التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج4

- محمد طاهر الكردي المزيد...
651 /
255

وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏ وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏.

و قال الحمس لأنفسهم: لا تعظّموا شيئا من الحل، كما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفّت العرب بحرمكم، و قالوا قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم، فتركوا الوقوف على عرفة و الإفاضة منها، و جعلوا موقفهم بطرف الحرم، من جهة نمرة، يظلون به عشية عرفة، و يفيضون منه إلى المزدلفة، فإذا عمت الشمس رؤوس الجبال، وقفوا، و كانوا يقولون: نحن أهل الحرم لا نخرج من الحرم و نحن الحمس. فعلوا ذلك و أقروا سائر العرب على الوقوف بعرفة و الإفاضة منها، و تلك شريعة إبراهيم يعرفونها حق المعرفة، و لكن ترفّعهم و مغالاتهم تنكب بهم عن سبيلها، فشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به اللّه.

و منشأ ذلك الغلو أن اللّه تعالى، لما أهلك أبرهة الحبشي، صاحب الفيل، و سلّط عليه الطير الأبابيل- الجماعات- عظّمت جميع العرب قريشا و أهل مكة، و قالوا:

أهل اللّه قاتل عنهم و كفاهم مؤونة عدوهم، فازدادوا في تعظيم الحرم، و المشاعر الحرام، و الشهر الحرام، و وقّروها، و رأوا أن دينهم خير الأديان و أحبها إلى اللّه تعالى.

و قالت قريش و أهل مكة: نحن أهل اللّه، و بنو إبراهيم خليل اللّه، و ولاة البيت الحرام و سكان حرمه و قطانه، فليس لأحد، من العرب، مثل حقنا، و لا مثل منزلتنا. و لا تعرف العرب لأحد مثل ما تعرف لنا، فابتدعوا، عند ذلك، أحداثا في دينهم، أداروها بينهم، فكان منها ما تقدم و منها، أنهم ما كانوا يجيزون لأحد من الحلة- من ليسوا بحمس- أن يطوف بالبيت أول طوافه، إلا إذا لبس ثوبا أحمسيا يشتريه أو يستأجره أو يستعيره، فإذا ما أتى الواحد منهم باب المسجد، رجلا كان أو امرأة قال: من يعير مصونا، من يعير ثوبا إلخ ...؟ فإن وفق لثوب أحمسي لبسه و طاف به، و إن لم يوفّق ألقى ثيابه بباب الكعبة من الخارج، ثم دخل للطواف عريانا. فيبدأ بأساف- صنم- ليستلمه ثم يستلم الركن الأسود ثم يأخذ يمينه و يطوف، جاعلا الكعبة عن يساره، فإذا ختم طوافه سبعا، استلم الركن، ثم استلم نائلة- صنم- فيختم بها، ثم يخرج، فيجد ثيابه، كما تركها لم تمسّ، فيأخذها و يلبسها، و لا يعود بعد ذلك إلى الطواف عريانا، و كانت النساء يلبسن‏

256

درعا مفرج المقاديم و المآخير. و منهن من تتخذ سيورا، تعلقها في حقوتها، و تستتر بها و تقول:

اليوم يبدو بعضه أو كله‏* * * فما بدا منه فلا أحلّه‏

و كانت العادة، أن يطوف العراة، من الرجال نهارا و من النساء ليلا. و كان من له فضل ثياب من الحلة و لم يجد ثوبا أحمسيا يطوف فيه، طاف في ثيابه التي قدم بها من الحل، فإذا ما أتمّ طوافه نزعها فجعلها لقا يطرح بين إساف و نائلة، فلا يمسها أحد و لا ينتفع بها، حتى تبلى، من وطء الأقدام و الشمس و الرياح و المطر.

قال ورقة بن نوفل يذكر اللقا:

كفى حزنا كرى عليه كأنه‏* * * لقا بين أيدي الطائفين حريم‏

و كان من خبر الطواف عريا، أنه جاءت امرأة يوما، و كانت ذات هيبة و جمال، فطلبت ثيابا فلم تجد، و تحتّم عليها الطواف عريانة، فنزعت ثيابها بباب المسجد، ثم دخلت عريانة و قد وضعت يديها على فرجها، و جعلت تقول:

اليوم يبدو بعضه أو كله‏* * * و ما بدا منه فلا أحله‏

أخثم مثل العقب باد ظله‏* * * كأن حمى خيبر تملّه‏

فجعل فتيان مكة ينظرون إليها و تزوجت من قريش.

عادة سيئة و بدعة شنيعة، أبى الإسلام إلا هدمها و القضاء عليها، فبعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في سنة تسع علي بن أبي طالب إلى أبي بكر، أمير الحج، ليؤذن في الناس بأربع: لا يطوف بالبيت عريان و لا تدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، و لا يجتمع مسلم و مشرك في الحرم بعد عامهم هذا، و من كان له عند النبي (صلى الله عليه و سلم) عهد، فعهده إلى مدته و من لم يكن له عهد فعهدته أربعة أشهر. و ذلك ما جاء في الآيات من سورة الأعراف و سورة التوبة ففي الأولى: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ* قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏ و في الثانية: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَ أَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ‏ إلى أن يقول: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَ لَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى‏ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ‏ و فيها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا

257

يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏ و قال في سورة المائدة: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَ مَأْواهُ النَّارُ وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ.

و كان، من عادة أهل الجاهلية، أن يدخلوا الكعبة لابسين أحذيتهم، حتى سنّ لهم، الوليد بن المغيرة، خلع الخف و النعل، إذا ما دخلوا. فاستن العرب بسنته إعظاما للكعبة و إجلالا. و كان، من عادتهم أيضا، إذا اقترب موسم الحج، أن يخرج مريدوه، و الذين يرجون إليه تجارة من ديارهم، إلى عكاظ، فيوافوه، مستهل ذي القعدة، و يقيموا فيه عشرين ليلة، تقوم فيها أسواقهم، و تنفق سلعهم، و تنحاز كل قبيلة إلى منزل، أعدّوه للقرى، فأقاموا عليه الرايات. و استدعوا إليه الأضياف، يستقبلهم القادة منهم و الأشراف، فينزلونهم أهلا و سهلا و مرعى خصبا. و تختلط القبائل بعضها ببعض في بطن السوق متناشدين و متبايعين.

فإذا ما مضت العشرون، انصرفوا إلى مجنة، فأقاموا بها عشرا، أسواقهم فيها قائمة و تجارتهم رائجة، فإذا رأوا هلال ذي الحجة انصرفوا إلى ذي المجاز، فأقاموا به ثمان ليال، يروّجون فيها البضاعة، ثم يخرجون من ذي المجاز إلى عرفة، يوم التروية، و سموه بذلك لأنه ينادي بعضهم بعضا، بذي المجاز، أن ترووا من الماء، لأنه لا ماء بعرفة و لا بالمزدلفة. و كان يحضر هذه المواسم من يبتغي مع الحج التجارة، أما من أراده فحسب، فيخرج متى شاء.

و كان أهل مكة يخرجون يوم التروية، بعد أن يتروّوا من الماء، فتنزل الحمس في طرف الحرم من نمرة يوم عرفة، و الحلّة تقف بعرفة، و كذلك كان يفعل النبي (صلى الله عليه و سلم) قبل الهجرة، يترك الحمس إلى الحلة، و كانوا لا يتبايعون يوم عرفة و لا أيام منى، فما أن جاءت الحنيفية أحلت ذلك، قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ‏. و كانت الحلة تفيض من عرفة يوم عرفة إذا طفلت الشمس للغروب، و الحمس يفيضون من نمرة، في الوقت نفسه، فيلتقون جميعا في المزدلفة، و يبيتون بها، حتى إذا طلع الفجر، و اختلط بياض النهار بظلام الليل، وقف الجميع على قزح، حتى تطلع الشمس على رؤوس الجبال، كأنها عمائم الرجال، فيدفعوا من المزدلفة إلى منى، و كانوا يقولون: أشرق ثبير كما نغير و في إفاضة الحمس نزل قوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ فجعلت الإفاضة للجميع من عرفة و خطب بذلك النبي (صلى الله عليه و سلم)،

258

في حجة الوداع، يوم عرفة، فكان مما قال: و إنا لا ندفع من عرفة حتى تغرب الشمس، و يحل فطر الصائم، و ندفع من مزدلفة غدا، إن شاء اللّه، قبل طلوع الشمس، هدينا مخالف لهدي أهل الشرك و الأوثان.

و كان أهل الجاهلية يرون أن من أفجر الفجور العمرة، في أشهر الحج، و يقولون: إذا برا الدبر و عفى الوبر و دخل صفر حلت العمرة لمن اعتمر. يعنون دبر الإبل، التي حجوا عليها، و وبرها فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، و اعتمر عمره كلها في ذي القعدة عمرة الحديبية و عمرة القضاء و عمرة من الجعرانة.

و كان يعظّمون الحرم و الأشهر الحرم، فلا يعد بعضهم على بعض فيها، و يلقى الرجل قاتل أخيه و أبيه فلا يتعرّض له بسوء، و كان الرجل، إذا أحدث الحدث فقتل أو لطم أو ضرب، اتخذ من لحا شجر الحرم قلادة لصنعته و قال: أنا صرورة فلا يقتصّ منه، و قد أبطل الإسلام ذلك فقال النبي (صلى الله عليه و سلم): لا صرورة في الإسلام و أن من أحدث حدثا أخذ بحدثه.

و الذي سنّ لهم تلك الشرائع الخرقاء هو عمرو بن لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الخزاعي، الذي غيّر دين الحنيفية، دين إبراهيم (عليه السلام)، و كان سيدا شريفا مطاعا في قومه، يطعم الطعام، و يحمل المغرم، و كل ما قال فهو دين متّبع لا يعصى. و هو الذي جاء بهبل، من أرض الجزيرة، فجعله في الكعبة، و جعل عنده عشرة أقداح يستقسمون بها، في كل قدح منها كتابة يعملون بما تضمّنته. فكان مكتوبا في أحدها أمرني ربي و في آخر نهاني و ثالث غفل، فإذا أراد الرجل أمرا أو سفرا أخرج هذه الأقداح الثلاثة فضرب بها، فإن خرج الأولى مضى، و إن كان الثاني نكص، و إن طلع الثالث أعاد الكرّة حتى يخرج الآمر أو الناهي، أما السبعة الباقية فمكتوب على أحدها الفعل، و في ثان نعم، و في ثالث لا، و في رابع منكم، و في خامس من غيركم، و في سادس ملصق، و في سابع المياه، فإذا أرادوا أن يختنوا غلاما أو ينكحوا أيما أو يدفنوا ميتا ذهبوا إلى هبل بمائة درهم و جزور، ثم قالوا لغاضرة بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعي، الذي إليه أمر القداح:

هذه مائة درهم و جزور و لقد أردنا كذا أو كذا، فاضرب لنا على فلان بن فلان فإن كان كما قال أهله خرج" الفعل" أو" نعم" أو" منكم" فما خرج من ذلك انتهوا إليه في أنفسهم و إن خرج" لا" ضرب على المائة فإن خرج" منكم" كان‏

259

منهم وسيطا و إن خرج" من غيركم" كان حليفا و إن خرج" ملصق" كان دعيا نفيا، فمكثوا زمانا و هم يخلطون حتى جاء الإسلام بتحريم ذلك قال تعالى:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ‏ إلى أن يقول: وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ‏ و قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏.

و عمرو هذا، هو الذي غيّر تلبية إبراهيم، فبينما هو يسير على راحلته، في بعض مواسم الحج، و هو يلبي. إذ تمثّل له إبليس، في صورة شيخ نجدي، على بعير أصهب، فسايره ساعة، ثم لبّى إبليس، فقال: لبيك اللهم لبيك. فقال عمرو بن لحي مثل ذلك، فقال إبليس: لبيك لا شريك لك، فقال عمرو مثله، فقال إبليس:

إلا شريك هو لك، فاستنكر ذلك عمرو، فقال إبليس: بعده ما يصلحه: إلا شريك هو لك تملكه و ما ملك، فقال عمرو: ما أرى بهذا بأسا. فما زالت كذلك حتى ردّها الإسلام إلى ما كانت عليه في شريعة إبراهيم" لبيك اللهم لبيك.

لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد و النعمة لك و الملك. لا شريك لك".

و من عادة العرب في جاهليتهم- كما حكاه الفاكهي- أن الصبية، إذا بلغت، ألبسها أهلها من الثياب أحسن ما يجدون، و جعلوا عليها من الحلي ما يقدرون، و دخلوا بها، المسجد الحرام، سافرة الوجه، فتطوف بالبيت، و الأبصار ترنو إليها، و الناس يتساءلون: من هذه؟ فإن كانت حرة قالوا: فلانة بنت فلان، و إن كانت مولّدة قالوا: مولّدة فلان قد بلغت أن تخدر في بيتها، و أراد أهلها أن تستكنّ في كنّها، فإذا قضت طوافها خرجت، تشيّعها الأبصار العفيفة، فإذ ذاك يرغب في نكاحها إن كانت من الحرائر، و في شرائها إن كانت من الإماء، و بعد أن تصل إلى بيتها تحتجب فيه، فلا تخرج منه إلا إلى بيت زوجها، أو إلى حظيرة سيدها. فكانوا يعطون للخطيب فرصة يتعرّف فيها جمال المخطوبة، و جعلوا ذلك في جوار البيت ليأمنوا النظرات الخبيثة.

و كانت الإفاضة في الجاهلية إلى صوفة بن أخزم بن العاص، و كان له ولد تصدق به على الكعبة يخدمها، فجعل إليه حبشية بن سلول الخزاعي، الإفاضة بالناس، من أجل نذره الذي نذر، و كان إلى حبشية حجابة الكعبة، و إمرة مكة.

فحينما يقف الناس في الموقف يقول حبشية:

260

أجز يا صوفة. فيقول صوفة: أجيزوا أيها الناس، فيجوزون. و ولي الإفاضة بعده ولده أخزم، الذي نذره للكعبة، و قام بخدمتها مع أخواله من جرهم، و أعقب أخزم على الإفاضة ولده من بعده، في زمن جرهم و خزاعة، حتى انقرضوا، و صارت الإفاضة في عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر، في زمن قريش، في عهد قصي. و كانت من بني عدوان في آل زيد بن عدوان، يتوارثونها، حتى جاء الإسلام، و كان عليها أبو سيارة العدواني، الذي أفاض بالمشركين، في سنة ثمان. و أفاض أمير مكة عتّاب بن أسيد بالمسلمين.

و كان حضنة البيت يكرّمون الحجاج في الجاهلية، فروي عن هاشم بن عبد مناف أنه كان يقول لقريش إذا حضر الحاج: يا معشر قريش إنكم جيران اللّه و أهل بيته، خصكم اللّه بذلك، و أكرمكم به، ثم حفظ منكم أفضل ما حفظ جار من جاره، فأكرموا أضيافه و زوّار بيته يأتونكم شعثا غبرا من كل بلد.

و روي مثل هذا عن قصي بن كلاب بن مرة، فكان كل قرشي يخرج خرجا من ماله، في كل موسم من مواسم الحج، يعطيه لمن يقوم بالرفادة- إطعام الحجاج- من قريش، فيصنعه طعاما للحجاج، أيام الموسم بمكة و منى، و بقي ذلك- مدة في عهد الإسلام- حكاه الأزرقي.

إنساء الشهور

(إنساء الشهور: تأخيرها عن أماكنها الفطرية)، و النسئ مصدر من قول القائل: نسأت في أيامك، و نسأ اللّه في أجلك أي زاد اللّه في أيام عمرك و مدة حياتك حتى تبقى فيها حيا، و كل زيادة حدثت في شي‏ء فالشي‏ء الحادث فيه الزيادة بسبب ما حدث فيه نسي‏ء، و لذلك قيل للبن إذا أكثر بالماء نسي‏ء و قيل للمرأة الحبلى: نسوء، و نسئت المرأة لزيادة الولد فيها، و قيل: نسأت الناقة و أنسأتها إذا زجرتها ليزداد سيرها.

و كان أهل الجاهلية، إذا ما رغبوا في القتال، في شهر المحرم، أخّروه إلى صفر، و أحلّوا القتال في المحرم، و سموا صفر المحرم، و ربيع الأول صفر. و هكذا حتى يكون ذو الحجة، في نهاية السنة، الشهر المحرم، و كانوا يفعلون هذا سنة و يتركونه سنة، فكان ذو الحجة يعود إلى مكانه لأول بعد أربع و عشرين سنة، و أول من أنسأ الشهور من مضر مالك بن كنانة ثم ابنه ثعلبة ثم أخوه الحرث بن مالك المعروف‏

261

بالقلمس ثم سرير بن الحارث، ثم كانت النساءة في بني فقيم من بني ثعلبة حتى جاء الإسلام. و كان آخر من نسأ منهم أبو ثمامة جنادة بن عوف ابن أمية بن عبد بن فقيم، و هو الذي جاء في زمن عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، إلى الركن الأسود، فلما رأى الناس يزدحمون عليه، قال: أيها الناس أنا له جار فأخرّوا عنه، فخفقه عمر بالدرة ثم قال: أيها الجلف الجافي قد أذهب اللّه عزّك بالإسلام.

و كان، الذي إليه أمر النساءة، يقوم بفناء الكعبة، يوم الصدر، و الناس حوله متجمّعون فيقول، إذا أراد أن لا يحلّوا المحرم: أيها الناس لا تحلّوا حرماتكم و عظّموا شعائركم فإني أجاب و لا أعاب و لا يعاب لقول قلته. فهنالك يحرّمون المحرم ذلك العام، و إذا ما كانت السنة التي يريدون الإنساء فيها يقول: أيها الناس قد أنسأت العام صفر الأول يعني المحرم- و كانوا يسمونه صفر الأول و صفر صفر الثاني- فيطرحونه من الشهور، و لا يعتدّون به، و يبتدئون العدّة، فيقولون، لصفر و شهر ربيع الأول: صفرين، و يقولون لشهر ربيع الآخر و لجمادى الأولى: شهري ربيع، و يقولون لجمادى الآخر و لرجب: جمادين و يقولون لشعبان: رجب، و لرمضان:

شعبان، و لشوال: رمضان، و لذي القعدة شوال، و لذي الحجة: ذا القعدة، و لصفر الأول و هو المحرم الذي أنسأه: ذا الحجة فيحجّون تلك السنة في المحرّم. و يبطل من هذه السنة شهرا ينسأه. و كانوا ينسئون عاما و يتركون آخر، فكان يقع في كل شهر من شهور السنة حجتان في عامين، و كانوا يحلّون، في الأشهر الحرم، دماء المحلين: طي‏ء و خثعم، لأنهم كانوا يعدون على الناس فيها، من بين العرب، فيغزونهم و يطلبون بثأرهم و لا يقفون عن حرماتها، كما كان يفعل سائر العرب من الحلّة و الحمس، فإنهم ما كانوا يعتدون في شهر حرام، و لو لقي أحدهم قاتل أبيه أو أخيه، و لا يستاقون مالا إعظاما لحرمة هذه الشهور.

بقي الأمر على هذا المنوال، حتى كانت سنة ثمان من الهجرة، فجاء الحج في ذي القعدة و حج المسلمون و المشركون، في هذا العام، فدفعوا معا. فكان المسلمون، في ناحية، يدفع بهم عتّاب بن أسيد، و يقف بهم المواقف لأنه أمير مكة من قبل النبي (صلى الله عليه و سلم)، و كان المشركون، ممن لهم عهد، و من ليس لهم عهد، في ناحية أخرى، يدفع بهم أبو سيارة العدواني، على أتان له، عوراء رسنها من ليف.

فلما كانت سنة تسع، وقع الحج في ذي الحجة، فأرسل النبي (صلى الله عليه و سلم) أبا بكر الصديق، رضي اللّه عنه، إلى مكة، أميرا على الحج، بعد أن علّمه المناسك، و أمره‏

262

بالوقوف على عرفة، و على جمع- المزدلفة- ثم نزلت سورة براءة، بعد سفر أبي بكر، إلى مكة بالحجيج، فبعث بها النبي (صلى الله عليه و سلم) مع علي، رضي اللّه عنه، و أمره إذا خطب أبو بكر و فرغ من خطبته، قام فقرأ على الناس سورة براءة و نبذ إلى المشركين عهدهم- حسب ما قدمنا- و قال: لا يجتمعن مسلم و مشرك على هذا الموقف بعد عامهم هذا، و كان أبو بكر، رضي اللّه عنه، يخطب الناس و يصلي بهم و يقف المواقف و يدفع منها بالحجيج.

و مما تضمنته سورة التوبة إبطال النسي‏ء قال تعالى فيه: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ* إِنَّمَا النَّسِي‏ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ‏. انتهى من الجزء الأول من كتاب" مرآة الحرمين".

معنى النسي‏ء

تقدم أن من عادات أهل الجاهلية إنساء الشهور، على وجه الاختصار، فأحببنا أن نفصّل هنا معنى ذلك بالتفصيل حتى يكون واضحا كل الوضوح، فنقول و باللّه التوفيق و هو حسبنا و نعم الوكيل: جاء في الجزء الأول من" نهاية الأرب في فنون الأدب" للنويري ما نصه:

يقال إن عمرو بن لحي و هو خزاعة- و يقال اسمه عمرو بن عامر الخزاعي- هو أول من نسأ الشهور، و بحّر البحيرة، و سيّب السائبة، و جعل الوصيلة، و الحامي.

و هو أول من دعا الناس إلى عبادة هبل، قدم به معه من هيت. و معنى النسي‏ء أنهم ينسئون المحرم إلى صفر، و رجب إلى شعبان. و كان جملة ما يعتقدونه من الدين تعظيم الأشهر الحرم الأربعة، و كانوا يتحرجون فيها من القتال. و كانت قبائل منهم يستبيحونها فإذا قاتلوا في شهر حرام، حرموا مكانه شهرا من أشهر الحل، و يقولون: نسئ الشهر.

263

و حكى ابن إسحاق صاحب السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة و السلام أن أول من نسأ الشهور على العرب، و أحل منها ما أحل، و حرم ما حرم، العلمس.

و هو حذيفة بن فقيم بن عامر بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة.

ثم قام بعده ولده عباد، ثم قام بعد عباد ابنه قلع، ثم قام بعد قلع ابنه أمية، ثم قام بعد أمية ابنه عوف ثم قام بعد عوف ابنه أبو ثمامة جنادة، و عليه ظهر الإسلام.

فكانت العرب إذا فرغت من حجها، اجتمعت عليه بمنى، فقام فيها على جمل، و قال بأعلى صوته:" اللهم إني لا أخاف و لا أعاف، و لا مرد لما قضيت.

اللهم إني أحللت شهر كذا- و يذكر شهرا من الأشهر الحرم، وقع اتفاقهم على شن الغارات فيه- و أنسأته إلى العام المقبل- أي: أخّرت تحريمه- و حرمت مكانه شهر كذا من الأشهر البواقي".

و كانوا يحلون ما أحل، و يحرمون ما حرم.

و في ذلك يقول عمير بن قيس بن جذل الطعان، من أبيات يفتخر:

ألسنا الناسئين على معد* * * شهور الحل نجعلها حراما

و حكى السهيلي في كتابه المترجم" بالروض الأنف" أن نسئ العرب كان على ضربين: أحدهما تأخير المحرم إلى صفر، لحاجاتهم إلى شن الغارات و طلب الثأر، و الثاني تأخير الحج عن وقته، تحريا منهم للسنة الشمسية. فكانوا يؤخرونه في كل عام أحد عشر يوما، حتى يدور الدور في ثلاث و ثلاثين سنة، فيعود إلى وقته. فلما كانت السنة التاسعة من الهجرة، حج بالناس أبو بكر الصديق، رضي اللّه عنه، فوافق حجه في ذي القعدة، ثم حج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في العام القابل، فوافق عود الحج إلى وقته، في ذي الحجة، كما وضع أولا. فلما قضى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حجه، خطب فكان مما قال في خطبته (صلى الله عليه و سلم): إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السموات و الأرض، يعني أن الحج قد عاد في ذي الحجة ...

انتهى من كتاب نهاية الأرب.

و جاء في تاريخ الأزرقي عن إنساء الشهور أيضا ما نصه:

قال الكلبي: فكان أول من أنسأ الشهور من مضر مالك بن كنانة، و ذلك أن مالك بن كنانة نكح إلى معاوية بن ثور الكندي و هو يومئذ في كندة، و كانت‏

264

النساءة، قبل ذلك، في كندة، لأنهم كانوا قبل ذلك ملوك العرب من ربيعة و مضر، و كانت كندة من أرداف المقاول، فنسأ ثعلبة بن مالك، ثم نسأ بعده الحارث ابن مالك بن كنانة و هو القلمس، ثم نسأ بعده سرير بن القلمس، ثم كانت النساءة في بني فقيم من بني ثعلبة، حتى جاء الإسلام، و كان آخر من نسأ منهم أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية بن عبد بن فقيم، و هو الذي جاء في زمن عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، إلى الركن الأسود، فلما رأى الناس يزدحمون عليه قال: أيها الناس أنا له جار فأخرّوا عنه فخفقه عمر بالدرة ثم قال: أيها الجلف الجافي قد أذهب اللّه عزّك بالإسلام. فكل هؤلاء قد نسأ في الجاهلية، و الذي ينسأ لهم، إذا أرادوا أن لا يحلوا المحرم، قام بفناء الكعبة يوم الصدر فقال:

أيها الناس لا تحلوا حرماتكم و عظموا شعائركم فإني أجاب و لا أعاب و لا يعاب لقول قلته فهنالك يحرمون المحرم ذلك العام. و كان أهل الجاهلية يسمون المحرم صفر الأول و صفر الآخر فيقولون: صفران و شهرا ربيع و جماديان و رجب و شعبان و شهر رمضان و شوال و ذو القعدة و ذو الحجة، فكان ينسأ الإنساء سنة و يترك سنة، ليحلّوا الشهور المحرمة، و يحرموا الشهور، التي ليست بمحرمة. و كان ذلك من فعل إبليس، ألقاه على ألسنتهم، فرأوه حسنا، فإذا كانت السنة، التي ينسأ فيها، يقول فيخطب بفناء الكعبة. و يجتمع الناس إليه يوم الصدر فيقول: أيها الناس إني قد أنسأت العام صفر الأول- يعني المحرم- فيطرحونه من الشهور و لا يعتدون به، و يبتدئون العدة فيقولون لصفر و شهر ربيع الأول: صفرين، و يقولون لشهر ربيع الآخر و لجمادى الأولى: شهري ربيع، و يقولون لجمادى الآخرة و لرجب جمادين، و يقولون لشعبان رجب و لشهر رمضان شعبان، و يقولون لشوال شهر رمضان، و لذي القعدة شوال، و لذي الحجة ذا القعدة، و لصفر الأول، و هو المحرم الشهر الذي أنسأه، ذا الحجة. فيحجون تلك السنة في المحرم، و يبطل في هذه السنة شهرا ينسئه، ثم يخطبهم في السنة الثانية، في وجه الكعبة، أيضا فيقول: أيها الناس لا تحلوا حرماتكم، و عظموا شعائركم، فإني أجاب و لا أعاب، و لا يعاب لقول قلته، اللهم إني قد أحللت دماء المحلين طي‏ء و خثعم، في الأشهر الحرم، و إنما أحل دماءهم، لأنهم كانوا يعدون على الناس في الأشهر الحرم، من بين العرب، فيغزونهم و يطلبون بثأرهم، و لا يقفون عن حرمات الأشهر الحرم، كما يفعل غيرهم من العرب. فكان سائر العرب، من الحلّة و الحمس، لا يعدون في الأشهر الحرم على أحد، و لو لقي أحدهم قاتل أبيه أو أخيه. و لا يستاقون مالا، إعظاما

265

للشهور الحرم، إلا خثعم وطي‏ء، فإنهم كانوا يعدون في الأشهر الحرم. فهنالك يحرّمون، في تلك السنة، المحرم، و هو صفر الأول، ثم يعدّون الشهور على عدّتهم التي عدّوها في العام الأول، فيحجون في كل شهر حجتين، ثم ينسأ في السنة الثانية فينسأ صفر الأول في عدتهم هذه، و هو صفر الآخر في العدة الثانية، حتى تكون حجتهم في صفر أيضا حجتين. و كذلك الشهور كلها حتى يستدير الحج في كل أربع و عشرين سنة إلى المحرم الذي ابتدأوا منه الإنساء يحجون في الشهور كلها في كل شهر حجتين، فلما جاء اللّه بالإسلام أنزل في كتابه: إِنَّمَا النَّسِي‏ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ‏ فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ‏.

فلما كان عام فتح مكة، سنة ثمان، استعمل النبي (صلى الله عليه و سلم) عتّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، على مكة. و مضى إلى حنين فغزا هوازن، فلما فرغ منها، مضى إلى الطائف، ثم رجع عن الطائف إلى الجعرانة، فقسم بها غنائم حنين في ذي القعدة ثم دخل مكة ليلا معتمرا فطاف بالبيت و بين الصفا و المروة، من ليلته، و مضى إلى الجعرانة فأصبح بها كبائت، فأنشأ الخروج منها، راجعا إلى المدينة، فهبط من الجعرانة في بطن سرف، حتى لقي طريق المدينة من سرف، و لم يؤذن للنبي (صلى الله عليه و سلم) في الحج تلك السنة، و ذلك أن الحج وقع تلك السنة في ذي القعدة. و لم يبلغنا أنه استعمل عتابا على الحج، تلك السنة، سنة ثمان، و لا أمره فيه بشي‏ء. فلما جاء الحج حجّ المسلمون و المشركون، فدفعوا معا، فكان المسلمون في ناحية يدفع بهم عتّاب بن أسيد و يقف بهم المواقف لأنه أمير البلد، و كان المشركون ممن كان له عهد و من لم يكن له عهد في ناحية يدفع بهم أبو سيارة العدواني على أتان عوراء رسنها ليف، قال: فلما كان سنة تسع، وقع الحج في ذي الحجة، فأرسل النبي (صلى الله عليه و سلم) أبا بكر الصديق، رضي اللّه تعالى عنه، إلى مكة و استعمله على الحج، و علّمه المناسك، و أمره بالوقوف على عرفة، و على جمع، ثم نزلت سورة براءة خلاف أبي بكر، فبعث بها النبي (صلى الله عليه و سلم) مع علي، (عليه السلام)، و أمره، إذا خطب أبو بكر و فرغ من خطبته، قام علي فقرأ على الناس سورة براءة. و نبذ إلى المشركين عهدهم و قال:

266

لا يجتمعن مسلم و مشرك على هذا الموقف بعد عامهم هذا و كان أبو بكر، رضي اللّه تعالى عنه، الذي يخطب على الناس و يصلي بهم و يدفع بهم في المواقف، فلما كان سنة عشر أذن اللّه عز و جل لنبيه (صلى الله عليه و سلم) في الحج، فحج رسول اللّه حجة الوداع- و هي حجة التمام- فوقف بعرفة فقال: يا أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السموات و الأرض فلا شهر ينسأ و لا عدة تخطأ، و إن الحج في ذي الحجة، إلى يوم القيامة. انتهى من تاريخ الأزرقي.

و حديث: (إن الزمان قد استدار كهيئته ... إلخ) مذكور بتمامه في الصحيحين البخاري و مسلم، و قد أتينا به عند الكلام على خطبة حجة الوداع.

ذكر السنين التي يضرب بها المثل‏

بمناسبة ما تقدم نذكر هنا السنين الهجرية، التي كان يضرب بها المثل، أما ما كان في الجاهلية، كعام الفيل، فلم نتكلم عن ذلك. جاء في الجزء الأول، من نهاية الأرب في فنون الأدب، للنويري ما نصه:

الأعوام التي يضرب بها المثل هي:

1- عام الجراد: كان سنة ثمان من الهجرة.

2- عام الرمادة: كان سنة ثماني عشرة من الهجرة، في خلافة عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، أصاب الناس فيه قحط حتى صارت وجوههم في لون الرماد من الجوع. و قيل: كانت الريح تسفي ترابا كالرماد لشدة ييس الأرض، على ما نذكر ذلك إن شاء اللّه تعالى في التاريخ.

3- عام الرعاف: كان سنة أربع و عشرين من الهجرة، سمي بذلك لكثرة ما أصاب الناس فيه من الرعاف.

4- عام الجماعة: كان سنة أربعين من الهجرة. فيه سلّم الحسن بن علي، رضي اللّه عنهما، الخلافة لمعاوية، فاجتمعت الكلمة فيه.

5- عام الجحاف: كان سنة ثمانين من الهجرة، وقع بمكة سيل عظيم ذهب بالإبل و عليها الحمول.

6- عام الفقهاء: و هو سنة أربع و تسعين من الهجرة. فيها مات علي بن الحسين زين العابدين، و أبو بكر بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، رضي اللّه‏

267

عنهم، و سعيد بن السيب، و عروة بن الزبير و عطاء بن يسار، و سعيد بن زيد بن ثابت. و فيه قتل الحجاج بن يوسف الثقفي سعيد بن جبير.

7- سنيات خالد: يضرب بها المثل في الجدب. و هو خالد بن عبد الملك ابن الحارث المعروف بأبي مطير. كان قد تولى لهشام بن عبد الملك المدينة سبع سنين، و توالى القحط فيها، حتى أجلى أهل البوادي.

8- سنة عشر و مائة: مات فيها قرينان في الزهد: الحسن البصري و محمد بن سيرين، و قرينان في الشعر: جرير و الفرزدق.

9- سنة ست و خمسين و ثلاثمائة: مات فيها جماعة من الملوك و هم شمكير بن زياد صاحب طبرستان و جرجان و معز الدولة ابن بويه، و كافور الإخشيدي صاحب مصر، و نقفور ملك الروم، و أبو علي محمد بن إلياس صاحب كرمان، و سيف الدولة ابن حمدان، ممدوح المتنبي، و الحسن بن فيرزان صاحب أذربيجان.

انتهى من كتاب نهاية الأرب.

أمر الإفاضة في الجاهلية و الإسلام‏

جاء في كتاب مرآة الحرمين ما نصه:

و كانت الإفاضة في الجاهلية إلى صوفة بن أخزم بن العاص، و كان له ولد، تصدّق به على الكعبة يخدمها. فجعل إليه حبشية بن سلول الخزاعي، الإفاضة بالناس، من أجل نذره، الذي نذر. و كان إلى حبشية حجابة الكعبة و إمرة مكة.

فحينما يقف الناس في الموقف يقول حبشية: أجز يا صوفة فيقول صوفة: أجيزوا أيها الناس فيجوزون، و ولي الإفاضة بعده ولده أخزم، الذي نذره للكعبة، و قام بخدمتها مع أخواله من جرهم، و أعقب أخزم على الإفاضة ولده من بعده، في زمن جرهم و خزاعة، حتى انقرضوا، ثم صارت الإفاضة في عدوان بن عمرو بن قيس بن غيلان بن مضر في زمن قريش في عهد قصي. و كانت من بني عدوان في آل زيد بن عدوان، يتوارثونها، حتى جاء الإسلام، و كان عليها أبو سيارة العدواني الذي أفاض بالمشركين في سنة ثمان، و أفاض أمير مكة عتّاب بن أسيد بالمسلمين. انتهى من الجزء الأول من كتاب مرآة الحرمين.

268

و أما أمر الإفاضة في الإسلام، فإنه يسن للإمام، إذا غربت الشمس و تحقق غروبها، أن يفيض من عرفات و يفيض الناس معه إلى مزدلفة، و يؤخروا صلاة المغرب، بنية الجمع إلى العشاء بمزدلفة، بشرطه المعروف في كتب الفقه. و يسن أن لا يدفع أحد من الحجيج حتى يدفع الإمام أو نائبه، فإن دفع قبله صح لكن كره ذلك.

فإذا وصلوا إلى مزدلفة باتوا بها و جمعوا منها حصيات جمرة العقبة، و بعد صلاة الفجر يقفون بجبل قزح، يذكرون اللّه تعالى، ثم يدفعون إلى منى قبيل طلوع الشمس، اقتداء برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و امتثالا لأمر اللّه سبحانه و تعالى لقوله:

فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ‏.

ذكر من حج من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام‏

لا يعرف عدد الأنبياء، عليهم الصلاة و السلام، منذ أن خلق اللّه الدنيا، و ذلك بنص القرآن الكريم قال تعالى في سورة النساء: وَ رُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَ رُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى‏ تَكْلِيماً* رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً.

فأول الأنبياء آدم، (عليه السلام)، و آخرهم نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم).

فاختلفوا في عددهم، فقيل: مائة ألف و أربعة و عشرون ألفا، و قيل: ألفا ألف و مائتا ألف و خمسة و عشرون ألفا، و قيل غير ذلك. و الرسل منهم ثلاثمائة و ثلاثة عشر، و المذكورون منهم، في القرآن الكريم، خمسة و عشرون مجموعون في هذين البيتين و هما:

في" تلك حجتنا" منهم ثمانية* * * من بعد عشر و يبقى سبعة وهموا

إدريس هود شعيب صالح و كذا* * * ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا

فقوله:" في تلك حجتنا" يشير الناظم، (رحمه اللّه تعالى)، إلى الآيات الأربعة، التي في سورة الأنعام، و هي: وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى‏ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ* وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَ نُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى‏ وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى‏ وَ عِيسى‏ وَ إِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ*

269

وَ إِسْماعِيلَ وَ الْيَسَعَ وَ يُونُسَ وَ لُوطاً وَ كلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ‏ فهذه الآيات الأربعة جمعت أسماء ثمانية عشر من الأنبياء و أسماء سبعة منهم مذكورة في البيت الثاني، فصار الجميع خمسة و عشرون نبيا و هم المذكورون في القرآن المجيد.

أما عدد أولي العزم منهم فخمسة و هم: نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى، و محمد عليهم و على جميع إخوانهم الأنبياء و المرسلين أفضل الصلاة و أتم التسليم.

و قيل هم أكثر من خمسة فهؤلاء الخمسة، من أولي العزم، مجموعون في أول سورة الأحزاب في قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (صلوات اللّه و سلامه عليهم)، و على جميع الأنبياء و المرسلين، و آل كل منهم و صحابتهم أجمعين.

قال النحويون و جميع أسماء الأنبياء أعجمية أي من أوضاع غير العرب، فهي ممنوعة من الصرف للعلمية و العجمة، إلا أربعة و هم محمد، و صالح، و شعيب، و هود، فهذه الأربعة عربية و لهذا صرفت، و الحق بهذا في الصرف شيث، و نوح، و لوط. و قد نظم ذلك بعضهم فقال:

إلا أن أسماء النبيين سبعة* * * لها الصرف في إعراب من يتنشّد

فشيت و نوح ثم هود و صالح‏* * * شعيب و لوط و النبي محمد

(صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين).

و الفرق بين النبي و الرسول: هو أن النبي إنسان بعثه اللّه إلى الخلق لتبليغ ما أوحى اللّه إليه، و الرسول قد يستعمل مرادفا له، و قد يختص بمن هو صاحب كتاب فيكون أخص من النبي. و قيل النبي إنسان أنزل عليه شريعة من عند اللّه، بطريق الوحي، تتضمن تلك الشريعة بيان كيفية تعبده للّه تعالى، فإذا أمر بتبليغها إلى الغير يسمى رسولا، و قيل الرسول من بعثه اللّه تعالى بشريعة مجدّدة يدعو الناس إليها، و النبي يعمّه، فالنبي أعم من الرسول و كلامنا هنا فيمن حج منهم يشمل النبي و الرسول.

و اعلم أن أربعة من الأنبياء سريانيون و هم: آدم، و شيت، و إدريس، و نوح و أربعة منهم من العرب و هم: هود، و صالح، و شعيب، و محمد. أول أنبياء بني إسرائيل موسى و آخرهم عيسى، (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين). و اعلم أيضا أن إبراهيم الخليل، عليه الصلاة و السلام، هو جد غالب الأنبياء و المرسلين. قال ابن كثير في تاريخه: فكل نبي بعث بعده فهو من ذريته، و كل كتاب نزل من‏

270

السماء على نبي من الأنبياء من بعده فعلى أحد نسله و عقبه، خلعه من اللّه تعالى و كرامة له. انتهى.

و قد ذكرنا أسماء الأنبياء الذين ليسوا من نسل إبراهيم الخليل عند ترجمته. هذا و لما كان آدم، عليه الصلاة و السلام، هو أول من بنى الكعبة المشرفة، صار الحج من الشرائع القديمة، و إن لم يكن بهذه الكيفية، التي أخذناها، من نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم).

فعليه يكون آدم، (عليه السلام)، هو أول من حج من الأنبياء، فإذا كان الحج فرض على جميع الأنبياء، عليهم الصلاة و السلام، بالكيفية التي أمرهم اللّه تعالى بها، فقد حج كلهم بلا ريب، و إذا كان مفروضا على بعضهم، فقد حج هؤلاء أيضا، فلما جاء طوفان نوح (عليه السلام)، و عمّ الأرض الغرق، لم يبق للبيت الحرام من أثر إلا مكانه، حيث كان ربوة حمراء، فجاء إبراهيم الخليل، (عليه السلام)، فبنى الكعبة المعظمة و علّمه اللّه المناسك، و أمره أن يدعو الناس إلى الحج، و إلى هذا تشير الآية الكريمة: وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ، و الآية الأخرى التي بعدها وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ‏ قالوا و حجّت بعد ذلك الأنبياء و الأمم، و كان إبراهيم يحجه كل سنة على البراق، روي عن ابن عباس، رضي اللّه عنهما، قال: كانت الأنبياء، (عليهم السلام)، يدخلون الحرم مشاة حفاة و يطوفون بالبيت و يقضون المناسك حفاة مشاة. اه.

و في تاريخ الغازي: و عن مجاهد: إن موضع البيت كان قد خفي و درس من الغرق أيام الطوفان، فصار موضعه أكمة حمراء مدورة، لا يعلوها السيل، غير أن الناس يعلمون أن موضع البيت فيما هنالك و لا يثبتونه، و كان المظلوم يأتي من أقطار الأرض و يدعو عنده، فقلّ أنه من دعا هنالك إلا استجيب له. و عن ابن عمر، رضي اللّه عنهما إن الأنبياء كانوا يحجون و لا يعلمون مكانه، حتى بوأه اللّه تعالى للخليل إبراهيم، و أعلمه مكان البيت. انتهى من تاريخ الغازي.

روي عن عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه عنهما، أنه قال: حج البيت ألف نبي من بنى إسرائيل، لم يدخلوا مكة، حتى وضعوا نعالهم بذي طوى. و روي عن عبد اللّه بن ضمرة السلولي أنه قال: ما بين الركن إلى المقام إلى زمزم قبر سبعة و سبعين نبيا جاؤوا حجاجا فقبروا هنالك. و روي عن عثمان بن ساج أنه قال:

أخبرني صادق أنه بلغه عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال مرّ بفج الروحاء سبعون نبيا على نوق‏

271

حمر، خطمهم الليف، لبوسهم العباء، و تلبيتهم شتى. و روي عن مجاهد أنه قال:

حج خمسة و سبعون نبيا، كلهم قد طاف بالبيت، و صلى في مسجد منى، فإن استطعت ألا تفوتك الصلاة في مسجد منى فافعل. قال ابن إسحاق: لم يبعث اللّه نبيا بعد إبراهيم إلا و قد حج. و روي عن وهب بن منبه أنه قال: قرأت في بعض الكتب الأولى، أنه ليس من ملك يبعثه اللّه تعالى إلى الأرض، إلا أمره بزيارة البيت، فينقض من تحت العرش محرما ملبيا حتى يستلم الحجر ثم يطوف سبعا بالبيت ثم يركع في جوفه ركعتين ثم يصعد.

