التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج4

- محمد طاهر الكردي المزيد...
651 /
105

و يجزئ ما فوق الثني و الجذع و هو أفضل و يجزئ الذكر و الأنثى و لا يجزئ فيها معيب بعيب يؤثر في نقص اللحم تأثيرا بيّنا و لا يجزئ ما قطع من أذنه جزء بين و يجزئ الخصي و ذاهب القرن و التي لا أسنان لها إذا لم تكن هزلت.

و تجزئ الشاة عن واحد و البدنة عن سبعة و البقرة عن سبعة سواء كانوا أهل بيت واحد أو أجانب و لو كان بعضهم يريد اللحم و بعضهم يريد الأضحية جاز.

و أفضلها أحسنها و أسمنها و أطيبها و أكملها و الأبيض أفضل و الشاة أفضل من المشاركة بسبع بدنة.

يدخل وقت رمي جمرة العقبة بنصف ليلة النحر بعد الوقوف بعرفة و يبقى إلى آخر أيام التشريق الثلاثة.

و يدخل وقت رمي كل يوم من أيام التشريق بزوال شمسه و يبقى إلى آخر أيام التشريق الثلاثة و لا يصح الرمي بعد أيام التشريق أصلا بل يلزمه دم بترك ثلاث حصيات فأكثر و يجوز الرمي ليلا على المعتمد.

و من ترك رمي يوم أو يومين من أيام التشريق عمدا أو سهوا أو جهلا تداركه في باقي الأيام منها و كذا يتدارك رمي يوم النحر في باقي الأيام إذا تركه و لا شي‏ء عليه في كل ذلك. و كيفية الرمي عما فاته و عن يومه تكون هكذا أن يرمي الجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم العقبة ثم يرجع لرمي يومه فيبدأ بالصغرى ثم الوسطى ثم العقبة.

و من عجز عن الرمي بنفسه لنحو مرض و أيس من القدرة على الرمي في أيام التشريق أن يستنيب من يرمي عنه فالنائب يرمي أولا عن نفسه ثم يرمي عن المستنيب.

اقتراح لمؤلف هذا التاريخ‏

لا يخفى أن القاصدين إلى بيت اللّه الحرام لأداء منسك الحج و العمرة، هم جموع زاخرة من الحجاج يأتون من جميع الأقطار و الممالك و البلدان في كل عام، على اختلاف طبقاتهم و مذاهبهم لذلك نقترح على أولي الأمر و السلطة أن يأمروا بتشكيل لجنة رسمية من كبار علماء المذاهب الأربعة ليضعوا كتابا مبسطا عن أحكام الحج و العمرة يمكن صلاحيته لعامة الناس بدون تعقيد و لا تشويش، و أن‏

106

يتوخوا فيه اليسر و التسهيل و تقريب المذاهب ما وسعهم الشرع الشريف، رحمة و تخفيفا على عامة الناس و جهالهم. فقد روى الشيخان أحسن اللّه تعالى إليهما" أنه (صلى الله عليه و سلم) ما سئل عن شي‏ء يومئذ قدم و لا أخّر إلا قال: افعل و لا حرج" و أنه قيل له في الذبح و الحلق و الرمي و التقديم و التأخير فقال: لا حرج، فالنبي (صلى الله عليه و سلم) يقصد بذلك التيسير و الرحمة بالناس في أعمال الحج الكثيرة، و هو الذي لا ينطق عن الهوى صلى اللّه عليه و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا. كما نقترح ترجمة هذا الكتاب الذي تضعه هذه اللجنة المعتبرة المحترمة، إلى عدة لغات: أي بعدد لغات أجناس الحجاج و طبعه على نفقة الحكومات الإسلامية. كما نقترح أيضا أن توفد كل حكومة مع حجاجها عددا كافيا من العلماء ليرشدوا عوام الحجاج إلى مناسك الحج و ليعلموهم الأحكام بنفس لغاتهم فيكون ذلك أدعى إلى نشر الدين و التعليم بين كافة طبقات الحجاج و أجناسهم. قال اللّه تعالى في أول سورة إبراهيم: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ‏.

و يعجبنا في هذا الصدد ما ذكره العلامة شاه ولي اللّه الدهلوي المتوفى سنة (1180) هجرية (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" عقد الجيد في أحكام الاجتهاد و التقليد" ما ملخصه: أن العامي الصرف ليس له مذهب و إنما مذهبه فتوى المفتي، ثم قال: و في عمدة الأحكام من كشف البزدوي: يستحب للمفتي الأخذ بالرخص تيسيرا على العوام، و فيه أيضا في كتاب الكراهية: سؤر الكلب و الخنزير نجس خلافا لمالك و غيره و لو أفتى بقول مالك جاز، قال: و في القنية: ينبغي للمفتي أن يأخذ بالأيسر في حق غيره خصوصا في حق الضعفاء، لقوله (صلى الله عليه و سلم) لأبي موسى الأشعري و معاذ حين بعثهما إلى اليمن: يسّرا و لا تعسّرا. انتهى منه.

نقول: هذا كلام حسن جدا و معقول جدا و هو لا يخرج عن حد الشرع الشريف قيد شعرة، فالعامي ليس له مذهب خاص و هو إذا انتسب لمذهب من المذاهب الأربعة إنما هو انتساب صوري لا حقيقي فهو إذا سمع من أبيه أو أخيه أو عمه أو ذويه أنه شافعي أو حنفي مثلا فهو يقلده و يقول مثله، و لا يدري ما مذهب الشافعي و لا الحنفي و لا المالكي و لا الحنبلي إنما هو يقلد تقليدا أعمى، خصوصا عوامّ زماننا، فالأفضل للعالم الفاضل و المرشد العاقل إذا سأله أحد من العوام الجهال عن حكم من الأحكام، أن يفتيه بحسب ما يعلم من الحكم الشرعي في المسألة من غير نظر إلى مذهب السائل، كما عليه أن يفتي بحسب حال السائل‏

107

من فقر أو غنى، أي إذا ارتكب السائل شيئا من محظورات الإحرام و أوجب أحد المذاهب عليه الفدية و أوجب مذهب آخر عليه التصدق من طعام فعلى العالم العاقل أن يفتي بحسب حال السائل فإن كان فقيرا يقول له: تصدق بكذا و إن كان غنيا يقول له: اذبح فدية فالدين يسر لا عسر. و ليس من المعقول و لا من المقبول أن نكلف الحاج الفقير بذبح شاة بينما هناك أحد المذاهب الأربعة يجوز له إخراج مدّ من الطعام مثلا فيكون هذا امتثالا لأمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حيث قال:

" يسروا و لا تعسروا. و بشروا و لا تنفروا" رواه الشيخان و غيرهما.

فتيسير الأمور و الأخذ بالرخص في أحكام الحج بالنسبة إلى العوام و الجهال أمر واجب. خصوصا في زماننا هذا الذي انتشر فيه الجهل و عدم المعرفة في أمور الدين انتشارا فاضحا حتى لدى أهل المدارس العصرية مما لا يدرس فيه الكتاب و السنة على الوجه المطلوب و اللّه الهادي إلى سواء السبيل.

بعض أحكام الحج و العمرة على المذهب الشافعي‏

قلنا أن الحج خامس أركان الإسلام، فرض في السنة السادسة من الهجرة كما هو المشهور و قيل: في الخامسة و قيل: قبل الهجرة، و هو يكفر الصغائر و الكبائر على المعتمد، فرحمة اللّه واسعة و هو الكريم العظيم قادر على إرضاء أصحاب الحقوق عن خصمائهم يوم القيامة.

فالحج عند الشافعية فرض عين مرة واحدة في العمر على التراخي و كذلك العمرة، و قد يجبان أكثر من مرة لعارض كنذر.

(و أما عند الحنفية) ففرض عين في العمر مرة واحدة على الفور عند أبي يوسف و على التراخي عند محمد، و العمرة سنة مؤكدة.

(و أما عند المالكية) فالحج فرض عين في العمر مرة واحدة على الفور، و العمرة سنة مؤكدة على المعتمد. قال في شرح الخرشي: و أما العمرة فهي سنة في العمر مرة على المشهور، و هي آكد من الوتر و قيل: فرض كالحج، و به قال الشافعي.

اه.

(و أما عند الحنابلة) فالحج و العمرة كل واحد منهما فرض عين في العمر مرة واحدة على الفور.

108

و اعلم أنه يندب الإكثار من العمرة و تتأكد في شهر رمضان باتفاق الأئمة الثلاثة، و أما المالكية فقالوا يكره تكرار العمرة في السنة مرتين إلا لمن كان داخلا مكة قبل أشهر الحج، و كان ممن يحرم عليه مجاوزة الميقات حلالا فإنه لا يكره له تكرارها، بل يحرم بعمرة حين دخوله و لو كان قد تقدمت له عمرة في هذا العام، فإذا أراد دخول مكة في أشهر الحج دخل بحج لا بعمرة، و أما فعل العمرة مرة ثانية في عام آخر فهو مندوب و لا فرق عندهم بين رمضان و غيره فلا تتأكد فيه.

و اعلم أنه (صلى الله عليه و سلم) قد حج قبل النبوة و بعدها و قبل الهجرة حججا لا يدرى عددها، و حج بعد الهجرة حجة الوداع لا غير بإجماع المسلمين، و كذلك اعتمر قبلها عمرا لا يدرى عددها و أما بعدها فعمرة في رجب، و ثلاثا بل أربعا في ذي القعدة أي في ثلاث أعوام لأنه في حجة الوداع كان في آخر أمره قارنا، و عمرة في شوال كما صح في أبي داود و عمرة في رمضان كما في البيهقي.

و فرضية الحج و العمرة واردة صريحا في الكتاب و السنة، و أما الكتاب فقد قال اللّه تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا و قال: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ‏ و قال آمرا نبيه إبراهيم (عليه السلام): وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ* ذلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ... إلى آخر الآيات.

و أما السنة فقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" من حج فلم يرفث و لم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" رواه البخاري و غيره، و روى ابن حبان عن ابن عمر أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال:" إن الحاج حين يخرج من بيته لم يخط خطوة إلا كتب اللّه له بها حسنة و حط عنه بها خطيئة فإذا وقفوا بعرفات باهى اللّه بهم ملائكته يقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا أشهدكم أني غفرت ذنوبهم، و إن كانت عدد قطر السماء و رمل عالج و إذا رمى الجمار لم يدر أحد ما له حتى يتوفاه اللّه تعالى يوم القيامة و إذا حلق شعره فله بكل شعرة سقطت من رأسه نور يوم القيامة، فإذا قضى آخر طوافه بالبيت خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". اه.

قال في المصباح المنير: رمل عالج جبال متواصلة يتصل أعلاها بالدهناء، و الدهناء بقرب اليمامة و أسفلها بنجد و يتسع اتساعا كثيرا قال البكري: رمل عالج‏

109

يحيط بأكثر أرض العرب اه. و قال (صلى الله عليه و سلم):" إن اللّه تعالى يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة يقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا" رواه أحمد و الطبراني.

و قال عليه الصلاة و السلام:" العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما و الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" رواه الشيخان و قال:" تابعوا بين الحج و العمرة فإنهما ينفيان الفقر و الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، و الذهب و الفضة. و ليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة" رواه أحمد و غيره. و قال:" من حج عن أبيه أو أمه فقد قضى عنه حجته و كان له فضل عشر حجج" رواه الدارقطني. و قال:" إذا لقيت الحاج فسلم عليه و صافحه و مره أن يستغفر لك قبل أن يدخل بيته فإنه مغفور له" رواه أحمد. و قال:" اللهم اغفر للحاج و لمن استغفر له الحاج" رواه الحاكم، و قال: صحيح الإسناد.

و يستحب الإكثار من العمرة لا سيما في رمضان، لما أخرجه ابن حبان و غيره:" عمرة في رمضان تعدل حجة معي" و في رواية البخاري:" تقضي حجة أو حجة معي".

و يستحب أن يحج الإنسان عن نفسه بعد حجة الإسلام ثانية و ثالثة فقد ورد:

" من حج حجة فقد أدى فرضه، و من حج ثانية فقد داين ربه و من حج ثالثة حرم اللّه جسده على النار".

و في الحديث القدسي:" إن عبدا صححت له جسمه و أوسعت عليه معيشته تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إليّ لمحروم" و هناك أحاديث كثيرة وردت في هذا الشأن اكتفينا بما ذكرناه بغية الاختصار.

و اعلم أن وقفة الجمعة لها مزية على غيرها لأن الأعمال تشرف بشرف الزمان كما تشرف بشرف المكان، و يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع فيكون العمل فيه أفضل فقد ورد:" إذا كان يوم عرفة جمعة غفر اللّه لجميع أهل الموقف" و ورد أيضا:" أفضل الأيام يوم عرفة و إذا وافق يوم جمعة فهو أفضل من سبعين حجة في غير يوم الجمعة" أخرجه رزين. و قال عليه الصلاة و السلام:" إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم و هو قائم يصلي يسأل اللّه تعالى فيها خيرا إلا أعطاه إياه" رواه مسلم و أحمد و غيرهما.

و قد كانت وقفته (صلى الله عليه و سلم) في حجة الوداع يوم الجمعة لأن اللّه تعالى إنما يختار له الأفضل و لهذا اشتهر وصف الحج بالأكبر إذا كانت الوقفة يوم الجمعة.

110

و اعلم أن للحج ميقاتين، زمانيا و مكانيا. فالميقات الزماني: هو شوال و ذو القعدة و عشر ليال من ذي الحجة أي يبتدئ من أول ليلة عيد الفطر إلى ما قبل فجر يوم عيد النحر بما يسع الوقوف بعرفة فلو أحرم بالحج قبل هذا الوقت أو بعده فلا يصح حجا و لكن ينعقد عمره.

و الميقات المكاني الذي يجب عنده الإحرام حرم مكة و هو معروف في جميع الأطراف و سيأتي بيانه.

(و الميقات المكاني للعمرة) هو ميقات الحج و الميقات الزماني لها جميع السنة فيجوز الإحرام بالعمرة في كل وقت من غير كراهة و في يوم النحر و أيام التشريق لغير الحاج. و أما الحاج فلا يصح إحرامه لعمرته ما دام محرما بالحج و كذا لا يصح إحرامه بعد التحللين ما دام مقيما بمنى للرمي فإذا نفر من النفر الثاني أو الأول جاز أن يعتمر فيما بقي من أيام التشريق لكن الأفضل أن لا يعتمر حتى تنقضي أيام التشريق. و من كان مقيما بمكة فميقاته للحج مكة و ميقاته للعمرة أدنى الحل و قد أقت النبي (صلى الله عليه و سلم) مواقيت الإحرام في حجة الوداع كما قاله الإمام أحمد بن حنبل (رحمه اللّه تعالى)، و حجة الوداع كانت في السنة العاشرة، و من أحرم بالحج و العمرة معا فأعمال العمرة تندرج في أعمال الحج. و طواف الإفاضة هو ما وقع بعد الوقوف بعرفة و يسمى أيضا طواف الركن، و طواف الزيارة.

و اعلم أن الحج و العمرة يؤديان على ثلاثة أوجه:

الأول: الإفراد و هو: أن يحرم بالحج، و بعد الفراغ من أعماله يخرج من مكة إلى أدنى الحل بالعمرة و يأتي بأعمالها.

و الثاني: التمتع و هو: أن يقدم العمرة على الحج، سواء كانت العمرة في أشهر الحج أو قبله على المعتمد، و يأتي بأعمالها، ثم يحرم بالحج، و يأتي بأعماله.

الثالث: القران و هو: أن يحرم بالحج و العمرة معا في أشهر الحج، أو يحرم بالعمرة و قبل الشروع في أعمالها يحرم بالحج ثم يعمل عمل الحج. و أفضل هذه الأوجه الإفراد ثم التمتع ثم القران.

و اعلم أن بعض الحجاج يقع في خطأ عظيم بأن يحرم من الميقات بحج أو عمرة متحررا من ثيابه لابسا ثوبي إحرامه، ثم يبدو له قبل وصوله مكة أو بعد وصوله إليها و قبل الشروع في أعمال حجه أو عمرته أن يتوجه إلى زيارة المدينة المنورة

111

فيفك إحرامه و يلبس ثيابه و قد يأتي النساء و يمس الطيب معتقدا أنه حلال، و أنه لا شي‏ء عليه في ذلك، ثم بعد الزيارة يستأنف إحراما آخر بحج أو عمرة معتقدا أن إحرامه الأول صار لاغيا، مع أنه لا يزال باقيا يجب عليه إتمامه و قضاؤه إن أفسده، و لقد أخطأ في هذا العمل من وجوه:

الأول: إقدامه على رفض ما أحرم به، و إبطاله في زعمه بدون مسوغ شرعي.

الثاني: ارتكاب ما هو محظور بالإحرام من لبس الثياب، و ترك الواجبات و قد يأتي بما يفسد النسك.

الثالث: إقدامه بعد عودته من الزيارة على إحرام آخر.

