التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج4

- محمد طاهر الكردي المزيد...
651 /
405

المدقق الخبير بالفنون الجميلة، النقوش العجيبة و الزخرفة البديعة المحفورة في نفس حجر الرخام، كيف أنهم حفروها فيه في ذلك الزمن الذي لم تستكمل فيه الصناعات الدقيقة جميع أدواتها و آلاتها، و لكن ذلك لا يستبعد على دولة آل عثمان و سلاطينهم الفخام، و هذه آثارهم في الحرمين الشريفين و غيرهما شاهدة على ما لهم من التقدم المطرد في الصناعات الدقيقة و الاختراعات العجيبة.

و لا يزال هذا المنبر إلى اليوم، و قد مر عليه أكثر من أربعمائة عام قويا متينا حافظا لرونقه و شكله الجميل، على أنه معرض للشمس و المطر و السيول و الغبار، آناء الليل و أطراف النهار، لأنه واقع قرب المطاف، لا يحجبه سقف و لا جدار، فهو بجوار مقصور مقام إبراهيم، عليه الصلاة و السلام، بينه و بينها أربعة أمتار.

و عدد درجاته، من بابه إلى موضع جلوس الخطيب، أربع عشرة درجة و يبلغ طوله 580 سنتيمترا و عرضه 186 سنتيمترا (هذا القياس أخذناه بأنفسنا).

أما مقدار ارتفاع هذا المنبر، من أرض المطاف إلى هلال قبته، فيبلغ اثني عشر مترا تقريبا، كما قاله الشيخ عبد اللّه باسلامة في كتابه، (رحمه اللّه تعالى).

و كانت أول خطبة خطبت عليه هي خطبة عيد الفطر خطبها السيد أبو حامد النجاري أما تركيب الهلال عليه فقد كان سنة (1020) أرسله السلطان أحمد خان فركب عليه.

انظر: صورة رقم 133، المنبر الحالي‏

و من عجيب أمر هذا المنبر الجميل ما رواه الغازي، في تاريخه، نقلا عن كتاب" تحصيل المرام" و هذا نقلا عن تاريخ السيد مصطفى بن سنان الشهير بجنابي أنه قال:" لما كانت سنة خمس و ستين و تسعمائة أمر الملك المجاهد، سليمان بن سليم خان، بعمل المنبر، الذي بالمسجد الحرام، و أن يعمل من رخام في طرز بديع.

فلما حفروا مكان الأساس ظهر رجلان ميتان مدفونان بما عليهما من السلاح. و لم يفقد منهما شي‏ء، فاختلف الناس في أمرهما. و أما أنا فلم أشك في كون أحدهما عبد اللّه بن عثمان، لأنه استشهد مع ابن الزبير و خفي أثره و دفن في المسجد، خوفا أن ينبشه أصحاب الحجاج، و الآخر عبد اللّه بن صفوان". و العلم للّه. انتهى من الغازي.

406

و الظاهر، و اللّه أعلم، أنه لم يعمل للمسجد الحرام منبر من حجر الرخام غير هذا المنبر، و كل ما تقدم ذكره من المنابر كانت من الخشب، لذلك كانت تتلف سريعا. و سيبقى، هذا المنبر أيضا، إلى ما شاء اللّه، لأنه من الحجر الرخام القوي، محكم الصنعة، راسخ الأساس. جزى اللّه واضعه في المسجد الحرام خير الجزاء و غفر لنا و له آمين.

نقول: و قد نقل منبر المسجد الحرام الذي وضعته الدولة التركية العثمانية منذ مدة طويلة من مكانه الأصلي إلى الموضع الحالي و قد أخروه بضعة أمتار، إلى نحو سبعة أمتار تقريبا لتوسعة المطاف و ذلك سنة 1383 ه. و بمناسبة منبر المسجد الحرام نذكر استطرادا اتخاذ منبر لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالمدينة المنورة زيادة في الفائدة، و إليك بيان ذلك:

اتخاذ المنبر لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)

بمناسبة ما ذكرناه عن منبر المسجد الحرام، نذكر هنا منبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالمدينة المنورة، و ذلك استطرادا للعلم و المعرفة فنقول و باللّه تعالى التوفيق:

جاء في كتاب" التراتيب الإدارية" بصحيفة 67 من الجزء الأول ما نصه:

روى البخاري، عن جابر بن عبد اللّه، أن أمرأة من الأنصار قالت لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): يا رسول اللّه! ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه. فإن لي غلاما نجارا، قال:

إن شئت، فعملت له المنبر فلما كان يوم الجمعة قعد النبي (صلى الله عليه و سلم) على المنبر الذي صنع له.

قال ابن بشكوال في كتاب" ما انبهم من الأسماء" اسم هذا الغلام النجار مينا، قال: و يقال: إن الذي صنع المنبر لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مولى العاصي بن أمية صنعه من طرفاء ثلاث درجات، فلما قدم المدينة زاد فيه، و قيل صنعه ميمون النجار، و قيل صنعه صباح غلام العباس بن عبد المطلب، و ذكر ابن فتحون قبيصة المخزومي في كتابه و قال هو الذي عمل غلامه منبر النبي (صلى الله عليه و سلم).

و في المقدمات لابن رشد، و في سنة سبع، اتخذ النبي (صلى الله عليه و سلم) المنبر، و قيل في سنة ثمان، عمله له سعد بن عبادة، و قيل غلام لامرأة من الأنصار و قيل غلام للعباس بن عبد المطلب. قال ابن رشد: و لعلهم اجتمعوا كلهم على عمله. (ز قلت) ترجم‏

407

في الإصابة إبراهيم النجار، فذكر عن الطبراني في الأوسط عن جابر أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يخطب إلى جذع فذكر الحديث في اتخاذ المنبر و فيه فدعا رجلا فقال: ما اسمك؟ قال: إبراهيم، قال: جد (خد) في صنعته، استدركه أبو موسى و قال في رواية أخرى أن اسم النجار باقوم، فيحتمل أن يكون إبراهيم اسمه و باقول لقبه، قال الحافظ: على تقدير الصحة و إلا ففي الإسناد العلاء بن سلمة الرواسي و قد كذبوه.

و ترجم في الإصابة به الباقوم المذكور، فذكر أنه بالميم، و يقال باللام، و وصفه بالنجار. ثم نقل أن باقوم النجار كان روميا و هو الذي بنى لقريش الكعبة- انظر ص 141-. و ترجم فيها أيضا لكلاب مولى العباس بن عبد المطلب فذكر أن ابن سعد خرج بسند فيه الواقدي، عن أبي هريرة، قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم الجمعة يخطب إلى جذع في المسجد قائما، فقال: إن القيام قد شق علي. فقال له تميم الداري: ألا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام؟ فشاور المصطفى المسلمين في ذلك فرأوا أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب: أن غلاما، يقال له كلاب، اعمل الناس. فقال: مره أن يعمله. و في صبح الأعشى أول من عمل المنبر تميم الداري، عمله للنبي (صلى الله عليه و سلم) و كان قد رأى منبر الكنائس بالشام ه.

قال الحافظ السيوطي في التوشيح على قول المصطفى: مر غلامك النجار يعمل لي أعواد ما نصه: هل صانعه ميمون و صحح، أو باقول بلام، أو باقوم بميم، أو صباح بصاد فموحدة كغراب، أو قبيصة أو كلاب مولى العباس، أو تميم الداري، أو ميناء بميم فنون فهمز كميقات، تسعة أقوال و هل في سنة سبع أو ثمان ه.

و أنشد محدث الشام، الشيخ عبد الباقي الحنبلي الأثري، في ثبته" رياض الجنة" لشيخه محدث الشام نجم الدين الغزي الشافعي قوله:

صانع منبر المدينة الذي‏* * * كان عليه يخطب النبي‏

صلى و سلم عليه دائما* * * إلهنا المهيمن العلي‏

قيل اسمه ميمون أو باقول‏* * * أو باقوم أو تميم الداري‏

و قيل إبراهيم أو قبيصة* * * و القول الأول هو القوي‏

قال الشيخ عبد الباقي و زدت متبعا فقلت مبينا:

صباح قيصر بأقدمهم‏* * * كلامهم أرفى هو القوي‏

408

ثم قال في التوشيح، و كان ثلاث درجات، إلى أن زاده مروان، في خلافة معاوية، ست درجات، بسبب أن معاوية كتب إليه أن يحمله إليه، فقلعه، فأظلمت طيبة، و كسفت الشمس، حتى رأوا النجوم فخرج مروان فخطب فقال: إنما أمرني أمير المؤمنين لأن أرفعه، فدعا نجارا فزاده الست، فقال إنما زدت به أذكر الناس أخرجه الزبير بن بكار في أخبار طيبة من طرق، قال ابن النجار فاستمر على ذلك إلى أن أحرق المسجد النبوي سنة 654 فاحترق، فكان إشارة إلى زوال دولة بني العباس إذ انقرضت عقبه بقليل في فتنة التتر ه.

انظر: صورة رقم 134، المنبر القديم‏

و في المنهل الأصفا، أنه احترق أول ليلة من رمضان عام 654، و كان ذلك أعظم المصائب على الناس. و للحافظ محمد بن ناصر الدين الدمشقي تأليف سماه «عرف العنبر في وصف المنبر» ذكره له الروادني في صلته انظره.

(فائدة) في التوشيح للأسيوطي: كان اليهود يسمون الأسبوع كله سبتا و قد وقع ذلك في حديث أنس في الاستتسقاء فحدث في الإسلام تسميته جمعة نظرا لليوم الأشرف. (ز قلت). جاء في تاريخ الأزرقي ما نصه: حدثنا أبو الوليد قال:

حدثني جدي، عن الزنجي، عن عمرو بن دينار، قال: رأيت منبر النبي (صلى الله عليه و سلم) في زمان ابن الزبير ببطن عرفة حيث يصلي الإمام الظهر و العصر عشية عرفة، مبنيا بحجارة صغيرة، قد ذهب به السيل، فجعل ابن الزبير منبرا من عيدان. انتهى.

و جاء في تاريخ الخميس ما نصه: و في هذه السنة، على ما في أسد الغابة، أو السابعة أو التاسعة من الهجرة اتخذ المنبر لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من أثل الغابة. و في رواية من طرفاء الغابة. روى أنه (صلى الله عليه و سلم) بنى مسجده سقوفا على جذوع النخل، و كان إذا خطب يقوم إلى جذع من جذوعه، فصنع له منبر. و في خلاصة الوفاء: أشهر الأقوال أن الذي صنع المنبر باقوم بموحدة وقاف، و هو باني الكعبة لقريش.

و قيل: باقول باللام بدل الميم. و أشبه الأقوال بالصواب ما قاله الحافظ ابن حجر أنه ميمون. و قيل: صباح غلام العباس و قيل: غلامه كلاب و قيل: ميناء غلام امرأة من الأنصار و نقل ابن النجار، عن الواقدي، أنه درجتان و مجلس. و للدارمي في صحيحه، عن أنس، فصنع له منبر له درجتان و يقعد على الثالثة. و في رواية للدارمي هذه المراقي الثلاث أو الأربع على الشك. و في صحيح مسلم، هذه الثلاث درجات من غير شك، فأطلق على المجلس درجة. و ليحيى عن ابن أبي الزناد أن‏

409

النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يجلس على المجلس و يضع رجليه على الدرجة الثانية، فلما ولي أبو بكر قام على الدرجة الثانية، و وضع رجليه على الدرجة السفلى. فلما ولي عمر قام على الدرجة السفلى، و وضع رجليه على الأرض. فلما ولي عثمان فعل ذلك ست سنين من خلافته، ثم علا إلى موضع النبي (صلى الله عليه و سلم) و لما استخلفت معاوية، زاد في المنبر، فجعل له ست درجات. و كان عثمان أول من كسا المنبر قطيفة، و عن أبي الزناد، قال: فسرقت الكسوة امرأة. فأتى بها عثمان، فقال لها: هل سرقت؟

قولي الحق. فاعترفت فقطعها. قالوا: فلما قدم معاوية، عام حج، حرك المنبر، و أراد أن يخرجه إلى الشام، إلى دمشق، فكسفت الشمس يومئذ حتى رؤيت النجوم فاعتذر معاوية إلى الناس و قال: أردت أن أنظر إلى ما تحته، و خشيت عليه من الأرضية. قال بعضهم كساه يومئذ قطيفة أو لينة. و في رواية، أن معاوية كتب إلى مروان بذلك، فقلعه، فأصابتهم ريح فظلمة، بدت فيها النجوم نهارا و يلقى الرجل الرجل يصكه و لا يعرفه. فقال مروان إنما كتب إلي أن أصلحه، فدعا النجارين فعمل هذه الدرجات. و رفعوه عليها و هي، يعني الدرجات، التي زادها ست درجات. و لم يزد فيه أحد قبله و لا بعده. و في تاريخ الواقدي، أراد معاوية سنة خمسين تحويل منبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى دمشق الشام فكسفت الشمس يومئذ.

