التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج6

- محمد طاهر الكردي المزيد...
777 /
53

عدد/ البلدة/ مقدار ما يحمل من الغلّة

13/ قومس/ ألف ألف درهم مرتين و خمسمائة ألف من نقر الفضة.

14/ طبرستان و الروبان و نهاوند/ ستة آلاف ألف درهم مرتين و ثلاثمائة ألف، و من الفرش الطبري ستمائة قطعة، و من الأكسية مائتان و من الثياب خمسمائة ثوب، و من المناديل ثلاثمائة، و من الجامات ثلاثمائة.

15/ الري/ اثني عشر ألف ألف درهم مرتين، و من العسل عشرون ألف رطل.

16/ همدان/ أحد عشر ألف ألف درهم مرتين و ثلاثمائة ألف، و من رب الرمانين ألف رطل، و من العسل اثني عشر ألف رطل.

17/ ما بين البصرة و الكوفة/ عشرة آلاف ألف درهم مرتين و سبعمائة ألف درهم.

18/ ما سبذان و الدينور/ أربعة آلاف ألف درهم مرتين.

19/ شهرزور/ ستة آلاف ألف درهم مرتين و سبعمائة ألف درهم.

20/ الموصل و ما إليها/ أربعة و عشرون ألف ألف درهم مرتين، و من العسل الأبيض عشرون ألف ألف رطل.

21/ أذربيجان/ أربعة آلاف ألف درهم مرتين.

22/ الجزيرة و ما يليها من أعمال الفرات/ أربعة و ثلاثون ألف ألف درهم مرتين، و من الرقيق ألف رأس، و من العسل اثني عشر ألف زق و من البزاب عشرة، و من الأكسية عشرون.

23/ أرمينية/ ثلاثة عشر ألف ألف درهم مرتين، و من القسط المحفور عشرون، و من الزق خمسمائة و ثلاثون رطل، و من المسايح السور ما هي عشرة آلاف رطل و من الصوبخ عشرة آلاف رطل، و من البغال مائتان و من المهرة ثلاثون.

24/ قنسرين/ أربعمائة ألف دينار و من الزيت ألف حمل.

25/ دمشق/ أربعمائة ألف دينار و عشرون ألف دينار.

54

عدد/ البلدة/ مقدار ما يحمل من الغلّة

26/ الأردن/ سبعة و تسعون ألف دينار.

27/ فلسطين/ ثلاثمائة ألف دينار و عشرة آلاف دينار و من الزيت ثلاثمائة ألف رطل.

28/ مصر/ ألف ألف دينار و تسعمائة ألف دينار و عشرون ألف دينار.

29/ برقة/ ألف ألف درهم مرتين.

30/ أفريقية/ ثلاثة عشر ألف ألف درهم مرتين، و من البسط مائة و عشرون.

31/ اليمن/ ثلاثمائة ألف دينار و سبعون ألف دينار سوى المتاع.

32/ الحجاز/ ثلاثمائة ألف دينار.

33/ و أما الأندلس/ فالذي ذكره الثقات من مؤرخيها أن عبد الرحمن الناصر خلف في بيوت أمواله خمسة آلاف ألف ألف دينار مكررة ثلاث مرات، يكون جملتها بالقناطير خمسمائة ألف قنطار.

قال: و رأيت في بعض تواريخ الرشيد أن المحمول إلى بيت المال في أيامه سبعة آلاف قنطار و خمسمائة قنطار في كل سنة، فاعتبر ذلك في نسب الدول بعضها من بعض، و لا تنكرن ما ليس بمعهود عندك و لا في عصرك شي‏ء من أمثاله فتضيق حوصلتك عند ملتقط الممكنات، فكثير من الخواص إذا سمعوا أمثال هذه الأخبار عن الدول السالفة بادر بالانكدار و ليس ذلك من الصواب فإن أحوال الوجود و العمران متفاوتة. انتهى من مقدمة ابن خلدون.

كيف كان القدماء يؤرخون الحوادث و الأزمان‏

جاء في كتاب «فصول مختارة من كتب التاريخ» من الجزء الأول بالعنوان المذكور ما نصه: ليس أمة من الأمم من الشرقيين و غيرهم ممن سلف أو خلفها إلا و لها تاريخ ترجع إليه و تعوّل عليه في أكثر أمورها ينقل ذلك خلف عن سلف و باق عن ماض إذ كان به تعرف الحوادث العظام و الكوائن الجسام و ما كان في الأزمان‏

55

الماضية و الدهور الخالية. و لو لا ضبط ذلك و تقييده لانقطعت الأخبار و درست الآثار و جهلت الأنساب.

و كانت العرب قبل ظهور الإسلام تؤرخ بتواريخ كثيرة، فأما حمير و كهلان ابنا سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان بأرض اليمن فإنهم كانوا يؤرخون بملوكهم السالفة من التبابعة و غيرهم كملك تبع الأكبر و تبع الأصغر و تبع ذي الأذعار، و تبع ذي المنار، و أرّخوا بملك ذي نواس، و ملك جذيمة بن مالك بن فهم بن غنم الدوسي، و ملك آل أبي شمر من غسان بالشام، و أرّخوا بعام السيل و هو سيل العرم الذي ذكره اللّه عز و جل في القرآن، و خروج عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء من مأرب في قومه من الأزد و غيرهم من كهلان و حمير و تفرّقهم في البلاد. ثم أرّخوا بظهور الحبشة على اليمن، ثم غلبة الفرس على اليمن و إزالة الحبشة إلى أن جاء اللّه بالإسلام.

فأما تاريخ ولد معد بن عدنان فإنهم كانوا يؤرّخون بغلبة جرهم العماليق و إخراجهم إياهم عن الحرم، ثم أرّخوا بهلاك جرهم في الحرم، ثم أرّخوا بعد ذلك بعام التفرّق و هو العام الذي افترق فيه ولد نزار بن معد بن عدنان من ربيعة و مضر و إياد و أنمار، ثم أرّخوا بعد ذلك بعام الفساد و هو عام وقع فيه بين أحياء العرب و قبائلها التنازع و الحروب فاستبدلوا الديار و تنقلوا في المساكن. و أرّخوا بحجة الغدر و كانت قبل الإسلام بنحو من مائة و خمسين سنة و كان سببها أن أوسا و حصبة ابني أزنم بن عبيد خرجا في عدة من قومهما حجاجا فلقوا بأنصاب الحرم أناسا من اليمن معهم كسوة للكعبة و مال للسدنة حمل ذلك بعض ملوكهم، فقتلوهم و أخذوا ما كان معهم و دخلوا مكة فلما كان في أيام منى فشا الخبر بالناس فوثبوا بهم و تحزّب معهم قوم فانتهبت الناس بعضهم بعضا فسميت حجة الغدر.

و أرّخوا بالحرب بين ابني وائل: بكر و تغلب المعروفة بحرب البسوس، و كان الذي هاجها قتل جساس بن مرّة بن ذهل بن شيبان كليبا لقتل كليب ناقة يقال لها سراب لجار لخالة جساس، و هي البسوس بنت المنقذ التميمية. و أرّخوا بحرب ابني بغيض بن ريث بن غطفان المعروفة بحرب داحس و الغبراء و ذلك قبل البعث بنحو من ستين سنة.

56

و بحرب الأوس و الخزرج ابني حارثة بن ثعلبة و هو العنقاء، و إنما سمي العنقاء لطول عنقه، و هما أخوان لأب و لأم نسبا إلى أمهما قتيلة. و أرّخوا بعام الخنان و هو عام شمل أكثر الناس فيه الخنان، قال النابغة الجعدي:

فمن يك سائلا عني فإني‏* * * من الفتيان في عام الخنان‏

و كانت كل قبيلة من قبائل العرب تؤرّخ بيوم من أيامها المشهورة في حروبها.

فكانت بكر و تغلب أبناء وائل تؤرّخ بعام التحالق من حرب البسوس أيام حروبهم المنسوبات.

و بنو عامر بن صعصعة يؤرّخون بيوم شعب جبلة و كان قبل الإسلام بنيف و أربعين سنة بين بني عامر و أحلافها من عبس و بين من سار إليهم من تميم و عليهم حاجب و لقيط ابنا زرارة بن عدس و من عاضدهما من اليمن مع ابني الجون الكنديين.

و إياد تؤرّخ بخروجها عن تهامة و حروبها مع فارس، الحرب المعروفة بوقعة دير الجماجم، و بتلك الموقعة سمي الدير لكثرة الجماجم و ذلك في ملك سابورا ذي الأكتاف ملك فارس.

ثم أرّخوا بعام الانتقال من ديارهم إلى بلد الروم، و آخر من دخل منهم إلى هناك في أرض الجزيرة و الموصل في خلافة عمر بن الخطاب نحو من أربعين ألفا كانوا على النصرانية و أنفوا من الجزيرة حين أخذوا بها.

و تميم تؤرّخ بعام الكلاب و هي الحرب التي كانت بين ربيعة و تميم. و الأوس و الخزرج ابنا حارثة تؤرّخ بعام الآطام- لما تحاربوا على الآطام- و هي الحصون و القصور، و كانت الأوس و الخزرج تتمتع بها فأخرجت في أيام عثمان بن عفان.

و طي‏ء و جديلة تؤرّخ بعام الفساد و هي الحرب التي كانت بين الغوث بن طي‏ء و جديلة بن سعد بجبلي طي‏ء أجا و سلمى و ما يلي ذلك من السهل.

و لم يزل من وصفنا من قبائل العرب يؤرخون بالأمور المشهورة من موت رؤسائهم و وقائع و حروب كانت بينهم إلى أن جاء اللّه بالإسلام فأجمع المسلمون على التاريخ من الهجرة. ذهب قوم من أصحاب السير و الآثار إلى أن آدم لما هبط من الجنة و انتشر ولده أرّخ بنوه من هبوطه فكان ذلك هو التاريخ حتى بعث اللّه نوحا فأرخوا من مبعثه حتى كان الطوفان فكان التأريخ منه إلى نار إبراهيم، فلما

57

كثر ولد إبراهيم افترقوا، فأرّخ بنو إسحاق من نار إبراهيم إلى يوسف، و من يوسف إلى مبعث موسى و من مبعث موسى إلى ملك داود و سليمان، و ما كان بعد ذلك من الكوائن و الأحداث.

و أرّخ بنو إسماعيل من بناء البيت حين بناه إبراهيم و إسماعيل فلم يزالوا يؤرخون بذلك حتى تفرقت معد، و كان كلما خرج قوم من تهامة أرّخوا بمخرجهم، و من بقي من بني إسماعيل يؤرّخون بخروج آخر من خرج منها من قضاعة و هم سعد و نهد و جهينة بنو زيد بن ليث حتى مات كعب بن لؤي فأرّخوا من موته إلى الفيل، و منهم من كان يؤرّخ بيوم الفجار بين قريش و سائر كنانة بن لؤي و بين قيس بن عيلان. و منهم من كان يؤرّخ بحلف الفضول و كان بعد منصرفهم من الفجار و إنما سمي الفجار؛ لأنهم تفاجروا فيها و اقتتلوا في الأشهر الحرم.

و بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قريش تؤرّخ بموت هشام بن المغيرة المخزومي و الفيل.

و قد ذكر للإبراهيميين تواريخ كثيرة منها التاريخ بوفاة إبراهيم ثم بوفاة إسحاق.

و في الإسماعيليين من كان يؤرّخ بوفاة إسماعيل و غير ذلك. انتهى من الكتاب المذكور.

نقول و ما زال الناس إلى عصرنا هذا و إلى أن تقوم الساعة يؤرّخون أمورهم بالمسائل المعروفة لديهم، فمثلا الذي يولد في يوم الجمعة يسمونه جمعة و من ولد في شهر محرّم يسمونه محرّم و من ولد في رجب يسمونه رجب و من ولد في شعبان يسمونه شعبان و من ولد في رمضان يسمونه رمضان أو غير ذلك من الأسماء و تعليلاتها.

مبدأ وضع التاريخ الهجري و غيره‏

قال القلقشندي في كتابه صبح الأعشى ما ملخصه: اختلف في أصل لفظ التاريخ فذهب قوم إلى أنه عربي و أن معناه نهاية الشي‏ء و آخره، يقال فلان تاريخ قومه إذا انتهى إليه شرفهم. و ذهب آخرون إلى أنه فارسي و أن أصله «ماء زور» فعرب مؤرّخ ثم جعل اسمه التاريخ، و يقال منه أرّخت و ورّخت بالهمزة و الواو لغتان، و لذلك قالوا في مصدره تأريخ و توريخ كما يقال تأكيد و توكيد فأرّخت لغة قيس و ورّخت لغة تميم.

58

و المعروف عند العلماء أن ابتداء التاريخ بالهجرة كان في خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و اختلف في السبب الموجب لذلك فذكر النحاس أن السبب فيه عامل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه باليمن قدم عليه فقال: أما تؤرّخون كتبكم فاتخذوا التاريخ، و ذكر أبو هلال العسكري في كتابه الأوائل أن السبب فيه أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب لا ندري على أيها نعمل. قد قرأنا كتابا منها محله شعبان فما ندري في أي الشعبانين الماضي أو الآتي، فأحدث عمر التاريخ، و ذكر صاحب حماة في تاريخه أنه رفع إلى عمر رضي اللّه عنه صك محله شعبان فقال:

أي شعبان لا ندري الذي نحن فيه أم الذي هو آت؟ ثم جمع وجوه الصحابة و قال: إن الأموال قد كثرت و ما قسمناه منها غير مؤقت فكيف التوصل إلى ما يضبط به ذلك؟ فقالوا: يجب أن نعرف ذلك من أمور الفرس، فاستحضر الهرمزان و سأله فقال: إن لنا حسابا نسميه «ماء زور» و معناه حساب الشهور و الأيام فعمل عمر التأريخ.

و قال في «ذخيرة الكتاب»: لما أراد عمر التأريخ جمع الناس للمشورة فقال بعضهم: نؤرّخ بمبعث النبي (صلى الله عليه و سلم)، و قال بعضهم: بل بوفاته، و قال بعضهم: بل بهجرته من مكة إلى المدينة لأنها أول ظهور الإسلام و قوته، فصوبه عمر و اجتمع رأيه عليه.

ثم بعد اتفاقهم على التأريخ من الهجرة اختلفوا في الشهر الذي تقع البداءة به فأشار بعضهم بالبداءة برمضان لشرفه و عظمه، فقال عمر: بل بالمحرّم لأنه منصرف الناس من حجهم، فرجعوا القهقري ثمانية و ستين يوما و هي القدر الذي مضى من أول المحرّم إلى ذلك الوقت و استقر تاريخ الإسلام من الهجرة. قال القضاعي في «عيون المعارف» و كان ذلك في سنة تسع عشرة أو ثماني عشرة من الهجرة.

قال القلقشندي: و استقرت تواريخ الأمم على أربعة تواريخ ابتداء بعضها مقدّم على ابتداء بعض:

أولها: غلبة الاسكندرية على الفرس و عليه تاريخ السريان و الروم إلى زماننا.

و الثاني: ملك دقلطيانوس ملك الروم على القبط و عليه تاريخ القبط إلى زماننا.

59

و الثالث: الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة و التسليم و عليها مدار التاريخ الإسلامي.

و الرابع: هلاك يزدجرد آخر ملوك الفرس و به تؤرّخ الفرس إلى زماننا، و كان هلاكه بعد الهجرة بعشر سنين و ثمانية و سبعين يوما. انتهى الكلام باختصار على وضع التأريخ الهجري من كتاب «صبح الأعشى». و حيث تكلمنا عن التأريخ الهجري نرى تكملة للبحث و الفائدة أن نذكر أيضا ما أورده القلقشندي في كتابه «صبح الأعشى» عن بقية التواريخ و بيان أصولها و هو مبحث مهم مفيد.

قال (رحمه اللّه تعالى) في كتابه المذكور بصحيفة 235 من الجزء السادس ما نصه:

قال القضاعي في «عيون المعارف في تاريخ الخلائف» كانت الأمم السالفة تؤرّخ بالحوادث العظام و بملك الملوك، فكان التأريخ بهبوط آدم (عليه السلام) ثم بمبعث نوح ثم بالطوفان ثم بنار إبراهيم (عليه السلام)، ثم تفرق بنو إبراهيم فأرّخ بنو إسحاق بنار إبراهيم إلى يوسف، و من يوسف إلى مبعث موسى (عليه السلام)، و من موسى إلى ملك سليمان (عليه السلام)، ثم بما كان من الكوائن، و منهم من أرّخ بوفاة يعقوب (عليه السلام) ثم بخروج موسى من مصر ببني إسرائيل، ثم بخراب بيت المقدس. و أما بنو إسماعيل فأرّخوا ببناء الكعبة و لم يزالوا يؤرخون بذلك حتى تفرقت بنو معد، و كان كلما خرج قوم من تهامة أرّخوا بخروجهم. ثم أرّخوا بيوم الفجار ثم بعام الفيل. و كان بنو معد بن عدنان يؤرّخون بغلبة جرهم العماليق و إخراجهم إياهم من الحرم ثم أرّخوا بأيام الحروب: كحرب بني وائل و حرب البسوس و حرب داحس.

