التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج6

- محمد طاهر الكردي المزيد...
777 /
203

اليوم الأول من عيد الفطر لزيارة حاكم مكة و أميرها و لتزاور الأهل و الأقرباء خاصة و قد يفطرون صباحا عند بعضهم و يتغدون ظهرا عند بعضهم.

اليوم الثاني تكون المعايدات و الزيارات في محلة النقا و القرارة و سوق الليل و شعب علي و شعب عامر.

و اليوم الثالث تكون المعايدات و الزيارات في محلة الشامية و أجياد و القشاشية و السليمانية و المعابدة.

و اليوم الرابع تكون المعايدات و الزيارات في محلة الشبيكة و المسفلة و حارة الباب و جرول.

و يعبرون عن هذا اليوم الرابع «بدفن العيد» فلذلك يخرج بعضهم إلى خارج مكة أي إلى حواليها للفسحة و تسمى ليلة ثاني يوم العيد بالليلة اليتيمة. و بهذا اليوم الرابع تنتهي المعايدات الرسمية بين الناس و قد تكون الزيارات أيضا في اليوم الخامس كملحق بأيام العيد الأربعة و ذلك لمن فاتته المعايدة و الاجتماع مع بعض أصدقائه لعذر من الإعذار. و قد كانت العادة أنهم يطلقون المدافع بمكة عند ثبوت ليلة عيد الفطر و يضربون من المدافع إحدى و عشرين طلقة في كل وقت من أوقات الصلوات المفروضة من حين ثبوت هلال شوال إلى عصر اليوم الثالث من أيام العيد، و لإطلاق المدافع في جميع المناسبات «في وقت السلم و الحرب و في الأعياد و تحية البواخر عند رسوها في الموانئ و إقلاعها عنها» إصطلاح خاص يعرفه المختصون. و الحقيقة أن تنظيم المعايدة و ترتيب الزيارات من أفضل العادات القومية و أجملها لضمان اجتماع المرء مع أصدقائه و إخوانه، و لم تختلف هذه العادة في مكة إلا من بعد سنة (1362) اثنتين و ستين و ثلاثمائة و ألف هجرية تقريبا و سببه ازدياد السكان المهاجرين من مختلف الأقطار و امتداد العمران فيها إلى مسافات بعيدة في جميع جهاتها.

نسأل اللّه تعالى أن يجمع كلمتنا و شملنا و أن يوفقنا لخدمة بعضنا البعض بصدق و إخلاص آمين.

و كان للعيد فرحة كبيرة بمكة كان المسجد الحرام يمتلئ بالناس و كل واحد منهم يلبس أحسن ما عنده من الثياب الجديدة و بالأخص الأطفال الذين يتزينون بألوان الثياب المزركشة و كل منهم يشتري ما يحلو له من أنواع اللعب و أشكال المسليات و الأسواق و الدكاكين مقفولة ما عدا مباسط اللعب و مباسط الحلويات‏

204

و المشبك الذي يعمل خاصة للعيد، و المشبك «بضم أوله و فتح ثانيه و ثالثه مع تشديد الموحدة» هو عجين سائل من الدقيق يوضع منه قليلا قليلا في ظرف خاص ثم يقلى بالزيت على شكل دوائر صغيرة فإذا احمرّت في الزيت أخرجت و طرحت «في الشيرة» بكسر الشين و فتح الراء و هي السكر المعقود في النار ثم يرفع و يوضع في التباسي الواسعة و يباع بالأقة.

و فرحة العيد بمكة تظهر بأجلى معانيها في الأربعة الأيام الأولى من شهر شوال لصغر مكة و لعدم كثرة وجود الأجانب من المسلمين من كافة البلدان ليختلطوا بأهلها فكان أهلها محتفظين بعاداتهم القديمة من كل الوجوه. أما اليوم لما كثر سكان مكة كثرة عظيمة و اتسعت رقعتها لكثرة من أقام بها من جميع الأقطار الإسلامية و استوطنها فإن عادات أهلها كادت أن تندثر لاختلاطهم بالأجانب المقيمين بينهم لأن كل جنس منهم يحتفظ بعادات بلاده، فالاختلاط و الامتزاج يوجب تقليد بعضهم لبعض في كافة نواحي الحياة.

أما عيد الأضحى و هو العيد الكبير فليس له مظهر عندنا بمكة بسبب أن جميع الناس موجودون في منى بعد نزولهم من عرفات و كلهم هنالك يقيمون شعار الحج و مشغولون بأعماله بل مشغولون بخدمة الحجاج من قبل طلوعهم إلى عرفات إلى أن يسافروا و يرجعوا إلى بلادهم. و كفى عندنا بالحج و الحجاج و ذبح الأضاحي و تفرقة لحومها مظهرا بعيد الأضحى المبارك و فرحة بالعيد الأكبر، فيا له من مظهر و يا له من فرحة لا يشاركنا في مظهره و منظره قطر من الأقطار الإسلامية، و هذه الحالة دائمة فينا بفضل اللّه تعالى في كل عام إلى يوم القيامة. فالحمد للّه رب العالمين.

* و من عاداتهم في الأعياد و المناسبات العظيمة أن يعملوا «مزمارا»، «بكسر الميم الأولى» في كل محلة و حارة صباحا و مساء، و المزمار عبارة عن إيقاد النار بالحطب في أرض الحارة فإذا ما اشتعلت دار أهل الحارة من العوام حول النار بوقع خاص‏ (1) و على حركات منتظمة لا تشبه الرقص يلعبون بالعصي يمسك الواحد منهم العصا بيده فيديرها بين أصابعه مع المرح و السرور، و ربما ضرب بها أحدهم من يقابله حول النار فيتلقفها الثاني بعصاته من غير أن يحصل من ذلك ضرر إلا إذا

____________

(1) هذه من عادات الجاهلية و هي من عادات الأحباش أيضا التي يجب الابتعاد عنها لأنها لا تتفق و المبادئ الشرعية و يجب على المسلم الابتعاد عنها لما لها من المحاذير.

205

أخطأ الضارب بالعصا و لم يتمكن الثاني من الاتقاء و لا بد لكل لاعب في المزمار أن يحمل معه عصا غليظة بطول القامة يعتنون بتشذيبها و نظافتها و يسمونها «الشون» بضم الشين و يصحب المزمار عادة طبل يضربون عليه ضربا منتظما خاصا، و عند إقامة المزمار لا يستعملون شيئا من آلات الزمر مطلقا، و ليس المقصود من إيقاد النار التدفئة من البرد فإنهم يوقدونها و لو في الصيف و إنما هي عادة قديمة درجوا عليها من سالف الأزمان و المقصود من عمل الطبل و المزمار التسلية و إدخال السرور عليهم و جلب النشاط.

و لقد جاء ذكر المزمار في تاريخ الإمام الأزرقي في الجزء الأول عند ذكر الفيل حين ساقته الحبشة في قصة هدم العباس بن الربيع أمير اليمن من قبل أبي جعفر المنصور كنيسة القليس، بناها أبرهة بصنعاء للنجاشي ملك الحبشة و ذلك قبل ولادة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فروى الأزرقي في تاريخه ما ملخصه: أنهم ذكروا للعباس بن الربيع ما في القليس من الذهب و الفضة و عظم ذلك عنده و قيل له إنك تصيب فيه مالا كثيرا و كنزا فتاقت نفسه إلى هدمه و أخذ ما فيه فبعث إلى ابن وهب بن منبه فاستشاره في هدمه و قال: إن غير واحد من أهل اليمن قد أشاروا على أن لا أهدمه و عظم علي أمر كعيب و ذكر أن أهل الجاهلية كانوا يتبركون به و أنه كان يكلمهم و يخبرهم بأشياء مما يحبون و يكرهون.

قال ابن وهب: كل ما بلغك باطل و إنما كعيب صنم من أصنام الجاهلية فتنوا به فمر بالدهل- و هو الطبل- و بمزمار فليكونا قريبا ثم أعل الهدامين ثم مرهم بالهدم فإن الدهل و المزمار أنشطهم و أطيب لأنفسهم و أنت مصيب من نقضه مالا عظيما مع أنك تثاب من الفسقة الذين حرقوا غمدان و تكون قد محوت عن قومك اسم بناء الحبش و قطعت ذكرهم.

و كان بصنعاء يهودي عالم قال: فجاء قبل ذلك إلى العباس بن الربيع يتقرب إليه فقال له: إن ملكا يهدم القليس يلي اليمن أربعين سنة، قال: فلما اجتمع له قول اليهودي و مشورة ابن وهب بن منبه أجمع على هدمه، قال أبو الوليد: فحدثني الثقة، قال: شهدت العباس و هو يهدمه فأصاب منه مالا عظيما ... إلخ القصة.

انتهى ما جاء في الأزرقي.

نقول: علم مما جاء في تاريخ الأزرقي أن الطبل و المزمار عادة قديمة جاهلية غير أن المزمار في عرف ذلك العصر الغابر الآلة التي يزمر فيها بالنفخ في القصب و نحوه،

206

و أما المزمار في عرف زماننا فهو نفس اجتماعهم حول النار بالطبل و اللعب بالعصي بكيفية خاصة.

و لم يزل المزمار موجودا بالحجاز إلى أن تولى الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (رحمه اللّه تعالى) على الحجاز و ذلك سنة (1343) ثلاث و أربعين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة فبطل إقامة المزمار من الحارات و المحلات كما بطل كثير من الخرافات التي لا تتفق مع الشرع الشريف الحنيف.

* و من عاداتهم عمل الهوشات- بضم الهاء- جمع هوشة و هي عبارة عن حدوث خصام بين حارتين «محلتين» متجاورتين بسبب تعدي إحداهما على حدود الأخرى فتقام بينهما «الهوشة» حتى تتغلب إحداهما على الأخرى و ذلك بأن يتراموا في أرض الشارع بالحجارة حتى تتقهقر إحدى الحارتين إلى الوراء و يظهر عليها الانهزام، و في النادر جدا أن يقع في الهوشة استخدام السلاح كالسكين و المسدس، و تكون الهوشة عادة من العوام باشتراك بعض الصبيان و الغلمان.

و الهوشة يمكن أن نقول عنها إنها ناشئة عن نخوة و شهامة فلا يقبل أهل حارة أن يدخل أهل حارة أخرى إلا بالاستئذان من كبار رجالها، على كل حال هي عادة غير مستحسنة لحصول الضرر و الأذى بسببها و لقد بطلت هذه العادة بعد حكم جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (رحمه اللّه تعالى) الحجاز و ذلك سنة (1343) ألف و ثلاثمائة و ثلاث و أربعين هجرية.

* و من عاداتهم أنهم يقيمون جميع الصلوات بالمسجد الحرام من الصلوات المكتوبة في الخمسة الأوقات و من صلاة العيدين و صلاتي الخسوف و الكسوف و الصلاة على الجنازات و صلاة الجمعة و صلاة الاستسقاء. فما أروع كل هذه الصلوات تقام في هذا المسجد العظيم أمام بيت اللّه الحرام و ما أوقع منظر هذه الجموع الغفيرة من المؤمنين في قلوبهم و هم يجتمعون لعبادة اللّه تبارك و تعالى ملتفون دائرون من الجهات الأربع حول الكعبة المعظمة بإيمان و إخلاص، إنه منظر فريد لا ثاني له على وجه الأرض. فالحمد للّه ميز بلده الحرام على جميع بقاع الدنيا و فضل أهل بيته الكرام على جميع أجناس الأنام فالحمد للّه على ذلك و الحمد للّه أن جعلنا منهم بفضله و رحمته.

207

إن المسجد الحرام كما يمتاز بوجود الكعبة المعظمة بوسطه يمتاز أيضا باستمرار الطواف و التسبيح خصوصا في مواسم الحج، فالطواف و العبادة لا ينقطعان فيه آناء الليل و أطراف النهار فهو لذلك لا يقفل أبوابه لا ليلا و لا نهارا. فهو بذلك يمتاز عن جميع مساجد الدنيا بأجمعها حتى عن المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة.

نسأل اللّه تعالى التوفيق للعبادة و أنواع الخيرات بفضله و رحمته آمين.

ذكرنا هنا ما يمتاز به المسجد الحرام بمكة المكرمة باستمرار الأذكار و الأدعية عند الطواف حول الكعبة المعظمة، أما ما يمتاز به المسجد النبوي بالمدينة المنورة فبغاية الأدب و الاحترام خصوصا حول قبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و ذلك تأدبا معه (صلى الله عليه و سلم) فحرمته حيا أو ميتا على حدّ سواء. قال اللّه تعالى في أول سورة الحجرات: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ* إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى‏ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ‏.

جاء في تفسير ابن كثير (رحمه اللّه تعالى) عند هاتين الآيتين الكريمتين ما نصه:

و قد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي (صلى الله عليه و سلم) و قد ارتفعت أصواتهما فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا، ثم قال ابن كثير: و قال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كما كان يكره في حياته عليه الصلاة و السلام لأنه محترم حيا و في قبره (صلى الله عليه و سلم) دائما ... إلخ كلامه. اه منه.

فانظر رحمنا اللّه تبارك و تعالى إلى هذا الأدب الرفيع العالي من الصحابة (رضوان اللّه تعالى عليهم)، و بعض الناس في زماننا لا يعرفون آداب زيارة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) نسأل اللّه تعالى السلامة من الفتن ما ظهر منها و ما بطن آمين.

* و من عاداتهم أنه كان إذا ولد لأحدهم مولود ذكرا كان أو أنثى ذهبت والدته بعد انقضاء أربعين يوما من ولادته مع بعض النسوة بهذا المولود بعد وضعه في فراش صغير جميل نظيف إلى المسجد الحرام من بعد صلاة العصر فتدعو أحد أغوات المسجد الحرام ليذهب بمولودها فيضعه على عتبة باب الكعبة المعظمة نحو

208

عشر دقائق و ذلك تبركا و تيمنا بهذا الوضع الشريف اللطيف ثم بعد ذلك يرجعه إلى أمه و قد قرت عينها و انشرح صدرها بلبثه عند باب بيت اللّه الحرام.

كانت هذه عادتهم مع كل مولود يولد بمكة المشرفة حتى و لو كان من الغرباء من قديم العصور و الأزمان إلى أول العهد السعودي أي إلى سنة (1343) ألف و ثلاثمائة و ثلاث و أربعين هجرية ثم من بعد هذه السنة المذكورة بطلت هذه العادة و لم يبق لها أثر. فلله الأمر من قبل و من بعد.

* و من عاداتهم أيضا أنهم كانوا و لا يزالون يصلّون على أمواتهم عند الكعبة المعظمة بالمسجد الحرام فهنيئا لهم بهذه المتعة التي لا يشاركهم فيها المسلمون في البلدان الأخرى و اللّه تعالى غفور رحيم كريم حليم يدخل من يشاء في رحمته في أي بقعة كانوا.

* و من عاداتهم أن غالبهم إذا زاروا مرضا لا بد أن يحملوا معهم شيئا من الفاكهة كهدية للمريض، و غالبا تكون هديتهم من فاكهتين نحو أقتين من العنب و أقتين من التفاح أو برتقال و رمان أو تين و مشمش و أحيانا تكون كمية الفاكهة أكثر من أقتين و أحيانا أقل، كل واحد يقدم بحسب قدرته، غالب الزوار يقدّم هذه الفاكهة للمريض سواء كان في بيته أو في المستشفى و سواء أكلها أو لم يأكلها.

و لا شك أن هذه عادة جميلة طيبة فيها رضاء اللّه تعالى و فيها جبر خاطر المريض الذي هو في أمسّ الحاجة إلى مواساة إخوانه و أقاربه، و قد ورد في الحديث ما معناه: تهادوا تحابّوا فإن الهدية تذهب و غر الصدر، أي تذهب غيظه و كراهيته، فالهدية بإخلاص و إن قلّت تذهب غيظ الصدر و تمسح العداوة مسحا. إن الهدية للمريض تنعش نفسه و تدخل الفرح في قلبه لا لاحتياجه إليها فربما أن الطبيب منعه من أكل الفاكهة و إنما هو يقدّر للمهدي هديته، فإن كانت بينهما خصومة محيت و إن كانت بينهما محبة ازدادت.

* و من عاداتهم أنهم كانوا يحملون بأيديهم المسابح فإن الإنسان إذا بلغ نحو الأربعين حمل في يده سبحة حتى النساء كنّ يحملن في أيديهنّ المسبحة.

هكذا كانت عادة أهل مكة يحملون المسابح في أيديهم منذ قرون عديدة إلى سنة (1343) ألف و ثلاثمائة و ثلاث و أربعين هجرية، فمنذ هذه السنة بطلت عندهم عادة حمل المسابح إلى اليوم.

209

هذا و لقد كانت للمسابح أسواق رائجة في مكة المكرمة و كانت لها دكاكين خاصة معروفة و كان الإقبال عليها في مواسم الحج عظيما جدا، و للمسابح أنواع كثيرة منها الرخيص و منها الغالي، فمن أنواعها: اليسر و المرجان و الكهرمان و الصندل و العود و العظم و غير ذلك. فسبحان مغير الأحوال.

