار إلا المدماك الأعلى فإن فيه أربعة أحجار. رأيت الصلة التي بنى الحجاج مما يلي الحجر حين هدم ما زاد ابن الزبير قال: فرأيت تلك الصلة بينه في الجدر و هي كالمتبرية من الجدر الآخر، قال‏

60

إسحاق: و رأيت جدارتها كلون العنبر الأشهب حين جردت في آخر ذي الحجة من سنة ثلاث و ستين و مائتين و أحسبه من تلك الغالية، و قال: و كان تجريد الحسين بن الحسن إياها أول يوم من المحرم يوم السبت سنة مائتين، ثم كساها حسين بن حسن كسوتين من قز رقيق إحداهما صفراء، و الأخرى بيضاء مكتوب بينهما بسم اللّه الرحمن الرحيم و صلى اللّه على محمد و على أهل بيته الطيبين الطاهرين الأخيار أمر أبو السرايا الأصفر بن الأصفر داعية إلى محمد بعمل هذه الكسوة لبيت اللّه الحرام، قال أبو الوليد: و ابتدأت كسوتها من سنة المائتين و عدتها إلى سنة أربع و أربعين و مائتين: مائة و سبعون ثوبا، قال محمد الخزاعي:

و أنا رأيتها و قد عمر الجدار الذي بناه الحجاج مما يلي الحجر فانفتح من البناء الأول الذي بناه ابن الزبير مقدار نصف إصبع من وجهها و من دبرها و قد رهم بالجص الأبيض و قد رأيتها حين جردت في آخر ذي الحجة سنة ثلاث و ستين و مائتين فرأيت جدارتها كلون العنبر الأشهب من تلك الغالية. انتهى كلام الإمام الأزرقي عن تجريد الكعبة المشرفة، و قد نقلنا كلامه كله لما فيه من الفوائد المتعددة.

ثم رأينا أن الإمام السيوطي (رحمه اللّه تعالى) ذكر في كتابه" حسن المحاضرة" أنه في اليوم الثامن عشر ربيع الآخر سنة (644) أربع و أربعين و ستمائة هبت ريح عاصفة شديدة بمكة فألقت ستارة الكعبة المشرفة فما سكنت الريح إلا و الكعبة عريانة قد زال عنها شعار السواد و مكثت إحدى و عشرين يوما ليس عليها كسوة. انتهى من الكتاب المذكور.

و الظاهر أن هذه الريح كانت أشد عاصفة بمكة حتى ألقت بستارة الكعبة، و لم تمكث بدون ستارة هذه المدة الطويلة إلا لأنها مزقت تمزيقا بحيث احتاجت إلى إصلاحها مدة طويلة. و اللّه يعلم كم ألحقت هذه الريح بالناس من الخسارة.

نسأل اللّه السلامة و العافية.

و في تاريخ القطبي أنه في سنة (843) ثلاث و أربعين و ثمانمائة حينما أجرى الأمير سودون العمارة بالمسجد الحرام جرد الكعبة من كسوتها لإصلاح سقفها و خشبها فاستمرت مجردة يومين و ليلتين يشاهد الناس أحجارها إلى أن أكمل ترميمها و إصلاحها، ثم أعيدت الكسوة عليها في ضحى يوم الاثنين لثمان بقين من شهر صفر من السنة المذكورة. اه.

61

أما في زماننا هذا فقد بقيت الكعبة الشريفة مكشوفة بدون ستارة و لا ثوب، بسبب تجديد سقفها الذي كان بدؤه في يوم الجمعة الثامن عشر من شهر رجب سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية، و كان انتهاؤه يوم السبت الحادي عشر من شهر شعبان من السنة المذكورة.

لكن الكعبة لم تظهر للناس مكشوفة منذ بدء عمارتها إلى انتهائها بسبب إحاطتها كلها بالخشب من أرض المطاف إلى ما فوق سطحها بنحو متر و نصف متر، و إنما ظهرت الكعبة مكشوفة للناس تماما منذ إزالة الخشب عنها، بعد انتهاء ترميمها و عمارة سقفيها كما فصلنا ذلك في محله، و ذلك من بعد المغرب من ليلة الأحد الثاني عشر من شهر شعبان من السنة المذكورة إلى ضحى اليوم المذكور فقط، أي إلى قبل الظهر بساعتين، فإنه في ضحى هذا اليوم ألبسوها ثوبها الأسود فسترت حجارتها عن أعين الناس، و قد تركوها كذلك ليلة واحدة و جزءا من النهار، لينظر الناس إلى عمارتها.

الكلام على من يهدم الكعبة في آخر الزمان‏

قال الإمام الأزرقي: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال: حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد ابن العاص السعيدي عن عبد اللّه بن عمرو ابن العاص أنه قال: اخرجوا يا أهل مكة قبل إحدى الصيلمين قيل: و ما الصيلمان قال: ريح سوداء تحشر الذرة و الجعل، قيل: فما الأخرى؟ قال: تجيش البحر بمن فيه من السودان ثم يسيلون سيل النمل حتى ينتهوا إلى الكعبة فيخربونها و الذي نفس عبد اللّه بيده لأنظر إلى صفته في كتاب اللّه أفيحج أصيلع قائما يهدمها بمسحاته، قيل له: فأي المنازل يومئذ أمثل؟ قال: الشعف يعني رؤوس الجبال.

حدثني جدي عن ابن عيينة عن زياد بن سعد عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة.

حدثني جدي قال: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه كان يقول: كأني به أصيلع أفيدع قائما عليها يهدمها بمسحاته قال مجاهد: فلما هدم ابن الزبير الكعبة جئت أنظر هل أرى الصفة التي قال عبد اللّه بن عمرو: فلم أراها.

62

حدثني جدي قال: حدثنا ابن عيينة عن هشام بن حسان عن حفصة بنت سيرين عن أبي العالية عن علي بن أبي طالب أنه قال: استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم و بينه فكأني أنظر إليه حبشيا أصيلع أصيمع قائما عليها يهدمها بمسحاته.

حدثني جدي قال: حدثنا ابن عيينة عن أمية بن صفوان بن عبد اللّه ابن صفوان عن جده عبد اللّه بن صفوان عن حفصة أنها قالت: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول:

ليؤمن هذا البيت حبش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأوسطهم و ينادي أولهم آخرهم فخسف بهم فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم، فقال رجل لجدي: أشهد ما كذبت على حفصة و لا كذبت حفصة على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال أمية: فلما جاء جيش الحجاج لم نشك أنهم هم حبش.

حدثني مهدي ابن أبي المهدي قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد اللّه مولى بني هاشم قال: حدثنا سعيد بن سلمة عن موسى بن جببير بن شيبة عن أبي أمامة بن سهل عن رجل من أصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: اتركوا الحبشة ما تركوكم فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السوقيتين من الحبشة.

حدثني جدي قال: حدثنا بن عيينة عن موسى بن أبي عيسى المديني قال: لما كان تبع بالدف من جمدان دفت بهم دوابهم و أظلمت عليهم الأرض فدعا الأحبار فسألهم فقالوا: هل هممت لهذا البيت بشي‏ء؟ قال: أردت أن أهدمه قالوا: فانو له خيرا تكسوه و تنحر عنده ففعل فانجلت عنهم الظلمة قال: و إنما سمي الدف من أجل ذلك.

حدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج أخبرني رجل عن سعيد بن إسماعيل أنه سمع أبا هريرة يحدث أبا قتادة أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال:

يبايع للرجل بين الركن و المقام و لن يستحل هذا البيت إلا أهله فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب و تأتي الحبش فيخربونه خرابا لا يعمر بعده أبدا و هم الذين يستخرجون كنزه. انتهى من تاريخ الأزرقي.

ستر الكعبة المشرفة بالأخشاب‏

الكعبة المشرفة واقعة بوسط المسجد الحرام مكشوفة تحت السماء، لا يسترها شي‏ء عن الشمس و المطر و الرياح.

63

و لم تستر الكعبة كلها بالخشب منذ بناء إبراهيم خليل اللّه عليه الصلاة و السلام إلى يومنا هذا إلا ثلاث مرات فقط، و تفصيل ذلك كما يأتي:

المرة الأولى: حين بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما، فإنه لما هدمها حتى ألصقها بالأرض من جميع جوانبها، و ذلك في يوم السبت النصف من جمادى الآخرة سنة أربع و ستين هجرية أرسل إليه عبد اللّه بن عباس رضي اللّه تعالى عنهما و كان غائبا من مكة يقول له: لا تدع الناس بغير قبلة انصب لهم حول الكعبة الخشب و اجعل عليها الستور حتى يطوف الناس من ورائها و يصلون إليها، ففعل ذلك ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما و عن جميع صحابة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أجمعين.

و المرة الثانية: حين بناء السلطان مراد الرابع، فإنه وقع مطر عظيم بمكة و ضواحيها لم يسبق له مثيل، و نزل معه برد كثير فهجم السيل على مكة و دخل المسجد الحرام فامتلأ بالماء حتى بلغ إلى ما فوق باب الكعبة، أي بلغ ارتفاع الماء أكثر من أربعة أمتار، فانهدم بسببه جدران الكعبة المشرفة كما بينا تفصيله في محله، و كان ذلك في التاسع عشر و في العشرين من شهر شعبان سنة (1039) تسع و ثلاثين و ألف هجرية، فشرع المهندس علي بن شمس الدين يستر حول الكعبة بأخشاب من جذوع النخل استعدادا لبناء الكعبة و عمارتها، و استمر العمل في ذلك سبعة عشر يوما- من 26 رمضان إلى 13 شوال من السنة المذكورة- ثم ألبست هذه الأخشاب ثوبا صبغ باللون الأخضر.

و المرة الثالثة: ما وقع في عصرنا هذا، فإنه لما أمر الملك السابق سعود بن عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، بتعمير سطح الكعبة المعظمة زادها اللّه شرفا و مهابة و إجلالا و إصلاح ما فيها من خراب.

قام بمباشرة هذا العمل الجليل المبارك معالي الشيخ محمد بن لادن الحضرمي المكي يساعده في ذلك الشهم الكريم سعادة الشيخ عبد اللّه بن سعيّد، بضم السين المهملة و فتح العين و تشديد الياء المكسورة. فأحضروا قبل كل شي‏ء الخشب و النجارين و جميع ما يلزم من العمال و الأدوات.

فلما كان ليلة السبت لإحدى و عشرين من جمادى الثانية سنة (1377) سبع و سبعين و ثلاثمائة و ألف هجرية، و لأحد عشر من شهر يناير سنة (1958) ثمان و خمسين و تسعمائة و ألف ميلادية، و لعشرين من شهر الجدي سنة (1336) ست‏

64

و ثلاثين و ثلاثمائة و ألف شمسية، قاموا في هذه الليلة بتركيب الأخشاب حول الكعبة المشرفة، و ذلك بعد صلاة العشاء في المسجد الحرام و خروج الناس منه حتى لم يبق فيه إلا قليل منهم، أي في الساعة الثالثة العربية بحسب توقيت مكة التي تغيب فيها الشمس في الساعة الثانية عشرة تماما، فالساعة الثالثة العربية بمكة ليلا توافق الساعة الثامنة الإفرنجية.

مع العلم بأن أذان العشاء بمكة يكون بالضبط الساعة الواحدة و النصف، و لا يختلف ميعاد أذان المغرب و أذان العشاء عن الوقت المذكور بالحجاز مطلقا لا صيفا و لا شتاء. و تختلف أوقات الصلوات الأخرى حسب دوران الفلك.

أما في مصر فأوقات الصلوات فيها تختلف على الدوام بالساعات الإفرنجية ما عدا أذان الظهر فإنه يكون عند الساعة الثانية عشرة إفرنجية و قد تنقص عنها أو تزيد بضع دقائق بحسب الصيف و الشتاء.

فكان ابتداء وضع الأخشاب حول الكعبة المعظمة في الساعة الثالثة العربية من ليلة السبت المذكور، و قد استمر العمل في تركيب الأخشاب فانتهوا من تركيبها في منتصف ليلة الأربعاء الموافق 25 من الشهر المذكور، فتم ستر الكعبة المعظمة كلها إلى ما فوق سقفها بمتر واحد و نصف متر بالأخشاب في الوقت المحدد تماما من الليلة المذكورة، ثم قاموا بعمارة سقف الكعبة كما بينا ذلك في غير هذا المحل، فلما انتهوا منها أزالوا جميع الأخشاب المحيطة بالكعبة في ليلة الأحد الثاني عشر من شعبان من السنة المذكورة فما جاء فجر هذه الليلة إلا و قد أزيلت الستارة الخشبية كلها، ثم في ضحى اليوم المذكور ألبسوا الكعبة ثوبها الأسود، زادها اللّه تعالى تشريفا و تعظيما و مهابة.

جاء في تاريخ الكعبة المعظمة ما يأتي: ذكر الطبري في الإتحاف أنه في سنة (1073) ألف و ثلاث و سبعين من الهجرة، انكسرت خشبة من سقف الكعبة فاقتضى الحال إلى كشف السقف و إزالة تلك الخشبة و عمر السقف عمارة جديدة، و أحاطوا الكعبة بسقايل الخشب من الأرض إلى السقف و ستروا على المعلمين بالخصف من خارج السقايل إلى أن تم العمل، و كان ذلك على يد سليمان بك صنجق جدة و قد فوض إليه مشيخة الحرم و نظارة العمارة اه.

و جاء فيه أيضا ما يأتي: ذكر السنجاري في منائح الكرم أنه في يوم الخميس غرة ربيع الثاني سنة (1099) ألف و تسع و تسعين من الهجرة، عمّر" محمد بك"

65

شيئا من أخشاب الكعبة و طلعوا أرتالا من جدة جعلوها حول الكعبة من الخارج و ركبوا الكسوة فيها، لتغيير إفريز السطح من التي تربط فيه الكسوة فإنه استأكل فيه، و جددوا رفرف مقام الشافعي لخلل وقع فيه و لم يزالوا إلى أن خلصوا منه.

انتهى باختصار من تاريخ الكعبة.

و الحقيقة: أن ستر الكعبة المشرفة بالأخشاب أو بالقماش عن أعين الناس حال تعميرها و إجراء الإصلاح فيها أمر لازم معقول مطلوب، ففي سترها فائدتان:

الأولى: عدم ظهور شي‏ء من العمارة فيها يشغل قلوب الطائفين و المصلين.