و كلمه أبو هريرة فيه فتركه. فلما كان عبد الملك أراد ذلك فكلمة قبيصة فتركه.

فلما كان الوليد أراد ذلك فأرسل سعيد ابن المسيب إلى عمر بن عبد العزيز فكلمه فتركه فلما كان سليمان قيل له في تحويله فقال لاها اللّه أخذنا الدنيا و نعمد إلى علم من أعلام السلام نريد تحويله، ذاك شي‏ء لا أفعله. و ما كنت أحب أن يذكر هذا عن عبد الملك و لا عن الوليد و ما لنا و لهذا. قال ابن النجار، فيما رواه عن أبي الزناد، أنه صار بما زاد فيه مروان تسع درجات بالمجلس. فلما قدم المهدي قال لمالك أريد أن أعيده على حاله فقال له مالك إنما هو من طرفاء الغابة، و قد سمر إلى هذه العيدان، و شد فمتى نزعته خفت أن تتهافت. فانصرف المهدي عن ذلك.

قال ابن زياد و طول منبر النبي (صلى الله عليه و سلم) خاصة ذراعان في السماء و عرضه، أي عرض مقعده، ذراع في ذراع، و تربيعه سواء، و عرض درجه شبران، لأن كل درجة شبر، و أن طول المنبر من السماء بعدما زاد فيه أربعة أذرع و صار امتداده في الأرض سبعة أذرع بتقديم السين، باضافة عتبة الدكة الرخام، التي المنبر فوقها، و تلك العتبة ذراع. فامتداد المنبر بدونها ستة أذرع. انتهى. و عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري أنه قال: كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل و كان النبي (صلى الله عليه و سلم) إذا

410

خطب يقوم إلى جذع منها كما مر و كانت امرأة من الأنصار اسمها عائشة، و كان لها غلام نجار اسمه باقوم الرومي، قالت يا رسول اللّه: إن لي غلاما نجارا أفلا آمره يتخذ لك منبرا تخطب عليه؟ قال: بلى فأمرته، فاتخذ له منبرا. انتهى. من تاريخ الخميس.

جاء في كتاب «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» في الجزء السادس بصحيفة (505) ما نصه: و قد روى أبو نعيم حليته في ترجمة الإمام مالك أن هارون الرشيد استشار مالكا في أن ينقص منبر النبي (صلى الله عليه و سلم) و يجعله من جوهر و ذهب و فضة فقال له مالك لا أرى أن تحرم الناس أثر النبي (صلى الله عليه و سلم). انتهى منه.

حنين الجذع‏

جاء في تاريخ الخميس بعد الكلام على اتخاذ المنبر لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ما نصه:

و في رواية سأله رجل عن اتخاذ المنبر فأجابه إليه. و في هذه الرواية صنع له ثلاث درجات، فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر، قال جابر: سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار. و في خلاصة الوفاء اضطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج، أي التي انتزع ولدها. قال عياض: حديث حنين الجذع مشهور و الخبر به متواتر أخرجه أهل الصحيح و رواه من الصحابه بضع عشر. و في رواية أنس حتى ارتج المسجد لخواره و في رواية أنّ كأنين الصبي و في رواية سهل و كثر بكاء الناس لما رأوا به. و في رواية المطلب، حتى تصدع و انشق، حتى جاءه النبي (صلى الله عليه و سلم) فوضع يده عليه فسكت. و في رواية فنزل النبي (صلى الله عليه و سلم) يمسحه بيده حتى سكن أو سكت كالصبي، الذي يسكت ثم رجع إلى المنبر و زاد غيره فقال: قال النبي (صلى الله عليه و سلم) هذا أبكى لما فقد من الذكر و زاد غيره و الذي نفسي بيده لو لم التزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزنا على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فأمر به رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فدفن تحت المنبر. هكذا في حديث المطلب. و في حديث أبي بن كعب، فكان إذا صلى النبي (صلى الله عليه و سلم) صلى إليه، فلما هدم المسجد و غير، أخذ ذلك الجذع أبي، و كان عنده في تلك الدار، إلى أن بلى و أكلته الأرضة و عاد رفاتا. و ذكر الاسفرايني أن النبي (صلى الله عليه و سلم) دعاه إلى نفسه فجاءه يخرق الأرض، فالتزمه، ثم أمره فعاد إلى مكانه. و في حديث بريدة قال النبي (صلى الله عليه و سلم): إن شئت أردك إلى الحائط الذي كنت فيه تنبت لك عروقك و يكمل خلقك و يجد ذلك خوصك و تحرك، و إن شئت أغرسك في الجنة

411

فيأكل أولياء اللّه من ثمرك ثم أصغى له النبي (صلى الله عليه و سلم) يسمع ما يقول فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء اللّه فأكون في مكان لا أبلى فيه يعني، في الجنة فسمعه من يليه فقال النبي (صلى الله عليه و سلم): قد فعلت. ثم قال: قد اختار دار البقاء على دار الفناء.

أورده في الشفاء و في خلاصة الوفا اعتمد المطري في بيان محل الجذع على ما روى ابن زباله، فقال: و كان هذا الجذع عن يمين مصلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لاصقا بجدار المسجد القبلي، في موضع كرسي الشمعه اليمنى، التي توضع عن يمين الإمام المصلي في مقام النبي (صلى الله عليه و سلم) و الأسطوانة التي قبلي الكرسي متقدمة على موضع الجذع فلا يعتمد على قول من جعلها في موضع الجذع.

ترجمة معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنه‏

بمناسبة ما تقدم ذكره، نأتي بشي‏ء يسير من ترجمته، رضي اللّه عنه، فقد أسلم معاوية يوم الحديبية و كتم اسلامه عن أبيه و أمه، حتى أظهره يوم فتح مكة.

و قيل بعد الحديبية. و هو من أشرف الصحابة نسبا، جاهلية و إسلاما، فإنه من أكابر قريش و يجتمع برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في عبد مناف، لأن عبد مناف له أربعة أولاد و هم: هاشم جد النبي، عليه الصلاة و السلام، و المطلب جد الشافعي، و نوفل، و عبد شمس، جد عثمان و معاوية، رضي اللّه عنهما. و كان والد معاوية أبو سفيان من أكابر مكة و أشرافها و كان يحب الفخر في قومه، و من هنا قال (صلى الله عليه و سلم) يوم فتح مكة: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» و ذلك زيادة في تشريفة.

و كان معاوية، رضي اللّه عنه، أحد كتاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كما صح في مسلم و في غيره. فقد كان حسن الكتابه، فصيحا حليما وقورا. نقل القاضي عياض، (رحمه اللّه تعالى)، أن رجلا قال للمعافا بن عمران: أين عمر بن عبد العزيز من معاوية؟ فغضب غضبا شديدا و قال لا يقاس بأصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم) أحد.

معاوية صاحبه و صهره و كاتبه و أمينه على وحي اللّه. اه.

روى الترمذي و قال أنه حديث حسن: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) دعا لمعاوية فقال:

«اللهم اجعله هاديا مهديا» و لا شك أن جميع أدعيته، عليه الصلاة و السلام، لأمته، لا سيما لأصحابه، مستجابة.

و أن أم المؤمنين أم حبيبة، رضي اللّه عنها، زوجة النبي (صلى الله عليه و سلم) هي أخت معاوية، فصار بذلك صهرا له، عليه الصلاة و السلام، و هو داخل في قوله (صلى الله عليه و سلم):

412

«دعوا أصحابي و أصهاري، فإن من حفظني فيهم كان معه من اللّه حافظ، و من لم يحفظني فيهم تخلى اللّه عنه، و من تخلى اللّه عنه يوشك أن يأخذه». رواه الإمام الحافظ أحمد بن منيع.

و لقد بشّره (صلى الله عليه و سلم) بالخلافة، فقد روى أبو بكر بن أبي شيبة بسنده إلى معاوية، رضي اللّه عنه، أنه قال: مازلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) «إذا ملكت فأحسن». و أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ولى معاوية دمشق الشام، فمكث بها مدة خلافته. و كذلك فعل معه أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي اللّه تعالى على الجميع. و لقد أقام معاوية مدة طويلة في عهد عمر و في عهد عثمان في إمارته على دمشق الشام، فلم يشك أحد منه و لا اتهمه بظلم مع كثرة شكاية أهل الأقطار من ولاتهم.

و في سنة إحدى و أربعين من الهجرة تنازل الحسن بن علي أبي طالب، رضي اللّه عنهما، عن الخلافة و سلم الأمر إلى معاوية، رضي اللّه عنه، تورعا قطعا للشر و إطفاء للفتنة، فسمي هذا العام، عام الجماعة، لاجتماع الأمة بعد الفرقة على خليفة واحد.

هذا و لقد رأينا أن ننقل ترجمة معاوية، رضي اللّه تعالى عنه، من كتب الأحاديث، لأنها أصح و أقوى ترجمة من غيرها من الكتب، و لقد وقع اختيارنا في النقل على كتاب «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» فقد جاء في الجزء السادس منه عن ترجمته ما يأتي:

أما معاوية، رضي اللّه تعالى عنه، فهو ابن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، أمير المؤمنين، و أول الملوك في الإسلام، و قد ولد قبل البعثه بخمس سنين و قيل بسبع و قيل بثلاث عشرة و الأول عشرة و الأول أشهر، و قد حكى الواقدي أنه أسلم بعد الحديبة، و كتم اسلامه حتى أظهره عام الفتح. و انه كان في عمرة القضاء مسلما، و يعارض هذا ما ثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: في العمرة في أشهر الحج فعلناها.

و هذا يومئذ كافر، يعني معاوية. و قال الحافظ، في الإصابة: يحتمل إن ثبت الأول أن يكون سعد أطلق ذلك بحسب ما استصحب من حاله، و لم يطلع على أنه كان أسلم لإخفائه لإسلامه أي عن أبويه. و قد أخرج أحمد من طريق محمد بن علي بن الحسين، عن ابن عباس، أن معاوية قال: قصرت عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عند المروة،

413

و أصل الحديث في البخاري من طريق طاوس عن ابن عباس بلفظ قصرت بمشقص و لم يذكر المروة، و ذكر المروة بعين أنه كان معتمرا. لأنه كان في حجة الوداع حلق بمنى، كما ثبت في الصحيحين، عن أنس، و أخرج البغوي من طريق محمد بن سلام الجمحي، عن ابان بن عثمان، كان معاوية بمنى و هو غلام مع أمه إذ عثر فقالت: قم لا رفعك اللّه. فقال لها اعرابي: لم تقولين له هذا؟ و اللّه إني لأراه سيسود قومه. فقالت: لا رفعه اللّه أن لم يسد إلا قومه.

قال أبو نعيم: كان من الكتبة الحسبة الفصحاء حليما وقورا، و عن خالد بن معدان، في صفته، أنه كان طويلا أبيض أجلح. و قد صحب النبي، صلى اللّه عليه و آله و سلم، و كتب له. و ولاه عمر الشام بعد أخيه يزيد بن معاوية بن أبي سفيان و أقره عثمان. ثم استمر فلم يبايع عليا، ثم حاربه و استقل بالشام. ثم أضاف إليها مصر، ثم تسمى بالخلافة، بعد الحكمين، ثم استقل لما صالح الحسن، و اجتمع عليه الناس، فمسي ذلك العام، عام الجماعة. و أخرج البغوي من طريق مبارك ابن فضالة، عن أبيه، عن علي بن عبد اللّه، عن عبد الملك بن مروان قال:

عاش ابن هند، يعني معاوية، عشرين سنة أميرا و عشرين سنة خليفة، و به جزم محمد بن إسحاق، قال الحافظ، في الإصابة: و فيه تجوز لأنه لم يكمل في الخلافة عشرين إن كان أولها قتل علي، (كرم اللّه وجهه)، و إن كان أولها تسليم الحسن بن علي له فهي تسع عشرة سنة إلا يسيرا.

و في صحيح البخاري، عن عكرمة قلت لابن عباس: أن معاوية أوتر بركعة فقال: إنه فقيه. و في رواية أنه قد صحب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). و حكى ابن سعد، أن معاوية كان يقول: لقد أسلمت قبل عمرة القضية، و لكني كنت أخاف أن أخرج إلى المدينة، لأن أمي كانت تقول: إن خرجت قطعنا عنك القوت. و ذكر ابن سعد، عن المدائني، قال: نظر أبو سفيان إلى معاوية، و هو غلام، فقال: إن ابني هذا لعظيم الرأس و أنه لخليق أن يسود قومه فقالت هند قومه فقط ثكلته أن لم يسد العرب قاطبة.

و قال المدائني: كان زيد بن ثابت يكتب الوحي، و كان معاوية يكتب للنبي صلى اللّه عليه و آله و سلم فيما بينه و بين العرب و في مسند أحمد و أصله في مسلم عن ابن عباس قال: قال لي النبي (صلى الله عليه و سلم): ادع لي معاوية و كان كاتبه. قال الحافظ ابن عبد البر: ولي عمر، رضي اللّه تعالى عنه، معاوية على الشام، عند موت أخيه‏

414

يزيد. و قال صالح ابن الوجيه: في سنة تسع عشرة كتب عمر إلى يزيد بن أبي سفيان يأمره بغزو قيسارية، فغزاها، و بها بطارقة الروم، فحاصرها أياما، و كان بها معاوية أخوه فتخلفه عليها و سار يزيد إلى دمشق، فأقام معاوية على قيسارية، حتى فتحها، في شوال سنة تسع عشرة. و توفي يزيد في ذي الحجة من ذلك العام في دمشق. و استخلف أخاه معاوية على عمله، فكتب إليه عمر بعهده على ما كان يزيد يلي من عمل الشام و رزقه ألف دينار في كل شهر. هكذا قال صالح بن الوجيه و خالفه الوليد بن مسلم.

و نقل ابن عبد البر، في الاستيعاب، عن أبي إسماعيل محمد بن عبد اللّه البصري، قال: جزع عمر على يزيد جزعا شديدا، و كتب إلى معاوية بولايته على الشام.

فأقام أربع سنين و مات عمر، رضي اللّه تعالى عنه، فأقره عثمان عليها، في اثنتي عشرة سنة إلى أن مات. ثم كانت الفتنة فحارب معاوية عليا خمس سنين اه.

قال ابن عبد البر: صوابه أربع سنين. و قال غيره: ورد البريد، بموت يزيد، على عمر، رضي اللّه تعالى عنه، و أبو سفيان بن حرب عنده، فلما قرأ الكتاب بموت يزيد قال لأبي سفيان: أحسن اللّه عزاءك في يزيد و رحمه. ثم قال له أبو سفيان: من وليت مكانه يا أمير المؤمنين؟ قال: أخاه معاوية. قال: وصلتك رحم يا أمير المؤمنين. و قال عمر، رضي اللّه تعالى عنه، إذ دخل الشام و رأى معاوية:

هذا كسرى العرب. و كان قد تلقاه معاوية في موكب عظيم، فلما دنا منه، قال له: أنت صاحب الموكب العظيم؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: مع ما يبلغني عنك، من وقوف ذوي الحاجات ببابك؟ قال: مع ما يبلغك من ذلك. قال: و لم تفعل هذا؟ قال: نحن بأرض جواسيس العدو بها كثير، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما نرهبهم به، فإن أمرتني فعلت، و إن نهيتني انتهيت. فقال لمعاوية: ما أسألك عن شي‏ء إلا تركتني في مثل رواجب الضرس، إن كان ما قلت حقا إنه لرأي أريب، و إن كان باطلا إنه لخدعة أديب. قال: فمرني يا أمير المؤمنين. قال:

لا آمرك و لا أنهاك، فقال عمرو: يا أمير المؤمنين ما أحسن ما صدر الفتى عما أوردته فيه. قال: لحسن مصادره و موارده جشمناه ما جشمناه. و ذمّ معاوية عند عمر يوما فقال: دعونا من ذم فتى قريش، من يضحك في الغضب و لا ينال ما عنده إلا على الرضا، و لا يؤخذ ما فوق رأسه إلا من تحت قدميه. روى جبلة بن سحيم عن ابن عمر قال: ما رأيت أحدا بعد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أسود من معاوية،

415

فقيل له فأبو بكر و عمر و عثمان و علي رضي اللّه عنهم، فقال: كانوا و اللّه خيرا من معاوية، و كان معاوية أسود منهم و قيل لنافع: ما بال ابن عمر بايع معاوية و لم يبايع عليا؟ فقال: كان ابن عمر لا يعطي يدا في فرقة و لا يمنعها من جماعة و لم يبايع معاوية حتى اجتمعوا عليه.

و أخرج أبو يعلى في مسنده عن سويد بن شعبة بإسناده إلى معاوية، قال:

اتبعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم بوضوء، فلما توضأ نظر إلى، فقال:

يا معاوية: إن وليت أمرا فاتق اللّه و اعدل. فما زلت أظن أني مبتلى بعمل. قال الحافظ في الإصابة: و سويد فيه مقال، و قد أخرجه البيهقي في الدلائل من وجه آخر. اه. و قيل أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال له: إن ملكت فاعدل، و أخرج ابن سعد عن أحمد بن محمد الأزرقي، عن عمرو بن يحيى بن سعيد، عن جده قال: دخل معاوية على عمر بن الخطاب و عليه حلة خضراء فنظر إليه الصحابة. فلما رأى ذلك عمر، قام و معه الدرة، فجعل ضربا بمعاوية، و معاوية يقول: اللّه، اللّه، يا أمير المؤمنين. فيم فيم؟ فلم يكلمه حتى رجع فجلس في مجلسه، فقالوا له: لم ضربت الفتى و ما في قومك مثله؟ فقال: ما رأيت إلا خيرا و ما بلغني إلا خيرا، و لكني رأيته، و أشار بيده يعني إلى ما فوق، فأردت أن أضع منه. و ذكر الحافظ بن حجر في الإصابة بإسناد قوي، من كتاب الزهد، لابن المبارك أن معاوية خرج إلى الحج مع عمر بن الخطاب، و كان من أجمل الناس فقال له عمر في مراجعة بينهما: سأحدثك ما بك الطافك نفسك بأطيب الطعام و تصبحك حتى تضرب الشمس متنيك و ذوو الحاجات وراء الباب. قال أسلم، مولى عمر، حتى جئنا ذا طوى فأخرج معاوية حلة فلبسها، فوجد عمر منها ريحا كأنه ريح طيب، فقال:

يعمد أحدكم فيخرج حاجا تفلا، حتى إذا جاء أعظم بلدان اللّه حرمة، أخرج ثوبه، كأنهما كانا في الطيب فلبسهما، فقال معاوية: إنما لبستهما لأدخل بهما على عشيرتي، يا عمر و اللّه لقد بلغني، إذاك، هاهنا، و بالشام. فاللّه يعلم أنه لقد عرفت الحياء في عمر. فنزع معاوية الثوبين و لبس ثوبيه اللذين أحرم فيهما. و في تاريخ البخاري، عن معمر، عن همام بن منبه، قال: قال ابن عباس: ما رأيت أحدا أحلى للملك من معاوية. و نسب الحافظ في الإصابة لابن أبي الدنيا أن عمر بن الخطاب قال: إياكم و الفرقة بعدي فإن فعلتم فاعلموا أن معاوية بالشام. فإذا و كلتم إلى رأيكم كيف يستبزها منكم. انتهى من كتاب زاد المسلم.

416

نبذة عن عادات معاوية رضي اللّه تعالى عنه و هو خليفة

جاء في الجزء الثاني من تاريخ المسعودي المسمى" مروج الذهب و معادن الجوهر" عن بعض أخلاق و عادات معاوية بن أبي سفيان، رضي اللّه تعالى عنه، ما نصه:

كان من أخلاق معاوية أنه كان يأذن في اليوم و الليلة خمس مرات. كان إذا صلى الفجر جلس للقاص حتى يفرغ من قصصه، ثم يدخل فيؤتي بمصحفه فيقرأ جزأه، ثم يدخل إلى منزله فيأمر و ينهى، ثم يصلي أربع ركعات، ثم يخرج إلى مجلسه فيأذن لخاصة الخاصة فيحدثهم و يحدثونه، و يدخل عليه وزراؤه، فيكلمونه، فيما يريدون من يومهم إلى العشى، ثم يؤتى بالغداء الأصغر و هو فضلة عشائه من جدي باردا و فرخ أو ما يشبهه، ثم يتحدث طويلا ثم يدخل منزله لما أراد، ثم يخرج فيقول: يا غلام أخرج الكرسي. فيخرج إلى المسجد فيوضع فيسند ظهره إلى المقصورة، و يجلس على الكرسي، و يقوم الأحداث، فيتقدم إليه الضعيف و الأعراض و الصبي و المرأة و من لا أحد له، فيقول: ظلمت، فيقول: أعزوه.

و يقول: عدي علي. فيقول: ابعثوا معه. و يقول: صنع بي. فيقول: انظروا في أمره، حتى إذا لم يبق أحد، دخل فجلس على السرير، ثم يقول ائذنوا للناس، على قدر منازلهم، و لا يشغلني أحد عن رد السلام، فيقال: كيف أصبح أمير المؤمنين، أطال اللّه بقاءه، فيقول: بنعمة من اللّه. فإذا استووا جلوسا قال: يا هؤلاء إنما سميتم أشرافا لأنكم شرفتم من دونكم بهذا المجلس. ارفعوا إلينا حوائج من لا يصل إلينا، فيقوم الرجل فيقول: استشهد فلان. فيقول: افرضوا لولده، و يقول آخر: غاب فلان عن أهله. فيقول: تعاهدوهم، أعطوهم، اقضوا حوائجهم، اخدموهم، ثم يؤتي بالغداء، و يحضر الكاتب، فيقوم عند رأسه و يقدم الرجل فيقول له: اجلس على المائدة. فيجلس فيمد يده، فيأكل لقمتين أو ثلاثا، و الكاتب يقرأ كتابه فيأمر فيه بأمر. فيقال يا عبد اللّه اعقب فيقوم و يتقدم آخر، حتى يأتي على أصحاب الحوائج كلهم .. و ربما قدم عليه من أصحاب الحوائج أربعون أو نحوهم على قدر الغداء، ثم يرفع الغداء، و يقال للناس أجيزوا فينصرفون. فيدخل منزله فلا يطمع فيه طامع حتى ينادى بالظهر، فيخرج فيصلي ثم يدخل فيصلي أربع ركعات. ثم يجلس، فيأذن لخاصة الخاصة، فإن كان الوقت وقت شتاء أتاهم بزاد الحاج من الأخبصة اليابسة و الخشكنانج و الأقراص المعجونة

417

باللبن و السكر من دقيق السميذ و الكعك المنضد و الفواكه اليابسة، و إن كان وقت الصيف أتاهم بالفواكه الرطبة. و يدخل إليه وزراؤه فيؤامرونه فيما احتاجوا إليه بقية يومهم. و يجلس إلى العصر، ثم يخرج فيصلي العصر، ثم يدخل منزله فلا يطمع فيه طامع حتى إذا كان في آخر أوقات العصر خرج، فجلس على سريره، و يؤذن للناس، على منازلهم، فيؤتى بالعشاء فيفرغ منه مقدار ما ينادى بالمغرب و لا ينادي له بأصحاب الحوائج. ثم يرفع العشاء و ينادى بالمغرب، فيخرج فيصليها ثم يصلي بعدها أربع ركعات يقرأ في كل ركعة خمسين آية يجهر تارة و يخافت أخرى، ثم يدخل منزله فلا يطمع فيه طامع حتى ينادى بالعشاء الآخرة فيخرج فيصلّي، ثم يؤذن للخاصة و خاصة الخاصة و الوزراء و الحاشية، فيؤامره الوزراء فيما أرادوا صدرا من ليلتهم، و يستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب و أيامها، و العجم و ملوكها و سياستها لرعيتها، و سائر ملوك الأمم و حروبها و مكايدها و سياستها لرعيتها، و غير ذلك، من أخبار الأمم السالفة، ثم تأتيه الطرف الغريبة من عند نسائه من الحلوى و غيرها من المآكل اللطيفة. ثم يدخل فينام ثلث الليل، ثم يقوم فيقعد، فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك و أخبارها و الحروب و المكايد، فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتبون و قد و كلوا بحفظها و قراءتها، فتمر بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار و السير و الآثار و أنواع السياسات، ثم يخرج فيصلي الصبح ثم يعود فيفعل ما وصفنا في كل يوم.

و قد كان هم بأخلاقه جماعة بعده، مثل عبد الملك بن مروان و غيره، فلم يدركوا خلقه و لا إتقانه للسياسة، و لا التأني للأمور و لا مداراته للناس على منازلهم و رفقه بهم على طبقاتهم. انتهى من الكتاب المذكور.

بعض أعمال معاوية رضي اللّه تعالى عنه بمكة

كتب الأستاذ السيد أحمد علي بمجلة الحج بتاريخ شوال سنة 1377 ه عن بعض الأعمال، التي قام بها معاوية، رضي اللّه تعالى عنه، ببلد اللّه الأمين" مكة" و فيما يلي نص عبارته:

نظم أمير المؤمنين معاوية في عهد خلافته أمر إمارة الحرم، بتخصيص أموال، من بيت مال المسلمين، لشراء قناديل و زيت و ما يلزم لهما.

418

و جاء، سنة حجة، بمنبر صغير للحرم، من الشام، و خطب عليه. فكان أول خطيب خطب بحرم مكة على منبر. و كان الخطباء من قبله يخطبون يوم الجمعة قائمين عند وجه الكعبة على الأرض.

و عمر دار الندوة للنزول فيها إذا حج، ثم صارت مقر نزول الخلفاء الأمويين من بعده إذا قدموا للحج. و أمر بتجديد أنصاب الحرم فكتب إلى عامله بمكة أن يستعين بمحرز بن علقمة، إذا كان حيا، في تحديد معالم الحرم بدقة ففعل.

و خصص، لخدمة الكعبة، عبيدا بعث بهم من الشام. و اتخذ الخلفاء من بعده إرسال عدد من العبيد كخدم للكعبة، عادة لهم، و رتب لها من يقوم بتطيبها عند كل صلاة من الأطياب المختلفة، التي كان يبعث بها من الشام، في موسم الحج و في شهر رجب.

و كسيت الكعبة، في عهده، بأمره مرتين في السنة. كسيت بالديباج يوم عاشوراء و بالقباطي في آخر شهر رمضان. و اهتم، رضي اللّه عنه، بأمر توفير المياه في مكة و أطرافها فأجرى عشر عيون، كلها في أعلى مكة، في المنطقة الممتدة بين حراء إلى الجعفرية المعروفة الآن، و عين واحدة أجراها بأسفل مكة. و اتخذ عند كل عين منهلا يرده الأهالي و الحجاج و مزرعة كبيرة و نخيلا.

و عنى كذلك بأمر العمران فعمّر و اشترى في الأرض المرتفعة الواقعة بين المروة و القرارة و السويقة عشر قصور منها: دار البيضاء و سميت بهذا الإسم لأنها طليت بالجص الأبيض، و بجوارها" دار الرقطاء" بهذا الاسم لأنها بنيت بالأجر الأحمر و الجص الأبيض، و دار المراجل مخزنا لقدور عظيمة من صفر، يطبخ فيها الطعام للحجاج في موسم الحج، و في شهر رمضان لفقراء مكة، و دار بالمسفلة، بناها غلام معاوية سعد القصير بحجارة منقوشة فيها صور و أشجار. و يخترق هذه الدار طريق واسع تمر به المحامل و الهوادج، و دار الحدادين، بسوق الليل حيث كانت سوق الفاكهة و الرطب. عرفت باسم دار مال اللّه، و كانت كالمستشفى مقرا للمرضى، و في المدعا حيث دار أبي سفيان، كانت رحبة واسعة ترد اليهما القوافل القادمة من السراة و الطائف و الناقلة للحبوب و السمن و العسل. ثم اقطعها معاوية لزياد بنى فيها دارا.

419

و أمر معاوية بإرسال نفر من النبط الموجودين بمكة إلى عرنة بعرفات، لعمل الأجر لقصوره و بناياته التي شيدها في مكة. و عرفت تلك الأرض فيما بعد" باضاة النبط".

هذه لمحة تصويرية لناحية من نواحي مكة في عهد الخليفة معاوية، رضي اللّه عنه، يستطيع الباحث أن يرى من خلالها مكة فيجدها عبارة عن واحات صغيرة انتشرت في أعلاها، و مناهل يردها الناس و كلها بعيدة عن الحرم، و بها أسواق تباع فيها الفاكهة و الحبوب و العسل و السمن، تنقلها القوافل من الطائف و بلاد السراة، و الروائح الزكية تتصاعد عند كل صلاة من عند الكعبة، و قصور تشرف على الحرم من ناحية مرتفعات المروة. و تجلب كميات الأجر الأحمر من وادي عرنة. انتهى من المجلة المذكورة.

عدل معاوية و قوة سلطانه‏

جاء في كتاب" مثل عليا من قضاء الإسلام" تأليف الأستاذ محمود الباجي عن عدل معاوية، رضي اللّه عنه، و قوة نفوذ حكمه ما نصه:

خرجت الكتيبة الفدائية العاشرة بأمر من الخليفة معاوية، رضي اللّه تعالى عنه، و طبق خطة وضعتها قيادة السواحل، و كان من بين رجال الكتيبة وضّاح بن مسلمة القرشي. و هو بطل من أبطال حرب المكامن و فدائي مغامر لا يستطيب المقام. و لا تغلق دونه الأبواب. و توغل الفدائيون في أرض العدو يغيرون و يجمعون المعلومات الدقيقة عن الاستحكامات و حركات الجيوش. و مضاربها. و طبيعة الأرض. و مواقعها الهامة. و الحالة الفكرية التي عليها السكان. و مكامن الضعف و القوة في جهاز الدولة. و سرعان ما افتضح أمر هؤلاء الأغراب عن البلاد فأسرع البعض منهم و اختفى الباقون. غير أن فدائيا من الفارين جعل يتتبع حركات إخوته المقبوض عليهم ليقدم بذلك بيانا للقيادة العامة.

مثل الفدائيون العرب أمام ملك الروم. و باشر بنفسه بحثهم و جعل يسألهم عن برامج القيادة العربية العامة، و عن الغاية من حركة التوسع التي يقوم بها الجيش العربي، و عن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الدولة. و احتدم الجدل بين الملك و بين وضّاح بن مسلمة الذي كان يتزعم الفرقة المقبوض عليها و اندس الفدائي الفار بين الحاضرين يستمع إلى ما يدور بين الملك و زعيم الفرقة.

420

صرح وضّاح فيما صرّح به أمام الملك بأن جيش معاوية قائم برسالة إنسانية لا حدود لها. و لا يقف دونها بحر و لا يابسة، و أنه مكلف خاصة بتطهير المجتمع البشري، من جشع الإقطاع، و عدوان الملوك و رؤساء الكنائس، و كان رئيس البطارقة واقفا إلى جانب الملك فتحمس و دفعه الغضب إلى الاعتداء على وضاح فلكمه على وجهه لطما مهينا موجعا، و ثارت في الأسير الكريم أريحيته القرشية.

و عزته العربية فصاح قائلا: وا إسلاماه ...!!

أين أنت عنا يا معاوية.!

أهملتنا وضيهت ثغورنا. و حكمت العدو فينا.

انقلب الفتى الفدائي الذي كان يشهد هذا الاعتداء عائدا إلى دمشق و أعلم الخليفة بما حدث و أكد له أن وضاحا ما يزال في الأسر.

و بادر الخليفة باستدعاء رجل من ساحل دمشق، من مدينة صور، و كان عارفا بالأقاليم المجاورة، كثير الغزوات في البحر، صمل عظيم الحيلة بارع التصرف، يجيد التكلم باللغة الرومية كأحد أبنائها، و جهّز له سفنا تجارية. و أعطاه مالا كثيرا و أوعز له أن يتظاهر بالاتجار مع القسطنطينية. و أن يعمل على إيقاع البطريق الذي اعتدى على الفدائي وضّاح في الأسر، و يحمله إلى دار الخلافة من غير إساءة و لا عنف.

بينما كان المبعوث يقوم بدوره اتصل الخليفة معاوية بملك الروم و عرض عليه مبادلة الأسرى، و عين له من بين الأسرى المسلمين وضاحا بن مسلمة، و تمت المبادلة، و دخل وضّاح إلى قصر الخلافة فأنعم عليه معاوية بالعطايا و الهدايا و المكافئات، و ظن الفدائي أن خليفته استجاب لندائه و افتداه، و أنعم عليه، و قرت عينه بذلك، و لكنه لم يدر أن الخليفة يهيئ له ترضية أخرى أسمى و أرفع و أرضى من جميع ذلك.

نجح الرائد الصوري في اصطياد البطريق بعد أن تربص به سنة كاملة، و اقتاده في سفينته إلى دمشق، و كان البطريق يرجف خوفا من أن يحكم الخليفة العربي بإعدامه، و ضاقت به السفينة. و أظلمت الدنيا في جهه، و لم يسكن من روعه تأكيد الرائد له بأن معاوية لا يظلم أحدا و لا يسرف في الاقتصاص.

421

مثل البطريق أمام معاوية، و أحضر وضاحا القرشي و الفدائي الذي شهد الاعتداء، و طلب معاوية بمحضر شيوخ الأمة من وضاح أن يقرر دعواه و أن يصف نوع الاعتداء الذي ناله من يد البطريق، و أمر الفدائي أن يشهد بما رأى، و استجوب البطريق فاعترف بالاعتداء، ثم أمر وضاحا بأن يقتص من البطريق الذي لطم وجهه على بساط الملك و انتهك حرمة أميره، و اعتدى على سلطانه و قال:" إنا لم نضيعك أيها الجندي الباسل! و لا أبحنا دمك و عرضك" و عندما اقترب القرشي من البطريق حذره معاوية بأن لا يتجاوز في الاقتصاص القدر الذي ناله من يد خصمه.

و إزاء هذا التحذير اكتفى وضّاح بمصافحة غريمه و صرح بالعفو عنه و تقدم بين يدي الخليفة و قال:" ما أضاعك من سودك. و لا خاب فيك أمل من أملك. أنت ملك لا تستضام. تمنع حماك، و تصون رعيتك". انفض الموكب و تمت المحاكمة، و أكرم الخليفة العربي البطريق الأسير و حمله التحف و الهدايا- و قال له:" ارجع إلى ملكك و قل له: تركت ملك العرب يقيم الحدود على بساطك، و يقتص لرعيته في دار مملكتك و سلطانك. و أبلغ البطريق الرسالة إلى ملك الروم"، فقال الملك:

" هذا و اللّه أمكر الملوك و أدهى العرب. و لقد استحق أن تقدمه العرب عليها فساس أمورها. و اللّه لو هم بأخذي لتمت له الحيلة علي".

تعليق: أي ملك استطاع أن يوفر العدل لرعاياه كمعاوية بن أبي سفيان؟

و أي مواطن وجد الانصاف الذي وجده وضاح القرشي!!؟ فمن أجل لطمة يصاب بها فدائي يهتم الخليفة هذا الاهتمام البالغ، و يجري حركة مبادلة في الأسرى و يجهز السفن للقبض على المعتدي في منطقة نفوذ خارجة عن ملكة، و ينجح في تدبيره فلا يسرف في الانتقام و لا يتعدى الاجراء الجزائي البسيط، ثم يتحدى عدوه بهذا الانعام و حسن المعاملة، و لعل هذا العدل الأموي كان له الأثر البالغ فيما جد بعد هذه الحادثة من فتوحات باهرة و انتصارات ساحقة و من أجل ذلك لقب معاوية بمربي الدول، و سائس الأمم، و راعي الممالك.

أبواب المسجد الحرام قبل توسعته في زماننا

تقدم أن حد المسجد الحرام قبل الإسلام هو نفس دائرة المطاف، و لم يكن له سور و لا جدار و إنما كانت بيوت قريش تحيط به على دائرة المطاف. و قد جعلوا

422

بين كل بيتين أو ثلاثة ممرا و منفذا يدخل الناس منه إلى المسجد، فلما زاد عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، أحاط بالمسجد الحرام جدارا، فهو أول من زاد في المسجد و أول من أحاط بالجدار و لم يذكر المؤرخون أنه عمل له بابا و لكن نحن نقول: أنه رضي اللّه عنه، عمل له بابا حيث يعلم من سياق الكلام بالضرورة، فما كان محاطا بجدار لا بد أن يكون له منفذ و المنفذ هو الباب، ثم على قدر كبر المسجد تتعدد الأبواب. و لما كان المسجد الحرام أكبر مساجد الدنيا كانت له أبواب كثيرة و عددها خمسة و عشرون بابا، و إليك بيان هذه الأبواب:

عدد/ اسم الباب/ ملاحظات‏

1/ باب السلام/ و لا ندري لماذا سمي بذلك مع أن باب بني شيبة الذي أمام مقام إبراهيم هو باب السلام قديما.

2/ باب قايتباي/ و به مئذنة السلطان قايتباي، سلطان مصر سابقا، و كان يقال له" باب القوارير".

3/ باب النبي/ سمي بذلك لأن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يخرج منه و يدخل فيه من منزله بزقاق العطارين و هو منزل خديجة أم المؤمنين، رضي اللّه تعالى عنها، و يسمى باب الجنائز لأنها كانت سابقا تخرج منه، و يقال له أيضا" باب النساء" و يقال له أيضا باب الحريرين لبيع الحرير في الدكاكين التي كانت بجواره.

4/ باب العباس/ و هو ابن عبد المطلب سمي به لأنه يقابل داره التي بالمسعى‏

5/ باب علي/ و يعرف بباب بني هاشم، و بباب البطحاء أيضا.

6/ باب بازان/ و يقال له باب بني عائذ كما سماه الأزرقي و نحن نسميه باب القره قول أو باب مخفر الشرطة.

7/ باب البغلة/ و يقال له باب بني سفيان كما عرفه الأزرقي.

8/ باب الصفا/ سمى بذلك لأنه يقابله، و يقال له باب بني مخزوم، و بباب أجياد الصغير.

9/ باب أجياد/ سمى بذلك لأنه يخرج منه إليه على خط مستقيم.

10/ باب الرحمة/ و يقال له باب المجاهدية لأن عنده مدرسة الملك المجاهد صاحب اليمن و يسمى أيضا بباب أجياد.

11/ باب التكية/ أي التكية المصرية لأنه أمامها، و يقال له باب الشريف‏

423

عدد/ اسم الباب/ ملاحظات‏

عجلان و باب بني تيم.

12/ باب أم هانئ/ و هي ابنة أبي طالب، و يقال له باب الحميدية، و هي دار الحكومة، و يقال له أيضا" باب أجياد الكبير" كما يقال له" باب أبي جهل" و غير ذلك.

13/ باب الوداع/ و يقال له باب الحزورة، و باب الحزامية، و باب بني حكيم بن حزام.

14/ باب إبراهيم/ سمي باسم رجل خياط كان عنده اسمه إبراهيم.

15/ باب صغير/ بمدرسة الشريف عبد المطلب.

16/ باب الداودية/ سمي به لأنه يدخل إلى المسجد من مدرسة الداودية.

17/ باب العمرة/ و سمي بذلك لأن المعتمر من التنعيم يرجع من طريق الشبيكة فيدخل المسجد الحرام من هذا الباب غالبا لقربه و يقال باب بني سهم، و باب بني جمح.

18/ باب العتيق/ و يقال له باب السدة و باب عمر بن العاص.

19/ باب الزمامية/ و هو بين باب العقيق و باب الباسطية.

20/ باب الباسطية/ سمي بها لاتصاله بمدرسة عبد الباسط، و يقال له باب العجلة، و سمى بذلك لدار كانت عنده بناها ابن الزبير على عجل فكانت تبنى بالليل و النهار حتى فرغ منها سريعا.

21/ باب القطبي/ و هو في جانب رحبة باب الزيادة و كان يقال له أيضا باب الزيادة و القطبي المنسوب إليه هو عبد الكريم القطبي.

22/ باب الزيادة/ و يقال له باب سويقة لأنه يخرج منه إليه.

23/ باب المحكمة/ سمي بذلك لأنه يؤدى إليها.

24/ باب الكتبخانه/ و منه يدخل إلى مكتبة المسجد الحرام.

25/ باب دريبية/ سمي بذلك لأن به درب صغير ينفذ إلى سويقة.

نقول: لقد ذكر الغازي في الجزء الأول من تاريخه ما نصه: أن الأمير بيسق حينما ناب عمه الشريف حسن بن عجلان حال سفره في الحكم بمكة، و ذلك سنة (804) لأربع و ثمانمائة من الهجرة أمر البوابين بالمسجد الحرام أن يلزموا أبوابه،

424

كما أمر بتنظيف الطرقات من الأوساخ و القمائم، و نقل الكدر التي كانت بسوق الليل و المعلاة، و أن لا يحمل السلاح بمكة، و أمر بإخراج أهل الفساد منها. انتهى.

بوّابو المسجد الحرام‏

لما اتسع المسجد الحرام و كثرت أبوابه، كان لزاما أن يكون لكل باب من أبوابه المتعددة بّواب يحرس المسجد الحرام من دخول الدواب كالقطط و الكلاب، و من ملاحظة بعض الأمور للداخلين و الخارجين، و قد جرت العادة أن يكونوا من الجهلة و من طبقة العوام، لكن من أغرب الأمور التي اطلعنا عليها أن يكون البوابون في المسجد الحرام من الفقهاء و القضاة كما يحكي لنا التاريخ، فقد ذكر (رحمه اللّه تعالى) في كتابه المخطوط" إفادة الأنام بذكر أخبار بلد اللّه الحرام" أنه في سنة (830) ثلاثين و ثمانمائة وصل إلى مكة مرسوم في موسم الحج صحبة الركب المصري أن تفتح أبواب المسجد الحرام كلها و يعزل البوّابون القديمون و كانوا قضاة و فقهاء و يولى على أبواب الحرم بوابون ليس لهم حرفة و لا صناعة و لا شغل فقراء مساكين، فحضر الأمراء و القضاة و قرئ المرسوم و قرر لكل باب بّواب و عزل من كان بوابا قبل ذلك من الفقهاء و القضاة و ألزم البواب بملازمة باب الحرم و النوم عليه ليلا و نهارا و أن لا يغيب عنه إلا لضرورة و أن يتعاهد البوّاب بابه بالكنس و الرش و التنظيف و منع الكلاب و الجواري الحاملات لقرب الماء و الحمال من الدخول في المسجد الحرام و استطراقه و المرور فيه بغير حاجة، و رسم السلطان أن يقرر لكل بواب عشرة أشرفية معلوما كل عام يحمل له من أوقاف الحرمين صحبة المسفر على مودع الحكم. اه من الغازي.

و هذا المرسوم الذي ينص بفتح أبواب المسجد الحرام كلها كان بناء على مرسوم آخر سبقه في نفس السنة المذكورة ينص فيه بسد أبواب المسجد الحرام بعد انقضاء الموسم إلا أربعة أبواب: باب السلام، و باب العمرة، و باب إبراهيم، و باب الصفا لا غير، و لم يعرف قط أن أبواب المسجد الحرام أغلقت إلا في هذه الحادثة فصعب على الناس المتعبدون ذلك فالتمسوا من السلطان فتح جميع أبواب المسجد فجاءه ذلك المرسوم.

425

ثم ذكر الغازي ما قاله الأديب شهاب الدين أحمد بن سعد بن أحمد الحنفي (رحمه اللّه تعالى) يخاطب أهل مصر في غلق أبواب المسجد الحرام و منبر الخطيب و عزل القاضي، و هو هذا:

يا أهل مصر يا كرام الورى‏* * * ما بالكم جئتم بأمر عجيب‏

أغلقتم الأبواب عن طائف‏* * * و عن مصلّ داخل من قريب‏

و منبر الخطيب أضحى إذا* * * من فرق البيت حزينا كئيب‏

و منصب الشرع الشريف الذرى‏* * * شيّبتموه قبل وقت المشيب‏

فبالذي شرفكم دائما* * * بخدمة البيت و قبر الحبيب‏

منّوا على سكان أم القرى‏* * * بعود قاضيهم و قرب الخطيب‏

و فتح الأبواب التي غلقت‏* * * حتى يرى ما كان ضنكا رحيب‏

فضلا فقد أصبح جيرانها* * * في حيرة عظمى و أمر عصيب‏

يشير الأديب المذكور بقوله و منبر الخطيب، إلى أنه ورد الأمر السلطاني بترك المنبر في مكانه بجوار مقام إبراهيم فلا يجرّ إلى جانب الكعبة و يسند إليها كما كانت العادة بذلك، و بقوله و منصب الشرع، إلى أنه ورد الأمر أيضا بعزل القاضي.

و لم يذكر الغازي اسم السلطان الذي أصدر أمره بذلك، و الذي نراه أنه الملك الأشرف أبو النصر برسباي من دولة الجراكسة، و كان سلطانا مهابا ذا شهامة و تدبير، تولى السلطنة يوم الأربعاء ثامن من ربيع الآخر سنة (825) خمس و عشرين و ثمانمائة و توفي يوم السبت ثالث عشر ذي الحجة (841) (رحمه اللّه) رحمة واسعة.

أما البوّابون في المسجد الحرام في وقتنا الحاضر فعددهم ثلاثون شخصا و كلهم من العوام الجهلة و غالبهم من أهل اليمن، و كان فيهم اثنان من الأكراد من جهة السليمانية، أحدهما: اسمه محمود الكردي و هو بّواب لباب السلام و لا يزال إلى اليوم. و ثانيهما: اسمه فتح اللّه الكردي و هو بّواب لباب الدربية الذي بجوار باب السلام. و قد توفي هذا في شهر شوال عام (1375) خمس و سبعين و ألف هجرية (رحمه اللّه تعالى).

426

و نرى أن الواجب يقضي أن يكون البوابون للمسجد الحرام من العوام الجهلة لأن هذه الوظيفة من وظائف الخدم ممتهنة غير شريفة، يضع الناس لديهم نعالهم و ما يلبسونه في أرجلهم و بعض حوائجهم، فلا يليق بهذه المهنة الممتهنة العلماء و الفقهاء و القضاة. و لا ندري ما سبب جعل هؤلاء الأعزاء الكرماء بّوابين للمسجد الحرام، فرحم اللّه السلطان الذي أبطل هذه العادة السيئة.

انظر: صورة رقم 135، المسجد الحرام و قد ضربت فيه الخيام ليستظل تحتها المصلون‏

نصب الخيام في المسجد الحرام‏

لا بأس من نصب الخيام في المسجد و الجوامع، أو وضع الستائر فيها للوقاية من الشمس و المطر و الرياح، فقد ضرب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) خيمة في مسجده، كما جاء في صحيح البخاري، في كتاب الصلاة في باب الخيمة في المسجد للمرضى و غيرهم: حدثنا زكرياء بن يحيى قال حدثنا عبد اللّه بن نمر قال حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق في الأكحل فضرب النبي (صلى الله عليه و سلم) خيمة في المسجد ليعوده من قريب فلم يرعهم و في المسجد خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل إليهم فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم فإذا سعد يغذو جرحه دما فمات فيها. انتهى.

و لنذكر هنا عدد المرات الت نصبت فيها الخيام في المسجد الحرام بمكة اتقاء لفح الشمس و حرارتها:

ففي السنة الثالثة من دخول الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل السعود إلى الحجاز أي في سنة (1345) خمس و أربعين و ثلاثمائة و ألف أمر، (رحمه اللّه تعالى)، بوضع سرادقات- الخيام- في المسجد الحرام حتى تقي الحجاج حرارة الشمس، فاستظل تحتها آلاف الحجاج تلك السنة فقط، ثم في السنة (1346) ست و أربعين و ثلاثمائة و ألف أمر جلالته برفع الخيام لعدم صلاحيتها التامة و أن يعمل بدلا عنها مظلات قوية على حافة الأروقة مما يلي صحن المسجد من جميع الجهات. و ما زالت هذه المظلات القماشية موجودة من ذلك التاريخ إلى ما قبل العمارة الحديثة. و قد حصل فيها كثير من التغييرات و الإصلاحات و كانت أولا من خشب على هيئة جملون مكسوة بالقماش ثم رفعوا الأخشاب و أبدلوها بأعمدة

427

من الحديد تربط بها أسلاك قوية و متصلة بنفس جدار الأعمدة التي تحمل قباب المسجد ثم يثبت القماش فوق هذه الأسلاك.

و يحدثنا التاريخ أنه سبق أيضا نصب بالمسجد الحرام، فقد ذكر الأزرقي في تاريخه أن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما حينما كان يقاتل الحصين بن نمير تحصّن هو و أصحابه في المسجد الحرام و ضربوا فيه خياما و رفاقا يكتنون فيها من حجارة المنجنيق و يستظلون فيها من الشمس فذهب رجل من أصحابه يوقد نارا في بعض تلك الخيام مما يلي الصفا بين الركن الأسود و الركن اليماني فطارت شرارة في الخيمة فاحترقت كسوة الكعبة ... الخ. و روى فيه أيضا عن عثمان بن ساج قال: أخبرتني عجوز من أهل مكة كانت مع عبد اللّه بن الزبير بمكة فقلت لها: أخبريني عن احتراق الكعبة كيف كان؟ قالت: كان المسجد فيه خيام كثيرة فطارت النار من خيمة منها فاحترقت الخيام و التهب المسجد حتى تعلقت النار بالبيت فاحترق. انتهى.

و أيضا حصل نصب الخيام في أيام أمير المؤمنين المتوكل على اللّه، فإنه حينما أمر بعمارة ما يحتاج لعمارته في المسجد الحرام سنة (271) إحدى و سبعين و مائتين نصبوا سرادقا سترا للبنائين و العمال من الناس ليشتغلوا بهدوء و راحة.

و ذكر الغازي في تاريخه أنه في سنة (810) عشر و ثمانمائة أرسل صاحب بنقالة بالهند السلطان غياث الدين أحمد خان أعظم شاه هدية كبيرة إلى أمير مكة الشريف حسن بن عجلان و كان من ضمنها خيام طلب منه إقامتها في صحن المسجد الحرام يستظل الناس و الحجاج تحتها. فنصبت تلك الخيام لكن بعد سفر الحج المصري رفعت من المسجد لأن الناس كانوا يعثرون بأطنابها. انتهى.

و من الأمور المستغربة ما جاء في تاريخ الغازي أيضا أنه كان الباعة يبسطون بضايعهم أيام الموسم في المسجد الحرام و ينصبون فيه الخيام على مصاطب، ثم في سنة (830) ثلاثين و ثمانمائة وصل مرسوم صحبه الحاج يتضمن منع الباعة من كل ذلك. و المصاطب جمع مصطبة بالصاد و بالسين و هي المكان الممهد المرتفع قليلا، و لم نقف في التاريخ على غير هذه الحوادث الأربعة لنصب الخيام في المسجد و اللّه تعالى أعلم.

و اعلم أنه ورد النهي عن البيع و الشراء و طلب الضالة في المساجد، لأن مثل هذه الأمور محلها الأسواق و المحلات، و اختصت المساجد للعبادة: قال (صلى الله عليه و سلم):" إذا

428

رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا له: لا أربح اللّه تجارتك و إذا رأيتم من ينشد فيه ضالّة فقولوا: لا ردها اللّه عليك" رواه الترمذي و الحاكم في المستدرك و هو حديث صحيح. قال العزيزي: زاد في رواية مسلم:" فإن المساجد لم تبن لهذا".

و روى الإمام الأزرقي في تاريخه قال: حدثني جدي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الكريم الجزري قال: سمع النبي (صلى الله عليه و سلم) رجلا في المسجد يقول:" من دعا إلى الجمل الأحمر قال: لا وجدت" و قال: ألهذا بنيت المساجد ... و عن الأزرقي أيضا حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طاووس" أن النبي (صلى الله عليه و سلم) سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد الحرام فقال: لا وجدت" فرحم اللّه السلطان الذي أصدر مرسوما بمنع البيع و الشراء في المسجد الحرام و جزاه على ذلك خير الجزاء.

و لقد أنعمنا النظر في سبب عرض الباعة بضايعهم في المسجد الحرام، فظهر لنا أن الأرض خارج المسجد لم تكن متساوية و المسعى كان واديا منحدرا عميقا حتى أن الساعي إذا كان راكبا حصانه و بيده رمح ظهر رأس الرمح لمن كان بالمسجد، و من المعلوم أن مكة كلها جبال متصلة بعضها ببعض فكان جهات المسجد من الخارج فيها نواتئ و ربوات و انخفاضات فلا يتسنى للناس عرض بضايعهم فيها، بخلاف المسجد الحرام الذي أصلح و تساوت أرضه. أما في زماننا فأطراف المسجد الحرام و نفس مكة كلها أرضها ممهدة و أزقتها و شوارعها متساوية من عمل الناس لا من أصل الخلقة، على أنه لا تزال جميع مكة فيها منخفضات و ارتفاعات طبيعية لكن بنسبة قليلة لا تمنع من سهولة السير و المواصلات المحلية.

وجود المظلات في المسجد الحرام‏

لم تكن في المسجد الحرام مظلات يستظل تحتها المصلّون في وقت الظهيرة في يوم الجمعة أو في موسم الحج، فلما كان في أوائل عهد جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، (رحمه اللّه تعالى)، أمر بعمل أشرعة من القماش القوي الثخين، يستظل تحتها المصلّون من أهل البلاد و الحجاج فتقيهم من حرارة الشمس. و حسنا فعل (رحمه اللّه تعالى) و أجزل ثوابه.

و لنذكر في هذا الموضوع بالتفصيل ما ذكره العلامة الشيخ حسين بن عبد اللّه باسلامة، (رحمه اللّه تعالى)، في كتابه" تاريخ عمارة المسجد الحرام"، فلقد قال عند

429

الكلام على" عمل المظلات بالمسجد الحرام" ما نصه: بما أنه قد كثر ورود الحجاج في سنة (1345) هجرية كثرة عظيمة، حتى بلغ عدد الواردين منهم من جهة البحر مائة و أربعين ألفا، و من جهة البر ما يربو على ثلاثمائة ألف، و هذا العدد سواء كان من جهة البحر أو البر يندر وقوعه في مواسم الحج الأخرى، و لذلك ضاق المسجد الحرام بالمصلين، فاضطرت الحكومة السعودية أن تضع سرادقات في حصاوى المسجد الحرام، لأجل أن يستظل تحتها المصلّون من وفود بلد اللّه الحرام، و يتوقون بظلها من ضربة الشمس و حرّ الظهيرة، و نتج من ذلك نفع عظيم لقسم عظيم من المصلّين كما هو ظاهر في الصورة الشمسية بهذا الكتاب، فقد وقت تلك السرادقات و الصواوين أكثر من عشرة آلاف من الحجاج كانوا يؤدون صلاتهم في حصاوى المسجد الحرام في وقت صلاتي الظهر و العصر، و قد مضى ذلك العام على تلك الحالة.

ثم في سنة (1346) صدرت إرادة جلالة ملك المملكة العربية السعودية الإمام عبد العزيز السعود حفظه اللّه تعالى على وزير المالية الشيخ عبد اللّه السليمان الحمدان، بعمل مظلات قوية ثابتة على دائرة الحصوة مما يلي أروقة المسجد الحرام من الجهات الأربعة، ليستظل تحتها المصلون من حجاج بيت اللّه الحرام و يتقونها من حر الظهيرة من ضربة الشمس، و أن يكون في غاية المتانة بحيث لا يزعزعها تيار الهواء، لأنه قد ظهر فعلا أن الرياح قد عبثت بالسرادقات التي قد نصبت في سنة (1345 ه) مرارا.

فقام وزير المالية الشيخ عبد اللّه السليمان بعمل مظلات قوية، قوامها من الخشب الجاوي الثخين على شكل جملون، و كسى ذلك الجملون بالقماش القوي الثخين المنسوج بالقطن الأبيض المسمى بالقلع من أعلاه، و نصبت على حافة الأروقة مما يلي الحصاوي بالمسجد الحرام من جهاته الأربعة، فصارت توضع هذه المظلات بالمسجد الحرام في أشهر الحج عند كثرة الحجاج و ازدحام المصلين بالمسجد الحرام، و ترفع بعد سفر الحجاج من مكة إلى أوطانهم. و قد حصلت من هذه المظلات منفعة عظيمة للحجاج، فإنها وقتهم من حر الظهيرة مدة إقامتهم بمكة عند أدائهم صلاتي الظهر و العصر إلى سفرهم إلى أوطانهم، حيث قد استظل تحتها بضعة عشر ألف حاج، و أنفق عليها مبلغ لا يستهان به. انتهى من الكتاب المذكور.

430

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

431

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

432

و نختم هذه المقالة بأن اللّه عز و جل الذي بيده مقاليد السموات و الأرض و هو رب كل شي‏ء يطيل في عمر جلالة مليكنا المعظم حتى يرى المسجد الحرام في ثوبه الجديد من هذه التوسعة المباركة، و حتى يرى مكة المشرفة تزهو بهذه المشاريع العظيمة، و حتى يرى المسلمين جميعا في كافة الأقطار قد تيقظوا من نومهم و رجعوا إلى أنفسهم فاستمسكوا بشريعتهم الغراء، و اعتصموا بحبل اللّه فاتفقت كلمتهم و قويت شوكتهم و أنزل اللّه عليهم بركات السماء و أخرج لهم من بركات الأرض، فصلح دينهم و صلحت دنياهم. و ما ذلك على اللّه بعزيز، و نسأله الفضل و الرحمة و الرضا و الغفران و العفو و العافية و التوفيق لكل خير، ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار، و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

جاء في تاريخ القطبي ما مضمونه: أنه في سنة (984) أربع و ثمانين و تسعمائة هجرية، صدر الأمر السلطاني بهدم البيوت و المدارس الملاصقة بجدار المسجد الحرام من جهة باب السلام إلى باب الصفا فما فوق، و ذلك توسيعا لطريق السيل و دفعا لضرر دخوله إلى المسجد الحرام من ذلك الجانب إذا تراكم، فهدمت تلك المنازل و البيوت توسعة للشوارع. اه.

هذا ما ذكره القطبي في تاريخه، فيفهم منه لا بد أنه قد حصل هدم البيوت و الأماكن في مكة من جهات متعددة و في أزمنة متفاوتة، و هذا أمر ضروري يحدث في كل بلدة و في كل قطر، و ذلك بحسب ازدياد العمران، و بحسب هندسة و نظام نفس السكان و احتياجهم إلى تعدد الشوارع و المحلات.

و نقول: إن توسعة شوارع مكة المشرفة مع فرشها بالإسفلت أي تبليطها بالزفت و إنارة جميعها بالكهرباء، و عمل عدة نافورات ملونة في وسط بعض ميادينها، كانت فيما بين سنة (1381) ألف و ثلاثمائة و إحدى و ثمانين هجرية و ما بعدها أي سنة (1382) مع تشجير بعض الميادين أيضا- و بعبارة أخرى إن مكة شرفها اللّه تعالى و أدام خيرها قد تطورت في التعمير و التجميل منذ بدء توسعة المسجد الحرام في سنة (1375) ألف و ثلاثمائة و خمس و سبعين هجرية، فسبحان مغير الأحوال و مدبر الأمور، لا إله إلا هو الكبير المتعال.

433

مكتب توسعة المسجد الحرام‏

لقد أنشئ هذا المكتب للإشراف على توسعة المسجد الحرام و مراقبة الأعمال و العمال، و يتعلق بهذا المكتب جميع المهندسين و البنائين و النجارين و العمّال على اختلاف أجناسهم و أعمالهم، و رئيس هذا المكتب هو سعادة الشيخ محمد صالح القزاز و هو من مكة المشرفة، و هو رجل يفيض بالحيوية و النشاط و الذكاء و المعرفة.

و الرئيس العام لهذا المشروع هو معالي المعلم الشيخ محمد بن لادن و هو من حضرموت، و هو القائم بأعمال مشروع التوسعتين للمسجدين الحرامين بمكة المشرفة و بالمدينة المنورة، بل هو القائم بجميع المشاريع الكبيرة الحكومية، و مع أنه لا يعرف القراءة و لا الكتابة، شديد الذكاء عظيم النباهة حاضر البديهة، مستقيم الحال ناجح في الأعمال، فسبحان المعطي الوهاب، و لقد تأسس هذا المكتب في عام (1375) هجرية بمكة المكرمة بعد تأليف اللجنة التنفيذية لتوسعة المسجد الحرام.

و لقد تكلمنا عن التعليم في المسجد الحرام و عن أسماء علمائه و مؤلفاتهم و أسماء أدباء مكة المكرمة بما فيه الكفاية فراجعه إن شئت.

توسعة المسجد الحرام في العهد السعودي‏

لم نستطع أن نكتب شيئا عن توسعة المسجد الحرام في العهد السعودي الثاني و ذلك لمرضنا الطويل، و هذه التوسعة هي أعظم توسعة وقعت بمكة المشرفة لشوارعها و للمسجد الحرام و قد تركنا هذا المبحث لمكتب توسعة المسجد الحرام يكتبه بالتفصيل التام بعد انتهاء أعمال التوسعة، لما عندها من المعلومات الوافية و الصور و الرسوم الكثيرة، غير أننا نضع هنا شيئا من صور توسعة المسجد الشريف و هى هذه.

انظر: الصور أرقام 13 مظلة المسعى من الخارج و تبدو فيها عظمة البناء و روعة التصميم، و رقم 138 الجانب الشرقي من توسعة الحرم المكي الشريف، 139 منظر آخر للجانب الشرقي من توسعة الحرم المكي الشريف‏

434

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

435

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

436

و ها نحن نتكلم في هذا المبحث عن بيان هذه الزيادات كلها بالتفصيل التام أولا، ثم نأتي بخلاصة ذلك لسهولة حفظها و ادراكها، ناقلين عن تاريخ الغازي المسمى" إفادة الأنام بذكر أخبار بلد اللّه الحرام" حيث أن كتابه جامع لأغلب كتب التاريخ، فنقول و باللّه التوفيق و عليه الإعتماد و التكلان:

قال الغازي (رحمه اللّه تعالى)، في تاريخه ما نصه: قال العلامة قطب الدين (رحمه اللّه تعالى)، في كتابه" الإعلام": اعلم أن الكعبة الشريفة لما بناها سيدنا إبراهيم (عليه السلام)، لم يكن حولها جدار و استمرت كذلك من أيام العمالقة و جرهم و خزاعة، لا يتجرأ أحد أن يبني بمكة دارا و لا جدارا احتراما للكعبة الشريفة. فلما آل أمر البيت إلى قصي بن كلاب و استولى على مفتاح الكعبة جمع قصي قومه و أمرهم أن بينوا بمكة حول الكعبة الشريفة بيوتا من جهاتها الأربع و كانوا يعظمون الكعبة أن بينوا حولها بيوتا أو يدخلون مكة على جنابة و كانوا يقيمون بها نهارا فإذا أمسوا خرجوا إلى المحل فقال لهم قصي أن سكنتم حول البيت هابتكم الناس و لم تستحل قتالكم و الهجوم عليكم و بدأ هو و بنى دار الندوة في الجانب الثامن و يقال أنها مقام الحنفية الذي يصلي فيه الآن الإمام الحنفي الصلوات الخمس و قسّم قصي باقي الجهات بين قبائل قريش فبنوا دورهم و شرعوا أبوابها إلى نحو الكعبة الشريفة. و تركوا للطائفين مقدار المطاف الشريف بحيث يعني أن القدر المفروش الآن بالحجر المنحوت إلى حاشية المطاف الشريف الآن و جعلوا بين كل دارين من دورهم مسلكا شارعا فيه باب يسلك منه إلى بيت اللّه تعالى.

ثم لما ظهر الإسلام و كثر المسلمون استمر الحال على ذلك الوضع من زمن النبي (صلى الله عليه و سلم) و زمان خليفته أبي بكر الصديق. و لما زاد ظهور الإسلام و تكاثرت المسلمون في زمن أمير المؤمنين عمر الفاروق فرأى أن يزيد المسجد الحرام.

الزيادة الأولى: زيادة عمر في المسجد الحرام‏

فأول زيادة زيدت في المسجد الحرام زيادة عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، فاشترى، رضي اللّه عنه دورا حول المسجد و هدمها و أدخلها في المسجد و بقيت دور احتيج إلى إدخالها في المسجد و أبى أصحابها من بيعها فقال لهم عمر: أنتم نزلتم بفناء الكعبة و بنيتم به دورا و لا تملكون فناء الكعبة و ما نزلت الكعبة في سوحكم و فنائكم. فقومت الدور و وضع ثمنها في جوف الكعبة، ثم هدمت‏

437

و أدخلت في المسجد، ثم طلب أصحابها الثمن فسلّم إليهم ذلك. و أمر ببناء جدار قصير أحاط بالمسجد، و جعل فيه أبوابا كما كانت بين الدور قبل أن تهدم.

و جعلها في محاذاة الأبواب السابقة.

الزيادة الثانية: زيادة عثمان في المسجد الحرام‏

فلما كثر الناس في زمان أمير المؤمنين عثمان بن عفان أمر بتوسيع المسجد و اشترى دورا حول المسجد هدمها و أدخلها في المسجد و أبى جماعة عن بيع دورهم ففعل كما فعل عمر بن الخطاب و هدم دورهم و أدخلها في المسجد فضج أصحاب الدور و صاحوا فدعاهم و قال: إنما جرأكم علي حلمي عليكم. ألم يفعل ذلك بكم عمر؟ فما ضج به أحد و لا صاح عليه و قد احتذيت حذوه فضجرتم مني و صحتم علي ثم أمر بهم إلى الحبس فشفع فيهم عبد اللّه بن خالد بن أسيد فتركهم. و كانت زيادة عمر بن الخطاب و عمارته للمسجد عقب السيل العظيم سنة سبع عشرة من تخريبه معالم الحرم الشريف يقال لذلك السيل: سيل أم نهشل (استطراد). و في سنة سبع عشرة أيضا عمل أمير المؤمنين عمر الردم، الذي بأعلى مكة صونا للمسجد، بناه بالضفاير و الصخر العظام و كبسه بالتراب، فلم يعله سيل بعد ذلك، غير أنه جاء سيل عظيم في سنة اثنين و مائتين فكشف عن بعض أحجاره و شوهدت فيه صخار عظيمة كبيرة لم ير مثلها، و الأقدمون يسمون هذا الردم ردم بني جمح، بضم الجيم و فتح الميم و بعدها حاء مهملة، و هم بطن من قريش نسبوا إلى جمح بن عمرو بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك. و المراد بهذا الردم الموضع الذي يقال له المدعى و هو مكان كان يرى منه البيت الشريف أول ما يرى. و كان الناس خصوصا حين يرد الحج من ثنية كداء و هي الحجون إذا وصلوا ذلك المحل شاهدوا منه البيت الشريف و الدعاء مستجاب عند رؤية بيت اللّه تعالى و كانوا يقفون هناك للدعاء و أما الآن فقد حالت الأبنية عن رؤية البيت الشريف و مع ذلك يقف الناس للدعاء فيه على العادة القديمة. و عن يمينه و يساره ميلان للإشارة إلى أنه المدعى. و لما ردم هذا المكان صار السيل إذا وصل من أعلى مكة لا يعلو هذا المكان بل كان ينحرف عنه إلى جهة الشمال للبناء الذي بناه عمر فلا يصل هذا السيل إلى المسعى و لا إلى باب السلام إلى الآن. و صارت هذه الجهة من‏

438

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

439

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

440

الذهب و على ميزاب الكعبة و على الأساطين التي في باطنها و على الأركان التي في جوفها، و يقال أن الحلية التي حلاها الوليد بن عبد الملك للكعبة هي ما كانت في مائدة سليمان بن داود (عليهما السلام) من ذهب و فضة و كانت قد احتملت من طليطلة من جزيرة الأندلس على بغل قوي فتفسخ تحتها و كانت بها أطواق من ياقوت و زبرجد. انتهى.

الزيادة الخامسة: زيادة أبي جعفر المنصور

الفصل الثاني من ذكر ما زاده العباسيون في المسجد الحرام: أول من عمّر و زاد في المسجد الحرام من الخلفاء العباسيين ثاني الخلفاء أبو جعفر المنصور عبد اللّه. قال في الإعلام: و في المحرم سنة ثمان و ثلاثين و مائة و قيل: سنة تسع و ثلاثين أمر أبو جعفر المنصور بالزيادة في المسجد الحرام فزيد في شقه الشامي الذي يلي دار الندوة و زاد في أسفله إلى أن انتهى إلى المنارة التي في ركن باب بني سهم.

و لم يزد في الجانب الأعلى شيئا لاتصاله بمسيل الوادي و لصعوبة البناء فيه و عدم ثباته إذا قوي السيل عليه و لذلك لم يزد في أعلى المسجد و اشترى من الناس دورهم و هدمها و أدخلها في المسجد الحرام و كان الذي ولى عمارة المسجد لأبي جعفر أمير مكة يومئذ من جانبه زياد بن عبد اللّه الحارثي و كان من شرطية عبد العزيز بن عبد اللّه بن شافع جد شافع بن عبد الرحمن الشيبي و كان زياد أجحف بدار شيبة بن عثمان و أدخل أكثرها في الجانب الأعلى من المسجد فتكلم مع زياد في أن يميل عنه قليلا ففعل فكان في هذا المحل ازورار في المسجد و أمر أبو جعفر المنصور بعمل منارة هناك فعملت و اتصل عمله في أعلى المسجد بعمل الوليد بن عبد الملك و كان عمل أبي جعفر طاقا واحدا بأساطين الرخام دائرا على صحن المسجد و كان الذي زاد فيه مقدار الضعف مما كان قبله و زخرف المسجد بالفسيفساء و الذهب و زينه بأنواع النقوش و رخم الحجر، بالحاء المكسورة ثم الجيم و هو أول من رخّمه، و كان كل ذلك على يد زياد بن عبد اللّه الحارثي والي الحرمين و الطائف، من قبل المنصور. و فرغ من عمل ذلك في عامين و قيل في ثلاثة أعوام. و كتب على باب بني جمح، أحد أبواب المسجد الحرام من جهة الصفا:" بسم اللّه الرحمن الرحيم، محمد رسول اللّه، أرسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون. إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدى للعالمين فيه آيات‏

441

بينات مقام إبراهيم، و من دخله كان آمنا و للّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، و من كفر فإن اللّه غني عن العالمين: أمر عبد اللّه أمير المؤمنين المنصور بتوسعة المسجد الحرام و عمارته و الزيادة فيه نظرا منه للمسلمين و اهتماما بأمورهم و الذي زاد فيه الضعف مما كان عليه قبل و فرغ منه و رفعت الأيدي عنه في ذي الحجة سنة أربعين و مائة و ذلك بتيسير اللّه على أمير المؤمنين و حسن معونته و كفايته و إكرامه له بأعظم كرامة فأعظم اللّه أجر أمير المؤمنين فيما نوى من توسعة المسجد الحرام و أحسن ثوابه و جمع له بين خيري الدنيا و الآخرة و أعز نصره و أيده".

الزيادة السادسة: زيادة محمد المهدي العباسي‏

ثم زاد فيه المهدي العباسي ثالث الخلفاء من بني العباس قال في الإعلام: و في سنة ستين و مائة حج أمير المؤمنين المهدي العباسي و قسم في الحرمين الشريفين أموالا عظيمة و هي ثلاثون ألف ألف درهم وصل بها معه من العراق و ثلثمائة ألف دينار وصلت إليه من مصر و مائتا ألف دينار وصلت إليه من اليمن و مائة ألف ثوب و خمسون ألف ثوب فرّق جميع ذلك على أهل الحرمين. و استدعى قاضي مكة يومئذ و هو محمد الأوقص بن محمد بن عبد الرحمن المخزومي و أمره أن يشتري دورا في أعلى المسجد و يهدمها و يدخلها في المسجد الحرام و أعد لذلك أموالا عظيمة فاشترى القاضي جميع ما كان بين المسجد الحرام و المسعى من الدور فما كانت من الصدقات و الأوقاف اشترى للمستحقين بدلها دورا في فجاج مكة و اشترى كل ذراع يكسر في مثله مما دخل في المسجد بخمسة و عشرين دينارا و ما دخل في سيل الوادي بخمسة عشر دينارا فكان مما دخل في ذلك الهدم دار للأزرق و هي يومئذ لاصقة بالمسجد الحرام من أعلاه على يمين الخارج من باب بني شيبة.

و كان ثمن ناحية منها ثمانية عشر ألف دينار و كان أكثرها داخل في المسجد الحرام في زيادة عبد اللّه بن الزبير، و دخلت أيضا دار خيرة بنت سباع الخزاعية و كان ثمنها ثمانية و أربعين ألف دينار دفعت إليها و كانت شارعة على المسعى يومئذ قبل أن يوءخر المسعى، و دخلت أيضا دار لآل جبير بن مطعم و دار شيبة بن عثمان اشترى جميع ذلك و هدم و أدخل في المسجد الحرام. و جعل دار القوارير رحبة بين المسجد الحرام و المسعى حتى استقطعها جعفر البرمكي من الرشيد لما آلت الخلافة

442

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

443

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

444

السيل و لا يصل إلى جدار الكعبة الشريفة من الجانب اليماني فكان من جدر الكعبة إلى الجدر اليماني من المسجد المتصل بالوادي تسعة و أربعون ذراعا و نصف ذراع فلما زيدت هذه الزيادة الثانية فيه صار من جدر المسجد أولا إلى الجدر الذي عمل آخرا و هو باق إلى اليوم تسعون ذراعا فاتسع المسجد غاية الاتساع و أدخل في قرب الركن اليماني من المسجد في أسفله دار أم هانئ و يقال الآن للباب الذي فتح هناك باب أم هانئ لأن دارها كانت بقرب ذلك الباب داخل المسجد الحرام الآن و من هذا الباب يدخل إلى المسجد أمراء مكة سادتنا الأشراف آل الحسن بن علي بن أبي طالب و كانت عند دار أم هانئ بئر جاهلية حفرها قصي بن كلاب أحد أجداد النبي (صلى الله عليه و سلم) فأدخلت أيضا تلك البئر في المسجد الحرام و حفر المهدي عوضها بئرا خارج الحزورة يغسلون عندها الموتى من الفقراء و استمر البناة و المهندسون في بناء الزيادة و وضع الأعمدة الرخام، و تسقيف المسجد بالخشب الساج المنقش بالألوان نقرا في نفس الخشب كما أدركناه. و كان في غاية الزخرفة و الإحكام باقيا فيه لون اللازورد في غاية الصفا و الرونق بالنسبة إلى لازورد هذا الزمان و استمر عملهم إلى أن توفي المهدي لثمان بقين من المحرم سنة تسع و ستين و مائة قبل أن تتم عمارة المسجد على الوجه الذي أراده و عقد الأمر لولده موسى الهادي و كان إكمال المسجد الحرام أول شي‏ء أمر به الهادي. و بادر الموكلون بذلك إلى إتمامه إلى أن تصل بعمارة المهدي و بنوا بعض أساطين الحرم الشريف من جانب باب أم هانئ بالحجارة ثم طليت بالجص. و كان العمل في خلافة الهادي دون العمل في خلافة المهدي في الاستحكام و الزينة و الاهتمام لكن كملت عمارة المسجد الحرام على هذا الوجه الذي كان باقيا إلى هذه الأيام و ما زيد بعد ذلك إلا الزيادتان كما نشرحهما إن شاء اللّه تعالى و هذه الأساطين الرخام جلبها المهدي من بلاد مصر و الشام و أكثرها مجلوب من بلاد أخميم من أعمال مصر و هي بلدة خراب الآن من بلاد مصر القديمة كثيرة الرخام يجلب منه إلى مصر و إلى غيرها من البلدان الرخام العظيم و الأعمدة اللطيفة المنحوتة و المخروطة من الرخام الأبيض يقال: أن أكثر رخام المسجد الحرام مجلوب منه و اللّه أعلم.

445

سبب وجود سقفين للمسجد الحرام في عمارة المهدي‏

لما وسّع أمير المؤمنين محمد المهدي العباسي المسجد الحرام هذه التوسعة العظيمة في سنتي 160 و 164 من الهجرة، جعل له سقفين من خشب الساج القوي، و كان ما بين السقف الأول و السقف الثاني نحو ذراعين.

و الذي نراه في جعل سقفين للمسجد الحرام في عمارة محمد المهدي، هو أن فن العمارة و الزخرفة و النقش كان قد تقدم تقدما عظيما في أيام عبد الملك بن مروان، و بتوالي السنين ازداد فن العمارة و الزخرفة حسنا و تقدما كما بينا ذلك في غير هذا المحل، فأراد" المهدي (رحمه اللّه)" أن تكون عمارة المسجد الحرام أقوى و أجمل عمارة عربية ببلد اللّه الأمين، لذلك أمر المهدي أن يسقف المسجد الحرام بسقفين، السقف الأول: الذي يظل أرض المسجد يكون بالخشب الساج القوي و أن ينقش و يزخرف بالألوان و الذهب بالنقر في نفس الخشب يكون آية في الإبداع و الحسن و الجمال، قال الإمام الأزرقي: و السقف الساج مزخرف بالذهب مكتوب في دوارات من خشب، فيه قوارع القرآن و غير ذلك من الصلاة على النبي (صلى الله عليه و سلم) و الدعاء للمهدي. انتهى.

و أما السقف الثاني: الذي يلي السماء فيكون من خشب الدوم اليماني و خشب الدوم ضخم قوي يبلط السطح بالجص و النورة.

فيكون السقف الثاني الذي يلي السماء يحفظ السقف الأول الذي فيه النقش و الزخرفة بالألوان و الذهب فلا ينزل عليه ماء المطر و لا تفسد برطوبة مياهه.

و هذه نظرية بعيدة في غاية من الدقة و الإحكام، و إن كانت تستلزم مصاريف زائدة و تكاليف عظيمة، فرحم اللّه أهل الزمان الأول فقد كانوا إذا عملوا شيئا أتقنوه، و في الحديث الصحيح:" إن اللّه يحب المتقن عمله".

هذا ما نراه في تعليل وجود السقفين للمسجد الحرام. و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

446

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

447

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

448

و كانت دار الندوة بعد ظهور الإسلام و كثرة بناء الدور بمكة دارا واسعة ينزل بها الخلفاء إذا وردوا مكة و يخرجون منها إلى المسجد الحرام للطواف و الصلاة و كان له فناء واسع صار سباطة ترمى فيه القمائم فإذا حصلت الأمطار الغزيرة سال من الجبال التي في يسار الكعبة مثل جبل قعيقعان و ما حوله من الجبال سيول عظيمة إلى ذلك الفناء و حملت أوساخه و قمائمه إلى دار الندوة و إلى المسجد الحرام و احتيج إلى تنظيف تلك الأوساخ و القمائم من المسجد الشريف كلما سالت سيول هذا الجانب الشمالي و صار ضررا على المسجد الحرام فكتب قاضي مكة يومئذ من قبل المعتضد العباسي القاضي محمد بن عبد اللّه المقدسي و أمير مكة يومئذ من قبله أيضا عج بن حاج، مولى المعتضد المذكور مكاتبات إلى وزير المعتضد يومئذ و هو عبيد اللّه بن سليمان بن وهب يتضمن أن دار الندوة قد عظم خرابها و تهدمت و كثيرا ما تلقى فيها القمائم حتى صار ضررا على المسجد الحرام و جيرانه و إذا جاء المطر سالت السيول من بابها إلى بطن المسجد و حملت تلك القمائم إلى المسجد الحرام و أنها لو أخرج ما فيها من القمائم و هدمت و بنيت مسجدا يوصل بالمسجد الحرام أو جعلت رحبة يصلي الناس فيها و يتسع الحجاج بها لكانت مكرمة لم تتهيأ لأحد من الخلفاء بعد المهدي و الهادي و منقبة باقية و شرفا و أجرا باقيا على طول الزمان و أن بالمسجد خرابا كثيرا و أن سقفه يسيل منه الماء إذا جاء المطر و أن وادي مكة قد انكبس بالأتربة فعلت الأرض عما كانت و صارت السيول تدخل من الجانب اليماني أيضا إلى المسجد الحرام و لا بد من قطع تلك الأراضي و تمهيدها و تنزيلها إلى حد تمر فيها السيول منحدرة عن الدخول إلى المسجد الحرام. و وصل أيضا إلى بغداد سدانة الكعبة و رفعوا أمرهم إلى ديوان الخلافة، أن وجه جدران الكعبة من باطنها قد تشعث، و أن الرخام المفروش في أرضها قد تكسر و أن عضادتي باب الكعبة كانتا من ذهب فوقعت فتنة بمكة في سنة إحدى و خمسين و مائتين بخروج بعض العلويين فقلع عامل مكة يومئذ ما على عضادتي باب الكعبة من الذهب فضربه دنانير و استعان به على حرب العلوي الذي خرج عليه يومئذ و صاروا يسترون العضادتين بالديباج.

و وقعت أيضا بعدها فتنة بمكة سنة ثمان و ستين و مائتين فقلع عامل مكة يومئذ مقدار الربع من الذهب الذي كان مصفى على باب الكعبة و من أسفله و ما على الأنف الباب الشريف من الذهب و ضربه دنانير و استعان به على دفع تلك الفتنة و جعل بدل الذهب فضة مموهة على الباب الشريف و على أنف الباب المنيف فإذا

449

تمسح الحجاج به أيام الحج تبركا بذلك المكان الشريف ذهب صبغ الذهب و انكشفت الفضة فيجدر تمويهها كل سنة و المناسب إعادة ذلك ذهبا صرفا كما كان و أن رخام الحجر الشريف قد تكسّر و يحتاج إلى التجديد و أن بلاط المطاف حول الكعبة الشريفة لم يكن تاما و يحتاج أن يتمم من جوانبها كلها و أن ذلك من أعظم القربات و أكرم المثوبات و قد رفع ذلك إلى الديوان العزيز المبادرة إلى انتهاز ذلك و الأمر راجع إلى دار الخلافة الشريفة و السلام.

فلما أشرف على هذه المكاتبات كاتب الخليفة المعتضد يومئذ الوزير عبيد اللّه بن سليمان بن وهب الكاتب و كان من أهل الخير له قدم راسخ في قصد الجميل و فعل الحسنات و نية جميلة في إحراز الأجر و المثوبات بادر إلى عرض ذلك على إسماع الخليفة المعتضد و حسن له اغتنام هذه الفرصة و المبادرة إليها و بذل المقدور فيها فبرز أمر المعتضد إليه و إلى غلامه المؤمر بالحضرة بعمل ما رفع إليه من ترميم الكعبة الشريفة و الحجر و المطاف و المسجد الحرام و أن تهدم دار الندوة و تجعل مسجد يلحق بالمسجد الحرام و توصل به و أن يحفر الوادي و المسيل و المسعى و ما حول المسجد الحرام و يعمق حفرها إلى أن يعود إلى حاله الأول و يجري ماء السيل فيه و لا يدخل شي‏ء منه إلى المسجد الحرام فيصان المسجد بذلك عن دخول السيول إليه و أن يحكم ذلك غاية الإحكام و يعمر ما تجب عمارته على وجه الإتقان و الاستحكام و أمر أن يحمل من خزائنه مالا عظيما لهذا العمل و أمر قاضي بغداد يومئذ و هو القاضي يوسف بن يعقوب أن يرتب ذلك و يجهز بعمله من يعتمد عليه. و أمر بحمل المال إليه فجهز بعضه نقدا من أيام الحج مع ولده أبي بكر عبد اللّه بن يوسف و كان مقدما على حوائج دار الخلافة و مصالح طريق الحج و عمارتها و أرسل بباقي المال صحائف سلمها إلى ولده المذكور ليسلمها ممن كتب اسمه في تلك الصحائف و عين معه لهذه الخدمة رجلا يقال له أبو الهياج عميرة بن حيان الأسدي له أمانة و حسن رأي و نية جميلة و سيرة حسنة فوصلا إلى مكة في موسم حج سنة إحدى و ثمانين و مائتين فحلى بالذهب الخالص باب الكعبة الشريفة و حج و تخلف بعد الحج بمكة أبو الهياج المذكور و من معه من العمال و الأعوان و عاد عبد اللّه بن القاضي يوسف مع الحجاج إلى بغداد ليرسل إليه ما يحتاج إليه من بغداد لتكميل ما أمر من العمارة المذكورة فشرع أبو الهياج في حفر الوادي و ما حول المسجد الحرام فحفره حفرا جيدا حتى ظهر من درج المسجد الحرام الشارعة على الوادي اثنا عشر درجة و إنما كان الظاهر منها خمس درجات‏

450

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

451

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

452

سبيل ماء وسط رواقيه و كانت لهذه الزيادة منارة ذكرها التقي الفاسي في شفاء الغرام، قلت: أما المنارة فلا أدري من بناها و لا متى هدمت و أما السبيل فكان موجودا إلى سنة ثلاث و ثمانين و تسعمائة فهدم عند وصول العمارة السلطانية إليه و أعيد بناؤه سبيلا كما كان و هذه الزيادة الثانية وقعت في أيام المقتدر العباسي.

انتهى.

انتهى كل ما ذكر من أول الفصل إلى هنا من تاريخ الغازي.

المسجد الحرام و ما أجري فيه من زيادات في العهود الماضية و العصر السعودي الزاهر

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً.

كان البيت الحرام منذ أن رفع إبراهيم قواعده و إسماعيل قائما في واد بين جبلين من أرض مكة لم يقم فيه بناء غيره و قد تحاشى الناس البناء بقربه تعظيما له و اتخذوا منازلهم في شعاب الأودية بعيدا عنه.

البناء حول البيت‏

ظل الأمر على هذا الحال قرونا عديدة إلى أن آل أمر مكة و خدمة البيت إلى (قصي بن كلاب) فأذن للناس في البناء بقربه فأقاموا منازلهم حوله في شكل دائرة تحيط به من جميع الجهات و تركوا مساحة صغيرة حوله هي المعروفة حتى الآن بالمطاف.

بيت اللّه بعد ظهور الإسلام و توالي الزيادات‏

بقي المسجد الحرام محدودا في تلك المساحات الصغيرة حتى بعث اللّه محمد (صلى الله عليه و سلم) للناس كافة و انتشر الإسلام و كثر معتنقوه و بدأ عدد الحجاج يتزايد من مختلف الأقطار التي استضاءت بنور الإسلام عندئذ بدأ المسجد يضيق عن استيعاب العدد الكبير من الوافدين الذي يزداد كل عام فبدأت الزيادات فيه تتوالى فكانت:

453

(زيادة الخلفاء الراشدين و السلف)

1- زيادة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه عام 17 ه.

2- زيادة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه عام 26 ه.

3- زيادة عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه عام 65 ه.

(الزيادة و العمارة في العصر الأموي)

4- عمارة عبد الملك بن مروان عام 75 ه.

5- زيادة الوليد بن عبد الملك عام 91 ه.

(الزيادة و العمارة في العصر العباسي)

6- زيادة أبي جعفر المنصور العباسي عام 237 ه.

7- زيادة الخليفة محمد المهدي العباسي عام 164 ه.

8- عمارة المعتمد باللّه العباسي عام 271 ه.

9- عمارة المعتضد باللّه العباسي عام 284 ه.

10- زيادة المقتدر باللّه العباسي عام 306 ه.

(عمارة ملوك الشراكسة)

11- عمارة الناصر زين الدين أبي السعادات فرج برقوق ابن قانسوة الشركسي عام 807 ه.

12- عمارة السلطان قايتباي عام 882 ه.

(عمارة سلاطين آل عثمان)

13- عمارة السلطان سليمان خان عام 972 ه.

14- عمارة السلطان سليم خان عام 980 ه.

15- عمارة السلطان مراد خان عام 984 ه.

و لقد كانت زيادة الخليفة محمد المهدي العباسي من أكبر الزيادات في تلك العصور إلى أن جاء العصر السعودي الزاهر فضرب المثل الأعلى في السخاء لتوسعة بيت اللّه الحرام هذه التوسعة العظيمة التي سوف تخلد أعمالهم المجيدة.

وقفت ساحة المسجد الحرام عند الحد الذي بلغته بعد عمارة السلطان مراد خان عام 984 ه و لكن البناء حوله لم يتوقف بل ظل يزحف إليه حتى اتصلت به‏

454

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}