التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج6

- محمد طاهر الكردي المزيد...
777 /
153

التعاون إلى البر و التقوى و عمل الخير و التعليم لأداء نسك الحج لوجه اللّه تعالى لا يريدون من الحجاج جزاء و لا شكورا.

و هذا أهل الجاهلية كانوا يكرمون الحجاج و يطعمونهم الطعام و يسقونهم الماء العذب الموضوع فيه التمر و الزبيب و هو المسمى عندهم بالسقاية و الرفادة، و كانت مستمرة أيام الخلفاء و من بعدهم من الملوك و السلاطين، قال الغازي في تاريخه:

قال السيد التقي الفاسي (رحمه اللّه): إن الرفادة كانت أيام الجاهلية و صدر الإسلام و استمرت إلى أيامنا. قال و هو طعام يصنع بأمر السلطان كل عام بمنى للناس حتى ينقضي الحج، قال القطب: و أما في زماننا فلا يفعل شي‏ء من ذلك و لا أدري متى انقطع. اه.

و في تاريخ الأزرقي أن عمرو بن لحي أول من أطعم الحاج بمكة سدايف الإبل و لحمانها على الثريد و أنعم في تلك السنة جميع حاج العرب بثلاثة أثواب من برود اليمن، و كان قد ذهب شرفه في العرب كل مذهب و كان قوله فيهم دينا متبعا لا يخالف ... إلخ، اه. و السدايف جمع سديفة و هي الناقة السمينة و السديف شحم السنام، قاله في المنجد. روى الأزرقي في تاريخه أن قصي بن كلاب قال لقريش: يا معشر قريش إنكم جيران اللّه و أهل الحرم و إن الحجاج ضيفان اللّه و زوار بيته و هم أحق الضيف بالكرامة فاجعلوا لهم طعاما و شرابا أيام هذا الحج حتى يصدروا عنكم ففعلوا فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالهم فيدفعونه إلى قصي فيصنعه طعاما للحجاج أيام الموسم بمكة و منى فجرى من أمره في الجاهلية على قومه و هي الرفادة حتى قام الإسلام و هو في الإسلام إلى يومك هذا و هو الطعام الذي يصنعه السلطان بمكة و منى للناس حتى ينقضي الحاج. اه.

و روى فيه أيضا: أن هاشم بن عبد مناف كان يقول لقريش إذا حضر الحج:

يا معشر قريش إنكم جيران اللّه و أهل بيته خصكم اللّه بذلك و أكرمكم به ثم حفظ منكم أفضل ما حفظ جار من جاره فأكرموا أضيافه و زوّار بيته يأتونكم شعثا غبرا من كل بلد. و كانت قريش ترافد على ذلك حتى أن كان أهل البيت ليرسلون بالشي‏ء اليسير رغبة في ذلك فيقبل منهم لما يرجى لهم من منفعة. انتهى من الأزرقي.

154

على هذا المنوال كان يعامل الحجاج قبل الإسلام و بعده إلى أيام التقي الفاسي، ثم لما تقادم العهد و تيسّر طريق الحج امتلأت بيوت مكة و طرقاتها من الحجاج من مختلف الأجناس و اللغات فكان لزاما تخصيص أدلّاء و مرشدين (و هم المطوفون) يقومون بخدمة هؤلاء الحجاج وفود بيت اللّه الحرام من كافة الوجوه بصورة منظمة و أصول رسمية مرعية، و لهم في مقابل خدمتهم أجر معلوم على كل حاج.

و نرى أنه لو وضع نظام دقيق و قوانين محكمة للمطوفين بواسطة العقلاء و الفضلاء منهم و باشتراك رجال تنظيم السياحة و الاجتماعيين و ذوي الخبرة و المهارة من خارج المملكة لكان لهذا الحج و الحجيج نتيجة باهرة كبيرة و عاد ذلك للبلدة الطاهرة بالخير العميم و النفع العظيم. نسأل اللّه صلاح الحال في الحال و المآل آمين.

قال البتنوني الذي حج في سنة (1327) في كتابه «الرحلة الحجازية» مقترحا بتعليم المطوفين ما نصه: و لو كان مولانا الأمير «يعني أمير مكة الشريف الحسين (رحمه اللّه تعالى)» يقضي بأن يتخرج المطوفون من مدرسة مخصوصة يدرسون فيها ما هو خاص بوظيفتهم لكان في ذلك أكبر خدمة دينية لأن جل الموجود منهم الآن يجهل مأموريته الكبرى و ليت بعضهم يقف عند هذا الحد بل يلقي في ذهن الحاج ما ليس من الدين في شي‏ء كمسألة الكنفاني و الزلباني مثلا و هما حجران في طريق جدة إلى بحرة يزعمون أن واحدا منهما كان كنفانيا و الآخر زلبانيا و كانا يغشّان الحجاج فمسخهما اللّه حجرين!!

و مسألة الناقة و الحجام و الحجامة بجبل عمر: ذلك أن هناك صخرة تشبه ناقة باركة و إلى جوارها حجران يزعمون أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان بهذا المكان بناقته فأتى رجل حجّام مع امرأته و أمسكا بالناقة التي لم تنهض برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فمسخهما اللّه معهما على هذه الصورة!!

و مسألة سارق الصندوق و هو صخرة إلى جهة جبل النور تقرب من صورة رجل يحمل صندوقا يزعمون أنه كان سارقا له فمسخه اللّه عليها!! و أمثال هذا كثير مما تجب العناية بإزالته خدمة للدين المتين.

و الأدهى من ذلك أنهم يحرفون ألفاظ القرآن الكريم عمدا أثناء الطواف بتفخيمهم ما لا يجوز تفخيمه أو ترقيقهم ما لا يصح ترقيقه، بل منهم من يقلب الحرف بآخر لتقريبه إلى نطق السامع إن كان تركيا أو هنديا أو فارسيا فيقولون‏

155

مثلا: (و كنا عذاب النار) في قوله تعالى: وَ قِنا عَذابَ النَّارِ و (مهمد رسول اللّه) في محمد رسول اللّه و (يا أرهم الراهمين) في يا أرحم الراحمين و (اللوهم) في اللهم و نحو ذلك مما لا يجوز شرعا و لا اجتماعا. انتهى من الرحلة الحجازية.

نقول: إن البتنوني (رحمه اللّه) قال الكلام المذكور منذ خمسين عاما فأكثر و كلامه هذا صحيح بالنسبة لزمنه و السنة التي حج فيها حيث كان التعليم ضعيفا بمكة و لم تكن بها من مدارس سوى مدرستين «المدرسة الصولتية» و «مدرسة الخياط» و كانتا حديثتي عهد و يدرّس بهما مبادئ العلوم الأولية ثم بعد ذلك فتحت مدرسة الفلاح بمكة و مدرسة الفلاح بجدة فازداد الإقبال على التعليم سواء في المدارس أو في المسجد الحرام.

ثم الآن في العهد السعودي الزاهر كثرت المدارس الابتدائية و الثانوية و العالية في جميع أنحاء المملكة و توجد منها بمكة فقط نحو عشرين مدرسة يدرس فيها جميع العلوم و بفضلها صار غالب أهل مكة من مطوفين و غيرهم من أهل العلم و الفضل بل يوجد منهم من يضرب بهم المثل في العلم و الأدب و الشهامة و الأخلاق و قليل منهم من لم يكن له حظ في التعليم.

أما مسألة الخرافات التي ذكرها البتنوني فقد انمحت من البلاد هي و غيرها و للّه الحمد بسبب تمسك حكومتنا السنية بالشريعة الغراء و قيام رجال الدين و الآمرين بالمعروف بالقضاء على جميع أنواع الخرافات و كل ما ليس له أصل في الدين.

و أما تحريف بعض الألفاظ في الأدعية و الغلط فيها فهذا يحدث من خدمة المطوفين و من صغار المتعيشين من الطواف و السعي و من لغة بعض حجاج الأعاجم الجهلاء و ربما كان لبعض هؤلاء عذر قهري طبيعي كعدم استطاعتهم لنطق الأحرف العربية على الوجه الصحيح. و هذا شي‏ء لا يؤاخذون به شرعا.

لكن بقي علينا أن ننبه بعض جهلاء المطوفين للحجاج الأعاجم الذين لا يعرفون اللغة العربية أن يترفقوا بحجاجهم و أن يرحموا غربتهم و ذلّهم و انكسارهم و أنهم وفد اللّه و ضيوف بيته الحرام و قد حلوا بمكة التي يأمن فيها الوحش و الطير، فكم رأينا من هؤلاء الحجاج من يلقون من مطوفيهم كثيرا من العنت و الجور و هم حجاج أغراب لا يعرفون أين يرفعون ظلامتهم و لا كيف يراجعون و هم لا يفهمون من اللغة العربية شيئا بينما فيهم الأذكياء و المفكرون و الفلاسفة و قد يرجع‏

156

بعضهم ساخطا مشمئزا مما رأى و سمع فيكتب عنا بما لا نحب و يكون دعاية سوء لهذه البلاد المقدسة، اللهم اصلح أحوالنا و نوّر أبصارنا واحي قلوبنا و اغفر لنا و ارحمنا و لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا و اهدهم معنا إلى الصراط المستقيم آمين بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين.

اقتراحنا في الطوافة

لما كانت الطوافة و الزيارة من الأمور الهامة جدا بالنسبة للحرمين الشريفين و بالأخص مكة شرفها اللّه تعالى التي يقع فيها أعمال الحج و هو الركن الخامس للإسلام فإنه يجب تنظيم الطوافة تنظيما دقيقا لحضرات المطوفين من ناحية القيام بواجباتهم الدينية و الاجتماعية نحو حجاج بيت اللّه الحرام الذين أتوا من كل فج عميق للوقوف بالمشاعر العظام امتثالا لأمر اللّه عز شأنه.

و لسنا نقصد وضع قانون للمطوفين من جهة مصالحهم الشخصية فهذا أمر راجع إليهم و قد قام فريق من فضلائهم في هذه السنوات يدعون إلى تنظيم أمر المطوفين و هذه الدعوة يشكرون عليها.

و إنما نحن ندعو هنا إلى ما يكفل لهم مصالحهم و مصالح الحجاج من حيث قيامهم بتعليم جهلاء الحجاج أحكام الحج و الطواف و السعي و الوقوف و الرمي و الذبح و غير ذلك من أعمال الحج و إلى تنبيههم إلى آداب المسجد الحرام و المسجد النبوي و كيفية الزيارة الشرعية.

ثم رعايتهم لمصالح الحجاج و معاملتهم باللطف و الحسنى فإنا نسمع من كثير الحجاج الشكوى المريرة من بعض مطوفيهم و بالأخص الحجاج الذين لا يعرفون اللغة العربية.

و خلاصة القول: إننا نحب أن لا يلاقي حجاج بيت اللّه في هذه البلدة الطاهرة إلا كل إكرام و رعاية لتكون ألسنتهم تلهج بالثناء العاطر على الجميع إن شاء اللّه تعالى.

و هذه مصر و لبنان و غيرهما يعملون من الدعايات الواسعة للسياحة و الاصطياف في كل عام و يصرفون على ذلك مبالغ طائلة مع تنظيم أمر المرشدين و الأدلاء إلى معالم المدينة و آثارها مما يكفل لهم أكبر عدد من الزوار و السواح.

157

و جدير بنا و قد جعل اللّه لبلادنا المقدسة موسما سنويا يفد إليها المسلمون من جميع الأطراف من مشارق الأرض و مغاربها طوع اختيارهم بدعاية إلهية و بوازع ديني، و نحن إنما نحتاج إلى دعاية لمصالح أنفسنا من حسن المعاملة و الخلق الكريم لا سيما و نحن أهل الحرمين الشريفين، فالعالم الإسلامي ينظر إلينا نظرة خاصة فيجب علينا أن نظهر بالمظهر اللائق بنا و ببلادنا الشريفة. نسأل اللّه التوفيق لأعمال البر و الخير آمين.

نبذة عن أعمال المطوفين في خدمة الحجاج‏

لقد قدمنا الكلام على المطوفين و حالة العرب في خدمة الحجيج زوّار بيت اللّه الحرام. و الآن نحب أن نذكر نبذة عنهم و عن خدماتهم للحجاج الكرام في كل عام بمكة المكرمة، لقد طلبنا من الفاضل الكريم الشيخ عبد الرحمن مظهر رئيس مطوفي حجاج الهنود و الباكستانيين أن يكتب لنا نبذة عن أعمالهم و أن يخبرنا عن أسماء الهنود فأرسل لنا أسماءهم و نبذة عن أعمالهم فنحن لم نكتب أسماءهم الكريمة لأنهم بلغوا أربعمائة نفس من مطوفي الهنود و الباكستانيين فقط و لو كتبنا أسماءهم لاضطررنا إلى كتابة جميع أسماء مطوفي العرب و الجاويين و أهل السودان و الصينيين و غيرهم و هؤلاء قد يزيدون على أربعة آلاف مطوف عندنا، فذكرهم جميعا مما يطول بيانه و يحتاج إلى مؤلف خاص، لذلك نعتذر لحضرات جميع المطوفين عن حصرهم و ذكر أسمائهم الكريمة. ولكن لا بأس أن نذكر هنا ما جاءنا عن رئيس مطوفي الهنود و الباكستانيين الشيخ عبد الرحمن مظهر حفظه اللّه تعالى عن نبذة من أعمالهم و إليك بيان ذلك و هو:

نبذة من أعمال مطوفي الباكستان و الهند في خدمة حجاج بيت اللّه الحرام:

1- استقبال الحجاج بواسطة وكلائهم بجدة و المدينة القادمين بحرا و جوا و برا و تسجيل جوازاتهم لدى الجهات المختصة و تنظيم بياناتهم و تقديمها إلى النقباء لإرسالها إلى الرؤساء بمكة المكرمة.

2- استقبالهم في مكة و القيام بأداء مناسكهم ثم تقدم الضيافة المناسبة لهم و تأمين راحتهم ثم استئجار الدور القريبة من المسجد الحرام لسكناهم مدة إقامتهم بمكة و تعيين الزمزمي التابع لهم بإرسال دوارق الزمزم إلى بيوتهم مدة إقامتهم بمكة المكرمة.

158

3- استلام الأجور المقررة لسياراتهم إلى المدينة المنورة أو إلى عرفات أو إلى جدة و تسليمها إلى رئاسة النقابة العامة للسيارات و استلام الاعتمادات إلى الشركات المختصة بإركابهم و مراجعة القراجات لحصول سياراتهم ثم تحميل عفشهم و ترحيلهم إلى الجهة التي يقصدونها.

4- القيام بتصعيدهم إلى منى و عرفات و تأمين الخيام اللازمة لهم أيام الحج في منى و عرفات.

5- ملاحظة راحتهم و أداء المناسك في مشاعر الحج منى و عرفات و مزدلفة بموجب السنة المطهرة.

6- عمل الكشوف اللازمة بأسمائهم و أرقام جوازاتهم و أخذ التصاريح الرسمية لتسهيل عودتهم بعد انتهائهم من أداء فريضة الحج.

7- يقوم وكلائهم في جدة بإكمال إجراءات سفرهم إلى بلادهم حسب ترتيب قدوم أفواجهم أولا فأول.

8- إذا مرض أحد الحجاج يقوم المطوف بإحضار الطبيب له و يشرف على علاجه حتى شفائه، و عند اللزوم يقوم بإدخاله المستشفى.

9- إذا توفي أحد الحجاج يقوم المطوف بما يجب نحو غسله و تكفينه و تجهيزه و دفنه ثم إدخال تركته إلى بيت المال بمكة لإرسالها إلى ذويه في بلاده.

و الخلاصة أن المطوف هو الشخص الوحيد بالنسبة للحاج الغريب كمضيف و أخ و صديق و ملاحظ و مسؤول أمام الحكومة السنية من حين قدومه إلى مغادرته البلاد المقدسة شرفها اللّه و أدام خادمها المحبوب الملك فيصل بن الإمام عبد العزيز آل سعود مؤيدا منصورا. انتهى ما ذكره الشيخ عبد الرحمن مظهر وفقه اللّه تعالى و أدام عليه الصحة و العافية و هذه الأعمال هي لكافة المطوفين لجميع الأجناس.

تطوير حالة الطوافة و المطوفين‏

كانت حالة الطوافة و شؤون المطوفين تراعى فيها التقارير و المراسيم الصادرة في الأزمنة الماضية من عهد الدولة التركية و عهد الأشراف، ثم رأت الحكومة السعودية تطوير حالتهم و وضع أنظمة تضمن مصلحة المطوفين و الأدلّاء و الزمازمة و مصلحة الحجاج الكرام وفود بيت اللّه الحرام فأصدر جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية المرسوم الآتي المنشور بجريدة

159

«الندوة» بمكة المكرمة بتاريخ يوم الأربعاء 12 جمادى الأولى سنة (1385) هجرية الموافق 8 سبتمبر سنة (1965) ميلادية و هذا نص المرسوم المذكور:

مرسوم ملكي رقم 12 بتاريخ 9/ 5/ 1385 هجرية:

بعون اللّه تعالى نحن فيصل بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية:

بناء على المادتين 19 و 20 من نظام مجلس الوزراء الصادر بالمرسوم الملكي رقم 38 و تاريخ 22 شوال (1377 ه) و بعد الاطلاع على نظام المطوفين العام الذي صدر الأمر بالموافقة عليه و إنفاذه برقم 9267 و تاريخ 3- 11- 1367 ه و على الأوامر المعدلة له، و على نظام وكلاء المطوفين و مشائخ الجاوه الذي صدر الأمر بالموافقة عليه و إنفاذه برقم (14518) و تاريخ 21- 10- 1365 ه و على نظام هيئة الأدلاء بالمدينة المنورة الذي صدر الأمر بالموافقة عليه و تنفيذه برقم 14- 1- 145 و تاريخ 25/ 12/ 1356 ه.

و بناء على قرار مجلس الوزراء رقم 54 و تاريخ (27/ 12/ 1383 ه) حول إصلاح و تطوير طوائف و خدمات الحجاج.

و بناء على قرار مجلس الوزراء رقم 159 و تاريخ 17/ 3/ 1385 ه رسمنا بما هو آت:

1) يقفل باب المعلمانية و باب الانفصال بين الشركاء اعتبارا من تاريخ العمل بهذا المرسوم و لمجلس الوزراء أن يضع قواعد جديدة للمهنة تتمشى و مقتضى المصلحة العامة.

2) يكون لكل حاج الحرية المطلقة في السؤال عن المطوف و الدليل الذي يريده و يكون للمطوف الحرية المطلقة في اختيار الوكيل و الزمزمي الذي يريده و تلغى كافة التقارير و التخاصيص التي بأيدي المطوفين و الأدلاء و الزمازمة.

3) يحق للمطوف خدمة الحجاج الذين يسألون عنه و ذلك دون تحديد لعددهم على أن تراعي وزارة الحج و الأوقاف عند محاسبة كل مطوف على مصلحته أن تصرفها له كاملة عن المائتي حاج الأول و نصفها عن المائتين التالية و ربعها عما يزيد عن ذلك من الحجاج.

4) يكون الدليل حرا في قبول التعامل مع المطوفين على أن تراعي وزارة الحج و الأوقاف عند محاسبة كل وكيل على مصلحته نفس الحكم المنصوص عليه‏

160

بالمادة 3 من هذا المرسوم و ذلك بالنسبة لكل مطوف على حدة و من يتعاملون معهم.

5) يكون الزمزمي حرا في قبول التعامل مع المطوفين على أن تراعي وزارة الحج و الأوقاف عند محاسبة كل زمزمي على مصلحته أن تصرفها له كاملة عن الثلاثة آلاف حاج الأول و ثلثيه عما يزيد على ذلك من الحجاج.

6) تحدد خدمة الأدلاء بالمدينة المنورة بواقع عشرة ريالات عن كل حاج تستوفى ممن يرغب الزيارة مع العوائد المقررة و يحق للدليل خدمة الحجاج الذين يسألون عنه و ذلك دون تحديد لعددهم على أن تراعي وزارة الحج و الأوقاف عند محاسبة كل دليل على مصلحته أن تصرفها له كاملة عن الألف حاج الأول و نصفها عن الألف حاج التالين و ربعها عما يزيد على ذلك من الحجاج.

7) الحجاج الذين لم يسألوا عن مطوف أو دليل يعين المطوفون و الأدلاء لهم من أفراد الطائفة الذين لم يحصلوا على الحد الأدنى للمصلحة الكاملة مع مراعاة إمكانية كل مطوف و وفقا للترتيبات و اللوائح المشار إليها في المادة 13 مع مراعاة أحكام المادتين 3 و 6 من هذا المرسوم.

8) تلغى رئاسات و هيئات المطوفين الثلاث و رئاسات و هيئات الأدلاء و الوكلاء و الزمازمة و الأمناء و الجمعيات العمومية و النقباء و تناط مهماتها بوزارة الحج و الأوقاف مع الاستفادة من الموظفين الحاليين في الهيئات المذكورة طبقا للمصلحة و النظام.

9) يظل مجموع التعرفة السابقة كما هو فيما عدا مقرر الدليل المحدد في المادة 6 لمن يرغب الزيارة و تعتمد تفاصيلها بعد الإلغاءات المشار إليها في المادة 8 كالآتي:

خدمات المطوف بمكة 50 ريالا.

خدمات للوكيل بجدة سبعة ريالات.

خدمات للزمزمي بمكة ثلاثة ريالات و 30 هللة.

أجور نقل الحجاج و أمتعتهم إلى مدينة الحجاج من الباخرة أو الطائرة ذهابا و إيابا ستة ريالات.

نفقات طارئة للحجاج 7 ريالات و 70 هللة.

مقرر الدليل لمن يرغب الزيارة عشرة ريالات.

161

المجموع الكلي: 84 ريالا.

المجموع: 74 ريالا.

10) يفتح حساب مستقل لدى مؤسسة النقد العربي السعودي و تورد إليه المبالغ المستحصلة بمقتضى المادة 9 و تمسك وزارة الحج و الأوقاف حسابا خاصا لكل طائفة ترحل إليه الوفورات الخاصة بها بعد إنفاذ أحكام المواد 3 و 4 و 5 و 6 و يصرف من ذلك الحساب الخاص على تنظيم أمور الطائفة المعنية و على مساعدة أفرادها بمقتضى المادة الثانية كما تمسك حسابا خاصا لما عدا ذلك من التفرقة مما هو مقرر لتأدية نفقات الخدمات المعلومة التي تؤدى للحجاج بواسطة وزارة الحج و الأوقاف و ترحل إليه وفوراتها بنفس أغراضها و لأية خدمات اضطرارية للحجاج و يتم الصرف بمقتضى لائحة مالية تعدها وزارة الحج و الأوقاف و يقرها مجلس الوزراء و تكون الحسابات المذكورة خاضعة للتفتيش و المراقبة.

11) تصرف وزارة الحج و الأوقاف من وفورات حساب كل طائفة من الطوائف المشار إليها في مساعدة المحتاجين من أفراد الطائفة صاحبة الشأن و يكون ذلك وفقا للقواعد الآتية:

أولا: تكون المساعدة بحد أعلى خمسة آلاف ريال لكل فرد منهم أو بما يكمل مصلحته إلى الحد المذكور.

ثانيا: يراعى في تحديد قدر المساعدات التي تصرف لأفراد كل طائفة أن تكون في حدود حصيلة الرصيد الخاص بها عن كل موسم مع تحقيق المساواة فيما بينهم في نطاق القاعدة المشار إليها في البند الأول السابق.

12) على الرؤساء و الهيئات و النقباء المشار إليها في المادة الثامنة من هذا المرسوم تسليم كافة ما بعهدتهم من سجلات و وثائق و مستندات إلى وزارة الحج و الأوقاف لتنظيمها و الرجوع إليها عند الاقتضاء.

13) على وزارة الحج و الأوقاف أن تباشر مهماتها بمقتضى الترتيبات و اللوائح التي تضعها لذلك و يقرها مجلس الوزراء.

14) يلغى كل ما يتعارض مع أحكام هذا المرسوم من أنظمة و أوامر و قرارات و لوائح و تعليمات سابقة عليه و يعمل به من تاريخ نشره.

التوقيع‏

فيصل‏

162

هذا المرسوم الملكي يصدر لأول مرة من هذا النوع في شؤون المطوفين و الطوافة. و اللّه تعالى أعلم ما ذا يخرج من الأنظمة و الترتيبات عن إصلاح حالة الطوافة و المطوفين بما يتفق مع مصلحتهم و مصلحة الحجاج الكرام وفود بيت اللّه الحرام. و حيث أننا لسنا من طائفة المطوفين فإننا لا نقدر أن نكتب هنا شيئا عنهم فيما مضى أو فيما يأتي و اللّه تعالى هو مدبر أمور خلقه في السموات و الأرض لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

إحصاء البلدان التي يحضر منها الحجاج في كل عام‏

و هنا لا بد لنا أن نذكر جميع البلدان من أقطار الأرض التي يحضر منها الحجاج إلى الحرمين الشريفين «مكة و المدينة» في كل عام منذ بدء ظهور الإسلام إلى قيام الساعة، و إليك هذه البلدان في الجدول الآتي:

عدد/ اسم البلدة

1/ مصر: بجميع جهاتها و مديرياتها

2/ و الشام: بجميع أطرافها و ما حولها من البلدان‏

3/ و اليمن: بجميع أطرافها

4/ و العراق: بما يتبعها من جنس الأكراد

5/ و نجد: بجميع ما فيها من البلدان‏

6/ و الكويت‏

7/ و قطر" بفتحتين"

8/ و البحرين‏

9/ و عمان‏

10/ و إمارات الخليج‏

11/ و حضرموت: بجميع ما يتبعها من المدن‏

عدد/ اسم البلدة

12/ و عدن- بفتحتين-

13/ و لبنان‏

14/ و الأردن‏

15/ و فلسطين: بجميع أطرافها

16/ و السودان: من أقصاها إلى أقصاها

17/ و ليبيا

18/ و تونس‏

19/ و الجزائر

20/ و مراكش‏

21/ و بلاد شنقيط: بجميع مدنها و قراها

22/ و موريتانيا

23/ و نيجيريا

24/ و النيجر

25/ و السنغال: بجميع أطرافها

163

عدد/ اسم البلدة

26/ و فولتا العليا

27/ و الصومال: بجميع أطرافها

28/ و الحبشة

29/ و الكاميرون‏

30/ و أنجولا

31/ و غانا

32/ و غينيا

33/ و مالي‏

34/ و تشاد

35/ و الكونغو

36/ و توجو

37/ و داهومي‏

38/ و ليبيريا

39/ و تانجانيقا

40/ و زنجبار

41/ و أوغندا

42/ و بلاد جنوب أفريقيا

43/ و كينيا

44/ و كديفور

45/ و غامبيا

46/ و مالاقاسي‏

47/ و جزر موريسيا

48/ و ماليديف‏

49/ و بلاد إيران: بما فيها من الأكراد

50/ و بلاد تركيا: بجميع مدنها و أطرافها

51/ و أفغانستان: بجميع مدنها

عدد/ اسم البلدة

52/ و باكستان: بجميع مدنها

53/ و بلاد الهند: بجميع أطرافها

54/ و بلاد الصين‏

55/ و اليابان‏

56/ و سيلان‏

57/ و بعض بلاد روسيا

58/ و بلاد بخارى‏

59/ و بورما

60/ و كامبوديا

61/ و فيتنام‏

62/ و بلاد جاوه: بجميع أطرافها

63/ و أندونيسيا: بجميع مدنها

64/ و ماليسيا

65/ و تايلند

66/ و فيليبين‏

67/ و كوريا

68/ و كيبتون‏

69/ و اليونان‏

70/ و قبرص‏

71/ و يوغوسلافيا

72/ و البرتغال‏

73/ و هولندا

74/ و أسبانيا

75/ و إيرلنده‏

76/ و المسلمين من إيطاليا

77/ و المسلمين من ألمانيا

78/ و المسلمين من الولايات المتحدة" أمريكا"

164

عدد/ اسم البلدة

79/ و المسلمين من كندا

80/ و المسلمين من أستراليا

81/ و المسلمين من الأرجنتين‏

82/ و المسلمين من الدانمارك‏

83/ و المسلمين من بنما

84/ و المسلمين من بورندي‏

85/ و المسلمين من روديسيا

86/ و المسلمين من سويسرا

87/ و المسلمين من فرنسا

88/ و المسلمين من نيبال‏

عدد/ اسم البلدة

89/ و المسلمين من ساحل العاج‏

90/ و المسلمين من نيوزيلندا

91/ و المسلمين من هونغ كونغ‏

92/ و المسلمين من يوغسلافيا

93/ و المسلمين من كشمير

94/ و المسلمين من جيبوتي‏

95/ و المسلمين من بلاد التكرور

96/ و المسلمين من بلاد السند

97/ و المسلمين من بلاد الداغستان‏

هذا ما تذكرناه من الممالك و البلدان التي يأتي منها الحجاج في كل عام منذ بدء الإسلام إلى يوم القيامة، و لم نذكر ما يأتي إلى الحج من بلاد الحجاز لأن مكة المشرفة هي عاصمة الحجاز فهم أهلوها و ذووها و لقد صدق اللّه تبارك و تعالى حيث يقول في سورة الحج: وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ‏، نعم و اللّه إنه يأتي إلينا الحجاج من كل فج عميق و من كل مكان سحيق من أطراف المعمورة و من أقطار الأرض كلها، إنهم يأتون إلى حج بيت اللّه الحرام و زيارة نبيه عليه الصلاة و السلام بكل شوق و بكل رغبة فرحين مستبشرين ثم يرجعون إلى بلادهم سالمين غانمين و كل واحد منهم يقول: الحمد للّه رب العالمين.

المقابر الشهيرة بمكة

المقابر الشهيرة بمكة سبعة:

الأولى: مقبرة المعلا بالحجون، بفتح الميم و اللام و سكون العين ضد المسفلة و هي أقدمها و أشهرها و أفضل مقابر المسلمين بعد البقيع بالمدينة و يقال لها المعلى بلام و ياء كما ذكره الفاسي، قال العلّامة علي القاري (رحمه اللّه تعالى) في منسكه المعلا بفتح الميم و اللام ضد المسفلة و اشتهر بين العامة بضم الميم و تشديد اللام‏

165

المفتوحة، و له وجه في القواعد العربية. اه. و قد جاء عنها في تاريخ الغازي ما نصه:

الفصل السابع في ذكر مقابر مكة و فضلها و ذكر بعض من دفن بها و من دفن بغيرها بمكة- فمنها المعلاة- و يقال المعلى بلام و ياء، ذكره الفاسي قال العلّامة الشيخ علي القاري في منسكه: المعلا بفتح الميم و اللام ضد المسفلة و اشتهر بين العامة بضم الميم و تشديد اللام المفتوحة و له وجه في القواعد العربية. انتهى. أخرج الأزرقي عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: نعم المقبرة هذه مقبرة أهل مكة، و عن يحيى بن محمد ابن عبد اللّه بن صيفي أنه قال: من قبر في هذه المقبرة بعث آمنا يوم القيامة، يعني مقبرة أهل مكة. انتهى.

و ذكر الفاسي في شفاء الغرام هذا الحديث أيضا من رواية الجندي و نصه:

قال الجندي فيما رويناه عنه في فضائل مكة له حدثنا عبد اللّه بن غسان قال:

حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي عن شقيق ابن سلمة بن وريل عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال: وقف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على الثنية إلى آخر الحديث، ثم قال الفاسي: و هذا الإسناد فيه سقط بين عبد الرحيم و شقيق. انتهى.

و في «تحصيل المرام» عن ابن مسعود قال: وقف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على الثنية، ثنية المقبرة و ليس بها يومئذ مقبرة فقال: يبعث اللّه عز و جل من هذه البقعة أو من هذا الحرم سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين ألف وجوههم كالقمر ليلة البدر، فقال أبو بكر الصديق: من هم يا رسول اللّه؟

قال: الغرباء. أخرجه الملا في سيرته، قال السيد عبد اللّه الميرغني في كتاب العدة:

قوله الغرباء يحتمل حمله على الحقيقة أو على من تحقق بقوله (صلى الله عليه و سلم) كن في الدنيا كأنك غريب و هم صالحوها و هم غير محصورين لأنها معدن الأولياء و برزخ الأصفياء. و يقال عن أهل مكة أن هذه البقعة هي الشعبة التي فيها الشيخ عبد الوهاب الكبير المشهور و يسمونها شعبة النور، و قيل هي التي فيها السيدة خديجة و الفضل و غيرهما و اللّه أعلم بصحة ذلك. انتهى.

و عن حاطب بن بلتعة عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة من الآمنين. أخرجه الدارقطني و أبو داود و الطيالسي، و عن ابن عمر: إن من قبر بمكة مسلما بعث آمنا يوم القيامة. أخرجه أبو الفرج. انتهى.

166

قال الأزرقي: قال جدي: لا نعلم بمكة شعبا يستقبل ناحية من الكعبة ليس فيه انحراف إلا شعب المقبرة فإنه يستقبل وجه الكعبة كله مستقيما. قال: و كان أهل الجاهلية و في صدر الإسلام يدفنون موتاهم في شعب أبي دب و من الحجون إلى شعب الصفى صفى السباب، و في الشعب الملاصقة لثنية المدنيين التي بها اليوم مقبرة أهل مكة، ثم تمضي المقبرة مصعدة لاصقة بالجبل إلى ثنية أذاخر بحائط خرمان. قال الفاسي: حائط خرمان هذا الموضع الذي يقال عنه الخرمانية و هو بالمعابدة بظاهر مكة و ثنية أذاخر فوق هذا المكان و هي ثنية مشهورة و كانت تنتهي المقبرة إليها في الجاهلية. انتهى.

و كان يدفن في المقبرة التي عند ثنية أذاخر آل أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس و آل سفيان بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم. و قال الأزرقي في محل آخر فكان أهل مكة يدفنون موتاهم في جنبتي الوادي يمنه و شامه في الجاهلية و في صدر الإسلام ثم حوّل الناس جميعا في قبورهم في الشعب الأيسر لما جاء من الرواية فيه و لقول رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): نعم الشعب و نعم المقبرة. قال ابن ظهيرة في «الجامع اللطيف»: المراد باليمن هو شعب أبي دب المعروف الآن بشعب العفاريت- و بعضهم يقول له شعب العقاريب- و فيه كان يدفن في الجاهلية و صدر الإسلام. و أبو دب رجل من بني سواة بين عامر سكنه فسمي به.

و يقال إن قبر آمنة بنت وهب أم النبي (صلى الله عليه و سلم) في شعب أبي دب. هذا و إنه (صلى الله عليه و سلم) جاء إليها و زارها و قيل في غير هذا المحل من المعلاة. و قيل بالأبواء و هو المشهور، و المراد بالشام هو شعب الصفى بتشديد التحتية المسمى قديما بصفى السباب و هو الذي عند أذاخر و الخرمانية في طرف المحصب و يسمى المحصب شعب الصفى و هو خيف بني كنانة و إنما سمّي شعب الصفى لأن ناسا في الجاهلية اختاروا هذا المكان و اصطفوه لمفاخرتهم إذا فرغوا من مناسكهم و نزلوا المحصب المذكور و وقفوا بفم هذا الشعب و تفاخروا بالآباء و الأيام و الوقائع في الجاهلية ثم يظهر أن صدور هذا الأمر يعني هذا التفاخر إنما كان يقع من شبانهم ليظهر وجه التسمية. انتهى.

انظر: الصور أرقام 310 للمعلا من جهة أم المؤمنين خديجة رضي اللّه تعالى عنها، و رقم 311، 312، 313 لقبور المعلا، و أخرى لجانب منها.

انتهى كل هذا من تاريخ الغازي، ثم ذكر أيضا في تاريخه أسماء من دفن بمقبرة المعلاة من الصحابة و التابعين و العلماء و الصالحين لم ننقل ذلك حتى لا يطول بنا

167

الكلام، نسأل اللّه تعالى أن يميتنا ببلده الحرام و أن يجعل قبرنا في مقبرة المعلا و أن يعفو عنا و يغفر لنا و لهم و لكافة أموات المسلمين و المسلمات من مشارق الأرض و مغاربها إنه غفور رحيم و بعباده لطيف خبير آمين.

و لقد بني سور على مقبرة المعلا في قسميها القسم الذي يلي الجبل و فيه باب واحد، و القسم الذي يلي جهة البلدة و فيه بابان، و قد ذكر الغازي (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه نقلا عن تاريخ السنجاري عن سور المقبرة ما يأتي:

و في سنة ثمان و تسعين و ألف (1098 ه) ابتدئ بعمل حائط على مقبرة مكة المشرفة و ذلك لما أنهي إلى الوزير سليمان أمير ياخور الذي ولّي الوزارة سنة (1097) ما يحدث من التلويث و النجاسة في القبور بالحج حيث نزول الحجاج و نصبهم خيامهم عليها و طبخهم قدور الطعام فيها فانتدب لعمارتها الشلبي عثمان حميدان وزير مكة فقسم المقبرة قسمين و جعل لكل واحد منهما سورا بأبواب.

انتهى منه.

نقول: لقد جدّد بناء سور المقبرة مرارا و كان آخر مرة في عصرنا سنة (1373) بواسطة بلدية مكة- أمانة العاصمة-.

و الثانية: مقبرة الشبيكة. قال ابن ظهيرة في الجامع اللطيف: نقل الفاسي (رحمه اللّه تعالى) عن الفاكهي أن مقبرة المطيبين قديما كانت بأعلى مكة و مقبرة الأحلاف بأسفل مكة، ثم قال: و الظاهر أن مقبرة الأحلاف هي هذه المقبرة يعني بذلك الشبيكة لأنه لا يعرف بأسفل مكة مقبرة سواها و دفن الناس بها إلى الآن مشعر بذلك، ثم قال: و المطيبون بنو عبد مناف بن قصي و بنو أسد بن عبد العزى و بنو زهرة بن كلاب و بنو تيم بن مرة و بنو الحارث بن فهر و الأحلاف بنو عبد الدار بن قصي و بنو مخزوم و بنو سهم و بنو جمح و بنو عدي بن كعب. انتهى.

قال ابن ظهيرة (فائدة): و في سبب تسميتهم بالمطيبين و الأحلاف نقل عن ابن إسحاق أن قصيا لما هلك قام بنوه بعده بأمر الرئاسة و اقتسموا مآثره كما تقدم ثم إن بني عبد مناف بن قصي و هم عبد شمس و نوفل و هاشم و المطلب أجمعوا أن يأخذوا ما في أيدي بني عبد الدار بن قصي مما كان قصي قد جعله إلى بني عبد الدار من الحجابة و اللواء و السقاية و الرفادة و رأوا أنهم أحق بذلك منهم لشرفهم عليهم فافترقت قريش فرقتين: فكانت طائفة منهم مع بني عبد مناف على رأيهم و طائفة مع بني عبد الدار يرون ألا ينزع منهم ما جعله قصي إليهم، ثم أخرج‏

168

بعض نساء عبد مناف جفنة مملوءة طيبا فغمس القوم أيديهم فيها و تعاقدوا و تعاهدوا أن لا يتخاذلوا فسموا المطيبين، و تعاقد بنو عبد الدار و تعاهدوا عند الكعبة أن لا يسلم بعضهم بعضا فسموا الأحلاف، ثم اصطلحوا على أن تكون السقاية و الرفادة و القيادة لبني عبد مناف و أن تكون الحجابة و اللواء و الندوة لبني عبد الدار كما كانت ففعلوا و لم يزالوا على ذلك حتى جاء اللّه بالإسلام فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدّة.

انتهى من «الجامع اللطيف».

و لقد كانت مقبرة الشبيكة مسوّرة و الذي بنى عليها السور الشيخ علي الشحومي المغربي سنة (1274) أربع و سبعين و مائتين و ألف، و بنى بها محلا يغسل فيه الموتى و بنى أمامها رباطا لفقراء نساء أهل مكة كما ذكره الغازي في تاريخه، ثم هدم هذا السور و بقي بعض آثاره بمرور الزمن و عدم العناية به ثم إنه بنى على هذه المقبرة سور جديد في سنة (1374) أي بعد مرور مائة سنة على بناء السور الذي قبله.

و الثالثة: مقبرة الشيخ محمود بآخر ريع الرسام و أول جرول للخارج من مكة، و الشيخ محمود المذكور هو ابن إبراهيم بن أدهم و قد بنى سور هذه المقبرة الشيخ علي الشحومي المغربي سنة (1275) خمس و سبعين و مائتين و ألف، و الشحومي هو الذي بنى أيضا سور مقبرة الشبيكة قبل هذه المقبرة بعام واحد كما ذكره الغازي في تاريخه نقلا عن كتاب «تنزيل الرحمات على من مات» قال: و دفن بهذه المقبرة العباس بن مرداس السلمي رضي اللّه عنه حامل الراية يوم فتح مكة قال: و دفن خلفه العباس بن عبد اللّه ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما سنة ثمانين من الهجرة، و قبرهما معروف. اه.

و الرابعة: مقبرة المهاجرين بالحصحاص (أي مقبرة الزاهر) قال ابن ظهيرة في «الجامع اللطيف»: و هو ما بين فخّ و الجبل المسمى بالمقلع و بالبكاء أو الزاهر كما هو مقتضى كلام الأزرقي و الفاسي فتكون المقبرة المذكورة في المحل المعروف الآن بالمختلع الذي يبيت به أمير الحاج عند قدومه ثم يصبح و يدخل مكة، قال: و سبب تسميتها بمقبرة المهاجرين أن جندع بن أبي ضمرة بن أبي العاص اشتكى و هو بمكة فخاف على نفسه فخرج يريد الهجرة إلى المدينة فأدركه الموت و هو بهذا المحل فدفن فيه فأنزل اللّه تعالى: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَ‏

169

يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً فسميت مقبرة المهاجرين به، أخرجه الأزرقي و وقع مثل ذلك لغير جندع أيضا، قال: و ممن دفن بهذا المحل جماعة من العلويين قتلوا فيه في حرب وقعت بينهم و بين عسكر موسى الهادي في سنة (199) تسع و تسعين و مائة، و يسمى هذا المحل أيضا بإضاءة بني غفار و هي التي قال النبي (صلى الله عليه و سلم): أتاني جبريل و أنا بإضاءة بني غفار فقال: يا محمد إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف فقلت: أسأل اللّه المعافاة إلخ، انتهى من «الجامع اللطيف» باختصار.

الخامسة: مقبرة العدل هي بأعلى مكة في طريق منى و هي حدثت قريبا في عهد الحكومة السعودية من سنة (1345) تقريبا سنة خمس و أربعين و ثلاثمائة و ألف تقريبا.

و السادسة: مقبرة الخرامية و هي واقعة بمحلة المعابدة أمام مدخل شعب أذاخر عند القصر الملكي و هي مقبرة صغيرة مثلثة الشكل على يمين الصاعد إلى منى من الشارع العام.

هذه المقبرة قديمة يرجع عهدها إلى أيام الجاهلية، و يقال دفن بها بعض الصحابة منهم عبد اللّه بن عمر ابن الخطاب رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين و قد كانت مقبرة لآل العيص و آل المخزومي و كان الناس في هذه الجهة لا يزالون يدفنون موتاهم إلى عهد قريب.

و لما كانت هذه المقبرة صغيرة جدا و قد ضاقت بالأموات جعل عليها سور مرتفع أحاط بها من جميع الجهات و لم يجعل لها باب و لا منفذ لمنع الناس من الدفن فيها بتاتا.

انظر: صورة رقم 314، جدار مقبرة المهاجرين من الخارج‏

انظر: صورة رقم 315، مقبرة المهاجرين‏

و قد ذكر الإمام الأزرقي هذه المقبرة في تاريخه بما ملخصه:

كان يدفن في المقبرة التي عند ثنية أذاخر آل أسيد بن أبي العيص بن أبي أمية بن عبد شمس، و فيها دفن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنهما و مات بمكة في سنة أربع و سبعين و قد أتت له أربع و ثمانون، و كان نازلا على عبد اللّه بن خالد بن أسيد في داره و كان صديقا له فلما حضرته الوفاة أوصاه أن لا يصلي عليه الحجّاج، و كان الحجّاج بمكة واليا بعد مقتل ابن الزبير فصلّى عليه‏

170

عبد اللّه بن خالد بن أسيد ليلا على ردم آل عبد اللّه عند باب دارهم و دفنه في مقبرته هذه عند ثنية أذاخر بحائط خرمان، و يدفن في هذه المقبرة مع آل أسيد آل سفيان ابن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم و هم يدفنون فيها جميعا إلى اليوم. انتهى من الأزرقي.

و السابعة: المقبرة التي بين قهوة الششة و الشيبية قبل السد الجديد بالمعابدة.

و الثامنة: مقبرة ريع المسكين في الملاوي بالمعابدة أيضا.

و قد توجد بأطراف مكة بعض المقابر الحديثة بحسب امتداد العمران فيها في عصرنا هذا أضربنا عن ذكرها لعدم مسيس الحاجة إليها مكتفين بالمقابر القديمة المشهورة.

عدم معرفة مقابر من دفن بمكة من الصحابة و التابعين‏

و بمناسبة الكلام على مقابر مكة شرفها اللّه تعالى نقول: إن ما اشتهر لدى الناس عن تعيين القبور بأن هذا قبر فلان و هذا قبر فلان لا أصل له من الصحة و خبر غير موثوق به، فقد تغيرت معالم المقابر و تبعثرت الأحجار المكتوبة على قبور أصحابها من الصحابة و التابعين مرارا و تكرارا منذ بدء الإسلام إلى اليوم و نستدل على ذلك بدليلين:

الأول: ما نراه الآن في عصرنا الحاضر في قبور المعلا من اندثار معالمها و اختلاط بعضها ببعض و تفرق أحجارها المكتوبة- شواهدها- المكتوبة منذ مئات السنين بمختلف الخطوط العربية في أنحاء المقبرة و ما نرى من عمل دافني الموتى الجهلاء من التصرف الخاطئ بوضع بعض تلك الأحجار القديمة في أي قبر حديث أو قديم يفتحونه ثم يضعونها في داخله كغطاء له أو يضعونها فوقه مع بعض الأحجار كعلامة على أنه قبر.

الثاني: و هو أقوى من الدليل الأول ما ذكره العلماء في هذا المعنى، و إليك ما وقفنا على بعض نصوصهم، فقد قال ابن جبير في رحلته التي كانت سنة (578) عن مقبرة المعلا ما نصه:

«و بالجبانة المذكورة مدفن جماعة من الصحابة و التابعين و الأولياء و الصالحين قد دثرت مشاهدهم و ذهبت عن أهل البلد أسماؤهم» اه.

171

و في تاريخ الغازي: قال العلّامة علي القاري في منسكه: و لا يعرف أيّ معرفة معينة بمكة قبر صحابي و لا صحابية إلا أنه رأى بعض الصالحين في المنام قبر خديجة الكبرى رضي اللّه عنها بقرب قبر فضيل بن عياض (رحمه اللّه تعالى) فبنى قبة هناك و لا ينبغي تعيينه إلى تعيين قبرها على الأمر المجهول كما قال المرجاني و القبر المنسوب لابن عمر غير صحيح أي لا يعرف موضع قبره به أيضا مع الاتفاق على موته بمكة و كذلك قبر عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما لا يصح كونه في موضعه المعروف عند قبور السادة الصوفية و لعله كان موضع صلبه. انتهى من الغازي.

نقول: إن الإمام الأزرقي ذكر في تاريخه أن عبد اللّه بن عمر المذكور مدفون في مقبرة الخرمانية و هي التي عند شعب أذاخر كما سبق الكلام عليها.

و في كتاب «الجامع اللطيف» لابن ظهيرة قال الفاسي (رحمه اللّه تعالى): و لا أعلم في مكة و لا فيها قرب منها قبور أحد ممّن صحب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) سوى هذا القبر (أي قبر أم المؤمنين ميمونة زوجة النبي عليه الصلاة و السلام الذي بخارج بمكة) لأن الخلف يأثره عن السلف و موضع قبرها هو الذي بنى بها فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين تزوجها. اه. انتهى من الكتاب المذكور.

و جاء في شرح «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» في صحيفة 158 في الجزء الثاني: و في كتاب «المدخل» لابن الحاج و ليس ثمّ موضع نبي مقطوع به بعد موضع نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم) إلا موضع الخليل عليه الصلاة و السلام أي أنه مدفون بيقين في المغارة التي بحبرون و التي تسمى بمدينة الخليل، و الذي أدار على قبره الخليل البناء هو نبي اللّه سليمان عليه الصلاة و السلام، و إلى ما ذكر أشار ابن حجر الهيثمي في قصيدته اللامية في مدح خير البرية حيث يقول:

و لم تعلم مقابرهم بأرض‏* * * يقيننا غير ما سكن الرسول‏

و في حبرون أيضا ثم غار* * * به رسل كرام و الخليل‏

ففي داخل هذا البناء قبر الخليل و إسحاق و يعقوب و يوسف عليهما الصلاة و السلام و كذلك قبر سارة. انتهى منه. و قد تقدم الكلام على موضع قبر الخليل عليه الصلاة و السلام عند ترجمته.

هذا ما وقفنا على بعض نصوص العلماء و هي كما تراها معقولة لا سبيل إلى إنكارها مع الاعتراف بأن بعض الصحابة و التابعين و من بعدهم من كبار العلماء

172

و الصالحين و من يشار إليهم بالبنان مدفونون بمقبرة مكة لكن لا نقدر أن نحكم على تعيين قبورهم على الوجه الصحيح. و لا يترتب شي‏ء على معرفتنا لقبورهم أو عدم معرفتنا و دعاؤنا و استغفارنا يصل إليهم أينما كنا و كانوا في مشارق الأرض و مغاربها إن شاء اللّه تعالى.

اللهم اغفر لنا و لوالدينا و لمشايخنا و لإخواننا في اللّه و للمؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات الأحياء منهم و الأموات و المنقطعين و المنقطعات من أمة محمد (صلى الله عليه و سلم) الذين لا ذاكر لهم و لا زائر لهم بفضلك و رحمتك يا عزيز يا غفور آمين.

فضل الموت بالأراضي المقدسة

مما لا شك فيه أن بعض البلدان أجمل من بعض و أن الإنسان يتمتع و يرتاح في أحسنها و أجملها و لا بد أن يكون مثل ذلك أيضا المقابر في بعض البلدان تكون أشرف و أفضل من بعضها كمكة و المدينة و بيت المقدس.

إن البقاع إذا نظرت رأيتها* * * تشقى كما تشقى الرجال و تسعد

أخرج الأزرقي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي‏e أنه قال: «نعم المقبرة هذه مقبرة أهل مكة».

و عن حاطب بن بلتعة عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: «من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة من الآمنين» أخرجه الدارقطني و غيره. و عن ابن عمر: «إن من قبر بمكة مسلما بعث آمنا يوم القيامة». و عن محمد بن قيس ابن مخرمة عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال:

«من مات بمكة بعثه اللّه في الآمنين يوم القيامة». و عن سلمان الفارسي عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: «من مات في أحد الحرمين استوجب شفاعتي و كان يوم القيامة من الآمنين» أخرجه ابن جماعة.

و عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: «أنا أول من تنشق الأرض عنه فأكون أول من يبعث فأخرج أنا و أبو بكر و عمر إلى أهل البقيع فيبعثون ثم يبعث أهل مكة فأحشر بين أهل الحرمين». و عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت فإن مات بالمدينة شفعت له يوم القيامة» و روى الطبراني حديث: «أول من أشفع له من أمتي أهل المدينة ثم أهل مكة ثم أهل الطائف» و أخرجه الترمذي بالواو بدل ثم.

173

نقول: لقد رغب كثير من الأنبياء و العلماء و الصالحين في الموت بالأراضي المقدسة و لقد كان النبي فيما تقدم إذا آمن به نفر من قومه يترك قومه ببلده و يأتي إلى مكة بمن آمن به يعبد اللّه تعالى حتى يأتيه اليقين و لذلك دفن حول الكعبة كثير من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، فقد روى سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن أبي سابط أنه قال: بين الركن و المقام و زمزم قبر تسعة و تسعين نبيا و أن قبر هود و شعيب و صالح و إسماعيل (عليهم السلام) في تلك البقعة. اه. و اللّه تعالى أعلم بذلك.

فإن قيل: لماذا لا يذهبون إلى المدينة أيضا للتعبد و هي ثاني الحرمين؟

نقول: إن المدينة المنورة لم تكن معروفة قبل «نبينا محمد» (صلى الله عليه و سلم) و ما اشتهر فضلها إلا بعد أن هاجر إليها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و دفن بها، أما مكة فهي معروفة من قديم الأزمان لوجود بيت اللّه فيها.

و على سبيل الاستدلال: نذكر ما ورد في طلب الموت بالأراضي المقدسة فنقول و باللّه التوفيق و عليه التكلان:

جاء في كتاب الأذكار للإمام النووي (رحمه اللّه تعالى) ما يأتي: روينا في صحيح البخاري عن أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي اللّه عنهما قالت: قال عمر رضي اللّه عنه: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك و اجعل موتي في بلد رسولك (صلى الله عليه و سلم). فقلت: أنّى يكون هذا؟ قال: يأتيني اللّه به إذا شاء. انتهى.

نقول: و قد استجاب اللّه تعالى دعاء عمر رضي اللّه عنه فرزقه الشهادة حيث قتل و هو في صلاة الصبح و جعل موته في بلد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أي في المدينة حيث دفن بجوار صاحبيه، و هل يوجد جوار أفضل من هذا الجوار؟ نقول: و ليس ببعيد على كرم اللّه تعالى أن يبعث من قبر بمكة آمنا يوم القيامة لأنه تعالى يقول في كتابه العزيز: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً فإذا كان الداخل إلى الحرم يكون آمنا من كل ما يخافه و هو حي يرزق.

و هذه الميزة خاصة بالحرمين الشريفين بل حتى بيت المقدس و لهذا طلب كليم اللّه موسى عليه الصلاة و السلام من ربه عز و جل حين الموت أن يدنيه من الأرض المقدسة و لو برمية حجر، فقد جاء في صحيح البخاري في كتاب الجمعة في باب الجنائز في باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: أرسل ملك الموت إلى موسى عليهما الصلاة و السلام، فلما جاء

174

صكه فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فردّ اللّه عليه عينه و قال: ارجع فقل له يضع على متن ثور فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة، قال: أي ربّ ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن فسأل اللّه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر. انتهى.

نقول: إذا كان نبي اللّه و كليمه موسى (عليه السلام) يطلب الموت بقرب الأرض المقدسة زيادة في التقرب إلى رحمة اللّه تعالى في الأماكن المقدسة فنحن أولى أن نطلب ذلك في الموت في الأراضي المقدسة و نحن المذنبون الخاطئون رجاء عفو اللّه تعالى و غفرانه، و أيضا إذا كانت الأرض المقدسة لها هذه الميزة فمن باب أولى أن تكون هذه الميزة للحرمين الشريفين مكة و المدينة حفظهما اللّه تعالى من كل سوء و أدام رخاءهما و أمنهما و عمرانهما.

اللهم أمتني في أحب البقاع إليك و أنت عني راض و في أبرك الأوقات و على طهارة تامة و نظافة حسنة بدون تعب و لا مشقة لا عليّ و لا على أهلي و أولادي يا أرحم الراحمين يا من لطفه في الورى يسري في كل وقت و حين آمين آمين آمين، و صلى اللّه و سلم على أبي القاسم الأمين و على آله و صحبه أجمعين.

بعض عادات أهل مكة و الأجناس التي فيها

من عجائب صنع اللّه تعالى الذي هو جدير بالعظة و الاعتبار أنه لما كانت مكة بلده الأمين و الكعبة قبلة لعموم المسلمين و العباد عباده و خلقه جعل سكان بلده «مكة» خليطا من جميع الأجناس و من كافة الأنواع تهوي إليها الناس من عموم أطراف المعمورة و هذا طبعا بعد انتشار الإسلام و تيسير طرق الانتقال و سبل المعيشة، لذلك صارت لأهل مكة عوائد مشكّلة مأخوذة عن عوائد جميع الأجناس المختلفة التي تفد إليها فتقيم بها، و قد لفتت تلك العوائد أنظار المؤرخين. و نحن نذكر هنا ما سجله بعضهم في كتابه فقد قال ابن بطوطة (رحمه اللّه تعالى) في رحلته التي كانت سنة (725) خمس و عشرين و سبعمائة عن عادات أهل مكة و فضائلهم نذكر هنا كما ذكرنا ما جاء برحلة ابن جبير، قال ابن بطوطة: و لأهل مكة الأفعال الجميلة و المكارم التامة و الأخلاق الحسنة و الإيثار إلى الضعفاء و المنقطعين و حسن الجوار للغرباء. و من مكارمهم أنهم متى صنع أحدهم وليمة يبدأ فيها

175

بإطعام الفقراء المنقطعين المجاورين و يستدعيهم بتلطف و رفق و حسن خلق ثم يطعمهم، و أكثر المساكين المنقطعين يكونون بالأفران حيث يطبخ الناس أخبازهم فإذا طبخ أحدهم خبزه و احتمله إلى منزله فيتبعه المساكين فيعطي لكل واحد منهم ما قسم له و لا يردهم خائبين و لو كانت له خبزة واحدة فإنه يعطي ثلثها أو نصفها طيب النفس بذلك من غير ضجر. و من أفعالهم الحسنة أن الصغار يقعدون بالسوق و مع كل واحد منهم قفتان: كبرى و صغرى و هم يسمون القفة مكتلا فيأتي الرجل من أهل مكة إلى السوق فيشتري الحبوب و اللحم و الخضر و يعطي ذلك للصبي فيجعل الحبوب في إحدى قفتيه و اللحم و الخضر في الأخرى و يوصل ذلك إلى دار الرجل ليهيأ له طعامه منها و يذهب الرجل إلى طوافه و حاجته، فلا يذكر أن أحدا من الصبيان خان الأمانة في ذلك قط بل يؤدي ما حمل على أتمّ الوجوه و لهم على ذلك أجرة معلومة من فلوس. و أهل مكة لهم ظرف و نظافة في الملابس و أكثر لباسهم البياض فترى ثيابهم أبدا ناصعة ساطعة، و يستعملون الطيب كثيرا و يكتحلون و يكثرون السواك بعيدان الأراك الأخضر، و نساء مكة فائقات الحسن بارعات الجمال ذوات صلاح و عفاف و هن يكثرن التطيب حتى أن إحداهن لتبيت طاوية و تشتري بقوتها طيبا، و هن يقصدن الطواف بالبيت في كل ليلة جمعة فيأتين في أحسن زي و تغلب على الحرم رائحة طيبهنّ و تذهب المرأة منهنّ فيبقى أثر الطيب بعد ذهابها عبقا، و لأهل مكة عوائد حسنة و غيرها سنذكرها إن شاء اللّه تعالى إذا فرغنا من ذكر فضائلها و مجاوريها.

ثم قال ابن بطوطة بعد صحيفة واحدة: و أهل مكة لا يأكلون في اليوم إلا مرة واحدة بعد العصر و يقتصرون عليها إلى مثل ذلك الوقت. و من أراد الأكل في سائر النهار أكل التمر و لذلك صحّت أبدانهم و قلّت فيهم الأمراض و العاهات. انتهى من رحلة ابن بطوطة.

و قال البتنوني الذي حج سنة (1327) في كتابه «الرحلة الحجازية» ما نصه:

و يقصد مكة زمن الحج أنواع العالم الإسلامي من جميع أطراف المسكونة فترى بها الأزياء المتباينة و السحن المختلفة حتى ليجدر بها أن تسمّى بالمعرض الإسلامي. و لقد رأيت فيها رجلا يابانيا من كبار قواد اليابان قد أسلم و قدم إليها لتأدية فريضة الحج.

176

و قد اعتاد الشوام و المغاربة سكنى الجهة الشمالية من مكة زمن الموسم، و الأفغان و السليمانية (أهالي قندهار) في الجهة الشمالية الشرقية، و الهنود و الجاوة في الجهة الشمالية الغربية، و اليمن و التركستان و الداغستان في المسفلة و العجم في شعب علي، و ما سوى ذلك في وسط المدينة. و أهالي مكة يبلغ عددهم على وجه التقريب نحو 150 ألف شخص منهم خمسون ألفا من الأهالي و الباقون من الأغراب كما تراه في الجدول الآتي:

(50) ألف أهالي، (25) ألف أعراب و غالبهم حجازيون و يمنيون و حضارم- من سكان حضرموت- (20) ألف بخاريون، (12) ألف هنود، (15) ألف جاوه، (10) آلاف سليمانية و أفغان، (5) آلاف شوام، (5) آلاف مغاربة، (8) آلاف أجناس مختلفة، المجموع: (150) ألف.

و أغلب هؤلاء الأغراب يشتغلون بالأمور المالية و خصوصا التجارية لذلك نبّه أمرهم و أصبحت مالية البلاد في أيديهم.

ثم قال البتنوني بعد أن ذكر البيوتات القديمة ما نصه: و من اختلاط هذه الأجناس بعضهم ببعض بالمصاهرة أو المعاشرة صار سواد أهل مكة خليطا في خلقهم فتراهم قد جمعوا إلى طبائعهم و داعة الأناضولي و عظمة التركي و استكانة الجاوي و كبرياء الفارسي و لين المصري و صلابة الشركسي و سكون الصيني و حدّة المغربي و بساطة الهندي و مكر اليمني و حركة السوري و كسل الزنجي و لون الحبشي، بل تراهم جمعوا بين رفه الحضارة و قشف البداوة: فبينما ترى الرجل منهم قد آنسك برقة حديثه معك وضعته بين يديك إذ هو قد استوحش منك و أغلظ في كلامه حتى كأن طبيعة البداوة تغلّبت فيه على طبيعة الحضارة فلم يطق ما تكلّفه في حضرتك.

و قد وصل هذا الخلط في أزيائهم التي تراها مجموعة مختلطة من أزياء البلاد الإسلامية: عمامة هندية، و قفطان مصري، و جبة شامية، و منطقة تركية فيها خنجر تراه على الخصوص في حزام الأشراف مفضضا أو مذهبا بشكل جميل جدا، و كثيرا ما يكون مرصّعا بالأحجار الكريمة. و مع هذا فقد ترى الرجل الصانع الفقير يلبس القميص و على ياقته الظرافة المشغولة بالحرير و على رجل سراويله شي‏ء يشبه الركامة و هو حافي الرجل- مثلا- غير أنك تلاحظ ذلك في طبقة الأشراف التي ترفّعت عن هذا الخليط فلم يدخل في مادتهم غريب و لم يتغلّب عليهم خلق جديد

177

بل خلقهم هو بعينه العربي البحت الذي ورثوه عن أجدادهم و ألفوه بما فطروا عليه من كريم العنصر و ذكاء المحتد. و على العموم فأخلاق أهل مكة غاية في الكمال و خصوصا في الطبقة العالية منهم رضي اللّه عنهم، و لا يؤخذ على مجموعهم خسة بعض السوقة فيهم.

ثم بعد أن ذكر البتنوني بعض الألفاظ العامية التي في لهجات أهل مكة قال و غالب أهلها يتكلمون بالتركية، و من المطوفين من يتكلم بلغات مختلفة كالهندية و الأوردية و الجاوية و الفارسية و الصينية. أما أهل البادية فلغتهم عربية صرفة فلا نكاد نفهمها إذا سمعناهم يتكلمون بها و لكل قوم منهم لغة مخصوصة تختلف في لفظها باختلاف القبائل.

ثم قال: و من عوائد أشراف مكة أن كبراءهم يرسلون أولادهم و هم في نعومة أظفارهم إلى البادية و خصوصا إلى قبيلة عدوان التي توجد في شرق الطائف و هي قريبة من سعد التي أرضع فيها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فينشأون فيها على البداوة التامة مع الأمية الصرفة حتى إذا ترعرعوا عادوا إلى مكة و قد تعلموا بعض لغات القبائل و حفظوا من أشعارهم و أخذوا من عوائدهم و طباعهم. و أحسن ما تراه فيهم الفروسية و الحرية في القول و الفعل و هذه العادة قديمة جدا في القوم، و مما يذكر عن الرشيد أنه رأى ولده المعتصم و هو صبي يتأفف من الذهاب إلى الكتّاب فمنعه منه و أرسل به إلى البادية فما زال بها حتى عاد منها عارفا بلغتها عالما بأخبارها حافظا لكثير من أشعارها، و قد ولّي الخلافة و هو على أميّته. و من عادة شريف مكة أن يجلس للحكم في دار الإمارة كل يوم من الساعة الخامسة نهارا إلى قبيل العصر فتعرض عليه المسائل الهامة و هنالك يستعد إلى التوجه إلى الحرم في ركبة بسيطة فيصلي العصر و كثيرا ما يجلس بالحرم حتى يصلي المغرب ثم يعود إلى قصره فيتناول العشاء مع من يريد من بنيه و خاصته و ضيوفه. و من عاداته أنه يجلس صباح يوم الجمعة في دار الإمارة للمقابلات فيفد عليه الوالي و كبار الموظفين ثم أعيان مكة و وجوهها و بعد السلام عليه يذهبون إلى السلام على الوالي.

و من عاداته: أنه يصلي الجمعة في الحرم حتى إذا كان في الطائف ينزل منها في موكبه فيصلّيها فيه و بعد العصر يعود إلى مصيفه.

قال: و من عادات أهل مكة التأنّق في المأكل و المشرب و اللباس و تكثر في لباسهم الألوان الزاهية الباهية و خصوصا الأحمر و الأخضر و الأزرق و الوردي.

178

و ترى في مساكنهم كثيرا من أدوات الزخرف و الزينة و الرياش الثمينة و خصوصا البسط العجمية النادرة المثال.

و من عاداتهم: تقديم الشاي في أي وقت تحية للقادم عليهم و إقامة المآدب في حفلة يسمونها قيلة- لعلها آتية من القيلولة- و يتفاخرون بكثرة صنوف الطعام المتغايرة في شكلها و طعمها. و ليس لأطعمتهم نظام مخصوص فمنها الهندي و العربي و الشامي و المصري و التركي. و يقعد المدعوون في هذه الولائم على سماط يمدّ على الأرض و تخدم عليهم الألوان لونا بعد آخر، و بعد فراغهم من الطعام يجلسون للسمر أو سماع بعض الأغاني و آلات الطرب كالعود أو القانون أو الرباب ثم ينصرفون. و غالبا تكون هذه الحفلات في ضواحي مكة كالزاهر و الشهداء و هنالك يبكرون إليها و يقضون يومهم في سرور و حبور و ألعاب رياضية كالمسابقة بالجري أو لعب الكرة أو النرد أو الشطرنج مثلا.

و لأهل كل حارة من حارات مكة عادة مع أميرها: ذلك أن يجتمعوا و يدعوا الشريف إلى وليمة يقيمونها له كل سنة في أحد منتزهاتهم خارج مكة، فإذا قبل منهم ذلك عيّن يوم الوليمة و فيه يذهب مع خاصته الذين يدعوهم للتوجه معه في موكب فخيم تجري أمامه خيّالة الأعراب و البيشة و الناس يهتفون له بقولهم دائما- يعيش- حتى إذا وصل مكان الدعوة جلس مع من أراد. و في وقت الغداء تمدّ الموائد على النظام الإفرنكي و التركي و العربي و يجلس الشريف و يدعو خاصته للأكل معه و بعد الطعام تلعب الأعراب بألعاب الفروسية: تارة بالخناجر و أخرى بالسيوف إلى آخر النهار. و بعد فترة من الليل يعود الشريف في موكبه إلى مكة.

و من عوائد أهل مكة أنهم يأكلون مرتين في اليوم: واحدة في نحو الساعة التاسعة صباحا- على حساب الساعة الإفرنجية فتوافق التاسعة الإفرنجية عندنا بمكة الساعة الثانية و النصف بالعربي تقريبا- و الأخرى بعد صلاة العصر. و هم يميلون إلى الأبهة و الفخفخة كثيرا و يقلد صغيرهم كبيرهم في التظاهر بالكرم و الشجاعة خصوصا في شهر رمضان. و قد كانوا يفطرون في الحرم بعد صلاة المغرب فيمدّون الموائد هنا و هناك و لا سيّما في زمن الحر و لكن الشريف عون الرفيق أبطل هذه العادة- و خيرا فعل- لأن فضلات الأكل كانت توسخ المسجد فتكثر فيه الحشرات و القطط و غيرها. و من عوائد كثير منهم أنهم يشرطون و جنات صبيانهم ثلاث شرط في كل جهة و نساؤهم يدخّن بالنرجيلة و الزار يفشو فيهن كثيرا

179

و بعضهن يخرجن إلى الأسواق بملاءة واسعة سوداء في الغالب و برقع كثيف فيه ثقبان صغيران فيما يقابل العينين و في أرجلهن أخفاف ضخمة لونها أصفر غالبا و أفراحهم و مآتمهم غاية في البساطة. و من عوائدهم في زواجهم أنهم يدعون الأهل و المحبين نساء و رجالا فتأتي الرجال و يجلسون في الأماكن المعدة لهم خارج البيت و وقت العشاء يمد لهم سماط مستطيل يجلسون عليه جميعا مرة واحدة فيأكلون ثم ينصرفون. أما النساء فيدخلن البيت فيجدن على باب قاعة الجلوس قصعة كبيرة مملوءة بمعجون الحناء فتحني المرأة يدا من يديها ثم تدخل إلى المكان، و بعد السلام تجلس على هذا الحال مع باقي النسوة و لا يزلن يتجاذبن أطراف الحديث إلى منتصف الليل و هناك يزففن العروس إلى بعلها ثم يعدن إلى بيوتهن بعد أن يضعن في عنقها عقودا كثيرة من زهر الفل أو ثمر التفاح و هو في قدر البندق.

و النقود التي تستعمل في مكة هي النقود التركية و المصرية فضية أو ذهبية و الروبية و القروش الهندية و الريال الشينكو و أبو طيرة و الريال البرم- الجاوي- و هو على أشكال مختلفة و الجنيه الإنجليزي و الفرنساوي و الروسي. و ليس لهذه النقود قيمة ثابتة هناك بل تراهم يستعملونها على الدوام في مصلحتهم فيأخذونها منك بأقل من قيمتها و يعطونها لك بأكثر مما تساوي و هذا عيب كبير من عيوب المعاملات!! و لعل أرباب الأمر و النهي يجتهدون في إزالته قريبا. و الريال أبو طيرة هو أكثر النقود استعمالا عند الأعراب و قيمته عندهم كالريال الشينكو أو المصري.

و أسواق مكة كثيرة: منها سوق الشامية في شمال الحرم و هي أشبه شي‏ء بالأسواق التركية و لها سقف من الخشب على مثال الخان الخليلي بمصر لو لا أن شوارعها أضيق و هذه السوق تضيق بالمارين خصوصا عند مرور الجمال بها. و فيها يبيعون السبح و الأقمشة الهندية و غيرها و فيها كثير من الفصوص الفيروز و الياقوت و العقيق الذي يبيعه على الخصوص حجاج اليمن في شوارع المدينة بأثمان رخيصة جدا.

ثم السوق الصغير و هو تجاه باب إبراهيم و أغلب ما فيه للغذاء كالخبز و اللحوم و البقول الجافة و الخضر التي يؤتى بها من الأودية المحيطة بمكة كوادي فاطمة شمالا و وادي الليمون شرقا و وادي العبيدية- العابدية- و الحسينية جنوبا. و كثير من هذه الخضر يأتي مع الفاكهة من جهة الطائف و جبال كرا و في هذه السوق دكاكين كثيرة يبيعون فيها الأسماك المقلية التي يؤتى بها من جدة و هي في الغالب مضرة جدا

180

بالصحة لتعفنها من الحرارة و طول زمن النقل. و في شرق المسجد سوق الليل و هي سوق كبيرة مختلطة فيها جميع احتياجات الحاج، و في كل هذه الأسواق ترى مدة الموسم حركة لا تنقطع يأتي من ورائها ربح عظيم لأهل البلد، و مدار حركة الأشغال الشاقة في مكة على العبيد فمنهم الحمّالون و الحطّابون و الحمارون و الجمّالون و السقّاؤون و الخدّامون. و لقد كان للرقيق بمكة سوق كبيرة أخذ أمرها ينمحي شيئا فشيئا حتى كان لا يكون له أثر بالمرة. و كانوا يسمون المكان الذي يبيعونه فيه بالدكة لأنه كان في حوشه دكة يجلسون عليها ما يراد بيعه منه.

انتهى كل ذلك من كتاب «الرحلة الحجازية». و قد نقل عنه هذا الكلام المرحوم إبراهيم باشا رفعت في كتابه «مرآة الحرمين» كما هو صريح عبارته الواردة بصحيفة (201) من الكتاب المذكور.

و نحن نقول أنه ينبغي لأهل أم القرى و جيران بيت اللّه الحرام أن يكونوا قدوة صالحة للعالم الإسلامي في القول و العمل فعسى اللّه أن يوفقنا لذلك توفيقا تاما و عسى أن ينظر إلينا بعين الرحمة فنسعد في الدارين.

اللهم يا رحمن يا رحيم يا من لطفه سار في الورى و خيراته عميمة في البلدان و القرى ارحمنا رحمة الأبرار و أنظمنا في سلك عبادك الأخيار و أصلح أحوالنا و أحوال ولاتنا و أنزل علينا من بركات السماء و أخرج لنا من بركات الأرض و اجعلنا لرضائك و عفوك و فضلك أهلا و لا تجعل دعانا ردا و لا عيشنا كدا فنحن جيران بيتك المعظم و أهل بلدك الأمين و قد قلت و قولك الحق: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً و قلت: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ‏ فآمنا يا رب العالمين في بلادنا في الدنيا من الجوع و الغلاء و الظلم و الجور و الفسق و العصيان و آمنا في الآخرة من كل فزع و خوف و أدخلنا جنتك و احشرنا مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين. و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين آمين.

بعض الأمور المستحسنة التي كانت بمكة المشرفة

ذكر الأمير شكيب أرسلان (رحمه اللّه تعالى) في حاشيته و تعليقاته على كتاب «حاضر العالم الإسلامي» في أوائل الجزء الثاني منه أنه كان بمكة وقف مخصوص لمنع الكلاب من دخول مكة و كان بمكة أيضا وقف آخر تستعار منه أدوات السفر

181

و المفروشات للولائم و الوضائم. اه. و الولائم: الأطعمة التي تعمل في الأفراح، و الوضائم: الأطعمة التي تعمل في الأحزان.

* و من عاداتهم أنهم كانوا يتعاملون بينهم في الأسواق و البيع و الشراء و صرف الرواتب و المعاشات الشهرية بالذهب و الفضة، أي بالجنيهات الذهبية و الريالات الفضية و لا يعرفون التعامل بالأوراق النقدية البنكنوت إلى أن ظهرت قريبا كما بينا ذلك في الكلام على النقود.

لقد كانوا يتعاملون بالذهب و الفضة منذ قديم العصور بل و في عهد الدولة التركية العثمانية و في عهد الشريف الحسين بن علي ملك الحجاز الأسبق ثم في أوائل العهد السعودي أيضا فكل عهد من هذه العهود كانت فيه نقود من الذهب و يسمى بالجنيه بكسر النون و مدها، و من الفضة و يسمى بالريال مع وجود أجزائهما من النصف و الربع، كما كانوا يتعاملون بالقروش و هي من النيكل و هو معدن أبيض أغلى من النحاس.

ثم لما ظهرت الأوراق النقدية أمهات العشر الريالات و الخمس الريالات و الريال الواحد في العهد السعودي أي بعد ظهورها بزمن يسير من السنوات صار التعامل عند جميع الناس بهذه الأوراق المالية بل و صارت جميع رواتب الموظفين في الحكومة تصرف بهذه الأوراق المالية.

* و من عاداتهم أنهم كانوا يضعون نقودهم الذهبية و الفضية و النيكل و النحاس أي من الجهينات الذهبية و الريالات الفضية و أجزاؤها من النصف و الربع و كذلك القروش النيكل و أجزاؤها النحاسية النصف و الربع كانوا يضعون كل ذلك في كيس و يحملونه معهم أينما ذهبوا، فبعضهم يضع تلك النقود في جيبه إذا كانت قليلة و أكثرهم يضعونها في كيس خاص من القماش خصوصا أهل الحارات و أهل الأسواق، و كانت هذه عاداتهم و عادات غيرهم أيضا من قديم العصور إلى أن ظهرت الأوراق النقدية في المملكة العربية السعودية التي عاصمتها «مكة المكرمة» و ذلك سنة (1368) ألف و ثلاثمائة و ثمان و ستين هجرية أو قبلها أو بعدها بسنة فإنه في هذا التاريخ ظهرت في الأسواق الأوراق النقدية ذات العشرة الريالات ثم ظهرت بعد ذلك ذوات الخمسة الريالات و ذوات الريال الواحد كما ظهرت الأوراق النقدية ذوات المائة الريال و ذوات الخمسين الريال و أعيد طبع ذوات العشرة الريالات بصفة أخرى غير الأولى كما بينا تفصيل ذلك في مبحث آخر.

182

بظهور هذه الأوراق النقدية اختفت الجنيهات الذهبية و الريالات الفضية و أجزاء كل ذلك. أما القروش النيكل و أجزاؤها فما زالت موجودة بالأسواق بدون تبديلها بالأوراق، فمنذ ظهور هذه الأوراق النقدية ترك الناس وضع النقود بكيس القماش و صاروا يضعون في جيوبهم هذه الأوراق النقدية، و يمكن للإنسان أن يحمل آلاف الريالات من هذه الأوراق النقدية. فسبحان مغير الأحوال لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

* و من عادات أهل مكة وجود الصيارفة في أسواقها في كل وقت خصوصا في موسم الحج و ذلك لصرف العملة الذهبية و الفضية و قطع القروش و البنكنوت الورقية. و هذه عادة جارية من قديم الزمن إلى اليوم، فالجميع من حجاج و غيرهم يقدرون أن يصرفوا ما لديهم من النقود النقدية أو الورقية عند الصيارفة في زمن الحج و غيره. و الصيارفة بأسواق مكة كثيرون و بهذا تمتاز مكة المشرفة عن سائر البلاد الإسلامية و غيرها فتجد العملة الأجنبية ماشية بها على أحسن وجه كالعملة المصرية و العملة الشامية و العملة العراقية و العملة اليمنية و العملة المغربية و العملة الإيرانية و العملة الهندية و العملة الإنكليزية و العملة الأميركية و غيرها، فمن حمل من الحجاج و غيرهم شيئا من هذه العملة و أراد صرفها بمكة يذهب إلى أي صيرفي بأسواق مكة فيصرفها له حالا بدون تأخير و لا يحتاج الأمر إلى أن يذهب إلى أحد البنوك بمكة ليصرفها و هذه المسألة فيها يسر عظيم لجميع الناس.

* و من عاداتهم أن المؤذنين بالمسجد الحرام كانوا يصعدون إلى المنائر و المآذن في كل ليلة بعد ثلثي الليل، أي قبل الفجر بنحو ساعتين يدعون اللّه تعالى و يسبحونه و يطلبون منه عز شأنه العفو و الغفران و الرحمة و الرضوان بأعلى أصواتهم و يسمونه «الترحيم و التذكير» فمن دعواتهم و أقوالهم: يا أرحم الراحمين ارحمنا يا أرحم الراحمين ارحمنا يا أرحم الراحمين ارحمنا و عافنا و اعف عنا و على طاعتك و شكرك أعنّا. يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث فأغثنا يا اللّه، لا إله إلا اللّه، لا إله إلا اللّه، لا إله إلا اللّه الملك المعبود، لا إله إلا اللّه الواحد الأحد، لا إله إلا اللّه الفرد الصمد الذي لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد. سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، سبحان من له الملك و الملكوت، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. اللهم صل على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.

183

هذا ما نحفظه مما كان يقوله أهل مكة في منارات المسجد الحرام وقت السحر قبيل الفجر بنحو ساعة و هذا يقولون له الترحيم، ثم بعد انتهاء الترحيم بنحو نصف ساعة يؤذنون أذان الفجر.

* و من عاداتهم أنهم كانوا يبنون بيوتهم و منازلهم و مساجدهم بحجارات مكة الصماء المأخوذة من الصخور و الجبال، و كانوا يكسرونها قطعا قطعا كبيرة أو صغيرة بحسب احتياجهم إليه، فمن الحجارة ما يكون من طول متر واحد أو أكثر و مثل هذا يضعونه في أساس البنيان و في الدرج و واجهة الأبواب الكبيرة، و منها ما يكون أصغر من المتر الواحد، و قد يكون طولها ربع المتر و يكون العرض مناسبا لطوله، و يبنون منازلهم أيضا بالطوب الأحمر و يسمونه «الآجور» و هو الآجر في اللغة العربية و هو يتخذ من تراب بعض جهات مكة ثم يوقدون عليه في المصنع بالنار حتى يحمرّ و يستوي بعد أن يعجنونه و يجعلونه في القوالب كانوا يبنون بيوتهم بهذه الحجارات الصماء القوية و الآجور الأحمر و يجعلون منازلهم من طبقتين إلى أربع طبقات فقط و يسقفون غرفها و أسطحتها بالأخشاب و القنادل و خشب العرعر، و أكثر ما يجعلون هذا الخشب على سقف الدرجات و السلالم، و خشب العرعر من أقوى الأخشاب، و بعضهم يجعلون بناء الطبقة الأولى من منازلهم بالغمس و هو بناء الحجارة و الآجور كالعقود و القباب الصغيرة الواطية بدون أن يكون فيه شي‏ء من الخشب و هذا الغمس، بضم الغين المعجمة و سكون الميم، هو أقوى بناء على الإطلاق، و في عمارة المسجد الحرام القديم كثير من بناء الغمس، و فيها أيضا جميع درجات المسجد الداخلة و الخارجة كلها من الحجارات الصماء القوية الجبلية و طول بعضها متران و بعضها ثلاثة أمتار و أربعة. لكن مع الأسف قد أزيلت هذه الدرجات الصخرية كلها و استبدلت بالإسمنت و ذلك في العمارة السعودية التي حصلت في وقتنا الحاضر، و مع الأسف لا ندري أين ذهبت تلك الدرجات الصخرية و كان الواجب حفظها في مكان خاص كأثر من آثار العمارات القديمة في هذه البلدة المقدسة الطاهرة.

و ما كانوا يعرفون البناء بالإسمنت و الحديد إلا من بعد سنة (1360) ألف و ثلاثمائة و ستين هجرية ثم صاروا بعد هذه السنة المذكورة يكثرون من البناء بالإسمنت المسلح بالحديد و يجعلون بيوتهم و منازلهم من خمس طبقات إلى عشر طبقات بل أكثر. فسبحان مغير الأحوال و العادات لا إله إلا هو العزيز الغفار.

184

* و من عاداتهم أي من عادات الجهلاء من أهل الحارات حتى شيوخ الحارات أنهم إذا اجتمعوا في مكان في القهاوي أو غيرها في الأعياد و في مناسبات الأفراح يغنّون مجتمعين من ثلاثة فأكثر أغنية الصّهبه، بفتح أوله و سكون ثانيه و فتح ثالثه و سكون رابعه، و هي أغنية خاصة بتوقيع خاص يصحبها تصفيق باليدين بترتيب مناسب للغناء و ينشدون باللغة العامية قصائد خاصة للصّهبه يحفظونها. و غناء الصّهبه غناء خاص لأهل مكة لا يعرفها غيرهم في البلدان و الممالك الأخرى.

و كان غناء الصّهبه شائعا بينهم و كثيرا ما يغنون بها و لكن منذ سنوات قلّ اجتماعهم لها في القهاوي و قلّ من يحفظ قصائدها الآن لتطور الزمن و كثرة الغناء في الإذاعات و الراديو، و هي إلى الانقراض أقرب. لذلك لم نكترث بنقل قصائدها و إثباتها هنا. فسبحان مغير الأحوال و إليه الأمر كله.

* و من عادات أهل مكة أنهم كانوا يكثرون إقامة الولائم في منازلهم كل واحد بحسب حاله في كل عام في مناسبات شتى كأول السنة في شهر محرم و في مولد النبي (صلى الله عليه و سلم) في شهري الربيعين عدة مرات و في شهر رجب و في شهر شعبان و في شهر رمضان و يكثرون فيه الولائم و الدعوات إلى الطعام و في شهر شوال، و تقلّ الولائم في شهري القعدة و الحجة لاشتغالهم بالحجاج، و عند حضور أحدهم من السفر و عند حصول ولادة و عند نجاح أولادهم في امتحان المدارس و عند شفاء مريض عزيز و عند انتهاء أولادهم من حفظ القرآن الكريم بالغيب و غير ذلك من المناسبات. و كانوا يخرجون جماعات جماعات إلى أواخر مكة في بعض الأيام كبستان الشريف عون بجرول عندما كان عامرا مزدهرا بالأشجار و كبستان المسفلة لوجود الخضروات فيه إلى اليوم و إلى المصافي بأجياد، و يخرجون أيضا إلى منى و عرفات و الهدا و إلى الشهداء في طريق التنعيم فيمكثون يوما كاملا يأكلون و يمرحون رجالا و أطفالا فقط بدون النساء، ثم يعودون في المساء إلى بيوتهم و منازلهم.

و كانت الولائم تقام دائما في المناسبات كما قلنا في كل حارة و كان الناس من الجيران و الأصحاب و الفقراء و الأغنياء يجتمعون مع بعضهم فتنتعش حالة الفقراء، و كان الطعام الذي يقدم لهم هو الرز و اللحم و السلطة- بفتحات- المتخذة من القثاء و الخيار و الباذنجان الأحمر و البقدونس، أو من القثاء و الطحينة فقط و أحيانا تقدم سلطات جاوية كالكجّب، بكسر الكاف و الجيم مع تشديدها، و بعد

185

الطعام كان يقدم للمدعوّين الشاي الأسود و الأخضر بدون تقديم القهوة و ما كانوا يقدمون الفواكه مطلقا لقلتها و غلائها و الناس أحوالهم بالبركة، كانت هذه الحالة و العادة جارية لديهم من سنة (1342 ه) فما قبلها و هي عادة حسنة لمواصلة الناس بعضهم ببعض و لتآلفهم و تزاورهم و تعاونهم و لكون الفقراء يشبعون في تلك الأيام عند إخوانهم و جيرانهم، و هذه الولائم يخالطها و يزينها تلاوة القرآن مع الذكر و التسبيحات و التهليلات و الصلاة على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يجتمع الناس في ذلك العصر اجتماعا بريئا طاهرا بأدب و احتشام ليس عندهم شي‏ء من المنكرات و آلات اللهو و لم يكن الراديو و الميكروفونات قد ظهر في عهدهم. و من اللطائف:

أن بعض البخاريين من سكان مكة المشرفة قد أوقف للّه تعالى ما يملكه بمكة و هو بستان البخاري المشهور بمحلة المسفلة لعمل الولائم لكل من أراد ذلك، و لقد جعل فيه من أدوات الطبخ و لوازمه من القدور و التباسي و الصواني و الصحون و الملاعق و غيرها شيئا كثيرا و ذلك من بعد سنة (1200) هجرية توالى على هذا البستان بعض النظّار إلى يومنا هذا و بسبب سوء تصرف بعضهم نقص من أدوات الطبخ و لوازمه شي‏ء كثير، و البستان ما زال في محله معروفا إلى اليوم. ثم من بعد سنة (1365) هجرية تغيرت الأحوال شيئا فشيئا و كثرت الأموال و آلات الملاهي بمكة المكرمة و كثرت الولائم في وقتنا هذا كثرة عظيمة لكن بدون نفع و لا بركة و لا تقام لوجه اللّه تعالى كسابق العهد و إنما تقام الولائم و الحفلات لأناس مخصوصين من أهل الوجاهة و أرباب الوظائف الكبيرة نفاقا و رياء كالوزراء و الأمراء و الرؤساء و المديرين لا يدعى إليها الفقراء و طلاب العلم، و كل حفلة تبلغ تكاليفها آلاف الريالات و يقدم فيها أنواع الأطعمة الفاخرة و الفواكه اللذيذة الخارجية. فسبحان الكبير المتعال مغير الحال و الأحوال.

* و من عاداتهم أنهم يصنعون المطبّق، بفتح الباء الموحدة و تشديدها، و هو الذي يسمونه بمصر الفطير لكن فارق عظيم بينها فالمطبّق يصنعونه بفتح العجين بالسمن حتى يكون رقيقا كالورقة ثم يفتحون عجينة أخرى أيضا و يضعونها فوق الأولى ثم يفتح عجينة ثالثة و يضعونها فوق الثانية ثم يكسرون المقدار الذي يريدونه من البيض و الكرات في وسطه ثم يجمعون أطراف العجينة على البيض ثم يضعونه فوق الساج و يضعونه على نار هادئة حتى يستوي. و منهم من يخلط مع البيض سكرا و منهم من يضع على العجين السكر فقط و منهم من يضع بدل البيض موزا مع السكر، و لا بد من رش السمن على العجين فوق الساج فيكون بعد

186

استوائه فطيرا في غاية اللذة. و لا يتقن صنعة هذا الفطير سوى أهل الحجاز و لهم في فتح العجين حتى يكون رقيقا كالورقة مهارة فائقة جدا فإنهم يفتحونه بأيديهم فقط بدون آلة من الخشب أو غيره. و يصنعون أيضا من هذا العجين الرقيق الذي هو عجين المطبّق السمبوسك بأن يقطعوا هذا العجين الرقيق شرائح مستطيلة في طول خمسة عشر سنتي و عرض ثمان سنتي ثم يضعون عليه اللحم المفروم بالبصل و البهارات ثم يلفونه على هيئة الحجاب أي بشكل مثلث ثم يقلونه بالسمن أو بالزيت و يكون لذيذا جدا. و هذا السمبوسك يصنع في جميع الولائم و يصنع في شهر رمضان خاصة للإفطار، و هذا السمبوسك يشبه ما يسمونه في مصر «البوريك».

* و من عاداتهم أيضا صناعة اللحم الحنيذ و يسمى عندنا «الندى» بكسر الدال المهملة، و هو أن يأتوا بالخروف المذبوح المسلوخ النظيف فيضعونه بكامله في المنداة و هي زير كبير مدفون في الأرض قد أوقد عليه في جوفه بالحطب حتى صار جمرا فيعلقون الخروف على رأس الزير ثم يغطونه و يكمرونه جيدا حتى يستوي و ينضج بعد ساعات معلومة عندهم ثم يخرجونه و يقدمونه للأكل. و مثل ذلك يعملون رؤوس الخرفان و الغنم فقط و يبيعونه في السوق وقت الظهر و هو لذيذ أيضا، و لم نسمع في البلدان الأخرى يعملون مثل هذا.

* و من عاداتهم أنهم يأكلون صباح كل يوم على الدوام صيفا شتاء الفول المدمس. و طريقتهم في طبخ الفول المدمس غير طريقة أهل مصر. و الفول المدمس يؤكل كثيرا في البلاد العربية كالحجاز و نجد و اليمن و مصر و الشام. و في مصر يؤكل الفول المدمس ليلا و نهارا على الدوام و بالأخص في الإفطار في أيام شهر رمضان و فيه يقول الشاعر من الموّال:

قالوا تحب المدمّس، قلت بالزيت حار* * * و الفول الأخضر تحبّو، قلت بالقنطار

و تاكل الطرشي جنبو، و البصل و خيار* * * و العيش الأسمر تحبو قلت يا ستار

و العدس الأحمر تحبّو، قلت مين ينساه‏* * * و نابت الفول تاكل، قلت إي و اللّه‏

و الشاي الأسود بسكر، قلت ذا أنواع‏

187

و الشاي الأخضر تحبّو، قلت بالنعناع‏

فالفول المدمس أكلة شعبية رئيسية بمصر، و الحق يقال أنها أكلة لذيذة مغذية نافعة يجتمع عليه الفقراء و الأغنياء و يأكلون معه الطرشي بأنواعه و السلطات أيضا، بفتح أوله و ثانيه، و كان من سنة (1341) هجرية فما فوقها يعتنون بمحلات بيع الفول و أدواته اعتناء تاما. و كان يباع الفول بالمسعى في محلات متعددة. و إليك صورة محل لبيع الفول بمكة المكرمة.

و الفول معروف من العصور الأولى القديمة و كان حجم الحبوب و الفواكه كبيرا فيها ثم ما زال كل شي‏ء ينقص حتى ابن آدم إلى أن وصلنا اليوم إلى هذه الحالة. قال العلّامة المقريزي في شرحه على «الجامع الصغير» في آخر الجزء الأول: (فائدة): ذكر المقريزي أن بعض الثقات أخبره: أنه سار في بلاد الصعيد بمصر على حائط العجوز و معه رفقة فاقتلع أحدهم منها لبنة فإذا هي كبيرة جدا فسقطت فانفلقت عن حبة فول في غاية الكبر و كسروها فوجدوها سالمة من السوس كأنها كما حصدت فأكل كل منهم قطعة و كأنها ادخرت لهم من زمن فرعون فإن حائط العجوز بنيت عقب غرقه فلن تموت نفس حتى تستوفي رزقها.

* و من عاداتهم أنهم يأكلون أيضا صباح كل يوم صيفا و شتاء الهريسة، و هي عبارة عن طبخ الحنطة المقشورة الممزوجة بلحم التيس و يطبخ كثيرا حتى تمتزج الحنطة باللحم و يذوب فيها و تبقى هذه الهريسة فوق النار أكثر من خمس عشرة ساعة، و يدقونها بخشبة غليظة لتمتزج مع بعض و يضعون فيها قليلا من الفلفل الأسود و القرفة، و يتقن الحضارمة، أي أهل حضرموت صنعة الهريسة إتقانا تاما و هي أكلة قوية نافعة، و هذه الهريسة لا تعمل إلا عندنا في الحجاز أو باليمن و حضرموت.

* و من عاداتهم أنهم يحبون أطايب الطعام و المأكولات، فمن أشهرها أكلة الرز البخاري و أكلة المبشور، أما الرز البخاري فهو عبارة عن الرز المزّة يطبخ باللحم مع البهارات من القرفة و القرنفل و الهيل و قليل من الفلفل الأسود مصححا و شي‏ء من الكمون المدقوق. و يكون فيه تقلية البصل و الثوم و الباذنجان الأحمر و هو ما يسمونه بمصر «القوطة» يطبخ كل ذلك طبخا متقنا و بعضهم يضع فيه‏

188

سفرجلا يطبخ بالمرقة و الأرز. و هذه الأكلة لذيذة إذا كان الصانع ماهرا و هي أكلة شائعة تعمل غالب الأوقات.

و أما أكلة المبشور: فهي عبارة عن إحضار كمية من اللحم الأحمر الخالص و يجرّد من العظام و العروق و الشحوم ثم يدق بالساطور دقا ناعما و يخلط به الثوم و شي‏ء من الكمون مع الفلفل الأسود ثم يخلط الجميع خلطا جيدا و يعجن باليد ثم يوضع في الأسياخ على شكل كرات صغيرة أصغر من الليمون ثم توضع الأسياخ على نار هادئة و يشوى، ثم يطبخ أرز أبيض من غير لحم فيغرف الرز في الصحون و يزيّن وجه الأرز بحبات المبشور و يقدم للأكل حارا ساخنا مع أنواع السلطات و الفواكه. و بعضهم يضع من هذا المبشور في صحن و يضع فوقه جزءا من اللبن و يقدم كل ذلك مع أنواع السلطة و الفواكه ... و هذه الأكلة ألذ المأكولات و أصحّها، و هذا المبشور يشبه الكفتة في مصر. وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها و غالبا تؤكل هذه الأكلة بعد الظهر.

* و من عاداتهم أنهم يأكلون النّدي، بفتح النون و كسر الدال و يأكلون أيضا الكوزي، بضم الكاف و كسر الزاي فالنّدي هو خروف يوضع بأكمله بعد سلخه في التنور المحمي بنار الحطب ثم يغطى فم التنور جيدا و بعد عدة ساعات يخرج منه الخروف و قد استوى و نضج نضوجا تاما فيوضع فوقه تبسيّ و يقدّم للأكل ساخنا و هو لذيذ جدا ألذ من اللحم المشوي على النار.

و أما الكوزي فهو خروف أيضا لكنه يوضع بعد سلخه و تنظيفه في قدر كبير بأكمله بعد أن يضعوا في القدر السمن و الصلصة و البهارات و الملح و يوقدون تحته النار و يقلبونه بين آونة و أخرى على جوانبه إلى أن يستوي و ينضج ثم يقدّمونه للأكل ساخنا. و معنى «الكوزي»: نظن أنه باللغة التركية و قد كان الحجاز كما لا يخفى تحت حكم الأتراك و هم يطلقون على الخروف اسم «القوزي» بضم القاف و كسر الزاي، و من هنا أطلق الحجازيون على هذه الأكلة اسم الكوزي.

* و من عاداتهم أيضا أنهم يأكلون السليق و هو عبارة عن اللحم المسلوق بالماء و الملح فقط فإذا استوى اللحم جعلوا فوقه الأرز و بعد أن يطبخ يجعلون عليه السمن، و هذا السليق لا يوضع فيه شي‏ء من البصل و الثوم و لا من الأبازير كالقرفة و الهيل و هذه الأكلة شائعة عندهم، و بعضهم يجعل السليق بلحم الدجاج فيكون ألذ

189

من اللحم الضاني، و السليق لا بد أن يكون ماؤه زائدا قليلا على طبخ الرز العادي و لا يعرف هذا السليق إلا في الحجاز و هي أكلة خفيفة لطيفة.

* و من عاداتهم أنهم يأكلون المعدوس و هو عبارة عن خلط العدس بالأرز بعد تنقيتهما و غسلهما ثم يعمل تقلية بالبصل و الثوم، فإذا بدأ البصل في الاصفرار وضعوا عليه الماء و بعد أن تفور قليلا يضعون عليه العدس و الرز المخلوط المغسول و يجعلون فيه قليلا من الكمون و الأبازير فإذا نضج الطعام أنزلوا القدر من فوق النار و وضعوا فيه السمن بالمقدار المطلوب و لا يطبخون المعدوس باللحم أبدا، و أكلة المعدوس شائعة عندنا و في الغالب يصنعونه في أيام الشتاء و عند نزول الأمطار.

هذه بعض الأطعمة الشائعة عندنا بمكة مع العلم بأن أهل مكة يعرفون جميع المأكولات و الأطعمة التي تعمل في الأقطار الإسلامية لأنهم خليطون بجميع الأجناس من الحجاج الواردين إليهم في كل عام. و بعض هؤلاء لا يرجعون إلى بلادهم بل يقيمون بمكة سنوات طويلة فيصيرون من أهلها لذلك أهل مكة يعرفون جميع اللغات و يحسنون جميع الأطعمة، نسأل اللّه تعالى أن يكثر عليهم النعم و يبارك في حياتهم و يجعلهم من السعداء آمين.

* و من عاداتهم أنهم كانوا يخبزون أقراص العيش في الأفران الموجودة في كل حارة فكان كل بيت يعجن أهله الدقيق و يجعلونه أقراصا يضعونها فوق الألواح الخشبية فإذا اختمرت الأقراص أرسلوها إلى الأفران لخبزها، و كل بيت يخبز كل يوم و بعضها يخبز يوما بعد يوم و كانت الأفران جميعها توقد و تحمّى بالحطب، و كل بيت يخبز من أقراص العيش ما يكفيه، أما الفقراء من العمال و أهل الأسواق فإنهم يشترون الخبز من السوق و بذلك كانت الحبوب من الحنطة و الدخن و الذرة تستورد من مصر و اليمن بكثرة، و كانت المطاحن كثيرة و تدار بواسطة الحمير و لم تكن بمكة غير ماكينة واحدة فقط بمحلة الفلق و باستعمال الخبز في البيوت و طحن الحبوب في المطاحن و الرحى الحجري كان يكثر نخل الدقيق و استخراج النخالة منه أي قشر الحبوب، و كان الناس ممن يبيعون اللبن و الحليب يطلبون النخالة و يشترونها من البيوت لأكل الأنعام من البقر و الغنم فكان خدمهم يحملون كيسا من الخيش و ينادون في الشوارع و الحارات بأعلى أصواتهم (نخال. نخال) أي نشتري النخال، فمن جمع شيئا من نخالة الدقيق ينادونهم و يبيعونها لهم.

190

هكذا كانت الحال بمكة إلى سنة (1343) هجرية، ثم تغيرت الحالة شيئا فشيئا حتى لم يبق للنخالة من أثر لعدم طحن الناس الحبوب بالمطاحن و لعدم خبزهم العيش في البيوت بل صار جميع الناس يشترون خبزهم من السوق و صار أصحاب الأفران يستوردون الدقيق من الخارج بآلاف الأكياس، فسبحان مغير الأحوال.

* و من عاداتهم أنهم كانوا يخبزون الفطير في الأفران و هو عبارة أنهم يعجنون الدقيق و يضعون فيه السمن أو زيت السمسم ثم يرسلونه إلى الفرن لخبزه سريعا بدون تخميره بضع ساعات و غالبا يضعون هذا الفطير صباحا للإفطار به ثم بطلت هذه العادة فلا يعملونه اليوم إلا بعض أفراد من النادر.

* و من عاداتهم أيضا أنهم كانوا يصنعون العريكة و يفطرون بها في الصباح في أيام الشتاء، و هي عبارة أنهم يعجنون دقيق الدخن و يرسلونه إلى الفرن، و بعد خبزه يعجنونه بالسمن مع التمر الليّن، و هذه العريكة لذيذة جدا و من أكلها لا يجوع سريعا ثم بطلت هذه العادة.

* و من عاداتهم أيضا أنهم كانوا يخبزون العيش أبو اللحم و هو عبارة أنهم يعجنون الدقيق و يجعلونه أقراصا فوق لوح خشبي ثم يأتون باللحم الضاني و يفرمونه ثم يضعونه فوق النار حتى ينضج ثم يخلطونه بالكرات و الطحينة ثم يضعون من هذا الخليط بعد تمليحه مقدارا منه فوق كل قرص من أقراص العيش ثم يرسلونه إلى الفرن و يأكلونه في الغالب في الغداء بعد الظهر، و قد قلّ صناعة العيش أبو اللحم في الوقت الحاضر.

* و من عاداتهم أنهم كانوا إذا أرادوا فرم اللحم أن يفرموه بأيديهم و ذلك أنه كان يوجد في سوق الجزارين رجال صناعتهم فرم اللحم لا بالمكائن بل بأيديهم فإنهم كانوا يجرّدون اللحم من العظام ثم يضعونه فوق خشبة قوية و يمسك الواحد منهم بالساطور و يدق به اللحم دقا متواصلا سريعا بينما يده اليسرى تقلب اللحم فوق الخشبة بسرعة عظيمة فهو في آن واحد يدق بيده اليمنى بالساطور اللحم و بيده اليسرى يقلب اللحم في سرعة عجيبة و مهارة فائقة لم نجده في البلدان الأخرى، و كان قبل سنة (1341) هجرية ثم بطل فرم اللحم بهذه الكيفية بعد انتشار مكائن فرم اللحم فصاروا الآن يفرمونه في البيوت بالماكينات.

191

* و من عاداتهم أنهم كانوا فيما مضى من الزمان، أي قبل سنة (1350) ألف و ثلاثمائة و خمسين هجرية يكثرون من أكل السمن الجيد العال حتى إن الشخص الواحد إذا اشترى الفول المدمس صباحا لنفسه فقط يضع فوقه ثمن أقة من السمن البلدي الجيد، و ثمن الأقة يساوي خمسين درهما و كانوا في بيوتهم يطبخون أنواع الأطعمة كل يوم فإذا طبخوا أكثروا في طبخهم من السمن الجيد العال بل لقد كان بعضهم إذا اقتنى حمارا أصيلا يطعمه التمر في كل أسبوع مرة و يسقيه أقة من السمن الجيد في كل شهر مرة.

لقد كان السمن الجيد العال متوفرا بكثرة في مكة المكرمة يأتي إليها من أطرافها، و كانت محلة المدّعى تمتلئ بقرب السمن البلدي الجيد و ما كانوا يعرفون السمن الصناعي قط.

ثم من بعد السنة المذكورة ارتفعت قيمة السمن و ذهب الرخص و جاء الغلاء شيئا فشيئا فصار يأتي السمن الصناعي و غيره من خارج بلادنا، إننا نتذكر أن أقة السمن البلدي الجيد كانت قيمتها في سنة (1335) ألف و ثلاثمائة و خمس و ثلاثين هجرية بعشرة قروش أي بنصف ريال، و الآن و نحن في سنة (1385) ألف و ثلاثمائة و خمس و ثمانين هجرية بلغ قيمة السمن البلدي خمسة عشر ريالا، و من النادر أن يجد الإنسان عندنا سمنا جيدا خالصا و صار اليوم جميع الناس يستعملون السمن الصناعي. فسبحان الكبير المتعال مغيّر الحال و الأحوال.

* و من عاداتهم أنهم يشربون الشاهي، أي الشاي بكثرة ليلا و نهارا و ذلك من قديم الزمن، و الاجتماعات إذا لم يشرب فيها الشاهي لا تكون ذات رونق و بهجة و جميع دوائر الحكومة و المدارس يكون فيها الشاهي. و لهم عناية تامة بأدوات الشاهي كالسموار و البراد، بتشديد الراء، و الفناجين و التباسي و الملاعق و علب السكر و الشاي و بعضهم يعمل لهذه الأدوات دولابا خاصا و كرسيا خاصا مزينا بالنقوش. و شرب الشاي عادة شائعة في بلاد الحجاز كلها خصوصا بمكة و جدة و المدينة حتى قال بعض شعرائها و هو الشيخ أحمد بن أمين بيت المال المكي (رحمه اللّه تعالى):

إذا زار من تهواه يوما مودّة* * * و قد أيقنت بالودّ منك نفوسه‏

فإن رمت أن تحظى بلطف حديثه‏* * * و بادرت بالشاهي يطول جلوسه‏

و إن تسقه الشربات يا صاح إنه‏* * * يقوم إذا دارت عليه كؤوسه‏

192

و يشربون الشاهي الأسود و الأخضر و بعضهم يضع فيه النعناع الأخضر أو اليابس، و بعضهم يضع فيه الدوش المسمى بمصر البردقوش، أما قهوة البنّ فهم يشربونها و لكن بقلة يشربون القهوة التركية و المصرية و النجدية لكن العمدة على شرب الشاي في جميع الأماكن و المنتديات حتى في القهاوي.

و أما شراب الكاكولا المثلجة و نحوها فما كان معروفا في الحجاز إلا من سنة (1370) ألف و ثلاثمائة و سبعين هجرية تقريبا. و الشاي أمره معروف في جميع البلدان و الممالك الإسلامية و غيرها. و لنا رسالة مطبوعة في ذلك اسمها «أدبيات الشاي و القهوة و الدخان».

و قال الشيخ عبد الجليل برّادة المدني المتوفى في عام (1325 ه) تقريبا في الشاي:

أرى كل ما تحوي مجالس أنسنا* * * جنودا لدفع الهم سلطانها الشاهي‏

و ليس لها أمر يتم بدونه‏* * * و هل تم أمر للجنود بلا شاه‏

و قد خمّس هذين البيتين بعض أفاضل أهل المدينة فقال:

أدر كأس شاهيّ شهيّ و اسقنا* * * و فرج به هما بنا قد تمكنا

فإني لعمري دائما طول دهرنا* * * أرى كل ما تحوي مجالس أنسنا

جنودا لدفع الهم سلطانها الشاهي‏* * * تراه على كرسيه في صحونه‏

مليكا عليه تاجه في حصونه‏* * * مجالسنا تزهو بلطف فنونه‏

و ليس له أمر يتم بدونه‏* * * و هل تم أمر للجنود بلا شاه‏

و قال السيد عبد اللّه بن عقيل:

منك النبات و مني النار أضرمها* * * و الماء مني و منك الشاي و اللبن‏

كذا أوانيه يا هذا تحضّرها* * * و الغسل مني إذا ما مسّها الدرن‏

و الصبّ منك و مني الشرب أجمعه‏* * * و الشكر مني إذا أوليت يا فطن‏

مني القبول لما يسخو بأخضره‏* * * لكنّ أسوده عندي هو الحسن‏

ما أحسن الشاي إذا فاحت لويزته‏* * * كذاك نعناعه و العنبر اللدن‏

باهت به الشاي أقوام له شربوا* * * منه و قد طربوا ما مسهم حزن‏

فيه الفوائد من تهضيم مأكلنا* * * كذاك قلب شجيّ ناله و سن‏

193

و قال بعض أدباء أهل جدة:

إذا منّ شاه الحسن يوما بزورة* * * و رمت امتداد المكث قدّم له الشاهي‏

و لا تسقه الشربات من خوف أنه‏* * * يقوم فنبقى حائرين بلا شاه‏

و قال الشيخ محمد غزال من علماء دمنهور البحيرة بمصر:

نصاب الشاي يعقد من ثلاث‏* * * فعوّل يا أخا العليا عليه‏

و منه اشرب ثلاثا في ثلاث‏* * * فإن الوتر مندوب إليه‏

ذكرنا هذه الأبيات الأدبية تنعيشا للنفس و ترويحا لها، و من أراد الإطلاع على مثل هذا فعليه بكتابنا «أدبيات الشاي و القهوة و الدخان» و هو مطبوع بمصر.

* و من عاداتهم أيضا الإعتناء التام بأزيار الشرب الصغيرة و الكبيرة، و بالشّراب، بكسر الشين المعجمة و هي جمع شراب، بالكسر أيضا و هي القلّة، بضم القاف فينظفونها و يبخرونها بالمصطلى و القفل، بفتحتين و هو نوع من الحطب رائحته لطيفة صالحة لبخور الشراب فإذا شرب منها الإنسان كان الماء لذيذا سائغا أو يضعون في الشراب ماء، ماء الكادي و ماء الورد و كانوا يتفننون في صنع الشراب و يزخرفونها ببعض النقوش و بعضهم يصنع لها كراسي جميلة يضعها فوقها، فلما ظهر الثلج و كثرت الثلاجات الكهربائية قلّ استعمال الشراب في المنازل و الدكاكين و شراب المدينة المنورة تمتاز بجودة طينها و بياضها لذلك تبرد الماء فيها بسرعة، و ما زال الناس يأتون بها من المدينة للهدايا مع تمر المدينة المشهور بلذته وجودته و كذلك يفعلون بماء زمزم كما تقدم فيكون له طعم لذيذ جدا خصوصا إذا وضع فيه المصطلى أو ماء الكادي. و إليك صورة الشّراب.

انظر: صورة رقم 316، للشّراب- بكسر الشين المعجمة- بوضع الماء فيها لتبريده‏

* و من عاداتهم أنهم يبخّرون ماء الشرب و ماء زمزم أيضا فيبخّرون الشراب، بكسر الشين المعجمة و هي ما يسمى بمصر بالقلل و يبخّرون دوارق زمزم أيضا يبخّرونها إما بالمصطلى أو بالقفل، بفتح القاف و الفاء فتكون رائحة الماء عطرية مقبولة، و القفل بفتحتين نوع من الحطب البري الخاص و هو قليل الوجود.

و بعضهم يضع في الماء ماء الكادي أو ماء الورد و بعضهم يضع فيه ماء الزهر و هذا يأتي من مصر فيكون بذلك طعم الماء لذيذا سائغا. و نظن أن وضع الروائح‏

194

في ماء الشرب خاص بالبلاد الإسلامية غير معروف لدى الإفرنج. و اللّه تعالى أعلم.

* و من عاداتهم في شهر رمضان المبارك أنهم يفطرون في المسجد الحرام عند أذان المغرب، إنه خير إفطار و أجمل إفطار على وجه الأرض في هذه البقعة المباركة فإن الناس قبيل المغرب يجلسون آلافا مؤلفة في المسجد الحرام حول الكعبة المشرفة يحيطون بها إحاطة السوار بالمعصم من جهاتها الأربع في انتظار مدفع الإفطار و هم مشغولون بالذكر و التسبيح ناظرين إلى بيت اللّه الحرام و الطائفين حوله في إيمان و اطمئنان و خشوع و خضوع أمام كل واحد منهم دورق ملي‏ء بماء زمزم المعطر المبخّر مع قليل من التمر فإذا ضرب مدفع الإفطار تناولوا التمر و شربوا من ماء زمزم ثم تقام الصلاة فيصلون جماعة متوجهين إلى الكعبة المشرفة قبلة المسلمين، و بعد الصلاة ينتشرون في الأرض فيذهب كل واحد منهم إلى منزله ليفطر مع أهله و أولاده. هذا المنظر البديع للإفطار في المسجد الحرام عند الكعبة المشرفة هو منظر وحيد فريد لا مثيل له في الدنيا، فالحمد للّه الذي جعلنا من أهل بيته الحرام و من أمة نبيه سيدنا «محمد» عليه الصلاة و السلام.

* و من عاداتهم في شهر رمضان أنهم كانوا يصلون التراويح في المسجد الحرام جماعات جماعات كل طائفة بإمام خاص و كل طائفة يتفقون في صلاتهم التراويح إما بقراءة جزء واحد كل ليلة و إما بقراءة أكثر من جزء أو أقل منه و بعضهم يكتفي بقراءة السور القصار في التراويح فيقرأ الإمام من سورة التكاثر إلى آخر القرآن، و عدد هذه السور ثلاث عشرة سورة تقرأ في التراويح عشر سور منها و تقرأ الثلاثة السور في ركعات الوتر الثلاث يعني يقرأ في كل ركعة فردية بعد الفاتحة سورة كالركعة الأولى و الثالثة و الخامسة و هكذا، و يقرأ في كل ركعة زوجية سورة الإخلاص كالركعة الثانية و الرابعة و السادسة و هلم جرا و بعض الناس يختم القرآن في التراويح في كل ثلاث ليال مرة و بعضهم يختمه في كل أسبوع مرة.

الحاصل كانوا يصلون التراويح في المسجد الحرام بجماعات كثيرة كل جماعة تتفق على قراءة قسم من القرآن و كان طلبة المدارس يصلّون مع بعضهم فكانت كل مدرسة تصلّي بتلامذتها و أساتذتها و يؤمهم أحد الطلبة ممن يحفظ القرآن الكريم.

195

و كانت العادة أن يوضع فانوسان مسرجان بالشمع أو الكاز كل فانوس فوق كرسي خاص أحدهما عن يمين الإمام و ثانيهما عن يساره و توضع أمام صفوف المصلّين دوارق الزمزم و كانوا يعتنون بصنع هذه الفوانيس اعتناء تاما من التجميل و الزخرفة و الزجاجات الملونة لعدم وجود الكهرباء في ذلك الوقت و كانت هذه العادة مستمرة إلى آخر أيام حكم الأشراف على الحجاز.

فلما حكم جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود الحجاز في سنة (1343) ثلاث و أربعين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة بطلت هذه العادة فصاروا يصلون التراويح في المسجد الحرام كلهم بإمام واحد.

* و من عاداتهم في شهر رمضان دوران المسحراتية في كل ليلة من ليالي رمضان فيدور المسحراتي و معه فانوس و طبلة صغيرة أي «الدف» في الأزقة و الحواري بعد مضي نصف الليل و يقف تحت كل منزل ينادي الساكنين به فردا فردا الرجال و الأطفال الذكور فقط ليقوموا للسحور و يضرب طبلته لدى كل اسم ثلاث ضربات لطاف بتوقيع خاص بعصا صغيرة طولها نحو ثلاثين سنتيمترا، و من الغريب أن المسحراتي يحفظ جميع أسماء الذكور في البيوت الواقعة في محلته و حارته و كان يقول في دورانه على البيوت: «أبرك الليالي و الأيام عليك يا سيدي فلان» ثم يضرب على طبلته بعصاه الخاصة و يستهل أمام منازل الأعيان بعض الأبيات المناسبة كقوله:

تصبحك السعادة كل يوم‏* * * بأفراح على رغم الحسود

و كقوله:

متى بإكرام الحي عيني تراكمو* * * و تسمع من تلك الديار نداكمو

أمر على الأبواب من غير حاجة* * * لعلي أراكم أو أرى من يراكمو

و نحو ذلك: كما أنه يقول الحديث الشريف «تسحّروا فإن في السحور بركة» ثم بعد انقضاء شهر رمضان يدور المسحراتي بطبلته على كل بيت و منزل يهنئهم بالعيد، و سكان المنازل يهدونه شيئا من النقود أو الحبوب و غيرها. ثم بطلت هذه العادة أيضا بعد انتهاء حكم الأشراف على الحجاز في السنة المذكورة، و الظاهر أن هذه عادة قديمة جدا في بلاد الإسلام حتى يستيقظ الناس من نومهم للسحور فما كانوا يسهرون في الليل كأيامنا هذه حيث لم يكن لديهم من‏

196

مغريات و مسليات و أنوار كاشفة كهربائية تجعل الليل كالنهار و ما كان في زمنهم من الروادي و الصحف و المجلات و القصص المنتشرة الآن في وقتنا هذا.

و إلى اليوم لا يزال المسحراتية يزاولون أعمالهم في بعض البلدان كمصر و غيرها من البلدان.

* و من عاداتهم أنهم كانوا في شهر رمضان يكثرون الذهاب إلى التنعيم لإتيان العمرة ليلا أو نهارا و بالليل أكثر. و كانوا يذهبون إلى التنعيم على ظهور الحمير قبل وجود السيارات، و كانت الحمير تقف في قهوة الحمارة التي كانت في باب العمرة في أول محلة الشبيكة، و المسافة بين المسجد الحرام و مسجد السيدة عائشة أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها بالتنعيم نحو ساعة واحدة تقريبا.

لقد كانوا يكثرون الذهاب إلى التنعيم للعمرة في هذا الشهر الكريم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن يكثرون الذهاب إليها مع الحاضرين بمكة المشرفة من الحجاج من أهل جاوة و من غيرهم. فبعضهم يذهب للعمرة في ليلة كل الجمعة و بعضهم يذهب في ليلتي الاثنين و الجمعة و بعضهم يذهب للعمرة في الشهر المذكور خمس عشرة مرة أي ليلة بعد ليلة و بعضهم يذهب في كل ليلة مرة و لقد رأينا بعض أصحابنا يذهب إليها في كل ليلة ثلاث مرات رحمهم اللّه تعالى و جزاهم خير الجزاء. و لا يخفى ما في ذلك من التعب لأنهم يحرمون من التنعيم فإذا رجعوا إلى مكة يطوفون بالبيت الحرام ثم يسعون بين الصفا و المروة في كل مرة ثم يحلقون و يتحللون من الإحرام و بذلك يتعب الإنسان كثيرا إذا ذهب للعمرة في ليلة واحدة ولكن قوة الإيمان و حب الطاعات يمسحان بالتعب و المشقة.

كان الذهاب إلى العمرة بالحمير إلى سنة (1350) ألف و ثلاثمائة و خمسين هجرية ثم بعد هذه السنة تقريبا بطل ركوب الحمير و كثرت السيارات و لا يزال الناس يكثرون الذهاب إلى العمرة في شهر رمضان إلى اليوم و لكن بالسيارات لا بالحمير.

