التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج4

- محمد طاهر الكردي المزيد...
651 /
155

فاتفق أن وجبت الجمعة، و دخل الخطيب و هو أي الشريف في الكعبة فصلى في جوفها.

و ذكر أيضا أنه في اليوم السادس من ذي القعدة سنة (1106) ست و مائة و ألف نزل الشريف أمير مكة، و فتحت الكعبة له، و أشرف على جدار بها، يحتاج إلى ترميم، و تبديل خشبة في الكعبة، فأمر بذلك، و تمت الخشبة يوم 7 ذي القعدة من هذه السنة. و ذكر في حوادث سنة 1109 أنه لما كان يوم الخميس 6 محرم طلع الشريف أمير مكة، و القاضي المتولي في هذه السنة، و جماعة من الفقهاء، و متصرف جدة، و أشرفوا على سطح الكعبة، و حقق المهندسون خراب السقف، عند القاضي، بموجب الأمر العالي، و لما كان يوم الأحد 13 محرم شرعوا في إصلاح سقف الكعبة، فأخرجوا السقف المنكسر، و ظهر أن الدرجة المصعدة إلى السطح محتاجة إلى تعمير، فاستمر العمل فيها، و غيروا الدرجة، و جعلوا فيها سبع درج رخام، و الباقي من خشب الساج. فرغوا منها أوائل ربيع الأول، و ذبح صاحب جدة، يوم فراغ العمارة، نحوا من أربعين شاة، و فرّقها على المساكين و فرّق شيئا من الدراهم على فقهاء المكاتب بالحرم و بعض الفقراء.

و في يوم الخميس 26 ذي الحجة سنة (1118) ثماني عشرة و مائة و ألف حضر إيواز بك، من جدة إلى مكة، و اجتمع بشريف مكة و أميرها و القاضي و أمير الحاج غيطاس بك، و فتح لهم الشيخ «محمد الشيبي» الكعبة للنظر فيما تحتاجه من التعمير و الترميم فأجروا جميع الإصلاحات اللازمة.

و في يوم السبت 14 ذي القعدة سنة (1136) ست و ثلاثين و مائة و ألف، ورد أمر سلطاني، يتضمن ترميم الكعبة و المسجد الحرام و المدرسة السلطانية، فدخل الكعبة أمير مكة و قاضيها و بعض العلماء، فرأوا موضع الخراب بها، و أحضروا المعلمين و البنائين، و صاروا يأخذون بأيديهم أواني الجبس و النورة و يناولونها المعلمين ساعة من النهار.

و نقل الشيخ عبد اللّه غازي، عن بعض علماء مكة، أنه في سنة (1201) سنة واحد و مائتين و ألف، أرسل السلطان عبد الحميد الأول خمسين إقة من الفضة، و أمر أن تجعل صفائح مموهة بالذهب، و يطوق بها بعض العواميد، التي في داخل الكعبة المعظمة، ففعلوا ذلك و طوقوها بحضور أمير مكة الشريف سرور، و بحضور الوزير شيخ الحرم المكي، و هو والي جدة و بقية المأمورين و رجال الدولة. انتهى.

156

و لم يوجد لهذه الصفائح في العصر الحاضر أثر و لم أقف على خبر نزعها و متى كان.

و في سنة (1253) ثلاث و خمسين و مائتين و ألف أصلحوا فرش الكعبة، و فرشوا فيها الحجر المرمر، الذي جاء من استانبول، و في سنة (1259) تسع و خمسين و مائتين و ألف أصلحوا الأحجار، التي حول الحجر الأسود، و كذلك بعض أحجار باطن الكعبة، و في سنة خمس و تسعين و مائتين و ألف فرش سطح الكعبة بألواح المرمر، و في سنة سبع و تسعين و مائتين و ألف جدد فرش الكعبة، و غير بعض أخشاب سقفها، و أصلح بعضها، كما ذكره مدير الحرم المكي السابق، أمين أفندي أمصيلي «أما سيه لي» في رسالة ألفها باللغة التركية، في بيان خدمات آل عثمان للحرمين الشريفين.

و في سنة (1316) ست عشرة و ثلاثمائة و ألف، في عهد الشريف عون الرفيق، تسرب من سقف الكعبة إلى جوفها شي‏ء من ماء المطر، و مكث فيها حتى ظهرت منها رائحة كريهة بسببه، فلما بلغ ذلك رئيس السدنة الشيخ «محمد صالح الشيبي»، و كان بالطائف، أرسل ابنه، الشيخ محمد، إلى مكة، ففتح الكعبة فأزالوا الماء المستنقع، و أصلحوا الرخام المتصدع. في سطح الكعبة، و سدوا مواقع الخلل سدا محكما، و دام العمل نحو نصف شهر.

و في سنة (1328) ثمان و عشرين و ثلاثمائة و ألف في عهد الشريف «الحسين بن علي بن محمد بن عون» ملك الحجاز الأسبق، حصل وهن في المرابيع الخشب، بسطح الكعبة، التي يعلق فيها ثوب الكعبة، فأبدلوا تلك الأخشاب بأربعة مرابيع من خشب، أتوا بها خصيصا لذلك، بواسطة رئيس السدنة، الشيخ «محمد صالح الشيبي» و ذلك لتعذر وجود مثل تلك الأخشاب بالحجاز.

و في سنة (1332) اثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة و ألف حصل في أسفل الثلاثة الأعمدة الخشب، التي بجوف الكعبة، و التي هي باقية من عهد «عبد اللّه بن الزبير»، رضي اللّه تعالى عنهما، تصدع و تشقق بسبب غسيل الكعبة، و دخول السيول إلى جوفها، فعلم بذلك الشريف «الحسين بن علي» أمير مكة في ذلك الوقت، فحضر إلى المسجد الحرام في ضحوة يوم الاثنين 13 ربيع الأول من السنة

157

المذكورة، و كان في استقباله رئيس السدنة الشيخ «محمد صالح الشيبي» و بعض السدنة و فتحوا له الكعبة الشريفة، و حضر بعض أهل الخبرة من النجارين، فأحاطوا كل عمود من الأعمدة الثلاثة، من أسفلها بأخشاب طوال، على قدر القامة، و سمروها فيها بغاية الإتقان، فهي لا تزال إلى اليوم على هذه الحالة. انتهى من «تاريخ الكعبة المعظمة».

نقول: و في يوم 26 شعبان سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية قطعوا الرؤوس المزخرفة فقط، لهذه الأخشاب الطوال، التي تحيط بكل من الأعمدة الثلاثة المذكورة، ثم إنه في أوائل شهر شوال من سنة 1377، ركبوا تسعة أطواق من الفضة، محيطة بالثلاثة الأعمدة المذكورة، لكل عامود ثلاثة أطواق، زيادة في استمساكها و تقويتها. نقول: و ما يظنه بعضهم بأنه حصل ترميم قليل بأعلى الركن الشرقي للكعبة المشرفة، و ذلك في شعبان سنة 1334 هجرية، بسبب وصول شظية من المدفع، الذي رمي من قلعة أجياد، أيام حرب الشريف حسين بن علي مع الحكومة التركية فليس ذلك بصحيح. و إنما وقع هو أنه في عصر يوم 23 شعبان من السنة المذكورة سنة (1334) ألف و ثلاثمائة و أربع و ثلاثين هجرية، بينما الحرب دائرة، بين الشريف حسين المذكور و بين الأتراك المتحصنين في القلعة، التي على جبل أجياد، وقعت شظية من المدافع، التي كانت ترمى من القعلة المذكورة على جنود الشريف، في ثوب مكة المعظمة، بقرب حزامها المكتوب من جهة الركن الأسود، فظهر الدخان من الثوب، ففزع الناس و أسرع فضيلة الشيخ محمد بن محمد صالح الشيبي «رئيس سدنة الكعبة» بالحضور إلى المسجد الحرام، و اجتمع الناس عليه، ففتح الكعبة المشرفة، و صعدوا إلى سطحها، و أطفأوا النار، التي على الثوب بالماء، إطفاءا تاما، ثم نزلوا، و قد وقف الرمي من العسكرين، لما شاهدوا الحريق في ثوب الكعبة، احتراما و إجلالا لها، هذا ما حصل على جزء صغير من ثوب الكعبة في هذه الواقعة بدون قصد.

أما نفس الكعبة المطهرة، فلم يحدث لها أي شي‏ء يحتاج إلى ترميم مطلقا، إلى سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية، ففي شهر رجب من هذه السنة، حصل فيها إصلاحات كثيرة، و تغيير تام لسقفيها" الأعلى و الأدنى" و ذلك في عهد الحكومة العربية السعودية في عصرنا الحاضر، و إليك تفصيل ذلك في المبحث الآتي، كما شاهدناه بأنفسنا، و وقفنا على عمارتها خطوة خطوة، و جزءا

158

جزءا، و للّه الحمد، نسأل اللّه الغفور الرحيم، رب هذا البيت الكريم، و رب السموات و الأرض و رب العرش العظيم، أن يجعلنا و ذريتنا من سعداء الدارين بفضله و رحمته آمين، و صلى اللّه و سلم على النبي الأمي أبي القاسم الأمين و على آله و صحبه أجمعين.

سطح الكعبة و أرضها من الداخل‏

بحمد اللّه تعالى، لقد تشرفنا بدخول الكعبة المشرفة، و الصعود إلى سطحها العلوي، و ذلك في ضحى يوم الاثنين الثامن عشر من شهر رجب سنة ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف، و إليك وصف سطحها الشريف:

أرض الكعبة من الداخل مرصوفة بحجارة المرمر، و أما سطحها الأعلى مما يلي السماء فمفروش بالحجر الرخام الأبيض الثخين.

و السطح محاط بإفريز ارتفاعه إلى 80 سنتيمترا، من جهة الميزاب، و في الجهات الأخرى، أقل من ذلك، تبعا لانحدار السطح إلى جهة الميزاب، و هذا الإفريز مبلط بالنورة.

و فوق السطح مرابيع من الخشب و هي الأعواد الغليظة المربعة الطويلة التي تربط فيها كسوة الكعبة المعظمة، و عددها أربعة أعواد، في كل جهة عود واحد، كل عود لاصق في الإفريز المحيط بالسطح من الجوانب الأربعة، و كل عود داخل طرفاه في جدار الإفريز بإحكام تام، حتى لا يتزحزح من موضعه، إذا ربطت فيه الكسوة الثقيلة، و هذه الأعواد الخشبية الحالية وضعت في سنة (1328) ثمان و عشرين و ثلاثمائة و ألف، بدلا من الأعواد، التي كانت قبلها و تلفت، كما ذكره الغازي، (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه فقد قال فيه ما نصه:

قال الشيخ حسين باسلامة في «تاريخ الكعبة المعظمة»: ذكر مدير الحرم المكي السابق، أمين أفندي أمصيلي، في رسالة ألّفها باللغة التركية، في بيان خدمات آل عثمان للحرمين الشرفين، أنه في سنة (1253) ثلاث و خمسين و مائتين و ألف أصلحوا فرش الكعبة و فرشوا الحجر المرمر، الذي جاء من استانبول. و في سنة (1259) تسع و خمسين و مائتين و ألف، أصلحوا الأحجار التي حول الحجر الأسود، و كذلك بعض أحجار باطن الكعبة. و في سنة (1295) خمس و تسعين و مائتين و ألف، فرش سطح الكعبة بألواح المرمر، و في سنة

159

(1297) سبع و تسعين و مائتين و ألف، جدد فرش الكعبة و غير بعض أخشاب سقف الكعبة و أصلح بعضها اه.

و في الفتوحات الإسلامية للسيد أحمد دحلان: و في سنة (1299) تسع و تسعين و مائتين و ألف، عمّر السلطان عبد الحميد خان في الكعبة المعظمة و فرش باطنها بالرخام اه، و في سنة (1316) ست عشرة و ثلاثمائة و ألف، في إمارة الشريف عون الرفيق، وقع خراب في فرش الرخام، الذي على سطح الكعبة، فعمل الصناع لذلك معجونا من النورة و زلال البيض و الإسمنت و غير ذلك، و أصلحوه، و مكث العمل فيه نحو نصف شهر، و في سنة (1328) ثمان و عشرين و ثلاثمائة و ألف، حصل خراب و وهن في مرابيع الخشب التي يعلق فيها ثوب الكعبة، بسطح الكعبة، فعمل بدلها أربعة مرابيع، من خشب خصيصا لذلك، و لا تزال تلك المرابيع على حالها إلى اليوم.

و في كتاب «المحمل و الحج» قال ابن فضل اللّه العمري في كتابه «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» ما يأتي:

و لما حججت سنة (738) ثمان و ثلاثين و سبعمائة، صعدت أنا و أمراء الركب المصري، لتلبيس الكعبة الشريفة، حتى كنا على سطحها، فرأيته مبلطا بالمرمر و الرخام الأبيض، و من جوانبه جدر قصار فيها حلق لربط الستور، تجرّ فيها الكسوة بحبال، ثم تربط في تلك الحلق. انتهى من الكتاب المذكور.

و في سنة (1332) اثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة و ألف، وقع في أسفل أعمدة الخشب، التي بداخل الكعبة المعظمة، القائم عليها بساتل سقف الكعبة، أشطاب و تصديع، و هذه الثلاثة الأعمدة هي من عهد الخليفة عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه عنهما، فأحضروا بعض أهل الخبرة من النجارين، فتقرر عمل أخشاب أشبه بالطاب، على طول القامة، تحاط بأسفل كل عامود، من الأعمدة الثلاثة، و تسمر فيه، بغاية الإتقان. فعمل ذلك فعلا، و هي لا تزال على هذه الحالة إلى اليوم.

انتهى ما في «تاريخ الكعبة المعظمة» بحذف و اختصار. انتهى منه، و إن شاء اللّه تعالى سيأتي الكلام في محله على تغيير رخام سطح الكعبة و فرشه برخام جديد في عصرنا.

160

وصف رخام الكعبة في عصر ابن جبير

يقول ابن جبير الأندلسي في رحلته، التي كانت سنة (578) ثمان و سبعين و خمسمائة هجرية، يصف أرض الكعبة الشريفة، المفروشة بالرخام، و ذلك حينما دخلها في السنة المذكورة، ما يأتي:

و إذا انفتح باب الكعبة كبّر الناس، و علا ضجيجهم، و نادوا بألسنة مستهلة:

اللهم افتح لنا أبواب رحمتك و مغفرتك، يا أرحم الراحمين، ثم يدخلون بسلام آمنين.

و في الصفح المقابل للداخل فيه، هو من الركن اليماني إلى الركن الشامي، خمس رخامات منتصبات طولا، كأنها أبواب تنتهي إلى مقدار خمسة أشبار من الأرض، و كل واحدة منها نحو القامة، الثلاث منها حمر، و الاثنان خضراوان، في كل واحدة منها تجزيع بياض، لم ير أحسن منظرا منه، كأن فيها تنقيط، فتتصل بالركن اليماني منها الحمراء، ثم تليها بخمسة أشبار الخضراء، و الموضع الذي يقابلها متقهقرا عنها بثلاثة أذرع، هو مصلى النبي (صلى الله عليه و سلم)، فيزدحم الناس على الصلاة فيه تبركا به، و وضعهن على هذا الترتيب، و بين كل واحدة و أخرى القدر المذكور، و يتصل بينهما رخام أبيض، صافي اللون، ناصع البياض، قد أحدث اللّه، عز و جل، في أصل خلقته، أشكالا غريبة مائلة إلى الزرقة، مشجرة مقصنة، و في التي تليها مثل ذلك بعينه من الأشكال، كأنها مقسومة. فلو انطبقتا لعاد كل شكل يصافح شكله. فكل واحدة شقة الأخرى لا محالة، عندما نشرت انشقت على تلك الأشكال، فوضعت كل واحدة بإزاء أختها، و الفاصل منها بين كل خضراء و حمراء رخامتان، سعتها خمسة أشبار، لا الأشبار المذكورة أو الأشكال فيها تختلف هيآتها، و كل أخت منها بإزاء أختها، و قد شدّت جوانب هذه الرخامات تكافيف، غلظها قدر إصبعين من الرخام المجزع، من الأخضر و الأحمر المنقطين، و الأبيض ذي النحيلان، كأنها أنابيب مخروطة، يحار الوهم فيها، فاعترضت، في هذا الصفح المذكور من فرج الرخام الأبيض، ست فرج، و في الصفح، الذي عن يسار الداخل، و هو من الركن الأسود إلى اليماني أربع رخامات، اثنتان خضراوان و اثنتان حمراوان، و بينهما خمس فرج، من الرخام الأبيض، و كل ذلك على الصفة المذكورة، و في الصفح، الذي عن يمين الداخل،

161

و هو من الركن الأسود إلى العراقي، ثلاث: اثنتان حمراوان و واحدة خضراء، و يتصل بها ثلاث فرج من الرخام الأبيض. و هذا الصفح هو المتصل بالركن، الذي منه باب الرحمة، و سعته ثلاثة أشبار و طوله سبعة و عضادته، التي عن يمينك، إذا استقبلته، رخامة خضراء في سعة ثلثي شبر، و في الصفح الذي من الشامي إلى العراقي ثلاث: اثنتان حمراوان و واحدة خضراء. و يتصل بها ثلاث فرج من الرخام الأبيض، على الصفة المذكورة، و لكل هذا الرخام المذكور طرتان: واحدة على الأخرى، سعة كل واحدة منهما قدر شبرين، ذهب مرسوم في اللازوردي، قد خط فيه خط بديع، و تتصل الطرتان بالذهب المنقوش على نصف الجدار الأعلى، و الجهة، التي عن يمين الداخل، لها طرة واحدة، و في هاتين الطرتين بعض مواضع دارسة، و في كل ركن من الأركان الأربعة، مما يلي الأرض، رخامتان خضراوان صغيرتان، تكتنفان الركنين، و تكتنف أيضا كل ما بين من الفضة الذين في كل ركن، كأنهما طاقان عضارتان من الرخام الأخضر، صغيرتان على قدر نقيبها، و في أول كل صفح من الصفحات المذكورة، رخامة حمراء، و في آخره مثلها، و الخضراء بينهما على الترتيب المذكور، إلا الصفح الذي عن يسار الداخل، فأول رخامة تجدها متصلة بالركن الأسود رخامة خضراء، ثم حمراء إلى كمال الترتيب الموصوف. انتهى من رحلة ابن جبير.

غسل الكعبة المشرفة

لا يخفى أن كل شي‏ء في الدنيا معرض للاتساخ، و الكعبة المعظمة المشرفة مصانة محفوظة عن الأوساخ فلا نوافذ فيها و لا فتحات سوى الباب، بل هي دائما تعطّر، من قديم الزمان جاهلية و إسلاما، و لكن قد يطرأ عليها ما يوجب تنظيفها و غسلها من الغبار الذي تأتي به الرياح، و من ازدحام الناس على زيارتها و الدخول في باطنها، لذلك هي لا تحتاج إلى تنظيف و غسل سوى مرتين أو ثلاثا في السنة.

و من المعلوم أن الكعبة، من زمان بانيها الأول، بعد الطوفان، و هو الخليل سيدنا إبراهيم، عليه الصلاة و السلام، لا تحتاج إلى غسل و تنظيف، لأنها بنيت بالرضم، حجارة بعضها فوق بعض، بدون طين و لا نورة، و لم يكن لها سقف و لا باب من خشب أو حديد، و كانت أرضها الداخلية رملا أو حصباء، فهي الحالة هذه، لا تحتاج إلى غسل و لا تنظيف و يكفي لغسلها من الأتربة نزول المطر

162

عليها، لكن بعد بنائها بالطين و تسقيفها و جعل الباب عليها لا بد من تنظيفها كما تنظف الدور و البيوت.

و كان أول من غسل الكعبة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقد روي عن ابن عمر، رضي اللّه عنهما، أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما دخل مكة، يوم الفتح، أمر بلالا، فرقي على ظهر الكعبة، فأذن بالصلاة، و قام المسلمون و تجردوا في الأزر و أخذوا الدلاء، و ارتجزوا على زمزم، فغسلوا الكعبة، ظهرها و بطنها، فلم يدعوا أثرا، من آثار المشركين، إلا محوه و غسلوه. اه.

قال صاحب كتاب «تاريخ الكعبة المعظمة»: و هذا رواه السنجاري في كتاب منائح الكرم، نقلا عن التقي الفاسي، و هو رواها عن الفاكهي. اه.

نقول: فمن هنا، جرت العادة بغسل الكعبة من ذلك التاريخ إلى اليوم، و هي تغسل في العام مرتين، بماء زمزم، مضافا إليه ماء الورد، ثم يطيبونها بالعطر، و يبخرونها بالعود و العنبر و الند، و غالبا يكون ذلك بحضور ولاة الأمور و كبار رجال الدولة. و قد تشرفنا بغسلها و للّه الحمد سنة (1367) سبع و ستين و ثلاثمائة و ألف، يوم أن فتحوا لنا مقصورة مقام إبراهيم، عليه الصلاة و السلام، بأمر جلالة الملك المعظم سعود بن عبد العزيز نصره اللّه تعالى.

قال الغازي في تاريخه: ذكر الشيخ حسن بن عبد القادر الشيبي في كتابه «الإتمام على أعلام الأنام» كيفية غسل الكعبة المعظمة فقال: أما غسل الكعبة المعظمة في السنة فمرتان، مرة في أواخر ذي القعدة، و في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول مرة.

و كيفيته أنه في صباح اليوم المذكور، بعد الإشراق، يفتح سدنة الكعبة المعظمة، و يأتونه بغلاية فيها ماء الورد، و عطر الورد، و بخور العنبر و الندّ، الذي يأتي مع المحمل الشامي، و يعتمدون بشيلان، يحضرها شيخ السدنة، و من قبل مراسم الغسل، يعطي شيخ السدنة خبرا إلى مولانا أمير مكة المكرمة و رؤساء المأمورين، و تحضر مكانس، من طرف مديرية الأوقاف الهمايونية، بالحرم الشريف المكي، و يأتي شيخ الزمازمة بسطول، و يملأ السقّاؤون من بئر زمزم، و يأتون بها إلى تحت باب الكعبة المعظمة، و هناك تملأ السطول، و تناول إلى من هو واقف في باب الكعبة، و يسلمها للذي في داخلها، و هناك يمسك سيدنا أمير مكة المكرمة في يده مكنسة، و كذلك إن حضر أحد من أنجال سيدنا الأمير، يستحضر له مكنسة،

163

و كذلك مولانا قاضي مكة المكرمة، و سائر المأمورين، و يغوطون بشيلان، ثم يبتدأ أولا بصب السطول من عند مولانا أمير مكة و أنجاله، ثم تصب السطول و تملأ في سائر أطراف الكعبة المعظمة للجميع، و تخرج الفارغة من السطول و تدخل ملآنة، و هكذا إلى أن يتم الغسل، ثم يملأ من العطر و ماء الورد في طاسات، و يدهن بها جدار الكعبة، مولانا الأمير المشار إليه، و حضرات أنجاله، و يبخّر بالعنبر و الندّ حضرة مولانا القاضي، فكل من أراد كذلك، ثم إن سيدنا الأمير، المشار إليه، أحيانا يقذف من المكانس المغسول بها البيت إلى الحجاج الواقفين عند الباب، بحسب التبرك، ثم يدعو لهم أحد السدنة الشيبيين دعاء، ثم تختم مراسم الغسل، و يخرجون منها، ثم إن السدنة ينشّفون المبلول بالإسفنج و يزيدون تعطيرا و تبخيرا و يغلقون الباب. انتهى من الغازي.

و قال صاحب كتاب «تاريخ الكعبة المعظمة» عند غسل الكعبة المعظمة ما يأتي: أما غسل الكعبة، في العصر الحاضر، فهو يجري في العام مرتين: مرة قبل الحج، و مرة بعد سفر الحجاج من مكة، و غالبا يكون الغسل، في المرة الأولى، في أواخر ذي القعدة، و ربما كان في أول ذي الحجة من سنة، و المرة الثانية غالبا يكون غسل الكعبة في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول.

أما كيفية الغسل فإليك تفصيله: و هو أنه في صباح اليوم المعين لغسل الكعبة المعظمة، يحضر رئيس سدنة الكعبة المعظمة إلى الحطيم، بعد شروق الشمس بلحظة، و معه السدنة آل الشيبي، فيفتح باب الكعبة المعظمة، ثم يأتي أتباع السدنة بقلال فيها ماء الورد، و قوارير فيها عطر الورد، و بالمباخر و العنبر، و العود، و الندّ، و يؤتى بالأزر، و هي تكون غالبا من النوع الذي يسمى (بالشال الكشميري) لأجل الاتزار بها حال غسل الكعبة المعظمة.

و قد جرت العادة أن يدعو رئيس السدنة ولاة الأمر من ملوك أو أمراء، أو ولاة، و وزراء الدولة و القاضي، و رؤساء الدوائر، إلى غسل الكعبة، و قبل حضورهم بلحظة تكون كل مواد الغسل حاضرة، و تحضر مديرية الأوقاف عادة المكانس، و يحضر شيخ الزمازمة الموكلين بسقاية الحاج ماء زمزم، سطولا مملوءة من ماء زمزم، إلى الكعبة، فيستلمها منهم السدنة و أتباعهم و يدخلونها الكعبة المعظمة.

164

و بعد استكمال كل ذلك، بداخل الكعبة المعظمة، يحضر المدعوون لغسل الكعبة، بداخل الكعبة، و يأخذ كل واحد منهم إزارا فيرتدي به، ثم يحمل المكنسة و يباشر الجميع غسل الكعبة المعظمة بماء زمزم، مضافا إليه ماء الورد، ثم إتمام غسل أرض الكعبة، و بعض أطراف جدارها السفلي، يباشرون مسح جدارها، إلى ارتفاع قامة الإنسان، بماء الورد أولا، ثم يطيبونها بعطر الورد، و يوضع ذلك في طاسات من معدن أبيض أو بلور، و بعد انتهاء عمل الطيب بالعطر يضعون العنبر، و العود، و الندّ، في مباخر بديعة فاخرة و تبخر بها عموم أطراف الكعبة و جميع جوانبها، بعد تجفيف أرضها بالإسفنج، و بعد إتمام غسل الكعبة المعظمة و تطييبها، يقسّم السدنة تلك المكانس على الناس المجتمعين عند باب الكعبة.

و قد حضر جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود غسل الكعبة المعظمة بنفسه عدة مرات، و باشر غسلها بيده الميمونة، و حضر معه في كثير من المرات غسل الكعبة، ولي عهد المملكة العربية السعودية، صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن عبد العزيز و نائبه العام صاحب السمو الملكي رئيس مجلس الوكلاء الأمير فيصل بن عبد العزيز و أصحاب السمو إخوان جلالته الفخام، و بعض أنجاله المباركين و بعض الأسرة الكريمة، و رجال الدولة، و قضاته. انتهى من الكتاب المذكور.

نقول: و لقد سألنا رئيس سدنة الكعبة المشرفة في وقتنا الحاضر و هو صاحب السيادة و السعادة الشيخ محمد بن محمد صالح بن أحمد الشيبي حينما كنا بمنزله العامر، تلبية لدعوته لنا للغداء، و ذلك يوم السبت السادس عشر من رجب عام 1376 ه سألناه عن عدد المرات التي تغسل فيها الكعبة في السنة، فقال: تغسل الكعبة مرتين في السنة: إحداهما بعد النصف الثاني من شهر شعبان، إما في اليوم الخامس و العشرين منه أو في السابع و العشرين، و ثانيتهما في اليوم السابع من ذي الحجة.

اللهم اغسل خطايانا و أبدل سيئاتنا حسنات بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين. و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

165

تلقي الناس لماء المطر تحت ميزاب الكعبة

و بمناسبة الصلاة في الحجر، تحت ميزاب الكعبة، فإن الناس إلى اليوم يتلقون ماء المطر النازل من ميزاب الكعبة، على سبيل البركة، و نذكر هنا ما جاء في رحلة ابن جبير، التي كانت سنة (578) ثمان و سبعين و خمسمائة، فقد ذكر فيها عن ذلك، ما يأتي:

و مما يجب أن يثبت و يؤثر، لبركة معاينة و فضل مشاهدته، أن في يوم الجمعة التاسع عشر من جمادى الأولى، بعد صلاة العصر، و مع العشي، جاء مطر، و تبادر الناس إلى حجر إسماعيل، فوقفوا تحت الميزاب المبارك، متجردين عن ثيابهم، يتلقون الماء الذي يصبه الميزاب برؤوسهم و أيديهم و أفواههم، مزدحمين عليه ازدحاما عظيما، أحدث ضوضاء عظيمة، كل يحرص على أن ينال جسمه من رحمة اللّه نصيبا، و دعاؤهم قد علا، و دموع أهل الخشوع منهم تسيل، فلا تسمع إلا ضجيج دعاء أو نشيج بكاء. و النساء قد وقفن خارج الحجر، ينظرون بعيون دوامع و قلوب خواشع، يتمنين ذلك الموقف لو ظفرن به، و كان بعض الحجاج المتأخرين المشفقين بيل ثوبه بذلك الماء المبارك، و يخرج إليهن و يعصره في أيدي البعض منهن، فتلقينه شربا و مسحا على الوجوه و الأبدان. و تمادت تلك السحابة المباركة إلى قريب المغرب، و تمادى الناس على تلك الحال من الازدحام، على تلقي ماء الميزاب بالأيدي و الوجوه و الأفواه، و ربما رفعوا الأواني ليقع فيها، فكانت عشية عظيمة، استشعرت النفوس فيها الفوز بالرحمة، ثقة بفضله و كرمه، و لما اقترن بها من القرائن المباركة: فمنها أنها كانت عشية الجمعة، و فضل اليوم فضله، و الدعاء فيها يرجى من اللّه تعالى قبوله، لما ورد فيها من الأثر الصحيح، و أبواب السماء تفتح عند نزول المطر، و قد وقف الناس تحت الميزاب، و هو من المواضع التي يستجاب فيها الدعاء، و طهرت أبدانهم رحمة اللّه النازلة من سمائه، إلى سطح بيته العتيق، الذي هو حيال البيت المعمور. و كفى بهذا المجتمع الكريم و المنتظم الشريف، جعلنا اللّه ممن طهر فيه من أرجاس الذنوب، و اختص من رحمة اللّه تعالى بذنوب، و رحمته واسعة تسع عباده المذنبين، إنه غفور رحيم. انتهى من رحلة ابن جبير.

166

و مما يناسب هذا المقام، ما ورد في تاريخ الأزرقي: أن داود بن عجلان طاف مع أبي عقال، في مطر قال: و نحن رجال، فلما فرغنا من سبعنا، أتينا نحو المقام، فوقف أبو عقال دون المقام، فقال: ألا أحدثكم بحديث تسرون به أو تعجبون به؟

قلنا: بلى قال: طفت مع أنس بن مالك و الحسن و غيرهما في مطر، فصلينا خلف المقام ركعتين، فأقبل علينا أنس بوجهه، فقال لنا: استأنفوا العمل فقد غفر لكم ما مضى، هكذا قال لنا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و طفنا معه في مطر. انتهى منه.

نقول: لا يزال الناس إلى اليوم، إذا جاء المطر يقفون تحت ميزاب الكعبة، يتلقون الماء النازل، من سطح الكعبة، بأجسامهم للتبرك، و للمطر عندنا بمكة فرحة و نشوة يستبشر الناس به كثيرا. جاء في كتاب «الأذكار» للإمام النووي ما نصه: روى الشافعي (رحمه اللّه تعالى)، في الأم بإسناده حديثا مرسلا عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: «اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش و إقامة الصلاة و نزول الغيث».

قال الشافعي: و قد حفظت عن غير واحد طلب الإجابة عند نزول الغيث و إقامة الصلاة. انتهى.

ورد: «ثنتان لا تردان الدعاء عند النداء و تحت المطر» عند النداء أي: الأذان للصلاة، رواه الحاكم في «المستدرك»، قال العزيزي: إسناده ضعيف لكن له شواهد.

و في صحيح مسلم، عن أنس، رضي اللّه عنه، قال: «أصابنا و نحن مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مطر، فحسر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ثوبه، حين أصابه المطر، فقلنا: يا رسول اللّه لم صنعت؟ قال: «لأنه حديث عهد بربه» قال العزيزي: أي بتكوين ربه إياه، و معناه أن المطر رحمة، و هي قريبة العهد بخلق اللّه تعالى له فيتبرك بها. انتهى.

قال الشيخ الحفني في حاشية على العزيزي عند كلمة «و تحت المطر» أي فلا بد أن يبرز له، و بعضهم قال الأولى ذلك، و إلا فيستجاب الدعاء وقت نزول المطر أشد إجابة من غيره. انتهى.

نقول: إذا كان الدعاء يستجاب عند نزول المطر مطلقا في أي موضع كان، فإن الدعاء يكون أكثر إجابة و أرجى قبولا عند نزوله في الأوقات المباركة و الأمكنة المقدسة، عند الأذان للصلاة، و بين الأذان و الإقامة و عند التقاء الجيوش، و نزوله بمكة، و في المسجد الحرام حول الكعبة، و بعرفات عشية الوقوف، و نحو ذلك و فضل اللّه واسع و رحمته عظيمة، و اللّه تعالى عند حسن ظن عبده به‏

167

و الأعمال بالنيات، و الصدق في الطلب، و الدعاء و الإخلاص في التضرع، و الخشوع يوجبان القبول و الإجابة.

ميزاب الكعبة و عدده‏

لما بنى خليل اللّه إبراهيم عليه الصلاة و السلام، البيت المعظم، بناه على ربوة بالرضم، حجارة بعضها فوق بعض، بدون طين و لا جص و لا إسمنت، و لم يجعل له بابا يفتح و يغلق، و إنما ترك مكانه فتحة، للدلالة على وجه البيت، كما أنه لم يجعل له سقفا، و ما دام البيت، لا سقف له، فلا يمكن وضع ميزاب عليه، و فائدة الميزاب جريان ماء المطر منه حتى لا يخر السقف، و حيث لا سقف و لا باب للكعبة المشرفة، فإن المطر ينزل على أرضها، و يخرج من فتحة الباب، و من شقوق حجارة الجدران، التي بالرضم فلا خوف عليها من المطر، و لم تبن كذلك إلا على الفطرة الأولى، و لعدم وجود أناس كثيرين بمكة المشرفة.