* و من عاداتهم أن نساءهم إذا خرجن لزيارة منازل الأقارب و الجيران فعند وصولهنّ إلى البيت يصعدن قليلا من الدرجات و السلالم ثم يصفقن بأيديهنّ لإشعار أهل البيت بحضورهنّ فلا ينادونهنّ بالأسماء و لا يدخلن الدار بدون تصفيق و إشعار. و إذا أرادت امرأة في بيتها أن تنادي أحد أولادها و هو بعيد عنها في طبقة أو غرفة أخرى صفقت بيديها أيضا فيسمعها فيجيبها. الحاصل التصفيق عندنا خاص بالنساء حتى في الصلاة كما هو معروف في كتب الفقه، و هذه عادة طيبة حسنة جرى عليها أهل البلاد من قديم الزمان إلى يومنا هذا.

* و من عاداتهم أنهم ما كانوا يسمرون بعد صلاة العشاء أكثر من ساعتين فقط، أي أن أكثر أهل مكة كانوا ينامون من الساعة الثالثة أو الرابعة ليلا و يقومون صباحا قبل شروق الشمس بساعتين تقريبا و يكونون قد شبعوا من النوم و ارتاحت أجسامهم من عناء النهار كانت هذه عادتهم من قديم الزمن إلى سنة (1360) ألف و ثلاثمائة و ستين هجرية تقريبا ثم تغيرت هذه العادة بالتدريج حتى صاروا يسمرون إلى ما بعد منتصف الليل بل بعضهم لا ينام قبل الساعة السابعة ليلا و لا يقومون صباحا إلا بعد شروق الشمس بنحو ساعتين أو أكثر و صارت تفوتهم صلاة الصبح فلا يصلونها إلا قضاء، هذه عادة غالب الناس في وقتنا الحاضر في سنة (1384 ه) و ما ذلك إلا بسبب وجود الكهرباء الذي يجعل الليل كالنهار و بسبب وجود أسباب اللهو و اللعب من ورق اللعب «الكوتشينة» و الراديو و الأسطوانات الغنائية و بسبب كثرة وجود الأغراب و الأجانب المعاشرين لأهل البلدة، و هؤلاء قد ألفوا السهر طول الليل و تمضية الساعات في دور الملاهي و السينما و القهاوي و البارات، و اللّه تعالى أعلم ماذا يكون في المستقبل نسأل اللّه تعالى الحفظ من الآفات و الآثام.

و بهذه المناسبة نقول: إن السهر إلى ساعة متأخرة من الليل حرام إذا أدى ذلك إلى ضياع صلاة الصبح، حرام إذا لم يكن هناك عذر شرعي يبرر السهر كالقلق و اضطراب النفس من الهمّ و الحزن و المرض أو السهر على مريض للعناية براحته أو

210

السهر على خائف لمحافظته مما يخاف و يحذر أو السهر في معسكر المسلمين لمحافظتهم من مباغتة الأعداء و نحو ذلك من كل ما فيه مصلحة عامة أو خاصة، و لقد ورد النهي عن السّمر و السهر في غير الطاعات، فقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

«لا سمر إلا لمصلّ أو مسافر» رواه الإمام أحمد عن ابن مسعود بإسناد صحيح، و السمر بفتح أوله و ثانيه هو من المسامرة و هو الحديث بالليل، فالسمر و السهر إذا أدى إلى ضياع الفريضة حرم ذلك و إلا يكره لما فيه من إضاعة الوقت في القيل و القال و اللهو و العبث، و في الأمثال العامة من سهر الليل نام النهار، و السهر علاوة على ما جاء من النهي عنه فإنه يضر بصحة الإنسان فنوم ساعتين من الليل أفضل و أصح من نوم خمس ساعات في النهار، و اللّه الموفق للصواب و إليه المرجع و المآب.

* و من عاداتهم أن مشايخ الحارات يعني العمد كانوا إذا حصل خصام أو مضاربة أو تعدى بعضهم على بعض يحكمون بينهم قبل أن يتصلوا بالمحاكم أو الشرطة، و قد يحكم العمدة على المتعدي بغرامة مالية مع تقديم خروف أو خروفين أو أكثر مع ما يتبع ذلك من الرز و السمن للمظلوم فيعملون بذلك دعوة خاصة للطرفين و أقاربهما و أصدقائهما مع وجود شيخ الحارة و نقيبها فيقع الصلح بينهم و يزول كل خلاف من غير لجوء إلى المحاكم أو البوليس، و في المثل عندنا في هذا الموضوع قولهم «الذي يعمله الحاكم يعمله الرجال». و ربما كان شيخ الحارة يحبس المعتدي بحسب جرمه ثم يطلقه، كان هذا فيما مضى من الزمان من عهد الأتراك. و كان الناس يحترمون مشايخ الحارات لتدخلهم في المخاصمات و فضّهم للمنازعات بين الناس بالإحسان. و اليوم لم تبق لهم من السلطة إلا التدخل بالحسنى بين المتخاصمين، فمن لم يقبل حكمهم فعليه بمراجعة دوائر الشرطة و في هذا من تطويل المحاكمة ما لا يخفى.

* و من عاداتهم أن الرجل منهم كان يلبس كوتا، بضم الكاف و هو الذي يسمى بمصر جاكتّه، و يكون الكوت عادة من نوع قماش الثوب إن كان صوفا أو قطنا أو حريرا ثم يلبس إن أراد الخروج من البيت فوق الكوت الجبّة و كانت هذه العادة جارية من قديم الزمان إلى سنة (1360) ألف و ثلاثمائة و ستين هجرية تقريبا، ثم لما كثر الأجانب من المسلمين بمكة بطلت هذه العادة تدريجيا فصاروا الآن لا يلبسون غير الثياب و من فوقها المشلح، بسكون الشين المعجمة و هو العباءة

211

و بطل استعمال الكوت إلا عند القليل منهم. و نظن أنهم أخذوا لبس الكوت من أهل جاوه و من أهل الهند و اللّه تعالى أعلم.

و كان لبس الكوت لأهل العلم و الموظفين، أما العوام من أهل السوق فيلبسون الثوب فقط و يتحزّمون في وسطه من غير جبة و لا مشلح.

* و من عاداتهم إقامة حفلات الزواج و إحياء ليالي الدخلة بالغناء و يبالغون في ذلك و يتباهون به و يصرفون في هذا مبالغ طائلة و يدعون فيها جميع أقربائهم و أصدقائهم و جيرانهم، و ليس في إقامة الحفلات من بأس لو كانت خالية من الإسراف في البذل و المصروفات و خالية من المبالغة في إحياء الليل كله في الغناء و هذا ما لا تقرّه شريعتنا الغراء. إن هذه المبالغ لو جمعت في صالح العروسين لكان أفضل و أولى. و العادة الجارية أن تأتي العروسة في دار زوجها ليلة الدخلة بعد منتصف الليل أو بعد طلوع الفجر و في هذا إرهاق عظيم على العروسة و العريس و على أهلهما و أقاربهما.

فحبذا لو غيروا هذه العادة و أحضروا العروسة إلى دار زوجها بعد صلاة العشاء بساعة واحدة ثم تنقضي بعد ذلك ساعتان أيضا في الاستقبال و الفرح ثم يأخذ العروسان راحتهما و يأويان إلى فراشهما في منتصف الليل تقريبا و كذلك يفعل الحاضرون فيذهب كل واحد إلى بيته يأوي إلى فراشه و يستريح، فتكون إقامة الحفلات بهذه الكيفية في هناء و راحة للجميع بدون تعب و لا إرهاق. و اللّه الموفق للصواب و إليه المرجع و المآب.

* و من عاداتهم أنه إذا تزوج أحدهم أو زوّج ابنه أو زوّج ابنته فإن جميع أصدقائه و أقاربه و جيرانه يبادرون بمساعدته بمجرد وصول بطاقة دعوة الزفاف إليهم. فمنهم من يرسل إليه كيسا من الرز أو كيسا من الدقيق أو كيسا من السكر أو صفيحة من السمن أو خروفا أو خروفين، و منهم من يرسل أكثر من ذلك بحسب حالته و منهم من يبعث إليه بنقود مع وقوف بعض أصدقائه للخدمة و المباشرة و استقبال المدعوّين ليلا أو نهارا. و الذي يرسله الناس لأهل الزواج من المساعدات يسمى عندنا رفدا و هي تسمية صحيحة، قال في المصباح المنير رفده رفدا من باب ضرب أعطاه أو أعانه، و الرفد بالكسر اسم منه و أرفده بالألف مثله و ترافدوا تعاونوا. اه. إنه و اللّه لعادة طيبة و هي على حد قوله تعالى‏ وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏. و هذه العادة على عظيم أجرها و عظيم نفعها و عونها فإن‏

212

تلك المساعدات يعتبرها الناس كدين يجب على من تقبّلها ردّها على أصحابها عند اللزوم إذا جاء وقتها في إقامة حفلات الزواج لدى أصحابها. و مهما يكن الأمر فإن هذه العادة من العادات الحسنة و المساعدة على البّر و التعاون على فعل الخير ففيها الأجر و الثواب كما فيها برّ الأصحاب و حسن الوفاء بعهدهم و صداقتهم و المرء كثير بأصحابه عزيز بإخوانه، و قديما قال الشاعر العربي:

من يفعل الخير لا يعدم جوائزه‏* * * لا يذهب العرف بين اللّه و الناس‏

هذا و بمناسبة ذكرنا عاداتنا في الزوجات نقول ما يأتي:

و من العادة الجارية أيضا في الزواجات أنهم يرسلون المعاشر و هي عبارة عن صحن من الرز مع توابعه من السمبوسك و الطرمبة و الزلطة، يضعون كل ذلك في طبلية مستديرة كالصينية، و يغطونها بغطاء من القماش على هيئة القبّة يرسلون هذه المعشرة، بكسر الميم لكل من قدم إليهم رفدا. يرسلونها إلى بيوتهم سواء كانت قريبة أو بعيدة، فنحن نرى لو بطلت عادة إرسال المعاشر إلى أصحاب الرفود لكان أحسن و أولى لما في إرسال المعاشر من التكلف و التعب الزائد، و لا بأس أن ترسل المعاشر إلى البيوت القريبة من الجيران.

* و من عاداتهم أنهم كانوا من قديم الزمن يحبون اقتناء الزروع المختلفة الألوان و الروائح العطرية كالورود و الزهور و الرياحين يزرعون ذلك في الأواني الطينية كالفخّار و الأزيار الصغار و المراكن الخاصة بذلك يزينون بها مجالسهم لسهولة نقلها من مكان إلى مكان، و قليل منهم من يزرع تلك الزهور و الرياحين في فسحة من داره إن كانت لديه أرض وحوش يزرعون تلك الزهور و الرياحين في الأواني لقلة المياه.

أما في وقتنا الحاضر بعد امتداد البيوت و العمارات إلى مسافات كبيرة من المسجد الحرام و بعد انتشار بناء العمارات و المساكن على الطراز العصري بالإسمنت المسلح و بعد وصول مياه بعض العيون إلى مكة المشرفة فتجد في كل بيت من هذه البيوت الجديدة زروعا خاصة بتجميل المناظر و قد تكون هذه الزروع في أرض المنزل من الداخل من جهة واحدة فقط و قد تكون محيطة بأطراف المنزل و تزرع في أرض المنزل لا في الأواني كحديقة صغيرة جميلة.

فسبحان الكبير المتعال مغير الحال و الأحوال لا إله إلا هو العزيز الغفار.

213

و بمناسبة الكلام على الرياحين و الزهور نقول: إننا رأينا بعض البخاريين في مدينة جدة جعل في أرض له مكانا خاصا لزرع الزهور و وجدنا عنده أربعين نوعا من نبات الريحان فقط. فسبحان الخلّاق العظيم القادر على كل شي‏ء.

* و من عاداتهم أنهم يألفون و يؤلفون و يختلطون بالأغراب من جميع أجناس المسلمين الذين يفدون إلى مكة المشرفة في موسم الحج من كل عام. إن الغريب لا يجد نفسه غريبا بينهم، إن كل جنس من الحجاج يرى جنسه من أهل مكة و يخاطبهم بلغته فهو يختلط بهم و يندمج معهم كأنه جالس في بلده، فالحاج المصري و الحاج الشامي و الحاج اليمني و الحاج العراقي و الحاج الجاوي و الحاج الهندي و الحاج الباكستاني و الحاج الأندونيسي و الحاج الصيني حتى الحاج العجمي كل هؤلاء الأجناس و غيرهم يجدون في أهل مكة المكرمة مثل أجناسهم و يجدون منهم الحب و الإكرام و التآلف العجيب، و جميع أهل مكة يشتغلون في موسم الحج من كل عام بأمور الحجاج فالمطوفون و من في معيتهم قائمون بخدمة الحجاج و النظر في راحتهم و أهل الدور و المساكن يؤجرون منازلهم و بيوتهم للحجاج مدة إقامتهم بمكة و شركات النقل و السيارات تحب خدمتهم و أهل البيع و الشراء يزيّنون دكاكينهم بأنواع البضائع و الحاجيات اللازمة للحجاج، و العمّال و الحمّال كل واحد منهم مستعد لخدمة الحجاج.

و الحاصل لا توجد بلدة من بلاد العالم في أقطار الأرض مثل مكة المكرمة و المدينة المنورة في استقبال الوافدين لبيت اللّه الحرام و لزيارة نبيه الكريم عليه الصلاة و السلام في كل عام من الأعوام منذ بدء الإسلام إلى قيام الساعة. فسبحان مدبر أمور الخلائق أجمعين من أهل السموات و الأرضين لا إله إلا هو الخلّاق العظيم.

* و من عاداتهم أنهم كانوا في المولد و الحفلات الخاصة كعقد النكاح و يوم الختان و ختم أولادهم للقرآن العظيم، أنهم كانوا يعطون الحاضرين في الحفلة الحلاوة الحمّصية أو حلاوة اللدّو، بفتح اللام المشددة و ضم الدال المشددة أيضا، و هما من صناعة مكة يصنعها الهنود فيها و كانوا أيضا يعطرون الحاضرين بماء الورد المصنوع بمكة أو بالطائف، و ما كانوا يعرفون من الحلويات سوى الحلاوة الحمّصية و حلاوة اللدّو و هي تصنع من دقيق الحمّص الممزوج بالسمن و السكر و حلاوة الهريسة و هي تصنع من اللوز المطحون و السمن و السكر و حلاوة طبطاب الجنة و هي تصنع من السكر و قليل من الدقيق و قليل من القرفة أو الزنجبيل و تصب في‏

214

صينية حتى تجمد و يوضع عليها قليل من البوية الحمراء لتغيير لونها كما أنهم يعملون أيام الأعياد و المناسبات حلاوة المشبّك، بضم الميم و فتح الشين المعجمة مع تشديد الباء الموحدة و فتحها و هي تصنع من الدقيق الأبيض حتى تكون في قوام العسل ثم يوضع زيت في مقلى كبير ثم بعد تحميته جيدا يصب فيه من العجين المذكور بعد وضع كمية منه في ماعون به خرق واحد بقدر أنملة البنصر ثم يصب من هذا الماعون من خرقة فوق الزيت الحامي على شكل حلقات مدورة متداخلة بعضها في بعض فإذا نضجت الحلقات و احمرت في الزيت يخرجونها ثم بعد تصفية الزيت منها يرمونها في السكر المعقود و يسمونه الشيرة، بكسر الشين و هي في قوام العسل ثم بعد برهة يخرجونها من الشيرة و توضع في صينية كبيرة لبيعها بالأقة.

و يصنعون أيضا الحلاوة اللبنيّة و هي من اللبن الحليب الخالص مع السكر المذاب فيه ثم يضعونه فوق النار حتى يذهب ماء الحليب و يعقد حتى يكون كالعجين ثم يعرض للبيع. و يصنعون أيضا الحلاوة السّمسمية و هي من السكر و السمسم فقط كما هو معروف. و يصنعون أيضا الكنافة و القطايف و يتقنون صنعها و غير ذلك من الحلويات و أنواع المهلبيات.

كانت هذه الحلويات هي الشائعة عند أهل مكة من قديم الزمن حتى سنة (1355) هجرية تقريبا و كانوا أيضا يصنعون دجاج البرّ، بفتح الباء الموحدة و هو مثل المشبك المذكور إلا أن خيوطه المتداخلة في بعضها رفيعة و أنه بعد قليها في الزيت لا يوضع في شيرة السكر لأن عجينته مملحة و فيها من الفلفل الأسود المدقوق، و يأكلون الحمّص المملح و حبوب البطيخ المسمى عندنا بالفصفص، بكسر الفاءين و فصفص الدبا أيضا و هذان يسميان بمصر باللبّ الأسمر و اللبّ الأبيض و كذلك يأكلون اللوز البجلي و هو كثير بالطائف و بعضهم بعد أن يخرجوه من القشر يقلونه بالسمن ثم يضعون عليه الملح و يأكلونه كما أنهم يأكلون لوز التكارنة بعد تمليحه و تحميصه و هذا يسمى بمصر الفول السوداني.

هكذا كانت عادة أهل مكة بالنسبة للحلويات إلى السنة المذكورة ثم من بعد هذه السنة المذكورة خصوصا من بعد عام (1365) هجرية إلى الآن غزت الحلويات الإفرنجية المتنوعة التي في العلب و الصفائح جميع الأسواق بمكة بل و بالمملكة كلها فترك الناس الحلويات البلدية و اتجهوا نحو الحلويات الإفرنجية.

215

و هكذا تغيرت الأحوال في جميع نواحي الحياة المعيشية، فسبحان من له الأمر كله لا إله إلا هو الواحد القهار.

* و من عاداتهم أنهم كانوا يلبسون السراويلات الطويلة التي تصل إلى الكعبين، هكذا كانت الحالة عند الرجال و النساء على السواء، فالرجال يتخذون السراويلات من قماش البفته البيضاء و النساء يتخذنها من القماش المصري المقلم الملون و هو قماش قطني متين غير خفيف و هو من أنواع القماش القطني الذي يتخذ منه المصريون «القفطان» بضم القاف و سكون الميم، و كان الرجال و النساء يتخذون تكّة السراويلات من القماش الخفيف المسمى بالشاش و يزينون طرفيها بشغل خفيف من الحرير خصوصا النساء و ما كانوا قط يعرفون السراويلات التي تأتي من الخارج جاهزة مخيطة أو منسوجة كالفانيلات.

ثم من بعد هذا التطور أو المدنية المزيفة الذي عم وجه الأرض صار بعض الرجال و بعض النساء يلبسون السراويلات القصار التي أقصر من الركبة بل أقصر من ذلك أيضا تقليدا للأجانب الموجودين عندنا بكثرة من الرجال و النساء و ذلك منذ سنة (1370) ألف و ثلاثمائة و سبعين هجرية تقريبا، أما قبل ذلك فكانت لحالة لديهم كما ذكرناه.

و الحق يقال أن لبس السراويلات الطويلة بما يستر الركبة و لا يبرز الفخذ من لرجال و النساء واجب لقوله (صلى الله عليه و سلم): «رحم اللّه المتسرولات من النساء» رواه الدارقطني و غيره، و لقوله أيضا: «لا تبرز فخذك و لا تنظر إلى فخذ حيّ و لا ميت» رواه أبو داود و غيره. و نحن هنا لا نريد الإطالة في هذه المسألة فالشرع الشريف لا غبار عليه، قال في مختار الصحاح: السراويل معروف يذكر و يؤنث و الجمع السراويلات و سروله ألبسه السراويل فتسرول، و حمامة مسرولة في رجليها ريش. انتهى منه باختصار.

* و من عاداتهم أن بعض أشراف مكة الكبار كانوا إذا جلسوا للأكل مع بعضهم للغداء أو العشاء بدون دعوة لغيرهم وضعوا تبسي الأكل خاليا في وسطهم فوق كرسي و هم جلوس على الأرض ثم يحضر الخادم للرجال أو الخادمة للنساء أصناف الأكل صنفا صنفا فمثلا يضع فوق التبسي صحن الباميا فيأكل كل واحد منها لقمتين أو ثلاثة ثم يأتي بصحن الملوخية فيأكل منهم لقمتين أو ثلاثة ثم يرفع هذا الصحن و يأتي بغيره و هكذا الحال إلى أن ينتهي الأكل. و هذه الكيفية من‏

216

الأكل كانوا يسمونها باللغة التركية «قالدر قوي» أي «إرفع وضع» و باللغة العامية «شيل و حطّ» و هذه الكيفية في الأكل بطلت حتى من الأتراك منذ مدة طويلة أي منذ سنة (1335) ألف و ثلاثمائة و خمس و ثلاثين هجرية فلم يبق لها ذكر اليوم في جميع الممالك و صار جميع الناس يمدون سفرة الأكل و يضعون عليها جميع الأطعمة فيأكلون ما شاؤوا و هذا أهنأ و أبرك.

* و من عاداتهم أنهم كانوا يذهبون في أول شهر رجب من كل عام إلى المدينة المنورة للزيارة و يستعدون لذلك قبل الموعد بمدة كافية و كانوا يذهبون بصورة فيها كثير من المرح و الفرح و السرور و النشوة فكان في كل حارة من حارات مكة يجتمع من أراد السفر إلى المدينة المنورة للتشاور فيما يفعلونه و بماذا يستعدون من أدوات السفر و كانوا في هذه الرحلة الرجبية يسافرون على النياق و الدلائل و على الحمير الجيدة الأصيلة حيث لم تكن السيارات موجودة، و كانوا يطلقون على جمعيتهم التي تسافر إلى المدينة «الركب» بفتح الراء و سكون الكاف فيقال سافر الركب و رجع الركب.

و قبيل موعد سفرهم بأيام يقوم في كل محلة و حارة من يغنّي القصائد المهيّجة و المشوّقة للزيارة و من ينشد المدائح النبوية لاستنهاض همم الناس لزيارة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فلا يأتي اليوم الموعود للسفر إلا و قد اجتمع طائفة من الناس في كل حارة للسفر و مع كل حارة راية خاصة و حاد خاص يحدو فيهم فيخرجون من مكة على الحمير المحملة بالأرزاق و الفرش قبل السفر بيوم واحد إلى جهة الشهداء و معهم المنشدون ينشدوهم القصائد و المدائح بصوت رخيم مشج مثير للشوق فإذا تكامل جمعهم في محلة الشهداء و هي على طريق عمرة التنعيم تحركوا بكامل جمعهم للسفر إلى المدينة، و طول الطريق يسمعون النشيد و القصائد بما يخفف عنهم مشقة الطريق و وعثاء السفر فتكون الحمير في المقدمة و تكون الركايب و النياق في المؤخرة فيقطعون ما بين مكة و المدينة في ثمانية أيام أو تسعة و يذهبون من الطريق السلطاني عن طريق وادي فاطمة فعسفان. و المسافة بين مكة و المدينة بالجمال العادية اثنى عشر يوما، فالنياق و الحمير يكون مشيها أسرع من الجمال التي تمشي على هون.

و من عادة الركب سواء سافروا على الحمير أو على الجمال أن يمشوا قبيل المغرب بساعة إلى أن يصلوا إلى محطة من محطات الطريق فينزلون فيها و يأكلون و يشربون‏

217

و يستريحون و ينامون قليلا ثم يقيلون فيها إلى قبل المغرب بنحو ساعة ثم يستأنفون سفرهم فلا يمشون بالنهار مطلقا لشدة حرارة الشمس.

فإذا وصل الركب إلى قرب المدينة المنورة ينشدهم المنشد القصائد و المدائح بصوت عذب ينسيهم المشقة و التعب، فإذا حطوا رحالهم في المدينة فذلك اليوم هو يوم عيدهم الأكبر و يستقبلهم أهل المدينة بالفرح و السرور فيمكثون بها بضعة أيام ثم يعودون إلى مكة المشرفة على حسب ترتيبهم و نظامهم عند خروجهم منها فيرجعون و قد أشرقت وجوههم بالأنوار المحمدية فيستقبلهم الأهل و الأقارب و الأصحاب بالفرح و الترحاب.

كانت هذه عادة أهل مكة من قديم الزمان إلى سنة (1343) ألف و ثلاثمائة و ثلاث و أربعين هجرية أي إلى سنة حكم الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الحجاز، فمن هذا العام بطلت هذه العادة عندهم و لم تقم لها قائمة إلى اليوم لأنها عادة لم تكن شرعية أو معروفة عند الخلفاء الراشدين و من بعدهم.

* و من عاداتهم أنهم كانوا يخرجون لزيارة أم المؤمنين ميمونة رضي اللّه تعالى عنها و قبرها واقع قبل وادي فاطمة على يسار الذاهب من مكة إلى الوادي، و أم المؤمنين ميمونة رضي اللّه عنها هي بنت الحارث الهلالية تزوجها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بمكة و هو حلال عندما ذهب إليها من المدينة في عمرة القضاء في أواخر السنة السابعة للهجرة في شهر ذي القعدة، و اللّه تعالى أعلم. تزوج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ميمونة رضي اللّه تعالى عنها بمكة في السنة المذكورة لكنه لم يدخل بها بمكة فلما خرج منها و وصل إلى مكان يقال له سرف، بفتح السين المهملة و كسر الراء دخل بها و في هذا المكان قبرها رضي اللّه تعالى عنها بينه و بين مكة أربعة عشر كيلو أو خمسة عشر كيلو، ثم أخذها (صلى الله عليه و سلم) معه إلى المدينة، قيل: ماتت سنة ثلاث و ستين من الهجرة و قيل: سنة إحدى و خمسين و اللّه تعالى أعلم. و قد انتقلت قبل وفاتها إلى مكة فاعتلّت بها و قالت: أخرجوني من مكة لأن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أخبرني أني لا أموت بها فحملوها حتى أتوا بها سرف إلى المحل الذي بنى بها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حينما تزوجها، و كان في هذا المحل شجرة و سقاية و قبرها إلى اليوم معروف مشهور و كانت ميمونة رضي اللّه تعالى عنها آخر امرأة تزوجها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و آخر من توفيت من أزواجه رضي اللّه تعالى عنهن أجمعين، و من عجيب أمرها

218

أنه كان الدخول بها و وفاتها و دفنها في مكان واحد و هو سرف رضي اللّه تعالى عنها.

فأهل مكة كانوا يخرجون لزيارة أم المؤمنين ميمونة رضي اللّه تعالى عنها.

و بعد انتهاء زيارتها يعودون إلى محلة الشهداء لزيارة عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما حيث قبره في الشهداء حيث بينه و بين مكة نحو أربعة كيلومترا.

فكانت هذه عادتهم من قديم الزمان إلى سنة (1343) ألف و ثلاثمائة و ثلاث و أربعين هجرية حيث حكم الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الحجاز في السنة المذكورة فبطلت هذه العادة إلى اليوم.

* و من عاداتهم التانّق و التجمّل و إظهار الجمال و الكمال في المأكل و الملبس و المسكن، إنهم يحبون شدة النظافة حتى في حالة سفرهم و لقد كان لهم عظيم الذوق في عمل الشاي و تقديمه للضيوف و كذلك تقديمهم لكاسات الشربات، و لهم في اقتناء أدوات الشاهي عظيم الذوق من شراء السماوارات المعدنية المسكوفية و البراريد الصينية الفاخرة و الفناجين الأصلية التي لا توجد اليوم فيها إلا قليلا و نادرا. و لبعض شعراء أهل الحجاز قصائد ظريفة في الشاهي ذكرناها في رسالتنا المطبوعة «أدبيات الشاي و القهوة» نعم إنهم يحبون التأنق و النظافة و تجميل الأشياء.

* و من عاداتهم أنه كان رجالهم و أولادهم في الزمن الماضي يحلقون رؤوسهم بالموسى و لا تزال هذه العادة جارية بينهم إلى اليوم لكن عند بعض كبارهم فقط دون أولادهم، أي القليل منهم يحلقون رؤوسهم بالموسى اليوم و غالب الناس و أكثرهم يحلقون بالماكينة، أما أولادهم فهم يربون شعورهم و يستعملون التواليت في قصها و إصلاحها كما هو الحال في الخارج. و كان الحلّاقون في الماضي قليلين و كلهم من أهل مكة أو من الهنود المقيمين بها، أما اليوم فقد كثر الحلّاقون بمكة من مختلف الأجناس: من مصر و من سوريا و من الأردن و من فلسطين و من اليمن و من التكارنة.

* و من عاداتهم أنهم كانوا يستعملون في موازينهم الأقة و أجزاءها، و هي بضم الهمزة و تشديد القاف المفتوحة و مقدارها أربعمائة درهم و الأقة كانت تستعمل في جميع الممالك الإسلامية منذ عهد طويل من أيام الدولة التركية العثمانية، فلما ذهبت عنهم الخلافة الإسلامية من سنة (1334) ألف و ثلاثمائة و أربع و ثلاثين‏

219

هجرية أبدلوا الأقة بالكيلو و هو أصغر و أقل من الأقة تبعا و تقليدا للبلاد الأوروبية و لكن بقي الحجاز على استعمال الأقة و أجزاءها من النصف و الربع و الثمن و الوقية.

فلما كان أول محرم سنة (1385) ألف و ثلاثمائة و خمس و ثمانين هجرية أمرت الحكومة السعودية بإبطال الأقة و أجزائها و استعمال الكيلو و أجزائها فاستعمل أهل مكة المكرمة في موازينهم الكيلو من أول العام المذكور و كذلك فعلت بقية البلاد السعودية.

كما صدر الأمر من الحكومة السعودية باستعمال المتر المعتبر في جميع دول العالم و السعودية بدلا بالهنداسة في ذرع الأقمشة و مشتقاتها.

* و من عاداتهم أن النساء عندنا كنّ يلبسن الشراشف و الملايات الطويلة التي تستر من الرأس إلى الأقدام و كانت هذه الشراشف و الملايات كلها من قماش واحد خاص و بشكل واحد و بلون واحد و هو الأسود يتخلله خطوط رمادية عريضة عرضها خمس سنتيمترات. و كنّ يلبسن البراقع البيضاء كل برقع متر واحد و عرضه أربعون سنتيمترا يستر الوجه و الصدر تماما و تلتفّ الملاية و الشرشف فوق البرقع، و في أعلى كل برقع خرقان صغيران بقدر العينين فقط للنظر منهما.

و كنّ يلبسن في أرجلهنّ أخفافا صفرا على هيئة الجورب كل خفّ يستر القدم إلى نصف الساق ثم يلبسن بعد الأخفاف الشباشب الصفر أيضا و هي جمع شبشب و يسمى بالبابوج و هذا البابوج لا كعب له مطلقا، إنه يشبه الشبشب و المداس من حيث عدم وجود الكعب فيهما، و الخفّ و البابوج من الجلد الأصفر فقط ليس لهما لون غيره و جلدة البابوج من الأمام يستر وجه ثلث القدم تماما ليس فيه زخرفة و لا أخراق، أي يشبه وجهه وجه الجزمة المعروفة التي قطع منها جانبيه.

و هذه الشراشف و الملايات و البراقع و الأخفاف الصفر كلها كانت تأتي من الأستانة من تركيا، كانت قيمة الخفين و البابوج بجنيه واحد من الذهب لا ينقص منه شي‏ء فكانت هذه العادة عند النساء من قديم الزمن إلى سنة (1350) ثم بطلت هذه العادة تدريجيا حتى لم يبق لها أثر اليوم مطلقا و صارت النساء عندنا يقلدن في لبسهن نساء الأغراب المقيمين عندنا من المصريين و الشوام و الفلسطينيين و غيرهم و سرت فيهم عادات هذا العصر العجيب.

220

* و من عاداتهم أن جميع طلبة العلم سواء كانوا في المدارس أو كانوا يطلبون العلم في المسجد الحرام و كذلك جميع العلماء و المدرسين على اختلاف طبقاتهم كلهم كانوا يضعون كتبهم و أوراقهم و دفاترهم في محافظ من الجلد و ما كانوا يعرفون هذه الشنطات التي يستعملونها اليوم، لقد كان كل واحد منهم يضع كتبه و أوراقه و دفاتره في المحفظة و يلفّ عليها سجادته و يذهب إلى محل دراسته بغاية من الكمال و الأدب، و المحفظة عبارة عن الجلد السميك الملون باللون البني أو الأحمر فقط طولها ثمانون سنتيمترا و عرضها خمسون سنتيمترا يطوى هذا الجلد مرة واحدة فيكون بمثابة غلاف الكتب و الدفاتر ثم يعمل لكل جانب من جانبي المحفظة رباط على هيئة أزرار من الجلد لئلا يقع منهما شي‏ء من الكتب ثم ينقش وجهي المحفظة نقشا بسيطا جميلا على هيئة النجوم الصغيرة، و كان يصنع هذه المحافظ أهل مكة و محل صنعها باب السلام الكبير أحد أبواب المسجد الحرام، و الحق يقال: كان حمل هذه المحافظ العلمية تكسب حاملها الهيبة و الوقار و الأدب و الكمال.

هكذا كانت عادة العلماء و الطلاب بمكة يحملون كتبهم و أوراقهم في هذه المحافظ من قديم الأزمان إلى سنة (1353) ألف و ثلاثمائة و ثلاث و خمسين هجرية، ثم من بعد العام المذكور وردت الشنطات الخاصة لوضع الكتب المدرسية و كثر أنواعها المختلفة الجميلة اللطيفة فألف الناس استعمالها في الحرمين الشريفين و غيرهما، و هكذا تتبدل العادات و الأحوال بتقدم المدنية و العمران إلى أن يأتي وعد اللّه.

* و من عاداتهم أنهم كانوا يضعون ثيابهم في صناديق السّيسم، بكسر السين المهملة الأولى و فتح السين الثانية و هي صناديق سوداء مستطيلة في طول متر واحد و منها ما هو أكبر يتخذ من خشب السّيسم القوي المتين لا يأكله الدود و لا العثّ، إنه من أغلى الأخشاب الثمينة. كانت هذه الصناديق تأتينا من الهند إلى سنة (1360) ألف و ثلاثمائة و ستين هجرية، ثم انصرف الناس عن هذه الصناديق الممتازة و اتخذوا دواليب الموبيليات التي أتت من الخارج بعد السنة المذكورة، و ما زال العرب في البادية و القرى يشترون الصناديق البلدية المتخذة من الأخشاب العادية و المزخرفة بالصفائح الملونة و المرايات الصغيرة ليضعوا فيها ثيابهم و حوائجهم، و نظن أن هذه العادة قديمة حتى في الخارج فإن أهل الأرياف و القرى‏

221

البعيدين من المدن ما زالوا يستعملون هذه الصناديق البلدية المزخرفة. و هذه سنّة التطور في الكون.

* و من عاداتهم أنهم يستأجرون الدكاكين و الدور و المنازل سنويا و يستأجرون كامل الدار لا نصفها و لا ربعها و لا يعرفون السكنى في الشقق «بضم أوله و فتح ثانيه» جمع شقة و هي جانب من الدار يحتوي على بعض الغرف في وضع مستقل بذاته أي أن الشقة عبارة عن مسكن شرعي منعزل في المعنى عن بقية الدار. فإذا قفل الإنسان مدخل الشقة و هو الباب الأول أصبح منعزلا عن بقية سكان الدار.

هذه العادة كانت متبعة قديما إلى سنة (1375) ألف و ثلاثمائة و خمس و سبعين هجرية، ثم من بعد هذه السنة المذكورة كثرت العمارات الحديثة بمكة المشرفة و أصبحت الدور و المنازل طبقات عديدة حتى أن بعضها أصبح أكثر من عشر طبقات و صارت كل طبقة تحتوي على عدة شقق و كل هذه الشقق و العمارات مزوّدة بالكهرباء و مواسير المياه و بآلات التدفئة و التهوية و التبريد من المراوح الكهربائية و الكونديشات. و هذه الشقق بعضها تؤجر سنويا و بعضها تؤجر بالشهر و بعض أهل مكة إلى اليوم لا يرغبون في السكنى في الشقق بل يرغبون في استئجار الدار كاملة سنويا. و من استأجر دارا كاملة سنويا لا يرغب أن يسكن أحد معه فيها بل يؤجرها في موسم الحج للحجاج. و كان من عاداتهم أن يدفعوا الإيجارات السنوية في العاشر من شهر محرم في كل عام و لكن من بعد سنة (1350) هجرية تغيرت هذه العادة فصاروا يدفعونها في أول يوم من شهر محرم من كل عام.

* و من عاداتهم أن الناس إذا حضروا للعزاء ما كانوا يجلسون على الكراسي و يشربون القهوة ثم يقومون لعزاء أهل الميت كما هو حاصل اليوم بل كانوا إذا حضروا للعزاء و دخلوا البيت جلسوا في المجلس ثم يأخذ كل واحد منهم جزءا من القرآن من صندوق الربعة الذي فيه الأجزاء ليقرأ فيه فإذا أكمل قراءة الجزء وضعه في الصندوق و قام للعزاء و خرج و قد دعا للميت بما أحب من العفو و المغفرة و الرحمة.

و عند حمل الجنازة إلى مقرها الأخير فإن الواجب علينا أن نعتبر و نتعظ فهذا أخونا سبقنا إلى الدار الآخرة و نحن على إثره ذاهبون و لاحقون به، اللهم اغفر لنا و ارحمنا و تجاوز عنا بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين و يا أكرم الأكرمين يا حيّ يا قيوم يا اللّه.

222

و إن العزاء بقراءة القرآن من الربعة ما زال جاريا إلى اليوم في بلاد اليمن و حضرموت، و الربعة بفتح الراء نسبة إلى صندوق مربع يوضع أجزاء القرآن لكريم فيه ثلاثون جزءا، و لهذا الأمر جلّدوا كل جزء من القرآن العظيم وحده فجلّوا منه جزءا جزءا حتى يتكامل ثلاثين جزءا فيضعونه في صندوق صغير مربع.

* و من عاداتهم أن جميعهم يشتغلون في مواسم الحج و أيامه من كل عام بخدمة الحجاج، فالعلماء يرشدون الحجاج إلى مسائل الحج و العمرة و يعلمونهم أحكامها على المذاهب الأربعة و المطوفون و خدمهم يقومون بخدمة الحجاج و توفير أسباب الراحة لهم و أرباب البضائع يعرضون بضائعهم على الحجاج في دكاكينهم و أسواقهم بل في مواسم الحج تجد في الدكاكين و الأسواق أجود البضائع و أحسن أصنافها، و الذين يبيعون البضائع المناسبة للحجاج في الأسواق و الشوارع المتسعة و الميادين يفرشون على الأرض و يعرضون ما لديهم على الحجاج خصوصا في أسواق عرفات و منى و مزدلفة.

إن جميع الناس عندنا يشتغلون في مواسم الحج في كل عام بخدمة الحجاج و راحتهم فالمطوفون و خدمهم لهم أعمال خاصة و المرشدون لهم أعمال خاصة فتجد جميع الناس في أيام الحج في حركة دائبة و عمل غير منقطع ليلا و نهارا حتى حكومتنا تبذل أقصى جهدها في اتخاذ أسباب الراحة للحجاج و تأمين مصالحهم و نشر الجنود في جميع مواضع الحجاج حتى لا يتعدى أحد عليهم بسرقة أو خصام، و مراكز الشرطة مفتوحة ليل نهار. إن مواسم الحج و خدمة الحجاج أمر واسع لا يكفي وصفه في هذه الأسطر القليلة، إن مواسم الحج في كل عام و سهر الناس و الوقوف على راحة الحجاج ليس بالأمر الهيّن و مواسم الحج ليست كمواسم السياحات في الأقطار إن السواح في الأقطار لا يحتاجون إلا على كثرة الفنادق و الأوتيلات و المرشدون إلى أماكن الزيارة و الآثار و من نسي شيئا من ذلك فلا حرج عليه بخلاف مواسم الحج و أعماله و أشغال الحجاج و مصالحه الدينية و الدنيوية مع العلم بأن عدد السواح بضعة آلاف سائح أما عدد الحجاج في الحرمين الشريفين في كل عام فآلاف مؤلفة و لا نبالغ إن قلنا أن عدد الواقفين بعرفات يبلغ نصف مليون من المسلمين الذين هم على دين واحد و هو دين الإسلام الحنيف و قد يزيدون أحيانا على هذا العدد. و لو لا لطف اللّه تعالى و رحمته و خيراته و إحسانه لما كفاهم الخبز و الماء ففضل اللّه تعالى و رحمته واسع عظيم‏

223

يشمل أهل الحرمين و الحجاج و كافة عباده في جميع أقطار الأرض. إن حالة الحج و الحجاج ليعجز القلم عن وصفه و لا يمكن أن يعرفها إلا من شاهدها بعيني رأسه (و ما راء كمن سمعا) فسبحان الكبير المتعال الذي يدبر شؤون خلقه في السموات و الأرض لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

* و من عاداتهم أنهم ما كانوا يعرفون الدروس الخصوصية في البيوت قط، فالتعليم كله يكون في المدارس، فالأساتذة ما كانوا يذهبون إلى بيوت تلاميذهم قط لا بالأجرة و لا مجانا. غاية الأمر أن الأستاذ إذا رأى من تلاميذه قصورا في بعض الدروس خصص لجميعهم وقتا في نفس المدرسة إما قبل موعد الدراسة في الصباح أو بعد العصر و أحيانا في النادر يعلمهم ما يحتاجون بعد المغرب في المسجد الحرام مجانا للّه تعالى من غير أن يتقاضى على ذلك أجرا فقد كان رائدهم الإخلاص في جميع أمورهم، و لذلك كان التعليم في السابق فيه بركة و كان الخير في الأساتذة و الطلبة معا.

و ما عرفت البلاد الدروس الخصوصية إلا من بعد سنة (1360) ألف و ثلاثمائة و ستين هجرية و ما زالت الدروس الخصوصية تكثر تدريجيا حتى انتشرت اليوم في جميع البلاد فيأتي وليّ الطالب بأستاذ لولده يعلّمه في البيت إما بعد العصر أو بعد المغرب بأجر معيّن.

* و من عاداتهم أنهم ما كانوا يتركون أولادهم يخرجون إلى الأسواق و الشوارع بعد المغرب بل حتى الكبار من الرجال و النساء ما كانوا يخرجون من بيوتهم بعد المغرب إلا إلى المسجد الحرام أو لأمر ضروري و ذلك اتباعا لأمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حيث يقول: «إذا كان جنح الليل فكفّوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ فإذا ذهب ساعة من الليل فخلّوهم و أغلقوا الأبواب و اذكروا اسم اللّه فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا و أوكؤا قربكم و اذكروا اسم اللّه و خمّروا آنيتكم و اذكروا اسم اللّه و لو أن تعرضوا عليه شيئا و أطفئوا مصابيحكم».

إن الأولاد بمكة المشرفة ما تعوّدوا في الأزمان السابقة على الخروج من بيوتهم ليلا، غاية الأمر أنهم يعودون إلى بيوتهم مع آبائهم بعد صلاة العشاء في المسجد الحرام، و أصحاب الدكاكين كانوا يقفلون دكاكينهم في المغرب أو بعد صلاة العشاء على الأكثر، و لا توجد في الأسواق ليلا إلا دكاكين بيع الخبز و الأطعمة خصوصا و أن الشوارع و الأسواق كانت مظلمة ليس فيها سوى ضوء القمر

224

و النجوم في العصور الأولى، ثم وضعت فيها الفوانيس التي بداخلها اللمبات التي تنار بالكاز ثم استبدلت هذه الفوانيس بالأتاريك ثم صارت اليوم تنار جميع الشوارع و الأسواق و الأزقة و البيوت بالأنوار الكهربائية حتى صار الليل كالنهار.

* و من عاداتهم أن الإعلانات المهمة الحكومية الصادرة للجمهور كانت تذاع و تنشر بمكة المكرمة بواسطة النداء فيمشي المنادي في الشوارع و الأسواق و قد يكون راكبا على الحمار فينادي بأعلى صوته في الناس و يبلغهم ما صدر من الأوامر الرسمية، و أحيانا تكون بيده ورقة مكتوبة فيقرأها عليهم. و كذلك كانت الحال في جدة و كان ينادي المنادي بها حتى على سفر البواخر فيها و مرورها على بعض البلدان، و يسمون الباخرة بالبابور فكان المنادي في جدة يقول بأعلى صوته في الأسواق و المجمعات: بابور يسافر إلى أسمرة و مصوع و عدن و الحديدة و الهند ...

إلى آخر الإعلان، و كان هذا الحال متبعا إلى سنة (1345) هجرية.

ثم لما كثرت الجرائد في البلاد و انتشر وجود الراديو بها بطلت تلك العادة القديمة حيث أن الأوامر الرسمية و المسائل المهمة تنشر في الجرائد و المجلات و تذاع بواسطة الإذاعة فيعلم جميع الناس في كل مكان. فكل حالة لا بد لها من زوال.

الألعاب التي كانت شائعة لدى الأطفال بمكة

الألعاب التي كانت شائعة عندنا بمكة لدى الأطفال من قبل سنة (1343) ألف و ثلاثمائة و ثلاث و أربعين هجرية، أي من قبل العهد السعودي هي كما يأتي:

1) لعبة الطيارات، و كانوا يعملونها من الورق و عود البمب الجاوي. و لهم في صنعتها مهارة فائقة فإنها إذا اختلف عملها و لم يكن ميزان خيطها مضبوطا لم ترتفع في الهواء و كانوا يربطونها بخيط قوي طويل جدا لترتفع إلى أبعد حد في الهواء و بعضهم يدق القزاز ناعما ثم يخلطه بالغراء و يمسحون بهذا الخليط خيط الطائرة و بعد أن ييبس و ينشف على الخيط يلفونه في علبة فارغة كعلبة الأنناس ثم يربطون الطائرة بهذا الخيط و يطلقونها في الهواء حتى إذا وقعت طائرة أخرى في الهواء أطلقوا لها هذا الخيط المقزّز لتحزّ خيط الطائرات الأخرى، فكانوا يلعبون بهذه الطائرات في بعض فصول السنة.

2) لعبة البرجون، بفتح أوله و ثانيه و ضم الجيم و يسمونها بمصر ألبل بكسر اللام، و البرجون عبارة عن كرة صغيرة أصغر من الليمونة تامة التدوير و يصنعون‏

225

هذا من الخارج من الزجاج الملون الجميل و هي إلى اليوم موجودة في جميع البلدان و لكن الأطفال عندنا كانوا يصنعون البرجون من الحجارة الجبلية الصمّاء يصنعونه بأيديهم و بعضهم يصنعونه من الحجارة الصفراء التي تسمى «بالقاحوط» و عند اللعب كانوا يحفرون ثلاث حفر صغار كل حفرة بقدر التفاحة و ما بين الحفرة و الأخرى نحو ثلاثة أمتار ثم يلعبون به بالكيفية التي يعرفونها.

3) و من عاداتهم أن أطفالهم و أولادهم كانوا يلعبون الكبوش بضم الكاف و الباء الموحدة، و ليس المراد به هو الحيوان المعروف و إنما الكبش في متعارف الأولاد عندنا هو عظمة صغيرة بمقدار اثنين سنتي و هو يكون في عرقوب كل حيوان كالأغنام بمثابة المفصل فعند ذبحها يأخذون من أرجلها الكبوش ثم تنظيفها مما لصق بها من اللحم أو الدهن ثم يحكّون سطحيها على الحجر حتى يكون الكبش ناعما ظريفا و بعضهم يصبغونها بالألوان لجمال منظرها ثم يجتمعون على اللعب بها في أرض ترابية و ذلك بأن يجعلوا كل كبش بجانب كبش حتى يكون عدد الكبوش نحو عشرين أو ثلاثين أو أقل و كلها في صف واحد مستقيم ثم يحيطون هذا الصف من الكبوش بدائرة على التراب و يكون اللاعبون اثنين أو ثلاثة أو أكثر فيلعبون بالترتيب واحد بعد واحد و ذلك بأن يبتعدوا عن الدائرة بنحو ثلاثة أمتار أو أربعة و يكون كل واحد منهم ممسكا في يده بكبش آخر ثقيل نظيف فيضرب به من البعد تلك الكبوش فإذا أصابها و خرج كبش منها عن الدائرة أخذها و ما يزال يضربها و كلما خرج منها كبش منها عن الدائرة أخذها فإذا ضربها و لم يصب شيئا منها أو أصابها و لم يخرج كبش منها عن الدائرة تنحّى عن اللعب و أتى لاعب آخر يلعب مثله حتى تنتهي بهذه الكيفية جميع الكبوش فلا يبقى شي‏ء منها في الدائرة فعندئذ يستأنفون اللعب من جديد و بعضهم يضع رصاصا في الكبش الذي في يده يلعب به حتى يكون ثقيلا فيخرج معه الكبوش التي في داخل الدائرة سريعا.

و هذا اللعب بالكبوش قد بطل الآن فلا ذكر له و ذلك من سنة (1345) ألف و ثلاثمائة و خمس و أربعين هجرية تقريبا.

4) لعبة المدوان، بكسر أوله و سكون ثانيه و هي نوعان: «النوع الأول» و هو مخروطي الشكل يضعون في رأسه المحدد مسمارا ثم يلفون على قعره الغليظ خيطا متينا إلى نحو ثلثيه ثم يرمونه على الأرض و يجرون الخيط عند رميه‏

226

بكيفية خاصة بحيث يدور المدوان على نفسه دورانا قويا منظما على رأس المسمار المذكور. «و النوع الثاني» هو المدوان المتخذ من نوى تمر الدوم و هي تكون في حجم الليمون و باطن هذا النّوى أبيض كباطن النارجين إلا أنه قوي جدا. كانوا يثقبون هذا النوى من طرفيه الأعلى و الأسفل فيدخلون في هذا الثقب عودا قويا حتى يخرج رأسه من الثقب الآخر فيدور المدوان على هذا الرأس ثم يثقبون من عرضه ثقبين متقابلين ثم يلفون خيطا على العود الثابت فيه ثم يرمونه في الأرض و يجرون الخيط بكيفية خاصة فيدور المدوان على رأس العمود الثابت فيه و يخرج منه صوت مدة دورانه لتخلل الهواء في باطنه من الثقبين الموجودين في جانبيه.

5) لعبة السّقيطة، بضم السين المهملة و تشديد القاف و كسرها و بعضهم يبدل السين بالزاي، و هي لعبة مكوّنة من خمسة أحجار صغار كأحجار حصى الجمار فترمى أمام اللاعب ثم يلقطها واحدة فواحدة بكيفية خاصة حتى يلقط جميع الحصى.

6) لعبة الطّرّة، بضم الطاء و تشديد الراء المهملة و هي عبارة أن يضع أحد عمامته من رأسه ثم يمسكها من وسطها ثم يلف طرفيها ببعضها و يربطها ثم يقعد بضعة أشخاص من ثلاثة فأكثر ثم يأتون بريال و نصف ريال و كان سابقا يكتب على أحد وجهيه اسم السلطان بخط الطّرّة و على الوجه الآخر ضرب في القسطنطينية سنة كذا أو يأتون بكبش من الكبوش السالف الذكر فيرمون الريال أو الكبش أمامهم فإذا ظهرت الطّرّة ضربوا الذي عليه الدور بضع ضربات بالطّرّة التي عملوها من عمامتهم، و لهذه اللعبة كيفية مخصوصة نسيناها اليوم.

7) لعبة الكبت، بفتح أوله و ثانيه و هي لعبة يشترك فيها بضعة أشخاص و ينقسمون إلى طائفتين و يكونان متقابلين بينهما نحو عشرة أمتار و يخطون في وسط الفضاء بينهم خطا في التراب إشارة إلى أن هذا الخط هو الحدّ الفاصل بينهما. فيخرج واحد من إحدى الطائفتين إلى الطائفة الأخرى و يمد يده إليهم باحتراس فإذا لمس أحدهم و هرب و لم يمسكوه فتعتبر طائفته هي الغالبة و إن أمسكوه فتعتبر طائفته هي المغلوبة.

8) لعبة الكورة و هي لعبة خاصة غير لعبتها الشائعة اليوم فإنهم كانوا يلعبونها بأيديهم عدة أدوار و كانوا يسمون كل دور باسم خاص، و هذه اللعبة تتكون‏

227

أيضا من عدة أشخاص و ينقسمون إلى طائفتين أيضا و لهم في لعبتها كيفية خاصة. و انظر إلى كتاب الفاكهي حيث ذكر هذه اللعبة و أنها من العصور الأولى في الإسلام.

9) لعبة المزمار، بضم الميم و سكون الزاي و هي لعبة خاصة برجال أهل الحارة و هذه اللعبة يتخذونها في أيام الأعياد و الأفراح الخاصة و العامة. و كان أهل كل حارة يقيمون لعبة المزمار في حارتهم في مكان فسيح، و لا بد في اللعبة من إيقاد النار و ضرب الطبول و رقص الرجال حول النار بكيفية خاصة ليس فيه رقص خليع و لا ميوعة و لا بد كل واحد من رجال الحارة أن يمسك بيده عصا غليظة يرقص بها و يمشي بها و يسمونها «بالشون» بضم الشين، و لا بد أن يتحزّم كل واحد منهم بحزام من الأحاريم في وسطه، و قد تقدم قريبا ذكر المزمار (2).

10) الهوشة، بضم الهاء الممدودة و فتح الشين المعجمة و هي ليست لعبة و إنما هي تشبه المحاربة بين طائفتين فإذا أراد أهل حارة التحرش بأهل حارة أخرى و معاكستهم و معاندتهم ذهبوا إلى حارتهم و رموهم بالحجارة فيخرج إليهم أهل تلك الحارة و يهجمون عليهم برميهم بالحجارة و أهل كلتا الحارتين بأيديهم العصا الغليظة التي يسمونها «الشوم» فيترامون بالحجارة حتى تغلب إحدى الطائفتين، و قد تقدم ذكر الهوشات قريبا.

و هذه ليست لعبة و إنما ألحقناها بها ذكرا لعادة أهل مكة. و قد بطلت هذه العادة المستهجنة القبيحة و للّه الحمد كما بطلت جميع الألعاب المذكورة. و قد ظهرت منذ سنوات في مكة و غيرها لعبة الكورة بكيفية مخترعة و قد انتهى الناس بها و بألعاب أخرى من ركوب البسكليتات التي كانت تسمى سابقا بحمار الشيطان كما التهوا بسماع الأغاني الخليعة من الإذاعات و بأمور أخرى لا داعي لذكرها و بيانها و اللّه الهادي إلى سواء السبيل.

11) المصتكى و الكجل. كان الأطفال في الزمن السابق يتسلّون كثيرا بهذه اللعبة اللطيفة النظيفة، فالمصتكى معروف لدى جميع الناس تستعمل بخورا و تستعمل مضغا كاللبان، و أما الكجل بكسر أوله و ثانيه فهي مادة بنية اللون تشبه جلدة اللستك أو مسّاحة قلم الرصاص و لا ندري هل هي مادة تطبخ‏

____________

(2) و هذه اللعبة من اللعب الممنوعة شرعا لأنها لعبة تدور حول النار و هي من ألعاب الجاهلية و الأحباش فلاحظ ذلك و تجنبها أيها المسلم.

228

بالأدوية أم هي مادة تستخرج من بعض الحيوانات و هذه المادة يأتي الطفل فيأخذ من المصتكى مقدارا بحسب رغبته فيمضغه ثم يأخذ مقدارا صغيرا جدا كحبة العدس من الكحل فيمضغه مع المصتكى مضغا جيدا حتى يختلط بها ثم يأخذ هذه اللبانة بيد فيمدها و يسطحها و يجعلها بقدر الريال الفضة ثم يطويها قليلا و يضع طرف لسانه بينها ثم ينزل أسنانه عليها من فوق و من أسفل فتكون اللبانة بين أسنانه و بين لسانه ثم ينفخ في اللبانة قليلا قليلا و يمطها بيده فتنتفخ هذه اللبانة بقدر البطيخة الصغيرة ثم تنخرق فتنفقع ثم يمضغها ثانيا ثم ينفخها مرة أخرى. و هكذا يتسلى بنفخها و مضغها حتى تطيب نفسه.

هذه اللعبة كانت تسلية عامة للأطفال يعرفها المعمّرون ثم بطلت هذه اللعبة من قبل سنة (1340) ألف و ثلاثمائة و أربعين من الهجرة لعدم ورود هذه المادة إلى الحجاز، و من تلك السنة لم نجد أحدا يستعملها أبدا. و أما المصتكى فهي موجودة في جميع البلدان.

و هنا وقف بنا جواد القلم فلم يجر خطوة ثانية عما كتبه من عادات أهل مكة رعاهم اللّه تعالى باللطف و الإكرام و اللّه تعالى أعلم بما كان من عاداتهم في سالف الأعوام و ما سيكون منها في مستقبل الأيام، نسأل اللّه تعالى أن يكثر عليهم الخيرات و البركات و أن يوفقهم للأعمال الصالحات و أن يسترهم في الدارين و يحفظهم من الآفات و يديم عليهم الأمن و الأمان و الطمأنينة و الرخاء بفضله و رحمته إنه سميع مجيب الدعوات و إنه بعباده لطيف خبير.

عادات الجاهلية

* و من عادات أهل الجاهلية و أد البنات: قال اللّه تعالى في سورة التكوير:

إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ* وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ* وَ إِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ* وَ إِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ* وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ* وَ إِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ* وَ إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ* وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ‏.

فوأد البنات كان من عادة بعض بطون العرب في الجاهلية، فكانت العرب تئد البنات مخافة لحوق العار بهم من أجلهن، و معنى الوأد دفن البنت حية. فكان الرجل منهم إذا أراد قتل ابنته تركها حتى إذا كانت سداسية يقول لأمها: طيبيها

229

و زينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها و قد حفر لها بئرا في الصحراء فيبلغ بها البئر فيقول لها انظري فيها ثم يدفعها من خلفها و يهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض ...

فوأد البنات جناية عظيمة فلما جاء الإسلام حرّم ذلك كما حرّم قتل الأولاد خشية الإملاق. فتركت هذه العادة السيئة الوحشية و للّه الحمد.

* و من عادات أهل الجاهلية: أن المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا «و هو البيت الصغير» و لبست شر ثيابها و لم تمس طيبا و لا شيئا حتى تمر بها سنة ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض به «أي تمسح به جلدها» ثم تخرج فتعطى بعرة فترمى بها ثم تراجع بعدما شاءت من طيب أو غيره. هكذا قالت زينب بنت أبي سلمة.

و إلى هذه العادة يصرح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كما في الصحيحين حين استأذنوه في كحل امرأة توفي زوجها فخافوا على عينها بقوله:

«لا تكتحل، قد كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها أو شر بيتها فإذا كان حول فمرّ كلب رمت ببعرة فلا حتى تمضي أربعة أشهر و عشر».

فكانت المرأة ترمي البعرة إلى الكلب بعد مرور حول على وفاة زوجها إشارة إلى انتهاء عدتها لوفاة زوجها، و أما في الشريعة المحمدية فالعدة أربعة أشهر و عشر ليال.

* و من عادات الجاهلية ما ذكره البخاري في صحيحه في كتاب التفسير في سورة البقرة: عن أبي إسحاق عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره. فأنزل اللّه‏ وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏ وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها. انتهى.

نذكر هنا قليلا من بعض أحوال العرب و عاداتهم و ما يمتازون به و يتلخص فيما يأتي:

1) كان العرب يتاجرون و كانت لهم أسواق شهيرة يجتمعون في بعضها في مواسم الحج يحضرون إليها من كل الأطراف، حتى كان النعمان بن المنذر ملك العرب بالحيرة، و هي بلدة غرب الفرات يرسل تجارته كل عام إلى سوق عكاظ

230

لتباع له. و كانت لقريش رحلتان تجاريتان رحلة الشتاء إلى جهة اليمن و رحلة الصيف إلى جهة الشام و كانوا يتعاملون بنقود الفرس و الروم.

2) كان العرب على بساطة عيشهم يكرمون الضيف إكراما زائدا بدون تكلف ما أقام لديهم و قد تستقبل المرأة الضيف و تقدم له ما لديها من أطيب الطعام و زوجها غائب، فإكرام الضيف عادة طبيعية فيهم و يندر فيهم الرجل البخيل و لبعض الكرماء الممتازين منهم نوادر و حكايات تستحق أن تكتب بماء الذهب.

3) كان العرب يمتازون عن الأجناس الأخرى بمكارم الأخلاق و الصفات النبيلة و الغيرة العجيبة و الشهامة و البسالة. و كانوا يعرفون حرمة مكة و البيت الحرام و مكة المشرفة كما كانوا يحترمون الأشهر الحرم و من ذلك كانوا ينصرون المظلوم بمكة و يأخذون حقه من الظالم.

و واقعة حلف الفضول شهيرة في التاريخ و ذلك أنه عند ما رجعت قريش من حرب الفجار تداعوا لحلف الفضول فتحالفوا في دار عبد اللّه بن جدعان أحد رؤساء قريش، تحالفوا و تعاقدوا أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو من غيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه حتى ترد إليه مظلمته، و لقد حضر هذا الحلف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مع أعمامه قبل بعثته لأن هذا الحلف مما يقرّه الإسلام و يدعو إليه. و هذا هو التعاون على البر و في هذا الحلف يقول النبي (صلى الله عليه و سلم) بعد أن بعثه اللّه إلى الناس كافة: «لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد اللّه بن جدعان ما أحب لي به حمر النعم و لو دعيت به في الإسلام لأجبت».

فانظر رحمك اللّه هذا قريش يجتمعون في الجاهلية فيتعاقدون أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو من غير أهلها من سائر الناس إلا نصروه و قاموا معه حتى ترد إليه مظلمته، و نحن الآن ندّعي الإسلام و نتلوا كتاب اللّه و نحفظ أحاديث رسول اللّه ثم نرى الرجل يحيق به الظلم و المهانة و يغمط حقه جهارا نهارا فلا يقوم أحد منا لنصرته و لا للأخذ بيده فلا حول و لا قوة إلا باللّه.

4) و كانت للعرب نخوة و شهامة و مروءة و اعتزاز و لسان صدق و وفاء بالوعد و سماحة و إغضاء و لا يرضى أحد منهم بالظلم و الضيم، فإن كان قويا أخذ حقه بنفسه و إن كان ضعيفا رحل من مكانه إلى جهة أخرى فأرض اللّه واسعة فضاها، و في هذا المعنى يقول بعض أهل الجاهلية و هو الشّنفرى في أول قصيدته التي تسمى «بلامية العرب».

231

أقيموا بني أمّي صدور مطيّكم‏* * * فإني إلى قوم سواكم لأميل‏

فقد حمّت الحاجات و الليل مقمر* * * و شدّت لطيات المطايا و أرحل‏

و في الأرض منآى للكريم عن الأذى‏* * * و فيها لمن خاف القلى متحول ... إلخ‏

و العربي يعتز بحماية جاره و من ينتمي إليه و في هذا يقول السمؤال الذي كان في عصر الجاهلية:

و ما ضرنا أنا قليل و جارنا* * * عزيز و جار الأكثرين ذليل‏

5) و كانت العرب تحرم زواج البنت و الأخت و العمة و الخالة و كانوا يحبون أولادهم و يعاملونهم بكثير من الشفقة و الحنان، قيل لأعرابي أي أولادك أحب إليك؟ فقال: صغيرهم حتى يكبر و مريضهم حتى يصح و غائبهم حتى يقدم. و قال بعضهم في إشفاقه على ولده:

لا تعجبني يامى من سوادي‏* * * و من قميص هم بانقداد

كلفني تعسف البلاد* * * و قلة النوم على الوساد

مخافة الفقر على أولاد

و قال أبو تمام بن أوس الطائي:

و إنما أولادنا بيننا* * * أكبادنا تمشي على الأرض‏

لو هبت الريح على بعضهم‏* * * لامتنعت عيني من الغمض‏

6) و كان بعض العرب عنده عدة زوجات و كان الطلاق بيد الرجل و إذا كانت المرأة تمتاز بشرف قومها اشترطت حين الزواج أن يكون الطلاق بيدها.

و كانت المرأة عند العربي محترمة مكرمة و يلقبها بخير الألقاب، و انظر إلى قول بعضهم و هو يخاطب زوجته:

يا ربة البيت قومي غير صاغرة* * * ضمي إليك رحال القوم و القربا

و يخطئ من يقول: أن العرب كانوا يعاملون نساءهم بالإهانة و الغلظة و ينظرون إليهن نظرة حقارة و استخفاف فإن من يقرأ التاريخ يعرف مكانة النساء عند العرب و يعرف ما كان لهن من الخدمات الإنسانية و الشهامة القومية و هي إذا شاءت أشعلت الحرب بين الأحياء بكلمة تخرج من فيها و إذا أرادت السلام و إطفاء الفتنة تكفي الإشارة بطرف بنانها.

232

7) كانت العادة عند العرب أن لا يزوجوا بناتهم إلا بعد أن يستشيروهن و يرضخوا لإرادتهن لأن ذلك أجبر لقلوبهم و أحرى بدوام العشرة مع أزواجهن فإن إجبارهن على الزواج بدون رغبتهن مما ينفرهن عن الزوج فيكرهن حتى أهله و أهلها. و ليس ذلك من الحكمة في شي‏ء.

و ما أحلى الحكاية الآتية التي ننقلها من كتاب «محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية» للخضري (رحمه اللّه تعالى) و هي:

قال الحارث بن عوف المري لخارجة بن سنان في أبان الحرب بين عبس و ذبيان: أتراني أخطب إلى أحد فيردني؟ قال: نعم، أوس بن حارثة بن لأم الطائي.

قال الحارث لغلامه: هي‏ء لي مركبا ثم ركب هو و غلامه و معهما خارجة حتى أتيا أوسا فوجداه في داره، فلما رأى الحارث رحب به و سأله عن مجيئه فقال:

جئتك خاطبا، فقال أوس: لست هناك. فانصرف و لم يكلّمه.

ثم دخل أوس على امرأته مغضبا و كانت من عبس فقالت: من رجل وقف عليك فلم تطل و لم تكلّمه؟ قال: ذاك سيد العرب الحارث بن عوف، قالت: فما لك لم تستنزله؟ قال: إنه استحمق جاءني خاطبا، قالت: أفتريد أن تزوّج بناتك؟

قال: نعم. قالت: فإذا لم تزوج سيد العرب فمن؟ قال: قد كان ذلك، قالت:

فتدارك ما كان منك فالحق و قل له: إنك لقيتني مغضبا بأمر لم تقدم مني فيه قولا فلم يكن عندي من الجواب إلا ما سمعت فانصرف و لك عندي كل ما أحببت.

فإنه سيفعل.

ففعل ذلك أوس ورد حارثة فلما وصلوا إلى بيت أوس قال أوس لزوجه:

ادعي فلانة لكبرى بناته فأتته فقال: يا بنية هذا الحارث بن عوف سيد سادات العرب و قد جاءني طالبا خاطبا و قد أردت أن أزوجك منه. فقالت: لا تفعل لأني امرأة في وجهي ردة و في خلقي بعض العهدة و لست بابنة عمه فيرعى رحمي و ليس بجارك في البلد فيستحي منك و لا آمن أن يرى مني ما يكره فيطلقني فيكون علي في ذلك ما فيه. قال: قومي بارك اللّه فيك. ثم دعى الوسطى فأجابته بمثل جوابها و قالت: إني خرقاء و ليس بيدي صناعة و لا آمن أن يرى مني ما يكره فيطلقني فيكون علي في ذلك ما تعلم. ثم دعا الثالثة و هي بهيئة صغراهن فلما عرض عليها قالت: أنت و ذاك. فأخبرها بإباء أختها فقالت: لكني و اللّه الجميلة وجها الصناع يدا الرفيعة خلقا الحسيبة أبا فإن طلقني فلا أخلف اللّه عليه بخير.

233

فزوجها الحارث و هيئت إليه في بيت أبيها، فلما خلا بها و أراد أن يمد يده إليها قالت له: أعند أبي و إخوتي؟ هذا و اللّه ما لا يكون فارتحل بها حتى إذا كان ببعض الطريق و أراد قربانها فقالت: أكما يفعل بالأمة الجليبة أو السبية الأخيذة لا و اللّه حتى تنحر الجزر و تذبح الغنم و تدعو العرب و تعمل ما يعمل لمثلي، فرحل حتى إذا وصل ديار قومه أعد لها ما يعد لمثلها، فلما أراد قربانها قالت له أتفرغ لنكاح النساء و العرب تقتل بعضها؟ أخرج إلى هؤلاء القوم فاصلح بينهم ثم ارجع إلى أهلك فلن يفوتك، فخرج الحارث مع خارجة بن سنان فأصلحا بين القوم و حملا الديات، و كانت ثلاثة آلاف بعير في ثلاث سنين. انتهى من محاضرات الخضري.

فانظر رحمك اللّه إلى هذه الحكاية الطريفة نظر تدقيق و إمعان فإنه يستنتج منها أمور كثيرة سواء من ناحية الزوج أو الزوجة أو أبيها أو أمها، و نحن هنا لا نريد ذكر ذلك حتى لا يطول بنا المقام. و اللّه الهادي إلى سواء الطريق.

تغير الأحوال المعنوية في الحجاز

لقد كانت الأحوال المعنوية في الحرمين الشريفين طيبة جدا و على غاية من الاستقامة و حسن السيرة، و لنضرب لذلك الأمثال الآتية:

أولا: لقد كان الناس على ديانة و استقامة تامتين و كان يعرف ذلك من سيماء وجوههم و حسن سمتهم و جميل هيأتهم و كانوا يكثرون من الصلوات المفروضات و المسنونات و مثل ذلك أداء الزكاة و صيام رمضان، و كان لهم في قيام لياليها بصلاة التراويح بالمسجد الحرام نظام خاص و حالة جميلة مشرفة.

و ثانيا: لقد كانت أنفسهم زكية طيبة مشبعة بحب الخير و أفعال البر و الحسنات و كان كل واحد منهم في الغالب يمسك في يده مسبحة يسبح اللّه تعالى بها و يهلله و يستغفره، و كانوا على الدوام يكثرون من الصلاة و السلام على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و كانوا يحفظون كثيرا من القصائد و الأشعار النافعة و التي ترغب في أعمال البر و الخير و تنهى عن الشر و الفساد.

و ثالثا: كانوا أهل شهامة و مروءة و كرم و شجاعة فكانوا يسارعون في مساعدة بعضهم بشتى الوسائل و يسألون عن من غاب من أصحابهم و أصدقائهم و يعودون مرضاهم و ينفّسون عن مكروبهم.

234

و رابعا: و كانوا يقيمون الموائد و الولائم ممن كان ميسور الحال فيقيمون في الشهر الواحد في كل حارة و في كل محلة أكثر من عشرين وليمة يدعون فيها أصحابهم و جيرانهم و أقاربهم و الفقراء من الناس، يقدّمون لهم الطعام المألوف لديهم و هو الرز المطبوخ باللحم مع بعض ما يتبعه من الصحون المشهيّة و يختمون طعامهم بالشاهي الأحمر و الشاهي الأخضر و بعضهم يضع في الشاي الأخضر شيئا من النعناع لتكون رائحته عطرية، و بمثل هذه الدعوات و الولائم ينتفع الفقراء و المساكين و يجدون في معيشتهم بعض المعونات.

خامسا: لقد كان يحصل في كل من الحرمين الشريفين مساعدات مالية و صدقات عامة منها ما يكون سنويا و منها ما يكون شهريا، فكان لبعضهم مرتبات شهرية تأتيهم من جهات الهند و أطراف البلدان الإسلامية تصرف إليهم بواسطة و كلائهم من التجار و غيرهم، و أحيانا تصرف إليهم بعض الغلال من الحبوب كالأرز و العدس و الحنطة و نحوها.

و سادسا: لقد كان في مكة المكرمة و في المدينة المنورة بعض التكايا كالتكية المصرية فيهما فكانت التكية المصرية بمكة و التكية المصرية بالمدينة تصرف لبعض أهل الحرمين رواتب شهرية و سنوية تأتيهم من الأوقاف المصرية فتصرف لبعضهم خمسة جنيهات مصرية و لبعضهم عشرة جنيهات مصرية و قد يكون لبعضهم أكثر و لبعضهم أقل و كانت كل تكية منهما في مكة و المدينة تفرق صباح كل يوم من بعد صلاة الفجر إلى بعد الشروق شوربة الرز المطبوخة باللحم و في كل خميس يطبخون الأرز باللحم فقط و يفرقون أيضا مع هذا لكل واحد عددا من الأرغفة فبعضهم يأخذ رغيفين و بعضهم أربعة و بعضهم عشرة ببطاقات خاصة و نظام دقيق كل واحد بحسب فقره و عدد عياله. و من الحسنات الممدوحة في التكية المصرية في موسم الحج أن كثيرا من أغنياء الحجاج و أعيانهم يدفعون صدقاتهم و ذبائحهم من الفدية و غيرها إلى التكية المصرية لتفرقها على الفقراء و المحتاجين لمعرفتها.

و سابعا: لقد كانت لهم عادات حسنة و أخلاق كريمة، الصغير منهم يوقر الكبير و الكبير منهم يرحم الصغير و المخطئ المذنب يردونه و يردعونه و العالم و الصالح منهم يحترمون و يعظمون، عادتهم و دينهم الإصلاح و المبادرة إلى فعل الخيرات.

235

و ثامنا: و مما كانوا يمتازون به حقا المبادرة إلى طلب العلم، فالمسجد الحرام يشهد لهم بحلقات الدروس في جميع الأوقات من ليل أو نهار و المدارس ممتلئة بأبنائهم يشتغلون بالعلوم الدينية أولا ثم بالعلوم الحديثة خصوصا بتجويد القرآن الكريم و حفظه و تلاوته، و كان التعليم في جميع أنواع العلوم قويا متينا خالصا مخلصا لا ضعف فيه و لا تهاون و كم برع من أبناء هذه البلاد المقدسة في العلوم و الفنون من غير ابتعاث إلى الخارج و كم وجدنا من المحسنين و الأغنياء و الفضلاء من يساعدون طلاب العلم و يقدّمون لهم المعونات الفعالة. و يشهد لكل ذلك من بقي من أهل جيلنا القديم.

و تاسعا: إن أهل هذه البلدة الطاهرة كانوا جميعا كأنهم أسرة واحدة فإذا رأى أحدهم ابن جاره أو ابن صاحبه و قد فعل خطأ أو مشى في السوق بغير أدب خاصمه و غضب عليه كما يغضب على ابنه من صلبه و الولد يخجل من نفسه و يغض نظره طاعة و حياء.

و عاشرا: كانت المعاملات بينهم في غاية من الأمانة و الوفاء و إن لم يكن بينهم شهود و لا سندات و كان بعضهم من أهل الدكاكين يدفع بعض الزبائن إلى جيرانه في الصباح الباكر ليشتري منهم و يقول لهم أنني قد بعت و استفتحت أما جاري فلان فإنه لم يستفتح فاذهبوا إليه لتستفتحوا لبعضكم خيرا إلى غير ذلك من الأمور المستحسنة الشريفة و هذا بالنسبة للغالب أما النادر الشاذ منهم فلا عبرة به.

هكذا كانت أحوال أهل الحرمين و المدن القريبة منهم إلى سنة (1355) ألف و ثلاثمائة و خمس و خمسين هجرية تقريبا ثم اختلف أحوالهم و رجعوا القهقرا من بعد هذه السنة المذكورة تدريجيا شيئا فشيئا و تطوروا تطورا عظيما و صاروا يقلدون الأجانب بسرعة فائقة و تحرروا من العادات القومية الطيبة و تهاونوا بأمور الدين و السبب في ذلك و اللّه تعالى أعلم إقبال الدنيا عليهم إقبالا عظيما فكثرت أسفارهم إلى الخارج و كثر اختلاطهم بالأجانب و هاجر إليهم كثير من مختلف الأجناس و أقاموا بينهم و عاشروهم، نعم هناك بعضهم محافظون على ديانتهم و أخلاقهم و عاداتهم الشريفة و لكنهم قليلون.

فإذا تغيرت عاداتنا و أحوالنا و نحن أهل الحرمين الشريفين فإن البلاد الإسلامية الأخرى قد تغيرت أحوالهم و عاداتهم تغيرا عظيما شنيعا بل لقد تغيرت الدنيا كلها في هذا الزمن العجيب. و هذا مصداق قوله (صلى الله عليه و سلم): «ما من عام إلا ينقص الخير فيه‏

236

و يزيد الشر» رواه الطبراني، و لا شك أن كل ذلك من علامات اقتراب الساعة، نسأل اللّه تعالى السلامة و العافية من الفتن ما ظهر منها و ما بطن كما نسأله أن يعاملنا بفضله و رحمته و إحسانه و منته إنه حليم كريم رب العرش العظيم.

جو مكة و هوائها

لا نبالغ إن قلنا أن جو مكة حار في أغلب أيام السنة و أن هواءها يتقلب و يتغير في كل ساعة، إن الفصول الأربعة من الصيف و الشتاء و الخريف و الربيع، لا تظهر في وقتها سريعا، كما تظهر في جميع البلدان، بل إن الغالب في مكة المشرفة أن جوها حار في أغلب أيام السنة، و في فصل الصيف تشتد فيها الحرارة، و في أيام خاصة يكثر فيها السموم، و السموم حار لافح و أيامه أشد الأيام حرارة، و أفضل وسيلة لتخفيف حرارة السموم ألا يتعرض الإنسان للهواء بل عليه أن يقفل الشبابيك و الأبواب، و من عجيب الأمر أن الماء ليبرد في السموم في الأزيار و القلل و القرب و الزمزميات التي من القماش أشد البرودة. فحرارة مكة قديمة منذ خلقها اللّه تعالى، فلقد روى الإمام الأزرقي، (رحمه اللّه تعالى) و رضي عنه، في تاريخه عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: شكا إسماعيل عليه الصلاة و السلام إلى ربه عز و جل حر مكة فأوحى اللّه تعالى أني أفتح لك بابا من الجنة في الحجر يجري عليك منه الروح إلى يوم القيامة و في ذلك الموضع توفي. قال خالد: فيرون أن ذلك الموضع ما بين الميزاب إلى باب الحجر الغربي فيه قبره. انتهى منه.

إن الهواء بمكة حار لا يقاس عليه، و هو مع ذلك صحي إلى أقصى حد، فالأمراض بها في وقت الصيف تقل، كأن الحرارة تقتل المكروبات، و من عجيب الأمر أن أهل جدة، و هم على ساحل البحر الأحمر، ينفرون من حر مكة و من سمومها أشد النفور، لأن جو جدة و هواءها في الصيف رطب مندّى، كما أن أهل مكة ينفرون من رطوبة جدة و نداها الذي يكثر في فصل الصيف فيها.

إن الهواء بمكة ليس له نظام و لا ترتيب إنه ليتغير في اليوم أكثر من خمس عشرة مرة، يظهر ذلك للمتأمل المترقب. و في كل مرة يكون الهواء غير سابقه، و هذا في الحقيقة من عظيم رحمة اللّه تعالى بأهل بلده الأمين، فأحيانا يتغير الهواء في الصيف من الحرارة إلى نوع من البرودة، تستروح النفس بذلك، بل إن الهواء يكون باردا لطيفا في بعض ليالي الصيف، بحيث يتغطى الناس عند النوم، و قد يكون الهواء في‏

237

أيام الشتاء حارا لطيفا بحيث يخلع الناس ثيابهم الثقيلة. هذا هو جو مكة و هذا هواؤها، و فيه كثير من الألطاف الربانية.

إن كثيرا من الناس يظنون أنه لا يوجد بلد حار كحرارة مكة، و هذا ظن في غير محله، فإنه يوجد كثير من البلدان أشد حرارة من مكة، شرفها اللّه تعالى، كبعض البلدان من الصعيد بمصر، و كبعض البلدان في العراق، بل في نفس بغداد يوجد من الحرارة ما لا يطاق. و لقد أخبرنا بعض المسافرين أنه يوجد في الصين بعض الأماكن لا تطاق حرارتها، حتى أن أهلها ليسكنون في أيام الصيف في المغارات و الكهوف و إنهم يقطرون من العرق من شدة الحرارة، فنحن إذا قسنا حرارة مكة المشرفة بحرارة بعض البلدان الأخرى نجد أن حرارتها معتدلة صحية، و لو لا أن اللّه تبارك و تعالى جعل بلده الأمين واديا غير ذي زرع، يكتنفها الجبال من جميع الجهات، و جعل أرضها جبلية صخرية لا يتخللها الأنهار و المياه، لكانت مكة المكرمة أجمل البلدان منظرا و أحسنها زروعا و ثمارا و هواء، و مع ذلك و اللّه إنها لأجمل البلدان منظرا مع وجود صخورها و جبالها و أكثر البلدان خيرا و نعما، مع أنها في واد غير ذي زرع، و أنها أيضا لأبرك البلدان و أشرف البلدان بوجود بيت اللّه الحرام. إن أهلها أينما ذهبوا و أينما أقاموا ليحنون إليها حنين الوالدة إلى ولدها، و إن كل مؤمن ليعترف بهذا الكلام و يؤمن به. نسأل اللّه تعالى أن يزيد بلده الأمين أمنا و أمانا و خيرا و رخاء و أن يوفق أهلها لصالح الأعمال، إنه بعباده لطيف خبير.

فجو مكة، حرسها اللّه تعالى، و زادها أمنا و أمانا و خيرا و رخاء، جاف كثير الحرارة، و قد تزداد درجتها في بعض أيام الصيف حتى يكون الإنسان يتصبب عرقا، و أشدها على الإنسان أيام السموم في الصيف، لكن من فوائد السموم أنه يبرد الماء في الأزيار و الشراب «القلل» و القرب، حتى في أيام السموم المياه باردة كالثلج ليلا و نهارا.

و الهواء الحار مفيد، فإنه ينضج بعض الثمار كالرطب، و من يمعن النظر في حرارة جو مكة يجدها نافعة للإنسان من الناحية الصحية، فالأمراض تقل في وقت الصيف، فكأن الحرارة تقتل كثيرا من ميكروبات الأمراض، و قد يختلف هواء مكة في اليوم الواحد مرارا عديدة.

238

و من عجائب صنع اللّه سبحانه و تعالى أنه أحيانا يعتدل جو مكة في الصيف فيميل إلى البرودة حتى يضطر الإنسان إلى استعمال الغطاء في الليل، و أنه أحيانا يعتدل جوها في الشتاء بما يقرب إلى الحرارة المتحملة فلا يشكو الإنسان من البرد.

و هذا لا شك من رحمة اللّه تعالى بنا حتى نجد متنفسا و راحة في الصيف و الشتاء، فلا نسأم منهما، و ليس كذلك في بقية بلدان العالم.

ففي جميع البلدان الصيف صيف و الشتاء شتاء، بل إن الفصول الأربعة تظهر فيها بوضوح في أوقاتها المعلومة بدون أي اختلاف، بخلافها في مكة، و لقد سألنا بعض فضلاء المصريين، حينما كنا بمصر في إحدى المرات عن البرد بمكة في الشتاء فقلنا له: «البرد بمكة هو أن لا يشعر الإنسان بالحر» ففي البلدان الأخرى يستعدون للشتاء بكثير من الثياب الصوف و الفرش الغليظة و التدفئة بالحطب و الفحم أو بالوسائل الكهربائية، و أما في مكة فالإستعداد للشتاء لا يكاد يذكر بالنسبة للبلدان الأخرى. و من عجيب ما لاحظناه على الأجنبي، الذي يأتي من بلاده بقصد المجاورة و الإقامة بها، هو أنه إذا مرت عليه سنة أو سنتان فإن جسمه و دمه يتلطف و ينطبع بشكل غير الشكل الذي حضر عليه من بلاده، و الظاهر أن ذلك من تأثير هواء مكة و مائها عليه، فسبحان الذي جعل لأهل كل بلدة شكلا خاصا و ميزة يعرفون بها.

هذا و إن حرارة الجو بمكة و إن كانت هكذا من أصل الخلقة، فهي تزداد بازدحام السكان و ازدحام البيوت بعضها فوق بعض، و عدم بناياتها على ما يطابق القواعد الصحية، من كثرة الشوارع و الحارات الواسعة و الفتحات الكثيرة، و ابتعاد المنازل و البيوت بعضها عن بعض، بما يجعل الهواء يتخللها، و لكن إن شاء اللّه تعالى ستكون مكة عروسة ممالك الإسلام بسبب هذه التوسعة العظيمة التي وقعت في عصرنا الحاضر، بمهمة حكومتنا السنية وفقها اللّه تعالى.

و من حكم اللّه الدقيقة: عدم نزول الثلج بمكة من السماء في وقت الشتاء، كما هو الشأن في البلدان الباردة و لقد تفكرنا في هذا الأمر فخرجنا منه بثلاث نتائج:

الأولى: أن أجسام أهل مكة ضعيفة رقيقة لا تحتمل نزول الثلج الذي يستلزم منه شدة البرد.

239

الثانية: لو نزل الثلج في الشتاء، كبعض البلدان، لغطى الكعبة المعظمة و المسجد الحرام، فيتعذر الطواف حول الكعبة كما تتعذر الصلاة في المسجد الحرام، و كما يتعذر السعي للمحرم أيضا.

الثالثة: لو صادف وقت الحج في أيام نزول الثلج، لتعطلت مشاعر الحج و تعذر على الناس أداؤه. نعم أحيانا ينزل البرد مع المطر، و لا تكبر حباته عن الفول و قد تصغر، و من النادر جدا نزوله كبارا و ما كان في مكة من حرارة أو برودة يكون فيما حولها. و أما مدينة جدة فهي كمكة، و قد يكون الهواء فيها ألطف من مكة بسبب البحر الأحمر، و في هوائها رطوبة بسبب البحر أيضا. و أما الطائف فهواؤها بارد جدا في الشتاء، و في هوائها يبس و جفاف، و هو مصيف أهل مكة من قديم الزمان. و قد يثور بمكة في كل عام مرة أو مرتين في الصيف، هواء شديد مزعج يحمل معه كثيرا من الأتربة و الغبار، فيغبر الجو بحيث لا يرى الإنسان ما بعد عنه قليلا، و غالبا يعقب هذا الهواء مطر يصلح الأرض و يلطف الجو فتنتعش النفوس من ذلك و من الحكم الدقيقة أنه مهما ثار الغبار بمكة و المدينة فلا يضر الناس ذلك بخلاف غيرهما من البلدان فالناس يحترسون منه كثير الاحتراس. هذا و أما الأمطار بمكة المشرفة فنادرة الوقوع، و إن نزلت الأمطار بمكة فإنها تكون خفيفة جدا كالرشاش، و قد تمر سنتان أو ثلاثة بدون أن تنزل الأمطار فيها بوجه يذكر، و قد تنزل الأمطار بغزارة بعد بضع سنين، و إذا مضت سنوات كثيرة نحو عشرين سنة فأكثر قد ينزل فيها مطر كثير غزير و يجري فيها سيل كبير لا ينساه الناس.

هذا هو واقع الحال في جو مكة المشرفة و هوائها، و كثير من الناس يشكون من حرها و يظنون أنها لا توجد بلدة تمتثلها في الحرارة، لكن بلغنا عن الفضلاء الثقات أن بعض الجهات النائية بمصر أشد حرارة من مكة كأسوان و جهات الصعيد، و كذلك أن بغداد و بعض الجهات بالعراق أشد حرارة أيضا من مكة.

و ذكر ابن بطوطة بصحيفة (5) من رحلته أن حر مدينة سيوستان بالسند شديد جدا. قال: فكان أصحابي يقعدون عريانين، يجعل أحدهم فوطة على وسطه و فوطة على كتفيه مبلولة بالماء فما يمضي اليسير من الزمان حتى تيبس تلك الفوطة فيبلها مرة أخرى و هكذا أبدا. انتهى كلامه. و اللّه أعلم بما هنالك من‏

240

البلدان التي حرها أشد من مكة أضعافا مضاعفة، فإذا علمنا ذلك هانت علينا حرارة مكة.

ورد في الخبر أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: «من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت منه جهنم مسيرة مائة عام».

و جاء في تاريخ الأزرقي: أن المبارك بن حسان الأنماطي، قال: رأيت عمر بن عبد العزيز في الحجر فسمعته يقول: شكا إسماعيل، (عليه السلام) إلى ربه عز و جل حر مكة فأوحى اللّه تعالى إليه أني أفتح لك بابا من الجنة في الحجر يجري عليك منه الروح إلى يوم القيامة. و في ذلك الموضع توفي. قال خالد: فيرون أن ذلك لموضع ما بين الميزاب إلى باب الحجر الغربي فيه قبره. انتهى. و الروح بفتح الراء، لنسيم و هو الريح الطيبة.

اللهم أمتنا على دين الإسلام في بلدك الأمين، و آمنا فيه من كل فزع و خوف و جوع و ظلم و مرض في الدنيا و الآخرة و ألحقنا بالصالحين بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين.

هذا و قبل أن نختم كلامنا نتقدم بثلاثة اقتراحات نافعة في تلطيف جو مكة حرسها اللّه تعالى:

فالأول: عدم السماح في بناء بيوت جديدة فوق الجبال، من بعد الآن، و أن كل بيت قديم انهدم في الجبل لا يؤذن بإصلاحه، بل تدفع الحكومة لصاحبه تعويضا ليبني له منزلا على أرض مستو، و على النظام الصحي. و بذلك تنمحي آثار البيوت من الجبال بعد أقل من قرن.

و الثاني: طمر ما بين الجبال المحيطة بالمسجد الحرام، بالتراب و البطحاء و الحجارات الزائدة، و زرعها بأنواع الأشجار و النباتات، التي من شأنها تلطيف الجو و الهواء، و يمكن سقيها بصورة فنية من مياه الأمطار و السيول و الآبار. و إذا أحيطت بالجبال بجدران فنية و تزرع بينها على صورة مدرجات فإنها ستكون أفضل منتزه و أحسن مجمع لأهل البلاد.

و الثالث: فرش جميع الشوارع و الأزقة و الحارات بالإسفلت و البلاط، فإن ذلك مما لا يجعل للتراب و الغبار عند ما يثور الهواء أثرا مطلقا، فتسلم مخازن الطعام‏

241

في الدكاكين، و أثاث الفرش و الثياب في البيوت و دواليب الكتب من الأتربة التي تتلف كل ذلك و تشوه مناظرها.

هذه الاقتراحات قد يرى بعض الناس صعوبة في تنفيذها، و لكن هي أهون شي‏ء بعد أن رأينا في هذه التوسعة التي حصلت بمكة من تكسير الصخور و إزالة الجبال و البيوت. اللهم كما أصلحت دنيانا فأصلح آخرتنا، و كما فتحت علينا كنوز الأرض و أريتنا بريق المال افتح لنا مغاليق قلوبنا و املأها إيمانا و حكمة، و اشرح صدورنا و املأها نورا و علما، و اطلق أعضاءنا لعبادتك و وفقنا لصالح الأعمال بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين يا اللّه.

هذا ما كتبنا نحن عن جو مكة بلد اللّه الأمين. و إليك ما كتبه غيرنا عنه كصاحب «مرآة الحرمين» و صاحب «الرحلة الحجازية»، للإحاطة بكلام كل منهما أيضا، فإن في كل كتاب فائدة، ولدى كل مؤلف كلاما نافعا.

قال إبراهيم رفعت باشا (رحمه اللّه تعالى)، في كتابه «مرآة الحرمين» عن جو مكة، ما نصه: جو مكة جاف و حار و تختلف درجة الحرارة في بعض الشهور عن بعض، ففي يناير تكون 18، و في فبراير 20، و في مارس 23، و في إبريل 24، و في مايو 27، و في يونيو 29، و كذلك في يوليو، و في أغسطس 30، و في سبتمبر 28، و في أكتوبر 25، و في نوفمبر 24، و في ديسمبر 20، هذا هو الجو الإعتيادي و قد تصل الحرارة إلى 39. (الدائرة التي فوق الأرقام إشارة إلى لفظ درجة). و الأمطار بها قليلة، و قد تنحدر إليها سيول عظيمة تحول مكة إلى بحيرات، و تأتي من الأمطار التي تنزل بالجبال المطيفة بالطائف، و قد وصفنا لك السيل الذي كان في سنة (1325) هجرية، و الرياح في مكة مختلفة المهاب، فتارة تهب من الشمال و أخرى من الغرب، و ثالثة من الجنوب و رابعة من الشرق، و منشأ ذلك أن أن الجبال تطيف بمكة، و الهواء يعمل فيما بينها شبه دوامات الماء، فتأتي الرياح من جميع الجهات، و ألطف الأهوية عندهم ما جاء من جهة البحر الأحمر، ثم من جهة الشام أما ما يهب من الشرق أو الجنوب فحار. انتهى كلامه.

و قال البتنوني في كتابه «الرحلة الحجازية» عن جو مكة ما نصه: و جو مكة كثير الحرارة قليل الأمطار، و مع ذلك فقد تحصل فيه سيول كثيرة من الأمطار التي تنزل بكثرة في الجبال العالية المحيطة بالطائف. و قد كان عمر ابن الخطاب رضي‏

242

اللّه عنه، عمل في شمال مكة قناطر لحجز مياه هذه السيول عن هذه المدينة، و انصرافها من الجهة الشرقية نحو المسفلة إلى خزان كبير في الجهة الجنوبية يسمونه بركة الماجن، و هناك تستعمل للأعمال الزراعية. و لا تزال لهذه السيول أضرار جسيمة بمكة و مبانيها.

و أهواء مكة تختلف في هبوبها جملة مرات في الساعة الواحدة. و لهذا يقول المكيون: «إن اللّه خلق سبعين هواء جعل منها في مكة تسعا و ستين و في العالم كله هواء واحد»: ذلك لأن الهواء يدور في جو المدينة بين جبالها المحدقة بها كما تدور الدوامة على سطح الماء، فبينما تراه يدخل إلى المساكن من النوافذ الغربية إذا به انقطع عنها و دخل من الشرقية أو الشمالية أو الجنوبية و هكذا، و لذا تجد مساكنهم كثيرة النوافذ، و غالبها إلى الجهات الأربع حتى لا تحرم من الهواء من أي جهة كانت. و الهواء البحري عندهم، و هو الغربي أحسنها و ألطفها لأنه يأتي من جهة البحر، ثم هواء الشام و يسمونه الشمأل و الشمال، أما الجنوب و الشرقي فهما حاران. و يفسد هواء مكة في أيام الحج لكثرة الساكنين فيها و عدم العناية بنظافتها و تكثر فيها زمن الشتاء أمراض الصدر، و يندر فيها التدرن الرئوي، و في زمن الصيف تكثر الاحتقانات الدماغية، و ضربات الشمس و أمراض العين و الكبد و الجهاز الهضمي و الدوسنتاريا، خصوصا بين الأطفال، و يسببها عندهم أكل السمك العفن و الفواكه غير الناضجة، و في زمن الحر تكثر فيه الحميات لا سيما عند فساد مياه الشرب، و يكثر فيهم مرض الجدري، و يموت بسببه سنويا أكثر من اثنين في الألف. و مما يجدر بنا ذكره أن الكوليرا لم تظهر في مكة إلا سنة ستة و أربعين و مائتين و ألف هجرية أي في نحو سنة (1825) ميلادية، وفدت إليها مع حجاج الهند، و لا تزال تفد إليها معهم. و لو كانت الحكومة تعتني بشدة الحجر على حجاج الهنود و الجاوه في جزيرة قمران، قبل دخولهم إلى جدة بزمن، لأمكنها الحيلولة بين حجاج بيت اللّه الحرام و هذا الداء الوبيل. و الأوبئة الكبيرة التي حصلت بمكة في زمن الحج و فتكت بالحجاج فتكا ذريعا كانت في سنة 1890 م، و سنة 1892 م، و سنة 1893 م، و سنة 1895 م، و في سنة 1902 م. انتهى من الرحلة الحجازية، و قبل أن نكمل هذا الفصل نقول: إن الحجاج كثيرا ما يشكون من حر مكة في موسم الحج، فلو اهتموا بتنظيف ملابسهم و أجسادهم، بكثرة الاستحمام و الاغتسال، لهانت عليهم مشقة الحر، و لوجدوا في أنفسهم خفة

243

و نشاطا، و لكن غالبهم استولى عليهم البخل و الشح، فلا يحبون بذل الدراهم لشراء الماء و لتوفير راحتهم في مساكنهم.

حدوث الفصول الأربعة من دوران الأرض‏

و اعلم أن الأرض كروية الشكل، و لها حركتان:

الأولى: تدور حول نفسها أمام الشمس يوميا، أي تدور مرة واحدة في كل أربع و عشرين ساعة تقريبا، و لذلك تختلف مواعيد شروق الشمس و مواعيد غروبها باختلاف مواقع الأقطار و البلدان على سطح الأرض.

و الثانية: تدور الأرض مرة واحدة في كل عام، و هذه الدورة تسمى بالدورة السنوية للأرض، و ينتج عن هذه الدورة حدوث الفصول الأربعة التي هي:

الصيف، و الشتاء، و الخريف، و الربيع.

فالصيف: ترتفع فيه درجة الحرارة، و يطول النهار و يقصر الليل.

و الشتاء: تنخفض فيه درجة الحرارة، و يطول الليل و يقصر النهار.

و الخريف: تعتدل فيه درجة الحرارة عن الصيف.

و الربيع: تعتدل فيه درجة الحرارة مرة أخرى بحيث تكون ألطف من حرارة الخريف.

فسبحان مكور الليل على النهار و مكور النهار على الليل، و الذي بيده ملكوت كل شي‏ء و إليه ترجعون.

سبب زيادة حرارة الجو

و مما يناسب ما تقدم، نذكر ما جاء في مجلة الهلال، التي تصدر بمصر، في العدد الذي هو بتاريخ 13 ذي القعدة سنة (1377) هجرية، و أول يونيو سنة (1958) ميلادية، عن سبب ارتفاع الحرارة، و إليك ما جاء فيها:

يقول جيروم نامياس، رئيس مصلحة الأرصاد الجوية بالولايات المتحدة: إنه رغم شدة القر و الصقيع خلال بعض أيام شهر فبراير فليس هناك من الدلائل ما يثبت أن فصول الشتاء تزداد برودة.

244

و الواقع أن هناك دلائل على أن متوسط درجة الحرارة قد ازداد أكثر قليلا من درجتين، منذ ابتداء القرن العشرين «للميلاد» فما هو السبب في ازدياد حرارة العالم، و خاصة في نصف الكرة الشمالي.

إن السبب في الواقع غير معروف، غير أن هناك ثلاث نظريات لكل منها ما يدعمها من البراهين.

1) النظرية الأولى تقول أن تدفق ثاني أو كسيد الكربون إلى الجو من المصانع يمكن أن يكون سببا في زيادة درجة الحرارة، فمنذ عام 1900 قد احترق أكثر من مائة بليون إن من الفحم و البترول و معنى هذا أن الإنسان هو الذي أحدث هذا التغيير في الجو.

2) و النظرية الثانية تقول أن ازدياد درجة الحرارة يرجع إلى التغيرات الحادثة في الإشعاع الشمسي، لردح طويل من الزمن. و قال بعضهم: إن هناك دورة بقع شمسية ظلت مدة 80 عاما كانت الشمس خلالها ترسل شواظا من أشعتها و من نشاطها المتدفق الذي يعلو إلى القمة ثم يهبط ثم يعلو مرة أخرى إلى الذروة.

3) و النظرية الثالثة تقول أن الغبار و الرماد اللذين أرسلا إلى طبقات عليا في الجو من جراء تفجر البراكين قد بقيا في الطبقات الجوية العليا ليدورا حول العالم و يقوما كغطاء يحجب الإشعاع الشمسي، و هذا الحجب يحدث أثرا معكوسا لأنه يزيد من ارتفاع درجة الحرارة. انتهى من مجلة الهلال المذكورة.

فانظر أيها القارئ الكريم إلى دقة هذه المعلومات المعقولة، حول ازدياد الحرارة في العالم، و لكن في حقيقة الأمر أن الحر و البرد و التوسط بينهما راجع إلى أمر اللّه عز شأنه، و هو الذي خلق الكون و دبر الأمور كما شاء بنظام دقيق لا يختلف على كر السنين و مر الدهور، و لو أن احتراق الفحم و البترول و الغبار و الرماد من جراء تفجر البراكين، لكنا نرى آثار ذلك من الذرات المتراكمة في طبقات الهواء من الأعوام العديدة نازلا علينا من الجو شيئا فشيئا، و لكان المعقول أن تكون البلاد الحجازية أخف حرارة و أكثر بردا من بلاد روسيا و إنجلترا و أمريكا و فرنسا و إيطاليا، لعدم وجود البراكين عندنا، و قلة المصانع و البواخر و القطارات لدينا، التى تسبب الدخان و الغبار، لكثرة احتراق الفحم الحجري و البترول، على أن هذه الدنيا واسعة عظيمة و أن ربعها أرض يابسة و ليست كلها آهلة بالسكان، و ثلاثة أرباعها ماء غير قابل للسكن، ثم ما الذي يملأ هذا الفضاء اللانهائي من‏

245

الدخان أو الغبار أو غيرهما و كما لا يعلم جنود ربك إلا هو، لا يعلم بحقيقة هذا الكون و سر تدبيره إلا الخلاق العظيم الذي بيده مقاليد السموات و الأرض، و أن التفكير في قدرة الخالق جل و علا و عظيم تدبير حكمته، يؤدي إلى زيادة الإيمان باللّه سبحانه و تعالى، نسأله التوفيق و زيادة اليقين و القوة في البصر و البصيرة.

الحاصل: أن هواء مكة المكرمة يميل إلى الحرارة غالب السنة، أما وقت الشتاء فيكون البرد فيه غير شديد يمكن تحمله بدون أدنى ضرر، و من النادر أن يكون البرد شديدا في مكة و إن صار شديدا فلا يدوم أكثر من أيام قلائل فقط، فأجسام أهل مكة المشرفة لا تتحمل البرد مطلقا، أما في الطائف فالبرد فيه شديد جدا و يكون كذلك مدة الشتاء و كذلك الحال في المدينة المنورة. أما البرد في الرياض و نجد فبرد عظيم شديد شديد بحيث لا يقدر على تحمله الحجازيون لأن المياه عندهم تتجمد في المواعين و القرب بل أحيانا يموت بعضهم و تموت الأغنام من شدة البرد فلا يوجد أبدا أعدل من هواء مكة و أطيب من صيفها و شتائها فالحمد اللّه رب العالمين حيث ميز بلده الأمين بكثير من الأمور.

تراجم مختلفة

ترجمة أم المؤمنين أم سلمة رضي اللّه عنها

جاء في الجزء الخامس من شرح «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» عن ترجمة أم المؤمنين، أم سلمة، ما يأتي:

و أما أم المؤمنين أم سلمة، رضي اللّه تعالى عنها، فهي هند بنت أبي أمية، الملقب بزاد الركب، ابن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية، زوج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

و كانت قبل النبي (صلى الله عليه و سلم) عند أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، فولدت له سلمة و عمر و درة و زينب، و توفي فخلف عليها بعده رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و كانت من المهاجرات إلى الحبشة و إلى المدينة، و قيل: إنها أول ظعينة هاجرت إلى المدينة، و قصة هجرتها ذكرها ابن الأثير في أسد الغابة في ترجمتها.

و كانت صفة تزوج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بها أنه لما انقضت عدتها، بعث إليها أبو بكر يخطبها عليه فلم تزوجه، فبعث إليها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عمر بن الخطاب يخطبها

246

عليه، فقالت: أخبر رسول اللّه أني امرأة غيرى، و أني امرأة مصبية، و ليس أحد من أوليائي شاهد، فأتى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فذكر ذلك له، فقال: ارجع إليها فقل لها: أما قولك إني امرأة غيرى، فسأدعو اللّه فيذهب غيرتك، و أما قولك إني امرأة مصبية فستكفين صبيانك، و أما قولك ليس أحد من أوليائي شاهد، فليس أحد من أوليائك شاهد و لا غائب يكره ذلك. فقالت لابنها عمر: قم فزوج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فزوجه- مختصرا-.

و من مناقبها ما روي عنها أنها قالت: في بيتي نزلت‏ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ‏ قالت: فأرسل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى فاطمة و علي و الحسن و الحسين، فقال: هؤلاء أهل بيتي، قالت: فقلت يا رسول اللّه أنا من أهل البيت؟ قال: بلى إن شاء اللّه.

و لها ثلاثمائة و ثمانية و سبعون حديثا، اتفق البخاري و مسلم على ثلاثة عشر منها، و انفرد البخاري بثلاثة و مسلم بمثلها، و روى عنها نافع و ابن المسيب و أبو عثمان النهدي و خلق، و ممن روى عنها ابناها عمر و زينب و أخوها عامر و ابن أخيها مصعب و غيرهم.

و كانت أم سلمة موصوفة بالجمال البارع و العقل البالغ و الرأي الصائب، و إشارتها على النبي (صلى الله عليه و سلم) يوم الحديبية تدل على وفور عقلها و صواب رأيها.

قال الواقدي: ماتت في شوال سنة تسع و خمسين، و صلى عليها أبو هريرة، و قال ابن حبان: ماتت في آخر سنة إحدى و ستين، بعدما جاءها نعي الحسين بن علي، و قال ابن أبي خيثمة: توفيت في خلافة يزيد بن معاوية، قال الحافظ ابن حجر: و كانت خلافته في أواخر سنة ستين، و قال أبو نعيم: ماتت سنة اثنتين و ستين، و هي من آخر أمهات المؤمنين موتا، قال الحافظ ابن حجر: بل هي آخرهن موتا، و ثبت مثل ذلك عن الحافظ الذهبي أيضا، فقد جزم بأنها آخر أمهات المؤمنين وفاة، و باللّه تعالى التوفيق، و هو الهادي إلى سواء الطريق.

انتهى من الكتاب المذكور.

247

ترجمة عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه‏

جاء في الجزء السادس من شرح «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» عن ترجمة عثمان بن عفان، رضي اللّه تعالى عنه، عند حديث «لا نورث ما تركنا صدقة» ما يأتي:

فأما عثمان، فهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، أمير المؤمنين أبو عبد اللّه و أبو عمر إمام العابدين. أمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أسلمت و أمها البيضاء بنت عبد المطلب، عمة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم، و قد ولد بعد الفيل بست سنين على الصحيح، و كان ربعة، حسن الوجه، رقيق البشرة، عظيم اللحية بعيد ما بين المنكبين، و قد أسلم قديما على يد أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه.

قال ابن إسحاق: كان أبو بكر مؤلفا لقومه، فجعل يدعو إلى الإسلام من يثق به، فأسلم على يده فيما بلغني: الزبير، و طلحة، و عثمان، و زوّجه النبي صلى اللّه عليه و آله و صحبه و سلم ابنته رقية، رضي اللّه تعالى عنها، و ماتت عنده أيام بدر، فزوجه بعدها أختها أم كلثوم، فلذلك كان يلقب: ذا النورين.

و جاء من أوجه متواترة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم بشره بالجنة و عدّه من أهلها، و شهد له بالشهادة، و روى خيثمة في فضائل الصحابة من طريق الضحاك، عن النزال بن سبرة، قلنا لعلي: حدثنا عن عثمان قال: ذلك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النورين، و روى الترمذي من طريق الحارث بن عبد الرحمن عن طلحة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: لكل نبي رفيق، و رفيقي في الجنة عثمان. و جاء من طرق كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان لما أن حضروه انتشد الصحابة في أشياء، منها تجهيزه جيش العسرة، و منها مبايعة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم تحت الشجرة، لما أرسله إلى مكة، و منها شراءه بئر رومة و غير ذلك، و هو أول من هاجر إلى الحبشة و معه زوجته رقية، و تخلف عن بدر لتمريضها، فكتب له النبي (صلى الله عليه و سلم) بسهمه و أجره، و تخلف عن بيعة الرضوان لأن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم كان بعثه إلى مكة، فأشيع أنهم قتلوه، فكان ذلك سبب البيعة، فضرب إحدى يديه على الأخرى، و قال: هذه عن عثمان، و قال ابن مسعود: لما بويع بايعنا خيرنا و لم يسأل، و قال علي: كان عثمان أوصلنا

248

للرحم، و كذا قالت عائشة، لما بلغها قتله: قتلوه و إنه لأوصلهم للرحم، و أتقاهم للرب. و قال ابن المبارك في الزهد: أنبأنا الزبير بن عبد اللّه أن جدته أخبرته و كانت خادما لعثمان و قالت: كان عثمان لا يوقظ نائما من أهله إلا أن يجده يقظان، فيدعوه فيناوله وضوءه، و كان يصوم الدهر. و له من الحديث مائة و ستة و أربعون حديثا، اتفق البخاري و مسلم على ثلاثة منها، و انفرد البخاري بثمانية، و مسلم بخمسة. و قد روى عن النبي (صلى الله عليه و سلم) و عن أبي بكر و عمر، و روى عنه أولاده عمرو و أبان و سعيد، و ابن عمه مروان بن الحكم بن أبي العاص، الذي هو سبب إثارة الفتنة عليه و على غيره، و من الصحابة ابن مسعود و ابن عمر و ابن عباس و ابن الزبير و زيد بن ثابت و عمران بن الحصين و أبو هريرة و غيره، و من التابعين الأحنف، و عبد الرحمن بن أبي ضمرة، و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، و سعيد بن المسيب، و أبو وائل، و أبو عبد الرحمن السلمي، و محمد ابن الحنفية و آخرون.

قال ابن عمر رضي اللّه عنهما: كنا نقول على عهد النبي (صلى الله عليه و سلم): أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، و قال ابن سيرين: كان يحيي الليل كله بركعة، و قال عبد اللّه بن سلام: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا يغلق إلى يوم القيامة.

ثم ذكر الشارح (رحمه اللّه تعالى) سبب قتل عثمان رضي اللّه عنه، ثم قال بعد ورقة واحدة، ما يأتي:

و من مناقب عثمان الظاهرة رضي اللّه تعالى عنه، ما أخرجه مسلم في صحيحه أن عائشة قالت: كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مضطجعا في بيته، كاشفا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له و هو على تلك الحال، فتحدث ثم استأذن عمر فأذن له و هو كذلك، فتحدث ثم استأذن عثمان، فجلس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و سوى ثيابه، قال محمد: و لا أقول ذلك في يوم واحد فدخل فتحدث.

فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له و لم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له و لم تباله، ثم دخل عثمان فجلست و سويت ثيابك؟ فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة. و قد روى البخاري في قصة قتل عمر، أنه عهد إلى ستة و أمرهم أن يختاروا رجلا، فجعلوا الاختيار إلى عبد الرحمن بن عوف فاختار عثمان، فبايعوه، و يقال كان ذلك يوم السبت غرة المحرم سنة أربع و عشرين.

249

و قال ابن إسحاق: قتل على رأس إحدى عشرة سنة و أحد عشر شهرا و اثنين و عشرين يوما من خلافته، فيكون ذلك في ثاني و عشرين ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين، و قال غيره: قتل لسبع عشرة، و قيل: لثمان عشرة. رواه أحمد عن إسحاق بن الطباع عن أبي معشر، و قال الزبير بن بكار: بويع يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين، و قتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة بعد العصر، و دفن ليلة السبت بين المغرب و العشاء، في مكان كان عثمان اشتراه فوسع به البقيع، فهو اليوم في طرف البقيع، و بعده بعض مقابر أهل البقيع، و قد قتل و هو ابن اثنتين و ثمانين سنة و أشهر على الصحيح المشهور، و قيل دون ذلك، و زعم أبو محمد بن حزم أنه لم يبلغ الثمانين، رضي اللّه تعالى عنه و أرضاه. انتهى من كتاب زاد المسلم من الجزء السادس.

ترجمة و فضل عثمان بن عفان رضي اللّه عنه‏

و لقد جاءت أحاديث صحيحة كثيرة في فضل عثمان بن عفان، رضي اللّه عنه، في الصحيحين و غيرهما نقتصر على بعضها على سبيل التبرك لا على سبيل الحصر و التعداد.

جاء في صحيح البخاري، في باب فضائل أصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم) في باب مناقب ابن عفان رضي اللّه عنه: عن أبي موسى رضي اللّه عنه أن النبي (صلى الله عليه و سلم) دخل حائطا و أمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن، فقال: ائذن له و بشره بالجنة، فإذا أبو بكر، ثم جاء آخر يستأذن، فقال: ائذن له و بشره بالجنة، فإذا عمر، ثم جاء آخر يستأذن، فسكت هنيهة ثم قال: ائذن له و بشره بالجنة على بلوى ستصيبه، فإذا عثمان ابن عفان، قال حماد: و حدثنا عاصم الأحوال و علي بن الحكم، سمعا أبا عثمان يحدث عن أبي موسى بنحوه، و زاد فيه عاصم أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان قاعدا في مكان فيه ماء قد انكشف عن ركبتيه أو ركبته فلما دخل عثمان غطاها.

و جاء فيه أيضا: حدثنا أبو عوانة، حدثنا عثمان هو ابن موهب، قال: جاء رجل من أهل مصر، حج البيت، فرأى قوما جلوسا، فقال: من هؤلاء القوم؟

قال: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد اللّه بن عمر، قال: يا ابن عمر: إني سائلك عن شي‏ء فحدثني، هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد؟ قال:

250

نعم، فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر و لم يشهد؟ قال: نعم، قال: تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: اللّه أكبر، قال ابن عمر: تعال أبين لك. أما فراره يوم أحد فأشهد أن اللّه عفا عنه و غفر له، و أما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و كانت مريضة، فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا و سهمه. و أما تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عثمان و كانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بيده اليمنى:

هذه يد عثمان، فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان، فقال له ابن عمر:

اذهب بها الآن معك.

و جاء فيه أيضا: عن قتادة أن أنسا رضي اللّه عنه حدثهم، قال: صعد النبي (صلى الله عليه و سلم) أحدا، و معه أبو بكر و عمر و عثمان فرجف، و قال: اسكن أحد أظنه ضربه برجله، فليس عليك إلا نبي و صديق و شهيدان. قصة البيعة و الاتفاق على عثمان بن عفان رضي اللّه عنه. انتهى من البخاري.

و نكتفي بهذا القدر ففضل أصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم) معروف، و ما من مسلم إلا و هو يحبهم محبة عظيمة أكثر من نفسه و أولاده، كيف و هم قد فازوا بمشاهدة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و سعدوا بخدمته و خدمة هذا الدين السمح الحنيف.

اللهم صل على عبدك و نبيك «محمد» و على آله الأطهار و صحابته الأخيار، و أزواجه المصونات الطاهرات أمهات المؤمنين و سلم تسليما كثيرا.

ترجمة علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه‏

جاء في الجزء الخامس من شرح «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» عن ترجمة علي بن أبي طالب، (كرم اللّه وجهه)، عند حديث «يا سعد إرم فداك أبي و أمي» ما يأتي:

و أما راوي الحديث فهو علي بن أبي طالب، (كرم اللّه وجهه)، و مناقبه رضي اللّه تعالى عنه جمة لا يسعها إلا مجلد ضخم، و قد ألفت في مناقبه جزءا تحريت فيه ما صح منها، و خرّجت فيه جميع ما اشتمل عليه من الأحاديث، و سميته «كفاية الطالب لمناقب علي بن أبي طالب» و قد طبع و للّه الحمد و فيه كفاية.

251

و لنتبرك بذكر نبذة من مناقبه هنا، فأقول: إن عليا (كرم اللّه وجهه) هو أقرب العشرة المبشرين بالجنة لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، لأن أبا طالب الذي هو والده، عم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فهو ابن عبد المطلب، الجد الأول لرسول اللّه عليه الصلاة و السلام، و يكنى علي أبا الحسن، و هو زوج فاطمة الزهراء، و كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، قال الحافظ في تقريب التهذيب المرجح أنه أول من أسلم، و التحقيق أنه هو أول من أسلم من الصبيان جمعا بين الأقوال، و قد حررت ذلك في كفاية الطالب، و يكنى أيضا أبا تراب، و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، و هي أول هاشمية ولدت هاشميا، و أول هاشمية ولدت خليفة.

له من الأحاديث خمسمائة حديث و ستة و ثمانون حديثا، اتفق البخاري و مسلم على عشرين منها، و انفرد البخاري بتسعة، و مسلم بخمسة عشر، شهد بدرا و المشاهد كلها، روى عنه أولاده: الحسن و الحسين و محمد و فاطمة و عمر و ابن عباس و الأحنف، و قال له النبي (صلى الله عليه و سلم): أنت مني بمنزلة هارون من موسى، قال أبو جعفر: و كان شديد الأدمة ربعة إلى القصر، و قد بعثه النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى اليمن و هو شاب ليقضي بينهم، فقال: يا رسول اللّه إني لا أدري ما القضاء، فضرب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) صدره بيده و قال: اللهم اهد قلبه و سدد لسانه، قال علي: فو اللّه ما شككت بعدها في قضاء بين اثنين.

و من درر حكمه (كرم اللّه وجهه) ما في كتاب ابن أبي يعقوب: أن الحارث بن حوط قال لعلي: تراني أظن أن طلحة و الزبير و عائشة خرجوا على باطل، فقال له علي: يا حارث أنت ملبوس عليك، إن الحق و الباطل لا يعرفان بالناس، ولكن اعرف الباطل تعرف من أتاه. اه.

و قد استشهد رضي اللّه عنه آخر ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت أو خلت من رمضان سنة أربعين، و هو حينئذ أفضل الأحياء من بني آدم على وجه الأرض، بإجماع أهل السنة، و له ثلاث و ستون سنة على الأرجح، مثل عمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين وفاته على الراجح، و باللّه تعالى التوفيق. و هو الهادي إلى سواء الطريق. انتهى من كتاب زاد المسلم من الجزء الخامس.

و جاء أيضا في الجزء السادس من شرح «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» عن ترجمة علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه عند حديث: «لا

252

تكذبوا علي، فإنه من كذب علي فليلج النار» ما يأتي، نذكره تكملة لترجمته كرم اللّه تعالى وجهه:

و أما راوي الحديث فهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، و قد تقدمت ترجمته في حرف الياء، و لا بأس بالتبرك بنبذة منها أيضا هنا فأقول، متبركا بتكرار بعض ترجمة زوج البتول.

علي (كرم اللّه وجهه)، هو ابن أبي طالب بن عبد المطلب، يجتمع مع النبي (صلى الله عليه و سلم) في جده الأول ابن هاشم بن عبد مناف إلى آخر النسب الشريف، و كفاه بذلك شرفا و اسم أبيه عبد مناف على المشهور، و اسم أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، و هي أول هاشمية ولدت هاشميا، و أول هاشمية ولدت خليفة، و قد أسلمت و هاجرت إلى المدينة، و توفيت بها في حياة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و صلى عليها رسول اللّه، عليه الصلاة و السلام، و نزل في قبرها و اتكأ فيه و دعا لها، فلذلك سلمت من ضمة القبر كما بسطناه في غير هذا المحل.

و كنية علي أبا الحسن، و كناه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أبا تراب، و أكرمه بالمؤاخاة، و قال له: أنت أخي في الدنيا و الآخرة، و هو أبو السبطين، و أول خليفة من بني هاشم، و هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، و أحد الستة أصحاب الشورى، الذين توفي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو عنهم راض، و أحد الخلفاء الراشدين، و أحد العلماء الربانيين، و أشجع الشجعان المشهورين، و أزهد الزهاد المعروفين و أحد السابقين إلى الإسلام، و قد شهد المشاهد كلها مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلا تبوك، إذ قد استخلفه على المدينة المنورة حين غزا إليها، و أصابته يوم أحد ست عشرة ضربة، و قد أعطاه عليه الصلاة و السلام الراية يوم خيبر، و أخبر أن اللّه و رسوله يحبانه، و أن الفتح يكون على يديه، و أحواله في الشجاعة مشهورة، و مناقبه جمة مأثورة، و قد أفردتها في جزء نافع سميته «كفاية الطالب لمناقب علي بن أبي طالب» و تقدم ذكري له لما تعرضت لترجمته في حرف الياء، و ذكرت هناك أن له من الأحاديث خمسمائة حديث و ست و ثمانين حديثا، اتفق البخاري و مسلم على عشرين منها، و انفرد البخاري بتسعة و مسلم بخمسة عشر، و علمه و توفيقه في القضاء أمران مشهوران، و في الحديث: «أقضاكم علي».