التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج6

- محمد طاهر الكردي المزيد...
777 /
103

و شامة و طفيل: جبلان مشرفان على مجنة، و ذو المجاز سوق لهذيل عن يمين الموقف من عرفة قريب من كبكب على فرسخ من عرفة، و حباشة سوق الأزد و هي في ديار الأوصام من بارق من صدر قنونا و حلى بناحية اليمن و هي من مكة على ست ليال و هي آخر سوق خربت من أسواق الجاهلية. و كان والي مكة يستعمل عليها رجلا يخرج معه بجند فيقيمون بها ثلاثة أيام من أول شهر رجب متوالية حتى قتلت الأزد واليا كان عليها بعثه داود بن عيسى بن موسى في سنة سبع و تسعين و مائة، فأشار فقهاء أهل مكة على داود بن عيسى بتخريبها فخرّبها و تركت إلى اليوم.

و إنما ترك ذكر حباشة مع هذه الأسواق لأنها لم تكن في مواسم الحج و لا في أشهره و إنما كانت في رجب. اه باختصار. انتهى من الكتاب المذكور.

نقول: سوق المجاز يطلق عليه اليوم بئر المجاز و هو واقع بين عرفات و الشرائع عند جبل كبكب.

و سوق عكاظ واقع بالطائف بوادي المبعوث بين عشيرة و الأضاخر شرق مطار الطائف، و بين عكاظ و الطائف ليلة واحدة بمسير الإبل و بينه و بين مكة ثلاثة أميال.

تاريخ إبطال أسواق العرب‏

قال الأزرقي في تاريخه: قال الكلبي: و كانت هذه الأسواق بعكاظ و مجنّة و ذي المجاز قائمة في الإسلام حتى كان حديثا من الدهر، فأما عكاظ فإنما تركت عام خرجت الحرورية بمكة مع أبي حمزة المختار ابن عوف الأزدي الأباضي في سنة تسع و عشرين و مائة خاف الناس أن ينتهبوا و خافوا الفتنة فتركت حتى الآن ثم تركت مجنّة و ذو المجاز بعد ذلك و استغنوا بالأسواق بمكة و بمنى و بعرفة.

قال أبو الوليد: و عكاظ وراء قرن المنازل بمرحلة على طريق صنعاء في عمل الطائف على بريد منها، و هي سوق لقيس عيلان و ثقيف و أرضها لنصر.

و مجنة سوق بأسفل مكة على بريد منها و هي سوق لكنانة و أرضها من أرض كنانة، و هي التي يقول فيها بلال:

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة* * * بفخ و حولي إذخر و جليل‏

104

و هل أردن يوما مياه مجنة* * * و هل يبدون لي شامة و طفيل‏

و شامة و طفيل جبلان مشرفان على مجنة.

و ذو المجاز: سوق لهذيل عن يمين الموقف من عرفة قريب من كبكب على فرسخ من عرفة. و حباشة: سوق الأزد و هي في ديار الأوصام من بارق من صدر قنونا و حلى من ناحية اليمن و هي من مكة على ست ليال و هي آخر سوق خربت من أسواق الجاهلية. و كان والي مكة يستعمل عليها رجلا يخرج بجند فيقيمون بها ثلاثة أيام من أول شهر رجب متوالية، حتى قتلت الأزد واليا كان عليها بعثه داود بن عيسى بن موسى في سنة سبع و تسعين و مائة، فأشار فقهاء مكة على داود ابن عيسى بتخريبها فخرّبها و تركت إلى اليوم. انتهى من الأزرقي.

ما جاء عن أسواق العرب في كتاب حياة سيد العرب‏

و جاء في كتاب «حياة سيد العرب» عن أسواق العرب ما نصه:

كان للعرب أسواق في الجاهلية يقيمونها في شهور السنة و ينتقلون من بعضها إلى بعض و يحضرها سائر قبائل العرب من بعد منهم و من قرب فكانوا ينزلون «دومة الجندل» و هو المسمى اليوم «بالجوف» و هو واقع شمال الجزيرة قريب من الشام أول يوم من ربيع الأول فيقيمون أسواقها بالبيع و الشراء و الأخذ و العطاء فيقوم بعشائهم رؤساء آل بدر في دومة الجندل و إذا غلب على السوق بنو كلب يقوم بعض رؤساء كلب بعشائهم فتقوم أسواقها إلى آخر الشهر ثم ينتقلون إلى سوق «حجة» و هو المشهور في ربيع الآخر فتقوم أسواقهم بها و كان يقوم بطعامهم المنذر بن ساوى أحد بني عبد اللّه بن دارم ثم يرتحلون نحو عمان بالبحرين فتقوم سوقهم بها ثم يرتحلون فينزلون إرم و قرى الشحر فتقوم أسواقهم بها أياما ثم يرتحلون فينزلون (عدن) من اليمن فيشترون منها (اللطائم) و هي الأقمشة و أنواع الطيب ثم يرتحلون فينزلون الرابية من حضرموت و منهم من يجوزها إلى صنعاء ثم تقوم أسواقهم بها و يجلبون منها الخرز و الأدم و البرد، و كانت تجلب إليها من معافر ثم يرتحلون إلى عكاظ في أول شهر شوال. و كان سوق عكاظ بمثابة المؤتمر العام و المعرض العام لعموم قبائل العرب قاطبة فكان يجتمع فيه فحول الشعراء و الخطباء و الملوك و الأمراء و كانت تجري بينهم مسابقة في الشعر و الخطابة و الشجاعة و غير ذلك، فتقوم أسواقهم بعكاظ و يناشدون الأشعار و يتحاجون و من له أسير سعى في‏

105

فدائه و من له حكومة ارتفع إلى الذي يقوم بأمر الحكومة فيها من بني تيم و كان أحدهم الأقرع بن حابس ثم ينتقلون منها في نهاية شهر شوال فينزلون مر الظهران و هو (وادي فاطمة) في أول ذي القعدة فتقوم أسواقهم فيه طيلة الشهر، و هذا الوادي واقع شمال مكة و يبعد عنها من 25 ميلا إلى 30 ميلا، و هو واد خصب كان به في الأزمان السالفة نحو ثلاثمائة عين ماء، فلعدم وجود الأيدي العاملة دمرت و لم يبق منها الآن سوى أربعة و أربعين عين ماء بخيوفها ثم ذكر مؤلف الكتاب المذكور أسماء هذه العيون لا داعي لأن نسردها نحن ثم يرتحلون إلى الحج و الوقوف بعرفة، فإذا قضوا مناسكهم نزلوا مكة للطواف بالبيت و السعي بين الصفا و المروة فكانت قريش تقوم بضيافتهم بمكة حتى يرتحلوا.

و كانت لقريش اليد الطولى في التجارة فكانت لهم رحلتان: رحلة في الشتاء و رحلة في الصيف.

و كانت رحلة الشتاء إلى اليمن و رحلة الصيف إلى الشام فإذا جاء الشتاء ذهبوا إلى اليمن ببضائع الحجاز و ما يتبقى من بضائع الشام فيبيعونها، ثم يشترون من اليمن الأقمشة اليمانية و أنواع الطيب و يأتون بها إلى مكة ثم يرتحلون في الصيف إلى الشام ببعض أدم الحجاز و بضائع اليمن و بعد تصريفها يشترون من الشام ما يصلح لأسواقهم من البضائع و يأتون بها إلى مكة. و كان فيهم من أصحاب رؤوس الأموال العظيمة مثل أمية بن خلف و عبد اللّه بن جدعان و خديجة بنت خويلد و العباس بن عبد المطلب و أبو سفيان بن حرب و غيرهم. و كان منهم من يستطيع أن يحمل من التجارة على ألف بعير لشخصه برأس ماله فكانت تنفق هذه البضائع في أسواقهم: عكاظ، و مر الظهران، و ذي المجاز و بمكة و منى و غيرها.

و كانت قريش لا تعرف الأسفار إلى الشام قبل هاشم بن عبد مناف بن قصي جد النبي (صلى الله عليه و سلم) فكان هاشم هو الذي أخذ لهم (الإيلاف) من قبل قيصر ملك الروم بالشام، و من عموم القبائل القاطنة بين الشام و مكة و ذلك أنه لما سافر من مكة إلى الشام و تعرّف بقيصر ملك الروم وجد نفسه قادرا على التكلم معه فقال له: أيها الملك إن لي قوما و هم تجار العرب فإني رأيت أن تكتب لي كتابا تؤمّنهم و تؤمّن تجارتهم فيقدموا عليك بما يستظرف من أدم الحجاز و ثيابها فيمكّنوا من بيعه عندكم فهو أرخص عليكم فكتب له كتابا فيه أمان لمن أتى منهم فأقبل هاشم بالكتاب فجعل كلما يمر بحيّ من العرب على طريق الشام أخذ من أشرافهم‏

106

(إيلافا) و الإيلاف هو أن يأمنوا عندهم و في طريقهم و أرضهم بغير حلف و إنما هو أمان الطريق. فأخذ هاشم الإيلاف فيمن بينه و بين الشام حتى قدم مكة فأعطاهم الكتاب فكان ذلك أعظم بركة على قريش في تجارتهم فخرج تجار قريش بتجارة عظيمة و معهم هاشم بحوزهم، فلم يبرح يجمع بين قومه و بين العرب و يؤيد إيلافهم حتى ورد الشام فباعت قريش تجارتهم و اشترت من الشام بضائع شتى و عادت إلى مكة. و منها صارت في كل صيف ترحل إلى الشام.

و أخذ لهم عبد شمس «حبلا» من النجاشي الأكبر فارتحلوا بسبب ذلك إلى أرض الحبشة، و الحبل هو العهد و الأمان. و أخذ لهم نوفل حبلا من الأكاسرة ملوك فارس فارتحلوا للتجارة إلى العراق و أرض فارس. و أخذ لهم عبد المطلب حبلا من ملوك اليمن «حمير» فارتحلوا بسبب ذلك رحلة الشتاء إلى اليمن.

ثم قال صاحب الكتاب المذكور في هامشه عن موضع عكاظ ما يأتي:

عكاظ قال الأصمعي: عكاظ نخل في واد بينه و بين الطائف ليلة و بينه و بين مكة ثلاث ليال و به كانت تقام سوق العرب بموضع منه يقال له الأتيداء. و قال ابن دريد: و كانت تجتمع فيها قبائل العرب فيتعاكظون- أي يتفاخرون و يتناشدون-.

و في المصباح المنير: عكاظ على وزن غراب، سوق من أعظم أسواق الجاهلية وراء قرن المنازل بمرحلة من عمل الطائف على طريق اليمن. و أصح الأخبار في ذلك و الذي ينطبق على الواقع هو قول أبي عبيد: هي صحراء مستوية لا جبل فيها و لا علم و هي بين نجد و الطائف.

و هذا الموضع الذي تحدد بقول الأصمعي أن بينه و بين الطائف ليلة و بينه و بين مكة ثلاث ليال و الذي تبين شكل موضعه بقول أبي عبيد هي صحراء مستوية لا جبل بها و لا علم و هي بين نجد و الطائف يدل دلالة قطعية أنها ركبة و تبتدئ ركبة من عشيرة غربا و تنتهي بحرة مران شرقا، و من عشيرة إلى الطائف ليلة بحساب سير الإبل و بينها و بين مكة ثلاث ليال، و هذه ركبة هي الصحراء التي لا جبل بها و لا علم و هي بين نجد و الطائف و هي التي تسع جموع قبائل العرب قاطبة. و من عادة العرب أنهم لا يختلطون في المناهل و المنازل كاختلاط الحجاج بعرفة بل كل قبيلة تنحاز عن الأخرى في مكان منفرد متباين عن القبائل الآخرين و ذلك لما بين القبائل في الجاهلية مع بعضها البعض من الدماء و الثارات و طالما وقعت بينها الحروب‏

107

بسوق عكاظ و لذلك لا يوجد مكان بهذه الصفة غير ركبة لأنها هي المكان الفسيح الواسع الذي يمكن اجتماع عموم قبائل العرب فيه. و أما من قال باحتمال أن يكون «السيل الكبير» فهو لا ينطبق عليه الوصف لأنه أولا لم يكن فيه سعة تتحمل عشر تلك القبائل، و ثانيا المسافة بينه و بين مكة ليلتان. فهذا ما ظهر لي بعد البحث و التنقيب في التاريخ و الأمكنة المذكورة. انتهى من الكتاب المذكور بتصرف و اختصار.

حضور النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى سوق عكاظ

جاء في صحيح البخاري في كتاب «الصلاة في باب الجهر بقراءة صلاة الفجر» عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: انطلق النبي (صلى الله عليه و سلم) في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ و قد حيل بين الشياطين و بين خبر السماء و أرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا و بين خبر السماء و أرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم و بين خبر السماء إلا شي‏ء حدث فاضربوا مشارق الأرض و مغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم و بين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) و هو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ و هو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا و اللّه الذي حال بينكم و بين خبر السماء فهنالك حين رجعوا إلى قومهم و قالوا: يا قومنا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً، فأنزل اللّه على نبيه (صلى الله عليه و سلم): قُلْ أُوحِيَ إِلَيَ‏ و إنما أوحي إليه قول الجن. انتهى.

و جاء في صحيح البخاري أيضا عن أسواق العرب في كتاب «البيوع» في باب الأسواق التي كانت في الجاهلية فتبايع بها الناس في الإسلام: حدثنا عليّ بن عبد اللّه حدثنا سفيان عن عمرو عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: كانت عكاظ و مجنة و ذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فلما كان الإسلام تأثّموا من التجارة فيها فأنزل اللّه ليس عليكم جناح في مواسم الحج قرأ ابن عباس كذا. انتهى.

نقول: و معنى ما تقدم من اجتماع العرب في أسواق مكة كعكاظ و ذي المجاز و مجنّة و غيرها للبيع و الشراء، هو كالعادة الجارية إلى اليوم في بعض البلدان و القرى من اجتماع الناس و العرب و البدو في أسواق خاصة لبيع البضائع و السلع و لا يزال‏

108

في المحطات الواقعة على طريق المدينة المنورة كالصفراء و الحمراء يفتح السوق في يوم خاص من كل أسبوع يحضر إليه من هو ساكن في بطون الجبال و الأودية من البدو و العرب يشترون منه ما يلزمهم من لحم و سمن و زبدة و تمر و جبن و دقيق و حبوب و قماش و غير ذلك بما يكفيهم أسبوعا واحدا حتى يأتي يوم افتتاح السوق في الأسبوع التالي و هكذا.

و كذلك يقع مثل هذا الأمر في الممالك الأخرى كمصر و العراق و الشام و اليمن، ففي الأرياف و الفلاحين و القرى تفتح الأسواق يوما واحدا من كل أسبوع و هذا أمر طبيعي لاحتياج الناس إلى بعض اللوازم و لعدم قدرتهم إلى الارتحال إلى المدن الكبيرة فيأخذون ما يحتاجون من أسواق القرى و المحطات المجاورة لمحلاتهم و سكنهم.

ثم الآن بطلت أسواق العرب القديمة المذكورة التي كانت في الجاهلية و صدر الإسلام لاتساع رقعة البلاد و كثرة الناس و انتشارهم في كل محل و مكان حتى اتصلت هذه المواقع المذكورة بعضها ببعض خصوصا بعد اختراع السيارات و أسباب المواصلات، فصار جميع العرب يأخذون ما يحتاجون إليه من نفس مكة، و أما الأسواق التي تكون اليوم بمنى و مزدلفة و عرفات في أيام موسم الحج فهي كالأسواق العادية التي تكون بمكة و المدينة و جدة و الطائف و نحوها، و هي أسواق كثيرة متعددة عامرة لذلك ليست لها ميزة تذكر.

و أما الأسواق الأسبوعية الأخرى فهي لا زالت إلى اليوم تفتح في القرى و المحطات البعيدة عن المدن في كل الممالك و الأقطار.