فيجب على الحجاج أن يتموا ما أحرموا به من حج أو عمرة، لقوله تعالى:

وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ‏ حتى يكون حجهم مبرورا و سعيهم مشكورا، و قد نبه على هذه المسألة العلامة الجليل الشيخ" محمد حسنين مخلوف" (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" دليل الحاج".

و اعلم أن في الحج ثلاثة أطوفة: طواف القدوم، و طواف الإفاضة و طواف الوداع، و هذا خلاف طواف التطوع، فطواف القدوم سنة، فلو تركه لم يلزمه شي‏ء و طواف الإفاضة ركن لا يصح الحج إلا به و لا يجبر بدم و لا غيره، و طواف الوداع واجب مستقل على المعتمد، فلو تركه لزمه دم، و محل طواف القدوم عند دخول الحاج مكة، و محل طواف الإفاضة بعد الوقوف بعرفة، و بعد نصف ليلة النحر، و محل طواف الوداع عند إرادة السفر من مكة.

و اعلم أن للحج تحللين:

(فالتحلل الأول) يحصل بفعل اثنين من ثلاثة و هي: رمي جمرة العقبة و طواف الإفاضة المتبوع بالمسعى إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم و الحلق أو التقصير، فيحل له حينئذ محرمات الإحرام، ما عدا ما يتعلق بالنساء: من عقد النكاح و المباشرة بشهوة و الوطء.

(و التحلل الثاني) يحصل بفعل الثلاثة المذكورة كلها فيحل له حينئذ جميع محرمات الإحرام، حتى ما يتعلق بالنساء و يجب عليه الإتيان بما بقي من أعمال الحج و هي: الرمي و المبيت بمنى.

112

و أما العمرة فلها تحلل واحد، و هو فعل أعمالها كلها، و هذا في غيره عمرة الفوات. و أما هذه فلها تحللان:

الأول: يحصل بالطواف المتبوع بالسعي و إن لم يكن سعى أو بالحلق أو التقصير.

و الثاني: يحصل بفعل ما بقي منهما و لا يفسد الإحرام إلا الوطء في الفرج.

و من ترك ركنا من أركان الحج غير الوقوف بعرفة أو ترك ركنا من أركان العمرة لم يحل من إحرامه حتى يأتي به فيستمر محرما و لو سنين، لأن الطواف و السعي و الحلق لا آخر لوقتها.

و من ترك واجبا من واجبات الحج أو العمرة عمدا أو سهوا أو جهلا لزمه دم. و من ترك سنة من سننهما لم يلزمه شي‏ء.

و الأيام المعلومات المذكورة في سورة الحج: هي عشر ذي الحجة على الأصح، و الأيام المعدودات المذكورة في سورة البقرة هي: أيام التشريق و هي الثلاثة بعد يوم النحر، و يسمى اليوم الثامن من ذي الحجة يوم التروية، و اليوم التاسع منه يوم عرفة، و اليوم العاشر منه يوم النحر، و اليوم الحادي عشر منه يوم القر، و اليوم الثاني عشر منه يوم النفر الأول، و اليوم الثالث عشر منه يوم النفر الثاني.

و من أراد زيادة الاطلاع على أحكام الحج و العمرة فعليه بمراجعة كتابنا" إرشاد الزمرة لمناسك الحج و العمرة على المذهب الشافعي" و هو كتاب مطبوع بمطبعة مصطفى البابي الحلبي و أولاده بالقاهرة، أو عليه أن يطالع كتب الفقه.

معنى الحج لدى الطوائف المختلفة

الحج في اللغة: القصد، و شرعا: قصد بيت اللّه الحرام للنسك أي: أعمال الحج من النية و الطواف و السعي و الوقوف بعرفة و الحلق و ترتيب معظم الأركان، و ذلك في وقت مخصوص من كل سنة، هذا هو الحج في الديانة الإسلامية.

و أمكنة الحج معروفة، ففي مكة المشرفة يكون الطواف و السعي، و في عرفات يكون الوقوف، و في مزدلفة يكون المبيت، و في منى يكون المبيت و رمي الجمار، و المسلمون في جميع هذه الأعمال لا يقصدون عبادة الأمكنة و لا الأحجار، و إنما

113

يقومون بأداء هذه الأعمال امتثالا لأمر اللّه عز و جل و اقتداء بعمل نبينا" محمد" صلى اللّه عليه و على آله و صحبه و سلم.

أما معنى الحج لدى بقية الديانات و الشعوب الأخرى فيختلف عما عليه المسلمون اختلافا عظيما. و قد أوضح كل ذلك مؤلف" الرحلة الحجازية" فرأينا نقل كلامه للإحاطة و نحمد اللّه أن هدانا للإسلام و عمّر قلوبنا بالإيمان الكامل و اليقين التام. قال (رحمه اللّه) في كتابه المذكور بصحيفة (150) من الطبعة الثانية ما نصه:

الحج في اللغة: القصد و رجل محجوج أي مقصود، و في اصطلاح المسلمين:

قصد مكة لأداء المناسك في زمن مخصوص من كل سنة قمرية، و واحدته حجة، و تطلق على السنة فيقال عمر هذا الصبي سبع حجج أي سبعة سنين.

و هو سنة قديمة جدا في الأمم، و الغرض منه على كل حال أمر ديني محض، و إن كان الاجتماع فيه لا يخلو من فائدة دنيوية، تزيد في رقي الأمة أدبيا و ماديا.

و قد كان المصريون قبل أربعين قرنا يحجون إلى هيكل معبودهم إيزيس، بمدينة سايس (صا) و فتاح في منفيس، و آمون في طيبة.

و اليونان كانوا يحجون قبل المسيح بخمسين قرنا إلى هيكل ديانا في أفسوس.

ثم انتقلوا في بدء القرن الثاني قبل المسيح إلى حج معبد مينا رفافي في أثينا، و جوبييتر في أولمبيا. و اليابان يحجون من عهد بعيد إلى هيكل عظيم مشهور في ولاية أسجي و تجب زيارته عندهم على كل فرد منهم في عمره و لو مرة واحدة:

فيتوجهون إليه بلباس أبيض على شكل مخصوص، و سوادهم يقصدونه عراة ليس عليهم إلا ما يستر عورتهم، و يقطعون إليه كل المسافة ركضا. و الصينيون يحجون إلى هيكل المعبود تيان من زمن بعيد جدا. و الهنود لا يزالون يحجون إلى هيكل جاغرنات أو هيكل الورا في حيدرأباد و هو محفور في الصخر على طول فرسخين، و كذلك يحجون إلى هيكل بوذا بجزيرة منا قرب سيلان. و هم يكثرون من الطواف حول هياكلهم و لهم بحيرات مقدسة يتبركون بمياهها مثل بحيرة مادن قرب بحر قزوين. و اليهود يحجون من القرن الرابع عشر قبل المسيح إلى المكان الذي به تابوت العهد و كانوا يحجون إليه ثلاث مرات في السنة. و كان ذلك أكبر سبب لعمار أورشليم حتى أحرقها الامبراطور طيطوس الروماني و أجلى اليهود عنها سنة 70 مسيحية، و ما زالوا بعيدين عن مدينة بيت المقدس حتى استولت‏

114

العرب عليها سنة 636 م (سنة 16 هجرية) فأقرهم عمر رضي اللّه عنه مع النصارى على ما كان لهم في بيت المقدس. و لما قامت الحروب الصليبية قطعت عليهم طريق حجهم إلى أن استولت دولة بني عثمان على أورشليم في سنة 1517 م فأمنت الطرق و مهدت السبل إلى بيت المقدس، و هم يحجون الآن إلى قطعة من السور القديم لهيكل سليمان في الجهة الغربية من المسجد الأقصى و يسمونها البراق. أما النصارى فإنهم يحجون إلى بيت المقدس من سنة 306 للمسيح، أي منذ سارت هيلانة أم الامبراطور قسطنطين إلى أورشليم و ابتنت بها كنيسة القبر المقدس المشهورة باسم كنيسة القيامة و كانوا يخرجون إليه من غرب أوربا باحتفال عظيم، و كان رئيس الجهة الديني يزود كلا منهم بعصا ورداء من الصوف الخشن فيلبسه لوقته، و كان لهم على طول طريقهم تكايا و أديرة يأوون إليها مدة سفرهم، و إذا وصل الحاج إلى بيت المقدس، يلتحف برداء يحمله معه ليكون له كفنا عند موته. فلما استولى السلجوقيون على بيت المقدس قلّ حجاج الإفرنج إلى أورشليم و حولوا وجوههم إلى كنيسة القديس بطرس و بولس في روما، و في تريف بجرمانيا و يزعمون أن بالأخيرة قميص المسيح الذي كان يلبسه.

و قد بلغ عدد حجاجها سنة 1814 مليونا و مائة ألف نفس من الإفرنج و هم يحجون أيضا إلى كنيسة لورد، في جنوب فرنسا بعد أن شاع في أوربا أن السيدة مريم العذراء ظهرت لاثنين من رعاة هذه المدينة و الزائرون لهذه الكنيسة يشربون من ماء ينبع قريبا منها يسمى باسمها و يعتقدون إلى اليوم بأن فيه شفاء للناس و يرسلون منه إلى جميع أقطار المسكونة للتبرك و الاستشفاء. و لم تكثر حجاج بيت المقدس إلا بعد عمل السكة الحديدية إليها من يافا.

و العرب كانت تحج إلى الكعبة قبل الإسلام بنحو خمسة و عشرين قرنا لأنهم كانوا يعتقدون أنها بيت اللّه على ما كانوا عليه من اختلاف الآلهة و تعدد الديانات و تغاير المذاهب. و كانوا يقصدونها سنويا للطواف بها من غير أن يدعيها لنفسه فريق منهم دون الآخرين، لأنها كانت عندهم بيتا للّه الذي هو إله العالمين.

و رغما من شيوع عبادة الأوثان في سواد قبائل العرب فإنه لم يرد عنهم أنهم عبدوا هيكل الكعبة. انتهى المراد من الرحلة الحجازية، ثم تطرق المؤلف إلى عبادة الأحجار و احترامها أيام الجاهلية أضربنا عن ذكرها هنا لعدم تعلقها بهذا الفصل.

115

لباس الإحرام في الحج و العمرة

يحرم على كل محرم ذكر بحج أو عمرة لبس ما يحيط بجميع بدنه أو بجزء منه، سواء كان المحيط بخياطة أو بغير خياطة فإن لبس شيئا من ذلك وجب عليه الفدية، فيلبس المحرم إزارا و رداء من أي قماش كان و الأبيض أفضل الألبسة، و الإزار هو:

ما يستر نصفه الأسفل، و الرداء هو: ما يوضع على الكتفين فيكون هيئة المحرم كهيئة من هو داخل الحمامات بالفوطة، و يقال لها المنشفة أو البشكير، و لبس الإزار شائع في بلاد اليمن و في بلاد السودان فغالبهم لا يلبس السروال و مئزرهم عبارة عن قطعة من القماش نحو مترين بدون خياطة يلفونها على نصفهم الأسفل من السرة إلى ما تحت الركبتين، و مثلهم أهل جاوه و بعض الهند فهؤلاء أيضا لا يلبسون السروال و إنما يلبسون إزارا مخيطا يسمونه" الفوطة" و هي مخيطة من الجانب كالكيس لكنها مفتوحة من الرأسين، و هذه لا يصح بها الإحرام كما لا يخفى.

و لننقل هنا باختصار ما ذكره الأستاذ محمد لبيب البتنوني (رحمه اللّه تعالى) عن اللباس في كتابه" الرحلة الحجازية" منذ قديم الزمن فقد قال ما ملخصه:

كان الناس قديما يصنعون ملابسهم من القطن أو الكتان أو جلود الحيوان بحال بسيطة جدا، و المصريون كانوا يستعملون في أول أمرهم المئزر ثم البرنس و هو قطعة من القماش تلقى على الأكتاف، و تربط بحزام و ترسل إلى الركبتين في العامة أو إلى أسفل منها في الخاصة، حتى إذا ترقت الدولة في عمرانها أطالوا من ذلك البرنس إلى الكعبين و لبسوا من تحته قميصا لا أكمام له أخذوه عن الأثيوبيين سكان أثيوبيا و هي مملكة قديمة حبشية، و كانوا في مبدأ أمرهم يلونون ملابسهم بلون واحد" أخضر أو أزرق أو أحمر" ثم انتهوا باستعمال كثير من الألوان في ثيابهم مع ما كانوا يوشون به دوائرها بالأشرطة المنقوشة.

أما الأشوريون فقد كانوا يشتملون بقطعة كبيرة من القماش و يمرون بها من تحت إبطهم الأيمن و يغطون بها الصدر ثم يرسلونها على الكتف الأيسر حيث يثبت طرفها إما بعقدة أو بمشبك، ثم غيّروا هذا الزي بأن لبسوا قميصا صغيرا و من فوقه شي‏ء يشبه العباءة، و الأعجام كانوا يزيدون على ذلك سراويل واسعة.

116

و اليونان كانوا يلبسون رداء طويلا واسعا و يمرون به من تحت إبطهم الأيمن بعد أن يلفوا به وسطهم ثم يرسلونه على ظهرهم بعد أن يغطوا به كتفهم الآخر ثم صاروا يشملون به الجسم جميعه، ذلك بأنهم كانوا يأتون بهذا الرداء الطويل و يربطون طرفيه ثم يدخلون ذراعهم الأيمن مع الرأس من فتحة ما بينهما بحيث تكون العقدة على الكتف الأيسر ثم يلف الجسم بباقي هذه الشملة و يسمونها شيون‏CHION كما تراه إلى اليوم في عرب البادية المصرية خصوصا عرب المغرب، و لا شك في أنهم أخذوا هذا الزي من الرومانين أو القرطاجيين و لبث فيهم على بداوته إلى الآن، و هذا الشكل منه صور كثيرة على الآثار الرومانية. و توجد في كثير من المتاحف بعض تماثيل بلباسهم القديم.

و كان أبسط تلك الملابس شكلا و نوعا ملابس الأشوريين الذين هم إخوان الكلدانيين الذين خرج منهم سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام لأن كليهما من الجنس السامي، و عليه فلباس الإحرام كان هو هو بذاته ذلك اللباس البسيط الذي كان يلبسه إبراهيم (عليه السلام) حين أمر اللّه تعالى بالحج قائلا: وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ‏ و ما زالت هذه السنة قائمة في حج بيت اللّه إلى الآن.

و أما كونه أبيض فلأن لون البياض شعار الطهارة و النظافة و إلا فالغرض من الإحرام لبس غير المخيط مطلقا إشارة إلى أن الإنسان خرج إلى ربه من زخارف الدنيا و ما فيها إلى بساطة الوجود و بداوته، فهذا الزي يستوي فيه الصعلوك و الملوك و يشترك فيه جميع الطوائف و الأجناس، و بهذا الزي تقريبا يخرج الإنسان من الدنيا و يستقر في جوف القبر، ففي هذا الزي عبرة و حكمة لا تخفيان على ذوي الألباب. انتهى باختصار من" الرحلة الحجازية".

الحكمة في لباس الإحرام بالحج أو بالعمرة

قلنا الحج هو: قصد بيت اللّه الحرام لأداء مناسك الحج أو العمرة، و من أركان الحج و العمرة الإحرام مع نية الدخول فيهما أو في أحدهما، حتى يعرف الحاج أو المعتمر بلباس إحرامه و هيئته و شكله من بين سائر الناس.

فإذا نظر الإنسان إلى هذا الحجيج الأعظم في جبل عرفات يوم الوقوف، يشبه جموعهم بيوم المحشر بعد بعث الناس من قبورهم، و قد اختلط الأمير بالفقير

117

و الكبير بالصغير و العالم بالجاهل. فالحكمة من لباس الإحرام في النسك إذا هو تشبيه هذا الحجيج. المجموعين في يوم الوقوف بعرفات، ببعث الأموات من قبورهم ليوم المحشر للحساب و الجزاء فلباس الإحرام يكون للحجاج بمثابة الأكفان للأموات، فكما أن الأموات إذا كفنوا و وضعوا بجوار بعضهم في ساحة واحدة، لا يتميز بعضهم عن بعض و لا يعرف الأمير من الفقير، و لا الجاهل من العالم، و لا الصالح من الفاسق، كذلك يكون حكمة الإحرام في الحج حتى لا يتميز الرئيس من المرؤوس و لا التابع من المتبوع، و لا الأمير من الصغير، و لا السيد من العبد.

فإن الإنسان إذا نظر في يوم عرفة إلى هذا الحجيج الأعظم، فإنه يرى جميع الناس مجردين من ثيابهم العادية، و كلهم بشكل واحد و هيئة واحدة يرتدون الإزار و الرداء، مكشوفي الرؤوس لا يلبسون في أرجلهم سوى نعال خفيفة، فلا يلبسون عمامة أو عقالا على رؤوسهم و لا يلبسون ثيابا مخيطة من الجبة و القفطان، و لا من المشالح" العبايات" فوق الثياب، و لا من السراويل و البنطلونات، و إنما الجميع بلباس واحد و هيئة واحدة، و يدعون كلهم بلسان واحد لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد و النعمة لك لك و الملك لا شريك لك.

