التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج4

- محمد طاهر الكردي المزيد...
651 /
205

أول من استصبح في المسجد الحرام حول الكعبة، كما هو أول من فرّق بين الرجال و النساء في الطواف، أجلس عند كل ركن من أركان الكعبة حرسا معهم السياط يفرّقون بين الجنسين. و سبب ذلك أنه لما بلغه قول الشاعر:

يا حبذا الموسم من موفد* * * و حبذا الكعبة من مشهد

و حبذا الآتي يزاحمننا* * * عند استلام الحجر الأسود

قال خالد: أما إنهن لا يزاحمنك بعد هذا و أجلس عند كل ركن حرسا بأيديهم السياط يمنعون النساء أن تختلط بالرجال.

و مثل هذا ما حكاه الزمخشري في خالد: قال لما بلغ خالدا ما قاله رجل من موالي الأنصار:

ليتني في المؤذنين نهارى‏* * * إنهم يبصرون ما في السطوح‏

فيشيرون أو يشير إليهم‏* * * بالهوى كل ذات دلّ مليح‏

أمر بهدم المنائر، و في هذا هجاه الفرزدق بثلاثة أبيات.

و خالد القسري هو الذي أدار الصفوف حول الكعبة، فقد كان الناس يصلون التراويح في رمضان، في أعلى المسجد الحرام، تركز حربة خلف مقام إبراهيم بربوة، فيصلي الإمام خلف الحربة، و الناس وراءه، فمن أراد صلى مع الإمام، و من أراد طاف و ركع خلف المقام.

فلما ولّي خالد القسري مكة، من قبل عبد الملك بن مروان، و حضر شهر رمضان، أمر خالد الأئمة أن يتقدموا فيصلوا خلف المقام و أدار الصفوف حول الكعبة، لأن أعلى المسجد ضاق بالناس، فقيل له: تمنع بذلك الناس من الطواف.

قال: فإنما آمرهم يطوفون بين كل ترويحتين بطواف سبعا، و قد رتّبهم في صلاة التراويح و الطواف بالبيت، بحيث تنقضي الصلاة مع طلوع الفجر، و قد ذكر الإمام الأزرقي تفصيل ذلك.

و لقد أجرى خالد القسري من عين ثقبة بجبل ثبير، في طريق منى ماء عذبا، تجري إلى المسجد الحرام، و تسكب في فسقية من رخام بين زمزم و المقام، و أراد بذلك أن يصرف الناس عن شرب ماء زمزم فلم يبلغ بغيته، لأن أهل مكة أعرضوا عن ماء هذه العين و رغبوا في زمزم، فلما رأى خالد ذلك صعد المنبر يخطب فيهم‏

206

و يؤنبهم على ذلك فلم يلتفتوا لكلامه. انتهى باختصار و تصرف من تاريخ الغازي و غيره.

و لخالد بعض أعمال مستنكرة: منها ما نلخصه من تاريخ الغازي: و هو أنه لما بعث خالد القسري سعيد بن جبير بعد أن شدّه وثاقا إلى الحجاج، قال له رجل من أهل الشام: إن الحجاج قد أنذر به و أشعر به من قبلك فما عرض له، فلو جعلته بينك و بين اللّه لكان أزكى من كل عمل يتقرب به إلى اللّه تعالى. قال خالد، و ظهره إلى الكعبة قد استند إليها: و اللّه لو علمت أن عبد الملك لا يرضى عني إلا بنقض هذا البيت حجرا حجرا لنقضته في مرضاته. و سعيد بن جبير هو أحد الأعلام السابقين أخذ العلم عن عبد اللّه بن عباس و عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهم، قال له ابن عباس: حدّث، فقال: أحدث و أنت ههنا؟ فقال: أليس من نعمة اللّه عليك أن تحدّث و أنا شاهد، فإن أصبت فذاك و إن أخطأت علمتك، سعيد بن جبير و قصته مع الحجاج مذكورة في تاريخ ابن خلكان و غيره.

و منها: أنه أحدث حدثا منكرا، فقام إليه طلحة بن عبد اللّه بن شيبة من بني عبد الدار بن قصي. و قيل بل هو عبد اللّه بن شيبة الأعجم، فأمره بالمعروف و نهاه عما فعل، فغضب عليه خالد غضبا شديدا، و أخاف الرجل، فخرج إلى سليمان بن عبد الملك يشكوه و يتظلم منه، فكتب سليمان إلى خالد أن لا يتعرض له بأمر يكرهه، فلما أخذ خالد الكتاب وضعه، و بعد ذلك طلب من عبد اللّه بن شيبة أن يفتح له الكعبة فامتنع عليه، فضربه خالد مائة سوط على ظهره، فخرج عبد اللّه بن شيبة و أتى سليمان فكشف عن ظهره بين يديه و قال له: هذا الذي أوصيته بي.

فكتب سليمان إلى خاله محمد بن هشام أن يقتصّ لعبد اللّه من خالد القسري، فأخرجه محمد بن هشام إلى باب المسجد و أمر بضربه مائة سوط بعد تجريده و حضر الناس و القرشيون.

و منها: إيصاله الماء من عين ثقبة بجبل ثبير إلى المسجد الحرام، بين زمزم و المقام، و أراد أن يحمل الناس للشرب منه و ترك ماء زمزم، فلم يمتثل الناس أمره و خطب في أهل مكة و أنّبهم في كلامه على ذلك فلم يلتفتوا إلى كلامه و كان يذم ماء زمزم و يسميها أم جعلان و لا يشرب منها. و تفصيل هذه الحادثة في تاريخ الغازي.

207

و منها: أنه كان يجهر و يأمر بسبّ علي بن أبي طالب فوق المنابر، و أثنى على الحجاج ثم أمر بلعنه، و أنه في سبيل طاعة بني أمية كان يقول: لو كنت أعلم أن هذه الوحوش لو نطقت و لم تقرّ بالطاعة لأخرجتها من الحرم. انتهى ملخصا من تاريخ الغازي.

هذه الأمور مما يجرح في خالد القسري و يؤاخذ بها. لكن صديقنا الأستاذ السباعي في كتابه" تاريخ مكة" يستبعد وقوع مثل هذه الأعمال من خالد القسري و يقول ربما أشاعها بعضهم انتقاما منه أو من بني أمية لأن هذه الجرأة لا تتفق مع الدين.

و لقد كدنا أن لا نصدق كل ذلك في خالد القسري، لكن رأينا في تاريخ ابن خلكان ما يؤيد ذلك و لا سبيل إلى تكذيبه، و نحن نلخص هنا ما ذكره ابن خلكان في ترجمته فقد جاء فيه: هو خالد بن عبد اللّه بن يزيد البجلي ثم القسري، بفتح القاف و سكون السين المهملة و بعدها راء نسبة إلى قسر بن عبقر، و هي بطن من بجيلة، كان أمير العراقين من قبل هشام بن عبد الملك الأموي، و ولّي قبل ذلك سنة تسع و ثمانين للهجرة، و لجده يزيد صحبة مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و خالد معدود من خطباء العرب المشهورين بالفصاحة و البلاغة، و كان جوادا كثير العطاء، و كانت أمه نصرانية، و ذكر أبو الفرج الأصبهاني، أن خالدا كان من شقّ الكاهن، و هو خالد بن عبد اللّه بن أسد بن يزيد بن كرز، و ذكر أن كرزا كان دعيا و أنه كان من اليهود، فجنى جناية فهرب إلى بجيلة فانتسب فيهم، و كرز، بضم الكاف و سكون الراء و بعدها زاء.

قال ابن خلكان: كان شقّ المذكور ابن خالة سطيح الكاهن المبشّر بالنبي (صلى الله عليه و سلم)، و كان شقّ و سطيح من أعاجيب الدنيا: فكان شقّ نصف إنسان و لذلك سمي بشق فكانت له يد واحدة و رجل واحدة، و أما سطيح فكان جسدا ملقى، لا جوارح له، و كان وجهه في صدره، و لم يكن له رأس و لا عنق، و كانت ولادة شقّ و سطيح في يوم واحد، و فتح عليهما في علم الكهانة ما هو مشهور عنهما و عاش كل واحد منهما ستمائة سنة. اه.

أما خبر وفاة خالد القسري: فقد ذكر الطبري في تاريخه ما ملخصه: أن هشاما ولّى خالدا العراق سنة خمس و مائة، ثم عزله و ولّى له يوسف بن عمر الثقفي و هو ابن عم الحجاج، و سبب عزل خالد، أن امرأة أتته فقالت: أصلح اللّه‏

208

الأمير إني امرأة مسلمة، و إن عاملك فلانا المجوسي و ثب عليّ فأكرهني على الفجور و غصبني نفسي. فقال لها خالد: كيف وجدت قلفته؟

فكتب بذلك حسان النبطي إلى هشام، فكتب هشام إلى يوسف بن عمر و كان باليمن بولاية العراق و محاسبة خالد عمّاله، و أمره أن يستخلف ابنه الصّلت على اليمن، فخرج يوسف، في نفر يسير، حتى قدم الكوفة سحرا، ثم أخذ خالدا و عمّاله و حاسبه و حبسه و عذبه، ثم قتله في أيام الوليد بن يزيد. قيل إنه وضع قدميه بين خشبتين و عصرهما حتى انقصفتا، ثم رفع الخشبتين إلى ساقيه و عصرهما حتى انقصفتا، ثم إلى وركيه، ثم إلى صلبه، فلما انقصف صلبه مات، و هو في ذلك لا ينطق و لا يتأوّه. و كان ذلك في المحرم سنة ست و عشرين، و قيل في ذي القعدة سنة خمس و عشرين و مائة، بالحيرة و دفن في ناحية منها ليلا.

و الحيرة، بينها و بين الكوفة فرسخ، كانت منزلة آل النعمان بن المنذر ملوك العرب. انتهى كل ذلك من تاريخ ابن خلكان.

كيس مفتاح الكعبة و الكراسي التي كانت في داخلها

لم نقف على من أحدث كيسا خاصا لمفتاح الكعبة، و لا متى حدث.

و الظاهر أنه حدث ذلك، عندما اختصت مصر بصنع كسوة الكعبة المشرفة، فعمل كيس المفتاح تبعا لكسوة الكعبة، و كسوة مقام إبراهيم، و ستارة باب الكعبة، و ستارة باب التوبة، أي الباب الموصل لسطح الكعبة من داخلها، و اللّه تعالى أعلم بغيبه، و زخرفة كيس المفتاح و تحسين منظره تابعان لكسوة الكعبة و كل ذلك يكون في مصر.

قال الغازي في تاريخه نقلا عن الرحلة الحجازية: و بجانب باب الكعبة، على يسار الداخل، طاولة من الخشب، مغطاة بستارة من الحرير الأخضر، موضوع عليها كيس مفتاح الكعبة، و هو من الأطلس الأخضر المزركش بالقصب، يأتي إليها سنويا من مصر مع الكسوة الشريفة.

و صفة هذا الكيس كما ذكره مؤلف مرآة الحرمين، (رحمه اللّه تعالى)، حيث يقول: هذا الكيس من الأطلس الساسي الأخضر، الذي مقاسه ذراع و ثمن، و موضوع عليه مخيش فضة، ملبّس بالذهب البندقي الأصفر، الذي زنته (45) خمس و أربعين مثقالا، و كنتير ششخانة أبيض، و ترتر فضة أبيض مثقالين، و هو

209

مبطن بالأطلس الساسي الأخضر، و مركب عليه قيطان بشرّابتين مصنوعتين من قصب، و مخيش عقادي أصفر، و كنتير ششخانة. و قد نقش في إحدى جهتيه‏ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها و فوق ذلك و تحته: أمر بعمل هذا الكيس المبارك مولانا السلطان محمد الخامس، و في الجهة الأخرى في الوسط قوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ و فوق ذلك و تحته جدد هذا أفندينا عباس حلمي باشا خديوي مصر سنة (1327) سبع و عشرين و ثلاثمائة و ألف هجرية. انتهى.

انظر: صورة رقم 123، كيس من الحرير المطرز من الوجهين لمفتاح باب الكعبة المعظمة

و ما جاء فيما تقدم، من أن كيس المفتاح، يوضع على طاولة من الخشب، مغطاة بستارة من الحرير الأخضر، في جوف الكعبة، على يسار من دخلها، هذه الطاولة أو بعبارة أخرى هذا الكرسي، هو موضوع من قديم الزمان، داخل الكعبة، ربما كان موضوعا فيها قبل الإسلام، فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب الحج، عن واصل، عن أبي وائل، قال: جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة، فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر، رضي اللّه عنه، فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء و لا بيضاء إلا قسمته. قلت: إن صاحبيك لم يفعلا. قال: هما المرآن أقتدي بهما. اه.

و شيبة المذكور هنا هو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي ينتهي إليه نسب سدنة الكعبة في عصرنا و إليه ينسبون فيقال لهم الشيبيون، و قد أسلم شيبة عام الفتح على أصح الروايات و قد ذكرنا ترجمته.

و الظاهر، و اللّه تعالى أعلم، أن الكرسي الذي كان في الكعبة قديما كان لجلوس كبير سدنة الكعبة عليه، عند فتحها، و لا بأس من ذلك، ما دام المرء جالسا بالأدب اللائق، ببيت اللّه الحرام، و بالأخص من كان من سدنته أو خدمه.

و لقد ذكر الأزرقي في تاريخه، عند الكلام على ذرع الكعبة من داخلها، أنه كان في الكعبة ثلاثة كراسي، و ذكر وصفها، و لكنا لم نفهم تماما معنى كلامه، و لا بأس أن نسوق عبارته بنصها للإحاطة. قال (رحمه اللّه تعالى): و في الكعبة ثلاثة كراسي من ساج" و هو ضرب من الشجر" طول كل كرسي في السماء ذراع و نصف، و عرض كل كرسي منها ذراع و ثماني أصابع في مثلها، و الكراسي‏

210

ملبسة ذهبا و فوق الذهب ديباج و تحت الكراسي رخام أحمر بقدر سعة الكرسي، و طول الرخام في السماء سبع أصابع، و على الكراسي أساطين متفرقة ملبسة:

الاسطوانة الأولى، التي على باب الكعبة، ثلثها ملبّس صفايح ذهب و فضة، و بقيتها مموّهة، و ذرع غلظها ثلاثة أذرع، و الاسطوانة الثانية، و هي الوسطى من الأساطين، ملبّسة صفايح ذهب و فضة، و ذرع غلظها ثلاثة أذرع، و الاسطوانة الثالثة، و هي التي تلي الحجر، ثلثها ملبّس صفايح ذهب و بقيتها مموهة، و ذرع غلظها ذراعان و نصف، و فوق الأساطين كراسي ساج مربعة منقوشة بالذهب و الزخرف، و على الكراسي ثلاث جوايز ساج، أطرافها على الجدر الذي فيه باب الكعبة، و أطرافها الأخرى على الجدر الذي يستقبل باب الكعبة و هو دبرها، و الجوايز منقوشة بالذهب و الزخرف، و سقف الكعبة منقوش بالذهب و الزخرف، و يدور تحت السقف إفريز منقوش بالذهب و الزخرف، و تحت الإفريز طوق من فسيفساء. انتهى كلام الأزرقي.

فنحن لم نفهم معنى كلام الإمام الأزرقي فهما تاما، فهل الكراسي الثلاثة التي ذكرها الأزرقي هي مثل الكراسي المعروفة في عصرنا، بمعنى أن الكرسى هو ما يقعد عليه، بقطع النظر عن شكله و كيفية صنعه و تعدد أنواعه، أم له معنى آخر في عرف زمانه، ثم ما معنى وضع الكراسي على رخام أحمر، و أرض الكعبة كانت مفروشة بالرخام في زمانه، و ما معنى وضع الأساطين على الكراسي و وضع كراسي أخر فوق الأساطين أيضا، و ما معنى وضع الجوايز على الكراسي أطرافها على الجدارين المتقابلين الشرقي و الغربي، فهل معنى الجوايز وضعه أخشاب طوال عرضا على الكراسي ليعلق عليها بعض الأشياء، أم المقصود منها شي‏ء آخر؟

و النتيجة التي فهمناها أن هذه الكراسي لم تكن للجلوس و القعود. و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

أما في عصرنا الآن: فإنه لا يوجد كرسي في الكعبة يصلح للجلوس عليه، و لكنه يوجد فيها طاولة كالكرسي و هي من الخشب العودي، بنّي اللون، مسدس الأضلاع، طول كل ضلع نحو خمسين سنتيمترا و ارتفاعه من الأرض نحو متر واحد، و على أضلاعه كتابات محفورة على نفس الخشب، و الظاهر أنه من عهد السلطان عبد الحميد الأول. و هذه الطاولة معمولة لوضع كيس مفتاح الكعبة عليها، و كذلك بعض الأشياء الصغيرة كمبخرة و عطر و نحوهما.