و كانت حمير و كهلان تؤرخان بملوكهما التبابعة و بنار ضرار: و هي نار ظهرت ببعض خراب اليمن، و بسيل العرم، ثم أرّخوا بظهور الحبشة على اليمن.

و أما اليونان و الروم فكانوا يؤرّخون بملك بختنصر ثم أرّخوا بملك دقلطيانوس القبطي.

و أما الفرس فكانوا يؤرّخون بآدم (عليه السلام) ثم أرّخوا بقتل دارا و ظهور الاسكندر عليه ثم بملك يزدجرد. و الذي ذكره السلطان عماد الدين صاحب حماه في تاريخه في دائرة اتصال التواريخ القديمة بالهجرة عشرون تاريخا ذكر ما بينها و بين‏

60

الهجرة من السنين إلا أنه لم يراع الترتيب في بعضها و أهمل منها تأريخ يزدجرد لوقوعه بعد الهجرة.

و بالجملة فالتواريخ على قسمين:

القسم الأول: ما قبل الهجرة و قد أوردت منه تسعة عشر تأريخا:

الأول: من هبوط آدم (عليه السلام). و قد اختلف فيما بينه و بين الهجرة اختلافا كبيرا: فمقتضى ما في التوراة اليونانية على اختيار المؤرّخين أن بينهما ستة آلاف سنة و مائتين و ست عشرة سنة، و على اختيار المنجّمين أن بينهما خمسة آلاف و سبعمائة و تسع و ستين سنة.

و مقتضى ما في التوراة السامرية على اختيار المؤرخين خمسة آلاف و مائة و سبع و ثلاثون سنة، و على اختيار المنجّمين ينقص عن ذلك.

و مقتضى ما في التوراة العبرانية على اختيار المؤرّخين أن بينهما أربعة آلاف و سبعمائة و إحدى و أربعين سنة، و على اختيار المنجّمين ينقص مائتين و تسع و أربعين سنة.

الثاني: من الطوفان. و بينه و بين الهجرة ثلاثة آلاف و تسعمائة و أربع و تسعون سنة على اختيار المؤرّخين، و على اختيار المنجّمين ثلاثة آلاف و سبعمائة و خمس و عشرون سنة و ثلثمائة و ستة أيام.

الثالث: من تبلبل الألسن. و بينه و بين الهجرة على اختيار المؤرّخين ثلاثة آلاف و ثلثمائة و أربع و ستون سنة، و على اختيار المنجّمين ينقص عن ذلك مائتين و تسع و أربعين سنة.

الرابع: من مولد إبراهيم (عليه السلام). و بينه و بين الهجرة على اختيار المؤرّخين ألفان و ثمانمائة و ثلاث و تسعون سنة، و على اختيار المنجّمين ينقص عن ذلك مائتين و تسع و أربعين سنة.

الخامس: من بناء إبراهيم الكعبة. و بينه و بين الهجرة ألفان و سبعمائة و ثلاث و سبعون سنة.

السادس: من وفاة موسى (عليه السلام). و بينه و بين الهجرة على اختيار المؤرّخين ألفان و ثلثمائة و ثمان و أربعون سنة.

61

السابع: من عمارة سليمان (عليه السلام) بيت المقدس. و بينه و بين الهجرة ألف و ثمانمائة و ستون سنة.

الثامن: من ابتداء ملك بختنصر. و بينه و بين الهجرة ألف و ثلثمائة و تسع و ستون سنة. قال صاحب حماة: بلا خلاف.

التاسع: من تخريب بختنصر بيت المقدس. و بينه و بين الهجرة ألف و ثلاثمائة و خمسون سنة.

العاشر: من ملك فيلبس أبي الاسكندر. و بينه و بين الهجرة تسعمائة و خمس و أربعون سنة و مائة و سبعة عشر يوما.

الحادي عشر: من غلبة الاسكندر على ملك فارس و قتل دارا ملك الفرس، و بينه و بين الهجرة تسعمائة و اثنتان و ثلاثون سنة و مائتان و تسعون يوما.

الثاني عشر: من مولد المسيح (عليه السلام). و بينه و بين الهجرة ستمائة و إحدى و ثلاثون سنة.

الثالث عشر: من ملك أرديا لونص. و بينه و بين الهجرة خمسمائة و تسع و ستون سنة.

الرابع عشر: من ملك أرد شير أول ملوك الأكاسرة من الفرس، و بينه و بين الهجرة ثلثمائة و ست و أربعون سنة.

الخامس عشر: من خراب بيت المقدس المرة الثانية. و بينه و بين الهجرة ثلثمائة و ست و أربعون سنة.

السادس عشر: من ملك دقلطيانوس آخر عبدة الأصنام من ملوك الروم على القبط، و بينه و بين الهجرة ثلثمائة و سبع و ثلاثون سنة و واحد و عشرون يوما.

السابع عشر: من غلبة أغشطش ملك الروم على قلوبطرا ملكة اليونان و مصر. و بينه و بين الهجرة مائتان و خمسون سنة و مائتان و ستة و أربعون يوما.

الثامن عشر: من عام الفيل، و هو العام الذي ولد فيه النبي (صلى الله عليه و سلم). و بينه و بين الهجرة ثلاث و خمسون سنة و شهران و ثمانية أيام.

التاسع عشر: من مبعث النبي (صلى الله عليه و سلم). و بينه و بين الهجرة ثلاث عشرة سنة و شهران و ثمانية أيام.

62

القسم الثاني: ما بعد الهجرة

و فيه تاريخ واحد و هو من هلاك يزدجرد آخر ملوك الفرس و كان بعد الهجرة بعشر سنين و ثمانية و سبعين يوما. انتهى من صبح الأعشى، و هو كما لا يخفى مبحث نفيس عن وضع التأريخ، و قد تراه مطوّلا لكنه مفيد و يحتاج إليه.

و ما أحلى كلام أمير الشعراء أحمد شوقي بك (رحمه اللّه تعالى) في «التاريخ» في كتابه دول العرب و عظماء الإسلام حيث يقول:

من سخر الصخر الأصم للقلم‏* * * حتى جرى نورا عليه في الظلم‏

يضيئ أثناء الصفا و طورا* * * ينجد كهفا بالسنى و غورا

لكل شي‏ء عنصر و منحت‏* * * و ما أبو الأقلام إلا المنحت‏

كم دمية مما جلا مخلقة* * * مغنية ما أغنت المعلقة

قديمة تعرف الحديثا* * * حادثة في الدهر أو حديثا

قد نشأ التاريخ في حجر الحجر* * * و شب ما بين الكهوف و الحجر

أليس في الصخر و في الأديم‏* * * جلّ حديث العالم القديم‏

ثم قال أمير الشعراء بعد خمسة أبيات منها:

سبحانه قص حديث آدم‏* * * على تنائي العهد و التقادم‏

و رفع التاريخ أعلى منزلة* * * بنصّه في كتبه المنزلة

بين الأناجيل علت أصوله‏* * * و في الحواميم غلت فصوله‏

ألم يك التاريخ ظل العالم‏* * * و أقدم الأعلام و المعالم‏

توهم الخلد به الأوائل‏* * * و ظن أن نال البقاء الزائل‏

و طلب الصيت به قديما* * * و الذكر فوق الأرض مستديما

و النفس ترجو همة الخلود* * * في العلم و البنيان و المولود

توهم الحياة بعد موت‏* * * و تزعم الوجدان بعد فوت‏

ضاقت على النوابغ الآجال‏* * * فكان في الذكر لهم مجال‏

في كل ذي روح هوى الحياة* * * أودعه مصرف الآيات‏

فكن إذا أحببتها فخم الهوى‏* * * لا تك و الشاة على حد سوا

أنظر إلى الآباء كيف هاموا* * * بالخلد و احتالت له الأفهام‏

63

ثم قال أيضا بعد أربعة أسطر:

من درس التاريخ أو من درسه‏* * * يمضي الزمان و هما في المدرسه‏

لا يبلغان في الكتاب غاية* * * و لا الكتاب بالغ النهاية

ذاك كتاب الناس و الأيام‏* * * من آدم الجد إلى القيام‏

تأنق الدهر به ما شاء* * * و أتقن التأليف و الإنشاء

أنفق فيه زمن الشباب‏* * * و ما أتم فيه غير باب‏

يكبر أن يطويه السجل‏* * * و عن نوائب البلى يجل‏

عال على كف المغير الماحي‏* * * و لو مشت عليه بالرماح‏

مستهزئ بالغاشم البليد* * * تهازؤ المصحف بالوليد

لا يمحى من الجميل ما رسم‏* * * و لا يزول في القبيح ما وسم‏

فإن وجدت خاطرا مطالبا* * * و نازعا من الطباع غالبا

فقف على آثار أعيان الزمن‏* * * و اغش الطلول و تنقل في الدمن‏

و عالج النجوى و الادّكارا* * * يهيئا للحكمة الأفكارا

فالروح في التاريخ الاعتبار* * * و حكمة تودعها الأخبار

و خذه من محقق أمين‏* * * و ميّز الغث من الثمين‏

إياك و المتوخ المقصا* * * ما كل من قصّ فقد تقصّى‏

و قدّم المعبّر المبينا* * * تجده في مظلمة مبينا

و تلق منه جوهرا أو صائغا* * * و تسق في الفضة عذبا سائغا

فمن كريم الشعر و البيان‏* * * عينان في التاريخ تجريان‏

لو لا أوابد من البوادي‏* * * مشت على أيامها العوادي‏

الشعر بعد موتها أحياها* * * في شعرها تمثّلت دنياها

و إن ملكت مرّة أن تصنعه‏* * * فاخش بأن تخلقه و تصنعه‏

و هبه لم يأمن عوادي العبث‏* * * أليس كالكير الذي ينفي الخبث‏

ما أقبح الكذب على الرفات‏* * * و الكذب من أراذل الصفات‏

من غشّ نفسا جمع المظالما* * * ماذا ترى فيمن يغشّ عالما

انتهى.

64

كيفية ثبوت هلال ذي الحجة في عصر ابن جبير

لم تكن في العصور السابقة اخترعت وسائل الاتصال السريعة بين البلدان من تيلفونات و تلغرافات و راديوات و نحوها كما هو الشأن في عصرنا هذا، لذلك يتشوف الإنسان إلى كيفية ثبوت هلال ذي الحجة أو ثبوت هلال رمضان أو شوال لما يترتب على ثبوته الحج و الصوم و الفطر.

و لقد وصف ابن جبير في رحلته الشهيرة باسمه كيفية ثبوت هلال ذي الحجة عام وجوده بمكة المشرفة و هو عام (579) تسع و سبعين و خمسمائة من الهجرة فقال (رحمه اللّه تعالى):

استهل هلال ذي الحجة ليلة الخميس بموافقة الخامس عشر من مارس، و كان للناس في ارتقابه أمر عجيب و شأن من البهتان غريب و نطق من الزور كان يعارضه من الجماد فضلا عن غيره رد و تكذيب، و ذلك أنهم ارتقبوه ليلة الخميس الموفي ثلاثين و الأفق قد تكاثف نوره و تراكم غيمه إلى أن علته مع المغيب بعض حمرة من الشفق فطمع الناس في فرجة من الغيم لعل الأبصار تلتقطه فيها. فبينما كذلك أن كبر أحدهم فكبر الجم الغفير لتكبيره و مثلوا قياما ينتظرون ما لا يبصرون و يشيرون إلى ما يتخيلون حرصا منهم على أن تكون الوقفة بعرفات يوم الجمعة كأن الحج لا يرتبط إلا بهذا اليوم بعينه، فاختلقوا شهادات زورية و مشت منهم طائفة من المغاربة أصلح اللّه أحوالهم و من أهل مصر و أربابها فشهدوا عند القاضي برؤيته فردّهم أقبح ردّ و جرّح شهاداتهم أسوأ تجريح و فضحهم من تزيّف أقوالهم أخزى فضيحة و قال: يا للعجب لو أن أحدهم يشهد برؤية الشمس تحت ذلك الغيم الكثيف النسج لما قبلته فكيف برؤية هلال هو ابن تسع و عشرين ليلة؟

و كان أيضا مما حكى من قوله: تشوشت المغارب، تعرضت شعرة من الحاجب فأبصروا خيالا ظنوه هلالا. و كان لهذا القاضي جمال الدين في أمر هذه الشهادة الزورية مقام من التوقف و التحري حمده له أهل التحصيل و شكره عليه ذوي العقول و حق لهم ذلك فإنها مناسك الحج للمسلمين عظيمة أتوا لها من كل فج عميق فلو تسومح فيها بطل السعي و قال الرأي و اللّه يرفع الالتباس و البأس عنه، فلما كانت ليلة الجمعة المذكورة ظهر الهلال أثناء فرج السحاب و قد اكتسى نورا من الثلاثين ليلة فزعقت العامة زعقات هائلة و تنادت بوقفة الجمعة و قالت الحمد

65

للّه الذي لم يخيب سعينا و لا ضيع قصدنا كأنهم قد صح عندهم أن الوقفة إذا لم تكن توافق يوم الجمعة ليست مقبولة و لا الرحمة فيها من اللّه مرجوة مأمولة تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا، ثم إنهم يوم الجمعة المذكور اجتمعوا إلى القاضي فأدوا شهادات بصحة الرؤية تبكي الحق و تضحك الباطل فردها و قال يا قوم حتى م هذا التمادي في الشهوة و إلى م تستنون في طريق الهفوة؟ و اعلمهم أنه قد استأذن الأمير مكثر في أن يكون الصعود إلى عرفات صبيحة يوم الجمعة فيقفوا عشية بها ثم يقفوا صبيحة يوم السبت بعده و يبيتوا ليلة الأحد بمزدلفة، فإن كانت الوقفة يوم الجمعة فما عليهم في تأخير المبيت بمزدلفة بأس إذ هو جائز عند أئمة المسلمين، و إن كانت يوم السبت فبها و نعمت و إما أن يقع القطع بها يوم الجمعة فتغرير بالمسلمين و إفساد لمناسكهم لأن الوقفة يوم التروية عند الأئمة غير جائزة كما أنها عندهم جائزة يوم النحر. فشكر جميع من حضر للقاضي هذا المنزع من التحقيق و دعوا له و أظهر من العامة الرضى بذلك و انصرفوا عن سلام و الحمد للّه على ذلك. انتهى من رحلة ابن جبير.

بدء ظهور المطابع‏

و جاء عن اختراع الطباعة و تاريخها تفصيلات مهمة أحببنا ذكرها لما لها من الفوائد المتعددة و المعلومات القيمة و ذلك في الجزء الأول من كتاب «كنز الرغائب في منتخبات الجوائب» المطبوع سنة (1288) ثمان و ثمانين و مائتين و ألف من الهجرة بالآستانة و هذا نصها:

قد اختلفت الروايات في اختراع المطبعة، فبعض المؤرخين نسبها إلى مدينة متز و بعضهم إلى استراسبورغ و هارلم و بعضهم إلى فينيسيا و رومية و بعضهم إلى فلورانسة و باسيل، و في رواية أوريان جونيوس أن مخترع المطبعة هو يوحنا كستار من هارلم، أول كتاب طبعه كان على وجه واحد و ذلك في سنة (1442) ميلادية. و قال آخر: لا شك أن الطبع على قطع الخشب كان معروفا عند أهل الصين قبل الميلاد بأحقاب عديدة، و كان أيضا معروفا في بلاد أوروبا عند الرهبان فكانوا ينقلون الكلام من ورقة إلى أخرى على الخشب إلا أن ذلك كان نادرا، أما استعمال هذه الحروف مصفوفة واحد بعد واحد فلم يعرف إلا في متأخر الزمن، أعني في القرن الرابع عشر للميلاد.

66

و قال بعضهم: أصل اختراع هذه الحروف أن شابا كان اسمه يوحنا غانسفليش و يعرف بفاننبورغ سافر مرة إلى استراسبورغ و كانت مشهورة يومئذ بأنها سوق الكتب فأخذ يفكر في إحداث طريقة لتكثيرها فخطر بباله تركيب حروف و تحليلها، ثم اجتمع برجل آخر فسبكاها و ذلك في سنة (1440 م) ثم أنشأ مطبعة و تفرق بعض من كان فيها فساروا إلى إيطاليا فاشتهرت هذه الصناعة فيها و ذلك سنة (1465 م) و بعد أربع سنين اشتهرت في باريس، و بعد سنة واحدة اشتهرت في أسبانيا، و بعد خمسين سنة عمّت في أوروبا، و في سنة (1637 م) صدر أمر من ديوان الإنكليز بأن لا يزيد عدد الطبّاعين على أربعة نفر و أنه بعد موت أحدهم لا يقوم آخر في محله إلا بإذن مطران كنتربوري، إلا أن هذا الحكم نسخ عند إثبات حقوق الأهلين و ذلك سنة (1693 م). و كانت الكتب تمتحن عندهم و ينظر فيها و تنتقد و في سنة (1795 م) بطلت هذه العادة أيضا و أمر بأن تطبع أسماء الطبّاعين في أوائل الكتب و أواخرها.

فأما طبع الجوائب أي الأخبار الطارئة فأول ما اشتهر منها كان في أكسفورد و ذلك سنة (1665 م) و كان ديوان الملك هناك لأجل الطاعون الذي وقع بلندرة، فلما عاد الملك إلى المدينة المذكورة سمى ذلك الجرنال «كازتة» و بقي هذا الإسم خاصا بجرنال الدولة فهو بمنزلة المونيتور في باريس، و أصل إسم الكازتة منقول عن قطعة من الفلوس تعرف بهذا الإسم في فينيسيا و ذلك أنه طبع فيها صحيفة تشتمل على أخبار مختلفة و كانت تباع بتلك القطعة فلزمها هذا الإسم.

و معنى الجرنال باللغة الفرنساوية يومي أو يومية، و كان اشتهاره في فرنسا سنة (1631 م) و في جرمانيا سنة (1715 م). و أول ما يصح أن يسمى بجرنال في بلاد الإنجليز من حيث اشتماله على أخبار عمومية هو ما طبع في سنة (1663 م). و في سنة (1851 م) بلغ عدد الجرنالات المطبوعة في لندرة مائة و تسعة و خمسين اشتملت على (891560) إعلانا، و بلغ عدد جرنالات إنكلترة كلها مائتين و اثنين و عشرين اشتملت من الإعلانات على أقل من تلك، و كان في سكوتلاند مائة و عشرة اشتملت على (249141) إعلانا، و في إرلاند مائة جرنال اشتملت على (236128) إعلانا، و الأداء على كل إعلان في جرنالات إنكلترة و سكوتلاند شلين و نصف يدفعها صاحب الجرنال للميري، و في إرلاند شلين واحد و على كل جرنال طابع ميري ثمنه يني واحد. ففي سنة (1850 م) بلغ عدد

67

الطوابع بإنكلترة (65741271) و في سكوتلاند (7243045) بسعر يني و (241264) بسعر نصف يني و في إرلاند (6302728) بسعر يني و (43358) بسعر نصف يني.

و وزن ما يطبع في إنكلترة من الجرنالات اليومية و الأسبوعية يبلغ نحو مائة و خمسين طنا، و في باريس فيها نحو ما في لندرة، و في أمريكا ثمانمائة جرنال منها خمسون تطبع في كل يوم، و أول جرنال اشتهر فيها كان في سنة (1719 م) و أول طبع بآلات البخار ظهر في مطبعة التميس و ذلك سنة (1814 م) و كانت الآلة المفردة تطبع على وجه واحد في كل ساعة ألفا و أربعمائة صحيفة و على الوجهين نحو تسعمائة، ثم اخترع مستر لتل آلة مزدوجة فكان يطبع بها في الساعة نحو اثني عشر ألف صحيفة. و في بلاد أمريكا آلة تطبع في الساعة عشرين ألف صحيفة ما بين جرنال و غيره، انتهى المنقول. و أنا أقول: إن جرنال دولة الإنكليز حين اشتهاره لم يكن يطبع فيه إلا أمور قليلة الجدوى كالقبض على بعض السرّاق، و قصاص بعض المذنبين، و نصب بعض المتوظفين مما لا يحتاج إلى أعمال الفكر في معان بديعة و عبارات بليغة و لا سيّما أن السجع في جميع اللغات الإفرنجية غير معروف في المنثور و هو و إن لم يكن قد زاد اليوم تحسينا و تنظيما إلا أنه لا يحسب من الجرنالات التي يتكلم فيها على السياسيات على وجه التعليل و المناظرة و ذلك كالتيمز، و الستاندرد، و الهرالد، و الدلي نيوز، و المورنن بوسط، و الستار و الصن و نحوها فإن هذه بلغت إلى أعلى درجات البراعة و البلاغة.

و من العادة عند هؤلاء المنشئين أن كل واحد منهم ينشئ مقالة أو أكثر على الأحوال الواقعة و بيني عليها قواعد تثبتها في المستقبل و يستشهد لها بالماضي و يسأل فيها و يجيب و يستحسن و يستقبح و ينصح و يشير حتى تخاله واعظا خطيبا أو شاعرا أديبا أو مؤرخا لبيبا حتى إن الجرنالات العامية لا بد و أن يكون فيها شي‏ء من ذلك قلّ أو كثر، و بغير هذا لا يكون مجرد النقل عن آخرين جرنالا فإن مجرد النقل و إن يكن دليلا على الذوق فغير دليل على البراعة. نعم إذا تميّز الجرنال بصفة تخصصه من تحري النقل و من الترجمة من لغات شتى كجرنال غالنياني مثلا فإن ذلك يكون شافعا في ترويجه شفاعة الإنشاء و البراعة غير أن الحكم في الغالب هو أن يكون صاحب الجرنال منشئا و ناقلا لا ناقلا فقط.

68

و في الجملة فينبغي أن تقر بفضل جوائبي الإنكليز على غيرهم من جميع الجوائبيين و سبب ذلك ثلاثة أمور:

أحدها: أنه لا تحريج عليهم فيما يرتأونه من الأمور السياسية و الأحكامية و غيرها، و ذلك من بعض قوانين بلادهم.

و الثاني: أن عندهم من يبلّغهم الأخبار من جميع أطراف الدنيا، فصاحب التيمس عنده كتّاب في كل مدينة مشهورة من مدن أوروبا و غيرها و كلهم مهرة في الكتابة و السياسة.

و الثالث: أن جوائب الإنكليز أفضل طبعا و ورقا من غيرها، أما جوائب الفرنسيين فإنهم و إن يكونوا من أصحاب البلاغة و البراعة إلا أن باعهم في السياسيات قصير بالنسبة إلى أولئك و ليس عندهم أيضا مبلغون للأخبار مثلهم، و لهذا جرت العادة عندهم بأن يجعلوا نصف الجرنال لحكايات و قصص من كتب مشهورة، و مثل هذا عند الإنكليز منكر و أنا أيضا أنكره فإن الجرنال غالبا ما يكون في ورق أكبر من ورق الكتب فلا يحسن أن يجعل منه كتاب و لا سيّما أن ورق الجرنالات الفرنساوية غير جيد فإذا علم هذا علم أيضا سبب إيثارنا النقل من جوائب الإنكليز على ما سواها و لا سيّما الفصول الطويلة التي تنبئ عن علائق الدول بعضها ببعض و عما يمكن الحدس فيه في المستقبل بالنظر إلى دوام صلتها و ارتفاعها و انخفاضها و ما بها من الداء و ما لها من الدواء فإن كثيرا من هؤلاء الكتّاب من أهل السياسة فضلا عن كونهم من أهل الدراية و الكياسة، و هذه الحوادث هي التي تعنونها بالحوادث الخارجية و هي في الحقيقة الأخبار السياسية و إن يكن حسبها بعض جهلة العرب من قبيل التاريخ لظنه أن الأخبار لا بد و أن تكون مؤدّاة بعبارة كان، و حدث، و جرى، و وقع و اتفق و نحو ذلك:

و كم من عائب قولا صحيحا* * * و آفته من الفهم السقيم‏

فأما الحوادث التي لا حدس فيها و لا أعمال نظير و هي من قبيل كان و صار و أخواتهما فهي التي اصطلحنا على تسميتها بحوادث شتى و لعلها تعجب من لا يتعمل لدقائق المعاني و تبحر الأفكار أكثر إلا أن نسبتها إلى تلك كنسبة فلك صغير إلى بارجة حيث مرفأ التحقيق عن راكبه في قاموس اليم سحيق و برّ اليقين و التعويل محجوب عن عين إدراكه بغياهب التقليل من التعليل. انتهى من الكتاب المذكور.

و هنا نذكر بعض المطابع الموجودة بمكة المشرفة فقط:

69

فمنها: مطبعة الحكومة و كان أول تأسيسها في عهد الأتراك سنة (1303) ألف و ثلاثمائة و ثلاثة تقريبا، و منها: المطبعة الماجدية، و منها: مطبعة الندوة، و منها: مطبعة قريش؛ و راجع ما ذكرناه عن المطابع في كتابنا «تاريخ القرآن و غرائب رسمه و حكمه» و في وقتنا هذا قد كثرت المطابع في المملكة العربية السعودية.

منع دخول الكفار الحرمين الشريفين‏

قال اللّه تعالى في سورة التوبة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏.

و قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «لأخرجن اليهود و النصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما» رواه مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، و في صحيح مسلم في كتاب الجهاد و السير في باب إجلاء اليهود من الحجاز أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أجلى اليهود من المدينة لم نذكر هنا خوف التطويل.

نزلت هذه الآية بل سورة التوبة كلها عام تسعة من الهجرة و كان علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ينادي في الموسم الذي أعقب نزول هذه الآية الشريفة التي هي القانون المعتبر الصارم و الأمر المطاع الحازم: «ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك». و كان المراد بذلك منع المشركين من الحج و عدم دخولهم البلد الحرام لأنه لا تؤمن غوائلهم من إيقاعهم الفتنة و الشقاق بين قبائل العرب المسلمين، و لا شك أن هذه سياسة نبوية في غاية الحكمة و نظرة دينية في غاية الدقة نرى فوائدها إلى يومنا هذا و قد مضى على ابتداء هذا المنع الشرعي أربعة عشر قرنا.

فقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ‏ بفتح النون و الجيم في القراءة السبعية و فيه لغات أخرى ككتف و عضد و المعنى أنهم نجس نجاسة معنوية لا حسية، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما أعيانهم نجسة كالكلاب و الخنازير، و قال الحسن (رحمه اللّه تعالى) من صافح مشركا توضأ، لكن أهل المذاهب على خلاف هذين القولين فإنهم طاهرون لدخولهم في آية وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ‏.

70

و قوله تعالى: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا هذا نهي للمسلمين عن تمكين المشركين من دخول الحرم، قال العلماء: و جملة بلاد الإسلام في حق الكفار على قسمين:

أحدها: الحرم فلا يجوز للكافر أن يدخله بحال، ذميا كان أو مستأمنا لظاهر هذه الآية و إذا جاء رسول من دار الكفر إلى الإمام و الإمام في الحرم لا يأذن له في دخول الحرم بل يخرج إليه الإمام أو يبعث إليم من يسمع رسالته خارج الحرم و جوّز أبو حنيفة و أهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم.

و القسم الثاني: سائر بلاد الإسلام فيجوز للكافر أن يقيم فيها بذمة أو أمان لكن لا يدخل المساجد إلا بإذن مسل لحاجة. انتهى.

و في صحيح مسلم في آخر كتاب الوصية عند حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: اشتد برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي فتنازعوا و ما ينبغي عند نبي تنازع و قالوا: ما شأنه اهجر، استفهموه. قال:

دعوني فالذي أنا فيه خير، أوصيكم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب و أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، قال: و سكت عن الثالثة أو قال فأنسيتها.

قال أبو إسحاق إبراهيم حدثنا الحسن بن بشر قال حدثنا سفيان بهذا الحديث.

انتهى.

أسماء من دخل مكة المشرفة من الإفرنج‏

قال صاحب كتاب الرحلة الحجازية: لما مات رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ارتدت العرب في أطراف الجزيرة بعد عشرة أيام من بيعة أبي بكر رضي اللّه عنه و ذلك بتأثير المشركين منهم حتى بلغ من أمر هؤلاء أن ادعى النبوة منهم طليحة في الشمال، و لهيعة في اليمن، و مسيلمة الكذاب باليمامة، و قام غيرهم بالدعوة لنفسه في وسط البلاد. هنالك استنفر أبو بكر المسلمين إلى قتال أهل الردة و بعث إليهم أحد عشر لواء و أمرهم أن يحاربوهم و لا يقبلوا منهم غير الإسلام فساروا و أبلوا في قتالهم بلاء حسنا و خصوصا جيش خالد بن الوليد الذي كان له الفضل الأكبر في رجوع الناس إلى الإسلام.

و بعد وفاة أبي بكر سار عمر على طريقه في تطهير بلاد العرب ممن كان على غير دين الإسلام و سار على سننه من أتى بعده من الخلفاء إلى اليوم لذلك ترى‏

71

الآن أهل الحرمين أنفسهم يبالغون في مراقبة الأجانب الذين يفدون إلى بلادهم فلا يتعدى جدة و ينبع و صنعاء جنوبا و محطة العلا شمالا أحد من الأجانب بالمرة و إن فعل فما هو إلا مورط نفسه إلى حتفه من أهل البلاد و لذلك فإن الأجانب من عمال السكة الحديدية ما كانوا يغادرون هذه المحطة لجهة الجنوب و لو لضرورة.

أما أفراد الفرنجة الذين قصدوا مكة أو المدينة في أزمنة مختلفة و كتبوا عنهما ما كتبوا على حسب نزعاتهم سياسية أو دينية أو عمرانية أو جغرافية إنما كانوا يتزيّون بزي المسلمين بعد أن يعرفوا اللغة العربية و يدّعون أنهم على الدين الإسلامي و نخص بالذكر منهم بوركات السويسري و بورتون الإنكليزي و هورجرنج الهولاندي و كورتلمون الفرنساوي اه. و قال صاحب الكتاب المذكور في موضع آخر: و في سنة (1311) ساق الإنكليز مراكبهم مرة أخرى إلى مياه ثغر جدة عندما قتل الأعراب وكيل القنصل الإنكليزي و جرحوا وكيلي القنصل الفرنساوي و الروسي و كانوا تجاوزوا الحد المضروب لهم خارج البلد، و كلهم مسلمون من الأهالي الذين لم يحسنوا سيرتهم مع إخوانهم من مواطنيهم ارتكازا على الحماية الأجنبية فحضر الشريف عون من مكة لهذا الأمر الذي انتهى بالصلح و سفر المراكب من غير ضرب اه.

قال الغازي في تاريخه: و في سنة ألف و ثمان و تسعين أعطيت ولاية جدة و مشيخة الحرم لمحمد بيك و ذلك بعد عزل أحمد باشا، ففي السادس و العشرين من شعبان وصل جدة فدخل مكة و استمر إلى أوائل رمضان ثم نزل جدة و كان من أحسن ما فعل النداء بجدة أن لا يسكنها نصراني و كان بها عدة منهم فخرجوا منها و شدد في التفتيش عليهم حتى أسلم بعضهم و سافر الآخرون إلى ينبع و هذه غيرة إسلامية، فإن دخولهم جزيرة العرب مما ابتليت به هذه الأمة بسبب أحمد باشا، ذكره في منائح الكرم اه. و فيه أيضا أنه في سنة (578) ثمان و سبعين و خمسمائة نحر بمنى كما تنحر الإبل رجلان من الإفرنج و هما من الإفرنج الذين توجهوا إلى المدينة النبوية اه.

و جاء فيه أيضا نقلا عن الجامع اللطيف: يروى أن رجلا يهوديا أو نصرانيا كان بمكة يقال له جريج فأسلم، فقد مقام إبراهيم ذات ليلة فوجد عنده أراد أن يخرجه إلى ملك الروم فأخذ منه و قتل اه.

72

و جاء في تاريخ الغازي أيضا عن سيل الجحاف الذي كان في سنة ثمانين للهجرة في خلافة عبد الملك بن مروان و الذي دخل المسجد الحرام و أحاط بالكعبة و جاءه دفعة واحدة و هدم الدور الشارعة على الوادي و دخل الوادي و قتل الهدم ناسا كثيرا و رقي الناس في الجبال و اعتصموا بها فسمي بذلك سيل الجحاف، فكتبوا في ذلك إلى عبد الملك بن مروان ففزع لذلك و بعث بمال عظيم إلى عامله على مكة عبد اللّه بن سفيان المخزومي، و يقال: بل كان عامله الحارث بن خالد المخزومي يأمره بعمل ضفاير للدور الشارعة على الوادي للناس من المال الذي بعث به و عمل ردم على أفواه السكك يحصّن بها دور الناس من السيول.

و بعث رجلا نصرانيا مهندسا في عمل ضفاير المسجد الحرام و ضفاير الدور في جنبتي الوادي، قال: فأمر عامله بالصخر العظام فنقلت على العجل و حفر الأرباض دون دور الناس فبناها و أحكمها من المال الذي بعث به، قالوا: و كانت الإبل و الثيران تجرّ تلك العجل حتى ربما أنفق في المسكن الصغير لبعض الناس مثل ثمنه مرارا. اه.

و بمناسبة أن عبد الملك بن مروان بعث إلى مكة المشرفة رجلا نصرانيا مهندسا لعمل ضفاير المسجد الحرام، أورد الغازي في تاريخه ذكر من أتى إلى مكة و المدينة من الإفرنج ناقلا عن أحمد زكي باشا الملقب «بشيخ العروبة» فقال: و رأيت مقالة الشيخ أحمد زكي باشا سكرتير مجلس الوزراء (أي المصري) في ذكر من زار مكة و المدينة من نصارى الإفرنج و لا بأس بذكرها هنا لمناسبة المقام و هذا نصها: قد تمكن أفراد طائفة من الإفرنج من دخول الحجاز بل من زيارة البقاع المقدسة و الأماكن المطهرة ولكنهم لم يكتبوا عنها بالمرة أو إن كانوا كتبوا فمن باب الاستطراد. و من هذه الفئة:

أولا: الثلاثة النصارى الذين رآهم نيبور في مكة فقد روي أن ملّاحا إنجليزيا توجه إليها في عام (1175) هجرية قاصدا أوروبا عن طريق القسطنطينية، و أن رجلا آخر أتى اليمن عن طريق مكة و ركب البحر سرا إلى بلاد الهند، و أن جرّاحا فرنسيا ذهب إلى مكة لمعالجة أمير الحج بعد أن أعطاه القوم الأمان على نفسه و على دينه ولكنهم اضطروه في أثناء الطريق إلى الدخول في الإسلام.

73

ثانيا: توماس كيبت و هو عسكري أسكتلندي أسره المصريون في محاربة الإنجليز مع محمد علي الأكبر بمدينة الإسكندرية (1232) ثم أسلم و انتهى أمره أن صار واليا على المدينة المنورة ثم قتل في محاربة الوهابيين.

ثالثا: طبّال إنجليزي في الجيش الذي حارب محمد علي بالإسكندرية أيضا فقد أسره المصريون و دخل في الإسلام باسم عثمان و تمكن بدهائه من الاستحواذ على كل أموال سيده المسلم، و كان يجتهد في التوفيق بين التوراة و الإنجيل و القرآن.

رابعا: الكابتن جورج فورستر سادلير ذهب إلى المدينة في (1235) رسولا إلى إبراهيم باشا القائد المصري، و امتاز على كل ما عداه من الأوروبيين الذين دخلوا الحجاز بأنه بقي محافظا على زيّه الإفرنجي ولكنه لم يقترب من أسوار المدينة، أرسلته شركة الهند الشرقية ليهنئ البطل المصري على انتصاراته و يعرض عليه مساعدة المراكب الإنجليزية، ثم عاد عن ينبع و هو أول أوروبي اجتاز شبه جزيرة العرب من الشرق إلى الغرب.

خامسا: برتو لوتش الذي كان قنصلا بمصر لدولة السويد فقد ذكر يشار برتني أنه أول أوروبي زار مكة دون أن يرتد عن دينه ولكنه عندما وصلها تملّكه الجزع و الهلع فلم يتملك من الدرس و البحث.

سادسا: الإنجليزي تنث الذي قال ملتزان عنه أنه ذهب إلى مكة (1228) هجري باسم الحاج عبد الواحد.

سابعا: فراتي الطلياني الذي لقي في سفره من الأهوال ما لا يوصف و في آخر الأمر ادّعى الإسلام و تردد كثيرا بين مكة و المدينة و جمع له المسلمون إعانة تاجر بها فأصبح من ذوي اليسار و مشاهير التجار.

ثامنا: دوتي الإنجليزي فقد كتب رحلته في الحجاز و ما لاقاه من المشاق و لم يزر أحد الحرمين بل سيق إلى الطائف و إلى جدة في خطب طويل.

تاسعا: في سنة (1300) هجرية تمكن الدكتور المورسلي الفرنسي من الحج و قد كان مقيما في الجزائر و هو من الأوروبيين الذين تمكنوا كل التمكن من زيارة الكعبة المعظمة و هو قد أسلم إسلاما خالصا لا يعتوره أدنى ريب.

عاشرا: و لا ننسى شارل هوبر فقد اقترب كثيرا من مكة عند عودته من الحائل (1302) و شاهد الحرم و جباله عن بعد ثم تمكن بفضل مساعي خادمه من النجاة

74

إلى جدة و هو مدفون بها و قبره موجود إلى الآن في جبانتها و قد صوره كور تلمون بالفتوغرافية و طبعه في رحلته.

قال: و هناك طائفة أخرى من الإفرنج المستقلين المتظاهرين بالإسلام قد كتبوا كثيرا أو قليلا عن الحرمين الشريفين و دوّنوا ما شاهدوه في موسم الحج و ما وصلوا إليه من المعلومات الصادقة أو البعيدة عن الحق، و إليك بيانهم بحسب ترتيبهم التاريخي دون الشرح و التفصيل:

فأولهم: حامل رايتهم هو الطلياني باريتما فهو فاتح هذا الباب لكل من أتى بعده من الأفراد و كانت زيارته للحرمين في سنة (908) هجري في أيام السلطان قانصوه الغوري و تسمى باسم يونس.

الثاني: الفرنسي فنسان لبلان في (968).

الثالث: الألماني بوهان ويلد في سنة (1016 ه).

الرابع: الإنجليزي جوزيف بتس في سنة (1019) هجري.

الخامس: الإسباني باديا إلى لبيش في (1222 ه) باسم علي بك العباسي و تحصّل على شهادة بأنه من الأشراف و سلالة العباسيين.

السادس: الألماني أولريخ جاسبار سيتزن في (1227) هجري.

السابع: السويسري جون سود ويج بركرت في (1230) باسم الشيخ حاج إبراهيم. و ذكر الريحاني أيضا في تاريخ نجد دخول هؤلاء الثلاثة (أي باديا و أولريخ و بركرت) فقال: إن ثلاثة من العلماء المستشرقين المستعربين دخلوا مكة يوم كان الوهابيون مستولين عليها، أول هؤلاء رجل إسباني اسمه دومنفوبا ديا أي لبلخ، انتحل إسما و نسبا و دينا عربيا و جاء من قادش عن طريق الجزائر إلى الحجاز هو علي بك العباسي الأمير المكرّم و العالم المحترم رسول بونابرت إلى البلاد العربية.

أجل قد جاء حاجا مستكشفا فنزل في جدة تحف به الخدم و الحشم و سار إلى مكة المكرمة محرما مثل من جاءها من أهل نجد فدخلها في 23 يناير (1807) 14 ذي القعدة (1221) و قد شاهد جموع الوهابيين و حج معهم و اعتمر و كان في ظاهره عربيا قحا و مسلما حقا لا تعيبه كلمة بقوله و لا تخوز فعلة أو إشارة فما شك أحد في دينه أو في نسبه. و قد اجتمع علي بك بالشريف غالب فقال إنه في العقد الرابع من العمر و أنه على جهله ذو حصافة و دهاء. رآه لأول مرة و هو يدخن النارجيلة

75

التي كانت محجوبة خوفا من الوهابيين فلم ير السائح الأوروبي غير النبريج الذي كان يتصل من خرق في الحائط بالنارجيلة وراءه في الغرفة المجاورة للمجلس، و العباسي كان هذا عالما يحمل في حقائبه أدوات للرصد و المساحة فاستخدمها في مكة و جوارها دون أن يعترضه أحد من الناس بل كان محترما من الجميع. و قد حاز فوق ذلك شرفا لم يحزه سواه من المستشرقين و لا يحوزه إلا الأفراد القلائل من المسلمين ألا و هو شرف كناسة الكعبة ولكنه على ما يظهر لم يفلح حتى النهاية في تنكره، فعندما قصد إلى المدينة زائرا صدّه الوهابيون فعاد إلى ينبع و منها إلى مصر فباريس حيث اجتمع بنابليون و عيّن في حاشية أخيه يوسف بونابرت. و قد عاد علي بك إلى الشرق في سنة (1818) ميلادية فسافر من دمشق ليرحل رحلة ثانية في البلاد العربية ولكنه و هو لا يزال في أول الطريق أصيب بالدوزنطارية فمات في المزاريب.

و من هؤلاء العالم الألماني أولريخ زتسن الذي قضى عشرين سنة يدرس و يتأهب لرحلته في الشرق فجاء سوريا سنة (1805) ميلادية و أقام في الشرق الأدنى بضع سنين ثم سافر إلى الحجاز في زي درويش اسمه الحاج موسى فدخل مكة حاجا (1810) ميلادية و ارتحل منها إلى اليمن فزار صنعاء و نزل إلى عدن.

قد كان في نية زتسن أن يجتاز شبه الجزيرة إلى الخليج ليسوح في الشرق الأوسط، فعاد من عدن و وجهته الجبال و لكن عند مروره بتعز اعترضه بعض الناس و قد أرابهم أمره فقتلوه.

الثالث: من المستشرقين الذين ساحوا في الحجاز السويسري المشهور بركهارت المسمى بالحاج عبد اللّه جاء الحجاز عندما كان محمد علي باشا هناك فنزل في جدة في 15 تموز (1814) ميلادية و سار منها إلى الطائف ثم دخل مكة المكرمة في 19 رمضان (1230) هجري، 4 أغسطس (1814) ميلادية بعد استئذان صديقه العظيم و هو يومئذ سيد الحرمين فحج مع من حجوا في ذاك العام و أقام في مكة ثلاثة أشهر ثم سافر إلى المدينة فأدى الزيارة في أبريل (1815) ميلادية يوم كان محمد علي باشا هناك ولكنه مرض في المدينة فعاد إلى القاهرة في ربيع ذاك العام و توفي فيها. كان بركهارت في قيافته و في إسلامه محترما موقرا يصف نعمة يتبجح لها: (ما شعرت في مكان آخر بمثل الطمأنينة التي كنت أشعر بها و أنا في مكة) قاله الشيخ أحمد زكي باشا.

76

الثامن: الطلياني جوفاني فيناني في (1230) هجري باسم الحاج محمد.

التاسع: ليون روش في (1257 ه) باسم الحاج عمر.

العاشر: الفرنسي ده كوريه في (1257) هجري باسم الحاج عبد الحميد بك.

الحادي عشر: الفنلندي جورج أغسطوس والين في (1261) هجري باسم ولي الدين.

الثاني عشر: الإنجليزي سير ريشار برتن في (1269) هجري باسم الحاج عبد اللّه.

الثالث عشر: الألماني هنريش فريهرفون مالتزان في (1276) هجري باسم سيدي عبد الرحمن.

الرابع عشر: الإنجليزي هرمان بيكنل في (1278) هجري باسم الحاج عبد الواحد.

الخامس عشر: الإنجليزي جون و يركين في (1294) باسم الحاج محمد أمين.

السادس عشر: الهولندي كرستان سنوك هرجونجي في (1303) باسم عبد الغفار، و هو صديقي و من كبار المستشرقين و لا يزال موجودا إلى الآن.

السابع عشر: الفرنسي خرفي كور تلمون في (1311) هجري باسم الحاج عبد اللّه، و قد تعرف بي عند رجوعه إلى القاهرة و تفاوضنا الحديث كثيرا و لا يزال بقيد الحياة.

الثامن عشر: السويسري الدكتور هيس في (1328) هجري، و لا يزال باقيا إلى الآن ينفع بعلمه الواسع خصوصا فيما يتعلق ببلاد العرب و أهلها، و هو من أعز أصدقائي و من كبار المستشرقين و هو آخر من دخل الحجاز من الإفرنج. انتهى ما ذكره الشيخ أحمد زكي باشا. و في الرحلة الحجازية لمحمد لبيب: أما أفراد الفرنجة الذين قصدوا مكة أو المدينة في أزمنة مختلفة و كتبوا على حسب نزعاتهم سياسية أو دينية أو عمرانية أو جغرافية إنما كانوا يتزيون بزي المسلمين بعد أن يعرفوا اللغة العربية و يدّعون أنهم على الدين الإسلامي و نخص بالذكر منهم بوركات السويسري، و بورتون الإنكليزي، و هور جريج الهولندي، و كورتلمون الفرنساوي، و أولهم هو أسبقهم إلى التورط بنفسه في بلاد العرب و بوركات‏

77

سويسري الجنس بوزاني المولد وفد إلى مصر و دخل الأزهر بعد أن ادّعى الإسلامية و سمى نفسه إبراهيم المهدي و تعلم فيه العربية ثم سافر إلى بلاد العرب و أقام بها نحو سبع سنين و كتب عنها كتابه الذي هو أحسن ما كتبه الفرنجة خصوصا في صفة بلاد العرب و قبائلها. و مات في مصر على زيه الإسلامي.

و في المجلد الأول من مجلة المنار في صفحة (783) و في (1809) ميلادية تمكن الفرنساوي روش و كان مترجما عند الأمير عبد القادر الجزائري من الدخول بصفة زي عربي إلى مكة المكرمة حيث حظي بلقيا و حفاوة شريفها سيدي محمد بن عون و أعلمه أنه وافد من قبل الأمير ليحصل على التصديق من علماء العرب على فتوى أفتاها علماء مصر و القيروان. و سافر من مكة للطائف، ولدى عودته إلى مكة حضر جمع الحج الشريف و لكن دل عليه بعض الحجاج الجزائريين فكشفوا خبره و فضحوا أمره و قبضوا عليه و ساقوه إلى السجن و الناس حوله تحاول الفتك به فسلّمه شريف مكة كتاب أمان و بعض نقود يستعين بها على سفره، و أشخصه إلى جدة. و في (1813 م أو 1815) احتال السائح السويسري بورك هادو حتى دخل مكة و المدينة و رجع مستمدا ببعض معلومات عن حالة البلاد الجغرافية و عن أهاليها و تظاهر في آخر أمره بالإسلام و عليه مات و قبره بمصر و اسمه عليه هكذا:

(عبد اللّه بوركهارد) و مشهور عند العامة باسم الشيخ بركات. انتهى كل ذلك من تاريخ الغازي.

و منهم: السويسري يوهان لودفيج بوركهارت المولود في لوزان و هو من فضلاء المستشرقين و قد طاف بكثير من البلدان العربية و قد أسلم بإخلاص و أتى مكة للحج و زار المدينة المنورة و قضى بالحجاز شهورا و ألّف كثيرا من الكتب المهمة ثم أقام في القاهرة من سنة (1814) ميلادية و مات و دفن بها، و قد ذكره الجبرتي باسم الشيخ إبراهيم الإنجليزي.

و منهم: المسيو «إتيان دينه» الإفرنسي فلقد أسلم بإخلاص و حسن إسلامه و حج في سنة (1347 ه) ألف و ثلاثمائة و سبع و أربعين هجرية، و ألّف كتابا قيما عن حجته إلى البيت الحرام و كتابا آخر عن حياة النبي (صلى الله عليه و سلم) أجاد فيه و أبدع بقوة حجته، و من بدائع تآليفه كتابه المسمى «إنك لفي واد و أنا لفي واد» رد فيه على من تنقص الإسلام و الرسول (صلى الله عليه و سلم) كأمثال لامنس اليسوعي و غيره، فلقد بيّن فساد طريقة هؤلاء الأوروبيين الذين حاولوا أن يحللوا السيرة المحمدية و تاريخ ظهور

78

الإسلام بحسب العقلية الأوروبية فضلوا بذلك ضلالا بعيدا لأن هذا غير هذا و لأن المنطق الأوروبي لا يمكن أن يأتي بنتائج صحيحة في تاريخ الأنبياء الشرقيين عليهم الصلاة و السلام، إلى آخر ما ذكر عن المسيو «اتيان دينه» الإفرنسي الأمير شكيب أرسلان (رحمه اللّه تعالى) في تعليقاته و حواشيه على الكتاب القيم الفريد «حاضر العالم الإسلامي».

و منهم: المستر عبد اللّه فلبي الإنجليزي حضر من بلاده في زمن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بعدما حكم الحجاز (رحمه اللّه تعالى) سنة (1343 ه) فلازم عبد اللّه فلبي جلالة الملك عبد العزيز و أظهر له ولاءه و خدماته كما أظهر إسلامه و أتى الحرمين و أقام بمكة كثيرا و ساح في أطراف المملكة السعودية، ثم ظهرت منه بوادر الخيانة و المكر فأخرجه الملك عبد العزيز من المملكة فسافر إلى بلاده إنكلترا و ارتدّ عن الإسلام و ألّف كتبا عن أحوال المملكة السعودية.

و إن شاء اللّه تعالى نكتب نبذة صغيرة في أول الفصل و نقول: إن المستشرقين لا يقصدون من الوصول إلى الأماكن المقدسة إلا للوقوف على عادات أهلها و النيل من كرامة الدين الإسلامي الحنيف بالكذب و الزور و ليخدموا بلادهم و حكوماتهم الإفرنجية ليستولوا على خيرات البلاد الإسلامية ... إلخ.

فممن وصلوا إلى مكة المكرمة: العالم السويسري ليدريكك بركهارد فإنه سمى نفسه إبراهيم عبد اللّه و تزيا بزي المسلمين و دخل مكة و المدينة و وصف موسم الحج وصفا بارعا و كتب مؤلفه (في البلاد العربية) و نشره في لندن و ألمانيا عام (1829) ميلادي.

و منهم: الرحّالة الألماني فون مالترن، فلقد وصل إلى الحرمين و تزيا بزي الحجاج المغاربة و طبع رحلته في ليبسك بألمانيا سنة (1865) ميلادية.

و منهم: السير ريشارد برتن، فقد زار الحرمين و تزيا بزي المسلمين و سمى نفسه عبد اللّه و كتب مؤلفا سماه (مكة و المدينة) نشره في لندن سنة (1857) ميلادية في مجلدين مصورين.

و منهم: سنوك هرغرونيه الهولندي فقد وصل الحرمين و وصف الحياة في الحجاز و موسم الحج في سنة (1885) ميلادية.

79

و منهم: سائح إسباني تظاهر بالإسلام و سمى نفسه علي بك العباسي و دخل الكعبة المشرفة.

و منهم: المستشرق النمساوي الذي أعلن إسلامه في سنة (1926) ميلادية و سمى نفسه محمد أسد، فقد أتى الحجاز و زار البيت الحرام و درس القرآن الكريم و قضى في الحجاز خمس سنوات و ألّف كتابا اسمه: «الطريق إلى مكة» و كتابا آخر اسمه: «الإسلام على مفترق الطرق»، و هذا الرجل ربما أسلم عن يقين و حسن إسلامه.

هذا و لم نبحث في وقتنا الحاضر عمن دخل من الكفار و الإفرنج إلى الحرمين الشريفين لكن سمعنا أن بعضهم قد أظهر الإسلام و أظهره في بعض المحاكم الشرعية بالمملكة العربية السعودية و اللّه تعالى أعلم بنياتهم هل هي حسنة أم خديعة.

بعض الكفار الذين دخلوا مكة للعمل بها بإذن الحاكم الشرعي‏

ذكرنا في هذا الكتاب حكم دخول الكفار إلى الحرم و مكة و ما جاء هنا في هذا الفصل من دخول بعضهم إلى مكة كالنصراني الذي بعثه عبد الملك بن مروان لعمل الضفاير لرد السيل، و كأبي بحر المجوسي النجار الذس استقدمه عيسى بن علي بن عبد اللّه بن عباس، و كالعملة من الفرس الذين استحضرهم ابن الزبير رضي اللّه عنهما لبناء الكعبة «إن صحت الرواية».

إنما كان دخول هؤلاء إلى مكة بإذن من ولي الأمر و لضرورة المصلحة التي اقتضت ذلك و قد فوض الشرع الشريف لولي الأمر فقط في بعض الأمور التصرف فيها حسبما تقتضيه المصلحة، فأحيانا تكون بعض الأمور الممنوعة جائزة عند الضرورة و مقتضيات الأحوال، ففرق بين دخول الكافر إلى مكة و الحرم بإذن الحاكم و للقيام بمصلحة خاصة ليس في المسلمين من يمكنه القيام بها و بين دخوله بدون إذن و بدون مصلحة مبررة، و إليك قصة بعض من دخل مكة للعمل بها بإذن ولي الأمر:

قال البتنوني في كتابه «الرحلة الحجازية» بصحيفة (105): ورد في كتاب الأغاني من أن ابن سريح سئل عمن تعلّم الغناء على القاعدة التي كان يغني عليها

80

مع أنها ما كانت معروفة عند العرب. فقال: إنه تعلّمها من عملة من الفرس، كان ابن الزبير استحضرهم لبناء الكعبة و كانوا يتغنون بأغنية لطيفة فأخذها عنهم و أضاف نغماتها على النغمات العربية و غنى بها. انتهى من الرحلة الحجازية للبتنوني.

نقول: لم نر هذا الخبر بأن ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما استحضر عملة من الفرس لبناء الكعبة سنة (64) من الهجرة في غير كتاب الرحلة الحجازية من التواريخ، فإن كان هذا الخبر له أصل من الصحة في كتاب الأغاني أو غيره فإننا نفسّر معنى ذلك أن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما إنما استحضر من عملة الفرس من كان مسلما أو أنه لم يجد من يقوم ببناء الكعبة على الوجه الأكمل غيرهم و الضرورات تبيح المحظورات و اللّه تعالى أعلم.

و جاء في تاريخ الإمام الأزرقي عند الكلام على «سيل الجحاف» الذي كان بمكة في سنة ثمانين من الهجرة في خلافة عبد الملك بن مروان، و قد جاء صبح يوم التروية، أي ثامن ذي الحجة بالغبش قبل صلاة الصبح و قد كان الحجاج آمنين نزلوا في وادي مكة فذهب بهم و بمتاعهم و دخل المسجد الحرام و أحاط بالكعبة و جاء دفعة واحدة و هدم الدور و الشوارع على الوادي، و قتل الهدم ناسا كثيرا ورقى الناس في الجبال و اعتصموا بها فكتبوا ذلك إلى عبد الملك بن مروان ففزع لذلك و بعث بمال عظيم و كتب إلى عامله يأمره بعمل ضفاير للدور الشارعة على الوادي للناس من المال الذي بعث به و بعمل ردم على أفواه السكك لتحصين دور الناس من السيول، و بعث رجلا نصرانيا مهندسا في عمل ذلك. و عمل ضفاير المسجد الحرام و ضفاير الدور في جنبتي الوادي. انتهى باختصار من الأزرقي.

و معنى الضفاير البناء بالحجازة بدون طين و لا نورة أي ما يشبه الرضم لكن على صفة مخصوصة لرد السيول على الدور و المسجد الحرام.

و قال الغازي في تاريخه في الجزء الأول بصحيفة (627) ما نصه:

و في سنة مائة و ستين هجرية قدم عيسى بن علي بن عبد اللّه بن عباس من العراق إلى مكة بأبي بحر المجوسي النجار فعمل له سقوفا في داره التي عند المروة و باب داره التي يقال له دار مخرمة، فعمل أبو بحر قبة ساج خارجها أخضر و داخلها أصفر. انتهى من الغازي.

81

نقول: إن ما ذكره الغازي من أن عيسى بن علي بن عبد اللّه بن عباس جاء بأبي بحر المجوسي النجار لعمل أبواب داره التي عند المروة و عمل سقوفها قد ذكره أيضا الإمام الأزرقي في تاريخه عند الكلام على «صفة قبة زمزم و حوضها و ذرعها» فإنه (رحمه اللّه تعالى) بعد أن ذكر ذرعها و حوضها قال: و حول هذا الحوض اثنتا عشرة أسطوانة ساج طول كل أسطوانة أربعة أذرع و ما بين حد الأساطين و وجه زمزم أربعة عشر ذراعا و فوق الأساطين حجرة ساج طولها في السماء ذراعان، و على الحجرة قبة ساج خارجها أخضر و داخلها أصفر و طول القبة من وسطها من داخل أربعة عشر ذراعا، و كانت هذه القبة عملها المهدي في خلافته سنة (160) ستين و مائة، عملها أبو بحر المجوسي النجار الذي كان جاء به عيسى بن علي بن عبد اللّه بن عباس من العراق يعمل أبواب داره التي على المروة يقال لها دار مخرمة و يعمل سقوفها في سنة ستين و مائة ... إلخ. انتهى من الأزرقي.

و لقد سمعنا سماعا متواترا: أنه في موسم حج سنة (1384) ألف و ثلاثمائة و أربع و ثمانين هجرية قدم إلى مكة المكرمة للحج أربعة من الإفرنج كانوا قد دخلوا في دين الإسلام و نزلوا في الفنادق بمكة المشرفة أحدهم من إنكلترا، و الثاني من فرنسا، و الثالث من ألمانيا، و الرابع من سويسرا و اللّه تعالى أعلم هل هم صادقون في إسلامهم أم إنهم يتظاهرون بذلك لرؤية الحرمين الشريفين و الكتابة عنهما. على كل حال نحن لنا الظاهر و اللّه يتولى السرائر.

لطيفة و من اللطائف المناسبة لهذا المبحث الطريف: ما حكاه لنا صديقنا العزيز سعادة السيد أحمد هاشم مجاهد وكيل وزارة الحج و الأوقاف بمكة المكرمة.

فلقد أخبرنا أنه لما كان في جدة في شهر ذي القعدة عام (1384 ه) حضر إلى مكتبه أحد محرري الصحف الأجنبية من الإفرنج لأخذ بعض المعلومات من سعادته عن الحج و الحجاج، فلما انتهى الصحفي الإفرنجي من مهمته قال لسعادته:

لا أدري لماذا يمنع المسلمون الإفرنج من دخول مكة المكرمة أو المدينة المنورة، إن هذا لتعصب شديد، بينما المسيحيون لا يمنعون المسلمين من دخولهم في الكنائس؟

فأجاب سعادة السيد أحمد مجاهد: إن ذلك يرجع لأمرين أساسيين:

82

الأول: أن المسلمين يؤمنون بسيدنا موسى و سيدنا عيسى عليهما الصلاة السلام و يحبونهما و يحترمونهما كباقي الأنبياء (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين) فلا معنى إذن من منعهم دخول كنائسهم لرؤيتها، و أما اليهود و النصارى من الإفرنج فإنهم لا يؤمنون بنبينا و سيدنا «محمد» (صلى الله عليه و سلم) فلا معنى إذن أن يدخلوا إلى الحرمين الشريفين الطاهرين المقدسين لأن مكة المكرمة هي بلد اللّه الأمين و أن المدينة المنورة هي بلد رسوله (صلى الله عليه و سلم) فلا يدخل فيهما إلا من كان يؤمن باللّه و ملائكته و بجميع كتبه و رسله.

و الثاني: أن منع دخول الكفار إلى الحرم لم يكن من تعصب المسلمين بل هو من أمر اللّه عز و جل و من أمر نبينا «محمد» (صلى الله عليه و سلم) منذ ظهور الإسلام فلذلك لا يمكن لجميع المسلمين أن يتساهلوا في هذا الأمر مطلقا، مع العلم بأن الكفار ليسوا ممنوعين من دخول المسجد الحرام بمكة أو المسجد النبوي بالمدينة فقط و إنما هم ممنوعون أيضا من الاقتراب من نفس البلدتين الطاهرتين، أي إذا وصلوا إلى حدود الحرم منهما منعوا من الوصول إلى أطراف الحرم، و المسافة بين أول حد الحرم و نفس البلدة نحو عشرين كيلومترا تقريبا. هذا هو السبب الأساسي لمنع الكفار من دخول الحرمين الشريفين.

كيفية استقاء الماء قديما و حديثا

هذا المبحث نكتبه لبيان كيفية استقاء الناس الماء قديما و حديثا. أما الإستقاء من نحو البئر أي من كل ما هو بعيد الغور فإنه يكون بمختلف الوسائل كالدلاء النتخذ من الجلد و أنواع المواعين و كالسطل المسمى بمصر «الجردل» و التنكة المسماة بمصر «الصفيحة».

فيدلى مثل هذه الأشياء بالرشاء «بكسر الراء» و هو الحبل و جمعه أرشية إلى نحو البئر ثم يجذب منها و قد امتلأ بالماء، و الجذب يكون إما باليد و إما بالبكرة المثبتة على خشبة معترضة فوق البئر، و قد تجذب الدلاء بالبكرة بواسطة البقر أو الإبل إذا كانت كبيرة لا يحتمل جذبها الإنسان.

أما إذا كان الماء في مستوى الأرض كالنهر و الحوض الممتلئ فإنه يؤخذ بالمواعين كالقدور و الكيزان و الصفائح.

83

هذه الحالة معروفة من قديم الأزمان و لا تزال إلى الآن و هي الحالة الطبيعية المعقولة قبل أن تبتكر الآلات الرافعة للماء.

و أما حمل الماء إلى المنازل و البيوت فقد كان ذلك بواسطة القرب الجلدية في جميع الأقطار و البلدان من قديم الأزمان، و في القرب أيضا كان يوضع السمن و العسل و نحوهما لأنها متخذة من جلد الحيوانات و هي حالة بدائية طبيعية.

ثم إن حمل قرب الماء إلى الدور كان إما بواسطة الإنسان يحمل قربة على ظهره فيفرغها حيث يشاء كما هو الحال بالحجاز و مصر و غيرهما إلى اليوم، و قد ورد ذلك في سنن النسائي عن ابن مسعود: كان النبي (صلى الله عليه و سلم) يأمرنا بالصدقة فما يجد أحدنا ما يتصدق به حتى ينطلق إلى السوق فيحمل على ظهره فيجي‏ء ... الحديث.

و في صحيح البخاري روى أن عائشة بنت أبي بكر و أم سليم لمشمرتان يرى خدم سوقهما ينقلان القرب على متونهما يفرغان في أفواه القوم، و فيه أيضا عن عمر بن الخطاب أن أم سليط و هي من نساء الأنصار بايعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كانت تزفر لنا القرب يوم أحد.

و عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: لما اشتد وجعه (صلى الله عليه و سلم) قال: صبوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أو كيتهن لعلي أستريح فأعهد إلى الناس. قالت عائشة:

فأجلسناه في مخضب لحفصة من نحاس و سكبنا عليه الماء حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتنّ ... إلخ.

أو كان حمل القرب بواسطة الحيوانات كالبغال و الحمير، فكانوا يحمّلونها قرب الماء و يذهبون بها إلى بيوتهم و لا يزال اليوم بمكة يحمل بعضهم على حماره أربع تنكات «أي صفائح» يمشي به حيث يشاء.

و إلى الآن يحمل بعضهم بمكة القربة الممتلئة بالماء على ظهره و بعضهم يحمل الماء في تنكتين «أي صفيحتين» بواسطة عود يضعه على منكبه و يربط كل تنكة في طرف العود فيمشي بهما حيث أراد، و يطلق عندنا بالحجاز على من حمل تنكتين من الماء أنه حامل للزّفّة، بتشديد الزاي و الفاء و فتحهما، و بعضهم يحمل تنكة واحدة فقط فوق رأسه كما تحمل النساء الفلاحات بمصر الماء من نهر النيل في جرة يضعنها فوق رؤوسهن فيذهبن إلى بيوتهن.

و إليك بعض الصور الفتوغرافية لحمل الماء.

84

انظر: صورة رقم 302، سقاء يحمل قربة من الماء

انظر: صورة رقم 303، سقاء يستقي بالزفة و هي حمل تنكتين من الماء

و إن شاء اللّه سيبطل حمل الماء في القربة و التنكة في الحجاز قريبا عندما يعم مشروع مجاري المياه في المواسير كما هو في البلدان الأخرى.

هذا و قد عمت مكة المكرمة و المشاعر المقدسة شبكة المياه الحلوة و شبكة للمجاري كما عم ذلك جميع مدن المملكة العربية السعودية.

تنظيف طريق الحج من مكة إلى عرفات‏

قال الغازي في تاريخه: و في تاريخ السنجاري في حوادث سنة (1085) خمس و ثمانين و ألف من الهجرة و في شوال من هذه السنة شرع الشيخ محمد بن سليمان في تنظيف الحجون و أمر بجعل ظفيرتين من الجانبين رضما بلا طين. و كان ابتداء عمله يوم السبت سادس شوال، و لما فرغ من ذلك شرع في إصلاح مدرج منى و تكرر ركوبه لذلك مرارا عديدة فبرحه و بنى ظفيرتين أيضا من جانبي المدرج.

انتهى.

و قال الغازي أيضا: و في شهر رجب سنة ألف و مائة و اثنتين و ثلاثين من الهجرة عمّر بطريق النيابة عن الأمير إسماعيل بك بن إيواز بك مولانا الشيخ سالم بن عبد اللّه البصري المحك بطريقة العمرة، فكسر أحجاره و جعله حجرا مفروشا، و كان يؤذي الماشي و الراكب و دكّه بالنورة و كذلك درج الحجون و كذلك درج ريع أبي لهب.

بمناسبة قيام الحكومة السعودية بإصلاح جميع مرافق الحج و إصلاح طرقه أحببنا أن نكتب عن هذا فصلا خاصا ننوه عن إصلاح طريق الحج من قديم الزمان إلى اليوم فنقول: جاء في تاريخ الإمام الأزرقي ما خلاصته: إن أمير المؤمنين المتوكل على اللّه لما بعث إلى مكة إسحاق بن سلمة الصايغ و هو شيخ له معرفة بكثير من الصناعات و بعث معه أكثر من ثلاثين رجلا أصحاب صناعات شتى لإصلاح كل ما يحتاج إلى إصلاحه فوصلوا مكة في ليلة بقيت من رجب سنة (241) إحدى و أربعين و مائتين فقاموا بإصلاح وضع الذهب في زاوية الكعبة المشرفة من داخلها و عمل منطقة من فضة ركّبوها فوق إزار الكعبة في تربيعها و غير ذلك.

85

ثم صاروا إلى منى و عملوا ضفيرة لرد سيل الجبل عن المسجد و دار الإمارة و أصلحوا الطريق التي سلكها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من منى إلى الشعب و معه العباس بن عبد المطلب الذي يقال له: «شعب الأنصار» الذي أخذ فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) البيعة على الأنصار. و كانت هذه الطريق قد عفت و درست، و عملوا كثيرا من الإصلاحات التي لا تتعلق بهذا الفصل لذلك لم نذكرها هنا.

و جاء في تاريخ الغازي عند ذكر الحجون و كداء «بالفتح و المد» و هو الثنية التي بأعلى مكة التي يهبط الإنسان منها إلى المقبرة و يقال لها: الحجون الثاني، ما يأتي:

و في سنة (811) ثمانمائة و إحدى عشرة سهّل بعض المجاورين بمكة موضعا مستصعبا في رأسه و سهّل أيضا غيره من المجاورين في النصف الثاني من سنة (817) سبع عشرة و ثمانمائة طريقا في هذه الثنية غير الطريق المعتادة، و هذه الطريق تكون على يسار الهابط من هذه الثنية إلى المقبرة و الأبطح، و كانت خربة ضيقة جدا فتحت ما يليها من الجبل بالمعاول حتى اتسعت فصارت تسع أربع مقاطر من الجمال محملة و كانت قبل ذلك لا تسع إلا واحدا و سهلت أرضها بتراب ردم فيها حتى استوت و صار الناس يسلكونها أكثر من الطريق المعتادة و جعل بينهما حاجز حجارة مرصوصة و كان في بعض هذه الطريق قبور فأخفى أثرها ثم جعل مشد العمائر بالمسجد الحرام سودون المحمدي في سنة سبع و ثلاثين و ثمانمائة هذين الطريقين طريقا واحدة حسنة تسع عدة من المقاطر من الجمال المحملة. انتهى من تاريخ الغازي.

و جاء في تاريخ القطبي المسمى: «الإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام» ما خلاصته: أن الملك الظاهر جقمق أول ما ولّي التفت إلى مكة المشرفة فأرسل الأمير سودون المحمدي إلى مكة ليقيم بها و يقوم بجميع العمائر و ذلك سنة (843) ثلاث و أربعين و ثمانمائة فأجرى الإصلاحات الكثيرة بالكعبة المشرفة و المسجد الحرام و المواضع المأثورة بمنى و مزدلفة و عرفات و قطع جميع أشجار السلم و الشوك الذي كان بين المارين في طريق عرفة، و كانت تمزق كسوة الشقادف و المحابر عند مزاحمة جمال الحاج في ذلك المحمل، و كانت الحرامية تكمن تحت الأشجار و تنهب جميع ما تظفر به من الحجاج و تخطف منهم جميع ما تقدر عليه، فقطع الأمير سودون جميع تلك الأشجار و أزال الصخار الكبار و نظف الطريق و وسعها فشكره‏

86

الحجاج على ذلك و دعوا له حيث كانت تضر المسلمين و إلا فشجر الحرم لا يعضد و لا يقطع ف(رحمه اللّه تعالى) و أثابه الحسنى. اه.

و جاء فيه أيضا: أن الأمير خوش كلدي نائب جدة في حدود سنة (950) خمسين و تسعمائة قطع أشجار السلم ما بين المأزمين و كسر الأحجار في سفح الجبلين و مهد و وسع الطريق للحجاج و دفع بذلك عنهم شر السرّاق الذين كانوا يكمنون خلف تلك الأحجار، و شكره الناس أثابه اللّه تعالى. اه.

و في تاريخ الغازي نقلا عن تاريخ السنجاري أن الشيخ محمد بن سليمان شرع في تنظيف الحجون بمكة و ذلك في شوال من سنة (1085) خمس و ثمانين و ألف. و أمر بجعل ظفيرتين من الجانبين رضما بلا طين، و لما فرغ من ذلك شرع في إصلاح مدرج منى و تنظيفه و بنى ظفيرتين من جانبي المدرج. انتهى.

و جاء فيه أيضا: ثم في سنة (1340) أربعين و ثلاثمائة و ألف أصلح طريق الحجون و وسّعه جلالة الملك الشريف حسين بن علي بحيث تسير فيه المحامل و الهوادج و السيارات بسهولة تامة، و قد بنى على إحدى حافتي الجبل بهذه الطريق جدارا يفصل الطريق الجديدة عن بقية الطريق القديمة و يقي المارة في القديمة من الوقوع في الجديدة. و أصبحت المحامل و الهوادج و السيارات تسير في الطريق الجديدة و المشاة و الركبان على الخيل و غيرها و الجمال غير المحملة تسير في الطريق القديمة. انتهى كل ذلك من الغازي.

و في عصرنا هذا قامت الحكومة السعودية بإصلاح طريق الحج كله و تنظيفه من النواتئ و الأحجار و الصخور بل و تكسير بعض الجبال، فتم كل ذلك في عام (1376) ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف فصارت الطرقات واسعة سهلة السير للراجل و راكب الدواب و السيارات «الأوتومبيلات».

انظر: صورة رقم 304، لبعض الحجاج و الخيام و السيارات في منى‏

انظر: صورة رقم 305، شارع الاسفلت في الطريق ما بين منى و مزدلفة

و مما يلحق بهذا الفصل تكسير عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما جبل الفلق بمكة الذي هو فوق محلة القرارة كما ذكره الغازي في تاريخه حيث يقول:

جبل الفلق بفتح الفاء و سكون اللام، سمي بالفلق لأن ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنه و عن أبيه ضربه حتى فلقه فسهل الطريق بالجبل، لأن المال كان يأتي من العراق فيدخل به مكة فيعلم به الناس فكره ذلك فسهل طريق الفلق و درّجه فكان إذا

87

جاءه المال دخل به ليلا ثم ليسلك به المعلاة في الفلق حتى يخرج به على دوره بقعيقعان فيدخل ذلك المال و لا يدري به أحد و على رأس الفلق موضع يقال له رحا الريح كان عولج فيه موضع رحا الريح حديثا من الدهر فلم يستقم و هو موضع قلّ ما تفارقه الريح. انتهى من تاريخ الغازي، و رأينا هذا الكلام أيضا في تاريخ الأزرقي.

و قد روى الأزرقى أيضا في تاريخه: أن يحيى بن خالد بن برمك هو الذي ضرب و سهّل جبل الحزنة و هو الثنية التي تلاصق شعب أبي لهب بين ذي طوى و الزاهر الكبير، قال و هي ثنية قد ضرب فيها و فلق الجبل فصار فلقا في الجبل يسلك فيه إلى الممادر و الممدرة بذي طوى عند بئر بكار ينقل منها الطين الذي يبني به أهل مكة. اه.

فيعلم مما تقدم أن تكسير الجبال و تمهيد الطرق كان معروفا في الأزمنة السابقة غير أن وسائل العمل و كيفيته كانت مختلفة، ففي تلك الأزمان كانوا يكسرون الجبال الصلبة بإيقاد الحطب عدة ليالي كما ذكرنا ذلك عند إصلاح الأمير إبراهيم المهمندار عين حنين و عرفات على حساب بنت السلطان سليمان خان. و أما في زماننا عصر القوة الكهربائية فإنهم يثقبون في الجبل عدة ثقوب ثم يضعون فيها الديناميت و يشعلون الفتيل المتصل به فيثور بعد بضع دقائق فيتكسر الجبل قطعا قطعا.

دخول الفيل إلى مكة

بلاد الحجاز خالية من الحيوانات المفترسة الكبيرة ما عدا ما يتسلط على بعض المواشي كالذئب و ابن آوى «أبو الحصين» و الجعير الذي يأكل الحمير و يندر أن يرى بها صنف الأسد، أما الفيل فلا يوجد منه شي‏ء أصلا اللهم إلا ما يجلب إليها من الخارج كما نذكر من ذلك أربع قصص وقفنا عليها في التاريخ و هي:

(الأولى) قصة أصحاب الفيل و هي شهيرة، و خلاصتها أن أبرهة الحبشي سار بجيشه و معه الفيل يريد مكة لهدم بيت اللّه الحرام، فلما كانوا بالمغمّس «بفتح الميم الثانية و تشديدها» و هو واقع بين الجعرانة و الشرائع في طريق السيل إلى الطائف كما في هامش تاريخ الأزرقي و تهيأوا لدخول مكة و وجّهوا الفيل الأبيض العظيم الذي معهم و اسمه محمود إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب الخثعمي فقام إلى جنب‏

88

الفيل و التقم أذنه فقال: أبرك محمود و ارجع راشدا من حيث جئت فإنك في بلد اللّه الحرام ثم أرسل أذنه فبرك محمود و خرج نفيل بن حبيب يشتد حتى صعد في الجبل و ضربوا الفيل ليقوم فأبى، فوجهوه إلى اليمن راجعا إلى المشرق ففعل مثل ذلك فوجهوه إلى مكة فبرك فأرسل اللّه تعالى عز شأنه عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول. قيل كان مع أبرهة فيل واحد عظيم، و قيل اثنا عشر فيلا، و قيل ثمانية أفيال، و قيل كان معه ألف فيل و الأصح كان معه فيل واحد و اللّه تعالى أعلم.

فلم يدخل فيل أبرهة مكة المشرفة المحروسة، و ما جاء في الرحلة الحجازية للبتنوني (رحمه اللّه تعالى) بأنه يقال: إن الفيل دفن بمكانه المشهور بباب جرول بمكة الذي يخيم عنده المحمل المصري، و كانت له قبة كسرها الشريف عون الرفيق فهذا القول لا صحة له مطلقا لأن الفيل لم يدخل مكة فكيف يدفن فيها؟ بل لم يدخل الحرم كما قال ابن الأثير و تبعه الفاسي و جزم المحب الطبري و شيخه ابن خليل أن الفيل وقف عن السير إلى مكة في وادي محسّر «بضم الميم و فتح الحاء و كسر الشين المشددة» و هو واد بين منى و مزدلفة و هو من الحرم كما هو مذكور في حاشية ابن حجر على الإيضاح. قال الأزرقي في تاريخه: و ذرع منى من جمرة العقبة إلى وادي محسّر (7200) مائتين و سبعة آلاف ذراع. و في هذه الحاشية لكن نظر الفاسي بقول ابن الأثير أن الفيل لم يدخل الحرم، و يقال لوادي محسّر وادي النار قيل لأن رجلا اصطاد فيه فنزلت نار فأحرقته، و قيل لأن بعض الأنبياء عليهم الصلاة و السلام رأى اثنين على فاحشة فيه فدعا عليهما فنزلت نار فأحرقتهما.

انتهى من حاشية الإيضاح.

نقول: و نحن نذهب مع قول القائل أن الفيل لم يدخل الحرم مطلقا و أن اللّه تعالى قد أهلك أصحاب الفيل في الحل بالمغمّس عند عرفات كما يأتي هنا بيان موقع المغمّس و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

هذه خلاصة يسيرة و نبذة صغيرة عن أصحاب الفيل و القصة كاملة مذكورة في أوائل الكتاب في سيرة النبي (صلى الله عليه و سلم)، قال صاحب كتاب «مرآة الحرمين»:

و كانت واقعة الفيل سنة (571) ميلادية، و كانت ولادة النبي (صلى الله عليه و سلم) عام الفيل.

نقول: المغمّس الذي أهلك اللّه فيه أبرهة و قومه المذكور في القصة هنا هو مكان معروف واقع على يسار مستقبل القبلة بعرفات، فمن وقف تحت منارة

89

(مسجد نمرة) مستقبلا جبل الرحمة بعرفات يكون المغمّس على يساره و المغمّس واد متسع جدا و منه يظهر بوضوح تام منظر عرفات و جبل الرحمة و الشاخص الذي عليه، فبين المغمّس و هذا الجبل أقل من اثنين كيلو متر يعني أن المغمّس يقع من بعد حدود الواقف بعرفات و بين المغمّس و بين مسجد نمرة أقل من اثنين كيلو متر أيضا، فعليه يكون من المحقق أن أبرهة و قومه أهلكهم اللّه تعالى في الحل لا في الحرم فلم يدخل أحد منهم أرض الحرم مطلقا أي لم يصل إلى جهة مسجد نمرة لأن هذا المسجد واقع عند حدود الحل من الحرم. هذا ما حققناه و لم نجد من فصّل ذلك أحد من المؤرخين فالحمد للّه على التوفيق.

و الثانية: ما ذكره الفاسي في الجزء الثاني من كتابه «شفاء الغرام» ما يأتي:

و منها: أنه في سنة (730) ثلاثين و سبعمائة أيضا حج الركب العراقي و معهم فيل و ما عرفت مقصد أبي سعيد خدابنده ملك التتار بإرساله، و قد ذكر خبره البرزالي نقلا عن العفيف المطري لأنه قال بعد ما سبق ذكره من خبر الفتنة: و كان الركب العراقي ركبا صغيرا و وصل معهم فيل وقفوا به المواقف كلها و تفاءل الناس منذ رأوه شرا و كنا خائفين أن يقع بسببه شر إذا وصل إلى المدينة المنورة فوصل إلى أن بلغ الفرش الصغير قبيل البيداء التي ينزل منها إلى بئر الحرم من ذي الحليفة فجعل كلما أراد أن يقدم رجلا تأخر مرة بعد مرة فضربوه و طردوه و كل ذلك يأبى إلا الرجوع إلى القهقري إلى أن سقط إلى الأرض ميتا في يوم الأحد الرابع و العشرين من ذي الحجة و ذلك من معجزات النبي (صلى الله عليه و سلم) و هذا من غرائب العجائب و الحمد للّه على ذلك.

و قد ذكر خبره النويري في تاريخه بمعنى ما ذكره المطري و قال: قيل إنه انصرف عليه من وقت خروجه من العراق إلى أن مات زيادة على ثلاثين ألف درهم و ما علم مقصد أبي سعيد في إرساله ذلك. اه. انتهى ما ذكره الفاسي في شفاء الغرام.

و الثالثة: ما ذكره الغازي في تاريخه أيضا نقلا عن كتاب «إتحاف فضلاء الزمن» ما نصه:

و في غرة شعبان ورد إلى مكة الوزير محمد باشا متولي اليمن من البر و أثقاله من البحر و جاء ثقله في سفينة من الحديدة حملتها فيل برسم الهدية لمولانا السلطان الأعظم عثمان خان فأخرج الفيل المذكور من السفينة إلى أم قرين، بالتصغير

90

موضع على مرحلة من مكة و حاولوا على أن يدخلوه مكة فما أطاع فكانت أوفى كرامة و خرج جماعة من مكة للفرجة عليه و رؤيته و ذهبوا به من هناك إلى جدة و ظهر شؤمه و حصل جدب و فناء و توفي الوزير الذي أتى به سادس عشر شوال من السنة المذكورة و دفن بالمعلا. انتهى من تاريخ الغازي.

نقول: لم نسمع أن بين مكة و جدة موضع على مرحلة منهما يقال له «أم قرين» و الظاهر أن المراد بأم قرين هو «بحرة» إذ بينها و بين مكة أو جدة مرحلة واحدة، فبحرة تقع في منتصفهما و قد جاء ذكر «القرين» بالتصغير في رحلة ابن جبير الذي كان في القرن السادس الهجري و من وصفه للقرين عرفنا أنه أراد به الموضع الذي يقال اليوم «بحرة» بفتح الباء و سكون الحاء، فعلم مما تقدم أنه إذا أطلق القرين أو أم القرين بين مكة و جدة فالمراد به نفس «بحرة» بدون شك و قد يطلق على جبل الرحمة بعرفات قرين بالتصغير أيضا، فافهم ذلك فإنه لا يوجد في كتاب. و قول الغازي" سادس عشر شوال من السنة المذكورة" لم يذكر السنة في هذه القصة لكن تقدمتها قصة أخرى كانت سنة (999) تسع و تسعين و تسعمائة فإن كان يشير إلى هذه السنة فهل كان في حواليها سلطان اسمه عثمان خان؟ اللّه تعالى أعلم بذلك.

و لقد رأينا في التاريخ أن السلطان عثمان الأول توفي سنة (726) و السلطان عثمان الثاني تولى سنة (1027) و السلطان عثمان الثالث تولى سنة (1168) من الهجرة.

و الظاهر أنه أراد الراوي بالسلطان عثمان خان السلطان عثمان الثاني و اللّه تعالى أعلم بالمراد و إليه المرجع و المعاد. و أيضا هذا الفيل المذكور لم يدخل مكة.

(و الرابعة) ما ذكره الغازي أيضا في تاريخه نقلا عن أبي الفيض أنه قال: و في سنة (1318) ثماني عشرة و ثلاثمائة و ألف أهدي إلى أمير مكة و شريفها عون الرفيق بن الشريف محمد بن عبد المعين فيلا من أغنياء السادة فورد الفيل مكة، و كان الأمير يشهد به المشاهد كلها و يمشي في شوارع مكة و يطلع به الطائف و بقي على ذلك إلى أن قتله بعض الأشراف في أوائل عام الرابع و العشرين بعد الثلاثمائة و الألف، ذكره أبو الفيض. انتهى كل ذلك من تاريخ الغازي.

انظر: صورة رقم 306، الشريف عون الرفيق حاكم مكة المشرفة و أميرها المتوفي بعد عام 1320 ه

91

فظهر مما تقدم أن الفيل في القصة الأولى و في القصة الثالثة لم يدخل مكة و دخلها في القصة الثانية و الرابعة.

و لم نر في التاريخ عن دخول الفيل مكة غير ما تقدم.

و ما ذكره الغازي عن أبي الفيض أن الفيل قتله بعض الأشراف في أوائل عام الرابع و العشرين بعد الثلاثمائة و الألف و هم منه، و الأصح أن قتل الفيل كان في أوائل عام الثالث و العشرين حيث قتله كان قبل وفاة الشريف عون الرفيق أمير مكة، و الشريف المذكور توفي بالطائف في جمادى الأولى سنة (1323) ثلاث و عشرين و ثلاثمائة و ألف كما ذكره الغازي في الجزء الثاني من تاريخه.

نقول: بما أن الشريف عون الرفيق صاحب الفيل المذكور هو من أهل عصرنا و إن مات قبل ولادتنا بسنتين فقد اتصلنا في اليوم السادس من شهر رجب عام (1376) بالشيخ حسن عشّي بكسر الشين المشددة، رئيس الطباخين بمكة لأنه كان كثير الاتصال و الاجتماع بالشريف عون الرفيق المذكور بل إن الشريف المذكور ربّى الشيخ حسن العشّي منذ صغره و اتخذه كابنه و اعتنى بتربيته حتى صار رئيسا للطباخين فكان يثق به ثقة عظيمة و لا يأكل إلا ما يقدمه له بنفسه. و الشيخ حسن المذكور ولد في عام (1297) و هو مع كبر سنه تراه فاضلا محترما، نظيف الملبس، مرفوع القامة، حاضر الذهن، لطيف الخلق، و مع شيخوخته تراه في صحة جيدة و عافية تامة عليه الهدوء و الوقار و سيماء الخير و الطيب.

فحينما اجتمعنا به طلبنا منه أن يخبرنا بقصة فيل الشريف عون الرفيق فقال ختم اللّه لنا و له بخير و راحة تامة على الإيمان الكامل ببلده الأمين آمين:

في عام (1315 ه) أرسل السيد محمد السقاف الكبير الذي كان ببلاد جاوى فيلا صغيرا من الهند هدية للشريف عون الرفيق حيث كان صديقه و أرسل مع الفيل سايسا هنديا يتولى شؤونه فكان السايس يكلم الفيل باللغة الهندية و الفيل يفهم كلامه، فعند وصول الفيل إلى مكة صاروا يقدمون له كل يوم أرزا مطبوخا باللبن الحليب و السكر لمدة خمسة عشر يوما ثم صاروا يقدمون له أنواع المأكولات كالقصب السكر.

قال الشيخ حسن المذكور: و من عجيب ما رأيت من أمر الفيل أنه دخل علينا في مطبخ الشريف عون بغتة فكسر الصحون و قلب القدور و أكل ما وجده، و كان‏

92

في المطبخ رجل هندي اسمه" فيروزدين" فضربه بطرف خرطومه فانفلج نصفه الأسفل.

قال: و كان الفيل يمشي في الأسواق و يضرب للناس السلام بزلّومته" خرطومه" إذا أمره السايس، و كان في كل عام يطلع معنا إلى الطائف و في يوم من الأيام اعتدى على أحد الشحاتين فجذبه بخرطومه و غرز نابه في فخذ الرجل فمات، فلما بلغ الخبر الشريف عون أمر بقطع نابه و أمر سايسه أن يكلمه بالهندية في ذلك جزاء له على ما فعل فرضخ الفيل لقص نابه و نام على الأرض فجاء النجار و قص الناب بالمنشار، قال: و أنا أنظر قص نابه.

قال الشيخ حسن: و قد لبث الفيل حتى سنة (1323) ثم قتل بالطائف و دفنوه تحت باب الحزم. و الذي قتله الشريف زيد بن فواز أمير الطائف فإنه أمر أربعة من العبيد بقتله فضربوه بست رصاصات بالبندق المارتيني، فلما سمع بذلك الشريف عون غضب غضبا شديدا فخاف الشريف زيد و هرب منه ثم مات الشريف عون بعد ذلك في السنة المذكورة. غفر اللّه لنا و له.

هذا ما أخبرنا به الشيخ حسن العشّي حفظه اللّه تعالى عن قصة فيل الشريف عون الرفيق.

ما ذكره بعض المفسرين عن وجود صور الأنبياء عليهم الصلاة و السلام في التابوت‏

ذكر بعض المفسرين أن صور الأنبياء عليهم الصلاة و السلام كانت موجودة في تابوت بني إسرائيل من صورة آدم إلى صورة نبينا «محمد» (صلى الله عليه و سلم) كانت مصورة من الأزل، قالوا كان فيه حتى صور بيوت المرسلين مع صورة بيت محمد (صلى الله عليه و سلم)، و كانت صورته في ياقوتة حمراء مع صورة وقوفه و هو يصلي و حوله أصحابه فكان التابوت عند آدم (عليه السلام) ثم توارثه ذريته حتى وصل لموسى عليه الصلاة و السلام فكان يضع فيه التوراة و رضاض الألواح و كان إذا قاتل قدّمه فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل و لا يفرون ثم لما مات موسى و مات هارون وضعوا في التابوت بقية مما تركاه مع التوراة و قطع الألواح كعصا موسى و نعلاه و عمامة هارون و قفيز من المنّ الذي كان ينزل عليهم. و التابوت هو صندوق من الخشب‏

93

طوله ثلاثة أذرع و عرضه ذراعا مموّه بالذهب. هذا ما ذكره بعض المفسرين و اللّه تعالى أعلم بما فيه فهو علّام الغيوب.

صور الأنبياء التي كانت عند ملك الروم‏

و نذكر هنا ما جاء في «تاريخ الخميس» من حفظ صور الأنبياء و رسومهم عليهم الصلاة و السلام لدى «هرقل» ملك الروم. و لقد ورد في صحيح البخاري أنه كان في الكعبة المشرفة من الأصنام و الصور و من ضمنها صورة إبراهيم و إسماعيل عليهما الصلاة و السلام فأمر (صلى الله عليه و سلم) بإزالة تلك الصور و محوها و ذلك يوم الفتح، و لذلك لا نستبعد وجود صور الأنبياء لدى ملك الروم. و هنا نحب أن نذكر نقطة دقيقة و هي: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما نظر إلى صورة إبراهيم و إسماعيل في أيديهما من الأزلام قال: قاتلهم اللّه لقد علموا ما استقسما بها قط فلم يقل عليه الصلاة و السلام أين رأوهما حتى يرسموا صورتهما- فتأمل- قال في مختار الصحاح: الأزلام هي السهام التي كانت أهل الجاهلية يستقسمون بها. انتهى.

و هذا نص ما جاء في تاريخ الخميس عن صور الأنبياء عليهم الصلاة و السلام:

عن هشام بن العاص قال: بعثني أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه و رجلا من قريش إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام فلما وصلنا إليه أمر لنا بمنزل حسن و نزلنا فأقمنا ثلاثا فأرسل إلينا فدخلنا عليه فدعا بشي‏ء كالربعة العظيمة مذهّبة فيها بيوت صغار عليها أبواب ففتح بيتا فاستخرج حريرة سوداء فنشرها فإذا فيها صورة حمراء و إذا فيها رجل ضخم العينين عظيم الإليتين لم أر مثل طول عنقه و إذا ليس له لحية و إذا له ظفيرتان أحسن ما خلق اللّه تعالى فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا آدم عليه الصلاة و السلام و إذا هو أكثر الناس شعرا، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة بيضاء و إذا رجل له شعر قطط أحمر العينين ضخم الهامة حسن اللحية فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال:

هذا نوح عليه الصلاة و السلام، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها رجل شديد البياض حسن العينين صلب الجبين طويل الخد شارع الأنف أبيض اللحية كأنه يتبسم قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا إبراهيم عليه الصلاة و السلام، ثم فتح بابا آخر فإذا فيه صورة بيضاء و إذا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال:

94

هل تعرفون هذا؟ قلنا نعم، إنه محمد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و بكينا، قال: و اللّه يعلم أنه هو. ثم قام قائما ثم جلس و قال: اللّه بدينكم إنه لهو. قلنا: نعم إنه هو كما ننظر إليه فأمسك ساعة ينظر إلينا ثم قال: أما إنه كان آخر الصور هو و لكن عجلته لكم لأنظر ما عندكم، ثم عاد ففتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة أدماء سحماء فإذا رجل جعد قطط غائر العينين حديد النظر عابس متراكب الأسنان مقلص الشفتين كأنه غضبان قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا موسى بن عمران عليه الصلاة و السلام، و إلى جانبه صورة تشبهه إلا أنه مدهان الرأس عريض الجبين في عينيه قبل قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا هارون بن عمران عليه الصلاة و السلام، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل آدم سبط ربعة كأنه غضبان حسن الوجه قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا لوط عليه الصلاة و السلام، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فيها صورة رجل أبيض مشرب بحمرة أخفى خفيف العارضين حسن الوجه قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا إسحاق عليه الصلاة و السلام، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فيها صورة تشبه صورة إسحاق إلا أن على شفته السفلى خالا قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا.

قال: هذا يعقوب عليه الصلاة و السلام، ثم فتح آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة رجل أبيض حسن الوجه أقنى الأنف حسن القامة يعلو وجهه النور يعرف في وجهه الخشوع يضرب إلى الحمرة فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا.

قال: هذا إسماعيل جد نبيكم (صلى الله عليه و سلم)، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فيها صورة كأنها صورة آدم كأن وجهه الشمس قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا.

قال: هذا يوسف عليه الصلاة و السلام، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فيها صورة رجل أحمر أحمس الساقين أخفش العينين ضخم البطن ربعة متقلد سيفا قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا داود عليه الصلاة و السلام، ثم طواها فاستخرج حريرة بيضاء فيها صورة رجل ضخم الإليتين طويل الرجلين راكب على فرس فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا سليمان بن داود عليه الصلاة و السلام، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة بيضاء و إذا رجل شاب شديد سواد اللحية كثير الشعر حسن العينين حسن الوجه قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا عيسى ابن مريم عليه الصلاة و السلام.

95

قلنا: من أين لك هذه الصور فإنا نعلم أنها على ما صورت عليها الأنبياء لأنا رأينا صورة نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم) مثله؟ فقال: إن آدم سأل ربه عز و جل أن يريه الأنبياء من ولده فأنزل اللّه صورهم و كانت في خزانة آدم عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس فدفعت إلى دانيال في خرقة من حرير فهذه بأعيانها الصور التي صورها دانيال ثم قال: و اللّه إن نفسي طابت، و في غير هذه الرواية لوددت الخروج عن ملكي و أن أكون عبدا لسرير ملكه حتى أموت، ثم أجازنا و سرّحنا، فلما قدمنا على أبي بكر رضي اللّه عنه حدثناه بما رأيناه و بما قال لنا و بما أخبرنا فبكي أبو بكر رضي اللّه عنه و قال: مسكين لو أراد اللّه به خيرا لفعل. قال: أخبرنا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أنهم و اليهود يجدون نعت النبي (صلى الله عليه و سلم) قال اللّه تعالى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة و الإنجيل. روى هذا الحديث أبو بكر القفال الشاشي عن الحسن صاحب الشافي عن إبراهيم بن الهيثم كذا في المنتقى. و عن كعب الأحبار أنه لما أدرك إبراهيم الوفاة جمع أولاده و هم يومئذ ستة و دعا بتابوت ففتحه و قال: أيها الأولاد انظروا إلى هذا التابوت فنظروا إلى ذلك التابوت فرأوا بيوتا بعدد الأنبياء كلهم و آخر بيوت الأنبياء بيت محمد (صلى الله عليه و سلم) من ياقوتة حمراء فإذا هو قائم يصلي و عن يمينه الكهل المطيع أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه مكتوب على جبينه: هذا أول من يتبعه من أمته، و عن يساره الفاروق عمر بن الخطاب مكتوب على جبينه: قرن من حديد أمين شديد لا تأخذه في اللّه لومة لائم، و من ورائه ذي النورين عثمان بن عفان آخذ بحجرته مكتوب على جبينه: ثالث الخلفاء، و من بين يديه علي بن أبي طالب شاهر سيفه على عاتقه مكتوب على جبينه: هذا أخوه و ابن عمه المؤيد بنصر اللّه.

انتهى ما ذكره صاحب «تاريخ الخميس» و لا ندري هل هذه الصور للأنبياء عليهم الصلاة و السلام لا زالت موجودة في المتاحف الإفرنجية أو في القصور الملكية في بعض الجهات أم أنها فقدت لا يعلم ماذا جرى في أمرها. اللّه تعالى أعلم بالغيب.

جاء في تاريخ الأزرقي في أول الجزء الثاني: و عن العلاء المكي عن جابر بن ساج الجزري قال: جلس كعب الأحبار أو سلمان الفارسي بفناء البيت فقال:

شكت الكعبة إلى ربها عز و جل ما نصب حولها من الأصنام و ما استقسم به من الأزلام فأوحى اللّه تعالى إليها أني منزل نورا و خالق بشرا يحنون إليك حنين‏

96

الحمام إلى بيضه و يدفون إليك دفيف النسور، فقال له قائل: و هل لها لسان؟ قال:

نعم و أذنان و شفتان. اه.

صور العرب التي كانت في بيت الملوك بالأندلس‏

و مما يناسب ما تقدم من ذكر صور الأنبياء عليهم الصلاة و السلام التي كانت عند هرقل ملك الروم ورآها هشام بن العاص و صاحبه حينما بعثهما أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ليدعواه إلى الإسلام ما جاء في كتاب «الإمامة و السياسة» أن موسى بن نصير بعد أن افتتح قرطبة و ما يليها من الحصون و القلاع و المدائن و افتتح طليطلة التي تسمى «بمدينة الملوك» وجد فيها بيتا يقال له بيت الملوك، و في هذا البيت وجد أربعة و عشرين تاجا، تاج كل ملك ولّي الأندلس، كان كلما هلك ملك جعل تاجه في ذلك البيت و كتب على التاج اسم صاحبه و ابن كم هو و يوم مات و يوم ولّي، و وجد في ذلك البيت أيضا مائدة عليها اسم سليمان بن داود (عليه السلام) و مائدة من جزع، فعمد موسى إلى التيجان و الآنية و الموائد فقطع عليها الأغشية و جعل عليها الأمناء ليس منها شي‏ء يدرى ما قيمته. فأما الذهب و الفضة متاع فلم يكن يحصيه أحد. اه.

ثم جاء في الكتاب المذكور عند ذكر ما وجد موسى بن نصير في البيت الذي وجد فيه المائدة مع صور العرب ما نصه:

قال: و ذكروا أن هرم بن عياض حدثهم عن رجل من أهل العلم أنه كان مع موسى بالأندلس حين فتح البيت الذي كانت فيه المائدة التي ذكروا أنها كانت لسليمان بن داود (عليه السلام) فقال: كان بيتا عليه أربعة و عشرون قفلا كان كلما تولى ملك جعل عليه قفلا اقتداء منه بفعل من كان قبله حتى إذا كانت ولاية لذريق القرطبي الذي افتتحت الأندلس على يديه و في ملكه قال: و اللّه لا أموت بفم هذا البيت و لأفتحنه حتى أعلم ما فيه، فاجتمعت إليه النصرانية و الأساقفة و الشمامسة و كل منهم معظم له. فقالوا له: ما تريد بفتح هذا البيت؟ فقال: و اللّه لا أموت بفمه و لأعلمن ما فيه. فقالوا: أصلحك اللّه. إنه لا خير في مخالفة السلف الصالح و ترك الاقتداء بالأولوية فاقتد بمن كان قبلك وضع عليه قفلا كما صنع غيرك و لا يحملك الحرص على ما لم يحملهم عليه فإنهم أولى بالصواب منا و منك فأبى إلا فتحه. فقالوا له: أنظر ما ظننت أن فيه من المال و الجواهر و ما خطر على‏

97

قلبك فإنا ندفعه إليك و لا تحدث علينا حدثا لم يحدثه فيه من كان قبلك من ملوكنا و إنهم كانوا أهل معرفة و علم. فأبى إلا فتحه ففتحه فوجد فيه تصاوير العرب و وجد كتابا فيه: إذا فتح هذا البيت دخل هؤلاء الذين هيئاتهم هكذا هذه البلاد فملكوها. فكان دخول المسلمين من العرب إليه في ذلك العام. انتهى من كتاب الإمامة و السياسة.

مجزرة مكة

المجزرة: هي موضع نحر الإبل و البقر و الغنم و تسمى المذبح أو السلخانة عند أهل مصر، و قد جرت العادة من قديم العهد أن تكون المجزرة و المقبرة خارج عمران البلدة محافظة على النظافة.

و العادة أن تكون المجزرة في بلدة آهلة بالسكان، أما مواطن البدو و العربان الذين يألفون السكن في الجبال و الوديان و الذين خدورهم و منازلهم متباعدة بعضها عن بعض فإنه ليس لديهم موضع خاص للذبح فإنهم يذبحون حيثما اتفق لهم بجوار خدورهم و خبائهم أو في سفح جبل أو تحت شجرة أو فوق صخرة و ليس في ذلك أدنى ضرر عليهم، لأن الهواء الطلق في الصحراء و انبساط الشمس في البيداء يذهبان الرائحة و ينشفان الفضلات من الروث و الدم فلا يبقيان للمكروبات من أثر.

إذا علمنا هذا يمكننا أن نجزم بأن المجزرة لم تكن معروفة بمكة المشرفة قبيل الإسلام لقلة سكانها و تباعد البيوت فيها، و كانت حالتهم حالة بداوة فلما جاء اللّه بالإسلام و دخل الناس فيه أفواجا أفواجا من كل حدب و صوب ازداد السكان بالنسبة لما قبله فكثر ذبح الأنعام تبعا لأصول الدين الحنيف كذبح الأضحية أو الفدية أو التصدق باللحوم و ولائم العرس فكان من الضروري أن يكون هناك موضع خاص للذبح.

و لما كانت المروة بمكة هي مكان تحلل المعتمر كان أفضل بقعة لذبح المعتمر المروة لذلك قالوا يستحب الذبح بالمروة للمعتمر، لكن هذا الاستحباب يكون بالنسبة لصدر الإسلام لأن مكة لا زالت على فطرتها الأولى تقريبا فلم يكن بها العمران إلا قليلا و في قلب البلدة و لم يكن العمران كما في وقتنا هذا من العمارات الضخمة و القصور الشاهقة، فما كانت بجهة المروة بيوت و منازل حتى تتأذى‏

98

بالدماء السائلة من الذبائح بل كانت الجبال و ما بينها من المنعطفات و المتعرجات ظاهرة واضحة بشكلها الطبيعي، فكانت الشمس و الهواء يذهبان بالروائح و ينشفان الدماء و الفضلات. أما الآن و قد ازدحمت المروة بالبيوت و السكان فلا يستحب الذبح بالمروة بل يحرم لتحقق حصول الإيذاء للمقيمين حول المروة.

فعلى هذا يمكن لنا أن نقول كانت مجزرة مكة في صدر الإسلام بالمروة، لكن ليس في مكان السعي و الطريق العام و إنما في نواحي جبل المروة إلى جهة المدّعى و إلى جهة القرارة و لذلك كانت المواشي تباع بالمدّعى عند" مسجد الغنم" اليوم ذلك المسجد الصغير جدا الذي على رأس الزقاق بآخر المدّعى و أول الجودرية، فقد ذكر الأزرقي بصحيفة 192 من الجزء الثاني من تاريخه أن بهذه الجهة سوق الجزارين و بها أيضا سوق الغنم كما جاء بصحيفة 163 و موقف الغنم كما جاء بصحيفة 218.

ثم لما وصل العمران إلى المدّعى و كثر الناس عما قبل انتقلت المجزرة من الموضع إلى شعب أبي دب كما ذكره الأزرقي بعدة مواضع، و قال في صحيفة 170 من الجزء الثاني و شعب أبي دب الذي يعمل فيه الجزارون بمكة بالمعلاة، و قال في صحيفة 182" شعب أبي دب بالحجون" و الأزرقي توفي في منتصف القرن الثالث للهجرة.

فعلم من كلام الأزرقي أن المجزرة كانت بالحجون بالمعلاة لكن لا نعرف بالضبط في أية بقعة كانت فما زالت المجزرة في موضعها بالحجون من ذلك الزمن إلى عصرنا الحاضر أي إلى سنة (1361) إحدى و ستين و ثلاثمائة و ألف، لكن في عصرنا كان موضعها بالضبط وراء جبل مقبرة المعلاة من الجهة المؤدية إلى جرول لعدم وجود العمران هنالك في ذلك الوقت. و قد سمى الأزرقي هذا الموضع الأحداب و ذات أعاصير كما جاء ذلك بصحيفة 231 من الجزء الثاني.

ثم إنه في السنة المذكورة أي سنة (1361) نقلت هذه المجزرة القديمة العهد إلى جهة بئر العتيبية لأن العمران اتصل إلى جهة هذه المجزرة بالمعلاة.

ثم إنه في سنة (1377) سبع و سبعين و ثلاثمائة و ألف في زماننا هذا نقلت هذه المجزرة أيضا من العتيبية إلى جهة العشر" بضم العين و فتح الشين" و خريق العشر واقع بآخر المعابدة بعد ثنية أذاخر. و لقد بنيت هذه المجزرة الجديدة بناية جميلة على الطراز الحديث في أول سنة (1376) و استعملت للذبح بعد بنايتها بسنة

99

واحدة بعد أن أصلح الطريق الواقع بين الجبال المؤدي إليها و عبّد بالأسفلت ليكون سالكا سهلا للسيارات و المشاة. و إليك صورة المجزرة الجديدة بخريق العشر.

انظر: صورة رقم 307، المجزرة الجديدة في ريع أذاخر بخريق العشر

انظر: صورة رقم 308، مجزرة ريع أذاخر من الداخل بخريق العشر

و اللّه تعالى أعلم هل تقوم القيامة و المجزرة الجديدة في موضعها الحالي أم تنتقل مئات المرات إلى مواضع مختلفة نائية تبعا لامتداد العمران بمكة إلى ما شاء اللّه؟

ذلك علمه عند ربي فهو علّام الغيوب بيده ملك السموات و الأرض و هو يطعم و لا يطعم لا إله إلا هو العزيز الغفار.

ثم نقلت المجزرة إلى مسفلة مكة غرب جبل السرد و لا تزال به حتى الآن.

تجارة العرب‏

لما كان العرب يتصفون بالشجاعة و النخوة و الشهامة و عزة النفس و علو الهمة فقد كانوا يكرهون البطالة و الكسل و يحبون التجارة و العمل و الاكتساب من الوجه الحلال الشريف.

و لقد كان المهاجرون و الأنصار (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين) يشتغلون بالتجارة و البيع و الشراء، فقد جاء في أوائل صحيح البخاري في كتاب العلم في باب «حفظ العلم» عن أبي هريرة قال: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة و لو لا آيتان في كتاب اللّه ما حدثت حديثا ثم يتلو: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ ...- إلى قوله-: الرَّحِيمُ‏ إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق و إن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم و إن أبا هريرة كان يلزم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بشبع بطنه و يحضر ما لا يحضرون و يحفظ ما لا يحفظون.

انتهى.

نقول: هكذا كان أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فإنهم مع قيامهم بالحروب و نصرة الدين الحنيف لتكون كلمة اللّه العليا لا ينسون أخذ نصيبهم من الدنيا بدون أن يركنوا إليها فقد كانوا يعطون حقوق اللّه تعالى في أموالهم و يعطون حقوق الضيف و حقوق الجار و حقوق الفقير و يواسون بعضهم و يؤثرون على أنفسهم فأين أولئك الرجال الذين لهم سابقة الفضل في الخيرات من زماننا هذا زمان الفتن و الفساد. نسأل اللّه السلامة و العافية.

100

و جاء في صحيح البخاري أيضا عن أنس بن مالك قال: قدم عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي (صلى الله عليه و سلم) بينه و بين سعد بن الربيع الأنصاري و عند الأنصاري امرأتان فعرض عليه أن يناصفه أهله و ماله. فقال: بارك اللّه لك في أهلك و مالك دلوني على السوق. فأتى السوق فربح شيئا من أقط و شيئا من سمن، فرآه النبي (صلى الله عليه و سلم) بعد أيام و عليه و ضر من صفرة فقال: مهيم يا عبد الرحمن؟ فقال: تزوجت أنصارية، قال: فما سقت؟ قال: وزن نواة من ذهب، قال: أولم و لو بشاة. اه.

فانظر رحمك اللّه كيف كان الأنصار يؤثرون المهاجرين على أنفسهم و انظر إلى تضحيتهم العظيمة في سبيل الأخوة الإسلامية و الحب في اللّه و لقد أثنى اللّه تعالى عليهم في سورة الحشر بقوله: وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏.

فرضي اللّه عن المهاجرين و الأنصار فهم السابقون المختارون الأبرار فأين ذلك العصر الزاهر الأنوار من عصرنا هذا المظلم الأبتر، نسأل اللّه تعالى السلامة و العافية.

ثم انظر إلى شهامة عبد الرحمن بن عوف و عزة نفسه فإنه رضي اللّه تعالى عنه لم يرض أن يقاسمه سعد الأنصاري الكريم أهله و ماله، و إنما طلب أن يدلوه على السوق ليتاجر فيه فيأكل من كسب يده، و بالفعل فقد نزل إلى السوق و ربح فيه و جمع مالا فتزوج من ماله الخاص ثم صار فيما بعد من كبار الأغنياء المعدودين.

و تجارة العرب كانت من منتوجات بلادهم كالغزل و بعض الأعشاب و النبات و الفواكه و الألبان و الجلود و بعض المحصولات، فكانوا يتاجرون بمحصولات البلاد في أسواقهم و في خارج بلادهم إذا سافروا إلى جهة الشام أو اليمن ثم يأتون من هنالك بالبضائع المرغوبة في بلادهم للتجارة أيضا.

و كان من أشهر تجارهم: أمية بن خلف، و عبد اللّه بن جدعان، و خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، و العباس بن عبد المطلب، و أبو سفيان بن حرب و غيرهم.

قال الشيخ حسين بن عبد اللّه باسلامة (رحمه اللّه تعالى) في الجزء الأول من كتابه «حياة سيد العرب» عن تجار العرب و تجارتهم ما نصه:

و كان من تجار قريش في العصر النبوي من يملك الملايين. روى الحافظ الذهبي في تاريخه أن ثروة الزبير بن العوام رضي اللّه عنه قدرت بعد وفاته بأربعين ألف‏

101

ألف درهم، أي أربعون مليون درهم. و كانت كل عشرة دراهم تقدر بدينار.

و قدرت ثروة طلحة بن عبيد اللّه رضي اللّه عنه بثلاثين ألف ألف درهم، أي ثلاثون مليون درهم، و كذلك قدرت ثروة عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه بعد وفاته فكانت أعظم من ثروتي الزبير و طلحة، و أيضا صفوان بن أمية رضي اللّه عنه تقدر ثروته مثلهم أو يفوق عنهم.

و لم يكن أحد هؤلاء اكتسب درهما واحدا من غير طريق التجارة، لأنه لم يحدثنا التاريخ أن أحدا من هؤلاء تقلد أمارة أو قاد جيشا في الفتوحات الإسلامية أو صار خليفة للمؤمنين، بل حدثنا التاريخ بضد ذلك، إن قواد الجيوش و أمراء المؤمنين في الصدر الأول من الخلافة ماتوا فقراء لم يورثوا درهما و لا دينارا بل لما حضرت أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه الوفاة جاءته أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها فقالت له: يا أبتاه إنك كنت ذا مال و تجارة فدلّنا على مالك، فأجابها: إني كنت ذا مال و تجارة و قد أنفقت مالي على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و في سبيل اللّه فإذا أنا متّ فاطوي فراشي هذا و أودعيه بيت مال المسلمين.

و كذلك عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و علي رضي اللّه عنهم مثل سلفهم و كذلك سعد بن أبي وقاص و خالد بن الوليد و أبو عبيدة رضي اللّه عنهم فإنهم أعظم القواد الذين فتحوا فارس و الروم في عصر الخليفتين، لم يحدثنا التاريخ عن عظم ثروتهم بل ماتوا فقراء و لو أن طلحة و الزبير و عبد الرحمن بن عوف تأمروا على قيادة الجيش أو صاروا من أمراء المؤمنين لأصبحوا فقراء مثل إخوانهم حيث لم تأت ثروتهم إلا عن طريق التجارة فلو اشتغلوا بالأمارة لكانوا مثلهم.

فهكذا كانت قريش أغنى العرب بواسطة التجارة. انتهى من الكتاب المذكور.

أسواق مكة في الجاهلية و الإسلام‏

جاء في الجزء الثاني من كتاب «شفاء الغرام» للفاسي ما يأتي: روينا في تاريخ الأزرقي خبرا فيه حج الجاهلية و مواسمهم و أسماء الشهور بسنده إلى الكلبي قال فيه: فإذا كان الحج في الشهر الذي يسموه ذي الحجة خرج الناس إلى مواسمهم فيصبحون بعكاظ يوم هلال ذي القعدة فيقيمون به عشرين ليلة يقوم فيها أسواقهم بعكاظ و الناس على مراعيهم و راياتهم منحازين في المنازل، يضبط كل‏

102

قبيلة أشرافها و قادتها و يدخل بعضهم في بعض للبيع و الشراء فيجتمعون في بطن السوق فإذا مضت العشرون انصرفوا إلى مجنّة فأقاموا بها ثمان ليال أسواقهم قائمة ثم يخرجون لذي المجاز فيقيمون بها إلى يوم التروية و يخرجون يوم التروية من ذي المجاز إلى عرفة فيتروون ذلك اليوم من الماء بذي المجاز، و إنما سميّ يوم التروية لترويهم في الماء بذي المجاز ينادي بعضهم بعضا، يتروون من الماء لأنه لا ماء بعرفة و لا بالمزدلفة يومئذ، و كان يوم التروية آخر أسواقهم. و إنما يحضر هذه المواسم بعكاظ و مجنة و ذي المجاز التجار و من كان يريد التجارة و من لم يكن له تجارة و لا بيع فإنه يخرج من أهله متى أراد و من كان من أهل مكة ممن لا يريد التجارة خرج من مكة يوم التروية فيتروون من الماء فينزل الحمس أطراف المسجد الحرام من غرة يوم عرفة و ينزل الحلة عرفة، و كان النبي (صلى الله عليه و سلم) في سنيه التي دعا فيها بمكة قبل الهجرة لا يقف مع قريش و الحمس في طرف الحرم و كان يقف مع الناس بعرفة.

ثم قال: و كانوا لا يتبايعون في يوم عرفة و لا أيام منى فلما أن جاء اللّه تعالى بالإسلام أحل اللّه ذلك لهم فأنزل اللّه عز و جل في كتابه: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ‏. و في قراءة أبي ابن كعب: في مواسم الحج، يعني منى و عرفة و عكاظ و مجنة و ذي المجاز فهذه مواسم الحج.

ثم قال الكلبي: و كانت هذه الأسواق بعكاظ و مجنة و ذي المجاز قائمة في الإسلام حتى كان حديثا من الدهر.

فأما عكاظ فإنما تركت عام خرج الحروري بمكة مع أبي حمزة المختار بن عوف الأزدي الأباضي في سنة تسع و عشرين و مائة خاف الناس أن ينتهبوا و خافوا الفتنة فتركت حتى الآن.

ثم تركت المجنة و ذو المجاز بعد ذلك و استغنوا بالأسواق بمكة و بمنى و عرفة.

و قال أبو الوليد الأزرقي: و عكاظ وراء قرن المنازل بمرحلة على طريق صنعاء في عمل الطائف على بريد منها و هي سوق لقيس عيلان و ثقيف و أرضها لنصره، و مجنة سوق بأسفل مكة على بريد منها و هي سوق لكنانة و أرضها من أرض كنانة، و هي التي يقول فيها بلال رضي اللّه عنه:

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة* * * بفخ و حولي إذخر و جليل‏

و هل أردن يوما مياه مجنة* * * و هل تبدون لي شامة و طفيل‏