فلما كثر الناس، و تدرجوا في معرفة بعض الأمور، جعلوا للكعبة المعظمة سقفا و ميزابا و بابا يفتح و يغلق، فأول من جعل لها سقفا، بعد سيدنا إبراهيم، عليه الصلاة و السلام، قصي بن كلاب، الجد الرابع لنبينا محمد (صلى الله عليه و سلم)، فإنه سقفها بخشب الدوم و جريد النخل حين بناها، ثم صارت بعده بلا سقف، إلى أن بنتها قريش، فسقفتها بخشب الدوم و جريد النخل أيضا، و لا يزال تسقيف بعض البيوت و المنازل في الحجاز إلى عصرنا، بخشب الدوم و جذوع النخل و جريدها.

فيعلم بالضرورة من تسقيف الكعبة المشرفة أنه لا بد من وضع ميزاب على سطحها.

و اعلم أن تغيير ميزاب الكعبة أو تغيير شي‏ء مما يتعلق بها يكون لأمرين: إما أن يكون الميزاب أو الشي‏ء قد اعتراه ضعف أو خراب، و إما أن يكون ذلك بقصد التشرف بخدمة بيت اللّه الحرام، رجاء المثوبة، من عند اللّه عز و جل، في كلا الأمرين الأجر و الثواب، فصاحب الخير لا يعدم الخير.

و هنا نذكر ميازيب الكعبة، منذ العهد القديم إلى اليوم، فنقول:

1) الميزاب الذي وضعه قصي بن كلاب، الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه و سلم)، و ذلك حينما بنى الكعبة و سقفها، و لم يذكره المؤرخون، لكن نحن ذكرناه استنتاجا من تسقيفه لها.

168

2) الميزاب، الذي وضعته قريش، حينما بنت الكعبة، قبل نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم)، بخمس سنين على أشهر الأقوال. فبعد تسقيفها جعلوا لها ميزابا، مصبه على حجر إسماعيل، عليه الصلاة السلام، و لا يزال إلى اليوم، مكان جميع ميازيب الكعبة، التي توضع عليها، هو مكان الميزاب الذي وضعته قريش فيه.

3) الميزاب، الذي وضعه عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه عنهما، حينما بنى الكعبة و سقفها، و ذلك سنة أربع و ستين من الهجرة.

4) الميزاب، الذي وضعه الحجاج بن يوسف الثقفي، فإنه هدم من الكعبة ما زاده ابن الزبير فيها، و هو من جهة حجر إسماعيل، و بالضرورة فقد أزال جميع جدار الكعبة، الذي من جهة الحجر، و الذي فيه ميزاب ابن الزبير، كما أزال من الجدار الشرقي و الجدار الغربي ستة أذرع، من كل منهما فقط، من جهة الحجر، ثم بناها على أساس قريش. فلا بد إذا أنه وضع ميزابا جديدا، بدل ميزاب ابن الزبير، الذي مضى عليه عشر سنين، و كان بناء الحجاج لها سنة أربع و سبعين من الهجرة.

و لم يذكره المؤرخون أيضا، لكن ذكرناه، استنتاجا من واقع الحال.

5) الميزاب، الذي وضعه الخليفة الأموي، الوليد بن عبد الملك بن مروان، فقد بعث إلى و اليه على مكة، خالد بن عبد اللّه القسري، بستة و ثلاثين ألف دينار، جعلها صفائح من الذهب، فيضرب منها على باب الكعبة، و على الأساطين، التي بداخلها، و على أركانها من الداخل، و على ميزابها.

فالوليد بن عبد الملك هو أول من ذهّب البيت في الإسلام، كما هو أول من حلّى الميزاب بالذهب، و كان ذلك سنة (91) إحدى و تسعين هجرية حينما أمر بتوسعة المسجد الحرام.

قال الأزرقي: و طول الميزاب أربعة أذرع، و سعته ثماني أصابع، في ارتفاع مثلها، و الميزاب ملبّس صفائح ذهب داخله و خارجه. و كان الذي جعل عليه الذهب الوليد بن عبد الملك. اه.

و قال مؤلف كتاب" المحمل و الحج" عن ميزاب الوليد بن عبد الملك: إنه في سنة خمس و خمسين و أربعمائة، أخذ بنو الطيب هذا الميزاب، و حملوه إلى اليمن، فابتاعه صاحب اليمن الذي امتلك مكة أيضا في السنة المذكورة وردّه إلى مكانه. انتهى.

169

6) الميزاب، الذي عمله أبو القاسم إبراهيم، المعروف «برامشت» ابن الحسين الفارسي، صاحب الرباط المشهور، بمكة، وصل به إلى مكة خادمه مثقال، بعد موته، فركب على الكعبة سنة (539) تسع و ثلاثين و خمسمائة.

7) الميزاب، الذي عمله الخليفة المقتفي باللّه، أبو عبد اللّه محمد بن أحمد العباسي، فركب على الكعبة، بعد قلع ميزاب رامشت، و ذلك في سنة (541) إحدى و أربعين و خمسمائة أو في التي بعدها.

8) الميزاب، الذي عمله الشريف رميثة. قال الغازي في تاريخه، نقلا عن «تحصيل المرام» و هذا عن القرشي، أنه قال:" و عمل الشريف رميثة صاحب مكة ميزابا". اه و لم يزد على ذلك شيئا، و نحن لم نقف في تاريخ على ميزاب رميثة، إلا على هذه الجملة التي رواها الغازي. و الشريف رميثة، تولى إمارة مكة عشر سنين، مع أخيه حميضة، و خمس سنين مع أخيه عطيفة، و تولاها منفردا نحو خمس عشرة سنة، و كان أول توليته مع أخيه حميضة بعد وفاة أبيهما سنة (701) و توفي رميثة سنة (746) فكانت مدة ولايته على مكة ثلاثين سنة. و اللّه تعالى أعلم بغيبه، فلا ندري ميزابه كان في أي سنة.

9) الميزاب، الذي عمله الناصر لدين اللّه، أبو العباس أحمد العباسي، و عمله من الخشب المبطّن بالرصاص، في الموضع الذي يجري فيه الماء، أي من باطن الميزاب، و أما ظاهره، مما يبدو للناس، فهو مطلي بصحائف الفضة، و كان عمل هذا الميزاب بمعرفة الأمير سودون باشا، أثناء عمارته للمسجد الحرام، و ذلك سنة (781) إحدى و ثمانين و سبعمائة.

10) الميزاب، الذي عمله السلطان سليمان القانوني، عمله من الفضة المطلية بالذهب، فركب على الكعبة المشرفة بعد قلع الميزاب السابق، و ذلك سنة (959) تسع و خمسين و تسعمائة، و أمر السلطان المذكور بنقل الميزاب القديم إلى خزانة الروم، فتعرض له بنو شيبة، فأعطوا في مقابل ذلك وزنه فضة من بندر جدة.

11) الميزاب، الذي ورد من مصر، و كان من الذهب فوضع بدل الميزاب الفضة، و أخذ الأول إلى الخزانة العالية للتبرك به، و ذلك سنة (962) اثنتين و ستين و تسعمائة، ذكره مؤلف كتاب «المحمل و الحج».

استأذنّا الفنان يوسف أحمد، مفتش الآثار العربية، و محيي الخط الكوفي بمصر، و مدرّسه بمدرسة تحسين الخطوط الملكية، و بكلية الآداب بالجامعة المصرية،

170

(رحمه اللّه تعالى)، لكن الأستاذ المذكور لم يذكر اسم راسل الميزاب، و الذي استنتجناه، من سياق الكلام، أن هذا الميزاب، الذي ورد من مصر، كان من طرف السلطان سليمان القانوني أيضا، لأن مصر كانت تابعة للدولة العثمانية، فالسلطان المذكور، بعد أن عمل الميزاب السابق، الذي هو من الفضة، رأى أن يبدله بميزاب من الذهب، فإن هذا أكمل بمقامه و هو خليفة المسلمين و أن يحتفظ بالميزاب السابق في خزانة الدولة، بعد أن مكث على سطح الكعبة ثلاث سنوات.

و السلطان سليمان المذكور، لقب بالقانوني لأنه في زمانه، وضعت قوانين للحكومة، عينت فيها مراتب الدولة و مناصبها. جلس السلطان سليمان القانوني، على تخت الملك، في سنة (926) و توفي سنة (973) و عمره أربع و سبعون سنة.

و كان أعظم ملوك الأرض و دولته أقوى الدول و قد افتتح كثيرا من الأقاليم و البلدان.

12) الميزاب، الذي عمله السلطان أحمد خان الأول، ابن السلطان محمد الثالث، و ذلك لما بلغه حدوث تصدع في جدار الكعبة المشرفة، بسبب السيل، الذي دخل المسجد، فأرسل نطاقا من الفضة المطلية بالذهب، ليشد به البيت الحرام، و ميزابا للكعبة، كما أرسل أيضا صحيفة من الذهب، توضع على وجه باب الكعبة، مكتوب عليها قوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ... الآية. و صفائح مطلية بالذهب لأعلى المنبر و غير ذلك، أرسل كل ذلك صحبة حسن آغا المعمر و ذلك سنة (1021) إحدى و عشرين و ألف، كما هو مكتوب في حجر أبيض، في الشاذروان، على يمين الحفرة التي بجانب باب الكعبة.

قال مؤلف كتاب" المحمل و الحج": هذا الميزاب من الفضة منقوش بالذهب و المينا اللازوردية.

و السلطان أحمد خان الأول، جلس على تخت الملك سنة (1012) اثنتي عشر و ألف، و كان عمره أربع عشرة سنة، و قد توفي سنة (1026) فكانت مدة سلطنته أربع عشرة سنة، و هو الذي سن قانون وراثة السلطنة للأكبر و الأرشد من آل عثمان.

171

13) الميزاب، الذي عمله السلطان عبد المجيد خان ابن السلطان محمود خان، و هو من الذهب الخالص، و عليه كتابة جميلة جدا من الجهات الثلاث، بقلم الخطاط الشهير عبد اللّه الزهدي، الذي توفي بمصر سنة (1296) (رحمه اللّه تعالى)، و قد تم هذا الميزاب مع الكتابة عليه سنة (1273) ثلاث و سبعين و مائتين و ألف في القسطنطينية «الآستانة».

يقول الشيخ حسين باسلامة، (رحمه اللّه تعالى)، في كتابه «تاريخ الكعبة المعظمة» نقلا عن تحصيل المرام: إن هذا الميزاب فيه خمسون رطلا من الذهب بحسب التخمين، و جي‏ء به من الآستانة صحبة الحاج رضا باشا، و ركب على الكعبة سنة (1276) ست و سبعين و مائتين و ألف، و والي مكة يومئذ الشريف عبد اللّه بن محمد عبد المعين بن عون، رحم اللّه الجميع، و أرسلوا الميزاب القديم إلى الآستانة ليحفظ في متاحفها.

و يقول الغازي في تاريخه: كان الشريف عبد اللّه بن محمد المذكور في دار السلطنة «أي الآستانة» فلما مات والده، وجهت الدولة العثمانية إمارة مكة للشريف عبد اللّه المذكور، و ذلك في شهر رمضان عام (1274)، و مكث في دار السلطنة لقضاء بعض مهماته، إلى أن توجه إلى مكة، في شهر ربيع الأول سنة (1275)، و دخل مكة في موكب عظيم، و جاء معه بميزاب الكعبة محلّى بالذهب، لم ير الراؤون أحسن منه، بعثه السلطان عبد المجيد خان و أرسلوا القديم إلى دار السلطنة. اه.

نقول: هذا الميزاب، الذي أرسله السلطان عبد المجيد خان، لا يزال موجودا، إلى يومنا هذا، و لا تزال صورته الجميلة البديعة باقية على حالته الأصلية، لأنه عمل بنية خالصة، و بالذهب الخالص، فرحم اللّه الأقدمين، الذين إذا عملوا عملا أتقنوه.

و مما يجب ذكره أنه في شهر محرم سنة (1376) ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف، ثار هواء شديد، ففتق قطعة من ثوب الكعبة الجديد، الذي خيط عليها، قريبا من جهة حجر إسماعيل، فألقى بهذه القطعة على هذا الميزاب المذكور، فالتوى و تعطف منها، لسان الميزاب المتدلي فقط، و لم تحدث هذه القطعة الثقيلة أي ضرر على الميزاب مطلقا، حتى أنه لم يتحرك قيد شعرة عن محله، فانظر رحمك اللّه إلى قوة البناء و إخلاصهم في إحكام وضعه، ثم إن مديرية الأوقاف أصلحت‏

172

لسان الميزاب المعوج، في يوم الأربعاء حادي عشر من ربيع الثاني، من السنة المذكورة.

و السلطان عبد المجيد خان صاحب هذا الميزاب البديع، الذي فيه خمسون رطلا من الذهب الخالص، هو الذي أرسل أيضا الطوق الذهبي للحجر الأسود سنة (1268) ثمان و ستين و مائتين و ألف، و كان وزن هذا الطوق عشر إقات من الذهب الصافي، و قد كان على الحجر ثلاث عشرة سنة، ثم قلع و وضع بدلا عنه الطوق الفضي، الذي أرسله السلطان عبد العزيز خان سنة (1281) فرحم اللّه الجميع و جزاهم خير الجزاء.

و في تقويم أم القرى التي تصدر بمكة المكرمة، بورقة يوم الجمعة 19 شوال عام 1366، مذكور أن السلطان عبد المجيد المذكور، كان يمتلك أثمن ساعة، منذ عرفت الساعات، فقد صنعت هذه الساعة، في لندن سنة 1844 ميلادية، من ذهب عيار 22 قيراطا، و كان قطرها خمس بوصات، و كان ميناؤها من حجر" عين الهر" و هو نوع من أثمن أنواع الأحجار الكريمة، و عقاربها مرصعة بالألماس و اللآلئ، و ظهرها مصنوع من البلور الفاخر، يكشف عن آلاتها، و قد حفرت فيه نقوش بديعة، و كان بها جرس يدق كل ساعة، و قد بلغت تكاليفها" 12200" من الجنيهات أي الذهبية. اه.

فإذا كان مثل هذا السلطان ينفق على ساعة واحدة أكثر من اثني عشر ألف جنيه، فلا نستكثر منه، (رحمه اللّه تعالى)، أن يجعل في سبيل اللّه ميزاب الكعبة و طوق الحجر الأسود من الذهب الخالص. ففي المثل" و عن الملوك فلا تسل".

عمل باب الكعبة المشرفة

لا نريد أن نتكلم عن بناء الكعبة المشرفة قبل إبراهيم الخليل، عليه الصلاة و السلام، لأن تلك العصور غابرة بعيدة، و إنما نتكلم عن بنائه و بناء من بعده، فنقول: إن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام، لما بنى الكعبة بناها بالرضم، حجارة بعضها فوق بعض من غير طين و لا نورة، و لم يجعل لها سقفا و لا بابا، و إنما ترك لمكان الباب فتحة في جدارها الشرقي، للدلالة على وجه البيت، و ما دام بناؤه لها كان على هذه الصفة فلا ضرورة لوضع باب عليها. ذكر الفاسي، أنه لما انهدم بناء إبراهيم بنت جرهم الكعبة، و جعلوا لها بابا بمصراعين وقفلا، فعلى هذا

173

تكون جرهم بنت الكعبة قبل العمالقة، و روى الأزرقي العكس، و اللّه تعالى أعلم، و نحن رأينا، أن بناء جرهم و بناء العمالقة لا بد و أن يكون على غرار بناء إبراهيم، عليه الصلاة و السلام، أي بنوها بالرضم، بدون سقف لها، و لا باب، لأن حالة تلك العصور بدائية على الطبيعة الأولى، لذلك ذكرنا هنا، أول من عمل بابا للبيت، تبّع الحميري، و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

1) فأول من جعل للكعبة بابا يغلق أسعد الحميري، و هو تبّع، أحد ملوك اليمن، قبل البعثة بزمن بعيد، و هو أيضا أول من كساها كسوة كاملة و نحر عندها.

2) قريش لما بنتها، جعلوا لها بابا مرتفعا عن الأرض، و لم تبق الكعبة بدون باب بعد ذلك، و إنما كان يجدّد لها الباب.

3) عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه عنهما، لما بناها جعل لها بابين لاصقين بالأرض، و جعل لكل منهما مصراعين، و هو كذلك إلى اليوم.

4) الحجاج بن يوسف الثقفي، فإنه لما بناها، سد الباب الغربي، و رفع الباب الشرقي عن الأرض، و ذلك سنة أربع و سبعين.

5) عمل الخليفة العباسي، المقتفي لأمر اللّه، بابا للكعبة، بواسطة الوزير جمال الدين، و ذلك سنة خمسمائة و إحدى و خمسين عمله مصفحا بالذهب و الفضة، و قلع الباب القديم، و جعله تابوتا لنفسه، يدفن فيه.

6) عمل الملك المظفر، صاحب اليمن، بابا للكعبة، لما حج سنة تسع و خمسين و ستمائة، و جعل عليه صحائف الفضة زنتها ستون رطلا.

7) عمل الناصر محمد بن قلاوون، صاحب مصر، بابا للكعبة، و حلّاه بخمس و ثلاثين ألف درهم، و ركّبه في الكعبة، ثاني عشر في الحجة سنة ثلاث و ثلاثين و سبعمائة.

8) عمل الناصر حسن بن محمد بن قلاوون بابا للكعبة، من خشب الساج، و ذلك سنة إحدى و ستين و سبعمائة. و قد أصلحوا تحلية هذا الباب مرارا.

9) عمل السلطان سليمان خان القانوني، بابا للكعبة، و حلّاه بحلية كثيرة، و ذلك سنة أربع و ستين و تسعمائة.

10) عمل السلطان مراد خان الرابع ابن السلطان أحمد خان، بابا للكعبة، و ذلك بعد عمارته لها بخمس سنين، فركب عليها، بمحفل كبير، و ذلك في يوم الخميس عشرين من شهر رمضان سنة خمس و أربعين و ألف، و جعل فيه من‏

174

الحلية الفضية ما زنته مائة و ستون رطلا، بالذهب البندقي، بما قيمته ألف دينار، و استمروا ثلاثة أيام في تركيب هذا الباب حتى صار محكما ثابتا.

و نقل الشيخ حسين باسلامة عن السنجاري أنه قال في تاريخه ما ملخصه: أنه في آخر ذي القعدة، سنة تسع عشرة و مائة و ألف، قلعوا خدود باب الكعبة، و الطراز الذي من الذهب الخايف، فأصلحوا كل ذلك، و كتبوا على الطراز تاريخا، ذكروا فيه أنه تجديد السلطان أحمد خان، و ذلك بحضور الشريف عبد الكريم، و شيخ الحرم الأمير إيواز بك، و السيد يحيى بن بركات، و قاضي الشرع و بعض المعلمين. انتهى منه. لكن السنجاري لم يبين أيّ السلطان أحمد خان يعنيه. فنحن نقول: إن الذي يعنيه السنجاري هو السلطان أحمد خان الثالث، حيث جلس هذا، على تخت الملك، سنة خمس عشرة و مائة و ألف. و إن شاء اللّه سنذكر بعد هذا المبحث نصّ الكتابة المنقوشة على الطراز المذهّب في زمن السلطان أحمد.

11) عمل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، (رحمه اللّه تعالى)، بابا للكعبة مصفحا بالذهب و الفضة، فركب عليها باحتفال كبير، و ذلك في يوم 23 من ذي القعدة سنة سبعين و ثلاثمائة و ألف، و قلع الباب القديم الذي كان عمله السلطان مراد خان الرابع، و لم يجعل الملك عبد العزيز قفلا جديدا للباب لصلاحية القفل القديم.

انظر: صورة رقم 113، ستارة باب الكعبة انظر: صورة رقم 114، رأس مفتاح الكعبة المعظمة و قد كتب في أسفل مصراعي هذا الباب الجديد ما يأتي:

" أمر بصنع هذا الباب جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ملك المملكة العربية السعودية سنة (1363) فكان بين صدور الأمر الملكي بصنع هذا الباب للكعبة المشرفة و بين تركيبه سبعة أعوام".

قال بعضهم، في الالتجاء إلى اللّه تعالى، عند باب بيته الحرام:

لذ بذا الباب كلما* * * خفت ضيق المناهج‏

فهو باب مجرّب‏* * * لقضاء الحوائج‏

و قال مؤلف هذا الكتاب محمد طاهر الكردي الخطاط غفر اللّه تعالى له و لوالديه:

لذ برب البيت يا من قد أسا* * * و التزم" بالملتزم" مستأنسا

175

كم أتى فيما مضى من مذنب‏* * * قام يدعو ربه مما أسا

دامع العين ذليلا خاشعا* * * جاهرا يدعو و طورا هامسا

كم نبي كم رسول قد أتى‏* * * يعبد اللّه تعالى غلسا

كم تقيّ صالح أو عالم‏* * * عامل لاذ هنا فاستأنسا

هاهنا يشكو ضعيف ظلمه‏* * * و هنا يرجو فقير بئسا

و هنا يخضع جبار له‏* * * سطوة كبرى و ملك أسّسا

قم بباب اللّه و اطلب فضله‏* * * من رجا ما خاب و أبشر فعسى‏

إن خير الناس من جا تائبا* * * عائذا باللّه يرجو قبسا

عمل قفل و مفتاح لباب الكعبة

القفل تابع لنفس الباب، فمتى كان الباب كان القفل و مفتاحه، و القفل يشمل الضبة الخشبية و يشمل القفل الحديد بجميع أشكاله و أنواعه. و قد سبق أن تكلمنا عن تجديد باب الكعبة المعظمة، و هنا نتكلم عن تجديد قفل الباب و مفتاحه، و لا ندري هل يكون تجديد القفل تابعا لتجديد باب الكعبة أم لا على كل حال نذكر هنا ما وقفنا عليه في بعض كتب التاريخ فنقول:

1) تقدم في البحث السابق أن أسعد الحميري، و هو تبّع، أول من جعل للكعبة بابا يغلق، و معنى هذا أنه وضع عليه قفلا، و هو الضبة الخشبية بالطبع.

2) قريش حينما بنوا البيت جعلوا له بابا و كان يغلق و يفتح، و معنى هذا أيضا أنهم جعلوا له ضبة خشبية، و هو قفل زمانهم.

3) عبد اللّه بن الزبير، حينما بنى البيت، كان يغلق بالضبة لقرب عهده بقريش.

4) الحجاج بن يوسف الثقفي، لما بنى البيت، كان يغلق بالضبة، كعهد ابن الزبير.

5) قال ابن فهد: بعث المعتصم باللّه العباسي، سنة تسع عشرة و مائتين، للكعبة، قفلا فيه ألف دينار.

6) عمل الملك المظفر صاحب اليمن لما حج سنة خمس و خمسين و ستمائة بابا و قفلا للكعبة.

176

7) قفل و مفاتيح أهداه إليها الملك الظاهر بيبرس، صاحب مصر، و المظنون أن ذلك كان حينما حج سنة (667) سبع و ستين و ستمائة هجرية.

8) قال الغازي: لما استناب الشريف حسن بن عجلان، سنة أربع و ثمانمائة في صفر في الحكم بمكة، الأمير بيسق، لسفره إلى حلى، عمل المذكور بمكة بعض أعمال لم يرض بها الشريف حسن فنقم عليه، منها: أنه عمل قفلا و مفتاحا في جمادى الأولى من السنة المذكورة، لباب الكعبة، و ركبه عليها، و أخذ القفل و المفتاح اللذين كانا على الكعبة، فأخذ الشريف حسن منه القفل و المفتاح القديمين و أعادهما إلى الكعبة. انتهى.

9) القفل و المفتاح، لباب الكعبة المشرفة، في عصرنا هذا، فقد أمر بصنعهما السلطان عبد الحميد خان في سنة (1309) تسع و ثلاثمائة و ألف.

و لقد أسعدنا اللّه عز و جل بالصعود إلى باب الكعبة المعظمة، في ضحى يوم الأربعاء سبع و عشرين من شهر رجب سنة (1376) ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف، و ذلك للتحقق من القفل و المفتاح الموجودين اليوم على باب الكعبة المعظمة. و إليك أيها القارئ الكريم وصفهما:

فالقفل المذكور طويل، مضلع بستة أضلاع، و هو من الحديد، طوله ثمانية و ثلاثون سنتيمترا، و عرض كل ضلع من أضلاعه الستة ثلاث سنتيمترات، فيكون محيط أضلاعه ثمانية عشر سنتيمترا، و في كل ضلع من أضلاعه الستة قطعة رقيقة من النحاس الأصفر، طولها نحو ثمانية سنتيمترات و عرضها نحو سنتيمترين، مكتوب بالحفر في كل منها بالخط الثلث الجميل جدا ما يأتي:

فعلى القطعة الأولى من النحاس الأصفر مكتوب: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه و على القطعة الثانية منه: نصر من اللّه و فتح قريب. إنا فتحنا لك فتحا مبينا.

و على القطعة الثالثة منه: أمر بهذا القفل الشريف مولانا السلطان المعظم. و على القطعة الرابعة منه: و الخاقان الأفخم السلطان الغازي عبد الحميد خان. و على القطعة الخامسة منه: خلّد اللّه ملكه إلى منتهى الدوران. و على القطعة السادسة منه: سنة تسع و ثلاثمائة و ألف.

أما مفتاح هذا القفل فإليك وصفه و شكله: فهو طويل يشبه يد الهاون من طرفيه، أما ما بينهما فغلظه كغلظ الإصبع الصغير" أي البنصر"، و طول المفتاح أربعون سنتيمترا و ربما نقص نصف سنتيمتر فقط، و رأسه دائرية كشق الرّحى،

177

و قطر دائرة الرأس ثلاث سنتيمتر و نصف، و سمكها أي غلظها سنتيمتر واحد فقط، و رأس المفتاح مشقوق ثلاث شقوق متساوية.

و من الحكايات المناسبة لقفل الكعبة و مفتاحه ما يأتي:

روى الإمام الأزرقي في تاريخه: أن عائشة سألت أن يفتح لها باب الكعبة ليلا، فأبى عليها شيبة بن عثمان، فقالت لأختها أم كلثوم، ابنة أبي بكر، انطلقي بنا حتى ندخل الكعبة، فدخلت الحجر، و في رواية أخرى أن عائشة سألت النبي (صلى الله عليه و سلم) أن يفتح لها الباب ليلا، فجاء عثمان بن طلحة بالمفتاح إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه إنها لم تفتح بليل قط. قال: فلا تفتحها، ثم قال لعائشة: إن قومك لما بنوا البيت قصرت بهم النفقة، فتركوا بعض البيت في الحجر، فادخلي الحجر فصلي فيه. انتهى من الأزرقي.

و مما يلحق بهذا، ما رواه الغازي في تاريخه و في سنة ألف و ثلاث و ثمانين أراد إسحاق أفندي، الوارد من جهة الروم، صحبة الحج، و كان من كبار الدولة، أن يدخل الكعبة الشريفة ليلا، فأراد الشيخ عبد الواحد بن محمد الشيبي الحجبي أن يفتح له البيت، فتعسر فتحه، فدعا بحداد، نعت له بالمعرفة، فأمره بفش القفل، فاضطربت يده و ما قدر. قال الشيخ عبد الواحد: فأصغيت، و إذا بالباب كان يدفع من داخل البيت، و أحسست بالدفع و القوة المانعة، قال: فصرفت الناس، و قلت:

أيها الناس إن هذا البيت بيد اللّه، يفتحه لمن يريد. فانصرف الناس و منهم إسحاق أفندي و لم يتيسر له الدخول. اه.

و معنى فش القفل: فتحه بحيلة بغير مفتاح.

و يشبه هذه الحكاية ما رواه لنا رئيس سدنة الكعبة المشرفة في وقتنا الحاضر، و هو فضيلة الشيخ محمد بن محمد صالح بن أحمد الشيبي، البالغ من العمر الآن (84) عاما و ذلك حينما كنا بمنزله العامر تلبية لدعوته لنا للغداء، في أواخر شهر رجب سنة 1376 هجرية فقد قال:

أمرني والدي أن أفتح الكعبة ليلا، بعد العشاء بساعة، لدخول ابنة راتب باشا التركي، والي الحجاز، و ذلك في سنة (1322) ألف و ثلاثمائة و اثنتين و عشرين هجرية، فذهبت صحبة محمود بن محمد عيد، وكيل والدي في الأعمال‏

178

الخصوصية، إلى المسجد الحرام، لفتح الكعبة، فلما فتحتها و أرادت دخولها، وقع رجل، كان واقفا بجواري، يريد الدخول، فوقع من عتبة باب الكعبة إلى الأرض، و لم يحصل له ضرر و لا أذى، ثم نهض و امتنع عن الدخول، و جلس بعيدا عند زمزم، فلما انتهت الزيارة، و قفل باب الكعبة، سألت الرجل عما حصل له، فقال: لما أردت دخول الكعبة أحسست بيد ناعمة دفعتني في صدري، فوقعت على الأرض، و لم يحصل لي أي ألم، و أصابتني رهبة شديدة، فعلمت أن ذلك كان بسبب أنني ارتكبت أمرا محظورا، قبيل حضوري إلى بيت اللّه الحرام، و لقد تبت و رجعت إلى اللّه تعالى، من هذه الساعة، فأسأل اللّه أن يغفر لي زلتي و يقبل توبتي.

نقول: لا يستبعد وقوع الحكايتين المذكورتين، لأن بيت اللّه عز شأنه، فيه من الأسرار ما لا نعلمه، و هو عامر بعبادة خلقه من إنس و جن و ملك في كل لحظة ليلا و نهارا. فقد جاء في شفاء الغرام: روى الأزرقي بسنده إلى وهب بن منبه قال: و قرأت في كتاب من الكتب الأولى ذكر فيه الكعبة فوجد فيه: أنه ليس من ملك بعثه اللّه إلى الأرض إلا أمره بزيارة البيت، فينقض من تحت العرش محرما ملبيا حتى يستلم الحجر، ثم يطوف سبعا و يركع في جوفه ركعتين ثم يصعد. اه.

و جاء في تاريخ الأزرقي: عن عثمان بن يسار قال: بلغني و اللّه أعلم أن اللّه تعالى إذا أراد أن يبعث ملكا من الملائكة لبعض أموره في الأرض، استأذنه ذلك الملك في الطواف بالبيت فهبط الملك مهلا.

و جاء فيه أيضا: عن وهب بن منبه أن ابن عباس أخبره أن جبريل وقف على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و عليه عصابة خضراء قد علاها الغبار، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): ما هذا الغبار الذي أرى على عصابتك أيها الروح الأمين؟ قال: إني زرت البيت فازدحمت الملائكة على الركن، فهذا الغبار الذي ترى مما تثير بأجنحتها. انتهى.

و جاء في كتاب" القرى لقاصد أم القرى" لمحب الدين الطبري ما نصه:

و عن سعيد بن جبير أن عائشة قالت: يا رسول اللّه كل نسائك دخل البيت غيري، قال: فانطلقي إلى قرابتك شيبة يفتح لك الكعبة. فأتته، فأتى النبي (صلى الله عليه و سلم)، فقال: و اللّه ما فتحت بليل قط في جاهلية و لا إسلام، و إن أمرتني أن أفتحها فتحتها. قال: لا. ثم قال: إن قومك قصرت بهم النفقة فقصروا في البنيان، و إن الحجر من البيت فاذهبي فصلي فيه. أخرجه أحمد و سعيد بن منصور و أبو ذر.

179

قال الغازي: و في سادس عشر ذي الحجة سنة (1136) ست و ثلاثين و مائة و ألف، طلب عثمان باشا أبو طوق، فتح البيت الشريف بالليل، فتوقف الشيخ عبد القادر بن عبد المعطي الشيبي، فغضب الباشا، و أرسل يعرف الشريف بذلك، فغضب الشريف على عبد القادر، لعدم اعتنائه بالوزير، فعزله و ولى عمه الشيخ أحمد بن عبد الواحد الشيبي منصبه- و الشريف المذكور اسمه الشريف عبد اللّه بن سعيد- ثم في الحادي عشر ذي القعدة سنة سبع و ثلاثين و مائة و ألف، عزل باكير باشا أحمد الشيبي، عن حجابة البيت الشريف، و ولاها لابن أخيه عبد القادر الشيبي، و سببه ورود الأمر السلطاني فولاه بمضمون ذلك. اه.

نقل الغازي (رحمه اللّه تعالى)، من كتاب" إتحاف فضلاء الزمن" ما ملخصه:

أنه في محرم سنة ألف و مائة و اثنتين و عشرين اجتمع الشيخ سعيد المنوفي بالشلبي حميدان، وزير مكة، و قال له: إن الشريف يأمرك أن تصنع له مفتاحا يضاهي مفتاح الكعبة الشريفة. فأرسل الشلبي عثمان إلى كمال الصايغ، و أخبره بمراد الشريف، و طلب منه عمل المفتاح، فصنعه له على المطلوب، بحيث لا يفرق أحد بين المفتاح الأصلي و المفتاح التقليدي، فوشى بعضهم به إلى الشريف، فأمر بإحضاره و طلب منه المفتاح، فجاء به، فأرسل الشريف إلى الشيخ عبد الواحد الشيبي، و سلمه المفتاح، فتعجب الشيخ عبد الواحد من هذا المفتاح، الذي هو مطابق للمفتاح الأصلي، الذي يحتفظ به، فحينئذ طلب الشريف الشلبي عثمان و سأله عن حقيقة هذا المفتاح، فقال: صنعته لكم، حيث جاءني الشيخ سعيد المنوفي، و قال لي: إن الشريف يأمرك أن تصنع مفتاحا يشبه مفتاح الكعبة، فامتثلت الأمر. فأمر الشريف بحل وظائف الشيخ سعيد المنوفي، و إخراجه من البلد، فشفع فيه السيد عبد المحسن بن أحمد بن زيد، فعفا عنه، و كان مقصود الشيخ سعيد أن يرسل المفتاح لسلطان الهند. اه.

و جاء في الجزء الثاني، من تاريخ الغازي ما خلاصته: أنه لما استولى على مكة الملك سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، صاحب اليمن، أخ السلطان صلاح الدين، و ذلك في رمضان سنة (581) إحدى و ثمانين و خمسمائة طلع أمير مكة يومئذ مكثر بن عيسى على جبل أبي قبيس، و أغلق باب بيت اللّه الحرام، و أخذ المفتاح معه، فأرسل إليه سيف الإسلام يطلب منه المفتاح، فامتنع من إرساله، فقال سيف الإسلام لرسوله: قل لصاحبك إن اللّه نهانا عن أشياء فارتكبناها، و قال النبي‏

180

(صلى الله عليه و سلم): لا تأخذوا المفتاح من بني شيبة، فنأخذه و نستغفر اللّه تعالى، فبعث إليه بالمفتاح.

قال الغازي: و ذكر السنجاري أيضا في" منائح الكرم" قصة أخذ المفتاح، و هذا نصه:

قال صاحب الوقائع أن مكثرا أخذ مفتاح الكعبة، لما صعد قلعة أبي قبيس، فأرسل طغتكين، إلى شيخ السدنة، و قال له: خذ المفتاح و هاته و إلا أخذناه منك، فإن اللّه أمرنا بأمور فتركناها، و نهانا عن أمور فارتكبناها، و إن كان المفتاح لكم نأخذه منكم، و نستغفر اللّه تعالى، فبعث إليه شيخ السدنة بالمفتاح. انتهى من تاريخ الغازي.

و جاء في" تاريخ الكعبة المعظمة": و ذكر في حوادث سنة (976) أنه لثلاث بقين من رمضان، فتح الشيخ عبد الواحد الشيبي الكعبة المشرفة للنساء، على جري العادة، فسرق من حجره مفتاح الكعبة، و هو مصفح بالذهب، فوقعت الضجة و أغلقت أبواب الحرم، و فتشت الناس، فلم يظفروا به، ثم وجده سنان باشا باليمن، مع رجل أعجمي، فأخذه و قرره و كبس داره، فوجد عنده المفتاح و غيره من سرقات، أقر بها فقطع رأسه، و أعاد المفتاح إلى الشيخ عبد الواحد، و عبد الواحد الشيبي هذا غير عبد الواحد الذي تقدم ذكره فزمنهما مختلف.

و مما يلحق بهذه الحكاية ما جاء في رحلة ابن جبير الأندلسي التي كانت سنة (578) من الهجرة، أنه لما أراد زعيم الشيبيين فتح باب الكعبة المعظمة، لسيف الإسلام الأمير طغتكين بن أيوب، أخي صلاح الدين، بعدما صعدوا إلى سلمها، الذي يوضع أمام الباب، سقط مفتاح من كمه، في ذلك الزحام، فوقف وقفة دهشة مذعورا، و وقف الأمير على المدرج، لكنهم وجدوه سريعا، ففتحوا الباب و دخلوا الكعبة. انتهى.

الكتابة التي بأعلى باب الكعبة

ما كنا نظن أنه توجد كتابة بأعلى باب الكعبة، على العقد، من الخارج، لعدم ظهور شي‏ء، بسبب برقع باب الكعبة،- أي الستارة التي عليه- لكن ظهر لنا جزء يسير من الكتابة مصادفة، لانحسار البرقع، عن أعلى الباب قليلا. و لما كان عقد الباب عاليا، أكثر من خمسة أمتار، لم نتمكن من قراءة ما هو مكتوب عليه،

181

خصوصا و المطاف مزدحم بالطائفين من الناس، فقد انشغل بالنا كثيرا لمعرفة الكتابة، حتى يسر اللّه تعالى لنا الوصول إلى ما فوق الباب الشريف فقرأناها بكل هدوء و راحة.

و لقد كانت هذه الكتابة، في عهد السلطان أحمد خان الثالث، أحد سلاطين آل عثمان، و ذلك حينما جدد خدود باب الكعبة، و الطراز الذهب الخايف، كما سبق بيان ذلك، في مبحث" عمل باب للكعبة المشرفة".

و إليك تفصيل ما قمنا بتحقيق قراءة الكتابة المذكورة على عقد الباب:

إنه في يوم السبت خامس عيد الفطر سنة (1376) ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف، ذهبنا، قبيل الظهر، إلى المسجد الحرام، و قد أخذنا معنا سلما طويلا، يصل من أرض المطاف إلى أعلى باب الكعبة المشرفة، لقراءة ما هو مكتوب في أعلى عقد باب الكعبة، بعد استئذان فضيلة الشيخ محمد الشيبي، سادن بيت اللّه الحرام، فصعدنا السلم، فإذا على عقد الباب مكتوب سطران بخط الثلث الواضح الجميل، على ستة ألواح رقاق من الذهب الخالص النظيف، و الكتابة باللون الأسود، من نفس الذهب لا بالبوية، و هذه الألواح الذهب مسمرة على خشبة ثخينة، ممتدة من أول الباب إلى آخره، أي بمقدار عرض الباب بل أكثر من ذلك، بحيث تزيد على اليمين، بنحو شبر، و عن اليسار مثل ذلك، و داخلة في نفس البناء، أي أن الخشبة غير بارزة خارج البناء، و طول هذه الخشبة نحو مترين و ثلاثين سنتيمترا، و عرضها نحو نصف متر كما قسنا بنفسنا.

(فالسطر الأول): مكتوب على ثلاثة ألواح من الذهب، مسمر كل لوح منها بطرف الآخر بالطول، على خشبة العقد المذكورة، و طول كل لوح منها تسعون سنتيمترا، و عرض كل واحدة منها أربع و عشرون سنتيمترا.

و قد كتب على الثلاثة الألواح التي تمثل السطر الأول ما يأتي:

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.

182

(و السطر الثاني): مكتوب على ثلاثة ألواح أيضا من الذهب، مسمرة على خشبة العقد المذكورة، طول كل لوح و عرضه مثل ألواح السطر الأول تماما، بدون زيادة و لا نقصان.

و قد كتب على هذه الثلاثة الألواح التي تمثل السطر الثاني ثلاثة أبيات و هي هذه:

لقد رمّم الحنكار بابا لبيته‏* * * له كل مخلوق يصلي و يسجد

و خلف ذخر الأجر من بعد جده‏* * * بنى ملك عثمان أحمد يحمد

فقل فيه مدحا ما استطعت مؤرخا* * * بتجديده بالبيت قد فاز أحمد

هذا هو نص السطرين المكتوبين على عقد باب الكعبة المشرفة، في الألواح الستة الذهبية، و ليس فيها تاريخ كتابة هذه الألواح بالأرقام، اكتفاء بالشطر الأخير" بتجديده بالبيت قد فاز أحمد" فإنه يكون على حساب الأبجدية سنة (1118) ثمان عشرة و مائة و ألف. فإن مجموع حساب كلمة" بتجديده" هو 428 و مجموع حساب" بالبيت" هو 445 و مجموع" قد" هو 104 و مجموع حساب" فاز" هو 88 و مجموع حساب" أحمد" هو 53 فإذا جمعنا كل هذه الأرقام كان الناتج (1118) و هو عام تجديد خدود باب الكعبة، في زمن السلطان أحمد خان، و معنى كلمة" حنكار" في الشطر الأول، من الأبيات، لقب من ألقاب الملوك السابقين.

و اعلم أن عقد باب الكعبة مستقيم تمام الاستقامة، ليس فيه تدوير و لا انحناء، كما كان كذلك من سابق الأزمان المتقدمة.

و عتبة الباب عبارة عن حجر واحد مستقيم أملس، من حجارات مكة القوية الصماء، طوله كطول الباب مائة و تسعون سنتيمترا، و عرضه تسعة و ثلاثون سنتيمترا، و ارتفاعه سبعة و عشرون سنتيمترا، و في وسط هذه الحجر خرق مدور، قطر دائرته ثلاث سنتيمترات، جعل بمثابة ميزاب يخرج منه الماء، إلى أرض المطاف، عند غسل داخل الكعبة، و من هذا الحجر الذي هو عبارة عن عتبة باب الكعبة، إلى أرض المطاف مائة و اثنان و تسعون سنتيمترا، ثم من عتبة الباب، أي من هذا الحجر، إلى منتهى ارتفاع الباب، ثلاثة أمتار و سبعة سنتيمترات.

183

فيعلم من كل ما تقدم أن الكتابة، التي على عقد باب الكعبة، و التي هي في الألواح الستة، من الذهب، ترتفع عن أرض المطاف بمقدار خمسة أمتار و نصف متر تماما.

و أما الدرجة الواحدة، التي يقف عليها الناس للدعاء، تحت باب الكعبة، فإنها ترتفع عن أرض المطاف بثمان سنتيمترات فقط.

نقول: لم نجد أحدا من المؤرخين اطلع على ما كتب فوق عقد باب الكعبة، و ذكر نص ما هو مكتوب عليه غيرنا و للّه الحمد، فلأول مرة يظهر التحقيق التام في هذا البحث، فالحمد للّه على توفيقاته المتوالية و نعمائه المتتالية، و نسأله المزيد من فضله الواسع، و إحسانه العميم إنه هو العلي الكبير، و صلى اللّه على النبي الأمي" سيدنا محمد" و على آله و صحبه و سلم.

انتقال مفتاح الكعبة من شخص لآخر قبل الإسلام‏

تقدم أن خليل اللّه إبراهيم، عليه الصلاة و السلام، لما بنى الكعبة بناها بالرضم، حجارة بعضها فوق بعض من غير طين و لا نورة، و لم يجعل لها سقفا و لا بابا، و إنما ترك لمكان الباب فتحة في جدارها الشرقي، للدلالة على وجه البيت الحرام.

فما دامت الكعبة بنيت بالحجارة فقط، و كانت بدون سقف فلا تحتاج إلى وضع باب عليها و لا إلى مفتاح، فمتى صار لها باب و مفتاح، كان المفتاح بيد أحد كبار أهل مكة فكان أمينا عليه.

فأول من جعل للكعبة بابا يغلق تبّع الحميري و هو أسعد، أحد ملوك اليمن، قبل البعثة بزمن بعيد، كما أنه هو أول من كساها و نحر عندها. و معنى أنه جعل للكعبة بابا يغلق، أي كان للباب مفتاح، و اللّه تعالى أعلم، كان في يد أيّ رجل، فمن جملة من كان المفتاح بيده قديما حليل بن حبشية ابن سلول الخزاعي، و حليل" بالحاء المهملة" يومئذ يلي الكعبة و أمر مكة، و قد خطب ابنته حبي قصي بن كلاب بن مرة، و هو الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه و سلم) فعرف حليل نسب قصي، و رغب فيه، فزوجه ابنته حبي، فولدت لقصي عبد الدار، و هو أكبر ولده، و عبد مناف و عبد العزى و عبد بن قصي، فكان حليل يفتح البيت، فإذا اعتل أعطى ابنته حبي المفتاح، ففتحته، فإذا اعتلّت أعطت المفتاح زوجها قصيا أو بعض ولدها فيفتحه، و كان‏

184

قصي يعمل في حيازته إليه، و قطع ذكر خزاعة عنه، فلما حضرت حليلا الوفاة، نظر إلى قصي، و إلى ما انتشر له من الولد من ابنته، فرأى أن يجعلها في ولد ابنته، فدعا قصيا فجعل له ولاية البيت، و أسلم إليه المفتاح و كان يكون عند حبي فلما هلك حليل، أبت خزاعة أن تدعه و ذاك، و أخذوا المفتاح من حبي، فمشى قصي إلى رجال من قومه من قريش، و بني كنانة، و دعاهم إلى أن يقوموا معه في ذلك و أن ينصروه و يعضدوه، فأجابوه إلى نصره، و أرسل قصي إلى أخيه لأمه، رزاح بن ربيعة، و هو ببلاد قومه من قضاعة يدعوه إلى نصره، و يعلمه ما حالت خزاعة بينه و بين ولاية البيت، و يسأله الخروج إليه بمن أجابه من قومه، فقام رزاح في قومه، فأجابوه إلى ذلك، فخرج رزاح بن ربيعة و معه إخوته من أبيه حسن و محمود و جلهمة بن ربيعة بن حرام، فيمن تبعهم من قضاعة، في حاج العرب مجتمعين، لنصرة قصي و القيام معه، فلما اجتمع الناس بمكة، خرجوا إلى الحج، فوقفوا بعرفة و بجمع، و نزلوا منى، و قصي مجمع على ما أجمع عليه من قتالهم، بمن معه من قريش و بني كنانة، و من قدم عليه، مع أخيه رزاح من قضاعة، فلما كان آخر أيام منى، أرسلت قضاعة إلى خزاعة، يسألونهم أن يسلموا إلى قصي ما جعل له حليل، و عظموا عليهم القتال في الحرم، و حذروهم الظلم و البغي بمكة، و ذكروهم ما كانت فيه جرهم و ما صارت إليه، حين ألحدوا فيه بالظلم و البغي، فأبت خزاعة أن تسلم ذلك، فاقتتلوا بمفضى مأزمي منى قال: فسمى ذلك المكان المفجر، لما فجر فيه و سفك فيه من الدماء، و انتهك من حرمته، فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى كثرت القتلى في الفريقين جميعا، و فشت فيهم الجراحات، و حاج العرب جميعا، من مضر و اليمن، مستكفون ينظرون إلى قتالهم، ثم تداعوا إلى الصلح، و دخلت قبائل العرب بينهم، و عظموا على الفريقين سفك الدماء و الفجور في الحرم، فاصطلحوا على أن يحكموا بينهم رجلا من العرب، فيما اختلفوا فيه، فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن الليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، و كان رجلا شريفا، فقال لهم: موعدكم فناء الكعبة غدا. فاجتمع إليه الناس و عدوا القتلى، فكانت في خزاعة أكثر منها في قريش و قضاعة و كنانة، و ليس كل بني كنانة قاتل مع قصي، إنما كانت مع قريش من بني كنانة قبائل يسيرة. و اعتزلت عنها بكر بن عبد مناة قاطبة. فلما اجتمع الناس، بفناء الكعبة، قام يعمر بن عوف فقال: ألا إني قد شدخت ما كان بينكم من دم تحت قدمي هاتين، فلا تباعة لأحد على أحد في دم، و إني قد حكمت لقصي بحجابة الكعبة و ولاية أمر مكة

185

دون خزاعة، لما جعل له حليل، و أن يخلى بينه و بين ذلك، و أن لا تخرج خزاعة عن مساكنها من مكة، قال: فسمى يعمر من ذلك اليوم الشداخ، فسلمت ذلك خزاعة لقصي، و عظموا سفك الدماء في الحرم، و افترق الناس، فولي قصي بن كلاب حجابة الكعبة، و أمر مكة، و جمع قومه من قريش من منازلهم إلى مكة، يستعزّ بهم، و تملّك على قومه فملّكوه، و خزاعة مقيمة بمكة، على رباعهم و سكناتهم، لم يحركوا و لم يخرجوا منها، فلم يزالوا على ذلك حتى الآن، و قال قصي في ذلك و هو يتشكر لأخيه رزاح بن ربيعة:

أنا ابن العاصمين بني لؤي‏* * * بمكة مولدي و بها ربيت‏

ولي البطحاء و قد علمت معد* * * و مروتها رضيت بها رضيت‏

و فيها كانت الآباء قبلي‏* * * فما شويت أخي و لا شويت‏

فلست لغالب إن لم تأثل‏* * * بها أولاد قيدر و النبيت‏

رزاح ناصري و به أسامي‏* * * فلست أخاف ضيما ما حييت‏

فكان قصي أول رجل من بني كنانة أصاب ملكا، و أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة، و الرفادة، و السقاية، و الندوة، و اللواء، و القيادة، فلما جمع قصي قريشا بمكة سمي مجمعا و في ذلك يقول حذافة بن غانم الجمحي يمدحه:

أبوهم قصي كان يدعى مجمعا* * * به جمع اللّه القبائل من فهر

هم نزلوها و المياه قليلة* * * و ليس بها إلا كهول بني عمرو

يعني خزاعة. قال إسحاق بن أحمد: و زادني أبو جعفر محمد بن الوليد بن كعب الخزاعي:

أقمنا بها و الناس فيها قلايل‏* * * و ليس بها إلا كهول بني عمرو

هموا ملأوا البطحاء مجدا و سؤددا* * * و هم طردوا عنها غواة بني بكر

و هم حفروها و المياه قليلة* * * و لم يستق إلا بكد من الحفر

حليل الذي عادى كنانة كلها* * * و رابط بيت اللّه في العسر و اليسر

أحازم إما أهلكن فلا تزل‏* * * لهم شاكرا حتى توسد في القبر

و يقال من أجل تجمع قريش إلى قصي سميت قريش قريشا. انتهى من تاريخ الأزرقي.

186

و جاء في تاريخ القطبي المسمى بالإعلام: لما هلك حليل أوصى بمفتاح البيت الشريف لابنته حبي، فقالت: لا أقدر على السدانة، فجعلت ذلك لأبي غبشان، و كان سكّيرا يحب الخمر، فأعوزه في بعض الأوقات ما يشربه من الخمر، فباع مفتاح البيت بزق خمر، فاشتراه منه قصي، و سار في الأمثال:" أخسر صفقة من أبي غبشان" فلما صار المفتاح إلى قصي تناكرته خزاعة و كثر كلامها عليه، فأجمع على حربهم و إخراجهم من مكة ... الخ القصة. انتهى المراد منه.

و قال الغازي في تاريخه ما نصه: و في" منائح الكرم" فلما دنت وفاة حليل، جعل مفتاح الكعبة إلى ابنته حبي، و أمرها أن تبعث إلى أخيها المحترس، و أشرك أبا غبشان الملكاني معها، في تنفيذ وصايته، فأعطت حبي المفتاح لأبي غبشان الخزاعي، و هو سليم بن عمرو بن لؤي بن ملكان، و قالت: لست أهلا لخدمتها.

فلما رأى قصي ذلك، قال لولدها عبد الدار: اطلب منها المفتاح، و حمله على ذلك، و أنه أحق بها، لمجدهم. فقالت: و من يكفيني أبا غبشان، فقال قصي: أنا أكفيكه. و كان أبو غبشان سكّيرا، فأعوزه الخمر يوما، فباع المفتاح من قصي بزق خمر و كبش، فأشهد عليه قصي، و أخذ منه المفتاح، و أعطاه لعبد الدار، فصار المفتاح بيد قصي و ولده، و ضرب المثل بأبي غبشان في خسران الصفقة، فيقال:

" أخسر صفقة من أبي غبشان" فلما آل أمر المفتاح إلى قصي، تناكرت عليه خزاعة، بعد موت حليل، و آذوه بالكلام، فكلم قصي رجالا من قريش، و قال:

إنا معاشر قريش أحق بأمر مكة من خزاعة. نحن فرع إسماعيل، و صريح ولده، فقالوا: صدقت و لكن من يعينك عليهم؟ فكتب إلى أخيه لأمه رزاح بن ربيعة يستنصره، و يطلب منه الإعانة، فأجابه إلى ذلك. انتهى. اه.

قال القطبي في تاريخه المسمى بالإعلام ما ملخصه: و كان قصي أول من ملك من بني كعب، أصاب ملكا أطاعه به قومه، و له كلمات حكم تؤثر عنه، منها:

من لم تصلحه الكرامة أصلحه الهوان، و من طلب فوق قدره استحق الحرمان. و قد اجتمع لقصي ما لم يجتمع لغيره من المناصب، فكان بيده الحجابة و السقاية و الرفادة و الندوة و اللواء و القيادة.

فهذه كلها اجتمعت في قصي، فلما كبرت سنّه و ضعف بدنه، قسمها بين أولاده، و كان عبد الدار أكبر أولاده، و كان عبد مناف أشرف زمان أبيه، فقال قصي لعبد الدار لألحقنك يا بني بالقوم، و إن شرفوا عليك. فأعطاه الحجابة و سلم‏

187

إليه مفتاح البيت، و قال: لا يدخل رجل منهم الكعبة، حتى تكون أنت تفتحها له، و أعطاه السقاية و اللواء، و قال: لا يشرب أحد إلا من سقايتك، و لا يعقد لواء قريش لحربها إلا أنت بيدك، و جعل له الرفادة، و قال: لا يأكل أحد في هذا الموسم طعاما إلا من طعامك، و كانت الرفادة خرجا تخرجه قريش من أموالها، في كل موسم، فتدفعه إلى قصي، فيصنع به طعاما للحاج، فيأكله من لم يكن له سعة و لا زاد. و كان قصي فرض ذلك على قريش حين جمعهم.

ثم قال القطبي في تاريخه الإعلام: فجعل قصي، كلما كان بيده من أمر قومه لعبد الدار، و كان قصي لا يخالف و لا يرد عليه شي‏ء صنعه لعظم شأنه و نفاذ سلطانه. قال ابن إسحاق: ثم إن قصيا هلك، فقام على أمر قومه بنوه من بعده، ثم إن بني عبد مناف: هاشما و عبد شمس و المطلب و نوفلا، أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدار من الحجابة و اللواء و السقاية و الرفادة، و رأوا أنهم أولى بذلك منهم، لشرفهم عليهم و فضلهم، و تفرقت قريش فكانت طائفة منهم يرون أن بني عبد مناف أحق من بني عبد الدار، و طائفة يرون إبقاء بني عبد الدار على ما جعله قصي لأبيهم.

فأجمعوا على الحرب، ثم اصطلحوا على أن تكون السقاية و الرفادة لبني عبد مناف، و الحجابة و اللواء و الندوة لبني عبد الدار، و تحالفوا على ذلك. انتهى ما ذكر من الإعلام.

ثم جعل عبد الدار الحجابة إلى ابنه عثمان بن عبد الدار.

و قال بعض المؤرخين: قسّم قصي، أمر مكة، بين ابنيه عبد الدار و عبد مناف، فأعطى عبد الدار الحجابة أي السدانة و اللواء و الندوة، و أعطى عبد مناف السقاية و الرفادة و القيادة.

و هذا الاختلاف غير مهم، و الذي يعنينا حجابة الكعبة و سدانتها، و قد أجمعوا على أنها جعلت بيد عبد الدار.

و قصي بن كلاب المذكور بنى أيضا الكعبة المشرفة بنيانا قويا، لم يبن أحد ممن سبقه مثله، فبناها و سقفها بخشب الدوم الجيد و بجريد النخل، و يكون قصي الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه و سلم).

188

هذا ما كان من أمر مفتاح الكعبة قبل الإسلام، و أما ما كان من أمره بعد الإسلام، و بعد فتح مكة، الذي كان صبح يوم الجمعة لعشرين خلت من رمضان سنة ثمان من الهجرة، فقد ورد ذلك مفصلا في كتب الحديث و التفسير و التاريخ و لنذكر شيئا عن ذلك فقد جاء في كتاب" تاريخ الكعبة المعظمة" ما نصه:

قال ابن كثير في تفسيره في معنى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها و قد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، و اسم أبي طلحة عبد اللّه بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري حاجب الكعبة المعظمة، و هو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، أسلم عثمان هذا في الهدنة، بين صلح الحديبية، و فتح مكة، هو و خالد بن الوليد و عمرو بن العاص، و أما عمه عثمان بن أبي طلحة، فكان معه لواء المشركين، يوم أحد، و قتل يومئذ كافرا، و إنما نبهنا على هذا النسب، لأن كثيرا من المفسرين قد يشتبه عليه هذا بهذا، و سبب نزولها فيه لما أخذ من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مفتاح الكعبة يوم الفتح ثم رده عليه. انتهى من الكتاب المذكور.

و قال فيه أيضا ما نصه: فروى ابن سعد، في الطبقات، عن عثمان بن طلحة، قال: كنا نفتح الكعبة في الجاهلية، يوم الاثنين و الخميس، فأقبل النبي (صلى الله عليه و سلم) يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس، فأغلظت له، و نلت منه، فحلم عني، ثم قال:" يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت" فقلت:

لقد هلكت قريش يومئذ و ذلّت. قال:" بل عمرت و عزت يومئذ" و دخل الكعبة، فوقعت كلمته مني موقعا، ظننت يومئذ، أن الأمر سيصير إلى ما قال، فلما كان يوم الفتح، قال:" يا عثمان ائتني بالمفتاح"، فأتيته به، فأخذه مني، ثم دفعه إليّ، و قال:" خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن اللّه استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف". قال: فلما وليت ناداني فرجعت إليه، فقال:" ألم يكن الذي قلت لك" قال: فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة:" لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت" قلت: بلى أشهد أنك رسول اللّه. انتهى من الكتاب المذكور.

و من أراد زيادة التوضيح فلينظر فيما كتبناه في ترجمة شيبة بن عثمان و عثمان بن طلحة. نقول: و الحقيقة أن حكم اللّه عز و جل، في وضع مفتاح بيته الحرام في‏

189

بني شيبة، هو عين الصواب و الحكمة، و ذلك حتى لا يحصل في ذلك نزاع و شقاق بين المسلمين، فلا يطمع فيه سلطان و لا ملك و لا أمير و لا عالم و لا صالح و لا غني و لا فقير، و ما دام البيت بيت اللّه فصاحب البيت يضع مفتاحه حيث شاء.

ترجمة شيبة بن عثمان و عثمان بن طلحة

ننقل هنا خلاصة ترجمته من كتاب" تاريخ الكعبة المعظمة" للشيخ حسين باسلامة، (رحمه اللّه تعالى) و هي: ينتهي نسب سدنة الكعبة المشرفة و هم الشيبيون في عصرنا هذا إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة. و قد أسلم شيبة عام الفتح على أصح الروايات، و له صحبة و رواية عن النبي (صلى الله عليه و سلم) و شهد حنينا و قيل أسلم بحنين.

قال الزبير: كان شيبة قد خرج مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، يوم حنين مشركا، يريد أن يغتال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) غرّة، فأقبل يريده، فرآه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال:" يا شيبة هلمّ لا أمّ لك" فقذف اللّه في قلبه الرعب، و دنا من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و وضع يده على صدره، ثم قال:" أخسئ عنك الشيطان" فأخذه و نزع فقذف اللّه في قلبه الإيمان، فأسلم و قاتل مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و كان ممن صبر معه يومئذ و كان من خيار المسلمين.

و دفع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، و إلى ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، و قال:" خذوها خالدة تالدة إلى يوم القيامة يا بني أبي طلحة لا يأخذها منكم إلا ظالم" قال: فبنوا أبي طلحة هم الذين يلون سدانة الكعبة، دون بني عبد الدار، قال ابن عبد البر: شيبة هذا هو جد بني شيبة، حجبة الكعبة إلى اليوم، دون سائر الناس أجمعين، و هو أبو صفية بنت شيبة، توفي في آخر خلافة معاوية سنة (59) و قيل بل توفي في أيام يزيد، و ذكره بعضهم في المؤلفة قلوبهم، و هو من فضلائهم اه.

و روى ابن سعد، عن هوذة، عن عوف، عن رجل من أهل المدينة، قال:

دعا النبي (صلى الله عليه و سلم) شيبة بن عثمان فأعطاه مفتاح الكعبة، فقال:" دونك هذا فأنت أمين اللّه على بيته" قال مصعب الزبيرى: دفع إليه و إلى عثمان بن طلحة، و قال:

" خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة لا يأخذها منكم إلا ظالم".

190

و ذكر الواقدي أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أعطاها يوم الفتح لعثمان، و أن عثمان ولي الحجابة إلى أن مات فوليها شيبة فاستمرت في ولده. و روى ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، قال: أسلم العباس و شيبة و لم يهاجرا. أقام العباس على سقايته و شيبة على حجابته. و قال يعقوب بن سفيان: أقام شيبة للناس الحج سنة تسع و ثلاثين. قال خليفة: و كان السبب في ذلك أن عليا، رضي اللّه عنه، بعث قثم بن عباس ليقيم للناس الحج، و بعث معاوية، رضي اللّه عنه، يزيد بن شجرة، فتنازعا، فسعى بينهما أبو سعيد الخدري، رضي اللّه عنه، و غيره فاصطلحا على أن يقيم الحج شيبة بن عثمان و يصلي بالناس. مات شيبة بن عثمان سنة تسع و خمسين و قال ابن سعد عاش إلى خلافة يزيد بن معاوية.

أما عثمان بن طلحة بن أبي طلحة فقد نزلت آية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها في شأنه، قال ابن كثير، (رحمه اللّه تعالى)، في تفسيره، في معنى هذه الآية: و قد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، و اسم أبي طلحة عبد اللّه بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري حاجب الكعبة المعظمة، و هو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية و فتح مكة هو و خالد بن الوليد و عمرو بن العاص، و أما عمه عثمان بن أبي طلحة، فكان معه لواء المشركين، يوم أحد، و قتل يومئذ كافرا، و إنما نبّهنا على هذا النسب لأن كثيرا من المفسرين قد يشتبه عليه هذا بهذا.

و بعد أن ذكر ابن كثير، (رحمه اللّه)، سبب نزول الآية المذكورة، روى من طريق ابن جرير، عن ابن جريج، في الآية، قال: نزلت في عثمان بن طلحة، قبض منه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مفتاح الكعبة فدخل في البيت يوم الفتح، فخرج و هو يتلو هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها الآية، فدعا عثمان إليه فدفع إليه المفتاح، قال: و قال عمر بن الخطاب: لما خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من الكعبة، و هو يتلو هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها فداه أبي و أمي، ما سمعته يتلوها قبل ذلك.

حدثنا القاسم، حدثنا الحسن، حدثنا الزنجي بن خالد، عن الزهري، قال:

دفعه إليه، و قال: أعينوه قال: و روى ابن مردويه، من طريق الكلبي، عن أبي‏

191

صالح، عن ابن عباس، في قوله عز و جل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها قال: لما فتح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مكة دعا عثمان بن طلحة، فلما أتاه، قال:

" أرني المفتاح" فأتاه به، فلما بسط يده إليه قام إليه العباس، قال: يا رسول اللّه بأبي أنت و أمي اجمعه لي مع السقاية. فكف عثمان يده، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

" أرني المفتاح يا عثمان" فبسط يده يعطيه، فقال العباس مثل كلمته الأولى، فكف عثمان يده، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" يا عثمان إن كنت تؤمن باللّه و اليوم الآخر فهاته" فقال: هاك بأمانة اللّه. قال: فقام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و فتح باب الكعبة، فوجد في الكعبة تمثال إبراهيم، عليه الصلاة و السلام، معه قداح يستقسم بها، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" ما للمشركين قاتلهم اللّه و ما شأن إبراهيم و شأن القداح" ثم دعا بجفنة فيها ماء، فأخذ ماء فغمسه فيه، ثم غمس به تلك التماثيل، و أخرج مقام إبراهيم، و كان في الكعبة فألزقه في حائط الكعبة، ثم قال:" يا أيها الناس هذه القبلة" قال: ثم خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فطاف بالبيت شوطا أو شوطين، ثم نزل عليه جبريل، فيما ذكر لنا بردّ المفتاح، ثم قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها حتى فرغ من الآية. هذا ما ذكره عماد الدين بن كثير، في تفسيره، عن سبب رد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة و أن ذلك كان بأمر اللّه تعالى.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني، في فتح الباري، و روى ابن عائذ من مرسل عبد الرحمن بن سابط، أن النبي (صلى الله عليه و سلم) دفع مفتاح الكعبة إلى عثمان فقال:" خذوها خالدة مخلدة إني لم أدفعها إليكم، و لكن اللّه دفعها إليكم و لا ينزعها منكم إلا ظالم". و من طريق ابن جريج أن عليا قال للنبي (صلى الله عليه و سلم): اجمع لنا الحجابة و السقاية، فنزلت: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها فدعا عثمان، فقال:

" خذوها يا بني شيبة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم" و روى الفاكهي من طريق محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، أن النبي (صلى الله عليه و سلم)، لما ناول عثمان المفتاح، و قال له:" غيّبه" قال الزهري: فلذلك يغيّب المفتاح اه.

قوله: خالدة تالدة، الخالدة كلمة معروفة، و التالدة هي القديم الأصلي و هي ضد الطارف، أي هو لكم مقسوم من الأزل. و معنى" غيّبه": أي احتفظ به و لا تهمل شأنه.

192

نقول: لو لم يفصل اللّه عز و جل في أمر مفتاح الكعبة بقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها و أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أعطاه لرجل مخصوص و يبقى في ذريته إلى يوم القيامة، لتلاعب الملوك و أمراء مكة في ذلك، بحسب أغراضهم، فكان في كل زمن و عصر يؤخذ المفتاح من فلان و يعطى لفلان. و قد يحدث بسببه من الفتن و التنافس ما لا يتصور، فكان من الحكمة البليغة أن فصل اللّه أمر المفتاح، و جعله في آل الشيبي إلى يوم القيامة. و بهذا انتهى الخلاف في ذلك بتاتا، فالبيت بيت اللّه، يعطي مفتاحه لمن يشاء من عباده، فيجب على الشيبيين الكرام أن يحمدوا اللّه عز و جل و يشكروه في كل عصر و أوان، على هذه النعمة الكبرى و المفخرة العظمى، و أن يكونوا أكثر الناس تعظيما و احتراما لهذه الكعبة المشرفة، التي كانت سببا في عزّهم و رفعتهم و كم يكون جميلا و شريفا إذا اتّسموا بسمات أهل العلم كشيخ السدنة الشيخ علي بن محمد بن أبي بكر الشيبي المولود سنة 755، و كالعلامة شيخ الحجبة محمد بن عمر بن محمد العبدري الشيبي المولود سنة 543 فقد ترجم لهما السخاوي في كتابه" الضوء اللامع" كما قال صديقنا الأستاذ الكبير شاعر جلالة مليكنا المعظم الأستاذ أحمد إبراهيم الغزاوي فيما يكتبه بقلمه البليغ بعنوان (مطالعات و تعليقات) بجريدة البلاد السعودية بتاريخ 6 جمادى الثانية عام 1375. نسأل اللّه لنا و لهم الهداية و التوفيق و السير على أقوم طريق.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار آمين يا رب العالمين و صلى اللّه على سيدنا" محمد" أبي القاسم و على آله و صحبه أجمعين.

تاريخ سدانة الكعبة المشرفة

و هذا المبحث كتبه لنا سادن بيت اللّه الحرام، صديقنا النبيل الأستاذ الجليل، فضيلة الشيخ طلحة بن حسن الشيبي وفقه اللّه تعالى.

سدانة الكعبة المشرفة، هي حجابتها، من فتح بابها و غلقه، و تلبيسها و سائر خدماتها، متعلق أمرها بسدنتها و حجبتها بني أبي طلحة العبدريين الحجبيين. لا يجوز لأحد المداخلة في أدنى شؤون بيت اللّه الحرام، لأنها ولاية من اللّه و رسوله، و لا تقاس بغيرها من الوظائف. و هذه الوظيفة على موجب ما هو معلوم ثابتة لهم جاهلية و إسلاما.

انظر: صورة رقم 115، لوحة موجودة في دار بني شيبة

193

السدانة قبل الإسلام‏

منذ أن رفع سيدنا إبراهيم الخليل، و ابنه إسماعيل، عليهما أجزل صلاة و تسليم، قواعد البيت، بأمر اللّه تعالى، كما أخبرنا القرآن الكريم‏ وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، وَ عَهِدْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ* وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ عَذابِ النَّارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ* وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ و لما انتهى بناء البيت، بقي إسماعيل بمكة يعنى بشؤون البيت، حتى قبض، و يقال إنه دفن بالحجر (عليه السلام). ثم توارث أبناء إسماعيل، شرف سدانة الكعبة المشرفة، مدة طويلة. ثم اغتصبها منهم جيرانهم و أخوالهم جرهم، ثم اغتصبتها خزاعة من جرهم. ثم استردها منهم قصي بن كلاب و هو من أبناء إسماعيل، و هو الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه و سلم).

قصي بن كلاب‏

كان يلي أمر البيت حين ذاك، حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعي. و ابن إسحاق قال: ثم إن قصي بن كلاب، خطب إلى حليل بن حبشية ابنته حبي، فزوجه، فولدت له عبد الدار و عبد مناف، و عبد العزى، و عبد قصي.

فلما انتشر ولد قصي، و كثر ماله و عظم شرفه، هلك حليل. فرأى قصي أنه أولى بالكعبة و بأمر مكة من خزاعة و بني بكر. و أن قريشا فرعة إسماعيل بن إبراهيم، و صريح ولده، فكلم رجالا من قريش و بني كنانة، و دعاهم إلى إخراج خزاعة و بني بكر من مكة، فأجابوه. فلما أجابه قومه إلى ما دعاهم إليه، كتب إلى أخيه من أمه،- و كان ببلاد الشام- رزاح بن ربيعة و معه إخوته: حن بن ربيعة، و محمود بن ربيعة، و جلهمة بن ربيعة فجاؤوا، فيمن تبعهم من قضاعة، في حاج العرب، و هم مجمعون لنصرته. قال ابن إسحاق: و خرجت له خزاعة و بنو بكر فاقتتلوا قتالا شديدا بالأبطح، حتى كثرت القتلى في الفريقين جميعا، ثم إنهم تداعوا إلى الصلح، و إلى أن يحكموا بينهم رجلا من العرب، فحكّموا يعمر بن عوف بن‏

194

كعب بن عامر، من ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالكعبة و بأمر مكة من خزاعة، و أن كل دم أصابه قصي من خزاعة و بني بكر موضوع يشدخه تحت قدميه، و أن ما أصابت خزاعة و بنو بكر من قريش و كنانة و قضاعة، ففيه الدية مؤداة، و أن يخلى بين قصي و بين الكعبة.

فعند ذلك آل أمر مكة، و عادت سدانة الكعبة إلى قصي، و كانت عند قريش وظائف فيها العز و الشرف، و هي السدانة و دار الندوة و اللواء و الرفادة و السقاية، و كان قصي حازها كلها دون قومه.

عبد الدار

لما كبر قصي ورقّ عظمه، جعل ما بيده، من أمر قومه، لولده البكر، عبد الدار. فأقام أمره في قومه. ثم إن بني عبد مناف و هاشم و المطلب و نوفلا أجمعوا على أن يأخذوا ما بيد بني عبد الدار من الحجابة و اللواء و السقاية و الرفادة، و رأوا أنهم أولى بذلك. فتعاقدوا و تعاهدوا و غمسوا أياديهم في الطيب، فسمّي حلفهم: حلف المطيّبين. و تعاهد بنو مخزوم و بنو سهم و بنو عدي مع بني عبد الدار، و تحالفوا على عدم تسليم ما بيدهم، فسموا الأحلاف، ثم تداعوا للصلح و تحاجز الناس. و اتفقوا على أن تكون الحجابة و اللواء و دار الندوة لبني عبد الدار و السقاية و الرفادة لبني عبد مناف.

السدانة في الإسلام‏

أشرقت شمس الإسلام، يوم فتح مكة، و أخذ نبينا، محمد (صلى الله عليه و سلم)، من عثمان بن طلحة بن أبي طلحة الحجبي، سادن الكعبة، المفتاح، و فتح بابها، و دخل، و طهرها من الأصنام، و غسلها بيده الشريفة (و اسم أبي طلحة عبد اللّه بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي) فسأله العباس، رضي اللّه تعالى عنه، أن يضم إليه السدانة مع السقاية، فنزل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها فرد (صلى الله عليه و سلم) المفتاح لعثمان بن طلحة، و تلا عليه الآية الشريفة، و أيّده بالأحاديث الشريفة، فقال (صلى الله عليه و سلم) لعثمان و ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة:

(هاك مفتاحك يا عثمان، غيّبوه)، و قال لهما: (خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة إلى يوم القيامة لا ينزعها منكم إلا ظالم)، و قال: (إني لم أدفعها لكم و لكن‏

195

اللّه دفعها لكم)، و قال: (إن للّه بيتا أمّنكم عليه)، و قال: (إن للّه بيتا فاحترموه)، و قال: (كل مأثرة تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت و سقاية الحاج).

روي أن الحكمة في أخذ المفتاح من عثمان، المقصود منه التشريع، فأخذه (صلى الله عليه و سلم)، حتى يرده بأمر اللّه تعالى لأنه ما ينطق عن الهوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏* عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى‏.

(لطيفة): حينما نزلت الآية الشريفة بعد موقعة حنين: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ، فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ‏ إلى آخر الآية جاء عثمان إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قال: يا رسول اللّه الذي للّه لمن؟ فضحك النبي (صلى الله عليه و سلم) و قال له: لحجبة بيت اللّه بني عبد الدار و خمش خمشة من الغنائم و أعطاها له. ذكره البيضاوي في تفسيره، و اللّه أعلم.

عثمان بن طلحة

عثمان بن طلحة، اختلف في زمن إسلامه، أكان قبل الفتح أم بعده؟ قال العلامة القسطلاني في" المواهب اللدنية" و في" الطبقات" لابن سعد: عن عثمان بن طلحة، قال: كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين و الخميس، فأقبل النبي (صلى الله عليه و سلم) يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس، فأغلظت عليه و نلت منه فحلم علي ثم قال:

يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي، أضعه حيث شئت. فقلت: لقد هلكت قريش يومئذ و ذلّت. قال: بل عمرت و عزّت، و دخل الكعبة. فوقعت كلمته مني موقعا، ظننت يومئذ أن الأمر سيصير إلى ما قال، فلما كان يوم الفتح، قال: يا عثمان ائتني بالمفتاح فأتيته به، فأخذه مني ثم دفعه إلي، و قال: خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم. يا عثمان إن اللّه استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف. قال: فلما وليت ناداني، فرجعت إليه فقال: ألم يكن الذي قلت لك؟ فذكرت قوله لي بمكة، قبل الهجرة:" لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت"، فقلت: بلى أشهد أنك رسول اللّه.

و الصحيح أن إسلام عثمان كان قبيل الفتح. قال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة كان معهما حينما أسلما- يعني أن عثمان كان مع خالد بن الوليد و عمرو بن العاص حين أتيا إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) بالمدينة مسلمين قبيل‏

196

الفتح-. و يروى أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال حينما أقبلوا عليه بالمدينة: (رمتكم مكة بأفلاذ أكبادها). و مات عثمان سنة 42 هجرية عقيما لا عقب له.

شيبة بن عثمان بن أبي طلحة

قال ابن عبد البر في الاستيعاب: شيبة بن عثمان بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري الحجبي المكي، يكنّى أبا عثمان و قيل أبا صفية، و أبوه عثمان بن أبي طلحة يعرف بالأوقص، قتله علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنه، يوم أحد كافرا، و اسم أبيه أبو طلحة عبد اللّه بن عبد العزى. أسلم شيبة يوم فتح مكة، و شهد حنينا، و قيل: بل أسلم بحنين. قال الزبير: كان شيبة قد خرج مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم حنين مشركا، يريد أن يغتال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فرأى من رسول اللّه غرة، فأقبل يريده، فرآه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و قال: يا شيبة هلم، لا أم لك، فقذف اللّه في قلبه الرعب، و دنا من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و وضع يده على صدره، ثم قال:

اخسئ عنك الشيطان، فأخذه و نزع في صدره، فقذف اللّه في قلبه الإيمان فأسلم و قاتل مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و كان ممن صبر معه.

و شيبة هذا هو جد حجبة اليوم، و إليه ينتسب الشيبيون، و هو أبو صفية بنت شيبة. قال الحافظ ابن حجر في" الإصابة": قال ابن السكن: أمه أم جميل بنت عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، و هي أخت مصعب بن عمير، قال البخاري، و غير واحد: له صحبة، و أسلم يوم الفتح، و كان أبوه ممن قتل بأحد كافرا، و لبنته صفية، بنت شيبة صحبة و رواية. و روى ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: أسلم العباس و شيبة و لم يهاجرا. أقام العباس على السقاية و شيبة على الحجابة. قال يعقوب بن أبي سفيان: أقام شيبة للناس الحج، سنة تسع و ثلاثين، و كان السبب في ذلك أن عليا بعث قثم بن العباس ليقيم للناس الحج، و بعث معاوية يزيد بن شجرة، فتنازعا، فسعا بينهما أبو سعيد الخدري و غيره و اصطلحا على أن يقيم الحج شيبة بن عثمان و يصلي بالناس مسافع بن عبد اللّه بن شيبة، و عبد الرحمن بن الزجاج و آخرون. روى شيبة عن النبي (صلى الله عليه و سلم)، و عن أبي بكر و عمر و مات سنة تسع و خمسين، على أصح الروايات، فتولّى أكبر أولاده من بعده و هو مصعب.

197

و قد روى الكازروني في فتاويه، و البخاري في تاريخه، قال: إن تقدم السدانة في أكبرهم سنا من فعله (صلى الله عليه و سلم)، لأنه دفع المفتاح، في يوم الفتح، إلى عثمان، لأنه أكبرهم سنا، مع وجود شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، فلما هاجر عثمان إلى المدينة المنورة، دفع المفتاح إلى ابن عمه شيبة، فلما رجع عثمان إلى مكة، أخذ المفتاح منه، و بقي في يده إلى أن مات.

عبد اللّه بن شيبة الأعجم‏

قال الغازي في الجزء الثاني من تاريخه، نقلا عن ابن فهد، ما ملخصه: أن خالد بن عبد اللّه القسري في ولايته لمكة، عن سليمان بن عبد الملك، أحدث حدثا منكرا، فقام إليه عبد اللّه بن شيبة الأعجم، فأمره بالمعروف و نهاه عما فعل، فغضب خالد غضبا شديدا، و أخاف الرجل، فخرج إلى سليمان بن عبد الملك، يشكو إليه و يتظلم منه. فشكى إليه أمره. فكتب سليمان إلى خالد أن لا يتعرض له في أمر يكرهه. فلما جاء الكتاب إلى خالد أخذه فوضعه. ثم أرسل بعد ذلك إلى عبد اللّه بن شيبة يسأله أن يفتح له الكعبة، في وقت لم ير ذلك عبد اللّه بن شيبة، فامتنع عليه، فدعى به فضربه مائة سوط على ظهره، فخرج عبد اللّه بن شيبة، هو و مولى له، على راحلتين، فأتى سليمان، فكشف عن ظهره بين يديه، و قال له: هذا الذي أوصيته بي. فقال: إلى من تختار أكتب له؟ قال: إلى خالك محمد بن هشام. قال: فكتب إليه إن كان خالد ضربه بعد أن وصل إليه كتابي و قرأه فاقطع يده. و إن كان ضربه و لم يقرأ كتابي فاقده منه، فقدم بالكتاب على محمد بن هشام، فدعا بالقسري، فقرأه عليه، فقال: اللّه أكبر، يا غلام ائت بالكتاب. فأتى به مختوما لم يقرأه. فأخرجه محمد بن هشام إلى باب المسجد، و حضره القرشيون و الناس، فجرّده ثم أمر به أن يضرب، فضرب مائة سوط.

فقال الفرزدق في ذلك بعض أبيات لا داعي لذكرها. انتهى.

ذكر ابن حزم و ابن عبد البر، جماعة من الشيبيين في زمانه، و عاشا إلى بعد نصف المائة الخامسة، و كذا ذكر العلامة القلقشندي في كتابه صبح الأعشى و عاش إلى سنة (821).

جاء في كتاب التراتيب الإدارية: (و لا دلالة لزعمهم انقراضهم- أي بني شيبة- في إخدام معاوية عبيدا لأن إخدامها غير ولاية، فتحها، كما هو معلوم،

198

و كثيرا ما يقع، في كلام المؤرخين كالأزرقي و الفاكهي، ذكر الحجبة، ثم الخدمة، بما يدل على التغاير بينهما). انتهى ملخصا.

شجرة النسب‏

في آخر القرن الثالث عشر من الهجرة، توفي زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي، و خلفه ابنه محمد و هو طفل صغير، و لم يوجد من آل شيبة ولد ذكر غيره، و جميع آل شيبة الحاليين، هم من نسله، قال الشيخ حسين بن عبد اللّه باسلامة، (رحمه اللّه تعالى)، في كتابه" تاريخ الكعبة المعظمة" ما نصه: هذه سلسلة آل الشيبي أسردها كما وجدتها في دار المفتاح، الذي جعل في هذا العصر، مسكنا لرئيس السدنة على لوحة مكتوبة بخط بديع، بماء الذهب. ابتدأت هذه السلسلة من صاحب الفضيلة مولانا المرحوم الشيخ عبد القادر بن على بن محمد بن زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي الذي تولى السدانة سنة 1104 ه، بن عبد الواحد الذي تولى السدانة سنة 1080 ه، بن محمد جمال الدين بن القاسم بن أبي السعود أبي بكر فخر الدين بن محمد جمال الدين بن عمر بن سراج الدين بن محمد بن علي بن غانم بن محمد بن مفرج بن محمد بن يحيى بن عبيدة بن حمزة بن بركات بن شيبة بن عبد اللّه بن عبد بن شعيب بن جبير بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة عبد اللّه بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي.

هذه سلسلة النسب و منها يعلم أن آل الشيبي يجتمعون مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في قصي بن كلاب. و قد تولى رئاسة السدنة، للكعبة المعظمة، كثير من آل شيبة ممن لم يذكر اسمه في سلسلة النسب المقدم ذكره: منهم غانم و علي من أبناء غانم بن محمد بن مفرج. و محمد بن علي، ينتمي نسبهما إلى يحيى بن عبيدة بن حمزة و أحمد الطيب من أولاد سراج الدين بن علي.

محمد بن زين العابدين‏

قال الشيخ حسين بن عبد اللّه باسلامة، (رحمه اللّه تعالى)، في كتابه" تاريخ الكعبة المعظمة" ما نصه: و أما محمد بن زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي الشيبي، الذي هو جد آل شيبة الحاليين المعاصرين لنا، فقد توفي والده زين العابدين في أواخر القرن الثاني عشر في الهجرة، و هو طفل، و تولى سدانة الكعبة،

199

بعد زين العابدين عبد القادر الشيبي ابن عم محمد المشار إليه. و في سنة 1210 ه توفي عبد القادر عقيما. و بذلك آلت السدانة إلى محمد بن زين العابدين و هو يومئذ حديث السن و لم يوجد من آل شيبة ولد ذكر غيره. و كان أمير مكة في ذلك العصر الشريف غالب بن مساعد، فأخذ الشيخ محمد بن زين العابدين إلى داره و كفله، و اعتنى بتربيته كأولاده، و أكرمه إلى أن كبر و تولى أمر السدانة ثلاثا و أربعين سنة. و كان عالما فاضلا، و له رسالة في مناسك الحج، على مذهب الإمام الشافعي نظما، و توفي سنة 1253 ه، و خلّف من الذكور ستة أولاد و هم عبد القادر و سليمان و جعفر و أحمد و عبد اللّه و علي.

فتولى بعد وفاته، رئاسة السدنة أكبر أولاده الشيخ عبد القادر بن محمد سنة 1253 ه، و مكثت بيده المشيخة و مفتاح الكعبة، سبع سنين، و توفي سنة 1260 ه. فتولى بعده أخوه سليمان و توفي سنة 1261 ه، فتولى بعده أخوه جعفر، و توفي سنة 1262 ه. فتولى بعده أخوه الشيخ أحمد، و توفي سنة 1274 ه. ثم تولى بعده أخوه الشيخ عبد اللّه، و توفي سنة 1296 ه. و قد توفي الشيخ علي بن محمد في حياة أخيه الشيخ عبد اللّه المشار إليه، و لم يل السدانة.

فهؤلاء الطبقة الأولى من أولاد الشيخ محمد بن زين العابدين.

الطبقة الثانية

أول من تولى رئاسة السدنة، منهم الشيخ عمر بن جعفر، و توفي سنة 1304 ه. ثم تولى بعده رئاسة السدنة الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللّه، و مكث رئيسا على سدنة الكعبة إلى سنة 1311 ه. فأخذ منه المفتاح، و عزل من رئاسة السدنة في تلك السنة. و سبب ذلك أنه وقع بين أمير مكة الشريف عون الرفيق بن محمد بن عبد المعين بن عون و بين والي ولاية الحجاز، في ذلك العصر عثمان نوري باشا، نزاع و مشاحنات في السلطة، و دخل في ذلك النزاع الشيخ عبد الرحمن الشيبي المشار إليه، و انضم إلى حزب والي الحجاز عثمان نوري باشا، كما انضم إلى حزبه مفاتي مكة، و رئيس السادة العلوية، و نائب الحرم، و بعض من لهم شخصية بارزة من الأشراف، و رفع كل من الشريف عون الرفيق و عثمان نوري باشا الأمر إلى السلطان عبد الحميد خان العثماني بن عبد المجيد خان، صاحب الولاية و السلطنة على الممالك العثمانية و الحجاز، في ذلك العصر، و استعان عثمان‏

200

نوري باشا على الشريف عون الرفيق بمضبطة من الذوات المتقدمة أسماؤهم ضد الشريف عون الرفيق. فانجلت المعركة بفوز الشريف عون الرفيق على أخصامه، و كان النصر حليفه في ذلك، فصدر أمر السلطان بعزل والي الحجاز عثمان نوري باشا، و بعزل الذوات الموقعين في تلك المضبطة، و نفيهم جميعا من الحجاز. و نفذ الأمر و عزل الجميع من وظائفهم، و نفوا من الحجاز، غير أن الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللّه الشيبي، فقد لطف به و لم ينف من الحجاز، و إنما بارح مكة المكرمة، و سكن الهدا، و هي قرية صغيرة واقعة بسفح جبل كرا، الذي هو بشرق مكة، و واقع بين مكة و الطائف، و هو من سلسلة جبال السروات، و يبلغ ارتفاعه عن سطح البحر 2200 مترا، و يبعد عن مكة نحو 35 ميلا، و بينه و بين الطائف نحو 8 أميال. و مكث الشيخ عبد الرحمن بالهدا إلى أن توفي سنة 1320 ه، و دفن فيها. و كان شهما كريما محبا للخير، و هو من السدنة، الذين أدركت رئاستهم و عرفتهم شخصيا. ثم تولى سدانة الكعبة و رئاسة السدنة، بعده الشيخ محمد صالح بن أحمد بن محمد الشيبي سنة 1311 ه بعد عزل ابن عمه الشيخ عبد الرحمن الشيبي المتقدم ذكره، و كان شهما هماما، فقد تولى رئاسة مجلس الشيوخ، في عهد الملك الشريف الحسين بن علي سنة 1335 ه، و كان ذا رأي ثاقب، و فكر واسع، و قد مكث رئيسا للسدنة 24 سنة، إلى أن توفي بمكة يوم النحر، عشر ذي الحجة سنة 1335 ه، و كانت ولادته في أول عام 1271 ه، و قد بلغ من العمر 64 سنة.

ثم تولى بعده الشيخ عبد القادر بن علي بن محمد الشيبي، رئاسة السدنة سنة 1335، و كان شهما هماما وديعا سموحا، له إقبال على الناس، محبا للخير، وجيها. و قد باشر عدة وظائف منها رئاسة مجلس الشيوخ، في عهد الملك الشريف الحسين بن علي، و ترأس عدة مجالس في حكومة جلالة ملك المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، و كانت له عند جلالة الملك عبد العزيز آل سعود منزلة عالية، و مكث رئيسا للسدنة 16 سنة، إلى أن توفي في اليوم العاشر من شهر رمضان سنة 1351 ه. و كانت ولادته في منتصف سنة 1271 ه. و قد بلغ من العمر ثمانين سنة، و بوفاته انتهت الطبقة الثانية الذين هم أحفاد الشيخ محمد بن زين العابدين الشيبي.

201

و أما الطبقة الثالثة من السدنة، الذين هم أبناء الأحفاد، فهم رئيس السدنة الحالي الشيخ محمد بن محمد صالح بن أحمد بن محمد بن زين العابدين، ولد سنة 1293 ه. و تولى رئاسة السدنة في اليوم الحادي عشر من شهر رمضان سنة 1351 ه بعد وفاة المرحوم صاحب الفضيلة مولانا الشيخ عبد القادر بن علي المتقدم ذكره، و هو لا يزال في رئاسة السدنة إلى اليوم. و قد أدركت كثيرا من آل الشيبي ممن لم يتولوا رئاسة السدنة فمنهم من أدركته المنية و منهم من هو على قيد الحياة. أما من أدركتهم و عرفتهم بالذات ممن لم تصل إليهم رئاسة السدنة، و قد أدركتهم الوفاة منهم: الشيخ زين العابدين بن عبد اللّه بن محمد الشيبي، توفي في بلاد المغرب سنة 1330 ه. ثم الشيخ محمد سعيد بن عبد اللّه بن محمد الشيبي، توفي سنة 1240 ه. ثم الشيخ عبد الغني بن عبد اللّه بن محمد الشيبي، توفي سنة 1342 ه ثم الشيخ جعفر بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن محمد الشيبي، توفي بالطائف سنة 1343 ه. ثم الشيخ حسن بن عبد القادر بن علي الشيبي، توفي سنة 1343 ه بالطائف.

و أما الموجودون من آل الشيبي في العصر الحاضر الذين هم سدنة الكعبة المعظمة فهم رئيس السدنة الحالي الشيخ محمد المتقدم ذكره، و من الطبقة الثالثة الشيخ عبد اللّه بن عبد القادر بن علي بن محمد بن زين العابدين الشيبي، ولد بمكة المكرمة سنة 1297 ه. و هو السادن الثاني بعد رئيس السدنة الحالي، و قد تقلّد عدة وظائف في حكومة جلالة الملك عبد العزيز المعظم، و هو الآن حين تحرير هذا المؤلّف، نائب مجلس الشورى الثاني، و رئيس هيئة المطالبة بأوقاف الحرمين الشريفين، و رئيس هيئة الإسعاف الطبي، و هو صاحب جاه و إقبال و مكارم أخلاق و همة في الأعمال و سخاء، و له حرمة و مكانة و له من الأولاد الذكور ...

الخ.

انتهى كلام الشيخ عبد اللّه باسلامة نقلناه بتصرف. ثم قال الشيخ باسلامة:

فهؤلاء السدنة آل شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الحجبي، المثبوت نسبهم، المعروفون عند أهل مكة خاصة و عند المسلمين عامة، بأنهم سدنة الكعبة المعظمة، جاهلية و إسلاما، في عهد عبد الدار بن قصي إلى عهد شيبة بن عثمان، إلى هذا العصر، الذي نحرر فيه هذا المؤلف، و هم محل تجلّة و احترام و إكرام و سؤدد و فخار، جاهلية و إسلاما، كما دلت على ذلك الأخبار الواردة في حقهم، في‏

202

أصح المصادر، و هم لا يزالون أصحاب وجاهة في هذا العصر، عند عموم الملوك و السلاطين و الأمراء و بالأخص عند كل ممن تولى خدمة الحرمين الشريفين، أو إمارة مكة المكرمة، و عند عموم المسلمين، حيث بيتهم من أشرف بيوت قريش و وظيفتهم من أعظم الوظائف الإسلامية. و لا يزال وجودهم من معجزات رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) التي أخبر أمته بها بقوله: خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم. فبقاء آل شيبة، و خلود سدانة الكعبة بأيديهم، و عدم نزعها منهم أو إسنادها إلى غيرهم، طيلة هذه القرون، مع تبدل الولاة و الحكام على هذه البلاد، من عهد رسول اللّه و الخلفاء الراشدين المهديين و خلفاء بني أمية و عبد اللّه بن الزبير و خلفاء بني العباس و الفاطميين و ملوك الجراكسة و سلاطين عثمان و أمراء مكة من الأشراف، من عهد الشريف قتادة و أبي نمي إلى الملك الشريف الحسين بن علي، و حكم الملك سعود الأول إلى جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، في العصر الحاضر، بل و في حكم المتغلبين من قرامطة و يمنيين و غيرهم. فلا شك و لا شبهة، أنها معجزة من أعظم المعجزات الخالدة للرسول، المحسوسة الظاهرة ظهور الشمس في رابعة النهار. انتهى كلام الشيخ باسلامة.

و نحن نستعين باللّه سبحانه و تعالى لنستكمل البقية الآن فنقول: إن الشيخ عبد اللّه بن عبد القادر بن علي، قد أصبح نائب مجلس الشورى، حيث أن رئيس الشرف لمجلس الشورى حينذاك هو صاحب السمو الملكي الأمير فيصل آل سعود، نائب جلالة الملك المعظم عبد العزيز آل سعود، (رحمه اللّه تعالى). كما منح لقب الوزير المفوض، ثم توفي الشيخ عبد اللّه في منتصف رمضان سنة 1371 ه (رحمه اللّه تعالى). أما الشيخ محمد بن محمد صالح بن أحمد بن محمد بن زين العابدين الشيبي، فقد توفي في الثالث عشر من شهر ربيع الأول سنة 1382 ه.

و قد لبث في رئاسة السدنة حول ثلاثين عاما، و كان (رحمه اللّه)، عذب الحديث، حازما في الأمور، و لم يخلف أولادا، و بوفاته انتهت الطبقة الثالثة. فتولى من الطبقة الرابعة بعده الشيخ أمين بن عبد اللّه الشيبي سنة 1382 ه و هو السادن الأول، و ناظر وقف آل الشيبي، و عضو مجلس الشورى حاليا. و الشيخ أمين المذكور له اطلاع واسع في الثقافة العامة، صريح محب لمحبيه، أمتعه اللّه بالصحة و الإقبال ولد سنة 1325 ه و له من الأولاد الذكور الدكتور فيصل أمين الشيبي و عدنان أمين الشيبي و السدنة الموجودون حاليا كلهم من الطبقة الرابعة نذكرهم حسب ترتيب السن و هم:

203

الشيخ أمين المتقدم ذكره و الشيخ عمر بن جعفر بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن محمد الشيبي، و هو السادن الثاني للكعبة المشرفة، و أولاده محمد سعيد و عبد المحسن و خالد و قد ولد الشيخ عمر سنة 1331 ه. ثم الشيخ طه الشيبي، ولد سنة 1333 ه و له من الأولاد عبد القادر و حسن و حسين و عبد الملك و محمد و عادل و ممدوح. ثم الشيخ عاصم الشيبي، ولد سنة 1337 ه و تحصّل على الشهادة العالمية، ثم تحصّل على إجازة التدريس في القضاء العالي من الأزهر و هو الآن من أساتذة الجيل، يساهم بنشاطه في حقل التدريس، و له من الأولاد سعود و محمد علي. ثم الشيخ زين العابدين ولد سنة 1339 ه. و في السادس من شهر ذي الحجة عام 1383 ه أراد القدوم من المدينة إلى مكة للمشاركة في غسل الكعبة المشرفة، مع بقية السدنة في اليوم السابع من ذي الحجة، كما هي العادة سنويا، ولأداء مناسك الحج، و لكنه توفي في الطريق إلى مكة، و هو بملابس الإحرام، قاصدا الحج، و ذلك عقب حادث أليم وقع على سيارته في الطريق، فكان لوفاته حزن عميق لدى محبيه و معارفه، لما اشتهر به من حلو الحديث، و حب الخير للجميع، و له من الأولاد محمد صالح و عبد الوهاب و عبد اللطيف و عبد اللّه و مصطفى و زيني.

انظر: الصور أرقام 116، الشيخ عبد القادر بن علي الشيبي، و رقم 117 الشيخ عبد اللّه الشيبي سادن الحرم، و رقم 118 أمين بن عبد اللّه الشيبي رئيس السدنة، و رقم 119 الشيخ عمر بن جعفر الشيبي السادن الثاني للحرم، و رقم 120 ثلاثة من آل الشيبي، و رقم 121 عاصم بن عبد اللّه الشيبي بين ولديه، و رقم 122 سراج بن عبد اللّه الشيبي‏

ثم الشيخ طلحة بن حسن الشيبي ولد سنة 1340 ه. و تحصل على الشهادة التوجيهية عام 1363 ه من مدرسة تحضير البعثات بمكة (العزيزية الثانوية) ثم عكف على الدراسة الخاصة في المسجد الحرام، و هو الآن الوكيل الأول للمدرسة العزيزية الثانوية بمكة، بعد أن قام بالتدريس فيها سنوات طويلة. فقد خدم التعليم حول عشرين عاما، بذل فيها الكثير من الجهد و النصح، و له من الأولاد عثمان و عبد الرحمن و سليمان و عبد اللّه و إبراهيم و زهير و ناصر و هو صديق عزيز عليّ ساهم في إعداد هذه البحوث، مساهمة تذكر فتشكر، جزاه اللّه خيرا.

ثم الشيخ سراج الشيبي ولد سنة 1344 ه، و هو من موظفي إدارة الحرم الشريف بمكة، و له من الأولاد عمر و فهد.

204

ثم الشيخ عبد العزيز الشيبي ولد سنة 1348 ه، و هو عضو في إدارة الحرم الشريف بمكة و هو المشرف على وقف آل الشيبي و له من الأولاد طلال و هشام و محمد و أحمد. و بهذا انتهى ذكر الطبقة الرابعة و أبنائهم.

و يلاحظ أن الجميع هم إخوة، ما عدا الشيخ عمر و الشيخ طلحة، فهم أبناء عمومة لهم.

و عدد أفراد العائلة في عامنا الحالي عام 1384 ه اثنان و ثمانون شخصا، نصفهم من الذكور تقريبا حسب ما مر.

عاداتهم‏

و قد جرت العادة أن يوضع المفتاح لدى أكبرهم سنا و هو السادن الأول.

و عند فتح الكعبة يشعر السادن الأول جميع السدنة (الكبار منهم طبعا) بوقت كاف ليتمكنوا من الحضور جميعا، إن أمكن ذلك، أو بعضهم. و ليس للكعبة الآن مواعيد معينة تفتح فيها، إلا المواعيد التي تغسل فيها من الداخل، و هي تغسل مرتين في العام: المرة الأولى في صباح 27 شعبان و الثانية صباح 7 الحجة من كل عام، فإذا كان يوم غسل الكعبة يحضر جميع السدنة، و يفتح الباب، و ينتظرون وصول ولاة الأمر، و كثيرا ما يجري هذا الحفل، تحت رئاسة سمو الأمير فيصل المعظم، و عند تشريفه يصلي داخل الكعبة ركعتين، هو و من يكون بمعيته من الأمراء أو الضيوف، ثم يصب ماء زمزم ممزوجا بماء الورد، ثم تمسح الجدار بعطر الورد أو بعطر العود، و تبخر بالعود و بذلك تنتهي مراسم الغسيل. و غسل الكعبة قديم من عام الفتح، حيث طهر النبي (صلى الله عليه و سلم) الكعبة من الأصنام و غسلها بيده الشريفة. أما مواعيد فتح الكعبة في الأزمنة الماضية فقد تكلم عنها البحاثة الرحالة ابن جبير.

ترجمة خالد بن عبد اللّه القسري المتقدم ذكره‏

تولى خالد بن عبد اللّه القسري ولاية مكة المشرفة مرتين، في خلافة عبد الملك بن مروان، ثم في خلافة ابنه سليمان، و كان أيضا قبل ذلك واليا على الشام، و هو