211

ثم بعد أيام من كتابة هذا نظرنا إلى الكرسي الموجود الآن في داخل الكعبة المشرفة لنتحقق عنه أكثر. و إليك وصفه بدقة تامة:

وصف الكرسي الذي في الكعبة في وقتنا الحاضر

لقد ذكرنا أنه يوجد الآن في الكعبة كرسي من الخشب، و هنا نذكر وصف هذا الكرسي فنقول: الكرسي الموجود في عصرنا الحاضر في داخل الكعبة المشرفة، عمل سنة (1275) هجرية، و هو سداسي الشكل متساوي الأضلاع يشبه كراسي الفوانيس الكبيرة، يضع فيه سدنة الكعبة بعض الأشياء الخفيفة كقفل بابها و مفتاحه و كيس المفتاح و زجاجة العطر و نحو ذلك، و طول كل ضلع من أضلاعه الستة نصف متر، و ارتفاعه ثمانون سنتيمترا، و هو مسدود من جميع جوانبه ما عدا جانب واحد الذي فيه الباب و هو مصراعان" درفتان" و قد كتب بالحفر على نفس خشب الكرسي في كل جانب من جوانبه الستة ما يأتي:

1) جدد هذا الصندوق في عهد سلطان المسلمين و خليفة.

2) رسول رب العالمين مولانا السلطان الغازي عبد.

3) المجيد بن المرحوم السلطان محمود خان اللهم انصره.

4) نصرا تعز به الدين و كان المباشر يومئذ الحاج.

5) رضا فريق باشا المأمور بإيصال ميزاب الكعبة المعظمة غفر اللّه له.

6) و للمسلمين في سنة خمس و سبعين و مائتين و ألف هجرية.

هذا ما كتب على جوانب الكرسي، و يظهر من السطر الأول من جملة" جدّد هذا الصندوق" أنه كان في داخل الكعبة كرسي قبل هذا الكرسي حصل فيه خراب من قدم العهد، فرفعوه و عملوا بدلا عنه هذا الكرسي.

مواعيد فتح الكعبة في الجاهلية و الإسلام‏

لما كانت الكعبة المعظمة بيت اللّه الحرام، و أقرب موضع لإجابة الدعاء، و إليهما يلجأ الخائف المذعور و المظلوم و المقهور، و الفقير العسير، و المذنب الكسير، و عندها تسكب العبرات، و ينتظر تفريج الكربات من رب البيت الكريم الحليم، و البر التواب الرحيم، ذي الجلال و الإكرام، كان الدخول إليها آكد لراحة الضمير، و أشد اطمئنانا للقلوب، و لو لم يطلب الدخول إلى الكعبة، لم يجعل خليل‏

212

اللّه إبراهيم، عليه الصلاة و السلام، لها بابا، حينما أقام بناءها، و رفع قواعدها، فإذا كانت بيوت الملوك و الوجهاء محلا للأمن و الإكرام، كان بيت اللّه، عز شأنه، أفضل مكان للإكرام و الإحسان و العفو و الغفران، و كان بلده الأمين أحسن موقع للأمن و الأمان و الراحة و الاطمئنان، فاقصدوا بلد اللّه الأمين لأداء فريضة الحج و العمرة تكونوا من الفائزين، و تشرفوا بدخول بيته الحرام و اسكبوا فيه عبرات التوبة و الندم، و اطلبوا من فضله العميم و كرمه العظيم، ينشر لكم ربكم من رحمته و يهي‏ء لكم من أمركم مرفقا، و تكونوا من الآمنين يوم الفزع الأكبر.

فالدخول إلى بيت اللّه، بالأدب و السكينة، مطلوب مرغوب، و قد جرت العادة بذلك حتى أيام الجاهلية. قال الإمام الأزرقي، في تاريخه: أخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن عبد اللّه بن يزيد، عن سعيد ابن عمرو الهذلي، عن أبيه، قال: رأيت قريشا يفتحون البيت في الجاهلية يوم الاثنين و الخميس، و كان حجابه يجلسون عند بابه، فيرتقي الرجل، إذا كانوا لا يريدون دخوله، فيدفع و يطرح، و ربما عطب، و كانوا لا يدخلون الكعبة بحذاء، يعظمون ذلك و يضعون نعالهم تحت الدرجة، أخبرني محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن أشياخه، قالوا: لما فرغت قريش من بناء الكعبة، كان أول من خلع الخف و النعل، فلم يدخل بهما، الوليد بن المغيرة، إعظاما لها، فجرى ذلك سنّة. انتهى من الأزرقي.

و ننقل هنا تفصيل مواعيد فتح الكعبة المشرفة من كتاب" المحمل و الحج" فقد جاء فيه ما نصه:

كانت الكعبة في الجاهلية تفتح يوم الاثنين، و يوم الجمعة، و قبل يوم الخميس عوضا عن الجمعة و أما في الإسلام فكانت تفتح يوم الجمعة، و ترك يوم الاثنين، ثم أعيد فتحها في يوم الاثنين.

و قال ابن جبير في رحلته سنة 579 ه أنها تفتح يوم الاثنين، و يوم الجمعة إلا في رجب فتفتح في كل يوم. اه.

و قد تفتح في أي وقت لمن يريد زيارتها من الحجاج، نظير أتاوة يتقاضاها أمين المفتاح هناك، و يكون ذلك ميسورا في اليوم العاشر للرجال، و في الحادي عشر منه للنساء.

و مواعيد فتحها كالآتي:

213

في يوم 10 المحرم للرجال، و في يوم 11 منه للنساء.

في ليلة 12 ربيع الأول للدعاء لجلالة الملك ابن السعود، و لا يدخلها الزوار.

في يوم 12 ربيع الأول للرجال، و في ليلة 13 منه للنساء.

في يوم 20 ربيع الأول لغسلها.

في أول جمعة من رجب للرجال، و في اليوم التالي للنساء.

في ليلة 27 رجب للدعاء لجلالة الملك ابن السعود.

في يوم 27 رجب للرجال، و في المساء للنساء.

في ليلة نصف شعبان للدعاء.

في يوم 15 شعبان للرجال، و في المساء للنساء.

في يوم الجمعة الأولى من رمضان للرجال، و في اليوم التالي للنساء.

في ليلة 17 رمضان للدعاء لجلالة الملك.

في آخر جمعة من رمضان للدعاء أيضا.

في نصف ذي القعدة للرجال، و في اليوم التالي للنساء.

في 20 ذي القعدة لغسلها.

و تفتح على سبيل الخصوصية لبعض الأعيان، و تفتح لمن يريد الزيارة بعد أن يدفع ريالا لمن يتولى فتح الباب، و إذا كان الزائر غنيا يدفع بضعة جنيهات، و بعض الناس ينتهز فرصة غسل الكعبة و يدخل مع الغاسلين.

في 28 ذي القعدة تؤزر الكعبة بإزار أبيض في أسفلها، و هذا اليوم الأخير ليس بيوم دخول عام، و إنما يدخلها القّيم و أمير الحج المصري و أتباعهما المعينون في ذلك، لتعليق الكسوة الجديدة. و لا ينصب سلّم للدخول و إنما يدخل من تكلف الصعود بمعين أو بخفة أعضاء، و على باب أحد خدم الأمير يمنع الناس من الدخول إلا أن الناس يكاثرونه، فإن منعوا من جانب، دخلوا من جانب آخر، و ربما يتعامى عن البعض، و يحصل لكثير من الناس في ذلك المكان سوء أدب، من ضرب أو شتم، فالأولى عدم الدخول إلا لمن تيسر له ذلك عفوا. انتهى كل ذلك من كتاب" المحمل و الحج".

214

و لقد ذكر الأستاذ السباعي حفظه اللّه تعالى في كتابه" تاريخ مكة" أن الملك المسعود، صاحب مصر، الملك الكامل الأيوبي و كان في اليمن اتصل به الشريف راجح بن قتادة، و استثاره ضد أخيه الحسن و زين له أن يحتل مكة، فذهب المسعود إليها و احتلها في اليوم الرابع من ربيع الأول سنة (619) تسع عشرة و ستمائة، أو في التي بعدها، و ظل فيها إلى ما بعد فراغه من الحج، ثم توجه إلى اليمن بعد أن أناب أحد قواده. قال السباعي: و سهل المسعود على الحجاج أمر دخول الكعبة، فأمر بجعل بابها مفتوحا ليلا و نهارا، مدة مقام الحج فيها، و أطلق لسدنة الكعبة من بني شيبة مالا لقاء ما كانوا يأخذونه بإغلاق الباب و فتحه لمن أرادوا، و تحاشيا من زحام الناس لقصر المدة التي كانوا يفتحون فيها الباب، و عظم ما يناله الناس من إرهاق و ضرب و موت. انتهى منه.

و نظن و اللّه تعالى أعلم أن هذه هي أول مرة تفتح الكعبة ليلا و نهارا فلم نسمع بحصول ذلك لا من قبل و لا من بعد.

نقول: لقد سألنا صاحب الفضيلة صاحب مفتاح بيت اللّه الحرام عن مواعيد فتحه في أيامنا، فأجابنا بأنه ليس هناك تحديد لفتح الكعبة في أيام أو مواعيد مخصوصة إلا بطلب من صاحب الجلالة، أو من أرباب المصالح من شخصيات الحجاج أو تفتح لسبب قوي من الأسباب الداعية لذلك، و الفتح يجري عادة من رئيس بني شيبة صاحب مفتاح بيت اللّه الحرام. أما الفتحات و تخصيصها للرجال أو النساء، فقد جرت العادة من السابق أن يكون يوما للرجال و يوما للنساء، و ذلك في الفتحات العامة التي تتلو الفتحات الخاصة عادة.

هذا نص جواب سادن بيت اللّه الحرام، مع العلم بأن مواعيد فتح الكعبة المشرفة لم يرد فيها أمر شرعي، و إنما هي عادة اصطلح عليها الشيبيون.

وصف فتح الكعبة و دخول الناس فيها

يقول ابن جبير الأندلسي، في رحلته التي كانت سنة (578) ثمان و سبعين و خمسمائة هجرية، يصف فتح الكعبة و دخول الناس فيها ما يأتي:

و باب الكعبة الكريم يفتح كل يوم اثنين و يوم جمعة، إلا في شهر رجب فإنه يفتح في كل يوم. و فتحه أول بزوغ الشمس. يقبل سدنة البيت الشيبيون، فيبادر منهم من ينقل كرسيا كبيرا شبه المنبر الواسع، له تسعة أدراج مستطيلة، قد

215

وضعت له قوائم من الخشب متضامنة مع الأرض، لها أربع بكرات كبار مصفحة بالحديد لمباشرتها الأرض، يجري الكرسي عليها، حتى يصل إلى البيت الكريم، فيقع الأعلى متصلا بالعتبة المباركة من الباب، فيصعد زعيم الشيبيين إليه، و هو كهل جميل الهيئة و الشارة، و بيده مفتاح القفل المبارك، و معه من السدنة من يمسك في يده سترا أسودا، تفتح يديه به أمام الباب، خلال ما يفتحه الزعيم الشيبي المذكور، فإذا فتح القفل، قبّل العتبة، ثم دخل البيت وحده، و سد الباب خلفه، و أقام قدر ما يركع ركعتين، ثم يدخل الشيبيون و يسدون الباب أيضا، و يركعون، ثم يفتح الباب و يبادر الناس بالدخول، و في أثناء محاولة فتح الباب الكريم، يقف الناس مستقبلين إياه بأبصار خاشعة، و أيد مبسوطة إلى اللّه ضارعة. و إذا انفتح الباب كبّر الناس و علا ضجيجهم، و نادوا بألسنة مستهلة: اللهم افتح لنا أبواب رحمتك و مغفرتك يا أرحم الراحمين ثم يدخلون بسلام آمنين.

و يقول ابن جبير، في مكان آخر، من رحلته ما يأتي: و في هذه الأيام- أي بعد نزول الناس من منى في النفر الثاني و انتهاء أعمال الحج- يفتح البيت الكريم كل يوم للأعاجم العراقيين و الخراسانيين، و سواهم من الواصلين مع الأمير العراقي، فظهر من تزاحمهم و تطارحهم، على الباب الكريم، و وصول بعضهم على بعض، و سباحة بعضهم على رؤوس بعض، كأنهم في غدير من الماء، أمر لم ير أهول منه، يؤدي إلى تلف المهج، و كسر الأعضاء، و هم في خلال ذلك لا يبالون، و لا يتوقفون، بل يلقون بأنفسهم على ذلك البيت الكريم، في فرط الطرب و الارتياح كإلقاء الفراش بنفسه على المصباح، فعادة أحوال السرو اليمنيين، في دخولهم البيت المبارك، على الصفة المتقدمة الذكر، حال تؤدة و وقار، بالإضافة إلى هؤلاء الأعاجم الأغنام، نفعهم اللّه بنياتهم، و قد فقد منهم في ذلك المزدحم الشديد، من دنا أجله، و اللّه يغفر للجميع، و ربما زاحمهم، في تلك الحال، بعض نسائهم، فيخرجن و قد نضجت جلودهن طبخا، في مضيق ذلك المعتزل، الذي حمي بأنفاس الشوق و طيشه، و اللّه ينفع الجميع بمعتقده و حسن مقصده بعزته.

و يقول ابن جبير، في موضع آخر من رحلته، يصف قبائل السرو من اليمن في الكعبة، ما يأتي: و إذا فتح باب الكعبة، فهم الداخلون بسلام، فتراهم، في محاولة دخولهم، يتسلسلون كأنهم مرتبطون بعضهم ببعض، يتصل منهم على هذه الصفة، الثلاثون و الأربعون إلى أزيد من ذلك، و السلاسل منهم يتبع بعضهم‏

216

بعضا، و ربما انفصمت بواحد يميل عن المطلع المبارك إلى البيت الكريم، فيقع الكل لوقوعه، فيشاهد الناظر لذلك مرأى يؤدي إلى الضحك، ثم ذكر صلاتهم العجيب. انتهى.

و يقول ابن جبير أيضا عن دخول قبائل السرو من اليمن الكعبة ما يأتي:

فلما كان يوم الاثنين السابع و العشرين من الشهر المذكور، شهر ذي القعدة، فتح البيت العتيق، و تولى فتحه من الشيبيين ابن عم الشيبي المعزول، هو أمثل طريقة منه، على ما يذكر، فازدحم السرو للدخول على العادة، فجاءوا بأمر لم يعهد فيما سلف، يصعدون أفواجا حتى يغص الباب الكريم بهم، فلا يستطيعون تقدما و لا تأخرا، إلى أن يلجوا على أعظم شقة، ثم يسرعون الخروج فيضيق الباب الكريم بهم، فينحدر الفوج منهم على المصعد، و فوج آخر صاعد فيلتقيه و قد ارتبط بعضهم إلى بعض، فربما حمل المنحدرون في صدور الصاعدين، و ربما وقف الصاعدون للمنحدرين، و تضاغطوا، إلى أن يميلوا، فيقع البعض على البعض، فيعاين النظارة منهم مرأى هائلا، فمنهم سليم و غير سليم، و أكثرهم إنما ينحدرون وثبا على الرؤوس و الأعناق، و من أعجب ما شاهدناه في يوم الاثنين المذكور، أن صعد بعض من الشيبيين، أثناء ذلك الزحام، يرومون الدخول إلى البيت الكريم، فلم يقدروا على التخلص، فتعلقوا بأستار حافتي عضادتي الباب، ثم إن أحدهم تمسك بإحدى الشرائط القينية، الممسكة للأستار، إلى أن علا الرؤوس و الأعناق، فوطئها و دخل البيت، فلم يجد موطئا لقدمه سواها، لشدة تزاحمهم و تراكمهم، و انضمام بعضهم إلى بعض. و هذا الجمع الذي وصل منهم، في هذا العام لم يعهد قط مثله فيما سلف من الأعوام، و للّه القدرة المعجزة لا إله سواه.