* و من عاداتهم أيضا أن الدوائر الحكومية تفتح أبوابها و تدور فيها الأعمال بالليل في جميع شهر رمضان ابتداء من بعد صلاة التراويح إلى أول وقت السحور عندما يضرب المدفع للسحور و هذه العادة متّبعة من قديم الزمان، و تفتح في ليالي رمضان جميع الدكاكين و الأسواق تكون عامرة لكن المدارس تفتح أبوابها في النهار و بعد الظهر يرجع التلامذة منها إلى منازلهم. ثم إنه في سنة (1383) ألف‏

197

و ثلاثمائة و ثلاث و ثمانين هجرية صدرت أوامر الحكومة العربية السعودية بإبطال تلك العادة و أن تفتح الدوائر الحكومية أبوابها بالنهار فاتّبع الناس هذه الأوامر و بطلت تلك العادة من أول السنة المذكورة. ثم في سنة (1384) أصدرت الحكومة السعودية أمرا بأن تفتح الدوائر الحكومية أبوابها بالليل في شهر رمضان كالعادة السابقة حيث أن الناس قد تعبوا من العمل بالنهار مع الصيام و حسنا فعلت الحكومة رحمة بالناس و طلبا لراحتهم.

* و من عاداتهم أيضا أن أكثر الناس من متوسطي الحال كانوا يجعلون في دهاليز بيوتهم التكارنة و الحجز كحرّاس للبيوت فهؤلاء يسكنون في دهليز البيوت مع أهلهم و أولادهم بدون أجر و كانت هذه العادة متبعة بمكة منذ قديم الزمان ثم بطلت من سنة (1338) ألف و ثلاثمائة و ثمان و ثلاثين هجرية فلم يبق لهذه العادة من أثر فسبحان مغير الحال و الأحوال إنه جل جلاله هو مدبر أمور الكائنات، لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

* و كان من عاداتهم اتخاذ ساعات الجيب الصغيرة و ربطها بسلسلة جميلة من المعدن النظيف يسمونها «الأستيك» بضم أوله و سكون ثانيه و كسر ثالثه و بعضهم يتخذ هذا الأستيك من الحرير أو القيطان و يربط الساعة فيه، و قليل جدا من يتخذ الأستيك من الفضة. ثم اتخذ الناس من بعد سنة (1365) ه ساعات اليد بالتدريج فصاروا يضعونها على معصمهم، و أستيك ساعات اليد تشبه السوار تماما و هو على أنواع شتى من الجلد و المعادن المختلفة. و قد انتشرت في البلاد ساعات اليد و كثر استعمالها حتى كادت ساعات الجيب أن تفقد و يبطل استعمالها و من النادر أن تجد رجلا يحمل معه ساعة الجيب. فسبحان مغير الأحوال.

* و من عاداتهم أنهم كانوا جميعا يلبسون النعال البلدية في أرجلهم، و لهم في صنعها مهارة فائقة و هي قوية و جميلة جدا، و لنعال أهل الحجاز شكل خاص و هيئة معروفة لا يشابهها نعال البلدان الأخرى غير أن نعال أهل المدينة المنورة غير نعال أهل مكة، و يطلقون على النعل المداس و كانت قيمة الجوز الواحد من النعل تبلغ جنيها ذهبا إنجليزيا بل أكثر و هذا النوع هو أغلى النعال لكنه مع جماله و حسنه الممتاز يمكث في مدة الاستعمال نحو عام واحد من غير أن يحصل عليه تلف أو تقطيع، و هناك أنواع أخرى أرخص من القيمة المذكورة و هذه النعال كان يلبسها في رجله الكبير و الصغير و الشريف و الوضيع و العالم و الجاهل، و لعرب البادية نعال‏

198

خاص يستعملونها، و ما كان أهل الحجاز يرغبون لبس «الجزم» بكسر الجيم و فتح الزاي و يسمونها «الكنادر» بكسر الدال المهملة، ثم صاروا يلبسونها من سنة (1345) إلى اليوم. أما النعال التي تأتينا من الخارج التي تسمى بالشباشب و هي أنواع شتى من اللستك المطبوخ ببعض الأجزاء و ربما كانت من الكاوتش.

فإنها لم تعرف إلا من سنة (1372) هجرية. و قد شاع لبس هذه الشباشب الخارجية في جميع البلاد لرخصها و قلة ثمنها و بذلك قلّ لبس النعال الحجازية بل كادت أن تندثر. و لبس النعال معروف من قديم العصور لأن صنعها سهل ميسور، قال تعالى يخاطب نبيه و كليمه موسى عليه الصلاة و السلام في سورة «طه»: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً‏. و كان نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم) يلبس النعال السّبتيّة كما جاء ذلك في الصحيحين و السّبتيّة، بكسر السين المهملة نسبة إلى السبت و هو القطع أي المدبوغة التي حلق شعرها كما قاله العزيزي في شرحه على «الجامع الصغير». و جميع الصحابة و التابعين و من بعدهم كانوا يلبسون النعال، و لقد تكلمنا عن نعل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالتفصيل في رسالة خاصة.

* و من عاداتهم أنهم جميعا يحبون الاجتماع مع أصحابهم و أصدقائهم فترى أن أحدهم يدعو أصدقاءه في كل أسبوع مرة و يعمل لهم طعاما لطيفا يجتمعون عنده غالبا يوم الجمعة بعد الصلاة و بعضهم يدعو أصدقاءه في غير يوم الجمعة أيضا بمناسبة أو بغير مناسبة، الغرض من ذلك اجتماعهم مع بعضهم على الطعام و بعضهم يحبون الاجتماع ليلا فيسمرون و يتحدثون ثم بعد الطعام ينصرف كل واحد إلى منزله. و هذا يحدث كثيرا و لا يشذّ عنهم إلا الشحيح البخيل.

* و من عاداتهم لعب الكرة و ما كان يلعبها سوى الأطفال في الشوارع و الأزقة و كان لعبها بدائيا، لكن بترتيب و نظام اصطلحوا عليه، و كانوا يلعبونها بالأيدي فقط فكان أحدهم يمسك الكرة بيده اليسرى ثم يقذفها في الهواء بارتفاع قليل عن رأسه ثم يضربها بيده اليمنى بقوة فترتفع في الهواء و تمشي إلى الأمام فيتلقفها بعضهم، و ينقسم اللعب إلى أشواط و يسمون كل شوط باسم خاص، و في آخر الشوط يعلم الغالب من المغلوب، و يمكن لعب الكرة من شخصين أو من فرقتين. بقيت هذه اللعبة إلى سنة (1355) ألف و ثلاثمائة و خمس و خمسين هجرية تقريبا ثم تطور لعبها بتطور التعليم عندنا بعد السنة المذكورة حتى أصبح اليوم يلعبها التلامذة الكبار و الرجال و لهم نوادي لذلك في بعض البلدان و يتدربون على‏

199

كبار أساتذة لعب الكرة العالمية و يعملون بينهم مباريات يجتمع عليها من أهل البلاد و بعض رجال الحكومة في ذلك اليوم و يحضر في هذه المباريات آلاف الناس و الفائز من الفرق يأخذ جائزة تذكارية كالمعتاد عند جميع الأمم، و توجد نوادي رياضية في جميع أنحاء المملكة السعودية نذكر منها فقط ما يكون بمكة المشرفة و بالمدينة المنورة و بجدة و بالطائف فقط للعلم به في الجملة:

ففي مكة المكرمة: فريق الوحدة، و فريق العلمين، و فريق الشباب، و فريق الشرق الوطني، و فريق التعاون.

و في مدينة جدة: فريق الإتحاد، و فريق الهلال، و الفريق الأهلي، و فريق السلام، و فريق التسامي، و فريق رضوى.

و في المدينة المنورة: فريق أحد، و فريق العقيق.

و في مدينة الطائف: فريق التضامن، و فريق ثقيف.

و يكون اللعب في حالات المباريات: في ملعب إسلام بمكة و في ملعب الصبان بجدة و في ملعب التربية بالطائف.

و لعب الكرة معروف من قديم الزمان، و فيه يقول الشاعر العربي:

كرة طرحت بصوالجة* * * فتلقّفها رجل رجل‏

و الصوالجة، بكسر اللام جمع صولجان و هو المحجن بوزن مقود و هو كل عود معطوف الرأس. و صنع الكرة في بدء الأمر كان من الخرق و القطن يجمعونها ثم يلفونها بخيوط كثيرة حتى تكون دائرة متساوية الأطراف و الجهات و بعضهم كانوا يزخرفونها بالحرير الملون من أحمر و أخضر و أصفر و أزرق و غيرها و يعملون عليها نقوشا جميلة و ذلك من فوق الخيط الملفوف عليها، و كان هذا الحال قبل سنة (1300) ألف و ثلاثمائة هجرية، ثم بعد ذلك تطور صنعها تدريجيا إلى أن أصبح الآن تصنع من الجلود و الكاوتش صنعا جميلا متقنا.

لبس العمامة و العقال في الحجاز

يختلف لباس الرأس لدى جميع الأمم و الشعوب لأن كل أمة تتزيا بزي خاص بما يتفق مع طبيعة جو بلادهم، فلباس الرأس في مصر اليوم الطربوش و كان هو لباس الأتراك سابقا و لباس أهل العراق و أهل الشام، و لباس المغرب الطربوش المغربي‏

200

و لباس الإفرنج البرنيطة. و في عصرنا هذا يمشي غالب شباب الإفرنج و بعض شبان المسلمين المتعلمين في أوروبا عراة الرأس تماما لكن بعد عنايتهم التامة بشعر الرأس و تمشيطه و دهنه و تعطيره حتى يكون في قالب بديع جميل و يسمى هذا لديهم ب «التواليت». و نرى أن أصحاب التواليت لهم نوع عذر في جعل رؤوسهم عارية لأن وضع عمامة أو طربوش أو نحوهما على رأس من يستعمل «التواليت» يشوه المنظر و يخرّب نظام الشعر و تسريحته.

أما لباس أهل الحجاز فإنهم كانوا يلبسون على رؤوسهم عمائم خاصة، و لهذه العمائم رجال يتقنون صنعها العجيب و رجال يتقنون لفّ القماش عليها لفا محكما لا يعرفه غيرهم، و كان لها سوق رائجة و مقدار ما يلفّ عليها من القماش الشاش الأبيض الخفيف الجيد نحو عشرين ذراعا و قسم منها يلفّ على رأسه عمامة عادية من القماش الأبيض أو الملون لا يتجاوز الذراعين يلفّها بنفسه على رأسه في كل مرة و هي كالعمامة التي على رأس مؤلف هذا الكتاب كما هي ظاهرة في صورته و يلبسون فوق الثياب الجبة- بضم الجيم المعجمة- كان هذا لباس أهل الحجاز إلى أوائل عهد جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (رحمه اللّه تعالى)، ثم صدرت إرادته السنية على جميع موظفي الحكومة بلبس المشلح و هو العباءة، و لبس العقال المسمى بالشطافة على الرأس، و الشطّافة بضم الشين و تشديد الطاء و هي القماش الذي تحت العقال و تسمى ب «الغترة» بضم الغين و التاء المعجمتين، و صدور الإرادة كان في سنة (1350) خمسين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة أو قبلها بسنة، فمن هذا التاريخ شاع في جميع المملكة العربية السعودية استعمال الزي المذكور و بطل استعمال العمائم في الحجاز فلا يوجد له اليوم إلا أثر لا يذكر.

ورد في الحديث: «العمائم تيجان العرب و الاحتباء حيطانها و جلوس المؤمن في المسجد رباطه» رواه الديلمي في مسند الفردوس و إسناده ضعيف كما قاله العزيزي، و روى الديلمي أيضا: «العمائم تيجان العرب فإذا وضعوا العمائم وضعوا عزهم» و إسناده ضعيف أيضا و ورد أيضا: «العمامة على القلنسوة فصل ما بيننا و بين المشركين يغطي يوم القيامة بكل كورة يدورها على رأسه نورا».

قال العزيزي في شرحه على «الجامع الصغير» عند هذين الحديثين: القلنسوة، بفتح القاف و سكون النون و ضم السين المهملة و فتح الواو و قد تبدل ياء مثناة من تحت و قد تبدل ألفا فتفتح السين فيقال: قلنساة، غشاء مبطن يستر به الرأس و قال‏

201

بعضهم: هي التي يغطّى بها العمائم و تستر من الشمس و المطر كأنها عقدة رأس البرنس. انتهى.

و قال الحنفي في حاشيته على «الجامع الصغير»: القلنسوة أي شي‏ء يستر به الرأس. انتهى.

روى الترمذي و النسائي و غيرهما عن عبد الرحمن بن حرير عن أبيه عن جده قال: لكأني أنظر إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و عليه عمامة سوداء قد أرخى بين كتفيه من الجهة اليسرى مقدار أربع أصابع. و عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال: كان النبي (صلى الله عليه و سلم) يسبل عمامته من خلف ظهره إلى الجهة اليسرى مقدار أربع أصابع.

و عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما لما بعث النبي (صلى الله عليه و سلم) علي بن أبي طالب إلى خيبر عمّمه بعمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه من الجهة اليسرى مقدار أربع أصابع.

و عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال: كنت عند النبي (صلى الله عليه و سلم) و أصبح عثمان رضي اللّه عنه و قد اعتمّ بعمامة بيضاء فأدناه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فنقضها ثم عمّمه بعمامة سوداء قد أرخى بين كتفيه من الجهة اليسرى مقدار أربع أصابع.

و عن معاذ بن جبل رضي اللّه عنه قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: عليكم بالعمائم فإنها سيماء الملائكة و تيجان العرب و أرخوها من خلف ظهوركم إلى الجهة اليسرى مقدار أربع أصابع.

و عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: كانت عمامة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في سفره بيضاء طولها سبعة أذرع في عرض ذراع و أن العذبة من غير العمامة، و في الحضر كانت عمامته (صلى الله عليه و سلم) سوداء من صوف طولها سبع و عرضها ذراع و العذبة من العمامة.

و عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال: نزل جبريل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه و سلم) و عليه عمامة قد أرخى كراريتها من خلف ظهره من الجهة اليسرى مقدار أربع أصابع.

جاء في تاريخ الخميس عند قتال الملائكة يوم غزوة بدر الكبرى ما ملخصه:

قال ابن عباس: كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء قد أرسلوها في ظهورهم و يوم حنين عمائم حمراء. و عن ابن هشام عن علي في سيماء الملائكة يوم‏

202

بدر مثل ما قال ابن عباس إلا جبريل فإن في حديث علي أنه كانت عليه عمامة صفراء. و في أنوار التنزيل: و كانت سيماء الملائكة يوم بدر أنهم على صورة الرجال عليهم ثياب بيض و عمائم قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم خضر و صفر و حمر و بيض، و في الحديث أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال لأصحابه يوم بدر: تسوّموا فإن الملائكة قد تسوّمت بالصوف الأبيض في قلانسهم و مغافرهم. كذا في معالم التنزيل. انتهى من تاريخ الخميس باختصار.

و مما يناسب هذا المبحث ما ذكره ابن بطوطة في أول رحلته التي كانت سنة (725) خمس و عشرين و سبعمائة من الهجرة و هو كما يأتي: فإنه عند ما وصل إلى الإسكندرية ذكر بعض علمائها فقال: فمنهم قاضيها عماد الدين الكندي إمام من أئمة علم اللسان و كان يعتمّ بعمامة خرقت المعتاد للعمائم لم أر في مشارق الأرض و مغاربها عمامة أعظم منها، رأيته يوما قاعدا في صدر محراب و قد كادت عمامته أن تملأ المحراب، و منهم فخر الدين بن الريغي و هو أيضا من القضاة بالإسكندرية فاضل من أهل العلم. انتهى من رحلة ابن بطوطة.

نقول: إن العمامة هي شعار العلماء و الطلبة من قديم العصور إلى يومنا هذا و تختلف أنواعها و أشكالها بحسب عادات أجناس الأمم و البلدان. فالعمامة لا زالت مستعملة في الحجاز و في مصر و في اليمن و في الشام و في العراق و في إيران و في أفغانستان و في باكستان و في الهند و في السند بل في جميع البلدان الإسلامية تستعمل العمامة كما تستعمل فيها غير العمامة من لباس الرأس من الكوفية و الطربوش و الطواقي القماشية و الخيزرانية و اللبدة و ما يشبه البرنيطة و غير ذلك من كل ما تخترعه الأمم بما يوافق مزاجها من لباس الرأس، و بعضهم لا يلبس شيئا في رأسه مطلقا لحسن منظر شعره الممشّط المعطّر و المسرّح بشكل جميل جذّاب الذي يسمى «بالتواليت» مما لا يتفق حسن منظره مع عمل التواليت المعروف في زماننا. نسأل اللّه أن يجعل بواطننا بنور الإيمان و العلم و المعرفة و أن يجعل ظواهرنا بأنواع النعم من الرزق الحلال بفضله الواسع و إحسانه العميم آمين.

* و من عادات أهل مكة في عيد الفطر أنهم يتزاورون في أيام الأعياد كما هي العادة لدى جميع الأمم غير أن أهل مكة يمتازون عنهم بشي‏ء واحد و هو أن هذه الزيارات أيام العيد تكون بغاية الترتيب و النظام و ذلك كما يأتي: