التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج4

- محمد طاهر الكردي المزيد...
651 /
355

و في سنة (1118) ألف و مائة و ثماني عشرة في إمارة الشريف عبد الكريم، لما كان يوم عرفة، حصل بين المحملين مشاجرة في التقدم عند النفر. أوجبت المراماة بالرصاص، مع أن القانون القديم، أن التقدم لمحمل الحاج المصري، ثم لما رأى حضرة الشريف ما وقع، أرسل بعض الأشراف إلى الأمراء، لتسكين الفتنة، لحفظ الحجاج و تخلف هو عن وقت نفره المعتاد إلى العشاء، إلى أن سكنت الفتنة، و شد الحاج كله، و لم يبق أحد من أهل مكة و غيرهم. ذكره في" الإتحاف".

و في سنة (1272) اثنين و سبعين بعد الألف و المائتين ورد التنبيه من كامل باشا الذي كان مقيما بجدة، لقائم مقامه بمكة، أن يجمع دلالي الرقيق، و يمنعهم من بيع الرقيق، بمقتضى أمر جاء لكامل باشا من الدولة، ففعل قائم مقام الباشا ما أمره به. فصار للناس من ذلك انزعاج و اضطراب، و صاروا يقولون: كيف يمنع بيع الرقيق الذي أجازه الشارع؟ و هاج الناس هيجانا شديدا، فاجتمع جماعة من طلبة العلم عند الشيخ جمال، و كان رئيس العلماء، و قالوا: نذهب إلى القاضي و نذاكره في ذلك، ليراجع كامل باشا و هو يراجع الدولة في ذلك، فاجتمع معهم، و هم ذاهبون إلى بيت القاضي، خلق كثير من غوغاء الناس، فلما دخلوا على القاضي، فزع منهم و هرب، و دخل إلى بيت حريمه، فزاد هيجان الناس و اضطرابهم، و هاج بسبب ذلك بعض العساكر الضابطية، الذين كانوا في دار الحكومة، و رأوا بعض الناس حاملين السلاح، و يقولون: الجهاد. فثار من ذلك فتنة عظيمة، و صار الرمي بالبندق من الفريقين، و انتشرت الفتنة و رمي البندق في الأسواق و الطرقات، و صار القتل لكثير من العسكر و غيرهم. و توقف بعض العسكر مع بعض أهل البلد، في المسجد الحرام، و صاروا يترامون بالبندق، و قتل في المسجد أناس من ذلك الرمي، ففزع بعض الناس إلى الشريف منصور بن الشريف يحي بن سرور، و هو في داره، و سألوه تسكين هذه الفتنة، فأطلق مناديا في مكة، لمنع الناس من الفتنة، فامتثلوا أمره، و أمن الناس و تحفظ على العساكر الشاهانية، و اطلع كثيرا منهم القلعة، و كذلك الشريف عبد اللّه بن ناصر أدخل كثيرا من العساكر في دار الشريف محمد بن عون، و سكنت الفتنة. ذكره في" خلاصة الكلام".

و في شهر شوال سنة (1326) ألف و ثلاثمائة و ست و عشرين، حدثت بمكة، فتنة كادت أن تفضي إلى محنة عظيمة، و سبب ذلك أن الحكومة أمرت أحمد

356

القبوري أن يعمر الجدار المحيطة بالمقابر، دافعا للروايح الكريهه، الحادثة من أوساخ الناس في القهاوي الكاينة، ثم فإنهم كانوا يتغوطون هناك، و أمروه أيضا أن يعمر القبور المتهدمة، فقال لهم: أنا رجل فقير من أين أعمر ذلك؟ فقالوا: مما تقبضه من أهل الأموات، و إن لم تفعل فقد وجدنا غيرك من يقوم بهذه الخدمة. و كان يأخذ على حفر قبر الميت ما يشاء من غير معارض له، على ذلك، و على الخصوص في زمن الحج من الحجاج. ثم بعد هذه القضية شرع يطلب الزيادة عن المعتاد، و يشدد في الطلب من الفقراء، و شاع بين الناس أن الحكومة أمرت للقبوري أن يأخذ على كل جنازة تدفن في المعلاة خمسة ريالات مجيديات، يأخذ منها واحد لنفسه، و الأربعة الباقية يصرفها في العمارة المذكورة. و اتفق في تلك المدة أن جاءت جنازة فقير من التكرور، فطلب القبوري منهم ما اعتاده في حفر القبر، و قال: إني مجبور على أخذ ذلك. فامتنعوا و تضاربوا، و قصدوا الحميدية، و انضم إليهم جماعة من الذين أشاعوا الخبر المذكور، و هو أن الحكومة أمرت بأخذ خمسة ريالات مجيدي على كل جنازة و صاروا يصيحون: باطل باطل، إلى أن وصلوا عند الوالي، فقال: لم آمر بذلك. فرجعوا من عنده، و لكن أثار الفتنة بعض المفسدين، فهجموا بالسلاح على دائرة الحكومية و على بعض المواقع العسكرية، و رمى بالرصاص فيما بين الصفا و باب الوداع و بالمسجد الحرام، و قتل عدة أنفار من العسكر، و عدة من الرعايا، إلى أن خمدت الفتنة، آخر النهار، بهمة بعض الأشراف، و وكيل الإمارة الشريف محمد بن أحمد بن عبد المجيد الحمودي العبدلي و غيرهم من الأعيان. ثم بعد أيام بحثت الدولة الدولة عن سبب هذه الفتنة و شررها، و قبضت على شيخ الفتنة أحمد القبوري، و نحو عشرين من أعوانه، و من بينهم في ذلك أيضا محمد علي بن عبد الواحد، الذي كان كاتبا للشريف عون أولا، ثم كاتبا للشريف علي، في مدة إمارته، فقبض عليه أيضا و نفوا إلى الآستانة و حبسوا هناك مدة مات فيها محمد علي، ثم أرجعوا إلى المحاكمة، ثانيا في بيروت، ثم أطلق سراحهم، و رجعوا مكة بعد سنة تقريبا. ذكره في" نزهة الأنظار و الفكر". انتهى كل ما ذكره من تاريخ الغازي.

نقول: إن ما ذكرناه هنا من الأحداث التي وقعت بمكة ليس من باب حصر الوقائع، فلو عددنا كل ما وقع من صدر الإسلام إلى اليوم لاحتجنا إلى مؤلف خاص. و إنما ذكرنا ما تقدم لنقارن بين الزمن الماضي و الزمن الحاضر. و يجب علينا أن نحمد اللّه تعالى ليل نهار على نعمة الأمن و الأمان الشامل لجميع مملكتنا، و لا

357

نبالغ أن قلنا أنه لا توجد مملكة كالمملكة العربية السعودية في شمول الأمن لجميع أطرافها، و ما ذلك أولا إلا بفضل اللّه و رحمته عز شأنه و تقدست أسماؤه، ثم بحسن نية جلالة مليكنا المعظم" سعود بن عبد العزيز آل سعود" و عنايته التامة بجميع مرافق المملكة، أدام اللّه عليه توفيقاته و أدام عزه و نصره.

الأمن و الأمان في العهد السعودي‏

كان الحجاز، في العهود السابقة، مضطرب الأحوال، من جهة الأمن و الأمان، و ذلك بسبب كثرة الحروب و الخصومات، بين الحكام و الولاة من قديم الزمان، حتى أن الحرب لتكون في منطقة الحرم، بل تكون أحيانا في داخل المسجد الحرام، فيموج الناس موجا و يضطربون اضطرابا، إلى أن تسكن الفتنة أو ينتصر أحد الخصمين من حكام مكة.

و أما عن خوف الحجاج، في موسم الحج، في كل عام، فحدث عن ذلك ما شئت، فما كان الحجاج يأمنون على أنفسهم و لا على أموالهم، مع ما يدفعونه من الأتاوى لمشايخ العربان و رؤسائهم، و مع ما يصحبهم من الجنود و الحرس المسلحين، مع كل ذلك أيضا، كان الحجاج، إذا وصلوا إلى أرض الحجاز، عن طريق البر أو البحر، يعتريهم الخوف و الوجل، ما داموا في طرق الحج و الزيارة، بل كان الحاج إذا أراد الخروج إلى الحج يودعه أهله وداع من لا يعود إلى وطنه ثانيا.

لهذا كله جعلت الحكومات السابقة، منذ القرن الخامس تقريبا، أسوارا بمكة و بجدة و بالمدينة، فقد كان بمكة سور بجهة المعلا، و سور بجهة الشبيكة، و سور بجهة المسفلة، و رب قائل يقول: لماذا هذه الأسوار الثلاثة لمكة، بينما جرت العادة أن تكون البلدة لها سور واحد فقط، يحيط بها من جميع الجهات؟

فنقول: إن اللّه تعالى أحاط بلده الأمين" مكة" بالجبال من جميع جهاتها، و جعل لها من أصل الخلقة ثلاثة منافذ، طريق من جهة المعلا، و طريق من جهة المسفلة، و طريق من جهة الشبيكة، فعلى هذه الجهات الثلاثة جعلت هذه الأسوار، فيكون كل سور مبني بالعرض، أحد طرفيه في الجبل الذي عن اليمين و طرفه الثاني في الجبل الذي يقابله عن الشمال، و في كل سور باب يفتح و يقفل.

و لقد هدمت هذه الأسوار كلها و لم يبق لها أثر الآن مطلقا.

358

ثم إن الحكومة التركية العثمانية، لما كان الحجاز تحت حكمها، بنت فوق التلال الصغيرة، جملة قلاع صغيرة فيما بين جدة و مكة و فيما بين مكة و المدينة و في بعض الطرق التي يجتازها الأعراب، و هذه القلاع تكون أسطوانية الشكل تسع نحو عشرين جنديا فقط، فكان فيما بين مكة و جدة نحو عشر قلاع من هذه القلاع الصغيرة، لم يبق منها الآن شي‏ء ما عدا أطلال قلعة أو قلعتين.

كما بنت الحكومة التركية أيضا ثلاث قلاع كبيرة بمكة:

1) قلعة أجياد: و هذه لا زالت موجودة إلى اليوم و بها جنود.

2) قلعة جبل هندي: و هذه لا زالت أيضا موجودة.

3) قلعة فلفل أي جبل لعلع: و قد هدمت هذه القلة و بني مكانها دارا للّاسلكي.

كما بنت الحكومة المذكورة بمكة أيضا قشلاق جرول للجنود، و لا زالت موجودة إلى اليوم عامرة بالجنود، و قشلاق آخر بأجياد. و هذه لا زالت موجودة أيضا، و هى الآن بقرب وزارة المالية و بعض الدوائر الحكومية.

و كان بعض حكام مكة، بينون بجبل أبي قبيس، دورا للحرب، يتحصنون فيها بالرجال و الأسلحة ضد خصومهم، و منذ أن تولى جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، (رحمه اللّه تعالى)، على الحجاز، سنة (1343 ه) حصل الأمن فيها بصورة منقطعة النظير، بحيث لا توجد الآن مملكة على وجه الأرض في الأمن و الأمان مثل المملكة العربية السعودية، فقد بسط الأمن ذراعيه في أطراف المملكة سهلها و جبالها، يمشى المرء وحده في أي بقعة ليلا أو نهارا و هو آمن على نفسه و على ما معه من المال. و تأتي هذه آلاف المؤلفة من الحجيج في موسم كل عام على الحرمين الشريفين، فلا يرون إلا الراحة و الطمأنينة و الأمان.

إن هذا الأمن الواقع بأطراف المملكة العربية السعودية هو حديث الخاص و العام، داخل المملكة و خارجها، و لا يزال إلى اليوم رجالنا المعمرون الذين شاهدوا الحالتين من الحضر و البدو، يتفكهون في المجالس بما كانت حالة البلاد من الخوف و التعدي على الحجاج، و ما أصبحت الآن من الأمن و الطمأنينة في طول البلاد و عرضها.

359

و لا شك أن ذلك راجع أولا إلى رحمة اللّه تعالى بعباده و عظيم فضله و إحسانه، ثم إلى يقظة حكومتنا السنية و حرصها على راحة شعبها و رعاياها، و توجد الآن في جميع الطرق بالمملكة مركز متفرقة للشرطة. فبين مكة و جدة توجد نحو عشرة مراكز للشرطة، و هذه المراكز بنيت منذ أربع سنوات على شكل بيوت صغيرة- أو بعبارة أخرى- على شكل" فيلات" جميلة في كل منها بضع من الجنود، و ليست هذه المراكز كالقلاع الصغيرة التي كانت مبنية في الطريق فإن هذه بنيت للحرب مع المعتدين من البدو، و أما هذه المراكز الحديثة فإنها وضعت للمحافظة على الطريق و على المسافرين و مراقبة السيارات، حتى لا تخرج عن حدود السير فتقع من الحوادث ما لا يحمد عقباه.

نسأل اللّه الكريم أن يجزى عنا حكومتنا السنية خير الجزاء، و أن يؤيد حضرة صاحب الجلالة مليكنا العظيم بالعز و النصر و أن يوفقه لكل ما فيه صالح العباد و البلاد آمين.

بعض الأمور العجيبة التي وقعت بمكة

إن ما نذكره هنا من الأمور العجيبة و الأحوال الغريبة، التي حصلت بمكة المكرمة من الأمطار و السيول و الرياح و الصواعق و أشبهها، إنما هو للعظة و الاعتبار و التذكر و الافتقار، فسبحان الذي يلطف بعباده فيما جرت به المقادير.

و ليس ذكرنا هذه الأمور من قبيل الحصر و التعداد، فقد يكون هناك من الحوادث ما غفل التاريخ عن ذكرها، و إننا لا نتعرض هنا لذكر الحوادث التي وقعت بمكة بسبب الحروب، لأننا أهملنا ذكر جميع الحروب، التي وقعت بمكة، من الأزمنة السابقة، لأن ذلك من اختصاص المؤرخين السياسيين. و الحمد للّه الذي عافانا من الاشتغال بالسياسة حتى نتفرغ لما هو الأصلح لمثلنا ففي الصحيحين" كل ميسّر لما خلق له" و إن ما نذكره هنا من الأمور العجيبة الواقعة بمكة فقط، فقد نقلناه من تاريخ العلامة الشيخ عبد اللّه الغازي المكي المتوفى في اليوم الخامس من شهر شعبان سنة (1365) خمس و ستين و ثلاثمائة بعد الألف لأن تاريخه كالقاموس المحيط جامع لأكثر كتب التاريخ.

و نحن هنا لا ننقل من تاريخه نص كلامه، و إنما ننقل منه زبدة مختصرة جدا حتى لا يطول بنا الكلام.

360

فقد جاء في الجزء الأول منه في الباب الثامن، ما ملخصه في هذا الجدول، الذي نحن عملناه و رتبناه لسهولة المطالعة:

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

154/ أربع و خمسين و مائة/ وقعت صاعقة في المسجد الحرام فقتلت خمسة أشخاص.

581/ إحدى و ثمانين و خمسمائة/ مات في جوف الكعبة من الزحام أربعة و ثلاثون شخصا.

592/ اثنين و تسعين و خمسمائة/ بعد خروج الحاج من مكة هبت ريح سوداء عمت الدنيا و وقع على الناس رمل أحمر، و وقعت من الركن اليماني و تحرك البيت الحرام مرارا.

597/ خمسمائة و سبع و تسعين/ نقلا عن كتابه" إتحاف الورى بأخبار أم القرى" حل الوباء بالطائف من أول شهر رجب من السنة المذكورة إلى أول رمضان، حتى ما بقي بالطائف ساكن، و كان الطاعون الذي نزل بهم إذا ظهرت علامته في أبدانهم لا يتجاوزون خمسة أيام و من جاوزها لم يهلك، و امتلأت مكة بأهل الطائف، و بقيت ديارهم مفتحة، و اقمشتهم مطروحة، و دوابهم في مرعاها، و كان الغريب في تلك المدة إذا مر بأرضهم فتناول شيئا من أموالهم و دوابهم و طعامهم أصابه الطاعون من ساعته، و إذا مر و لم يأخذ شيئا سلم من ذلك، فحمى‏

361

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

اللّه تعالى أموالهم في تلك المدة لمن بقي منهم و لمن ورثهم ... الخ.

600/ ستمائة تقريبا/ جاء سيل بمكة و وقعت صاعقة على جبل أبي قبيس فقتلت رجلين، و وقعت صاعقة أخرى بمسجد الخيف فقتلت رجلا واحدا، و وقعت صاعقة ثالثة في الجعرانة قتلت رجلين، و صاعقة هلك بها بعض مؤذني الحرم، و صاعقة بالمسجد الحرام قتلت خمسة أشخاص.

617/ سبع عشرة و ستمائة/ مات بالمسعى من الزحام أناس من الحجاج.

644/ أربع و أربعين و ستمائة/ هبت ريح عاصفة شديدة بمكة، فألقت ستارة الكعبة المشرفة حتى صارت عريانة، و مكثت كذلك أحد و عشرين يوما.

661/ إحدى و ستين و ستمائة/ عطش الناس بعرفة و كان يوما شديد الحر، حتى بيعت سخلة الماء بأربعة دنانير، و المراد بالسخلة القربة الصغيرة جدا.

677/ سبع و سبعين و ستمائة/ مات بباب العمرة من الزحام ثمانون شخصا، و ذلك أنه، عند خروج الحاج إلى العمرة، بعد صلاة الصبح، اعترضهم جمل في آخر الزقاق الضيق فزحم بعضهم بعضا فقتل منهم في وقته خمسة و أربعون،

362

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

و نقل كثير إلى منزله و مات عند أهله.

695/ خمس و تسعين و ستمائة/ وقعت صاعقة على مأذنة باب علي في المسجد الحرام، فمات منها الشيخ تاج الدين علي بن محمد الكازروني المؤذّن.

732/ اثنتين و ثلاثين و سبعمائة/ في أواخر ذي الحجة وقعت بمكة امطار و صواعق، منها صاعقة نزلت على أبي قبيس فقتلت رجلا، و أخرى بالخيف فقتلت رجلين، و ثالثة بالجعرانة فقتلت رجلين أيضا.

749/ سبعمائة و تسع و أربعين/ وقع بمكة و الطائف و جدة و عامة بلاد الحجاز و بواديها، و باء عظيم و جافت البلاد و هلك كثير من الجمال، قيل لم يبق بجده سوى أربعة انفاس، و خلت الطائف و لم يبق فيها إلا القليل، و كان يموت من أهل مكة في كل يوم نحو من عشرين نفسا، فدام الحال مدة ثم ارتفع و كان هذا الوباء عاما في جميع البلاد، و بديار مصر كان أعظم.

750/ خمسين و سبعمائة/ وقعت بمكة ريح سوداء و مطر و صاعقة، وقعت بسببها جميع الأعمدة، التي حول المطاف، و التي جددها فارس الدين فلم يبق منها غير عمودين.

771/ إحدى و سبعين و سبعمائة/ في الليلة الثانية من جمادى الأولى‏

363

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

سقطت مئذنة باب الحزورة- أي باب الوداع- في ليلة مطيرة و كفى اللّه شرّها فلم يحصل منها أيّ ضرر لأحد، فأمر الملك الأشرف شعبان بن حسين صاحب مصر بعمارتها.

825/ ثمانمائة و خمس و عشرين/ في اليوم السابع و العشرين من ذي الحجّة هجم سيل على المسجد الحرام و نزلت صاعقة بالطندباوي بأسفل مكة فقتلت أربعة أشخاص.

845/ خمس و أربعين و ثمانمائة/ صبح اليوم الثاني من ذي الحجة مات سبعة أشخاص في الطواف من الزحام.

860/ ستين و ثمانمائة/ حصل بمزدلفة مطر عظيم، فوقع فيها برد كبار، كل واحدة قدر الحنظلة.

876/ ست و سبعين و ثمانمائة/ وقعت صاعقة بالردم من مكة فقتلت امرأة مصرية و رجل مقديشيا.

881/ إحدى و ثمانين و ثمانمائة/ مات من الزحام بالكعبة خمسة و عشرون شخصا

882/ ثمانمائة و اثنين و ثمانين/ و في أوائل هذه السنة وقع بمكة موت عظيم، و كان المرء يمرض يوما أو يومين، مات في هذه الواقعة جماعة من أهل مكة و الغرباء.

و كذلك في هذه السنة وقع بجده طاعون مات من أهلها كثيرون، حتى أغلقت أبواب كثيرة، و كان‏

364

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

في بعض الأيام يصلى على الستين ميتا في الجامع، و قد بلغ عدد الأموات كل يوم أكثر من مائة.

883/ ثلاث و ثمانين و ثمانمائة/ حصل مطر بمكة، فنزلت صاعقة مات منها صايغ كان يتوضأ بداره بالمسفلة.

897/ سبع و تسعين و ثمانمائة/ حصل بعرفات مطر و ريح شديدة، و نزلت صاعقة فقتلت رجلين من العرب و كانت ساعة مهولة.

905/ خمس و تسعمائة/ وقعت صاعقة بمكة فمات منها شخص نجار و غشي على آخر و أحرقت بعض خشب طاقات من بيت الحلبي.

906/ ست و تسعمائة/ وقع بمكة مطر و معه برد بقدر بيض النعام و بقدر البطيخة الصغيرة و أنها وزنت ثلاثة أرطال أو خمسة.

908/ ثمان و تسعمائة/ وقع بمكة مطر و ريح قويّ، وقع بسببه بالمطاف أسطوانتين من الحجارة و بعض درابزين الدور الثاني من منارة باب السلام.

909/ تسع و تسعمائة/ في التاسع عشر من ذي القعدة حصل بمكة مطر و رعد قوي نزلت منه صاعقة فمرت على مئذنة السلطان قايتباي فوقعت رأسها على رأس جمل فشجته فذبحوه، و انفصلت من الصاعقة جزء فصبوا عليه الماء فلم تنطف بل زادته‏

365

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

اشتعالا فلما صبوا عليه الخل طفت.

921/ تسعمائة و إحدى و عشرين/ في السابع عشر من شوال حصل مطر و سيل بمكة و نزل برد عظيم فوق العمرة في طريق الوادي حتى صار ركاما، و صار الجمالون يحملونه في المكاتل و يبيعونه مدة ثلاثة أيام، بل استمر وجود البرد في ذلك المكان نحو جمعتين و كان حجمه كالبيضة.

989/ تسع و ثمانين و تسعمائة/ بينما الناس و الحجاج بمنى نزلت أمطار غزيرة و انحدرت السيول من كل جانب على الحج الشامي، حتى غرق جميعا، و غرق معه من المصريين من نزل معه، و ذهبت جمالهم و أموالهم في الأودية، و تخطفها العربان.

1023/ ثلاث و عشرين بعد الألف/ وقع بمكة مطر عظيم فنزل فيه برد كبار كل بردة أكبر من شربة الماء.

1039/ تسع و ثلاثين بعد الألف/ في آخر يوم الأربعاء تاسع شعبان حصل مطر بمكة، ثم جاء سيل عظيم كبير، فدخل المسجد الحرام و الكعبة المشرفة، و سقطت جدرانها ثم بناها السلطان مراد بناء جديدا.

و قد مات في هذا السيل نحو ألف إنسان.

1043/ ألف و ثلاث و أربعين/ وقع الموت بمكة في الخيول، حتى فنيت، فلم يبق منها بمكة إلا فرس‏

366

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

واحد، أخذوها لشريف مكة، و صارت الأشراف تركب الحمير.

1053/ ثلاث و خمسين بعد الألف/ وقع سيل عظيم بعرفات و استمر من الظهر إلى المغرب، فلما نفر الناس عاقهم السيل المعترض، من تحت العلمين عن المرور، و منعهم من دخول الحرم، فاستمر الناس وقوفا إلى آخر الليل، حتى خفّ قليلا فقطعوه بغاية المشقّة.

1079/ تسع و سبعين بعد الألف/ في صباح اليوم الحادي عشر من ذي القعدة بعد طلوع الشمس بساعتين ظهر في عين الشمس ضوء هائل كالنجم فامتدّ إلى جهة المغرب، و حصل على بصر من رآه غشاوة، فارتعدت منه الفرائص و انزعجت منه القلوب، و في ضوئه زرقة و حمرة و صفرة، ثم ذهب طرفاه و بقي الوسط و اتسع في العرض، فخرج منه صوت كالرعد و لم يكن في السماء غيم و لا سحاب و استمر ساعة ثم اضمحلّ الباقي من ذلك الشعاع.

1080/ ثمانين بعد الألف/ في اليوم التاسع و العشرين من رمضان وقعت صاعقة بمكة بالشبيكة قتلت رجلا واحدا.

1091/ إحدى و تسعين بعد الألف/ في ثاني عشر ذي الحجة، وقع بمكة سيل عظيم، فسالت الأودية،

367

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

و خربت منه دور كثيرة، و أتلفت أموال لا تحصى، و غرق نحو ثلاثمائة نفس، و قد علا السيل باب الكعبة المعظمة، و دفع جملا محمّلا في طريقه، فأدخله المسجد الحرام، حتى صار فوق المنبر، فلم يزل فوقه حتى صبح اليوم الثاني.

1136/ ست و ثلاثين و مائة و ألف/ في اليوم التاسع من ذي الحجة و الناس واقفون بعرفات هبت عليهم ريح شديدة مظلمة بحيث صاروا لا يرون بعضهم بعضا ساعة فلكية، فكانوا كالحيارى، و ألقت الريح الخيام و نزل مطر شديد ببرد كبار، و أقبلت السيول من الجبال، فهرب الناس و تركوا أثقالهم، فكانت ساعة عظيمة الهول، و بعد أن هدأت الريح، و كف المطر، و ضعف السيل، نفرت الناس إلى مزدلفة، و قد لحقهم من التعب و المشقة ما لحقهم.

1159/ تسع و خمسين و مائة و ألف/ حصل مطر عظيم بمنى، و الناس بها في الحج، فجاء سيل كبير، و ذهب بكثير من الأموال و الحجاج، و كان ذلك آخر الليل، و قد أظلمت الدنيا، حتى لم ير الإنسان من بجانبه، فأصبح الناس نافرين إلى مكة و هم في غاية التعب و المشقّة، و كانوا

368

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

يمرون بأشخاص، من ذكور و إناث و أطفال، قد طمّهم السيل.

1230/ ألف و مائتين و ثلاثين/ حصل بجدة طاعون، و مات فيه خلق كثير لا يحصى، حتى قيل إنهّ بلغ قريبا من ثمانية آلاف نفس، ما بين ذكر و أنثى و حر و عبد و صغير و كبير، حتى حصل إشكال في أمر الوراثة في من مات سابقا و من مات بعده و بالأخص فيمن كان غائبا في الآفاق.

1278/ ثمان و سبعين و مائتين و ألف/ في اليوم من جمادى الأولى جاء مطر كأفواه القرب بمكة، ثم هجم السيل، قبل صلاة الصبح، و دخل المسجد الحرام دفعة واحدة، حتى صار كالبحر، و طفحت بئر زمزم، و غرقت الكتب، و غرق أناس داخل المسجد و خارجه، و انحبس الشيخ عبد الرحمن الريس فوق قبة زمزم ذلك اليوم.

1281/ ألف و مائتين و إحدى و ثمانين/ حصل و باء بمكة، و كان ابتداؤه ثاني يوم النحر، و استمر سبعة أيام، و كثر الموت إلى أن بلغ من يموت في اليوم نحو ألف نفس، ثم انتقل هذا الوباء إلى بعض البلدان الأخرى البعيدة.

1281/ إحدى و ثمانين و مائتين و ألف/ مات بمنى من الزحام عند الجمرة ثلاثة أشخاص.

369

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

1286/ ست و ثمانين و مائتين و ألف/ في النصف من صفر انقضّ كوكب من السماء، بعد العشاء الآخرة، أضاءت منه الدنيا، و سمع لوقوعه مثل رمي المدافع، بقوة ثلاث مرات، حتى فرقعت الجبال لدويّها، و قد سمع ذلك من مكة إلى الجعرانة.

1288/ ألف و مائتين و ثمان و ثمانين/ حصل في شهر رجب، بالمدينة المنورة، و باء مات منه كثيرا من الناس، فصدرت الأوامر من الأستانة و مصر بإرسال الأطباء، و عمر كرنتينة بمكة بالزاهر للقادمين من المدينة المنورة، و أمر أمير مكة أربعة من الفقهاء المجدين لحفظ القرآن الكريم، أن يمشوا في أطراف مكة من وراء العمران، من جهة المصافي بأجياد مارّين من أعالي الجبال، إلى جبل حراء، فطريق العشر، فالزاهر، فالحفاير، فبركة ماجن بالمسفلة، إلى أن يصلوا إلى المصافي بأجياد و هو موضع ابتداء سيرهم، و أن يختموا القرآن الكريم من أوله إلى آخره من مبتدأ سيرهم إلى انتهاء سيرهم، و ذلك تحصينا لمكة من هذا الوباء، فلما أتموا عملهم جاؤوا إلى حجر إسماعيل، عند الكعبة المشرفة، و قرأوا أيضا بعض سور من القرآن العظيم، الذي فيه شفاء و رحمة

370

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

للمؤمنين. و اجتمع العلماء و الناس و قرأوا صحيح البخاري عند البيت الحرام، و ابتهلوا إلى اللّه تعالى أن يرفع عنهم و عن سائر المسلمين السوء فتداركهم اللّه برحمته و حفظهم من الوباء.