فالحج بلباس الإحرام، و ترك الطيب و النساء و أطايب الطعام، معناه التجرد من الدنيا و شهواتها، و التفرغ التام لعبادة الملك القدوس السلام، من أداء الفروض و السنن، و التلبية و التهليل و التسبيح و الاستغفار للعزيز الغفار بصدق و إخلاص و الالتجاء إلى الكبير المتعال بالدعاء و التضرع و لزوم باب بيته الحرام، مدة دوام نسك الحج. عسى أن يتقبل اللّه عز و جل منا هذا التضرع و الدعاء في المشاعر العظام، لنسعد بذلك في الدارين بفضله و رحمته، إنه هو الغفور الرحيم.

فالحج إلى بيت اللّه الحرام، و الوقوف بالمشاعر العظام، بهيئته المخصوصة و هي لباس الإحرام، هو شعار جميع المسلمين، ليتميزوا بهذا الركن الخامس العظيم عن أعداء الدين، و ليتركوا بلباس الإحرام، جميع علامات التمييز الدنيوي و جميع المعاصي و الآثام، و اللّه عز و جل أكرم من أن يرد عباده الحجاج الكرام، الذين يقصدون بيت اللّه الحرام و يتوبون إلى التواب الرحيم، عند بيته الكريم بصدق و إخلاص خائبين صفر اليدين.

فاللّه تبارك و تعالى هو أكرم الأكرمين و أرحم الراحمين لا إله إلا هو العزيز الغفار.

118

و مما لا يخفى لدى أهل الدنيا أن الإنسان إذا أراد المثول بين يدي الملوك، لا بد له أن يرتدي لباس التشريفة، و هو ثياب خاصة للمثول بين أيديهم، فلا يدخل على الملوك رجل رث الثياب سقيم الإهاب أشعث أغبر.

أما الوصول إلى بيت اللّه عز و جل و الوقوف على بابه، فله ثياب خاصة، ثياب بسيطة لا تكليف فيها و لا تزيين، ثياب يليق بداخل بلد اللّه الأمين، و لباس صالح لمن يقف على عتبة باب بيت اللّه المطهر، و بهيئة يخالف عادات الملوك و نظم أرباب الدولة، بحيث تكون هذه الهيئة ميسورة للكبير و الصغير و الجليل و الحقير، لأنه لا يمنع أحد عن باب الواحد الأحد، فإنه أرحم الراحمين عظيم الفضل واسع الإحسان.

فحكمة تجرد الإنسان من الثياب التي ألفها و ارتدائه لباس الإحرام الأبيض عند دخوله بلد اللّه أو عند إرادة الحج أو العمرة، هي التجرد من العادات الدنيوية، و التشبه بحال الأموات الذين مضوا إلى لقاء ربهم، و التفكر في البعث و النشور، فإن ذلك مما يلين القلوب و يشرح الصدور و يقرب العبد من ربه، حتى يعود بعد ذلك إلى العمل الصالح و ما ينفعه في الدار الآخرة يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏.

و ما أحلى لباس الإحرام على الحجاج و هم داخلون به مكة و المسجد الحرام و واقفون به في منى و مزدلفة و عرفات، يدعون اللّه تعالى و ينادونه بلفظ" لبيك اللهم لبيك" و ما أجمل هذا اللباس و هم على عرفات في صعيد واحد، لا فرق بين الصعلوك و الوزير، و لا بين الغني و الفقير، و لا بين الكبير و الصغير، و لا بين الأعمى و البصير، و لا بين العربي و الأعجمي، و لا بين الأبيض و الأسود، و لا بين العالم و الجاهل.

اتحد الكل في الزي و الشكل، كما اتحدوا في عبادة الحكم العدل، في هذا البلد الأمين، و في هذه الصحراء الواسعة، امتثالا لأمر اللّه و ابتغاء مرضاته، فيتجلى اللّه تعالى على هذا الجمع الغفير من الأمة المحمدية بالرحمة و المغفرة و الفضل و الإحسان، و هو الغني عن العالمين.

هذا هو الدين الإسلامي الحنيف، و هو الدين السمح المعقول المقبول اللطيف، كلما توغل الإنسان في معرفته و العلم بأحكامه، كلما قوي إيمانه و اطمئن قلبه و ازداد حبا فيه و معرفته بربه.

119

فحكمة لباس الإحرام لدى المسلمين عند إرادة النسك، ترمي إلى الاتحاد في القول و العمل، و إلى ترك الفوارق البشرية حتى لا يزدري بعضهم بعضا، و حتى يكونوا عباد اللّه إخوانا، و تشير إلى تذكر الآخرة ليعمل الإنسان لها يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏.

فانظر رحمك اللّه إلى هذه الحكمة الجليلة اللطيفة المعقولة المقبولة، ثم انظر إلى ما اخترعه في هذا العصر بعض الإفرنج المنبوذين الوقحين من تجردهم من اللباس بالكلية، فتعروا تماما كما ولدتهم أمهاتهم على زعم أن لا تكون هناك فوارق بين البشر، مع أنهم قد جعلوا بفعلهم هذا القبيح السمج فوارق كبيرة بينهم و بين كافة البشر، فنبذهم الناس و امتنعوا من مخالطتهم، حتى اضطروا إلى أن يتخذوا لهم مدينة خاصة يقيمون فيها ليل نهار حفاة عراة كالحيوانات البهم، فهل هؤلاء يعدون من البشر؟- كلا و اللّه- فإنهم كالأنعام بل هم أضل، فقد انسلخوا من جميع الأديان كما انسلخوا من جميع العادات البشرية فلا حياء و لا مروءة و لا شهامة، بل لقد حرمهم اللّه تعالى من متاع الدنيا و زينتها، من الأكل النظيف و الشرب السائغ اللطيف، و من الثياب الفاخرة، و السرور و المقاعد الوثيرة، و الفرش الناعمة و الزينات المتنوعة البهيجة، و من جميع ملذات الدنيا و متاعها، ما حرم اللّه كل ذلك عليهم، و لكنهم بأنفسهم حرموا أنفسهم، و اختاروا عيشة الهمجية الحيوانية على العيشة الهنيئة البشرية، فهم محرومون من كل متعة في الدنيا و الآخرة. و إليك ما جاء عنهم:

ذكرت" مجلة المصور" بعدد (1660) التي صدرت في القاهرة في 26 ذي الحجة سنة 1375 الموافق 3 أغسطس سنة 1956 عن طائفة العراة الذين اتخذوا لهم مدينة خاصة، و قد تعروا حتى لا تكون فوارق بين البشر على زعمهم.

ذكرت هذه المجلة تحت عنوان" الجمال بغير احترام" بقلم الأستاذ صالح جودت ما يأتي:

دخلت مرة إحدى مستعمرات العراة و أعترف- رغم أنني من أضعف الرجال أمام الجمال- أنني خرجت يومئذ و قد فطنت إلى حقيقة كبرى، و هي أن أول شروط الجمال هو احترام المرأة الجميلة لجمالها و أدركت أن المرأة الجميلة، حينما تتعرى أمام عيون الناس، تفقد كل شروط الجمال، و أولها الاحترام.

120

تذكرت هذه الحكاية حين قرأت أخيرا أن لأنصار مذهب العراة مستعمرة مساحتها خمسة و عشرين فدانا في ضاحية و يلاند، على مقربة من مدينة أونتاريو.

و قد أعلنت جمعية العراة التي تشرف على شئون هذه المستعمرة أنها ستفتح أبوابها للجماهير لمدة 24 ساعة، و قالت: إن غايتها من هذا العرض العام هي أن تثبت أن جميع الشعوب تستطيع أن تعيش في سلام ... لأن الناس إذا تجردوا من ثيابهم، التي تحمل مظاهر التفرقة و الاختلاف في الثروات و الطبقات و الجنسيات ... أصبحوا جميعا سواسية متشابهين لا يميز أحدهم على الآخر شي‏ء.

ترى ... ألم يجد هؤلاء الأمريكيين سبيلا إلى محاولة إزالة الفوارق بين البشر إلا عن طريق جماعة فقدت كل شرائط الجمال و أولها الاحترام. انتهى من المجلة المذكورة.

نسأل اللّه السلامة و العافية من كل ما ينفر عن الخلق و الخالق، و الحمد للّه الذي عافانا مما ابتلى به كثيرا من خلقه. اللهم ثبت قلوبنا على دينك و اختم حياتنا بخير، و متعنا بسمعنا و أبصارنا، و عقولنا و أفكارنا، و نور قلوبنا و بصائرنا، و اشرح صدورنا و أفئدتنا، بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين، و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

الأصنام التي كانت في الكعبة أيام الجاهلية

من عجيب أمر اللّه تعالى، أن بيته الحرام، كان و لم يزل مقدسا معظما من قديم الزمن، فلم يذكر قط في التاريخ، أن أحدا من أهل الجاهلية كان يعبد الكعبة، كانوا يحترمونها و يطوفون بها، لكن لا يعبدونها قط، و إنما كانوا يضعون فيها و فيما حولها أصنامهم، التي يعبدونها من دون اللّه، فلما كان يوم فتح مكة، و قد أظهر اللّه الإسلام و أعلى كلمته، أمر (صلى الله عليه و سلم) بتطهير الكعبة من الأصنام و رميها و تكسيرها.

و إليك ما ذكره صاحب كتاب" تاريخ الخميس" عن كيفية رمي الأصنام و عددها، فقال ما نصّه:

و ذكر ابن هشام أيضا أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) دخل البيت يوم الفتح، فرأى فيه صور الملائكة و غيرهم، و رأى إبراهيم مصورا في يده الأزلام يستقسم بها، فقال:

قاتلهم اللّه جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم و الأزلام‏ ما كانَ‏

121

إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لا نَصْرانِيًّا وَ لكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست.

و عن ابن عباس أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت، و فيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، و أخرجوا صورة إبراهيم و إسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال: قاتلهم اللّه لقد علموا أنهما ما استقسما بها قط، ثم دخل البيت، فكبّر في نواحي البيت، و لم يصل، و في رواية: صلّى فيه.

و في الاكتفاء عن ابن عباس، قال: دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها و حول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي (صلى الله عليه و سلم) يشير بقضيب في يده إلى الأصنام و هو يقول: جاء الحق و زهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع ذلك الصنم لقفاه، و لا أشار لقفاه إلا وقع لوجهه حتى ما بقي منها صنم إلا وقع.

و في رواية: يشير إلى الصنم، بقوس في يده، و هو آخذ بسيتها و هو يقول:

جاء الحق و زهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا، و قل جاء الحق و ما يبدئ الباطل و ما يعيد، فيقع الصنم لوجهه، و كان أعظمها هبل، و هو و جاه الكعبة حذاء مقام إبراهيم لاصقا بها، و قال تميم بن أسد الخزاعي:

و في الأصنام معتبر و علم‏* * * لمن يرجو الثواب أو العقابا

و في «المواهب اللدنية»: و كان حول البيت ثلاثمائة و ستون صنما، فكلما مرّ (صلى الله عليه و سلم) بصنم أشار إليه ... الخ، رواه البيهقي.

و في رواية أبي نعيم: قد أوثقها الشياطين بالرصاص و النحاس.

و في تفسير العلامة ابن النقيب المقدسي: أن اللّه تعالى أعلمه أنه قد أنجزه وعده بالنصر على أعدائه، و فتح له مكة، و أعلى كلمته و دينه، و أمر إذا دخل مكة أن يقول: جاء الحق و زهق الباطل، فصار (صلى الله عليه و سلم) يطعن الأصنام التي حول الكعبة بمحجنه و يقول: جاء الحق و زهق الباطل، فيخر الصنم ساقطا، مع أنها كلها كانت مثبتة بالحديد و الرصاص، و كانت ثلاثمائة و ستين صنما بعدد أيام السنة.

قال ابن عباس: و لما نزلت الآية، يوم الفتح، قال جبريل (عليه السلام) لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): خذ مخصرتك ثم ألقها، فجعل يأتي صنما صنما، و يطعن في عينه أو

122

بطنه بمخصرته، و يقول: جاء الحق و زهق الباطل، فينكبّ الصنم لوجهه، حتى ألقاها جميعا، و بقي صنم خزاعة فوق الكعبة، و كان من قوارير أو صفر، و قال:

يا علي، إرم به. فحمله- (عليه السلام)- حتى صعد و رمى به و كسره، فجعل أهل مكة يتعجبون. انتهى كلام «المواهب اللدنية».

و في" الرياض النضرة": روي عن علي أنه قال: حين أتينا الكعبة، قال لي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): اجلس فجلست إلى جنب الكعبة، فصعد على منكبيّ، فذهبت لأنهض به، فرأى ضعفا مني تحته، قال لي: اجلس فجلست، فنزل عني، و جلس لي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قال لي: اصعد على منكبي. فصعدت على منكبيه، فنهض بي، و إنه يخيل إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء حتى صعدت البيت.

و في شواهد النبوة: سأل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عليا، حين صعد منكبه: كيف تراك؟ قال علي: أراني كأن الحجب قد ارتفعت، و يخيل إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): طوبى لك تعمل للحق، و طوبى لي أحمل للحق، أو كما قال. انتهى.

قال: فصعدت البيت و كان عليه تمثال صفر أو نحاس و هو أكبر أصنامهم، و تنحى رسول اللّه، فقال لي: ألق صنمهم الأكبر، و كان موتدا على البيت بأوتاد حديد إلى الأرض، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إيه إيه عالجه، جاء الحق و زهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا، فجعلت أزاوله أو قال أعالجه عن يمينه و عن شماله و من بين يديه و من خلفه، حتى إذا استكمنت منه، قال لي رسول اللّه: اقذف به، فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير، ثم نزلت. و زاد الحاكم: فما صعدت حتى الساعة. و يروى أنه كان من قوارير. رواه الطبراني و قال: خرّجه أحمد، و رواه الزرندي و الصالحاني.

ثم إن عليا أراد أن ينزل، فألقى نفسه من صوب الميزاب، تأدبا و شفقة على النبي (صلى الله عليه و سلم)، و لما وقع على الأرض تبسّم، فسأله النبي (صلى الله عليه و سلم) عن تبسمه، قال: لأني ألقيت نفسي من هذا المكان الرفيع و ما أصابني ألم، قال: كيف يصيبك ألم و قد رفعك محمد و أنزلك جبريل؟ انتهى من" تاريخ الخميس".

123

مشروعية الأذان و كيفيته‏

بمناسبة ما ذكرنا عن مبدأ المساجد و المآذن و المحاريب، يستحسن أن نذكر هنا مشروعية الأذان و مبدئه فنقول و باللّه التوفيق:

شرّع الأذان في السنة الأولى من الهجرة و قيل في الثانية، و الأذان و الإقامة من خصائص هذه الأمة الكريمة المرحومة، و للمؤذن ثواب كثير و أجر كبير، كيف لا و هو يدعو الناس لإقامة الصلوات و يدلهم على الخير، قال (صلى الله عليه و سلم): «المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة» رواه مسلم. و قال: «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن و لا إنس و لا شي‏ء إلا شهد له يوم القيامة» رواه البخاري. و قال: «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان و له ضراط حتى لا يسمع التأذين» رواه البخاري و مسلم.

جاء في كتاب «نور اليقين» للأستاذ محمد الخضري- (رحمه اللّه تعالى)- عن بدء الأذان ما يأتي:

" ... و متى حان وقت الصلاة فلا بدّ من عمل ينبّه الغافل، و يذكر الساهي، حتى يكون الاجتماع عاما، فأتمر النبي عليه الصلاة و السلام مع الصحابة فيما يفعل لذلك، فقال بعضهم: نرفع راية إذا حان وقت الصلاة ليراها الناس. فلم يرضوا بذلك لأنها لا تفيد النائم و لا الغافل، و قال الآخرون: نشعل نارا على مرتفع من الهضاب فلم يقبل أيضا، و أشار آخرون ببوق، و هو ما كانت اليهود تستعمله لصلواتهم. فكرهه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لأنه لم يكن يحبّ تقليد اليهود في عمل ما، و أشار بعضهم بالناقوس، و هو ما يستعمله النصارى، فكرهه الرسول أيضا، و أشار بعضهم بالنداء، فيقوم بعض الناس إذا حانت الصلاة و ينادي بها، فقبل هذا الرأي.

و كان أحد المنادين عبد اللّه بن زيد الأنصاري، فبينما هو بين النائم و اليقظان، إذ عرض له شخص و قال: ألا أعلمك كلمات تقولها عند النداء بالصلاة؟ قال:

بلى، فقال له: قل اللّه أكبر اللّه أكبر مرتين، و تشهّد مرتين، ثم قل حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، ثم كبّر ربّك مرتين، ثم قل لا إله إلا اللّه. فلما استيقظ توجّه إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) و أخبر خبر رؤياه، فقال: إنها لرؤيا حق، ثم قال له: لقن ذلك بلالا، فإنه أندى صوتا منك. و بينما بلال يؤذن، إذ جاء عمر يجرّ رداءه، فقال: و اللّه لقد رأيت مثله يا رسول اللّه، و كان بلال أحد مؤذنيه‏

124

بالمدينة و الآخر عبد اللّه بن أم مكتوم، و كان بلال يقول في أذان الصبح، بعد حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم مرتين، و أقره الرسول على ذلك".

انتهى المراد من «نور اليقين».

و في" تاريخ الخميس": و في هذه السنة- أي في السنة الأولى من الهجرة- شرع الأذان، قال ابن المنذر: إن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يصلي بغير أذان، منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، و كان الناس بها كما في السير و غيرها إنما يجتمعون إلى الصلاة لتحيّن مواقيتها من غير دعوة. انتهى.

أذان بلال فوق الكعبة يوم فتح مكة

قال الإمام الأزرقي في تاريخه: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، قال:

حدثنا عبد الجبار بن الورد المكي، عن ابن أبي مليكة، قال: لما كان يوم الفتح رقي بلال فأذن على ظهر الكعبة، فقال بعض الناس يا عباد اللّه ألهذا العبد الأسود أن يؤذن على ظهر الكعبة، فقال بعضهم: إن يسخط اللّه عليه هذا الأمر يغيره فأنزل اللّه عز و جل: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ الآية. و أخبرني جدي، عن محمد بن إدريس الشافعي، عن الواقدي عن أشياخه، قالوا: جاءت الظهر يوم الفتح، فأمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بلالا أن يؤذن بالظهر فوق ظهر الكعبة، و قريش فوق رؤوس الجبال، و قد فرّ وجوههم، و تغيبوا خوفا أن يقتلوا، فمنهم من يطلب الأمان و منهم من قد أومن، فلما أذّن بلال رفع صوته كأشد ما يكون، قال: فلما قال: أشهد أن محمدا رسول اللّه، تقول جويرية بنت أبي جهل قد لعمري رفع لك ذكرك، أما الصلاة فسنصلي، و واللّه ما نحب من قتل الأحبة أبدا، و لقد جاء إلى أبي الذي كان جاء إلى محمد من النبوة فردها و لم يرد خلاف قومه.

و قال خالد بن أسيد: الحمد للّه الذي أكرم أبي فلم يسمع بهذا اليوم. و كان أسيد مات قبل الفتح بيوم، و قال الحارث بن هشام: و اثكلاه، ليتني مت قبل أن أسمع بلالا ينهق فوق الكعبة. و قال الحكم بن أبي العاص: هذا واللّه الحدث الجليل أن يصيح عبد بني جمح ينهق على بنية أبي طلحة. و قال سهيل بن عمرو: إن كان هذا سخطا للّه فسيغيره اللّه. و قال أبو سفيان بن حرب: أما أنا فلا أقول شيئا، لو قلت شيئا لأخبرته هذه الحصاة. فأتى جبريل (عليه السلام) رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فأخبره خبرهم، فأقبل حتى وقف عليهم، فقال: أما أنت يا فلان فقلت كذا، و أما أنت يا

125

فلان فقلت كذا، و أما أنت يا فلان فقلت كذا، فقال أبو سفيان: أما أنا يا رسول اللّه فما قلت شيئا، فضحك رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قال أبو الوليد: و كان بلال لأيتام من بني السباق ابن عبد الدار، أوصى به أبوهم إلى أمية بن خلف الجمحي، و أمية الذي كان يعذبه، و كان اسم أخيه كحيل بن رباح. انتهى من الأزرقي.

أذان بلال بعد موت النبي (صلى الله عليه و سلم)

جاء في «تاريخ الخميس» ما نصه: قال إبراهيم التيميّ: لما توفي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أذن بلال و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لم يقبر، فكان إذا قال، أشهد أن محمدا رسول اللّه، انتحب الناس في المسجد، فلما دفن قال له أبوبكر: أذن. قال: إن كنت إنما أعتقتني لأن أكون معك، فسبيلي ذلك، و إن كنت إنما أعتقتني للّه فخلني و من أعتقتني له. قال: ما أعتقتك إلا للّه. قال: فإني لا أؤذن لأحد بعد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). قال: فذلك إليك. قال: فأقام حتى خرجت بعوث الشام، فخرج معهم، حتى انتهى إليها. و عن سعيد بن المسيب، قال: لما كانت خلافة أبي بكر تجهز بلال ليخرج إلى الشام. فقال له أبو بكر: ما كنت أراك يا بلال تدعنا على هذه الحال، فلو أقمت معنا فأعنتنا؟ قال: إن كنت إنما أعتقتني للّه عز و جل فدعني أذهب إليه، و إن كنت إنما أعتقتني لنفسك، فاحبسني عندك. فأذن له فخرج إلى الشام فمات بها. و قد اختلف أهل السير أين مات. قال بعضهم: بدمشق، و قال بعضهم: بحلب سنة عشرين، و قيل: سنة ثمان عشرة و هو ابن بضع و ستين سنة.

و في «المنتقى»: قال أبو بكر لبلال: أعتقتك، و كنت مؤذنا لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و بيدك أرزاق رسله و وفوده، فكن مؤذنا لي، كما كنت لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و كن خازنا لي، كما كنت خازنا له. فقال له. يا أبا بكر صدقت، كنت مملوكك فأعتقتني، فإن كنت أعتقتني لتأخذ منفعتي في الدنيا، فخلني أخدمك. و إن كنت أعتقتني لتأخذ الثواب من الرب، فخلني و الرب. فبكى أبو بكر، و قال: أعتقتك لآخذ الثواب من المولى، فلا أعجلها في الدنيا. فخرج بلال إلى الشام، فمكث زمانا فرأى النبي (صلى الله عليه و سلم) في المنام، فقال له: يا بلال جفوتنا، و خرجت من جوارنا، فاقصد إلى زيارتنا. فانتبه بلال و قصد المدينة، و ذلك بقرب موت فاطمة. فلما انتهى إلى المدينة، تلقاه الناس، فأخبر بموت فاطمة، فصاح، و قال: بضعة النبي. ما أسرع ما لقيت بالنبي (صلى الله عليه و سلم). و قالوا له: اصعد فأذن. فقال: لا أفعل بعدما أذنت‏

126

لمحمد (صلى الله عليه و سلم). فألحوا عليه فصعد، فاجتمع أهل المدينة، رجالهم و نساؤهم و صغارهم و كبارهم، و قالوا: هذا بلال، مؤذن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، يريد أن يؤذن لنسمع إلى أذانه. فلما قال: اللّه أكبر اللّه أكبر، صاحوا و بكوا جميعا، فلما قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه ضجوا جميعا، فلما قال: أشهد أن محمد رسول اللّه، لم يبق في المدينة ذو روح إلا بكى و صاح، و خرجت العذارى و الأبكار من خدورهن يبكين، و صار كيوم موت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حتى فرغ من أذانه، فقال: أبشركم أنه لا تمس النار عينا بكت على النبي محمد (صلى الله عليه و سلم). ثم انصرف إلى الشام، و كان يرجع في كل سنة مرة، فينادي بالأذان إلى أن مات. انتهى من «تاريخ الخميس».

فانظر رحمك اللّه تعالى، إلى حب الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم، لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، اللهم صل على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و ذريته و سلم تسليما كثيرا، و أعطه الوسيلة و الفضيلة و الدرجة الرفيعة و ابعثه مقاما محمودا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، و اجزه عنا أفضل ما جازيت نبيا عن قومه و رسولا عن أمته آمين.

عدد المؤذنين لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)

جاء في «تاريخ الخميس» في الجزء الثاني، عن عدد المؤذنين لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ما نصه: و أما مؤذنوه، عليه الصلاة و السلام، فأربعة: اثنان بالمدينة: بلال بن رباح و اسم أمه حمامة، و هو مولى أبي بكر الصديق، و هو أول من أذن لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و لم يؤذن بعده لأحد من الخلفاء، إلا أن عمر، لما قدم من الشام حين فتحها، أذن بلال، فتذكر الناس النبي (صلى الله عليه و سلم). قال أسلم، مولى عمر: فلم أر باكيا أكثر من يومئذ. و توفي بلال سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة أو عشرين بداريا، بباب كيسان، و له بضع و ستون سنة. و قيل دفن بحلب و قيل بدمشق.

و عمرو بن أم مكتوم القرشي الأعمى، و في «معالم التنزيل» اسمه عبد اللّه بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي، و كذا في «الكشاف» و زاد فيه أم مكتوم أم أبيه، هاجر إلى المدينة قبل النبي (صلى الله عليه و سلم)، و سيجي‏ء موت بلال و ابن أم مكتوم في الفصل الثاني، في الخاتمة، في خلافة عمر بن الخطاب.

و أذن له (عليه السلام) بقباء سعد بن عائذ، أو ابن عبد الرحمن المعروف بسعد القرظي و بالقرظي مولى عمار، بقي إلى ولاية الحجاج، و ذلك سنة أربع و سبعين.

127

و بمكة أبو محذورة و اسمه أوس الجمحي المكي- أبوه معير- بكسر الميم و سكون العين المهملة و فتح التحتية، مات بمكة سنة تسع و خمسين، و قيل تأخر بعد ذلك.

و كان أبو محذورة منهم، يرجع الأذان، و يثني الإقامة، و بلالا لا يرجع و يفرد الإقامة، فأخذ الشافعي بإقامة بلال، و أهل مكة أخذوا بأذان أبي محذورة و إقامة بلال، و أخذ أبو حنيفة و أهل العراق بأذان بلال و إقامة أبي محذورة، و أخذ أحمد و أهل المدينة بأذان بلال و إقامته، و خالفهم مالك في موضعين: إعادة التكبير و تثنية لفظ الإقامة. انتهى كل ذلك من «تاريخ الخميس».

جاء في «تاريخ الخميس»: و في الصفوة عن قاسم بن عبد الرحمن: أول من أذن بلال بن رباح، مولى أبي بكر، و اسم أمه حمامة، أسلم قديما، فعذبه قومه، و جعلوا يقولون له: ربك اللات و العزى. و هو يقول: أحد أحد. فأتى عليه أبو بكر، فاشتراه بسبع أواق، و قيل بخمس، و قيل بغلام أسود، فأعتقه فشهد بدرا و أحدا و المشاهد كلها مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و هو أول من أذّن لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و كان يؤذن له حضرا و سفرا، و كان خازنه على بيت ماله.

ثم جاء فيه بعد سطر: قال محمد بن إسحاق: كان أمية بن خلف يخرج بلالا إذا حميت الظهيرة في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد و تعبد اللات و العزى.

فيقول بلال، و هو على ذلك: أحد أحد. و مرّ أبو بكر يوما على أمية بن خلف، و هو يعذب بلالا، فقال لأمية: ألا تتقي اللّه عز و جل في هذا المسكين، حتى متى؟

فقال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى. فقال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود، أجلد منه و أقوى على دينك، أعطيكه به. قال أمية: قد قبلت. قال: هو لك. فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك و أخذ بلالا.

و جاء أيضا في كتاب «التراتيب الإدارية» في صحيفة 74، من الجزء الأول، عن عدد المؤذنين لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ما نصه:

في صحيح مسلم، كان لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مؤذنان، بلال و ابن أم مكتوم. و قال عياض يعني في وقت واحد. و إلا فقد كان له (عليه السلام) غيرهما، أذّن له أبو محذورة في مكة، و رتبه لأذانه، و سعد القرظ، أذن بقباء ثلاث مرات، و لكن هذان لازما الأذان بالمدينة. و قلت: و في مختصر ابن يونس الفقهي: قال ابن حبيب: و قد

128

أذن للنبي (صلى الله عليه و سلم) أربعة: بلال و أبو محذورة و ابن أم مكتوم و سعد القرظ اه بواسطة أبي الحسن على المدونة. و في «السيرة الحلبية» و أذّن بين يديه (صلى الله عليه و سلم) زياد بن الحارث الصدائي و عبد العزيز بن الأصمّ أذن بين يديه مرة واحدة. قلت: عدّ عبد العزيز بن الأصم من جملة مؤذنيه فيه ما فيه، و إن وقع لجماعة من المتأخرين، و أصله ما في مسند الحارث بن أبي أسامة، عن ابن عمر: كان للنبي (صلى الله عليه و سلم) مؤذنان:

أحدهما بلال و الآخر عبد العزيز بن الأصم، و لكن قال في «الإصابة»: هو غريب جدا، و فيه موسى بن عبيد ضعيف، ثم ظهرت لي علته، و هو أن أبا قرّة موسى بن طارق أخرج مثله، و زاد: و كان بلال يؤذّن بليل يوقظ النائم، و كان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر فلا يخطه، فظهر من هذه الرواية أن عبد العزيز اسم ابن أم مكتوم، و المشهور في اسمه عمرو، و قيل عبد اللّه بن قيس بن زائدة بن الأصم، فالأصم جد أبيه، نسب إليه في هذه الرواية. و في «شرح أنموذج اللبيب» للشمس محمد الرضي المصري المالكي، روى أصحاب السنن: أن مؤذنيه (عليه السلام) كان عددهم أربعة.

و عدهم في «نور النبراس» كذلك أربعة، ثم قال: و زيد عليهم أيضا اثنان، فصاروا ستة. و الأربعة: بلال و عبد اللّه ابن أم مكتوم و سعد القرظ و أبو محذورة أوس، و الاثنان زياد بن الحارث الصدائي فإنه أذن مرة و أقام في صلاة الصبح، و كان بلال غائبا، فأراد أن يقيم، فقال (عليه السلام) إن أخا صداء أذّن. من أذن فليقم.

و السادس عبد العزيز بن الأصمّ أذّن مرة. اه ما نقله.

قال بعضهم: كان المؤذنون في زمانه (عليه السلام) مؤذنين بلال و ابن أم مكتوم. فلما كان زمن عثمان جعلهم أربعة، و زاد الناس بعده، و روي، لما مات (عليه السلام) ترك بلال الأذان، و لحق بالشام، و لم يؤذن لأحد بعده، (عليه السلام)، و روي أنه كان يأتي كل عام المدينة لزيارته، عليه الصلاة و السلام، لما أن عاتبه، عليه الصلاة السلام، في المنام. و قال له: أنت جفوتنا يا بلال، لم لا تزورنا؟ و لما أن ذهب بلال إلى الشام، أتى بسعد القرظ. كان يؤذن بقباء، ثم صار يؤذن بمسجده، عليه الصلاة و السلام، اه راجع بقيته فيه.

(فائدة) أخرج ابن سعد و ابن أبي شيبة، عن القاسم بن عبد الرحمن: أول من أذّن، في الإسلام، بلال. و أخرجه أبو الشيخ، عن ابن عباس، و زاد: أول من أقام عبد اللّه بن زيد.

و انظر خير البشر بأذان خير البشر.

129

و في «خطط المقريزي»: قال الواقدي: كان بلال يقف على باب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، يعني بعد الأذان، فيقول: السلام عليك يا رسول اللّه. و ربما قال السلام عليك، بأبي أنت و أمي، يا رسول اللّه، حي على الصلاة، حي على الصلاة، السلام عليك يا رسول اللّه.

قال البلاذري: و قال غيره: كان يقول: السلام عليك يا رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة يا رسول اللّه. فلما ولي أبو بكر الخلافة، كان سعد القرظ يقف على بابه، فيقول: السلام عليك يا خليفة رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة يا خليفة رسول اللّه.

قلت: ظفرت بمؤذن سابع له (عليه السلام)، و هو ثوبان، فقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه، عن ثوبان مولى النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: أذّنت مرة، فدخلت على النبي (صلى الله عليه و سلم) فقلت: قد أذّنت يا رسول فقال: لا تؤذّن حتى تصبح. ثم جئته أيضا فقلت: قد أذنت. فقال: لا تؤذن حتى ترى الفجر، ثم جئته الثالثة، فقلت: قد أذنت. فقال: لا تؤذن حتى تراه هكذا، و جمع بين يديه ثم فرقهما، انظر «كنز العمال» فهذا مؤذن سابع له (عليه السلام) و قد ظفرت بمؤذن ثامن في" خطط المقريزي" جاء أن عثمان بن عفان كان يؤذن بين يدي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عند المنبر.

اه منها ص 43 من الجزء الرابع طبع مصر سنة 1326.

و لم أر من ذكر عثمان و لا ثوبان المذكور في المؤذنين، فإن معظم الأئمة اقتصر على أربعة، و منهم من عدهم خمسة، و هو المشهور لدى المتأخرين. و أما عدهم سبعة أو ثمانية، كما ذكرنا، فلم أسبق إليه و الحمد للّه. و قد نظم أسماء خمسة دون عبد العزيز بن الأصم البرماوي، فقال كما في حاشية الرهوني على الزرقاني:

لخير الورى خمس من الغر أذنوا* * * بلال ندى الصوت بدءا يعين‏

و عمرو الذي أم لمكتوم أمه‏* * * و بالقرظ أذكر سعدهم إذ بيين‏

و أوس أبو محذورة و بمكة* * * زياد الصداء نجل حارث يعلن‏

و نظمهم الشيخ التاودي ابن سودة أيضا فقال:

عمرو بلال و أبو محذورة* * * سعد زياد خمسة مذكورة

قد أذنوا جميعهم للمصطفى‏* * * نالوا بذلك رتبة و شرفا

130

«تنبيه»: أبو محذورة أمره المصطفى عليه الصلاة و السلام بالأذان بمكة عند منصرفه من حنين، فلم يزل يؤذن فيها، و بقي الأذان بمكة في نسل أبي محذورة و أولاده، قرنا بعد قرن، إلى زمن الشافعي. انظر ترجمته في تهذيب النووي. انتهى كل ذلك من كتاب «التراتيب الإدارية».

تحسين الصوت بالأذان‏

كما يسن تحسين الصوت في قراءة القرآن، يسن تحسينه في الأذان، لأن الصوت الحسن يحرك القلوب، و يوقظ النفس عن غفلتها، و يطرد الملل و السآمة عن الفؤاد. و نحن في هذه الأزمان الأخيرة أحوج ما نكون إلى ما يدفعنا إلى العمل، فالصوت الحسن في قراءة القرآن أو النداء بالأذان أو إلقاء الخطب و المواعظ و التدريس، له مفعول كبير جدا في إيقاظ النفوس و تنشيط الهمم، و كما يوجد أنكر الأصوات يوجد أرق الأصوات. و هذا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، لما أخبره عبد اللّه بن زيد الأنصاري، أن شخصا علّمه بين اليقظة و المنام كلمات الأذان، قال له: لقّن ذلك بلالا فإنه أندى صوتا منك كما تقدم بيانه.

روى مسلم عن أبي موسى الأشعري، أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال له: «يا أبا موسى لو رأيتني و أنا أستمع لقراءتك البارحة؟ فقال: أما و اللّه، لو أعلم أنك تستمع قراءتي لحبّرتها لك تحبيرا» و فيه قال عليه الصلاة و السلام: «لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود» و روى الزهري عن أبي سلمة «كان عمر إذا رأى أبا موسى، قال: ذكّرنا ربنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده».

و جاء في الصحيحين، أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قال: ما أذن اللّه لشي‏ء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن. رواه أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه.

قال شيخنا العلامة المحدّث الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي، (رحمه اللّه تعالى)، في شرحه لكتاب «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» عند هذا الحديث ما ملخّصه:

(تنبيه) يستحب تحسين الصوت بقراءة القرآن، دون تكلف، و حكى النووي الإجماع عليه لكونه أوقع في القلب، و أشد تأثيرا، و أرق لسامعه، فإن لم يكن القارئ حسن الصوت، فليحسنه ما استطاع، هذا إذا لم يخرج عن التجويد المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنه، لم يف تحسين الصوت، بسبب قبح الأداء،

131

فحكم القراءة بالتلحين أي التطريب، الكراهة عندنا معشر المالكية، كما أشار له خليل في مختصره، بقوله عاطفا على المكروهات، و قراءة بتلحين أي تطريب صوت لا يخرج عن حد القراءة، فإن خرج عن حدها حرم اتفاقا.

قال الأبّي: تحسين الصوت به غير قراءته بالألحان، فتحسين الصوت تزيينه بالترتيل و الجهر.

قال القاضي عياض: لم يختلف في أن تحسين الصوت بالقراءة مندوب إليه، و الأحاديث في ذلك محمولة على التحزين و التشويق.

و اختلف في الترجيع و قراءته بالألحان، فكرهه مالك و الأكثر لأنه خارج عن ما وضع له القرآن من الخشية و الخشوع، و أجازه أبو حنيفة و جمع من السلف، و الأحاديث في ذلك، لأنه لا يزيد النفس رقة و حسن توقع، و قاله الشافعي في التحزين. اه.

قال النووي في «الروضة»: و أما القراءة بالألحان، فقال الشافعي في «المختصر»: لا بأس بها، و في رواية مكروهة، قال جمهور الأصحاب: ليست على قولين، بل المكروه أن يفرط في المد، و في إشباع الحركات، حتى يتولد من الفتحة ألف و من الضمة واو و من الكسرة ياء أو يدغم في غير موضع الإدغام، فإن لم ينته إلى هذا الحد فلا كراهة، فإذا أفرط على الوجه المذكور، فهو حرام يفسق به القارئ، و يأثم به المستمع، لأنه عدل به عن نهجه القويم، كما قاله النووي، و غيره، و قالوا: إنه هو مراد الشافعي.

و نحن نقول: إن كل ما ذكره الأئمة الأجلاء و العلماء الفضلاء، رحمهم اللّه تعالى، في معنى مثل هذا الحديث المتقدم في حكم قراءة القرآن بالصوت الجميل الحسن، يمكن معرفته و علمه و الإحاطة به بالقارئ و السامع اللذين لهما ذوق حسن و دين و ورع ليحكما بالعدل و الاعتدال، و يميّزا بين الصوت الحسن الجميل بطبيعته، و بين التغني بالقرآن غناء، فهذا له حكم و ذاك له حكم، و في الحديث الصحيح الحلال بيّن و الحرام بيّن و بينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس ... إلخ».

و مما لا يختلف فيه الاثنان: أن كل إنسان خلقه اللّه بصفة و هيئة خاصة حتى لا يشتبه زيد بعمر «و جلّ من لا شبيه له سبحانه و تعالى» فكل إنسان خلقه اللّه إما جميلا و إما قبيحا، و جعل صوته كذلك إما حسنا جذابا و إما قبيحا منفرا، ثم القبح و الجمال يتفاوتان في الدرجات و الكيفية، فالصوت الحسن الرنّان، بطبيعة

132

الخلقة، يزداد حسنا و جاذبية، كلما ازداد صاحبه من العلم و المعرفة و حفظ أصول التجويد و القراءات، فعليه لا يمكن أن ننكر القراءة بكل صوت حسن جميل، و نقبل الصوت الخالي من التأثير في النفوس.

و كما خصّ اللّه عز و جل البشر بالوجه الحسن أو القبيح و بالصوت الحسن أو المنكر خصّ كل جنس منهم بصوت و نغم مخالف للأجناس الأخر، فمثلا، قراءة القرآن في الإذاعة بالراديو من الجنس المصري يكون بصوت و ترتيب، غير قراءته من الجنس العراقي أو الجنس المغربي أو الجنس التكروني- السوداني- أو الجنس اليمني، أو الجنس الشنقيطي أو أي جنس من الأجناس الإسلامية الذين يتكلمون باللغة العربية فقط. و هؤلاء كلهم طبعا تكون قراءتهم غير قراءة الأعجام كالفرس و الأفغان و التركستان و الهندستان و نحوهم. فكل جنس من النوعين «العربي و الأعجمي» قراءته للقرآن غير قراءة الآخر، و صوته و ألحانه غير صوت و ألحان الآخر، و أن كل جنس منهم لا بد و أن تكون مخارج حروف القرآن غير مخارج الآخر و لو بشي‏ء قليل، و أن كل جنس من هؤلاء الأجناس إذا قرأ القرآن بصوته الطبيعي، فلا بد من حدوث بعض تغيير عن قواعد علم التجويد المعروفة، لدى علماء الحجاز و مصر و غيرهم، بحكم الاضطرار و الخلقة الأصلية. فهل نحكم على كل من حسّن صوته بالقراءة أنه خرج عن القواعد، و نحكم على صفة قراءته إما بالحرمة أو الكراهة أو غير ذلك- كلا و اللّه- و هل لا يختار شريعتنا الغراء إلا الصوت الخالي و الخاوي من التأثيرات المرغبة، في الاستماع، و المجردة من كل جاذبية، تجذب النفوس و توقظ القلوب و تشرح الصدور- كلا و اللّه- كما أن شريعتنا السماوية السمحاء لا تفضل القراءة التي اتخذت للهو و التلذذ النفساني فقط، و لكن خير الأمور الوسط لا إفراط و لا تفريط.

خير الأمور الوسط الوسيط* * * و شرّها الإفراط و التفريط

و نرى أن القراءة المصرية، في الإذاعة و الراديو الآن، في عصرنا هذا، خير القراءات، و أحسنها صوتا، و أجملها وقعا في النفوس، و أشرحها للصدور و أبسطها للأرواح.

و كل ما يقال عن صفة قراءة القرآن الكريم بالصوت الحسن يقال أيضا عن الأذان للصلوات الخمس بالصوت الحسن، لما لذلك من التأثير البليغ في القلوب، و هذا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما أخبره عبد اللّه بن زيد الأنصاري أن شخصا علمه بين‏

133

اليقظة و المنام كلمات الأذان، قال له لقن ذلك بلالا فإنه أندى صوتا منك. كما تقدم بيانه.

قال الإمام النووي في «كتاب الأذكار»: (فصل): و يستحب ترتيل الأذان و رفع الصوت به، و يستحب إدراج الإقامة و يكون صوتها أخفض من الأذان، و يستحب أن يكون المؤذن حسن الصوت ثقة مأمونا خبيرا بالوقت متبرعا. انتهى منه.

و مما يناسب هذا المبحث، أن عبد اللّه ذا البجادين المزني، رضي اللّه تعالى عنه، كان رجلا صيتا. و كان يقوم في المسجد فيرفع صوته بالقرآن، فقال عمر: يا رسول اللّه، ألا تسمع إلى هذا الأعرابي يرفع صوته بالقرآن فيمنع الناس من القراءة؟ فقال: دعه يا عمر، فإنه خرج مهاجرا إلى اللّه و إلى رسوله.

و خبر إسلام و موت عبد اللّه ذي البجادين مذكور في «تاريخ الخميس» و في غيره، فإنه لما مات، نزل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في حفرته، و أبو بكر و عمر يدليانه إليه، و هو يقول: أدليا إليّ أخاكما، فلما هيأه لشقه و وضعه في اللحد قال: اللهم إني قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه. يقول عبد اللّه بن مسعود: يا ليتني كنت أنا صاحب هذه الحفرة.

و البجاد على وزن كتاب الكساء الغليظ الجافي. انتهى.

الأذان الشرعي‏

هذا العنوان أي- الأذان الشرعي- أخذناه من «مجلة الاثنين» الآتية، و فيها المقالة المذكورة و ليس هنا أذان شرعي و غير شرعي، فالأذان بمعناه و كلماته المعروفة واحد، ليس فارق فيه إلا باختلاف أصوات المؤذنين بالتحسين و غيره، و في جميع العالم الإسلامي، لا تتغير كلمات الأذان و لا تتبدل مطلقا، فإن حصل فيه تغيير بزيادة أو نقص في كلماته فلا يسمى أذانا شرعيا.

و إليك ما ذكرته «مجلة الاثنين»، التي تصدر بمصر، و هذه المقالة كانت بعنوان (الأذان الشرعي)، و مع الأسف، أننا لم نعثر على غلاف المجلة، حتى نكتب تاريخها، و رقم عددها، و ليس ذلك بمهم، و المقصود نفس المقالة المنشورة، و إليك نصها:

134

قضيت ثلاثة أيام في قرية، استمتعت فيها، بالفجر الباسم، و لم تكن تعليمات وزارة الأوقاف، عن الأذان الشرعي، قد وصلت إلى مؤذن القرية، و لهذا كان لا يزال صوته الشادي يتسلل، من نافذة غرفة النوم، و هو يعلن للمؤمنين: (الصلاة خير من النوم) و كانت أذني تتفتح لهذا الصوت الصدّاح، و هو يسري في سكون الليل، يحمل معه إلى قلبي الخشوع، و خشية اللّه.

قارنت هذا الأذان بالأذان الذي أمر به اليوم، فآمنت أن ترتيل الصلوات، في جميع الأديان، لم يكن عبثا. إن التلاوة تنفذ إلى الأذان، و أما الترتيل، بالصوت الحسن، فينفذ إلى القلب، و شتان بين أن تؤمن بسمعك، و بين أن تؤمن بقلبك ...

و قد ذكرني هذا برجل انكليزي التقيت به في إنجلترا في سنة (1950) خمسين و تسعمائة و ألف ميلادية، و قدم نفسه لي، على أنه مسلم، و حملني إثم الظن على التفكير في أنه أسلم فرارا من زوجته، و لكنه قطع علي الاسترسال في هذا الإثم، لأنه أعلمني أنه أسلم هو و زوجته و ولداه و بنته ... فقلت في نفسي: لعل قسم المخابرات أخرجه من دينه ليكون عينا من عيونه، على الأمم العربية أو رؤساء المسلمين، و رغبت في أن أخلص من التظنن و الوقوف على حقيقة إسلامه، فقص عليّ قصته فقال: كنت قد رحلت إلى القاهرة لعمل استصحبت معي عائلتي ...

و سحرتنا الأحياء القديمة فاتخذناها مقاما ... و أرقت ذات ليلة فصحوت، و سمعت مؤذنا ينادي الناس للصلاة ... و كان صوته حسنا و رخيما، و كان النغم شجيا و رهيبا ... و كلما مدّ المؤذن في ندائه للصلاة كلما شعرت برهبة و خشوع ...

و شاركتني زوجتي سماعه في الليالي التالية، التي حرصنا أن لا نضيّع منها ليلة ...

و شعرنا أن هذا المؤذن يدفعنا ليلة بعد أخرى إلى الدخول في زمرة المسلمين ... و لم نكن في حاجة إلى الإقناع، فبمجرد أن تعلمنا نظرية التوحيد في الإسلام، أسلمنا ... ثم وقفنا بعد ذلك على أسرار هذا الدين ...» و دعاني الرجل إلى بيته فرأيت أهله يقيمون الصلاة كما يقيمها فقهاء المسلمين ...

كانت لهذه القصة عبرة في نفسي لأني و أنا حدث لم أطرب لصوت مؤذن القرية، و حداني تفكيري الساذج أن أطالب «الملّا» بالمسجد أن يوقف ذلك المؤذن، و أنا أعطيه كل مصروف الشهر- و كان عشرة قروش- ليخلص الناس من صوته الأجش!.

135

«الملّا»- بضم الميم و تشديد اللام الألف-: العالم المدرس في لغة غير العرب.

و المقصود هنا إمام و خطيب المسجد.

و ضحك «الملّا» من سذاجتي، و شكاني لوالدي، و كانت (علقة) آمنت بعدها أن صوت هذا المؤذن ليس هو أنكر الأصوات!

كان الحادثان يتراقصان دائما أمامي، حتى فوجئت يوما بالأذان الجديد ... و تساءل الناس، و تساءلت لماذا لجأنا إلى هذا التجديد؟ فقيل لنا: إن هذا هو الأذان الشرعي، و إننا بقينا طوال القرون الماضية في بدعة، و كل بدعة في النار!

و القول بأن الأذان كان يؤدى بهذا الطريق الجديد في صدر الإسلام قول يمكن التأمل فيه دون نكرانه، لأنه لم يكن هناك طريق بعد لكتابة الألحان أو تصوير الأنغام ... و نحن إن رجعنا لكتاب الأغاني وجدناه وضح كيف كانت تغنى الأصوات. و قد حاول كل ملحن أن يستنبط طريقة التأدية، مما كتب في الأغاني ففشل، و ذلك لسبب واحد، هو أن تصوير اللحن لا يمكن أن يكون بالألفاظ ...

فإذا كان هذا هو الواقع، فالقول، بأن الأذان كان يؤذن منذ ألف و أربعمائة سنة على هذا الوجه، قول يتردد فيه الفكر قبل التسليم به ... و رجعت إلى أنصار هذا التغيير الجديد، فقالوا لي ... يحرم التغني في الأذان لأنه ورد في الحديث أن «الأذان جزم» أي لا مد فيه، و رجعت إلى تفسير هذا الحديث فوجدت فيه أقوالا عدة، أقربها للعقل قولهم «الأذان جزم» أي مقطوع المد، فلا تقول «اللّه أكبر» بالمد، لأنه استفهام ... ثم قالوا: إن الأذان لا ترجيع فيه، و رجعت إلى تفسير هذا، فقالوا: إن الترجيع هو أن يخفض المؤذن صوته بالشهادتين، ثم يرجع فيرفعه بهما.

و هذا هو الذي يحدث الآن، على عكس ما قال الفقهاء، و قالوا إنه لا يحل فيه (التغني) أي بتغيير كلماته بزيادة حركة أو حرف أو مد.

و كل هذا لا يتناول الأذان في طريقته الأولى، فإن الغناء له طريقته و هي ترديد المقاطع مرات عدة، بألحان مختلفة، يصحبها كثير من «الشخلعة» إذا أراد المغني إثارة عوامل المرح في السامع ... أو يصحبها كثير من الآهات الحزينة إذا أراد المغني إثارة عوامل الشجن ... و في كثير من الأحوال يلجأ المغني إلى اختيار مقاطع الكلمة الواحدة ليؤديها مرات في وقفات متعددة. و هذا التغني الذي يمتنع قطعا على المؤذن أن يفعله ... و لكن المؤذن كان يرتل الأذان كما يرتل القرآن الآن، فيأخذ بمجامع القلوب و يوحي بالخشية و الخشوع.

136

و مع كل ذلك فإني أسأل السيد وزير الأوقاف، و هو المهيمن على هذا: لقد حرم المتقدمون أخذ الأجر على الأذان و الإمامة، فلما ذا أصبحنا و ليس هناك من يؤم الناس أو يؤذن فيهم إلا أجيرا، و الذي يعين هذا الأجير هو السيد وزير الأوقاف؟ أليس هذا لأن المتأخرين رأوا أنه بمراعاة أوقات الصلاة و الاشتغال بالإمامة أو الأذان يقل اكتسابه عما يكفيه لنفسه؟

و نحن الآن لا نعيش في البادية التي يذهب فيها الصوت العادي إلى أبعد الحدود، و إنما نعيش في ضوضاء الآلة الحديثة، التي يقتضي معها أن يمد المؤذن في صوته، و ينوع نغماته و يطيل فيها، حتى يصل إلى سمع السامعين.

لقد اختار الرسول، عليه الصلاة و السلام، بلالا لصوته الحسن، و ليس لحسن الصوت من وظيفة إلا تأدية النغم، فهذا الاختيار نفسه له دلالته على وجوب تنغيم الأذان و ترتيله.

الحق أني لا أجد سندا يقنعني بوجوب هذا التغيير دعونا نعود للقديم حتى لا نحرم المؤمنين من نعمة الصوت الحسن الذي يذكرنا بخشية اللّه، و ليكن الأذان الشرعي بجوار المنبر إيذانا بحلول وقت الصلاة ...

قصة الأذان‏

و عندما هاجر النبي (صلى الله عليه و سلم) من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة «يثرب» حيث استقرت أحوال المسلمين وقويت شوكة الإسلام، و وضع أساس الدولة الإسلامية، جعل المسلمون يقيمون فرائضهم، لا يخافون أذى و لا يخشون فتنة، و كانوا يتحينون أوقات الصلاة فيجتمعون لتأديتها.

و لما كان أمرهم شورى بينهم، اجتمعوا يوما، يتباحثون في طريقة، لدعوة المصلين لأداء هذه الفريضة في أوقاتها، فاقترح بعضهم أن يوروا نارا، إذ كانت هذه العادة شائعة عند كرماء العرب، فكانوا يوقدون النار، ليسترشد بها الضال في الصحراء. و كان الكريم، الذي يوقد مثل تلك النار، يعدها من مفاخره و مساره إذا ما استرشد بها الساري، و من مأثور مفاخرهم في هذا قول بعضهم:

أوقد فإن الليل ليل قرّ* * * و الريح يا غلام ريح صرّ

لعل أن يبصرها المقرّ* * * إن جلبت ضيفا فأنت حرّ

137

قام في وجه هذا الرأي اعتراض، يوضح وجه الشبه، بين هذه النار و بين نار الفرس، التي كان لا يخمد أوارها، و التي كان يذهب الفرس للتبرك بها و عبادتها.

ثم أدلى بعضهم بفكرة أخرى و هي: أن يوضع بوق ينفخ فيه فيسمعه المسلمون و هنا ... «كقرن اليهود» و قال ثالث «أو لا تتخذون ناقوسا يسمعه القاصي و الداني» فقال آخر «كناقوس النصارى» و تعددت الآراء ... و لم بيت في هذه المسألة، و افترق القوم.

و في اليوم الثاني اجتمعوا بالنبي (صلى الله عليه و سلم)، و جاء عبد اللّه بن زيد و قصّ على رسول اللّه رؤياه في ليلته، و هي أنه سمع أذانا يدعو للصلاة، فصدقه و أمره بالأذان ففعل، فلما سمع عمر الصوت، و كان منتحيا ناحية من المسجد، أقبل على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قال: «أو لا تبعثون رجلا آخر يصلح له»، فلما فرغ عبد اللّه بن زيد من أذانه، قال له رسول اللّه: «قم مع بلال فألقها عليه فليؤذن بها، فإنه أندى صوتا منك».

و لقد جاء في صحيح البخاري و في تفسيره عن هذه الرواية صفحة (78) الجزء الأول ما يؤيد ذلك، و هذا نصه:

«حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريح، قال:

أخبرني نافع أن ابن عمر كان يقول: كان المسلمون، حين قدموا المدينة، يجتمعون فيتحينون الصلاة، ليس ينادى لها، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا، مثل ناقوس النصارى، و قال بعضهم: بل بوقا، مثل قرن اليهود، فقال عمر: أو لا تبعثون رجلا ينادي الصلاة؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): يا بلال قم فناد بالصلاة».

فنزلت الآية الكريمة: وَ إِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَ لَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ‏ ثم أسفر النداء و نزلت فيه الآية الكريمة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.

و كان يسمع الأذان في المدينة، خمس مرات في اليوم، يدعو للصلاة في أوقاتها، .... يرتل الأذان ترتيلا حسنا و بصوت جميل.

138

و ليس للصلاة- غير المفروضة- أذان، فلقد جاء في كتاب «الوجيز في فقه الإمام الشافعي» للإمام الغزالي: «و لا أذان في غير مفروضة، كصلاة الخسوف، و الاستسقاء، و صلاة الجنازة، و العيدين، بل ينادى لها: الصلاة جامعة».

و للأذان فضل كبير في التخلص من الشيطان و من شره، فقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان حتى لا يسمع التأذين فإذا قضى النداء أقبل ... إلى نهاية الحديث».

و له فضل عظيم في حقن الدماء، فلقد كان النبي (صلى الله عليه و سلم) إذا غزا قوما لم يكن يغزوهم حتى يصبح و ينظر، فإن سمع أذانا كف عنهم و إن لم يسمع أغار عليهم.

و لقد جاء في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك أنه قال: «خرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلا، فلما أصبح و لم يسمع أذانا ركب و ركبت خلف أبي طلحة، و إن قدمي لتمس قدم النبي (صلى الله عليه و سلم)، قال: فخرجوا إلينا بمكاتلهم و مساحيهم فلما رأوا النبي (صلى الله عليه و سلم) قالوا: محمد و اللّه محمد و الخميس، قال فلما رآهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال:

اللّه أكبر، اللّه أكبر. خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين.

و لما كان للغناء أثره، و للصوت الجميل وقعه في القلوب، رؤي من القديم أن يكون المؤذن حسن الصوت، جميله، ليكون أدعى إلى أن يستمع إليه الناس، و لا ينفرون من سماعه. و لقد جاء في كتاب" الوجيز" للإمام الغزالي، في صفة المؤذن ما يأتي:

" و يشترط في المؤذن أن يكون مسلما عاقلا ذكرا، فلا يصح أذان كافر أو امرأة أو مجنون أو سكران مخبط. و يصح أذان الصبي المميز، و ليكن المؤذن صيتا حسن الصوت ليكون أرق لسامعه".

و جمال الصوت في الأذان يرجح صاحبه، حتى أن النبي (صلى الله عليه و سلم) رجّح أذان بلال على أذان عبد اللّه بن زيد، و الصوت النكير يزري بصاحبه، فلقد سمع عمر بن عبد العزيز رجلا يؤذن بصوت أجش فقال له: «أذن أذانا سمحا و إلا فاعتزلنا».

و لليل في سكونه و هدوئه عظمته، و للمؤذن في مأذنته جلاله و روعته، يبعث الصوت بأعذب الألحان و أشجى النغمات بأطيب الدعوات و الصلوات، فيحملها النسيم إلى الأسماع، و يرددها الفضاء، فتبعث النشاط في الأبدان، فتقوى على الإيمان، و توقن بأن الصلاة خير من النوم، فتهب من رقادها و تهرع إلى المساجد تؤدي الفرائض.

139

و ليس أدلّ على ما للصوت الجميل، في الأذان، من عظيم الأثر، في النفوس، و الحث على التقوى، و الصلاح و العبادة، من أن تستمع الأذان، بعد منتصف الليل، من على مآذن المساجد الكبيرة، فإن ذلك يبعث في نفسك روعة الحق و جلال الإيمان.

المؤذنون و المؤقتون في المسجد الحرام اليوم‏

المؤذنون و المكبّرون في المسجد الحرام يبلغ عددهم اليوم اثنين و عشرين شخصا، و رئيس المؤذنين في وقتنا الحاضر هو الشيخ الفاضل يعقوب بن يوسف شاكر و يبلغ من العمر نحو السبعين.

و قد اختص بالأذان في المسجد الحرام منذ مائتي سنة خمس عوائل و هم: عائلة شاكر، و عائلة البصنوي، و عائلة بدر، و عائلة جودة، و عائلة البصمجي.

أما التوقيت بالمسجد الحرام، أي معرفة دخول وقت الصلوات الخمس للأذان، سواء كانت بواسطة المزولة أو الساعة الزمنية، فيختص به بيت «الريّس» فقط بفتح الراء و كسر الياء المشددة.

و القائمون اليوم بالتوقيت من بيت الريس رجلان هما: الشيخ رضوان بن عبد السلام الريس، و الشيخ أسعد بن عبد السلام الريس.

فإذا دخل وقت الصلاة أذن أحدهما على سطح زمزم قبل هدم المكان الذي كان على بئر زمزم، أو في المكبرية المعمولة الآن فيتبعه كافة المؤذنين على مآذن المسجد الحرام، أما الآن فالمؤذن واحد و يسمع في كافة المكان بواسطة المذياع، كما أنهما كانا ممن يقيمون للصلوات بعد الأذان.

جاء في هامش تاريخ الأزرقي في صحيفة 78، من الجزء الثاني منه، ما يلي:

و كان رئيس المؤذنين يؤذن في منارة باب العمرة في زمن الفاكهي، و يتبعه سائر المؤذنين.

ثم صار رئيس المؤذنين في زمن الفاسي يؤذن، في منارة باب السلام، ثم صار يؤذن الأوقات الخمسة على قبة زمزم إلى هذا اليوم. انتهى منه.

نقول: و الفاكهي المذكور، هو أبو عبد اللّه محمد بن إسحاق الفاكهي، توفي في أواخر القرن الثالث أي في سنة (280) تقريبا، و له في تاريخ مكة، مؤلف قيّم،

140

عليه و على تاريخ الأزرقي يعتمد المؤرخون في نقل الأخبار. و تاريخ الفاكهي توجد منه نسخة في بعض خزائن أوروبا، و تاريخ الأزرقي مطبوع طبع مكة، و أما الفاسي، فهو تقي الدين محمد بن أحمد بن علي الفاسي المكي، توفي في الثلث الأول من القرن التاسع أي في سنة (832) و له في تاريخ مكة كتاب جليل عظيم الفائدة اسمه «شفاء الغرام» و قد طبع قريبا.

الكعبة المشرفة

درج الكعبة الخارجية الموصلة إلى بطنها

لما بنت قريش الكعبة، قبل البعثة بخمس سنوات، جعلوا باب الكعبة المشرفة مرتفعا عن الأرض حتى لا تدخلها السيول، و لا يدخلها إلا من أرادوا، و كان بابها قبل ذلك ملتصقا بالأرض.

و لما كان باب الكعبة، يعلو عن الأرض، بنحو مترين، و ليس عليه درجة مبنية من الخارج، فإنه لا يمكن طلوعها إلا بمرقاة، و هي الدرج أو السّلّم. و المرقاة إليها نوعان في عصرنا الحاضر: نوع يشبه السلّم الصغير يرقى منه إلى الكعبة شخصا شخصا، و هذا السلم يستعمل بعد افتتاح الكعبة، بصفة خاصة، فلا يسمح بالدخول فيها، إلا لقليل من الناس. و نوع يشبه الدرج يرقى منه إليها جماعات جماعات، و يوجد من هذا النوع مدرّجان بجوار بئر زمزم، فإذا فتحت الكعبة لعموم الناس دفعوا أحدهما، حتى يسندوه إلى باب الكعبة، فيشتد الزحام في الصعود عليها، لكن أحد هذين النوعين قد تلف فلم يبق له من أثر كما سيأتي بيانه.

فدرجة الكعبة الخارجية من النوعين معمول من الخشب السميك القوي، و هو يشبه منابر المساجد غير أن هذه ثابتة في مكانها، و المدرّج يتحرّك بعجلات تحته، فيدفع من محله إلى أن يسند إلى باب الكعبة، فيطلع الناس عليها، فإذا أغلق بابها، يدفع المدرّج ثانيا، حتى يصل إلى محله الأول. و نحن هنا نذكر عدد مدرّج الكعبة من عهد الإمام الأزرقي إلى اليوم و هو كما يأتي:

(1) قال الغازي (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه، نقلا عن الإمام الأزرقي، أنه قال:

طول درجة الكعبة، التي يصعد عليها الناس إلى بطن الكعبة، من الخارج، ثماني‏

141

أذرع و نصف، و عرضها ثلاثة أذرع و نصف، و فيه من الدرج ثلاث عشرة درجة و هي من خشب الساج اه.

(2) و قال أيضا، نقلا عن الطبري، في الإتحاف: أن في سنة ثماني عشرة و ثمانمائة أرسل المؤيد الجركسي منبرا حسنا إلى المسجد الحرام، و درجة يصعد عليها إلى الكعبة، و وصل ذلك في الموسم اه.

(3) و قال أيضا نقلا عن السنجاري، في «المنائح»: و في شهر رمضان سنة ألف و سبع و تسعين جدد شيخ الحرم درجة الكعبة، و جعل لها حاجزا من خشب، و كان أول الدخول عليها يوم الجمعة سادس عشر رمضان. اه.

نقول: إن شيخ الحرم المذكور، في ذلك العهد، اسمه أحمد باشا، فهو شيخ الحرم و والي جدة من قبل الدولة التركية.

(4) و قال أيضا: نقلا عن «إتحاف فضلاء الزمن» ما ملخصه: أرسل من الهند حسين حميدان درجة للكعبة، فوصلت إلى جدة عام ستة عشر و مائة و ألف، فامتنع عن قبولها والي جدة سليمان باشا، و قال: لا أركبها على الكعبة. فبقيت بجدة إلى سنة سبع و عشرين و مائة و ألف فاشتراها محمد باشا المعمار، والي جدة، و بعث بها إلى مكة، فركبوها على الكعبة في يوم الخميس رابع عشر جمادى الآخرة من السنة المذكورة، و رفعوا الدرجة التي كانت قبلها و التي عملها أحمد باشا. ثم في يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الآخرة، أمر الشريف برفع الدرجة، التي بعثها محمد باشا المعمار، و إعادة الدرجة القديمة، التي كانت قبلها، لعدم استئذان السلطنة التركية، و استئذان الشريف، فحفظت في بيت الشيخ عبد القادر الشيبي ثم أرسلوا يستأذنون السلطان في تركيبها. و في افتتاح سنة اثنين و ثلاثين و مائة و ألف أعادوا الدرجة الأولى، التي أرسلها محمد باشا المعمار، و رفعوا القديمة. و قد أمر إبراهيم باشا، والي جدة، بتلوينها و زخرفتها. انتهى ملخصا.

(5) و قال الغازي أيضا في تاريخه: أرسل إلى مكة نوّاب مدارس محمد منوّر خان بالهند، درجة للكعبة من خشب الساج، و ذلك في سنة أربعين و مائتين و ألف و فيها إحدى عشرة درجة. انتهى.

نقول: هذه الدرجة لا تزال إلى اليوم موجودة بالمسجد الحرام، يصعد الناس عليها، عند دخولهم الكعبة المعظمة، و محل هذه الدرجة بجوار جدار بئر زمزم، من جهة مقام إبراهيم، عليه الصلاة و السلام، و عليها اسم راسلها و التاريخ المذكور.

142

و عرض هذا المدرج متران و ارتفاعه عن الأرض إلى سطح الدرجة العليا متران أيضا، و طوله خمسة أمتار. و قد تطرق الخلل في هذا المدرّج، و ظهر فيه القدم، و أصلح مرارا، فقد مرت عليه مائة و أربعون سنة، و لا يزال مستعملا إلى يومنا.

(6) و قال الغازي أيضا نقلا عن كتاب «أخبار الصناديد» للشيخ نجم الغني بن عبد الغني، نلخصه فيما يأتي: أرسل إلى مكة نوّاب رامفور كلب عليخان،- و رامفور بلدة بين دلهي و حيدر أباد بالهند- درجة للكعبة المشرفة. من خشب.

و ذلك سنة ثلاثمائة و ألف. و فيها أربع عشرة درجة، لكن لم تستعمل إلا بعد استئذان الدولة العلية التركية، و كانت مخصوصة لصعود النساء إلى الكعبة يوم نوبتهن ثم ترك استعمالها بتاتا. و كانت هذه الدرجة مصفحة بألواح الفضة، و قد بلغت قيمتها، بما فيها من الفضة، (85364) خمسة و ثمانين ألفا و ثلاثمائة و أربع و ستين روبية هندية. اه.

نقول: إن صرف هذا المبلغ الكبير، في عمل مدرّج للكعبة المشرفة، أمر لا يستهان به، خصوصا إذا عرفنا أن قيمة الفضة، في ذلك الزمن، كانت مرتفعة و هذا المدرّج، كان موجودا، إلى ما بعد سنة (1365) ثم حصل فيه تلف و خراب، فتصرّف آل الشيبي في فضته و خشبه فلم يبق له اليوم من أثر، و كان محلّه بجوار المدرّج السابق.

(7) و في ابتداء الشروع في توسعة المسجد الحرام، أي في أوائل سنة خمس و سبعين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة، أمر جلالة الملك سعود بن عبد العزيز آل السعود، ملك المملكة العربية السعودية، أدام اللّه توفيقه، بعمل مدرّج فخم لائق بمكانة بيت اللّه العظيم.

فعمل هذا المدرج بمصر القاهرة، من الخشب القوي المتين، الملبس بصفائح الفضة المزركشة، و فيه من النقوش العربية المذهبة ما يبهر الناظر، فوصل هذا المدرج أو الدرج، أو بعبارة أخرى «السلم» من مصر إلى مكة المشرفة، في يوم الأربعاء خامس ذي الحجة سنة (1376) ألف و ثلاثمائة و ست و سبعين من الهجرة.

و في صباح يوم الخميس سادس ذي الحجة من السنة المذكورة، استعمل هذا المدرج لأول مرة من صنعه، فصعد عليه جلالة مليكنا المعظم، و معه بعض رؤساء

143

الوفود القادمة من أنحاء العالم الإسلامي لأداء فريضة الحج، فدخلوا الكعبة المشرفة و قاموا بغسلها ثم خرجوا.

و المدرج المذكور يشتمل على اثنتي عشرة درجة، و هو بديع الصنع، جميل المنظر، يعدّ تحفة نادرة، و آية من آيات الرسم و الزخرفة.

درج الكعبة الداخلية الموصلة إلى سطحها

تقدم أن بناء إبراهيم، عليه الصلاة و السلام، الكعبة لم يكن بالطين و لا بالنورة و لا بالجصّ، بل كان بالرضم حجارة بعضها فوق بعض، و لم يكن لها سقف و لا باب يقفل، فما دام البناء على هذه الصورة لا سقف للكعبة، فلا تحتاج إلى عمل درجة للصعود إلى سطحها.

فلما كان قصي بن كلاب الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه و سلم) و بنى الكعبة، جعل لها سقفا من خشب الدوم، و جريد النخل، و ذلك قبل ولادته، عليه الصلاة و السلام، بنحو مائة و خمسين سنة. ثم صارت بعده بلا سقف إلى أن بنتها قريش.

فلما بنتها قريش سقفتها بخشب الدوم، و جريد النخل أيضا، و بنتها بالطين، و لا يزال إلى اليوم، بناء بعض البيوت بالحجاز، تسقف بجريد النخل و جذوعه، و جعلوا درجة من الخشب، في بطنها من الركن الشامي، يصعد منها إلى ظهرها.

و كان بناؤهم لها قبل البعثة بخمس سنين على الأشهر، أي بعد ولادة النبي (صلى الله عليه و سلم) بخمس و ثلاثين سنة.

ثم لما بنى عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه تعالى عنهما، الكعبة سنة أربع و سبعين من الهجرة، جعل في داخلها درجة، في ركنها الشامي، على يمين الداخل يصعد فيها إلى سطحها، جعلها من خشب معرجة.

فلما هدم الحجاج بن يوسف الثقفي ما زاده ابن الزبير في الكعبة، من جهة حجر إسماعيل، كان من ضمن ما هدم الدرجة التي بناها ابن الزبير في تلك الجهة، فلما بناها الحجاج بنى أيضا درجة في باطنها، في ركنها الشامي، على يمين من دخلها أيضا. و قد بقيت عمارة الحجاج للكعبة، إلى زمن السلطان مراد الرابع،

144

ففي عهده هدمت من أثر السيل الكبير، الذي دخل المسجد الحرام، فبناها بناية جديدة محكمة سنة ألف و أربعين من الهجرة و هي العمارة الموجودة في زماننا هذا.

فاعلم مما تقدم، أن عمل الدرجة الداخلية للكعبة، كان منذ عمل السقف لها لأول مرة، كما هو المعقول، و أن موضع درجتها هو الركن الشامي، على يمين الداخل فيها، منذ بناء قريش الكعبة إلى الآن.

و لقد وصف الإمام الأزرقي، المتوفى في منتصف القرن الثالث الهجري، في تاريخه، درجة الكعبة الموصلة لسطحها التي كانت موجودة في زمانه فقال:

و في الكعبة، إذا دخلتها على يمينك درجة، يظهر عليها إلى سطح الكعبة، و في مربعة مع جدري الكعبة، في زاوية الركن الشامي منها، داخل في الكعبة من جدرها، الذي فيه بابها، ثلاثة أذرع و نصف، و ذرع الجدر الآخر الذي يلي الحجر ثلاثة أذرع و نصف، و ذرع باب الدرجة في السماء ثلاثة أذرع و نصف، و ذرع عرضه ذراع و نصف، و بابها ساج فرد أعسر، و هو في حد جدار الكعبة، و كان ساجه باديا ليس عليه ذهب و لا فضة، حتى أمر به أمير المؤمنين، المتوكل على اللّه، فضربت على الباب صفائح من فضة، و جعل له غلق من فضة، في المحرم سنة سبع و ثلاثين و مايتين.

و على الباب ملبن ساج، ملبس فضة، و في الباب حلقة فضة، و على الباب قفل من حديد في الملبن، الذي يلي جدار الكعبة، و باب الدرجة عن يمين من دخل الكعبة مقابله، و طول الدرجة في السماء من بطن الكعبة عشرون ذراعا، و عدد أضفارها ثمانية و أربعون ضفرا، و فيها ثمان مستراحات، و عرض الدرجة ذراع و أربع أصابع، و في الدرجة ثماني كواء داخلة في الكعبة، منها أربع حيال الباب، و أربع حيال الأسطوانة، التي تلي الجدر الذي يلي الحجر، و على بابها، الذي يلي سطح الكعبة، باب ساج طوله ذراعان و نصف، و عرض ذلك الباب ذراعان.

انتهى من الأزرقي.

و يظهر من الكلام الآتي، أن درجة الكعبة، التي كانت من عمل الحجاج الثقفي، و التي كانت موجودة في زمن الأزرقي قد تلفت و غيّروها بأخرى، فقد قال الغازي في تاريخه: و من ذلك ما ذكره السنجاري في حوادث سنة تسع و مائة و ألف: و لما كان يوم الخميس، سادس محرم منها، طلع مولانا الشريف و القاضي المتولي في هذه السنة، و جماعة من الفقهاء، و حضرة البيك صاحب جدة، و أشرفوا

145

على سطح الكعبة، و حقق المهندسون خراب السقف، عند القاضي، بموجب الأمر الوارد من الأبواب، و لما كان يوم الأحد، ثالث عشر محرم، شرعوا في إصلاح سقف الكعبة فأخرجوا السقف المنكسر، و ظهر أن الدرجة الصاعدة إلى السطح محتاجة إلى التعمير، فاستمر العمل فيها و غيروا الدرجة، و جعلوا فيها سبع درج رخام، و الباقي من خشب الساج، و فرغوا منها أوائل ربيع الأول، و ذبح صاحب جدة، يوم فراغ العمارة، نحوا من أربعين شاة، و فرقها على المساكين، و فرق شيئا من الدراهم على فقهاء المكاتب بالحرم و بعض الفقراء. انتهى من تاريخ الغازي.

عدد درج الكعبة التي بداخلها

لقد أحصينا بأنفسنا درج الكعبة، التي في بطنها، الموصلة إلى سطحها، في يوم تغيير سقف الكعبة، و ذلك في اليوم الثامن عشر من شهر رجب سنة (1377) سبع و سبعين و ثلاثمائة و ألف هجرية، فكان عدد الدرج خمس و ثلاثون درجة، بعضها من المرمر، و بعضها من الخشب، فعدد الدرج المرمر ثلاث عشرة درجة، و ما بعدها من الدرج إلى سطحها، فكلها من الخشب الساج القوي الغليظ، و عدد هذه الدرجات الخشبية اثنتان و عشرون درجة. و يختلف عرض الدرج، فبعضها ثلاثة و ستون سنتيمترا، و بعضها خمسة و ستون، و بعضها سبعون، و بعضها خمسة و سبعون سنتيمترا. و أما ارتفاع الدرج فمختلف أيضا، فبعضها 24 سنتيمترا، إلى 35 سنتيمترا.

لذلك كان محل الدرج ضيقا، فلا يمكن الصعود عليها، إلا رجلا رجلا، و لا لزوم إلى توسعتها، لندرة الصعود عليها، فلا يصعد عليها إلا مرة واحدة في كل عام، و ذلك لإلباس الثوب على الكعبة وقت الحج، أو إذا احتاج الأمر إلى إصلاح شي‏ء فوق السطح.

و صفة درجها تختلف عن صفة درج المنارة، فدرج المنارة حلزونية و دائرة عليها من أعلاها إلى أسفلها، و أما درج الكعبة، فإنك تطلع، على كل بضعة من الدرج باستقامة واحدة، ثم تلفّ قليلا و تصعد باستقامة معتدلة أيضا بضعة درج أخرى، و هكذا حتى تصل إلى سطحها.

و في الدرج درابزين من الخشب، من بعد البسطة الثالثة إلى السطح، لحفظ الصاعد من الوقوع، و لهذا الدرج باب من داخل الكعبة بمصراع واحد «أي درفة

146

واحدة» يسمونه الناس باب التوبة، و على هذا الباب قفل عادي، و مغطى بستارة تشبه ستارة باب الكعبة من الخارج، و على فتحة هذه الدرج، التي هي فوق السطح، غطاء محكم من المعدن، و ذلك لسدّ الفتحة، صيانة من نزول ماء المطر منها إلى داخل الكعبة.

و قبل الوصول إلى السطح من الدرج المذكورة، بنحو قامة، توجد فتحتان صغيرتان: إحداهما أمام الصاعد و الأخرى على يساره، و لكل منهما باب صغير من الخشب، و الفتحتان تدخلان إلى ما بين سقفي الكعبة.

اللهم اعف عنا و اغفر لنا و ارحمنا و نجنا من النار، و ارفع درجاتنا في الدنيا و الآخرة، و نسألك اللهم الدرجات العلا في الجنة و نعوذ بك من النار بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين، و صلى اللّه على نبينا «محمد» و على آله و صحبه و سلم.

وصف درج الكعبة في عصرنا

درج الكعبة الداخلية الموصلة إلى سطحها، واقعة في الركن، الذي على يمين الداخل للكعبة، أي في الركن الشمالي مما يلي باب الكعبة، و هذه الدرج محجوبة في البناء، غير ظاهرة، و لها باب عليه قفل خاص يقفل و يفتح، و ليس فيها شباك أي طاقة و لا منفذ، لذلك صارت الدرج ظلاما، يحتاج الصاعد إلى سطح الكعبة، إلى السراج و الضوء، و مسبل على باب الدرج، ستارة حريرية جميلة، مكتوبة و منقوشة بالذهب و الفضة.

فالدرج مبنية على أربعة جدران، اثنان منها هما أصل جدار الكعبة و هما:

جدار وجه الكعبة، و جدار حجر إسماعيل، و الجداران الآخران، مبنيان للدرج، من داخل الكعبة، من أرضها إلى سطحها، فعرض الجدار الأول من هذين الجدارين، الذي فيه باب الدرج، متران و خمسة و عشرون سنتيمترا، و عرض الجدار الثاني المتصل به، متر واحد و نصف متر.

و قد أخذنا هذا القياس حينما تشرّفنا بدخول بيت اللّه الحرام في صباح يوم الجمعة الموافق للتاسع و العشرين من شهر جمادى الأولى سنة (1377) سبع و سبعين و ثلاثمائة و ألف هجرية، نسأل اللّه تعالى عفوه و عافيته و غفرانه و رحمته‏

147

و فضله و إحسانه، إنه بعباده لطيف خبير، و بإجابة دعائهم و قبول تضرعهم لجدير.

و صلى اللّه على النبي الأمي «محمد» و على آله و صحبه و سلم.

روازن الضوء في سطح الكعبة

لم يكن في سقف الكعبة قبل بناء ابن الزبير، رضي اللّه تعالى عنهما، روازن، فلما هدمها و بناها من جديد، جعل فيها أربع روازن، يدخل الضوء منها لجوف الكعبة المشرفة، و الروازن جمع روزنة بفتح الراء و الزاي و هي الكوّة، و هي معرّبة كما في مختار الصحاح.

قال الأزرقي في تاريخه: قال أبو الوليد: و في سقف الكعبة أربع روازن: منها روزنة حيال الركن الغربي، و الثانية حيال الركن اليماني، و الثالثة حيال الركن الأسود، و الرابعة حيال الأسطوانة الوسطى، و هي التي تلي الجدار بين الركن الأسود و الركن اليماني. و الروازن مربعة، في أعلاها رخام يماني، يدخل منه الضوء إلى بطن الكعبة. انتهى من تاريخ الأزرقي.

و قال أيضا في موضع آخر: و في سقف الكعبة أربع روازن نافذة من السقف الأعلى إلى السقف الأسفل، و على الروازن رخام كان ابن الزبير أتى به من اليمن من صنعاء يقال له البلق، و بين السقفين فرجة. انتهى منه.

و البلق بفتحتين سواد و بياض و كذا البلقة بضم الباء و سكون اللام كما في مختار الصحاح.

نقول: و هذه الروازن الأربعة كانت باقية في سطح الكعبة إلى سنة (843) ثلاث و أربعين و ثمانمائة، ففي هذه السنة المذكورة، عمل الأمير سودون المحمدي، بأمر الملك الأشرف برسباي، بعض تعميرات في المسجد الحرام، و في الكعبة المشرفة، فأصلح حجارة داخل الكعبة، و أخرج الروازن الأربعة من السطح، التي كانت تستعمل للضوء، و سدّ محلها من السطح، حتى لا يدخل شي‏ء من المطر إلى جوفها، و جدد سقف الكعبة، فلم يبق بعد ذلك أثر مطلقا للروازن الأربعة إلى اليوم، و قد انتهى من عمل التعميرات و الإصلاحات في اليوم الثاني عشر من شهر صفر من السنة المذكورة. و قد ذكر هذا في كتاب «تاريخ الكعبة المعظمة» بصحيفة (235)، و في كتاب «الجامع اللطيف» لابن ظهيرة القرشي بصحيفة (48).

148

نقول: و ليس في سطح الكعبة اليوم روازن تضي‏ء جوف الكعبة مطلقا، ما عدا روزنة واحدة «أي فتحة واحدة» بجهة الميزاب فوق درجتها الداخلية، و لها غطاء محكم، تفتح عند الصعود من الدرجة إلى السطح، فلا يدخل منها الضوء و لا المطر داخل الكعبة؛ لأنها لم تجعل لذلك و إنما جعلت منفذا للسطح فقط.

الأعمدة الثلاثة التي بداخل الكعبة

مما لا يخفى أن الأعمدة توضع في داخل البيوت أو الغرف لحمل سقوفها، و بيت اللّه الحرام لما بناه إبراهيم عليه الصلاة و السلام، لم يجعل له، سقفا، لأنه بناه بالرضم أي حجارة بعضها فوق بعض، بدون طين و لا نورة، و لم يكن له باب أيضا. إذا ما دامت الكعبة في عهده لا سقف لها فلا تحتاج إلى أعمدة في داخلها.

فلما بنتها قريش و سقّفتها سقفا مسطحا. جعلوا فيها ست دعائم في صفين، في كل صف ثلاث دعائم، من الشق الشامي، الذي يلي حجر إسماعيل (عليه السلام)، إلى الشق اليماني لتحمل سقفها، و نقصوا من عرضها، من جهة حجر إسماعيل، ستة أذرع و شبرا، لقلة النفقة الحلال، التي جمعوها لعمارتها، و جعلوا ارتفاع الكعبة، من خارجها، من الأرض إلى أعلاها، ثمانية عشر ذراعا، و كانت قبل ذلك تسعة أذرع، و رفعوا بابها عن الأرض أربعة أذرع و شبرا، ثم كسوها و جعلوا لها سلّما يصعد عليه إلى بطنها، كما ذكره الإمام الأزرقي.

فلما بنى الكعبة عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه عنهما، بناها على أساس إبراهيم عليه الصلاة و السلام، فجعلها عريضة، أي زاد من جهة حجر إسماعيل ستة أذرع و شبرا، و هذا المقدار كانت نقصته قريش، حين بناء الكعبة، و زاد في ارتفاعها من الأرض إلى أعلاها تسعة أذرع، فصار ارتفاعها سبعة و عشرين ذراعا، و جعل لها بابين لاصقين بالأرض: أحدهما للدخول و الآخر للخروج، و جعل ابن الزبير في الكعبة ثلاث دعائم فقط في صف واحد، و كانت قريش في الجاهلية جعلت فيها ست دعائم في صفين كما ذكرنا ذلك. و لا ندري لماذا لم يجعل ابن الزبير، رضي اللّه عنهما، في الكعبة ست دعائم في صفين كما جعلتها قريش، بل كان المعقول أن يجعل فيها ثمان دعائم، لأنه زاد في بنايته لها ستة أذرع و شبرا، من جهة الحجر، فهذه الزيادة كانت تحتاج إلى وضع دعامتين. اللّه تعالى أعلم بذلك. و ربما كان سبب وضع ثلاث دعائم داخل الكعبة لقوة البناء و متانته، فقد قيل: إنه بناها،

149

رضي اللّه عنه، بالرصاص المذاب، و أما قريش فبنتها بالطين، و كانت قبل ذلك مبنية بالرضم.

قال صاحب الرحلة الحجازية: و بوسط الكعبة من الداخل ثلاثة أعمدة من العود القاقلي، عليها مقاصير، تركز على حائط الميزاب، من جهة، و حائط الحجر الأسود من أخرى، و قطر كل عمود نحو ثلاثين سنتيمترا، و هذه الأعمدة من زمن عبد اللّه بن الزبير، و قيمتها أكبر من أن يقدر لها ثمن. انتهى.

و معنى العود القاقلي: أي من عود الهيل، و الهيل: حب عطري حجمه كحجم حب البنّ و هو يطبخ معه في القهوة في الحجاز و يوضع في الطعام، و يمضغه الناس لطيب النكهة، و يسمونه بمصر «حبّهان» و بعضهم يسميه حب الهال، و لما كان الهيل من العطريات فإن عود شجره يكون ثمين جدا.

و قال الغازي: و في تذكار الحجاز للشيخ عبد العزيز صبري: إن في داخل الكعبة ثلاثة أعمدة من العود الماوردي، قطر الواحد منها 25 سنتيمترا، و هي منصوبة صفا واحدا، في وسط البيت من الشمال إلى الجنوب. انتهى.

نقول: إن ما ذكره صاحب كتاب الرحلة الحجازية، و صاحب كتاب تذكار الحجاز، من أن الثلاثة الأعمدة الموجودة اليوم بداخل الكعبة و التي وضعها عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه تعالى عنهما، من العود القاقلي أو من العود الماوردي، قد يكون غير صحيح، و بعيد الاحتمال، في نظرنا، و ذلك لأمرين:

الأول: من أين يستحضر ابن الزبير هذه الأعمدة العطرية؟ و لا توجد إلا في بلاد الهند، و لم تكن سبل المواصلات في ذلك الزمن سهلة كما هي في عصرنا.

و الثاني: لا نعلم هل لشجرة القاقولة «الهيل» أو لأشجار الورد أغصان و أصول غليظة طويلة بحيث يمكن استخراج الأعواد منها للسقوف أم لا، و الظاهر أن أشجارهما قصيرة. و اللّه تعالى أعلم.

و لقد توهم صاحبا الكتابين المذكوين فظنا أن تلك الأعمدة الثلاثة من العود القاقلي أو العود الماوردي لما لها من الرائحة الزكية، و أما علمنا فإن هذه الرائحة مكتسبة من كثرة تعطير الكعبة المشرفة، من داخلها و خارجها، و اللّه تعالى أعلم بالصواب.

150

و لقد ذكر الإمام الأزرقي، (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه، ذرع ما بين هذه الأعمدة الثلاثة التي سماها بالأساطين، فقال فيه ما نصه:

و ذرع ما بين الجدار، الذي يلي الركن الأسود و الركن اليماني، إلى الأسطوانة الأولى، أربعة أذرع و نصف، و ذرع ما بين الاسطوانة الأولى إلى الأسطوانة الثانية، أربعة أذرع و نصف، و ذرع ما بين الأسطوانة الثانية إلى الأسطوانة الثالثة أربعة أذرع و نصف، و ذرع ما بين الأسطوانة الثالثة إلى الجدار الذي يلي الحجر ذراعان و ثماني أصابع، و بين الأساطين من المعاليق سبعة و عشرون معلاقا، و المعاليق في ثلثي الأساطين، و المعاليق في عمد حديد، و سلاسل المعاليق فضة، و بين الجدار، الذي بين الحجر الأسود و الركن اليماني إلى الأسطوانة الأولى، أحد عشر معلاقا، و من الأسطوانة الأولى إلى الأسطوانة الثانية ثماني معاليق، فيها تاجان، و من الأسطوانة الثانية إلى الأسطوانة الثالثة، ثمان و بقيتها مموّهة، ثم أمرت السيدة، أم أمير المؤمنين، في سنة عشر و ثلاثمائة، غلامها لؤلؤا بأن يلبسها كلها ذهبا، و هذه المعاليق على ما وصفنا إلى سنة تسع و ثلاثين و مائتين.

قال الغازي في تاريخه المخطوط، بصحيفة (150) ما نصه: و في سنة ألف و مائتين و واحدة، أرسل مولانا السلطان عبد الحميد الأول خمسين إقة من الفضة، و أمر أن تجعل صفائح مموهة بالذهب، و يطوّق بها بعض العواميد، التي في داخل الكعبة المعظمة، ففعلوا ذلك و طوّقوها بحضور الشريف سرور، و حضور الوزير شيخ الحرم المكي، و هو والي جدة، و بقية المأمورين من رجال الدولة. ذكره السيد أحمد دحلان في سالنامته. انتهى منه.

نقول: المراد بقوله:" و يطوّق بها بعض العواميد التي في داخل الكعبة المعظمة" نفس الأعمدة الثلاثة التي هي من عهد عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه تعالى عنهما، بدون شك، إذ لا يوجد، في جوف الكعبة، غير هذه الأعمدة الثلاثة الأثرية الباقية من ذلك العهد إلى اليوم.

و لقد حصل في هذه الأعمدة الثلاثة المباركة ما يقتضي إصلاحها، فأصلحت في عهدنا الحاضر، كما ذكره الشيخ حسين باسلامة، (رحمه اللّه تعالى)، في كتابه «تاريخ الكعبة المعظمة» حيث قال فيه ما نصه:

و مما حصل من المرمّات المذكورة، أنه وقع في سنة (1332) اثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة و ألف، في أسفل الأعمدة الخشب الثلاثة، التي بداخل الكعبة المعظمة،

151

القائم عليها بساتل سقف الكعبة، أشطاب و تصديع، حصل ذلك من مياه غسيل الكعبة، و من دخول السيول إلى جوفها، لأن هذه الثلاثة الأعمدة هي من عهد الخليفة عبد اللّه بن الزبير بن العوام، رضي اللّه تعالى عنهما، فأعلم رئيس السدنة، المرحوم الشيخ محمد صالح الشيبي أمير مكة الشريف الحسين بن علي بذلك، فحضر الشريف الحسين المشار إليه إلى الكعبة في ضحوة يوم الاثنين الموافق 13 ربيع الأول من السنة المذكورة، و كان في استقباله بالكعبة رئيس السدنة المذكورة و السادن الثاني الشيخ عبد القادر بن علي الشيبي و بعض السدنة. ثم أحضروا بعض أهل الخبرة من النجارين، و كنت أنا مؤلف هذا الكتاب ممن حضر بمعية رئيس السدنة المشار إليه، فتقرر عمل أخشاب أشبه بالطاب، على طول القامة، تحاط بأسفل كل عامود من الأعمدة الثلاثة، و تسمر فيها بغاية الإتقان، فعمل ذلك فعلا، و هي لا تزال على هذه الحالة إلى اليوم، انتهى من كتاب تاريخ الكعبة المعظمة. قوله: «على هذه الحالة إلى اليوم ...» أراد المؤلف باليوم عهده و زمانه الذي هو عصرنا هذا فإنه (رحمه اللّه تعالى) طبع كتابه المذكور سنة (1354) هجرية.

و نقول أيضا: إنه لما أسعدنا اللّه عز و جل بدخول بيته الحرام في يوم الاثنين لثمان عشرة خلت من شهر رجب سنة (1376) ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف، نظرنا إلى الثلاثة الأعمدة الخشبية الموجودة في الكعبة المعظمة من عهد عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه تعالى عنهما، فوجدناها أنها من الأخشاب الجيدة القوية النادرة، و لا نبالغ إن قلنا: إنه لا يوجد مثلها قط اليوم، بنيّة اللون تميل إلى السواد قليلا لوجودها داخل الكعبة و عدم تعرضها للضوء و الشمس، و قد ظهر عليها القدم لمرور السنين، و الغالب أنه من الخشب الآبنوس، و هو كما قال في المنجد: شجر عظيم صلب العود أسوده، أو أنها من خشب الساج الذي كان يستعمل بكثرة في ذلك الزمان، قال في المنجد: الساج شجر عظيم صلب الخشب.

و محيط كل عامود منها متر واحد و نصف المتر، و لكل منها قاعدة مربعة خشبية منقوشة بالحفر على الخشب، و بين كل عامود متران و 35 سنتيمتر، و بين العامود الذي بقرب الجدار من جهة حجر إسماعيل و الجدار متر واحد، و بين الأعمدة الثلاثة، و كذلك ما بينها و بين الجدارين المتقابلين- جدار ما بين الركنين‏

152

و الجدار الذي في جهة حجر إسماعيل (عليه السلام)- مدّاد معلّق فيه قناديل و مباخر فضية متنوعة، مهداة إلى الكعبة المعظمة.

و يمتد على الأعمدة الثلاثة حامل، يمتد طرفاه إلى داخل الجدارين المذكورين، و هو مكسوّ مثل كسوة السقف و الكسوة الداخلية للكعبة.

و هذه الأعمدة الثلاثة مرتفعة إلى السقف الأول، الذي يلي داخل الكعبة، و لا ينفذ من هذا السقف إلى السقف الأعلى، الذي يلي السماء، و لكن جعلت عدة أخشاب بعضها فوق بعض، على رؤوس هذه الأعمدة الثلاثة، من داخل السقفين، إلى أن تصل إلى السقف الأعلى، فتكون هذه الأعمدة الثلاثة بهذه الصفة حاملة للسقفين المذكورين.

عدد أعواد سقف الكعبة

ذكر الغازي في تاريخه عند الكلام على بناء السلطان مراد الرابع الكعبة في سنة (1040) ألف و أربعين من الهجرة ما نصه: و في يوم الأحد شرعوا في عمل خشب السقف و نشر صفايحه، و أخبرني شيخ المعلمين للنجارة، أنه أربع فجوات و كل فجوة اثنان و عشرون عودا، فيكون مجموع أعواده ثمانية و ثمانين عودا، عدد ما كان فيها أولا، و على الأعواد صفائح أخشاب مسمرة عليها من ظهرها. انتهى ما ذكره الغازي.

نقول: إنه في صباح يوم الاثنين لثماني عشرة خلت من شهر رجب سنة (1376) ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف، أسعدنا اللّه تعالى بفضله و رحمته بدخول بيته الحرام، و تشرّفنا بالصعود إلى سطحه، و دخلنا بين السقفين للكعبة فرأينا أعواد السقف الأول و أعواد السقف الثاني كثيرة، لكن لا ندري هل هي كما ذكره الغازي أم لا، فإننا ما أحببنا المكث بين السقفين كثيرا لعدّ أعواده، تأدبا و احتراما، و لا يوجد ثقل على السقف الثاني مطلقا، حيث ليس عليه شي‏ء، بخلاف السقف الذي فوقه، المقابل للسماء، فإن الناس يطلعون عليه، لربط الكسوة الجديدة لكل عام، كما أنه مبلط بالرخام الأبيض حتى لا ينفذ منه ماء المطر إلى داخل الكعبة.

و المسافة بين السقفين هي (120) مائة و عشرون سنتيمترا.

153

الإصلاحات و الترميمات في الكعبة المشرفة

لقد وقع كثير من الترميمات و الإصلاحات في الكعبة المشرفة، و نحن ننقل ذلك باختصار، من كتاب «مرآة الحرمين» و من كتاب «تاريخ الكعبة المعظمة» و ذلك من بعد بناء ابن الزبير و الحجاج، فنقول و باللّه الحول و القوة:

أرسل الوليد بن عبد الملك، من الشام، الرخام الأحمر و الأخضر و الأبيض، ففرشت به و أزرت جدرها من الداخل، و لما انفتح الجدار الشمالي، الذي أقامه الحجاج من بقية البناء، رمم ذلك بالجص الأبيض، و كان مقدار الفتح نصف إصبع.

و بعد سنة مائتين، رفعت الفسيفساء، التي كان معمولا بها سطح الكعبة، لأنها ما كانت تمنع مياه المطر أن تتسرب إلى داخلها، و وضع مكانها المرمر المطبوخ بالجص.

و في سنة إحدى و أربعين و مائتين، في زمن المتوكل، قلعت العتبة السفلى لباب الكعبة، و كانت قطعتين من خشب الساج، اندثرتا من طول الزمان، و أبدل بها قطعة من خشب الساج، و ألبس صفائح الفضة، و كذلك جدد المتوكل رخام الكعبة، و أزرها بالفضة، و ألبس سائر حيطانها و سقفها الذهب.

و في سنة اثنتين و أربعين و خمسمائة أصلح، من قبل الوزير جمال الدين الجواد، سقفها و المدرج، الذي في بطنها، و كذلك أصلح رخامها، حوالي سنة خمسين و خمسمائة من قبل الوزير المذكور أيضا.

و في سنة تسع و خمسين و خمسمائة أصلح الركن اليماني، في عهد الفاطميين، و في سنة تسع و عشرين و ستمائة عمل بعض إصلاحات في الكعبة المستنصر العباسي، و في سنة ثمانين و ستمائة جدد رخامها الملك المظفر صاحب اليمن.

و في سنة أربع عشرة و ثمانمائة أصلح بعض سقفها و روازنها، و ذلك عقب مطر عظيم، و في سنة خمس و عشرين و ثمانمائة، و التي بعدها أيضا، أمر الملك الأشرف برسباي بإصلاحات جزئية في سقفها و روازنها و رخامها و الأخشاب، التي فيها حلق الحديد، التي تربط بها الكسوة، و في سنة تسع و تسعمائة زمن السلطان سليمان حصل ترميم في الكعبة.

154

و في زمن السلطان أحمد الأول، الذي تولى السلطنة سنة اثنتي عشرة و ألف، حدث بعض التصدع في جداريها الشرقي و الغربي، و في جدار حجر إسماعيل، فأراد هدمها، فمنعه علماء الروم و أشاروا عليه بعمل نطاق يلم التشعب، فعمل نطاقين من نحاس أصفر مغلف بالذهب، فركب النطاق السفلي على الكعبة، في ليلة السبت 12 محرم سنة (1022)، و وضعت له أعمدة ثبت أسفلها بالرصاص في الشاذروان، و في ليلة الأحد شرعوا في وضع النطاق العلوي حتى أتموه.

و في سنة تسع و ثلاثين و ألف انهدمت الكعبة، ما عدا الجهة اليمانية، بسبب نزول المطر الغزير، و دخول السيل، إلى المسجد الحرام، فجدد بناءها السلطان مراد خان الرابع، فتم بناؤها سنة أربعين و ألف.

قال صاحب «تاريخ الكعبة المعظمة» ما يأتي:

و أما ما وقع من الترميمات، بعد عمارة السلطان مراد خان، فقد ذكر الطبري المكي في «الإتحاف» أنه في سنة (1045) خمس و أربعين و ألف، ورد المعمار رضوان بك، لعمارة سقف الكعبة، و كان الشريف عرض ذلك إلى السلطان، لما أخبره الحجبة- آل الشيبي- و المهندسون بذلك، فجاء الأمر بإصلاح ما تحتاج إليه، و أن يجدد بابها، و يرسل بالباب العتيق إليه. فلما وصل رضوان بك المذكور إلى مكة عقد مجلسا بالحرم الشريف، و حضر البكري و قاضي المدينة حنفي زاده، و حضر أمير مكة و الفقهاء، و بعد أن قرأوا القرآن، قاموا إلى الكعبة و أشرفوا على ذلك، و شرع المعمار الأمير رضوان بك في عمله، في أوائل شهر المحرم من السنة المذكورة، و فرش سطح الكعبة الشريفة بالرخام الأبيض.

و من ذلك ما ذكره السنجاري، في «منائح الكرم»: أنه في يوم الخميس غرة ربيع الثاني سنة (1099) تسع و تسعين و ألف هجرية، عمّر محمد بك شيئا من أخشاب الكعبة، و طلعوا أرتالا من جدة، جعلوها حول الكعبة من الخارج، و ركبوا الكسوة فيها، لتغيير إفريز السطح، من التي تربط فيه الكسوة، فإنه استأكل فيه، و جددوا رفرف مقام الشافعي، لخلل وقع فيه، و لم يزالوا إلى أن خلصوا منه. و روى أيضا، أنه في يوم الجمعة 19 محرم الحرام سنة (1100) ألف و مائة ه طلع الشريف، أمير مكة، سطح الكعبة للإشراف على إفريز الكعبة، التي تربط فيه الكسوة، لإخبار المعلمين له، بأنه استأكل، و يحتاج إلى تغيير. و قد جاء الأمر من السلطان لعمارة ما يحتاج إليه من الكعبة، و إبلاغه ما يصرف على ذلك،