انظر: صورة رقم 124، دخول الناس في الكعبة المشرفة

أما كيفية دخول النساء الكعبة المشرفة، فلقد ذكر ابن جبير في رحلته ما يأتي:

و في اليوم التاسع و العشرين من رجب، و هو يوم الخميس أفرز البيت الكريم للنساء خاصة، فاجتمعن من كل أوب، و قد تقدم احتفالهن لذلك بأيام، كاحتفالهن للمشاهد الكريمة، و لم تبق امرأة بمكة إلا حضرت المسجد الحرام ذلك اليوم، فلما وصل الشيبيون لفتح البيت المطهر، على العادة، أسرعوا في الخروج منه، و أفرجوا للنساء عنه، و أفرج الناس لهن عن الطواف و عن الحجر، و لم يبق‏

217

حول البيت المبارك أحد من الرجال، و تبادر النساء إلى الصعود، حتى كاد الشيبيون لا يخلصون بينهن، عند هبوطهم من البيت الكريم، و تسلسل النساء بعضهن ببعض، و تشابكن حتى تواقعن، فمن صائحة و معولة و مكبرة و مهللة، و ظهر من تزاحمهن من السرو اليمنيين، مدة مقامهم بمكة، و صعودهم يوم فتح البيت المقدس، و أشبهت الحال، و تمادين على ذلك صدرا من النهار، و انفسحن في الطواف و الحجر، و تشفين من تقبيل الحجر، و استلام الأركان. و كان ذلك اليوم عندهن الأكبر، و يومهن الأزهر، نفعهن اللّه به، و جعله خالصا لكريم وجهه، و بالجملة فهن مع الرجال مسكينات مغبونات، يرين البيت الكريم، و لا يلجنه، و يلحظن الحجر المبارك، و لا يستلمنه، فحظهن من ذلك كله النظر و الأسف المستطير مستشعر، فليس لهن سوى الطواف على البعد. و هذا اليوم، الذي هو من عام إلى عام، فهن يرتقبنه أشرف الأعياد، و يكثرن له من التأهب و الاستعداد، و اللّه ينفعهن في ذلك بحسن النية و الاعتقاد بمنّه و كرمه. انتهى كل ما ذكر من رحلة ابن جبير.

الطواف و آدابه و شروطه‏

الأذكار المأثورة في الطواف و آدابها

ذكرنا في كتابنا" إرشاد الزمرة لمناسك الحج و العمرة" عند الكلام على سنن الطواف، ما نصه: فمن سننه أن يأتي بالأذكار المأثورة فيه، فيقول عند استلام الحجر الأسود في أول طوافه و كذا في كل طوفة: بسم اللّه و اللّه أكبر، اللهم إيمانا بك و تصديقا بكتابك و وفاء بعهدك و اتباعا لسنة نبيك محمد (صلى الله عليه و سلم).

و أن يقول قبالة البيت" اللهم إن البيت بيتك و الحرم حرمك و الأمن أمنك و هذا مقام العائذ بك من النار".

و أن يقول بين اليمانيين أي الركن اليماني و الحجر الأسود" اللهم إني أسألك العفو و العافية في الدين و الدنيا و الآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار، اللهم قنعني بما رزقتني و بارك لي فيه و احفظني في كل غائبة يا مجير إنك على كل شي‏ء قدير" و أن يقول في حالة الرمل في الأشواط الثلاثة الأول" اللهم اجعله حجا مبرورا، و ذنبا مغفورا وسعيا مشكورا، و تجارة لن‏

218

تبور، يا عزيز يا غفور" و إن كان معتمرا قال:" اللهم اجعلها عمرة مبرورة و ذنبا مغفورا ..." إلخ. و يقول في الأشواط الأربعة الباقية" رب اغفر و ارحم و تجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم، ربنا آتنا في الدنيا حسنة ..." إلخ. و أن يقول عند الركن العراقي و هو المقابل لباب العمرة:" اللهم إني أعوذ بك من الشك و الشرك و الشقاق و النفاق و سوء الأخلاق و سوء المنقلب في الأهل و المال و الولد". و يقول إذا انتهى إلى الميزاب:" اللهم أظلني في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك، و اسقني بكأس محمد (صلى الله عليه و سلم) شربة هنيئة مريئة لا أظمأ بعدها أبدا يا ذا الجلال و الإكرام، اللهم إني أسألك الراحة عند الموت و العفو عند الحساب".

روى ابن ماجة، عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، أن النبي (صلى الله عليه و سلم)، قال: «من طاف بالبيت سبعا و لم يتكلم إلا بسبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر و لا حول و لا قوة إلا باللّه، محيت عنه عشر سيئات و كتبت له عشر حسنات و رفع له بها عشر درجات» الحديث. و أخرج أبو داود، أن النبي (صلى الله عليه و سلم)، قال:" ما مررت بالركن اليماني إلا و عنده ملك ينادي، يقول: آمين آمين، فإذا مررتم به فقولوا:" اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار". و عن عطاء قال: قيل يا رسول اللّه، نراك تكثر من استلام الركن اليماني، قال:" ما أتيت عليه قط إلا و جبريل قائم عنده يستغفر لمن يستلمه".

و عن مجاهد أنه قال:" ما من إنسان يضع يده على الركن اليماني و يدعو إلا استجيب له، و إن بين الركن اليماني و الركن الأسود سبعين ألف ملك لا يفارقونه هم هنالك منذ خلق اللّه البيت".

جاء في حاشية البجيرمي ما نصه: روى إمامنا الشافعي، رضي اللّه عنه، عن ابن عمر، رضي اللّه عنهما، قال:" استقبل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الحجر فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه طويلا، و كان (صلى الله عليه و سلم) إذا استلم الحجر قال: بسم اللّه و اللّه أكبر، و قال بينهما: أي بين الركن اليماني و الحجر: ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار" و لم يثبت عنه (صلى الله عليه و سلم) شي‏ء من الأذكار في غير هذا المحل حول الكعبة و لم يستلم الركنين المقابلين للحجر اه. من الحاشية.

و اعلم أنه لم يكن للكعبة في زمنه (صلى الله عليه و سلم) غير الركنين: الركن الأسود و الركن اليماني فقط، حيث كان جدارها المقابل لحجر إسماعيل مدوّرا، فلما بنى عبد اللّه‏

219

بن الزبير، رضي اللّه عنهما، الكعبة جعل لها أربعة أركان فكانت تستلم كلها في زمانه إلى أن قتل رضي اللّه تعالى عنه.

و أما آداب الذكر و الدعاء في الطواف، فلا يخفى ذلك على الإنسان الكامل، و نأتي هنا بشي‏ء على سبيل الذكرى. فمن الآداب: أن يذكر اللّه تعالى و هو حاضر القلب، لأنه يناجي اللّه تعالى، و يدعوه، كما في الصلاة، و هو مطلع عليه، فقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم و غيره الذي أوله" بينما نحن جلوس عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ذات يوم إذ طلع علينا رجل ... إلخ" فهذا الرجل هو جبريل جاء يسأل النبي عليه الصلاة و السلام عن الإيمان و الإسلام و الساعة، فلما سأله أيضا عن الإحسان أجابه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

و منها: عدم قطع الذكر ليتكلم مع غيره و هما يطوفان بكلام دنيوي إلا في حالة الاضطرار. و منها: عدم التشويش على غيره برفع الصوت.

جاء في شفاء الغرام للفاسي: روينا في مسند الدارمي بسند صحيح عن عائشة، قالت: إنما جعل الطواف بالبيت و رمي الجمار و السعي بين الصفا و المروة لإقامة ذكر اللّه، و روينا فيه عن عائشة عن النبي (صلى الله عليه و سلم) نحوه، و أخرجه المحب الطبري في القرى عنها مرفوعا و زاد بعد قوله ذكر اللّه تعالى: و إن لم يقترن بها ذكر بالقول، ثم قال: و ينبغي للذاكر في الطواف و التالي أن لا يزيد في رفع صوته على إسماع نفسه لئلا يشوّش على غيره، و استدل على ذلك بما تقوم به الحجة، ثم قال: و في معنى الطائف من كان في المسجد، قريبا من المطاف، ينبغي له أن لا يرفع صوته بتلاوة و لا ذكر، لئلا يشوّش على الطائفين. اه. انتهى من شفاء الغرام.

أما آداب الطواف فكثيرة، و لنذكر ما كتبناه في كتابنا" إرشاد الزمرة لمناسك الحج و العمرة" و هو: يكره في الطواف الأكل و الشرب و كراهة الشرب أخف، الكلام إلا لضرورة، و رفع صوته بقراءة أو ذكر، لئلا يشوش على غيره، و تشبيك الأصابع و فرقعتها، و جعل يديه وراء ظهره مكتّفا، و الضحك و المزاح لأنه خلاف الأدب، و مدّ نظره إلى ما لا يحل له النظر إليه من امرأة و أمرد حسن الصورة، و احتقار من يراه من الضعفاء و العوام إلى غير ذلك مما هو مخالف للأدب فإنه‏

220

متلبس بعبادة ربه، في أطهر مكان و أشرف موضع، فينبغي إظهار الحرمة و الخشوع و الخضوع و ملازمة الأدب، فإن الطواف كالصلاة. انتهى.

جاء في كتاب القرى لقاصد أم القرى، للإمام الطبري، عند مبحث إباحة الكلام في الطواف ما نصه:

عن ابن عباس، رضي اللّه عنهما، أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: «الطواف بالبيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير». أخرجه الترمذي.

و عن طاووس، عن رجل أدرك النبي (صلى الله عليه و سلم)، قال: الطواف بالبيت صلاة، فأقلوا من الكلام. أخرجه أحمد و النسائي. و أخرجه الشافعي عن طاووس، عن ابن عباس، أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: الطواف بالبيت صلاة، و لكن اللّه أحلّ فيه المنطق، فمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير. أخرجه سعيد بن منصور أيضا كذلك. و أخرجه عن ابن عباس موقوفا، قال: الطواف بالبيت ... الحديث بنحو الحديث الأول.

و عنه أنه قال: إذا طفت بالبيت فأقلّ الكلام فإنك في صلاة.

و عن أبي سعيد الخدري أنه كان يقول لبنيه: إذا طفتم بالبيت فلا تلغوا و لا تهجروا و لا تقاصّوا أحدا إن استطعتم، و أقلوا الكلام. أخرجهما سعيد بن منصور.

و عن ابن عمر، رضي اللّه عنهما، أنه قال: أقلّوا الكلام في الطواف، فإنما أنتم في الصلاة. أخرجه النسائي، و أخرجه الشافعي عن عمر، و قال: في صلاة.

و عن عطاء قال: طفت خلف ابن عمر و ابن عباس، فما سمعت واحدا منهما متكلما حتى فرغ من طوافه.

و كان عطاء يكره الكلام في الطواف، إلا الشي‏ء اليسير منه، إلا ذكر اللّه تعالى، و قراءة القرآن. أخرجه الشافعي.

و عن عروة بن الزبير قال: حججت مع ابن عمر، فالتقينا في الطواف، فسلمت عليه، ثم خطبت إليه ابنته، فما ردّ عليّ جوابا، فغمني ذلك، و قلت في نفسي: لم يرضني لابنته. فلما قدمنا المدينة جئته مسلّما، فقال لي: ما فعلت فيما كنت ألقيته إلي؟ فقلت: لم ترد عليّ جوابا، فظننت أنك لم ترضني لابنتك. قال:

تخطب إلي في مثل ذلك الموضع، و نحن نتراءى اللّه عز و جل. ثم قال: بل قد رضيتك، فزوجني، أخرجه الآجري في مسألة الطائفين بسنده.

221

ثم قال الإمام الطبري في كتابه المذكور بعد ما تقدم: و اعلم أن التحدث في الطواف على غير النحو المتقدم في الفصل قبله، خطأ كبير، و غفلة عظيمة، و من لابس ذلك فقد لابس ما يمقت عليه، خصوصا إن صدر ممن ينسب إلى العلم و الدين، فإنه إذا أنكر على من دونه احتج به، فصار فتنة لكل مفتون. و من آثر محادثة المخلوق في أمر الدنيا، و الإقبال عليه و الإصغاء لحديثه، على ذكر خالقه، و الاقبال عليه، و على ما هو متلبس به من عبادته فهو غبين الرأي، لأن طوافه بجسده و قلبه لاه ساه، قد غلب عليه الخوض فيما لا يعنيه، حتى استرسل في عبادته كذلك، فهو إلى الخسران أقرب منه إلى الربح، و مثل هذا خليق بأن يشكوه البيت إلى اللّه عز و جل و إلى جبريل، و لعل الملائكة تتأذى به، و كثير من الطائفين يتبرمون منه، فعلى الطائف أن يبذل جهده في مجانبة ذلك. انتهى من الكتاب المذكور.

و إلى هذا المعنى يشير القائل:

يا من يطوف ببيت اللّه بالجسد* * * و الجسم في بلد و الروح في بلد

ماذا فعلت و ما أنت فاعله‏* * * مهرج في اللقا للواحد الأحد

إن الطواف بلا قلب و لا بصر* * * على الحقيقة لا يشفي من الكمد

إباحة بعض الأمور في الطواف‏

يباح بعض الأمور في الطواف لعارض، مما لا يخلّ بآدابه، و مما هو من باب الخير و الاضطرار، كالأمور الآتية:

جاء في كتاب" القرى لقاصد أم القرى" للإمام الطبري ما ملخصه:

و عن ابن عمر رضي اللّه عنهما، أنه كان يطوف بالبيت، فأقيمت الصلاة فصلى مع القوم، ثم قام فبنى على ما مضى من طوافه، و عن عطاء أنه كان يقول في الرجل يطوف بعض طوافه، ثم تحضر الجنازة، قال: يخرج يصلي عليها، ثم يرجع، فيقضي ما بقي من طوافه. و عن مجاهد في الرجل يطوف، ثم تقام الصلاة و لم يفرغ من أسبوعه، قال: يصلي، ثم يقضي ما بقي عليه، أخرج جميع ذلك سعيد بن منصور. و عن عطاء و إبراهيم قالا فيمن رعف و هو يطوف بالبيت: يخرج فيتوضأ. قال إبراهيم يبني على طوافه من المكان الذي قطع منه. و قال عطاء: إن فعل ذلك أجزأه، و أحبّ أن يستقبل ذلك من الحجر، و عن الحسن أنه كان يقول‏

222

فيمن قطع الطواف لأجل الرّعاف: يستقبل طوافه، و لا يعتدّ بما فعل. أخرجه سعيد بن منصور.

و عن حميد بن زيد قال: رأيت ابن عمر يطوف بالبيت، فقعد قبل أن يفرغ من طوافه، من حرّ أخرجه الأزرقي. و أخرجه سعيد بن منصور بزيادة. و لفظه:

رأيت ابن عمر طاف بالبيت ثلاثة أطواف أو أربعة، ثم جلس يستريح و غلام له يروّح عليه، فقام فبنى على ما مضى من طوافه.

و عنه قال: رأيت ابن عمر بعدما كبر، طاف فأعيا، فاستراح، ثم بنى على ما مضى من طوافه. أخرجه سعيد أيضا.

و عن عطاء عن ابن عباس، رضي اللّه عنهما، قال: إذا طاف بالبيت تطوعا ثم شاء، أن يقطعه قطعه، غير أن لا ينصرف إلا عن وتر: خمس، أو ثلاث، أو شوط. أخرجه سعيد بن منصور.