و الثانية: أن في سترها عن أعين الناس وقت العمارة، ضمانا من تقليل هيبتها من قلوب الجهلة و العوام، و حفظا من وسوسة الشيطان لبعضهم بما لا يسوغه الشرع الحنيف.

فستر الكعبة من تمام الأدب و هو عين الصواب و الحكمة، و إذا كان في بعض البلدان يستر المهندسون و العمال بعض الأشغال المهمة كإقامة التماثيل و نحوها بالأخشاب، لئلا يظهر نوع العمل أو يظهر سر المهنة و لئلا يؤدي إلى تشويش القائمين بالعمل من أنظار الناس و لغطهم، حتى ينتهوا منه تماما، ثم يكشفون الستارة.

فبيت اللّه المعظم أولى و أجدر بالستر حين إجراء العمارة فيه، ليتم العمل بهدوء و طمأنينة، و لئلا ينشغل المصلون و الطائفون بالنظر إلى العمل فتنصرف قلوبهم عن الخشوع المطلوب في هذا المكان المقدس. نسأل اللّه العظيم الحليم أن يسترنا في الدارين، و أن يعمر قلوبنا بالإيمان و التقوى، و أن يوفقنا للأعمال الصالحة، و يختم حياتنا بها" اللهم توفني مسلما و ألحقني بالصالحين" آمين يا رب العالمين، و صلى اللّه على نبينا" محمد" أبي القاسم الأمين و على آله و صحبه أجمعين، و سلام على المرسلين و الحمد للّه رب العالمين.

مقدار ما استعمل من الأخشاب و العواميد لستر الكعبة

مما يجب أن نذكر هنا مقدار ما صرف لستر الكعبة المشرفة عند تغيير سقفها في زماننا هذا، من الأخشاب و العواميد و يقال لها" المرابيع و العروق" و المسامير و الحبال، من جميع جوانب الكعبة مع السقائل بمشّاياتها من أرض المطاف إلى ما

66

فوق سقف الكعبة بمتر واحد و نصف المتر، مع العلم بأنه كان بين الكعبة و بين تركيب ألواح الخشب حولها ثلاثة أمتار من الثلاث الجهات، أما من جهة حجر إسماعيل فبينها و بين الخشب أربعة أمتار. و سبب الزيادة من هذه الجهة أن الناس يصلون إلى الكعبة بكثرة تحت الميزاب فلزم زيادة بعد المسافة من هذه الجهة.

فمقدار ما استعمل لستر الكعبة المشرفة كما أخبرنا بذلك رئيس النجارين المشرف على أعمال المسجد الحرام المسمى" سالم بن عبود" بضم العين و الباء و تخفيفها هو كما يأتي:

استعمل من ألواح الخشب أربعة آلاف لوح تقريبا، و طول بعض هذه الألواح أربعة أمتار و بعضها خمسة أمتار، و عرض بعضها خمسة عشر سنتيمترا و بعضها عشرين سنتيمترا.

و استعمل من العواميد، أي المرابيع، التي تركب عليها هذه الأخشاب، ثمانية آلاف عمود تقريبا.

و استعمل من المسامير ستمائة كيلو تقريبا، و الكيلو عبارة عن ثلاثمائة درهم و بضعة دراهم.

و استعمل من الحبال في ربط العواميد و المرابيع نحو ألف ربطة، و مقدار الربطة الواحدة بعضها أربعة أمتار و بعضها خمسة أمتار تقريبا.

و قد اشتغل في تركيب هذه الستارة الخشبية حول الكعبة شرفها اللّه تعالى نحو مائة و ثمانون شخصا من النجارين و العمّال، و قد شاهدنا بأنفسنا كل هذه الأعمال، نسأل اللّه تعالى عفوه و غفرانه إذا أسأنا الأدب في المسجد الحرام و عند بيته المعظم. إنه بعباده لطيف خبير.

عمد نطاق للكعبة المشرفة

الظاهر و اللّه تعالى أعلم أنه لم يعمل للكعبة زادها اللّه شرفا و تعظيما، نطاق، بكسر النون، يشد به جدرانها إلا مرة واحدة فقط، و ذلك كما ذكره الأسدي:

أنه حصل في أوائل القرن الحادي عشر للهجرة تشقق بالجدار الشامي" أي الذي في ناحية حجر إسماعيل" و قد ازداد في عام (1019) تسعة عشر و ألف، حيث وقع مطر بمكة جاء على إثره السيل فدخل المسجد الحرام، فانهلت مياه الأمطار

67

إلى داخل الكعبة من سطحها، و أصاب الجداران الشرقي و الغربي و جدران الحجر تصدع.

فأراد السلطان أحمد بن السلطان محمد هدم البيت الشريف، و أن يجعل حجارة هذه الجدران للكعبة المعظمة ملبسة واحدا بالذهب و واحدا بالفضة. فمنعه العلماء من ذلك و قالوا له: يمكن حفظها بنطاق يلم هذا الشعث، فعمل لها نطاقا من النحاس الأصفر مغلفا بالذهب، أنفق عليه نحو ثمانين ألف دينار، و جرى تركيبه في أواخر عام (1020) و أوائل عام (1021) اه.

فهذا النطاق هو النطاق الوحيد الذي عمل في العام المذكور لحفظ جدران الكعبة المشرفة من السقوط، فلم يسبق عمل مثله قبل ذلك، و لم يعمل مثله للكعبة بعد ذلك إلى عصرنا هذا.

و الحقيقة أن عمل نطاق للكعبة تحزم به من وسطها، و تشد به جدرانها عند وهنها لا بأس به، لكنه عمل موقت لا يدوم طويلا، لذلك دام هذا النطاق على الكعبة تسعة عشر سنة، فلما كان صباح يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر شعبان عام (1039) ألف و تسعة و ثلاثين للهجرة، وقع مطر عظيم بمكة دخل على إثره سيل كبير إلى المسجد الحرام و وصل إلى أعلا باب الكعبة، فانهدمت و سقطت جدرانها بسبب ذلك، فقام بتعميرها السلطان مراد خان الرابع ابن السلطان أحمد خان من سلاطين آل عثمان رحمهم اللّه تعالى، و لم يذكر أحد من المؤرخين من أخذ هذا النطاق حينما هدمت الكعبة المشرفة في هذا السيل الكبير، هل أخذه سدنة الكعبة أم أخذه سلطان ذلك الزمن، اللّه تعالى أعلم بذلك فهو علام الغيوب ذو الجلال و الإكرام لا إله إلا هو العزيز الغفار.

ستر الكعبة في حرب ابن الزبير

مما لا شك فيه أن الحرب بين عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه و بين الحصين بن نمير كانت بواسطة المنجنيق و العرّادات أي الآلات الحربية لرمي الحجارات و الصخور، فقد فرض الحصين على أصحابه عشرة آلاف صخرة يرمونها كل يوم، فلهذا كان من الواجب على ابن الزبير رضي اللّه عنه و هو متحصن بالمسجد الحرام و بجوار الكعبة المعظمة أن يحافظ عليها أشد المحافظة، لأنه لا يؤمن من وقوع الحجارة عليها الآتية من أخشبي مكة جبل أبي قبيس و جبل قعيقعان، فهو لذلك‏

68

قد ستر الكعبة بألواح من خشب الساج و غيرها، كما جاء ذلك في كتاب" الإمامة و السياسة" عند الكلام على غلبة ابن الزبير رضي اللّه عنهما و ظهوره، و هذا نص ما جاء فيه:

قال: و ذكروا أن أبا معشر قال: حدثنا بعض المشيخة الذين حضروا قتال ابن الزبير قال: لما نزل الحصين بمكة و غلب عليها كلها إلا المسجد الحرام قال: فإني لجالس مع ابن الزبير و معه من القرشيين عبد اللّه بن مطيع و المختار ابن أبي عبيد و المسور بن مخرمة و المنذر بن الزبير و مصعب بن عبد الرحمن ابن عوف في نفر من قريش قال: فقال المختار بن عبيد: و هبت رويحة و اللّه إني لأجد النصر في هذه الرويحة فاحملوا عليهم قال: فحملوا عليهم حتى أخرجوهم من مكة و قتل المختار رجلا و قتل ابن مطيع رجلا قال: فجاءه رجل من أهل الشام في طرف سنان رمحه نار قال: و كان بين موت يزيد بن معاوية و بين حريق الكعبة إحدى عشر ليلة ثم التحمت الحرب عند باب بني شيبة فقتل يومئذ المنذر بن الزبير و رجلان من إخوته و مصعب بن عبد الرحمن بن عوف و المسور بن مخرمة و كان الحصين قد نصب المجانيق على جبل أبي قبيس و على قعيقعان فلم يكن أحد يقدر أن يطوف بالبيت و أسند ابن الزبير ألواحا من الساج إلى البيت و ألقى عليها القطائف و الفرش فكان إذا وقع عليها الحجر نبا عن البيت فكانوا يطوفون تحت تلك الألواح فإذا سمعوا صوت الحجر حين يقع على الفرش و القطائف كبروا و كان طول الكعبة في السماء ثمانية عشر ذراعا و كان ابن الزبير قد ضرب فسطاطا في ناحية من المسجد فكلما جرح أحد من أصحابه أدخله ذلك الفسطاط. انتهى من الإمامة و السياسة.

و الساج: شجر عظيم صلب الخشب.

نقول: و يشبه ما تقدم، ما يقع الآن من ستر الحجر الأسود بالفراش الثخين المطوي عدة طيات مع وضع قطعة لوح من الحديد فوق الفراش ثم ربطه بالحبال على أستار الكعبة المشرفة، و ذلك خوفا من الحجارة المتطايرة من جبل الصفا بسبب تكسييره بواسطة الألغام و ذلك لتوسعة المسجد الحرام، ابتداء من سنة (1375) خمس و سبعين و ثلاثمائة و ألف، و تسمى بالتوسعة السعودية و قد تقدم الكلام عنها، و الألغام جمع لغم بفتحتين و هو يستعمل لتفجير الصخور و الأحجار العظام و ذلك بأن يثقب عدة ثقوب في الصخر و الجبل القوي بمثقاب، ثم تحشى هذه الثقوب بالديناميت و المواد المتفجرة، و توضع في الثقوب فتائل تمتد إلى خارج‏

69

الثقوب قليلا، ثم تشعل هذه الفتائل من طرفها، فتسري النار فيها إلى أن تصل إلى الديناميت في الثقوب فتثور الألغام و تنفجر فتتطاير قطع الصخور و الأحجار من الجبل، و قبل إشعال الفتائل ينذر الناس جنود الشرطة ليبتعدوا و يهربوا خوفا من أن تصيبهم الأحجار المتطايرة.

و يكون ذلك في الغالب بعد صلاة الظهر مباشرة في المسجد الحرام. و قد تكلمنا على ستر الحجر الأسود في عصرنا عند توسعة المسجد الحرام في مبحث عدم خلو الكعبة من الطائفين.

فإن قيل: لماذا لم تستر الحكومة السعودية الكعبة المشرفة خوفا عليها من الحجارة المتطايرة عن إثارة الألغام كما سترها ابن الزبير رضي اللّه عنه؟

نقول: إن حجارة الألغام في تكسير الصفا اليوم إنما هي أحجار تتناثر في جميع الجهات في جهة الشوارع و المسجد الحرام في مدة لا تتجاوز الربع الساعة فقط، فلا خوف منها مطلقا على الكعبة المشرفة و إنما ستر الحجر الأسود زيادة في الاحتياط لحفظه.

أما ستر الكعبة المعظمة في حرب ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنه و عن أبيه، فهو واجب وجوبا أكيدا، لأنه متحصن بنفس المسجد الحرام و خيام جيشه منصوبة بوسطه عند الكعبة، و عدوه الحصين بن نمير قد نصب المنجنيق على جبل أبي قبيس و على جبل قعيقعان" جبل هندي" لرمي الحجارة من الجبلين المتقابلين على موضع ابن الزبير و هو المسجد الحرام و قد فرض على جنوده أن يرموا كل يوم عشرة آلاف صخرة. فلا بد أن هذه الصخور تأتي المسجد الحرام و تصيب الكعبة المشرفة، فهنا يجب العمل على وقاية الكعبة المشرفة من صخور المنجنيق بقدر المستطاع فسترها ابن الزبير كما تقدم.

و مع ذلك فقد وهنت الكعبة من حجارة المنجنيق و أصابها أيضا الحريق فهدمها ابن الزبير رضي اللّه عنه و بناها من جديد كما تقدم تفصيل ذلك. اللهم زد بيتك هذا تشريفا و تعظيما و مهابة، و احفظه و جيرانه في بلدك الأمين من كل ضرر و أذى، و ارض عنا و استرنا بسترك الجميل في الدنيا و في الآخرة بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين آمين، و صلى اللّه و سلم على النبي الأمي و على آله و صحبه أجمعين.

70

ما وجد في الكعبة من الكتابات القديمة

نذكر هنا ما وجد في الكعبة من الكتابات القديمة مما هو قبل ظهور الإسلام.

جاء في تاريخ الغازي ما نصه: و وجد قريش كتابا بالسريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من اليهود فإذا فيه: أنا اللّه ذو بكة خلقتها يوم خلقت السموات و الأرض و صورت الشمس و القمر و حففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها مبارك لأهلها في الماء و اللبن.

و وجد في المقام أي محله كتاب آخر مكتوب فيه: مكة بيت اللّه يأتيها رزقها من ثلاث سبل. ذكره الحلبي.

و في كلام بعضهم وجد حجر مكتوب فيه ثلاثة أسطر، السطر الأول: أنا اللّه ذو بكة صنعتها يوم صنعت الشمس و القمر. و في الثاني: أنا اللّه ذو بكة خلقت الرحم و شققت له اسما من أسمائي فمن وصله وصلته و من قطعه بتته. و في الثالث: أنا اللّه ذو بكة خلقت الخير و الشر فطوبى لمن كان الخير على يديه و ويل لمن كان الشر على يديه.

و في تاريخ الأزرقي: وجد في حجر في الحجر كتاب من خلقة الحجر: أنا اللّه ذو بكة الحرام و صنعتها يوم صنعت الشمس و القمر و حففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى تزول أخشباها مبارك لأهلها من اللحم و الماء. و عن مجاهد قال: وجد في بعض الزبور: أنا اللّه ذو بكة جعلتها بين هذين الجبلين و صنعتها يوم صنعت الشمس و القمر حففتها بسبعة أملاك حنفاء و جعلت رزق أهلها من ثلاثة سبل فليس يؤتى أهل مكة إلا من ثلاثة طرق أعلى الوادي و أسفله و كداء و باركت لأهلها في اللحم و الماء. انتهى من تاريخ الغازي.

