التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج4

- محمد طاهر الكردي المزيد...
651 /
305

و قد جاء ذلك مصرحا به، ففي صحيح مسلم عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس أخبرني عن الطواف بين الصفا و المروة راكبا أسنّة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنّة، قال: صدقوا و كذبوا، قال: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كثر عليه الناس يقولون:

هذا محمد، حتى خرج عليه العواتق من البيوت، قال: و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه، ركب و المشي أفضل.

و أما طوافه بالبيت عند قدومه فاختلف فيه، هل كان على قدميه أو كان راكبا؟ و الصحيح أنه طافه على قدميه، لأنه ثبت عنه الرّمل فيه، و هو إنما يكون من الماشي، و أن الركوب كان في طواف الإفاضة. و كان (صلى الله عليه و سلم) إذا وصل إلى المروة، رقى عليها، و استقبل البيت و كبّر اللّه وحده، و فعل كما فعل على الصفا، فلما أكمل سعيه عند المروة، أمر كل من لا هدي معه، أن يحل حتما و لا بد قارنا كان أو مفردا، و أمرهم أن يحلوا الحل كله، من وطء النساء و الطيب و لبس المخيط، و أن يبقوا كذلك إلى يوم التروية، و لم يحل هو من أجل هديه و هناك قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي و لجعلتها عمرة، و هناك دعا للمحلفين بالمغفرة ثلاثا و للمقصرين مرة و هناك سأله سراقة بن مالك بن جعشم عقيب أمره لهم بالفسخ و الإحلال هل ذلك لعامهم خاصة أو للأبد؟ فقال: بل للأبد. و لم يحل أبو بكر و لا عمر و لا علي و لا طلحة و لا الزبير من أجل الهدي، و أما نساؤه (صلى الله عليه و سلم) فأحللن و كن قارنات إلا عائشة فإنها لم تحل، من أجل تعذر الحل عليها بحيضها، و فاطمة حلت لأنه لم يكن معها هدي، و علي، رضي اللّه عنه، لم يحل من أجل هديه، و أمر من أهل بإهلال كإهلاله (صلى الله عليه و سلم) أن يقيم على إحرامه، إن كان معه هدي، و أن يحل إن لم يكن معه هدي.

و كان يصلي مدة مقامه بمكة، إلى يوم التروية، بمنزله، الذي هو نازل فيه، بالمسلمين، بظاهر مكة، فأقام، بظاهر مكة، أربعة أيام، يقصر الصلاة يوم الأحد و الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء، فلما كان يوم الخميس ضحى توجّه بمن معه من المسلمين إلى منى، فأحرم بالحج، من كان أحل منهم من رجالهم، و لم يدخلوا إلى المسجد فأحرموا منه، بل أحرموا و مكة خلف ظهورهم، فلما وصل إلى منى نزل بها و صلى بها الظهر و العصر و بات بها، و كان ليلة الجمعة، فلما طلعت الشمس سار منها إلى عرفة، و أخذ على طريق ضب، على يمين طريق الناس اليوم، و كان من أصحابه الملبي و منهم المكبّر و هو يسمع ذلك و لا ينكر على هؤلاء و لا على‏

306

هؤلاء، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة بأمره، و هي قرية شرقي عرفات، و هي خراب اليوم، فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت، ثم سار حتى بطن الوادي من أرض عرنة.

فخطب الناس على راحلته، خطبة عظيمة، قرّر فيها قواعد الإسلام، و هدم فيها قواعد الشرك و الجاهلية، و قرر فيها تحريم المحرمات، التي اتفقت الملل على تحريمها، و هي: الدماء و الأموال و الأعراض، و وضع فيها أمور الجاهلية تحت قدميه، و وضع فيها ربا الجاهلية كله و أبطله، و أوصاهم بالنساء خيرا، و ذكر الحق الذي لهن و عليهن، و أن الواجب لهن الرزق و الكسوة بالمعروف، و لم يقدر ذلك بتقدير، و أباح للأزواج ضربهن إذا أدخلن إلى بيوتهن من يكرهه أزواجهن، و أوصى الأمة فيها بالاعتصام بكتاب اللّه، و أخبر أنهم لن يضلوا ما داموا معتصمين به ثم أخبرهم أنهم مسؤولون عنه و استنطقهم بما ذا يقولون و بما ذا يشهدون فقالوا: نشهد أنك قد بلغت و أديت و نصحت. فرفع إصبعه إلى السماء و استشهد اللّه عليهم ثلاث مرات، و أمرهم أن يبلغ شاهدهم غائبهم. و سيأتي نص الخطبة في الكلام على حج الجاهلية، فلما أتّمها، أمر بلالا فأذّن، ثم أقام الصلاة فصلى الظهر ركعتين، أسرّ فيهما بالقراءة، و كان يوم الجمعة، فدل على أن المسافر لا يصلي جمعة، ثم أقام فصلى العصر ركعتين أيضا، و معه أهل مكة، و صلوا بصلاته قصرا و جمعا، بلا ريب، و لم يأمرهم بالإتمام و لا بترك الجمع و من قال: أنه قال لهم:" أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، فقد غلط فيه غلطا بينا، و وهم و هما قبيحا"، و إنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح، بجوف مكة، حيث كانوا في ديارهم مقيمين.

و لهذا كان أصح أقوال العلماء: أن أهل مكة يقصرون و يجمعون بعرفة كما فعلوا مع النبي (صلى الله عليه و سلم)، و في هذا أوضح دليل على أن سفر القصر لا يتحدد بمسافة معلومة، و لا بأيام معلومة، و لا تأثير للنسك في قصر الصلاة البتة، و إنما التأثير لما جعل اللّه سببا، و هو السفر. هذا مقتضى السنة و لا وجه لما ذهب إليه المحدّدون.

فلما فرغ من صلاته ركب، حتى أتى الموقف فوقف في ذيل الجبل، عند الصخرات، و استقبل القبلة، و جعل حبل المشاة بين يديه، و كان على بعيره، فأخذ في الدعاء و التضرّع و الابتهال، إلى غروب الشمس، و أمر الناس أن يدفعوا عن بطن عرنة و أخبر أن عرفة لا تختص بموقفه ذلك بل قال: وقفت هاهنا و عرفة

307

كلها موقف، و أرسل إلى الناس أن يكونوا على مشاعرهم، و يقفوا بها، فإنها من إرث أبيهم إبراهيم. و كذلك هناك، أقبل ناس من أهل نجد، فسألوه عن الحج، فقال: الحج يوم عرفة من أدرك قبل صلاة الصبح فقد أدرك الحج.

أيام منى ثلاثة أيام التشريق‏ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى‏ و كان في دعائه رافعا يده إلى صدره، كاستطعام المسكين، و أخبرهم أن خير الدعاء دعاء يوم عرفة، و ذكر من دعائه (صلى الله عليه و سلم) في الموقف: اللهم لك الحمد، كالذي نقول، و خيرا مما نقول، اللهم: لك صلاتي و نسكي و محياي و مماتي و إليك مآبي و لك ربي تراثي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، و وسوسة الصدر، و شتات الأمر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجي‏ء به الريح.

ذكره الترمذي.

و مما ذكر من دعائه هناك: اللهم إنك تسمع كلامي، و ترى مكاني، و تعلم سري و علانيتي، و لا يخفى عليك شي‏ء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير، و الوجل المشفق المقرّ المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، و أبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، و أدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، و فاضت لك عيناه، و ذلّ جسده، و رغم أنفه لك، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا، و كن بي رؤوفا رحيما، يا خير المسؤولين و يا خير المعطين.

ذكره الطبراني.

و ذكر الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال:

كان أكثر دعاء النبي (صلى الله عليه و سلم) يوم عرفة" لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد بيده الخير، و هو على كل شي‏ء قدير".

و ذكر البيهقي، من حديث علي، رضي اللّه عنه، أنه (صلى الله عليه و سلم) قال: أكثر دعائي و دعاء الأنبياء من قبلي بعرفة: لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، و هو على كل شي‏ء قدير.

اللهم اجعل في قلبي نورا، و في صدري نورا، و في سمعي نورا، و في بصري نورا، اللهم اشرح لي صدري، و يسر لي أمري، و أعوذ بك من وسواس الصدر، و شتات الأمر، و فتنة القبر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، و شر ما يلج في النهار، و شر ما تهبّ به الرياح، و شر بوائق الدهر. و أسانيد هذه الأدعية فيها لين، و هناك أنزلت عليه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي‏

308

وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً و هناك سقط رجل من المسلمين عن راحلته، و هو محرم، فمات. فأمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن يكفن في ثوبيه، و لا يمس بطيب، و أن يغسل بماء و سدر، و لا يغطى رأسه و لا وجهه. و أخبر أن اللّه تعالى يبعثه يوم القيامة يلبي. فلما غربت الشمس و استحكم غروبها، بحيث ذهبت الصفرة، أفاض من عرفة، و أردف أسامة بن زيد خلفه، و أفاض بالسكينة، و ضمّ إليه زمام ناقته، حتى إن رأسه ليصيب طرف رحله، و هو يقول: أيها الناس عليكم السكينة، فإن البر ليس بالإيضاع، أي ليس بالإسراع، و أفاض من طريق المأزمين، و دخل عرفة من طريق ضب. و هكذا كانت عادته، (صلوات اللّه و سلامه عليه)، في الأعياد أن يخالف الطريق، ثم جعل يسير العنق، و هو ضرب من السير ليس بالسريع و لا البطي‏ء، فإذا وجد فجوة، و هو المتّسع، نصّ سيره أي رفعه، فوق ذلك، و كلما أتى ربوة، من تلك الربا، أرخى للناقة زمامها قليلا، حتى تصعد، و كان يلبي في مسيره ذلك لا يقطع التلبية، فلما كان في أثناء الطريق نزل، (صلوات اللّه و سلامه عليه)، فبال و توضأ وضوءا خفيفا، فقال له أسامة:

الصلاة يا رسول اللّه. فقال: المصلّى أمامك، ثم سار حتى أتى المزدلفة، فتوضأ وضوء الصلاة، ثم أمر المؤذّن بالأذان، فأذّن المؤذن ثم أقام فصلى المغرب، قبل حطّ الرحال، و تبريك الجمال، فلما حطوا رحالهم، أمر فأقيمت الصلاة، ثم صلى العشاء الآخرة، بإقامة بلا أذان، و لم يصل بينهما شيئا، و قد روي أنه صلاهما بأذانين و إقامتين، و روي بإقامتين بلا أذان، و الصحيح أنه صلاهما بأذان و إقامتين، كما فعل بعرفة، ثم نام حتى أصبح، و لم يحيي تلك الليلة و لا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شي‏ء، و أذن، في تلك الليلة، لضعفة أهله، أن يتقدموا إلى منى، قبل طلوع الفجر، و كان ذلك عند غيبوية القمر. و أمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس، فلما طلع الفجر صلاها في أول الوقت، لا قبله، قطعا بأذان و إقامة يوم النحر، و هو يوم العيد، و هو يوم الحج الأكبر، و هو يوم الأذان ببراءة من اللّه و رسوله من كل مشرك، ثم ركب حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام فاستقبل القبلة و أخذ في الدعاء و التضرع و التكبير و التهليل و الذكر، حتى أسفر جدا، و ذلك قبل طلوع الشمس، و هنالك سأله عروة بن مضرس الطائي، فقال يا رسول اللّه: إني جئت من جبلي طي‏ء أكللت راحلتي، و أتعبت نفسي، و اللّه ما تركت من جبل، إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا، حتى ندفع، و قد وقف بعرفة قبل ذلك، ليلا أو

309

نهارا، فقد تم حجه و قضى تفثه. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. و بهذا احتج من ذهب إلى أن الوقوف بمزدلفة و المبيت بها ركن كعرفة. و قد وقف (صلى الله عليه و سلم) في موقفه، و أعلم الناس أن مزدلفة كلها موقف، ثم سار من مزدلفة مردفا للفضل بن عباس و هو يلبي في مسيره، و انطلق أسامة بن زيد على رجليه، في سباق قريش، و في طريقه ذلك أمر ابن عباس أن يلتقط له حصى الجمار سبع حصيات و لم يكسرها، من الجبل تلك الليلة، كما يفعل من لا علم عنده، و لا التقطها بالليل، فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه و يقول: أمثال هؤلاء فارموا، و إياكم و الغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين. و في طريقه تلك، عرضت له امرأة من خثعم جميلة، فسألته عن الحج عن أبيها، و كان شيخا كبيرا لا يستمسك على الراحلة، فأمرها أن تحج عنه. و جعل الفضل ينظر إليها و تنظر إليه، فوضع يده على وجهه، و صرفه إلى الشق الآخر- و كان الفضل و سيما- فقيل: صرف وجهه عن نظرها إليه و قيل:

صرفه عن نظره إليها، و الصواب أنه فعله للأمرين، فإنه في القصة جعل ينظر إليها و تنظر إليه، سأله آخر هنالك عن أمّه فقال: إنها عجوز كبيرة و إن حملتها لم تستمسك و إن ربطتها خشيت أن أقتلها فقال: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فحج عن أمك. فلما أتى بطن محسر، حرّك ناقته، و أسرع السير، و هذه كانت عادته في المواضع التي نزل فيها بأس اللّه بأعدائه، فإن هنالك أصاب أصحاب الفيل ما قصّ اللّه علينا، و لذلك سمي ذلك الوادي وادي محسر، لأن الفيل حسر فيه، أي أعيى و انقطع عن الذهاب، و كذلك فعل في سلوكه الحجر، و ديار ثمود، فإنه تقنّع بثوبه و أسرع السير، و" محسر" برزخ بين منى و بين مزدلفة لا من هذه و لا من هذه و" عرنة" برزخ بين عرفة و المشعر الحرام، فبين كل مشعرين برزخ ليس منهما، فمنى من الحرم و هي مشعر، و محسر من الحرم و ليس بمشعر، و مزدلفة: حرم و مشعر، و عرنة ليست مشعرا و لا حرما، و عرفة: حلّ و مشعر. و سلك (صلى الله عليه و سلم)، الطريق الوسطى، بين الطريقين، و هي التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى منى، فأتى جمرة العقبة، فوقف، في أسفل الوادي، و جعل البيت عن يساره و منى عن يمينه، و استقبل الجمرة و هو على راحلته، فرماها راكبا بعد طلوع الشمس، واحدة بعد واحدة، يكبر مع كل حصاة، و حينئذ قطع التلبية. و كان في مسيره ذلك يلبي حتى شرع في الرمي، و رمى و بلال و أسامة معه، أحدهما آخذ بخطام ناقته، و الآخر يظلّه بثوب من‏

310

الحر، و في هذا دليل على جواز استظلال المحرم بالمحمل و نحوه، إن كانت قصة هذا الإضلال في يوم النحر ثابتة، و إن كانت بعده في أيام منى، فلا حجة فيها. و ليس في الحديث بيان أي زمان كانت و اللّه أعلم.

ثم رجع إلى منى، فخطب الناس خطبة بليغة، أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر و تحريمه و فضله عند اللّه، و حرمة مكة على جميع البلاد، و أمر بالسمع و الطاعة لمن قادهم بكتاب اللّه، و أمر الناس بأخذ مناسكهم عنه، و قال: لعلّي لا أحج بعد عامي هذا. و علمهم مناسكهم، و أنزل المهاجرين و الأنصار منازلهم، و أمر الناس أن لا يرجعوا بعده كفارا، يضرب بعضهم رقاب بعض، و أمر بالتبليغ عنه، و أخبر أنه، رب مبلغ أوعى من سامع، و قال في خطبته: لا يجني جان إلا على نفسه، و أنزل المهاجرين عن يمين القبلة، و الأنصار عن يسارها، و الناس حولهم، و فتح اللّه له أسماع الناس، حتى سمعها أهل منى في منازلهم، و قال في خطبته تلك: اعبدوا ربكم، و صلّوا خمسكم، و صوموا شهركم، و أطيعوا إذا أمركم تدخلوا جنة ربكم، و ودّع حينئذ الناس، فقالوا: حجة الوداع. و هناك سئل عمن حلق قبل أن يرمي، فقال: لا حرج، قال عبد اللّه بن عمر: ما رأيته سئل (صلى الله عليه و سلم) يومئذ عن شي‏ء إلا قال: افعلوا و لا حرج، قال ابن عباس: إنه قيل له (صلى الله عليه و سلم) في الذبح و الحلق و الرمي و التقديم و التأخير قال: لا حرج، و قال أسامة بن شريك: خرجت مع النبي (صلى الله عليه و سلم) حاجا و كان الناس يأتونه فمن قائل يا رسول اللّه! سعيت قبل أن أطوف أو أخّرت شيئا و قدّمت فكان يقول: لا حرج لا حرج، إلا على رجل اعترض عرض رجل مسلم، و هو ظالم، فذلك الذي حرج و هلك، و قوله: سعيت قبل أن أطوف في هذا الحديث ليس بمحفوظ- و المحفوظ: تقديم الرمي و النحر و الحلق بعضها على بعض، ثم انصرف إلى المنحر بمنى، فنحر ثلاثا و ستين بدنة، بيده، و كان ينحرها قائمة معقولة يدها اليسرى، و كان عدد هذا الذي نحره، عدد سني عمره، ثم أمسك، و أمر عليا أن ينحر ما بقي من المائة، ثم أمر عليا، رضي اللّه عنه، أن يتصدق بجلالها و لحومها و جلودها في المساكين، و أمره أن لا يعطي الجزار في جزارته شيئا منها، و قال: نحن نعطيه من عندنا، و قال: من شاء اقتطع. و قد نحر (صلى الله عليه و سلم) بمنحره بمنى، و أعلمهم أن منى كلها منحر، و أن فجاج مكة طريق و منحر، و في هذا دليل، على أن النحر لا يختص بمنى، بل حيث نحر من فجاج مكة أجزأه. كما أنه لما وقف بعرفة، قال: وقفت هاهنا و عرفة كلها موقف، و لما وقف بمزدلفة قال: وقفت هاهنا و مزدلفة كلها موقف. و سئل (صلى الله عليه و سلم) أن يبني له بناء يظله‏

311

من الحر؟ فقال: لا، منى مناخ لمن سبق إليه. و في هذا دليل على اشتراك المسلمين فيها، و أن من سبق إلى مكان فهو أحق به، حتى يرتحل عنه، و لا يملكه بذلك.

فلما أكمل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) نحره، استدعى بالحلاق، فحلق رأسه. فقال للحلاق، و هو معمر بن عبد اللّه، و هو قائم على رأسه بالموسى، و نظر في وجهه و قال: يا معمر! أمكنك رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من شحمة أذنه و في يدك الموسى. فقال معمر: أما و اللّه يا رسول اللّه إن ذلك لمن نعمة اللّه عليّ، و منّه، قال: أجل.

و قال (صلى الله عليه و سلم) للحلاق: خذ، و أشار إلى جانبه الأيمن، فلما فرغ منه، قسم شعره بين من يليه، ثم أشار إلى الحلاق فحلق جانبه الأيسر، ثم قال: هاهنا أبو طلحة فدفعه إليه، هكذا وقع في صحيح مسلم. و قد دعا (صلى الله عليه و سلم) للمحلقين بالمغفرة، ثلاثا و للمقصرين مرة، و حلق كثير من الصحابة بل أكثرهم، و قصّر بعضهم. و هذا مع قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ‏ و مع قول عائشة، رضي اللّه عنها، طيبت رسول اللّه، لإحرامه قبل أن يحرم، و لإحلاله قبل أن يحل، دليل على أن الحلق نسك و ليس بإطلاق من محظورات الإحرام.

ثم أفاض (صلى الله عليه و سلم) إلى مكة، قبل الظهر، راكبا، فطاف طواف الإفاضة، و هو طواف الزيارة، و هو طواف الصدر. و لم يطف غيره، و لم يسع معه. هذا هو الصواب، و قد خالف في ذلك ثلاث طوائف: طائفة زعمت أنه طاف طوافين:

طوافا للقدوم سوى طواف الإفاضة، ثم طاف للإفاضة، و طائفة زعمت أنه سعى مع هذا الطواف لكونه قارنا، و طائفة زعمت أنه لم يطف في ذلك اليوم و إنما أخّر طواف الزيارة إلى الليل.- و قد بيّن ابن القيم منشأ هذه الأقوال و خطّأها في كتابه زاد المعاد من ص 239 إلى 242- و لم يرمل (صلى الله عليه و سلم) في هذا الطواف، و لا في طواف الوداع، و إنما رمل في طواف القدوم، ثم أتى زمزم بعد أن قضى طوافه و هم يسقون، فقال: لو لا أن يغلبكم الناس لنزلت فسقيت معكم. ثم ناولوه الدلو فشرب و هو قائم فقيل: هذا نسخ لنهيه عن الشرب قائما، و قيل: بل بيان منه لأن النهي على وجه الاختيار و ترك الأولى و قيل: بل للحاجة و هذا أظهر. و هل كان في طوافه هذا راكبا أو ماشيا؟ و اختلف أين صلّى (صلى الله عليه و سلم) الظهر يومئذ؟ ففي الصحيحين عن ابن عمر أنه (صلى الله عليه و سلم) أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى، و في صحيح مسلم عن جابر، أنه (صلى الله عليه و سلم) صلى الظهر بمكة، و كذلك قالت عائشة:

312

و قد رجّح جماعة قول عائشة و جابر و رجح آخرون قول ابن عمر رضي اللّه عنه أنظر وجوه الترجيح زاد المعاد أول ص 243. و قد طافت عائشة في ذلك اليوم طوافا واحدا، وسعت سعيا واحدا، أجزأها عن حجها و عمرتها، و طافت صفية ذلك اليوم، ثم حاضت فأجزأها طوافها ذلك عن طواف الوداع، و لم تودّع فاستقرّت سنته (صلى الله عليه و سلم) في المرأة الطاهرة، إذا حاضت قبل الطواف أن تقرن و تكتفي بطواف واحد و سعي واحد، و إن حاضت بعد طواف الإفاضة اجتزأت به عن طواف الوداع. ثم رجع (صلى الله عليه و سلم) إلى منى من يومه ذلك، فبات بها فلما أصبح انتظر زوال الشمس، فلما زالت مشى من رحله إلى الجمار، و لم يركب فبدأ بالجمرة الأولى، التي تلي مسجد الخيف، فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة، يقول مع كل حصاة: اللّه أكبر. ثم يقدم على الجمرة أمامها حتى أسهل، فقام مستقبل القبلة، ثم رفع يديه، و دعا دعاء طويلا، بقدر سورة البقرة، ثم أتى إلى الجمرة الوسطى، فرماها كذلك، ثم انحدر ذات اليسار، مما يلي الوادي، فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو قريبا من وقوفه الأول، ثم أتى الجمرة الثالثة و هي جمرة العقبة، فاستبطن الوادي، و استعرض الجمرة، فجعل البيت عن يساره و منى عن يمينه، و استقبل البيت وقت الرمي كما ذكره غير واحد من الفقهاء، فلما أكمل الرمي رجع من فوره و لم يقف عندها فقيل: لضيق المكان بالجبل و قيل و هو أصح: أن دعاءه كان في نفس العبادة، قبل الفراغ منها، فلما رمى جمرة العقبة فرغ الرمي، و الدعاء في صلب العبادة، قبل الفراغ منها، أفضل منه بعد الفراغ منها. و يغلب على الظن أنه كان يرمي قبل الصلاة ثم يرجع فيصلي.

و مما تقدم، تعلم أن حجة النبي (صلى الله عليه و سلم)، تضمنت ست وقفات للدعاء: الموقف الأول على الصفا، و الثاني على المروة، و الثالث بعرفة، و الرابع بمزدلفة، و الخامس عند الجمرة الأولى، و السادس عند الجمرة الثانية.

و خطب (صلى الله عليه و سلم) الناس بمنى خطبتين: خطبة يوم النحر و قد تقدمت، و الخطبة الثانية في أوسط أيام التشريق فقيل: هو ثاني يوم النحر و هو أوسطها، أي خيارها، و احتج لذلك بحديث سرّي بنت نبهان قالت: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول:

أتدرون أي يوم هذا؟ قالت: و هو اليوم الذي تدعون يوم الرؤوس. قالوا: اللّه و رسوله أعلم، قال: هذا وسط أيام التشريق، هل تدرون أي بلد هذا؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم، قال: هذا المشعر الحرام. ثم قال: إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد

313

هذا، ألا و إن دماءكم و أموالكم و أعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم ألا هل بلغت. فلما قدمنا المدينة، لم يلبث إلا قليلا، حتى مات (صلى الله عليه و سلم). رواه أبو داود.

و يوم الرؤوس هو ثاني يوم النحر بالاتفاق. و استأذنه العباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له، و استأذنه رعاء الإبل في البيتوتة، خارج منى، عند الإبل، فأرخص لهم، أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي يومين، بعد يوم النحر، يرمونه في أحدهما، قال مالك: ظننت أنه قال في أول يوم منهما ثم يرمون يوم النحر، و قال ابن عيينة: في هذا الحديث رخص للرعاء أن يرموا يوما، و يدعوا يوما، فيجوز للطائفتين بالسنة ترك المبيت بمنى.

و أما الرمي فإنهم لا يتركونه بل لهم أن يؤخروه إلى الليل، فيرمون فيه، و لهم أن يجمعوا رمي يومين في يوم، و إذا كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد رخص لأهل السقاية و للرعاء في البيتوتة، فمن له مال يخاف ضياعه أو مريض يخاف من تخلّفه عنه، أو كان مريضا لا تمكنه البيتوتة، سقطت عنه، بتنبيه النص على هؤلاء. و لم يتعجل (صلى الله عليه و سلم) في يومين، بل تأخر، حتى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة، و أفاض يوم الثلاثاء بعد الظهر، إلى المحصب، و هو الأبطح، و هو خيف بني كنانة، فوجد أبا رافع قد ضرب فيه قبته هنالك، و كان على ثقله توفيقا من اللّه عز و جل، دون أن يأمره به (صلى الله عليه و سلم)، فصلى الظهر و العصر و المغرب و العشاء، و رقد رقدة ثم نهض إلى مكة، فطاف للوداع ليلا سحرا، و لم يرمل في هذا الطواف، و أخبرته صفية أنها حائض، فقال: أحابستنا هي؟ فقالوا له: إنها قد أفاضت، قال: فلننفر إذا، و رغبت إليه عائشة تلك الليلة أن يعمرها عمرة مفردة فأخبرها أن طوافها بالبيت و بالصفا و المروة قد أجزأها عن حجها و عمرتها، فأبت إلا أن تعتمر عمرة مفردة، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم، ففرغت من عمرتها ليلا، ثم وافت المحصب مع أخيها، فأتيا في جوف الليل، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): فرغتما؟ قالت: نعم، فنادى بالرحيل في أصحابه، فارتحل الناس ثم طاف بالبيت، قبل صلاة الصبح، و قد اختلف في التحصيب أسنّة هو أو منزل اتفاق على قولين. و هاهنا ثلاث مسائل:

هل دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) البيت في حجته أم لا؟ و هل وقف بالملتزم أو لا؟ و هل صلى الصبح ليلة الوداع بمكة أو خارجا عنها؟ و الذي تدل عليه سنّته أنه لم يدخل‏

314

البيت في حجته و لا في عمرته و إنما دخله عام الفتح، و أنه لم يقف بالملتزم إلا عام الفتح و أنه صلى صلاة الصبح بمكة عند البيت، و سمعته أم سلمة يقرأ فيها بالطور، ثم ارتحل (صلى الله عليه و سلم) راجعا إلى المدينة. فلما كان بالروحاء لقي ركبا فسلم عليهم و قال:

من القوم؟ فقالوا: المسلمون. فمن القوم؟ فقال: رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فرفعت امرأة صبيا لها من محفّة فقالت: يا رسول اللّه ألهذا حج؟ قال: نعم و لك أجر، فلما أتى ذا الحليفة بات بها، فلما رأى المدينة كبر ثلاث مرات و قال: لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، و هو على كل شي‏ء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق اللّه وعده، و نصر عبده، و هزم الأحزاب وحده، ثم دخلها نهارا من طريق المعرس، و خرج من طريق الشجرة.

هديه (صلى الله عليه و سلم) في الهدايا: أهدى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الغنم، و أهدى الإبل، و أهدى عن نسائه البقر، و أهدى في مقامه و في عمرته و في حجته. و كانت سنّته تقليد الغنم دون إشعارها، و كان إذا بعث بهديه و هو مقيم و لم يحرم عليه شي‏ء كان منه حلالا. و كان، إذا أهدى الإبل، قلّدها و أشعرها، فيشق صفحة سنامها اليمنى يسيرا حتى يسيل منها الدم. قال الشافعي، رضي اللّه عنه: و الإشعار في الصفحة اليمنى، كذلك أشعر النبي (صلى الله عليه و سلم) و كان إذا بعث بهديه أمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) رسوله، إذا أشرف على عطب شي‏ء منه، أن ينحره ثم يصبغ نعله في دمه، ثم يجعله على صفحته، و لا يأكل منه هو و لا أحد من رفقته، ثم يقسّم لحمه. و منعه من هذا الأكل سدا للذريعة، فإنه لعله ربما قصر في حفظه، ليشارف العطب فينحره و يأكل منه، فإذا علم أنه لا يأكل منه شيئا اجتهد في حفظه، و شرك بين أصحابه في الهدي، فالبدنة عن سبع و البقرة كذلك، و أباح لسائق الهدي ركوبه بالمعروف إذا احتاج إليه، حتى يجد ظهرا غيره، و قال علي، رضي اللّه عنه: يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها.

و كان هديه (صلى الله عليه و سلم) نحر الإبل قياما، مقيدة معقولة اليسرى على ثلاث، و كان يسمّي اللّه عند نحره، و يكبر، و كان يذبح نسكه بيده، و ربما و كل في بعضه، كما أمر عليا، رضي اللّه عنه، أن يذبح ما بقي من المائة. و كان إذا نحر الغنم وضع قدمه على صفائحها، ثم سمّى و كبر و نحر، و قد تقدم أنه نحر بمنى و قال: إن فجاج مكة كلها منحر، و قال ابن عباس: مناحر البدن بمكة و لكنها نزهت عن الدماء و منى من مكة، و كان ابن عباس ينحر بمكة. و أباح (صلى الله عليه و سلم) أن يأكلوا من هداياهم‏

315

و ضحاياهم، و يتزودوا منها، و نهاهم مرة أن يدخروا منها بعد ثلاث، لدافّة دفّت عليهم ذلك العام من الناس، فأحب أن يوسعوا عليهم. و روى مسلم أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال في حجة الوداع لثوبان: أصلح هذا اللحم، قال: فأصلحته فلم يزل يأكل منه حتى بلغ المدينة، و كان ربما قسم لحوم الهدي، و ربما، قال: من شاء اقتطع فعل هذا و فعل هذا، و كان من هديه (صلى الله عليه و سلم) ذبح هدي العمرة عند المروة، و هدي القران بمنى، و كذلك كان ابن عمر يفعل. و لم ينحر هديه (صلى الله عليه و سلم) قط إلا بعد أن حل و لم ينحره قبل يوم النحر و لا أحد من الصحابة البتة، و لم ينحره أيضا إلا بعد طلوع الشمس و بعد الرمي، فهي أربعة أمور مرتّبة يوم النحر: أولها الرمي ثم النحر ثم الحلق ثم الطواف، و هكذا رتبها (صلى الله عليه و سلم) و لم يرخص في النحر قبل طلوع الشمس البتة، و لا ريب أن ذلك مخالف لهديه، فحكمه حكم الأضحية إذا ذبحت قبل طلوع الشمس فإنها لا تجزئ. انتهى من كتاب مرآة الحرمين.

ثم ذكر صاحب" مرآة الحرمين" شيئا من أحكام الحج على المذاهب الأربعة و لم نر نقل ذلك حتى لا يطول بنا الكلام، فإن ذلك من اختصاص كتب الفقه.

ما في حجة الوداع من المعاني الجليلة

إن في حجة الوداع معاني جليلة و أمورا دقيقة، تظهر للمتأمل المتفكر من أولي الألباب، فمنها: أنه في يوم عرفة من حجة الوداع، نزلت هذه الآية الجليلة، التي في أول سورة المائدة، و هي قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.

فقد نزلت هذه الآية الكريمة في يوم جمعة، و كان يوم عرفة، بعد العصر، في حجة الوداع، سنة عشر من الهجرة، و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) واقف بعرفة، على ناقته العضباء، فكاد عضد الناقة ينقدّ من ثقلها فبركت.

روى الأئمة عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال:

يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا أنزلت، معشر اليهود، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: و أي آية؟ قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً. فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه، نزلت على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعرفة في يوم جمعة، لفظ مسلم و عند النسائي" ليلة الجمعة" نقلنا هذه الرواية من تفسير القرطبي.

316

و لا يخفى، أن هذه الآية الكريمة، أعظم بشارة و أكبر فرح للمسلمين، لاشتمالها على ثلاث مسائل، كل واحدة أعظم من أختها، كما هي ظاهرة من منطوق الآية:

1) أن اللّه تعالى قد أكمل لنا ديننا الحنيف.

2) قد أتم علينا نعمته من جميع الوجوه.

3) قد اختار لنا بنفسه دين الإسلام القويم، كل ذلك بمحض فضله و رحمته.

و لما جرت العادة أن البشائر الكبرى، و الأخبار المهمة العمومية، تكون بالإعلان عنها على رؤوس الأشهاد، بشتى الطرق و الوسائل، تكرم اللّه عز و شأنه أن يكون نزول هذه الآية الجليلة في يوم عرفة، لاجتماع كافة المسلمين فيه، و حضور رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بينهم، لينتشر ذلك فيهم بسرعة البرق، فيعمّ البشر و السرور و الفرح و الحبور للمسلمين جميعا في وقت واحد.

و يفهم من هذه الآية قرب انتقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى الدار الآخرة، فما دام الدين الإسلامي قد كمل و أدّى النبي رسالته للناس و بلّغهم ما أنزل إليه، فليلحق بالرفيق الأعلى، و ليسترح من تعب الدنيا.

و في نزول هذه الآية الكريمة حكمة كبرى، و هي اطمئنان المسلمين إلى أن دينهم قد كمل فلا يحتاج إلى زيادة شي‏ء، فلو لم تنزل هذه الآية، و مات رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لخطر في البال و جال في الصدور: أن دين الإسلام ربما لم يكمل، و أنه لو لم يمت (صلى الله عليه و سلم) لتوالي نزول الآيات القرآنية، و ازدادت أحكام الديانة الإسلامية، فلهذه الآية الجليلة موقع عظيم، و معنى دقيق لا يغيب على ذوي الألباب. اه.

هذا و إن في حجة الوداع معاني جليلة، و مسائل دقيقة، كما فيها أمور مهمة واضحة، و الباحث عنها في كتب الفقه و الحديث و التاريخ يجد فيها كثيرا من المسائل الدينية، و الأمور الاجتماعية، و الإنسانية الكاملة، من يوم خروجه (صلى الله عليه و سلم) من المدينة إلى يوم رجوعه إليها من حجته هذه.

و لقد كان من معجزاته (صلى الله عليه و سلم)، و ما أكثرها، أن خطبته البليغة الجامعة، في يوم النحر في هذه الحجة، كان الناس يسمعونها و هم في منازلهم و أماكنهم. فقد روى أبو داود و النسائي، عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي، قال: خطبنا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و نحن بمنى، ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول و نحن في منازلنا.

317

خطبة حجة الوداع‏

اعلم أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) خطب في حجته في عرفات، و ذلك أنه بعد أن زالت الشمس، خرج من قبته، التي ضربت له بنمرة، فركب ناقته القصواء، و سار حتى أتى بطن الوادي، من أرض عرنة (بالنون)، فخطب الناس و هو على راحلته خطبة بليغة عظيمة، فلما أتمها أمر بلالا فأذن ثم أقام الصلاة فصلى الظهر ركعتين، ثم أقام فصلى العصر ركعتين أيضا، و معه أهل مكة، و صلوا بصلاته قصرا و جمعا و لم يأمرهم بالإتمام و لا بترك الجمع.

فلما فرغ من صلاته ركب حتى أتى الموقف فوقف على بعيره في محل مسجد الصخرات بقرب جبل الرحمة و أخذ في الابتهال و التضرع و الدعاء إلى غروب الشمس.

فلما غربت الشمس، غروبا تاما، أفاض عليه الصلاة و السلام، من عرفة، و أردف أسامة بن زيد خلفه، و أفاض بالسكينة، و ضمّ إليه زمام ناقته، حتى إن رأسه ليصيب طرف رحله، و هو يقول:" أيها الناس عليكم السكينة فإن البر ليس بالإيضاع"- أي ليس بالإسراع-. فلما كان في أثناء الطريق، نزل (صلى الله عليه و سلم)، فبال و توضأ وضوءا خفيفا، فقال له أسامة: الصلاة يا رسول اللّه فقال: المصلّى أمامك، ثم سار حتى أتى الزدلفة، فتوضأ وضوء الصلاة، ثم أمر المؤذن بالأذان، فأذن المؤذن ثم أقام فصلى المغرب، قبل حطّ الرحال و تبريك الجمال، فلما حطّوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة، ثم صلى العشاء الآخرة بإقامة بلا أذان، و لم يصل بينهما شيئا. و قد روي أنه صلاهما بأذانين و إقامتين، و روي بإقامتين بلا أذان، و الصحيح أنه صلاهما بأذان و إقامتين كما فعل بعرفة، ثم نام، فلما طلع الفجر، صلى الصبح بأذان و إقامة، و هو يوم عيد الأضحى، يوم الحج الأكبر، ثم ركب ناقته القصواء حتى أتى المشعر الحرام، و هو موضع معروف بمزدلفة، فاستقبل القبلة، و أخذ في الدعاء و التضرع و التهليل و التكبير و الذكر حتى أسفر جدا.

و الظاهر و اللّه تعالى أعلم أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لم يخطب بمزدلفة لضيق الوقت و لكونه ليلا، و الناس مشتغلون بحطّ الرحال و النوم، حين الوصول إليها من عرفة بعد العشاء، أي في نحو الساعة الثانية العربية، و مشتغلون بشدّ الرحال إلى منى بعد صلاة الصبح، فليست هنالك فرصة للخطبة، و لكنه لما وقف بالمشعر الحرام و هو

318

جبل قزح للدعاء و الذكر قال:" هذا قزح و هو الموقف و جمع كلها موقف" و يعني بجمع المزدلفة فهو اسم لها.

فلما أسفر الصبح و ظهر الضياء بحيث ترى الإبل مواضع خفافها، سار رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى منى، و أردف الفضل بن عباس خلفه، و هو يلبي في مسيره، و انطلق أسامة بن زيد على رجليه في سباق قريش، و في طريقه ذلك أمر ابن عباس أن يلتقط له حصى الجمار، سبع حصيات، و لم يكسرها من الجبل، و لا التقطها ليلا.

فلما وصل إلى منى، أتى جمرة العقبة، فوقف في أسفل الوادي، و جعل البيت عن يساره و منى عن يمينه (أي استقبل وجه الجمرة و الجبل الذي كان خلفها) فرماها و هو على راحلته بعد طلوع الشمس يكبر مع كل حصاة.

ثم إنه (صلى الله عليه و سلم) رجع إلى منى، فخطب الناس خطبة بليغة، أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر، و حرمة مكة، و علّمهم مناسكهم و فتح اللّه له أسماع الناس، حتى سمعوا خطبته و هم في منازلهم، و ودّع حينئذ الناس فقالوا حجة الوداع.

و قد خطب (صلى الله عليه و سلم) بمنى خطبتين: إحداهما يوم النحر، و الثانية في أوسط أيام التشريق أي ثاني يوم النحر. و في حجته ست وقفات للدعاء:

1) على الصفا، 2) و على المروة، 3) و بعرفات، 4) و بمزدلفة، 5) و عند الجمرة الأولى، 6) و عند الجمرة الثانية.

و لقد ذكر صاحب" مرآة الحرمين" خطبة حجة الوداع بصحيفة 318 من الجزء الأول فقال: فلما كانت سنة عشر أذن اللّه عز و جل لنبيه (صلى الله عليه و سلم) في الحج، فحج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حجة الوداع،، التي أسلفنا لك تفصيلها، و خطب خطبته المشهورة بعرفة، و ذكر فيها النسئ و أبطله، و لما تضمنته هذه الخطبة من الشرائع الحكيمة و النصائح القيمة نوردها لك بنصّها و فصها كما رواها ابن هشام في سيرته و هي:

" الحمد للّه نحمده و نستعينه و نستغفره و نتوب إليه و نعوذ به من شرور أنفسنا، و من سيئات أعمالنا، من يهد اللّه فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله.

أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه، و أحثّكم على طاعته، و أستفتح بالذي هو خير، أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلّي لا ألقاكم، بعد عامي هذا،

319

بهذا الموقف أبدا، أيها الناس إن دماءكم و أموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا و كحرمة شهركم هذا، و إنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، و قد بلّغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، و إن كل ربا موضوع، و لكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون و لا تظلمون. قضى اللّه أنه لا ربا و أن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، و أن كل دم كان في الجاهلية موضوع، و أن أول دماءكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب- و كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل- فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية.

أما بعد: أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، و لكنه إن يطع فيما سوى ذلك، فقد رضي به مما تحقّرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم، أيها الناس إن النسي‏ء زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما و يحرمونه عاما، ليواطئوا عدة ما حرم اللّه، فيحلوا ما حرم اللّه و يحرموا ما أحل اللّه، و إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات و الأرض، و إن عدة الشهور عند اللّه اثنا عشرة شهرا، منها أربعة حرم ثلاث متوالية و رجب مضر الذي بين جمادى و شعبان.

أما بعد: أيها الناس فإن لكم على نسائكم حقا و لهن عليكم حقا، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، و عليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن اللّه قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، و تضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن و كسوتهن بالمعروف، و استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عوان لا يمكن لأنفسهن شيئا، و إنكم إنما أخذتموهن بأمانة اللّه، و استحللتم فروجهن بكلمات اللّه، فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت. و قد تركت فيكم، ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا: كتاب اللّه و سنة نبيه. أيها الناس اسمعوا قولي و اعقلوه تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم و أن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم. اللهم هل بلغت. فذكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): اللهم اشهد".

قال ابن إسحاق: حدثني ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب الأشعري، عن عمرو بن خارجة، قال: بعثني عتاب بن أسيد إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في حاجة، و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) واقف بعرفة فبلغته، ثم وقفت تحت ناقة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و إن‏

320

لغامها ليقع على رأسي، فسمعته و هو يقول: أيها الناس إن اللّه قد أدى إلى كل ذي حق حقه و إنه لا تجوز وصية لوارث، و الولد للفراش و للعاهر الحجر، و من ادعى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه صرفا و لا عدلا. انتهى من الجزء الأول من كتاب" مرآة الحرمين".

و ما ورد في هذه الخطبة، من قوله (صلى الله عليه و سلم): و إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات و الأرض ... إلى آخر السطرين، هذه الجملة وردت في الصحيحين و هي أول حديث طويل أحببنا ذكره لما فيه من الفوائد، ففي البخاري أوله" الزمان قد استدار ... إلخ" و في مسلم" إن الزمان قد استدار ... إلخ" و إليك نص الحديث:

" الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السموات و الأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و رجب مضر، الذي بين جمادى و شعبان، أيّ شهر هذا؟ قلنا اللّه و رسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى. قال: فأيّ بلد هذا؟

قلنا: اللّه و رسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس البلدة؟ قلنا: بلى. قال: فأيّ يوم هذا؟ قلنا: اللّه و رسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم و أموالكم و أعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، و ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا، يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه، ثم قال: ألا هل بلغت مرتين". رواه البخاري و مسلم عن أبي بكرة، رضي اللّه عنه.

وقفة الجمعة بعرفات‏

اعلم أن وقفة الجمعة لها مزية على غيرها لأن الأعمال تشرف بشرف الزمان، كما تشرف بشرف المكان، و يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع فيكون العمل فيه أفضل فقد ورد" إذا كان يوم عرفة يوم جمعة غفر اللّه لجميع أهل الموقف" و ورد أيضا" أفضل الأيام يوم عرفة، و إذا وافق يوم جمعة فهو أفضل من سبعين حجة في غير يوم الجمعة" أخرجه رزين.

321

و قال عليه الصلاة و السلام:" إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم و هو قائم يصلي يسأل اللّه تعالى فيها خيرا إلا أعطاه إياه" رواه مسلم و أحمد و غيرهما.

و قد كانت وقفته (صلى الله عليه و سلم) في حجة الوداع يوم الجمعة، لأن اللّه تعالى إنما يختار له الأفضل و لهذا اشتهر وصف الحج بالأكبر إذا كانت الوقفة يوم الجمعة. انتهى من كتابنا" إرشاد الزمرة لمناسك الحج و العمرة".

هذا و من المستحسن المرغوب أن نذكر السنوات التي حصلت فيها وقفة عرفات بيوم الجمعة كما بيّنها و أحصاها صديقنا الفاضل السيد هاشم نحاس في رسالته المسماة" فوائد في أداء نسك الحج و العمرة" و إليك بيانها في هذا الجدول مع بيان الوقفة في الأيام الأخرى اعتبارا من عام (1349) ألف و ثلاثمائة و تسعة و أربعين هجرية إلى غاية عام (1383) ألف و ثلاثمائة و ثلاثة و ثمانين هجرية، كما ذكره صديقنا المذكور في الرسالة المذكورة و هو هذا البيان:

أيام الوقوف الأعوام‏

يوم الجمعة في الأعوام الآتية: 1350 و 1358 و 1363 و 1371 و 1374 و 1379 و 1382

يوم السبت في الأعوام الآتية: 1355 و 1360 و 1365

يوم الأحد في الأعوام الآتية: 1352 و 1368 و 1373 و 1376 و 1381

يوم الاثنين في الأعوام الآتية: 1349 و 1357 و 1362 و 1378

يوم الثلاثاء في الأعوام الآتية: 1351 و 1354 و 1359 و 1367 و 1370 و 1375 و 1380 و 1383

يوم الأربعاء في الأعوام الآتية: 1356 و 1364 و 1372

يوم الخميس في الأعوام الآتية: 1353 و 1361 و 1366 و 1369 و 1377

هذا ما أحصينا من أيام الوقوف بعرفات في مدى ربع قرن من عصرنا و لم نر أحدا ذكر من ذلك شيئا غير صديقنا السيد هاشم نحاس، جزاه اللّه تعالى خير الجزاء، و قد علمت مما تقدم أن وقفة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في حجة الوداع بعرفات كانت يوم الجمعة، و ربما كانت معرفة أيام الوقوف بعرفات ميسورا لدى الباحث عن طريق المحاكم الشرعية، لأنها تتحرّى ثبوت هلال ذي الحجة شرعيا في كل عام. و اللّه الموفق للصواب و إليه المرجع و المآب.

322

ذهاب النبي (صلى الله عليه و سلم) من منى إلى عرفات عن طريق ضب ثم رجوعه منها من طريق المأزمين‏

لقد ذهب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في حجة الوداع من منى إلى عرفات عن طريق ضبّ، و هو يبدأ من مزدلفة إلى حدود عرفات بمعنى أنه (صلى الله عليه و سلم) خرج من موضع نزوله بمنى، من وسطها في خط مستقيم، إلى أن وصل إلى مزدلفة، فجعل موضع مسجدها اليوم عن يساره فمر مستقيما، حتى وصل إلى عرفات، و هذا هو طريق ضب.

و بعد الوقوف بها و غروب الشمس من ذلك اليوم دفع من عرفات إلى مزدلفة في خط مستقيم جاعلا موضع مسجد نمرة على يساره، فمر عن طريق المأزمين.

و يبدأ هذا الطريق من بعد بستان عرفة الذي يعرف ببستان" عين زبيدة" و هذا البستان قبيل مسجد نمرة بقليل للذاهب إلى عرفات، إن هذا البستان يقع في أواخر الحرم بينه و بين مسجد نمرة نحو مائتي متر و من هذا البستان تظهر عرفات. و معنى المأزم المضيق بين الجبلين فيكون طول المأزمين من بعد مسجد نمرة بقليل إلى أول حدود مزدلفة.

قال في مختار الصحاح:" و المأزم المضيق و كل طريق بين جبلين مأزم، و موضع الحرب أيضا مأزم، و منه سمي الموضع الذي بين المشعر و بين عرفة مأزمين، الأصمعي المأزم في سند مضيق بين جمع و عرفة و في الحديث:" بين المأزمين" انتهى منه.

و اعلم بأن المسافة من جمرة العقبة إلى نهاية وادي محسر (3528) مترا، و من نهاية وادي محسر إلى أول المأزمين (3812) مترا، و من أول المأزمين إلى علمي الحرم من جهة عرفة (4372) مترا.

فرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ذهب إلى عرفات من طريق ضب و رجع منها عن طريق المأزمين، فعل هذا كفعله حين ذهابه إلى صلاة العيد من طريق و رجوعه منها عن طريق آخر، و ذلك ترويحا للنفس، و لتعمّ بركته (صلى الله عليه و سلم) جميع الأرجاء. و اللّه تعالى أعلم.

323

نزول النبي (صلى الله عليه و سلم) في غار جبل نمرة في الحج‏

كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إذا وصل إلى منى، في حجته، يأمر أن تضرب له قبته في نمرة بعرفات، فإذا قام من منى صباح يوم عرفة، متوجها إلى عرفات، نزل في الغار الذي بأصل جبل نمرة، قبيل المسجد، فإذا زالت الشمس نزل من الغار إلى نمرة، ليصلي الظهر و العصر بالناس. يعني أنه (صلى الله عليه و سلم) كان ينزل أولا بالغار المذكور، ثم يقوم منه فينزل من قبته المضروبة له بنمرة.

فقد ذكر الأزرقي، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء، أين كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ينزل يوم عرفة؟ قال: بنمرة، منزل الخلفاء، إلى الصخرة الساقطة بأصل الجبل عن يمينك و أنت ذاهب إلى عرفة، يلقى عليها ثوب يستظل به (صلى الله عليه و سلم).

قال الأزرقي: و تحت جبل نمرة غار أربعة أذرع في خمسة أذرع، ذكروا أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان ينزله يوم عرفة، حتى يروح إلى الموقف، و هو منزل الأئمة إلى اليوم. و الغار داخل في جدار دار الإمارة، في بيت في الدار، و من الغار إلى مسجد عرفة ألفا ذراع و إحدى عشر ذراعا، و من مسجد عرفة إلى موقف الإمام عشية عرفة ميل، يكون الميل خلف الإمام إذا وقف و هو حيال حبل المشاة. انتهى من الأزرقي.

نقول: أما موقفه (صلى الله عليه و سلم)، عشية عرفة، ففي مسجد الصخرات الذي هو بقرب جبل الرحمة و هو موضع معروف إلى اليوم.

و أما كلام الإمام الأزرقي" أن الغار داخل في جدار الإمارة، في بيت في الدار" فهذا الوصف بحسب زمانه، فقد كان وادي عرنة في ذلك الوقت عامرا بالمزارع و البساتين و العيون، و قد مضى على وفاته، (رحمه اللّه تعالى)، إلى يومنا هذا، أكثر من" ألف و مائة عام" فلم يبق للدار و الجدار و البيت أي أثر أو علامة مطلقا، اللهم إلا الغار، فإن الغيران لا تزول حتى تزول الجبال عن مواضعها.

و لم نر من تعقب كلام الإمام الأزرقي، من المؤرخين، و لا من بحث عن الغار الذي ذكره أحد من العلماء و الباحثين. لذلك أحببنا البحث عن الغار المذكور، و التحقق التام عنه، لنذكره في تاريخنا الذي نضعه عن مكة المشرفة اليوم، و هذا هو التحقّق الذي عملناه.

324

فلقد يسّر اللّه تعالى لنا التجوّل، في بعض وادي عرنة- بالنون-، و الجبال القريبة من مسجد نمرة، و العلمين القديمين، لبيان حدود الحرم من الحل، للبحث عن الغار نزل فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم عرفة، قبل الزوال، عند مجيئه من منى، و الذي ذكره الإمام الأزرقي هنا. فقد تجولنا ثلاث مرات في المكان المذكور، مع دليلين خبيرين من العرب، يعرفان هذه الأماكن و الغيران، الموجودة فيها، و ذلك بعد النصف الثاني من شهر شوال سنة (1376) ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة، فوجدنا ما يأتي:

إذا وصل الإنسان، من منى إلى قبيل مسجد نمرة بعرفات، و سار مع الجبل، الذي عن يمينه، و هو جبل كثير الصخور و الحجارة، بعضها فوق بعض، من أصل الخلقة، فمن ذلك تتكوّن المغارات- أي الغيران-.

فقبل أن يصل الإنسان إلى منتهى الجبل، الممتد كاللسان في الرمل بنحو (160) مترا مائة و ستين مترا، يجد على يمينه، على ارتفاع نحو قامتين، مغارة كبيرة في أصل الجبل، من الصخور الكبار، تسع نحو عشرة أشخاص بل أكثر، و في وسط أرض الغار صخرة كبيرة و أخرى أصغر منها متصلتان ببعضهما، و للغار بابان أحدهما صغيرة و هو الذي يقابل القبلة، و عرضه مائة و ثلاثون سنتيمترا، و الباب الثاني كبير و هو الذي يقابل عرفات و عرضه متران، و أمام هذا الباب صخرة كبيرة نازلة إلى الأرض، بها ثلاثة حفر طبيعية أو أربعة، كل حفرة كدائرة رأس الإنسان، واحدة فوق الأخرى تشبه الدرجة، و من هذه الحفر يسهل الطلوع إلى الغار، على أن الصعود إليه ميسور من البابين، و إن لم تكن هذه الحفر. و سقف هذا الغار يتكون من صخرتين كبيرتين جدا، متصلتان ببعضهما، من وسط السقف، كهيئة الجملون، على شكل مثلث، و طول هذا الغار ستة أمتار، وسيع من مدخله الكبير، و ضيّق من مدخله الصغير، و من وراء هذا الغار، من الجهة المقابلة للجبل، غار آخر كبير، يسع نحو خمسة عشر شخصا، و الفاصل، بين هذا الغار و بين الغار المذكور، إحدى صخرتي سقفه، التي تلي الجبل، و مدخل، هذا الغار من المدخل الصغير للغار الذي تكلمنا عنه. فهذان الغاران بجوار بعضهما تماما، و لا يوجد في الجبل أكبر من هذين الغارين المتجاورين، و كلاهما يسع لنحو ثلاثين شخصا، و تحت هذا الغار مباشرة، جهة الباب الكبير، غار آخر صغير، تتّجه فتحته إلى‏

325

عرفات، و هو غار على وجه الأرض غير مرتفع في الجبل و سقفه صخرة واحدة كبيرة، طوله أقل من ثلاثة أمتار و عرض فتحته متران.

و في هذا الجبل غيران كثيرة متعددة و لا يعلم بالتحقيق التام نفس الغار الذي نزله رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم عرفة في هذا الجبل، لكننا نظن، غالب الظن الذي نطمئن إليه، أن هذا الغار الكبير الذي ذكرناه هو الغار الذي نزله رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم عرفة لجملة أمور و هي:

1) أن وصف هذا الغار الكبير يقرب من وصف الإمام الأزرقي له.

2) أن هذا الغار يقع تقريبا أمام العلمين القديمين الدالين على انتهاء حدود الحرم، و لا نستبعد أن ينزل النبي (صلى الله عليه و سلم) عند مفرق الحل من الحرم، أي عند حدودهما- و اللّه تعالى أعلم- و البعد بين هذا الغار و بين العلمين المذكورين (430) مترا، أربعمائة و ثلاثون مترا، و قد يزيد البعد و قد ينقص عن هذه الأمتار بحسب استقامة أخذ القياس أو انحرافه.

3) و البعد بين هذا الغار و بين جدار مسجد نمرة القبلي (1130) مترا هو ألف و مائة و ثلاثون مترا، و هو قريب مما ذكره الأزرقي، فإن المتر الواحد يساوي ذراعين تقريبا، فقد ذكروا أن ذراع اليد يساوي ثمانية و خمسون سنتيمترا. و قد يزيد البعد و قد ينقص عن هذه الأمتار بحسب استقامة أخذ القياس أو انحرافه.

4) أن الجالس في هذا الغار يرى من مدخله الكبير، أي بابه، مسجد نمرة و جبل عرفات، أي جبل الرحمة، الذي يقف عليه الحجاج، المسمى ب" القرين" و يرى مسجد الصخرات الذي تحت جبل الرحمة، الذي وقف فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عشية يوم عرفة، بل يرى ميدان عرفات كله. فكأن النبي (صلى الله عليه و سلم) جلس في هذا الغار، ليشاهد جبل عرفات، و مسجد نمرة، و مسجد الصخرات، و حدود الحل من الحرم.

5) أن هذا الغار الكبير هو أقرب الغيران إلى مسجد نمرة، و هذا ما يوافق الرغبة النبوية، فإنه (صلى الله عليه و سلم)، حينما زالت الشمس نزل من هذا الغار، إلى موضع مسجد نمرة، فصلى فيها الظهر و العصر، ثم ذهب إلى عرفات، فوقف في مسجد الصخرات، حتى غربت الشمس، ثم دفع إلى مزدلفة، و لذلك سمي هذا الجزء الأخير من الجبل بجبل نمرة لقربه من نمرة.

326

6) أن هذا الغار هو الغار الذي يلائم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أولا: أنه مرتفع مشرف على ساحة عرفات كلها، ثانيا: أن مدخله الكبير يقابل عرفات و هو بيت القصيد و منتهى الرحلة، و أن مدخله الصغير يقابل مكة و القبلة، ثالثا: أن هذا الغار هو أوسع غار في الجبل، فإنه يأخذ في جوفه نحو عشرة أنفس، و النبي (صلى الله عليه و سلم) لا بد و أن يكون معه نحو هذا العدد من كبار الصحابة، لا يفارقونه في السفر، و يتشرّفون بالقرب منه، كالخلفاء الراشدين الأربعة و غيرهم من كبار الصحابة، (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين)، رابعا: أن بجوار هذا الغار غار آخر، متصل به، يفصل بينهم الصخرة، التي بوسطهما، و طولهما واحد، و كل منهما يسع بقدر الآخر من الأشخاص، فلو كان مع النبي (صلى الله عليه و سلم) ثلاثون من الصحابة لاستظلوا فيهما بغاية الراحة و بدون أن يبتعدوا عن بعضهم.

و من عجيب أمر الغيران في الجبال أنها تكون في الصيف في وقت الظهيرة باردة منعشة، لا يشتد على الجالس في داخلها و طأة الحر و القيظ.

هذا رأينا في الغار الذي نزله رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم عرفة قبل الظهر و هذه أدلتنا في تحقيقه، و لا يعلم الغيب إلا اللّه الواحد الأحد سبحانه و تعالى، و نزوله (صلى الله عليه و سلم) في الغار المذكور لا يمنع من أنه نزل أيضا في قبته من شعر التي أمر أن تضرب له بنمرة.

و ما نظن أن أحدا قبلنا طرق هذا الباب أو بحث عن هذه المسألة على أنها مسألة لا دخل لها في المناسك مطلقا، فالحمد للّه رب العالمين أولا و آخرا، و هو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شي‏ء عليم.

فائدة مهمة

بمناسبة ما تقدم من الكلام على حديث" إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السموات و الأرض ... إلخ" نذكر ما يأتي زيادة و توضيحا لمعنى الحديث الشريف، و هو مبحث مهم جدا قلّما يعثر الإنسان عليه في كتاب و هو هذا:

قال ابن حجر في حاشيته على إيضاح النووي في المناسك على المذهب الشافعي عند الكلام على ما يتعلق بوجوب الحج، عند قوله: (فرع): إذا وجدت شرائط وجوب الحج وجب على التراخي ما نصه:

327

(قوله على التراخي): أي لا على الفور، فلمن وجب عليه الحج بنفسه أو نائبه، أن يؤخر بعد سنة الإمكان، لأن الحج فرض سنة ست كما صححه الشيخان في السير، و نقله في المجموع عن الأصحاب أو خمس كما جزم به الرافعي هنا، أو ثمان كما قاله الماوردي.

و بعث (صلى الله عليه و سلم) أبا بكر، رضي اللّه عنه، سنة تسع فحج بالناس، و تأخر معه مياسير أصحابه، كعثمان، رضي اللّه عنه، و عبد الرحمن بن عوف، من غير شغل بحرب، و لا خوف من عدو، حتى حجوا معه (صلى الله عليه و سلم) سنة عشر، و قيس به العمرة.

و نازع في الاستدلال بذلك ابن الحاج المالكي بما حصله: أن حج، أبي بكر و علي و غيرهم، تلك السنة، إنما كان تبررا كحجه (صلى الله عليه و سلم) قبل الهجرة، أي فإنه صح أنه حج قبلها حجتين. بل قال في فتح الباري الظاهر أنه (صلى الله عليه و سلم) لم يترك الحج مدة مقامه بمكة قبل الهجرة، و بأنه لا مجوز لتقدّمهم بحج الفرض قبله مع آية: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ‏، و إذا أمر من ضحى قبله بأضحية أخرى فكيف الحج.

و بقول جمع منهم مجاهد و عكرمة المخزومي أن حجهم تلك السنة صادف القعدة، أي و يؤيده قول السهيلي لا ينبغي أن يضاف إليه (صلى الله عليه و سلم) إلا حجة الوداع و إن حج مع الناس بمكة، لأنه لم يكن على سنة الحج، لما ذكر أنهم كانوا ينقلونه عن وقته على حساب الشهور الشمسية، و يؤخرونه في كل سنة أحد عشر يوما، و إنما وافقهم و هو بمكة لأنه كان مغلوبا، على أمره، و لما فرض أراده عند رجوعه من تبوك، بعد فتح مكة، فذكر حج بقايا المشركين و طوافهم عراة، فنبذ إليهم عهودهم في السنة التاسعة، ثم حج في العاشرة بعد انمحاء رسوم الشرك. انتهى ملخصا.

قال بعضهم: و حينئذ وافق وقوفه تاسع الحجة، فمن ثم أعلمهم في خطبته" بأن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السموات و الأرض" و أن الأمر عاد إلى ما وضع اللّه عليه بحساب الأشهر، و بأن أبا بكر، رضي اللّه تعالى عنه، إنما خرج بعده، على ناقة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، رسولا لا أميرا للتأذين بسورة براءة في منى و غيرها إعلاما بنبذ العهود، إذ جرت عادتهم أنه لا يبلغ ذلك عن العظماء، إلا من هو من جلدتهم و أقاربهم الأدنين، فخطب أبو بكر يوم التروية و علّمهم المناسك ثم علي‏

328

ببراءة حتى ختمها، ثم فعلا كذلك يوم النحر، ثم يوم النفر الأول، روى ذلك كله النسائي، و بأن المشركين كانوا يحجون في محرم سنتين و صفر كذلك و هكذا، فكان حج سنة ثمان في القعدة و أميره عتّاب بن أسيد أمير مكة، رضي اللّه تعالى عنه، و كذا حج سنة تسع و أميره أبو بكر رضي اللّه عنه، ثم في العاشر خرج (صلى الله عليه و سلم) و أصحابه، و فيهم أبو بكر، و على لحقهم بمكة فحجوا لفرضهم، و أخبرهم (صلى الله عليه و سلم) في خطبته بما أوجب تأخره من أن الزمان قد استدار، أي وقت الحج استدار إلى وقته الأصلي في زمن الأنبياء، و هو الحجة، و أن عدم وقوعه في وقته هو سبب تأخره، فلما صادف وقته لم يتأخر، و لك رد جميع ما قاله بأن الحج فرض سنة خمس أو ست أو ثمان، كما تقرر.

و على كل، فإما أن نقول: أنه فرض ابتداء إيقاعه في الحجة، كما كان قديما، أو فيما يوقعه فيه أهل مكة ثم نسخ في العاشرة، فإن قال بالأول لزمه أنه (صلى الله عليه و سلم) أذن في حج فاسد، لأنهم إذا كانوا يوقعونه في غير وقته يكون فاسدا، فكيف مع ذلك يأذن فيه سنة ثمان و يؤمر عتابا، و سنة تسع و يؤمر أبا بكر، و لا يقاس هذا بحجته (صلى الله عليه و سلم) فيه قبل الهجرة، لما قدمته عن السهيلي، أنه كان مغلوبا على أمره، و لم يكن أنزل عليه (صلى الله عليه و سلم) فيه شي‏ء، فكان يوافقهم، كما ثبت عنه أنه كان يوافقهم في صوم عاشوراء، قبل أن ينزل عليه فيه شي‏ء، فلا يقاس حاله حينئذ بحاله بعد فرضه، و بيان الحكم له و قدرته على عدم موافقتهم بأمر أصحابه، بأن لا يقفوا معهم بل في وقته (صلى الله عليه و سلم) بعد فتح مكة سنة ثمان في رمضان لم يكن يخشى من أحد شيئا بل دانت له العرب بأسرها.

فظهر اندفاع جميع ما قاله ابن الحاج على هذا التقدير الأول، فإن حج أبي بكر و من معه كان فرضا واقعا في شهر الحجة، و مع ذلك أخّر مياسير الصحابة كما مرّ، و إن قال بالثاني اندفع ما قاله أيضا، لأن الحج في القعدة قبل نسخه على ذلك التقدير كان صحيحا، و مع ذلك أخّر المياسير المذكورين، فنتج من ذلك أن الحج على التراخي على كل من التقديرين، و أنه لا يمكن على التقدير الأول الذي هو الظاهر، بل المتعين أن يقال أن حجّ عتاب و أبي بكر و من معهما كان في ذي القعدة، بل الصواب أنه في الحجة، كما يدل عليه خبر ابن مردويه، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كانوا يجعلون عاما شهرا و عاما شهرين، يعني يحجون في شهر واحد مرتين في سنتين، ثم يحجون في الثالث في‏

329

شهر آخر غيره، قال: فلا يقع الحج في أيام الحج إلا في كل خمس و عشرين سنة، فلما كان حج أبي بكر وافق ذلك العام شهر الحج فسماه اللّه الحج الأكبر. انتهى.

و أخرجه الطبراني في أوسطه عنه بنحوه، لكن فيه أنهم كانوا لا يصيبون الحج إلا في كل ست و عشرين سنة مرة واحدة، و هو النسي‏ء الذي ذكره اللّه تعالى في كتابه، و على هذا أعني أن حج أبي بكر رضي اللّه عنه، كان في الحجة و أيّده طائفة منهم أحمد، و أنكر ما مرّ عن مجاهد و استدل بأنه (صلى الله عليه و سلم) أمر عليا فنادى يوم النحر لا يحج بعد العام مشرك، و في رواية و اليوم يوم الحج الأكبر، و قد قال تعالى:

وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فسماه يوم الحج الأكبر، فدل على أن هذا الأذان الذي هو نداء علي، رضي اللّه عنه، سنة تسع وقع في ذي الحجة و هو المدعي، و استبعاد ابن الحاج و أهل مذهبه تقدّم غيره (صلى الله عليه و سلم) عليه في قاعدة من قواعد الإسلام، يقيمها اللّه على يديه، لا وجه لاستبعاده إلا لو كان حج الناس في التاسعة و بغير إذنه (صلى الله عليه و سلم)، و أما بعد أن أذن لهم و أمّر عليهم أفضل أصحابه، و جعله خليفته، إعلاما بأنه الخليفة الأكبر بعده، فلا استبعاد في ذلك، سيّما و القول بعدم وقوع حج أبي بكر و من معه في تلك السنة فرضا، يلزم عليه المحذور الذي قدمته إن كان عدم وقوعه فرضا لكونه في ذي القعدة، فإن ادعى أنه لغير ذلك فلا وجه له، فتأمل ذلك فإنه مهم، و به يندفع قول بعض متأخري المالكية صوب أصحابنا أنها لم تكن فرضا لأنها كانت في ذي القعدة، و استبعدوا أن يتقدم أحد عليه (صلى الله عليه و سلم) في ذلك، و قياس هذا على التقدم بالأضحية لا وجه له، فإن المضحي ذبح قبل الوقت بغير أمره (صلى الله عليه و سلم) و لم يوجد ذلك في أبي بكر و من معه، و ما ذكر من أن المشركين كانوا يؤخرون الحج و كان يقع في غير وقته، و كان لا يصادف وقته إلا في ما مرّ، فيما رواه ابن مردويه و الطبراني، و أنه (صلى الله عليه و سلم) أشار في خطبته بقوله: إن الزمان إلى آخره إلى رد ما كانوا عليه، كل صحيح، لكنه لا يقتضي أن حج أبي بكر كان في ذي القعدة، و لا أنّ تأخره (صلى الله عليه و سلم) إلى العاشرة إنما كان لأجل ذلك، لما هو ظاهر أن حج سنة ثمان أو تسع و إن وافق الحجة كما قدمناه أنه الأصح بل الصواب، لكنه (صلى الله عليه و سلم) أخّر عنه إعلاما أن الحج على التراخي أو لعذر لكن الأصل عدمه.

و قوله: إن الزمان إلى آخره ليس لبيان عذره بالتأخير، إذ لا يسلم ذلك إلا و ثبت أن التاسع صادفت ذي القعدة، فإذا ثبت خلاف ذلك لم يجز أن يكون كذلك، بل لبيان رد ما كانت عليه عادة الجاهلية قبل سنة تسع، بل ثمان، إن‏

330

ثبت أن الحج فيها كان بأمره (صلى الله عليه و سلم)، و أنه أمر عتاب عليه، فاشدد بهذا المبحث يديك، فإنه من النفائس التي يتعين أن يعتنى بتحقيقها و تحريرها وفقنا اللّه لذلك و أمثاله آمين.

انتهى من حاشية ابن حجر على إيضاح النووي، رحمهما اللّه تعالى، و جزاهما و العلماء خير الجزاء، عن الأمة المحمدية، و هذا مبحث دقيق نفيس، ينبغي قراءته بتأن و تأمل.

تنظيف طريق الحج من أشجار الشوك‏

لقد كانت مكة و الحرم مليئة بأشجار السلم، أي الأشجار الشوكية، خصوصا في طريق الحج، من مكة إلى عرفات، من قديم العصور و الدهور، و ما زال الناس يقطعونها تدريجيا عن أماكن سكناهم، و عن طريق مرورهم، حتى لم يبق منها إلا القليل، و هي بعيدة عن جادّة طريق الحج، و نحن قد أدركنا شيئا من هذه الأشجار الشوكية، في طريق الحج من بعد منى، و كان تؤذي بعض راكبي الشقادف و الهوادج على الجمال، و ذلك في سنة (1341) ألف و ثلاثمائة و إحدى و أربعين هجرية.

و لقد ذكر العلامة قطب الدين الحنفي المتوفى سنة (988) (رحمه اللّه تعالى)، في تاريخه عن قطع أشجار الشوك من الحرم ما يأتي: ثم عمر الأمير سودون المذكور ما بقي من المواضع المأثورة في منى، و في المشعر الحرام بمزدلفة، و مسجد نمرة بعرفة، و قطع جميع أشجار السلم و الشوك، الذي كان بين المارين في طريق عرفة، و كانت تمزق كسوة الشقادف و المحابر، عند مزاحمة جمال الحاج، في ذلك المحمل، و كانت الحرامية تكمن تحت الأشجار، و تنهب جميع ما تظفر به من الحجاج، و تخطف منهم جميع ما تقدر عليه. فقطع الأمير سودون جميع تلك الأشجار، و أزال الصخار الكبار، و نظف الطريق و وسعها، و شكره الحجاج على ذلك، و دعوا له، حيث كانت تضر في طريق المسلمين، و إلا فشجر الحرم لا يعضد و لا يقطع، ف(رحمه اللّه تعالى) و أثابه الحسنى، و كذلك الأمير خوش كلدي، نائب جدة في عصرنا، في حدود سنة خمسين و تسعمائة، قطع أشجار السلم ما بين المأزمين و كسر الأحجار، في سفح الجبلين، و مهد و وسع الطريق للحجاج، و رفع بذلك عنه شر السراق الذين كانوا يكمنون خلف تلك الأشجار

331

و الأحجار، و شكره الناس، أثابه اللّه تعالى. و سيأتي شي‏ء من عماراته فيما بعد إن شاء اللّه تعالى. انتهى من تاريخ القطبي.

نقول: إن مكة المشرفة ممتلئة بأشجار السلم الشوكية من قبل عهد إبراهيم الخليل، عليه الصلاة و السلام، إلى أوائل عصرنا الحاضر، أما اليوم، فلقد أصلحت الطرقات، و عبدت و مهدت بالإسفلت، و جعلت طريقا للسيارات، فسبحان مغير الحال و الأحوال الذي له ملك السموات و الأرض لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

حكم قطع شجر الحرم و نباته‏

ما زال الناس، جاهلية و إسلاما، إلى يوم القيامة يعظمون الحرم، و يجتنبون قطع شجره. ففي الصحيحين عن أبي شريح، رضي اللّه عنه، أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: «إن مكة حرمها اللّه و لم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن باللّه و اليوم الآخر أن يسفك بها دما و لا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فيها، فقولوا: إن اللّه قد أذن لرسوله و لم يأذن لكم، و إنما قد أذن لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم، كحرمتها بالأمس و ليبلغ الشاهد الغائب».

و فيهما أيضا عن ابن عباس، رضي اللّه عنهما، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه اللّه يوم خلق السموات و الأرض، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، و إنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، و لم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه و لا ينفر صيده و لا يلتقط لقطته إلا من عرفها و لا يختلى خلاها. فقال العباس بن عبد المطلب: يا رسول اللّه إلا الإذخر فإنه لقينهم و لبيوتهم. فقال (صلى الله عليه و سلم): إلا الإذخر».

جاء في تاريخ الغازي نقلا عن كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»: و ما زال الناس في الجاهلية و الإسلام يعظمون هذا الحرم و يجتنبون قطع شجره. قال الواقدي: لما أرادت قريش البنيان قالت لقصي: كيف نصنع في شجر الحرم؟ فحذرهم قطعها و خوفهم العقوبة في ذلك، فكان أحدهم يحرف بالبنيان حول الشجرة حتى تكون في منزله.

332

قال: و أول من ترخص في قطع شجر الحرم عبد اللّه بن الزبير، قال السهيلي:

ابتنى ابن الزبير دور القعيقعان، و ترخص في قطع شجر الحرم، و جعل دية كل شجرة بقرة. و كذلك روي عن عمر أنه قطع دوحة، كانت في دار أسد بن عبد العزى، و كانت أطرافها تنال ثبات الطائفين بالكعبة، و ذلك قبل أن يوسع المسجد، فقطعها و وداها. اه. انتهى من الغازي.

و اعلم أنه يحرم على المحرم و غيره قطع حشيش الحرم أو شجره الرطب الذي ينبت بنفسه، و لا ينبته الناس، عند الأئمة الأربعة إلا اليابس عند الثلاثة، و لا فرق بين الأخضر و اليابس عند مالك.

و يباح التعرض للإذخر و السنا بالقطع و غيره، و يباح رعي الدواب في حشيش الحرم و شجره، و الانتفاع بما تساقط من ورق الشجر، أو انكسر من غير فعل آدمي عند الأئمة الأربعة، و حرمة قطع الشجر و الحشيش تكون في حرم مكة و حرم المدينة، أما ضمان ذلك و جزاؤه فهو مختص بحرم مكة فقط، عند الأئمة الأربعة، و كالحرم المدني في ذلك وادي وج بالطائف.

و إليك تفصيل حكم قطع شجر الحرم و نباته في مذهبنا، ننقله من كتابنا «إرشاد الزمرة لمناسك الحج و العمرة» على المذهب الشافعي. فقد جاء فيه ما نصه:

لا يجوز لمحرم و لا لحلال، سواء كان من أهل الحرم أم لا، قطع أو قلع شجر الحرمين و نباتهما و مثلهما وادي وج الطائف.

و لا يحرم صيد النقيع، و لا يملك نباته، و يضمن ما أتلفه منه، لأنه ممنوع منه.

قال الرافعي: و ضمانه بالقيمة، و هو ليس بحرم بل هو الحمى الذي حماه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لنعم الصدقة و الجزية.

و جاء في الجزء الثاني من كتاب «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» للسمهودي ما ملخصه: الحمى لغة الموضع الذي فيه كلأ يحمى ممن يرعاه. و شرعا موضع من المرات، يمنع من التعرض له، ليتوفر فيه الكلأ، فترعاه مواش مخصوصة، و النقيع- بالنون المفتوحة و القاف المكسورة-، و حمى النقيع على عشرين فرسخا من المدينة، و هو صدر وادي العقيق، و هو أخصب موضع هناك، و هو ميل في بريد فيه شجر، و يستأجم حتى يغيب فيه الراكب، و فيه مع ذلك كثير من العضاة

333

و الفرقد و السدر و السيال و السلم و الطلح و السمر و العوسج. و في هذا الكتاب تفصيل كثير من الحمى فراجعه إن شئت. اه.

و قال ابن حجر في حاشية الإيضاح: و النقيع- بالنون- هو في ديار بني مزينة على نحو عشرين ميلا من المدينة. اه.

و جاء في" المصباح المنير" عند كلمة نقع. و منه قيل لموضع بقرب مدينة النبي (صلى الله عليه و سلم) و نقيع، و هو في صدر وادي العقيق، و حماه عمر، رضي اللّه عنه، لا بل الصدقة. قال في العباب: و النقيع موضع في بلاد مزينة على عشرين فرسخا من المدينة، و في حديث: حمى عمر غرز النقيع لخيل المسلمين. و قد صحفه المحدثون فقالوا: البقيع بالباء و إنما البقيع بالباء موضع القبور، و الغرز بفتحتين: نوع من ثمام بوزن نبت يسمد به خصاص البيوت، الواحدة ثمامة اه من المصباح باختصار.

فالفرق بين العبارتين لا يخفى، فابن حجر يقول: النقيع على عشرين ميلا من المدينة، و المصباح يقول أنه على عشرين فرسخا منها و من المعلوم أن الفرسخ ثلاثة أميال فتأمل. و لقد سألنا بعض الفضلاء من أهل المدينة عن النقيع فقال أنه يبعد عن المدينة إلى جهة الجنوب بنحو مرحلة. اه.

و اعلم أن حرمة قطع شجر حرم مكة و نباته ثبت بالإجماع، و الخبر في الصحيحين أنه (صلى الله عليه و سلم) يوم فتح مكة قال:" إن هذا البلد حرام بحرمة اللّه لا يعضد شجره و لا ينفر صيده" و قيس بمكة باقي الحرم.

و أما حرم المدينة فلقوله (صلى الله عليه و سلم):" إن إبراهيم حرم مكة و إني حرمت المدينة ما بين لابتيها، لا يقطع عضاهها و لا يصاد صيدها" اللابتان تثنية لابة، و هي أرض ذات حجارة سود، و هما شرقي المدينة و غربيها، فحرمها ما بينهما عرضا، و ما بين جبليها عير واحد طولا، و عضاهها بهاءين جمع عضاهة أي شجرها و هو بكسر العين بوزن كتاب كما في المصباح.

و أما وادي وج الطائف فلقوله (صلى الله عليه و سلم):" إلا أن صيد وج و عضاه- يعني شجره- حرام محرم". رواه البيهقي بإسناده عن ابن الزبير بن العوام، رضي اللّه عنه، و سمي المكان باسم وج بن عبد الحي من العمالقة، قاله الدمبري، و أما النقيع فلأن النبي (صلى الله عليه و سلم) حماه لنعم لصدقة و الجزية.

334

و اعلم: أن الضمان مختص بحرم مكة لأنه للنسك، و لا فرق في الشجر بين ما نبت بنفسه و ما استنبته الناس كالنخيل، بخلاف النبات فإنه لا يحرم منه إلا ما لا يستنبته الناس، و الشجر ما كان له ساق، و النبات ما لا ساق له. و محل الحرمة في الشجر الرطب غير المؤذي، أما اليابس الذي لا يخلف و المؤذي كالشوك و العوسج، و هو ضرب من الشوك، و إن لم يمنع المرور، فلا يحرم قطعه و لا قلعه و لا يتعلق بقطعه ضمان كالحيوان المؤذي.

و لو غرست شجرة حرمية في حل أو عكسه اعتبر منبتها الأصلي، و لو كان الأصلي في الحرم و الأغصان في الحل حرم قطعها لا رمي صيد عليها أو كان الأصل في الحل و الأغصان في الحرم حل قطعها لا رمي صيد عليها، و لو نقل شجرة من الحرم إلى الحل لزمه ردها، أو إلى محل آخر من الحرم فلا، فإن جفت بالنقل ضمنها و إن نبتت في الموضع المنقول إليه فلا ضمان، فلو قلعها قالع، لزم القالع الجزاء ابقاء لحرمة الحرم، و لو غرس في الحل نواة شجرة حرمية، ثبت لها حرمة الأصل، و كذا كل ما تولد من حرمية، و لو في الحل، فله حكم الحرمية، و لو غرس في الحرم نواة أو غصنا من شجرة حلية لم تصر حرمية نظرا للأصل، فلو قلعها هو أو غيره فلا شي‏ء عليه بلا خلاف.

فإن كان أصل الشجرة في الحرم و أغصانها في الحل حرم قطع أغصانها و وجب فيه الضمان، و إن كان أصلها في الحل و أغصانها في الحرم فلا شي‏ء في قطع أغصانها، و لو كان بعض أصل الشجرة في الحل و بعضه في الحرم فلجميعها حكم الحرم، و لو انتشرت أغصان شجرة حرمية و منعت الناس الطريق أو آذتهم جاز قطع المؤذي منها، و لو احتاج إلى ما يحرم من شجر الحرم لحفظ محترم، و لم يقم غيره مقامه، فالذي يتجه إباحة ذلك بشرط الضمان لحفظ المعصوم الذي يجوز دخوله الحرم، و لحفظ بناء الكعبة من السقوط لا لغيره من حفظ بستان و دار، و لو كان موقوفا، إلا لاضطرار.

و الحاصل أن التحريم و الضمان عام في جميع شجر الحرم سواء نبت بنفسه أو زرعه الآدمي كالتين و التفاح و النخل و العنب و السفرجل و سواء كان مثمرا كما ذكرناه أو غير مثمر.

و أما غير الشجر من نبات الحرم فهو نوعان:

335

النوع الأول: ما زرعه الآدمي كالحنطة و الشعير و الذرة و البقول و الخضروات فيجوز لمالكه قطعه و لا جزاء عليه، و إن قطعه غيره فعليه قيمته لمالكه و لا شي‏ء عليه للمساكين، و هذا لا خلاف فيه.

و النوع الثاني: ما لم ينبته الآدمي، و هو أربعة أصناف:

1) الإذخر و هو مباح فيجوز قطعه و لو للبيع بلا خلاف، لحديث ابن عباس و لعموم الحاجة إليه.

2) الشوك فيجوز قطعه و قلعه كما سبق.

3) ما كان دواء كالسنا و نحوه فيجوز قطعه و قلعه. و لو لم يوجد المرض بأن ادخره لمرض في المستقبل فبعضهم جوز أخذه إذا احتاجه للدواء، و لم يخصه الماوردي بل عمّمه، و جعله مباحا مطلقا كالإذخر.

4) الكلأ بالهمز يقع على الرطب و اليابس و الحشيش يقع على اليابس و العشب و الخلا: بالقصر اسم للرطب.

فيحرم قطع و قلع الكلأ الرطب، فإنه قلعه لزمته الفدية و هو مخير بين إخراجها طعاما و الصيام، هذا إذا لم يخلف المقلوع فإن أخلق فلا ضمان على الصحيح، و أما الكلأ اليابس فلا شي‏ء عليه في قطعه كما سبق في الشجر اليابس، فلو قلعه و لم يفسد أصله و منبته لزمه الضمان لأنه لو لم يقلعه لنبت ثانيا، و إن فسد جاز قلعه و أخذه.

و يجوز تسريح البهائم في حشيش الحرم و شجره لترعى، فلو أخذ الحشيش لعلف البهائم جاز على الأصح، و لا شي‏ء عليه، و الظاهر جواز أخذه لعلفها، و لو في المستقبل، و أن من لا بهيمة عنده لا يجوز له أخذه لما سيملكه و يحرم أخذه للبيع أو غيره إلا الإذخر و لو للبيع كما تقدم، و كالإذخر غيره إذا احتاج إليه و لو للتسقيف كما اعتمده الإسنوي.

و يجوز قطع و قلع ما ينبت بنفسه إن كان مما يتغذى به كالبقلة و الرجلة للحاجة إليه و لأنه في معنى الزرع، و لا يقطع لذلك إلا بقدر الحاجة، و لو يجوز قطعه للبيع لمن يعلق به لأنه كالطعام الذي قدم للضيف أبيح له أكله لا بيعه.

و يجوز أخذ أوراق شجر الحرم، بلا خبط، لئلا يضربه بخلافه بالخبط، لأن خبطه حرام، إن ضر الشجرة، بحيث كسر أغصانها، و إلا فلا، و يجوز أخذ ثمره،

336

و إن كانت الأشجار مباحة كالأراك، و يقال لثمره: الكباث،- بفتح الكاف- و نحوه عود السواك لغير البيع. أما للبيع فلا يجوز، مثل السواك و ثمر الشجر في عدم جواز أخذه للبيع أوراق الشجر كما هو الظاهر. قال ابن حجر في حاشيته على الإيضاح: و لو جهل البائع الحرمة عذر، لأنه ذلك مما يخفى على العوام، بل على كثير من المتفقهة، فيجوز الشراء منه، و لكن يجب على من علم منه ذلك بيان تحريمه عليه. اه.

و حرم المدينة و وج الطائف كمكة في حرمة الصيد و الشجر و النبات و نحو التراب دون الضمان لأنهما ليسا محلا للنسك. فكل ما حرم بمكة حرم بالمدينة و وج الطائف غير أنه ضمان فيهما. و أما النقيع- بالنون- فليس بحرم و إنما هو الحمى الذي حماه النبي (صلى الله عليه و سلم) لنعم الصدقة و الجزية فيحرم إتلاف شجره و حشيشه فإن أتلفه أحد فالأصح أنه تلزمه القيمة، و لا يحرم صيده بالاتفاق. و جزاء قطع شجر حرم مكة و نباته مذكور في كتب الفقه.

حكم نقل تراب الحرم و أحجاره‏

ذكرنا في كتابنا" إرشاد الزمرة لمناسك الحج و العمرة" على المذهب الشافعي، عن ذلك ما يأتي:

يحرم نقل تراب، و لو محرقا، من الحرمين أو أحجار، أو ما عمل من طين إحداهما كالأباريق و غيرها، إلى الحل، و لو للحرم الآخر، فيجب رده إلى الحرم و إن انكسر الإناء كما ظاهر، فإن لم يفعل فلا ضمان عليه، و بالرد تنقطع الحرمة كدفن بصاق المسجد.

قال البيجرمي في حاشيته على الخطيب: و عند أبي حنيفة يجوز تلك و الأباريق الآن ليست من طين الحرم بل من طين الحل اه. كلامه.

و قال في عمدة الأبرار: و ما وجد في الحرم من الأواني و شك أهو من ترابه أم لا، فإن غلب على الظن كونه منه حرم، و إلا فلا، كما في التحفة. اه.

و أما نقل تراب الحل و أحجاره إلى الحرم فخلاف الأولى كما في المجموع لئلا يحدث لها حرمة لم تكن، و لا يقال أنه مكروه لأنه لم يرد فيه نهي صحيح صريح و مثل الحرمين فيما ذكر وجّ الطائف.

337

و أما ماء زمزم فإنه يجوز نقله، بل يسن تبركا به للاتباع" فإن عائشة، رضي اللّه عنها، حملت من ماء زمزم في قوارير و قالت: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حمله في الأداوى و القرب" أخرجه الترمذي في جامعه. و عن ابن عباس، رضي اللّه عنهما:" أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) استهدى سهيل بن عمرو من ماء زمزم فبعث له براويتين" أخرجه الطبراني بسند رجاله ثقات.

و روي أن كعب الأحبار حمل من ماء زمزم اثنتي عشرة راوية إلى الشام.

و الرواية كل دابة يستقى الماء عليها، كذا في المصباح، و في صحيح مسلم، عن أبي ذر، رضي اللّه عنه:" أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال في ماء زمزم: إنها مباركة و إنها طعام طعم و شفاء سقم" و روى جابر عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال:" ماء زمزم لما شرب له".

و ورد" أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان إذا أراد أن يتحف الرجل بتحفة سقاه من ماء زمزم" و كيف لا يكون لماء زمزم من الفضل و البركة، و هي التي تقع في المسجد الحرام عند الكعبة المشرف، و لا تبعد عنها إلا بمقدار خمسة عشر مترا تقريبا و تنبع من تحتها، و هي التي أخرجها جبريل لنبي اللّه إسماعيل و هو طفل رضيع، فماء زمزم ليس كالماء العادي، بل خصه اللّه تعالى بسر عجيب، فمن شرب منه على الريق، بحيث امتلئت بطنه منه، فإنه لا يضره بل ينفعه ذلك كما هو مجرب.

و من عجيب أمر زمزم أن من شربه من نفس البئر، كان له طعم، و من شربه من الدلو كان له طعم، و من شربه في الأواني الطينية كان له طعم، و من شربه بعد تبريده كان له طعم. و أحسن حالات شربه و ألذها و أطعمها و أهنؤها، أن يشربه الإنسان من الدلو حين إخراجه من البئر.

الحوادث الواقعة في الكعبة و المطاف‏

نذكر هنا بعض الحوادث التي وقعت في الكعبة و المطاف بحسب ما تيسر لنا الوقوف عليها لأنها مما يلفت النظر و يوجب الاهتمام لقدسية البيت و شرف المكان.

فقد روى الطبري في كتابه" القرى لقاصد أم القرى" في الباب الخامس و الثلاثين أن حكيم بن حزام ولد في الكعبة و لا يعهد أحد ولد في الكعبة غيره، و كان مولده قبل الفيل بثلاث عشرة سنة أو اثنتي عشرة سنة، و توفي بالمدينة في خلافة معاوية، رضي اللّه عنه، سنة أربع و خمسين هجرية، و عاش مائة و عشرين‏

338

سنة ستين في الجاهلية و ستين في الإسلام، و أسلم عام الفتح، روى أنه لما حج في الإسلام أهدى مائة بدنة قد جللها بالحبر و كفها عن أعجازها، و أهدى ألف شاة، و وقف بمائة و صيف بعرفة في أعناقهم الفضة منقوش فيها عتقاء اللّه عن حكيم بن حزام. اه. بتصرف و اختصار من الكتاب المذكور.

و روى الإمام الأزرقي في تاريخه، عن عبد اللّه بن أبي سليمان، عن أبيه: أن فاختة ابنة زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، و هي أم حكيم بن حزام دخلت الكعبة و هي حامل فأدركها المخاض فيها فولدت حكيما في نطع و أخذ ما تحت مثبرها فغسل عند حوض زمزم و أخذت ثيابها التي ولدت فيها فجعلت لقا. اه منه. و المثبر- بفتح الميم و سكون الثاء و كسر الباء-: الموضع التي تلد فيه المرأة- و معنى لقا: أي ملقاة لا يمسها أحد- فقد كان في الجاهلية من طاف من غير الحمس بالبيت في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها بعد طوافه بين إساف و نائلة فلا يمسها أحد و لا ينتفع بها حتى تبلى من وطء الأقدام و من الشمس و الرياح و المطر.

نقل الأزرقي في الجزء الأول من تاريخه في صحيفة 161 عند ذكر جب الكعبة و مالها، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: كان في الكعبة على يمين من دخلها جب عميق حفره إبراهيم، خليل الرحمن، و إسماعيل، (عليهما السلام)، حين رفعا القواعد. و كان يوضع فيه ما يهدى للكعبة من حلى أو ذهب أو فضة أو طيب أو غير ذلك، و كانت الكعبة لها سقف، فسرق منها على عهد جرهم مال مرة بعد مرة، و كانت جرهم ترتضي لذلك رجلا يكون عليه يحرسه، فبينما رجل ممن ارتضوه عندها، إذ سولت له نفسه، فانتظر حتى إذا انتصف النهار، و قلصت الظلال، و قامت المجالس و انقطعت الطرق، و مكة إذ ذاك شديدة الحر، بسط رداءه ثم نزل في البئر، فأخرج ما فيها، فجعله في ثوبه، فأرسل اللّه، عز و جل، حجرا من البئر، فحبسه حتى راح الناس فوجدوه فأخرجوه و أعادوا ما في ثوبه في البئر.

فسميت تلك البئر الأخسف، فلما انخسف بالجرهمي و حبسه اللّه عز و جل، بعث اللّه عند ذلك ثعبانا، و أسكنه في ذلك الجب في بطن الكعبة أكثر من خمسمائة سنة يحرس ما فيه، فلا يدخله أحد إلا رفع رأسه و فتح فاه، فلا يراه أحد إلا ذعر منه، و كان ربما يشرف على جدار الكعبة، فأقام كذلك في زمن جرهم، و زمن خزاعة، و صدرا من عصر قريش، حتى اجتمعت قريش في الجاهلية على هدم البيت‏

339

و عمارته، فحال بينهم و بين هدمه، حتى دعت قريش عند المقام عليه، و النبي (صلى الله عليه و سلم) معهم و هو يومئذ غلام لم ينزل عليه الوحي بعد، فجاء عقاب فاختطفه ثم طار به نحو أجياد الصغير. اه.

و نقل الأزرقي في الجزء الأول من تاريخه بصحيفة (106) ما نصه: عن حويطب بن عبد العزى، قال: كانت في الكعبة حلق أمثال لجم البهم، يدخل الخائف فيها يده فلا يريبه أحد، فجاء خائف ليدخل يده فاجتذبه رجل فشلّت يده، فلقد رأيته في الإسلام و إنه لأشل. اه.

الطواف بالبيت عراة

و جاء في تاريخ الأزرقي بعد أن ذكر أن العرب كانت تطوف بالبيت عراة إلا الخمس ما نصه:

جاءت امرأة أيضا تطوف عريانة، و كان لها جمال، فرآها رجل فأعجبته، فدخل الطواف و طاف في جنبها لأن يمسها، فأدنى عضده من عضدها فالتزقت عضده بعضدها، فخرجا من المسجد من ناحية بني سهم هاربين على وجوههما، فزعين لما أصابهما من العقوبة، فلقيهما شيخ من قريش خارجا من المسجد فسألهما عن شأنهما، فأخبراه بقضيتهما فأفتاهما أن يعودا فيرجعا إلى المكان الذي أصابهما فيه ما أصابهما فيدعوان و يخلصان إلى أن لا يعودا، فرجعا إلى مكانهما، فدعوا اللّه سبحانه و تعالى و أخلصا إليه أن لا يعودا، فافترقت أعضادهما فذهب كل واحد منهما في ناحية. اه.

و جاء في تاريخ الغازي المسمى «إفادة الأنام بذكر أخبار بلد اللّه الحرام»:

ناقلا عن ابن فهد أنه مات في جوف الكعبة من الزحام أربعة و ثلاثون نفسا و ذلك سنة خمسمائة و إحدى و ثمانين هجرية.

و ذكر الغازي في تاريخه أيضا أنه في سنة إحدى و ثمانين و ثمانمائة مات من الزحام بالكعبة خمسة و عشرون شخصا. اه.

و في سنة ثلاثمائة و سبع عشرة وافى مكة أبو طاهر القرمطي في سابع ذي الحجة و عمل فيها هو أصحابه أمورا منكرة، فمنها أنه أمر بقلع ميزاب الكعبة، و كان من الذهب الإبريز، فطلع رجل يقلعه فأصيب من أبي قبيس بسهم في‏

340

عجزه فسقط فمات، و قيل بل وقع على رأسه فمات. و منها غير ذلك ليس هنا محل بيانه.

و جاء في تفسير ابن كثير عند قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ‏ ما نصه: قلت: ذكر محمد بن إسحاق في" كتاب السيرة" أن إسافا و نائلة كانا بشرين، فزنيا في داخل الكعبة، فمسخا حجرين، فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عبدا، ثم حوّلا إلى الصفا و المروة، فنصبا هنالك فكان من طاف بالصفا و المروة يستلمهما. اه المراد منه.

و قال الإمام الأزرقي في تاريخه: إن جرهم لما طغت في الحرم، دخل رجل منهم بامرأة منهم الكعبة ففجر بها، و يقال: إنما قبّلها فيها، فمسخا حجرين، و اسم الرجل إساف بن بغاء، و اسم المرأة نائلة بنت ذئب، فأخرجا من جوف الكعبة، و عليهما ثيابهما، فجعل أحدهما بلصق الكعبة و الآخر عند زمزم، و إنما نصبا هنالك ليعتبر بهما الناس، فلم يزل أمرهما يدرس حتى جعلا وثنين يعبدان، و كانت ثيابهما كلما بليت أخلفوا لهما ثيابا، ثم أخذ الذي بلصق الكعبة فجعل مع الذي عند زمزم و كانوا يذبحون عندهما و يتمسحون بهما، و كان الطائف إذا طاف بالبيت يبدأ بأساف فيستلمه، فإذا فرغ من طوافه ختم بنائلة فاستلمها، فكانا كذلك، حتى كان يوم الفتح، فكسرهما رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مع ما كسر من الأصنام، و قيل بعدما أخرجا من الكعبة نصب أحدهما على الصفا و الآخر على المروة للاعتبار، ثم تقادم عهدهما حتى صارا يمسحان يتمسّح بهما من وقف على الصفا و المروة، ثم صارا و ثنين يعبدان فلما صار أمر مكة و الحجابة إلى قصي بن كلاب حولهما من الصفا و المروة فجعل أحدهما بلصق الكعبة و الآخر في موضع زمزم، و يقال جعلهما جميعا في موضع زمزم، و قيل اسم الرجل إساف بن عمرو، و اسم المرأة نائلة بنت سهيل من جرهم. انتهى من تاريخ الأزرقي بتصرف و اختصار.

و ذكر الغازي في تاريخه ناقلا عن ابن فهد: أنه في صبح يوم الجمعة ثاني ذي الحجة سنة خمس و أربعين و ثمانمائة مات بالطواف من الزحمة سبعة أنفس.

و في تاريخ الكعبة المعظمة للشيخ حسين باسلامة جملة حوادث وقعت على الحجر الأسود، فذكر منها ما له علاقة بهذا الفصل. فإنه بينما الناس في وقت القيلولة و شدة الحر و ما يطوف إلا رجل أو رجلان سنة ثلاثمائة و ثلاث و ستين،

341

فإذا رجل عليه طمران مشتمل على رأسه يسير رويدا، حتى دنا من الركن الأسود، و لا يعلم ما يريد، فأخذ معولا و ضرب الركن ضربة شديدة حتى خفته الخفتة التي فيه، ثم رفع يده ثانيا يريد ضربه، فابتدره رجل من السكاسك من أهل اليمن، حين رآه و هو يطوف، فطعنه طعنة عظيمة حتى أسقطه، فأقبل الناس من نواحي المسجد فأخرجوه من المسجد الحرام و جمعوا حطبا كثيرا و أحرقوه بالنار.

و في عشر التسعين و التسعمائة جاء رجل أعجمي بدبوس في يده فضرب الحجر الأسود فكان الأمير ناصر جاوش حاضرا فوجأ ذلك الأعجمي بالخنجر فقتله.

و ذكر الغازي في تاريخه، أن والي مكة الشريف أحمد بن محمد الجازاني قتل في الطواف في الشوط الثالث، قتله جماعة من الأتراك بمواطأة من أخيه حميضة، و ألقي بالمعجنة التي بجوار الكعبة، فصار الرجال و النساء يأتون إليه و يشتمونه و يذكرون قبائح ما فعله، ثم إن أخاه الشريف حميضة أمر الباشا عبد اللّه المصري مشيع الطرحاء أن يدفنه فحمله بحاله إلى المعلى و دفنه على أخيه مهيزع ببعض ثيابه بلا غسل و لا صلاة، و لم يشيعه أحد بل حضر دفنه رجلان فقط. اه.

و أكبر حادثة وقعت في المطاف و المسجد الحرام حادثة القرامطة. فإنهم لما أتوا مكة في سابع ذي الحجة سبع عشرة و ثلاثمائة ارتكبوا فيها من الفظائع و المنكرات ما لا يوصف. فقد دخل، عدو اللّه، أبو طاهر القرمطي، المسجد الحرام مع قومه، و هو سكران، راكب فرسا له، و بيده سيف مسلول، فصفر لفرسه فبال عند البيت، و أسرف هو و أصحابه في قتل الحجاج. و كان الناس يطوفون حول البيت و السيوف تأخذهم، و كان علي بن مايويه يطوف بالبيت و السيوف تأخذه فما قطع طوافه و هو ينشد:

ترى المحبين صرعى في ديارهم‏* * * كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا

و قتل في المسجد الحرام ألف و سبعمائة، و قيل ثلاثة عشر ألفا من الرجال و النساء و هم متعلقون بالكعبة وردم بهم زمزم حتى ملئوها، و فرش بهم المسجد الحرام و ما يليه، و قيل دفن البقية في المسجد بلا غسل و لا صلاة ... الخ، ما رواه الحافظ ابن فهد القرشي في إتحاف الورى في حوادث عام 317.

و مما يناسب المقام: ما رواه الغازي في تاريخه، أنه في سنة ألف و ثلاث و ثمانين أراد إسحاق أفندي الوارد من جهة الروم صحبة الحج، و كان من كبار الدولة، أن‏

342

يدخل الكعبة الشريفة ليلا، فأراد الشيخ عبد الواحد بن محمد الشيبي الحجبي أن يفتح له البيت فتعسر فتحه فدعا بحداد نعت له بالمعرفة، فأمره بفشّ القفل- أي بفتحه بأي وسيلة- فاضطربت يده و ما قدر فقال له الشيخ عبد الواحد، فيما أخبرني الثقة، ما بالك؟ فقال له: ألا تسمع ما أسمع؟ قال الشيخ عبد الواحد، فأصغيت و إذا بالباب كان يدفع من داخل البيت و أحسست بالدفع و القوة المانعة.

قال فصرفت الناس، و قلت: أيها الناس إن هذا البيت بيد اللّه يفتحه لمن يريد.

فانصرف الناس، و منهم إسحاق أفندي و لم يتيسر له الدخول. اه منه.

فممّا علق في جوف الكعبة:

1) المعلّقات السبع، و هي قصائد من فحول شعراء العرب.

2) صحيفة قريش، و فيها شروطهم على مقاطعة بني هاشم و بني المطلب سنة سبع من النبوّة.

3) كتابان لهارون الرشيد، أحدهما بالولاية لابنه الأمين، ثانيهما بالولاية لابنه المأمون و جعلهما بالبيت الحرام حينما حج سنة 186، و في خلافة الأمين أخذا من الكعبة إلى بغداد و أحرقا بالنار.

4) عهد المعتمد لولديه و ذلك سنة 261 هجرية.

5) استرحام من الخليفة العباسي القائم بأمر اللّه أبي جعفر عبد اللّه ابن الإمام القادر باللّه في الحديثة المتوفى سنة 467 يشكو إلى اللّه تعالى أرسلان الفساسيري حيث اعتقله، فلما هلك هذا رفع الاسترحام من الكعبة الشريفة. اه.

انتهى باختصار من كتاب المحمل و الحج.

دخول السيارات إلى المسجد الحرام في زماننا

و مما وقع في المسجد الحرام بمكة في زمننا هذا، أي في الليلة الرابعة من شهر المحرم سنة (1378) ألف و ثلاثمائة و ثمان و سبعين هجرية، أنه وقع حريق هائل بمكة المشرفة في الليلة المذكورة، بمحلة قاعة الشفا، بالقرب من باب العتيق، و من باب الباسطية، حرق فيه نحو أربعون منزلا بما فيها من الأمتعة، و حرق مثلها أيضا من الدكاكين بما فيها من البضائع المختلفة و مات في هذا الحريق عدة أشخاص، كما

343

فصلنا بيان هذا في الكلام على سبب بناء المسجد الحرام بالقباب في مبحث خاص بعنوان:" الحريق الثاني بقرب المسجد الحرام".

وقع هذا الحريق و الناس في صلاة العشاء، في الليلة المذكورة، و دام إلى قبل الفجر بساعة واحدة، و قام الناس فزعين لإطفاء هذا الحريق العظيم، و جاء رجال الشرطة و رجال الإطفاء بمكة و انضم إليهم مطافئ جدة و مطافئ المطار بسيارات الإطفاء أي" أوتومبيلات الإطفاء" و أرسلت إدارة عين زبيدة و إدارة القصور و وزارة الدفاع رجالها و ناقلات الماء لحصار النار و إطفائها.

و لما كانت الأزقة متلاصقة بجوار المسجد الحرام، اضطروا إلى إدخال سيارات الإطفاء و ناقلات الماء إلى نفس المسجد الحرام و إيقافها بساحته عند باب العتيق و باب الباسطية، أي بجهة المنازل التي تحترق و من السيارات التي بالمسجد الحرام مدوا خراطيم المياه و أخرجوها من باب القطبي و باب الباسطية و باب العتيق لحصار النار، في محلة قاعة الشفا، و عدم سريانها إلى الأماكن المجاورة، كما أتت سيارات أخرى للإطفاء من خارج المسجد من جهة الشبيكة و وقفت عند مدخل قاعة الشفا، و مدوا خراطيم المياه إلى المنازل التي تحترق لإطفاء النار حتى حاصروها و أطفئوها قبل الفجر بساعة واحدة. كما بينا ذلك مفصلا في محله، و لو لا لطف اللّه تعالى لاحترق جانب كبير من مكة" إن اللّه بالناس لرؤوف رحيم". ففي هذه الحادثة تكون السيارات أي" الأوتومبيلات" دخلت المسجد الحرام لأول مرة في التاريخ و مكثت تتردّد فيه أسبوعا واحدا حتى اطمئنوا إلى خمود النار تحت الدمار و الهدميات.

و من المصادفات الحسنة، أنه في هذه الجهة، قامت الهدميات و العمل جار في توسعة المسجد الحرام، فالطريق ممهد بطبيعة الحال و لم يكن إلا مساعدات قليلة لاجتياز هذه السيارات الضخمة، و لقد دخلت هذه السيارات إلى المسجد الحرام من جهة المسعى بقرب الصفا أي من" باب علي" المقابل لبئر زمزم فتمشي بالمسجد حتى تقف بالقرب من باب الباسطية، ثم تمتد منها خراطيم المياه إلى محلات الحريق.

و إن من أعظم لطف اللّه تعالى وقوف الهواء في هذه الليلة وقوفا تاما، فلو تحرك الهواء لاشتعلت النار أكثر و امتد الحريق إلى جهات متعددة في البلدة. فالحمد للّه الذي قدّر هذا و لطف فيه" إن اللّه بالناس لرؤوف رحيم".

344

ذكر بعض الحوادث المتفرقة

ذكر الغازي نقلا عن" تحصيل المرام": و في سنة (1081) إحدى و ثمانين و ألف يوم الجمعة دخل رجل أعجمي المسجد، و السيف في يده، و الخطيب يخطب، فصرخ على الخطيب، و أشار إليه بالسيف، و قال: أنا المهدي. فدفعه الناس عن الخطيب و ضرب الأعجمي حتى مات و حرقوه بالمعلى. انتهى.

و ذكر السنجاري في" منائح الكرم" هذه الحادثة بأبسط من هذا و هذه عبارته: و في سنة (1081) يوم الجمعة السادس و العشرين من رمضان دخل المسجد رجل أعجمي، بيده سيف، و الخطيب يخطب، و هو ينادي بالفارسية ما معناه أنه المهدي، و جلس في صحن الطواف إلى أن فرغ الخطيب، فلما أراد أن ينزل قصده الأعجمي بالسيف، و أراد ضربه، فرد في وجهه باب المنبر، و كان الخطيب ذلك اليوم القاضي محمد بن موسى القليوبي المكي، فتلاحقته العامة من العساكر و المجاورين، فضربوا الأعجمي بالسيوف إلى أن أثخنوه جراحة، و سحبوه إلى أن أخرجوه من باب السلام، ثم جرته العامة من أولاد السوق إلى المعلاة، و جعلوا عليه قمامة و أحرقوه فيها. و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

و فيه أيضا و في سنة (1123) يوم الجمعة رابع عشر ذي القعدة تعرّض للخطيب رجل من السوقة، و في يده جنبية مسلولة، فعند وصول الخطيب إلى المنبر ضربه بها فتلقى عنه المرقي، و فعل هكذا ثانيا و ثالثا و المرقي يتلقاها، ثم هرب الخطيب و صعد الرجل المنبر، و السكينة في يده، يومي بها إلى من طلع إليه، فطلع إليه رجلان: تركي و عبد زنجي، و مسكوه و أنزلوه من المنبر، فوقعت فيه العامة ضربا و أخرجوه من المسجد و أثخنوه إلى أن مات. انتهى.

و في سنة ألف و مائتين و ثمانية و أربعين خرج بعد العشاء، ليلة الجمعة، رجل بالمسجد الحرام، وعظ الناس، و أخبر أن المهدي يخرج غدا. فارتجت البلد لذلك.

فلما كان وقت الجمعة، امتنع الخطيب من الخطبة، إلا أن يحضر الأمير و العساكر حول المنبر، فأجيب لذلك. و كان خطيب تلك الجمعة السيد محمد ميرة، فلما صعد المنبر أتى الشخص المدعي أنه المهدي، فاستقبلته العساكر، و قبضوا عليه و حبسوه إلى أن ينظروا أمره، بعد صلاة العصر. فلما جاء وقت صلاة العصر، لم‏

345

يجدوه في الحبس، و الحديد الذي كان مربوطا به، محطوط محلّه، كذا في نزهة الفكر للشيخ الحضراوي. انتهى.

و في خلاصة الكلام و في شهر رجب سنة (1203) وقعت حادثة بمكة و هي أن يوم الجمعة، كان الخطيب الشيخ عبد السلام الحرشي، فتعرّض له عند المنبر بنقالي، قيل مجنون، قبل الصلاة، و ضربه سكينا قطع به أمعاءه، فكانت هي القاضية. و وقع في المسجد ضجة عظيمة، حتى أشاع بعض العوام أن المهدي المنتظر ظهر بين الركن و المقام، و عما قليل زال الالتباس، و تقدم خطيب آخر فخطب، و صلى بالناس، و أمر مولانا الشريف غالب، أمير مكة، بصلب ذلك القاتل، فصلب. انتهى.

و في تاج تواريخ البشر: و في ثاني جمعة من رمضان من سنة (1296) ألف و مائتين و ست و تسعين بينما الخطيب، على المنبر بالمسجد الحرام، إذ جاء رجل سنادي، من ناحية باب الصفا، يشتد و يسعى حتى رقا المنبر، و في يده سيف بحدين، فتلقاه المبلّغ، فضربه الرجل في جبهته، فبرك عليه المبلّغ حتى دحرجه، فوكزه الناس و ضربوه، ثم وصلوا به إلى الديوان، و قد اضطرب المسجد الحرام في تلك الساعة، فقائل هذا المهدي و قائل غير ذلك، و لما قضيت الصلاة ضربوه نحو مائتين من السياط ثم وضعوه في الخشب، و أرسلوه إلى الطائف لأمير مكة المكرمة الشريف حسين بن محمد بن عون، فلما وقف بين يديه، قال له: أنت المهدي؟

قال: لا، و لكني رجل أقرأ وردا و إذا قرأتها يصير بي حال، فكتبت بعض المواعظ و قصدي أعطيها للخطيب ليعظ بها الناس فضربوني، و جرح نفسه مكبّر الخطيب، فقال أمير مكة: هذا رجل مجنون و وضعه في السجن. انتهى.

قال الغازي في الجزء الأول من تاريخه: و في سنة (1012) اثنتي عشر و ألف، ظهر التنباك و الدخان بأرض الحجاز و مكة و الشام في هذا التاريخ و لم يعرف قبل ذلك، كذا في تحصيل المرام.

ثم قال فيه أيضا: و مما كان في دولة مولانا الشريف مسعود أنه منع الناس من التظاهر بشرب الدخان، فرفع من القهاوي و الأسواق، و صار حاكمه يقبض على من يراه عنده من الأطواق، و كان ذلك في سنة (1149) تسع و أربعين و مائة و ألف.

346

نقول: في سنة (1338) ثمان و ثلاثين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة تقريبا، وجدت أول ماكينة لعمل الثلج بمكة، شرفها اللّه تعالى، و قبل هذه السنة لا يعرف الثلج بمكة، و إنما كان يبرد الماء بتعرضه للهواء في الأواني الطينية و الفخارية، كالأزيار و القلل المسماة في الحجاز" الشّراب" بكسر الشين المعجمة، و من بعد عام (1350)، أي في عصر الحكومة السعودية، كثرت مصانع الثلج بمكة، و جميع المملكة تدريجيا، حتى صار الآن بمكة وحدها عدة مصانع للثلج.

بعض ما حصل بمكة و ما حولها من القتال و النهب‏

نذكر هنا بعض ما حصل بمكة من القتل و القتال و غيره مما يخل بالأمن و الأمان، و نذكر ذلك من تاريخ الغازي، (رحمه اللّه تعالى)، لأنه جامع لأشتات الأخبار، و لا نذكر ما يأتي من قبيل التشهير و النيل من أهل الزمان السابق، غفر اللّه لنا و لهم، بل نذكره لنقارن بين ما كان سابقا من الخوف و عدم الاطمئنان، و بين ما نحن فيه من الأمن و الأمان، بفضل اللّه تعالى و رحمته، فتزداد شكرا للّه تعالى ليزيدنا من برّه و إحسانه و فضله و رحمته. و قد حصل قتال بين الجن و بين بني سهم من قريش زمن الجاهلية ذكر ذلك الإمام الأزرقي في تاريخه لكن لا نريد ذكره هنا و ربما نذكره في موضع آخر من الكتاب.

و قد جاء في تاريخ الغازي: أنه في سنة (299) تسع و تسعين و مائتين كانت واقعة بين عج بن حاج و بين الأجناد بمنى، ثاني عشر ذي الحجة و أصابت الحجاج من عودتهم عطش شديد، فمات منهم جماعة، و حكي أن أحدهم كان يبول في كفه و يشربه.

و في سنة (355) خمس و خمسين و ثلاثمائة قطعت بنو سليم الطريق على الحجيج من أهل مصر، و أخذوا منهم عشرين ألف بعير بأحمالها، و عليها من الأموال و الأمتعة ما لا يقوّم كثيره، و بقي الحجاج في البوادي فهلك أكثرهم، كذا في حسن المحاضرة، ذكره في" تحصيل المرام".

و ذكر ابن فهد أيضا هذه الوقعة في حوادث سنة خمس و خمسين و ثلاثمائة و هذا نصه: و فيها نهبت بنو سليم حاج مصر و الشام، و كانوا عالما كثيرا، و أخذ جميع ما كان معهم من الأموال، و كان ما لا حدّ له، لأن كثيرا من الناس، من أهل الثغور و الشام، هربوا خوفا من الروم بأموالهم و أهليهم، و قصدوا مكة ليسيروا

347

منها إلى العراق فأخذوا و قتل أمير الركب و هلك من الناس ما لا يحصى و تمزقوا في البراري و لم يسلم إلا القليل ورد على الحاج بعض ما أخذ منهم في السنة التي بعدها. انتهى.

و قال ابن فهد أيضا في حوادث سنة (395) خمس و تسعين و ثلاثمائة و فيها أصاب حاج العراق رياح و أهوال، و طرحت العرب من خفاجة الحنظل في المياه، فهلكوا عطشا ثم أخذوهم و نهبوهم. انتهى.

و في سنة (410) أربعمائة و عشرة قتل بمكة هادي المستجاشي، و كان ظهر، في آخر أيام الحاكم العبيدي صاحب مصر، و صار يدعو إلى عبادة الحاكم، فحكي عنه أنه سب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و بصق على المصحف الشريف، و سار في البوادي، يدعو إلى أن قتله اللّه تعالى، و ذلك أنه لما وصلها و نزل على أبي الفتوح، و أعطاه الذمام، و صار يطوف بالكعبة، فكلما رآه المجاورون، مضوا إلى أبي الفتوح، و ذكروا له شأنه، و أنه لا يستتاب. فقال: هذا قد نزل علي و أعطيته الذمام. فقالوا: لا يصح أن يعطى الذمام. فدافعهم أبو الفتوح، فاجتمع الناس عند باب الكعبة، و ضجوا إلى اللّه تعالى، و بكوا، فقضى اللّه تعالى بإرسال ريح سوداء حتى أظلمت الدنيا و صار للكعبة نور كنور الترس و لم يزل كذلك يرى ليلا و نهارا على حالة واحدة، مدة سبعة عشر يوما. فلما رأى أبو الفتوح ذلك، أمر بالغريم و غلام له مغربي، فضربت أعناقهما و صلبا، و لم يزل المغاربة يرجمونهما بالحجارة، حتى سقطا إلى الأرض، فجمعوا لهما حطبا و أحرقوهما. كذا في" درر الفرائد".

و في تاريخ ابن فهد، بعد قوله: و أعطيته الذمام، فقالوا: إن هذا سب و بصق. فسأله عن ذلك فأقر به، و قال: قد تبت، فقال المجاورون: توبة هذا لا تصح، و قد أمر النبي (صلى الله عليه و سلم) بقتل ابن خطل، و هو متعلق بأستار الكعبة، و هذا لا يصح أن يعطى الذمام، و لا ينبغي إلا قتله. انتهى.

و فيه أيضا و في سنة (486) ست و ثمانين و أربعمائة حج الناس من الشام، فلما قضوا حجهم، و عادوا سائرين، أرسل إليهم أمير مكة محمد بن أبي هاشم عسكرا فلحقوهم، بالقرب من مكة، فنهبوا كثيرا من أموالهم و جمالهم، فعادوا مستغيثين به، و أخبروه و سألوه أن يعيد إليهم ما أخذ منهم، و شكوا إليه بعد ديارهم، فلم يغثهم بما فيه كبير جدوى، و أعاد بعض ما أخذوه منهم، فلما يئسوا

348

منه عادوا من مكة على أقبح صفة، فلما بعدوا عن مكة ظهر عليهم جموع من العرب، في عدة جهات، فضايقوهم على مال أخذوه من الحاج، بعد أن قتل منهم جماعة وافرة، و هلك كثير بالضعف و الانقطاع، و عاد السالم منهم على أقبح صورة في حالة عجيبة. انتهى.

و في سنة (539) تسع و ثلاثين و خمسمائة نهب أصحاب هاشم بن فليتة أمير مكة الحجاج، بالحرم الشريف، و هم يطوفون، و ذلك نصفه كانت بين أمير الحاج و بين هاشم أمير مكة كذا في" تحصيل المرام".

و في سنة (544) أربع و أربعين و خمسمائة كان أمير الحاج العراقي قيماز الأرجواني، فلما وصل الحاج إلى مكة، طمع أمير مكة فيهم، و استزرى بقيماز فطمع العرب، و وقفت في الطريق، و بعثوا يطلبون رسومهم. فقال قيماز للحاج:

المصلحة أن يعطوا و نستكفي شرهم. فامتنع الحاج من ذلك، فقال لهم: فإذا لم تفعلوا فلا تزوروا السنة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فاستفاتوا عليه، و قالوا نمضي إلى سنجر، فنشكو منك. فسار بهم إلى أن وصلوا إلى مضيق، بين مكة و المدينة، خرج عليهم العرب، من بني زغب، بعد العصر، يوم السبت رابع عشر المحرم من سنة خمس و أربعين، فقاتلوهم، فكثرت العرب، و ظهر عجز قيماز عنهم، فطلب لنفسه أمانا، و استولوا على الحجاج، فأخذوا من الأموال و الثياب و الجمال ما لا يحصى، و أخذوا من الدنانير ألوفا كثيرة. فتحدث جماعة من التجار أنه أخذ من هذا عشرة آلاف و من هذا عشرون ألفا و من هذا ثلاثون ألفا، و أخذ من خاتون أخت مسعود ما قيمته مائة ألف دينار، و تقطع الناس، و هربوا على أقدامهم يمشون في البرية، فماتوا من الجوع و العطش و العري، و قيل إن النساء طيّن أجسادهن لستر العورة، و ما وصل قيماز إلى المدينة، إلا في نفر قليل، و تحملوا منها إلى البلاد، و أقام بعضهم مع العرب، حتى توصل إلى البلاد. كذا في" إتحاف الورى من أخبار أم القرى".

و في سنة (556) خمسمائة و ست و خمسين، حج الناس، فحصلت فتنة و قتال، بين صاحب مكة و أمير الحج، فرحل الحجاج و لم يقدر بعضهم على طواف الإفاضة قال ابن الأثير: و كان ممن حج و لم يطف جدته أم أبيه فأتت في العام القابل و طافت و أحرمت بحجة أخرى و أهدت. انتهى ذكره أبو الفرس كذا في" تحصيل المرام".

349

و في" إتحاف الورى" و في سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة (583) وقعت فتنة بعرفة، في يوم عرفة، بين العراقيين و الشاميين، و كان قد اجتمع هذه السنة حاج بالشام من بلاد العراق و المواصل و ديار الجزيرة و خلاط و بلاد الروم و مصر و غيرها، ليجمعوا بين زيارة القدس و مكة، و جعل الأمير عليهم شمس الدين محمد بن عبد الملك بن محمد، المعروف بابن المقدم، أحد أكابر الأمراء الصلاحية، بعد طلبه الإذن من صلاح الدين، فساروا إلى عرفات سالمين، و قضوا في ذلك المشاعر و أدوا الواجب و السنة، فلما كان عشية عرفة تجهز هو أصحابه، ليسيروا من عرفات، فأمر بضرب كوسانة، التي هي إمارة الرحيل، فضربها أصحابه، و رفع علم السلطان صلاح الدين، فأرسل إليه أمير الحاج العراقي مجبر الدين طاشتكين، ينهاه عن الإفاضة من عرفات قبله، و يأمره بكف أصحابه عن ضرب كوسانة، و قال: هذا موضع لا يرفع فيه إلا علم الخليفة. فقال ابن مقدم: فالسلطان مملوك أمير المؤمنين، و نحن مماليك السلطان، و ليس لي معك تعلق، أنت أمير الحج العراقي و أنا أمير الحج الشامي، و كل منا يفعل ما يراه و يختار. و أمر غلمانه فأطلعوا العلم و سار و لم يقف و لم يسمع قوله، فلما رأى طاشتكين إصراره على مخالفته، ركب في أصحابه و أجناده، و تبعه من غوغاء الحاج العراقي، و بطاليهم و طماعتهم، العالم الكبير و الجم الغفير، و قصدوا حاج الشامي مهولين عليه، فلما قربوا منه ركب ابن المقدم أيضا بمن معه من الشاميين، فاقتتلوا و قتل من الفريقين جماعة، و خرج الأمر عن الضبط، و عجزوا عن تلافيه، فهجم جماعة العراقيين على حجاج الشام و فتكوا بهم، و قتلوا منهم جماعة و نهبت أموالهم، و سبي جماعة من نسائهم، إلا أنهن رددت عليهن. و جرح ابن المقدم عدة جراحات، و كان يكف أصحابه عن القتال، و لو أذن لهم لانتصف منهم، و زاد، و لكنه راقب اللّه تعالى و حرمة المكان و اليوم، و أثخن بالجراحة، و أصابه سهم في عينه، فخر صريعا، فأخذه طاشتكين إلى خيمته، و أنزله عنده ليمرضه، و ليستدرك الفارط في حقه، و ساروا تلك الليلة من عرفات. فلما كان الغد يوم الخميس، يوم عيد الأكبر، مات ابن المقدم بمنى، و صلى عليه بمسجد الخيف، و حمل إلى المعلاة، و دفن، و رزق الشهادة بعد الجهاد و شهود فتح بيت المقدس، (رحمه اللّه تعالى)، و أخذ طاشتكين شهادة الأعيان، أن الذنب لابن المقدم، و قوي المحضر في الديوان و أقام الحاج الشامي بمنى، على أسوأ حال. انتهى.

350

و في سنة (698) ثمان و تسعين و ستمائة حصل للحجاج تشويش في سفرهم بالعطش و الجوع، و تشويش عظيم بعرفات، و هو شتم في نفس مكة، و نهب خلق كثيرون، و أخذت ثيابهم التي عليهم، و قتل خلق، و جرح جماعة، و حصل لأبي نمي، صاحب مكة، من الجمال المنهوبة خمسمائة جمل، و كانت تباع لحوم الجمال بعد رحيل الحجاج بمكة، و أكثرهم المجاورين احترزوا من أكل لحوم الجمال، بسبب ذلك النهب. كذا في" درر الفرائد".

و في سنة (730) ثلاثين و سبعمائة في يوم الجمعة و أربع عشر من ذي الحجة قتل الأمير الخازندار سيف الدين ألدمر بن عبد اللّه الناصري بمكة، و كان من خبر ذلك، أن أمير الركب العراقي، في هذه السنة، كان من أهل توريز، يعرف بمحمد الحجيج، تقرب من أولاد جوبان، فترقى بهم إلى معرفة السلطان أبي سعيد، فعظم أمره و جعله من ندمائه، و بعثه رسولا إلى مصر غير مرة، فأعجب به السلطان، و لاقي بخاطره، إلى أن بلغه أنه يعرض في مجلس أبي سعيد شي‏ء ذكره مما يكرهه السلطان، فتنكر له و أسر ذلك في نفسه، فلما بلغه عنه أنه صار أمير الركب العراقي، كتب إلى الشريف عطيفة بن أبي نمي سرا لأن يتحيل في قتله، فلم يجد بدا من امتثال ما أمره به.

و أطلع ولده مبارك ابن عطيفة و من يثق به على ذلك. و تقدم إليهم بأعمال الحيلة فيه، فلما قضى الحاج النسك، عاد منهم الأمير علم الدين سنجر الجادلي إلى مصر، و معه جماعة، في يوم الأربعاء ثاني عشر ذي الحجة، و تأخر الأمير سيف الدين خاصي ترك أمير الحاج و الأمير سيف الدين ألدمر أمير خازندار، و الأمير أحمد بن خالة السلطان، ليصلوا بمكة صلاة الجمعة، و معهم بقية حجاج مصر، فلما حضروا للجمعة، و صعد الخطيب المنبر، أراد الشريف عمل ما رسم به، فأخذ العبيد في إثارة الفتنة بين الناس بذلك، و أول ما بدأوا به، أن عبثوا ببعض حاج العراقي، و خطفوا شيئا من أموالهم، بباب المسجد الحرام، باب إبراهيم. و كان الشريف عطيفة جالسا إلى جانب الأمير خاصي ترك أمير الركب، فصرخ الناس بالأمير الدمر، و ليس عنده علم بما كتب به السلطان إلى الشريف عطيفة، و كان مع ذلك شجاعا حاد المزاج قوي النفس، فنهض و معه أصحابه و جماعة من المماليك، و قد تزايد صراخ الناس، و أتى الشريف رميثة، و قبض بعض قواده و أصدقائه، فلاطفه الشريف، فلم يسكن، و اشتد صياح الناس، فركب الشريف مبارك بن‏

351

عطيفة في قواد مكة بآلة الحرب، و ركب جند مصر، فبادر خليل ولد الأمير الدوادار، ليطفئ الفتنة، و ضرب أحد العبيد فرماه العبيد بحربة فقتله، فلما رأى أبوه ذلك اشتد غضبه، و حمل بنفسه لأخذ ثأر ولده فرمى الآخر بحربة فمات.

و يقال بل صدف الشريف مبارك بن رميثة و عمه عطيفة، و قد قصد أمير ركب العراقي، و عليه آلة حرب، فقال له: ويلك تريد أن تثير فتنة؟ و هم ضربه بالدبوس، فضربه مبارك بحربة كانت في يده أنفذها في صدره، فخر صريعا، و قضى، و قضى اللّه معهما بالشهادة لجماعة آخرين منهم مملوك للأمير ألدمر و أمير عشرة يعرف بابن الناجي، و جماعة نسوة. و رمي مبارك بن عطيفة بسهم في يده فشلت، و ركب أهل مكة سطح الحرم و رموا الأمير أحمد و من معه بالحجارة و قد اتفرغ نشابة بين يديه، هو و من معه، و رمي بها، حتى خلص أيضا. و فرّ أمير الركب العراقي، و دخلت الخيل المسجد الحرام، و فيها جماعة من بني حسن ملبسين غايرين، و اختبط الناس بأسرهم، و تفرق الناس، و ركب بعضهم بعضا، و نهب الناس أموالا كثيرة، و جرت أمور عجيبة و صلى الناس الجمعة، و السيوف تعمل، و خرج الناس إلى المنزلة- المنزلة موضع النزول- و الخيل في أثرهم، يضربون بالسيوف يمينا و شمالا، و ما أن وصلوا إلى المنزلة و في العين قطرة. و دخل الأمراء، بعد الهزيمة، إلى مكة لطلب الثأر، و خرجوا فارين مرة أخرى، ثم بعد ساعة جاء الأمراء خائفين، و بنو حسن و غلمانهم أشرفوا على ثنية كدى من أسفل مكة، و تحير الشريف عطيفة في أمره، و ما زال يداري الأمر حتى خرج الحاج بأجمعهم من مكة، و أمروا بالرحيل و توجهوا إلى بلادهم. و لو لا سلم اللّه كانوا أنزلوا عليهم، و لم يبق من الحاج مخبر. و وقف أمير الركب المصريين في وجوههم فأمر بالرحيل. فاختبط الناس و جعل أكثر الناس يترك ما ثقل من أحمالهم و نهب الحاج بعضهم بعضا. ذكره ابن فهد.

و في سنة (743) سبعمائة و ثلاث و أربعين كان بعرفة فتنة و قتال عظيم، بين الأشراف و أمير الحج. و قتل من الترك نحو ستة عشر رجلا و من الأشراف نفر يسير. و بعد الوقوف توجهوا إلى مكة، و تحصنوا بها، و تركوا الحضور إلى منى في أيامها، و دخل الحاج مكة قبل النفر الأول، وفات الكثير من الناس المناسك بسبب هذه الفتنة.

352

و في سنة (744) سبعمائة و أربع و أربعين وقعت أيضا فتنة بين أمير الحاج و أهل مكة و قتل جماعة و خمدت الفتنة.

و في سنة (785) سبعمائة و خمس و ثمانين وقعت فتنة بين حاج التكرور و المغاربى و بين حجاج العراق و اليمن زمن الحج و قتل فيها نحو ألف إنسان. ذكره في" خلاصة الكلام".

و في سنة (797) سبع و تسعين و سبعمائة في يوم التروية، حصل في المسجد الحرام جفلة، بسبب مناقرة وقعت بين بعض القوادين المعروفين بالعمرة و بين أمير الركب ابن الزين، فثارت الفتنة و صارت قتال، ظفر فيه القواد و نهبت أموال كثيرة للحاج و قتل بعضهم، و نهبت الظهران، عرب من هذيل، الحاج في ليلة عرفة بطريق عرفة عند المأزمين، و رحل الحاج بأجمعهم من منى في النفر الأول.

ذكره ابن فهد.

و في سنة (810) ثمانمائة و عشرة في يوم الجمعة خامس ذي الحجة، حصل بالمسجد الحرام، فتنة انتهكت فيها حرمة المسجد، لما حصل فيه من القتال بالسلاح، و إدخال الخيل، و إراقة الدماء، و روث الخيل فيه و طول مقامها فيه.

و سبب ذلك، أن أمير الحج المصري أدب بعض غلمان القواد على حمل السلاح لنهيه عن ذلك، و حبسه، فرغب بعض مواليه في إطلاقه، فامتنع، فلما قام الناس، لصلاة الجمعة، من اليوم المذكور، هجم جماعة من القواد و دخلوا المسجد الحرام، من باب إبراهيم، راكبين خيولهم، لابسين لأمة الحرب، إلى أن انتهوا إلى مقام الحنفي. فلقيهم الترك و الحجاج، من باب إبراهيم، راكبين خيولهم، لابسين لأمة الحرب، إلى أن انتهوا إلى مقام الحنفي. فلقيهم الترك و الحجاج، و قاتلوهم إلى أن وصلوا سوق المعلافة، أسفل مكة. و ظهر المصريون و انتهب بعض دور القواد من المصريين، بالسوق المذكور، و سوق المسعى، و بعض بيوت مكة. و لما كان آخر النهار أمر أمير الحاج بتسمير أبواب المسجد الحرام، إلا باب السلام، و باب الدريبة، و باب مدرسة المجاهدية، لأن أمير الركب و من معه يدخلون منه. و أدخل جميع خيله المسجد الحرام، و جعلت في الرواق الشرقي، قريبا من منزله برباط الشرابي، المسمى الآن برباط قايتباي. و باتت الخيل بالمسجد الحرام حتى الصباح، و لم يعلم أن المسجد الحرام انتهك مثل هذه الواقعة، فذهب جماعة من أعيان مكة إلى أمير الحاج المصري، و أخبروه أنه أخطأ في أمساك القائد و ضربه، فأمر بإطلاقه،

353

و التمسوا من الشريف إخماد الفتنة، فبعث ولده الشريف أحمد إلى أمير الحاج، فخرج من عنده، و نادى بالأمان، فاطمأنت الناس و أمنت بعد جراحات كثيرة حصلت للفريقين، قال بعضهم و لا أعلم فتنة أعظم منها بعد القرامطة و كان القائد الذي وقعت الفتنة بسببه يقال له جراد و اتفق أن تلك السنة كانت غلاء فقال بعض الأدباء في ذلك:

وقع الغلاء بمكة* * * و الناس أضحوا في جهاد

و الخير قل فهاهم‏* * * يتقاتلون على جراد

و فيه تورية لطيفة. كذا في خلاصة الكلام و تحصيل المرام.

و في سنة (874) أربع و سبعين و ثمانمائة في ليلة الأحد خامس عشر ربيع الثاني، وجدت سعادة أم الهدى بنت القاضي نور الدين علي ابن بركات بن ظهيرة القلاشي مقتولة على فراشها بالخنق، فاتهم بذلك جواريها، فدفعوا إلى الوالي، فأقرت اثنتان منهن بأنهما قتلاها خنقا و أخذتا ذهبا و مصاغا و ثيابا، فأعادتا ذلك، و كانتا قبل ذلك استعانتا بجارية أجنبية، في شراء سم، فأسقياه لستهما في لبن، فتوجعت من ذلك، و كانت معللة به إلى أن حصلت لها الشهادة، رحمها اللّه تعالى، فلما كان في يوم الثلاثاء السابع عشر، أشهر قطع الوالي الأذن اليمنى، من كل واحدة من جاريتيها إلى الشحمة، و قطع مارن أنفيهما و سمرتا تسمير عطب على جملين، و بيض وجهيهما بالنورة، و دير بهما غالب شوارع البلد و أزقتها، ثم شنقتا على درب باب المعلاة، و تركتا عليه إلى ثاني تاريخه، ثم دفنتا. و أما الجارية التي اشترت السم فإنه بيض وجهها بالنورة و عزرت مقلوبة على حمار. انتهى كذا في" الإتحاف".

و في" منائح الكرم"، و في سنة تسعمائة و اثنين و ثلاثين (932) ورد من مصر سليمان الريس، متوجها إلى اليمن، و معه نحو أربعة آلاف عسكري، جهزهم الوزير أعظم إبراهيم باشا، صاحب مصر، لأخذ اليمن مددا لمن سبق من الباشاوات، فوصلوا جدة في شهر رمضان من السنة المذكورة، و صار العسكر يتعرضون العرب بالنهب، فانقطع الميرة عن مكة، بسبب ذلك، و حصل بها غلاء لذلك، ثم وصلت طائفة من العسكر إلى مكة، و أخرجوا الناس من بيوتهم، و سكنوها، و كثر أذاهم، فتسلطت عليهم العربان، و قتلتهم في طريق جدة، و أينما وجدوهم، إلى أن قتلوا تاجرين عظيمين، من تجار مكة، ظنا بهم أنهم من‏

354

العسكر، فمنع الشريف حسن العربان بعد القتل، لكن بعدها ألح فيهم القتل و امتلأ طريق جدة منهم. فبعث الشيخ محمد بن عراق جماعة، فدفنوا ما في الطريق من جثث القتلى، و لما كثر العسكر المذكور بمكة نصبوا بيارقهم في المسجد الشريف، من باب السلام إلى باب علي، فشكى الناس ذلك إلى الشيخ محمد بن عراق، فجلس الشيخ في المسجد، و دعا الأمير خير الدين و بعض رؤساء العسكر، و نهزهم، و أمرهم بالخروج من بيوت الناس، فأكبوا على رجليه يقبلونها، و قالوا:

مقصودنا الحج و نتوجه. فقال لهم الشيخ: اذهبوا إلى منى فإن بها دورا خالية، فاسكنوها. فامتثلوا أمره و خرجوا إلى منى و قتلوا بعض المفسدين منهم، امتثالا لأمر الشيخ محمد. و كان ذلك بإشارة من النبي (صلى الله عليه و سلم) للشيخ، فإنه كان بالمدينة، فأمر النبي (صلى الله عليه و سلم) بالمسير إلى مكة، قال له: توجه إلى مكة لإصلاحها. فورد مكة سادس شوال و صادف هذه الفتن و الشيخ محمد بن عراق هذا ترجمه العلامة الفربي في أخبار المائة العاشرة و أما سليمان الريس فاستولى على محصول جدة فكان نصفه للسلطنه لأمير مكة، و كان المحصول في ذلك العام تسعين ألف دينار ذهبا. و كان الشريف خرج من مكة و نزل الدكناء، فجاءه الخبر و وصل إليه أمين جدة على جاووش، و اعتذر إليه بغلبة سليمان، فقبله و أمره بالرجوع إلى جدة. انتهى.

و في سنة (1001) ألف و واحد حصل للحاج نهب كثير، من شخص من أشراف مكة، كان عاصيا على بني عمه، بشرذمه معه، يتعرضون للحاج، فأعان اللّه أمير الحج المصري علي بيك، فقبض عليه و على طائفته، و هم غافلون ليلة تحت بعض الجبال بعيدا عن الطريق المسلوك، و أحاط عليه بالعساكر و نزل بهم من الجبل إلى الحج، و جلس على كرسيه و نادى كل من ضاع له شي‏ء من الحجاج ليحضر، و أقام يوما بحضرة القاضي فردوا جميع ما أخذ عليهم. ذكره في" تاريخ البشر".

و في سنة (1029) ألف و تسع و عشرين وقع طرد في المسجد الشريف، و ذلك أن جبليا من عسكر الشريف، دخل المسجد و ترك سيفه عند هندي، فجاء رجل تركي اختصم معه، و سب الهندي، فثار له الهندي بالسيف، و قتل التركي، و ثارت الناس على الهندي، فطردهم إلى باب الصفا، فلم يزالوا به حتى ضربه بعضهم بإبريق، فزلق فتكاثروا عليه، فضربه بعضهم بسلاح فمات، و أخرج من المسجد هو و التركي مقتولين. كذا في" منائح الكرم".