1288/ ثمان و ثمانين و مائتين و ألف/ ليلة الرابع و العشرين من ذي القعدة ظهرت بمكة، في الساعة الرابعة من الليل، حمرة في السماء بين المشرق و الشمال، إلى الساعة السادسة، و كانت مثل لهب النار، حتى فزع الناس و العساكر الشاهانية إلى جهة المعابدة لظنهم أنه من حريق بعض الدور.

1290/ تسعين و مائتين و ألف/ في آخر اليوم السابع من رجب جاءت ريح شديدة بمكة منعت رؤية البيت الحرام، فانزعج الناس و ارتجّت قلوبهم.

ما وقع بمكة من الرخاء و الغلاء و القحط و الوباء

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

64/ أربع و ستين/ في حصار ابن الزبير، رضي اللّه عنهما، بلغ قيمة الدجاجة بمكة عشرة دراهم، و المد من الذرة بعشرين درهما، مع العلم بأن الدينار في ذلك الزمن يساوى عشرة دراهم.

371

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

251/ إحدى و خمسين و مائتين/ بلغ الخبز بمكة ثلاثة أواق بدرهم، و رطل اللحم بأربعة دراهم، و شربة الماء بثلاثة دراهم، و بلغ الخبز عشرة أرطال بدينار مغربي، ثم تعذر وجوده، فأشرف الناس و الحجاج على الهلاك، فأرسل اللّه عليهم من الجراد ما ملئ الأرض ثم يسر اللّه الأمر على أهل مكة.

451/ إحدى و خمسين و أربعمائة/ كان بمكة رخص لم يشاهد مثله حتى بلغ مائتي رطل من التمر و الزبيب بدينار.

569/ تسعة و ستين و خمسمائة/ كان بمكة غلاء كبير أكل الناس فيه الجلود و العظام و الدم، و مات أكثر الناس ثم فرج اللّه تعالى عليهم.

579/ تسعة و سبعين و خمسمائة/ لحق بأهل مكة جهد كبير، و أضر بهم القحط، و أهلك المواشي الجرب، فحرض القاضي الناس على صيام ثلاثة أيام، ثم اجتمع الناس كافة للإستسقاء بالمسجد الحرام، و فتحت الكعبة، و أخرج مقام إبراهيم من جوفها، و وضع على عتبتها، و أخرج منها مصحف عثمان، رضي اللّه عنه، و نشر بإزاء المقام، فصلى القاضي بالناس صلاة الإستسقاء ثلاثة أيام حتى لطف اللّه بسكان حرمه و فرج عنهم.

614/ أربع عشرة و ستمائة/ بيع بمكة مدة شهرين ربع مد من الحب بدينار ذهب، و تعرف هذه السنة بسنة أم لحم.

627/ سبعة و عشرين و ستمائة/ بلغ السعر بالطائف عشرين صاعا بدينا و السمن منّان بدينار ملكي، و التمر ستة أمنان بدرهم، و العسل سبعة أمنان مكيّة بدينار ملكي، فإذا رخص السعر بالطائف رخص بمكة أيضا.

372

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

651/ إحدى و خمسين و ستمائة/ كثر الحجّاج في أيام موسم الحجّ فعطش الناس عطشا شديدا فبيعت بمكة شربة الماء بدرهم، و الشاه بأربعين درهما، و بيع الشعير و الدخن بالطائف مد و ربع بدينار.

695/ خمسة و تسعين و ستمائة/ اشتد الغلاء بمكة حتى بيعت غرارة القمح في مكة بألف و مائتي درهم.

707/ سبعة و سبعمائة/ بلغت بمكة غرارة الحنطة ألفا و خمسمائة درهم، و الذرة أكثر من سبعمائة، و الغرارة اللوبية المصرية مقدارها غرارتان مكيتان و نحو نصف غرارة، و يحتمل أن تكون الغرارة المشار إليها هي الغرارة المكية و اللّه تعالى أعلم، نقله الغازي عن ابن فهد.

725/ خمسة و عشرين و سبعمائة/ كان بمكة رخاء بيع أردب القمح المصري بثمانية عشر درهما كاملية و الشعير باثنى عشر درهما.

738/ ثمان و ثلاثين و سبعمائة/ بيعت و يبة الدقيق الفاخر بتسعة دراهم، و السمن خمسة أرطال بدرهم، و العسل أربعة أرطال بدرهم، و اللحم أربعة أرطال بدرهم، و العجوة اثنتى عشر رطلا بدرهم.

744/ أربعة و أربعين و سبعمائة/ حصل غلاء عظيم بمكة فبيعت اللويبة من الشعير بدينار، و الرطل البقسماط بثلاث دراهم، و اللويبة من الدقيق بخمسين درهما و الأردب الحب بمائتي درهم.

760/ ستين و سبعمائة/ خلت مكة خلوا عظيما، و تفرق الناس في سائر الأقطار من الغلاء و جور الحكام.

766/ ستة و ستين و سبعمائة/ كان بمكة غلاء عظيم حصل منه للناس كرب و شدة قال ابن فهد: و عدم الحب حتى لم يوجد في‏

373

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

مكة شي‏ء منه و أقام السوق نحو الشهر لم يوجد فيه حب و لا تمر إلا قليل من اللحم و الخضر، و عز وجود الأقوات بها فهلك جماعة كثيرة جوعا اه.

قيل إن الناس أكلوا الميتة، و ذلك أنه وجد بمكة حمار ميت، و فيه أثر السكاكين، و أصيبت المواشي بالجرب، و تعرف هذه السنة بسنة أم الجرب، و استسقى الناس بالمسجد الحرام فلم يسقوا، و أحضرت المواشى إلى المسجد للاستسقاء، و أدخلت فيه، و وقفت بجهة باب العمرة إلى مقام المالكية، ثم فرّج اللّه هذه الشدة عن الناس. و ذلك أن بعض خواص الأمير بيبفا، المعروف بالخاصكي مدير المملكة بالديار المصرية، عرف ما عليه الناس بمكة من الشدة و التعب، فأمر من فوره بإرسال ألف أردب من القمح الجدي إلى مكة عن طريق البر، و أرسل إليها عن طريق البحر إحدى عشرة ألف أردب أيضا، و فرقت كلها على الناس بمكة أحسن تفرقة و فرحوا بذلك و دعوا له.

783/ ثلاث و ثمانين و سبعمائة/ غلت الأسعار بمكة و بلغت ويبة الدقيق إلى خمسين درهما و أكثر، و ويبة الشعير إلى أربعين درهما، و حصل بالحرمين، و غيرهما من بلاد الحجاز في آخر هذه السنة قحط عظيم، و مات كثير من الأشراف و غيرهم من الجوع و أكلت الجلود.

815/ خمسة عشر و ثمانمائة/ وقع في أيام الناصر فرج بن برقوق غلاء عظيم بمكة بحيث بيعت غرارة الحنطة بعشرين دينارا ذهبا، و الغرارة حمل جمل معتدل، و كان الغلاء عاما في جميع المأكولات، بحيث بيعت البطيخة الواحدة بدينار ذهب، ثم رفع اللّه تعالى تلك الشدة.

374

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

822/ اثنتين و عشرين و ثمانمائة/ عم الغلاء بمكة و عدمت الأقوات و أكلت القطط و الكلاب، حتى فقدت، فأكل بعض الناس الآدميين، و كثر الخوف منهم، حتى امتنع كثير من النزول إلى ظاهر مكة، خشية أن يؤكلوا، و هلك الفقراء و افتقر الأغنياء، ذكره في" منائح الكرم".

963/ تسعمائة و ثلاث و ستين/ أكل الناس فيها حب الثمام، و جعلوه خبزا.

و الثمام كما جاء في" مختار الصحاح" نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص و ربما حشي به و شد به خصائص البيوت، الواحدة ثمامة.

978/ تسعمائة و ثمان و سبعين/ اشتد الغلاء بمكة حتى أكلت الموتى و الدواب ثم تدارك اللّه الناس بلطفه.

1007/ ألف و سبعة/ وصل الأردب المصري من القمح ثمانية عشر دينارا، و فيه أكل الناس لحوم الكلاب و القطط، و كان الفقراء يأخذون دم الشاه و يجعلونه في إناء على النار ثم يستعلمونه.

1032/ ألف و اثنين و ثلاثين/ وقع غلاء عظيم دام سنة واحدة فبلغت كيلة الدخن أحد عشرة محلقا.

1072/ ألف و اثنين و سبعين/ حصل بمكة غلاء شديد بسبب كثرة الجراد، حتى كسى جدران البيوت فأجمعها و أعقب ذلك وباء عظيم.

1079/ ألف و تسع و سبعين/ اشتد الغلاء بمكة و الطائف، فاتفق أعيان مكة على طبخة دشيشه للفقراء تعطى لهم صباحا و مساء.

فكانوا يطبخون يوميا أربع أرداب و تفرق عليهم بالمعلا، و قد اشتد الحال من شعبان إلى ذي الحجة، حتى أكلت الناس الرمم و الدماء و العظام، ثم تدارك اللّه تعالى، فوردت المراكب المصرية.

375

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

1115/ ألف و مائة و خمسة عشر/ حصل غلاء فوصلت كيلة الحب إلى قرش و كذلك الأرز، و وصل رطل السمن نصف قرش، و ازداد الغلاء شيئا فشيئا حتى وصل أردب الحب إلى عشرين أحمر، إلى أن وصلت كيلة الحب المكي نصف ريال، و تساوي سعر الطائف بسعر مكة، و عدم السمن و لحقت بالناس شدة، ثم جاءهم الفرج من اللّه تعالى بورود المراكب المصرية و فيها سبعة آلاف أردب جراية مقسومة بين مكة و المدينة.

1118/ ألف و مائة و ثمانية عشر/ اشتد الكرب بمكة و عزّ كل شي‏ء من الأقوات و غيرها من الحطب و الفحم و الملح، بسبب قطع الطريق بين جدة و مكة لحصول حرب، بين الشريف و بعض العربان في الطريق. و قد ذكر هذه الحادثة الشيخ زين العابدين الشماع في قصيدة بها خمسة عشر بيتا، نذكر منها:

الحمد للّه مبيد الدهور* * * عالم ما يخفى بطيّ الصدور

مسيّر الأفلاك في أفقها* * * و مجرى الفلك بماء البحور

فقد جرى بمكة محنة* * * قد عمت الدنيا و في كل دور

جرى غلاء ما سمعنا به‏* * * و لا مضى في سالفات العصور

قد أذهب الأرواح حتى لقد* * * ضاقت على الموتى فسيح القبور

و قد غدا من عظم أهواله‏* * * كل فتى منّا عديم الشعور

376

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

إلى أن قال:

و نسأل الرحمن سبحانه‏* * * يفرّج الكرب و يمحو الشرور

و عامنا قد صحّ تاريخه‏* * * ألا إلى اللّه تصير الأمور

1140/ أربعين و مائة ألف/ صارت كيلة البر الهميس بالطائف بأربعة ديوانية، و النقرة الصافية بسبعة ديوانية، و الشعير بديوانيين و نصف، و العسل الرطل بأربعة ديوانية، و التمر بديواني و نصف، و الزبيب النعماني بأربعة ديوانية، و الفواكه كثيرة و رخية للغاية. و كان صرف القرش بأربعين ديوانية، و الأحمر بقرشين، و المشخص بأربعة قروش، و الريال بقرشين و ثمن. اه.

1136/ ستة و ثلاثين و مائة و ألف/ في تاريخ الغازي: لما تولى القضاء بمكة الشيخ عبد القادر المفتي سنة (1336) ستة و ثلاثين و مائة و ألف فرض على كتاب المحكمة الشرعية أن يكتبوا الحجّة بخمسة ديوانية، و من قبل كانوا يكتبونها بقرش و بقرشين اه.

نقول: حبذا لو فهمنا مقدار القرش و الديواني و الريال و المشخص الذي كان السابقون يتعاملون بها، و لو أمكننا المقارنة بين عملتهم و عملتنا لبيّنا الحساب الدقيق هنا، فالريال كان عندهم بقرشين و ثمن، بينما الريال عندنا باثنين و عشرين قرشا فياليت الموازين و المكاييل و القياسات و النقود كانت في البلدان موحّدة على الدوام، لكن دوام الحال من المحال.

377

السنة الهجرية بالأرقام/ السنة بالحروف/ الحوادث الخاصة

1219/ ألف و مائتين و تسعة عشر/ وقع غلاء شديد بمكة و اشتد على الناس الجوع و ذلك في أواخر شهر ذي الحجة من السنة المذكورة، ثم دخلت سنة عشرين و الحالة تزداد سوءا في كل يوم، حتى لقد بلغت كيلة القمح و الأرز مشخصين، و بلغ الرطل من السكر و الشحم و الزيت ريالين، و الرطل من البن و التمر ريالا، و الرطل من السمن ريالا و نصف ريال، و كيلة الزبيب ثلاث ريالات، و رطل اللحم نصف ريال، و لقد باع الناس حليهم و أثاثهم بأبخس الأثمان ليشتروا ما يأكلون، ثم ازداد الحال سوءا حتى عدمت الأقوات و أكل الناس بذور العطارين كبزر الخشخاش و زبيب الهوى و بذر التمر الهندي و النوى و الصمغ العربي، و شرب الناس الدم المسفوح و أكلوا الجلود و الكلاب و القطط و كل حيوان يدبّ، و دام الحال هكذا إلى آخر سنة العشرين ثم تدارك اللّه الناس بلطفه و جاء الفرج بعد الشدة.

و مما شاهدناه و رأيناه من الأحوال في مكة المكرمة

نقول: إنه في سنة (1334) ألف و ثلاثمائة و أربع و ثلاثين هجرية حصل غلاء كبير في مكة المكرمة، بسبب قيام أمير مكة الشريف الحسين بن علي الذي صار فيما بعد ملكا على الحجاز، (رحمه اللّه تعالى)، على حرب الدولة العثمانية التركية و إخراج الأتراك من الحجاز. و قد تم له ما أراد، فإنه في هذه السنة المذكورة قلت الأرزاق من مكة المشرفة، بسبب عدم ورود الحبوب و البضائع من البحر، فانعدم السكر من مكة، و انعدمت الحنطة و بعض الأشياء أيضا، فكان الناس يأكلون حب الدخن و حب الذرة- بضم الذال المعجمة و فتح الراء المخففة- و هي حبوب مستديرة بيضاء أكبر من الدخن قليلا، و يسمونها في الحجاز" الضرة"- بضم‏

378

الضاد المعجمة و فتح الراء المخففة- فهذان النوعان من الحبوب يأتيان مكة من طريق اليمن.

أما شرب الشاي و نسميه بالحجاز" الشاهي" فقد صار الناس يشربونه بأنواع الحلويات كالحلاوة الليمونية و النعنانية و غيرهما، أما المدينة المنورة فكان الناس يشربونه بالرطب أو التمر لكثرته عندهم، و صار بعض الناس يشربون الشاي مرا- كأهل بخارى و يعملونه خفيفا جدا- كل ذلك لعدم وجود السكر في البلاد، و لقد بلغت قيمة أقة السكر أو السكر الرأس المخروطي جنيها إفرنجيا ذهبا، أما والدنا، (رحمه اللّه تعالى)، فما كان يعجبه شرب الشاهي بشي‏ء من الحلويات أو التمر، و إنما كان يمزجه بالحليب فقط، و يضع عليه قليلا من الملح. و كان البدو يأتون صباحا بالحليب في ماعون خاص من أطراف مكة كمنى فما دونها فيبيعونه بمكة، و كانت الأغنام رخيصة قد يباع الواحد بريال أو يزيد قليلا، و ذلك لقلة الدارهم في أيدي الناس.

أما غاز الاستصباح فقد انعدم من البلاد، و صار وجوده قليلا، فكانت الحكومة العربية الهاشمية، أي حكومة الشريف الحسين بن علي، (رحمه اللّه تعالى)، تخصص لكل حارة تنكة واحدة من" القاز" فكانت أمانة العاصمة، في ذلك الحين، تدفع لكل حارة من حارات مكة تنكة واحدة من القاز، و لا تبيع للشخص الواحد أكثر من ربع أقة أو ثمن أقة فقط، فكان الزحام على مباسط القاز شديد جدا، و لا يخفى أن تنكة القاز لكل حارة لا تكفيهم، فاهتدى الناس إلى وسيلة للإضاءة، في غاية الطرافة، مع رخصها و قلة تكاليفها و في المثل" الحاجة أم الاختراع". فكان غالب الناس يأتون بكاسة شرب الماء التي من الزجاج فيملؤن ثلثيها من الماء، و يملؤن الثلث الباقي بزيت السمسم، ثم يأتون بقطعتين من الصفيح، أي" التنكة" فيقصونهما، بقدر فم الكاسة، و يجعلون أطرافهما معكوفة، حتى تقف فوق الكاسة، و يضعونهما على شكل الصليب أي مثل علامة (+) و يلحمونهما ببهض، ثم يخرقونهما من الوسط، فيجعلون في هذا الخرق فتيلة من القماش أو من القيطان، ثم يغمسون الطرف الفوقاني في الزيت، و يرمون باقي الفتيلة في بطن الكاسة التي فيها الماء و الزيت، و يضعون هذه الكاسة فوق كرسي صغير مربع، في وسط الغرفة، و في الغروب، في وسط الغرفة، و في الغروب يشعلون هذه الفتيلة بالكبريت. هكذا كانت الإضاءة في ذلك العام، و لا يخفي أن الزيت إذا اختلط

379

بالماء علا فوقه. و كانت علب الكبريت في تلك الأيام، في أحجام مستديرة كالأسطوانات الصغيرة، و أعواده لم تكن من الخشب، بل كانت من الفتيلة الرفيعة المشمعة، و كل علبة أعوادها كانت ملونة بعدة ألوان.

فسارت أحوال الناس على هذا المنوال و تعبوا قليلا، لكن لم يدم هذا التعب أكثر من عام واحد بل أقل، ثم انفرجت الأزمة و جاء اليسر بعد العسر حيث انتهت الحرب العالمية الأولى العظمى، فكان الناس، إلى وقت قريب، يطلقون على هذه السنة المذكورة سنة" الضرة" حيث أكلوا فيها دقيق الذرة و دقيق الدخن.

فدوام الحال من المحال.

و مما شاهدناه و رأيناه أيضا من الأحوال في مكة المكرمة

نقول: إنه لما تولت الحكومة السعودية للمرة الثانية على الحجاز في شهر ربيع سنة (1343) ألف و ثلاثمائة و أربعون هجرية، و مرت سنوات على ذلك، حدثت أزمة شديدة في البلاد، أي ابتداء من سنة (1356) تقريبا، و دامت هذه الأزمة سنوات عديدة إلى سنة (1365) تقريبا، فكانت الحكومة السعودية لا تقدر أن تدفع رواتب الموظفين، إلا في كل ثلاث أو أربعة أشهر مرة واحدة، فتعب الناس أشد التعب، و رأوا ألوان الشدائد، لكنهم صبروا صبر الكرام، و فوضوا أمورهم إلى الملك العزيز العلام، حتى انفرجت هذه الأزمة بسلام. فكانت الحكومة السعودية، إذا أمرت بصرف الرواتب كان يوم صرفها يوم عيد و فرح عندهم و إذا سمع الناس الإشاعات حول صرف الرواتب لا يصدقونها أبدا، إلا إذا شاهدوا صرف الرواتب بأعينهم و قبضوها بأيديهم، و لقد مرت على الناس حوادث كثيرة و حكايات عديدة، بسبب هذه الشدة ما زالوا يتناقلونها فيما بينهم، و يتحدثون بها إلى الآن. بعد مرور هذه العاصفة الطويلة، التي دامت سنوات عديدة، أتى اللّه بالفرج العظيم، و أبدل ذلك العسر بيسر كبير، فتبدلت أحوال الناس، و انتعشت مرافق حياتهم، و صارت الأموال لدى بعضهم بدون حساب و قد صار بعضهم مليونيرا و طبعا هناك طبقة فقيرة، و هي الأكثرية، و هذه سنة اللّه في خلقه، فالحمد للّه على كل حال و سبحان مغير الحال و الأحوال.

380

التسعيرة و مقاومة الاحتكار

في هذه الأزمنة المتأخرة في البلاد، كثر جشع بعض التجار، فصار الربح المعقول، بل الكسب المضاعف لا يرضيهم، و لا يقنعوا إلا إذا جاءهم عشرة أضعاف ربح على رأس المال و أصل قيمة البضاعة، و كذلك كثر احتكار الأطعمة في البلدان رجاء زيادة الأسعار في المستقبل، مع علمهم بأن احتكار الطعام حرام شرعا، على أن اللّه تعالى ينتقم من هؤلاء الجشعين و المحتكرين انتقاما ليس بالفظيع المخيف، و إنما هو انتقام بلطف من وراء ستار، فكم نرى و نسمع من ذهاب أموالهم في غير طريقها، كالحريق و السرقات و كثرة الأمراض التي يضطرون إلى بذل الأموال الكثيرة في المعالجة، و كتبسيط الرطوبة و السوس و الدود، في كل ما هو مخزون من أنواع الدقيق و الحبوب و فساد الأطعمة، و مع ذلك لا ينتهون عن غفلتهم و تهاونهم، بل أنهم يعرفون كيف يصرفون هذه الأطعمة الفاسدة بالبيع على الفقراء و المساكين: و لهم في ذلك حيل هم أدرى بها.

و قد ورد النهي و التحذير عن الغش و الاحتكار، فقد قال (صلى الله عليه و سلم):" من غشنا فليس منا" رواه مسلم عن ابن عمر و أبي هريرة، رضي اللّه عنهما.

و قال (صلى الله عليه و سلم):" إحتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه" رواه أبو داود. و قال عليه الصلاة و السلام:" احتكار الطعام بمكة إلحادا" رواه الطبراني.

قال العلامة الحفني في حاشيتة على الجامع الصغير عند الحديثين المذكورين ما نصه: قوله:" احتكار ... الخ" هو شراء ما يقتات و حبسه إلى الغلاء فهو حرام و لو في غير الحرم، و خص الحرم لأن الإثم به أشد، أما لو اشترى غير طعام أو طعاما غير مقتات بقصد ادخاره إلى الغلاء لم يحرم، و خرج بالشراء ما لو كان عنده بر مثلا يأكله فادخره إلى الغلاء فلا يحرم، و كذا لو اشتراه بقصد أن يبيعه حالا أو في زمن الرخاء فلا حرمة. انتهى من الحاشية المذكورة.

و من المستحسن أن نذكر هنا ما دار في أحد مجالس الشرع الحنيف في العصور السابقة من النظر في أمر التسعيرة و مقاومة الاحتكار، فقد جاء في كتاب" مثل عليا من قضاء الإسلام" تأليف الأستاذ محمود الباجي و المطبوع بتونس سنة (1376) هجرية ما يأتي:

381

من قضاة الإسلام البارزين الذي ولي القضاء ببلاد شرق الأندلس، أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي، شهد فيه القاضي عياض بأنه جال ببلاد المشرق نحو ثلاثة عشر عاما، و هو في درجة واحدة مع القاضيين عياض بن موسى اليحصبي، و أبي بكر بن عبد اللّه بن العربي. و قد عرف الناس فضل الباجي في الأدوار الأخيرة من حياته و بعد وفاته، لأنه كان صلبا في رائه قويا في معارضاته، لا يخضع إلا للحق و لا يخشى في سبيله لومة لائم. و قد جر عليه هذا الخلق الأبي، محنا و مقاومات و فتنا، غير أنها لم تنل من نفسه الكبيرة شيئا. و لم تحمله على تغيير سلوكه.

و من شعره قوله:

إذا كنت أعلم علما يقينا* * * بأن جميع حياتي كساعة

فلم لا أكون ضنينا بها* * * و أجعلها في صلاح و طاعة

دخل الحاجب، يستأذن على ابن عبدوس، والي الحسبة، و كان أبو الوليد يطالع كتاب الموطأ، و قد وضعه على محمل من الأبنوس المطعّم بالأصداف، فأذن للوالي بالدخول، و لم يدخل الجمهور الذي و فد يتبع الوالي. و كان متألفا من باعة الأطعمة و الجالبين للأسواق. و بعد إفشاء السلام و التحية، قال الوالي للقاضي: أن سوق المدينة يجتاز أزمات متعاقبة، بسبب اضطراب الأسعار و عدم استقرارها، و يحدث أن ترتفع الأسعار دفعة واحدة، فيطمع الجالبون في الأرباح و تكثر الواردات، و تهبط الأسعار هبوطا فاحشا، فيخسر الجالبون و تضعف الثقة بالسوق.

و إني أوشك أن أحمل الناس على سعر موحد، و قد جئت للتحصيل على الموافقة الشرعية، و الرأي الأسد، للمولى القاضي. و على الامتثال و الطاعة.

فعقد القاضي، أبو الوليد، لتوه، مجلس الاستشارة الشرعية، للبت في هذا المشكل الشرعي. و بعد بسط نظرية الوالي افتتح المجادلة.

فقال شيخ أهل الشورى:" إن مالكا يرى أنه إذا كان للناس سعر غالب و أراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك فإنه يمنع. أما إذا أراد أن يبيع بأقل فقد روي عن مالك رأيان: رأي بالمنع على اعتبار أنه إذا أراد الرجل إفساد السوق فحط عن سعر الناس فيقال له: إما لحقت بسعر الناس و إما رفعت بضاعتك.

382

و حجة مالك: ما روي عن عمر بن الخطاب من أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة و هو يبيع زبيبا بالسوق فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر، و إما أن ترفع من سوقنا لأن بعيرا قدمت من الطائف تحمل زبيبا فلو عرفوا السعر الذي تبيع به لقصدوا مدينة أخرى و أعرضوا عن البيع".

و قال ثاني المستشارين:" إنه يجب أن يفرق بين الجلابين، فلا يسعر عليهم شي‏ء مما جلبوه للبيع، و بين التجار أصحاب الحوانيت و الأسواق، الذين يشترون من الجلابين جملة، و يبيعون بالتفصيل. و هذا الرأي، ذهب إليه عبد اللّه بن عمر، و القاسم بن محمد و سالم بن عبد اللّه، الذين يرون أن أصحاب الحوانيت و الأسواق، لا يتركون على البيع باختيارهم، إذا أغلوا على الناس، و لم يقتنعوا من الربح بما يشبه. و على صاحب السوق أن يعرف ما يشترون به، فيجعل لهم من الربح بما يشبه و ينهاهم أن يزيدوا على ذلك. و يعاقب من خالف الأوامر".

و قال ثالث المستشارين:" أن ابن حبيب، و ابن المسيب، و يحيى بن سعيد، و الليث، و ربيعة، يرون أن التحديد لا يجرى جزافا و إنما يكون مبنيا على تقدير الأرباح المنسبة".

و قال رابع المستشارين:" إني على رأي الإمام الشافعي، الذي يحجر التداخل في التسعير و الأسعار، لأن الناس مسلطون على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها أو شيئا منها، بغير طيب أنفسهم، إلا في المواضع التي تلزمهم، و هذا ليس منها و حجة الشافعي ما روي عن أبي هريرة من أن رجلا جاء إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه سعر لنا: فقال: بل اللّه يرفع و يخفض، و إني لأرجو أن ألقى اللّه و ليست لأحد عندي مظلمة".

بعد التداول بين شيوخ الشورى و القاضي أبي الوليد، و استعراض النصوص العامة و الخاصة، حكم أبو الوليد بما يأتي:

أولا: لما كان المعتبر هو السعر الذي عليه الجمهور و الأكثرية العامة من أصحاب الحوانيت و الأسواق، فإن الواحد و العدد اليسير إذا انفردوا بالحط أمروا باللحاق بالسعر العام أو ترك البيع، و إذا انفردوا بالزيادة لم يؤمروا بالحط و لم يؤمر الجمهور بالترفيع إلى متواهم، لأن المعتبر حال الجمهور، و على نسبة ثمن الجمهور تقوم المبيعات.

383

ثانيا: و لما كان الجالبون هم المموّنون للأسواق، و ليس بهم من الوقت ما يسمح لهم بالاحتكار و التلاعب بالأسعار فهم أحرار في بيعهم بأي ثمن أرادوا.

ثالثا: و لما كانت الضرورة تدعو إلى تيسير الواردات من القمح و الشعير فإن هذين النوعين لا يخضعان للتسعير الجبري.

رابعا: و على كل الأحوال، فإن التسعير يتم باجتماع وجوه أهل السوق من كل صنف و غيرهم من الأجانب عن السوق استظهارا على صدقهم، و يقع سؤالهم عن أثمان الشراء و أثمان البيع و على أساس مراعاة المصلحة العامة و الخاصة يتم التسعير مع تجنب الإجحاف و الإكراه.

خامسا: و إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه، فإنهم يؤمرون بالواجب، و يعاقبون على تركه، و كذلك كل من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع، لأنه يجوز إخراج الشي‏ء من ملك صاحبه قهرا بثمنه، للمصلحة العامة، كما في الشفعة.

سلم كاتب القضاء صكا، يشتمل على نص الحكم، الذي أصدره القاضي أبو الوليد إلى والي الحسبة ابن عبدوس، فقام بتنفيذه طبق نصه، و استقرت الأسواق و اعتدلت الأسعار و كثرت الواردات، و اختفى شبح الإحتكار، و لم تعد المعروضات مهددة بالإنهيار أو بالغلاء الفاحش.

و بلغ الأمر إلى علم خليفة الأندلس، فوجه إلى قضاة الأقاليم، نسخا من حكم القاضي أبي الوليد، للتأمل منه، سعيا وراء توحيد العمل بما اقتضاه.

هذا مثل أحكام الإسلام، في نظام البيع و الشراء و العرض و الطلب، و وسائل مقاومة الإحتكار، و التعريفة الجبرية و حفظ التوازن بين القدرة على الإستهلاك و التوريد المأمون، و قد عالج الإسلام هذه المشاكل الدقيقة، التي لا يخلو من أخطارها زمان و لا مكان، و وضع لها الحلول الموفقة، و فرض من التدابير الحازمة ما حفظ به استقرار الأثمان، و الربح المناسب للتاجر و الجالب. و بسط الرخاء و جعله في متناول الجميع.

و التشريع الإسلامي الصالح لكل جيل، و المساير بمبادئه و نظمه القويمة لكل تطور بشرى، تناول في نصوصه و أقضيته الروابط التي تربط الإنسان بنفسه و تربطه بمحيطه العائلي و تربطه بمجتمعه، ثم تربطه بالحياة العامة في جميع مظاهرها و مختلف‏

384

نواحي نشاطها، و أي قانون اتسع لأحوال المعاملات كما اتسع لها القانون الإسلامي، و أي قضاء كان له ثراء في فقهه، و دقة في تصويره، و عمق في نظره كقضاء الإسلام.

و إن تعجب فعجب لهؤلاء الذين يسرعون بالإلتجاء إلى أنظمة وضعها الناس، و قواعد اصطلحت عليها العوائد و نظريات لم تمحصها التجارب، و لم تصقلها العقول و الأجيال، و يزهدون فيما خلفه لهم الإسلام من تراث كبير و مجد عريض.

لقد أصدر أبو الوليد الباجي حكمه في الفترة التي بين أواخر القرن الرابع و أوائل القرن الخامس و في أزهر عهود الأندلس، و ألمع حقبه من تاريخها الحافل، و جاء ذلك الحكم دقيقا في نصه، حازما في تدابيره، حكيما في مرامية، و دل على ما كان سائدا من الانسجام بين ديوان القضاء العدلي، و ديوان الحسبة و مقام الخلافة، و على بساطة الاجراء، و سرعة البت. انتهى من الكتاب المذكور.

إبطال المكوس و الجمارك‏

نقول: بمناسبة ذكرنا للمكوس و العشور، أن بعض الملوك و السلاطين الأتراك كانوا قد رفعوا و منعوا أخذ العشور و المكوس" أي الجمرك" على جميع البضائع و الحاجيات المستوردة إلى بلادهم- فمن جملة ذلك- ما هو ثابت على أحد أعمدة المسجد الحرام بالجهة الغربية، أي أن العمود الرخامي الموجود بين باب الباسطية و باب العمرة مكتوب عليه، بالنقر على نفس الرخامة، أن أحد الملوك قد أمر بابطال جميع المكوس من الحرمين الشريفين، فمنع أخذ العشور على جميع أنواع ما يرد إلى مكة المشرفة من الحبوب و الأغنام و الدجاج و غير ذلك ... الخ.

و لم نقدر على معرفة تاريخ الكتابة في هذه الرخامة، كما لم نقدر على معرفة اسم الملك الذي أمر بذلك، لارتفاع الكتابة على الرخامة عن أرض المسجد الحرام، و لم نجد سلما في تلك الساعة لنصعد عليه و نطلع على كل ذلك حرفيا، فنظن أن ذلك كان من القرن التاسع أو العاشر من الهجرة.

يقول صديقنا الأستاذ أحمد السباعي في كتابه" تاريخ مكة" و قد حدثنا الدحلان فيما ذكر عن سني الفتنة فقال: أن قيمة الكيلة من القمح و الأرز كانت تبلغ مشخصين و أن الرطل من السكر و الشحم و الزيت كانت تبلغ قيمته ريالين و لا نعرف فداحة هذا الغلاء إلا إذا قارنا هذه الأسعار بما يورده الدحلان نفسه عن‏

385

أسعار مثلها في أيام الرخاء فهو يقول أن الكيلة تبلغ قيمتها خمسة ديوانية و الكيلة تعادل الصاع تقريبا و قيمة الرطل من العسل و الزبيب أربعة ديوانية. و الذي أعرفه في عهد طفولتي أن الهللة الواحدة و هي ربع القرش الحالي كانت تساوي ثلاثين ديوانيا و كانت العملة الدارجة في هذا العهد الذي ندرسه هي النقد العثماني و من أنواعه كما يذكر الدحلان المشخص و يساوي ريالين و الأحمر و يساوي قرشين و القرش الشرك و يساوي أربعين ديوانيا و بذلك كانوا يشترون سبع كيلات من القمح بقرش واحد. و الذي يعرفه المضمرون بضمتين أن القرش نوعان.- قرش الصاغ- و هو (120) ديوانيا- و القرش الشرك- و هو أربعين ديوانيا، و الريال المجيدي يساوي (20) قرشا صاغا و 60 شركا. و من أغرب ما يروى عن تكاليف العيش في هذا العهد- إذا استثنينا أيام الغلاء- ما يذكره الغازي نقلا عن الطبري و السنجاري أن أحد الأئمة في المسجد لما حجر عليه و قد كبر سنه رتبوا له نفقته اليومية و هي قرشان و في هذا ما يدل على متوسط نفقة الشخص في هذا العهد. انتهى منه.

نقول:" إن القرش الصاغ و القرش الشّرك- بضمتين- هما من اصطلاح الأتراك، فمعنى القرش أي القرش السليم الذي لم ينقص قيمته، لذلك يقال فلان صاغ سليم، أي أنه صحيح سليم معافى، و معنى الشرك" بضمتين" البالي الواهي أي غير سليم، فالقرش الصاغ قيمته أكثر من القرش الشرك، و اليوم لم يبق لهذه المصطلحات من أثر لزوال حكم الأتراك من جميع البلاد الإسلامية. و لقد أدركنا التعامل بالقرش الصاغ و القرش الشرك و الديواني و المتاليك و البارة في طفولتنا، و لكن نسينا اليوم ذلك العهد لطول الزمن فلم يبق في ذاكرتنا سوى الأسماء.

المراد بالمسجد الحرام و فضل الصلاة فيه‏

يطلق على المسجد الحرام مسجد الكعبة: فقد جاء في صحيح البخاري، في كتاب التوحيد، في باب قوله: وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى‏ تَكْلِيماً حدثنا عبد العزيز بن عبد اللّه، حدثني سليمان، عن شريك بن عبد اللّه أنه قال: سمعت ابن مالك يقول:

" ليلة أسري برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر ..." إلى آخر حديث الإسراء الطويل.

386

قال العلامة ابن ظهيرة القرشي، (رحمه اللّه تعالى)، في كتابه" الجامع اللطيف في فضل مكة و أهلها و بناء البيت الشريف" ما نصه: اعلم أن اللّه تبارك و تعالى قد ذكر المسجد الحرام في كتابه العزيز في نحو خمسة عشر موضعا. فإذا تقرر هذا، فقد اختلف في المراد بالمسجد الحرام، الذي تتعلق به المضاعفة في قوله (صلى الله عليه و سلم) في حديث ابن الزبير السابق" و صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي".

فقيل جميع بقاع الحرم، و قيل المراد الكعبة و ما في الحجر من البيت، و يؤيده ما أخرجه النسائي، عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه:" صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا الكعبة"، و قيل المراد الكعبة و ما حولها من المسجد.

و جزم به النووي و قال: أنه الظاهر، و قيل: المكان الذي يحرم على الجنب المكث فيه.

و نقل، عن الإمام تقي الدين بن أبي الصيف اليمني، أن المضاعفة تختص بالمسجد المعدّ للطواف، لأنه المنصرف عند الإطلاق في العرف. قال: و لا يضير رواية الكعبة، و لهذا قال الغزالي: لو نذر صلاة في الكعبة فصلى في إرجاء المسجد جاز. انتهى.

و رجح الطبري، (رحمه اللّه)، أن المضاعفة مختصة بمسجد الجماعة. و قال: أنه يتأيد بقوله، (عليه السلام): مسجدي هذا، لأن الإشارة في حال مسجد الجماعة، فينبغي أن يكون المستثنى كذلك، فإنه قيل: قد ورد، عن ابن عباس، رضي اللّه عنهما، أن حسنات الحرم كلها، الحسنة بمائة ألف، فعلى هذا يكون المراد بالمسجد الحرام، في حديث الاستثناء، الحرم كله.

نقول، بموجب حديث ابن عباس، أن حسنة الحرم مطلقا بمائة ألف، لكن الصلاة، في مسجد الجماعة، تزيد على ذلك. و لهذا قال بمائة صلاة في مسجدي و لم يقل حسنة. و صلاة في مسجده بألف صلاة، كل صلاة بعشر حسنات، فتكون الصلاة في مسجد (صلى الله عليه و سلم) بعشرة آلاف حسنة و تكون في المسجد الحرام بألف حسنة. و على هذا يكون حسنة الحرم بمائة ألف، و حسنة المسجد الحرام بألف‏

387

ألف و يلحق بعض الحسنات ببعض، أو يكون ذلك مختصا بالصلاة خاصة فيها.

و اللّه أعلم. انتهى بنصه.

قال الجد (رحمه اللّه): و حاصل هذه العبارات، مع اختلافها، يرجع إلى ترجيح هذا القول، ثم قال: و هذا التضعيف يحصل بصلاة المنفرد و تزيد الحسنات بصلاة المكتوبة في جماعة، على ما جاء أنها تعدل سبعا و عشرين درجة، و هذا، فيما يرجع إلى الثواب، و لا يتعدى ذلك إلى الإجزاء عن الفوائت، حتى لو كان عليه صلاتان فصلى في المسجد الحرام صلاة لم تجزئه عنهما. و هذا لا خلاف فيه، انتهى. و قد اختلف العلماء في هذا الفضل هل يعم الفرض و النفل أو يختص بالفرض، فمذهبنا، و مشهور مذهب مالك، أنه يختص بالفرض، و التعميم مذهب الشافعي، رضي اللّه عنه، كما صرح به النووي، (رحمه اللّه تعالى)، فإن قيل لا عموم في لفظ الحديث لما أنه نكرة في سباق الإثبات، و يؤيده أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، أجيب بأنه و إن كان نكرة في سياق الإثبات فهو عام لأنه في معرض الامتنان. قال الجد، (رحمه اللّه)، فإن قيل كيف يقال أن المضاعفة تعم الفرض و النفل، و قد تطابقت نصوص الأصحاب و نص الحديث على أن فعل النافلة في بيت الإنسان أفضل، إلا ما استثنى كالعيد و ركعتي الطواف، فالجواب ما قيل لا يلزم من المضاعفة في المسجد أن يكون أفضل من البيت، إذ فضيلة المسجد المذكور، من حيث التضعيف، و فضيلتها في البيت من حيثية أخرى تربو على التضعيف. انتهى.

أقول: هذا التفضيل بالنسبة إلى الرجال، و أما الإناث، فالصلاة في البيت، مطلقا، لهن أفضل، لا سيما في هذا الزمان لكثرة الفساد سواء كانت المرأة عجوزا أم شابّة. و نقل الشيخ ولي الدين العراقي، في شرح تقريب الأسانيد، أن التضعيف في المسجد الحرام يختص بالمسجد، الذي كان في زمن النبي، عليه الصلاة و السلام، بل يشمل جميع ما زيد فيه، لأن المسجد الحرام يعم الكل، بل المشهور عند أصحابنا أن التضعيف يعم جميع مكة، بل جميع الحرم الذي يحرم صيده كما صححه النووي.

و أما المدينة فيختص التضعيف بالمسجد، الذي كان في زمنه، (عليه السلام)، ثم قال لكن يشكل على هذا ما في تاريخ المدينة أن عمر، رضي اللّه عنه، لما فرغ من الزيادة في مسجد النبي (عليه السلام)، قال: لو انتهى إلى الجبانة لكان مسجد

388

رسول اللّه (عليه السلام)، و في رواية أخرى: لو مد إلى ذي الحليفة لكان منه، و عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: لو زيد في هذا المسجد ما زيد لكان الكل مسجدي. و في رواية أخرى: أو بني إلى صنعاء، و في أخرى: ما زيد في مسجدي فهو منه و لو بلغ ما بلغ فإن صح ذلك فهو بشرى حسنة. انتهى باختصار. انتهى من الجامع اللطيف لابن ظهيرة.

مقدار فضل الصلاة في المسجد الحرام بالحساب‏

قال ابن ظهيرة (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" الجامع اللطيف" ما نصه: فائدتان:

الفائدة الأولى: قد حسب النّقّاش المفسر فضل الصلاة في المسجد الحرام على مقتضى حديث تفضيل الصلاة فيه على غيره بمائة ألف، فبلغت صلاة واحدة في المسجد الحرام، عمر خمس و خمسين سنة و ستة أشهر و عشرين ليلة و صلاة يوم و ليلة. و هي خمس صلوات، في المسجد الحرام، عمر مائتي سنة و سبع و سبعين سنة و تسعة أشهر و عشر ليال. انتهى كلامه.

انظر: صورة رقم 127، المسجد الحرام و الناس وقوف فيه يصلون حول الكعبة المشرفة من جهاتها الأربعة

الفائدة الثانية: قال الشيخ بدر الدين بن الصاحب الأتاري: إن كل صلاة في المسجد الحرام فرادى بمائة ألف صلاة، كما ورد في الحديث، و كل صلاة فيه جماعة بألفي ألف صلاة و سبعمائة ألف صلاة و الصلوات الخمس فيه بثلاث عشر ألف ألف صلاة و خمسمائة صلاة، و صلاة الرجل منفردا في وطنه، غير المسجدين المعظمين، كل مائة سنة بمائة ألف و ثمانين ألف صلاة، و كل ألف سنة بألف ألف صلاة و ثمانمائة ألف. فتلخص من هذا أن صلاة واحدة في المسجد الحرام جماعة، يفضل ثوابها على ثواب من صلى في بلده فرادى، حتى بلغ عمر نوح النبي (عليه السلام)، بنحو الضعف و سلام على نوح في العالمين، و هذه فائدة تساوي دجلة. ثم قال: هذا إذا لم يضف إلى ذلك شيئا آخر من أنواع العبادات، فإن صام يوما و صلى صلوات الخمس جماعة، فعل فيه أنواعا من البر و قلنا بالمضاعفة فهذا مما يعجز الحساب عن حصر ثوابه. انتهى.

389

هل تتضاعف السيئات بالحرم أم لا؟

قال ابن ظهيرة في كتابه" الجامع اللطيف" ما يأتي: قال بعض العلماء: أن السيئات بالحرم تتضاعف كتضاعف الحسنات، و هو مذهب ابن مسعود و ابن عباس، رضي اللّه عنهما، قال به مجاهد أيضا و الإمام أحمد بن حنبل و لهذا كان مقام ابن عباس بغير مكة.

و الصحيح، عند جماهير أهل العلم، عدم المضاعفة، لكن السيئة فيه أعظم منها في غيره بلا ريب. ثم على قول أن السيئة تتضاعف، فقيل تضعيفها الحسنات بالحرم، و قيل بل كخارجه، و حرر بعض العلماء النزاع في هذه المسألة فقال:

القائل بالمضاعفة أراد مضاعفة مقدارها، أي غلظها، لا كميتها في العدد، فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن السيئة تتفاوت، فالسيئة في حرم اللّه و بلده، على بساطه أكبر و أعظم منها في غيره، و ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في موضع بعيد عنه. فإنه قيل يرجع النزاع أيضا إذ لا فرق بين أن تكون السيئة مغلظة و هي واحدة، و بين أن تكون مائة ألف سيئة عددا، فالجواب أنه قد جاء:

من زادت حسناته على سيئاته في العدد دخل الجنة، و من زادت سيئاته على حسناته في العدد دخل النار، و من استوت حسناته و سيئاته عددا كان من أهل الأعراف. انتهى كل ما تقدم من الجامع اللطيف لابن ظهيرة.

انظر: صورة رقم 128، المسجد الحرام. و انظر: صورة رقم 129، المسجد الحرام قديما

باب بني شيبة

باب بني شيبة، محله هو محل العقد القائم خلف مقام إبراهيم، عليه الصلاة و السلام، و هو عقد على شكل نصف دائرة، مبني على عمودين من حجر الرخام المتين، مزين بنقوش بديعة.

و هذا العقد هو محل السكة الضيقة النافذة من بين بيوت قريش إلى المسجد الحرام. فإن قريشا، لما بنت بيوتها حول الكعبة، على قدر حاشية المطاف، جعلوا بين كل دارين من دورهم مسلكا ينفذ منه إلى بيت اللّه الحرام، فكان هذا العقد هو محل السكة النافذة، و بجواره كانت دار شيبة بن عثمان الحجبي، سادن الكعبة المعظمة، التي دخلت في توسعة المهدي للمسجد، لذلك نسب الباب إليه، فقيل:

390

" باب بني شيبة". و يقال له أيضا، باب السلام. فهو قديم، من أيام الجاهلية، و لا يزال موضعه محفوظا إلى الآن. و قد ورد في كتب الحديث و التاريخ أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يدخل المسجد الحرام من هذا الباب، و يخرج منه، و سبب ذلك، كما ظهر لنا و اللّه تعالى أعلم، أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كانت إقامته بمكة، إما بدار خديجة رضي اللّه عنها، بزقاق الحجر أو بدار عقيل، بسوق الليل، أو كان ينزل بالأبطح جهة المعلّا. فالآتي من هذه الأماكن لا بد و أن تكون وجهته قبل باب الكعبة، فيدخل المسجد من باب بني شيبة بطبيعة الحال، و أيضا، فإن هذا الباب مقابل لباب بيت اللّه الحرام و اللّه تعالى يقول: وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها فكان الأفضل الدخول للمسجد الحرام من باب بنى شيبة. و لذلك يستحب الدخول للمسجد، لكل قادم، من هذا الباب، الذي كان يسمى قديما بباب السلام. فالقادم إذا دخل من أي أبواب المسجد الحرام، و مر للطواف من هذا العقد، أي باب بني شيبة، فقد أتى بالسنة و عمل بالأدب المطلوب.

انظر: صورة رقم 130، العقد القائم في مواجهة الكعبة و هو محلة باب بني شيبة

المسافة بين باب بني شيبة و جبل الرحمة بعرفات‏

قال الغازي في الورقة التابعة لصحيفة (386) ما نصه:

فائدة: المسافة بين باب بني شيبة شرقي المسجد الحرام و جبل الرحمة بعرفة هي 21367 مترا بهذا التفصيل:

متر

1042 من باب بني شيبة إلى باب مقبرة المعلاة.

2387 من باب مقبرة المعلاة إلى سبيل الست.

3120 من سبيل الست إلى جمرة العقبة.

3528 من جمرة العقبة إلى وادي محسر أي طول منى.

3812 من نهاية وادي محسّر إلى أول المأزمين أي طول المزدلفة، و وادي محسّر هو بضم الميم و فتح الحاء المهملة و تشديد السين المهملة و كسرها و يقال له وادي النار.

4372 من أول المأزمين إلى العلمين المحدين للحرم أي طول المأزمين.

391

متر

1553 من أول العلمين المحدين للحرم إلى العلمين المحدين لأول عرفة من جهة مكة أي طول وادي عرنة.

1553 من أول علمي عرفة إلى سفح جبل الرحمة.

21367 المجموع‏

ذكره العلامة إبراهيم رفعت باشا، في" مرآة الحرمين" و قال: اعتمدنا في ذكر هذه المسافات على ما ذكره التقي الفاسي، في كتابه" شفاء الغرام" و الأزرقي، في كتابه" تاريخ مكة"، و المسافة مذكورة فيهما بذراع اليد، و تارة بذراع الحديد، المستعمل في قياس القماش بمصر في عهد الفاسي بعد القرن الثامن.

و قد استنتجنا مقدار ذراع الحديد من قياس الفاسي لجدر الكعبة و مقارنته بقياسنا لها و لم يحصل في جدرها تغيير من عهد الفاسي إلى الآن، فكان ذراع الحديد 7/ 561 سنتيا، و رأينا الفاسي قاس بعض الأماكن بالذارعين الحديدي و اليدوي، فاستنتجنا مقدار ذراع اليد فإذا هو 49 سنتيا تقريبا. قال: و لا يخفى عليك أن تقدير المسافات في هذه الأمكنة محتمل للنقص و الزيادة باعتبار ما في الأرض من نشوز و انخفاض و استقامة و انثناء، فإن رأيت مخالفا فلا تنكر، فمنشأ الخلاف ما ذكرنا. انتهى.

صلاة الجمعة في المسجد الحرام‏

قال الدكتور محمد حسين هيكل (رحمه اللّه تعالى)، في كتابه" في منزل الوحي" عن صلاة الجمعة، في المسجد الحرام، ما نصه:

" المسجد الحرام مثابة المسلمين الذين يفدون إلى مكة من أقطار الأرض جميعا في أشهر الحج، و هو مثابتهم، ما أقاموا بأم القرى: يفدون إليه لصلاة الفجر و عند الظهيرة و يعودون إليه لصلواتهم الأخرى و للطواف بالبيت كلما هوت نفوسهم إلى التطوف به. و هم يقضون فيه الساعات الطوال يتحدثون أثناء النهار و يستمعون إلى جماعة من الفقهاء يحدثونهم في الإسلام و يفقهونهم الدين قطعا من الليل. و إن منهم لمن يقضي فيه يومه يجاور البيت، و منهم من ينصرف نهاره إلى شؤن الحياة، فإذا أقبل الظلام فضى بالمسجد ليله يقوم إلا قليلا، يذكر اللّه كثيرا،

392

و لا ينال من النوم إلا القدر الذي يكفيه لسعي النهار و تهجد الليل. لذلك قل أن يصلي بغير المسجد الحرام أحد من المقيمين بمكة على كثرة مساجدها. و ما رأيت أحدا أقام بهذه المساجد مصليا على كثرة مروري بها و وقوفي عندها، و لا تقام بها صلاة الجمعة مطلقا. و من ذا الذي تطاوعه نفسه و هو بمكة على أن يصلي بمسجد غير المسجد الحرام و الاجماع منعقد على أن مثوبة الصلاة فيه تزيد على مثوبة الصلاة بغيره أضعافا مضاعفة. و هذا الإجماع صحيح أساسه. فالإسلام دين جماعة و دعوة للجماعة، و لا شي‏ء يمقته الإسلام كالخروج على الجماعة في غير حق. و لا تجد الجماعة بمكة مكانا كالمسجد الحرام مقام بيت اللّه لتقوم بفروض اللّه فيه.

انظر: صورة رقم 131، الكعبة المعظمة و منظر الحرم المكي في أوقات الصلاة من الحج.

و صلاة الجمعة بالحرم من أروع مظاهر الإيمان في الجماعة الإسلامية، هذا الإيمان القوي في بساطته، البالغ في قوته، الذي يجمع بين الحرية و النظام جمعا لم أقف على ما يقرب من رفعته في أي من الملل و النحل الحديثة أو القديمة التي اطلعت عليها. و لقد رأيت في أسفاري الكثيرة ببلاد يدين أهلها بغير الإسلام من شعائر العبادة و من نظم الجماعة ما فيه مهابة و رهبة و نظام، و لقد حضرت صلاة الجمعة في بلاد إسلامية شتى، و لكني لم أر في شي‏ء من ذلك، ما قد يقرب في جلال مظهره و قوة روعته، و في جمعة بين الحرية و النظام، و بين الاعتداد بالذات و الإسلام للّه، ما رأيت في صلاة الجمعة بالمسجد الحرام، و لم يطبع شي‏ء من ذلك كله من الأثر العميق في نفسي ما طبعته صلاة الجمعة بالمسجد الحرام من أثر بالغ في عمقه، فما أفتأ كلما أذكره أشعر به متغلغلا في أطواء روحي يسمو بها إلى ذروة الإيمان و يرقى بها إلى ما فوق مستوى الإنسانية الذي نألفه ..." إلى آخر كلامه، انتهى من كتاب" منزل الوحي".

وحي صلاة الجمعة في المسجد الحرام‏

أنظر، رحمك اللّه تعالى ما توحي به صلاة الجمعة، في المسجد الحرام، لبعض العلماء و الفضلاء و قادة الفكر، من الأمور المهمة الدقيقة المتصلة بصميم حياة المسلمين اليوم. فهذا هو الدكتور المصري محمد حسين هيكل، (رحمه اللّه تعالى)، يقول في كتابه" في منزل الوحي" بعد أن صلى الجمعة في المسجد الحرام ما نصه:

393

" أما صلاة الجمعة في الحرم فقد اهتز لها كل وجودي، و قد أثارت أمام ذهني صورة مجسمة من المعاني السامية كنت أقدسها من قبل، و لكني لم أكن ألمسها لمسا ماديا، و لم أكن أراها بارزة بالوضوح الذي رأيتها به أثناء هذه الصلاة و لا إثرها. و لقد جلست مكاني و الناس ينصرفون من المسجد أفكر فيما رأيت فلا أجد من مزيد التفكير فيه إلا مزيدا في تأثري به و إكباري له. و لو لا أن جاء صاحبي يدعوني لمغادرة المسجد إلى الدار لأقمت حيث كنت مسترسلا في التفكير ملتمسا العبرة البالغة منه. و ما أكبرها عبرة و ما أبلغها عظة!

و أبلغ أثر تركته هذه الصلاة في نفسي هذا النظام الكامل لعشرات ألوف يخطئها العد عن الإسلام به، و إيمان بوجوبه، و حب إياه، و إقبال عليه، فها هي ذي عشرات الألوف تقف وراء الإمام صامتة خاشعة متجهة بكل قلوبها إلى اللّه مؤمنة إيمانا كاملا بكل كلمة و كل حرف من هذه السبع المثاني التي يتلوها الإمام إذ يتلوا سورة الفاتحة ثم تتلوا هذه السبع المثاني من بعدها لحمد رب العالمين الرحمان الرحيم مالك يوم الدين لا تعبد إلا إياه، و لا تستعين إلا إياه، تستهديه الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم فلم يغضب عليهم و لم يضلوا.

و ها هي ذي عشرات الألوف من كل الأجناس و الألوان و اللغات ينتظمها إيمان واحد بهذا الذي تتلو، إيمان لا يتلجلج و لا يكبو، فإذا سمعت التكبير للركوع ركعت جميعا مؤمنة تسبح بحمد ربها العظيم الذي تؤمن به و تقدسه و إذا سمعت التكبير للسجود تسبح بحمده كرة أخرى.

و ها هي ذي تعيد الركعة الثانية حمدها و تسبيحها و استغفارها ربها و عبادتها إياه و اسعانتها به في مثل نظامها في الركعة الأولى، و تتوجه كل هذه الألوف في هذا النظام الذي يأخذ بالقلوب و الأفئدة إلى بيت اللّه من جوانبه الأربع.

أي جيش جيش الإيمان هذا! و أية قوة في العالم تستطيع أتغلب هذا الجيش أنه عرف كيف ينظم الحياة مثل نظام الصلاة الجامعة، و أن يجعل الإيمان قواما لنظام الحياة كما أنه قوام هذه الصلاة! ألا لو أن ذلك كان و اجتمع من في الأرض جميعا لما غلب قوما ذلك إيمانهم و ذلك نظامهم و ذلك سمّوهم إلى اللّه و هذه عبادتهم إياه وحده لا شريك له.

الإيمان قوام هذا النظام البالغ في كماله، الذي جمع الأروبي و الإفريقي و الآسيوي و أهل الأرض جميعا في صعيد واحد. و الإيمان هو الذي جعلهم اخوة

394

متفاهمين على تباين لغاتهم و اختلاف أجناسهم، و إيمانهم له كل هذا السلطان لأنه إيمان تجرد من كل سوى الفكرة السامية، لا تشوبها شائبة و لا تندس إليها غاية من غايات هذه الحياة الدنيا. الفكرة المجردة من كل مطمع و من كل هوى إلا رضا اللّه يستعذب المسلمون التضحية بكل شي‏ء في سبيله، التضحية بالهناءة و الطمأنينة، و بالمال و الجاه، و بكل ما في الحياة، بل بالحياة نفسها.

و هذه الفكرة السامية يؤمن عشرات الألوف هؤلاء و يؤمن بها المسلمون جميعا، تتلخص في كلمتين اثنتين هما أبلغ و أقوى ما عرفت الإنسانية منذ وجدت، و لا يمكن أن تعرف أبلغ و لا أقوى منهما إلى أن بيد اللّه الأرض و ما عليها: اللّه أكبر.

نعم: هاتان الكلمتان هما أبلغ ما عرفت الإنسانية، و ما يمكن أن تعرف.

هما مظهر السمو الإنساني على ما يتصل به الإنسان من سائر الكائنات. و هما مظهر سمو النفس و قوتها، فلا يعتريها، ضعف و لا يزعزع منها سلطان. يكفي أن يحيط الإنسان بمعنى هاتين الكلمتين كاملا، و أن يؤمن به إيمانا صادقا، ليتصل باللّه اتصالا صحيحا و ليرقى الاتصال فوق الأمل الخادع، و فوق الغرور الكاذب، و فوق كل ما في الحياة الدنيا.

إننا نحن المسلمين لنسمع هاتين الكلمتين و لنقولهما في كل يوم عشرات المرات: نسمعهما مرات ساعة الأذان، و نسمعهما و نقولهما مرات حين الصلاة، و نرددهما في مناسبات كثيرة و نؤمن بهما حقا، لكن الكثيرين منا يؤمنون بهما و لا يحيطون بمعناهما إحاطة إدراك تام و شعور متنبه لهذا المعنى.

فما أعظم سلطان المال و ما أكبر حكم أصحابه! نعم! لكن اللّه أكبر، و ما أعظم سلطان هذا الملك الحاكم فوق العباد! نعم! لكن اللّه أكبر، و ما كان سلطان رومية و امتداد إمبراطوريتها! نعم! لكن اللّه أكبر، و ما أعظم سلطان الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب الشمس عن أملاكها! نعم! لكن اللّه أكبر!

و ما أعظم سلطان أوربا سلطانا تحكم به الشرق و تتحكم به في مصير العالم كله! نعم! لكن اللّه أكبر.

395

فإذا أنت اتصلت باللّه وحده، و عبدته وحده، و استعنته وحده، لم يكن للمال و لا للملك و للإمبراطورية البريطانية و لا لأوربا و لا لقوة من القوى بالغا ما بلغ كبرها أي سلطان عليك.

و ما هذه القوى جميعا و هي لا تساوي عند اللّه جناح بعوضة! و إن من التجديف حين نذكر أن اللّه أكبر من كل كبير و أعظم من كل عظيم، أن نذكر هذه القوى الضئيلة في حياة الكون و التي تبدو اليوم و تختفي غدا، و تقوى اليوم و تضعف غدا، و توجد اليوم و تنعدم غدا.

يبتلع البحر من الأرض ما شاء اللّه أن يبتلع، و يذهب الأقوياء فلا يبقى لهم بعد ذهابهم إلا ذكر قوتهم، لكن الأرض إلى يسير عليها هؤلاء يعيشون و يأكلون و إلى ثراها يرجعون، ما أكبرها! لكن اللّه أكبر.

و الشمس ما أكبرها! لكن اللّه أكبر.

و الوجود كله من محسوس نشهده و غائب نتوسمه ما أكبره! لكن اللّه أكبر! وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ‏.

و عبادة اللّه و الإستعانة به تقضيانك علم ما خلق، و السعي في مناكب الأرض، و إدراك أسرار الحياة. و أنت أعظم اتصالا باللّه كلما كنت من هذا العلم و هذا السعي و هذا الإدراك أكبر حظا. و إيمانك الحق بهاتين الكلمتين ينقلب إيمانا آليا لا ينفع و لا يضر إذا لم تسع و لم تدرك و لم تتصل بنوره العظيم. إذا علمت هذا و علمت به و دأبت لتدرك عظمة اللّه في خلقه مما نرى، و ما نحس و ما يجاوز إحساسنا، إذن فلن يغلبك غالب و أنت فرد. فأما إن علمته أمة و عملت به آمنت عن إدراك صحيح بأن اللّه أكبر، فقد حق لها أن تتولى هدى العالم إلى الحق في أسمى صورة و أرقى درجاته، هدى يصل بالانسانية إلى ما تبغي من مجد الإخاء في اللّه، إخاء هو وحده الجدير بالإنسانية حين تبلغ من التقدم درجة حسنى.

ما بال هذه الألوف المؤلفة من المسلمين الذين يصلّون الجمعة في الحرم، ثم ما بال إخوانهم الملايين من المسلمين المنتشرين في بقاع الأرض جميعا، و هم يؤدون صلاتهم في هذا النظام البالغ و يسمعون هاتين الكلمتين و يكررون في صلاتهم:

" اللّه أكبر" مرات و عشرات المرات، ما بالهم فيما هم فيه من ضعف و جمود و خضوع لسلطان الغير و حكمه؟! فكرت في هذا حين أويت إلى الدار و اعتكفت‏

396

في غرفتي. فكرت فيه متألما ثائرا بهؤلاء الذين أوتوا أسباب القوة فضعفوا و هانوا، و أوتوا سبيل العزّة فذلوا و استكانوا. و كيف لا تثور النفس حين ترى هذا النظام البالغ ثم ترى ما هم فيه من هوان و فوضى، و من شأن من ينتظمهم الإيمان السليم به أن يكونوا العزة و القوة. و لم ألق عسرا في الوقوف على علتهم، فنظامهم هذا ينقصه الروح و لذلك غاضت حياته، فانقلب آليا، فانقلبت على أهله غايته. و هذا هو السبب فيما هم فيه و ما سيظلون فيه، حتى يغيروا ما بأنفسهم ليغير اللّه ما بهم.

الروح ينقص هذا النظام و لا ريب الروح المستمد من الإيمان الكامل. أليس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول:" لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" و الكثرة من هؤلاء المصلين لا يفكر أحدهم في أخيه و لا يحب إلا نفسه. هو لم يحضر إلى مكة و لم يفرض الحج و لم يستو مع الناس في صلاة الجماعة بالحرم ليكون لإخوانه المؤمنين كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، بل جاء إلى مكة حاجا و حضر صلاة الجماعة ابتغاء المغفرة لنفسه و الثواب لنفسه دون تفكير في المؤمنين ممن حوله، و ليس هذا شأن المسلمين اليوم و في هذا العصر الأخير و كفى، بل هو شأنهم" مع الشي‏ء الكثير من الأسف" منذ مئات السنين التي خلت: منذ انتقل الأمر بينهم من الشورى إلى الاستبداد، و من الاجتهاد إلى التقليد و من الاستهانة بالموت إلى حب الحياة، و من عبادة اللّه وحده إلى عبادة المال و أرباب المال. من ذلك اليوم البعيد عنا، حينما كان تاريخ الأمة الإسلامية ما يزال مزدهرا، بدأت الأثرة تبلغ من المسلمين أن صار أحدهم لا يعرف إلا نفسه و لا يحب إلا نفسه.

و يحسب مع ذلك أنه يستطيع الوصول إلى رضا اللّه باعتزاز إخوانه المؤمنين، و بالانقطاع عن التفكير في أمر نفسه. و من يومئذ نسي المسلم أنه إذ يقول و هو يصلي للّه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏، أنه يتحدث عن نفسه و عن إخوانه المؤمنين، و كأنما خيّل إليه في غرور أنه بهذه الصيغة يعظم نفسه و هو يخاطب ربه.

و حيثما بلغت الأثرة من النفوس هذا المبلغ ضعف إيمانها و تزعزع يقينها و تعلقت بالحياة و أذعنت خاضعة لكل سلطان يملك عليها أسباب المادة في الحياة.

هنالك تنزوي الروح و يضمحل سلطانها على النفس. و هنالك تتهلهل أواصر الاتصال بين المؤمنين و تضعف أخوتهم فيضعفوا جميعا. و هنالك تصير حياتهم حياة أفراد تنتهي بالموت لا حياة أمة تتصل على الزمان و لها في شهدائها و في موتاها

397

أعلام مجد و عزة تتعلق بها و تضحي للاحتفاظ بما شادوا من هذا المجد، و لإكباره و المزيد منه.

انظر: صورة رقم 132، صلاة الجمعة حول الكعبة المشرفة في العام 1372 ه

و ذكرت و أنا أفكر في هذا و في مثله، أولئك المسلمين الأولين الذين كانوا يجيئون للصلاة عند الكعبة كما نجي‏ء نحن للصلاة عندها اليوم، فيصدهم المشركون و يؤذونهم و يبالغون في تعذيبهم، لم يكن يومئذ حول الكعبة مسجد معمور تحيط به هيبة الإسلام شأن المسجد الحرام اليوم، بل لم يكن حولها مكان مسور، إنما حرمها متصلا بالطريق و متصلا بالمساكن، اتصال المسعى بين الصفا و المروة في وقتنا الحاضر. مع ذلك كان المسلمون الأولون يذهبون إلى الصلاة متحدين متضامنين و هم يعلمون أنهم معرضون لللأذى و للموت، و أن تحابهم و تضامنهم يجعلانهم أكثر للموت و للأذى تعرضا. و لقد كثر عدد المسلمين بمكة قبل الهجرة، و اعتز الإسلام بحمزة بن عبد المطلب و بعمر بن الخطاب، و جعل عمر يدفع من أذى المشركين للمسلمين ما يستطيع دفعه، مع ذلك ظل المشركون على عداوتهم للنبي و أصحابه و إيذائهم إياهم، و ظل المسلمون على تضامنهم و حبهم بعضهم لبعض في اللّه، و صبرهم على الأذى في سبيل الحق و إيمانهم بأن النصر لهم ما صبروا، يذهبون إلى حرم الكعبة للصلاة مستهينين بالأذى و بالموت، مؤمنين بأنهم رجل واحد فلا يموتون ما بقي منهم من ينادي مؤمنا:" لا إله إلا اللّه اللّه أكبر" محبا إخوانه في اللّه، موقنا أنه لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

و لم يكن هذا الحب الصادق الذي يكمل به الإيمان حب عاطفة هو جاء، يرى صاحبها في الإلقاء بيده إلى التهلكة استهانة بالموت، بل كان حب تعقل و روية و حرص على معرفة الحياة و ما فيها إلى غاية ما يبلغ المرء من معرفتها في ذلك العهد.

كان المسلمون يجتمعون بالرسول في كل يوم يتشاورون، و كانوا يتنطسون أخبار المشركين ليقفوا على دخائل نفوسهم، و كانوا ينافسونهم في العلم بالأمور ليدفعوا حجتهم بالحجة و قوتهم بما يستطيعون من قوة.

لم يكن أحدهم يرى في الإسلام للّه و التوكل عليه ما يصرفه عن التفكير ليومه و غده، و لشد أزر وليه و دفع عدوه، بل كانوا يرون في الإيمان باللّه و الإسلام له سموا على كل إذعان لغير اللّه، و استهانة بكل مجهود و كل مشقة لبلوغ هذا

398

السمو، و بذلك كانوا حربا على كل ضعف في أنفسهم كما كانوا حربا على قوة خصومهم. من أجل ذلك استلوا من نفوسهم كل سلطان للأثرة عليها، فقوي اعتداد الفرد منهم بنفسه و حبه لإخوانه، و بذلك كانوا الغالبين.

و كان لهذا الاعتداد بالنفس مع انكار الذات أثره في أولي المواهب و أهل الزعامة منهم. لم يكن أحد من هؤلاء يرضى إذا آمن بشي‏ء أن يكتم إيمانه مخافة ما يجره إعلان هذا الإيمان عليه من أذى، و لم يكن أحدهم ينتظر حتى يرى أين تكون منفعته ليكيف بوحيها رأيه أو عقيدته، بل كانوا جميعا يؤمنون بأن العقيدة و الرأي معا ملك مشاع للجماعة، فيجب أن يطالعها الفرد بما يرى، و أن يحاول اقناعها به في صراحة و شجاعة و إيمان. لهذا نجم منهم القادة و أولو الرأي، و توارى من جماعتهم المراؤون و المنافقون الذين يريدون أن يتخذوا من كل شي‏ء، حتى من الرأي و الإيمان به، مطية أهوائهم و وسيلة منافعهم. و لذلك آمنوا بأن الروح من عند اللّه و أن الحياة الإنسانية متصلة بكلمة اللّه، و أن اللّه خلق الإنسان على صورته، فهو من ثم روح قبل أن يكون مادة، و حياته من ثم فكرة متصلة بالروح، و ليست حركة آلية، و لا حركة فطرية كحركة النبات، و لا حركة سليقية كحركة الحيوان.

و حيثما آمن الإنسان بأن الحياة فكرة استهان بالموت في سبيل الفكرة. و من استهان بالموت عنت له الحياة. و كلما ازدادت الفكرة سموا ازداد صاحبها استهانة بالحياة و سموا لذلك عليها. و الجماعة التي تعيش من أجل فكرة إنسانية سامية و لا تخشى الموت في سبيلها، تصل من القوة إلى حيث لا يغلبها غالب. كذلك كان شأن الجماعات الإنسانية في كل العصور، و كذلك كان شأن الجماعة الإسلامية الأولى. كان الإيمان بالوحدانية يملأ نفوس أهلها، حتى ليصغر كل ما في الحياة إلى جانبه. و كانوا يعلنون إيمانهم هذا و لا يكتمونه، لم يكن يصرفهم عنه وعد و لا وعيد، و لم تكن ترد الصادقين منهم تضحية و إن عظمت، و إن بلغت التضحية بالحياة، بذلك نصرهم اللّه و فتح لهم فتحا مبينا.

كيفية الخطبة في المسجد الحرام‏

لم يرد شي‏ء في حق الخطيب أن يكون على صفة من اللبس و الهيئة، غير أنه كما لا يخفى يسن لمن حضر صلاة الجمعة أن يغتسل و يتطيب و يلبس أحسن ثيابه‏

399

ففي الحديث:" من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله و تطهر فأحسن طهوره و لبس من أحسن ثيابه و مسّ ما كتب اللّه له من طيب أهله ثم أتى الجمعة و لم يلغ و لم يفرق بين الاثنين غفر له ما بينه و بين الجمعة الأخرى" رواه ابن ماجة.

فإذا كان هذا يطلب من كافة الناس فيكون الخطيب أو الإمام أولى بذلك فقد قال الإمام الشافعي، (رحمه اللّه تعالى)، في الأم" و أحب الإمام من حسن الهيئة ما أحب للناس و أكثر منه و أحب أن يعتّم فإنه كان يقال إن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يعتم و لو ارتدى ببرد فإنه كان يقال أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يرتدي ببرد كان أحب إلي" اه.

روى الإمام الشافعي، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء أكان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقوم على عصا إذا خطب؟ قال: نعم، كان يعتمد عليها اعتمادا. و روى ابن ماجه، عن عمارة بن سعد، أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس و إذا خطب في الجمعة خطب على عصا. اه.

فالمطلوب من الخطيب و الإمام، حسن الشكل، و جمال اللبس المباح، مع الحشمة و الوقار، في حدود التواضع.

و ما كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إذا خطب يوم الجمعة يدعو لنفسه، كما لم يكن أحد من الخلفاء الراشدين يدعو لنفسه على المنبر. ثم لما كان عصر الخلفاء العباسيين و صار الخطيب غير الخليفة أمر أمير المؤمنين محمد الأمين بن هارون الرشيد أن يدعى له على المنبر. ذكر ذلك كثير من المؤرخين، قال الإمام السيوطي، (رحمه اللّه تعالى)، في كتابه:" الأوائل" أول من دعى بلقبه على المنبر و كتب به هو الأمين. اه.

هذا، و بمرور الزمن و السنين، تطور الناس و تغيرت الأوضاع، و صارت لهم عادات و تقاليد و مظاهر يتبعونها و يمشون على نظمها، و هنا من اللازم علينا أن نسوق ثلاث روايات عن كيفية خطبة الجمعة و خطبة العيد في المسجد الحرام في عصور مختلفة للإحاطة و العلم بها، ناقلين كل ذلك عن تاريخ" عمارة المسجد الحرام" للشيخ حسين باسلامة، (رحمه اللّه تعالى)، فقد قال فيه ما نصه:

1- و ذكر ابن جبير في رحلته و في وصف الكيفية، التي كانت تتبع في خطبة الجمعة، بمكة المكرمة، و كيفية الخطيب، و صعوده على المنبر، و موضع المنبر في عصره، و إليك ما قاله:" في يوم الجمعة، يلصق المنبر إلى صفح الكعبة الشريفة، فيما بين الحجر الأسود و الركن العراقي. و يكون الخطيب مستقبلا المقام الكريم،

400

فإذا خرج الخطيب أقبل لابسا ثوبا أسود معتمّا بعمامة سوداء و عليه طيلسان أسود، و كل ذلك من كسوة الملك الناصر و عليه الوقار و السكينة و هو يتهادى، بين رايتين سوداوين، يتمسكهما رجلان من المؤذنين، و بين يديه أحد القومة، في يده الفرقعة مفتول ينفضه في الهواء فيسمع له الصوت عال يسمعه من كان داخل الحرم و خارجه. فيكون إعلانا بخروج الخطيب و لا يزال كذلك إلى أن يقرب من المنبر فيقبل الحجر الأسود و يدعو عنده ثم يقصد المنبر و رئيس المؤذنين بين يديه لابسا السواد و على عاتقه السيف ممسكا له بيده، و تركز الرايتان عن جانب المنبر، فإذا صعد أول درجة من المنبر قلده المؤذن السيف، فيضرب بنعل السيف ضربة على الدرج، يسمع بها الحاضرون. و هكذا على سائر الدرج فإذا استوى في علياه استقبل الناس و سلم عليهم، ثم يقعد و يؤذن المؤذن على قبة زمزم، فإذا فرغ من خطبته صلى و انصرف على الوضعية التي أتى بها. ثم يعاد المنبر إلى مكانه ازاء المقام. اه.

هذا ما كان من حالة المنبر و الخطيب في عهد ابن جبير في القرن السادس.

2- و أما حالة الخطيب، في عهد الدولة العثمانية على الحجاز، فكان يأتي يوم الجمعة، عند الزوال إلى المسجد الحرام، فيدخل المدرسة الواقعة، بين باب بازان و باب علي، المسمّاة" بقبة الساعات" حيث وضعت في ذلك العصر فيها ساعتان كبيرتان للتوقيت. فيصلي فيها ركعتين. و من عادة الخطيب في ذلك العصر أن يرتدي جبة واسعة الأكمام تسمى" الفرجية" و يعتم بعمامة من الشاش الأبيض، على كيفية هندية، مصنوعة من القماش الحرير الملون، و مبطنة بالخيزران اللطيف.

و تلف العمامة الشاش عليها لفا منتظما متراصا بعض الطيات على بعض و تسمى تلك اللفة" بالمدرج". ثم يأتي المرقّي، إلى المدرسة المذكورة، يحمل الطيلسان و العصا، التي يعتكز عليها الخطيب، حال صعوده المنبر، و هذه العصاة، داخلها سلاح من نوع السلاح الأبيض، رفيع السلة أشبه بسنان الرمح يسمى:" بالغدارة" و هذا المرقّي، هو من ضمن المبلغين بالمسجد الحرام، قد تخصص لهذه الوظيفة.

فيضع المرقّي، الطيلسان على رأس الخطيب فوق العمامة، فيلتف به الخطيب، و يخرج من المرسة المذكورة ميمما نحو المنبر، فإذا بلغ الحصوة الموالية لرواق المدرسة، التي كان بها، وجد هناك بيرقين أي" رايتين"، من الحرير الأحمر، و نفرين من أغوات الحرم، و نفرين من مشدىّ الحرم، فإذا وصل إليهم ساروا

401

جميعا أمام الخطيب، يتقدمهم المرقّي حامل عصا الخطيب، ثم يتبعه حاملا البيرقين" الرايتين"، ثم أغوات الحرم ثم المشدّية. و يسيرون على هذه الحالة، إلى أن يصلوا المنبر، فإذا وصلوه ركزوا البيرقين على باب المنبر، و وقف الأغاوان عند باب النبر أيضا، ثم ترفع الستارة الخضراء، المزركشة بأسلاك الفضة المموهة بالذهب، الموضوعة على باب المنبر، و يسلم المرقّي العصا إلى الخطيب، فيصعد الخطيب على درج المنبر و خلفة المرقّي. فإذا وصل الخطيب أعلى المنبر جلس على مسطبة، و قام المرقّي، في وسط درج المنبر، و أذن أذان الجمعة الثاني، تابعا ذي ذلك رئيس المبلغين من قبة زمزم. فإذا أتم الأذان، قام الخطيب وشع في الخطبة الأولى. فإذا أتمها جلس. فيقوم المرقّي و يصلي على النبي (صلى الله عليه و سلم) رافعا بها صوته. فمتى أتمها قام الخطيب و ألقى الخطبة الثانية، حتى إذا بلغ فيها ذكر النبي (صلى الله عليه و سلم) جهر المرقّي بالصلاة عليه، ثم إذا بلغ الخطيب ذكر أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) جهر المرقّي بالترضي عنهم، فإذا ذكر الخطيب اسم الخليفة أو السلطان أو الملك جهر المرقي بالدعاء له بالنصر و الظفر و التأييد. اه.

هكذا، كانت صفة الخطبة في عصر سلاطين آل عثمان، و في عهد الشريف الحسين بن علي، ملك الحجاز، أي إلى سنة (1343) ثلاث و أربعين و ثلاثمائة و ألف. و كان يوضع في أعلى المنبر رايتان خضراوان صغيرتان مزركشتان بأسلاك الفضة المموهة بالذهب.

3- و أما خطبة عيد الفطر في ذلك العصر، فقد كان الخطيب، الذي تكون عنده نوبة خطبة عيد الفطر، من بين عموم خطباء المسجد الحرام، يستعد في داره بالشربات و المرطبات لاستقبال الوافدين عليه في داره فيجلس بعد صلاة فجر ذلك اليوم فإذا صار الإسفار أتاه شيخ الخطباء، مع فريق من خطباء المسجد الحرام، ثم رئيس المؤذنين، مع طائفة منهم، ثم فريق من أغوات الحرم ثم بعض المشدّية و جميع من عموم خدم المسجد الحرام. فإذا تم اجتماع هؤلاء، في دار الخطيب، دارت عليهم كؤوس المرطبات. فإذا أشرقت الشمس خرجوا صفوفا، مع الخطيب، على الترتيب الآتي: المرقّي ثم المشدّية ثم أغوات الحرم ثم المؤذنون ثم الخطباء حول الخطيب و هو بينهم لابسا" الفرجّية" و العمامة المدرّج و عليه الطيلسان على حسب ما وصفنا ذلك في خطيب الجمعة، ثم يعجّون بالتكبير المسنون في العيدين، و هم سائرون إلى أن يبلغ الخطيب الموضع، الذي يؤم الناس فيه، و هو في‏

402

الغالب، يكون عند مصلى جبريل، أمام الكعبة المعظمة، بين باب الكعبة و الركن العراقي، الذي يلي حجر إسماعيل. فإذا وقف الخطيب في مصلاه أعلن رئيس المبلغين، من قبة زمزم رافعا بها صوته (صلاة العيد أثابكم اللّه ثلاثا، ثم الصلاة رحمكم اللّه) و يتبعه المبلغون، اللذين هم في علو مقام الحنفي، فإذا أتم الصلاة، صعد الخطيب على المنبر و ألقى خطبة العيد على الترتيب، الذي ذكرناه في خطبة الجمعة. اه.

قال: و أما حالة الخطيب في عصر جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود- أي منذ توليه على الحجاز عام (1343) ثلاث و أربعين و ثلاثمائة و ألف- فهي في غاية البساطة، و ذلك أنه، متى فرغ المؤذن من أذان الجمعة الأول، أتى الخطيب وحده إلى المنبر، و عليه رداء و عمامة. ثم صار من عام 1349 تسع و أربعين و ثلاثمائة و ألف، اللباس الرسمي، لجميع الموظفين، العباءة و الغترة و العقال، غير أن أهل العلم، لا يلبسون العقال.

قال: لا فرق بينه و بين سائر أهل العلم في شكل الملبس، لا من جهة النوع و لا من جهة الشكل، فمتى وصل المنبر، وجد هناك اثنين من أغوات الحرم واقفين عند باب المنبر، فيحمل العصا المعتادة للخطابة و يصعد المنبر، فإذا بلغ أعلاه، جلس على مسطبة و قام المؤذن على قبة زمزم في أذان الجمعة الثاني، فإذا فرغ من الأذان، قام الخطيب و ألقى خطبة الجمعة. و لم يكن له مرقي، كما كان سابقا، فهو يصلي على النبي (صلى الله عليه و سلم) و يترضى عن الصحابة و يدعو للمسلمين عامة بدون أن يذكر اسم جلالة الملك كما كان في السابق حسبما تقدم، فإذا أتم الخطيب خطبتة نزل من المنبر و وقف للصلاة بالناس فيقيم المكبّر على قبّة زمزم الصلاة، و يتبعها المكبر، الذي في علو مقام الحنفي، فإذا تم التكبير أحرم الإمام بالصلاة. اه.

و هذه الكيفية لا زالت إلى يومنا هذا بمكة و هي خالية من المظاهر و الفخفخة التقليدية، و اللّه الهادي، إلى سواء الصراط.

منبر المسجد الحرام‏

كان الخلفاء و الولاة يخطبون بمكة المشرفة، منذ عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في المسجد الحرام، قياما على أقدامهم، على الأرض، في وجه الكعبة بلصقها، و في‏

403

حجر إسماعيل، عليه الصلاة و السلام، إلى خلافة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، رضي اللّه عنه.

و سبب الخطبة في وجه الكعبة و هو جهة بابها، أن حد المسجد الحرام، في بدء الإسلام، و ما قبله، هو المطاف المفروش بالرخام الأبيض، المحيط بجوانب الكعبة المشرفة، الذي نسميه الآن بالصحن. و ما دام الناس يتجهون إلى الكعبة، فبالضرورة يكون موقف الخطيب على المنبر، بلصق الكعبة و وجهه إليهم. ثم لما حصلت الزيادات، فيما بعد في المسجد، جعلوا مكان المنبر في آخر حدود المطاف، إلى جوار مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام، جهة باب الكعبة أيضا.

قال الأزرقي، في تاريخه: أول من خطب بمكة على المنبر أمير المؤمنين، معاوية بن أبي سفيان، و هو منبر صغير على ثلاث درجات، قدم به من الشام، لما حج و هو أول من أتى به إلى مكة. ثم قال الأزرقي: و ذلك المنبر، الذي جاء به معاوية، ربما خرب فكان يعمر و لا يزاد، حتى حج هارون الرشيد، فأهدي له منبر منقوش عظيم عال في تسع درجات، أهداه له عامله على مصر موسى بن عيسى. فكان منبر مكة. و جعل المنبر القديم بعرفة. ثم أمر الواثق العباس، لما أراد الحج، أن يعمل له ثلاث منابر: منبر بمكة و منبر بمنى و منبر بعرفة.

هذا ما ذكره الأزرقي و ذكره الفاكهي أيضا و زاد أن المنتصر بن المتوكل العباسي، لما حج في خلافة أبيه، جعل له منبرا عظيما فخطب عليه بمكة ثم خرج و خلفه بها. انتهى.

و ذكر القرشي ذلك و زاد قال: ثم جعل بعد ذلك عدة منابر للمسجد الحرام.

اه.

و ها نحن نذكر منابر المسجد الحرام، من عهد معاوية، رضي اللّه عنه، إلى اليوم نقلا عن كتاب الشيخ حسين باسلامة و الشيخ عبد اللّه غازي، رحمهما اللّه تعالى، فنقول:

1) المنبر الذي وضعه أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، رضي اللّه عنه، في المسجد الحرام قدم به من الشام لما حج، لكن لا ندري هل كان ذلك في حجته الأولى سنة أربع و أربعين أم في حجته الثانية سنة خمسين على ما يقال.

404

2) المنبر الذي وضعه فيه أمير المؤمنين هارون الرشيد لما حجّ لكن لا ندري في أي حجاته جاء بالمنبر، فإنه كان كثير الحج، قال السنجاري حج بالناس تسع حجيج متفرقة أولها كان سنة سبعين و مائة.

3) المنبر الذي وضعه أمير المؤمنين الواثق باللّه العباسي لما حج.

4) المنبر الذي وضعه المنتصر بن المتوكل العباسي لما حج في خلافة أبيه.

5) المنبر الذي عمله وزير المقتدر باللّه العباسي و كان منبرا عظيما تكلف عمله ألف دينار، فلما وصل المنبر مكة أحرقه المصريون حتى لا يخطب عليه للخليفة المقتدر باللّه و خطبوا لصاحب مصر المنتصر العبيدي.

6) المنبر الذي عمل في دولة الملك الأشرف شعبان صاحب مصر سنة 766.

7) المنبر الذي بعث به الملك الظاهر برقوق صاحب مصر سنة 797.

8) المنبر الذي أرسله شيخو صاحب مصر خطب عليه يوم التروية و ذلك سنة 815.

9) المنبر الذي أرسله الملك المؤيد الجركسي صاحب مصر سنة 818.

10) المنبر الذي ذكره الغازي في تاريخه أنه كان موجودا بالمسجد الحرام قبل سنة 830 و كان محله عند مقام إبراهيم، عليه الصلاة و السلام، و كانت له عجلات فعند وقت الخطبة يجر حتى يسند إلى الكعبة فيقوم عليه الخطيب، ثم في السنة المذكورة جاء مرسوم صحبة الحاج يتضمن جملة أشياء:

منها ترك المنبر في مكانه عند المقام و أن يخطب الخطيب عليه في هذا المكان، فلا يجر إلى جانب الكعبة، لأنه عند جره على عجلاته يزعج الكعبة إذا أسند إليها.

11) المنبر الذي أرسله الملك الناصر خوش قدم صاحب مصر سنة 866.

12) المنبر الذي أرسله الملك الأشرف قايتباي الظاهر صاحب سنة 877.

13) المنبر الذي وصل إلى مكة فركب في جهة باب السلام و ذلك سنة 879.

و عند إلقاء الخطبة يجر المنبر إلى المطاف فيخطب عليه.

14) المنبر الذي عمله السلطان سليمان خان ابن السلطان سليم خان من سلاطين آل عثمان، فإنه في سنة 966 ست و ستين و تسعمائة بعث السلطان سليمان بهذا المنبر، المصنوع من الحجر الرخام الناصع البياض، و هو رشيق الصورة يقف كالدمية اللطيفة، تتجلى فيه روعة الفن و دقة الصنعة و اتقان التركيب بحيث أنه يعد الآن آية من آيات الفنون الجميلة، و أن أكثر ما يلفت نظر