و هذا الذي عثروا عليه في الكعبة من الكتابات، غير ما كان فيها من الأصنام و الصور التي وضعها المشركون و التي أمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بإزالتها يوم فتح مكة شرفها اللّه تعالى.

فقد جاء في تاريخ الإمام الأزرقي أنه كانت في بطن الكعبة صورا و تماثيل، فلما كان يوم فتح مكة دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) البيت فأرسل الفضل بن العباس بن عبد المطلب فجاء بماء زمزم ثم أمر بثوب فبلّ بالماء و أمر بطمس تلك الصور فطمست. اه.

71

و في البخاري أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت و فيه الآلهة فأمر بها فأخرجت ... الخ. و في سنن أبي داود أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أمر عمر بن الخطاب و هو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحوا كل صورة فيها فلم يدخلها حتى محيت الصور ... الخ اه.

فكان في الكعبة كما في الأزرقي صور الأنبياء و صور الشجر و صور الملائكة، فكان فيها صورة إبراهيم خليل الرحمن و إسماعيل، و صورة عيسى بن مريم و أمه، أي تمثال مريم مزوقا في حجرها عيسى ابنها قاعدا مزوقا.

و كان فيها أيضا قرني الكبش الذي فدى به الذبيح إسماعيل، و كان فيها حمامة من عيدان. انتهى من الأزرقي.

فرش أرض الكعبة بالرخام‏

قال الإمام الأزرقي في تاريخه: قال أبو الوليد: و أرض الكعبة مفروشة برخام أبيض و أحمر و أخضر عدد الرخام ستة و ثلاثون رخامة منها أربع خضر بين الأساطين و بين صدري الكعبة عرض كل رخامة ذراع و أربع أصابع و عرضهن من عرض كراسي الأساطين و من الجدار الذي فيه الباب- باب الكعبة- إلى الرخام الأخضر الذي بين الأساطين ست عشرة رخامة منها ست بيض و سبع حمر طولهن سبعة أذرع و خمسة عشر إصبعا و بين جدار الدرجة و بين الرخام الأخضر ثلاث رخامات منها اثنتان بيضاوان و واحدة حمراء طول كل رخامة منها أربعة أذرع و نصف، و ست عشرة رخامة ثمان بيض و ثمان حمر طول كل رخامة سبعة أذرع و تسع أصابع و أطرافهن في حد الرخام الأخضر الذي بين الأساطين و الجدرين و أطرافهن في الجدر الذي يستقبل باب الكعبة منها رخامة بيضاء عرضها ذراعان و إصبعان ذكر أن النبي (صلى الله عليه و سلم) صلى في موضعها و هي الثالثة من الرخام البيض من حد الركن اليماني و طرفها في الأسطوانة الأولى من حيال باب الكعبة و عند عتبة باب الكعبة رخامتان: خضراء و حمراء مفروشتان. انتهى من تاريخ الأزرقي.

و إن شاء اللّه تعالى سنذكر فرش أرض الكعبة بالرخام في عصرنا الحاضر أي في سنة (1377).

72

صفة المسامير التي كانت في مال كعبة

قال الإمام الأزرقي في تاريخه: قال أبو الوليد: و في الألواح التي تلي الملتزم ثلاثة، و في الألواح التي بين الركن اليماني و الركن الأسود و هي التي تلي الركن اليماني ثلاثة، و منها مسمار في بطن الكعبة على ثلاثة أذرع و نصف و في بقية الألواح مسمار أو مسماران و المسامير مفضضة مقبوة منقوشة تدوير كل مسمار سبع أصابع، و المسامير من بطن الكعبة على أربعة أذرع و نصف و فوق الإزار إزار من الرخام منقوش مدار في جوانب البيت كله و في نقشه حبل غير منقوش بذهب و بين هذه الإزار الذي فيه الحبل إزار صغير كما يدور البيت منقوش عليه بماء الذهب من تحت الإفريز الذي تحت السقف و الإفريز من فسيفسا منقوش واصل بالسقف.

صفة باب الكعبة في عهد الأزرقي‏

قال الإمام الأزرقي في تاريخه: و ذرع طول باب الكعبة في السماء ستة أذرع و عشرة أصابع و عرض ما بين جداريه ثلاثة أذرع و ثماني عشرة إصبعا و الجداران و عتبة الباب العليا و نجاف الباب ملبس صفايح ذهب منقوش، و في جدار عضادتي الباب أربع عشرة حلقة من حديد مموهة بالفضة متفرقة في كل جدار سبع حلق يشد بها جوف الباب من أستار الكعبة و في عتبة باب الكعبة ثمانية عشر مسمارا منها أربعة على الباب و أربعة عشر في وجه العتبة و المسامير حديد ملبسة ذهبا مقبوة منقوشة تدوير حول كل مسمار سبع أصابع و ملبن باب الكعبة الذي يطأ عليه من دخلها داخل في الجدار عشر أصابع و الملبن ساج ملبس صفايح ذهب و عرض وجه الملبن عشر أصابع و عرض وجهه الآخر أربع أصابع و في الملبن من المسامير ستة و أربعون مسمار منها سبعة في أعلا الملبن و هي تلي العتبة، و في الجانب الأيمن تسعة عشر مسمارا و في الجانب الأيسر عشرون مسمارا و المسامير مقبوة ملبسة ذهبا منقوشة تدوير حول كل مسمار منها سبع أصابع، و ذرع طول باب الكعبة في السماء ستة أذرع و عشر أصابع و هما مصراعان عرض كل مصراع ذراع و ثماني عشرة إصبعا و عود الباب ساج و غلظه ثلاث أصابع فإذا غلقا فعرضهما ثلاثة أذرع و نصف، و في مصراع ست عوارض و العوارض من ساسم‏

73

و ظهر الباب من داخل ملبس صفايح فضة، و في المصراع الأيمن من داخل غلق رومي و أم الغلق ملبسة فضة و طول الغلق أربع عشرة إصبعا و في المصراع الأيسر حلقة فضة يكون فيها غلق الباب إذا غلق، و في الباب الأيسر سكرة و وجه الباب ملبس صفايح ذهب منقوشة و صفايح ساذج ما بين المسامير التي في العوارض صفايح مربعة منقوشة في كل مصراع خمس صفايح و تدوير حول الصفايح الساذج صفايح منقوشة و في الباب الأيسر أنف الباب ملبس ذهبا منقوشا طرفاه مربعان و على الأنف كتاب فيه بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ... الآية محمد رسول اللّه، و عدد المسامير مائتا مسمار منها مائة كبار منها في العوارض اثنان و سبعون مسمارا في كل عارضة ستة مسامير، و في كل مصراع عشرة مسامير و بين كل عارضتين مسماران في طرفي الباب و منها حول خرتة الباب التي يدخل فيها الرومي اثنا عشر مسمارا صغارا، و منها في المصراع الأيمن مسماران من فضة سازج موهان تدوير حول كل مسمار ست أصابع و بينهما حاجز يفتح فيه الغلق الرومي الداخل و ما بين المسامير تسع أصابع و المسامير مقبوة ملبسة ذهبا و هي منقوشة تدوير كل مسمار سبع أصابع و المسامير الصغار التي في المصراع الأيسر خمسون مسمارا و هي مضروبة حول الصفايح المربعة المنقوشة التي بين العوارض، حول كل صفيحة عشرة مسامير و المسامير ملبسة ذهبا مقبوة منقوشة و هي على صفايح ساذج عرض الصفايح إصبعان كما يدور حول الصفيحة المنقوشة و رجلا البابين حديد ملبسان ذهبا و في المصراعين سلوقيتان فضة موهتان و في السلوقيتين لبنتان من ذهب مربعتان و فوق اللبنتين صغيرتان و في طرف السلوقيتين حلقتا ذهب سعة كل حلقة ثمان أصابع و هما حلقتا قفل الباب و هما على ذراعين و ستة عشر إصبعا من الباب.

انتهى من تاريخ الأزرقي.

وجود سقفين للكعبة

للكعبة إلى يومنا هذا سقفان بينهما نحو قامة كما رأينا ذلك بأنفسنا، و لم نعلم لماذا عمل السقف الثاني داخل الكعبة، و من الذي عمله لأول مرة، أما قريش فلم يجعلوا للكعبة سقفين حين بنائها، فالظاهر أنه من عمل عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنه عند بنائه لها، و لكن يعرض علينا إشكال، و هو أن ابن الزبير جعل‏

74

في سطح الكعبة أربعة روازن" أي فتحات" لدخول الضوء و النور في جوف الكعبة فعمل السقف الثاني في داخل الكعبة يمنع دخول الضوء لجوفها، و يمكن أن ندفع هذا الإشكال بأنه جعل في السقف الثاني أيضا روازن مقابل الروازن التي في السقف الأعلا لينفذ الضوء منهما إلى جوف الكعبة.

فإن قيل: ما فائدة السقف الثاني من الداخل؟

نقول: ربما كان لوضع بعض أمانات الكعبة و هداياها و بعض الأشياء المتعلقة بها، أو لتزيين وجه السقف الثاني المقابل لأرض الكعبة بالذهب و الفضة و الألوان و الزخارف. و اللّه تعالى أعلم بذلك.

و نقول أيضا عن السقفين للكعبة: أنه لم يذكر أحد من المؤرخين من أول من عمل سقفين للكعبة المشرفة، غير أن الإمام الأزرقي المولود في القرن الثاني للهجرة قال" في باب ذرع البيت من الخارج" ما نصه:" و الكعبة لها سقفان أحدهما فوق الآخر" و قال أيضا في الباب الذي بعد الباب المذكور ما نصه:" و على الروازن رخام كان ابن الزبير أتى به من اليمن من صنعاء يقال له البلق و بين السقفين فرجة". انتهى كلامه.

فعلم من هنا صريحا بأنه كان للكعبة سقفان أحدهما فوق الآخر، في عهد ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما بدون شك.

بقي علينا أن نعرف هل كان للكعبة سقف واحد أم سقفان في بناء قريش الذي كان قبل بناء ابن الزبير، فالظاهر أنه كان للكعبة في بناء قريش سقف واحد فقط لا غير، أما قبل بناء قريش إلى عهد إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام، فإنه لم يكن للكعبة إلا سقف واحد فقط بدون شك و لا ريب، و أما خليل اللّه إبراهيم عليه الصلاة و السلام فإنه حين بناء الكعبة لم يجعل لها سقفا مطلقا كما بينا ذلك في محله.

فعليه نرى أن السقفين للكعبة كانا من عمل عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما، و نرى أن علة ذلك هي وضع هدايا الكعبة المشرفة بينهما، لأن خزانة الكعبة التي كانت في أرضها من عصور قديمة قد ردمت عند بناء قريش للكعبة.

و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

75

و لقد ذكر الإمام الأزرقي المولود بمكة في القرن الثاني للهجرة، السقفين للكعبة في تاريخه. قال عند باب ذرع البيت من الخارج: و الكعبة لها سقفان أحدهما فوق الآخر.

ثم قال في ذرع الكعبة من داخلها: و ذرع طول الكعبة في السماء من داخلها إلى السقف الأسفل مما يلي باب الكعبة ثمانية عشر ذراعا و نصف، و طول الكعبة في السماء إلى السقف الأعلى عشرون ذراعا، و في سقف الكعبة أربع روازن نافذة من السقف الأسفل للضوء، و على الروازن رخام كان ابن الزبير أتى به من اليمن من صنعاء يقال له البلق، و بين السقفين فرجة، و ذرع التحجير الذي فوق ظهر سطح الكعبة ذراعان و نصف ... الخ انتهى من تاريخ الأزرقي.

نقول: و لقد أسعدنا اللّه تعالى في دخولنا بيته الحرام، فقد دخلنا الكعبة المشرفة في صباح يوم الاثنين الثامن عشر من شهر رجب سنة (1376) ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف، مع بعض إخواننا الفضلاء منهم سعادة الشيخ صالح باخطمة و السيد محمد الهادي عقيل و الشيخ عبد اللّه العقلا و الشيخ محمود نتو و الشيخ إسماعيل جمال و غيرهم، و بعد أن صلينا ركعتين داخلها و دعونا اللّه تبارك و تعالى بما ألهمنا به، قمنا بغاية الأدب بكتابة بعض ما في داخل الكعبة و طلعنا إلى سطحها و دخلنا بين السقفين للتحقق منهما و إليك شي‏ء من وصفهما:

إذا صعد الإنسان من درج الكعبة الداخلي فقبل وصوله إلى السطح بنحو قامة يرى أمامه بابا صغيرا و عن يساره بابا مثله، و كلاهما يدخل إلى ما بين سقفي الكعبة، و مسافة ما بين السقفين (120) مائة و عشرون سنتيمترا و قد قسنا ذلك بأنفسنا.

و قد نوّهنا عن بحث أعواد السقفين في مبحث" عدد أعواد سقف الكعبة" فليراجع هناك.

و السقف الأول الذي يعلو أرض الكعبة مكسوّ بالقماش الأحمر المكتوب أي من نفس قماش الكسوة الداخلية الحمراء للكعبة. أما السقف الثاني الذي فوق السقف الأول فليس مكسوّ بالقماش و لا بغيره و لا يوجد به نقش و لا زخرفة بل يظهر خشبه و أعواده مجردة من كل زينة، و ذلك عندما يدخل المرء بين السقفين و ينظر إليه.

76

و لقد ذكر الإمام الأزرقي عن نقش سقف الكعبة بصحيفة 197 في الجزء الأول من تاريخه: و الجوائز منقوشة بالذهب و الزخرف، و سقف الكعبة منقوش بالذهب و الزخرف، و يدور تحت السقف إفريز منقوش بالذهب و الزخرف، و تحت الإفريز طوق من فسيفسا. انتهى كلامه.

و الجوائز جمع جائز و هو خشبة معترضة بين حائطين- قاله في المنجد- فانظر رحمك اللّه إلى عناية أهل القرون الأولى ببيت اللّه الحرام.

كيفية وضع الكسوة على الكعبة الشريفة

يظن الناس أن كسوة الكعبة توضع في داخلها أولا ثم ترفع إلى سطحها من درجتها التي في داخلها، لكن ليس الأمر كذلك، لأن درجة الكعبة التي في داخلها و التي توصل إلى سطحها ضيقة جدا بحيث لا يتسع إلا لمرور رجل واحد فقط، فالطلوع إلى سطحها و النزول منه يكون رجلا رجلا فقط.

و الكسوة كما هي معروفة تشتمل على عشر قطع بما في ذلك من ستارة باب الكعبة من الخارج و ستارة باب درجتها من الداخل، و كل قطعة منها كبيرة جدا بحيث يستحيل رفعها إلى السطح من الدرجة الداخلية الصغيرة الضيقة. لذلك يكون رفع الكسوة إلى سطح الكعبة بالكيفية الآتية:

بعد وصول الكسوة من مصر إلى مكة شرفها اللّه تعالى تنشر في المسجد الحرام بالحصوة قطعة قطعة، و ترتب قطعها و يخيط ما يحتاج إلى خياطة، ثم تلفّ كل قطعة و توضع بجوار الكعبة من جميع جهاتها الأربعة، ثم تدلى حبال قوية من سطح الكعبة من كل جانب من جوانبها، فتربط بها كل قطعة وحدها ثم يسحبها الرجال إلى سطحها و توضع في طرف الجدار، كل قطعة في المكان المناسب لها من الكعبة من غير أن يحل رباطها. و ذلك في صباح اليوم الثامن من شهر ذي الحجة.

و تبقى القطع على حالتها في طرف الجدران من سطح الكعبة إلى اليوم العاشر و هو يوم عيد النحر، ففي صباح هذا اليوم المبارك يطلع بعض الناس إلى سطح الكعبة، فيحلون الأربطة الملفوفة حول قطع الكسوة الجديدة المطوية، كما يحلون أربطة الكسوة القديمة من أماكنها من فوق السطح، فتسقط القديمة إلى أرض المطاف، و في نفس اللحظة ينزلون الكسوة الجديدة بأثر القديمة من فوقها، فبهذه‏

77

الكيفية لن تكون الكعبة المشرفة عارية عن الكسوة لحظة واحدة حين إلباسها الثوب الجديد في كل عام.

و لا بد من ظهور شي‏ء قليل من جدرانها في هذا الوقت لعدم استكمال خياطة الثوب الجديد، ثم يشتغلون بضعة أيام بخياطة قطع الكسوة بعضها ببعض و هي على نفس الكعبة، و الخيّاط يجلس على كرسي خاص يتدلى من سطحها بالحبال على مواضع الخياطة و ينزل شيئا فشيئا إلى أسفل حتى ينتهي من خياطة القطعتين، فينتقل إلى جهة أخرى لخياطة بقية القطع حول الكعبة.

و لا تكون الخياطة إلا من الصباح المبكر كل يوم إلى الضحى العالي حيث تشتد حرارة الشمس، فعندئذ يقف العمل، فالكعبة تقع في الفضاء معرضة للشمس و العمل عند اشتداد حرارة الشمس متعذر.

هذه هي كيفية وضع الكسوة على الكعبة المشرفة في كل عام.

انظر: صورة رقم 109، وضع الكسوة الجديدة فوق الكعبة و خياطتها

تفرقة الرجال عن النساء في الطواف و في المسجد الحرام‏

جاء في صحيح البخاري في كتاب الحج في باب طواف النساء مع الرجال:

و قال عمرو بن علي: حدثنا أبو عاصم قال ابن جريج: أخبرنا قال: أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال، قال: كيف يمنعهن و قد طاف نساء النبي (صلى الله عليه و سلم) مع الرجال، قلت: أبعد الحجاب أو قبل؟ قال: أي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب، قلت: كيف يخالطن الرجال، قال: لم يكنّ يخالطن، كانت عائشة رضي اللّه عنها تطوف حجرة من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت: عنك، و أبت و كن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال و لكنهن كن إذا دخلن البيت قمن حتى يدخلن و أخرج الرجال. و كنت آتي عائشة أنا و عبيد بن عمير، و هي مجاورة في جوف ثبير، قلت: و ما حجابها؟

قال: هي في قبة تركية لها غشاء، و ما بيننا و بينها غير ذلك، و رأيت عليها درعا موردا. انتهى.

قال الغازي في الجزء الثاني من تاريخه: كان الرجال و النساء يطوفون معا مختلطين، حتى ولي مكة خالد بن عبد اللّه القسري لعبد الملك بن مروان، ففرق بين‏

78

الرجال و النساء في الطواف، فأجلس عند كل ركن حرسا معهم السياط يفرقون بين الرجال و النساء، فهو أول من فرق بينهما. انتهى من الغازي.

و روى الغازي في الجزء الثاني من تاريخه: أن علي بن الحسن الهاشمي الذي تولى أمر مكة في خلافة المهتدي بن الواثق، هو أول من فرق بين الرجال و النساء في جلوسهن في المسجد الحرام، فقد أمر بحبال تربط بين الأساطين التي يقعدن عندها تفصل بينهن و بين الرجال. انتهى.

و نظن أن ذلك كان بعد سنة (255) خمس و خمسين و مائتين.

الترغيب في الحج و العمرة

اعلم أن الحج خامس أركان الإسلام، فرض في السنة السادسة من الهجرة كما هو المشهور، و قيل: في الخامسة، و قيل: قبل الهجرة. و الحج فرض عين مرة واحدة في العمر على التراخي، و كذلك العمرة و قد يجبان أكثر من مرة لعارض كنذر و هو يكفر الصغائر و الكبائر حتى التبعات على المعتمد.

و قد حج (صلى الله عليه و سلم) قبل النبوة و بعدها و قبل الهجرة حججا لا يدرى عددها، و حج بعد الهجرة حجة الوداع لا غير بإجماع المسلمين، و كذلك اعتمر قبلها عمرا لا يدرى عددها، و أما بعدها فعمرة في رجب، و ثلاثا بل أربعا في ذي القعدة، أي:

في ثلاثة أعوام؛ لأنه في حجة الوداع، كان في آخر أمره قارنا، و عمرة في شوال كما صح في أبي داود، و عمرة في رمضان كما في البيهقي. و فرضية الحج و العمرة واردة صريحا في الكتاب و السنة، أما الكتاب فقد قال اللّه تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا و قال: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ‏ و قال آمرا نبيه إبراهيم (عليه السلام): وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ* ذلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ‏ إلى آخر الآيات.

و أما السنة فقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" من حج للّه فلم يرفث و لم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" رواه البخاري و غيره، و روى ابن حبان عن ابن عمر أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال:" إن الحاج حين يخرج من بيته لم يخط خطوة إلا كتب اللّه له بها حسنة

79

و حطّ عنه بها خطيئة. فإذا وقفوا بعرفات باهى اللّه بهم ملائكته يقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا أشهدكم أني غفرت ذنوبهم، و إن كانت عدد قطر السماء و رمل عالج. و إذا رمى الجمار لم يدر أحد ما له حتى يتوفاه اللّه تعالى يوم القيامة، و إذا حلق شعره فله بكل شعرة سقطت من رأسه نور يوم القيامة، فإذا قضى آخر طوافه بالبيت خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". اه. و قال عليه الصلاة و السلام:" العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما و الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" رواه الشيخان، و قال:" تابعوا بين الحج و العمرة فإنهما ينفيان الفقر و الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، و الذهب و الفضة. و ليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة" رواه أحمد و غيره. و قال:" من حج عن أبيه أو أمه فقد قضى عنه حجته. و كان له فضل عشر حجج" رواه الدارقطني. و قال:" إذا لقيت الحاج فسلم عليه و صافحه، و مره أن يستغفر لك قبل أن يدخل بيته فإنه مغفور له" رواه أحمد. و قال:" اللهم اغفر للحاج و لمن استغفر له الحاج". رواه الحاكم، و قال:

صحيح الإسناد. و يستحب الإكثار من العمرة لا سيما في رمضان، لما أخرجه ابن حبان و غيره:" عمرة في رمضان تعدل حجة معي" و في رواية البخاري:" تقضي حجة، أو حجة معي".

و يستحب أن يحج الإنسان عن نفسه بعد حجة الإسلام ثانية و ثالثة، فقد ورد:" من حج حجة فقد أدى فرضه، و من حج ثانية فقد داين ربه و من حج ثالثة حرم اللّه جسده على النار".

و في الحديث القدسي:" إن عبدا صححت له جسمه و أوسعت عليه معيشته تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم". و هناك أحاديث كثيرة وردت في هذا الشأن اكتفينا بما ذكرناه بغية الاختصار.

انتهى من كتابنا إرشاد الزمرة لمناسك الحج و العمرة. و إليك صورة بعض الحجاج.

انظر: صورة رقم 110، الحجاج في عرفات‏

و اعلم: أن الأيام المعلومات المذكورة في سورة الحج هي: عشر ذي الحجة على الأصح، و الأيام المعدودات المذكورة في سورة البقرة هي: أيام التشريق، و هي الثلاثة الأيام بعد يوم النحر. و يسمى اليوم الثامن من ذي الحجة يوم التروية، و اليوم التاسع من يوم عرفة و اليوم العاشر منه يوم النحر، و اليوم الحادي عشر منه‏

80

يوم القرّ بفتح القاف و تشديد الراء، و اليوم الثاني عشر منه يوم النفر الأول، و اليوم الثالث عشر منه يوم النفر الثاني.

أسرار الحج و مزاياه‏

ننقل هنا ما ذكرناه في كتابنا المطبوع بمصر" إرشاد الزمرة لمناسك الحج و العمرة" و هو كما يأتي:

قال اللّه تعالى في كتابه الكريم: وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ* وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏ (سورة الحج 26- 29).

يرتبط الحج بالكعبة المعظمة منذ بنائها الأول، فهو لذلك من الأمور الدينية القديمة العهد جدا، و قد حج كثير من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، و كان أهل الجاهلية يحجون و يقفون بعرفات و يبيتون بمزدلفة و يمكثون بمنى، و كانوا يصنعون للحاج طعاما أيام الموسم بمكة و منى. و لما حج سيدنا يونس (عليه السلام) كان يؤثر عنه: لبيك كاشف الكرب لبيك.

و لئن كان الحج خامس أركان الإسلام في الترتيب فإنه جامع لمعانيها كلها، كدين الإسلام فإنه أتى آخرا و لكنه جمع حقائق الأديان كلها، و هو الدين الذي ارتضاه اللّه لعباده كما يقول في كتابه العزيز: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً و يقول: وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ‏.

و ما كان الحج خامس الأركان ترتيبا في الحديث إلا لكونه واجبا في العمر مرة على المستطيع، بخلاف الصلاة و الزكاة و الصيام فإنها تتكرر على الدوام، إما يوميا و إما سنويا.

فالحج هو أكبر مؤتمر إسلامي دائر بدوران السنين و الأعوام إلى يوم القيامة، و هو أوسع و أشرف مجمع ديني، و أعظم و أفخم ناد صحراوي، يعقد بأمر إلهي‏

81

و بوازع الإيمان القوي مرة كل عام، و أعضاء هذا المؤتمر الأكبر هم جميع المؤمنين على اختلاف طبقاتهم و تنوع شعوبهم و أممهم لا فرق بين الكبير و الصغير، و الأمير و الحقير، و الغني و الفقير، و العالم و الجاهل، و العامل و العاطل، و كل منهم بالوحدة العامة، و يهدف إلى التمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.

و لقد كان الإفرنج و الحكومات الأجنبية يتخوفون و يهابون الإسلام لأمرين خطيرين:

الأول: الحج إلى بيت اللّه الحرام، الذي هو بمثابة الوحدة الإسلامية، التي تجمع كلمتهم و تقوي عزائمهم.

و الثاني: الخلافة، و هي التي يستندون إليها، و يرتبطون بها و يستظلون تحت لوائها، فهي مركز سلطانهم و مصدر نفوذهم. و انظر كتاب" حاضر العالم الإسلامي" لمستر لوثروب سنودارد الأمريكي صحيفة (287) في الفصل الثاني بعنوان" الجامعة الإسلامية" فقد بسط الكلام عن الحج و الخلافة بما يشفي الغليل.

أما الخلافة فلا نتكلم عنها، و أما الحج فكيف لا يخافون منه و هو العامل الأكبر في التعاون و التعاضد و الرابطة، أليس يقول اللّه تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ‏ فأي منفعة أعظم و أكبر للمسلمين من تقوية الرابطة الدينية، و ربط الشعوب المختلفة بعضها ببعض، الذين أتوا من كل فج عميق، ففي إطلاق لفظ المنافع في الآية، دليل واضح على تعميمها، فيدخل كل ما له منفعة للمسلمين، كالأمور الوطنية، و العلمية، و الثقافية، و الاجتماعية، و الانسانية و التجارية، و غير ذلك.

و الحق يقال: أن الناظر في يوم عرفة إلى تلك الجموع المحتشدة و إلى ذلك البحر الزاخر من المسلمين الذين أتوا يوحدون اللّه و يلبون دعاءه، من مشارق الأرض و مغاربها، و من مختلف الأجناس و اللغات، ليندهش اندهاشا و يستغرب عجبا، و يزداد إيمانا باللّه تعالى و بقدرته و عظمته" و ما راء كمن سمعا".

فلئن شرعت صلاة الاستسقاء باجتماع الناس بأطفالهم و دوابهم و حيواناتهم لإنزال القطر و المطر و لئن جعلت أيضا صلاة الجمعة فرضا لوعظ الناس و إرشادهم لأمور دينهم و دنياهم، فإن يوم عرفة لأعظم من الاستسقاء و الجمعة، و هو أفضل الأيام على الإطلاق، و لذلك كان صبيحة ليلتها هو العيد الأكبر للمسلمين في جميع الأقطار، و كيف لا يكون كذلك و اللّه عز شأنه يتجلى على هذا الجمع الغفير من الأمة المحمدية بالرحمة و الغفران و الفضل و الإحسان، و العتق من النار، بل‏

82

حتى يباهي بهم الملائكة، ذلك يوم اختلط العربي بالعجمي، و الأبيض بالأسود، و الحيوان بالبشر، و صار كل واحد يدعو اللّه مخلصا بقلبه، سائلا له بلسانه و لغته، ساكبا من العبرات و الدموع ما يبلغه أعلى مراتب الخضوع و الخشوع.

كلهم في ذلك اليوم لا يرجون إلا اللّه، و لا يدعون إلا إياه، نشيدهم الروحي" لبيك اللهم لبيك" و شعارهم الديني" لا إله إلا اللّه و لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين و لو كره الكافرون"، قد تركوا أوطانهم و فارقوا أولادهم، و كشفوا رؤوسهم، و نزعوا ثيابهم، و أبدلوها بالإحرام الأبيض كالأكفان، و وقفوا في ذلك الصحراء الواسع، امتثالا لأمر اللّه و ابتغاء لمرضاته.

فمن أسرار الحج أن يكون هذا الموقف العظيم و المحشر الأصغر يوم عرفة، في فضاء متسع و صحراء مترامية الأطراف، مجردة عن الدور و البنيان.

و أن تكون هذه الجموع البشرية في صحة تامة أيام الحج، مع كثرة عددهم و تعرضهم للشمس و الهواء و الغبار و التراب الناشئ من كثرة انتقالاتهم بشتى وسائل الركوب من سيارات و جمال و دواب أخرى، و مع كونهم يستظلون بالخيام و تحت الهوادج و بين الصخور و الأحجار الكبار، و ما ذاك إلا لأنهم تركوا الوساوس و الأوهام في هذه الأيام، فلا يهمهم إلا الاجتهاد في العبادة و الإخلاص في الدعاء و الشكر و الفرح بأداء هذه الفريضة المقدسة.

و من أدق أسرار الحج أن الرؤيا المنامية في ليالي عرفة و مزدلفة و منى تختلف عنها في بقية الليالي الأخرى، كما يعرف ذلك أرباب البصائر و العلماء العاملين كل واحد بحسب استعداده من حسن نيته و نظافة قلبه و درجة صلاحه.

و إن من أعظم الدليل على فضل يوم عرفة على سائر الأيام نزول هذه الآية الجليلة فيه التي في أول سورة المائدة و هي: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فإنها نزلت في يوم الجمعة، و كان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر، و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) واقف بعرفة على ناقته العضباء، فكاد عضد الناقة ينقّد من ثقلها فبركت.

روى الأئمة عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤنها، لو علينا أنزلت معشر اليهود، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: و أي آية قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي‏

83

نزلت فيه، نزلت على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعرفة في يوم جمعة، لفظ مسلم و عند النسائي" ليلة جمعة". نقلنا هذه الرواية من تفسير القرطبي.

و لا يخفى أن هذه الآية الكريمة أعظم بشارة و أكبر فرح للمسلمين لاشتمالها على ثلاث مسائل كل واحدة أعظم من أختها كما هي ظاهرة من منطوق الآية:

(1) أن اللّه تعالى قد أكمل لنا ديننا الحنيف.

(2) قد أتم علينا نعمته من جميع الوجوه.

(3) قد اختار لنا بنفسه دين الإسلام القويم، كل ذلك بمحض فضله و رحمته.

و لما جرت العادة أن البشائر الكبرى، و الأخبار المهمة العمومية، تكون بالإعلان عنها على رؤوس الأشهاد بشتى الطرق و الوسائل، تكرم اللّه عز شأنه أن يكون نزول هذه الآية الجليلة في يوم عرفة، لاجتماع كافة المسلمين فيه و حضور رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بينهم لينتشر ذلك فيهم بسرعة البرق، فيعم البشر و السرور و الفرح و الحبور للمسلمين جميعا في وقت واحد.

و يفهم من هذه الآية قرب انتقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى الدار الآخرة، فما دام الدين الإسلامي قد كمل و أدّى النبي رسالته للناس و بلغهم ما أنزل إليه، فليلحق بالرفيق الأعلى، و ليسترح من تعب الدنيا.

و في نزول هذه الآية الكريمة حكمة كبرى، و هي اطمئنان المسلمين إلى أن دينهم قد كمل فلا يحتاج إلى زيادة شي‏ء، فلو لم تنزل هذه الآية، و مات رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لخطر في البال و جال في الصدور، أن دين الإسلام ربما لم يكمل، و أنه لو لم يمت (صلى الله عليه و سلم) لتوالى نزول الآيات القرآنية، و ازدادت أحكام الديانة الإسلامية، فلهذه الآية الجليلة موقع عظيم، و معنى دقيق لا يغيب على ذوي الألباب.

و هنا نمسك عنان القلم عن الاسترسال في هذا المعنى، فلو أردنا أن نتكلم عن مزايا الحج و أسراره، لاحتجنا إلى أن نضع فيه مؤلفا خاصا، و في هذا القدر كفاية للفضلاء. وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ‏.

انتهى من كتاب إرشاد الزمرة.

84

فضل العمرة

قال الطبري (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" القرى لقاصد أم القرى" ما نصه: تقدم في الباب الأول حديث:" العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما"، و حديث:" تابعوا بين الحج و العمرة"، و حديث:" الحاج و العمار و فد اللّه"، و حديث:" من مات حاجا أو معتمرا"، و أحاديث تتضمن الحج و العمرة.

و عن سالم بن عبد اللّه بن عمر عن أبيه، أن عمر استأذن النبي (صلى الله عليه و سلم) في العمرة، فأذن له و قال: لا تنسنا من دعائك و أشركنا في دعائك أخرجه أبو داود.

و أخرجه أحمد بزيادة، و لفظه: عن عمر أنه استأذن النبي (صلى الله عليه و سلم) في العمرة، فأذن له، و قال: يا أخي لا تنسنا من دعائك. و في لفظ: يا أخي أشركنا في دعائك، قال:

ما أحبّ أن يكون لي بها ما طلعت عليه الشمس. لقوله:" يا أخي" أخرجه كذلك الحافظ السلفي و صاحب الصفوة، و أخرجه ابن حرب الطائي، و لفظه:

أشركنا في صالح دعائك و لا تنسنا.

و عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده أن في الكتاب الذي كتبه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أن العمرة الحج الأصغر. أخرجه ابن الحاج في منسكه. انتهى من كتاب الطبري المذكور.

إتيان العمرة في شهر رجب‏

إتيان العمرة في شهر رجب من الأمور القديمة بعد الإسلام، قال ابن كثير (رحمه اللّه تعالى) في تفسيره عند قوله تعالى:

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ... الآية ما نصه:

و إنما كانت الأشهر المحرمة أربعة ثلاثة سرد، و واحد فرد، لأجل أداء مناسك الحج و العمرة فحرم قبل أشهر الحج شهرا و هو ذو القعدة لأنهم يقعدون فيه عن القتال و حرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج، و يشتغلون فيه بأداء المناسك، و حرم بعده شهرا آخر و هو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، و حرم رجب في وسط لأجل زيارة البيت و الاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب فيزوره، ثم يعود إلى وطنه فيه آمنا. انتهى من تفسير ابن كثير.

85

و ذكر بعض المؤرخين أن أهل مكة قد اعتادوا إتيان العمرة في شهر رجب، و ذكروا لذلك علة و هي أن أصل هذه العمرة الرجبية يرجع إلى فراغ عبد اللّه بن الزبير من بناء الكعبة و كان ذلك في اليوم السابع و العشرين من شهر رجب حيث خرج هو و أهل مكة بعد الفراغ من البناء حتى اعتمروا من التنعيم شكرا للّه عز و جل. قالوا: فبقيت تلك العمرة سنة عند أهل مكة يشاركهم في ذلك بعض القبائل الموالية لمكة مثل بجيلة و زهران و غامد حيث يبادرون بالحضور إلى مكة في شهر رجب لإتيان العمرة فيه و يجلبون معهم الحبوب و الطعام و السمن و العسل و الزبيب و اللوز و نحو ذلك، فينتفع أهل مكة منهم و ينتعش السوق بهم.

هكذا ذكر بعض المؤرخين، و لا ندري متى بطلت هذه العادة من أهل مكة فقد كانوا يأتون بالعمرة الرجبية إلى ما بعد زمان ابن بطوطة الذي ذكر هذه العمرة في رحلته التي كانت سنة (725) هجرية فعليه تكون هذه العادة فيهم إلى ما بعد القرن الثامن. و اللّه تعالى أعلم متى تركوها.

أما في عصرنا فلم نسمع قط بالعمرة الرجبية بمكة، و إنما العادة عندنا الزيارة الرجبية، فقد كان الركب يمشي إلى المدينة المنورة في شهر رجب و لا تزال هذه العادة إلى اليوم حتى في بعض البلدان النائية كمصر و الشام فإنهم يأتون لزيارة المدينة في شهر رجب، و لم نعلم عن أصل هذه الزيارة الرجبية أيضا شيئا.

و الذي نراه عن أصل العمرة الرجبية هو غير ما ذكره بعض المؤرخين و أرباب الرحلات من أن أصله يرجع إلى إتيان ابن الزبير العمرة في يوم 27 رجب بعد فراغه من بناء الكعبة، فإن اعتمار ابن الزبير كان شكرا للّه تعالى على توفيقه لبناء بيته الحرام، و بزوال هذه العلة و عدم تكرر البناء و الهدم في زمانه لم يبق وجه لإتيان العمرة في رجب.

و نرى أن اعتمار الناس في شهر رجب له سبب غير ما تقدم و هو ما ذكره العلامة الطبري في كتابه" القرى لقاصد أم القرى"، فقد جاء فيه عند الكلام على عمرة رجب ما خلاصته:

عن ابن عمر و ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهم أن النبي (صلى الله عليه و سلم) اعتمر أربع عمر إحداهن في رجب و قد تقدم الحديثان في فصل عدد عمره (صلى الله عليه و سلم)، و عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه كان يعتمر في رجب كل عام و يتبع في ذلك فعل عمر و عثمان و كلاهما كانا يعتمران في رجب و يرونه شهرا حراما من أوسط الشهور،

86

و أحق أن يعتمر فيه لتعظيم حرمات اللّه تعالى. أخرجه أبو ذر في منسكه، و في رواية أنه كان يعتمر في رجب و يهدي قال نافع: و ليس الهدي بواجب إنما كان هدي تطوع.

و عن القاسم عن عائشة رضي اللّه عنها أنها كانت تعتمر من المدينة في رجب و تهل من ذي الحليفة.

و روى الواقدي عن أشياخه أن أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه اعتمر في رجب سنة إحدى عشرة و دخل مكة ضحوة النهار فأتى منزله و أبوه أبو قحافة جالس على باب داره فقيل له: هذا ابنك فنهض قائما و عجل أبو بكر أن ينيخ راحلته فنزل عنها و هي قائمة فجعل يقول: يا أبة لا تقم ثم التزمه و قبّل بين عيني ابن قحافة و جعل الشيخ يبكي فرحا بقدومه و جاءه و الي مكة عتاب بن أسيد و سهيل بن عمرو و عكرمة بن أبي جهل و الحارث بن هشام فسلموا عليه سلام عليك يا خليفة رسول اللّه و صافحوه جميعا فجعل أبو بكر يبكي حين يذكرون رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ... إلى آخر كلام الواقدي.

قال ابن الصلاح: و روي الاعتمار في رجب عن جماعة من السلف، و عن أبي إسحاق السبيعي أنه سئل عن عمرة رمضان فقال: أدركت أصحاب عبد اللّه لا يعدلون بعمرة رجب. و هذا كله لا يعدل الحديث الصحيح في عمرة رمضان.

انتهى كل ذلك من كتاب الطبري المذكور.

نقول: هذا ما نراه أصلا في العمرة الرجبية. و اللّه تعالى أعلم.

و بمناسبة الكلام على الاعتمار في شهر رجب نذكر ما جاء في رحلة ابن جبير عن كيفية اعتمار أهل مكة في رجب و نذكر أيضا ما جاء في كتاب الطبري" القرى لقاصد أم القرى" عن عمرة الحريق. و لنتكلم عن هذه العمرة أولا:

قال الإمام الطبري بصحيفة (579) من كتابه المذكور ما نصه:

ذكر الإمام أبو عبد اللّه محمد بن الحاج المالكي في منسكه المترجم بكتاب المنهاج قال الشيخ أبو محمد مكي بن أبي طالب (رحمه اللّه تعالى): كانوا إذا كان ليلة عاشوراء اجتهد الناس في الطواف و الصلاة، و أخذ سكان مكة في شعابها في الحريق يوقدون النيران على جيف إبل الحاج ليذهب عنهم ريحها و لو تكلفوا إخراجها لطال عليهم لكثرة الجيف، و يوقدون على الجبال المشرفة على البيت سنة

87

لهم ثم يصبح الناس إلى العمرة فلذلك تسمى" عمرة الحريق" ثم يخرج الناس إلى ثور و هو الجبل الذي فيه الغار الذي ذكره اللّه تعالى في القرآن و بين ثور و بين مكة ثلاثة أميال. انتهى من الكتاب المذكور.

العمرة الرجبية

أما ما ذكر ابن جبير عن كيفية اعتمار أهل مكة في شهر رجب، فإليك ما جاء في رحلته:

قال ابن جبير الأندلسي عنها في رحلته التي كانت سنة (578) ثمان و سبعين و خمسمائة ما يأتي:

و هذا الشهر المبارك" أي رجب" عند أهل مكة موسم من المواسم العظيمة و هو أكبر أعيادهم، و لم يزالوا على ذلك قديما و حديثا يتوارثه خلفا عن سلف متصلا ميراث ذلك إلى الجاهلية لأنهم كانوا يسمونه متصل الأسنة و هو أحد الأشهر الحرم و كانوا يحرّمون القتال فيه، و هو شهر اللّه الأصم كما جاء في الحديث عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و العمرة الرجبية عندهم أخت الوقفة العرفية لأنهم يحتفلون لها الاحتفال الذي لم يسمع بمثله و يبادر إليها أهل الجهات المتصلة بها فيجتمع لها خلق عظيم لا يحصيهم إلا اللّه عز و جل فمن لم يشاهدها بمكة لم يشاهد مرأى يستهدى ذكره غرابة و عجبا. شاهدنا من ذلك أمرا يعجز الوصف عنه.

و المقصود منه الليلة التي يستهل فيها الهلال مع صبيحتها و يقع الاستعداد لها من قبل ذلك بأيام فأبصرنا من ذلك ما نصف بعضه على جهة الاختصار و ذلك لأننا عاينا شوارع مكة و أزقتها من عصر يوم الأربعاء و هي العشية التي ارتقب فيها الهلال قد امتلأت هوادج مشدودة على الإبل مكسوة بأنواع كساء الحرير و غيرها من ثياب الكتان الرفيعة بحسب سعة أحوال أربابها و وفرهم و كل يتأنق و يحتفل بقدر استطاعته فأخذوا في الخروج إلى التنعيم ميقات المعتمرين فسالت تلك الهوادج في أباطح مكة و شعابها، و الإبل قد زينت تحتها بأنواع التزيين و أشعرت بغير هدي بقلائد رائقة المنظر من الحرير و غيره ربما فاضت الأستار التي على الهوادج حتى تسحب أذيالها على الأرض و من أغرب ما شاهدنا من ذلك هودج الشريفة جمانة بنت فليتة عمت الأمير مكثر، فإن أذيال ستره كانت تسحب على‏

88

الأرض انسحابا و غيره من هوادج حرم الأمير و حرم قواده إلى غير ذلك من هوادج لم نستطع تقييد عدتها عجزا عن الإحصاء فكانت تلوح على ظهور الإبل كالقباب المضروبة فيخيل للناظر إليها أنها محلة قد ضربت أبنيتها من كل لون رائق و لم يبق ليلة الخميس المذكور بمكة إلا من خرج للعمرة من أهلها و من المجاورين و كنا في جملة من خرج ابتغاء بركة الليلة العظيمة فكدنا لا نتخلص إلى مسجد عائشة من الزحام و انسداد ثنيات الطريق و النيران قد أشعلت بحافتي الطريق كله و الشمع يتقد بين أيدي الإبل التي عليها هوادج من يشار إليه من عقائل نساء مكة. فلما قضينا العمرة و طفنا و جئنا للسعي بين الصفا و المروة و قد مضى هدو من الليل أبصرناه كله سراجا و نبراسا و قد غص بالساعين و الساعيات على هوادجهن فكنا لا نتخلص إلا بين هودجهن و بين قوائم الإبل لكثرة الزحام و اصطكاك الهوادج بعضها على بعض فعاينّا ليلة هي أغرب ليالي الدنيا فمن لم يعاين ذلك لم يعاين عجبا يحدث به و لا عجبا يذكّره مرأى الحشر يوم القيامة لكثرة الخلائق فيه محرمين ملبين داعين اللّه عز و جل ضارعين. و الجبال المكرمة التي بحافتي الطريق تجيبهم بصداها حتى سكت المسامع و سكبت من هول تلك المعاينة المدامع و ذابت القلوب الخواشع و في تلك الليلة ملئ المسجد الحرام كله سرجا فتلألأ نورا و عند ثبوت رؤية الهلال عند الأمير أمر بضرب الطبول و الدبادب و البوقات إشعارا بأنها ليلة الموسم. فلما كانت صبيحة الخميس خرج إلى العمرة في احتفال لم يسمع بمثله انحشد له أهل مكة عن بكرة أبيهم فخرجوا على مراتبهم قبيلة قبيلة و حارة حارة شاكين في الأسلحة فرسانا و رجالة فاجتمع منهم عدد لا يحصى كثرة يتعجب المعاين لهم لوفور عددهم فلو أنهم من بلاد جمة لكانوا عجبا فكيف و هم من بلد واحد و هذا أول الدلائل على بركة البلد فكانوا يخرجون على ترتيب عجيب فالفرسان منهم يخرجون بخيلهم و يلعبون بالأسلحة عليها و الراجلة يتواثبون و يتثاقفون بالأسلحة في أيديهم حرابا و سيوفا و حجفا و هم يظهرون التطاعن بعضهم لبعض و التضارب بالسيوف و المدافعة بالحجف التي يستجنون بها و أظهروا من الحدق بالنقاف كل أمر مستغرب و كانوا يرمون بالحراب إلى الهواء و يبادرون إليها لقفا بأيديهم و هي قد تصوبت أسنتها على رؤوسهم و هم في زحام لا يمكن فيه المجال و ربما رمى بعضهم بالسيوف في الهواء فيتلقونها قبضا على قوائمها كأنها لم تفارق أيديهم إلى أن خرج الأمير يزحف بين قواده و أبنائه أمامه و قد قاربوا من الشباب و الرايات تخفق أمامه و الطبول و الدبادب بين يديه و السكينة

89

تفيض عليه و قد امتلأت الجبال و الطرق و الثنيات بالنظارة من جميع المجاورين فلما انتهى إلى الميقات و قضى غرضه أخذ في الرجوع و قد ترتب العسكران بين يديه على لعبهم و مرحهم و الراجلة على الصفة المذكورة من التجاول و قد ركب جملة من أعراب البوادي نجبا صهبا لم ير أجمل منظرا منها و ركابها يسابقون الخيل بها بين يدي الأمير رافعين أصواتهم بالدعاء له و الثناء عليه إلى أن وصل المسجد الحرام. فطاف بالكعبة و القراء أمامه و المؤذن الزمزمي يفرد في سطح قبة زمزم رافعا عقيرته بتهنئته بالموسم و الثناء عليه و الدعاء له على العادة. فلما فرغ من الطواف صلى عند الملتزم ثم جاء إلى المقام و صلى خلفه و قد أخرج له من الكعبة و وضع في قبته الخشبية التي يصلى خلفها. فلما فرغ من صلاته رفعت له القبة عن المقام فاستلمه و تمسح به ثم أعيدت القبة عليه و أخذ في الخروج على باب الصفا إلى المسعى و انجفل بين يديه. فسعى راكبا و القواد مطيفون به و الراجلة الحرابة أمامه.

فلما فرغ من السعي استلت السيوف أمامه و أحدقت الأشياع به و توجه إلى منزله على هذه الحالة الهائلة مزحفا به و بقي المسعى يومه ذلك يموج بالساعين و الساعيات فلما كان اليوم الثاني و هو يوم الجمعة كان طريق العمرة في العمارة قريبا من أمسه راكبين و ماشين رجالا و نساء و النساء الماشيات المتاجرات كثيرا يسابقن الرجال في تلك السبيل المباركة تقبل اللّه من جميعهم بمنه. و في أثناء ذلك يلاقي الرجال بعضهم بعضا فيتصافحون، و يتهادون الدعاء و التغافر بينهم و النساء كذلك و الكل منهم قد لبس أفخر ثيابه و احتفل احتفال أهل البلاد للأعياد و أما أهل البلد الأمين فهذا الموسم عيدهم لهم يعبئون به و له يحتفلون و في المباهاة فيه يتنافسون و له يعظمون و فيه تنفق أسواقهم و صنائعهم يقدمون النظر في ذلك الاستعداد له بأشهر. انتهى من رحلة ابن جبير.

و جاء في تاريخ الغازي المسمى إفادة الأنام بذكر أخبار بلد اللّه الحرام ما يأتي:

قال ابن بطوطة: و أهل مكة يحتفلون بعمرة رجب الاحتفال الذي لا يعهد مثله و هي متصلة ليلا و نهارا، و أوقات الشهر كله معمورة بالعبادة و خصوصا أول يوم منه. و يوم خمسة عشر و السابع و العشرين فإنهم يستعدون لها قبل ذلك بأيام شاهدتهم في ليلة السابع و العشرين منه و شوارع مكة قد غصت بالهوادج عليها كساء الحرير و الكتان الرفيع كل أحد يفعل بقدر استطاعته و الجمال مزينة مقلدة

90

بقلائد الحرير و أسناد الهوادج ضافية تكاد تمس الأرض فهي كالقباب المضروبة و يخرجون إلى ميقات التنعيم فتسيل أباطح مكة بتلك الهوادج و الجبال تجيب بصداها إهلال المهللين فترق النفوس و تنهمل الدموع. فإذا قضوا العمرة طافوا بالبيت و خرجوا إلى السعي بين الصفا و المروة بعد مضي شي‏ء من الليل و المسعى متقد السرج غاص بالناس و الساعيات في هوادجهن و المسجد الحرام يتلألأ نورا و هم يسمون هذه العمرة بالعمرة المكية لأنهم يحرمون بها من أكمة أمام مسجد عائشة رضي اللّه عنها بمقدار غلوة على مقربة من المسجد المنسوب إلى علي رضي اللّه عنه.

و أهل الجهات الموالية لمكة مثل بجبله و زهران يبادرون لحضور العمرة و يجلبون إلى مكة الحبوب و السمن و العسل و الزبيب و الزيت و اللوز فترخص الأسعار بمكة و يرغد عيش أهلها و تعمهم المرافق. انتهى من تاريخ الغازي و هو مخطوط غير مطبوع.

الزيارة الرجبية

لم نقف على علة زيارة الناس للنبي (صلى الله عليه و سلم) في شهر رجب و تسمى إلى اليوم الزيارة الرجبية، و الظاهر أن هذا حدث تبعا لزيارة البيت الحرام من السابق، فقد قال ابن كثير في تفسيره عن آية: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ... ما نصه:

و حرّم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت و الاعتمار به، لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنا اه.

فمن هنا درج الناس على هذا المنوال إلى يومنا هذا، فيأتي بعضهم من جهة العراق و الشام و اليمن إلى مكة المشرفة للاعتمار ثم يذهبون إلى زيارة النبي (صلى الله عليه و سلم)، كما يقوم بعضهم من نفس مكة و أطرافها إلى المدينة المنورة للزيارة في شهر رجب، و يستعدون لها قبل وقتها بأيام و غالبا يذهبون على الدواب.

91

وجوب الحج و العمرة

قال اللّه تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا و قال:

وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ‏.

اعلم أن الحج و العمرة عند الشافعية و الحنابلة كل واحد منهما فرض عين في العمر مرة واحدة على الفور، أما عند الحنفية فالحج فرض عين في العمر مرة واحدة على الفور عند أبي يوسف و على التراخي عند محمد و العمرة سنة مؤكدة، و أما عند المالكية فالحج فرض عين في العمر مرة واحدة على الفور و العمرة سنة مؤكدة على المعتمد.

قال في شرح الخرشي: و أما العمرة فهي سنة في العمر مرة على المشهور و هي آكد من الوتر، و قيل: فرض كالحج و به قال الشافعي. انتهى.

و لقد حج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قبل النبوة و بعدها و قبل الهجرة حججا لا يدرى عددها و حج بعد الهجرة حجة الوداع لا غير بإجماع المسلمين، و كذلك اعتمر قبلها عمرا لا يدرى عددها، و أما بعدها فعمرة في رجب و ثلاثا بل أربعا في ذي القعدة- أي في ثلاثة أعوام لأنه في حجة الوداع كان في آخر أمره قارنا- و عمرة في شوال كما صح في أبي داود و عمرة في رمضان كما في البيهقي.

و الحج يكفر الصغائر و الكبائر حتى التبعات على المعتمد، و قد ورد في الحج و العمرة كثير من الأحاديث. منها ما رواه الشيخان:" العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما و الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" و منها ما رواه أحمد و غيره:" تابعوا بين الحج و العمرة فإنهما ينفيان الفقر و الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد و الذهب و الفضة و ليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة".

إلى غير ذلك من الأحاديث المذكورة في كتب الفقه.

قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" أيها الناس إن اللّه طيّب لا يقبل إلا طيبا، و إن اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، قال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ‏، و قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ‏، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمدّ يديه إلى السماء يا رب يا رب يا رب، و مطعمه حرام و مشربه حرام و غذي بالحرام، فأنّى يستجاب لذلك". رواه مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه.

92

إذا حججت بمال أصله سحت‏* * * فما حججت و لكن حجت العير

لا يقبل اللّه إلا كل صالحة* * * ما كل حجّ لبيت اللّه مبرور

سنن الحج و العمرة في المذهب الشافعي‏

اعلم أن سنن الحج كثيرة:

منها: الغسل عند إرادة الإحرام بحج أو عمرة أو بهما معا، فإن عجز عن الغسل تيمم، و يسن الغسل للإحرام حتى الحائض و النفساء و حتى غير المميز.

و منها: التطيب في البدن عند إرادة الإحرام قبل النية و بعد الغسل للذكر و الأنثى غير الصائم، و لا يضر استدامة الطيب بعد الإحرام و لا انتقاله من محل إلى محل آخر بواسطة العرق، أما لو أخذه من بدنه ثم رده إليه لزمته الفدية.

و منها: الغسل لدخول مكة لمحرم بحج أو عمرة أو بهما معا.

و منها: الغسل للوقوف بعرفة، و الأفضل كونه بعد الزوال من تاسع ذي الحجة.

و منها: الغسل للمبيت بمزدلفة إن لم يغتسل بعرفة.

و منها: الغسل للوقوف بالمشعر الحرام، و هو جبل بطرف المزدلفة، و يسمى قزح.

و منها: الغسل لرمي الجمار الثلاث في أيام التشريق الثلاث، فيغتسل لرمي كل يوم منها غسلا. أما رمي جمرة العقبة يوم النحر، فلا يغتسل له، إن اغتسل للوقوف بالمشعر الحرام.

و منها: ركعتان سنة الإحرام بعد الغسل له، ثم ينوي بعدهما بالحج أو بالعمرة أو بهما.

و منها: ركعتان بعد أي طواف كان.

و منها: طواف القدوم لحلال أو حاج دخل مكة قبل الوقوف بعرفة. أما المعتمر إذا طاف للعمرة فلا يسن له طواف القدوم.

و منها: المبيت بمنى ليلة التاسع حال ذهابه إلى عرفة لأنه للاستراحة لا للنسك.

93

و منها: أن يجمع بين الليل و النهار في الوقوف بعرفة في اليوم التاسع، فلو خرج من عرفة بعد الزوال من يوم التاسع فقد أدرك الوقوف.

و منها: الإفراد و هو تقديم الإحرام بالحج و الفراغ من أعماله على الإحرام بالعمرة و الإتيان بأعمالها فلو لم يقدم الحج على العمرة لم يكن مفردا.

و منها: التلبية عند الإحرام أو عند تغاير الأحوال كصعود و هبوط و ركوب و اختلاط رفقة و عقب الصلوات و يكثر منها ما دام محرما، و يرفع صوته بها إن لم يؤذ غيره. و وقت التلبية من حين إحرامه إلى أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر.

و أما سنن العمرة: فإنه يسن لها ما يسن للحج إلا في بعض المسائل التي لا تكون إلا للحج و هي معروفة في كتب الفقه، فلا لزوم لبيانها هنا.

و لفظ التلبية كما يأتي:

لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك، يقولها ثلاث مرات، ثم يصلي على النبي (صلى الله عليه و سلم) بأي صيغة كانت، و الإبراهيمية أفضل، ثم يسأل اللّه الجنة و يستعيذ به من النار، و معنى لبيك: أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة و إجابة بعد إجابة، و سن وقفة لطيفة على الثالثة و على لبيك بعد لا شريك لك، و وقفة على الملك و قبل لا شريك لك.

و سن أن يدعو بعد ذلك بما أحب، كأن يقول: (اللهم إني أسألك رضاك و الجنة و أعوذ بك من سخطك و النار)، و أن يقول: (اللهم اجعلني من الذين استجابوا لك و لرسولك و آمنوا بك، و وثقوا بوعدك و وفوا بعهدك و اتبعوا أمرك، اللهم اجعلني من وفدك الذين رضيت و ارتضيت، اللهم يسر لي أداء ما نويت و تقبل مني يا كريم). و ليحذر الملبي في حال تلبيته مما يفعله بعض الجهلة من الضحك و اللعب، و ليكن مقبلا على ما هو بصدده، فإن أقبل على اللّه تعالى بقلبه أقبل اللّه عليه، و إن أعرض أعرض اللّه عنه، فاللّه تعالى غني عن العالمين.

قصيدة أبي نواس في التلبية

و من لطائف قول أبي نواس (رحمه اللّه تعالى) في التلبية ما يأتي:

إلهنا ما أعدلك‏* * * مليك كل من ملك‏

لبيك قد لبيت لك‏* * * لبيك إنّ الحمد لك‏

94

و الملك لا شريك لك‏* * * ما خاب عبد سألك‏

أنت له حيث سلك‏* * * لولاك يا رب هلك‏

لبيك إن الحمد لك‏* * * و الملك لا شريك لك‏

و الليل لما أن حلك‏* * * و السابحات في الفلك‏

على مجاري المنسلك‏* * * كل نبي أو ملك‏

و كل من أهلّ لك‏* * * سبح أو لبى فلك‏

يا مخطئا ما أغفلك‏* * * عجّل و بادر أجلك‏

و اختم بخير عملك‏* * * لبيك إن الحمد لك‏

و الملك لا شريك لك‏* * * و الحمد و النعمة لك‏

هذه القصيدة لو قرأها جماعة من الحجاج بصوت واحد و نغم جميل كان لها تأثير في نفوس السامعين خصوصا حين الدفع عن عرفات إلى مزدلفة.

و أما التكبير فإنه يسن للحاج أن يكبر عقب الصلوات من ظهر يوم النحر إلى صبح آخر أيام التشريق، و صيغته المسنونة هي:

اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر، اللّه أكبر اللّه أكبر و للّه الحمد، اللّه أكبر كبيرا، و الحمد للّه كثيرا، و سبحان اللّه بكرة و أصيلا، لا إله إلا اللّه، و لا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين و لو كره الكافرون، لا إله إلا اللّه وحده، صدق وعده، و نصر عبده، و هزم الأحزاب وحده، لا إله إلا اللّه، و اللّه أكبر. انتهى من كتاب إرشاد الزمرة.

[الميقات الزماني و المكاني‏]

للحج ميقاتان: زماني و مكاني، فالميقات الزماني هو شوال و ذو القعدة و عشر ليال من ذي الحجة، أي من أول ليلة عيد الفطر إلى ما قبل فجر يوم النحر بما يسع الوقوف بعرفة فمن أحرم قبل فجره بلحظة و هو بعرفة فقد أدرك الحج، ثم يأتي ببقية أعماله.

و الميقات المكاني الذي يجب عنده الإحرام الداخل حرم مكة معروف في جميع الأطراف، و هو خمسة مواضع، نظمها بعضهم بقوله:

قرن يلملم ذات عرق كلها* * * في البعد مرحلتان من أم القرى‏

95

و لذي الحليفة بالمراحل عشرة* * * و بها لجحفة ستة فاخبر ترى‏

فميقات المتوجه من المدينة ذو الحليفة، بضم الحاء و فتح اللام، و هو المعروف بآبار علي و هي أبعد المواقيت من مكة، و أقربها إلى المدينة و قد ترى منها.

و ميقات المتوجه من الشام و مصر و المغرب و السودان من جهة البحر، الجحفة بضم الجيم و سكون الحاء و لما كان السيل أزالها أبدلت برابغ.

و ميقات المتوجه من تهامة اليمن يلملم.

و ميقات المتوجه من نجد الحجاز و نجد اليمن و من الطائف قرن، بفتح القاف و سكون الراء، و يقال لها قرن المنازل، و هي على مرحلتين من مكة لنجد، و هي تعادل السيل الكبير يحرم منه أهل نجد الآن، و قد توهم بعضهم أن قرن المنازل هو قرن الثعالب، و ليس ذلك بصحيح، بل هما موضعان، فقرن الثعالب قريب من عرفات، و ليس من المواقيت، و قرن المنازل هو الموازي للسيل الكبير، و هو الميقات المعروف.

و ميقات المتوجه من المشرق، أي الإقليم الذي تشرق الشمس من جهته، و هو شامل للعراق و غيره ذات عرق، بكسر العين و سكون الراء، قرية خربة على مرحلتين من مكة أيضا.

و الميقات المكاني للعمرة هو ميقات الحج، و الميقات الزماني لها جميع السنة.

و الأفضل أن يحرم الشخص من أول الميقات، و يجوز من آخره فلو أحرم حلال بالحج في غير وقته كأن أحرم به في رمضان انعقد عمرة مجزئة عن عمرة الإسلام على الصحيح، سواء كان عالما أو جاهلا لأن الإحرام شديد التعلق و اللزوم، أما لو كان محرما بعمرة ثم أحرم بحج في غير أشهره، فإن إحرامه لم ينعقد حجا لكونه في غير أشهره، و لا عمرة لأن العمرة لا تدخل على العمرة.

و من كان مقيما بمكة مكيا كان أو غريبا، فميقاته للحج و لو بقران: نفس مكة، لا سائر الحرم، فإن فارق بنيانها و أحرم بالحج أساء و لزمه الدم لأن ميقاته هو البلد و قد تركه، فإن عاد إليها قبل الوقوف سقط الدم، و قيل ميقاته للحج كل الحرم لأن مكة و سائر الحرم في الحرمة سواء و الصحيح هو الأول، و ميقاته للعمرة أدنى الحل، فمن أحرم بالعمرة من مكة و تمم أفعالها و لم يخرج إلى الحل أجزأه و لزمه الدم، و متى خرج إلى الحل قبل أن يطوف سقط عنه الدم.

96

و ميقات العمرة لمن هو خارج الحرم ميقات الحج، و من بالحرم يلزمه الخروج إلى أدنى الحل و لو بخطوة، فإن لم يخرج و أتى بأفعال العمرة أجزأته في الأظهر و عليه دم، فلو خرج إلى الحل بعد إحرامه سقط عنه الدم، و قيل لا يجزئه لأن العمرة أحد النسكين، فيشترط فيها الجمع بين الحل و الحرم كالحج فإنه لا بد فيه من الحل و هو عرفة.

و أفضل جهات الحل لإتيان العمرة: الجعرانة و هي على طريق الطائف، و ماؤها أعذب المياه، فالتنعيم المسمى بمسجد عائشة، و هو أقرب جهات الحل إلى مكة، و غالب الناس بمكة يأتي بالعمرة منها، فالحديبية و تسمى الآن" بالشميسي" على طريق جدة و هي إلى مكة أقرب، و سميت حديبية لشجرة حدباء كانت هناك، و عندها حصلت بيعة الرضوان، و من سلك طريقا في بر أو بحر لا ينتهي إلى ميقات، فإن حاذى ميقاتا أحرم من محاذاته، أو ميقاتين فالأصح أن يحرم من محاذاة أبعدهما من مكة، و إن لم يحاذ شيئا من المواقيت أحرم على مرحلتين من مكة.

و من مسكنه بين مكة و الميقات فميقاته مسكنه، و من بلغ ميقاتا غير مريد نسكا ثم أراده فميقاته موضعه و إن بلغه مريدا للنسك، و إن أراد إقامة طويلة ببلد قبل مكة لم تجز مجاوزته إلى جهة الحرم بغير إحرام، فإن أحرم و لم يعد إليه لزمه الدم و لو كان معذورا. انتهى من كتاب إرشاد الزمرة.

خطب الحج‏

اعلم أنه يستحب للإمام أو نائبه أن يخطب في كل خطبة من خطب الحج يخبر الناس بما بين أيديهم من المناسك و يعلمهم الأحكام إلى الخطبة الأخرى، و يسن في الحج أربع خطب:

الأولى: يوم السابع من ذي الحجة بمكة، و يسمى يوم الزينة لتزيينهم فيه هوادجهم، و الثانية: يوم عرفة، و الثالثة: يوم النحر بمنى، و الرابعة: يوم النفر الأول بمنى أيضا، و كل هذه الخطب الأربع إفراد، و بعد صلاة الظهر إلا التي بعرفات فإنها خطبتان و قبل صلاة الظهر و بعد الزوال.

1- فيخطب الإمام أو منصوبه بعد صلاة الظهر في اليوم السابع بمكة يأمر الناس فيها بأن يتأهبوا إلى الذهاب إلى منى في الغد، و هو يوم الثامن المسمى يوم‏

97

التروية لأنهم يتروون فيه الماء: أي يأخذونه معهم. و يعلمهم المناسك التي بين أيديهم إلى الخطبة المشروعة يوم عرفة بنمرة.

2- و يخطب خطبتين يوم عرفة بمسجد إبراهيم- و هو مسجد نمرة- الخطبة الأولى قبل أذان الظهر، يبين لهم كيفية الوقوف و شرطه و آدابه حتى الدفع من عرفات إلى مزدلفة، و غير ذلك من المناسك التي بين أيديهم إلى الخطبة التي تكون بمنى يوم النحر بعد الزوال، و يحرضهم فيها على الإكثار من الدعاء و التهليل و التلبية و غير ذلك من الأذكار في الموقف، و يخفف هذه الخطبة لكن لا يبلغ تخفيفها تخفيف الثانية، فإن كان فقيها قال: هل من سائل و إن لم يكن فقيها لم يتعرض للسؤال، فإذا فرغ من هذه الخطبة جلس للاستراحة قدر سورة الإخلاص ثم يقوم للخطبة الثانية و يخففها جدا و يأخذ المؤذن في الأذان مع شروع الإمام في هذه الخطبة الثانية بحيث يفرغ منها مع فراغ المؤذن من الأذان، فإذا فرغ من الخطبتين نزل فصلى بالناس الظهر ثم العصر جامعا بينهما، ثم يروح إلى عرفة و يقف.

3- و يخطب يوم النحر بمنى بعد صلاة الظهر، و يعلّم الناس الرمي و الإفاضة و غيرهما من المناسك، و يستحب لكل أحد من الحجاج حضور هذه الخطبة، و يستحب لهم و للإمام الاغتسال لها و التطيب إن كان قد تحلل التحللين أو الأول منهما.

4- و يخطب بعد صلاة الظهر يوم النفر الأول بمنى أيضا، و هو اليوم الأوسط من أيام التشريق، و يودع الحجاج و يعلمهم جواز النفر و ما بعده و من طواف الوداع و غيره و يحثهم على طاعة اللّه تعالى، و على أن يختموا حجهم بالاستقامة و الثبات على التقوى، و أن يكونوا بعد الحج خيرا منهم قبله، و تسمى هذه الخطبة خطبة الوداع- بفتح الواو-.

دعاء عرفة

لقد كنا ألفنا رسالة صغيرة في دعاء يوم عرفة و طبعت في سنة (1371 ه) و الآن أحببنا نقلها هنا تكملة للفائدة العامة و لنذكر أولا خطبة هذه الرسالة و بعدها نذكر الدعاء إن شاء اللّه تعالى و هي هذه:

98

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين، أما بعد:

فلما كان يوم عرفة أفضل الأيام و دعاؤه أفضل الدعاء، أحببت أن أجمع في هذه الرسالة من الأدعية الواردة و غيرها ما ينشرح له صدر كل مسلم حينما يدعو ربه عز و جل في يوم عرفة ذلك اليوم العظيم، و وقت الدعاء في يومها يكون من بعد الزوال و بعد صلاة الفريضة، و إذا انشرح صدر الحاج للدعاء فليدع ربه الكريم بما أراد بأي لسان كان فإن ذلك من علامات القبول، و ليجزم بالإجابة فإن اللّه أعظم و أجل من أن يرد حاجة عبده المؤمن في ذلك اليوم المشهود، و هو الذي يتجلى فيه على عباده بأنواع البر و الإحسان، و اللطف و الرحمة، و كيف لا يكون كذلك و هو أرحم الراحمين و الغني عن العالمين، لا تنفعه طاعتنا و لا تضره معصيتنا، و لقد أعطى و أنفق منذ خلق السموات و الأرض و ما نقص من ملكه مثقال ذرة:

نسأل اللّه الكريم الحليم رب العرش العظيم العفو و العافية و الصحة التامة و البر و الإحسان و اللطف و الغفران و القبول و التوفيق و الراحة عند الموت و العفو عند الحساب آمين. و صلى اللّه على النبي الأمي و على آله و صحبه أجمعين.

رجب 1371 مؤلفها و كاتبها محمد طاهر الكردي الخطاط كاتب مصحف مكة المكرمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم. شهد اللّه أنه لا إله إلا هو و الملائكة و أولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم و أنا على ذلك من الشاهدين يا رب. لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد و هو على كل شي‏ء قدير اللهم اجعل في بصري نورا و في سمعي نورا و في قلبي نورا. اللهم اشرح لي صدري و يسر لي أمري اللهم إني أعوذ بك من وسواس الصدر و شتاب الأمر و شر فتنة القبر و شر ما يلج في الليل و شر ما يلج في النهار و شر ما تهب به الرياح و شر بوائق الدهر.

99

اللهم لك الحمد كالذي نقول و خيرا مما نقول اللهم لك صلاتي و نسكي و محياي و مماتي و إليك مآبي و لك رب تراثي اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر و وسوسة الصدر و شتات الأمر اللهم اني أعوذ بك من شر ما تهب به الريح.

اللهم لك الحمد حمدا يوافي نعمك و يكافئ مزيدك و كرمك. أحمدك بجميع محامدك ما علمت منها و ما لم أعلم. و أستغفرك من ذنوبي كلها ما علمت منها و ما لم أعلم. الحمد للّه على ما أولانا. الحمد للّه على ما أعطانا. الحمد للّه الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه. الحمد للّه حمدا كثيرا طيبا مباركا كما يحب ربنا و يرضى. اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا و لا يغفر الذنوب إلا أنت. يا من لا تنفعه الطاعة و لا تضره المعصية هب لي ما لا ينفعك و اغفر ما لا يرضك يا واسع المغفرة. اللهم أذقني برد عفوك و حلاوة مغفرتك و لذة طاعتك و تقبل مني صالح الأعمال. و اعصمني عن الخطأ و الزلل فيما بقي من عمري. و افتح لي أبواب رحمتك و زودني التقوى و التوفيق. و اجعلني أتقلب في رضائك و نعمك ما حييت. و ألبسنى ثوب الصحة و العافية ما بقيت يا أرحم الراحمين و يا خير مسؤول. ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار. اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا و إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك و ارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم اغفر لي مغفرة من عندك تصلح بها شأني في الدارين. و ارحمني رحمة منك أسعد بها في الدارين. و تب علي توبة نصوحا لا أنكثها أبدا. و ألزمني سبيل الاستقامة لا أزيغ عنها أبدا. اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة. و أغنني بحلالك عن حرامك و بطاعتك عن معصيتك و بفضلك عمن سواك. و نور قلبي و قبري. و أعذني من الشر كله و اجمع لي الخير كله. اللهم استودعتك دينى و أمانتى و قلبي و بدني و خواتيم عملي و جميع ما أنعمت به علي. فأنت خير حافظا و أنت أرحم الراحمين اللهم إني أسألك إيمانا كاملا.