و نحن هنا نذكر من حج من الأنبياء، صلوات اللّه و سلامهم عليهم أجمعين، حسبما وقفنا عليهم، في كتب التاريخ، و ورد ذكرهم في الأثر، و هناك كثير منهم حجوا و طافوا بالبيت الحرام. و هنا ننقل باختصار ما جاء في كتاب" القرى لقاصد أم القرى" للإمام الطبري فنقول و باللّه العون و التوفيق:

1) حج آدم عليه الصلاة و السلام، عن ابن عباس، أن آدم، (عليه السلام)، حج أربعين حجة من الهند على رجليه. قيل لمجاهد: أفلا كان يركب؟ قال:

و أي شي‏ء كان يحمله؟ و عن عطاء بن أبي رباح: أن آدم هبط بأرض الهند و معه أربعة أعواد من الجنة، فهي هذه التي يتطيب بها الناس. و أنه حج هذا البيت و طاف بين الصفا و المروة و قضى مناسك الحج. و عن عثمان بن ساج قال: أخبرني سعيد أن آدم، (عليه السلام)، حج على رجليه، سبعين حجة ماشيا، و أن الملائكة لقيته بالمأزمين فقالوا: برّ حجك يا آدم. لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. و المأزمان موضع بين عرفة و مزدلفة و هو المضيق في الجبال.

2) و حج نوح عليه الصلاة و السلام، قال عروة بن الزبير: بلغني أن البيت وضع لآدم، (عليه السلام)، يطوف به، و أن نوحا قد حجه و جاءه و عظمه قبل الغرق.

3 و 4 و 5) قال وهب بن منبه: خطب صالح في الذين آمنوا معه، فقال لهم: إن هذه دار قد سخط اللّه عليها و على أهلها. فاظعنوا منها فإنها ليست لكم بدار، قالوا: رأينا لرأيك تبع فمرنا نفعل. قال: تلحقون بحرم اللّه تعالى و أمنه، لا أرى لكم دونه، فأهلّوا من ساعتهم بالحج و أحرموا في العباء، و ارتحلوا قلصا حمرا مخطمة بحبال الليف، ثم انطلقوا آمّين البيت الحرام، حتى‏

272

وردوا مكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا، فتلك قبورهم في غربي الكعبة بين دار الندوة و دار بني هاشم، و كذلك فعله هود و من آمن و شعيب و من آمن معه.

6 و 7 و 8) و حج إبراهيم و إسماعيل و إسحاق، عليهم الصلاة و السلام، قال محمد بن إسحاق ما ملخصه: أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام، حج بإسماعيل و من معه من المسلمين من جرهم، و هم سكان الحرم يومئذ مع إسماعيل و هم أصهاره، و وقف بهم المواقف كما علمه جبريل، (عليه السلام)، و أراه المناسك، حتى إذا فرغ من الحج كله، انصرف إبراهيم، عليه الصلاة و السلام، راجعا إلى الشام فتوفي بها. و قال مجاهد: حج إبراهيم و إسماعيل ماشيين و قال أيضا: و حج البيت إسحاق و سارة من الشام.

9) و حج يونس عليه الصلاة و السلام، قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) (من ضمن حديث صحيح): كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء، خطام ناقته ليف خلبة، و عليه جبة من صوف، مارّا بهذا الوادي ملبيا. و عن مجاهد قال: حج البيت سبعون نبيا فيهم موسى، (عليه السلام)، عليه عباءتان قطوانيتان، و فيهم يونس يقول:" لبيك كاشف الكرب لبيك".

10) و حج موسى عليه الصلاة و السلام، قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) (من ضمن حديث صحيح): ... كأني أنظر إلى موسى يرمي الجمرة على ناقة حمراء خطامها من ليف و عليه جبّة من صوف.

و عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): كأني أنظر إلى موسى بن عمران في هذا الوادي محرما يلبي بين قطوانيتين. القطوانيّة عباءة بيضاء و قصيرة الخمل، و يقال كساء قطواني.

و عن مجاهد قال: حج موسى النبي (صلى الله عليه و سلم) على جمل أحمر، فمرّ بالروحاء عليه عباءتان قطوانيتان، مؤتزرا بإحداهما مرتديا بالأخرى، و طاف بالبيت ثم طاف بين الصفا و المروة، إذ سمع صوتا من السماء" لبيك عبدي أنا معك".

قال: فخر موسى ساجدا.

11) و حج عيسى عليه الصلاة و السلام، قال ابن عباس، رضي اللّه عنهما: أتى على هذا الوادي عيسى و موسى و صالح، و ذكر غيرهم من الأنبياء على بكرات خطمهم الليف أزرهم النمار و أرديتهم العباء يحجون البيت العتيق.

و عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: لا تقوم الساعة حتى يمر عيسى بن مريم ببطن الروحاء حاجا أو معتمرا يلبي،

273

لبيك اللهم لبيك- فأيكم لقيه فليقل أبو هريرة يقرئك السلام- و لا يخفى أن نبينا" محمدا" خاتم النبيين، (صلوات اللّه و سلامه عليه و عليهم أجمعين)، قد حج مرارا قبل البعثة، كما حج حجة الوداع قبل موته (صلى الله عليه و سلم)، و سنذكر فيما بعد حجة الوداع.

هذا ما ورد من الأحاديث أو من الأثر في حق بعض الأنبياء، عليهم الصلاة و السلام، الذين حجوا، و هناك كثير منهم حجوا و طافوا بالبيت و لكن لم يرد عنهم شي‏ء.

و في هذا القدر كفاية- ذكرنا كل ذلك من كتاب القرى للطبري باختصار- و يوجد ذلك في تاريخ الأزرقي أيضا.

12) أما نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم) فقد ذكر العلماء، أنه قد حج قبل النبوة و بعدها و قبل الهجرة حججا لا يدرى عددها، و حج بعد الهجرة حجة الوداع لا غير بإجماع المسلمين، و كذلك اعتمر قبل الهجرة عمرا لا يدرى عددها، و أما بعدها فعمرة في رجب، و ثلاثا بل أربعا في ذي القعدة،- أي في ثلاثة أعوام- لأنه في حجة الوداع كان في آخر أمره قارنا، و عمرة في شوال كما صح في أبي داود و عمرة في رمضان كما في البيهقي.

فكان من حج و اعتمر من الخلائق المكلّفين المؤمنين، إنما هو امتثالا لأمر اللّه سبحانه و تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا و كل ذلك حبا في رضائه عز شأنه، بالطواف حول بيته المطهر، و الإقامة ببلده الأمين المقدس.

فالحمد للّه الذي جعلنا من هذا الصنف، و نسأله تعالى أن يوفقنا لتعظيم شعائر اللّه و احترام الأمكنة المقدسة و الأدب فيها.

ذكر من حج بالناس من عام فتح مكة إلى عام ثلاثمائة و خمس و ثلاثين من الهجرة

لقد تقدم ذكر من حج من الأنبياء، عليهم الصلاة و السلام، و الخلفاء و أمراء المؤمنين أيضا و نوابهم، أي من كان أميرا على الحج في سنوات متعاقبة، و ذلك من عام فتح مكة المشرفة إلى عام خمس و ثلاثين و ثلاثمائة من الهجرة، و ذلك نقلا عن تاريخ المسعودي المسمى" مروج الذهب و معادن الجوهر" للعلامة أبي الحسن علي‏

274

ابن الحسين المسعودي، (رحمه اللّه تعالى)، الذي كان موجودا في العام المذكور. أما من حج بالناس بعد ذلك فلم نبحث عنه. و قد سرد المسعودي في تاريخه ذلك سردا، و نحن وضعنا ما ذكره بنصه هنا، لكن وضعناه في قالب بديع على صفة الجدول، لتسهل معرفته و ليصل القارئ الكريم سريعا إلى غرضه.

ففي عام الفتح سنة ثمان من الهجرة حج بالناس عتّاب بن أسيد، رضي اللّه عنه. الذي استعمله رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على مكة، و قيل بل حج الناس أوزاعا ليس عليهم أحد، و في العام التاسع حج أبو بكر، رضي اللّه تعالى عنه، بالناس و قد خرج من المدينة في ثلاثمائة رجل، و بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عشرين بدنة هدايا، و ساق أبو بكر معه خمس بدنات، و إليك ما ذكره المسعودي في تاريخه في الجدول الآتي، و قد بدأناه بحج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالناس سنة عشر من الهجرة. و هو هذا:

عدد/ السنة الهجرية/ اسم من حج بالناس/ ملاحظات‏

1/ 10/ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)/ حج بالناس و هذه الحجة هي حجة الوداع‏

2/ 11/ عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه/ حج بالناس في خلافة أبي بكر رضي اللّه عنه‏

3/ 12/ أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه/ حج بالناس‏

4/ 13/ عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه/ حج بالناس في خلافة عمر رضي اللّه عنهما

5/ 14/ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه/ حج بالناس في خلافته‏

6/ 15/ ........../ لم يذكر المؤلف من حج بالناس في هذه السنة

7/ 16 إلى/ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه/ حج بالناس إلى سنة ثلاث و عشرين ثم قتل آخر ذي الحجة

8/ 24/ عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه/ حج بالناس، في خلافة عثمان رضي اللّه عنه‏

275

عدد/ السنة الهجرية/ اسم من حج بالناس/ ملاحظات‏

9/ 25/ عثمان بن عفان رضي اللّه عنه/ حج بالناس إلى سنة أربع و ثلاثين ثم توفي بعد منتصف ذي الحجة سنة 35

10/ 35/ عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما/ حج بالناس بأمر عثمان و هو محصور

11/ 36/ عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما/ حج بالناس في خلافة علي (كرم اللّه وجهه)

12/ 37/ عبد اللّه بن عباس و سحرة الرهاوي/ حج بالناس عبد اللّه بن عباس بأمر علي بن أبي طالب و سحرة الرهاوي بأمر معاوية

13/ 38/ قثم بن عباس نائب مكة من قبل علي/ حج بالناس في خلافة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه‏

14/ 39/ شيبة بن عثمان/ حج بالناس في خلافة علي رضي اللّه عنه‏

15/ 40/ المغيرة بن شعبة/ حج بالناس عن كتاب يقال أنه افتعله فيما قيل حيث كان النزاع بين معاوية و الحسين‏

16/ 41/ عتبة بن أبي سفيان/ حج بالناس ثم حج بعده مروان بن الحكم‏

17/ 44/ معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنه/ حج بالناس‏

18/ 45/ مروان بن الحكم/ حج بالناس‏

19/ 46/ عتبة بن أبي سفيان/ حج بالناس‏

20/ 47/ عتبة بن أبي سفيان/ حج بالناس‏

21/ 48/ مروان بن الحكم/ حج بالناس‏

22/ 49/ سعيد بن العاص/ حج بالناس‏

23/ 50/ معاوية بن أبي سفيان/ حج بالناس‏

24/ 52/ سعيد بن العاص/ حج بالناس عامين‏

276

عدد/ السنة الهجرية/ اسم من حج بالناس/ ملاحظات‏

25/ 54/ مروان بن الحكم/ حج بالناس‏

26/ 55/ مروان بن الحكم/ حج بالناس‏

27/ 56/ عتبة بن أبي سفيان/ حج بالناس‏

28/ 57/ الوليد بن عتبة/ حج بالناس عامين‏

29/ 59/ عثمان بن أبي سعيد/ حج بالناس‏

30/ 60/ عمرو بن سعيد بن العاص/ حج بالناس‏

31/ 61/ الوليد بن عتبة بن أبي سفيان/ حج بالناس عامين‏

32/ 63/ عبد اللّه بن الزبير/ حج بالناس إلى سنة إحدى و سبعين، حج بالناس الحجاج و قتل عبد اللّه بن الزبير

33/ 74/ الحجاج بن يوسف/ حج بالناس‏

34/ 75/ عبد الملك بن مروان/ حج بالناس‏

35/ 76/ أبان بن عثمان بن عفان/ حج بالناس إلى سنة ثمانين‏

36/ 81/ سليمان بن عبد الملك بن مروان/ حج بالناس‏

37/ 82/ أبان بن عثمان بن عفان/ حج بالناس‏

38/ 83/ هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن مغيرة المخزومي/ حج بالناس إلى سنة خمس و ثمانين‏

39/ 86/ العباس بن الوليد بن عبد الملك/ حج بالناس‏

40/ 87/ عمر بن عبد العزيز بن مروان رضي اللّه عنه/ حج بالناس‏

41/ 88/ الوليد بن عبد الملك/ حج بالناس‏

42/ 89/ عمر بن عبد العزيز/ حج بالناس‏

277

عدد/ السنة الهجرية/ اسم من حج بالناس/ ملاحظات‏

رضي اللّه تعالى عنه‏

43/ 90/ عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه/ حج بالناس‏

44/ 91/ الوليد بن عبد الملك/ حج بالناس‏

45/ 92/ عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه/ حج بالناس‏

46/ 93/ عثمان بن الوليد بن عبد الملك/ حج بالناس‏

47/ 94/ مسلمة بن عبد الملك/ حج بالناس‏

48/ 95/ الوليد بن عبد الملك/ حج بالناس‏

49/ 96/ أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم/ حج بالناس‏

50/ 97/ سليمان بن عبد الملك/ حج بالناس‏

51/ 98/ عبد العزيز بن عبد اللّه بن خالد ابن أسيد بن العاص بن أمية/ حج بالناس‏

52/ 99/ أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم/ حج بالناس‏

53/ 100/ أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم/ حج بالناس‏

54/ 101/ عبد العزيز بن عبد اللّه أمير مكة/ حج بالناس‏

55/ 102/ عبد الرحمن بن الضحاك الفهري/ حج بالناس‏

56/ 103/ عبد اللّه بن كعب بن عمير بن سبع ابن عوف بن نضر بن معاوية/ حج بالناس عامين‏

278

عدد/ السنة الهجرية/ اسم من حج بالناس/ ملاحظات‏

النضري‏

57/ 105/ إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي/ حج بالناس‏

58/ 106/ هشام بن عبد الملك/ حج بالناس‏

59/ 107/ إبراهيم بن هشام المخزومي/ حج بالناس إلى سنة اثنتي عشرة و مائة

60/ 113/ سليمان بن هشام بن عبد الملك/ حج بالناس‏

61/ 114/ خالد بن عبد الملك بن أمية/ حج بالناس‏

62/ 115/ محمد بن هشام بن إسماعيل بن الوليد بن المغيرة/ حج بالناس‏

63/ 116/ الوليد بن يزيد بن عبد الملك/ حج بالناس و هو ولي عهد

64/ 117/ خالد بن عبد الملك/ حج بالناس‏

65/ 118/ محمد بن هشام بن إسماعيل/ حج بالناس‏

66/ 119/ مسلمة بن هشام أبو شاكر و قيل ابن عبد الملك/ حج بالناس‏

67/ 120/ محمد بن هشام بن إسماعيل/ حج بالناس إلى سنة أربعة و عشرين‏

68/ 125/ يوسف بن أبي الحجاج بن يوسف/ حج بالناس‏

69/ 126/ عمر بن عبد اللّه بن عبد الملك/ حج بالناس‏

279

عدد/ السنة الهجرية/ اسم من حج بالناس/ ملاحظات‏

70/ 127/ عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز/ حج بالناس‏

71/ 128/ عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز/ حج بالناس‏

72/ 129/ عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان/ حج بالناس‏

73/ 130/ محمد بن عبد الملك بن مروان/ حج بالناس‏

74/ 131/ عروة بن محمد بن عطية السعدي/ حج بالناس بكتاب افتعله على لسان عمه عبد الملك و هو والي الحجاز و اليمن لمروان بن محمد، قال المسعودي:" فهذا آخر ما حج بنو أمية"

75/ 132/ داود بن علي بن عبد الملك بن العباس بن عبد المطلب/ حج بالناس‏

76/ 133/ زياد بن عبد اللّه الحارثي/ حج بالناس‏

77/ 134/ عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس/ حج بالناس‏

78/ 135/ سليمان بن علي بن عبد اللّه بن عباس/ حج بالناس‏

79/ 136/ أبو جعفر المنصور/ حج بالناس و فيها بويع لأبي جعفر المنصور

80/ 137/ إسماعيل بن علي بن عبد اللّه بن عباس/ حج بالناس‏

81/ 138/ الفضل بن صالح بن علي/ حج بالناس‏

280

عدد/ السنة الهجرية/ اسم من حج بالناس/ ملاحظات‏

82/ 139/ العباس بن محمد بن علي/ حج بالناس‏

83/ 140/ أبو جعفر المنصور/ حج بالناس‏

84/ 141/ صالح بن علي/ حج بالناس‏

85/ 142/ إسماعيل بن علي/ حج بالناس‏

86/ 143/ أبو جعفر المنصور/ حج بالناس‏

87/ 144/ لم يذكر المؤلف من حج بالناس في هذه السنة

88/ 145/ السري بن عبد اللّه بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب/ حج بالناس‏

89/ 146/ عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن علي بن علي بن عبد اللّه بن العباس/ حج بالناس‏

90/ 147/ أبو جعفر المنصور و قيل محمد بن إبراهيم الإمام و قتل في 148/ حج بالناس‏

91/ 149/ عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن علي/ حج بالناس‏

92/ 150/ عبد الصمد بن علي/ حج بالناس‏

93/ 151/ محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي/ حج بالناس‏

94/ 152/ أبو جعفر المنصور/ حج بالناس‏

95/ 153/ المهدي محمد بن عبد اللّه بن محمد بن علي/ حج بالناس‏

96/ 154/ محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي/ حج بالناس‏

281

عدد/ السنة الهجرية/ اسم من حج بالناس/ ملاحظات‏

97/ 155/ عبد الصمد بن علي/ حج بالناس‏

98/ 156/ العباس بن محمد بن علي/ حج بالناس‏

99/ 157/ إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي/ حج بالناس‏

100/ 158/ إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي/ حج بالناس‏

101/ 159/ يزيد بن منصور بن عبد اللّه بن شهر بن يزيد بن مثوب الحميري/ حج بالناس‏

102/ 160/ الهادي بن موسى بن المهدي/ حج بالناس و هو ولي عهد

103/ 162/ إبراهيم بن جعفر بن أبي جعفر/ حج بالناس‏

104/ 163/ علي بن المهدي/ حج بالناس‏

105/ 164/ صالح بن أبي جعفر/ حج بالناس‏

106/ 165/ صالح بن أبي جعفر/ حج بالناس‏

107/ 166/ محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي/ حج بالناس‏

108/ 167/ إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي/ حج بالناس‏

109/ 168/ علي بن محمد المهدي/ حج بالناس‏

110/ 169/ سليمان بن أبي جعفر المنصور/ حج بالناس‏

111/ 170/ هارون الرشيد/ حج بالناس‏

112/ 171/ عبد الصمد بن علي/ حج بالناس‏

113/ 172/ لم يذكر المؤلف من حج بالناس في هذه السنة

282

عدد/ السنة الهجرية/ اسم من حج بالناس/ ملاحظات‏

114/ 173/ هارون الرشيد/ حج بالناس و خرج محرما من عسكره إلى مكة

115/ 174/ هارون الرشيد/ حج بالناس إلى سنة 179" تسع و سبعين و مائة"

116/ 180/ موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي/ حج بالناس‏

117/ 181/ هارون الرشيد/ حج بالناس‏

118/ 182/ موسى بن عيسى/ حج بالناس‏

119/ 183/ العباس بن محمد المهدي/ حج بالناس‏

120/ 184/ إبراهيم بن المهدي/ حج بالناس‏

121/ 185/ منصور بن المهدي/ حج بالناس‏

122/ 186/ هارون الرشيد/ حج بالناس‏

123/ 187/ عبد اللّه بن العباس بن علي. و قيل منصور بن المهدي/ حج بالناس‏

124/ 188/ هارون الرشيد/ حج بالناس‏

125/ 189/ العباس بن موسى بن عيسى بن محمد بن علي/ حج بالناس‏

126/ 190/ علي بن الرشيد/ حج بالناس‏

127/ 191/ العباس بن عبيد اللّه بن جعفر بن أبي جعفر المنصور/ حج بالناس عامين‏

128/ 193/ داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي/ حج بالناس‏

129/ 194/ علي بن الرشيد/ حج بالناس‏

130/ 195/ داود بن عيسى بن موسى/ حج بالناس‏

283

عدد/ السنة الهجرية/ اسم من حج بالناس/ ملاحظات‏

131/ 196/ العباس بن موسى/ حج بالناس إلى سنة ثمان و تسعين و مائة

132/ 199/ محمد بن داود بن عيسى بن محمد بن علي/ وثب ابن الأفطس العلوي من مكة فقبض عليه فتنحّى محمد بن داود و لم يمض إلى عرفة و خرج الناس فوقفوا بغير إمام فلما كانوا بالمزدلفة طلع عليهم ابن الأفطس فأقام لهم باقي حجتهم‏

133/ 200/ المعتصم بن إسحاق/ حج بالناس‏

134/ 201/ إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي/ حج بالناس‏

135/ 202/ إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم/ حج بالناس و هو أول طالبي أقام للناس الحج في الإسلام على أنه أقام متغلّبا عليه لا مولى من قبل خليفة. كان ممن سعى في الأرض بالفساد و قتل أصحاب إبراهيم بن عبيد اللّه الحجبي و غيره في المسجد الحرام و يزيد بن محمد بن حنظلة المخزومي و غيره من أهل العبادة.

136/ 203/ سليمان بن عبد اللّه بن جعفر بن سليمان بن علي/ حج بالناس‏

137/ 204/ عبيد اللّه بن الحسن بن عبيد اللّه/ حج بالناس عامين‏

138/ 206/ أبو عيسى بن الرشيد/ حج بالناس عامين‏

139/ 208/ صالح بن الرشيد/ حج بالناس و معه زبيدة إلى سنة عشرة

284

عدد/ السنة الهجرية/ اسم من حج بالناس/ ملاحظات‏

و مائتين‏

140/ 211/ إسحاق بن العباس بن محمد بن علي/ حج بالناس‏

141/ 212/ المأمون/ حج بالناس‏

142/ 213/ أحمد بن العباس/ حج بالناس‏

143/ 214/ عبيد اللّه بن عبد اللّه/ حج بالناس‏

144/ 215/ عبد اللّه بن عبيد اللّه/ حج بالناس‏

145/ 216/ لم يذكر المؤلف من حج بالناس في هذه السنة

146/ 217/ سليمان بن عبد اللّه بن علي/ حج بالناس‏

147/ 218/ صالح بن العباس بن محمد/ حج بالناس عامين‏

148/ 220/ صالح بن العباس/ حج بالناس عامين‏

149/ 222/ محمد بن داود بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب/ حج بالناس إلى سنة ست و عشرين و مائتين‏

150/ 227/ جعفر المتوكل بن المعتصم بن الرشيد/ حج بالناس‏

151/ 228/ محمد بن داود بن عيسى/ حج بالناس إلى سنة خمس و ثلاثين و مائتين‏

152/ 236/ محمد المنتصر/ حج بالناس و معه جدته شجاع‏

153/ 237/ علي بن عيسى بن جعفر بن المنصور/ حج بالناس‏

154/ 238/ عبد اللّه بن محمد بن داود بن عيسى بن/ حج بالناس إلى سنة إحدى و أربعين و مائتين‏

285

عدد/ السنة الهجرية/ اسم من حج بالناس/ ملاحظات‏

موسى بن علي بن عبد اللّه بن عباس‏

155/ 242/ عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام/ حج بالناس إلى سنة أربع و أربعين و مائتين‏

156/ 245/ محمد بن سليمان بن عبد اللّه بن محمد بن إبراهيم الإمام/ حج بالناس إلى سنة ثمان و أربعين و مائتين‏

157/ 249/ عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس/ حج بالناس‏

158/ 250/ جعفر بن الفضل بن موسى بن عيسى بن موسى و يلقّب بساسان/ حج بالناس‏

159/ 251/ إسماعيل بن يوسف العلوي/ حج بالناس و لكن بطل الحج إلا يسيرا لأن إسماعيل هذا طلع على الحاج و هم بعرفة في جموعه فقتل من المسلمين خلقا عظيما حتى زعموا أنه كان يسمع بالليل تلبية القتلى و كان شأنه في الفساد عظيما.

160/ 252/ كعب البقر محمد بن أحمد بن عيسى بن جعفر بن المنصور/ حج بالناس‏

161/ 253/ عبد اللّه بن محمد بن سليمان بن عبد اللّه الرس/ حج بالناس‏

162/ 254/ علي بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن/ حج بالناس عامين‏

286

عدد/ السنة الهجرية/ اسم من حج بالناس/ ملاحظات‏

محمد بن علي‏

163/ 256/ كعب البقر محمد بن أحمد بن عيسى بن جعفر بن المنصور/ حج بالناس‏

164/ 257/ الفضل بن العباس بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي/ حج بالناس عامين‏

165/ 259/ إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي بن بويه/ حج بالناس عامين‏

166/ 261/ الفضل بن العباس بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي/ حج بالناس إلى ثلاث و ستين و مائتين‏

167/ 264/ هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى/ حج بالناس إلى سنة ثمان و سبعين و مائتين" خمسة عشر عاما متوالية"

168/ 279/ أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن داود بن عيسى بن موسى/ حج بالناس إلى سنة سبع و ثمانين و مائتين" تسع حجج متوالية"

169/ 288/ محمد بن هارون بن العباس بن إبراهيم بن عيسى بن جعفر بن أبى جعفر المنصور/ حج بالناس‏

170/ 289/ الفضل بن عبد الملك بن عبد اللّه بن العباس بن محمد بن علي/ حج بالناس إلى سنة خمس و ثلاثمائة

171/ 306/ أحمد بن العباس بن محمد/ حج بالناس عامين‏

287

عدد/ السنة الهجرية/ اسم من حج بالناس/ ملاحظات‏

بن عيسى بن سليمان بن محمد بن إبراهيم الإمام و هو المعروف بأخي أم موسى الهاشمية قهرمانة شغب أم المقتدر باللّه‏

172/ 308/ إسحاق بن عبد الملك بن عبد اللّه بن عبيد اللّه/ حج بالناس إلى سنة إحدى عشرة و ثلاثمائة

173/ 312/ الحسن بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس/ حج بالناس‏

174/ 313/ أبو طالب عبد السميع بن أيوب بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن العباس بن محمد/ حج بالناس خليفة لعمه الحسن‏

175/ 314/ عبد اللّه بن عبيد اللّه بن سليمان بن محمد الأكبر/ حج بالناس‏

176/ 315/ عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس بن محمد المعروف بأبي أحمد الأزرق/ حج بالناس خليفة الحسن بن عبد العزيز بن العباس عامين‏

177/ 317/ و في هذه السنة دخل القرامطة مكة/ دخل سليمان بن الحسن صاحب البحرين مكة، و قد حضر عمر بن الحسن بن عبد العزيز المقدم نسبه إليه لإقامة الحج خليفة لأبيه فكان من أمر الناس ما كان، و لم يتم حج في موسم سنة سبع و عشرة و ثلاثمائة هذه من‏

288

عدد/ السنة الهجرية/ اسم من حج بالناس/ ملاحظات‏

أجل حادثة القرامطة لعنهم اللّه إلا لقوم يسير غدروا فتمّ حجهم دون إمام و كانوا رجالة.

178/ 318/ عمر بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي/ حج بالناس خليفة لأبيه الحسن بن عبد العزيز

179/ 319/ جعفر بن علي بن سليمان/ حج بالناس و هو خليفة الحسن بن عبد العزيز

و من 320 إلى 335/ عمر بن الحسن بن عبد العزيز كما هو موضح ذلك أمام اسمه هنا/ حج بالناس و هو خليفة لأبيه المذكور أيضا. و لم يزل يحج بالناس إلى سنة (335) خمس و ثلاثين و ثلاثمائة و هو على قضاء مكة في هذا الوقت و هو جمادى الآخرة من السنة المذكورة و هي سنة (335) و إليه قضاء مصر و غيرها.

انتهى كل ذلك من آخر الجزء الثاني من تاريخ المسعودي، ببعض تصرف يسير، و من ذلك وضعنا كلامه في هذا الجدول المرتب.

ذكر بعض من حج من الخلفاء و الملوك‏

نذكر هنا بعض من حج من الخلفاء و الملوك بعد مبايعتهم للخلافة، أما حجهم قبل الخلافة فلم نتعرض له، و ذلك نقلا باختصار عن تاريخ الشيخ عبد اللّه الغازي، (رحمه اللّه تعالى)، المسمى" إفادة الأنام بذكر بلد اللّه الحرام" و هو كتاب مخطوط بخط المؤلف نفسه غير مطبوع، فقد جاء فيه و في غيره ما ملخصه:

1) حج بالناس أبو بكر، رضي اللّه عنه، في سنة اثنتي عشرة من الهجرة.

2) و حج بالناس عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، جميع خلافته، إلا السنة الأولى، فقد حج بالناس عبد الرحمن بن عوف، رضي اللّه عنه.

289

3) و حج بالناس عثمان بن عفان، رضي اللّه عنه، في سنة خمس و عشرين. قال الطبري: فلم يزل يحج إلى سنة أربع و ثلاثين ثم حصر في داره و حج عبد اللّه بن عباس بالناس. اه.

أما علي بن أبي طالب، رضي اللّه تعالى عنه، فلم يتفق له الحج بالناس بعد الخلافة لانشغاله في الحروب.

4) و حج بالناس معاوية بن أبي سفيان، رضي اللّه عنه، حج بالناس في سنة أربع و أربعين و في سنة خمسين.

5) و حج بالناس عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه عنهما، قال الطبري: لما بويع له حج ثماني حجج متواليات.

6) و حج بالناس عبد الملك بن مروان في سنة خمس و سبعين بعد قتل ابن الزبير.

7) و حج بالناس الوليد بن عبد الملك، في سنة خمس و تسعين، و قال الطبري:

سنة إحدى و تسعينة.

8) و حج بالناس سليمان بن عبد الملك، في سنة سبع و تسعين.

9) و حج بالناس هشام بن عبد الملك، في سنة ست و مائة.

10) و حج بالناس الوليد بن يزيد بن عبد الملك، في سنة ست عشرة و مائة.

11) و حج بالناس أبو جعفر المنصور، في سنة أربعين و مائة. قال الطبري: حج المنصور في سنة (140) و في سنة (144) و في سنة (147) و في سنة (152) و في سنة (158).

12) و حج بالناس محمد المهدي بن المنصور، في سنة ستين و مائة، و في سنة أربع و ستين و مائة.

13) و حج بالناس هارون الرشيد بن المهدي تسع حجات متفرقات، أولها سنة (170) سبعين و مائة و سنة (173) و (174) و (175) و (177) و (179) و (181) و (186) و (188) من الهجرة.

14) و حج الملك المعظم عيسى بن العادل بن أبي بكر بن أيوب، في سنة إحدى عشرة و ستمائة.

15) و حج الملك المظفر ملك اليمن، في سنة خمس و خمسين و ستمائة.

16) و حج الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر، في سنة سبع و ستين و ستمائة.

17) و حج الملك المجاهد أنس بن السلطان العادل كتبغا المنصوري صاحب مصر و الشام، سنة أربع و تسعين و ستمائة.

290

18) و حج الملك الناصر محمد بن قلاوون، ثلاث حجات في سنة (712) اثني عشر و سبعمائة، و في سنة (719) و في سنة (732) هجرية.

19) و حج ملك التكرور موسى بن أبي بكر، في سنة أربع و عشرين و سبعمائة.

20) و حج الملك المجاهد صاحب اليمن، في سنة اثنتين و أربعين و سبعمائة، و في سنة 751.

21) و خرج للحج الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون في سنة ثمان و سبعين و سبعمائة، لكنه قتل في أيلة جهة العقبة.

22) و حج السلطان قايتباي، في سنة أربع و ثمانين و ثمانمائة.

23) و حج أحد سلاطين الأعاجم، في سنة ست و سبعين و ألف. فأرسل الشريف سعد رسله إلى جدة يهنئونه بالوصول.

24) و حجت ملكة بهو بال بالهند سكندر بيكم، في سنة ثمانين و مائتين و ألف.

25) و حجت ملكة بهو بال بالهند سلطان جهان بيكم، في سنة أحد و عشرين و ثلاثمائة و ألف.

26) و حج عباس حلمي باشا خديوي مصر، في سنة سبع و عشرين و ثلاثمائة و ألف و ذلك في زمن أمير مكة الشريف الحسين بن علي، الذي صار فيما بعد ملك الحجاز في عصرنا هذا.

انتهى ما نقلناه من تاريخ الغازي بغاية الاختصار جدا، و قد يكون هناك بدون شك من حج من الملوك و لم يذكرهم الشيخ الغازي في تاريخه، بدليل أنه لم يذكر من حج منهم في الزمن الذي بين هارون الرشيد و بين الملك المعظم عيسى، و هو أكثر من أربعمائة سنة.

و في هذا التاريخ مذكور ما عمله كل ملك و سلطان و وزير، قدم للحج في الحرمين الشريفين، من أعمال البر و الخير و الصدقات و الإحسان بتفصيل تام، لم ننقل كل ذلك مع ما فيه من الفوائد و الدرس خوفا من التطويل، و لهذا السبب نفسه لم نتعرض لذكر من حج من الأمراء و الوزراء و العلماء و الأعيان و كبار الناس، و لم نذكر أيضا من حج من الملوك و الرؤساء في عصرنا هذا، حيث لم ننتبه لهذا الأمر من قبل حتى نقيده لدينا و نسجله عندنا فنوكل ذلك إلى غيرنا من المؤرخين.

291

و لقد أتينا بهذه النبذة استنهاضا لهمم الملوك و الرؤساء و الأمراء و الوزراء و الأعيان في المبادرة لأداء فريضة الحج، و اللّه الموفق و إليه المرجع و المآب.

و لا يفوتنا أن نذكر هنا حج ملك الحجاز الأسبق الشريف الحسين بن علي، (رحمه اللّه تعالى)، بالناس، و كذلك الملك عبد العزيز آل سعود، (رحمه اللّه تعالى)، حج بالناس بعد أن تولى على الحجاز، ثم حج بالناس بعده ابنه الملك سعود بن عبد العزيز، و كذلك حج بالناس أخوه الملك فيصل بن عبد العزيز و حج بهم قبل أن يكون ملكا، و ذلك في سنة 1383 من الهجرة. وفق اللّه تعالى الجميع لمرضاته و تقبل منا و منهم صالح الأعمال.

حجة الوداع نقلا عن تاريخ الخميس‏

كانت حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة، سميت هذه الحجة بحجة الوداع، لأن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان يودّع الناس فيها، كما هو صريح لفظ خطبته:" أما بعد أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا ... الخ".

و بالفعل فقد ودّع (صلى الله عليه و سلم) هذه الدنيا الفانية و لحق بالرفيق الأعلى، بعد رجوعه من حجة الوداع إلى المدينة، و ذلك يوم الاثنين الثالث عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة، صلى اللّه عليه و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.

إننا نحبّ أن نطول الكلام عن حجة الوداع للنبي (صلى الله عليه و سلم) لما يعود على القارئ الكريم بالمنافع الجمة، و لقد ورد وصف حجة الوداع- بفتح الواو- في كثير من الكتب، اخترنا أن ننقل ما ورد عنها من كتابين:

(1) تاريخ الخميس، (2) و مرآة الحرمين. و مع أن كلا منهما أتى في وصفها بالشرح الوافي التام، لم نقتصر في النقل عن أحدهما، بل نقلنا ما جاء فيهما بالحرف و النص، لأن في كل منهما من الفوائد المهمة ما لا يستغني عنه طلاب العلم، و لا بأس في إطالة الكلام ما دام هناك منافع متعددة و متنوعة. فنقول و باللّه التوفيق و عليه الاعتماد و التكلان:

292

جاء في تاريخ الخميس في الجزء الثاني عن حجة الوداع- بفتح الواو- ما نصه:

و في هذه السنة" أي في السنة العاشرة" كانت حجة الوداع، و تسمى حجة الإسلام و حجة التمام و حجة البلاغ، و كره ابن عباس أن يقال: حجة الوداع، و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أقام بالمدينة يضحي كل عام و يغزو المغازي. فلما كان في ذي القعدة سنة عشر من الهجرة، أجمع على الخروج إلى الحج، قال ابن سعد: لم يحج غيرها منذ تنبأ إلى أن توفاه اللّه.

و في البخاري، عن زيد بن أرقم، أن النبي (صلى الله عليه و سلم) غزا تسع عشرة غزوة، و أنه حج بعدما هاجر حجة واحدة و هي حجة الوداع و لم يحج بعدها. قال ابن إسحاق: و أخرى بمكة. و قيل حج بمكة حجتين. و هذا بعد النبوة، و ما قبلها لا يعلمه إلا اللّه، و أخرج الترمذي، عن جابر بن عبد اللّه، حج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ثلاث حجات: حجتين قبل أن يهاجر و حجة بعدما هاجر معها عمرة. هذا لفظ الدارقطني و ابن ماجة و الحاكم و صححه على شرط مسلم. قال الشيخ محب الدين الطبري: لعل جابر أشار إلى حجتين بعد النبوة. و قال ابن حزم: حج رسول اللّه و اعتمر قبل النبوة و بعدها، و قبل الهجرة و بعدها، حججا و عمرا لا يعلمها إلا اللّه. و كذا قال أبو الفرج في كتاب مثير الغرام، و قال السهيلي، في شرح السيرة: لا ينبغي أن يضاف إليه في الحقيقة إلا حجة الوداع. و إن حج مع الناس، إذ كان بمكة، فلم يكن ذلك الحج على سنة الحج و كماله، لأنه (صلى الله عليه و سلم) كان مغلوبا على أمره، و كان الحج منقولا عن وقته، فقد ذكر أن أهل الجاهلية كانوا ينقلون الحج عن حساب الشهور الشمسية، و يؤخرونه في كل سنة أحد عشر يوما، و قد كان النبي (صلى الله عليه و سلم) أراد أن يحج مقفله من تبوك، و ذلك إثر فتح مكة بييسير، ثم ذكر أن بقايا المشركين يحجون و يطوفون بالبيت عراة، فأخّر الحج حتى نبذ إلى كل ذي عهد عهده، و ذلك في السنة التاسعة، ثم حج في العاشرة بعد إمحاء رسوم الشرك كذا في البحر العميق.

و في الاستيعاب: لم يحج رسول اللّه من المدينة، غير حجته الواحدة، و هي حجة الوداع، و ذلك في سنة عشر من الهجرة. و في سيرة اليعمري: حج (صلى الله عليه و سلم) بعد فرض الحج حجة واحدة، و قبل ذلك مرتين، و اعتمر (صلى الله عليه و سلم) أربع عمر، كلها في ذي القعدة، إلا التي مع حجته واحدة منهن في ذي القعدة عام الحديبية، سنة ست من‏

293

الهجرة، و صدّوا فيها، فتحلّل فحسبت له عمرة، و الثانية في ذي القعدة من العام المقبل و هي سنة سبع و هي عمرة القضاء، و الثالثة في ذي القعدة سنة ثمان، و هي عام الفتح من جعرانة، حيث قسّم غنائم حنين، و الرابعة مع حجته الكبرى سنة عشر، و كان إحرامها في ذي القعدة، و أعمالها في ذي الحجة. كذا رواه البخاري في صحيحه، عن أنس و كذا في منهاج النووي. و لما أراد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حجة الوداع خرج من طريق الشجرة، و عن ابن عباس أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان يخرج من طريق الشجرة و يدخل من طريق المعرس و هو موضع معروف على ستة أميال من المدينة، كذا في منهاج النووي، و هو أسفل من المسجد، الذي ببطن الوادي.

و أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إذا خرج إلى مكة، يصلي في مسجد الشجرة، و إذا رجع صلى بذي الحليفة، ببطن الوادي، و بات حتى يصبح. رواه البخاري، و ذو الحليفة ماء لجشم على ستة أميال من المدينة، قاله النووي، و قال ابن حزم: إنه على أربعة أميال و قيل سبعة، و في شرح مختصر الوقاية للشمني، فسّر ابن شجاع الميل بثلاثة آلاف ذراع و خمسمائة ذراع إلى أربعة آلاف، و في الصحاح الميل من الأرض منتهى مد البصر، عن ابن السكيت، و في شرح الكنز ثلاث فراسخ أربعة آلاف بذراع محمد بن فرج الشاشي طولها أربعة و عشرون إصبعا، و عرض كل إصبع ست حبات شعير ملصقة ظهر البطن.

و في الينابيع: الميل ثلث فرسخ، و الفرسخ اثنا عشر ألف خطوة، و كل خطوة ذراع و نصف، بذراع العامة، و هو أربعة و عشرون إصبعا. و مسجد ذي الحليفة يسمى مسجد الشجرة، و قد خرب و به البئر، التي تسميها العوام بئر علي، و ينسبونها إلى علي بن أبي طالب، لظنهم أنه قاتل الجن بها. و هو كذب كذا في تشويق الساجد، و ذو الحليفة هو الميقات لأهل المدينة، و لمن مرّ به من غيرهم، و هو أبعد المواقيت، و هناك منزل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) واردا و صادرا، فخرج (صلى الله عليه و سلم) من المدينة مغتسلا مدهنا مترجلا في ثوبين إزار ورداء و ذلك يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة فصلى الظهر بذي الحليفة.

و في المواهب اللدنية، ثبت في الصحيحين، عن أنس: صلينا مع النبي (صلى الله عليه و سلم) الظهر بالمدينة أربعا و العصر بذي الحليفة ركعتين.

صرّح الواقدي: بأن خروجه (صلى الله عليه و سلم) كان يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة و كان وقت خروجه من المدينة بين الظهر و العصر، و كان أول ذي الحجة

294

يوم الخميس و كان دخوله مكة صبح أربعة إلى رابع ذي الحجة كما ثبت في صحيح حديث عائشة و ذلك يوم الأحد.

و في سيرة اليعمري: دخل مكة يوم الأحد بكرة. و هذا يؤيد أن خروجه من المدينة كان يوم السبت كما تقدم فيكون المكث في الطريق ثمان ليال، و هي المسافة الوسطى. و خرج معه، (عليه السلام)، تسعون ألفا و يقال مائة ألف و أربعة عشر ألفا، و يقال أكثر كما حكاه البيهقي.

و كانت الوقفة يوم الجمعة، و أخرج (صلى الله عليه و سلم) معه نساءه كلهن في الهوادج و أشعر هديه و قلّده. و في سيرة اليعمري: خرج في حجة الوداع نهارا بعد ما ترجل و ادهن و تطيب و بات بذي الحليفة، و قال: أتاني الليلة آت من ربي، و قال: صل بهذا الوادي المبارك و قل عمرة في حجة فأحرم بهما قارنا.

و سئل جابر بن عبد اللّه عن حجة رسول اللّه، قال: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس، في العاشرة، أن رسول اللّه حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و يعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول اللّه كيف أصنع؟ قال: اغتسلي و استثفري و احرمي فصلّى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ركعتين، في مسجد ذي الحليفة، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به على البيداء كان إلى مد البصر، الناس من راكب و ماش و عن يمينه مثل ذلك و عن يساره مثل ذلك و من خلفه مثل ذلك فأهلّ بالتوحيد" لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد و النعمة لك، و الملك لا شريك لك".

و أهلّ الناس بهذا و لزم رسول اللّه تلبيته، قال: لسنا ننوي إلا الحج و لسنا نعرف العمرة.

و عن ابن عمر كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يدخل مكة من الثنية العليا يعني كداء، و هو المشهور بالمعلاة، و يخرج من الثنية السفلى يعني كدي- كذا رواه البخاري- و في سيرة اليعمري و نزل على الحجون، و في مناسك الكرماني روي أن النبي (صلى الله عليه و سلم) دخل مكة صبيحة اليوم الرابع من ذي الحجة، و أقام بها محرما إلى يوم التروية، ثم راح إلى منى محرما بذلك الإحرام.

قال جابر: حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن، فرمل ثلاثا، و مشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم، فقرأ: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ فجعل‏

295

المقام بينه و بين البيت، فصلى فيه ركعتين. و كان النبي (صلى الله عليه و سلم) يقرأ في الركعتين:

قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ‏ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عن ابن عمر، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: من طاف بهذا البيت أسبوعا فأحصاها كان كعتق رقبة. رواه الترمذي كذا في المشكاة. قال جابر: ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا منه قرأ: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ‏ و قال: أبدأ بما بدأ اللّه به، فرقي عليه، حتى رأى البيت فاستقبله، فوحد اللّه و كبره و قال:

لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، و هو على كل شي‏ء قدير، لا إله إلا اللّه وحده، أنجز وعده، و نصر عبده، و هزم الأحزاب وحده. ثم دعا، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى انصبّت قدماه في بطن الوادي، حتى إذا صعدنا مشى، حتى أتى المروة، ففعل عليها كما فعل على الصفا، حتى أتم السعي على المروة. و في سيرة اليعمري سعى راكبا. انتهى.

قال جابر، قال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، و جعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي، فليحلّ و ليجعلها عمرة. فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول اللّه ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول اللّه أصابعه واحدة في الأخرى و قال:" دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل لأبد أبد".

و قدم علي من اليمن ببدن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فوجد فاطمة ممن حل، و لبست ثيابا صبيغا، و اكتحلت، فأنكر ذلك عليها فقالت: أبي أمرني بهذا.

قال علي: فذهبت إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) محرشا على فاطمة، للذي صنعت، مستفتيا لرسول اللّه، فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقال:

صدقت صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت اللهم إني أهلّ بما أهلّ به رسولك، قال: فإن معي الهدي فلا تحل. و كانت جملة الهدي، الذي قدم به علي من اليمن، و الذي أتى به النبي (صلى الله عليه و سلم) مائة، فحلق الناس كلهم، و قصروا، إلا النبي (صلى الله عليه و سلم) و من كان معه هدي.

فلما كان يوم التروية، توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، و ركب النبي (صلى الله عليه و سلم) فصلى بها الظهر و العصر و المغرب و العشاء و الفجر، و مكث قليلا حتى طلعت الشمس، و أمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس فقال: إن‏

296

دماءكم و أموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شي‏ء من أمر الجاهلية تحت قدميّ موضوع، و دماء الجاهلية موضوعة، و إن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، و ربا الجاهلية موضوعة، و أول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا اللّه في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة اللّه و استحللتم فروجهن بكلمة اللّه و لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك، فاضربوهن ضربا غير مبرح، و لهن عليكم رزقهن و كسوتهن بالمعروف.

و قد تركت فيكم ما أن تضلوا بعده، إن اعتصمتم به، كتاب اللّه، و أنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت و أديت و نصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء و ينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات، ثم أذّن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، و لم يصل بينهما شيئا، ثم ركب، حتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرة و جعل حبل المشاة بين يديه فوقف مستقبل القبلة، و كان يوم الجمعة و كان واقفا إذ نزل عليه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏ الآية. و في بحر العلوم، فبركت ناقته، من هيبة القرآن.

قال جابر: فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، و أردف أسامة خلفه و دفع شنق القصواء الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك الرحل، و يقول بيده اليمنى:

أيها الناس السكينة السكينة، كلما أتى جبلا من الجبال، أرخى لها قليلا، حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب و العشاء بأذان و إقامتين، و لم يسبّح بينهما شيئا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبيّن الصبح و ركب القصواء، حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، و دعا اللّه و كبره و هلله و وحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع، قبل أن تطلع الشمس، و أردف الفضل بن عباس و كان رجلا حسن الشعر أبيض و سيما، فلما دفع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، مرت ظعن البحرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع (صلى الله عليه و سلم) يده على وجه الفضل، فحوّل الفضل وجهه إلى الشق الآخر، ينظر فحوّل (صلى الله عليه و سلم) يده من الشق الآخر على وجه الفضل، فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا.

297

و في شفاء الغرام، ذكر المحب الطبري و ابن خليل سمي محسرا؛ لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه أي أعيا. و أهل مكة يسمونه وادي النار، زعموا أن رجلا اصطاد فيه غزالة فنزلت نار فأحرقته و اللّه أعلم.

و ليس وادي محسر من مزدلفة و لا من منى و هو مسيل ما بينهما و في المشكاة:

وادي محسر من منى.

ثم قال المصنف، (رحمه اللّه تعالى)، بعد بضعة أسطر: و في المشكاة عن عباس بن مرداس أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) دعا لأمته، عشية عرفة، بالمغفرة، فأجيب بأني قد غفرت لهم، ما خلا المظالم، فإني آخذ للمظلوم من الظالم، قال: أي ربي إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة، و غفرت للظالم. فلم يجب عشيته، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل. قال فضحك رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أو قال تبسم فقال له أبو بكر و عمر: بأبي أنت و أمي، إن هذه لساعة ما كنا نضحك فيها، فما الذي أضحكك؟- أضحك اللّه سنك- قال: إن عدو اللّه إبليس، لما علم أن اللّه عز و جل، قد استجاب دعائي، و غفر لأمتي، أخذ التراب فجعل يحثو على رأسه، و يدعو بالويل و الثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه. رواه ابن ماجة و البيهقي في كتاب البعث و النشور.

قال جابر: ثم سلك الطريق الوسطى، التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة، التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات مثل حصى الخذف، يكبر مع كل حصاة منها، من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر بيده ثلاثا و ستين بدنة، و أعتق ثلاثا و ستين رقبة، عدد سني عمره، ثم أعطى عليا ما بقي إلى تمام المائة. و قد كان (صلى الله عليه و سلم) أتى ببعضها و قدم علي بشي‏ء منها من اليمن.

و في حياة الحيوان: نحر بيده في حجة الوداع، ثلاثا و ستين بدنة، و أعتق ثلاثا و ستين رقبة، ثم حلق رأسه بمنى جانبه الأيمن ثم الأيسر، حالقه معمر بن عبد اللّه العدوي، و قيل اسمه خراش بن أمية بن ربيعة الكلبي.

و في منهاج النووي أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أتى منى، ثم أتى الجمرة، و لم يزل يلبي حتى رمى، ثم أتى منزله بمنى و نحر، ثم قال للحلاق: خذ، و أشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس. و في المناسك للكرماني: أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لما رمى جمرة العقبة، رجع إلى منزله بمنى، ثم دعا بذبائح فذبح، ثم دعا بالحلاق فأعطاه شقه الأيمن فحلقه، فدفعه إلى أبي طلحة، ليفرقه بين الناس، ثم أعطاه شقه‏

298

الأيسر فحلقه، ثم دفعه إلى أبي طلحة ليفرقه بين الناس، قيل: أصاب خالد بن الوليد شعرات من شعرات ناصيته (صلى الله عليه و سلم). و في الشفاء: كانت شعرات من شعره، (عليه السلام)، في قلنسوة خالد، فلم يشهد بها قتالا إلا رزق النصر.

قال جابر: و أشرك (صلى الله عليه و سلم) عليا في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها و شربا من مرقها، ثم ركب (صلى الله عليه و سلم) فأفاض إلى البيت، و صلى الظهر بمكة، فأتى بني عبد المطلب، و هم يسقون على زمزم، فقال:

انتزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم، لنزعت معكم، فناولوه دلوا، فشرب منه، و طاف (صلى الله عليه و سلم) في حجة الوداع على راحلته بالبيت و بالصفا و المروة ليراه الناس و ليشرف و يسألوه. فإن الناس قد غشوه.

و كان (صلى الله عليه و سلم) لا يستلم في طوافه، إلا الحجر الأسود، و الركن اليماني. و عن الزبير قال: سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر، قال: رأيت رسول اللّه يستلمه و يقبّله رواه البخاري، و عن ابن عمر، قال: لم أر النبي (صلى الله عليه و سلم) يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين متفق عليه. و عن ابن عباس، قال: طاف النبي (صلى الله عليه و سلم) في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن متفق عليه. و عن أبي الطفيل، قال: رأيت رسول اللّه يطوف بالبيت على بعير و يستلم الركن بمحجن معه، و يقبّل المحجن رواه مسلم. ذكر الأحاديث الأربعة في المشكاة. انتهى من" تاريخ الخميس".

حجة الوداع نقلا عن كتاب مرآة الحرمين‏

و جاء في كتاب مرآة الحرمين: تأليف إبراهيم باشا رفعت في الجزء الأول ما نصه: قد رأينا أن نسوق إليك أيها القارئ حجته (صلى الله عليه و سلم) ثم نردفها بالأحكام الفقهية في شرائع الحج، حسب ما سطر في كتب المذاهب المختلفة، و إنما قدمنا حجته (صلى الله عليه و سلم)، لأنها السراج الوهاج، الذي اقتبس منه الفقهاء، و لأنها الحكم عند اختلاف الآراء فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً و قد اعتمدنا في ذلك على ما كتبه الإمام ابن القيم المتوفى سنة 751 في كتابه" زاد المعاد في هدي خير العباد" فإنه خير ما كتب في هذا الموضوع على ما علمنا.

حجة الوداع: لا خلاف أنه (صلى الله عليه و سلم) لم يحج، بعد هجرته إلى المدينة، سوى حجة واحدة، و هي حجة الوداع، و لا خلاف أنها كانت سنة عشر.

299

و اختلف هل حج قبل الهجرة، فروى الترمذي عن جابر بن عبد اللّه، رضي اللّه عنه، قال: حج النبي (صلى الله عليه و سلم) ثلاث حجج، حجتين قبل أن يهاجر و حجة بعدما هاجر و معها عمرة، قال الترمذي: هذا حديث غريب- تفرّد به راو واحد- من حديث سفيان قال: و سألت محمدا- يعني- البخاري- عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري، و في رواية لا يعدّ هذا الحديث محفوظا. و لما نزل فرض الحج، بادر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى الحج، من غير تأخير، فإن فرض الحج تأخّر إلى سنة تسع أو عشر، و أما قوله تعالى: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ‏ فإنها و إن نزلت سنة ست عام الحديبية، فليس فيها فريضة الحج، و إنما فيها الأمر بإتمامه، و إتمام العمرة، بعد الشروع فيهما، و ذلك لا يقتضي وجوب الابتداء.

و لما عزم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على الحج، أعلم الناس أنه حاج، فتجهزوا للخروج معه، و سمع بذلك من حول المدينة، فقدموا يريدون الحج مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و وافاه في الطريق خلائق لا يحصون، فكانوا من بين يده و من خلفه و عن يمينه و عن شماله مد البصر، و خرج من المدينة نهارا بعد الظهر، لست بقين من ذي القعدة، بعد أن صلى الظهر بها أربعا، و خطبهم قبل ذلك خطبة علّمهم فيها الإحرام و واجباته و سننه، قال ابن حزم: و كان خروجه يوم الخميس. قال ابن القيم:

و الظاهر أنه كان يوم السبت- أنظر أدلة كل منهما بزاد المعاد- و بعد أن صلى و خطب ترجّل- مشّط رأسه- و ادهن و لبس إزاره و رداءه و خرج بين الظهر و العصر فنزل بذي الحليفة- الخريطة 57- فصلى بها العصر ركعتين ثم بات بها، و صلى بها المغرب و العشاء و الصبح و الظهر، فصلى بها خمس صلوات، و كان نساؤه كلهن معه، و طاف عليهن تلك الليلة، فلما أراد الإحرام اغتسل غسلا ثانيا، لإحرامه غير غسل الجماع الأول، ثم طيّبته عائشة بيدها بذريرة و طيب، فيه مسك في بدنه و رأسه، حتى كان و بيص المسك، يرى في مفارقه و لحيته، ثم استدامه و لم يغسله، ثم لبس إزاره و رداءه، ثم صلى الظهر ركعتين، ثم أهلّ بالحج و العمرة في مصلاه، و لم ينقل عنه أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر، و قلّد قبل الإحرام بدنه نعلين، و أشعرها في جانبها الأيمن فشق صفحة سنامها و سلت الدم عنها. و قد ساق ابن القيم بضعة و عشرين دليلا كلها صحيحة صريحة في أنه (صلى الله عليه و سلم) حج قارنا، و ذكر أنه أخطأ في عمرة النبي (صلى الله عليه و سلم) خمس طوائف، و وهم في حجه خمس طوائف، و غلط في إحرامه خمس طوائف، و بيّن آراء كل طائفة، و ساق أدلتها ثم كرّ عليها بالنقض. و كتابته في هذا الموضوع أمتع ما

300

كتب فراجعها في كتابه" زاد المعاد" من صفحة 183 إلى صفحة 202 من الجزء الأول طبع الحلبي بمصر. ولبد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) رأسه بالغسل- بوزن كفل- و هو ما يغسل به الرأس من خطمي و نحوه، يلبد به الشهر، حتى لا ينتشر، و أهلّ في مصلاه ثم ركب على ناقته و أهلّ أيضا ثم أهلّ لما استقلت به على البيداء. قال ابن عباس، رضي اللّه عنهما: وايم اللّه لقد أوجب في مصلاه و أهلّ حين استقلّت بن ناقته و أهلّ، حين علا على شرف البيداء، و كان يهلّ بالحج و العمرة تارة و بالحج تارة، لأن العمرة جزء منه، فمن ثمة قيل: قرن، و قيل: تمتع و قيل: أفرد ثم لبى فقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد و النعمة لك و الملك، لا شريك لك"، و رفع صوته بهذه التلبية حتى سمعها أصحابه، و أمرهم بأمر اللّه له، أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، و كان حجه على رحل لا في محمل و لا هودج و لا عماريّة و زاملته تحته. و اختلف في جواز ركوب المحرم في المحمل و الهودج و العماريّة و نحوها على قولين: هما روايتان عن أحمد، (رحمه اللّه)، أحدهما الجواز و هو مذهب الشافعي و أبي حنيفة، رحمهما اللّه، و الثاني المنع و هو مذهب مالك. ثم إنه (صلى الله عليه و سلم) خيّرهم عند الإحرام بين الأنساك الثلاثة- الحج أو العمرة أو هما معا- ثم ندبهم، عند دنوّهم من مكة، إلى فسخ الحج و القران إلى العمرة لمن لم يكن معه هدي ثم حتّم ذلك عند المروة.

و ولدت أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر، رضي اللّه عنهما، بذي الحليفة محمد بن أبي بكر فأمرها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن تغتسل و تستثفر و تستتر بثوب و تحرم و تهلّ، و كان في قصتها ثلاث سنن: إحداها غسل المحرم، و الثانية أن الحائض تغتسل لإحرامها، و الثالثة أن الإحرام يصح من الحائض. ثم سار رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو يلبي تلبيته المذكورة، و الناس معه يزيدون فيها و ينقصون، و هو يقرهم و لا ينكر عليهم و لزم تلبيته.

فلما كانوا بالروحاء، رأى حمار وحش عقيرا، فقال: دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبه. فجاء صاحبه إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال: يا رسول اللّه شأنكم بهذا الحمار؟ فأمر رسول اللّه أبا بكر، رضي اللّه عنه، فقسمه قسمين بين الرفاق. و في هذا دليل على جواز أكل المحرم، من صيد الحلال، إذ لم يصده لأجله.

و أما كون صاحبه لم يحرم فلعله لم يمرّ بذي الحليفة، فهو كأبي قتادة في قصته.

و تدل هذه القصة على أن الهبة لا تفتقر إلى لفظ: و هبت لك، بل تصح بلفظ يدل‏

301

عليها، و تدل على قسمته اللحم مع عظامه بالتحري، و تدل على أن الصيد يملك بالإثبات، و إزالة امتناعه، و أنه لمن أثبته لا لمن أخذه، و على حل أكل لحم الحمار الوحشي، و على التوكيل في القسمة، و على كون القاسم واحدا. ثم مضى، حتى إذا كان بالإثاية، بين الرّويثة و العرج، إذا ظبي واقف في ظل شجرة، فيه سهم، فأ مر رجلا أن يقف عنده، لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزوا. و الفرق بين قصة الظبي و قصة الحمار، أن الذي صاد الحمار كان حلالا، فلم يمنع من أكله، و هذا لم يعلم أنه حلال، و هم محرمون، فلم يأذن لهم في أكله، و وكل من يقف عنده لئلا يأخذه أحد حتى يجاوزوا. و فيه دليل على أن قتل المحرم للصيد يجعله بمنزلة الميتة، في عدم الحل، إذ لو كان حلالا لم تضع ماليته، بل كان للحلال أن ينتفع به. ثم سار حتى إذا نزل بالعرج و كانت زاملته و زاملة أبي بكر واحدة، و كانت مع غلام لأبي بكر، فجلس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبو بكر إلى جانبه و عائشة إلى جانبه الآخر و أسماء أختها إلى جانب أبيها، و أبو بكر ينتظر الغلام و الزاملة، إذ طلع الغلام ليس معه البعير، فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة. فقال أبو بكر: بعير واحد تضلّه، قال: فطفق يضربه و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يبتسم و يقول: أنظروا إلى هذا المحرم ماذا يصنع، و ما يزيد رسول اللّه على أن يقول ذلك و يبتسم، ثم مضى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حتى إذا كان بالأبواء أهدى له الصعب بن جثامة عجز حمار وحشي، فرده عليه، فقال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم. فلما مرّ بوادي عسفان قال: يا أبا بكر أي واد هذا؟ قال: وادي عسفان، قال: لقد مرّ به هود و صالح على بكرين أحمرين خطمهم الليف و أزرهم العباء و أرديتهم النمار يلبون يحجون البيت العتيق، و ذكره الإمام أحمد في المسند، فلما كان بسرف حاضت عائشة، رضي اللّه عنها، و قد كانت أهلّت بعمرة، فدخل عليها النبي (صلى الله عليه و سلم) و هي تبكي، قال: ما يبكيك؟ لعلك نفست، قالت نعم. قال: هذا شي‏ء قد كتبه اللّه على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت.

و قد جاء في صحيح مسلم، عن جابر، رضي اللّه عنه، قال: أهلت عائشة بعمرة حتى إذا كانت بسرف عركت- حاضت- ثم دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على عائشة فوجدها تبكي فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني إني قد حضت و قد أحل الناس و لم أحل و لم أطف بالبيت و الناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر قد كتبه اللّه على بنات آدم فاغتسلي، ثم أهلي بالحج. ففعلت و وقفت المواقف كلها، حتى إذا طهرت، طافت بالكعبة و بالصفا و المروة، ثم قال: قد حللت من‏

302

حجك و عمرتك. قالت: يا رسول اللّه! إني أجد في نفسي، أني لم أطف بالبيت، حتى حججت. قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم. و قد تنازع العلماء في قصة عائشة، هل كانت متمتعة أو مفردة، و الصواب أنها كانت متمتعة محرمة بالعمرة فقط. و إذا كانت متمتعة، فهل رفضت عمرتها و انتقلت إلى الإفراد بالحج أو أدخلت عليها الحج و صارت قارنة بإدخاله عليها؟ و الصواب الثاني، و هل العمرة التي أتت بها من التنعيم كانت واجبة أو لا؟ و الصحيح أنها كانت نافلة تطييبا لقلبها و جبرا لها. و إلا فطوافها و سعيها وقع عن حجها و عمرتها و كانت متمتعة، ثم أدخلت الحج على العمرة فصارت قارنة، و اختلفوا هل كان طهرها يوم عرفة أو يوم النحر. و حديث عائشة السابق يؤخذ منه أصول عظيمة من أصول المناسك:

1) اكتفاء القارن بطواف واحد و سعي واحد.

2) سقوط طواف القدوم عن الحائض، كما أن حديث صفية أصل في سقوط طواف الوداع عنها.

3) أن إدخال الحج على العمرة جائز كما يجوز للطاهر و أولى المعذورة لأنها محتاجة إلى ذلك.

4) أن الحائض تفعل أفعال الحج كلها إلا أنها لا تطوف بالبيت.

5) أن التنعيم من الحل.

6) جواز عمرتين في سنة واحدة بل في شهر واحد.

7) أن المشروع في حق المتمتع إذا خاف الفوات أن يدخل الحج على العمرة و حديث عائشة أصل فيه.

8) أنه أصل في العمرة المكية و ليس مع من يستحبها غيره، فإن النبي (صلى الله عليه و سلم) لم يعتمر هو و لا أحد ممن حج معه من مكة خارجا منها، إلا عائشة وحدها، فجعل أصحاب العمرة المكية قصة عائشة أصلا لقولهم و لا دلالة لهم فيها، فإن عمرتها، إما أن تكون قضاء للعمرة المرفوضة عند من يقول: أنها رفضتها، فهي واجبة قضاء لها، أو تكون زيادة محضة و تطييبا لقلبها عند من يقول: أنها كانت قارنة و أن طوافها و سعيها أجزأها عن حجها و عمرتها، و لنعد إلى سياق حجه (صلى الله عليه و سلم).

فلما كان بسرف قال لأصحابه: من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل و من كان معه هدي فلا. و هذه رتبة أخرى، فوق رتبة التخيير، عند

303

الميقات. فلما كان بمكة أمر أمرا حتما من لا هدي معه أن يجعلها عمرة و يحل من إحرامه، و من معه هدي أن يقيم على إحرامه، و لم ينسخ ذلك شي‏ء البتة، بل سأله سراقة بن مالك عن هذه العمرة التي أمرهم بالفسخ إليها، هل هي لعامهم ذلك أو للأبد؟ قال: بل للأبد، و أن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة، و قد روي عنه (صلى الله عليه و سلم) الأمر بفسخ الحج إلى العمرة أربعة عشر صحابيا و أحاديثهم كلها صحاح (انظر الأحاديث و أعذار المخالفين و الرد عليها في زاد المعاد من ص 209 إلى 225 ج 1) ثم نهض (صلى الله عليه و سلم) إلى أن نزل بذي طوى، و هي المعروفة الآن بآبار الزاهر، فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة، و صلى بها الصبح، ثم اغتسل من يومه، و نهض إلى مكة فدخلها من أعلاها، من الثنية العليا التي تشرف على الحجون، و كان في العمرة يدخل من أسفلها، و في الحج دخل من أعلاها، و خرج من أسفلها، ثم سار حتى دخل المسجد و ذلك ضحى.

و ذكر الطبراني أنه دخله من باب بني عبد مناف، الذي يسميه الناس اليوم، باب بني شيبة، أو باب السلام، ثم استقبل البيت و دعا، و ذكر الطبراني: أنه كان إذا نظر إلى البيت قال: اللهم زد بيتك هذا تشريفا و تعظيما و تكريما و مهابة. و روي عنه أنه كان عند رؤيته يرفع يديه و يكبر و يقول: اللهم أنت السلام، و منك السلام، حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفا و تعظيما و تكريما و مهابة، و زد من حجّه أو اعتمره تكريما و تشريفا و تعظيما و برا، و هو مرسل. و لكن سمع هذا سعيد بن المسيب من عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، يقوله. فلما دخل المسجد عمد إلى البيت و لم يركع تحية المسجد، فإن تحية المسجد الحرام الطواف.

فلما حاذى الحجر الأسود استلمه و لم يزاحم عليه و لم يتقدم عنه، إلى جهة الركن اليماني، و لم يرفع يديه و لم يقل: نويت بطوافي هذا الأسبوع كذا و كذا. و لا افتتحه بالتكبير كما يكبر للصلاة، كما يفعله من لا علم عنده، بل هو من البدع المنكرات، و لا حاذى الحجر الأسود بجميع بدنه، ثم انفتل عنه و جعله على شقه، بل استقبله و استلمه، ثم أخذ عن يمينه، و جعل البيت عن يساره، و لم يعرف عنه عند الباب، و لا تحت الميزاب، و لا عند ظهر الكعبة و أركانها، و لا وقت الطواف، ذكر معين، لا بفعله و لا بتعليمه بل حفظ عنه بين الركنين‏ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ. و رمل في طوافه هذا ثلاثة الأشواط الأول، و كان يسرع مشيه و يقارب بين خطاه، و اضطبع بردائه، فجعله على أحد كتفيه، و أبدى كتفه الآخر و منكبه، و كلما حاذى الحجر الأسود،

304

أشار إليه، و استلمه بمحجنه، و قبّل المحجن، و المحجن: عصا محنية الأرأس، و ثبت عنه أنه استلم الركن اليماني، و لم يثبت عنه أنه قبّله، و لا قبّل يده عند استلامه، و لكن ثبت عنه أنه قبّل الحجر الأسود، و ثبت عنه أنه استلمه بيده، فوضع يده عليه، ثم قبّلها، و ثبت عنه أنه استلمه بمحجن. فهذه ثلاث صفات، و روي عنه أيضا: أنه وضع شفتيه عليه طويلا يبكي. و ذكر الطبراني عنه بإسناد جيد أنه كان إذا استلم الركن اليماني قال: بسم اللّه و اللّه أكبر، و كان كلما أتى على الحجر الأسود قال: اللّه أكبر، و روي عن عمر أنه قبّل الحجر و سجد عليه و أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فعل ذلك. و روي عن ابن عباس أنه قبّل الركن اليماني ثم سجد عليه ثم قبّله ثم سجد عليه ثلاث مرات. و لم يستلم (صلى الله عليه و سلم) و لم يمسّ من الأركان إلا اليمانيين فقط. فلما فرغ من طوافه جاء إلى خلف المقام فقرأ: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ فصلى ركعتين، و المقام بينه و بين البيت، قرأ فيهما بعد الفاتحة بسورتي الإخلاص، فلما فرغ من صلاته أقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه ثم خرج إلى الصفا من الباب الذي يقابله. فلما قرب منه قرأ: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ‏ أبدأ بما بدأ اللّه به، و في رواية ابدأوا على الأمر ثم رقى عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحد اللّه و كبره و قال: لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد و هو على كل شي‏ء قدير، لا إله إلا اللّه وحده أنجز وعده و نصر عبده و هزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك و قال مثل هذا ثلاث مرات.

و قام ابن مسعود على الصّدع، و هو الشق الذي في الصفا، فقيل له: هاهنا يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هذا و الذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة.

ذكره البيهقي. ثم نزل إلى المروة يمشي، فلما انصبّت قدماه في بطن الوادي، سعى حتى إذا جاوز الوادي و أصعد مشى- هذا الذي صح عنه في ذلك اليوم- قبل الميلين الأخضرين في أول السعي و آخره، و الظاهر أن الوادي لم يتغير عن وضعه.

هكذا قال جابر عنه في صحيح مسلم، و ظاهر هذا أنه كان ماشيا.

و قد روى مسلم في صحيحه عن ابن الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللّه يقول:

طاف النبي (صلى الله عليه و سلم)، في حجة الوداع، على راحلته بالبيت، و بين الصفا و المروة ليراه الناس، و ليشرف. و لم يطف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و لا أصحابه بين الصفا و المروة إلا طوافا واحدا، قال ابن حزم: لا تعارض بينهما لأن الراكب إذا انصبّ به بعيره فقد انصبّ كله و انصبّت قدماه أيضا مع سائر جسده، قال ابن القيم: و عندي وجه آخر للجمع بينهما أحسن من هذا و هو أنه سعى ماشيا أولا، ثم أتمّ سعيه راكبا،