أسماء بعض الأسواق‏

هذا و قد كان بمكة كثير من الأسواق المتنوعة لبيع جميع ما يلزم للإنسان من الضروريات و الكماليات، و لقد ذكر الإمام الأزرقي المولود في القرن الثاني من الهجرة في كتابه تاريخ مكة من الأسواق ما يأتي:

عدد/ اسم السوق/ محل السوق‏

1/ سوق البزازين/ هو بجهة سوق الليل تقريبا.

2/ سوق العطارين/ كان بقرب المسجد الحرام جهة باب بني شيبة.

3/ سوق الفاكهة/ و هو بسوق الليل.

109

عدد/ اسم السوق/ محل السوق‏

4/ سوق الصيارفة/ و هو بأول أجياد.

5/ سوق الغزّالين/ و هو بأول أجياد أيضا.

6/ سوق الرطب/ و هو بسوق الليل.

7/ سوق الغنم/ و هو بالجودرية عند المدّعى.

8/ سوق الصغير/ و هو بموضعه المعروف اليوم.

9/ سوق ساعة/ بالمعلا عند أول شعب عامر.

10/ سوق الرقيق/ و هو عند جبل أبي قبيس.

11/ سوق اللبّانين/ و هو بجهة سوق الليل.

12/ سوق الخيّاطين/ و هو عند دار أم هانئ بالحزورة.

13/ سوق الخلقان/ و هو بالمسعى.

14/ سوق الحطب/ و هو عند الشبيكة جهة الهجلة.

15/ سوق الحمارين/ ثم سمّي بسوق الكراع، و هو عند المدّعى.

16/ سوق العلّافين/ و هو أمام باب أجياد.

17/ سوق الحوّاتين/ و هو بأجياد الكبير.

18/ سوق القوّاسين/ و هو بجهة حراء، الظاهر يقصد به صانعو الأقواس.

19/ سوق البقّالين/ و هو بجهة باب أم هانئ عند باب الوداع.

20/ سوق البرّامين/ و هو بجهة المروة.

21/ سوق الحدّادين/ و هو بجهة سوق الليل.

22/ سوق الحجّامين/ و هو عند المروة كما هو في عصرنا هذا.

23/ سوق الحذّائين/ و هو ما بين الصفا و المروة.

24/ سوق الليل/ و هو بموضعه المعروف اليوم.

25/ سوق الورّاقين/ بأسفل مكة.

26/ سوق الدقاقين و المزوّقين/ و هو بجهة القبان عند المروة.

27/ سوق الحبوب و السمن و العسل/ و هو بجهة القبّان عند المروة أيضا.

28/ سوق الخيّاطين/ عند باب إبراهيم جهة السوق الصغير اليوم.

110

عدد/ اسم السوق/ محل السوق‏

29/ سوق الجزّارين/ و هو بالمدّعى.

30/ سوق النجّارين/ و هو بجهة سوق الليل.

انتهى ما ذكر من الأسواق المذكورة في كتاب الأزرقي و نحن قد وضعناها على هذا الترتيب و قد أخذنا محلات هذه الأسواق من نفس كتاب الأزرقي أيضا بعد المراجعة التامة فيه في كثير من الصحائف، فالحمد للّه على توفيقاته.

مباسط الحراج بمكة في الجاهلية

قد يظن بعضهم أن الحراج و يسمى بمصر «سوق الكانتو» أمر مستحدث، ولكنه أمر معمول به من قديم الزمن، و هذا معقول لأن الحراج مكان يبيع الإنسان فيه ما يحتاج إلى بيعه، و قد يبسط أمتعته و خردواته نهارا فوق فراش أمامه إن كانت من القطع الصغيرة ثم يرفعها إذا أقبل الليل في صناديق يقفلها و يمضي إلى منزله حتى إذا أصبح ذهب إلى مكان الحراج و أخرج ما في الصندوق و بسطها أمامه للبيع، و هذه الصناديق خاصة لأهل الحراج لا تنقل و إنما تكون بلصق جدار البيوت التي في جوانب الحراج، و هذه عادة جارية إلى اليوم كالصناديق الموجودة بحراج الحلقة بالمعلا، و قد ذكر الإمام الأزرقي الحراج في الجاهلية بهذه الكيفية في تاريخه في الجزء الثاني عند الكلام على رباع بن عدي بن كعب حيث يقول:

و كانت للخطاب بن نفيل دار صارت لعمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه كانت بين دار مخرمة بن نوفل التي صارت لعيسى بن علي و بين دار الوليد بن عتبة بين الصفا و المروة و كان لها و جهان: وجه على ما بين الصفا و المروة، و وجه على فج بين الدارين فهدمها عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في خلافته و جعلها رحبة و مناخا للحاج تصدّق بها على المسلمين و قد بقيت منها حوانيت فيها أصحاب الأدم.

فسمعت جدي أحمد بن محمد يذكر أن تلك الحوانيت كانت أيضا رحبة من هذه الرحبة، ثم كانت مقاعد يكون فيها قوم يبيعون في مقاعدهم و في المقاعد صناديق يكون فيها متاعهم بالليل، و كانت الصناديق بلصق الجدار ثم صارت تلك المقاعد خياما بالجريد و السعف فلبثت تلك الخيام ما شاء اللّه و جعلوا يبنونها باللبن الني‏ء و كسار الآجر حتى صارت بيوتا صغارا يكرونها من أصحاب المقاعد في‏

111

الموسم من أصحاب الأدم بالدنانير الكثيرة، فجاءهم قوم من ولد عمر بن الخطاب من المدينة فخاصموا أولئك القوم فيها إلى قاض من قضاة مكة فقضى بها للعمريين و أعطى أصحاب المقاعد قيمة بعض ما بنوا فصارت حوانيت تكرى من أصحاب الأدم و هي في أيدي ولد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى اليوم. انتهى من الأزرقي.

موضع الحراج أي المزاد

بمكة عدة مواضع للحراج «بفتح الحاء» أي المزاد لبيع السلع و الأمتعة قديمة كانت أو جديدة، و بها أيضا حراج للغنم و المواشي و حراج للحطب و الفحم و حراج لبيع السيارات و نحوها. و للحراج شيخ و نظام خاص و يبدأ البيع في بعضها من ارتفاع الشمس ضحوة النهار إلى الظهر و في بعضها من بعد صلاة العصر إلى قرب المغرب.

و أكبر حراج بمكة للأمتعة هو حراج سوق الليل و ذلك من قديم الزمان، و حراج الجفالي بالغزّة. فحراج سوق الليل هو من قديم الزمان بسوق الليل، ثم إنه في سنة (1361) إحدى و ستين و ثلاثمائة و ألف انتقل هذا الحراج من محله القديم إلى زقاق البيض جهة المسعى ثم انتقل أيضا من زقاق البيض إلى محله القديم بسوق الليل في سنة (1376) ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف بسبب توسعة المسجد الحرام و الشوارع.

و من العجيب أن الحراج الكبير دائر بين سوق الليل و بين المسعى من قديم الزمن، فقد جاء في تاريخ الغازي في الجزء الأول أن الأمير بيسق الذي كان نائبا في الحكم بمكة عن الشريف حسن بن عجلان حال سفره إلى أطراف مكة أمر في شهر ربيع الآخر سنة (804) أربع و ثمانمائة بنقل السوق من المسعى إلى سوق الليل، فلما رجع الشريف حسن بن عجلان إلى مكة أمر بإعادته إلى المسعى و ذلك في عاشر جمادى الآخرة من السنة المذكورة.

و في العصر الجاهلي أو في صدر الإسلام كانت الرحبة التي بين دار أبي سفيان و دار حنظلة بن أبي سفيان بجهة المسعى من الناحية الشرقية حراجا أو موضعا لبيع ما تحمله العير من السراة و الطائف و غير ذلك من الحنطة و الحبوب و السمن و العسل، كما ذكره الأزرقي. و كان سوق الغنم بالمدّعى بأول الجودرية عند

112

مسجد الغنم كما ذكره الأزرقي. و لقد روى الغازي في تاريخه أن سوق بيع الحطب كان بالمدّعى و ذلك سنة (918) ثمان عشرة و تسعمائة نقول: و في عصرنا الحاضر يباع الحطب و الفحم بالحلقة بالمعلا بل صار يباع أيضا جهة جبل حراء، فسبحان مغيّر الأحوال و مقلّب الليل و النهار.

سوق المسعى قبل التوسعة السعودية

كان المسعى سوقا عاما يباع فيه الحاجيات من الأطعمة و المشروبات المثلجة و الأقمشة و الألبسة و المجوهرات و العطورات و الخردوات و المكتبات و جميع ما يلزم للإنسان من الكماليات و الضروريات. و كان سوق المسعى من أهم الأسواق بمكة يقع على جانبي المسعى، و السعي يكون في وسط السوق و كل دكان فيه يختص ببيع نوع من الحاجيات.

و سوق المسعى ليس بحديث و إنما هو في هذا المكان من قديم الزمان كما كانت الحزورة «عند باب الوداع» التي كان فيها دار أم هانئ بنت أبي طالب رضي اللّه عنها سوق مكة في الجاهلية.

معرفة حكم البيع و الشراء

و يجب على من يتعاطى البيع و الشراء في الأسواق أن يعرف أحكام البيوع و ما يتعلق بها من المسائل حتى لا يقع في محظور. فقد جاء في أوائل الجزء الثاني من كتاب «التراتيب الإدارية» للعلّامة المحدّث الشهير الشيخ عبد الحي الكتاني الفاسي ما يأتي:

و في الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة لأبي الحسن علي بن يوسف الحكيم الفاسي قال عمر: لا يدخل الأعاجم سوقنا حتى يتفقهوا في الدين. يريد و اللّه أعلم فقه ما يلزمه في خاصة نفسه. قلت: أي من أحكام البيوع و أصل ذلك من فعله (عليه السلام) فإنه كان يعلم كل من يتعاطى عملا أحكامه و تكاليفه.

و قال المجاجي في شرح مختصر ابن أبي جمرة قال علماؤنا: لا يجوز أن يتولى البيع و الشراء و يجلس في السوق لذلك إلا من هو عالم بأحكام البيوع و الشراء و أن تعلم ذلك لمن أراده فرض واجب متعين عليه و حكى على هذا الإجماع.

113

و بهذا قال مالك في كتاب «القراض» و في المدونة: و لا أحب مقارضة من يستحل الحرام و من لا يعرف الحلال من الحرام و إن كان مسلما. و قد روي أن عمر بعث من يقيم من الأسواق من ليس بفقيه. اه.

و نحوه لابن رشد في المقدمات و في الشبرخيتي على المختصر قال القباب: لا يجوز للإنسان أن يجلس في السوق حتى يعلم أحكام البيع و الشراء. و بعث عمر من يقيم من الأسواق من ليس بفقيه. اه.

و في المدخل لأبي عبد اللّه بن الحاج قد كان عمر بن الخطاب يضرب بالدرة من يقعد في السوق و هو لا يعرف الأحكام و يقول: لا يقعد في سوقنا من لا يعرف الربا أو كما يقول.

و قد أمر مالك بقيام من لا يعرف الأحكام من السوق لئلا يطعم الناس الربا، سمعت سيدي أبا محمد يذكر أنه أدرك المحتسب يمشي في الأسواق و يقف على الدكان و يسأل صاحبه على الأحكام التي تلزمه في سلعته من أين يدخل عليه الربا فيها و كيف يحترز منها فإن أجابه أبقاه في الدكان و إن جهل شيئا من ذلك أقامه من الدكان و يقول: لا يمكنك أن تقعد في سوق المسلمين تطعم الناس الربا و ما لا يجوز. اه.

و في نهج البلاغة أن عليا (عليه السلام) قال: من اتجر بغير فقه فقد ارتطح (ارتبك) في الربا. قال ابن أبي الحديد في شرحه، لأن مسائل الدين مشتبهة بمسائل البيع و لا يفرق بينهما إلا الفقيه. اه منه ص (479) من المجلد الرابع.

و في قوت القلوب لأبي طالب المكي: كان عمر رضي اللّه عنه يطوف بالأسواق و يضرب بعض التجار بالدرة و يقول: لا يبيع في سوقنا إلا من تفقه و إلا أكل الربا أو أبى. اه.

و عزى بعض المتأخرين إلى الترمذي مرفوعا «لا يبيع في سوقنا إلا من تفقه في الدين» و لم أجده في كتاب البيوع من الجامع و لا في الجامعين للسيوطي ثم وجدته في كنز العمال معزوا له. انظر ص (218) من ج 1.

و في تنبيه المغترين كان مالك يأمر الأمراء فيجمعون التجار و السوقة و يعرضونهم عليه فإذا وجد أحدا منهم لا يفقه أحكام المعاملات و لا يعرف الحلال‏

114

من الحرام أقامه من السوق و قال له: تعلّم أحكام البيع و الشراء ثم اجلس في السوق فإن من لم يكن فقيها أكل الربا.

و قال الزرقاني في شرح المختصر عند قوله: «و تجارة لأرض حرب» عن مالك أنه لا تجوز شهادة التجار في شي‏ء من الأشياء إلا أن يتعلموا أحكام البيع و الشراء. اه.

و في البريقة المحمودية في شرح الطريقة المحمدية للشيخ أبي سعيد الخادمي الحنفي على التاجر أن يتعلم أحكام البيوع صحة و فسادا و بطلانا حلا و حرمة و ربا و غيرها، قال في التتارخانية عن السراجية: لا ينبغي للرجل أن يشتغل بالتجارة ما لم يعلم أحكام البيع و الشراء ما يجوز و ما لا يجوز.

و عن البزازية لا يحل لأحد أن يشتغل بالتجارة ما لم يحفظ كتاب «البيوع».

و كان التجار في القديم إذا سافروا استصحبوا معهم فقيها يرجعون إليه في أمورهم، و عن أئمة خوارزم أنه لا بد للتاجر من فقيه صديق. اه.

و انظر شرح الشيخ أبي سالم العياشي على نظمه في «البيوع» لدى قوله فيه:

لا تجلسن في السوق حتى تعلما* * * ما حلّ من بيع و ما قد حرما

و في الشرا أيضا و ذاك واجب‏* * * أيضا على جميع من يسبب‏

لنفسه أو غيره ما يعرف‏* * * حكم الذي في فعله تصرف‏

و دفعك المال لمن لا يعلم‏* * * حكم البياعات قراضا يحرم‏

و انظر أيضا قول أبي زيد التلمساني في نظمه لبيوع ابن جماعة التونسي:

و لم يحل جلوسه في الشرع‏* * * حتى يكون عارفا بالبيع‏

أعني به في سائر الأسواق‏* * * و ذاك معلوم بالاتفاق‏

و هكذا في كل علم يجهله‏* * * في نفسه في كل شي‏ء يفعله‏

لا سيّما القاضي مع الشهود* * * و عممّن و احذر من الوعيد

و لم يجز أن تدفع الأموالا* * * لرجل لا يعرف الحلالا

و ذلك في القراض و البيوع‏* * * و جملة الأحكام في المشروع‏

قلت: و هذا هو الأصل في المدينة العصرية لعلم إمساك الدفاتر و التخريج في المدارس التجارية و التحصيل على إجازاتها بعد المباراة في التحصيل على درجاتها «زقلت». انتهى من كتاب «التراتيب الإدارية».

115

جاء في كتاب «التراتيب الإدارية» نقلا عن كتاب «مناقب عمر» لابن الجوزي ما يأتي: قال الحسن قال عمر: من اتجر في شي‏ء ثلاث مرات فلم يصب فيه شيئا فليتحول إلى غيره، و فيه عن الأكيدر العارضي قال، قال عمر: تعلموا المهنة فإنه يوشك أن يحتاج أحدكم إلى مهنة، و في كنز العمال معزوا إلى عمر لو لا هذه البيوع صرتم عالة على الناس، و في المناقب عن بكر بن عبد اللّه قال: قال عمر: مكسبة فيها بعض دناءة خير من مسألة الناس، و فيه عن ذكوان قال: قال عمر: إذا اشترى أحدكم جملا فليشتره عظيما سمينا فإن أخطأه خيره لم يخطئه سوقه.

و خرج ابن الجوزي في تلبيس إبليس و مناقب عمر عن خوات التميمي قال:

قال عمر: يا معشر الفقراء ارفعوا رؤوسكم فقد وضح الطريق فاستبقوا الخيرات و لا تكونوا عالة على المسلمين. و في «العقد الفريد» قال عمر بن الخطاب: لا يقعدنّ أحدكم عن طلب الرزق و يقول اللهم ارزقني، و قد علم أن السماء لا تمطر ذهبا و لا فضة و أن اللّه إنما يرزق الناس بعضهم من بعض و تلا قوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏.

و فيه قال عمر: حسب الرجل ماله و كرمه دينه و مروءته خلقه، و أخرج ابن ماجة من طريق عبد الملك بن عمير عن عمرو بن حريث عن أخيه سعد بن حريث قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): من باع عقارا أو دارا و لم يجعل ثمنها في مثلها لم يبارك له،" زقلت".

و عن محمد بن عاصم قال: بلغني أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى غلاما فأعجبه سأل هل له حرفة فإن قيل: لا، قال: سقط من عيني، (زقلت). انتهى من الكتاب المذكور.

ما يوجد من المهن و السماسرة و الصيارفة في زمن الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم‏

كان الناس من عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يتّجرون في جميع ما يلزم للإنسان من البزّ- القماش- و العطورات و الأسلحة و العقاقير- الأدوية- و الدباغة و الخرازة و النسيج‏

116

و الخياطة و النجارة و غير ذلك، و كان في سوقهم وزّان و كيّال و صراف و سماسرة- أي دلّالين-.

فقد جاء ذكر كل ذلك في كتاب التراتيب الإدارية، و لو لا خوف التطويل لنقلنا منه كثيرا، فمن أراد الوقوف على ذلك فليرجع إلى الكتاب المذكور فإنه كتاب مهم جدا لكن لا بأس أن ننقل منه ما جاء عن الصرّافين و السماسرة من الكتاب المذكور، ليعلم أن هاتين الصنعتين كانتا موجودتين من قبل الإسلام كما يفهم مما يأتي، فقد جاء في الكتاب المشار إليه في الجزء الثاني منه ما نصه:

«باب في الصراف» ذكر من كان يتجر في الصرف على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): في الصحيح عن أبي المنهال قال: كنت أتجر في الصرف فسألت زيد بن أرقم رضي اللّه عنه و البراء بن عازب عن الصرف فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فسألنا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عن الصرف فقال: إن كان يدا بيد فلا بأس و إن كان نسيئا فلا يصلح- و الصرف: بيع الذهب بالفضة، و النسأ: التأخير-. انتهى من الكتاب المذكور.

و جاء في الكتاب المذكور أيضا عن السماسرة ما نصه:

«الدلّال و هو السمسار» في الصحيحين عن طاووس عن ابن عباس قال:

نهى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن يتلقى الركبان و أن يبيع حاضر لباد، و في البخاري عن طاووس عن أبيه، سألت ابن عباس ما معنى قوله: لا يبيعن حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارا.

[زقلت‏] قال شيخنا في الفجر الساطع: المراد بالسمسار هنا هو المتولي العقد بين البائع و المشتري بأجر كالسماسرة القاعدين بالحوانيت، و ليس المراد بالدلال كما سبق اه.

و في فتح الباري: السماسرة، بمهملتين، هو في الأصل القيم بالأمر و الحافظ له ثم استعمل في متولي البيع و الشراء لغيره. اه.

و في القاموس: السمسار، بالكسر: المتوسط بين البائع و المشتري، قال الشمس ابن الطيب الفاسي في حواشيه: قلت هو الذي يسميه الناس الدلال فإنه يدل المشتري على البائع، و هو لفظ أعجمي كما قاله الخطابي في معالم السنن‏

117

و غيره و أغفل المصنف ذلك، اه. و قد ألف في مسألة السماسرة و أحكامهم أبو العباس الأبياني التونسي. انتهى من كتاب التراتيب الإدارية.

حكم بيع بيوت مكة و أجارتها

لما كانت «مكة» شرّفها اللّه تعالى بلد اللّه الأمين و في هذه البلدة المقدسة بيت اللّه المعظم و فيها تؤدّى فريضة الحج و العمرة و هما من أركان الإسلام و فيها مولد رسوله العزيز المكرم صلى اللّه عليه و على آله و صحبه و سلم صار لبيع دورها و كرائها حكم خاص منذ ظهور الإسلام.

و هذه البلدة المطهرة قد دخلها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم الفتح الأعظم في السنة الثامنة من الهجرة صبح يوم الجمعة لعشرين خلت من رمضان فتحها بدون قتال يذكر فعليه صارت كلها ملكا لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و لقد اختلف العلماء في هذا الفتح فبعضهم يقول: إن مكة فتحت عنوة، و بعضهم يقول: إنها فتحت صلحا.

و اختلفوا أيضا هل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعد فتح مكة منّ بها على أهلها فيجوز بيع دورها و كراؤها أو أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أقرّها و فرقها للمسلمين، فلا يجوز البيع و الكراء لدورها. لهذا نعقد هذا المبحث لبيان حكم بيع دورها و إجارتها و ننقل حكم ذلك من تاريخين مهمين: الأول من تاريخ الإمام الأزرقي، و الثاني من تاريخ الغازي فمن اطلع عليهما استغنى عن غيرهما.

ما جاء في تاريخ الأزرقي عن بيع و إيجار دور مكة

قال الإمام الأزرقي (رحمه اللّه تعالى) عند الكلام على من كرى بيوت مكة و ما جاء في بيع رباعها ... إلخ ما نصه:

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا يحيى بن سليم قال: حدثني عمر بن سعيد بن أبي حسين قال: حدثني عثمان بن أبي سليمان عن علقمة بن نضلة قال:

كانت الدور و المساكن على عهد النبي (صلى الله عليه و سلم) و أبي بكر و عمر و عثمان رضي اللّه عنهم ما تكرى و لا تباع و لا تدعى إلا السوائب، من احتاج سكن و من استغنى أسكن، قال يحيى: قلت لعمرو بن سعيد: فإنك تكري، قال: قد أحل اللّه الميتة للمضطر إليها.

118

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا مسلم بن خالد الزنجي عن عبيد اللّه بن أبي زياد عن ابن أبي نجيح عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: من أكل كراء بيوت مكة فإنما يأكل في بطنه نارا.

حدثنا أبو الوليد حدثني قال جدي: حدثنا يحيى بن سليم حدثنا عبد اللّه بن صفوان الوهطي قال: سمعت أبي يقول: بلغني أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: كان ساكن مكة حيا من العرب فكانوا يكرون الظلال و يبيعون الماء فأبدلها اللّه تعالى بهم قريشا فكانوا يظلون الظلال و يسقون الماء.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن حماد بن شعيب الكوفي عن الأعمش عن مجاهد قال: نهى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عن بيع رباع مكة و عن أجر بيوتها. حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن ابن جريج قال: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، قال ابن جريج: قرأت كتابا من عمر بن عبد العزيز إلى عبد العزيز بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد و هو عامله على مكة يأمره أن لا يكرى بمكة شي‏ء، قال ابن جريج: أخبرني عطاء أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كان ينهى أن تبوب أبواب دور مكة.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني أحمد بن ميسرة حدثنا عبد المجيد بن أبي رواد عن أبيه قال: بلغني أن مجاهدا كان يقول: الكراء بمكة نار، فقال أبي: سمعت عبد الكريم بن أبي المخارق يقول: لا تباع تربتها و لا يكرى ظلها، يعني مكة، و قال: إني قدمت مكة سنة مائة و عليها عبد العزيز بن عبد اللّه أميرا فقدم عليه كتاب من عمر بن عبد العزيز ينهى عن كراء بيوت مكة و يأمره بتسوية منى، قال:

فجعل الناس يدسون إليهم الكراء سرا و يسكنون، قال: و قال أبي: حدثني إسماعيل بن أمية عن رجل من قريش أنه قال: لقد أدركت الناس و إن الركبان يقدمون فيبتدرهم من شاء اللّه من أهل مكة أيهم ينزلهم، ثم نحن اليوم نبتدرهم أينا يكريهم.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا مسلم بن خالد عن إسماعيل بن أمية أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أخرج الرقيق و الدواب من مكة و لم يدع أحدا يبوب داره بمكة حتى استأذنته هند بنت سهيل و قالت: إنما أريد بذلك إحراز متاع الحاج و ظهرهم، فأذن لها فعملت بابين على دارها.

119

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا سفيان عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن ابن صفوان قال له: كيف وجدتم إمارة الأحلاف فيكم؟

قال: التي قبلها خير منها. قال: فقال ابن صفوان: فإن عمر قال كذا لشي‏ء لم يذكره سفيان، قال ابن عباس: أسنّة عمر تريد، هيهات هيهات تركت و اللّه سنّة عمر شرقا و مغربا قضى عمر أن أسفل الوادي و أعلاه مناخ للحاج و أن أجياد و قعيقعان للمريحين و الذاهب و اتخذتها أنت و صاحبك دورا و قصورا. انتهى من التاريخ المذكور.

و قال الإمام الأزرقي أيضا عند الكلام على من لم ير بكراء بيوت مكة و بيع رباعها بأسا ما نصه:

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي و إبراهيم بن محمد الشافعي قالا: أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن ابن القاسم بن عقبة الأزرقي عن إبراهيم عن علقمة بن نضلة قال: وقف أبو سفيان بن حرب على ردم الحذائين فضرب برجله فقال: سنام الأرض، إن لها سناما يزعم ابن فرقد، يعني عتبة بن فرقد السلمي، إني لا أعرف حقي من حقه له سواد المروة ولي بياضها ولي ما بين مقامي هذا إلى تجنى، و تجنى ثنية قريب من الطائف، قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال: إن أبا سفيان لقديم الظلم ليس لأحد حق إلا ما أحاطت عليه جدراته.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طاووس قال: قيل لصفوان بن أمية و هو بأعلى مكة: إنه لا دين لمن لم يهاجر، فقال: لا أصل إلى منزلي حتى آتي المدينة، فقدم المدينة فنزل على العباس رضي اللّه عنه ثم أتى المسجد فنام و وضع خميصة له تحت رأسه فأتاه سارق فسرقها فأخذه فجاء به إلى نبي اللّه (صلى الله عليه و سلم) فأمر به أن تقطع يده، فقال: يا رسول اللّه هي له، قال:

فهل لا كان ذلك قبل أن تأتيني به؟ فقال: ما جاء بك، قال قيل: إنه لا دين لمن لم يهاجر، قال: ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة فقروا على سكناتكم فقد انقطعت الهجرة و لكن جهاد و نية و إذا استنفرتم فانفروا.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن فروخ أن نافع بن عبد الحارث ابتاع من صفوان بن أمية دار السجن و هي دار أم وائل لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بأربعة آلاف درهم فإن رضي عمر فالبيع له و إن لم يرض فلصفوان أربعمائة درهم.

120

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن ابن جريج أخبرني هشام بن فجير عن طاووس قال: اللّه يعلم أني سألته عن مسكن لي فقال: كل كراه يعني مكة، قال ابن جريج: و كان عمرو ابن دينار لا يرى به بأسا، قال:

و كيف يكون به بأس و الربع يباع و يوكل ثمنه و قد ابتاع عمر رضي اللّه عنه دار السجن بأربعة آلاف درهم و أعربوا فيها أربعمائة عمرو القايل.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني أحمد بن ميسرة عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن أبيه قال: بلغني أن طاووسا و عمرو بن دينار كانا لا يريان بكراء بيوت مكة بأسا، قال عبد العزيز بن أبي رواد: و ذكر لعمرو بن دينار قول عبد الكريم بن أبي المخارق: لا تباع تربتها و لا يكرى ظلها فقال: جاءوا به يا خراساني على الروى. انتهى من الأزرقي.

ما جاء في تاريخ الغازي عن حكم بيع و إيجار بيوت مكة

أما الغازي (رحمه اللّه تعالى) فقد ذكر في الجزء الأول من تاريخه عند الكلام على حكم بيع دور مكة و إجارتها ما نصه:

قال الفاسي في شفاء الغرام: اختلف العلماء رحمهم اللّه تعالى في حكم بيع دور مكة و إجارتها، فحكى الشيخ أبو جعفر الأبهري عن الإمام مالك أنه كره بيعها و كراها، و ذكر اللخمي بن رشد في مقدماته أنه لم يختلف قول مالك و أصحابه في أن مكة افتتحت عنوة و أنهم اختلفوا هل منّ بها على أهلها فلم تقسّم لما عظم اللّه من حرمتها أو أقرّت للمسلمين، قال: و على هذا جاء الاختلاف في كراء بيوتها. انتهى. و حراز البيع و الكراء في دور مكة ينبني على القول: بالمنّ بها على أهلها و منع ذلك ينبني على القول بأنها فرّقت للمسلمين، قلت: و رجح الفاسي القول بالمنّ و أطال الكلام في ذلك. و حاصل ما ذكر أن عمل علماء الصحابة و خلفائهم يرجّح القول بالمنّ، و ذلك أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و عبد اللّه ابن الزبير رضي اللّه عنهم اشتروا دورا بمكة و وسّعوا بها المسجد الحرام و كذلك اشترى أمير المؤمنين معاوية دار الندوة و دار أم المؤمنين خديجة بنت خويلد و غير ذلك من دورها، و اشترى لعمر رضي اللّه عنه عامله على مكة نافع بن عبد الحارث دارا للسجن له من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، و لا ريب في أن من ذكروا من الصحابة رضي اللّه عنهم أعلم ممن بعدهم بما يصلح‏

121

في أرض مكة و أنه لو كان عندهم علم عن النبي (صلى الله عليه و سلم) بأنها أقرت لما أقدموا على ما فعلوا، و يبعد جدا أن يصح ذلك عن النبي (صلى الله عليه و سلم) و يخفى عليهم و على غيرهم من علماء الصحابة رضي اللّه عنهم فإنه لم يحفظ عن غيرهم أنه أنكر على أحد منهم ما فعل و لو كان عندهم علم بخلاف ما فعل المشار إليهم لما سكتوا عن الإنكار عليهم، قال: و في شراء عمر و من ذكر معه دلالة واضحة على أن مكة مملوكة لأهلها إما لمنّ النبي (صلى الله عليه و سلم) بها على أهلها كما هو أحد القولين عند القائلين بأنها فتحت عنوة أو لأنها فتحت صلحا، قال: و اختلف مذهب الإمام أبي حنيفة في أرض مكة فروي عنه كراهة بيعها فقيل مراده لا يجوز البيع، و ذكر قاضي خان أنه ظاهر الرواية، و قيل يجوز مع الكراهة و أجاز ذلك صاحباه أبو يوسف و محمد بن الحسن و عليه الفتوى على ما قال الصدر الشهيد الحنفي و به جزم حافظ الدين الحنفي.

و اختلف مذهب أبي حنيفة أيضا في إجارة أرضها، فروي عنه و عن محمد بن الحسن عدم جواز ذلك، و روي عنهما جواز ذلك مع الكراهة.

و اختلف في ذلك أيضا مذهب الإمام أحمد بن حنبل، فروي عنه جواز ذلك و منعه، و ذكر الموفق ابن قدامة الحنبلي أن رواية الجواز أظهر في الحجة، و ذكر ابن المنجا من الحنابلة رواية المنع على المذهب و لم يختلف مذهب الشافعي في جواز بيع دور مكة و إجارتها. اه. انتهى من تاريخ الغازي.

ثم قال الغازي في تاريخه ما نصه: و قال العلّامة قطب الدين المكي (رحمه اللّه تعالى)، و أما حكم بيع دور مكة فقد ذكر الإمام قاضي خان أنه لا يجوز بيع دورها عند أبي حنيفة (رحمه اللّه) في ظاهر الرواية و قيل يجوز مع الكراهة و هو قول محمد و أبي يوسف، قال صاحب الواقعات و عليه الفتوى.

و روى الحسن عن أبي حنيفة أن بيع دور مكة جائز و فيها الشفعة و هو قول أبي يوسف و عليه الفتوى، ذكره في عيون المسائل قال قوام الدين في شرح الهداية:

بيع بناء مكة جائز اتفاقا لأن بناءها ملك الذي بناه، ألا ترى أن من بنى في أرض الوقف جاز أن يبيع بناءه فكذا هذا.

و أما بيع أرض مكة فلا يجوز عند أبي حنيفة (رحمه اللّه) و هو ظاهر الرواية عنه و هو قول محمد، و عند أبي يوسف يجوز، و رجح الطحاوي قول أبي يوسف و قال:

رأينا المسجد الذي كان للناس سواء العاكف فيه و الباد لا ملك لأحد فيه و رأينا

122

مكة على غير ذلك فقد أجيز البناء فيه، قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم دخلها: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن و من أغلق عليه بابه فهو آمن» فلما كانت مما يغلق عليه الأبواب و بينى فيها المنازل كان صفتها صفة المواضع التي يجري فيها الأملاك و يقع فيها التوارث، و لا يجوز احتجاج المخالف بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ لأن المراد المسجد الحرام لا جميع أرض مكة. انتهى ملخصا.

و أما إجارة دور مكة فقد ذكر صاحب التقريب قال: روى هشام عن أبي حنيفة أنه كره إجارة بيوت مكة و قال لهم أن ينزلوا عليهم في دورهم إذا كان فيها فضل و إن لم يكن فلا، و هو قول محمد (رحمه اللّه). انتهى.

و روى محمد في الآثار عن أبي حنيفة عن عبد اللّه بن زياد عن أبي نجيح عن عبد اللّه بن عمرو عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: «من أكل من أجور بيوت مكة شيئا فإنما أكل نارا» أخرجه الدار قطني بإسناد ضعيف، و قال: الصحيح أنه موقوف، و روى أنه كره إجارتها لأهل الموسم و لم يكره للمقيم، لأن أهل الموسم لهم ضرورة إلى النزول و المقيم لا ضرورة له.

و عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه نهى أن يغلق بمكة باب دون الحاج فإنهم ينزلون كل موضع رأوه فارغا، و كتب عمر بن عبد العزيز في خلافته إلى أمير مكة أن لا يدع أهل مكة يأخذون على بيوت مكة أجرا فإنه لا يحل لهم، و كانوا يأخذون ذلك خفية و مساترة.

و هذا مبني على أصل و هو أن فتح مكة هل كان عنوة فتكون مقسومة مغنومة و لم يقسمها النبي (صلى الله عليه و سلم) و أقرها على ذلك فتبقى على ذلك لا تباع و لا تكرى و من سبق على موضع فهو أولى به، و بهذا قال أبو حنيفة و مالك و الأوزاعي رضي اللّه عنهم، أو كان فتحا صلحا فتبقى ديارهم بأيديهم يتصرّفون في أحوالهم كيف شاءوا سكنا و إسكانا و بيعا و إجارة و غير ذلك. و به قال الإمام الشافعي و أحمد و طائفة من المجتهدين رحمهم اللّه تعالى، و على ذلك عمل الناس قديما و حديثا.

انتهى.

و في كتاب «بلوغ الأرب في أحوال العرب» للعلّامة السيد محمود شكري الآلوسي البغدادي اختلف الفقهاء في بيع دور مكة و إجارتها، فمنع أبو حنيفة من بيعها و أجاز إجارتها في غير أيام الحج و منع منهما في أيام الحج لرواية الأعمش عن‏

123

مجاهد أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: مكة حرام لا يحل بيع رباعها و لا أجور بيوتها، و ذهب الشافعي (رحمه اللّه تعالى) إلى جواز بيعها و إجارتها لأن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أقرّهم عليها بعد الإسلام على ما كانت عليه قبله و نم لغنمها و لم يعارضهم فيها و كذلك بعده.

هذه دار الندوة و هي أول دار بنيت بمكة صارت بعد قصي لعبد الدار بن قصي و ابتاعها معاوية في الإسلام من عكرمة بن عامر بن هشام بن عبد الدار بن قصي و جعلها دار الإمارة و كانت من أشهر دار ابتيعت ذكرا و أنشرها في الناس خبرا، فما أنكر بيعها أحد من الصحابة.

و ابتاع عمر و عثمان رضي اللّه عنهما ما زاداه في المسجد من دور مكة و تملك أهلها أثمانها، و لو حرّم ذلك لما بذلاه من أموال المسلمين ثم جرى به العمل إلى وقتنا هذا فكان إجماعا متبوعا، و تحمل رواية مجاهد مع إرسالها على أنه لا يحل بيع رباعها على أهلها تنبيها على أنها لم تغنم فتملك عليهم، فلذلك لم تبع و كذلك حكم الإجارة. انتهى. انتهى كل ذلك من تاريخ الغازي.

إلى هنا انتهينا من ذكر ما ورد عن حكم بيع و إيجار دور مكة و بيوتها، فلنذكر الآن عمل الناس في ذلك و ما سنّه حكام مكة و ولاتها من النظام و القرارات في مسألة إيجارات بيوت مكة في قرننا هذا الرابع عشر للهجرة، أما ما كان قبل ذلك فلا نقدر أن نتوصل إليه لعدم ورود شي‏ء في التاريخ.

تشكيل هيئة خاصة للنظر في مشاكل الإيجارات و سن قانون لها

لما كانت قضايا الناس لا تنقضي و مشاكلهم لا تحصر في جميع مرافقهم الحيوية كان من الواجب على الحكومة جعل هيئة خاصة تنظر في مصالحهم و تعمل على تسوية أمورهم و تقضي بينهم بالعدل و الإنصاف.

و لهذا رأت الحكومة الهاشمية السابقة تشكيل هيئة للنظر في المعاملات العامة و المسائل المتنوعة التي تقع بين الناس من إيجارات العقار و الدكاكين و القهاوي و غير ذلك. و لقد سنّت لذلك أنظمة و قوانين تكفل راحة الناس و تحفظ حقوقهم و لا تجعل أحد الطرفين متعديا و ظالما للطرف الثاني.

و لنذكر هنا عن هذه الهيئة و أنظمتها نقلا من الجزء الثالث من تاريخ الغازي فقد جاء فيه ما نصه:

124

و في الثامن و العشرين من ذي الحجة سنة (1340) أربعين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة نشرت الحكومة الهاشمية و أذاعت للعموم قانون هيئة المعاملات العمومية و هذا نصه:

بما أن لهيئة المعاملات العمومية دائرة رسمية حائزة أهمية كبرى بالنظر للقضايا التي تراها المتعلقة بمسائل الإيجارات و الديون و الكشفيات و نحوها رؤي من الضروري تأسيس مواد لها تكون دستورا لكافة أعمالها، و هي كما يلي:

هيئة المعاملات العمومية

المادة الأولى: تشكل من رئيس و أعضاء من أربعة إلى ستة أشخاص من أهل اللياقة و المعرفة.

المادة الثانية: عند غياب الرئيس ينوب منابه أحد الأعضاء في فصل الدعاوى و المطالبات مشتركا مع بقية أعضاء الهيئة.

وظائف الرئيس‏

المادة الثالثة: النظر و التأمل في القضايا التي ترفع إليه من أربابها و حسمها بموجب المواد المدونة بهذا القانون.

المادة الرابعة: يجب عليه محافظة الحقوق العمومية بحيث أنه يسوي بين أرباب الدعاوى بدون تفاضل.

المادة الخامسة: عند اقتضاء المصلحة ينتدب بعض أعضائه للأماكن التي يراد الكشف عليها لتقدير إجارتها و ما هو في معنى ذلك.

وظائف الهيئة

المادة السادسة: الاشتراك مع الرئيس في المسائل المرفوعة من ذويها إلى الهيئة و مطالعة القرارات و التوقيع على مسوداتها.

المادة السابعة: إنقيادها بما يكلفها به رئيسها من الذهاب إلى المواضع التي يراد الكشف عليها.

125

المادة الثامنة: ينبغي مواظبتها على الحضور بدائرتها.

المادة التاسعة: كاتب للهيئة لإدارة أمورها التحريرية و فراشي أسوة بالدوائر الرسمية.

المادة العاشرة: عند احتياج الدائرة إلى نفر أو نفرين من أفراد الشرطة لجلب الأشخاص المدعى عليهم، يجب مساعدة مديرية الشرطة.

المادة الحادية عشرة: المسائل المتعلقة بإيجار العقارات و يستوي في ذلك الدور و الحوانيت و الأفران و الطواحين و طلب إخلاء الساكن يتبع فيها ما يأتي:

المادة الثانية عشرة: إذا تعدد الشركاء المستحقون في أحد الدور أو الدكاكين و رغب أحدهم السكنى بها فعليه أن يدفع على كل عشرة واحدا زائدا لصاحب الاستحقاق الآخر إرضاء لخاطره، و إذا أراد كل واحد منهم السكنى و كان الموضع غير محتمل القسمة فيؤجر على الغير و يعطى كل على قدر حصته.

المادة الثالثة عشرة: بطلب أحد الملاكين إخلاء داره أو حانوته أو ما هو في معناهما المؤجرة على أحد الناس ينظر فيه، فإن كان له دار أخرى ساكنا بها و كانت ملكا له لا يلتفت إلى طلبه، و إذا تبين أنه بدار يقطنها بالإجارة فهو أحق من الغير بعد أن يحرر على نفسه سند بأنه لو أجرها في غضون مدة الإيجار يكون مجبورا بردها لصاحبها القديم و يجازى من قبل الحكومة.

المادة الرابعة عشرة: من علم أن ناظرا على وقف يطلب إخلاء أحد السكان بدار أو دكان و نحوه لإسكان من يستحق الربع في ذلك الوقف و تحقق أمره لدى الهيئة بمطابقته للواقع، يروج طلبه بعد إجراء حكم المادة (13) من تحرير السند إلخ.

المادة الخامسة عشرة: من يدعي بخس الأجرة تكشف عليه الهيئة مع بعض أعضاء البلدية و تحقق مدعاه، فإن رأت زيادة الأجرة أو بقاءها على الحالة الأصلية تقرر ذلك و يصير إنفاذه.

المادة السادسة عشرة: بإسكان شخص في جزء دار مثلا لمدة معينة فعند انقضائها إذا وجد المالك راغبا لها من بابها و كان الساكن يريد البقاء في محله فقط الذي هو جزء من تلك الدار يجري الكشف عليها من قبل الهيئة لتقسيم المحل الذي يسكنه إن أمكنت القسمة بحيث يصلح لسكنى كل واحد منهما بدون ضرر على أحدهما.

126

المادة السابعة عشرة: إذا رغب المستحقون في وقف أن يكون بينهم بالمهايأة فلا بأس من ذلك على أن تكون باعتبار السنين لا الأشهر.

المادة الثامنة عشرة: الساكن إذا امتنع عن دفع الإيجار المقرر أو الإخلاء، فبعد إحضاره و إلقاء التنبيهات الأكيدة عليه يجرى بحقه حكم المادة التالية.

المادة التاسعة عشرة: بامتناع المقرر عليه الإخلاء أو دفع الإجارة يحبس حتى يذعن و يخضع لأوامر الحكومة، و إذا طلب إمهاله إلى مدة زهيدة و أعطي الكفالة اللازمة لذلك يرخص له.

المادة العشرون: الذين يتخلفون عن الحضور عند طلب الهيئة لهم لسماع الدعوى المقامة عليهم و تكرر الطلب بشأنهم يجازون بالحبس من ثلاثة إلى عشرة أيام.

المادة الحادية و العشرون: الدعوى التي تقام على أنثى بخصوص الإيجارات أو نحوها من الكشف على دار سكناها لتقدير إجارتها و تمتنع عن إجابة داعي الحكومة بواسطة ذويها أو شيخ المحلة يجرى الكشف و تجبر لسماع الدعوى أو تقيم وكيلا عنها، و إذا لم تمتثل فبمعرفة البلدية و شيخ المحلة ترمى حوائجها و ترغم على الخروج من تلك الدار.

المادة الثانية و العشرون: المستأجر لشي‏ء إذا أجر بعضه أو كله على الغير لمدة سنة مثلا و انقضت مدة الإجارة و أراد ذلك المستأجر أن يكون بذاته في الموضع المؤجر عليه فله ذلك و يخرج المستأجر من باطنه حيث لم يكن هو المستأجر الأصلي.

المادة الثالثة و العشرون: عند حصول التناكر بين أرباب الحقوق في شي‏ء من الإجارة و الديون القديمة، أي العائدة لسنة (1334) يرفع الأمر إلى المحكمة الشرعية لثبوتها بالوجه الشرعي.

المادة الرابعة و العشرون: إذا غاب المستأجر عن البلاد بحيث كان مسافرا و انتهت مدة إجارته، فإن كان سفره إلى الأقطار الخارجية و لم يكن بإحدى الجهات التابعة للحكومة العربية الهاشمية و لا يوجد وكيل عنه بدفع الإجارة أو أهل ساكنون بالموضع المؤجر عليه يؤذن للمؤجر بالتأجير على غيره.

127

المادة الخامسة و العشرون: بوجود أشياء للغائب في مستأجراته فبمضي أجل الإجارة تستلم تلك الأشياء المحكمة الشرعية بمعرفة الضابط و الهيئة المخصوصة لمثل هذا لديها، و إذا عاد صاحبها ترد إليه بعد حسم مصاريف النقل و خلافه و ذلك عند مطابقة غيابه لما جاء بالمادة (24).

المادة السادسة و العشرون: بتحقيق سفر المستأجر إلى أحد الثغور العربية و انتهاء مدة إجارته تخابر الحكومة المحلية بتلك الجهة في تحصيل الأجرة أو التكليف بتوكيل من يقوم بالإخلاء عند عدم الرغبة و المحاسبة للمدة المشغل لها موقع الإجارة.

المادة السابعة و العشرون: بامتناع المؤجر عن قبض الإجارة المقررة يؤمر الساكن بإيفائه و يكلف المؤجر باستلام الأجرة فإن أبى تسلم إلى المحكمة الشرعية لحفظها إلى أن يراجع في استلامها.

المادة الثامنة و العشرون: المستحكرات حكمها كحكم الإيجارات، فإذا ادعى أربابها بخس الأجرة و كانت وقفا أو معدا للاستغلال تنظر فيها الهيئة كغيرها و تجري التحقيقات اللازمة و بمقتضى ما يثبت لديها تعطي القرار.

المادة التاسعة و العشرون: إذا تعهد المؤجر للمستأجر بإجراء التعمير الضروري في مستأجراته ثم تخلف، فبموجب الشروط يحال التعمير لعهدة البلدية لإجرائه بنظرها و صرف المصاريف من صندوق دائرتها ثم تتحصل من المؤجر أو من الإجارة فيما بعد و على البلدية أن لا تهمل أمر التعمير.

المادة الثلاثون: لو أسكن أرباب العقارات أحدا في مساكنهم ابتغاء مرضاة اللّه، أي مجانا ثم أرادوا إخراجهم فللهيئة مساعدتهم.

المادة الحادية و الثلاثون: بموت المستأجر في أثناء المدة المؤجرة عليه تبقى الأجرة على حالتها باسم الورثة بدون فسخ و هو أحق بالسكنى من الغير.

المادة الثانية و الثلاثون: المتخلف من الإيجارات القديمة بطرف المستأجرين من قبل سنة (1335) تحال إلى المحكمة الشرعية لفصلها بالوجه الشرعي.

المادة الثالثة و الثلاثون: إذا أجر المستأجر عموم الأماكن المؤجرة عليه للغير سواء كانت دورا أو حوانيت و تضرر المؤجر الأصلي من وضع المستأجر لما يوهن البناء أو يضرّ به كعمل فرن أو طاحون فإنه يؤمر بإزالته و إن لم يمتثل يخرج الساكن‏

128

دفعا لما ينشأ من الضرر، و إن كان المتضرر منه كالحشيش و نحوه فيخبر المؤجر الحكومة و هي تجبره على إخراجه.

المادة الرابعة و الثلاثون: مستغلات العقار سواء كانت ملكا أو وقفا عند إرادة أرباب الإستحقاق محاسبة ناظرها أو ما أشبه ذلك ترى بمحاكم البلاد الشرعية لتطبيقها على ما يقتضيه الإيجاب الشرعي.

المادة الخامسة و الثلاثون: كل ما كان من متعلقات العقار في مسائل الإجارة و صادف أن الخصم من المتسربلين بسلك العسكرية الجليلة يصير النظر فيها من قبل الهيئة على أن طلب الخصم يكون بواسطة المرجع الإيجابي.

المادة السادسة و الثلاثون: رضاء الخصمين بقبول حكم الهيئة عليهما في إحدى القضايا المشروحة آنفا المنطبقة على القانون ثم طلبهما نقض الحكم أو رؤيته بجهة أخرى لا بأس من إحالتها إلى مقام حجة الأمة قاضي القضاة للنظر فيها فإذا ظهر ما يوجب الخلاف يعطى الإيضاح عنه شرعا و بموجبه يجري اللازم.

المادة السابعة و الثلاثون: الديونات بكافة أنواعها إذا صدر فيها حكم من المحكمة الشرعية ليس من صلاحية الهيئة نقضه أو الاعتراض عليه أو التدخل فيه قطعيا.

المادة الثامنة و الثلاثون: الخرجات التي بالحوانيت الكائنة بالشوارع العمومية، عند ما ترى البلدة إزالتها و يجري ذلك فعلا ليس للمستأجر حق في مراجعة المؤجر لإرجاع أجرته إليه بل يمكث مستمرا على قبولها نهاية مدة الإجارة. و هذا إذا لم يمس شرف المكان فإذا مسّه يجري الكشف عليه و يعطى له ما يستحقه من مقدار النقص و إذا تحسن يستحصل منه الزيادة بقدر ما يستحق ذلك التحسين.

المادة التاسعة و الثلاثون: في أثناء مدة الإجارة إذا حصل خراب ضروري تعميره بإحدى الدور أو الدكاكين لا حق للمؤجر بطلب الزيادة من المستأجر.

المادة الأربعون: الدكاكين و البيوت و الأفران و ما شابه ذلك إذا تغيرت عن حالتها الأصلية بأن جرت فيها إصلاحات متعددة أوجبت صرف مبالغ طائلة فعلى موجب التحسين الذي صار فيها يزاد في أجرتها بما تستحقه من الكشف و التقدير.

المادة الحادية و الأربعون: الوكيل كالأصيل في التأجير و مجرياته، و أما المستأجر فإذا كان وكيلا عن شخص غائب و من عائلة الموكل الساكنة بالدار و تحقق ذلك‏

129

بصورة واضحة أو كان بها بضاعة أو خلافه فهم أحق بالإجارة و إن كان بالعكس فيجبر على الخروج و المالك أحق بتأجيرها على الغير.

المادة الثانية و الأربعون: الساكن بالدار أو الدكان باستئجار من المؤجر عليه أولى بالإجارة من الغير عند عدم رغبة المستأجر الأصلي لعقد الإجارة.

المادة الثالثة و الأربعون: كل دعوى من متفرعات مسائل الإيجارات لم تكن داخلة بضمن مواد هذا القانون تقرر فيها الهيئة بحسب اجتهادها بما يظهر لها مع مراعاة حفظ حقوق الطرفين ثم ترفعها لمرجعها للنظر فيها و إيفاء ما يرى نحوه.

المادة الرابعة و الأربعون: عموم قرارات الهيئة ترفعها لمرجعها- مقام رئاسة الوكلاء الفخيمة- لإجراء ما يجب فيها.

المادة الخامسة و الأربعون: تحضر هذه الهيئة أمام قاضي القضاة لتحليفها اليمين اللازم على أنها تنظر في دعوى الخصمين بدون مراعاة أحدهما عن الآخر.

المادة السادسة و الأربعون: لا تكون هذه المواد مرعية الإجراء و نافذة المفعول إلا بعد عرضها على السدة الملوكية و اقترانها بالتصديق العالي الملوكي (28) ذي الحجة سنة (1340).

إيضاحات‏ تقرر بمجلس الوكلاء الفخام في (29) ذي الحجة سنة (1340) هجرية بعدد (47) التصديق على مندرجات هذا القانون و صدرت الإرادة السنية الهاشمية في المحرم سنة (1341) هجرية بصدده بإنفاذ مقتضاه، و للبيان جرى تحريره في (4) المحرم سنة (1341) هجرية. انتهى من الغازي.

قرار الحكومة الهاشمية بشأن إيجار العقارات‏

نذكر هنا صورتين فقط من القرارات التي كانت تصدرها الحكومة الهاشمية السابقة بشأن الإيجارات لتعطينا فكرة عامة للناس على ما درجوا عليه من سالف الأزمان في الإيجارات السنوية، و قد نقلنا نص الصورتين من الجزء الثالث من تاريخ الغازي، فالصورة الأولى لعام (1338 ه) و هذا نصها:

130

و في 29 ذي الحجة سنة (1337) هجرية قررت الهيئة المشكلة من وكيل النافعة و نائب وكيل الداخلية و أعضاء مجلس الشيوخ و رئيسه و هيئة المعاملات و أعضاء البلديات الثلاث تحت رئاسة قاضي القضاة و نائب رئيس الوكلاء بالنظر للظروف الحاضرة بأن يجعل الإيجار للبيوت على معدل إسقاط الثلث من الأجرة بالنسبة لمبلغها سنة (1333) و الدكاكين على معدل إسقاط الربع و ذلك بالنسبة لمبلغها سنة (1333) و أن ثلثي مبلغ أجرة الدور و ثلاثة أرباع أجرة الدكاكين يعطى منها النصف في الحال و النصف الآخر إلى مدة نصف زمن الإجارة المعقودة و بموجبه جرى النداء، و من أراد أداء الإجارة دفعة أو أراد أن يتفق الآجر و المستأجر على كيفية مخصوصة فلهم ذلك.

و الصورة الثانية لعام (1343) و هذا نصها:

و في 29 ذي الحجة سنة (1342) أعلن إعلانا رسميا من مقام نيابة رئاسة الوكلاء ليعلم كافة المستأجرين و أرباب العقارات أنه قد تقرر أن تكون الإجارات في عام (1343) القادم باعتبار إجارة العام الماضي تماما على أن إيجار القهاوي و الدكاكين و الأفران و الطواحين يسلم دفعة واحدة، و أما البيوت فيدفع إيجارها الثلثان مقدما و الثلث الباقي في شهر رجب سنة (1343) و لا يمكن إخراج ساكن من مسكنه، و أما الدفع فيكون الثلاثة الأرباع منه ذهبا و الربع الباقي فضة كالمعتاد، و من لم يتبع هذه الأوامر المشروحة آنفا سيجري بحقه الجزاء بموجب القانون المخصوص لعقوبة من يخالف أوامر الحكومة و لإعلان العموم بذلك صار الإعلان.

انتهى من الغازي.

قرار الحكومة السعودية بشأن إيجار العقارات‏

نذكر هنا صورتين فقط من القرارات التي كانت تصدرها حكومتنا السعودية بشأن الإيجارات لنعطي فكرة عامة للناس على ما درجوا عليه من سالف الأزمان في الإيجارات السنوية، و قد نقلنا نص الصورتين من الجزء الثالث من تاريخ الغازي. فالصورة الأولى لعام (1344) ه و هذا نصها:

قرر مجلس الشورى الأهلي إيجار عام (1344) بهذه الصورة:

1) يعتبر مقدار أجرة عموم العقارات في عام (44) كعام (43).

131

2) إيجارات الدور و القهاوي و الحكورات يسقط نصفها في عام (44) و يدفع ربعها حالا و الربع الباقي يؤجل إلى غرة شعبان سنة (1344).

3) يسقط الثلث من كامل أجرة الدكاكين و الأفران و الطواحين و يدفع الثلث من كاملها حالا و يؤجل الباقي إلى غرة شعبان سنة (1344).

4) الدور و الدكاكين و سائر الأماكن المشغولة بأمتعة الغائبين يجري فيه الإيجار الشرعي لدى الحاكم الشرعي.

5) إذا امتنع المستأجر عن دفع الأجرة المقررة أعلاه يجبر بالإخلاء.

6) يقتضي تشكيل لجنة بعنوان «مجلس العقار» مؤلفة من خمسة أنفار، واحد من أعضاء مجلس الشورى الأهلي، و واحد من دائرة الأوقاف، و واحد من هيئة البلدية، و واحد من التجار، و واحد من أرباب العقار لتكون مرجعا للنظر في الدعاوى المتعلقة بالعقارات. و عند وقوع اختلاف بين المؤجر و المستأجر تقرر ما يلزم إجراؤه في ذلك بموجب المواد المشروحة أعلاه ثم ترفع الكيفية إلى مرجع التنفيذ و يعين لها غرفة مخصوصة بدائرة الحكومة لاجتماعها يوميا (28) ذي الحجة سنة (1343).

و الصورة الثانية لعام (1349) و هذا نصها:

صدر الأمر السامي بالموافقة على قرار اللجنة الخاصة المتعلق بإيجار العقارات لعام (1349 ه) و هو:

لدى اجتماعنا و تداول الآراء نحو إيجارات الدور و الدكاكين و القهاوي و الطواحين و كافة المستملكات تقرر أن تكون إيجاراتها على حسب ما كان في العام الماضي أي عام (1348) غير تقسيط الأجرة فإنه يدفع على ثلاث دفعات و تكون في الدور خاصة، فأول قسط منها و هو النصف يدفع في أول محرم، و النصف الثاني قسط منه يدفع في أول شعبان و الثاني في آخر ذي القعدة، و أما القهاوي و الطواحين و ما شاكلها تكون على قسطين طبق ما أجر في العام الماضي في دفع الأقساط، و على الهيئة المنتخبة تطبيق هذا النظام على المؤجرين و المستأجرين على حسب ما كان في العام الماضي، و على ذلك جرى القرار متفقا. انتهى من الغازي.

132

أجور العقار لعام (1368 ه)

جاء في جريدة البلاد السعودية التي صدرت بمكة المشرفة بتاريخ اليوم الحادي و العشرين من شهر ذي الحجة سنة ألف و ثلاثمائة و سبع و ستين هجرية بعدد (762) عن أجور العقارات للعام المذكور ما نصه:

جاءنا من أمانة العاصمة ما يأتي:

تبلغنا من المقام السامي أنه قد صدرت الإرادة الملكية الكريمة بأن يكون إيجار العقار في عام (1368) حرا على أساس التراضي بين المالك و المستأجر. انتهى من الجريدة المذكورة.

فلما صدر هذا المرسوم الملكي تشوش الناس و حصل اضطراب بينهم، لأن الأكثرية لا يملكون عقارات، فالتمسوا من جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (رحمه اللّه تعالى) النظر في المصلحة العامة للأمة و عدم حرية الإيجارات حتى لا يتحكم بعض أرباب العقارات فيهم تحكما قاسيا بل يزاد في الإيجارات نسبة مئوية معلومة.

فوافق (رحمه اللّه تعالى) على زيادة الإيجارات بنسبة عشرين أو خمس و عشرين في المائة، و مشى الناس على هذا المنوال حتى نهاية سنة (1373) ثلاث و سبعين و ثلاثمائة و ألف و هي السنة التي توفي فيها جلالة الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه اللّه تعالى) و أسكنه الجنة و ذلك في اليوم الثاني من شهر ربيع الأول. فتولى بعده ابنه جلالة الملك سعود بن عبد العزيز أدام اللّه توفيقه و نصره.

أجور العقار لعام 1374 ه

جاء في جريدة البلاد السعودية التي صدرت بمكة المشرفة بتاريخ اليوم الخامس من شهر صفر سنة ألف و ثلاثمائة و أربع و سبعين هجرية بعدد (1659) عن أجور العقارات للعام المذكور ما نصه:

جاءنا من وزارة الداخلية ما يلي:

تبلغنا من صاحب السمو الملكي رئيس مجلس الوزراء المعظم بعدد 451 و تاريخ 74/ 2/ 2 الأمر الصادر من جلالة مولاي الملك المعظم الذي يقضي بأن‏

133

يكون تأجير العقار على اختلاف أنواعه في المملكة للعام الحالي حرا بطريق التراضي بين المالك و المستأجر، و إذا حصل اختلاف بينهما فللساكن مهلة شهرين فقط من تاريخ إخطار المالك له بالإخلاء يدبر فيها أمره فاعتمدوا موجب الأمر الملكي الكريم و أعلنوه للناس. انتهى من الجريدة المذكورة.

فجرى الناس على هذا القرار الملكي من عام صدوره المذكور إلى عامنا هذا الذي نحن فيه و هو عام (1406 ه).

خلاصة ما تقدم عن دور مكة و إيجاراتها

يعلم من كل ما تقدم أنه قد مر على عقارات مكة و بيوتها ثلاثة أدوار:

الدور الأول: كانت البيوت و المساكن على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبي بكر و عمر و عثمان رضي اللّه تعالى عنهم ما تكرى و لا تباع و لا تدعى إلا السوائب، قال عبد اللّه بن صفوان الوهطي: سمعت أبي يقول: بلغني أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال:

كان ساكن مكة حيا من العرب فكانوا يكرون الظلال و يبيعون الماء فأبدلها اللّه تعالى بهم قريشا فكانوا يظلون في الظلال و يسقون الماء.

قال ابن جريج: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، و قال أيضا: قرأت كتابا من عمر بن عبد العزيز إلى عبد العزيز بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد و هو عامله على مكة يأمره أن لا يكرى بمكة شي‏ء. و قال أيضا: أخبرني عطاء أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كان ينهى أن تبوب أبواب دور مكة.

و الدور الثاني: جواز بيع بيوت مكة و كرائها و هذا على القول بأن النبي (صلى الله عليه و سلم) لما فتح مكة منّ بها على أهلها.

قال العلّامة قوام الدين في شرح الهداية: بيع بناء مكة جائزا اتفاقا لأن بناءها ملك الذي بناه، ألا ترى أن من بنى في أرض الوقف جاز أن يبيع بناءه فكذا هذا، اه.

و من منع بيع دور مكة و كراءها يستند على القول بأن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فتح مكة عنوة فتكون مغنومة مقسومة للمسلمين، فمن سبق على موضع فهو أولى به و أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لم يقسّم مكة على المسلمين حين فتحها لما لها من الحرمة و التعظيم.

134

فعلى جواز بيع بيوت مكة و كرائها مشى المسلمون إلى اليوم.

الدور الثالث: الاستغلال التام في إيجارات بيوت مكة شرفها اللّه تعالى و زادها أمنا و رخاء و بركة، و ذلك بسبب كثرة ورود الحجاج إليها و الطمع في هذه الدنيا الفانية الخسيسة فارتفعت أجور العقارات ارتفاعا فاحشا أدى إلى تدخل ولاة الأمور في ذلك، فكانوا يصدرون في أول كل عام قرارا يضمن مصالح الطرفين المالك و المستأجر إلى نهاية سنة (1373) ثم صدر قرار ملكي يجعل الإيجارات في مطلق الحرية بين المالك و المستأجر، كما تقدم بيان ذلك بالتفصيل.

و رب سائل يقول متى بدأ الاستغلال في إيجارات دور مكة و ما سبب ذلك؟

فنقول: لا يمكن تحديد بدء الاستغلال لعدم ذكره في التاريخ و لكن نقول عن طريق الاستنتاج: كان بدء الاستغلال من منتصف القرن الثالث عشر للهجرة، ثم زاد الجشع في أواخر حكم الأتراك للحجاز و لا يزال في ازدياد إلى عامنا هذا حيث تمكن الحرص و البخل في قلوب الناس، أما قبل ذلك فقد كان الناس في حالة مرضية من القناعة و الكرم و الإيثار و الرحمة، نسأل اللّه السلامة و العافية من كل ما لا يرضي اللّه عز و جل.

أما سبب الاستغلال فشيئان: الأول: الطمع الكثير و الحرص الشديد. و الثاني، أن المستأجر بمكة إذا استأجر دارا لعام واحد بثلاثة آلاف ريال مثلا فإنه في موسم الحج قد يؤجرها للحجاج بأربعة آلاف ريال أو أكثر لمدة قد تكون أقل من شهر واحد فيكون المستأجر كأنه ساكن في الدار بدون أجرة، بل إنه ربح جزءا أيضا، و هناك من يؤجرها بنحو نصف إيجارها و منهم من لا يؤجر داره في الموسم.

و العادة الجارية عندنا بمكة أن الإيجارات تكون سنوية لا شهرية بخلاف العادة في جميع الممالك حيث أن المتبع في الخارج أن تكون الإيجارات شهرية و أن الساكن بالأجرة في محل لا يتمكن من تأجير محله على غيره. لذلك يطلب مالك العقار بمكة من المستأجر زيادة الأجرة في كل عام.

ثم إن العادة الجارية عندنا أن المستأجر للدار إذا شغل جزءا منها لا يؤجر الجزء الخالي لغيره من أهل البلاد بل يبقيه خاليا إلى أن يأتي موسم الحج فيؤجره للحجاج فقط لإقامتهم بمكة مدة يسيرة جدا.

135

و هناك فرق عظيم بيننا و بين أهل مصر في الإيجارات، فعندنا بالحجاز إيجارات العقار و الدكاكين و نحوها لا تكون إلا لعام كامل دفعة واحدة، و في مصر تكون الإيجارات شهرية.

و عندنا أيضا لا تكون في الدار الواحدة مهما كانت كبيرة إلا عائلة واحدة و يندر جدا أن يسكن أكثر من عائلة في دار واحدة، أما في مصر ففي كل دار عدة من العائلات.

و عندنا أيضا كان يصدر قرار حكومي في أول كل عام لتحديد أجرة السكن للمالك و المستأجر منذ العهود السابقة التي فصلنا بيانها فيما تقدم حتى نهاية سنة (1373) ثلاث و سبعين و ثلاثمائة و ألف هجرية، ثم إنه من بعد هذه السنة المذكورة صدر قرار حكومي أن يكون الاتفاق بين المالك و المستأجر بالحرية التامة في تقدير الأجرة، أي لا تتدخل الحكومة بينهما و لا تزال الحالة كذلك إلى عامنا هذا.

أما في مصر فإن حكومتها تصدر قرارا خاصا في إيجارات الدور و الدكاكين و القهاوي و نحوها في كل عشرة أعوام مرة واحدة أو كل خمسة عشر عاما لا ندري، و نحن نعتقد أن تدخل الحكومة بين أرباب الأملاك و المستأجرين من الواجب الضروري و حبذا لو تشكلت لجنة خاصة بالحجاز و سنّت نظاما دقيقا في صالح الطرفين يسيرون بموجبه في كل عام على الدوام.

و من جملة الأضرار البليغة التي تلحق المستأجرين إذا كانت إيجارات العقارات حرة و لم يكن هناك قانون و نظام في مصلحة الطرفين «المالك و المستأجر» ما نذكره هنا من الحكاية الآتية على سبيل المثال و هي:

استأجر رجل دارا لكامل عام واحد حسب العادة الجارية بمكة ثم حصل فيها خراب يقتضي إصلاحه، فطلب المستأجر من المالك إصلاح الخراب فامتنع من ذلك بتاتا مع أن الشرع و العرف يحكمان على المالك بإجراء الإصلاح على نفقته.

فما ذا يفعل المستأجر معه في حالة امتناعه عن الإصلاح؟

فلو رفع الأمر إلى الحكومة لتجبر المالك بإصلاح ما خرب من الدار فقام هذا بالإصلاح رغم أنفه، فمما لا شك فيه أنه بعد انتهاء مدة الإجارة لن يجدد المالك عقد الإيجار للعام المقبل بل إنه يطلب من المستأجر إخلاء الدار فإن امتنع من ذلك طلب المالك من الحكومة الأمر عليه بالخروج من الدار فتجبره الحكومة بالإخلاء

136

بموجب قانون حرية العقار فيتشتت أمره لصعوبة العثور على المساكن في هذه الأوقات.

و إن قام المستأجر بإجراء إصلاح الخراب الواقع بالدار على نفقته الخاصة ليزيل الضرر عنه ثم طالب بعد ذلك المالك بدفع نفقة الإصلاح فإن المالك لن يدفع له شيئا مطلقا بحجة أنه لم يأمره بإجراء الإصلاح.

فعليه تكون نتيجة كل ذلك وصول الضرر البليغ للمستأجر و وقوع المالك في الحرمة من جهة أكل أموال الناس بالباطل و ليس ذلك مما ترضى به شريعتنا السمحاء البيضاء النقية.

إذن أفلا يكون من الأفضل وضع قانون للإيجارات يكفل مصلحة الطرفين «المالك و المستأجر»؟ فمن أصحاب الأملاك من لا يراعي حقوق الضعفاء و المضطرين، و من الضعفاء من يأكل الحرام و الحلال و ينكر فضل المحسنين، نسأل اللّه التوفيق و السداد لما فيه نفع العباد و البلاد، كما نسأله السلامة من الفتن ما ظهر منها و ما بطن، كما نسأله الستر في الدنيا و الآخرة بفضله و رحمته.

أول هيئة للأمر بالمعروف بمكة

قال الغازي في الجزء الثالث من تاريخه: صدر الأمر السامي في أواخر صفر سنة (1345) خمس و أربعين و ثلاثمائة و ألف بتعيين هيئة تقوم بمهمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و أن تكون أعمالها تتبع الأمور من جهة المعاملات و العادات فما وافق الشرع منها تقره و ما خالفه تزيله.

و أن تمنع البذاءة اللسانية التي تعودتها السوقة، و أن تحث الناس على أداء الصلوات الخمس جماعة، و أن تراقب المساجد من جهة أئمتها و مؤذنيها و مواظبتهم و حضور الناس بها و غير ذلك من دواعي الإصلاح، و أن تتخذ في سبيل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الوسائل الموصلة إلى ذلك بالحكمة، و إذا أعياها أمر من الأمور رفعت فيه إلى أولي الأمر لإجرائه.

فعيّن رئيس تلك الهيئة الشيخ عبد اللّه الشيبي، و نائبه السيد حسين نائب الحرم، و كاتب الهيئة الشيخ عباس عبد الجبار.

137

و أعضاء الهيئة من أهل مكة: محمد عقيل، محمد شرواني، عبد الرحمن بشناق، عمر جان، عمر فقيه، عبد الرحمن الزواوي، حسين باسلامة.

و من أهل نجد: محمد بن مضيان، علي المنصور آل هديان، أحمد بن ركيان، عبد اللّه السليمان آل مهنا.

و تعين مركزها بمدرسة السيد أحمد عيد بباب الصفا.

نظام و تعليمات لهيئة الأمر بالمعروف بمكة

قال الغازي في الجزء الثالث من تاريخه: و في 18 صفر سنة (1346) ست و أربعين و ثلاثمائة و ألف صدر البلاغ بتعليمات هيئة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر هذا نصه:

صدر الأمر الملكي السامي بالمصادقة على التعليمات التالية:

أولا: تنشأ هيئآت تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر، و تكون مراكزها في مكة وجدة و المدينة و ينبع و الطائف و بقية الملحقات.

ثانيا: يكون عدد أعضاء كل هذه الهيئات على قدر اللزوم.

ثالثا: يشترط في أعضاء هيئات الأمر بالمعروف أن يكونوا من أرباب العلم بالشريعة و من ذوي الأخلاق الطيبة و الصفات الحسنة.

رابعا: يعين لكل هيئة من الهيئآت عدد كاف من الجنود للقيام بالواجبات الملقاة على عاتق الهيئة، على أن يكون هؤلاء الجنود من المتصفين بالتقوى و المعاملة بالحسنى.

خامسا: تجتمع هذه الهيئة مرتين في الأسبوع.

سادسا: الأمور التي تنظر فيها هيئات الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر هي:

1) تنبيه الناس إلى أوقات الصلاة و سوق المتخلفين منهم إليها بالحسنى إلى أقرب مسجد.

2) مراقبة المحلات التي تجري فيها أمور مخلة بالشرع و الآداب.

3) دعوة الناس بالحسنى إلى ترك المعاصي و المخازي و البدع و الخرافات و الإلحاد.

4) منع البدع في المآتم و الأفراح.

5) منع العوام عن السباب و الشتائم.

138

6) الأخذ بيد الضعيف و الرفق بالأرامل و العجزة في أخذهم و عطائهم.

7) الرفق بالحيوان.

8) تقوم هيئة الأمر بالمعروف بإزالة كل ما هو مجمع عليه من المعروف و ترجع فيما هو مختلف فيه إلى هيئة مراقبة القضاء.

9) يقتضي تشكيل فرعين لهيئة الأمر بالمعروف المركزية بمكة: فرع في حارة المعلا و فرع في حارة الباب.

10) يشدد على جنود الهيئة في الامتناع عن استعمال العنف و الشدة مع أفراد الناس الذين يجلبون إلى الهيئات.

و في التاريخ المذكور من السنة المذكورة صدر أيضا بلاغ بتعيين أعضاء هيئة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر هذا نصه:

نحن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، بعد الاطلاع على أمرنا الصادر في 16 صفر سنة (1346) ست و أربعين و ثلاثمائة و ألف هجرية بشأن تشكيل هيئات الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر قد أصدرنا أمرنا بما هو آت:

المادة الأولى: قد عينا كلا من الآتية أسماؤهم بعد أعضاء في هيئة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر: الشيخ عبد الرحمن بشناق رئيسا، عمر فقيه، محمد نور كتبي، محمد شرواني، أسعد مشفع، عبد اللّه بن عمار، عبد اللّه بن مطلق، سليمان الصنيع، محمد الخضري، محمد عبد الرحمن العقل و هؤلاء كلهم أعضاء.

المادة الثانية: على نائبنا العام تنفيذ أمرنا هذا.

صدر بأمرنا في 18 صفر سنة 1346. انتهى من التاريخ المذكور.

نقول: لقد تطورت هيئة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في المملكة العربية السعودية و تغير الأعضاء الذين ذكرهم الشيخ الغازي (رحمه اللّه تعالى) و كلها تابعة لفضيلة الشيخ عبد الملك بن إبراهيم آل الشيخ، و هو رجل عاقل متزن لا يعامل الناس بالعنف و الشدة بل يقدم لهم النصائح و الإرشادات. نسأل اللّه تعالى أن يوفق الجميع لمرضاته و أن يرحمنا بواسع رحمته آمين.

139

حكم الدولة التركية العثمانية في الحجاز

كان الحجاز مع جميع الممالك الإسلامية تحت حكم الدولة التركية العثمانية.

و العثمانية نسبة إلى ملكهم الأول السلطان الغازي عثمان بن أرطغرل بك المتوفى سنة (726) سبعمائة و ست و عشرين هجرية (رحمه اللّه تعالى)، و هو المؤسس الأول للدولة التركية المدفون في مدينة (بورصة). و كانت تركته عبارة عن بعض خيول و ثلاثة قطعان من الغنم و جبة و سيف، كما جاء ذلك في كتاب «تلخيص التاريخ العثماني». و معنى الغازي الذي يغزو الكفار. فلقد كان غالب سلاطين الأتراك العثمانيين يغزون من حولهم من الإفرنج، فمن غزا منهم يلقب بالسلطان (الغازي).

خدمة الأتراك للخط العربي و محافظتهم على الآثار الإسلامية

و الحق يقال أيضا أن الدولة التركية العثمانية قامت بتعمير جميع الأماكن الأثرية الإسلامية في كافة البلدان و الأقطار خصوصا بالحرمين الشريفين و مسجديهما الحرمين، قامت بتعميرها على أكمل وجه و أجمل صورة مع القوة و المتانة في البناء حيث صارت كل عمارة في غاية من الروعة و الجمال، و ما زال كل ذلك موجودا في جميع الأقطار الإسلامية، و ما نؤاخذ تركيا الجديدة التي كان يرأسها مصطفى كمال باشا (رحمه اللّه تعالى) منقذ تركيا من براثن الأعداء إلا بمسألة تطوير تركيا من التعليم الديني إلى التعليم العصري المتحرر و بمسألة استبدال كتاباتهم التي كانت بالحروف العربية منذ القرون الأولى القديمة بالحروف اللاتينية، فلم يبق أحد في بلاد الأتراك اليوم من يعرف القراءة و الكتابة التركية بالحروف العربية اللهم إلا القليل النادر من المعمّرين منهم. و بذلك انقطعت صلة الأتراك اليوم بجميع مؤلفاتهم المكتوبة من قديم العصور بالحروف العربية الجميلة في أنواع العلوم و الفنون. إن الخط العربي اليوم ما وصل إلى هذا الحسن و الجمال إلا بسبب خدمة الأتراك القدماء له، فلقد خدموه حتى أوصلوه إلى السموات ثم تركوه اليوم و نبذوه بتاتا لا يعرفون كتابته و لا قراءته.

فنقترح على الحكومة التركية اليوم أن يجعلوا التعليم في بلادهم على نوعين، التعليم بالحروف العربية كما كانوا سابقا و ذلك محافظة منهم على تراثهم العلمي العظيم، و التعليم باللاتينية أيضا مجاراة للعصر الحديث حيث قد ألفوه. نقول هذا

140

مخلصين غيرة منا على الآلاف المؤلفة من الكتب العلمية و الفنية و التاريخية بلغتهم التركية و التي كتبت و ألّفت بالحروف العربية ففيها من المؤلفات القيمة الثمينة النادرة ما لا يوصف. فإنه يستحيل ترجمة كل ذلك إلى اللاتينية. و اللّه الهادي إلى سواء السبيل.

تأليف أول وزارة حجازية بعد عهد الأتراك‏

لقد ذكرنا فيما تقدم حكم الدولة التركية العثمانية على الحجاز.

و إليك الكلام على تأليف الوزارة الحجازية:

قال الغازي (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه «إفادة الأنام بذكر أخبار بلد اللّه الحرام» ما يأتي:

لما استقل الشريف الحسين بن علي (رحمه اللّه تعالى) بالحجاز في سنة (1334) أربع و ثلاثين و ثلاثمائة و ألف هجرية أصدر أمره بتأليف وزارة حجازية و ذلك في سابع ذي الحجة من السنة المذكورة، و إليك صورة الإرادة السنية الصادرة نقلا من الجزء الثالث من تاريخ الغازي.

حضرة العالم الكامل الشيخ عبد اللّه سراج إنه لما كانت مصالح الرعايا و انتظام شؤون المجتمع و توفر أسباب العمران لا بد لها من دواوين يتوزع عليها النظر في الحكومة و ما هو في معنى ذلك من المصالح العامة و الخاصة و يتعين لها أسباب الوظائف التي تبنى عليها المسؤولية و تكوين حكومة لبلادنا المحروسة، و بالنظر إلى ما تحققنا فيكم من الكفاءة و الاستقامة عزمنا بعد الاستعانة باللّه عز و جل على توجيه منصب قاضي القضاة بعهدكم و تعيينكم وكيلا عن رئيس الوكلاء العظام، و قد اخترنا لبقية الوكالات حضرات الذوات الآتية أسماؤهم و هم:

1) ولدنا عبد اللّه بن الحسين: لوكالة الخارجية، و يكون أيضا وكيلا عن وكيل الداخلية.

2) و عبد العزيز بن علي: رئيس أركان حرب، و وكيل رئاسة الجند مع ترفيع درجته عن رتبته الحاضرة.

3) و الشيخ علي المالكي: وكيلا للمعارف.

4) و الشيخ يوسف بن سالم: رئيس البلدية سابقا وكيلا للمنافع العمومية.

141

5) و الشيخ محمد أمين: مدير الحرم الشريف سابقا وكيلا للأوقاف مع بقائه في نظارة أمور الحرم، و كلما يتعلق بوظيفته الشريفة.

6) و الشيخ أحمد بن عبد الرحمن باناجه: وكيلا للمالية.

و ذلك لما توسمناه من درايتهم و استعدادهم للسهر على مصالح البلاد و أهلها على ما يرضي اللّه. و إننا ننتظر منكم المبادرة إلى تأسيس الدوائر و الدواوين الرسمية و تعيين العمال و الموظفين لها، و أرجو اللّه سبحانه أن يجعلنا مظهر توفيقه فهداه في كل ما يحبه و يرضاه.

في 7/ ذي الحجة الحرام سنة (1334) هجرية، انتهى من الغازي.

شريف مكة و أميرها

الحسين بن علي‏

تأليف مجلس الشورى لأول مرة في الحجاز في عهد الحكومة السعودية

لما حكم جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (رحمه اللّه تعالى) الحجاز في سنة (1343) ثلاث و أربعين و ثلاثمائة و ألف هجرية صدرت إرادته السنية بتأليف مجلس شورى لتداول الآراء، و وضع الأنظمة و القوانين رعاية لحقوق الأمة و مصالحها، فقد جاء في الجزء الثالث من تاريخ الغازي عن هذا الأمر ما يأتي:

و في آخر شوال سنة (1344) هجرية صدر بلاغ رسمي هذا نصه:

امتثالا لأمر اللّه تعالى في استشارة أهل الرأي و الخبرة و الرجوع إلى آرائهم فيما يهم من الأمور و رعاية لحقوق الأمة و أداء الأمانة التي حملنا إياها أمرنا بما هو آت.

1) يؤلف مجلس استشاري في كل من مكة و المدينة و جدة و ينبع و الطائف للنظر في المسائل الهامة المحلية، و تكون هذه المجالس بالانتخاب بدرجة واحدة.

2) يؤلف مجلس مكة من عشرة أعضاء سوى الرئيس الذي تختاره الحكومة، و مجلس المدينة من ستة أنفار سوى الرئيس، و مجلس ينبع من أربعة أعضاء سوى الرئيس، و مجلس الطائف من أربعة أعضاء سوى الرئيس.

142

3) يؤلف مجلس عام يدعى بمجلس الشورى العام ينتخب أعضاؤه من قبل المجالس الاستشارية المحلية، و يؤلف أعضاؤه من ثلاثة عشر عضوا، أربعة من مكة و اثنان من المدينة و اثنان من جدة و آخرين من ينبع و واحد من الطائف و ثلاثة من رؤساء العشائر.

4) الذين لهم حق الانتخاب هم طوائف العلماء و أعيان البلاد و التجار و رؤساء الحرف و المهن.

5) الأعضاء المنتخبون يجب أن تتوفر فيهم الشروط الآتية و هي: إجادة القراءة و الكتابة، و حسن السيرة، و عدم صدور أحكام مخلة بالدين و الشرف.

6) مدة عضوية هذه المجالس سنة واحدة.

7) على نائبنا العام تنفيذ أمرنا هذا.

ملك الحجاز و سلطان نجد و ملحقاتها

عبد العزيز

مجلس الشورى‏

قد انتخب بمجلس الشورى من أهل مكة حضرات الأفاضل: الشريف شرف عدنان، و عبد اللّه الشيبي، و حسين باسلامة، و ماجد الكردي، و محمد الألفي، و عبد الرحمن الزواوي، و عبد الوهاب عطار. و من أهل المدينة: الشيخ عبد الجليل مدني، و الشيخ سعيد دشيشة. و من أهل جدة: عبد اللّه الفضل و سليمان قابل، و قد صدر الأمر الملكي بإسناد رئاسة المجلس للشريف شرف عدنان. اه.

نقول: هذا ما ذكره الغازي (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه عن أول وزارة حجازية و عن أول مجلس للشورى في الحجاز، أي بعد زوال حكم الدولة التركية العثمانية عن الحجاز و غيرها من البلاد الإسلامية و ذلك بعد الحرب العالمية الأولى التي كانت في سنة (1914) ميلادية. ثم بعد زوال عهد الأشراف من الحجاز في سنة (1343) هجرية و بروز العهد السعودي في الحجاز بقي مجلس الشورى معمولا به إلى يومنا هذا و إن تغير أعضاؤه بحسب الأزمنة و تطور الأحوال.

قال الشاعر المصري الكبير محمد حافظ إبراهيم بك المتوفى في سنة (1351 ه) عن وصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه حين وفاته بجعل الخلافة شورى ما يأتي:

143

يا رافعا راية الشورى و حارسها* * * جزاك ربك خيرا عن محبيها

لم يلهك النزع عن تأييد دولتها* * * و للمنية آلام تعانيها

لم أنس أمرك للمقداد بحملة* * * إلى الجماعة إنذارا و تنبيها

إن ظل بعد ثلاث رايها شعبا* * * فجرّد السيف و اضرب في هواديها

فاعجب لقوة نفس ليس يصرفها* * * طعم المنية مرا من مراميها

درى عميد بني الشورى بموضعها* * * فعاش ما عاش يبنيها و يعليها

و ما استبدّ برأي في حكومته‏* * * إن الحكومة تغري مستبديها

رأي الجماعة لا تشقى البلاد به‏* * * رغم الخلاف و رأي الفرد يشقيها

تأليف أول وزارة سعودية

لما حكم جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (رحمه اللّه تعالى) الحجاز في أوائل سنة (1343) ألف و ثلاثمائة و ثلاث و أربعين هجرية لم يكن هناك وزراء بالمعنى المتعارف عليه، فكان يحكم البلاد وحده أو من ينوب عنه و هو ابنه سمو الأمير فيصل بن عبد العزيز آل سعود، فكان هذا نائبه على الحجاز و كان رئيس الشعبة السياسية في ديوان جلالته هو الشيخ يوسف ياسين (رحمه اللّه تعالى) و كان وزير المالية هو صاحب المعالي الشيخ عبد اللّه بن سليمان، و كان هذا الرجل هو اليد اليمنى لجلالة الملك عبد العزيز و هو الوزير الأوحد في المملكة لا يلقب أحد بالوزير غيره، و جميع دوائر الحكومة السعودية كان يطلق عليها مديريات فيقال مثلا: مدير الأوقاف، مدير الصحة ... إلخ، و كان الملك عبد العزيز قد أوصى في حياته أن يكون ابنه الأكبر سمو الأمير سعود بن عبد العزيز ملكا على المملكة العربية السعودية بعد وفاته و أن يكون ابنه الثاني سمو الأمير فيصل بن عبد العزيز وليا للعهد بعد أخيه سمو الأمير سعود.

ثم لما توفي الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه اللّه تعالى) في شهر ربيع سنة (1373) هجرية و صار الملك سعود بن عبد العزيز ملكا على المملكة العربية السعودية يؤازره و يعضده أخوه سمو الأمير فيصل بن عبد العزيز ولي العهد رأيا و معهما الأسرة المالكة إخوانهما الأمراء تأليف وزارات للمملكة تمشيا مع سنة

144

لتطور و مجاراة لجميع الممالك في أقطار الأرض، فصدر أمر جلالة الملك سعود بن عبد العزيز بتشكيل الوزارات، فتألفت أول وزارة سعودية في المملكة كما يأتي:

1) صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير فيصل بن عبد العزيز آل سعود وزيرا للخارجية و رئيسا لمجلس الوزراء.

2) صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز آل سعود وزيرا للمعارف.

3) صاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن عبد العزيز آل سعود وزيرا للدفاع.

4) صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود وزيرا للزراعة.

5) صاحب السمو الملكي الأمير طلال بن عبد العزيز وزيرا للمواصلات.

6) صاحب السمو الملكي الأمير عبد اللّه بن فيصل وزيرا للداخلية و الصحة.

7) صاحب المعالي الشيخ عبد اللّه السليمان و كان من قبل وزيرا للمالية أيضا.

هذه أول وزارة سعودية تألفت في المملكة، ثم تغير أعضاء الوزارات بحسب المصلحة، و لسنا في صدد بيانهم و الكلام عنهم لأننا لا نتكلم عن جميع أحوال المملكة بل نتكلم عن تاريخ مكة المكرمة فقط، فليعذرنا القارئ الكريم على هذا الإيجاز.

أول وزارة للحج و الأوقاف‏

لم تكن عندنا قبل سنة (1381) ألف و ثلاثمائة و إحدى و ثمانين من الهجرة وزارة خاصة للحج و الأوقاف، و إنما كان منذ كان رئيس المطوفين بمكة المكرمة و وكلاء المطوفين بجدة هم الذين ينظرون في مسائل الحجاج و ما يتعلق بهم، و كانت الأوقاف العامة مديرية فيقال لرئيسها مدير الأوقاف العامة، هكذا كان الحال منذ قديم الزمن.

فلما كانت السنة المذكورة (1381) عملت الحكومة السعودية (أول وزارة للحج و الأوقاف) و مقرها مكة المكرمة و مهمة هذه الوزارة تتلخص بالنظر لمصالح الحجاج بتوسّع عظيم و النظر إلى كافة أوقاف الحرمين بصفة عامة. فكان من أعمال هذه الوزارة النظر في مدينة الحجاج التي بنيت منذ سنوات فأدخلت فيها تعديلات كثيرة، و سيكون في المستقبل القريب النظر إليها أكثر، كما أنها قامت في سنة (1384) ه بإنشاء مدينة للحجاج في مدينة ينبع فنزل الحجاج فيها في العام المذكور بعد رسوّ البواخر فيها ثم منها يسافرون بالسيارات إلى المدينة المنورة كما

145

هو الشأن في مدينة جدة. و قد كان الحجاج ينزلون في مدينة ينبع و منها إلى المدينة بالجمال في عهد الأتراك و في عهد الأشراف، فلما كانت سنة (1343) ألف و ثلاثمائة و ثلاث و أربعين هجرية بطل وقوف البواخر في مدينة ينبع، فكانت تقف كلها في مدينة جدة، و بذلك انقطعت عن ينبع مصالح الحجاج من السنة المذكورة إلى سنة (1384) ألف و ثلاثمائة و أربع و ثمانين هجرية، ففكرت وزارة الحج و الأوقاف في تسيير خط الحجاج من مدينة ينبع وقت الحج كالعهد السابق فإذا وقفت البواخر في ينبع سافر منها الحجاج إلى المدينة المنورة بالسيارات مع بقاء وقوف البواخر في مدينة جدة كما هو الحال في جميع العصور. و إن شاء اللّه تعالى ستنظر وزارة الحج و الأوقاف إلى ميناء ينبع و إلى مصالح الحجاج في المستقبل أكثر مما مضى.

فأول وزير للحج و الأوقاف هو معالي الأستاذ حسين عرب، فلما استقال من منصبه لأسباب صحية خلفه بالنيابة معالي الأستاذ محمد عمر توفيق زيادة على مهام منصبه الأصلي حيث إنه وزير للمواصلات فقام بأعمال الوزارتين خير قيام و إن كان في ذلك تعب كما لا يخفى. أما أول وكيل لوزارة الحج و الأوقاف فهو سعادة السيد أحمد هاشم مجاهد في العهدين المذكورين و ما زال وكيلا لها إلى اليوم و إنه لجدير بها و بأكبر منها لمعرفته و إخلاصه و مثابرته على الأعمال بصبر و جلد و هو الذي تقدم من حبه لبلده المقدس «مكة المكرمة» بطبع هذا التاريخ على نفقته الخاصة جزاه اللّه تعالى خير الجزاء.

هذا و لقد طلبنا من وزارة الحج و الأوقاف إعطاءنا نبذة صغيرة عن مهمة أعمال وزارة الحج و الأوقاف فورد إلينا البيان الآتي للعلم بها في الجملة:

نبذة عن أعمال الحج و الأوقاف‏

لقد طلبنا من وزارة الحج و الأوقاف أن تكتب لنا نبذة مختصرة عن أعمال هذه الوزارة للعلم بها فأرسلت لنا هذه النبذة و هي على اختصارها مفيدة وافية بالغرض و إليك نص ما جاءنا:

في شوال عام (1381) هجرية تكونت وزارة الحج و الأوقاف من المديرية العامة للحج و المديرية العامة للأوقاف و مصلحة المساجد. و شكّل الديوان العام للوزارة و انتظم العمل بها حسب الرغبة السامية، فمن أعمال هذه الوزارة:

146

أولا: إنشاء المساجد في كافة المملكة العربية السعودية و تعيين الأئمة و المؤذنين و خدم المساجد حتى تؤدى الصلوات المفروضة بها حسب الشرع. و كذلك إصلاح ما كان من المساجد يحتاج إلى إصلاح و فرشها و عمل المطهرات اللازمة للمصلين و مراقبة كل ذلك بالموظفين اللازمين. و قد قامت الوزارة بإنشاء ما يزيد عن مائة مسجد و إصلاح عدد كبير من المساجد. و لا تزال تعمل لذلك و لديها الإدراة الفنية المزوّدة بالمهندسين الأكفّاء. و قد بلغ عدد المساجد التي تحت إدارة هذه الوزارة في جميع الوزارة في جميع المملكة (أحد عشر ألف مسجد) و الموظفين الذين يعملون في هذا الحقل (خمسة عشر ألف موظف).

ثانيا: و أيضا تقوم الوزارة بحفظ و صيانة جميع الأوقاف الخيرية و تنفذ فيها شرط واقفيها و من هذه الأوقاف ما هو موقوف على الحرمين الشريفين و فقرائه و ما هو موقوف على صالح المساجد و ما هو موقوف لميراث خيرية معينة بالمقدار و محددة بالزمن، و لكل وقف من هذه الأوقاف سجل خاص يحصر فيه إيراد الوقف و مصروفاته. و قد أنشأت الوزارة عدة أوقاف على أحدث طراز بدلا من التي هدمت للصالح العام و تقوم بإدارتها بواسطة مديري الأوقاف و الأجهزة الخاصة بذلك في كافة مدن المملكة.

و للحرمين الشريفين و ما يتعلق بهما أوقاف في كافة البلدان الإسلامية تسعى الوزارة بأن يصل ريع هذه الأوقاف إليها لصرفها حسب شرط واقفيها. و لدى الوزارة سجلات بها إحصاءات هذه الأوقاف، نسأل اللّه أن يوفق ولاة الأمور في جميع البلدان الإسلامية بتسهيل مهمة الوزارة حتى يصل الحق لأهله.

ثالثا: تقع في إدارة هذه الوزارة جميع المكتبات العامة في المملكة، فهي تشرف على هذه المكتبات و تسهل أمر المراجعين في الكتب و المطبوعات، و تعين في هذه المكتبات العامة الموظفين الأكفاء من المتعلمين و أهل الدراية، كا تعين لهم الخدم و الفراشين حسبما يحتاجون إليه، و تضع في هذه المكتبات العامة جميع اللوازم و الأدوات المحتاجين إليها و تحضر لهم الأثاث اللازم لكل غرفة من الفراش و الكراسي و الأنوار و المراوح الكهربائية و المكيفات و الدواليب اللازمة لصيانة الكتب و حفظها و دفاتر السجلات لقيد أسمائها فيها حتى يشعر المراجعون بطمأنينة و راحة تامة إلى غير ذلك من لوازم المكتبات العامة.

رابعا أعمال الوزارة في شؤون الحج هي كما يأتي:

147

إن حرص الحكومة السعودية على راحة الحجاج جعلها تخصص المبالغ الطائلة و تجنّد الموظفين الأكفاء لهذا الغرض حتى أن الحاج يشعر عند وصوله إلى الأراضي المقدسة أنه يؤدي نسك أحد أركان الإسلام الخمس. فعندما يصل الحاج إلى أحد موانئ المملكة سواء عن طريق الجو أو البحر أو البر يجد الموظفين الذين يستقبلونه و يرشدونه إلى كافة الإجراءات الواجبة عليه و ذلك بواسطة المذياع و مكاتب الاستعلامات التي بها من الموظفين المترجمين لعدة لغات ما فيه الكفاية. و بالوزارة المذكورة مديرية خاصة بأعمال الحج بها عدة إدارات و أقسام و هي: الإحصاء و التسجيل، و قضايا المطوفين، و حسابات الطوائف، و الاستعلامات، و إدارة الحج بمكة و إدارة الحج بالمدينة المنورة و إدارة الحج برابغ و إدارة الحج بينبع و إدارة الحج بجدة و إدارة المستودعات.

و عند ما يصل الحاج إلى الميناء يجد في استقباله موظفي الوزارة ثم نقيب المطوفين الذي يوصله إلى وكيل مطوفه و هذا الوكيل يقوم بكافة ما يلزم الحاج من إحضار السيارة التي تقله إلى البلدين الشريفين مكة و المدينة، فإذا وصل مكة يجد في استقباله موظفي الوزارة و نقيب المطوفين الذي يبعث معه من يوصله إلى دار مطوفه الذي يقوم بإرشاده لأداء النسك و إسكانه في دار مناسبة ثم إذا حان الوقت للصعود إلى عرفات أجرى كل ما يلزم له لأداء الحج و من ثم عودته إلى بلاده ..

فترى الحاج مغتبطا مستأنسا مما يجده من عناية و إكرام و إن قصد الحاج المدينة المنورة يجد الدليل بالمدينة يقوم بجميع الواجبات التي من شأنها شعور الحاج بأنه في بلده و بين أهله كل ذلك مقابل مبالغ بسيطة معروفة وضعتها الحكومة السعودية تؤخذ من الحاج عند قدومه و توزع بواسطة الوزارة على كل من يقوم بخدمة الحجاج و هم: المطوفون و الوكلاء و النقباء و الزمازمة (الذين يسقون الحاج الزمزم) و الحمال و ما إلى ذلك.

و خلاصة القول فإن أعمال الوزارة كثيرة في هذا الحقل و يشترك في هذا المضمار جميع رجالات الحكومة و على رأسهم جلالة الملك فيصل و الوزارات جميعها. انتهى.

148

أول رابطة للعالم الإسلامي بمكة المكرمة

تأسست رابطة العالم الإسلامي منتجة للمؤتمر الإسلامي في دورته الأولى المنعقدة بمكة المكرمة من 14- 16 ذي الحجة 1381 الموافق 18- 20 مايو 1962. و هي هيئة إسلامية مقرها «مكة المكرمة» و هدفها أداء فريضة اللّه علينا في تبليغ دعوة الإسلام و شرح مبادئها و تعاليمها و دحض الشبهات عنها و مجاهدة المؤامرات الخطيرة التي يريد بها أعداء الإسلام فتنة المسلمين عن دينهم و تمزيق وحدتهم و إخوّتهم و النظر في القضايا الإسلامية بما يحقق مصالح المسلمين و آمالهم و حل مشاكلهم و لتحقيق هذا الهدف نتخذ الوسائل التالية:

1- دعوة عدد من كبار دعاة الإسلام المرموقين في العالم الإسلامي كله لتبادل الرأي و تنسيق الجهود و تطوير وسائل الدعوة و التبليغ على أساس من تجاربهم جميعا.

2- الاستفادة من منافع الحج و ذلك عن طريق:

أ- انتقاء صفوة من أقوى الدعاة بمختلف اللغات كي يوجهوا الحجيج أثناء الموسم و يذكوا مشاعرهم و يذكرونهم بالأمانة في أعناقهم بعد أن يعودوا إلى بلادهم.

ب- عقد ندوة كبيرة تضم قادة الرأي و التوجيه في الحقل الإسلامي.

ج- تنظيم مجالات التعارف بين وفود الحجيج.

3- دعم أجهزة الإذاعة بالرجال و البرامج بعدة لغات حتى يبلغ صوت الدعوة آذان أكبر عدد من المسلمين.

4- رفع مستوى النشر عن طريق الصحافة و الكتب و بجميع اللغات و العمل على إنشاء دار للنشر الإسلامي في مكة (عاصمة الإسلام).

5- إنشاء مكاتب يقوم عليها رجال ذوو دين و كفايات و أخلاق فاضلة تكون بمثابة مراكز دائمة النشاط تنشر دعوة الإسلام، و يشرف عليها مكتب مركزي تحت إشراف الأمين العام.

6- العمل على أن يكون الحكم بالإسلام في البلاد الإسلامية.

7- إنشاء هيئة تؤلف من علماء جديرين بالإفتاء.

8- نشر اللغة العربية بين الشعوب الإسلامية.

9- تنظيم جولات للدعاة.

149

و تتألف رابطة العالم الإسلامي من:

1- المجلس التأسيسي و هو اليد العليا التي ترسم سياسة الرابطة و تشرف على اتجاهها و سير كافة أعمالها في سبيل تحقيق أهدافها. و تجتمع اجتماعا دوريا خلال العام بدعوة من الأمين العام و رئيس المجلس سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ المفتي الأكبر في المملكة.

2- ينتخب الأمين العام انتخابا مباشرا و يتولى العمل مدة خمس سنوات قابلة للتجديد، و قد انتخب معالي الشيخ محمد سرور الصبان أمينا عاما و هو الممثل الرسمي لدى سائر المراجع الحكومية و الشعبية.

أما عدد أعضاء المجلس التأسيسي فيبلغ حوالى (45) عضوا من سائر أمصار العالم الإسلامي و من أفاضل علمائه. و الرابطة تعقد في كل خمس سنوات مؤتمرا إسلاميا كبيرا لتدارس شؤون الإسلام و المسلمين.

انظر: صورة رقم 309، الشيخ محمد سرور الصبان- وزير المالية و أمين عام الرابطة الإسلامية الأسبق‏

التطويف أو الطواف‏

لا ندري متى تخصص طائفة من أهل مكة و من المجاورين بها في تطويف الناس بالبيت الحرام و تلقينهم دعاء الطواف المأثور و غير المأثور كالمرشدين لهم في كيفية أداء واجبات الحج و العمرة و سننهما، فإن الحاج الغريب مهما كان عالما و متعلما فإنه قد يقع في خطأ و هو يؤدي مناسكه من حيث لا يدري و لا يشعر، كيف لا و هو في بلد لم يشاهدها و في أماكن العبادة و أداء المناسك لم ير مثلها في أي البلاد، فإذن لا بد للقادم من دليل يعرفه المشاعر العظام و مرشد يرشده إلى كيفية أداء المناسك خصوصا إذا كان القادمون من العوام.

و هؤلاء الأدلاء و المرشدون نسميهم عندنا بمكة (المطوفين) و بالمدينة المنورة (الأدلاء). أما متى تخصص طائفة لذلك فلا ندري و لكن نعتمد في هذا المبحث على صديقنا المطوف الفاضل و المؤرخ البحّاثة الأستاذ أحمد السباعي المكي مؤلف كتاب (تاريخ مكة) فإنه قال في صحيفة (233) من مؤلفه المذكور ما نصه: و لعل صناعة التطويف ابتدعت في هذا العهد لأن الشراكسة بحكم جهلهم اللغة العربية و ميلهم إلى الأبهة و البذل كانوا يفضلون أن يعتمدوا على من يخدمهم و يدلهم على‏

150

مشاعر الحج و يتلوا أمامهم أدعيته، و قد ذكروا أن السلطان قايتباي حج في عام (884) و لم يحج من ملوك الشراكسة غيره و أن القاضي إبراهيم ابن ظهيرة تقدم لتطويفه و تلقينه الأدعية، و لم يذكر المؤرخون مطوفا قبل القاضي كان يلقن الحجاج بمكة، فيما قرأته من تواريخ مكة. انتهى كلامه.

نقول: لا ندري بالضبط متى يبتدئ عهد الشراكسة فربما كان في القرن الثامن للهجرة، و يقول الأستاذ السباعي أيضا في صحيفة (329) من كتابه المذكور ما نصه:

و يبدو أن مهنة الطوافة التي ذكرنا أنها ابتدعت في عهد الشراكسة اتسع نطاقها قليلا في أوائل العهد العثماني لأن أمراء الأتراك و رؤساءهم كان لا بد لهم من أشخاص يطوفونهم، فإذا كان أول مطوف عرفناه في عهد الشراكسة كان قاضيا في مكة فالذي يظهر أن الطوافة في العهد العثماني خرجت من سلك القضاة قليلا إلى بعض الأعيان في مكة، و قد تقدم بنا في حوادث عام (1039) قصة محمد المياس الذي كان يطوف أمير التركي و استطاع أن يحتال له في القبض على أمير مكة بعد أن أغرى أمير مكة بالوصول إلى منازل أمير الترك خارج البلاد حتى تيسر القبض عليه.

و محمد المياس لم يرد اسمه بين قضاة مكة أو علمائها ولكنه تبين من اعتماد أمير الترك عليه في إغراء أمير مكة أنه من وجهائها، و بذلك بدا لنا أن مهنة الطوافة انتقلت من القضاة إلى الأعيان في مكة و لا بد أنهم كانوا من المتفقهين. انتهى كلامه.

و يقول الأستاذ السباعي أيضا في صحيفة (393) من كتابه المذكور ما نصه:

و في عام (1318) ثماني عشرة و ثلاثمائة و ألف قسّم الشريف عون طوافة بلاد مصر و جاوه و الهند و المغرب و بلاد الأناضول و غيرها أقساما تسابق المطوفون إلى شرائها لذلك ألغى سؤال الحاج عن مطوفه و ألزم بتبعية المطوف الذي اشترى حقوق الطوافة للبلاد التي يتبعها ذلك الحاج، و يقول إبراهيم رفعت باشا في كتابه «مرآة الحرمين»:

إن جميل باشا جاء إلى مكة فأبطل تقسيم بلاد الجاوه ثم عادت التقسمات في عهد راتب باشا. انتهى كلامه.

151

و قال الأستاذ السباعي أيضا في صحيفة (411) من كتابه المذكور ما نصه:

و اتسع نطاق الطوافة في هذا العهد «يقصد عهد الشريف الحسين بن علي (رحمه اللّه تعالى) الذي نهض بثورته المشهورة عام (1334)».

و زاد عد المطوفين بعض الشي‏ء و كان أمراء مكة يخصصون بعض المطوفين لطوافة جهات خاصة من الآفاق، و أقدم تقرير في الطوافة علمت به هو تقرير يملكه آل جاد اللّه بتوقيع الشريف غالب (رحمه اللّه) في عام (1205). و لعل بعض الأسر من المطوفين يحوزون أقدم من هذا التقرير و توسع الشريف عون الرفيق في توزيع البلاد الإسلامية إلى أقسام تقرر لها مطوفون فكان كل مطوف مسؤولا عن البلد التي خصصت له، و شرع بعد هذا يقرر على الحجاج رسوما للمطوف. و في سنة (1326) صدر قرار مجلس الإدارة بتعريفة الحجاج و نشرته جريدة الحجاز و هو كما يأتي:

عدد

1/ جنيه عثماني أجرة مسكن بمكة للجاويين.

2/ جنيه عثماني إكرامية مطوف و ضيافة في عرفة و منى (و من توفي قبل الوقوف بعرفة فعليه نصف المقرر).

10/ روبيات هندي إكرامية المطوف لعموم أجناس الهند.

2/ جنيه عثماني على الداغستاني إكرامية مطوف و أجرة خيمة في عرفة و منى و بيت مكة.

5/ ريال مجيدي على حجاج مصر و الشام و المغرب إكرامية المطوف.

2/ ريال مجيدي على حجاج الصعيد و غزة و العراق و أولاد علي و الأكراد، و على كل حاج عدا من ذكر أن يدفع لمطوفه إكرامية جنيه واحد للميسور و نصف جنيه لمتوسط الحال.

انتهى كل ما ذكره الأستاذ السباعي في كتابه عن الطوافة، و للأستاذ المذكور كتيب لطيف الأسلوب طريف الموضوع اسمه «مطوفون و حجاج» و هو مطبوع يباع.

هذا و قد ذكر الغازي في تاريخه في الجزء الثاني نقلا عن «مرآة الحرمين» لإبراهيم رفعت باشا تقسيم الشريف عون الجهات و بيعها للمطوفين مفصلا. و لقد

152

لخّصه الأستاذ السباعي بما هو مذكور هنا فلا داعي لتكرار ذكره، و قد توفي الشريف عون بالطائف سنة (1323).

و ذكر الغازي أيضا في الجزء الثاني من تاريخه أن مجلس الإدارة قرر إكرامية لسائر المطوفين في سنة (1326) و نشر ذلك في جريدة الحجاز، و ساق الغازي (رحمه اللّه تعالى) نص القرار الذي نشرته الجريدة أضربنا عن ذكره هنا خوف التطويل.

و جاء في «الرحلة الحجازية» لمحمد نبيل البتنوني بصحيفة (123) و ما بعدها عن المطاف و المطوفين و كيفية الطواف، لكن ما جاء فيها لا يتعلق بما نحن بصدده هنا.

فعلم مما تقدم أن التطويف لم يذكر في التاريخ إلا من عهد الشراكسة «أي من أول القرن الثامن الهجري تقريبا» ثم ما زال يتسع نطاقه حتى وصل إلى عهدنا الحاضر، و هو له أنظمة و قوانين و له مشيخة و نقباء.

و الذي يتبادر إلى ذهننا و اللّه تعالى أعلم أن التطويف كان معروفا من قبل الشراكسة بكثير و ربما كان من القرن الأول للهجرة و كان معروفا عمليا من غير أن يطلق عليه اسم «التطويف» و اسم «المطوفين» فإنه لما انتشر الإسلام في أقطار الأرض و أتى المسلمون من كل فج عميق إلى مكة لأداء فريضة الحج كان من الضروري أن يرشدهم أهل مكة إلى كيفية الطواف لبيت اللّه الحرام و أماكن المشاعر و طريق الحج فإن الغريب في أي بلدة كان فهو يحتاج إلى مرشد و رفيق يرشده إلى معالمها، و أما في مكة من أماكن العبادة و المشاعر و أداء واجبات الحج و العمرة أولى بالإرشاد و المرافقة للغريب القادم لأن الوقوع في الخطأ في الواجبات و الأركان يؤدي إلى وقوع الجزاء و إخراج الفدية، و الغريب القادم أحرص الناس على أداء ما يجب عليه في مناسك الحج و العمرة، فلا بد له إذن من مرشد من أهل مكة يرشده إلى كيفية ما يطلب منه شرعا على الوجه الصحيح.

فعليه لا يستغني الغريب القادم من القرن الأول للإسلام إلى يوم القيامة من المرشد و الدليل يرشده إلى ما يجب اتباعه و يجنبه عما يكره عمله، و هذا المرشد و الدليل هو المسمى في عرفنا اليوم (بالمطوف) و إن كان في العصور الأولى السابقة لم يطلق عليه هذا الاسم، و المتبادر إلى الذهن أن أهل مكة في ذلك الوقت كانوا يرون من الواجب عليهم أن يرشدوا الغريب إلى المناسك و العبادة مدفوعين بعامل‏