و يقينا صادقا. و قلبا خاشعا. و لسانا ذاكرا. و رزقا حلالا واسعا. و توبة قبل الموت و راحة عند الموت. و مغفرة و رحمة و عفوا عند الحساب. اللهم إني أعوذ بك من الشك و الشرك و الشقاق و النفاق و سوء الأخلاق. و سوء المنظر و المنقلب في المال و الأهل و الولد. اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك و تحول عافيتك و فجاءة نقمتك و جميع سخطك. اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري.

و أصلح لي دنياي التي فيها معاشي. و أصلح لي آخرتي التي فيها معادي. و اجعل الحياة زيادة لي في كل خير. و اجعل الموت راحة لي من كل شر. اللهم اغفر لي‏

100

خطئي و عمدي و هزلي و جدي و كل ذلك عندي. اللهم اغفر لي ما قدمت و ما أخرت و ما أسررت و ما أعلنت أنت المقدم و أنت المؤخر و أنت على كل شي‏ء قدير. اللهم إني أسألك رضاك و الجنة و أعوذ بك من سخطك و النار. اللهم إني أعوذ بك من فتنة القبر و من فتنة المحيا و الممات. اللهم إني أعوذ بك من الهم و الحزن و أعوذ بك من العجز و الكسل و أعوذ بك من الجبن و البخل و أعوذ بك من غلبة الدين و قهر الرجال. اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع و عمل لا يرفع و دعاء لا يسمع. اللهم فاطر السموات و الأرض ضجت لك الأصوات بصنوف اللغات يمجدونك و يسألونك الحاجات. و حاجتي إليك أن تحيي قلبي و أن تلحقني بالصالحين ممن ذاقوا حلاوة طاعتك و فازوا برضائك و دخلوا في رحمتك و غنموا فضلك و إحسانك و نالوا كرمك و عفوك. يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث فأصلح لي شأني كله و لا تكلني إلى نفسي طرفة عين. لا إله إلا اللّه العظيم الحليم لا إله إلا اللّه رب العرش العظيم لا إله إلا اللّه رب السموات و رب الأرض و رب العرش الكريم. اللهم حبب إلينا الإيمان و زينه في قلوبنا و كره إلينا الكفر و الفسوق و العصيان و اجعلنا من الراشدين. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا و بين معاصيك. و من طاعتك ما تبلغنا به جنتك. و من اليقين ما يهون علينا مصائب الدنيا. و متعنا بأسماعنا و أبصارنا و قوتنا ما أحييتنا و اجعله الوارث منا و اجعل ثأرنا على من ظلمنا. و انصرنا على من عادانا. و لا تجعل مصيبتنا في ديننا. و لا تجعل الدنيا أكبر همنا و لا مبلغ علمنا. و لا تسلط علينا من لا يرحمنا.

اللهم استرنا في الدنيا و الآخرة بسترك الذي لا ينكشف. و اجعلنا من التوابين المتطهرين الذين تحبهم و ترضى عنهم. و اختم لنا بخاتمة أهل الخير و السعادة. و هون علينا سكرات الموت حتى لا نجد له تعبا و لا نصبا. و اجعل موتنا عل طهارة و نظافة و شهادة و هيئة حسنة يا أرحم الراحمين. اللهم اجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا و ذنبا مغفورا و عملا صالحا مقبولا و تجارة لن تبور. اللهم لا تجعل هذا آخر عهدي من هذا الموقف العظيم و من هذا المشهد المبارك و اجعلني فيه من الفائزين المقبولين. اللهم يا مجيب الدعوات يا قاضي الحاجات يا خالق الأرض و السموات. أنت اللّه الذي لا إله إلا أنت الواحد الأحد الفرد الصمد. الوهاب الذي لا يبخل و الحليم الذي لا يعجل. لا راد لأمرك و لا معقب لحكمك.

أسألك أن تشرح صدري و تنور قلبي و تيسر أمري. و أسألك رضاك و الجنة و الهدى و الرشاد و حسن الخاتمة. اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلا غفرته و لا

101

هما إلا فرجته و لا كربا إلا كشفته. و لا دينا إلا قضيته و لا عدوا إلا كفيته. و لا فسادا إلا أصلحته. و لا مريضا إلا شفيته و لا شاكيا إلا عافيته. و لا حاجة من حوائج الدنيا و الآخرة إلا قضيتها بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعز الإسلام و المسلمين و وفقهم للتمسك بالدين. و ارفع عنهم التنازع و الشقاق و النفاق. و اهدهم إلى الصراط المستقيم و محاسن الأخلاق. و أكثر فيهم من العلماء العاملين. و الأتقياء المخلصين و الأبرار المقربين. و أهلك اللهم الكفرة و المشركين و اجعل بأسهم بينهم إلى يوم الدين. و فرق كلمتهم و شتت شملهم و دمر ديارهم يا رب العالمين.

اللهم وفق ملوك المسلمين و وزراءهم و أمراءهم و ولاتهم إلى الخير و إلى ما يعود نفعه للرعية.

اللهم وفقهم لمعرفة شريعتك و نصرة دينك القويم و اقذف في قلوبهم الخوف منك حتى يبتعدوا عن الظلم و الاستبداد. و نوّر بصائرهم حتى يروا طريق الرشاد فيشتغلوا بما ينفعهم و ينفع العباد و البلاد. و ألن قلوبهم للضعفاء و الفقراء.

و وجههم إلى المصالح العامة و الخاصة. و اجعل المحبة متبادلة بينهم و بين شعوبهم و رعاياهم. و توّجهم بتاج العز و الكرامة. و انصرهم نصرا مبينا على أعداء الدين يا رب العالمين.

اللهم اغفر لنا و لوالدينا و لمشايخنا في الدين و لإخواننا في اللّه. و لجامع هذه الأدعية و طابعها و ناشرها. و للمؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات. الأحياء منهم و الأموات في مشارق الأرض و مغاربها آمين.

و صلى اللّه على سيدنا محمد أبي القاسم الأمين و على آله و صحبه أجمعين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد للّه رب العالمين.

بحمد اللّه تعالى و توفيقه و فضله قد تم دعاء يوم عرفة و تليه جملة من الفوائد في مناسك الشافعي جامعهما و كاتبهما محمد طاهر الكردي الخطاط سنة 1371

102

أنواع النسك‏

النسك و المناسك جمع منسك، بفتح السين و كسرها، فبالفتح مصدر و بالكسر اسم لموضع العبادة، مأخوذ من النسيكة، و هي الذبيحة المتقرب بها، ثم اتسع فيه فصار اسما للعبادة و الطاعة، و منه قيل للعابد: ناسك، و قد غلب إطلاقها على أفعال الحج لكثرة أنواعها، و لما تتضمنه كثرة الذبائح المتقرب بها. انتهى من كشف القناع.

و اعلم أن الحج و العمرة يؤديان على ثلاثة أوجه:

الأول: الإفراد، و هو: أن يحرم بالحج، و بعد الفراغ من أعماله يخرج من مكة إلى أدنى الحل فيحرم بالعمرة و يأتي بأعمالها.

و الثاني: التمتع، و هو: أن يحرم بالعمرة و يأتي بأعمالها ثم يحرم بالحج و يأتي بأعماله، سواء كانت العمرة في أشهر الحج أو قبله على المعتمد، لكن الذي يوجب الدم على المتمتع، هو أن يحرم بالعمرة من ليس من حاضري المسجد الحرام في أشهر الحج من الميقات، و بعد الفراغ من أعمالها يحرم بالحج من مكة من عامه و إن كان أجيرا فيهما لشخصين، فمن لم يحج من عامه الذي اعتمر فيه لا شي‏ء عليه، و على من حج من عامه لكن عاد إلى ميقات عمرته أو مثل مسافته، و كذا إلى ميقات دون مسافة ميقاته و أحرم بالحج، و كذا لو عاد إلى الميقات محرما به قبل تلبسه بنسك، لأن المقصود قطع تلك المسافة محرما، و لأن المقتضي لإيجاب الدم هو ربح الميقات، و قد زال بعوده إليه. و أما حاضروا المسجد الحرام فلا دم عليهم، و هم المستوطنون محلا دون مرحلتين من الحرم، و لا دم على من أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج و إن أتى بأعمالها فيها و حج من عامه كأن أحرم بها في آخر رمضان و أتى ببقية أعمالها في شوال. و دم التمتع يجب بالإحرام بالحج، و إذا أراقه بعد الفراغ من العمرة و قبل الإحرام بالحج جاز، لا قبل الفراغ من العمرة، و لكن الأفضل إراقته يوم النحر للاتباع و خروجا من خلاف من أوجبها فيه. و إذا فرغ المتمتع من أفعال العمرة صار حلالا، و حل له الطيب و اللباس و النساء و كل محرمات الإحرام، سواء كان ساق الهدي أم لا.

103

و الثالث: القران، و هو: أن يحرم بالحج و العمرة معا في أشهر الحج أو يحرم بالعمرة و قبل الشروع في أعمالها يحرم بالحج، فتندرج أعمال العمرة في أعمال الحج، فيجزئ عنهما، طواف واحد و سعي واحد و حلق واحد.

و إنما يجب الدم على القارن إن لم يكن من حاضري المسجد الحرام، و إن لم يرجع إلى الميقات الذي أحرم منه بعد دخول مكة و قبل الوقوف بعرفة.

و أفضل هذه الوجوه الثلاثة: الإفراد إن اعتمر من عامه أي مما بقي من ذي الحجة الذي هو شهر حجه، ثم التمتع، ثم القران.

و قد يكون القران أفضل من الإفراد، إذا لم يعتمر بعد الحج في عامه، فإن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه.

و لا يجب على المكي إذا قرن إنشاء الإحرام من أدنى الحل، كما لو أفرد العمرة على الأصح، بل يحرم من جوف مكة إدراجا للعمرة تحت الحج في الميقات كما أدرجت أفعالها في أفعاله، و مثل المكي الآفاقي إذا كان بمكة و أراد القران.

و لو استوطن غريب مكة فهو حاضر بلا خلاف، و إن استوطن مكي العراق أو غيره فليس بحاضر بالاتفاق.

انتهى من كتابنا (إرشاد الزمرة لمناسك الحج و العمرة). و انظر صورة الحجاج و هم في عرفات.

انظر: صورة رقم 111، الحجاج في عرفات.

بعض فوائد في المناسك على المذهب الشافعي‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه و الصلاة و السلام على رسول اللّه و على آله و صحبه أجمعين. اعلم أن من دخل مكة و كان محرما بالحج أو قارنا و سعى بعد طواف القدوم أجزأه و وقع ركنا و حسب له من سعي الحج فإذا نزل من عرفات فإنه يطوف طواف الإفاضة و يكره له أن يعيد السعي ثانيا.

و يسن الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس فلو فارقها قبل الغروب و لم يعد إليها سنّ له دم لفوات الجمع بين الليل و النهار فإن عاد و لو ليلا لم يسن له الدم.

و المبيت بمزدلفة واجب فلو تركه لزمه دم و المراد من المبيت بها وجوده فيها لحظة من نصف الليل الثاني.

104

و ينبغي للحاج إذا وصل إلى منى من عرفات أن يقطع التلبية بأول حصاة يرميها لجمرة العقبة و يكبر بدل التلبية، فإذا فرغ من الرمي ذبح أضحيته أو هديه أو فديته، فإذا فرغ من النحر حلق رأسه أو قصّر و الحلق أفضل، ثم نزل إلى مكة فيطوف طواف الإفاضة و هذا الترتيب مستحب فلو خالف فقدم بعضها على بعض جاز.

و اعلم أن للحج تحللين فالتحلل الأول يحصل بفعل اثنين من ثلاثة و هي رمي جمرة العقبة و طواف الإفاضة المتبوع بالسعي إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم و الحلق أو التقصير، فيحل له حينئذ محرمات الإحرام ما عدا ما يتعلق بالنساء من عقد النكاح و المباشرة بشهوة و الوطء.

انظر: صورة رقم 112، المسجد الحرام‏

و التحلل الثاني يحصل بفعل الثلاثة المذكورة كلها فيحل له حينئذ جميع محرمات الإحرام حتى ما يتعلق بالنساء و يجب عليه الإتيان بما بقي من الحج و هو الرمي و المبيت بمنى. و أما العمرة فليس لها إلا تحلل واحد و هو يحصل بالفراغ من أعمالها كلها.

يدخل وقت ذبح الأضحية و الهدي إذا مضى قدر صلاة العيد و خطبتين معتدلتين بعد الشمس يوم النحر و يبقى إلى غروب الشمس من آخر أيام التشريق و هي الثلاثة المتصلة بعاشر ذي الحجة.

و يدخل وقت ذبح الدم الواجب في الحج بسبب التمتع أو القران أو اللبس أو غير ذلك من حين وجوبها بوجود سببها و لا تختص بيوم النحر و لا غيره لكن الأفضل فيما يجب منها في الحج أن يذبحه يوم النحر بمنى في وقت الأضحية و الحرم كله منحر حيث نحر منه أجزأه في الحج و العمرة لكن السنة في الحج أن ينحر بمنى لأنها موضع تحلله و في العمرة بمكة لأنها موضع تحلله أيضا.

و لا يجزئ في الفدية أو الأضحية أو الهدي إلا الجذع من الضأن و هو ما له سنة على الأصح و قيل ستة أشهر و قيل ثمانية أشهر. و الثني من المعز و هو ما له سنتان و قيل سنة. و الثني من البقر و هو ما له سنتان. و الثني من الإبل و هو ما له خمس سنين كاملة.