و عن يزيد بن أبي زياد قال: رأيت أبا جعفر و الحسن و علي بن عبد اللّه و سعيد بن جبير و مجاهدا يتكلمون في الطواف، و بين الصفا و المروة. و عن عبد الملك بن أبي سليمان، قال: كنا نستفتي سعيد بن جبير، و نكلمه و نحن نطوف. أخرجهما سعيد بن منصور. و هذا الكلام منه محمول على ما تقدم من أنواع الخير.

و عن إسماعيل بن عبد الملك قال: رأيت سعيد بن جبير يتكلم في الطواف و يضحك. أخرجه أبو الوليد الأزرقي.

و هذا محمول على ضحك راجع إلى ما ذكرناه من أنواع الخير، كسرور في طاعة و قربة، أو حسن إقبال على أخ في اللّه تعالى، لا تفكّها و تعجبا، و غفلة عن اللّه تعالى. و اللّه أعلم. اه.

و المراد بالضحك هنا: التبسم لا الضحك المصحوب بالقهقهة.

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن النبي (صلى الله عليه و سلم) شرب في الطواف. أخرجه أبو حاتم و الشافعي. و عن أبي مسعود الأنصاري، أن النبي (صلى الله عليه و سلم) عطش و هو يطوف بالبيت، فقال: عليّ بذنوب من ماء زمزم، فصب عليه، ثم شرب و هو يطوف بالبيت أخرجه الدار قطني. و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه شرب و هو يطوف فجلس على جدار الحجر، أخرجه الشافعي و البيهقي. انتهى من كتاب القرى للطبري.

223

ذكر اللّه و قراءة القرآن في الطواف‏

جاء في تاريخ الأزرقي ما نصه: حدثني جدي عن الزنجي، عن ابن جريج، قال: قال عطاء: من طاف بالبيت فليدع الحديث كله، إلا ذكر اللّه تعالى، و قراءة القرآن. حدثني جدي، قال حدثنا يحيى بن سليم، قال حدثنا عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي حسين أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال لرجل و هو في الطواف: كم تعد يا فلان، ثم قال، تدري لم سألتك؟ قال: اللّه و رسوله أعلم. قال: لكي تكون أحصى لعدّك. حدثني جدي، عن مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، قال: كان أكثر كلام عمر و عبد الرحمن بن عوف، في الطواف: ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار.

حدثني جدي، قال: حدثنا سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة، قال: كنت أطوف مع طاووس فسألته عن شي‏ء فقال: ألم أقل لك؟ قال: قلت: لا أدري، قال: ألم أقل لك إن ابن عباس قال: إن الطواف صلاة فأقلوا فيه الكلام.

حدثنا إسحاق، قال حدثنا أبو الوليد، قال حدثني جدي، قال حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، أنه قدم مكة فطاف سبعا، فقرأ فيه بالسبع الطوال، ثم طاف سبعا آخر فقرأ فيه بالمئين، ثم طاف سبعا آخر فقرأ فيه بالمثاني، قال الخزاعي إسحاق بن أحمد: حدثنا أبو عبيد اللّه، قال حدثنا سفيان بإسناده مثله، و زاد، ثم طاف سبعا آخر فقرأ بالحواميم، ثم طاف سبعا آخر فقرأ إلى آخر القرآن، حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: القراءة في الطواف شي‏ء أحدث.

حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني زهير بن محمد، عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن توبة، عن عبد اللّه بن عمر، أنه قيل له: يا أبا عبد الرحمن، ما لنا نراك تستلم الركنين استلاما لا نرى أحدا من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يستلمهما؟ قال: إني رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يستلمهما و يقول:

استلامهما يمحو الخطايا، و سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: من طاف سبعا يحصيه كتب اللّه له بكل خطوة حسنة، و حطت عنه سيئة و رفعت له درجة، ثم صلى ركعتين كان له كعتق رقبة. و قال في كتابه: و أخبرني يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية قال: لئن عشت و طالت بك حياتك لترين الناس يطوفون حول الكعبة و لا

224

يصلون، قال: و سمعت غير واحد من الفقهاء يقولون: بني هذا البيت على سبع و ركعتين.

حدثني جدي عن سعيد بن سالم، عن طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: حج آدم فطاف بالبيت سبعا، فلقيته الملائكة، فقالوا: بر حجك يا آدم إنا قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام، قال: فما كنتم تقولون في الطواف؟ قالوا: كنا نقول: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر.

قال آدم: فزيدوا فيها و لا حول و لا قوة إلا باللّه قال: فزادت الملائكة فيها ذلك.

قال: فلما حج إبراهيم، (عليه السلام)، بعد بنائه البيت، فلقيته الملائكة في الطواف، فسلموا عليه، فقال لهم إبراهيم: ماذا تقولون في طوافكم؟ قالوا: نقول قول أبيك آدم سبحان اللّه، و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر فأعلمناه ذلك فقال: زيدوا فيها و لا حول و لا قوة إلا باللّه. فقال إبراهيم: زيدوا فيها العلي العظيم. ففعلت الملائكة. انتهى من الأزرقي.

نقول: إن ذكر اللّه تعالى أو قراءة القرآن حال الطواف بالبيت الحرام إنما هو سنة، فمن طاف و لم يذكر اللّه تعالى و لم يقرأ شيئا من القرآن صح طوافه سواء كان فرضا أو نفلا، لكن فاتته فضيلة الذكر و القراءة. و مثل الطواف في ذلك السعي.

الدعاء و آدابه‏

لما كانت مواضع الإجابة هي عند الكعبة المشرفة، و في الملتزم و الحجر و الركنين و المقام و غيرها، كان من اللازم أن نأتي بشي‏ء في فضل الدعاء و آدابه، ترغيبا في تقرب العبد الضعيف الآبق، إلى الرب الكريم الجليل الخالق، حتى لا ييأس المذنب من رحمة اللّه، و لا يقنط المسرف من عفو اللّه، فاللّه تعالى، الذي لا تنفعه الطاعات، و لا تضره المعاصي، عند حسن ظن عبده به. فنقول و باللّه الاعتماد:

الدعاء مطلوب من جميع المؤمنين من الطائع و العاصي، و العالم و الجاهل، و الغني و الفقير، قال اللّه تعالى في كتابه العزيز وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏ و قال عز شأنه: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً و قال جل جلاله: وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ‏

225

يَرْشُدُونَ‏. و لا شك أن أمر اللّه سبحانه و تعالى عباده بالدعاء هو عين الرحمة و الإحسان منه تبارك و تعالى، و عندي أنه أمر عام يشمل البرّ و الفاجر، و المسلم و الكافر، لأن الكافر و إن لم يؤمن بنبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم) فإنه يعلم بيقين أن له ربا خلقه فسواه و رزقه و أعطاه، فهو يرجع إليه في كل أموره، و المسلم مهما عظمت خطاياه، فهو أولى و أحرى بالتضرع إلى اللّه عز شأنه، و تعالت عظمته، ليكشف عنه السوء و يرفع عنه البلاء بفضله و رحمته، إنه بعباده لطيف خبير، و بإجابة دعائهم لجدير، جل جلاله و لا إله غيره و اللّه أكبر.

قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" الدعاء هو العبادة" رواه الترمذي و غيره، و هو حديث حسن صحيح، فالعبد إذا دعا ربه فهو يقرّ بربوبيته، و يعترف له بعبوديته، و يؤمن بعظمته و جلاله، و يلجأ إليه بضعفه و احتياجه، و يسأله من خيري الدنيا و الآخرة ما يجعله سعيدا فيهما، فهذا لا شك يعتبر عين العبادة و حقيقة الإيمان.

و كم ورد في القرآن العظيم، من الدعوات المتنوعة، عن الأنبياء، عليهم الصلاة و السلام، و كم ورد في كتب الحديث من الدعوات المهمة الجامعة، لخيري الدنيا و الآخرة، عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فلو أردنا جمع الدعوات النبوية، لاحتجنا إلى تأليف كتاب خاص، و نحن هنا في صدد الترغيب في الدعاء و آدابه، حتى يدعو كل إنسان ربه بلغته، و يلجأ إليه كل امرئ بعزمه و حسن نيته، فليسأل المرء ربه كل ما أهمه من الأمور، صغيرها و كبيرها، فإنه تعالى بيده خزائن السموات و الأرض، و لقد أنفق ما أنفق منذ خلق السموات و الأرض، ما نقص من ملكه مثقال ذرة، و كيف يتصور النقصان في خزائن من يقول للشي‏ء كن فيكون، جل جلاله و لا إله غيره و اللّه أكبر و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

و في هذه المعنى، قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" إن يمين اللّه ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل و النهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات و الأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه و عرشه على الماء و بيده الأخرى القبض يرفع و يخفض" رواه البخاري و مسلم عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه.

فسبحان الذي بيده ملكوت السموات و الأرض و هو يطعم و لا يطعم، الذي يحتاج إليه جميع الخلق و هو الغني عن العالمين، فالحمد للّه الذي زين قلوبنا بنور الإيمان، و أنار بصائرنا بنور المعرفة، و هدانا إلى الصراط المستقيم.

226

و اعلم، أنه كما توجد أماكن و أزمان هي أقرب لاستجابة الدعاء، تكون هناك آداب تستدعي استجابة الدعاء أيضا، لمن رعاها و حافظ عليها، فعلى قدر الهمم تتوالى النعم، و إن رحمة اللّه قريب من المحسنين. فمن آداب الدعاء، التضرع و الخشوع بنية صادقة، و الإخلاص و الإلتجاء إليه تعالى بإخلاص و حسن ظن، و الدعاء بالكلام العادي، فلا يتكلف السجع و مراعاة قواعد النحو أو الصرف، و لا ينتقي الكلمات الفصيحة البليغة، لأن كل ذلك ينافي الخشوع و صفاء المناجاة، مع خالق البرايا، و العليم بما في صدور العالمين، و أن من علامات تحقيق الإجابة انشراح الصدر، و توجه القلب إلى الدعاء، فهذه إشارة و بشارة بالقبول من اللّه الكريم المتعال.

و إن أرجى دعاء للاستجابة هو دعاء المضطر، لأنه بلغ إلى حالة قصوى في الإحتياج و الإتبلاء، فاللّه سبحانه و تعالى يرفع عنه ما نزل، و يفرج كربته بفضله و رحمته، لشدة اضطراره و احتياجه إلى غوث اللّه تعالى، فارج الهم، و كاشف الكرب، و إلى هذا تشير الآية الكريمة: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ‏.

و كذلك دعاء المظلوم، و دعاء الوالدين، و دعاء السلطان العادل في رعيته، و العالم بعلمه، و التقي الصالح القائم بعبادة ربه، و كل من التجأ إلى ربه، بقلب سليم و نية صادقة، يرى أثر استجابة دعائه، و كشف الضر و البأساء عنه. و كلما كان المؤمن متقربا إلى اللّه تعالى بالعبادة و الأعمال الصالحة، كان دعاؤه قريب الاستجابة و كان اللّه له عونا في جميع حالاته.

و الحديث الصحيح الآتي أعظم دليل على ذلك، فقد روى أبو هريرة، رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" إن اللّه تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، و ما تقرّب إليّ عبدي بشي‏ء، أحبّ إليّ مما افترضته عليه، و لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، و رجله التي يمشي بها، و لئن سألني لأعطينه، و لئن استعاذني لأعيذنه" رواه البخاري في صحيحه.

فهنيئا لعبد، هذا حاله مع ربه، و هل بعد هذه السعادة سعادة؟ اللهم أرض عنا، و اغفر لنا و ارحمنا، و عافنا و اعف عنا، و اجعلنا ممن يقومون بما افترضته عليهم، و يتقربون إليك بالنوافل، حتى تحبنا فتعطينا ما نسأل، و تعيذنا مما نستعيذك منه،

227

و تكون في عوننا في الدنيا و الآخرة، بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين، و صلى اللّه و سلم على أبي القاسم الأمين، و على آله و صحبه أجمعين.

و اعلم أن أبلغ الدعاء ما كان عن صمت، أي أن الإنسان، إذا بلغ به الحزن أقصاه، لم يقدر على الإفصاح عنه، لأن لسانه لا يطاوعه بالكلام، و إنما يتضرع إلى اللّه عز شأنه بقلبه، و يدعوه في سره، و يشكو بثه و حزنه إلى اللّه، و يستعين به على كشف بلواه، قال الشاعر:

و يمنعني الشكوى إلى اللّه علمه‏* * * بجملة ما ألقاه قبل أقول‏

و اللّه تعالى عليم بما في الصدور، قال تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ و إذ كان اللّه سبحانه و تعالى هو الذي خلقنا، و هو السميع البصير، فلا يتوقف في الإستجابة إلى رفع الصوت و الجهر بالدعاء، فهو عز شأنه لا تخفى عليه خافية: يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَ ما يَخْرُجُ مِنْها وَ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَ ما يَعْرُجُ فِيها وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ* لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ* يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ هُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.

فالحمد للّه الذي أذاقنا حلاوة الإيمان و العلم و العمل، و رزقنا حسن الظن به و عظيم الأمل، و أنار لنا طريق الهدى، و أبان لنا الصراط المستقيم، و سلك بنا مسالك أهل النهى و التقى في الطريق القويم، الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

و إن من أعظم أسباب الدعاء، و حصول الخير، و انفراج الكرب و الشدائد، هو أكل الحلال، و اجتناب الحرام و ما فيه الشبهة. و قد قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" إن اللّه تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا،" و إن اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً و قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ‏ ثم ذكر الرجل، يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب. و مطعمه حرام، و مشربه حرام، و ملبسه حرام، فأنّى يستجاب له. رواه مسلم.

اللهم اغننا بحلالك عن حرامك و بطاعتك عن معصيتك و بفضلك عمن سواك.

228

و مما ينبغي لنا التنبيه عليه، هو أن الإنسان يجب أن يحسن الظن بربه عز و جل، و أن لا ييأس من رحمته، و لا يقنط من عفوه و غفرانه، فلا يقول في نفسه كيف أدعو ربي و أنا المنغمس في الذنوب و المعاصي، فإن ذلك من تلاعب الشيطان به، حتى يبعده عن رحمة اللّه تعالى، و هل التوبة جعلت إلا لأرباب المعاصي و الذنوب؟

و إن اللّه تعالى ليفرح بعبده التائب الذي أناب إليه و رجع، و هو التواب الرحيم.

أنا المذنب الخطاء و العفو واسع‏* * * و لو لم يكن ذنب لما وقع العفو

و ما أحلى قول رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، في هذا المعنى المروي في الصحيحين، و هو:

" أن عبدا أصاب ذنبا و قال: ربي أذنبت فاغفره، فقال ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب و يأخذ به، غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء اللّه ثم أصاب ذنبا فقال:

ربي أذنبت آخر، فاغفر لي، قال: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب و يأخذ به، غفرت لعبدي، ثم أصاب ذنبا فقال: ربي أذنبت آخر فاغفر لي. قال: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب و يأخذ به، قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء". رواه البخاري و مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه.

فهل بعد هذا الحديث الشريف يتطرق اليأس إلى قلب عبد مؤمن عالم بسعة عفو اللّه تعالى و عظيم رحمته و لطفه بعباده؟ فاللّه عز شأنه واسع الفضل عظيم الإحسان، لا تنفعه طاعاتنا و لا تضره معاصينا، اللهم عاملنا بما أنت أهله من اللطف و الكرم، و العفو و الإحسان، بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين.

هذا، و لقد أردنا أن نذكر كثيرا من الأدعية النبوية الواردة في كتب الحديث، و لكن ذلك مما يؤدي إلى التطويل، علاوة على ما هي مذكورة في كتب الأدعية، و لا بأس أن نذكر هنا بضعة من الدعوات النبوية الهامة الجامعة لخير الدنيا و الآخرة، مما لها تناسب مع حياتنا هذه في هذا الزمن الأخير و هي هذه:

قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" دعوة ذي النون إذ دعا ربه و هو في بطن الحوت‏ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏ فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شي‏ء قط إلا استجاب له". رواه الترمذي.

و عن أبي أمامة، رضي اللّه عنه: قال دعا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئا، قلت: يا رسول اللّه دعوت بدعاء كثير لم يحفظ منه شيئا، فقال:" ألا أدلكم ما يجمع ذلك كله، تقول اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه نبيك‏

229

محمد (صلى الله عليه و سلم)، و نعوذ بك من شر ما استعاذك منه نبيك (صلى الله عليه و سلم)، و أنت المستعان، و عليك البلاغ، و لا حول و لا قوة إلا باللّه". رواه الترمذي.

و عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول:" اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، و أصلح لي دنياي التي فيها معاشي". رواه مسلم.

و عن أبي بكرة، رضي اللّه عنه، أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قال:" دعوات المكروب، اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، و أصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت". رواه أبو داود في" السنن".

و عن ابن عباس، رضي اللّه عنهما، أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، كان يقول، عند الكرب:" لا إله إلا اللّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللّه رب العرش العظيم، لا إله إلا اللّه رب السموات و رب الأرض و رب العرش الكريم". و في رواية لمسلم: أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان إذا حزبه أمر قال ذلك رواه البخاري و مسلم.

و عن علي، رضي اللّه عنه، أن مكاتبا جاءه، فقال: إني عجزت عن كتابتي فأعني، قال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): لو كان عليك مثل جبل دينا أداه اللّه عنك، قل:" اللهم اكفني بحلالك عن حرامك و اغنني بفضلك عمن سواك". رواه الترمذي.

و عن ابن عمر، رضي اللّه عنهما، عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، أنه قال:" اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك و تحول عافيتك، و فجاءة نقمتك، و جميع سخطك".

رواه مسلم و غيره.

و عن ابن مسعود، رضي اللّه عنه، عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال:" اللهم إني أسألك الهدى و التقى و العفاف و الغنى". رواه مسلم و غيره.

و عن عائشة، رضي اللّه عنها، عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، أنه قال:" اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك و بمعافاتك من عقوبتك، و أعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". رواه مسلم و غيره.

و عن أنس بن مالك، رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" اللهم إني أعوذ بك من الهم و الحزن، و العجز و الكسل، و الجبن و البخل، و ضلع الدين و غلبة الرجال". رواه البخاري و مسلم و غيرهما.

230

و عن أبي موسى الأشعري، رضي اللّه عنه، أن النبي (صلى الله عليه و سلم)، قال:" اللهم اغفر لي خطيئتي و جهلي و إسرافي في أمري و ما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر خطئي و عمدي، و هزلي و جدي و كل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت و ما أخرت، و ما أسررت و ما أعلنت، أنت المقدم و أنت المؤخر و أنت على كل شي‏ء قدير".

رواه البخاري و مسلم.

بعض القصائد في التضرع‏

لقد أتينا فيما تقدم ببعض الأدعية النبوية الجامعة لخيري الدنيا و الآخرة، و هنا نأتي ببعض القصائد في التضرع إلى اللّه تعالى، فلكل دعاء ميزة خاصة، و لكل واحد طريقة في التضرع و الدعاء، كما قال اللّه تعالى: وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ.

و لا تظن أن الفقير يحمل وحده على كتفيه متاعب الحياة و همومها، كلا و إنما الخلق جميعا في ذلك سواء، فقد تختلف درجات الهموم و أنواعها:

كل من في الوجود يحمل هما* * * غير أن الهموم مختلفات‏

فالسلطان و الأمير، و الإمام و المأموم، و الغني و الفقير، و العزيز و الحقير، و الجاهل و العالم، و المظلوم و الظالم، و العزيز و الذليل، و الصحيح و العليل، و المشغول و العاطل، كل منهم يحمل في قرارة نفسه من الهم و الحزن ما لا يعلم به الآخر. فهذا يشكو فقره، و ذاك يألم من مرضه، و الآخر يتأفف من صديقه، و الرابع يستجير من رئيسه، و الخامس يبكي فقيدا افتقده، و السادس لا يهنأ بنوم، لكساد تجارته و خسارته، و هكذا حال جميع الناس إلى يوم القيامة، من أول خلقهم إلى يوم القيامة:

كل من لاقيت يشكو دهره‏* * * ليت شعري هذه الدنيا لمن‏

لذلك جاء في الصحيحين أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال:" تعوّذوا باللّه من جهد البلاء و درك الشقاء و سوء القضاء و شماتة الأعداء" رواه أبو هريرة رضي اللّه عنه.

و كان (صلى الله عليه و سلم) يتعوذ من الهم و الحزن، و من العجز و الكسل، و من الجبن و البخل، و من غلبة الدين و قهر الرجال، و من كثير من الأمور.

231

فإذا كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يتعوذ من كل ذلك، و يلجأ إلى اللّه تعالى فيما أهمه، فنحن أحق و أولى بالابتهال إلى اللّه الكريم المتعال، فسبحان من أودع في كل قلب ما أشغله، اللهم اشغل قلوبنا فيما خلقتنا له، و لا تشغلنا بما تكفّلت لنا به يا أرحم الراحمين، فنحن الضعفاء و أنت القوي العزيز.

إذا كنت في أمر وضقت بحمله‏* * * و أصبحت في عسر و أمسيت في حرج‏

تضرّع إلى اللّه الكريم و لا تمل‏* * * إلى غيره فاللّه يأتيك بالفرج‏

و إليك بعض القصائد في التضرع، فإن في ذكرها استئناسا للنفس، و انشراحا للصدر، و اطمئنانا للقلب، و نرجو بذلك استنزال الرحمة و الإحسان، من اللّه الواحد الأحد، الكبير المتعال، السميع البصير و البر الرحيم الودود، الذي هو بعباده لطيف خبير.

(قال بعضهم في التضرع إلى اللّه تعالى):

لأبتهلن تحت الظلام بدعوة* * * متى يدعها داع إلى اللّه يسمع‏

تغلغل من بين الضلوع نشيجها* * * له شافع من عبرة و تضرع‏

إلى فارج الكرب المجيب لمن دعا* * * فزعت بكربي إنه خير مفزع‏

فيا خير مدعو دعوتك فاستمع‏* * * و مالي شفيع غير فضلك فاشفع‏

(و قال بعضهم):

طرقت باب الرجا و الناس قد رقدوا* * * و بتّ أشكو إلى مولاي ما أجد

و قلت يا أملي في كل نائبة* * * و من عليه لكشف الضر أعتمد

أشكو إليك أمورا أنت تعلمها* * * ما لي على حملها صبر و لا جلد

و قد مددت يدي بالذل مفتقرا* * * إليك يا خير من مدّت إليه يد

فلا تردّنها يا رب خائبة* * * فبحر جودك يروي كل من يرد

(و قال بعضهم):

يا من يرى ما في الضمير و يسمع‏* * * أنت المعد لكل ما يتوقع‏

يا من يرجى للشدائد كلها* * * يا من إليه المشتكى و المفزع‏

يا من خزائن جوده في قول كن‏* * * أمنن فإن الخير عندك أجمع‏

ما لي سوى فقري إليك وسيلة* * * فبالإفتقار إليك فقري أدفع‏

ما لي سوى قرعي لبابك حيلة* * * و لئن رددت فأي باب أقرع‏

232

و من الذي أدعو و أهتف باسمه‏* * * إن كان فضلك عن فقيرك يمنع‏

حاشا لجودك أن تقنط عاصيا* * * الفضل أجزل و المواهب أوسع‏

إن كان لا يرجوك إلا محسن‏* * * فالمذنب العاصي إلى من يرجع‏

(و قال بعضهم):

يا رب ما زال لطف منك يشملني‏* * * و قد تجدد بي ما أنت تعلمه‏

فاصرفه عني كما عودتني كرما* * * فمن سواك لهذا العبد يرحمه‏

(و قال محمد طاهر الكردي مؤلف هذا الكتاب):

زدني بفرط الخير منك تشكرا* * * و الطف بما قدرته فيما جرى‏

يا من له عنت الوجوه جميعها* * * رحماك فالعبد الذليل تحيرا

إن لم يكن لي منك لطف شامل‏* * * أو فضل إحسان علي مكررا

فمن الذي أرجو لكشف بليتي‏* * * أو من إليه أميل من بين الورى‏

و الكل مفتقر إليك وسائل‏* * * من فيض جودك أن تقطرا

لا أرتجي أحدا سواك و أنت لي‏* * * نعم الملاذ و من رجاك استبشرا

إني سألتك و الهموم تراكمت‏* * * و الدهر عاند و الزمان تنكرا

حاشا تخيب من رجاك مؤملا* * * مهما جنى أو كان فيك مقصرا

اللهم يا فتاح يا عليم، يا رحمن يا رحيم، يا عزيز يا غفور، يا عالما ما في الصدور، يا من لا يخفى عليه شي‏ء في الأرض و لا في السماء، يا مجيب الدعاء، يا راحم عبرة داود، يا كاشف ضر أيوب، يا مفرج حزن يعقوب، ارفع عنا ما نزل و حقق لنا جميع الأمل، و فرّج عنا كل هم و غم، فإنك أنت العزيز الأكرم، اللهم إنا نسألك فرجا قريبا، و صبرا جميلا، و رزقا واسعا، و علما نافعا، و صحة و عافية، و الحفظ من جميع البلاء و السلامة من كل شر، و الأمن من كل خوف، و التوفيق للطاعات، و الثبات على الإيمان، و حسن الختام، و نسألك رضاك و الجنة و نعوذ بك من النار، ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار، و نسألك اللهم أن تصلي و تسلم على نبيك محمد و على آل محمد كما صليت و باركت على إبراهيم و على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

(و ما أحلى قول من قال):

فكم للّه من لطف خفي‏* * * يدق خفاه عن فهم الذكي‏

233

و كم يسر أتى من بعد عسر* * * و فرج كربة القلب الشجي‏

و كم أمر تساء به صباحا* * * و تأتيك المسرة بالعشي‏

إذا ضاقت بك الأحوال يوما* * * فثق بالواحد الفرد العلي‏

(و قول بعضهم):

و لرب نازلة يضيق بها الفتى‏* * * ذرعا و عند اللّه منها المخرج‏

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها* * * فرجت و كان يظنها لا تفرج‏

(و قال الآخر):

كن عن همومك معرضا* * * و كل الأمور إلى القضا

فلربما اتسع المضي* * * ق و ربما ضاق الفضا

و لرب أمر مسخط* * * لك في عواقبه رضا

اللّه يفعل ما يشا* * * ء فلا تكن متعرضا

(و لبعضهم):

أترك الفكر في الأمور و دعها* * * فكما قدّرت تكون الأمور

كل فكر و كل رأي و حزم‏* * * غير مجد إذا جرى المقدور

(و قال آخر):

عسى ما ترى لا يدم و إن ترى‏* * * له فرجا مما ألّم به الدهر

عسى فرج يأتي به اللّه إنه‏* * * له كل يوم في خليقته أمر

إذا لاح عسر فارج يسرا فإنه‏* * * قضى اللّه أن العسر يتبعه اليسر

(و ما أظرف قول الطغرائي):

لا تجزعن إذا ما الأمر ضقت به‏* * * ذرعا و نم و توسّد فارغ البال‏

فبين غفوة عين و انتباهتها* * * يغيّر اللّه من حال إلى حال‏

(و قال بعضهم):

تصبر إن عقبى الصبر خير* * * و لا تجزع لنائبة تنوب‏

فإن اليسر بعد العسر يأتي‏* * * و عند الضيق تنكشف الكروب‏

و كم جزعت نفوس من أمور* * * أتى من دونها فرج قريب‏

(و قال بعضهم):

إذا ما رماك الدهر يوما بنكبة* * * فهي‏ء لها صبرا و أوسع لها صدرا

234

فإن تصاريف الزمان عجيبة* * * فيوما ترى عسرا و يوما ترى يسرا

(و قال بعضهم):

كل الحوادث قد تمر على الفتى‏* * * و تزول حتى لا تكون بباله‏

فالحمد للّه في السراء و الضراء.

و لنختم هذا الباب بالأحاديث الآتية، عسى أن ننتفع بها نحن، و جميع المسلمين، فإن رجاءنا في كرم اللّه تعالى لعظيم، و إن حسن ظننا به، سبحانه و تعالى، لكبير، و الأحاديث الآتية نقلناها من" الأربعين النووية" و هي كما يأتي:

عن أنس، رضي اللّه تعالى عنه، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول:" قال اللّه تعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني و رجوتني غفرت لك على ما كان منك و لا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لآتيتك بقرابها مغفرة".

رواه الترمذي، و قال: حديث حسن صحيح.

و عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، عن النبي (صلى الله عليه و سلم)، قال:" من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس اللّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، و من يسر على معسر يسر اللّه عليه في الدنيا و الآخرة، و من ستر مسلما ستره اللّه في الدنيا و الآخرة، و اللّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، و من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل اللّه له به طريقا إلى الجنة، و ما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللّه يتلون كتاب اللّه و يتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، و غشيتهم الرحمة و حفتهم الملائكة، و ذكرهم اللّه فيمن عنده، و من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه". رواه مسلم بهذا اللفظ.

و عن جابر بن عبد اللّه، رضي اللّه عنهما، قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كالسورة من القرآن، و يقول:" إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، و أستقدرك بقدرتك، و أسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر و لا أقدر، و تعلم و لا أعلم و أنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني و معاشي و عاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري و آجله فاقدره لي و يسره لي، ثم بارك لي فيه، و إن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني و معاشي و عاقبة أمري،

235

أو قال: عاجل أمري و آجله فاصرفه عني و اصرفني عنه، و اقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به، قال: و يسمى حاجته".

و عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، و تعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، و الكلمة الطيبة صدقة، و بكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، و تميط الأذى عن الطريق صدقة". رواه البخاري و مسلم.

و عن أبي عبد اللّه النعمان بن بشير، رضي اللّه عنهما، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، يقول:" إن الحلال بيّن و إن الحرام بيّن، و بينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه و عرضه، و من وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا و إن لكل ملك حمى، ألا و إن حمى اللّه محارمه، ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، و إذا فسدت فسد الجسد كله ألا و هي القلب". رواه البخاري و مسلم.

و عن أبي حمزة أنس بن مالك، رضي اللّه تعالى عنه، خادم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال:" لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه" رواه البخاري و مسلم.

و عن أبي رقية تميم بن أوس الداري، رضي اللّه تعالى عنه، أن النبي (صلى الله عليه و سلم)، قال:

" الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: للّه و لكتابه و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم" رواه مسلم.

و عن أبي عبد الرحمن عبد اللّه بن مسعود، رضي اللّه تعالى عنه، قال: حدثنا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و هو الصادق المصدوق، إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه، أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة، مثل ذلك، ثم يكون مضغة، مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، و يؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، و أجله، و عمله، و شقي أو سعيد. فو اللّه الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه و بينها ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، و إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه و بينها ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. رواه البخاري و مسلم.

236

و عن ابن عمر، رضي اللّه عنهما، عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أنه قال:" كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع و هو مسؤول عن رعيته و الرجل راع في أهله و هو مسؤول عن رعيته و المرأة راعية في بيت زوجها و هي مسؤولة عن رعيتها و الخادم راع في مال سيده و هو مسؤول عن رعيته و الرجل راع في مال أبيه و هو مسؤول عن رعيته فكلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته" رواه الشيخان في صحيحيهما و اللفظ للبخاري.

و عن أبي العباس عبد اللّه بن عباس، رضي اللّه تعالى عنهما، قال: كنت خلف النبي (صلى الله عليه و سلم) يوما فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ اللّه يحفظك، احفظ اللّه تجده تجاهك إذا سألت فاسأل اللّه، و إذا استعنت فاستعن باللّه و اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشي‏ء لم ينفعوك إلا بشي‏ء قد كتبه اللّه لك، و إن اجتمعوا على أن يضرّوك بشي‏ء لم يضروك إلا بشي‏ء قد كتبه اللّه عليك، رفعت الأقلام و جفّت الصحف. رواه الترمذي و قال حديث حسن صحيح.

و في رواية غير الترمذي: احفظ اللّه تجده أمامك، تعرّف إلى اللّه في الرخاء يعرفك في الشدة، و اعلم أنما أخطأك لم يكن ليصيبك و ما أصابك لم يكن ليخطأك و اعلم أن الفرج مع الكرب، و أن مع العسر يسرا.

و عن أبي ذر الغفاري، رضي اللّه تعالى عنه، عن النبي (صلى الله عليه و سلم)، فيما يرويه عن ربه عز و جل، أنه قال: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما، فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكلم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل و النهار و أنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم‏

237

أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه و من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. رواه مسلم.

إلى هنا نكتفي بما تقدم من الأحاديث النبوية الشريفة الجامعة لخيري الدنيا و الآخرة، و الحمد للّه الذي سعدنا بكتابتها و نقلها، و نسعد أيضا، إن شاء اللّه تعالى بالعمل بها، فإننا نرجو أن يتغمدنا اللّه تعالى برحمته في الدنيا و الآخرة، إنه واسع الفضل عظيم الإحسان، و صلى اللّه على النبي الأمي و على آله و صحبه و سلم.

الطواف راكبا و دخول المواشي و الدواب المسجد الحرام‏

لما كان المسجد الحرام و شوارع مكة على غير هذه الصفة، أي كان بشكل يمكن دخول المسجد بالدواب في سابق العصور، فقد طاف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في يوم فتح مكة من السنة الثامنة من الهجرة راكبا و استلم الحجر الأسود بمحجته و هو راكب، و روى الإمام الأزرقي في تاريخه، عن ابن جريج، قال: و أخبرت أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان إذا طاف على راحلته يستلم الركن بمحجنه ثم يقبل طرف المحجن" و المحجن العصا المنعطفة الرأس".

و روى أيضا، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال لعبد الرحمن بن عوف: كيف فعلت يا أبا محمد في استلام الركن الأسود؟ قال: كل ذلك أستلم و أترك. قال: أصبت. و إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجنه يكره أن يضرب عنه الناس. و في الصحيحين عن عائشة، رضي اللّه عنها، أن النبي (صلى الله عليه و سلم) طاف راكبا كراهية أن يصرف الناس عنه، و في رواية طاف حجة الوداع حول الكعبة. على بعيره كراهية أن يصرف الناس عنه. أخرجه مسلم.

و روى مسلم في صحيحه، عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللّه، يقول:

طاف النبي (صلى الله عليه و سلم) في حجة الوداع على راحلته بالبيت، و بين الصفا و المروة، ليراه الناس و ليشرف، و لم يطف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و لا أصحابه بين الصفا و المروة إلا طوافا واحدا. اه، أي لم يسعوا بعد طواف الإفاضة حيث إنهم لما دخلوا مكة محرمين بالحج و طافوا طواف القدوم و سعوا بعد الطواف، فمن دخل مكة و كان محرما بالحج أو قارنا، و سعى بعد طواف القدوم أجزاه ذلك و وقع ركناه، و يكره‏

238

له إذا وقف بعرفات، ثم طاف طواف الإفاضة، أن يعيد السعي، لأن السعي ليس من العبادات المستقلة، التي يشرع تكرارها و الإكثار منها، بخلاف الطواف فإنه مشروع في غير الحج و العمرة.

جاء في العقد الثمين في فضائل البلد الأمين للحضراوي: أن عمر بن الخطاب، رضي اللّه تعالى عنه، مرّ على رواحل مناخة بفناء الكعبة، فقال: لو يعلم الركب ماذا يرجعون إليه بعد المغفرة لقرّت أعينهم، ما وضعت خفا و لا رفعت إلا ترفع له درجة و يحط عنه خطيئة. أخرجه أبو ذر الهروي في منسكه. انتهى منه.

و جاء في كتاب القرى للطبري عن عمرو بن دينار، قال: طاف رجل على فرس فمنعوه فقال: أتمنعوني أن أطوف على كوكب، قال فكتب في ذلك إلى عمر، رضي اللّه عنه، فكتب عمر أن امنعوه. أخرجه سعيد بن منصور.

قال الطبري: و لعل المنع لما في الخيل من الخيلاء و التعاظم. انتهى من كتاب القرى.

نقول: إن رأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، في غاية الصواب و الحكمة، فالطواف و إن كان جائزا حال الركوب، فإنه غير لائق أن يطوف الإنسان راكبا، و غيره يطوف ماشيا، ثم لو كثر الركبان في المطاف لتعذر الطواف على المشاة، و ذهب عن قلوبهم الخشوع لالتفاتهم الدائم على الركبان، حتى لا تدوسهم الدواب، و أيضا لا يليق الطواف راكبا في أقدس مكان، و ما كان طواف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) راكبا إلا لبيان جواز ذلك فحكمه حكم الشرب قائما.

و في الطبري، و عن أم سلمة، أنها شكت لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أنها تشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس و أنت راكبة. قالت: فطفت و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حينئذ يصلي إلى جنب البيت، و هو يقرأ: وَ الطُّورِ* وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ. أخرجاه.

و عند البخاري أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، أراد الخروج، و لم تكن أم سلمة طافت بالبيت، و أرادت الخروج، فقال لها (صلى الله عليه و سلم): إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك و الناس يصلون ففعلت، فلم تصل حتى خرجت.

و عنها أنها قدمت مكة و هي مريضة، فذكرت ذلك لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال:

طوفي وراء المصلين و أنت راكبة، قالت: فسمعت النبي (صلى الله عليه و سلم) و هو عند الكعبة يقرأ:

وَ الطُّورِ أخرجه النسائي. و في البخاري أيضا حديث بهذا المعنى.

239

و فيه و فيما قبله دلالة على أن صلاته (صلى الله عليه و سلم) كانت بفناء الكعبة، و أن طوافها وراء المصلين. و الظاهر أنه كان يؤمّ بهم، و أن الصلاة كانت صلاة الصبح. و فيه أن من طاف راكبا يتوخى خلوة المطاف، لئلا يهوش على الطائفين. و فيه أن الركوب إنما يكون لعذر، فإن لم يكن عذر فالأفضل أن يطوف راجلا.

و عنها أنها قالت: يا رسول اللّه، ما طفت طواف الخروج. فقال (صلى الله عليه و سلم): إذا أقيمت الصلاة فطوفي على بعيرك من وراء الناس. أخرجه النسائي.

قال الطبري: هذه الأحاديث كلها تدل على جواز الركوب في الطواف، و خصه مالك بالضرورة، استدلالا بحديث أحمد و أبي داود، و بقوله:" ليراه الناس، و ليشرف عليهم". و اختاره الشافعي مطلقا، مع كراهية. و عند مالك و أبي حنيفة:

إن قرب أعاد، و إن بعد فعليه دم، انتهى منه.

و قال الإمام الزرقاني، في شرحه على موطأ الإمام مالك بن أنس، عند حديث أم سلمة، ما نصه: و فيه جواز طواف الراكب لعذر، و يلحق به المحمول للعذر، أما بلا عذر فمنعه مالك و كرهه الشافعي لقوله تعالى: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏ و من طاف راكبا لم يطف به إنما طاف به غيره، و ركوبه (صلى الله عليه و سلم) إنما كان للعذر، ففي أبي داود عن ابن عباس: قدم النبي (صلى الله عليه و سلم) مكة و هو يشتكي فطاف على راحلته، و في حديث جابر عند مسلم أنه (صلى الله عليه و سلم) طاف راكبا ليراه الناس و ليسألوه، فيحتمل أنه فعل ذلك للأمرين، و كذا ركوب أم سلمة للعذر ... إلخ انتهى من الزرقاني.

و ذكر الغازي في تاريخه: أنه في سنة (580) ثمانين و خمسمائة، حج الشيخ أبو بكر بن الشيخ يحيى الغياتي، فطاف بالكعبة راكبا على بغلة، و حوله نحو ثلاثمائة فقيه يمشون و يطوفون بطوافه. انتهى.

و لم نر ترجمة للشيخ أبو بكر المذكور، و الظاهر أنه من كبار العلماء العاملين، بدليل أن ثلاثمائة فقيه يمشون بمشيه و يطوفون بطوافه، و أن له مكانة كبيرة في بلاده، و في غيرها، حتى أذنوا له بالطواف راكبا على بغلة، و لا بد كان له عذر قوي في ركوب البغلة في الطواف، و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

و ذكر الفاسي، في تاريخه شفاء الغرام، في الباب الثالث عشر، ما يأتي: قال:

" أي السهيلي" لما ذكر بناء ابن الزبير للكعبة، و في الخبر أنه سترها، حتى وصل إلى القواعد، فطاف الناس بتلك الأستار، فلم تخل قط من طائف، حتى لقد ذكر أن‏

240

يوم قتل ابن الزبير اشتدت الحرب، و اشتغل الناس، فلم ير طائف يطوف بالكعبة إلا جمل يطوف بها. انتهى.

و ممن دخل المسجد الحرام راكبا أبو طاهر القرمطي، عامله اللّه بما يستحق، و ذلك سنة (317) سبع عشرة و ثلاثمائة من الهجرة، فقد دخل مكة، هو و أصحابه، يوم التروية، و هو اليوم الثامن من ذي الحجة، فأسرفوا في قتل الناس و الحجاج، فكان الناس يطوفون حول البيت و السيوف تأخذهم، و كان أبو طاهر سكران، راكبا فرسا له، و بيده سيف مسلول، فصفّر لفرسه فبال عند البيت.

و روى الغازي في تاريخه نقلا عن خلاصة الكلام، ما ملخصه: أنه في سنة (810) عشر و ثمانمائة، في يوم الجمعة خامس ذي الحجة، حصلت فتنة في المسجد الحرام، انتهكت فيها حرمة المسجد الحرام، لما حصل فيه من القتال بالسلاح، و إدخال الخيل فيه، و طول مقامها و روثها فيه، و إراقة الدماء، و كان القائد الذي وقعت الفتنة بسببه اسمه جراد فلقد هجم في ذلك اليوم جماعة من القواد، و دخلوا المسجد الحرام، من باب إبراهيم، راكبين خيولهم، لابسين لامة الحرب، إلى أن انتهوا إلى المقام الحنفي، فلقيهم الترك و الحجاج و قاتلوهم، إلى أن وصلوا سوق المعلافة، أسفل مكة. و لما كان آخر النهار، أمر أمير الحاج بتسمير أبواب المسجد الحرام، إلا باب السلام، و باب الدربية و باب مدرسة المجاهدية، و أدخل جميع خيله المسجد الحرام، و جعلها في الرواق الشرقي، قريبا من منزله برباط الشرابي، المسمى الآن برباط قايتباي، و باتت الخيل بالمسجد الحرام حتى الصباح، ثم أخمد شريف مكة الفتنة، و نادى في الناس بالأمان فاطمئنوا، قال بعضهم: و لا أعلم فتنة أعظم منها بعد القرامطة. انتهى باختصار من تاريخ الغازي.

و لقد ذكر هذه الواقعة صديقنا الأستاذ أحمد السباعي في كتابه" تاريخ مكة" و قال إنها وقعت في عام (817)، و الغازي يقول إنها وقعت في عام (810) و اللّه تعالى أعلم.

و روى الغازي أيضا في تاريخه نقلا عن الفاسي، ما ملخصه: أنه في سنة (766) ست و ستين و سبعمائة، حصل غلاء عظيم بمكة، و تعرف هذه السنة بأم الجرب، لإصابة المواشي بالجرب، فاستسقى الناس بالمسجد الحرام فلم يسقوا، و قد أحضرت المواشي إلى المسجد للاستسقاء، و أدخلت فيه، و وقفت جهة باب‏

241

العمرة إلى مقام المالكية، ثم فرج اللّه تعالى هذه الشدة عن الناس، فضلا منه و رحمة. انتهى.

و ذكر القطبي، في تاريخه، المتوفى سنة (988) ثمان و ثمانين و تسعمائة، أن أحد الشيوخ المعمرين الصدوقين من أهل مكة، أخبره بأنه شهد الظباء تنزل من جبل أبي قبيس إلى الصفا، و تدخل من باب الصفا إلى المسجد الحرام، ثم تعود لخلوّه من الناس. انتهى.

هذا ما أمكن جمعه مما يتعلق دخول الدواب المسجد الحرام، و إذا اطلعنا على ما يشبه ذلك نلحقه هنا أيضا إن شاء اللّه تعالى، و اللّه تعالى الموفق للصواب و إليه المرجع و المآب.

قياس طوفة واحدة حول الكعبة

أي قياس شوط واحد حولها قال العلامة حسين بن محمد الديار بكري الكردي، في كتابه" تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس" بصحيفة 121 من الجزء الأول: أنه ذرع بنفسه طوفة واحدة حول الكعبة و الحجر فكان مائة و سبعة و أربعون ذراعا و ثلاث أصابع اه.

نقول: فيكون على ذلك ذرع الطواف الكامل لسبعة أشواط هو: ألف و تسعة و عشرون ذراعا و إحدى و عشرون إصبعا، قال في صحيفة 119: و الذراع أربع و عشرون إصبعا مضمومة سوى الإبهام، و الإصبع ست شعيرات، و الشعيرة ست شعرات من شعر البغل اه.

و لقد كان ذرع المؤلف المذكور للكعبة و أركانها سنة (931) إحدى و ثلاثين و تسعمائة من الهجرة.

و مما يناسب ما ذكر، ما جاء في كتاب الطبري" القرى لقاصد أم القرى" ما نصه: و عن محمد بن فضيل، قال: رأيت ابن طارق في الطواف و قد انفرج له أهل الطواف، و عليه نعلان مطوقتان، فحرروا أطوافه في ذلك الزمان، فإذا هو يطوف في اليوم و الليلة عشرة فراسخ. أخرجه أبو الفرج في مثير الغرام. انتهى.

242

نقول: و لقد سألنا، المهندس المصري، الذي فرش أرض المسجد الحرام بالمرمر الرخام، في زماننا، قبل التوسعة السعودية ببضع سنوات، عن مقدار قياس طوافه واحدة حول الكعبة بالمتر.

فأخبرنا أنه قاس الجهات الأربع للكعبة المشرفة، و من بعد حجر إسماعيل، أي من خارجه، فكان القياس ستة و ستين مترا.

فهذا هو قياس طوفة واحدة، فإذا ضربنا هذه الأمتار في سبعة أشواط كان خارج الضرب (462) مترا أربعمائة و اثنين و ستين مترا، هذا هو قياس الطواف الكامل لسبعة أشواط.

نقول: إننا قمنا بذرع طوفة واحدة فقط، حول الكعبة، في الخامس من شوال سنة (1376) ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف هجرية، فكان قياسها نحو سبعين مترا، مع العلم بأن الإنسان، كلما قاس قريبا من الكعبة، نقص القياس، و كلما قاس بعيدا عنها، زاد القياس، لذلك قد يختلف قياس الذرع بين شخصين، باختلاف موضع القياس، في أرض المطاف، كما يختلف القياس بذراع اليد بحسب طولها و قصرها.

و يلزم للإنسان في إتمام طوافه سبعة أشواط نحو عشرين دقيقة، إذا مشى الإنسان مشيا معتدلا، و قد تزيد الدقائق أو تنقص، بحسب البطء و الإسراع، و القرب من البيت أو البعد عنه، لذلك فإن قياس طوفة واحدة من آخر حدود المطاف بعد توسعته في زماننا الحاضر يكون أكثر من كل ما ذكرناه.

قال الفاسي في الجزء الأول من" شفاء الغرام" عن مقدار الطواف ما نصه:

و أما مقدار الطواف بالكعبة فذكره الأزرقي و سليمان بن خليل، و بينهما في ذلك اختلاف، لأن الأزرقي ذكر أن طواف سبع بالكعبة ثمانمائة ذراع و ست و ثلاثون ذراعا و عشرون إصبعا. انتهى. و ذكر سليمان بن خليل، أن ذرع موضع الطواف مائة ذراع و سبعة أذرع. انتهى. و ما ذكره ابن خليل، في مقدار موضع الطواف، يقتضي أن يكون سبعا بالكعبة سبعمائة ذراع و تسعة، بتقديم التاء على السين، و أربعين ذراعا، و ذلك ينقص عما ذكره الأزرقي في مقدار ذلك سبعة و ثمانين ذراعا و عشرين إصبعا، و اللّه أعلم بالصواب. و ذكر ابن خرداذبة ما يوافق ما ذكره ابن خليل، لأنه قال: و دور البيت مائة ذراع و سبعة أذرع. انتهى. و لعل ابن خليل قلده في ذلك و اللّه أعلم. انتهى من كتاب شفاء الغرام.

243

نقول: إن ما ذكره الإمام الأزرقي، من قياس الطواف، و ما ذكره سليمان بن خليل من قياسه أيضا فيه فرق كبير عن الحقيقة، التي ذكرناها، فيما تقدم قبل قولهما، و هنا خطأ بيّن واضح، لأن أرض الكعبة، و ما حولها من المطاف، لم يتغير منذ زمن الجاهلية و الإسلام إلى يومنا هذا، و لن يتغير إن شاء اللّه تعالى أبدا، إلى أن تقوم الساعة. و الظاهر، و اللّه تعالى أعلم، أن كل واحد منهما غلط في حساب الأذرع عند قياسه، أو حصل خطأ من الكاتب عند نقل الكلام، و لو كان هناك فرق قليل بين القياس لم ننظر إليه، لكنه فرق عظيم بين الكلامين في القياس و مكان المطاف هو هو، لم يتغير منذ عهد إبراهيم، عليه الصلاة و السلام، إلى اليوم، و اللّه تعالى أعلم، فرضي اللّه تعالى عنا و عنهم أجمعين.

و اعلم: أن كل ما تقدم من قياس الطوفة الواحدة أو قياس السبعة أشواط، إنما هو بحسب نفس أرض المطاف الأصلي القديم، و أما بعد توسعة المطاف الآن، في وقتنا هذا، فإن مقدار الطوفة الواحدة، و مقدار السبعة أشواط، يكون أكثر إذا طاف الإنسان في التوسعة الجديدة من المطاف، لبعدها قليلا عن الكعبة، و توسعة المطاف في وقتنا هذا هو أول توسعة له، و قد كانت هذه التوسعة في شهر رمضان من سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية كما تكلمنا عن ذلك بالتفصيل في غير هذا المحل، فكلما قرب الطائف من الكعبة المشرفة نقصت مسافة الطوفة الواحدة، و كل ما بعد عنها زادت المسافة، و هذا أمر يعرفه كل من وقف في الطواف، و نظر إلى المطاف بعيني رأسه، فتأمل هذا المبحث، و افهمه جيدا، فإنك لا تجده في كتاب غير هذا الكتاب. و اللّه تعالى أعلم بالصواب و إليه المرجع و المآب.

عمارة المطاف و فرشه‏

كان المطاف و حجر إسماعيل، عليه الصلاة و السلام، في زمن الجاهلية، مجلسا عاما، يجتمعون بفناء الكعبة و ظلها، يتذاكرون في مختلف شؤونهم، و كان لعبد المطلب مفرش، في الحجر، لا يجلس عليه غيره، و كان الندي من قريش" أي الكريم الجواد" حرب بن أمية، فمن دونه يجلسون حوله، دون المفرش، فجاء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و هو غلام يدرج، ليجلس على المفرش، فجذبوه فبكى، فقال عبد المطلب، و ذلك بعد ما حجب بصره، غلاما لابني يبكي؟ قالوا له: إنه أراد أن‏

244

يجلس على المفرش فمنعوه، فقال عبد المطلب: دعوا ابني فإنه يحس بشرف، أرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغ عربي قط، و قد توفي عبد المطلب و النبي (صلى الله عليه و سلم) ابن ثمان سنين و كان خلف جنازته، يبكي حتى دفن بالحجون. اه من الأزرقي.

و المطاف و الحجر لم يكونا مفروشين بالرخام أو البلاط، زمن الجاهلية، و إنما كانا ترابا و رملا، من نفس تربة مكة. فأول من حصب أرضية المسجد الحرام عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، أي فرشها بالحبصاء، و المقام و الحجر داخل في المسجد الحرام، و كان أول بدئه بذلك بالمسجد النبوي، فقد سئل ابن عمر عن ذلك، فقال: مطرنا ليلة فخرجنا لصلاة الغداة، فجعل الرجل منا يحمل في ردائه من الحصباء، فيفرشه على البطحاء، و يصلي عليه، فلما رأى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ذلك، قال: ما أحسن هذا البساط، ثم أمر عمر بن الخطاب في خلافته بتحصيبه من وادي العقيق.

قال الغازي، في تاريخه، نقلا عن درر الفرائد: أول من بلّط المطاف عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه عنهما، لما بنى الكعبة، و فرغ من بنائها، بقيت معه من الحجارة بقية، ففرش بها حول البيت، نحوا من عشرة أذرع، و تبعه غيره ففرش باقي المطاف. اه. و كانت عمارة ابن الزبير للكعبة سنة (64) أربع و ستين.

و قال ابن بطوطة، في رحلته، التي كانت سنة (725) خمس و عشرون و سبعمائة: و المطاف مفروش بالحجارة السود، و يصير بحرّ الشمس كأنها الصفائح المحماة، و لقد رأيت السقائين يصبون الماء عليها، فما يجاوز الموضع، الذي يصب فيه، إلا و يلتهب الموضع من حينه. و أكثر الطائفين في ذلك الوقت يلبسون الجوارب. انتهى كلامه.

و في سنة (846) ست و أربعين و ثمانمائة أذيب الرصاص، و جعل بالحفر، التي بأرض المطاف.

و ذكر الفاسي في" شفاء الغرام" في الجزء الأول، في أواخر الباب الثاني و العشرين، عن المطاف ما يأتي: المطاف المذكور في كتب الفقهاء، و هو ما بين الكعبة و مقام إبراهيم الخليل، (عليه السلام)، و ما يقارب ذلك من جميع جوانب الكعبة، و قد أشار إلى تعريفه، بما ذكرناه الشيخ أبو محمد الجويني، فيما نقله عنه ابن الصلاح، في منسكه، لأنه قال: قال الشيخ أبو محمد: المطاف المعتاد، الذي‏

245

يستنكر و يستبعد مجاوزته، هو ما بين الكعبة و المقام، و في كل جانب في العادة أمارات منصوبة لا يكاد الناس يخرجون عنها. انتهى.

قلت: و هذا الموضع مفروش بالحجارة المنحوتة حول الكعبة من جوانبها، و عمل ذلك دفعات، حتى صار على ما هو عليه اليوم، و كان مصيره هكذا في سنة ست و ستين و سبعمائة، و المعمول منه في هذه السنة جانب كبير جدا، و هاتان العمارتان، من جهة الملك الأشرف شعبان، صاحب مصر، و عمّر الطواف من ملوك مصر الملك المنصور لاجين المنصوري، و اسمه مكتوب بسبب ذلك في رخامة، بين الركن اليماني و الحجر الأسود، و عمّره من الخلفاء المستنصر العباسي، في سنة إحدى و ثلاثين و ستمائة، و اسمه مكتوب بسبب ذلك في الحفرة، التي عند باب الكعبة، و قد بيّن الفاكهي، أول من فرش الحجارة، في موضع الطواف، و مقدار ذلك، و ما كان يضع في موضعه، لأنه قال: ذكر فرش الطواف بأي شي‏ء هو، قال بعض المكيين: إن عبد اللّه بن الزبير، لما بنى الكعبة، و فرغ من بنائها، و خلّقها و طلاها بالمسك، و فرش أرضها من داخلها، بقيت من الحجارة بقية ففرش بها حول الطواف كما يدور البيت نحوا من عشرة أذرع، و ذلك الفرش باق إلى اليوم، إذا جاء الحاج في الموسم، جعل على تلك الحجارة رمل من رمل الكثيب، الذي بأسفل مكة، يدعى كثيب الرمضة، و ذلك أن الحجبة يشترون له رملا كثيرا، فيجعل في الطواف، و يجعل الرمل فوقه، و يرش بالماء حتى يتلبد، و يؤخذ بقية ذلك الرمل، فيجعل في زاوية المسجد، الذي يلي باب بني سهم، فإذا خف ذلك الرمل، أعادوه عليه، و يرشوا عليه الماء، حتى يتلبد، فيطوف الناس عليه، فيكون ألين على أقدامهم في الطواف، فإذا كان الصيف، و حمي ذلك الرمل، من شدة الحر، أمر غلمان زمزم و غلمان الكعبة، أن يستقوا من ماء زمزم، في قرب، ثم يحملونها على رقابهم، حتى يرش به رمل الطواف، فيتلبد و يسكن حره، و كذلك أيضا يرشون الصف الأول، و خلف المقام، كما يدور الصف حول البيت. انتهى.

نقل الغازي عن ابن فهد: أنه في سنة (881) إحدى و ثمانون و ثمانمائة عملوا الرصاص بأرض المطاف، حول الكعبة، و غيروا رخام الحجر داخلا و خارجا.

و نقل الغازي عن الإعلام: أنه في سنة (961) إحدى و ستون و تسعمائة بعد أن فرغ ناظر الحرم أحمد حلبي من تجديد سطح البيت الشريف، شرع في تسوية فرش المطاف ببلاط جديد، أي رخام، فإن أحجاره انفصلت، و صارت بين كل‏

246

حجرين حفرا، كانت تلك الحفر تسد تارة بالنورة، و تارة بالرصاص، و تسمر بمسامير الحديد، فأزال ما بين الأحجار من الحفر، و نحت طرف الحجر إلى أن ألصقه بطرف الحجر الآخر، من جوانبه الأربعة، و استمر في فرش المطاف على هذا الأسلوب، إلى أن فرغ من ذلك، و أصلح أبواب المسجد الشريف و فرش المسجد جميعه بالجص. اه. و كان عمل أحمد حلبي، بأمر السلطان سليمان خان، رحمهم اللّه جميعا. و في شهر صفر سنة (894) أربع و تسعون و ثمانمائة أمر ناظر الحرم، قاضي القضاة، جمال الدين أبا السعود بن ظهيرة، بحفر جميع حاشية المطاف، و إصلاحه بإخراج البطحات، التي بها، و ذلك بسبب وقع المطر و دخول السيل إلى المسجد، فحفرت و أخرج منها بطحات كثيرة مخلوطة بالتراب، فغربلت و بطحت الحاشية ببعض البطحات، و فرق باقيها بالمسجد في الأماكن المحتاجة لذلك، و كان إكمال العمل في أوائل شهر ربيع الأول من السنة المذكورة اه. و في يوم الثلاثاء ثالث عشر رمضان سنة (918) ثماني عشرة و تسعمائة أمر الأمير الباش بإذابة الرصاص في المسجد الحرام، في أماكن في المطاف، و عند المزولة، فتم ذلك في يوم واحد. و في شهر ذي القعدة سنة 920 عشرون و تسعمائة رصص أرض المطاف الخواجة ابن عباد اللّه، و أصلح مجرى السيل و المسعى، حسب المرسوم، الذي ورد لنائب جدة، بتفويضه ذلك، و أرسل لهذا العمل رصاصا، وصل إلى جدة، قالوا عنه أنه خمسون قنطارا، فوصل بعضه لمكة.

و أول من فرش المطاف بالحجارة الجبلية المنحوتة، هو الوزير الأعظم سنان باشا، و ذلك سنة (980) تسعمائة و ثمانين هجرية أو في التي قبلها أو في التي بعدها.

قال القطبي في تاريخه: فمن آثاره الخاصة بالوزير الأعظم" سنان باشا" في المسجد الحرام هو: تعميره حاشية المطاف، و كانت من بعد أساطين المطاف الشريف، دائرة حول المطاف، مفروشة بالحصا، يدور بها دور حجارة منحوتة، مبنية حول الحاشية بالحجر الصوان المنحوت، ففرشت به في أيام الموسم، و صار محلا لطيفا دائرا بالمطاف، من بعد أساطين المطاف، و صار ما بعد ذلك مفروشا بالحصا الصغار، كسائر المسجد خاص به، ذكره اللّه بالصالحات و أدام اللّه له العز و السعادات.

247

و منها تعمير سبيل في التنعيم، أنشأها و أمر بإجراء الماء إليها، من بئر بعيدة عنها، يجري الماء منها إلى السبيل في ساقية، مبنية فيما بينهما بالجص و النورة، و عين لها خادما يسقي من البئر، و يصب في الساقية فيصل الماء إلى السبيل، يشرب منه و يتوضأ به المعتمرون، و الواردون و الصادرون، و يدعون له بالنصر و التأييد، و عين مصاريف ذلك من ريع أوقاف له بمصر. انتهى من تاريخ القطبي.

و في سنة (1003) ه ثلاث و ألف قلعوا حجارة المطاف، و كانت من الحجر الصوان، ففرشت في الحاشية، التي تلي المطاف، و فرشوا المطاف بالمرمر.

و في سنة (1006) ه ست و ألف فرش جميع أرض المطاف بالرخام الأبيض الناصع الجميل، السلطان محمد خان، من سلاطين آل عثمان، فرش المطاف كله إلى العمد المطيفة به، و قد قال، في ذلك، العلامة أسعد أفندي، مفتي الديار الرومية، و في مدح سلاطين آل عثمان، قصيدة نقتطف منها ما يخص فرش المطاف بالمرمر للسلطان محمد خان فإنه قال:

فرش المطاف بمرمر* * * بصفاه يحكي المسجد

كالبدر أشرق نوره‏* * * إذ جن ليل أسود

كالكوكب الدري في‏* * * أوج السعادة يوقد

إلى أن قال:

فلأجل تاريخ له‏* * * قال ابن سعد أسعد

زان المطاف بمرمر* * * ملك الأنام محمد

و في سنة (1072) ه اثنتان و سبعون و ألف زاد في حاشية المطاف، فرشا بالحجر المنحوت، زيادة قليلة، سليمان بيك صنجق جدة، و المراد بحاشية المطاف هو الخارج من أعمدة المطاف.

ثم إننا لم نبحث عمن أصلح المطاف بذلك، و ربما كتبنا عنه في مبحث آخر من كتابنا هذا، لكن لا نتذكره الآن، فقد حصل إصلاحات و ترميمات بالمسجد الحرام كله بعد السنة المذكورة مرارا. و اللّه تعالى أعلم.

248

حدود المطاف بالأعمدة و الأساطين ثم إزالتها بتاتا في عصرنا

لا يخفى أن المطاف، كان هو حد المسجد الحرام، في زمن الجاهلية، و صدر الإسلام، إلى أن حصلت التوسعة فيه، و المطاف نسميه الآن" بالصحن": و هو مفروش بالرخام الأبيض، و قد ذكرنا قياسه بالمتر.

و لم يكن المسجد الحرام، الذي حد نفس المطاف، محاطا بجدار، و إنما كانت الدور محدقة به من كل جانب، و قد جعلوا بين كل دارين طريقا ينفذ منه إلى المسجد، فعليه تكون الإضاءة للطائفين بوضع المصباح على هذه الدور.

فأول من استصبح لأهل الطواف في المسجد الحرام، عقبة بن الأزرق بن عمرو الغساني، و كانت داره لاصقة بالمسجد الحرام، من ناحية وجه الكعبة، و المسجد يومئذ ضيق، فكان يضع على حرف داره أو جدر داره مصباحا كبيرا، يستصبح فيه، فيضي‏ء له وجه الكعبة و المقام و أعلى المسجد، و ما زال أولاده يضعون المصباح على حرف الدار، حتى كان خالد بن عبد اللّه القسري، فمنعهم من ذلك، و وضع هو مصباح زمزم مقابل الركن الأسود، و ذلك في خلافة عبد الملك بن مروان، أي في عام (75).

قال الأزرقي: فلم يزل مصباح زمزم على عمود طويل مقابل الركن الأسود، الذي وضعه خالد بن عبد اللّه القسري، فلما كان محمد بن سليمان على مكة، في خلافة المأمون سنة (216) ست عشرة و مائتين، وضع عمودا طويلا مقابله، بحذاء الركن الغربي، فلما ولي مكة محمد بن داود، جعل عمودين طويلين، أحدهما بحذاء الركن اليماني، و الآخر بحذاء الركن الشامي، فلما ولّي هارون الواثق باللّه أمر بعمد من الشبه" و هو نوع من النحاس" طوال عشرة، فجعلت حول المطاف يستصبح عليها لأهل الطواف، و أمر بثمان ثريات كبار يستصبح فيها، و تعلق في المسجد الحرام في كل وجه اثنتان. اه من الأزرقي.

ثم قال أيضا: قال الخزاعي أخبرني أبو عمران موسى بن منوية قال: أخبرني الثقة أن هذه العمد الصفر كانت في قصر بابك الخرمي، بناحية أرمينية، كانت في صحن داره يستصبح فيها، فلما خذله اللّه و قتل بابك، و أتى برأسه إلى سامرا، و طيف به في البلدان، و كان قد قتل خلقا عظيما من المسلمين، و أراح اللّه منه، هدمت داره و أخذت هذه الأعمدة التي حول البيت الحرام في الصف الأول، و منها

249

في دار الخلافة أربعة أعمدة، و بعث بهذه الأعمدة المعتصم باللّه أمير المؤمنين، في سنة مائتين و نيف و ثلاثين، فهذا خبر الأعمدة الصفر، التي حول الكعبة، و هي عشرة أساطين، و كانت أربع عشرة اسطوانة فأربع في دار الخلافة بسامرا. انتهى من الأزرقي.

و ذكر الفاسي نقلا عن الفاكهي: أن أول من استصبح بالسرج في المسجد الحرام عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، و ذلك سنة سبع عشرة من الهجرة.

فاعلم مما تقدم، أن أعمدة المطاف و أساطينه، ما وضعت حوله، إلا لتعليق مصابيح الاستضاءة عليها، و تكون في الوقت نفسه علامة على حد المسجد الحرام، الذي كان زمن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و زمن أبي بكر، رضي اللّه تعالى عنه، و ما وراء ذلك فهو من الزيادات.

قال الغازي نقلا عن تحصيل المرام، و هذا نقلا عن القرشي، قال عز الدين ابن جماعة: و الأساطين التي حول المطاف الشريف أحدثت للاستضاءة بالقناديل، التي تعلق بينها، بعد العشرين و سبعمائة و كانت من خشب، ثم جعلت من حجارة سنة (749) تسع و أربعين و سبعمائة، ثم ثارت ريح عاصفة سنة (751) إحدى و خمسين و سبعمائة فألقتها ثم جددت فيها. انتهى ما ذكره القرشي.

و قال الغازي نقلا عن ابن فهد، أنه قال: في حوادث سنة (736) ست و ثلاثين و سبعمائة، و فيها جعلت الأساطين، التي حول المطاف، و جعل بعضها بالحجارة المنحوتة الدقيقة، و الباقي آجر مجصص، و جعل بين كل من الأساطين خشبة ممدودة، راكبة عليها و على المقابلة لها، لأجل القناديل، التي يعلق، لأجل الاستضاءة حول الكعبة، عوض الأخشاب، التي كانت في هذا المكان على صفة الأساطين. و قال: في حوادث سنة (749) تسع و أربعين و سبعمائة اجتهد الأمير فارس الدين، في إصلاح المسجد الحرام، و جدد الأعمدة، المتخذة حول المطاف.

انتهى.

و قال الغازي و في درر الفرائد: أن السلطان سليمان العثماني غير الأساطين، التي حول المطاف، و كانت من حجارة، بأعمدة من نحاس في سنة (982) اثنتين و ثمانين و تسعمائة، و بينها أخشاب ممدودة لتعلق فيها القناديل حول المطاف، و عدة النحاس ثلاثون، و في جهة زمزم في آخر الأساطين عمودا رخام، و في آخر الأساطين من الجهة الأخرى من جهة المنبر عمودا رخام. انتهى.

250

و قال الغازي: قال الصباغ: أقول و قد جدد محمد عزت باشا، في زمن السلطان عبد المجيد خان، عمودين من رخام، من جهة باب بني شيبة، على حافة الصحن، عليها أعمدة من حديد منقور لها، بين الأساطين، متصلة تلك الأعمدة بالأساطين القديمة، و قد غيرت أيضا الأخشاب، التي بين الأساطين، التي حول المطاف بأعمدة من حديد، تعلق فيها القناديل و بين كل عمودين سبع قناديل.

انتهى.

و الظاهر أن ذلك كان حوالي سنة (1257) سبع و خمسين و مائتين و ألف، حيث حصل في المسجد الحرام، بعض إصلاحات، في زمن السلطان عبد المجيد خان (رحمه اللّه تعالى).

و لم نسمع أنه حصل بعد ذلك شي‏ء في أعمدة المطاف، اللهم إلا من إصلاح بعضها إصلاحا بسيطا لا يذكر، أو من ضربها بالبوية الزيتية.

انظر: صورة رقم 125، الحجر الأسود و يرى كحدقة العين وسط الكعبة المعظمة و بابها و حجر إسماعيل، و يظهر أيضا أعمدة المطاف القديم التي في حدوده قبل التوسعة

توسعة المطاف لأول مرة في التاريخ‏

كان المطاف الأول هو نفس المسجد الحرام، من عهد إبراهيم، عليه الصلاة السلام، إلى السنة الرابعة من خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي اللّه تعالى عنه، أي إلى السنة السابعة عشرة للهجرة. ففي هذه السنة زاد عمر رضي اللّه عنه، في المسجد الحرام، و هي أول زيادة حصلت فيه، و بقيت حدود المسجد الحرام، الأول، الذي هو نفس المطاف، محفوظة معلومة إلى عصرنا هذا، رغم تكرار الزيادة في المسجد الحرام، فالمطاف الأول هو هو، لم يفكر أحد من سلاطين المسلمين و ملوكهم أن يوسعوه و يزيدوا رقعته.

فلما كان في زماننا هذا رأى الملك سعود بن عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية، أن يوسع المطاف، حرصا على راحة الحجاج في موسم الحج، فأصدر أمره الكريم بتوسعة المطاف، و هدم المقامات الأربعة، التي في أطراف المطاف. أما هدم المقامات المذكورة فقد تكلمنا عنها في محلها بما فيه الكفاية.

251

و أما توسعة المطاف: فإنه في الأسبوع الأخير من شهر شعبان سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين من الهجرة، ابتدؤا في قلع الرخامات، التي بعد المطاف، و المحيطة به، و حفروا الأرض المحيطة بالمطاف، لتتساوى به، بعد وضع الرخامات عليها، كما أنهم قلعوا في الأسبوع الأول من شهر رمضان من السنة المذكورة سنة (1377) هجرية، الأعمدة الخضر، التي كانت في حدود المطاف الأول و علامة عليه، ثم بدؤا، بعد حفر الأرض، في فرشها بالإسمنت، ثم في وضع الرخامات عليه حتى تساوى هذا المطاف الجديد، بالمطاف القديم، و صار على سمته و بلصقه، و مقدار مساحة الجديد كمقدار مساحة القديم تقريبا.

و انتهوا من فرش المطاف الجديد بالرخام في النصف الأول من شهر شوال من السنة المذكورة.

فلو تأملنا لوجدنا أن مكان توسعة المطاف أي" المطاف الجديد" هو نفس المكان الذي زاده أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، في المسجد الحرام سنة (17) سبع عشرة من الهجرة، فلا تنقص هذه التوسعة في المطاف و لا تزيد عن مقدار ما زاده عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، في المسجد الحرام، إلا بمقدار قليل نحو مترين أو ثلاثة فقط لا غير.

فالمطاف الجديد يبتدئ من الخط الأسود، الذي يدور حول الكعبة المشرفة، فلقد اقترحنا على القائمين بالتوسعة وضع رخام أسود حول المطاف القديم كله، ليكون فارقا بين المطاف القديم و المطاف الجديد، ليبان كل منهما، و هنا مسألة لا بد من ذكرها، فلقد جاء في كتاب" شفاء الغرام" في الجزء الأول بصحيفة 318 ما نصه:

و ينبغي للطائف أن لا يخرج عن هذا المكان في طوافه، لأن في الجواهر لابن شاش على مذهب الإمام مالك: لا يطوف من وراء زمزم و لا من وراء السقائف، فلو فعل مختارا أعاد ما دام بمكة، فإذا رجع إلى بلده فهل يجزيه الهدي أم يلزمه الرجوع للمتأخرين قولان. انتهى. و نحوه لابن بشير و ابن الحاجب في مختصره، و قد بسطنا هذه المسألة في أصل هذا الكتاب، و السقائف أروقة المسجد الحرام.

انتهى من شفاء الغرام.

252

مقدار المطافين القديم و الجديد و شكلهما

المطاف القديم هو على شكل بيضوي، من أصل الوضع الطبيعي في بادئ الأمر، و سببه أيضا وجود حجر إسماعيل، عليه الصلاة و السلام، في جهة واحدة من الكعبة المشرفة، و هي الجهة الشمالية، فالطائف يطوف بلصق الكعبة من الجهات الثلاث، فإذا وصل إلى الجهة الشمالية صار يطوف من وراء جدار حجر إسماعيل، أي مبتعدا عن الكعبة من هذه الجهة بمقدار عشرة أمتار تماما، لأن من شروط الطواف أن يكون من وراء جدار الحجر. فلهذا كان المطاف القديم، على شكل بيضوي، بطبيعة الحال، لا بفعل فاعل. كما ستراه في الرسم الآتي.

و إليك بيان طول المطاف القديم من الجهات الأربع محررا مضبوطا ضبطا تاما بالأمتار.

سنتيمتر/ متر/ طول المطاف القديم من الجهات الأربع‏

50/ 11/ طول المطاف القديم من جدار الكعبة الذي فيه الباب من جهة الشرق إلى أول مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام.

65/ 16/ طول المطاف القديم من جدار الكعبة من ظهرها أي من الجهة الغربية.

3/ 22/ طول المطاف القديم من جدار الكعبة من تحت ميزابها أي من الجهة الشمالية، بما فيه حجر إسماعيل و سمك جداره.

20/ 15/ طول المطاف القديم من جدار الكعبة الذي بين الركنين من الجهة الجنوبية.

هذا هو قياس طول المطاف القديم بالأمتار، و هو قياس مضبوط محرر لا يحتمل الشك، لأننا أخذناه من نفس المهندسين المصريين الذين اشتغلوا في توسعة المطاف في زماننا سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية.

و أما المطاف الجديد فهو على شكل دائرة كاملة الاستدارة و قد كان هذا الشكل الدائري من عمل المهندسين المصريين الذين أشرفوا على توسعة المطاف، كما ستراه في الرسم الآتي.

و إليك بيان طول هذا المطاف الجديد من الجهات الأربع محررا مضبوطا تاما بالأمتار:

253

سنتيمتر/ متر/ طول المطاف الجديد من الجهات الأربع‏

30/ 15/ طول المطاف الجديد من الجهة الشرقية للكعبة، أي من مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام.

75/ 10/ طول المطاف الجديد من الجهة الغربية، أي من جهة ظهر الكعبة.

65/ 4/ طول المطاف الجديد من الجهة الشمالية، أي من جهة حجر إسماعيل عليه الصلاة و السلام.

50/ 11/ طول المطاف الجديد من الجهة الجنوبية، أي من جهة الركنين الأسود و اليمانى.

هذا هو قياس طول المطاف الجديد بالأمتار، و هو قياس محرر مضبوط لا يحتمل الشك، لأننا أخذناه من نفس المهندسين المصريين الذين اشتغلوا في توسعة المطاف في زماننا سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين من الهجرة. و بإضافة مقدار القديم على المطاف الجديد، يظهر مقدار كامل المطافين.

و لقد قسمنا هذه الدائرة إلى أربعة أقسام متساوية كما هو ظاهر في الرسم، لنبيّن مقدار طول المطاف القديم، و طول المطاف الجديد، من الجهات الأربع، و هو رسم صحيح مضبوط مطابق للحقيقة، أخذناه من المهندسين المصريين الذين اشتغلوا في توسعة المطاف من أواخر شهر شعبان إلى أوائل شهر شوال من سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية، فالحمد للّه على التوفيق.

انظر: صورة رقم 126، المطافين القديم و الجديد.

الحج‏

الحج في الجاهلية و بعض عادات العرب فيه‏

جاء في كتاب" مرآة الحرمين" تأليف إبراهيم رفعت باشا، في الجزء الأول، عن حج أهل الجاهلية و بعض عاداتهم، ما يأتي:

من زمن مديد و العرب في جاهليتها تحج إلى بيت اللّه الحرام و كانوا على دينين:" حلة و حمس". فالحمس قريش و من والاها من كنانة و خزاعة و الأوس و الخزرج و قضاعة و جديلة و غطفان و عدوان و غيرهم من قبائل العرب، سموا بذلك‏

254

لتحمسهم في دينهم، و الحماسة: الشجاعة، و الأحمس: الشجاع، أو لأنهم احتموا بالحمساء، و هي الكعبة. و كانت قريش، إذا زوّجت عربيا من بناتهم، شرطوا عليه أن كل من ولدت منه فهو أحمسي، على دينهم و يرون أن ذلك أحفظ لشرفهم و أبسط لسلطانهم. و كانت لهم في العرب ميزة، لم تكن لغيرهم، و منشأ ذلك فضل فيهم، و كمال في أخلاقهم، فقد كانوا حلفاء متآلفين، و بكثير من شريعة إبراهيم متمسكين، و لم يكونوا كالأعراب الأجلاف، و لا كمن لا يوقره دين، و لا يزينه أدب. و كانوا يختنون أولادهم، و يحجون البيت، و يقيمون المناسك، و يكفنون موتاهم، و يغتسلون من الجنابة و تبرأوا من الهربذة، و تباعدوا في المناكح، من البنت و بنت البنت و الأخت و بنت الأخت، غيرة و بعدا من المجوسية.

و نزل القرآن، بتوكيد صنيعهم، و حسن اختيارهم. و كانوا يتزوجون بالصداق و الشهود و يطلقون ثلاثا، و لذلك قال عبد اللّه بن عباس و قد سأله رجل عن طلاق العرب فقال: كان الرجل يطلق امرأته تطليقة، ثم هو أحق بها، فإن طلقها اثنتين فهو أحق بها أيضا، فإن طلقها ثلاثا، فلا سبيل له إليها. و لذلك قال الأعشى:

أيا جارتي بيني فإنك طالقة* * * كذاك أمور الناس غاد و طارقة

و بيني فقد فارقت غير ذميمة* * * و موموقة منا كما أنت وامقة

و بيني فإن البين خير من العصا* * * و أن لا ترى لي فوق رأسك بارقة

و كان من عادة الحمس، إذا أحرموا، أن لا يأتقطوا الأقط، و لا يأكلوا السمن، و لا يسلوه- لا يطبخوه و لا يعالجوه- و لا يمخضوا اللبن، و لا يأكلوا الزبد، و لا يلبسوا الوبر و لا الشعر، و لا يغزلوه أو ينسجوه أو يستظلوا به ما داموا حرما. و ما كانوا كذلك يأكلون شيئا من نبات الحرم، و كانوا يعظمون الأشهر الحرم و لا يخفرون فيها الذمة و لا يظلمون، و كانوا يطوفون بالبيت عليهم لباسهم، و كانوا إذا أحرم الرجل منهم، في الجاهلية و أول الإسلام، فإن كان من أهل البيوت، نقب نقبا في ظهر بيته، فمنه يدخل و منه يخرج. و ما زالوا كذلك، و حتى بعث اللّه نبيه محمدا (صلى الله عليه و سلم) فأحرم عام الحديبية، فدخل بيته، و كان معه رجل من الأنصار، فوقف الأنصاري بالباب، فقال له: ألا تدخل؟ فقال الأنصاري: إني أحمسي يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): و أنا أحمسي ديني و دينك سواء فدخل الأنصاري مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من الباب. و في ذلك نزل قوله تعالى: